٣ - آلِ عِمْرَان
3 - Al-Imran (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
166
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أن هذا متعلق بما تقدم من قوله: {أية : أَوَ لَمَّا أَصَـٰبَتْكُمْ مُّصِيبَةٌ }تفسير : [آل عمران: 165] فذكر في هذه الآية الأولى أنها أصابتهم بذنبهم ومن عند أنفسهم، وذكر في هذه الآية أنها أصابتهم لوجه آخر، وهو أن يتميز المؤمن عن المنافق، وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قوله: {يَوْمَ ٱلْتَقَى ٱلْجَمْعَانِ } المراد يوم أحد، والجمعان: أحدهما جمع المسلمين أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، والثاني: جمع المشركين الذين كانوا مع أبي سفيان. المسألة الثانية: في قوله: {فَبِإِذْنِ ٱللَّهِ } وجوه: الأول: أن إذن الله عبارة عن التخلية وترك المدافعة، استعار الاذن لتخلية الكفار فانه لم يمنعهم منهم ليبتليهم، لأن الاذن في الشيء لا يدفع المأذون عن مراده، فلما كان ترك المدافعة من لوازم الاذن أطلق لفظ الاذن على ترك المدافعة على سبيل المجاز. الوجه الثاني: فباذن الله: أي بعلمه كقوله: {أية : وَأَذَانٌ مّنَ ٱللَّهِ } تفسير : [التوبة: 3] أي إعلام، وكقوله: {أية : آذناكَ مَا مِنَّا مِن شَهِيدٍ } تفسير : [فصلت: 47] وقوله: {أية : فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مّنَ ٱللَّهِ }تفسير : [البقرة: 279] وكل ذلك بمعنى العلم. طعن الواحدي فيه فقال: الآية تسلية للمؤمنين مما أصابهم ولا تقع التسلية إلا إذا كان واقعا بعلمه، لأن علمه عام في جميع المعلومات بدليل قوله تعالى: {أية : وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَىٰ وَلاَ تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ } تفسير : [فاطر: 11]. الوجه الثالث: أن المراد من الاذن الأمر، بدليل قوله: {أية : ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ } تفسير : [آل عمران: 152] والمعنى أنه تعالى لما أمر بالمحاربة، ثم صارت تلك المحاربة مؤدية إلى ذلك الانهزام، صح على سبيل المجاز أن يقال حصل ذلك بأمره. الوجه الرابع: وهو المنقول عن ابن عباس: أن المراد من الاذن قضاء الله بذلك وحكمه به وهذا أولى لأن الآية تسلية للمؤمنين مما أصابهم، والتسلية إنما تحصل إذا قيل إن ذلك وقع بقضاء الله وقدره، فحينئذ يرضون بما قضى الله. ثم قال: {وَلِيَعْلَمَ ٱلْمُؤْمِنِينَ * وَلِيَعْلَمَ ٱلَّذِينَ نَافَقُواْ } والمعنى ليميز المؤمنين عن المنافقين وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قال الواحدي: يقال: نافق الرجل فهو منافق إذا أظهر كلمة الايمان وأضمر خلافها، والنفاق اسم إسلامي اختلف في اشتقاقه على وجوه: الأول: قال أبو عبيدة: هو من نافقاء اليربوع، وذلك لأن جحر اليربوع له بابان: القاصعاء والنافقاء، فاذا طلب من أيهما كان خرج من الآخر فقيل للمنافق أنه منافق، لأنه وضع لنفسه طريقين، إظهار الاسلام وإضمار الكفر، فمن أيهما طلبته خرج من الآخر: الثاني: قال ابن الأَنباري: المنافق من النفق وهو السرب، ومعناه أنه يتستر بالاسلام كما يتستر الرجل في السرب. الثالث: أنه مأخوذ من النافقاء، لكن على غير هذا الوجه الذي ذكره أبو عبيدة، وهو أن النافقاء جحر يحفره اليربوع في داخل الأرض، ثم انه يرقق بما فوق الجحر، حتى إذا رابه ريب دفع التراب برأسه وخرج، فقيل للمنافق منافق لأنه يضمر الكفر في باطنه، فاذا فتشته رمى عنه ذلك الكفر وتمسك بالاسلام. المسألة الثانية: قوله: {وَلِيَعْلَمَ ٱلْمُؤْمِنِينَ } ظاهره يشعر بأنه لأجل أن يحصل له هذا العلم أذن في تلك المصيبة، وهذا يشعر بتجدد علم الله، وهذا محال في حق علم الله تعالى، فالمراد ههنا من العلم المعلوم، والتقدير: ليتبين المؤمن من المنافق، وليتميز أحدهما عن الآخر حصل الاذن في تلك المصيبة، وقد تقدم تقرير هذا المعنى في الآيات المتقدمة والله أعلم. المسألة الثالثة: في الآية حذف، تقديره: وليعلم إيمان المؤمنين ونفاق المنافقين. فان قيل: لم قال: {وَلِيَعْلَمَ ٱلْمُؤْمِنِينَ * وَلِيَعْلَمَ ٱلَّذِينَ نَافَقُواْ } ولم يقل: وليعلم المنافقين. قلنا: الاسم يدل على تأكيد ذلك المعنى، والفعل يدل على تجدده، وقوله: {وَلِيَعْلَمَ ٱلْمُؤْمِنِينَ } يدل على كونهم مستقرين على إيمانهم متثبتين فيه، وأما {نَافَقُواْ } فيدل على كونهم إنما شرعوا في الأعمال اللائقة بالنفاق في ذلك الوقت. ثم قال تعالى: {وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ قَاتِلُواْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ أَوِ ٱدْفَعُواْ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: في أن هذا القائل من هو؟ وجهان: الأول: قال الأصم: انه الرسول عليه الصلاة والسلام كان يدعوهم إلى القتال. الثاني: روي أن عبدالله بن أبي بن سلول لما خرج بعسكره إلى أحد قالوا: لم نلقي أنفسنا في القتل، فرجعوا وكانوا ثلثمائة من جملة الألف الذين خرج بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال لهم عبدالله بن عمرو بن حرام أبو جابر بن عبدالله الأنصاري: أذكركم الله أن تخذلوا نبيكم وقومكم عند حضور العدو، فهذا هو المراد من قوله تعالى: {وَقِيلَ لَهُمْ } يعني قول عبدالله هذا. المسألة الثانية: قوله: {قَاتِلُواْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ أَوِ ٱدْفَعُواْ } يعني إن كان في قلبكم حب الدين والاسلام فقاتلوا للدين والاسلام، وإن لم تكونوا كذلك، فقاتلوا دفعاً عن أنفسكم وأهليكم وأموالكم، يعني كونوا إما من رجال الدين، أو من رجال الدنيا. قال السدي وابن جريج: ادفعوا عنا العدو بتكثير سوادنا إن لم تقاتلوا معنا، قالوا: لأن الكثرة أحد أسباب الهيبة والعظمة، والأول هو الوجه. المسألة الثالثة: قوله تعالى: {قَاتِلُواْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ أَوِ ٱدْفَعُواْ } تصريح بأنهم قدموا طلب الدين على طلب الدنيا، وذلك يدل على أن المسلم لا بد وأن يقدم الدين على الدنيا في كل المهمات. ثم قال تعالى: {قَالُواْ لَوْ نَعْلَمُ قِتَالاً لاَّتَّبَعْنَـٰكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلإيمَـٰنِ } وهذا هو الجواب الذي ذكره المنافقون وفيه وجهان: الأول: أن يكون المراد أن الفريقين لا يقتتلان ألبتة، فلهذا رجعنا. الثاني: أن يكون المعنى لو نعلم ما يصلح أن يسمى قتالا لاتبعناكم، يعني أن الذي يقدمون عليه لا يقال له قتال، وإنما هو إلقاء النفس في التهلكة لأن رأي عبدالله كان في الاقامة بالمدينة، وما كان يستصوب الخروج. واعلم أنه إن كان المراد من هذا الكلام هو الوجه الأول فهو فاسد، وذلك لأن الظن في أحوال الدنيا قائم مقام العلم، وأمارات حصول القتال كانت ظاهرة في ذلك اليوم، ولو قيل لهذا المنافق الذي ذكر هذا الجواب: فينبغي لك لو شاهدت من شهر سيفه في الحرب أن لا تقدم على مقاتلته لأنك لا تعلم منه قتالا، وكذا القول في سائر التصرفات في أمور الدنيا، بل الحق أن الجهاد واجب عند ظهور أمارات المحاربة، ولا أمارات أقوى من قربهم من المدينة عند جبل أحد، فدل ذكر هذا الجواب على غاية الخزي والنفاق، وإنه كان غرضهم من ذكر هذا الجواب إما التلبيس، وإما الاستهزاء. وأما إن كان مراد المنافق هو الوجه الثاني فهو أيضاً باطل، لأن الله تعالى لما وعدهم بالنصرة والإعانة لم يكن الخروج إلى ذلك القتال إلقاء للنفس في التهلكة. ثم إنه بين حالهم عندما ذكروا هذا الجواب فقال: {هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلإيمَـٰنِ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: في التأويل وجهان: الأول: أنهم كانوا قبل هذه الواقعة يظهرون الايمان من أنفسهم وما ظهرت منهم أمارة تدل على كفرهم، فلما رجعوا عن عسكر المؤمنين تباعدوا بذلك عن أن يظن بهم كونهم مؤمنين. واعلم أن رجوعهم عن معاونة المسلمين دل على أنهم ليسوا من المسلمين، وأيضاً قولهم: {لَوْ نَعْلَمُ قِتَالاً لاَّتَّبَعْنَـٰكُمْ } يدل على أنهم ليسوا من المسلمين، وذلك لأنا بينا أن هذا الكلام يدل إما على السخرية بالمسلمين، وإما على عدم الوثوق بقول النبي صلى الله عليه وسلم وكل واحد منهما كفر. الوجه الثاني: في التأويل أن يكون المراد أنهم لأهل الكفر أقرب نصرة منهم لأهل الايمان، لأن تقليلهم سواد المسلمين بالانعزال يجر إلى تقوية المشركين. المسألة الثانية: قال أكثر العلماء: إن هذا تنصيص من الله تعالى على أنهم كفار، قال الحسن اذا قال الله تعالى: {أَقْرَبُ } فهو اليقين بأنهم مشركون، وهو مثل قوله: {مِاْئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ } فهذه الزيادة لا شك فيها، وأيضا المكلف لا يمكن أن ينفك عن الايمان والكفر، فلما دلت الآية على القرب لزم حصول الكفر. وقال الواحدي في «البسيط»: هذه الآية دليل على أن من أتى بكلمة التوحيد لم يكفر ولم يطلق القول بتكفيره، لانه تعالى لم يطلق القول بكفرهم مع أنهم كانوا كافرين، لاظهارهم القول بلا إله إلا الله محمد رسول الله. ثم قال تعالى: {يَقُولُونَ بِأَفْوٰهِهِم مَّا لَيْسَ فِى قُلُوبِهِمْ } والمراد أن لسانهم مخالف لقلبهم، فهم وإن كانوا يظهرون الايمان باللسان لكنهم يضمرون في قلوبهم الكفر. ثم قال: {وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ }. فان قيل: إن المعلوم اذا علمه عالمان لا يكون أحدهما أعلم به من الآخر، فما معنى قوله: {وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ }. قلنا: المراد أن الله تعالى يعلم من تفاصيل تلك الاحوال ما لا يعلمه غيره.
القرطبي
تفسير : يعني يوم أُحُد من القتل والجَرْح والهزيمة {فَبِإِذْنِ ٱللَّهِ} أي بعلمه. وقيل: بقضائه وقَدَره. قال القَفّال: أي فبِتَخْلِيته بينكم وبينهم، لا أنه أراد ذلك. وهذا تأويل المعتزلة. ودخلت الفاء في «فبإذن الله» لأن «ما» بمعنى الذي. أي والذي أصابكم يوم التقى الجمعان فبإذن الله؛ فأشبه الكلام معنى الشرط، كما قال سيبويه: الذي قام فله درهم. {وَلِيَعْلَمَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} {وَلْيَعْلَمَ ٱلَّذِينَ نَافَقُواْ} أي ليُمَيّز. وقيل ليرى. وقيل: ليظهر إيمان المؤمنين بثبوتهم في القتال، وليظهر المنافقين بإظهارهم الشّماتة فيعلمون ذلك. والإشارة بقوله: {نَافَقُواْ وَقِيلَ لَهُمْ} هي إلى عبد الله بن أُبي وأصحابهِ الذين ٱنصرفوا معه عن نُصرة النبيّ صلى الله عليه وسلم، وكانوا ثلاثمائة، فمشى في أثرهم عبدُ الله بن عمرو بن حرام الأنصاري، أبو جابر بن عبد الله، فقال لهم: ٱتّقوا الله ولا تتركوا نبيّكم، وقاتلوا في سبيل الله أو ٱدفعوا، ونحو هذا من القول. فقال له ابن أبيّ: ما أرى أن يكون قِتال، ولو علمنا أن يكون قِتال لكنا معكم. فلما يئس منهم عبد الله قال: ٱذهبوا أعداءَ الله فسيُغنِي اللَّهُ رسولَه عنكم. ومضى مع النبيّ صلى الله عليه وسلم واستُشهد رحمه الله تعالىٰ. واختلف الناس في معنى قوله: {أَوِ ٱدْفَعُواْ} فقال السُّدِّي وابن جريج وغيرهما: كَثِّروا سوادنا وإن لم تقاتلوا معنا؛ فيكون ذلك دَفْعاً وقَمْعاً للعدوّ؛ فإن السواد إذا كثر حصل دفع العدوّ. وقال أنس بن مالك: رأيت يوم القادِسِيّة عبد الله بن أُمِّ مَكْتُوم الأعمىٰ وعليه دِرْع يجرّ أطرافها، وبيده رايةٌ سوداء؛ فقيل له: (أليس) قد أنزل الله عذرك؟ قال: بلى ولكني أكثِّر (سواد) المسلمين بنفسي. ورُوي عنه أنه قال: فكيف بسوادي في سبيل اللهٰ وقال أبو عون الأنصاري: معنى «أو ٱدفعوا» رابطوا. وهذا قريب من الأوّل. ولا محالة أن المرابط مدافع؛ لأنه لولا مكان المرابطين في الثّغور لجاءها العدوّ. وذهب قوم من المفسرين إلى أن قول عبدِ الله بن عمرو {أو ٱدفعوا} إنما هو ٱستدعاء إلى القتال (حمية؛ لأنه استدعاهم إلى القتال) في سبيل الله، وهي أن تكون كلمة الله هي العليا، فلما رأى أنهم ليسوا على ذلك عرض عليهم الوجه الذي يَحْشِمَهم ويبعث الأَنَفة. أي أو قاتلوا دِفاعاً عن الحَوْزة. ألاَّ ترىٰ أن قُزْمان قال: والله ما قاتلت إلاَّ عن أحساب قومي. وألا ترى أن بعض الأنصار قال يوم أُحُد لما رأى قريشاً قد أرسلت الظَّهر في زروع قَناة، أتُرْعَىٰ زروع بني قَيْلة ولما نضارِب؟ والمعنى إن لم تقاتلوا في سبيل الله فقاتلوا دَفْعاً عن أنفسكم وحَرِيمكم. قوله تعالىٰ: {هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلإِيمَانِ} أي بيَّنوا حالَهم، وهتَكُوا أسْتارَهم، وكشَفُوا عن نفاقِهم لمن كان يُظنّ أنهم مسلمون؛ فصاروا أقربَ إلى الكفر في ظاهر الحال، وإن كانوا كافرين على التحقيق. وقوله تعالىٰ: {يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ} أي أظهَروا الإيمان، وأَضمَرُوا الكفر. وذِكْرُ الأفواه تأكيدٌ؛ مثل قوله: {يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ}.
البيضاوي
تفسير : {وَمَا أَصَـٰبَكُمْ يَوْمَ ٱلْتَقَى ٱلْجَمْعَانِ} جمع المسلمين وجمع المشركين يريد يوم أحد. {فَبِإِذْنِ ٱللَّهِ} فهو كائن بقضائه أو تخليته الكفار سماها إذناً لأنها من لوازمه. {وَلِيَعْلَمَ ٱلْمُؤْمِنِينَ}.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَمَآ أَصَٰبَكُمْ يَوْمَ ٱلْتَقَى ٱلْجَمْعَانِ } بأحد {فَبِإِذْنِ ٱللَّهِ } بإرادته {وَلِيَعْلَمَ } الله علم ظهور {ٱلْمُؤْمِنِينَ } حقاً.
ابن عطية
تفسير : الخطاب بقوله تعالى: {وما أصابكم} للمؤمنين، و {الجمعان} هما عسكر النبي صلى الله عليه وسلم وعسكر قريش يوم -أحد- ودخلت الفاء في قوله: {فبإذن الله} رابطة مشددة، وذلك للإبهام الذي في {ما} فأشبه الكلام الشرط، وهذا كما قال سبيويه: الذي قام فله درهمان، فيحسن دخول الفاء إذا كان القيام سبب الإعطاء، وكل ترتيب هذه الآية، فالمعنى إنما هو، وما أذن الله فيه فهو الذي أصاب، لكن قدم الأهم في نفوسهم والأقرب إلى حسهم، والإذن: التمكين من الشيء مع العلم به، وقوله تعالى: {وليعلم} معناه: ليكون العلم مع وجود المؤمنين والمنافقين: أي مساوقين للعلم الذي لم يزل ولا يزال واللام في قوله: {ليعلم} متعلقة بفعل مقدر في آخر الكلام، والإشارة بقوله: {نافقوا} وقيل لهم هي إلى عبد الله بن أبي وأصحابه الذين انصرفوا معه عن النبي صلى الله عليه وسلم يوم - أحد - وذلك أنه كان من رأي عبد الله بن أبي أن لا يخرج إلى كفار قريش، فلما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس على الوجه الذي قد ذكرناه، قال عبد الله بن أبي أطاعهم وعصاني، فانخذل بنحو ثلث الناس، فمشى في أثرهم عبد الله بن عمرو بن حرام الأنصاري أبو جابر بن عبد الله فقال لهم: اتقوا الله ولا تتركوا نبيكم وقاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا، أو نحو هذا من القول، فقال له ابن أبي: ما أرى أن يكون قتال، ولو علمنا أن يكون قتال لكنا معكم، فلما يئس منهم عبد الله قال: اذهبوا أعداء الله، فسيغني الله رسوله عنكم، ومضى مع النبي صلى الله عليه وسلم فاستشهد، واختلف الناس في معنى قوله: {أو ادفعوا} فقال السدي وابن جريج وغيرهما معناه: كثروا السواد وإن لم تقاتلوا، فيندفع القوم لكثرتكم، وقال أبو عون الأنصاري: معناه رابطوا، وهذا قريب من الأول، ولا محالة أن المرابط مدافع، لأنه لولا مكان المرابطين في الثغور لجاءها العدو، والمكثر للسواد مدافع، وقال أنس بن مالك: رأيت يوم القادسية عبد الله ابن أم مكتوم الأعمى، وعليه درع يجر أطرافها وبيده راية سوداء، فقيل له: أليس قد أنزل الله عذرك؟ قال: بلى، ولكني أكثر المسلمين بنفسي، وروي أنه قال: فكيف بسوادي في سبيل الله، وذهب بعض المفسرين إلى أن قول عبد الله بن عمرو: {أو ادفعوا}، إنما هو استدعاء القتال حمية، لأنه دعاهم إلى القتال في سبيل الله، وهو أن تكون كلمة الله هي العليا، فلما رأى أنهم ليسوا أهل ذلك، عرض عليهم الوجه الذي يحشمهم ويبعث الأنفة، أي أو قاتلوا دفاعاً عن الحوزة، ألا ترى أن قزمان قال: والله ما قاتلت إلا على أحساب قومي، وألا ترى أن بعض الأنصار قال يوم - أحد - لما رأى قريشاً قد أرسلت الظهر في زروع قناة قال: أترعى زروع بني قيلة ولما نضارب؟ وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد أمر أن لا يقاتل أحد حتى يأمره بالقتال، فكأن عبد الله بن عمرو بن حرام دعاهم إلى هذا المقطع العربي الخارج عن الدين والقتال في سبيل الله، وذهب جمهور المفسرين إلى أن قوله: {أقرب} مأخوذ من القرب ضد البعد، وسددت - اللام - في قوله: {للكفر}، و {للإيمان} - مسد إلى، وحكى النقاش: أن قوله {أقرب} مأخوذ من القرب بفتح القاف والراء وهو الطلب، والقارب طالب الماء، وليلة القرب ليلة الورد، فاللفظة بمعنى أطلب، واللام متمكنة على هذا القول، وقوله: {بأفواههم} تأكيد، مثل يطير بجناحيه، وقوله: {ما ليس في قلوبهم} يريد ما يظهرون من الكلمة الحاقنة لدمائهم، ثم فضحهم تعالى بقوله: {والله أعلم بما يكتمون} أي من الكفر وعداوة الدين وفي الكلام توعد لهم.
ابن عبد السلام
تفسير : {فَبِإِذْنِ اللَّهِ} بتمكينه، أو بعلمه. {وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ} ليراهم، أو ليميزهم من المنافقين.
الخازن
تفسير : قوله عز وجل: {وما أصابكم} يعني من القتل والجراح والهزيمة {يوم التقى الجمعان} يعني جمع المؤمنين وجمع المشركين وذلك بأحد يوم أحد {فبإذن الله} يعني فبعلمه وقضائه وقدره وحكمه وفيه تسلية للمؤمنين بما حصل لهم يوم أحد من القتل والهزيمة ولا تقع التسلية إلا إذا علموا أن ذلك كان واقعاً بقضاء الله وقدره فحينئذٍ يرضون بما قضى الله عليهم {وليعلم المؤمنين وليعلم الذين نافقوا} أي ليظهر إيمان المؤمنين بثبوتهم على مالهم ويظهر نفاق المنافقين بقلة صبرهم على ما نزل بهم فالمراد من العلم المعلوم والتقدير ليتبين المؤمن من المنافق وليتميز أحدهما من الآخر والمنافق هو الذي أظهر الإيمان بلسانه وأضمر خلافه واشتقاقه من النفق وهو السرب في الأرض النافذ، ومنه نافقا اليربوع لأن له حجراً في الأرض له بابان إذا طلب من أحدهما خرج من الآخر فكذلك المنافق صنع له طريقين أحدهما إظهار الإيمان بلسانه والآخر إضمار الكفر بقلبه من أيهما طلب خرج من الآخر. وقيل لأنه دخل في الإيمان من باب وخرج من باب آخر والنفاق اسم إسلامي لم تك العرب تعرفه قبل الإسلام {وقيل لهم تعالوا قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا} المقول له عبدالله بن أبي ابن سلول المنافق وأصحابه وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما خرج إلى أحد في ألف رجل حتى إذا كان بالشوط بين أحد والمدينة انخذل عبدالله بن أبي ابن سلول بثلث الناس وقال ما ندري علام نقتل أنفسنا فرجع بمن معه من المنافقين فتبعهم جابر بن عبدالله بن عمر بن حرام الإنصاري أخو بني سلمة وهو يقول: يا قوم أذكركم الله أن تخذلوا نبيكم عند حضور عدوه فذلك قوله تعالى وقيل لهم يعني المنافقين عبدالله بن أبي ابن سلول وأصحابه تعالوا قاتلوا في سبيل الله أي لأجل دين الله وطاعته أو ادفعوا يعني عن أموالكم وأهليكم وقيل معناه تعالوا كثروا سواد المسلمين إن لم تقاتلوا ليكون ذلك دفعاً وقمعاً للعدو {قالوا} يعني المنافقين {لو نعلم قتالاً لاتبعناكم} أي لو نعلم أن اليوم يجري فيه قتال لاتبعناكم ولم نرجع ولو علموا ما تبعوهم. وقيل معناه لو نحسن قتالاً لاتبعناكم {هم للكفر} يعني المنافقين إلى الكفر {يومئذٍ أقرب منهم للإيمان} أي الإيمان وإنما قال تعالى يومئذٍ لأنهم قبل ذلك اليوم لم يظهروا ما أظهروه من المعاندة والرجوع عن المسلمين وقولهم لو لم نعلم قتالاً لاتبعانكم وإنما كانوا قبل ذلك يظهرون كلمة الإسلام ويخفون الكفر {يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم} يعني يظهرون بألسنتهم الإيمان وليس هو في قلوبهم إنما في قلوبهم الكفر والنفاق وهذه صفة المنافقين لا صفة المؤمنين لأن صفة المؤمن المخلص موطأة القلب للسان على شيء واحد وهو التوحيد {والله أعلم بما يكتمون} يعني من النفاق {الذين قالوا لإخوانهم} نزلت في عبدالله بن أبي المنافق وأصحابه وفي المراد بإخوانهم قولان: أحدهما أن المراد بإخوانهم الذين استشهدوا بأحد فيكون إخوانهم في النسب لا في الدين والقول الثاني إن المراد بإخوانهم المنافقون فعلى القول الأول يكون معنى الآية الذين قالوا في إخوانهم أو عن إخوانهم الذين قتلوا بأحد لو أطاعونا ما قتلوا لأنهم بعد أن قتلوا لا يخاطبون وعلى القول الثاني يكون معنى الآية الذين قالوا وهم عبدالله بن أبيّ وأصحابه لإخوانهم يعني في النفاق {وقعدوا} يعني عن الجهاد {لو أطاعونا} يعني هؤلاء الذين خرجوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لو أطاعونا يعني في القعود عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أو الانصراف عنه {ما قتلوا} يومئذٍ فرد الله تعالى عليهم بقوله {قل} يعني قل لهم يا محمد {فادرؤوا} أي فادفعوا {عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين} يعني أن الحذر لا ينفع من القدر وفي الآية دليل على أن المقتول يموت بأجله خلافاً لمن يزعم أن القتل قطع على المقتول أجله {ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً} قيل نزلت في شهداء بدر وكانوا أربعة عشر رجلاً ستة من المهاجرين وثمانية من الأنصار. وقال أكثر المفسرين إنها نزلت في شهداء أحد ويدل على ذلك ما روي عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه إنه لما أصيب إخوانكم بأحد جعل الله أرواحهم في جوف طير خضر ترد أنهار الجنة وتأكل من ثمارها وتأوي إلى قناديل من ذهب معقلة في ظل العرش فلما وجدوا طيب مأكلهم ومشربهم ومقيلهم. قالوا من يبلغ أخواننا عنا أننا أحياء في الجنة لئلا يزهدوا في الجنة ولا ينكلوا عن الحرب فقال الله تعالى أنا أبلغهم عنكم فأنزل الله: {ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياء عند ربهم يرزقون} إلى آخر الآية أخرجه أبو داود (م) عن مسروق قال سألنا عبدالله عن هذه الآية: {ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياء عند ربهم يرزقون} فقال أما إنا قد سألنا عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال "حديث : أرواحهم في جوف طير خضر لها قناديل معلقة بالعرش تسرح من الجنة حيث شاءت ثم تأوي إلى تلك القناديل فأطلع إليهم ربهم إطلاعه فقال: هل تشتهون شيئاً قالوا أي شيء نشتهي ونحن نسرح من الجنة حيث شئنا" تفسير : ففعل ذلك بهم ثلاث مرات فلما رأوا أنهم لن يتركوا من أن يسألوا قالوا يا رب نريد أن ترد أرواحنا في أجسادنا حتى نقتل في سبيلك مرة أخرى فلما رأى أن ليس لهم حاجة تركوا. (ذكر ما يتعلق بهذا الحديث) قول مسروق سألنا عبدالله كذا جاء عبدالله غير منسوب وقد نسبه بعض الناس فقال عبدالله بن عمر قد ذكره أبو مسعود الدمشقي والحميدي في مسنده عن عبدالله بن مسعود وهو الصحيح وهذا الحديث مرفوع لقوله أما إنا قد سألنا عن ذلك فقال يعني النبي صلى الله عليه وسلم وفي الحديث دليل عن أن الجنة مخلوقة الآن خلافاً للمعتزلة لقوله صلى الله عليه وسلم تسرح من الجنة حيث شاءت وهو مذهب أهل السنة وفيه دليل على أن الأرواح باقية لا تفنى بفناء الجسد لأن المحسن ينعم ويجازى بالثواب وأن المسيء يعذب ويجازى بالعقاب قبل يوم القيامة وهو مذهب أهل السنة أيضاً قوله أرواحهم في جوف طير خضر أي يجعل الله أرواح الشهداء في جوف طير خضر وهذا ليس ببعيد لا سيما مع القول بأن الأرواح أجسام لطيفة. وقيل إن المنعم والمعذب من الأرواح والأجساد جزء من الجسد تبقى فيه الروح وهو الذي يتلذذ بالنعيم ويتألم بالعذاب فغير مستحيل أن يصور الله تعالى ذلك الجزء طائراً ويجعل في جوف طير فتسرح في الجنة وتأوي إلى تلك القناديل وقد تعلق بهذا الحديث من يقول بالتناسخ من المبتدعة ويقول بانتقال الأرواح وتنعيمها في الصور الحسان المرفهة وتعذيبها في الصور القبيحة المسخرة ويزعمون أن هذه هو الثواب والعقاب وهذا ضلال بيّن وقول سخيف وبدعة باطلة لما في هذا القول من إبطال ما جاءت به الشرائع من الحشر والنشر والمعاد والجنة والنار وقد جاء في بعض روايات هذا الحديث ما يرد عليهم وهو قوله حتى يرجعه الله إلى جسده يوم يبعثه يعني يحيي جميع جسده يوم يبعثه وهو يوم القيامة والله أعلم. حديث : عن جابر قال لقيني رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا مهتم فقال ما لي أراك منكسراً قلت يا رسول الله استشهد أبي يوم أحد وترك عيالاً وديناً فقال ألا أبشرك بما لقي الله به أباك؟ قلت: بلى قال ما كلم الله أحداً قط إلا من وراء حجاب وإنه أحيا أباك وكلمه كفاحاً وقال يا عبدي تمنّ علي أعطك قال: يا رب تحييني فأقتل ثانية قال سبحانه إنه قد سبق مني أنهم لا يرجعون فنزلت: {ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله} الآية تفسير : أخرجه الترمذي وقال حديث حسن غريب وقيل إن الآية نزلت في شهداء بئر معونة وهي بئر بين مكة وعسفان وأرض هذيل قال محمد بن إسحاق عن أشياخه من أهل العلم قالوا: قدم أبو براء عامر بن مالك بن جعفر ملاعب الأسنة وكان سيد بني عامر بن صعصعة على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهدى له هدية فأبى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقبلها وقال إني لا أقبل هدية مشرك ثم عرض عليه الإسلام وأخبره بما له فيه وما أعد الله للمؤمنين وقرأ عليه القرآن فلم يسلم ولم يبعد وقال يا محمد إن الذي تدعو إليه حسن جميل فلو بعثت رجالاً من أصحابك إلى أهل نجد يدعونهم إلى أمرك رجوت أن يستجيبوا لك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إني أخشى عليهم أهل نجد فقال أبو براء نالهم جار فأبعثهم فليدعو الناس إلى أمرك فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم المنذر بن عمرو أخا بني ساعدة في سبعين رجلاً من خيار المسلمين. وكان يقال لهم القراء منهم الحارث بن الصمة وحرام بن ملحان وعروة بن أسماء بن الصلت ونافع بن يزيد بن ورقاء الخزاعي وعامر بن فهيرة مولى أبي بكر. وذلك في سفر سنة أربع من الهجرة بعد أحد بأربعة أشهر فساروا حتى نزلوا بئر معونة وهي أرض بين أرض بني عامر وحرة بني سليم فلما نزلوها قال بعضهم لبعض أيكم يبلغ رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل هذا الماء فقال حرام بن ملحان: أنا فخرج بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عامر بن الطفيل وكان على ذلك الماء فلما أتاهم حرام بن ملحان: لم ينظر عامر بن الطفيل في كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال حرام بن ملحان يا أهل بئر معونة إني رسول رسول الله إليكم وإني أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله فآمنوا بالله ورسوله فخرج إليه رجل من كسر البيت برمح فضربه به في جنبه حتى خرج من الشق الآخر فقال: الله أكبر فزت ورب الكعبة ثم استصرخ عامر بن الطفيل بني عامر على المسلمين فأبوا أن يجيبوه إلى ما دعاهم إليه وقالوا لا نخفر أبا براء فقد عقد لهم عقداً وجواراً فاستصرخ عليهم قبائل بني سليم عصية ورعلا وذكوان فأجابوه فخرجوا حتى غشوا القوم فأحاطوا بهم في رحالهم فلما رأوهم أخذوا السيوف فقاتلوهم حتى قتلوا عن آخرهم إلا كعب بن زيد فإنهم تركوه وبه رمق فارتث بين القتلى فعاش حتى قتل يوم الخندق وكان في سرح القوم عمرو بن أمية الضمري ورجل من الأنصار أحد بني عمرو بن عوف فلم يعلمها بمصاب أصحابهما إلا الطير تحوم على العسكر فقالا: والله إن لهذا الطير لشأناً فأقبلا لينظرا فإذا القوم في دمائهم وإذا الخيل التي أصابتهم واقفة فقال الأنصاري لعمرو بن أمية ماذا ترى قال نلحق برسول الله صلى الله عليه وسلم ونخبره فقال الأنصاري لكن لا أرغب عن موطن قتل فيه المنذر بن عمرو ثم قاتل القوم حتى قتل وأخذ عمرو بن أمية الضمري أسيراً فلما أخبرهم أنه من مضر أطلقه عامر بن الطفيل وجز ناصيته وأعتقه عن رقبة زعم أنها كانت على أمة فقدم عمرو بن أمية على رسول الله صلى لله عليه وسلم وأخبره الخبر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : هذا عمل أبي براء وقد كنت لهذا كارهاً متخوفاً"تفسير : فبلغ ذلك أبا براء فشق عليه أخفار عامر بن الطفيل إياه وما أصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بسببه وجواره. وكان فيمن أصيب عامر بن فهيرة مولى أبي بكر الصديق فروى محمد بن إسحاق عن هشام بن عروة عن أبيه أن عامر بن الطفيل كان يقول من الرجل منهم لما قتل رأيته رفع بين السماء والأرض حتى رأيت السماء من دونه قالوا هو عامر بن فهيرة قالوا: وبلغ ربيعة بن أبي براء أن عامر بن الطفيل أخفر ذمة أبيه فحمل على عامر بن الطفيل فطعنه فخر عن فرسه. قلت وذكر ابن الأثير الجزري في كتاب جامع الأصول له في قسم الأسماء في ترجمة عامر بن الطفيل أن عامر بن الطفيل قدم على النبي صلى الله عليه وسلم وهو ابن بضع وثمانين سنة ولم يسلم وعاد من عنده فخرج له خراج في أصل أذنه أخذه منه مثل النار فاشتد عليه ومات منه (ق) عن أنس قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أقواماً من بني سليم إلى بني عامر في سبعين وفي رواية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث خاله أخاً لأم سليم واسمه حرام في سبعين راكباً فلما قدموا قال لهم خالي أتقدمكم فإن أمنوني حتى أبلغكم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلاّ كنتم مني قريباً فتقدم فأمنوه فبينما هو يحدثهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ أمنوا إلى رجل منهم فطعنه فأنفذه فقال: الله أكبر فزت ورب الكعبة ثم مالوا على بقية أصحابه فقتلوهم إلاّ رجلاً أعرج صعد الجبل قال همام وأراه آخر معه فأخبر جبريل عليه السلام النبي صلى الله عليه وسلم إنهم قد لقوا ربهم فرضي عنهم وأرضاهم. قال فكنا نقرأ أن بلغوا قومنا إن قد لقينا ربنا فرضي عنا وأرضانا ثم نسخ بعد فدعا عليهم أربعين صباحاً على رعل وذكوان وبني عصية الذين عصوا الله ورسوله وفي رواية إن رعلاً وذكوان وبني لحيان استمدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمدهم بسبعين رجلاً من الأنصار كنا نسميهم القراء في زمانهم كانوا يحتطبون بالنهار ويصلون بالليل حتى إذا كان ببئر معونة قتلوهم وغدروا بهم فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقنت عليهم شهراً يدعو في الصبح على أحياء من العرب على رعل وذكوان وعصية وبني لحيان قال أنس: فقرأنا فيهم قرآناً ثم إن ذلك رفع بلغوا قومنا إن قد لقينا ربنا فرضي عنا وأرضانا ولمسلم قال: جاء ناس إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسألوه أن ابعث معنا رجالاً يعلمونا القرآن والسنة فبعث إليهم سبعين رجلاً من الأنصار وذكر نحو ما تقدم وقيل إن أولياء الشهداء وأهليهم كانوا إذا أصابتهم نعمة وخير تحسروا على الشهداء وقالوا نحن في النعمة والرخاء وآباؤنا وأبناؤنا وإخواننا في القبور فأنزل الله تعالى هذه الآية تطييباً لقلوبهم وتنفيساً عنهم وإخباراً عن حال قتلاهم فقال تعالى: {ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله} أي ولا تظنن الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولكل أحد من أمته والمعنى لا يظن ظان إن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً يعني كأموات غيرهم ممن لم يقتل في سبيل الله {بل أحياء} أي بل هم أحياء وظاهر الآية يدل على كون من قتل في سبيل الله حياً فأما أن يكون المراد أنهم سيصيرون أحياء في الآخرة أو يكون المراد إنهم أحياء في الحال وعلى تقدير أنهم أحياء في الحال يكون المراد إثبات الحياة الروحانية او إثبات الحياة الجثمانية. فهذه ثلاثة أوجه في معنى احتمال الحياة فيمن قال بالوجه الأول هو أنهم سيصيرون أحياء في الآخرة قال معنى الآية بل هم أحياء في الذكر: وأنهم يذكرون بخير أعمالهم وأنهم استشهدوا في سبيل الله وقيل بل هم أحياء في الدين وهذا القول ليس بصواب لأن الله تعالى أثبت لهم الحياة في الحال بقوله بل أحياء يعني في حال ما يقتلون فإنهم يحيون وهو الاحتمال الثاني. واختلفوا في معنى هذه الحياة هل هي للروح أو للجسم والروح معاً فمن أثبت الحياة للروح دون الجسم يقال يدل على ذلك قوله صلى الله عليه وسلم أرواح الشهداء في حواصل طير خضر فخص الأرواح دون الأجساد وقال بعض المفسرين إنّ أرواح الشهداء تركع وتسجد كل ليلة تحت العرش إلى يوم القيامة. ومن أثبت الحياة الروح والجسم معاً قال: يدل عليه سياق الآية وهو قوله عند ربهم يرزقون فأخبر الله سبحانه وتعالى أنهم يرزقون ويأكلون ويتنعمون كالأحياء وقيل إن الشهيد لا يبلى في قبره ولا تأكله الأرض كغيره. وروي أنه لما أراد معاوية أن يجري الماء على قبور الشهداء أمر أن ينادي من كان له قتيل فليخرجه وليحوله من هذا الموضع قال جابر: فخرجنا إليهم فأخرجناهم رطاب الأبدان فأصابت المسحاة أصبع رجل منهم فأنبعث دماً وذكر البغوي بغير سند عن عبيدالله بن عمير قال مر رسول الله صلى الله عليه وسلم حين انصرف من أحد على مصعب بن عمير وهو مقتول فوقف عليه ودعا له ثم قرأ: {أية : من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه}تفسير : [الأَحزاب: 23] ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أشهد أن هؤلاء شهداء عند الله يوم القيامة فأتوهم وزوروهم وسلموا عليهم فالذي نفسي بيده لا يسلم عليهم أحد إلى يوم القيامة إلاّ ردوا عليه" تفسير : قوله تعالى: {عند ربهم} يعني في محل كرامته وفضله {يرزقون} يعني من ثمار الجنة وتحفها.
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {وَمَا أَصَـٰبَكُمْ يَوْمَ ٱلْتَقَى ٱلْجَمْعَانِ}، يعني: يوم أُحُد. وقوله سبحانه: {وَلِيَعْلَمَ ٱلْمُؤْمِنِينَ}، أيْ: ليعلم اللَّه المؤمن مِنَ المُنَافق، والإشارة بقوله سبحانه: {نَافَقُواْ وَقِيلَ لَهُمْ}: هي إلى عَبْد اللَّه بن أبَيٍّ وأصحابه، حين ٱنْخَزَلَ بنَحْو ثُلُث النَّاسِ، فمشَىٰ في إثرهم عبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ حَزَامٍ أبُو جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، فقَالَ لهم: اتقوا اللَّهَ، ولا تَتْرُكُوا نبيَّكم، وقاتلوا في سَبيلِ اللَّهِ، أو ٱدفَعُوا، ونحْوَ هذا من القولِ، فقال له ابْنُ أُبَيٍّ: ما أَرَىٰ أَنْ يكُونَ قِتَالاً، ولو علمْنا أنْ يكُونَ قتَالٌ، لكنا معكم، فلما يَئِسَ منهم عبْدُ اللَّهِ، قال: ٱذْهَبُوا أَعْدَاءَ اللَّهِ، فَسَيْغُنِي اللَّهُ رَسُولَهُ عَنْكُمْ، ومضَىٰ مع النبيِّ صلى الله عليه وسلم فَٱسْتَشْهَدَ. وقوله تعالى: {أَوِ ٱدْفَعُواْ}، قال ابنُ جُرَيْجٍ وغيره: معناه: كَثِّروا السوادَ، وإنْ لم تقاتِلُوا، فيندفع القَوْم؛ لكثرتِكُمْ، وذهب بعضُ المفسِّرين إلى أنَّ قولَ عبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو: «أو ٱدْفَعُوا»: استدعاء للقتَالِ حميَّةً؛ إذ ليسوا بأهْلٍ للقتال في سبيل اللَّه، والمعنَىٰ: قاتلوا في سبيل اللَّه، أو قاتلوا دفاعاً عن الحَوْزَة؛ ألا تَرَىٰ أنَّ قُزْمَانَ قَالَ في ذلك اليَوْمِ: واللَّهِ، ما قاتلْتُ إلاَّ عَلَىٰ أحساب قَوْمِي، وقَوْلِ الأنصاريِّ يومئذ؛ لَمَّا أرسلَتْ قُرَيْشٌ الظَّهْرَ في الزُّروع: أَتُرْعَىٰ زُرُوعَ بَنِي قَيْلَةَ، وَلَمَّا نُضَارِبْ.
ابن عادل
تفسير : "ما" موصولة بمعنى الذي، في محل رفع بالابتداء، و "بإذن الله" الخبر، وهو على إضمار مبتدأ، تقديره: فهو بإذن الله، ودخلت الفاء في الخبر؛ لشِبْه المبتدأ بالشرط، نحو: الذي يأتيني فله درهم، وهذا - على ما قرره الجمهورُ - مُشْكِل؛ وذلك أنهم قرروا أنه لا يجوز دخول هذه الفاءِ زائدةً في الخبر إلا بشروط. منها: أن تكون الصلةُ مستقبلةً في المعنى؛ وذلك لأن الفاءَ إنما دخلت للشِّبْه بالشَّرط، والشّرط إنما يكون في الاستقبال، لا في الماضي، لو قلت: الذي أتاني أمس فله درهم، لم يصحّ، "وأصابكم" - هنا - ماضٍ في المعنى؛ لأن القصة ماضية، فكيف جاز دخول هذه الفاء؟ أجابوا عنه بأنه يُحْمل على التبيُّن - أي: وما تبين إصابته إياكم - كما تأولوا قوله: {أية : وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ}تفسير : [يوسف: 27] - أي تبين - وهذا شرطٌ صريحٌ، وإذا صحَّ هذا التأويل فلْنَجْعَل "ما" - هنا - شرطاً صريحاً، وتكون الفاء داخلة وجوباً؛ لكونها واقعة جواباً للشرط. وقال ابنُ عطية: "يحسن دخولُ الفاء إذا كان سببَ الإعطاء، وكذلك ترتيبُ هذه، فالمعنى إنما هو: وما أذن الله فيه فهو الذي أصابكم، لكن قدم الأهم في نفوسهم، والأقرب إلى حسّهم. والإذن: التمكينُ من الشيء مع العلم به". وهذا حسنٌ من حيثُ المعنى؛ فإن الإصابة مرتبة على الإذْن من حيث المعنى، وأشار بقوله: الأهم والأقرب، إلى ما أصابهم يوم التقى الجَمْعَانِ. فصل ذكر في الآية الأولى أن الذي أصابهم كان من عند أنفسهم، وذكر هذه الآية وجهاً آخرَ، وهو أن يتميز المؤمنُ عن المنافقِ، والمراد بالجمعينِ هو جمعُ المؤمنينَ، وجمعُ المشركينَ في يوم أحُدٍ. واختلفوا في المراد بقوله: {فَبِإِذْنِ ٱللَّهِ} فقيل: الإذن - هنا - عبارة عن التخلية، وتَرْك المدافعة استعار الإذن لتخلية الكفار؛ لأن الآذنَ في الشيء لا يَدْفَع المأذون له عن مراده. وقيل: فبعِلْم الله، كقوله: {أية : وَأَذَانٌ مِّنَ ٱللَّهِ}تفسير : [التوبة: 3] وقوله:{أية : آذَنَّاكَ مَا مِنَّا مِن شَهِيدٍ}تفسير : [فصلت: 47] وقوله: {أية : فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ}تفسير : [البقرة: 279] وطعن الواحدي في هذا بأن الآية إنما هي لتسلية المؤمنين مما أصابهم، ولا تحصل التسلية إذا كان ذلك واقعاً بعِلة؛ لأن علمه عام في جميع المعلومات. وقيل: فبأمر الله؛ لقوله: {أية : ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ} تفسير : [آل عمران: 152] والمعنى: أنه - تعالى - لما أمر بالمحاربة، ثم أدت تلك المحاربة إلى ذلك الانهزام صح - على سبيل المجاز - أن يقال: حصل ذلك بأمره. ونُقِل - عن ابن عباسٍ - أن المرادَ من الإذن قضاءُ الله بذلك وحكمه به. وهذا أولى؛ لأن الآية تسلية للمؤمنين مما أصابهم، وبهذا تحصل التسلية. قوله: {وَلِيَعْلَمَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} في هذه اللام قولان: أحدهما: أنها معطوفة على معنى قوله: {فَبِإِذْنِ ٱللَّهِ} عطف سبب على سبب، فتتعلق بما تتعلق به الباء. الثاني: أنها متعلقة بمحذوف، أي: وليعلم فعل ذلك - أي: أصابكم - والأول أولى - وقد تقدم أن معنى: وليعلم الله كذا: أي يُبَيِّن، أو يظهر للناس ما كان في علمه، وزعم بعضهم أن ثَمَّ مضافاً، أي: ليعلم إيمان المؤمنين، ونفاق المنافقين، ولا حاجة إليه. قوله: {وَلْيَعْلَمَ ٱلَّذِينَ نَافَقُواْ} قال الواحدي: "يقال: نَافَقَ الرَّجُلُ - فهو منافقٌ - إذا أظهر كلمة الإيمان، وأضمَر خلافَها، والنفاق اسم إسلامي، اختلِف في اشتقاقه على وجوهٍ: أحدها: قال أبو عبيد: من نافقاء اليربوع؛ لأن حجر اليربوع لها بابان: القاصعاء، والنافقاء، فإذا طلب من أيهما خرج من الآخر، فقيل للمنافق: إنه منافق لأنه وضع لنفسه طريقين: إظهار الإسلام، وإضمار الكُفْرِ، فمن أيهما طُلِب خرج من الآخر. الثاني: قال ابنُ الأنباري: المنافق من النَّفَق، وهو السربُ، ومعناه: أنه يتستّر بالإسْلامِ كما يتستَّر الرجُلُ في السِّرْبِ. الثالث: أنه مأخوذٌ من النافقاء، ولكن على غير الوجه الذي ذكره أبو عبيدٍ، وهو أن النافقاء جُحْر يحفره اليربوعُ في داخل الأرضِ، ثم إنه يُرقِّق ما فوقَ الجُحر، حتى إذا رابه رَيْبٌ، رفع التراب برأسه وخرج، فقيل للمنافق: منافق؛ لأنه أضمر الكُفْرَ في باطنه، فإذا فتشته رمى عنه ذلك الكفر، وتمسَّك بالإسلام". قوله: {وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ قَاتِلُواْ} هذه الجملة تحتمل وجهين: الأول: أنْ تكونَ استئنافية، أخبر الله أنهم مأمورونَ إما بالقتال، وإما بالدَّفْع، أي: تكثير سواد المسلمين. الثاني: أن تكون معطوفة على "نافقوا" فتكون داخلة في صلة الموصول، أي: ليعلم الذين حصل منهم النفاقُ والقول بكذا و "تعالوا" و "قاتلوا" كلاهما قام مقام الفاعل لـ "قيل" لأنه هو المقول. قال أبو البقاء: إنما لم يأتي بحرف العطف - يعني بين "تعالوا" و "قاتلوا" - لأنه أراد أن يجعل كل واحدةٍ من الجملتين مقصودة بنفسها، ويجوز أن يقال: إن المقصودَ هو الأمر بالقتال، و "تعالوا" ذكر ما لو سكت عنه لكان في الكلام دليل عليه. وقيل: الأمر الثاني حال. يعني بقوله: "تعالوا" ذكر ما لو سكت، أن المقصود إنما هو أمرهم بالقتال، لا مجيئهم وحده، وجعله "قاتلوا" حالاً من "تعالوا" فاسد؛ لأن الجملة الحالية يُشْتَرط أن تكونَ خبرية، وهذه طلبية. قوله: "أو ادفعوا" "أو" - هنا - على بابها من التخيير والإباحة. وقيل: بمعنى الواو؛ لأنه طلب منهم القتال والدفع، والأول أصح. فصل اختلفوا في القائل، فقال الأصمُّ: إنه الرسول صلى الله عليه وسلم كان يَدْعُوهُمْ إلى القتال. وقيل: إن عبد الله بن أبيّ ابن أبي سلول لما خرج بعسكره إلى أحُد قال: لم نُلْقي أنفسَنا في القتل؟ فرجعوا، وكانوا ثلاثمائةٍ من جملة الألف الذين خرجوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لهم عبد الله بن عمرو بن حرام - أبو جابر بن عبد الله الأنصاريّ -: أذكركم الله أن تخذلوا نبيكم وقومكم عند حضور العَدُوِّ. فصل معنى {قَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أَوِ ٱدْفَعُواْ} يعني: إن كان في قلوبكم حُبُّ الدين والإسلام فقاتلوا للدين والإسلام، وإن لم تكونوا كذلك، فقاتلوا دفعاً عن أنفسكم وأهليكم وأموالكم. وقال السُّدَّيُّ: وابنُ جُرَيْج: ادفعوا عنا العدو بتكثير سوادنا - إن لم تقاتلوا معنا - لأن الكثرة أحد أسباب الهَيْبة. وقوله: {قَالُواْ لَوْ نَعْلَمُ قِتَالاً} إنما لم يَأتِ - في هذه الجُمْلَة - بحرف عطف؛ لأنها جواب لسؤال سائل كأنه قيل: فما قالوا - لما قيل لهم ذلك -؟ فأجيب بأنهم قالوا ذلك. و "نعلم" - وإن كان مضارعاً - معناه المُضِيّ؛ لأن "لو" تخص المضارع، إذا كانت لما سيقع لوقوع غيره، ونكَّر "قتالاً" للتقليل، أي: لو علمنا بعض قتال ما. وهذا جواب المنافقين حين قيل لهم: {تَعَالَوْاْ قَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أَوِ ٱدْفَعُواْ} فقال تعالى: {هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلإِيمَانِ}. "هم" مبتدأ، و "أقرب" خبره، وهو أفعل تفضيل، و "للكفر" متعلق به، وكذلك "للإيمان". فإن قيل: لا يتعلق حرفا جر - متحدان لفظاً ومعنًى - بعامل واحد، إلا أن يكونَ أحدهما معطوفاً على الآخر، أو بدلاً منه، فكيف تعلقا بـ "أقرب"؟ فالجوابُ: أن هذا خاصٌّ بأفعل التفضيل، قالوا: لأنه في قوة عاملين، فإنّ قوة قولك زيدٌ أفضلُ مِنْ عَمْرو، معناه: يزيد فضله على فضل عمرو. وقال أبو البقاء: "وجاز أن يعمل "أقرب" فيهما؛ لأنهما يشبهان الظرف، وكما عمل "أطيب" في قولهم: هذا بسراً أطيب منه رُطباً، في الظرفين المقدرين لأن "أفعل" يدل على معنيين - على أصل الفعلِ وزيادتِهِ - فيعمل في كل واحد منهما بمعنى غير الأخر، فتقديره: يزيد قُرْبهم إلى الكفر على قربهم إلى الإيمان". ولا حاجة إلى تشبيه الجارين بالظرفين؛ لأن ظاهره أن المسوغ لتعلقهما بعامل واحد تشبيههما بالظرفين وليس كذلك، وقوله: الظرفين المقدَّرين، يعني أن المعنى: هذا في أوانِ بُسْرَيته أطيب منه. و "أقرب" - هنا - من القُرْب - الذي هو ضد البعدِ - ويتعدى بثلاثة حروف: اللام، و "إلى" و "من". تقول: قربت لك ومنك إليك، فإذا قلت: زيد أقرب من العلم من عمرو، فـ "من" الولى المعدية لأصل معنى القرب، والثانية هي الجارة للمفضول، وإذا تقرر هذا فلا حاجة إلى ادعاء أن اللام بمعنى "إلى". و "يومئذ" متعلق بـ "أقرب" وكذا "منهم" و "من" هذه هي الجارةُ للمفضول بعد "أفعل" وليست هي المعدية لأصل الفعل. ومعنى: {هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلإِيمَانِ} أنهم كانوا - قبل هذا الوقت - كاتمين للنفاق، فكانوا في الظاهر أبعد من الكفر، فلما ظهر منهم ما كانوا يكتمونه صاروا أقرب للكفر؛ لأن رجوعهم عن معاونة المسلمين دَلَّ على أنهم ليسوا من المسلمين. وقيل: المعنى أنهم لأهل الكفر أقرب نُصْرَةً منهم لأهل الإيمان؛ لأن تقليلَهم سوادَ المسلمين يؤدي إلى تقوية المشركين. و "إذ" مضافةٌ لجملةٍ محذوفةٍ، عُوِّضَ منها التنوين، وتقدير هذه الجملة: هم للكفر يوم إذْ قالوا: لو نَعْلَم قتالاً لاتبعناكم. وقيل: المعنى على حذف مضاف، أي: هم لأهل الكفر أقرب منهم لأهل الإيمان، وفُضِّلُوا - هنا - على أنفسهم باعتبار حالين ووقتين، ولولا ذلك لم يَجُزْ، تقول: زيدٌ قاعداً أفضل منه قائماً، أو زيد قاعداً اليوم أفضل منه قاعداً غداً. ولو قلت: زيد اليوم قاعداً أفضل منه اليوم قاعداً. لم يَجُزْ. وحكى النقاش - عن بعض المفسّرين - أن "أقرب" - هنا - ليست من معنى القُرب - الذي هو ضد البُعْدِ - وإنما هي من القَرَب - بفتح القاف والراء - وهو طلبُ الماءِ، ومنه قارب الماء، وليلة القُرْب: ليلة الورود، فالمعنى: هم أطلب للكفر، وعلى هذا تتعين التعدية باللام - على حَدِّ قولك: زيد أضربُ لعمرو. فصل قال أكثرُ العلماءِ: هذا تنصيصٌُ من الله تعالى على أنهم كفار. قال الحَسَنُ: إذا قال الله تعالى: "أقرب" فهو اليقين بأنهم مشركون، وهو مثل قوله: {أية : مِئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ}تفسير : [الصافات: 147] فهذه الزيادة لا شك فيها، وأيضاً فالمكَلَّف لا يمكن أن ينفك عن الإيمان والكُفْرِ فلما دلَّت الآية على القُرْب من الكفر لزم حصول الكفر. وقال الواحديُّ - في "البسيط": هذه الآية دليلٌ على أن مَنْ اتى بكلمة التوحيد لم يكفر، ولم يطلق القول بتكفيره؛ لأنه - تعالى - لم يطلق القول بتكفيرهم - مع أنهم كانوا كافرين - لإظهارهم كلمة التوحيد. قوله: {يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِم} في هذه الجملة وجهانِ: أحدهما: أنها مستأنفةٌ، لا محلَّ لها من الإعرابِ. الثاني: أنها في محل نَصْب على الحال من الضمير في "أقرب" أي: قربوا للكفر قائلين هذه المقالة - وقوله: {بِأَفْوَاهِهِم} قيل: تأكيد، كقوله: {أية : وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ} تفسير : [الأنعام: 38]. والظاهرُ أن القولَ يُطْلَق على اللساني والنفساني، فتقييده بقوله: {بِأَفْوَاهِهِم} تقييد لأحد مُحْتَمَلَيْه، اللهم إلا أن يُقَال: إن إطلاقه على النفسانيّ مجاز، قال الزمخشري: "وذكر الأفواه مع القلوب؛ تصويراً لنفاقهم، وأن إيمانهم موجود في أفواههم، معدوم في قلوبهم". وبهذا - الذي قاله الزمخشريُّ - ينتفي كونُه للتأكيد؛ لتحصيله هذه الفائدة - ومعنى الآية: أن لسانهم مُخَالِفٌ لقلوبهم، فهم وإن كانوا يُظْهرون الإيمانَ باللسانِ، لكنهم يُضْمِرون في قلوبهم الكُفْرَ. قوله تعالى: {وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ} أي: عالم بما في ضمائرهم. فإن قيل: المعلوم إذا علمه عالمانِ لم يكن أحدُهما أعلمَ به من الآخرِ، فما معنى قوله: {وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ}؟ فالجواب: أنّ الله - تعالى - يعلم من تفاصيل تلك الأحوال ما لا يعلمه غيره.
ابو السعود
تفسير : {وَمَا أَصَـٰبَكُمْ} رجوعٌ إلى خطاب المؤمنين إثرَ خطابِه عليه السلام بسر يقتضيه، وإرشادٌ لهم إلى طريق الحقِّ فبما سألوا عنه وبـيانٌ لبعض ما فيه من الحِكَم والمصالحِ ودفعٌ لما عسى أن يُتوهمَ من قوله تعالى: {هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ} من استقلالهم في وقوع الحادثةِ، والعدولُ عن الإضمار إلى ما ذكر للتهويل وزيادةِ التقريرِ ببـيان وقتِه بقوله تعالى: {يَوْمَ ٱلْتَقَى ٱلْجَمْعَانِ} أي جمعُكم وجمعُ المشركين {فَبِإِذْنِ ٱللَّهِ} أي فهو كائن بقضائه وتخليتِه الكفارَ، سُمّيَ ذلك إذناً لكونها من لوازمه {وَلِيَعْلَمَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} عطفٌ على قوله تعالى: {فَبِإِذْنِ ٱللَّهِ} عطفَ المسبَّب على السبب، والمرادُ بالعلم التميـيزُ والإظهارُ فيما بـين الناسِ، {وَلِيَعْلَمَ ٱلَّذِينَ نَافَقُواْ} عطف على ما قبله من مثله، وإعادةُ الفعل لتشريف المؤمنين وتنزيهِهم عن الانتظام في سلك المنافقين وللإيذان باختلاف حالِ العلم بحسب التعلقِ بالفريقين فإنه متعلقٌ بالمؤمنين على نهج تعلقِه السابقِ وبالمنافقين على وجه جديدٍ، وهو السرُّ في إيراد الأولِين بصيغة اسمِ الفاعلِ المنبئةِ عن الاستمرار والآخِرين بموصول صِلتُه فعلٌ دالٌ على الحدوث، والمعنى وما أصابكم يومئذ فهو كائن لتميـيز الثابتين على الإيمان والذين أظهروا النفاقَ {وَقِيلَ لَهُمْ} عطفٌ على نافقوا داخلٌ معه في حيز الصلةِ أو كلامٌ مبتدأ. قال ابنُ عباس رضي الله عنهما: هم عبدُ اللَّه بنُ أُبـي وأصحابُه حيث انصرفوا يوم أحُدٍ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لهم عبدُ اللَّه بنُ عمرو بنِ حرامٍ: أذكِّرُكم الله لا تخذُلوا نبـيَّكم وقومَكم ودعاهم إلى القتال وذلك قوله تعالى: {تَعَالَوْاْ قَاتِلُواْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ أَوِ ٱدْفَعُواْ} قال السدي: ادفعوا عنا العدوَّ بتكثير سوادِنا إن لم تقاتلوا معنا، وقيل: أو ادفعوا عن أهلكم وبلدِكم وحريمِكم إن لم تقاتلوا في سبـيل الله تعالى، وتركُ العطفِ بـين تعالَوْا وقاتِلوا لما أن المقصودَ بهما واحد وهو الثاني، وذِكْرُ الأولِ توطئةٌ له وترغيبٌ فيه لما فيه من الدَلالة على التظاهر والتعاون {قَالُواْ} استئنافٌ وقع جواباً عن سؤال ينسحب عليه الكلامُ كأنه قيل: فماذا صنعوا حين خُيِّروا بـين الخَصْلتين المذكورتين؟ فقيل قالوا: {لَوْ نَعْلَمُ قِتَالاً لاَّتَّبَعْنَـٰكُمْ} أي لو نُحسِن قتالاً ونقدِر عليه. وإنما قالوه دغَلاً واستهزاءً، وإنما عبّر عن نفي القدرة على القتال بنفي العِلم به لما أن القدرةَ على الأفعال الاختياريةِ مستلزِمةٌ للعلم بها، أو لو نعلم ما يصِحُّ أن يسمَّى قِتالاً لاتبعناكم ولكن ما أنتم بصدده ليس بقتال أصلاً وإنما هو إلقاءُ النفسِ إلى التهلُكة. وفي جعلهم التالي مجردَ الاتباعِ دون القتالِ الذي هو المقصودُ بالدعوة دليلٌ على كمال تثبُّطِهم عن القتال حيث لا ترضى نفوسُهم بجعله تالياً لمقدَّم مستحيلِ الوقوعِ {هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلإيمَـٰنِ} الضميرُ مبتدأٌ وأقربُ خبرُه واللامُ في للكفر وللإيمان متعلقةٌ به كذا يومئذٍ ومنهم، وعدمُ جوازِ تعلقِ حرفين متّحدين لفظاً ومعنى بعامل واحدٍ بلا عطفٍ أو بدليةٍ إنَّما هو فيما عدا أفعلِ التفضيلِ من العوامل، لاتحاد حيثيةِ عملِها، وأما أفعلُ التفضيلُ فحيث دل على أصل الفعلِ وزيادتِه جرى مَجرى عاملين كأنه قيل: قُربُهم للكفر زائدٌ على قربهم للإيمان، وقيل: تعلقُ الجارَّيْن به لشَبَهِهما بالظرفين، أي هم للكفر يوم إذْ قالوا ما قالوا أقربُ منهم للإيمان فإنهم كانوا قبل ذلك يتظاهرون بالإيمان، وما ظهرت منهم أَمارةٌ مُؤذِنةٌ بكفرهم فلما انخذلوا عن عسكر المسلمين وقالوا ما قالوا تباعدوا بذلك عن الإيمان المظنونُ بهم واقتربوا من الكفر، وقيل: هم لأهل الكفرِ أقربُ نُصرةً منهم لأهل الإيمانِ لأن تقليلَ سوادِ المسلمين بالانخذال تقويةٌ للمشركين وقوله تعالى: {يَقُولُونَ بِأَفْوٰهِهِم مَّا لَيْسَ فِى قُلُوبِهِمْ} جملةٌ مستأنفةٌ مقرِّرةٌ لمضمون ما قبلها وذِكرُ الأفواهِ والقلوبِ تصويرٌ لنفاقهم وتوضيحٌ لمخالفة ظاهرِهم لباطنهم، و{مَا} عبارةٌ عن القول، والمرادُ به إما نفسُ الكلامِ الظاهرِ في اللسان تارةً وفي القلب أخرى، فالمثبَتُ والمنفيُّ متحدان ذاتاً وإن اختلفا مظهراً، وإما القولُ الملفوظُ فقط فالمنفيُّ حينئذٍ منشؤُه الذي لا ينفك عنه القولُ أصلاً وإنما عبّر عنه به إبانةً لما بـينهما من شدة الاتصالِ، أي يتفوّهون بقول لا وجودَ له أو لِمَنشَئه في قلوبهم أصلاً من الأباطيل التي من جملتها ما حُكي عنهم آنفاً فإنهم أظهروا فيه أمرين ليس في قلوبهم شيءٌ منهما، أحدُهما عدمُ العلمِ بالقتال والآخَرُ الاتباعُ على تقدير العِلمِ به، وقد كذَبوا فيهما كذِباً بـيّناً حيث كانوا عالمين به غيرَ ناوين للاتّباع بل كانوا مُصِرِّين مع ذلك على الانخذال عازمين على الارتداد، وقوله عز وجل: {وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ} زيادةُ تحقيقٍ لكفرهم ونفاقِهم ببـيان اشتغالِ قلوبِهم بما يخالف أقوالَهم من فنون الشرِّ والفسادِ إثرَ بـيانِ خُلوِّها عما يوافقها، وصيغةُ التفضيلِ لما أن بعضَ ما يكتُمونه من أحكام النفاقِ وذمِّ المؤمنين وتخطئةِ آرائِهم والشماتةِ بهم وغيرِ ذلك يعلمه المؤمنون على وجه الإجمال، وأن تفاصيلَ ذلك وكيفياتِه مختصةٌ بالعلم الإلٰهي.
القشيري
تفسير : هوَّن على المؤمنين وأصحاب البصائر ما لقوا من عظيم الفتنة يوم أُحُد، بأن قال إن ذلك أجمع كان بإذن الله، وإنَّ بلاءً يصيب بإذن الله لِمَن العسلِ أحلى، ومِنْ كل نعيم أشهى. ثم أخبر أن الذين لم يكن لهم في الصحبة خلوص كيف تعللوا وكيف تكاسلوا: شعر : وكذا المَلُولُ إذا أراد قطيعةً ملَّ الوصال وقال كان وكانا تفسير : قوله تعالى: {يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ} فلا جَرَم (سَقَوْا العَسَل ودَسُّوا له فيه الحنظل)، ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين.
اسماعيل حقي
تفسير : {وما أصابكم يوم التقى الجمعان} اى جمعكم وجمع المشركين يريد يوم احد {فبإذن الله} اى فهو كائن بقضائه وتخليته الكفار سماها اذنا لانها من لوازمه {وليعلم المؤمنين وليعلم الذين نافقوا} اى وليتميز المؤمنون والمنافقون فيظهر ايمان هؤلاء وكفر هؤلاء {وقيل لهم} عطف على نافقوا داخل معه فى هذه الصلة وهم عبد الله بن ابى واصحابه حيث انصرفوا يوم احد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت لهم عبد الله بن حرام اذكركم الله ان تخذلوا نبيكم وقومكم ودعاهم الى القتال وذلك قوله تعالى {تعالوا قاتلوا فى سبيل الله او ادفعوا} عنا العدو بتكثير سوادنا ان لم تقاتلوا معنا فان كثرة السواد مما يروع العدو ويكسر منه {قالوا} حين خيروا بين الخصلتين المذكورتين {لو نعلم قتالا لاتبعناكم} اى لو نعلم ما يصح ان يسمى قتالا لاتبعناكم فيه لكن ما انتم عليه ليس بقتال بل القاء النفس الى التهلكة او لو نحسن قتالا لاتبعناكم وانما قالوه دخلا واستهزاء {هم للكفر يومئذ أقرب منهم للايمان} ومعنى كون قربهم الى الكفر ازيد يومئذ من قربهم الى الايمان انهم كانوا قبل ذلك الوقت كاتمين للنفاق فكانوا فى الظاهر أبعد من الكفر فلما ظهر منهم ما كانوا يكتمون صاروا اقرب للكفر فان كل واحد من انخذالهم برجوعهم عن معاونة المسلمين وكلامهم المحكى عنهم يدل على انهم ليسوا من المسلمين {يقولون بأفواههم ما ليس فى قلوبهم} يظهرون خلاف ما يضمرون لا تواطئ قلوبهم ألسنتهم بالايمان وأضافة القول الى الافواه تأكيد وتصوير فان الكلام وان كان يطلق على اللسانى والنفسانى الا ان القول لا يطلق الا على ما يكون باللسان والفم فذكر الافواه بعده تأكيد كقوله تعالى {أية : ولا طائر يطير بجناحيه} تفسير : [الأنعام: 38]. وتصوير لحقيقة القول بصورة فرده الصادر عن آلته التى هى الفرد {والله اعلم بما يكتمون} من النفاق وما يخلو به بعضهم الى بعض فانه يعلمه مفصلا بعلم واجب وانتم تعلمونه مجملا بامارات.
ابن عجيبة
تفسير : قلت: {وقيل لهم تعالوا}: استئناف،أو معطوف على {نافقوا}، و {الذين قالوا لإخوانهم}: بدل من الضمير المجرور في {لهم}، أي وقيل للمنافقين: قاتلوا أو ادفعوا، ثم فسرهم بقوله: وهم {الذين قالوا لإخوانهم...} الخ. أو من الواو في {يكتمون}، أو منصوب على الذم، أو مبتدأ، والخبر: {قل...} على من يجيز إنشاء الخبر، و {قعدوا}: جملة حالية، على إضمار قد. يقول الحقّ جلّ جلاله: {وما أصابكم} يا معشر المسلمين يوم أحد {يوم التقى} جمع المسلمين وجمع الكفار، من القتل والجرح والهزيمة، {فبإذن الله} وقضائه، لا راد لإمضائه، {وليعلم} علم ظهور في عالم الشهادة {المؤمنين} والمنافقين؛ فيظهر إيمان هؤلاء وكفر هؤلاء، وقد ظهر نفاقهم حيث رجعوا مع عبد الله بن أبي، وكانوا ثلاثمائة. وذلك انَّ ابن أُبيّ كان رأيه ألا يخرج المسلمون إلى المشركين، فلما طلب الخروجَ قومٌ من المسلمين، فخرج - عليه الصلاة والسلام - كما تقدم، غضب ابن أُبيّ، وقال: أطاعهم وعصاني. فرجع، ورجع مع أصحابه، فتبعهم أبو جابر عبد الله بن عمرو بن حرام، وقال لهم: ارجعوا {قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا}، أي: كثروا سواد المسلمين، فقال ابنُ أُبيّ - رأس المنافقين -: ما أرى أن يكون قتالاً، ولو علمنا أن يكون قتال {لاتبعناكم}، وكنا معكم. قال تعالى: {هم للكفر يومئذ أقرب منهم للإيمان}؛ لظهور الكفر عليهم من كلامهم، فأمارات الكفر عليهم أكثر من أمارات الإيمان، أو: هم لأهل الكفر أقرب نصرة منهم لأهل الإيمان، لأن رجوعهم ومقالتهم تقوية للكفار عليهم وتخذيل للمسلمين، {يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم}، فهم يظهرون خلاف ما يبطنون، لا تواطئ قلوبهم ألسنتم بالإيمان، وإضافة القول إلى الأفواه تأكيد وتغليظ، {والله أعلم} منكم {بما تكتمون} من النفاق؛ لأنه يعلمه مفصلاً بعلم واجب، وأنتم تعلمونه مجملاً بأمرات. وهؤلاء المنافقون هم {الذي قالوا} في شأن إخوانهم الذي قُتلوا يوم أحد: {لو أطاعونا} وجلسوا في ديارهم {ما قتلوا}، قالوا هذه المقالة وقد قعدوا عن الخروج، {قل} لهم يا محمد: {فادْرءوا} أي: فادفعوا {عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين} أنكم تقدرون أن تدفعوا القتل عمن كتب عليه، فادفعوا عن أنفسكم الموت وأسبابه حين يبلغ أجلكم، فإنه أحرى بكم، فالقعود لا يُنجي من الموت إذا وصل الأجل، فإن أسباب الموت كثيرة، فقد يكون القعود سبباً للموت إن بلغ الأجل، وقد يكون الخروج سبباً للنجاة إن لم يبلغ. والله تعالى أعلم. الإشارة: وما أصابكم يا معشر الفقراء عند توجهكم إلى الحق فارين من الخلق، حين استشرفتم على الجمع وجمع الجمع فبإذن الله؛ فإن الداخل على الله منكور، والراجع إلى الناس مبرور، وليظهر الصادق من الكاذب، فإن محبة الله مقرونة بالبلاء والطريق الموصلة إليها محفوفة بالمكاره، مشروطة بقتل النفوس وحط الرؤوس، ودفع العلائق، والفرا من العوائق. فإذا قيل للعوام: قاتلوا أنفسكم في سبيل الله لتدخلوا حضرة الله، ادفعوا عن أنفسكم العلائق لتشرق عليكم أنوار الحقائق، قالوا: قد انقطع هذا الطريق واندرست أرباب علم التحقيق، ولو نعلم قتالاً بقي يُوصلنا إلى ربنا، كما زعمتم؛ لاتبعناكم ودخلنا في طريقكم. وهم للكفر يومئذ أقرب للإيمان، حيث تحكموا على القدرة الأزلية، وسدوا باب الرحمة الإلهية، وإنما يقولون ذلك احتجاجاً لنفوسهم، وأبقاء على حظوظهم، وليس ذلك من خالص قلوبهم، يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم. وإذا نزل بأهل النسبة نكبة أو بلية، قالوا لأخوانهم، الذين دخلوا في طريق القوم، وقد قعدوا هُم مع العوام: لو أطاعونا ولم يدخلوا في هذا الشأن، ما قتلوا أو عذبوا، فقل لهم أيها الفقير: القضاء والقدر يجري على الجميع، فادفعوا عن أنفسكم ما تكرهون، إن كنتم صادقين أن المكاره لا تصيب إلا من توجه لقتال نفسه. والله تعالى. أعلم بأسرار كتابه.
الطوسي
تفسير : المعنى: قوله: {وما أصابكم يوم التقى الجمعان} يعني يوم أحد وما دخل عليهم من المصيبة بقتل من قتل من المؤمنين. وقوله: {فبإذن الله} قيل في معناه قولان: أحدهما - بعلم الله. ومنه قوله: {أية : فأذنوا بحرب من الله} تفسير : معناه اعلموا ومنه قوله: {أية : وآذان من الله} تفسير : أي إعلام. ومنه {أية : ءاذناك ما منا من شهيد} تفسير : يعني أعلمناك. الثاني - أنه بتخلية الله التي تقوم مقام الاطلاق في الفعل برفع الموانع، والتمكين من الفعل الذي يصح معه التكليف. ولا يجوز أن يكون المراد به بأمر الله، لأنه خلاف الاجماع، لأن أحداً لا يقول: إن الله يأمر المشركين بقتل المؤمنين، ولا انه يأمر بشيء من القبائح، ولأن الأمر بالقبيح قبيح، لا يجوز أن يفعله الله تعالى. ويمكن أن يحمل مع تسليم أنه بأمر الله بأن يكون ذلك مصروفاً إلى المنهزمين المعذورين بعد اخلال من أخل بالشعب، وضعفهم عن مقاومة عدوهم، وان حمل على الجميع أمكن أن يكون ذلك بعد تفرقهم وتبدد شملهم وانفساد نظامهم، لأن عند ذلك أذن الله في الرجوع وألا يخاطروا بنفوسهم وقوله: {وليعلم المؤمنين} ليس معناه أن الله يعلم عند ذلك ما لم يكن عالماً به، لأنه تعالى عالم بالاشياء قبل كونها وإنما معناه، وليتميز المؤمنون من المنافقين إلا أنه أجرى على المعلوم لفظ العلم مجازاً على المظاهرة في المجازاة بالقول على ما يظهر من الفعل من جهة أنه ليس يعاملهم بما في معلومه أنه يكون منهم إن بقوا، بل يعاملهم معاملة من كأنه لا يعلم ما يكون منهم حتى يظهر. ليكونوا على غاية الثقة بأن الله إنما يجازي بحسب ما وقع من الاحسان أو الاساءة. فان قيل: هل يجوز أن يقول القائل: المعاصي تقع باذن الله، كما قال: {ما أصابكم} من ايقاع المشركين بكم {بإذن الله}؟ قلنا: لا يجوز ذلك لأن الله تعالى إنما خاطبهم بذلك على وجه التسلية للمؤمنين، فدل ذلك على أن الاذن المراد به التمكين ليتميزوا بظهور الطاعة منهم. وليس كذلك قولهم: المعاصي باذن الله، لأنه لما عري من تلك القرينة صار بمعنى اباحة الله، والله تعالى لا يبيح المعاصي، لأنها قبيحة، ولأن إباحتها تخرجها من معنى المعصية. والفاء انما دخلت في قوله: {فبإذن الله} لأن خبر (ما) التي بمعنى الذي يشبه جواب الجزاء، لأنه معلق بالفعل في الصلة كتعليقه بالفعل في الشرط، كقولك الذي قام فمن أجل أنه كريم أي، لأجل قيامه صح أنه كريم. ومن أجل كرمه قام. وقد قيل أن (ما) هي بمعنى الجزاء، ولا يصح ها هنا لأن الفعل بمعنى المضي.
الجنابذي
تفسير : {وَمَآ أَصَابَكُمْ يَوْمَ ٱلْتَقَى ٱلْجَمْعَانِ} يعنى يوم احد من الهزيمة والقتل والجرح {فَـ} كان {بِإِذْنِ ٱللَّهِ} باباحته التّكوينيّة وترخيصه ليمتحنكم {وَلِيَعْلَمَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَلْيَعْلَمَ ٱلَّذِينَ نَافَقُواْ} ليتميّز الفريقان بظهور ايمان هؤلاء ونفاق اولئك فيظهر علمه بهما او ليعلم النّبىّ الّذى هو مظهره فانّ علمه علم الله ولم يقل ليعلم المنافقين للاشعار بانّ نفاق المنافقين حدث عند قتال احد ولم يكن ثابتاً وليناسب المعطوف فى قوله تعالى {وَقِيلَ لَهُمْ} عطف على نافقوا وداخل فى الصّلة {تَعَالَوْاْ قَاتِلُواْ} بدل عن تعالوا نحو بدل الاشتمال {فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} من دون نظر الى انفسكم وحفظكم انفسكم وعيالكم {أَوِ ٱدْفَعُواْ} عن انفسكم وعيالكم واموالكم من دون نظر الى امر الله وسبيله {قَالُواْ لَوْ نَعْلَمُ قِتَالاً لاَّتَّبَعْنَاكُمْ} يعنى لو كنّا نعلم انّ ما انتم فيه قتالٌ لاتّبعناكم وليس بقتال فانّ القتال ما كان فيه احتمال الغلبة ولو فى بعض الاحيان وليس الامر كذلك لانّه ليس فيه الاّ المغلوبيّة والهلكة، او لفظة لو ليست للنّفى فى الماضى انّما هو للشّرط فى المستقبل يعنى اذا علمنا بالمقاتلة لاتّبعناكم فيها وانّما قالوه استهزاءً بهم او دفعاً لهم فى الحال الحاضر وقصداً لعدم الانكار صريحاً {هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلإِيمَانِ} جواب لسؤالٍ مقدّرٍ او حال والمعنى انّهم كانوا على الاسلام لكنّهم بظهور نفاقهم كأنّهم وقعوا بين الكفر والايمان وصاروا اقرب الى الكفر {يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِم} يعنى لا بالكتابة ولا بالاشارة ولا بالسّيرة والاحوال، او يقولون بافواههم لا بقلوبهم، او يقولون بأفواه انفسهم لا بأفواه غيرهم {مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ} من قولهم {لو نعلم قتالاً لاتّبعناكم} اى وقت اطّلاعنا على القتال وافقناكم وليس هذا مطابقاً لاعتقادهم، او من اظهار نبوّة النّبىّ (ص) وليس فى قلوبهم ذلك الاعتقاد {وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ} من الاعتماد على الاسباب وعدم الاعتقاد بالله وبنبوّة النّبىّ (ص)، نسب الى الصّادق (ع) انّه قال فى مقام تثريب بعض من ضعفاء الاعتقاد ومن ضعف يقينه تعلّق بالاسباب ورخّص لنفسه بذلك واتّبع العادات واقاويل النّاس بغير حقيقةٍ والسّعى فى امور الدّنيا وجمعها وامساكها، يقرّ باللّسان انّه لا مانع ولا معطى الاّ الله وانّ العبد لا يصيب الاّ ما رزق وقسم له، والجهد لا يزيد فى الرّزق وينكر ذلك بفعله وقلبه قال الله تعالى: {يقولون بافواههم ما ليس فى قلوبهم والله أعلم بما يكتمون}.
اطفيش
تفسير : {وَمَآ أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ}: جمع المؤمنين، وجمع المشركين يوم أحد. {فَبِإِذْنِ اللَّهِ}: أى بقضائه وحكمه، هكذا فسره ابن عباس، رضى الله عنهما، وقيل: بتخليته بين المؤمنين والمشركين، إذ لم يكفهم عن المؤمنين، سمى التخلية إذناً لأنها من لوازم الإذن، فإنك إذا أمرت بشىء لم تمنع مأمورك، مع بقائك على مقتضى أمرك، وقيل: بعلمه، كقوله: {أية : وأذان من الله}تفسير : أى وإعلام من الله، وتسلية المؤمنين عما أصابهم باقية فى هذا التفسير، كما وجدت فى الأولين، لأن معنى كون ذلك أصابكم بعلمه، أن عالم به، وقاض له بحكمه لم يغفل عنكم، وأنه سيعاقب الكفار مع ذلك، أو يلتزم قائله، إن ذلك غير تسلية بل أخبرهم الله أنه عالم بذلك قضاه عليكم عقاباً لكم على مخالفتكم. {وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُواْ}: ليظهر إيمان من آمن ورسخ فى إيمانه، ونفاق من نافق، فيعلم ذلك منهما ظاهراً خارجاً فى الوجود، كما قد علمه فى الأزل، وذكر العلم وأراد ملزومه، فإنه يلزم من وجود المؤمن والمنافق، بعلم الله، بوجودهما والعطف على بإذن الله، فهو علة للإصابة والنفاق عندنا مخالفة العمل، أو القول، للقول وعند غيرنا إضمار الشرك وإظهار التوحيد، والذى عندى: مجيد تارة كما تقول، وتارة كما يقولون، وهو من النفق وهو السرب فى الأرض، أو من نافق اليربوع، باب من أبواب حجره، إذا قصد خرج منه، كذلك المخالف بين قوله وعمله، يقصد من جانب قوله فيوحد مسلماً باعتباره، وقد خرج إلى الفسق أو الشرك، بعلمه، أو قوله المضمر، وعندنا ولو ظهر، لأن ظهوره نتيجة عما فى قلبه مضمراً، ولأنه يظهر لك الإسلام فما يخرج به عنه إلى الفسق لو الشرك غير ظاهر ولا بأس بذلك التفسير إذا حققته وهو المشهور، وقال الشيخ أبو عمر وعثمان بن خليفة: إن النفاق عندنا مأخوذ من نفقت الدابة، إذا هلكت، وهو وجه حسن شامل للفسق الظاهر والخفى، ولعلهم اختاروه لذلك، فلا يحتاجون إلى التأويل الذى ذكرته فيما عمل من فسق ظاهر. {وَقِيلَ}: أى وقال المؤمنون أو قال أبو جابر. {لَهُمْ تَعَالَوْاْ}: ائتوا. {قَاتِلُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ}: أعداءه وجملة قاتلوا بدل من تعالوا بد اشتمال، لأن الإتيان إلى محل القتال حال القتال سببى للقتال، ويجوز كونه بد إضراب، ذلك بحسب الأصل والمعنى: وأما فى اللفظ فيحكى القول مفرد، ولو كان جملا كثيرة، والواو فى {وقيل لهم تعالوا}، إما للعطف على نافقوا، أى ليعلم الذين اتصفوا بأن نافقوا، وبأن قيل لهم تعالوا قاتلوا فى سبيل الله، أى فروا عن القتال وأعرضوا عنه، حتى احتاج المؤمنون أن يقولوا لهم ارجعوا إلينا تقاتلوا معنا، وإما لعطف قصة على الأخرى، فيعبر عنها بواو الاستئناف، والجواب بقوله تعالى: {قالوا لو نعلم} أنسب بهذا الوجه، ولو صلح للأول أيضاً. {أَوِ ادْفَعُواْ}: أعداء الله عن أنفس المؤمنين، وأموالهم وذلك أن حاضر القتال، إما يشرع فى القتال، وإما يتوقف حتى يجىء العدو فيدفعه عن المال والنفس، والمؤمنون أمروهم أن يفعلوا ذلك على قصد الثواب، وقيل: أو ادفعوا أعداء الله بتكثير سواد المؤمنين عن أنفسهم، وأموالهم لو لم تتواقعوا الثواب، فإن كثرة السواد مما يروع العدو، ويكسر شوكته، بل يجوز أن يأمروهم بتكثير السواد، وقصد الثواب، وهو أتم فائدة وأعظم شرعاً، وبه قال ابن جريح: قال سهل بن سعد الساعدى، وقد كف بصره لو أمكننى لبعت دارى ولحقت بثغر من ثغور المسلمين، فكنت بينهم، وبين عدوهم. فقيل: وقد ذهب بصرك، قال لقوله أو ادفعوا، أراد: أكثروا سوادهم، ويجوز أن يكون أو ادفعوا تهييجاً لهم على حفظ الحريم، أى إن لم تكن لكم رغبة فى سبيل الله فادفعوا عن أموالكم وأهليكم كما قال قزمان فى ذلك اليوم: والله ما قاتلت إلى على حساب قومى، وقال رجل من الأنصار: لما أرسلت قريش رواتهم فى الزرع لترعى زروع بنى قيلة، ولما تضارب بنو قيله الأوس والخزرج، وذلك أن عبد الله بن أبى رأس المنافقين، خرج إلى المدينة مع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، إلى أحد فرجع بثلثمائة من المنافقين، وعبارة بعض، بثلث الناس، وقال ما ندرى علام نقتل أنفسنا، وتبعهم أبو جابر عبد الله بن عمر بن حزام الأنصارى أخو بنى سلمة، وهو يقول: يا قوم، أذكركم الله أن تخلوا نبيكم عند حضور عدوه، وقال: أنشدكم الله فى بنيكم وذراريكم ودينكم، وهذا قول يرضاه المؤمنون أو أمروا به، فقاله وهو مؤمن مخلص. {قَالُواْ لَوْ نَعْلَمُ قِتَالاً لاَّتَّبَعْنَاكُمْ}: كأنه قيل: فما قول المنافقون حين قيل لهم: تَعَالوا قَاتِلوا فى سَبِيلِ الله أو ادفعوا، فأجاب بأنهم قالوا: لو نعلم قتالا يقع لاتبعناكم، فحذف المفعول الثانى، وهو جملة يقع، قيل: قالوا لأبى جابر والله لا يكون اليوم قتال، أو المعنى: لو نعرف قتالا أى لو نعرف كيفية القتال لاتبعناكم، ولكنا لا نحسن القتال، وقالوا ذلك غشا واستهزاءً ومكراً للمؤمنين، أو المعنى: لو نعلم قتالا يقصده ذوو الرأى لاتبعناكم، ولكن الذى خرجتم إليه إلقاء للنفس فى التهلكة وقد حرض أن لا يخرج المؤمنون إلى المشركين، كما مر، ولما قال لهم أبو جابر ما مر عنه آنفاً ولم يرجعوا أيس منهم، وقال: اذهبوا أعداء الله فقد استغنى الله ورسوله عنكم، ومضى مع النبى صلى الله عليه وسلم، ومات شهيداً، رواه قومنا. {هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلإِيمَانِ}: أى هؤلاء المنافقون أقرب إلى الشرك يومئذ، قالوا ذلك من قربهم إلى الإيمان، وقيل: يومئذ لأنهم قبل ذلك اليوم لم يظهروا ما أظهروه يومئذ من العناد، والخذلان، واللامان بمعنى "إلى" الأولى تتعلق بأقرب، والثانية بقرب المقدر مضافاً إلى الهاء، واعلم أن أفعل التفضيل كغيره، فى أنه لا يتعلق به حرفاً جر بمعنى واحد إلا على طريق العطف، أو البدلية أو التوكيد اللفظى فليست اللامان متعلقتين بأقرب، بل الأولى به والثانية بمضاف محذوف كما رأيت، ولكن يتم المعنى بزيادة تقدير هكذا، أى قرب حالهم أقرب يومئذ للكفر، من قرب حالهم الأخرى للإيمان، يومئذ ومنهم متعلقان بأقرب أو يعلق اللام الثانية بمحذوف حال من الهاء، أى أقرب منه متوجهين بحال ما إلى الإيمان، وقيل المعنى: هم لأهل الكفر يومئذ أقرب منهم نصرة لأهل الإيمان، لأن عنادهم وخذلانهم تقوية للمشركين، وتضعيف للمؤمنين. {يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَّا لَيْسَ فِى قُلُوبِهِمْ}: يقولون قبل ذلك وبعده بألسنتهم ما ليس فى قلوبهم، من الإيمان والطاعة والنصرة لرسول الله، صلى الله عليه وسلم، ومعلوم أن القول لا يكون حقيقة إلا باللسان، وإذا استعمل فى القلب كان مجازاً على الصحيح، وقيل حقيقة فيهما، وهو ضعيف، وزعم بعض المناطقة أنه حقيقة فيما فى القلب أكثر من حقيقيته فى اللسان، وهو ضعيف، وليس كما قيل أن هذا الخلاف فى الكلام، لا فى القول، وأن القول مختص باللسان، وعلى كل حال فإن قوله ما ليس فى قلوبهم، تصريح بأن القول هنا ليس من فعل القلب، فإنما ذكر الأفواه فيما ظهر لى، ليصرح بأنهم لا يكتفون على التكلم باللسان الحقيق بلسان حال يظهرونها، يغرون بها المؤمنين، ويوهمونهم أنهم مسلمون مخلصون، بل يقولون بأفواههم أنهم مخلصون، وليشير إلى أن قولهم لا يجاوز أفواههم، مجاوزة ما، وليشير إلى أنهم بالغوا فى قول يخادعون به المؤمنين حتى كأنهم قالوه ملء أفواههم، وفى ذلك كله تأكيد، وأما أن يقال إنه تصوير لحقيقة القول بصورة فرده الصادر عن آلته التى هى الفم فقليل الفائدة. {وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ}: من النفاق المضاد، لما يظهرون لكم ومن سائر مكائدهم وما يخلوا به بعضهم إلى بعض عليكم، الله أعلم بذلك منكم لأنه يعلمه كله مفصلا، وأنتم تعلمون بعضه مفصلا، وتستدلون بأمارات عليه مجملا.
اطفيش
تفسير : {وَمَآ أَصَآبَكُمْ يَوٍمَ التَقَى الجَمْعَانِ} جمع المشركين وجمع المؤمنين، من قتل وهزم، وهو يوم أحد {فَبِإِذْنِ اللهِ} بقضائه بإدالة الكفار عليكم أو بتسليطه إياهم عليكم، والتحلية من لوازم الإذن، وهى مرادة فى التسليط، أو بعلمه كقوله وأذان من الله، أى إعلام، إلا أن الإخبار بأن ذلك بعلمه لا يفيد التسلية والمقام لها، ومعلوم أن علمه عام، وما أصابهم يوم التقى الجمعان شىء معلوم عندهم لا عموم وبإبهام، فلا تكون ما موصولة عامة تشبه الشرطية فتكون الفاء بعدها ولا شرطية لعدم العموم، الجواب أنها موصولة عامة أو شرطية وجه العموم أن تقدر، وما يتبين أنه أصابكم،أو ما أصابكم كائنا ما كان، وذلك من تقدير الإبهام والعموم فى المعلوم المخصوص، وإذا جعلت شرطية فالتقدير فهو بإذن الله، لأن الجواب لا بد أن يكون جملة أو فعلا،ويجوز تقديره هنا فعلا يصح شرطا، ومع ذلك يقرن بالفاء للفصل بينه وبين الفاء بشىء، هكذا، فبإذن الله وقع، يقال إن جاء زيد فبالدراهم يكرم بالفاء مع جزم يكرم {وَلِيَعْلَمَ المُؤْمِنِينَ} عطف على بإذن الله، عطف سبب، ولا مانع من عطف الجار المجرور على مثلهما مع اختلاف معناهما، نحو: جئت بالجند وفى الصبح.
الالوسي
تفسير : {وَمَا أَصَـٰبَكُمْ } أيها المؤمنون من النكبة بقتل من قتل منكم {يَوْمَ ٱلْتَقَى ٱلْجَمْعَانِ } أي جمعكم وجمع أعدائكم المشركين، والمراد بذلك اليوم يوم أحد، وقول بعضهم ـ لا يبعد أن يراد به يوم أحد ويوم بدر ـ بعيد جداً {فَبِإِذْنِ ٱللَّهِ } أي بإرادته، وقيل: بتخليته؛ وما اسم موصول بمعنى الذي في محل رفع بالابتداء، وجملة أصابكم صلته ـ وبإذن الله ـ خبره. والمراد بإذن الله يكون ويحصل، ودخول الفاء لتضمن معنى الشرط، ووجه السببية ليس بظاهر إذ الإصابة ليست سبباً للإرادة ولا للتخلية بل الأمر بالعكس فهو من قبيل {أية : وَمَا بِكُم مّن نّعْمَةٍ فَمِنَ ٱللَّهِ } تفسير : [النحل: 53] أي ذلك سبب للإخبار بكونه من الله لأن قيد الأوامر قد يكون للمطلوب وقد يكون للطالب وكذا الإخبار، وإلى هذا ذهب كثير من المحققين، وادعى السمين أن في الكلام إضماراً أي فهو بإذن الله، ودخول الفاء لما تقدم ثم قال: وهذا مشكل على ما قرره الجمهور لأنه لا يجوز عندهم دخول هذه الفاء زائدة في الخبر إلا بشروط، منها أن تكون الصلة مستقبلة في المعنى وذلك لأن الفاء إنما دخلت للشبه بالشرط، والشرط إنما يكون في الاستقبال لا في الماضي، فلو قلت: الذي أتاني أمس فله درهم لم يصح، وأصابكم هنا ماض معنى كما أنه ماض لفظاً لأن القصة ماضية فكيف جاز دخول هذه الفاء؟ وأجابوا عنه بأنه يحمل على التبين أي وما يتبين إصابته إياكم فهو بإذن الله كما تأولوا {أية : إِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ } تفسير : [يوسف: 27] بذلك، ثم قال: وإذا صح هذا التأويل فليجعل {مَا } هنا شرطاً صريحاً وتكون الفاء داخلة وجوباً لكونها واقعة جواباً للشرط انتهى، ولا يخفى ما فيه {وَلِيَعْلَمَ ٱلْمُؤْمِنِينَ } عطف على بإذن الله ـ من عطف السبب على المسبب، والمراد ليظهر للناس ويثبت لديهم إيمان المؤمن.
ابن عاشور
تفسير : عطف على قوله: {أية : أو لما أصابتكم مصيبة}تفسير : [آل عمران: 165] وهو كلام وارد على معنى التسليم أي: هَبُوا أنّ هذه مصيبة، ولم يكن عنها عوض، فهي بقدر الله، فالواجب التسليم، ثم رَجَع إلى ذكر بعض ما في ذلك من الحكمة. وقوله: {وما أصابكم} أرادَ به عين المراد بقوله: {أصابتكم مصيبة} وهي مصيبة الهزيمة. وإنّما أعيد ما أصابكم لِيعيّن اليوم بأنّه يومَ التقى الجمعان. وما موصولة مضمّنة معنى الشرط كأنّه قيل: وأمّا ما أصابكم، لأنّ قوله: {وما أصابكم} معناه بيانُ سببه وحكمته، فلذلك قرن الخبر بالفاء. و{يوم التقى الجمعان} هو يوم أُحُد. وإنَّما لم يقل وهي بإذن الله لأنَّ المقصود إعلان ذكر المصيبة وأنّها بإذن الله إذ المقام مقام إظهار الحقيقة، وأمّا التعبير بلفظ {ما أصابكم} دون أن يعاد لفظ المصيبة فتفنّن، أو قُصد الإطناب. والإذن هنا مستعمل في غير معناه إذ لا معنى لتوجّه الإذن إلى المصيبة فهو مجاز في تخلية الله تعالى بين أسباب المصيبة وبين المصابين، وعدم تدارك ذلك باللطف. ووجه الشبه أنّ الإذن تخلية بين المأذون ومطلوبِه ومراده، ذلك أنّ الله تعالى رتّب الأسباب والمسبّبات في هذا العالم على نظام، فإذا جاءت المسبّبات من قِبَل أسبابها فلا عجب، والمسلمون أقلّ من المشركين عدداً وعُدداً فانتصار المسلمين يومَ بدر كرامة لهم، وانهزامهم يوم أُحُد عادة وليس بإهانة. فهذا المراد بالإذن. وقَوله: {وليعلم المؤمنين} عطف على {فإذن الله} عطفَ العلّة على السبب. والعلم هنا كناية عن الظهور والتقرّر في الخارج كقول إياس بن قبيصة الطائي: شعر : وأقْبَلْتُ والخَطِّيُّ يَخْطر بيننا لأَعْلَمَ مَنْ جَبَانُها مِن شجاعها تفسير : أراد لتظهر شجاعتي وجبن الآخرين. وقد تقدّم نظيره قريباً. و{الذين نافقوا} هم عبد الله بنُ أبيّ ومن انخزل معه يوم أحُد، وهم الذين قيل لهم: تعالوا قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا. قاله لهم عبد الله بن عُمَر ابن حَرَام الأنصاري، والدُ جابر بن عبد الله، فإنّه لمّا رأى انخزالهم قال لهم: اتّقوا الله ولا تتركوا نبيئكم وقاتلوا في سبيل الله أو ادفَعوا. والمراد بالدفع حِراسة الجيش وهو الرباط أي: ادفعوا عنّا من يريدنا من العدوّ فلمّا قال عبد الله بن عمر بن حرام ذلك أجابه عبد الله بن أبي وأصحابه بقولهم: لَوْ نَعْلَمُ قتالاً لاتَّبعناكم، أي لم نعلم أنّه قتال، قيل: أرادوا أنّ هذا ليس بقتال بل إلقاء باليد إلى التَّهْلُكَة، وقيل: أرادوا أنّ قريشاً لا ينوون القتال، وهذا لا يصحّ إلاّ لو كان قولُهم هذا حاصلاً قبل انخزالهم، وعلى هذين فالعِلم بمعنى التحقّق المسمّى بالتصديق عند المناطقة، وقيل: أرادوا لو نحسن القتال لاتّبعناكم، فالعِلم بمعنى المعرفة، وقولهم حينئذ تهكّم وتعذُّر. ومعنى {هم للكفر يومئذٍ أقرب منهم للإيمان} أنّ ما يُشاهد من حالهم يومئذ أقرب دلالة على أنهم يُبطنون الكفر مِن دلالة أقوالهم: إنَّا مسلمون، واعتذارِهم بقولهم: لو نعلم قتالاً لاتّبعناكم. أي إنّ عذرهم ظاهر الكذب، وإرادة تفشيل المسلمين، والقرب مجاز في ظهور الكفر عليهم. ويتعلّق كلّ من المجرورين في قوله: {منهم للإيمان} بقوله: {أقرب} لأنّ {أقرب} تفضيل يقتضي فاضلاً ومفضولاً، فلا يقع لبْس في تعلّق مجرورين به لأنّ السامع يَردّ كل مجرور إلى بعض معنى التفضيل. وقوله: {يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم} استئناف لبيان مغزى هذا الاقتراب، لأنّهم يبدون من حالهم أنّهم مؤمنون، فكيف جُعلوا إلى الكفر أقربَ، فقيل: إنّ الذي يُبدونه ليس موافقاً لما في قلوبهم، وفي هذا الاستئناف ما يمنع أن يكون المراد من الكفر في قوله: {هم للكفر} أهلَ الكفر. وقوله: {الذين قالوا لإخوانهم} بدل من {الذين نافقوا}، أو صفة له، إذا كان مضمون صلته أشهر عند السامعين، إذ لعلّهم عُرفوا من قبل بقولهم فيما تقدّم {لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا} فذُكِر هنا وصفاً لهم ليتميّزُوا كمال تمييز. واللام في (لإخوانهم) للتعليل وليست للتعدية، قالوا: كما هي في قوله: {أية : وقالوا لإخوانهم إذا ضربوا في الأرض}تفسير : [آل عمران: 156]. والمراد بالإخوان هنا عين المراد هناك، وهم الخزرج الذين قتلوا يوم أُحُد، وهم من جلّة المؤمنين. وجملة {وقعدوا} حال معترَضة، ومعنى لو أطاعونا أي امتثلوا إشارتنا في عدم الخروج إلى أُحُد، وفعلوا كما فعلنا، وقرأ الجمهور: ما قُتِلوا ـــ بتخفيف التاء ـــ من القتل. وقرأه هشام عن ابن عامر ـــ بتشديد التاء ـــ من التقتيل للمبالغة في القتل، وهو يفيد معنى تفظيعهم ما أصاب إخوانهم من القتل طعناً في طاعتهم النبي صلى الله عليه وسلم. وقوله: {قل فادرءوا عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين} أي ادرأوه عند حلوله، فإنّ من لم يمت بالسيف مات بغيره أي: إن كنتم صادقين في أنّ سبب موت إخوانكم هو عصين أمركم.
القطان
تفسير : وكل ما أصابكم أيها المؤمنون يوم التقى جمعُكم وجمع المشركين في أحد إنما وقع بإذن الله وارادته، وليُظهر للناس ما عَلِمه من ايمان المؤمنين حقا. إن هزيمتكم لم تقع مصادفة ولا عبثاً ولا سدى، فكل حركة محسوبٌ حسابها في تصميم هذه الكون، وهي في مجموعها تجري وفق السنن والقوانين الثابتة التي فرضها الله لحكمةٍ مدبَّرة يجري كل شيء في نطاقها.
د. أسعد حومد
تفسير : {أَصَابَكُمْ} (166) - مَا أصَابَكُمْ يَا أيُّها المُؤْمِنُونَ يَوْمَ أحُدٍ، حِينَمَا التَقَيْتُمْ بِعَدوكُمْ فِي مَيْدَانِ المَعْرَكَةِ، وَمَا حَلَّ بِكُمْ مِنْ هَزِيمَةٍ وَقَتْلٍ، إِنَّمَا كَانَ بِإِذْنِ اللهِ وَقَدَرِهِ وَقَضَائِهِ السَّابِقِ، الذِي جَعَلَ المُسَببَاتِ نَتَائِجَ لأسْبَابِهَا، فَكُلُّ عَسْكَرٍ يَعْصِي قَائِدَهُ، وَيَكْشِفُ ظَهْرَهُ لِعَدُوِّهِ يُصَابُ بِمِثْلِ مَا أُصِبْتُمْ بِهِ، وَأَكْثَر مِنْهُ، وَللهِ الحِكْمَةُ البَالِغَةُ فِي ذَلِكَ، لأنَّ الشَّدَائِدَ تَكْشِفُ عَنْ حَقِيقَةِ المُؤْمِنينَ الذِينَ صَبَرُوا وَثَبَتُوا، وَلَمْ يَتَزَلْزَلُوا أَمَام العَدُوِّ. الجَمْعَانِ - هُمَا جَيْشَا المُؤْمِنِينَ وَالمُشْرِكِينَ يَوْمَ أحُدٍ. بِإِذْنِ اللهِ - بِإرَادَتِهِ الأزَلِيَّةِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : أي أنه سبحانه قد جمع المؤمنين وجمع الكافرين في أحُد بإذن منه وبعلمه والنتيجة معروفة عنده، وأنه سيحدث منكم كذا وكذا، إذن فهذا أمرٌ معلوم، أو "بإذن الله" أي في السنن التي لا تتخلف، فالمسألة لم تأت بغير علم الله، لا. لقد جاءت بإذن الله ولا تتخلف - تطبيقاً - عن أَحَدٍ من خلقه أبداً مهما كانت منزلته. {وَمَآ أَصَابَكُمْ يَوْمَ ٱلْتَقَى ٱلْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ ٱللَّهِ وَلِيَعْلَمَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} [آل عمران: 166] ساعة ترى أمراً أجراه الله ليعلم الذين نافقوا، وليعلم المؤمنين، نعرف أن الله عالم بهم قبل أن تقع الأحداث، ولكن علمه لا يكون حجة على الغير إلا إن حدث منه بالفعل؛ لجواز أن يقول: يارب أنت حاسبتني بعلمك أن هذا سيحدث، لكن ما كنت لأفعله. فيوضح الحق: لا. أنت قد علمته لأنك فعلته وصار واقعاً منك وتقوم به الحجة عليك. وأضرب هذا المثل - ولله المثل الأعلى - أنت كمعلم تقول لواحد من الطلبة: أنت راسب، فيقول لك: لا، لابد أن تمتحنني. تقول له: أنا أعرف أنك راسب. فيقول لك: أنا لا آخذ بعلمك بل لابد أن تمتحنني. تقول له: تعال أمتحنك. وتعطيه بعض الأسئلة فيرسب. وهنا يصير علمه برسوبه أمراً واقعاً، وهو كان يعلمه بسبق علم، لكنه الآن لا يقدر أن يجادل لأنه صار واقعاً محسوساً. ويقول الحق: {وَلِيَعْلَمَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} [آل عمران: 166] ومنهم الثابت الإيمان الذي لا يتزعزع ويعلم أنه إذا أصابته مصيبة بما قدم لنفسه، هذه المصيبة تزيده إيماناً بإلهه. ويقول الحق من بعد ذلك: {وَلِيَعْلَمَ ٱلَّذِينَ نَافَقُواْ وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ قَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أَوِ ٱدْفَعُواْ قَالُواْ لَوْ نَعْلَمُ قِتَالاً لاَّتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلإِيمَانِ ...}.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):