Verse. 460 (AR)

٣ - آلِ عِمْرَان

3 - Al-Imran (AR)

وَلِيَعْلَمَ الَّذِيْنَ نَافَقُوْا۝۰ۚۖ وَقِيْلَ لَھُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوْا فِيْ سَبِيْلِ اللہِ اَوِ ادْفَعُوْا۝۰ۭ قَالُوْا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَّااتَّبَعْنٰكُمْ۝۰ۭ ھُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَىِٕذٍ اَقْرَبُ مِنْھُمْ لِلْاِيْمَانِ۝۰ۚ يَقُوْلُوْنَ بِاَفْوَاہِھِمْ مَّا لَيْسَ فِيْ قُلُوْبِھِمْ۝۰ۭ وَاللہُ اَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُوْنَ۝۱۶۷ۚ
WaliyaAAlama allatheena nafaqoo waqeela lahum taAAalaw qatiloo fee sabeeli Allahi awi idfaAAoo qaloo law naAAlamu qitalan laittabaAAnakum hum lilkufri yawmaithin aqrabu minhum lileemani yaqooloona biafwahihim ma laysa fee quloobihim waAllahu aAAlamu bima yaktumoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وليعلم الذين نافقوا و» الذين «قيل لهم» لما انصرفوا عن القتال وهم عبد الله بن أبيّ وأصحابه «تعالوا قاتلوا في سبيل الله» أعداءه «أو ادفعوا» عنا القوم بتكثير سوادكم إن لم تقاتلوا «قالوا لو نَعْلَمُ» نحسن «قتالا لاتبعناكم» قال تعالى تكذيبا لهم: «هم للكفر يومئذ أقرب منهم للإيمان» بما أظهروا من خذلانهم للمؤمنين وكانوا قبل أقرب إلى الإيمان من حيث الظاهر «يقولون بأفواهم ما ليس في قلوبهم» ولو علموا قتالا لم يتبعوكم «والله أعلم بما يكتمون» من النفاق.

167

Tafseer

البيضاوي

تفسير : {وَلِيَعْلَمَ ٱلَّذِينَ نَافَقُواْ} وليتميز المؤمنون والمنافقون فيظهر إيمان هؤلاء وكفر هؤلاء. {وَقِيلَ لَهُمْ} عطف على نافقوا داخل في الصلة أو كلام مبتدأ. {تَعَالَوْاْ قَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أَوِ ٱدْفَعُواْ} تقسيم للأمر عليهم وتخيير بين أن يقاتلوا للآخرة أو للدفع عن الأنفس والأموال. وقيل معناه قاتلوا الكفرة أو ادفعوهم بتكثيرهم سواد المجاهدين، فإن كثرة السواد مما يروع العدو ويكسر منه. {قَالُواْ لَوْ نَعْلَمُ قِتَالاً لاَّتَّبَعْنَـٰكُمْ} لو نعلم ما يصح أن يسمى قتالاً لاتبعناكم فيه لكن ما أنتم عليه ليس بقتال بل إلقاء بالأنفس إلى التهلكة، أو لو نحسن قتالاً لاتبعناكم فيه، وإنما قالوه دغلاً واستهزاء. {هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلإيمَـٰنِ} لانخذالهم وكلامهم هذا فإنهما أول أمارات ظهرت منهم مؤذنة بكفرهم. وقيل هم لأهل الكفر أقرب نصرة منهم لأهل الإيمان، إذ كان انخذالهم ومقالهم تقوية للمشركين وتخذيلاً للمؤمنين. {يَقُولُونَ بِأَفْوٰهِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ} يظهرون خلاف ما يضمرون، لا تواطىء قلوبهم ألسنتهم بالإِيمان. وإضافة القول إلى الأفواه تأكيد وتصوير. {وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ} من النفاق. وما يخلوا به بعضهم إلى بعض فإنه يعلمه مفصلاً بعلم واجب وأنتم تعلمونه مجملاً بأمارات. {ٱلَّذِينَ قَالُواْ} رفع بدلاً من واو {يَكْتُمُونَ}، أو نصب على الذم أو الوصف للذين نافقوا، أو جر بدلاً من الضمير في {بِأَفْوٰهِهِم} أو {قُلُوبِهِمْ} كقوله:شعر : عَلَى حَالةٍ لَوْ أَنَّ فِي القَوْمِ حَاتِما عَلَى جُودِهِ لضَنَّ بِالمَاءِ حَاتِمُ تفسير : {لإِخْوٰنِهِمْ} أي لأجلهم، يريد من قتل يوم أحد من أقاربهم أو من جنسهم. {وَقَعَدُواْ} حال مقدرة بقد أي قالوا قاعدين عن القتال. {لَوْ أَطَاعُونَا} في القعود بالمدينة. {مَا قُتِلُوا} كما لم نقتل. وقرأ هشام {مَا قُتِلُوا} بتشديد التاء. {قُلْ فَادْرَءوا عَنْ أَنفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ} أي إن كنتم صادقين إنكم تقدرون على دفع القتل عمن كتب عليه فادفعوا عن أنفسكم الموت وأسبابه، فإنه أحرى بكم، والمعنى أن القعود غير مغن عن الموت، فإن أسباب الموت كثيرة كما أن القتال يكون سبباً للهلاك والقعود سبباً للنجاة قد يكون الأمر بالعكس. {وَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أَمْوٰتاً} نزلت في شهداء أحد. وقيل في شهداء بدر والخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم أو لكل أحد. وقرىء بالياء على إسناده إلى ضمير الرسول، أو من يحسب أو إلى الذين قتلوا. والمفعول الأول محذوف لأنه في الأصل مبتدأ جائز الحذف عند القرينة. وقرأ ابن عامر قتلوا بالتشديد لكثرة المقتولين. {بَلْ أَحْيَاء} أي بل هم أحياء. وقرىء بالنصب على معنى بل أحسبهم أحياء {عِندَ رَبّهِمْ} ذوو زلفى منه. {يُرْزَقُونَ} من الجنة وهو تأكيد لكونهم أحياء. {فَرِحِينَ بِمَا ءَاتَـٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ} وهو شرف الشهادة والفوز بالحياة الأبدية والقرب من الله تعالى والتمتع بنعيم الجنة. {وَيَسْتَبْشِرُونَ} يسرون بالبشارة. {بِٱلَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم} أي بإخوانهم المؤمنين الذين لم يقتلوا فيلحقوا بهم. {مّنْ خَلْفِهِمْ} أي الذين من خلفهم زماناً أو رتبة. {أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} بدل من الذين والمعنى: إنهم يستبشرون بما تبين لهم من أمر الآخرة وحال من تركوا من خلفهم من المؤمنين، وهو إنهم إذا ماتوا أو قتلوا كانوا أحياء حياة لا يكدرها خوف وقوع محذور، وحزن فوات محبوب. والآية تدل على أن الإنسان غير الهيكل المحسوس بل هو جوهر مدرك بذاته لا يفنى بخراب البدن، ولا يتوقف عليه إدراكه وتألمه والتذاذه، ويؤيد ذلك قوله تعالى في آل فرعون {أية : ٱلنَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا }تفسير : [غافر: 46] الآية وما روى ابن عباس رضي الله عنهما أنه عليه الصلاة والسلام قال «حديث : أرواح الشهداء في أجواف طير خضر ترد أنهار الجنة، وتأكل من ثمارها وتأوي إلى قناديل معلقة في ظل العرش»تفسير : ومن أنكر ذلك ولم ير الروح إلا ريحاً وعرضاً قال هم أحياء يوم القيامة، وإنما وصفوا به في الحال لتحققه ودنوه أو أحياء بالذكر أو بالإيمان. وفيها حث على الجهاد وترغيب في الشهادة وبعث على ازدياد الطاعة وإحماد لمن يتمنى لإِخوانه مثل ما أنعم عليه، وبشرى للمؤمنين بالفلاح. {يَسْتَبْشِرُونَ} كرره للتأكيد وليعلق به ما هو بيان لقوله: {أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ} ويجوز أن يكون الأول بحال إخوانهم وهذا بحال أنفسهم. {بِنِعْمَةٍ مّنَ ٱللَّهِ } ثواباً لأعمالهم. {وَفَضْلٍ} زيادة عليه كقوله تعالى: {أية : لّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ ٱلْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌ } تفسير : [يونس: 26] وتنكيرهما للتعظيم. {وَأَنَّ ٱللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} من جملة المستبشر به عطف على فضل. وقرأ الكسائي بالكسر على أنه استئناف معترض دال على أن ذلك أجر لهم على إيمانهم مشعر بأن من لا إيمان له أعماله محبطة وأجوره مضيعة. {ٱلَّذِينَ ٱسْتَجَابُواْ لِلَّهِ وَٱلرَّسُولِ مِن بَعْدِ مَا أَصَـٰبَهُمُ ٱلْقَرْحُ} صفة للمؤمنين، أو نصب على المدح أو مبتدأ خبره. {لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ مِنْهُمْ وَٱتَّقَوْاْ أَجْرٌ عَظِيمٌ} بجملته ومن البيان، والمقصود من ذكر الوصفين المدح والتعليل لا التقييد، لأن المستجيبين كلهم محسنون متقون. روي (حديث : أن أبا سفيان وأصحابه لما رجعوا فبلغوا الروحاء ندموا وهموا بالرجوع، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فندب أصحابه للخروج في طلبه وقال لا يخرجن معنا إلا من حضر يومنا بالأمس، فخرج عليه الصلاة والسلام مع جماعة حتى بلغوا حمراء الأسد ـ وهي ثمانية أميال من المدينة ـ وكان بأصحابه القرح فتحاملوا على أنفسهم حتى لا يفوتهم الأجر، وألقى الله الرعب في قلوب المشركين فذهبوا) تفسير : فنزلت. {ٱلَّذِينَ قَالَ لَهُمُ ٱلنَّاسُ} يعني الركب الذين استقبلوهم من عبد قيس أو نعيم بن مسعود الأشجعي، وأطلق عليه الناس لأنه من جنسهم كما يقال فلان يركب الخيل وماله إلا فرس واحد لأنه انضم إليه ناس من المدينة وأذاعوا كلامه. {إِنَّ ٱلنَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَٱخْشَوْهُمْ } يعني أبا سفيان وأصحابه روي: أنه نادى عند انصرافه من أحد: يا محمد موعدنا موسم بدر القابل إن شئت فقال عليه الصلاة والسلام:حديث : إن شاء الله تعالى تفسير : ، فلما كان القابل خرج في أهل مكة حتى نزل بمر الظهران فأنزل الله الرعب في قلبه وبدا له أن يرجع، فمر به ركب من عبد قيس يريدون المدينة للميرة فشرط لهم حمل بعير من زبيب أن ثبطوا المسلمين. وقيل: لقي نعيم بن مسعود وقد قدم معتمراً فسأله ذلك والتزم له عشراً من الإِبل، فخرج نعيم فوجد المسلمين يتجهزون فقال لهم أتوكم في دياركم فلم يفلت منكم أحد إلا شريد افترون أن تخرجوا وقد جمعوا لكم ففتروا، فقال عليه السلام:حديث : والذي نفسي بيده لأخرجن ولو لم يخرج معي أحد تفسير : فخرج في سبعين راكباً وهم يقولون حسبنا الله. {فَزَادَهُمْ إِيمَـٰناً} الضمير المستكن للمقول أو لمصدر قال أو لفاعله أن أريد به نعيم وحده، والبارز للمقول لهم والمعنى: إنهم لم يلتفتوا إليه ولم يضعفوا بل ثبت به يقينهم بالله وازداد إيمانهم وأظهروا حمية الإِسلام وأخلصوا النية عنده، وهو دليل على أن الإِيمان يزيد وينقص ويعضده قول ابن عمر رضي الله عنهما (حديث : قلنا يا رسول الله الإِيمان يزيد وينقص، قال: نعم يزيد حتى يدخل صاحبه الجنة وينقص حتى يدخل صاحبه النار) تفسير : وهذا ظاهر إن جعل الطاعة من جملة الإِيمان وكذا إن لم تجعل فإن اليقين يزداد بالإِلف وكثرة التأمل وتناصر الحجج. {وَقَالُواْ حَسْبُنَا ٱللَّهُ} محسبنا وكافينا، من أحسبه إذا كفاه ويدل على أنه بمعنى المحسب إنه لا يستفيد بالإِضافة تعريفاً في قولك هذا رجل حسبك. {وَنِعْمَ ٱلْوَكِيلُ} ونعم الموكول إليه هو فيه.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَلِيَعْلَمَ ٱلَّذِينَ نَافَقُواْ } الذين {قِيلَ لَهُمْ } لما انصرفوا عن القتال وهم عبد الله بن أُبيّ وأصحابه {تَعَالَوْاْ قَاتِلُواْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ } أعداءه {أَوِ ٱدْفَعُواْ } عنا القوم بتكثير سوادكم إن لم تقاتلوا {قَالُواْ لَوْ نَعْلَمُ } نحسن {قِتَالاً لاَّتَّبَعْنَٰكُمْ } قال تعالى تكذيباً لهم:{هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلإيمَٰنِ } بما أظهروا من خذلانهم للمؤمنين وكانوا قبل أقرب إلى الإيمان من حيث الظاهر {يَقُولُونَ بِأَفْوٰهِهِم مَّا لَيْسَ فِى قُلُوبِهِمْ } ولو علموا قتالاً لم يتبعوكم {وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ } من النفاق.

ابن عبد السلام

تفسير : {أَوِ ادْفَعُواْ} بتكثير السواد إن لم تقاتلوا، أو بالمرابطة على الخيل إن لم تقاتلوا. {لَوْ نَعْلَمُ قِتَالاً} قال عبد الله بن عمرو بن حرام: علام نقتل أنفسنا ارجعوا بنا لو نعلم قتالاً لاتبعناكم. {يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِم} يظهرون من الإسلام ما ليس في قلوبهم، {بِأَفْوَاهِهِم} تأكيد، أو لأن القول ينسب إلى الساكت تجوزاً إذا رضي به.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {قَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أَوِ ٱدْفَعُواْ} [الآية: 167]. قال الجوزَجانى: جاهدوا أنفسكم وهواكم وجاهدوا معهم إلى أن تبلغوا منازل الصديقين ودرجاتهم، فإن لم تستطيعوا ذلك فادفعوها عن ارتكاب المحارم والتوثب على المناهى. وقيل: قاتلوا أنفسكم على ملازمة الأوامر والنواهى، أو ادفعوها عن طريق الشرك ظاهرًا وباطنًا.

الطوسي

تفسير : المعنى: قوله: {وليعلم الذين نافقوا} عطف على قوله: {وليعلم المؤمنين} وقيل في خبر ليعلم قولان: أحدهما - أنه مكتف بالاسم، لأنه بمعنى ليعرف المنافقين. والثاني - أنه محذوف، وتقديره: وليعلم المنافقين متميزين من المؤمنين. وقوله: {وقيل لهم: تعالوا قاتلوا في سبيل الله} روي أن القائل لهم ذلك كان عبد الله بن عمرو بن خزام يذكرهم الله ويحذرهم أن يخذلوا نبيه عند حضور عدوه - في قول ابن اسحاق والسدي - وقوله: {أو ادفعوا} قيل في معناه قولان: أحدهما - قال السدي، وابن جريج: ادفعوا بتكثير سوادنا إن لم تقاتلوا معنا. الثاني - قال ابن عون الانصاري: معناه رابطوا بالقيام على الخيل إن لم تقاتلوا معنا. وقوله: {قالوا لو نعلم قتالاً لاتبعناكم} قال ابن اسحاق، والسدي ان القائل لذلك عبد الله بن أبي بن سلول، انخزل يوم أحد بثلاثمائة نفس، قال لهم علام نقتل أنفسنا ارجعوا بنا، وقالوا للمؤمنين لا يكون بينكم قتال، ولو علمنا أنه يكون قتال لخرجنا معكم وأضمروا في باطنهم عداوة النبي (صلى الله عليه وسلم)، والمؤمنين، فقال الله تعالى: {هم للكفر يومئذ أقرب منهم للإيمان} لأنهم بهذا الاظهار إلى الكفر أقرب منهم للايمان إذ كانوا قبل ذلك في ظاهر أحوالهم إلى الايمان أقرب حتى هتكوا أنفسهم عند من كانت تخفى عليه حالهم من المؤمنين الذين كانوا يحسنون الظن بهم، وليس المراد أن بينهم وبين المؤمنين قرباً يوجب دخول لفظة أفعل بينهم. وانما هو مثل قول القائل: - وهو صادق - لمن هو كاذب: أنا أصدق منك، وإن لم يكن بينهما مقاربة في الصدق. وقوله: {يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم} انما ذكر الأفواه، وإن كان القول لا يكون إلا بالأفواه لامرين: أحدهما - للتأكيد من حيث يضاف القول إلى الانسان على جهة المجاز، فيقال: قد قال كذا: إذا قاله غيره ورضي به، وكذلك {أية : يكتبون الكتاب بأيديهم} تفسير : أي يتولونه على غير جهة الأمر به. والثاني - لأنه فرق بذكر الأفواه بين قول اللسان وقول الكتاب. وقوله: {والله أعلم بما يكتمون} يعني أعلم من الكافرين الذين قالوا: لا يكون قتال، وما كتموه في نفوسهم من النفاق.

اطفيش

تفسير : {وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا} أى ليعلم المؤمنين والمنافقين علم وقوع، طبق العلم الأزلى، أو ليتمير للناس ما فى علمه تعالى من إيمان المؤمنين ونفاق المنافقين، وأعاد يعلم تأكيداً، ولئلا يقترن الكفار والمؤمنون على نهج واحد { وََقِيلَ} الخ، عطف على نافقوا، قال المسلمون لهم حين انصرفوا عن القتال، وهم ثلاثمائة، رئيسهم ابن أبى، وقيل، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقيل، عبد الله بن عمر بن حرام من بنى سلمة، وعليه الجمهور، وتقدم غير ذلك {لَهُمْ تَعَالَوا قَاتِلُوا} بدل اشتمال من تعالوا، والربط بالمعنى، وهو كون القتال من لوازم التعالى، لا بالضمير، إذ لا يعود الضمير للجملة {فِِى سَبِيلِ اللهِ} الكفرة {أَوِ ادْفَعُوا} ادفعوا الكفرة عن الأنفس والأموال، وادفعوهم بكثرة سواد المجاهدين فى سبيل الله، فإن كثرته تكسر همة العدو وتروعه، أى احضر يحصل بحضوركم قتال العدو، أو ادفعوهم بكثرتهم عن الأموال والأنفس، ولو لم تقاتلوا، أو ادفعوا عن أنفسكم اسم النفاق بالقتال أو الحضور ولو لم تقصدوا وجه الله عز وجل {قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالاً لأَّتَّبَعْنَاكُمْ} هذا مما يقوى كون قيل عطف قصة على أخرى،لا على صلة الذين، وإلا قال، فقالوا بالعطف، ومعنى، ولو نعلم قتالا، لو عرفنا أن ما ذهبتم له هو قتال لاتبعناكم، ولكن عرفناه إلقاء بالنفس للتهلكة لكثرة عدوكم ولتجربتنا، أنه كلما خرجنا من المدينة إلى عدونا يغلبنا، أو لم نعرف كيفيته ولم نجربه، ولو عرفنا ذلك لاتبعناكم، والوجهان الأخيران استهزاء وغش، وذلك أول ما صرحوا به من نفاقهم {هُمْ لِلْكُفْرِ} أى قربهم إلى اعتقاد الشرك ونصرة أهله {يَوْمَئِذٍ} يوم إذ قالوا منصرفين عن أحد، لو نعلم قتالا لاتبعناكم متعلق بقوله {أَقْرَبُ مِنْهُمْ} أى من قربهم {لِلإيَمَانِ} إلى اعتقاد الإيمان ونصرة أهله، لأن انصرافهم عن أحد ضعف فى قلوب المؤمنين وقوة قلوب المشركين، وقيل ظهور هذا منهم هم أقرب إلى الإيمان منهم إلى الكفر بحسب الظاهر، واللام الأولى متعلقة بالمضاف المقدر، والثانية متعلقة بمضاف مقدر أيضاً كما رأيت، وهما بمعنى إلى، أو بمعنى من ولم يتحد متعلقهما {يَقُولُونَ بِأفْوَاهِهِم} من الإيمان {مَّا لَيْسَ فِى قُلُوبِهِم} منه، وذكر الأفواه مع أن القول لا يكون إلا منها تأكيداً أو تصويراً لحقيقة القول بصورة فرده الصادر عن آلته، التى هى الفم، كقوله تعالى: {أية : ولا طائر يطير بجناحيه} تفسير : [الأنعام: 38]، أو مبالغة بأن القول بجميع الفم، كقوله تعالى: {أية : يأكلون فى بطونهم} تفسير : [البقرة: 174، النساء: 10]، وقولهم، فلان أكل فى بطنه، أى ملأه، وإذ قلنا يطلق القول على الاعتقاد أيضا حقيقة فذكره لذلك أيضا، وإلا فقوله، ما ليس فى قلوبهم ظاهر فى أن القول بالأفواه،ولو لم يذكر {وَاللهُ أَعْلَمُ} منكم {بِمَا يَكْتُمُونَ} وصح التفضيل مع أن علم الله غير علم المخلوق اعتباراً لجامع مطلق عدم الجهل، فإن الله جل وعلا لا يجهل، والمسلمون لم يجهلوا بعض أحوال المنافقين، لكن علم الله أعم، إذ علم أحوال المنافقين كلها، وعلمها تفصيلا وإجمالا، والذين يكتمون هو النفاق، وطعنهم فى الإسلام إذا خلوا.

الالوسي

تفسير : {وَلِيَعْلَمَ ٱلَّذِينَ نَافَقُواْ } كعبد الله بن أبـيّ وأصحابه، وهذا عطف على ما قبله من مثله، وإعادة الفعل إما للاعتناء بهذه العلة، أو لتشريف المؤمنين وتنزيههم عن الانتظام في قرن المنافقين وللإيذان باختلاف حال العلم بحسب التعلق بالفريقين فإنه متعلق بالمؤمنين على نهج تعلقه السابق، وبالمنافقين على نهج جديد وهو السر ـ كما قال شيخ الإسلام ـ في إيراد الأولين بصيغة اسم الفاعل المنبئة عن الاستمرار والآخرين بموصول صلته فعل دال على الحدوث. {وَقِيلَ لَهُمْ } عطف على {نَافَقُواْ } مؤذن بأن ذلك كان نفاقاً خاصاً أظهروه في ذلك المقام. وقيل: ابتداء كلام معطوف على مجموع ما قبله عطف قصة على قصة، ووجهه أنه جل شأنه لما ذكر أحوال المؤمنين وما جرى لهم وعليهم فيما تقدم من الآيات وبين أن الدائرة إنما كانت للابتلاء وليتميز المؤمنون عن المنافقين وليعلم كل واحد من الفريقين أن ما قدره الله تعالى من إصابة المؤمنين كائن لا محالة أورد قصة من قصصهم مناسبة لهذا المقام مستطردة، وجيء بالواو لأنها ملائمة لأصل الكلام، والنفاق على هذا مطلق متعارف، وجوز أن يكون كلاماً مبتدأ على سبيل الاعتراض للتنبيه على كيفية ظهور نفاقهم، أو عدم ثباتهم على الإيمان. وعلى كل تقدير القائل إما رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ وإليه ذهب الأصم ـ وإما عبد الله بن عمرو بن حرام من بني سلمة ـ وإليه ذهب الأكثر ـ ومقول القول قوله تعالى: {تَعَالَوْاْ قَاتِلُواْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ أَوِ ٱدْفَعُواْ } قال السدي وابن جريج: أو ادفعوا عنا العدو بتكثير السواد، وهو المروي عن ابن عباس، وقيل: إنهم خيروا بين أن يقاتلوا للآخرة أو لدفع الكفار عن أنفسهم وأموالهم أو بين الأول وبين دفع المؤمنين عن ذلك كأنه قيل: قاتلوا لله تعالى أو للنفاق الدافع عن أنفسكم وأموالكم، وترك العاطف الفاء أو الواو بين تعالوا وقاتلوا لما أن المقصود بهما واحد وهو الثاني، وذكر الأول توطئة له وترغيباً فيه لما فيه من الدلالة على التظاهر والتعاون، وقيل: ترك العاطف للإشارة إلى أن كل واحد من الجملتين مقصود بنفسه، وقيل: الأمر الثاني حال ولا يخفى بعده. {قَالُواْ } استئناف بياني كأنه قيل فما صنعوا حين قيل لهم ذلك؟ فقيل قالوا: {لَوْ نَعْلَمُ قِتَالاً لاَّتَّبَعْنَـٰكُمْ } أي لو كنا نعلم أنكم تقاتلون ما أسلمناكم ولكن لا نرى أن يكون قتال، أخرجه ابن جرير وغيره عن ابن شهاب، وقيل: أرادوا إنا لا نحسن القتال ولا نقدر عليه لأن العلم بالفعل الاختياري من لوازم القدرة عليه فعبر بنفيه عن نفيها، ويحتمل أنهم جعلوا نفي علم القتال كناية عن أن ما هم فيه ليس قتالاً بناءاً على نفي العلم بنفي المعلوم لأن القتال يستدعي التكافؤ من الجانبين مع رجاء مدافعة أو مغالبة ومتى لم يتحقق ذلك كان إلقاء الأنفس إلى التهلكة، ومن الناس من جوز أن يكون المراد لو نعلم قتالاً في سبيل الله لاتبعناكم أو لو نعلم قتالاً معنا لاتبعناكم لكن ليس للمخالف معنا مضادة ولا قصد له إلا معكم، ولا يخفى أن هذا الكلام على جميع تقاديره يصلح وقوعه جواباً لما قيل لهم على جميع تقاديره ما عدا الأول، وعلى الأول يصلح هذا جواباً له على جميع تقاديره ما عدا الثاني إذ عدم المعرفة بالقتال لا يكون عذراً في عدم تكثير السواد إلا على بعد ومن كلامهم:شعر : إن لم تقاتل يا جبان فشجع تفسير : والمراد بالاتباع إما الذهاب للقتال ولم يعبروا به لأن ألسنتهم لكمال تثبط قلوبهم عنه لا تساعدهم على الإفصاح به، وإما الذهاب مع المؤمنين مطلقاً سواء كان للقتال أو للدفع وتكثير السواد وحمله على امتثال الأمر أي لو كنا نعلم قتالاً لامتثلنا أمركم لا يخلو عن بعد. / {هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلإيمَـٰنِ } أي هم يوم إذ قالوا لو نعلم الخ أقرب للكفر منهم قبل ذلك لظهور أمارته عليهم بانخذالهم عن نصرة المؤمنين واعتذارهم لهم على وجه الدغل والاستهزاء. والظروف كلها في المشهور عند المعربين متعلقة ـ بأقرب ـ ومن قواعدهم أنه لا يتعلق حرفا جر، أو ظرفان بمعنى بمتعلق واحد إلا في ثلاث صور: إحداها: أن يتعلق أحدهما به مطلقاً ثم يتعلق به الآخر بعد تقييده بالأول، وثانيتها: أن يكون الثاني تابعاً للأول ببدلية ونحوها، وثالثتها: أن يكون المتعلق أفعل تفضيل لتضمنه الفاضل والمفضول الذي يجعله بمنزلة تعدد المتعلق كما في المقيد والمطلق، وما نحن فيه من هذا القبيل كأنه قيل قربهم من الكفر يزيد على قربهم من الإيمان، واللام الجارة في الموضعين بمعنى إلى بناءاً على ما قيل: إن صلة القرب تكون من وإلى لا غير، تقول: قرب منه وإليه، ولا تقول له، أو على حالها بناءاً على ما في «الدر المصون» أن القرب الذي هو ضد البعد يتعدى بثلاثة أحرف اللام وإلى ومن، وقيل: إن أقرب هنا من القرب بفتح الراء وهو طلب الماء ومنه القارب لسفينته، وليلة القرب أي الورود، والمعنى هم أطلب للكفر وحينئذ يتعدى باللام اتفاقاً. وزعم بعضهم أن اللام هنا للتعليل والتقدير هم لأجل كفرهم يومئذ أقرب من الكافرين منهم من المؤمنين لأجل إيمانهم، ولا ينبغي أن يخرج كلام الله تعالى عليه لمزيد بعده وركاكة نظمه لو صرح بما حذف فيه. وجوز أن يقدر في الكلام مضاف وهو أهل، واللام متعلقة بتمييز محذوف وهو نصرة والمعنى هم لأهل الكفر أقرب نصرة منهم لأهل الإيمان إذ كان انخذالهم ومقالهم تقوية للمشركين وتخذيلاً للمؤمنين، وهذا كما تقول: أنا لزيد أشدّ ضرباً مني لعمرو، وأنت تعلم أنه يمكن تعلق اللام بالتمييز عند عدم اعتبار حذف المضاف أيضاً، وادعى الواحدي أن في الآية دليلاً على أن الآتي بكلمة التوحيد لا يكفر لأنه تعالى لم يظهر القول بتكفيرهم. وقال الحسن: إذا قال الله تعالى {أَقْرَبُ } فهو لليقين بأنهم مشركون ولا يخفى أن الآية كالصريح في كفرهم لكنهم مع هذا لا يستحقون أن يعاملوا بذلك معاملة الكفار ولعله لأمر آخر. {يَقُولُونَ بِأَفْوٰهِهِم مَّا لَيْسَ فِى قُلُوبِهِمْ } جملة مستأنفة مبينة لحالهم مطلقاً لا في ذلك اليوم فقط ولذا فصلت، وقيل: حال من ضمير أقرب وتقييد القول بالأفواه إما بيان لأنه كلام لفظي لا نفسي، وإما تأكيد على حدّ {أية : وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ } تفسير : [الأنعام: 38] والمراد أنهم يظهرون خلاف ما يضمرون؛ وقال شيخ الإسلام: ((إن ذكر الأفواه والقلوب تصوير لنفاقهم وتوضيح لمخالفة ظاهرهم لباطنهم وإن ما عبارة عن القول والمراد به إما نفس الكلام الظاهر في اللسان تارة وفي القلب أخرى، فالمثبت والمنفي متحدان ذاتاً وصفة وإن اختلفا مظهراً، وإما القول الملفوظ فقط فالمنفي حينئذ منشؤه الذي لا ينفك عنه القول أصلاً، وإنما عبر عنه به إبانة لما بينهما من شدة الاتصال، والمعنى يتفوهون بقول لا وجود له أو لمنشئه في قلوبهم أصلاً من الأباطيل التي من جملتها ما حكى عنهم آنفاً فإنهم أظهروا فيه أمرين ليس في قلوبهم شيء منهما، أحدهما: عدم العلم بالقتال والآخر: الاتباع على تقدير العلم به وقد كذبوا فيهما كذباً بيّناً حيث كانوا عالمين به [غير ناوين للاتباع بل كانوا] مصرين مع ذلك على الانخذال عازمين على الارتداد))، واختار بعضهم كون {مَا } عبارة عن القول الملفوظ، ومعنى كونه ليس في قلوبهم أنه غير معتقد لهم ولا متصور عندهم إلا كتصور زوجية الثلاثة مثلاً والحكم عام؛ ويدخل فيه حكم ما تفوهوا به من مجموع القضية الشرطية لا خصوص المقدم فقط ولا خصوص / التالي فقط ولا الأمران معاً دون الهيئة الاجتماعية المعتبرة في القضية ولعل ما ذكره الشيخ أولى. {وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ } زيادة تحقيق لكفرهم ونفاقهم ببيان اشتغال قلوبهم بما يخالف أقوالهم من فنون الشر والفساد إثر بيان خلوهم عما يوافقها، والمراد أعلم من المؤمنين لأنه تعالى يعلمه مفصلاً بعلم واجب، والمؤمنون يعلمونه مجملاً بأمارات، ويجوز أن تكون الجملة حالية للتنبيه على أنهم لا ينفعهم النفاق، وأن المراد أعلم منهم لأن الله تعالى يعلم نتيجة أسرارهم وآمالهم.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 167- وليظهر نفاق الذين نافقوا، وهم الذين قيل لهم حين انصرفوا يوم أُحد عن القتال: تعالوا قاتلوا لأجل طاعة الله، أو قاتلوا دفاعاً عن أنفسكم، قالوا: لو نعلم أنكم ستلقون قتالاً لذهبنا معكم، وهم حين قالوا هذا القول أقرب للكفر منهم للإيمان، يقولون بأفواههم: ليس هناك حرب، مع أنهم يعتقدون فى قلوبهم أنها واقعة. والله أعلم بما يضمرون من النفاق لأنه يعلم نتيجة اسرارهم. 168- وإنهم هم الذين تخلفوا عن القتال وقعدوا عنه، وقالوا فى شأن إخوانهم الذين خرجوا وقتلوا: لو أطاعونا وقعدوا كما قعدنا لنجوا من القتل كما نجونا. قل: فادفعوا عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين فى أن الحذر كان يمنعكم من القدر. 169- ولا تظنن الذين قُتِلوا فى سبيل الله أمواتاً بل هم أحياء حياةً استأثر الله بعلمها، يرزقون عند ربهم رزقاً حسناً يعلمه هو. 170- يتألق السرور بالبشر من وجوههم بما أعطاهم الله بسبب فضله من المزايا، ويفرحون بإخوانهم الذين تركوهم فى الدنيا أحياء مقيمين على منهج الإيمان والجهاد، وبأنه لا خوف عليهم من مكروه، ولا هم يحزنون لفوات محبوب. 171- تتألق وجوه الشهداء بما منّ الله به عليهم من نعمة الشهادة ونعيم الجنة وعظيم الكرامة، وبأنه لا يضيع أجر المؤمنين.

القطان

تفسير : وكما يُظهر اللهُ حال المؤمنين من قوة الايمان وضعفه، واستفادتهم من المصائب حتى لا يعودوا الى أسبابها، يُظهر حال المنافقين (من أمثال عبد الله بن أبي سلول) ويفضح موقفهم يوم أُحد. وقد كشفهم الله على حقيقتهم يومذاك، اذ انصرفوا ورجعوا الى المدينة. وتبعهم ابو جابر السلمي من الصحابة يناديهم ويقول لهم: تعالوا قاتِلوا في سبيل الله. فأجابوه: لو نعلم انكم ستلقون قتالاً في خروجكم لذهبنا معكم. لقد كانوا غير صادقين في ذلك، بل إنهم في مقالتهم هذه أقرب الى الكفر منهم الى الايمان. وما كان اعتذارهم الا على وجه الخديعة والاستهزاء، يقولون بأفواههم "ليس هناك حرب" مع أنهم يعتقدون في قلوبهم أنها واقعة. ومع ذلك فقد أصروا على الارتداد. ثم أكد الله كفرهم ونفاقهم بقوله: {وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ} من الكفر والكيد للمسلمين وتربُّص الدوائر بهم. ثم مضى يكشف بقية موقفهم في محاولة خلخلة الصفوف والنفوس:

د. أسعد حومد

تفسير : {قَاتِلُواْ} {لاَّتَّبَعْنَاكُمْ} {يَوْمَئِذٍ} {لِلإِيمَانِ} {بِأَفْوَاهِهِم} (167) - وَالشَّدَائِدُ تُظهِرُ المُنَافِقِينَ الذِينَ تَبَطَّنُوا بِالكُفْرِ، وَأظْهَرُوا الإِيمَانَ، مِنْ جَمَاعَةِ ابْنِ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ، الذِينَ رَجَعُوا إلَى المَدِينَةِ قَبْلَ المَعْرَكَةِ، فَلَحِقَ بِهِمْ رِجَالٌ مِنَ المُؤْمِنينَ يَدْعُونَهُمْ لِلْعَوْدَةِ إلَى الصَّفِّ، وَيُحَرِّضُونَهُمْ عَلَى القِتَالِ، وَمُسَاعَدَةِ المُسْلِمِينَ، وَإكْثَارِ عَدَدِهِمْ أمَامَ المُشْرِكِينَ (أو ادْفَعُوا)، فَرَدُّوا مُتَعَلِّلِينَ: لَوْ نَعْلَمُ أنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ حَرْباً لاتَّبَعْنَاكُمْ، وَلَكِنَّنَا نَعْلَمُ أنَّكُمْ لَنْ تُقَاتِلُوا عَدُوّاً. وَهُمْ يَقُولُونَ هَذَا القَوْل بِأفواهِهِمْ، وَلكِنَّهُمْ فِي قُلُوبِهِمْ يَعْتَقِدُونَ غَيْرَهُ. وَهُمْ حِينَما قَالُوا هَذَا القَوْلَ كَانُوا فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ أقرْبَ لِلْكُفْرِ مِنْهُمْ إلَى الإِيمَانِ، وَاللهُ أعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ فِي قُلُوبِهِمْ وَفِي نُفُوسِهِمْ مِنَ الكُفْرِ وَالكَيْدِ لِلْمُسْلِمِينَ، وَسَيُعَاقِبُهُمْ عَلَيهِ فِي الدُّنْيا وَالآخِرَةِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وقوله: {وَلِيَعْلَمَ ٱلَّذِينَ نَافَقُواْ} [آل عمران: 167] أي يجعلهم يظهرون وينكشفون أمام الناس، وإلا لو لم تحدث هذه الأحداث فكيف كنت تعرف المنافق؟ سيستر نفسه. لابد إذن أن تأتي أحداث لتظهره وتفضحه، فالمنافق يراوغ؛ لذلك يأتيه الحق بأحداث ليظهر على حقيقته، وقد كان. {وَلِيَعْلَمَ ٱلَّذِينَ نَافَقُواْ وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ قَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أَوِ ٱدْفَعُوا} [آل عمران: 167] .. وكانت المدينة مهاجمة، وإذا انتصر الكفار فسيدخلون ويسْبون ويأخذون المسلمين أسرى ويفعلون كل منكر!! فقال عبد الله بن عمرو بن حرام الأنصاري للمنافقين: اخرجوا وقاتلوا معنا، وإن لم تخرجوا لتقاتلوا معنا.. اخرجوا لتدفعوا عن أنفسكم وعن أموالكم وعن نسائكم؛ لأنهم إذا انتصروا على المسلمين فسيدخلون ويفعلون كذا وكذا، إنه دعاهم إلى القتال على طريق إثارة الحمية والأنفة فيهم وذلك بعد أن يئس من أنهم لم يقاتلوا في سبيل الله، ولما رأى إصرارهم على عدم الخروج قال لهم عبد الله: اذهبوا أعداء الله فسيغني الله رسوله عنكم. إذن ففيه فرق بين القتال في سبيل الله وبين الدفاع عن النفس فقال: {قَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أَوِ ٱدْفَعُوا} [آل عمران: 167] .. أو ادفعوا عنا ولو بتكثير سوادنا وإظهار كثرتنا حتى يظن المشركون أن معنا أناساً كثيرين. {قَالُواْ لَوْ نَعْلَمُ قِتَالاً لاَّتَّبَعْنَاكُمْ} [آل عمران: 167] .. وعندما نتابع هذا المنطق في القصة في ذاتها نجد أن " ابن أُبَيّ" كان من رأيه أن يظل رسول الله في المدينة لماذا؟ لأنه قد ثبت بالتجربة أنه إذا جاء قوم ليغيروا على المدينة ودخلوها فأهل المدينة ينتصرون عليهم، وإذا خرج لهم أهل المدينة فهم ينهزمون. إذن فالقضية واضحة في ذهن ابن أُبَيّ، فهو لم يرض أن يخرج لأن التجارب أثبتت له أنهم إذا خرجوا عن المدينة ليحاربوا العدو فعدوهم ينتصر عليهم، وإذا ظلوا انتصروا، إذن فهو واثق من نتيجة الخروج، ولكن ما دامت المسألة قد صدرت من رأس النفاق عبد الله بن أبيّ فأنت لا تستطيع أن تحكم أين الحق، فمن الجائز أن آثار يوم هجرة الرسول عليه الصلاة والسلام من مكة إلى المدينة هذه الآثار كانت باقية في نفس "ابن أبيّ" ففي ذلك اليوم الذي جاء فيه الرسول إلى المدينة كان هو اليوم الذي كان سيتوج فيه المنافق"ابن أُبَيَّ" ليكون ملكاً على المدينة، فلما جاء الرسول بهذا الحدث الكبير تغير الوضع وصار التاج من غير رأس تلبسه، فهذه قد حملها في نفسه. {قَالُواْ لَوْ نَعْلَمُ قِتَالاً لاَّتَّبَعْنَاكُمْ} [آل عمران: 167] لقد ادّعى ابن أبيّ أن الخروج من المدينة هو كإلقائه إلى التهلكة وليس قتالاً؛ لأن القتال تدخله وعندك مظنة أن تنتصر، إنما هذا إلقاء إلى تهلكة وليس قتالاً، لكن أقال: "لو نعلم قتالاً لاتبعناكم" وهو صادق؟ إن الحق يفضحهم: {هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلإِيمَانِ} [آل عمران: 167]، فقبل ذلك كانوا في نفاق مستور، وما دام النفاق مستوراً فاللسان يقول والقلب ينكر ويجحد، فهم مذبذبون بين ذلك؛ لا إلى هؤلاء، ولا إلى هؤلاء، هذه المسألة جعلته قريباً من الكفر الظاهر. {يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ} [آل عمران: 167] .. إذن فالقلب عمله النية الإيمانية، واللسان قد يقول ولا يفعل ما يقول، ولذلك قلنا: إن المنافق موزع النفس، موزع الملكات، يقول بلسانه كلاماً وقلبه فيه إنكار، ولذلك سيكونون في الدرك الأسفل من النار؛ لأنهم غشاشون، ونفوسهم موزعة. {يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ} [آل عمران: 167] والقول ضرورة بالفم؛ لأن القول يُطلق ويراد به البيان عما في النفس، فتوضيح الإنسان لما في نفسه كتابة، يعتبر قولاً - لغة - ولذلك فالذي يستحي من واحد أن يقول له كلاماً فهو يكتبه له في ورقة، فساعة يكتب يكون قد قال، وهؤلاء المنافقون يقولون كلماتهم لا بوساطة كتاب بل بوساطة أفواههم، وهذا تبجح في النفاق، فلو كانوا يستحون لهمسوا به: {يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ} [آل عمران: 167] إذن فاللسان لم يتفق مع القلب. فالقلب منعقد ومصر على الكفر - والعياذ بالله - واللسان يتبجح ويعلن الإيمان. ونعرف أن "الصدق" هو أن يوافق القول الواقع، والواقع في القضية الإيمانية نية في القلب وحركة تُثبت الإيمان، أما المنافقون فلسانهم لا يوافق قلبهم، فلما كان ما في القلب مستوراً ثم ظهر إلى الجوارح انكشفوا. وهذا هو السبب في أنهم كانوا أقرب إلى الكفر، {يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ} [آل عمران: 167] وهذا لون من نقص التصور الإيماني في القلب، كأنهم يعاملون الله كما يعاملون البشر مثلهم. وبعد ذلك يقول الحق: {ٱلَّذِينَ قَالُواْ لإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُواْ لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ ...}.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {قَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أَوِ ٱدْفَعُواْ} قالَ زَيدُ بن علي عليهما السَّلامُ: معناهُ كَثِّرُوا سَوادَكُم. ورَابِطُوا.