Verse. 461 (AR)

٣ - آلِ عِمْرَان

3 - Al-Imran (AR)

اَلَّذِيْنَ قَالُوْا لِاِخْوَانِھِمْ وَقَعَدُوْا لَوْ اَطَاعُوْنَا مَا قُتِلُوْا۝۰ۭ قُلْ فَادْرَءُوْا عَنْ اَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ اِنْ كُنْتُمْ صٰدِقِيْنَ۝۱۶۸
Allatheena qaloo liikhwanihim waqaAAadoo law ataAAoona ma qutiloo qul faidraoo AAan anfusikumu almawta in kuntum sadiqeena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«الذين» بدل من الذين قبله أو نعت «قالوا لإخوانهم» في الدين «و» قد «قعدوا» عن الجهاد «لو أطاعونا» أي شهداء أحد أو إخواننا في القعود «ماقتلوا قل» لهم «فادرَءُوا» ادفعوا «عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين» في أن القعود ينجي منه ونزل في الشهداء.

168

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أن الذين حكى الله عنهم أنهم قالوا: {أية : لَوْ نَعْلَمُ قِتَالاً لاَّتَّبَعْنَـٰكُمْ } تفسير : [آل عمران: 167] وصفهم الله تعالى بأنهم كما قعدوا واحتجوا لقعودهم، فكذلك ثبطوا غيرهم واحتجوا لذلك، فحكى الله تعالى عنهم أنهم قالوا لاخوانهم إن الخارجين لو أطاعونا ما قتلوا، فخوفوا من مراده موافقة الرسول صلى الله عليه وسلم في محاربة الكفار بالقتل لما عرفوا ما جرى يوم أحد من الكفار على المسلمين من القتل، لأن المعلوم من الطباع محبة الحياة فكان وقوع هذه الشبهة في القلوب يجري مجرى ما يورده الشيطان من الوسواس، وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: في محل {ٱلَّذِينَ } وجوه: أحدها: النصب على البدل من {أية : ٱلَّذِينَ نَافَقُواْ }تفسير : [آل عمران: 167] وثانيها: الرفع على البدل من الضمير في {أية : يَكْتُمُونَ }تفسير : [آل عمران: 167] وثالثها: الرفع على خبر الابتداء بتقدير: هم الذين، ورابعها: أن يكون نصبا على الذم. المسألة الثانية: قال المفسرون: المراد (بِٱلَّذِينَ قَالُواْ ) عبدالله بن أبي وأصحابه، وقال الأصم: هذا لا يجوز لأن عبدالله بن أبي خرج مع النبي صلى الله عليه وسلم في الجهاد يوم أحد، وهذا القول فهو واقع فيمن قد تخلف لأنه قال: {ٱلَّذِينَ قَالُواْ لإِخْوٰنِهِمْ وَقَعَدُواْ لَوْ أَطَاعُونَا } أي في القعود ما قتلوا فهو كلام متأخر عن الجهاد، قاله لمن خرج الى الجهاد ولمن هو قوي النية في ذلك ليجعله شبهة فيما بعده صارفاً لهم عن الجهاد. المسألة الثالثة: قالوا لاخوانهم: أي قالوا لأجل إخوانهم، وقد سبق بيان المراد من هذه الأخوة، الأخوة في النسب، أو الأخوة بسبب المشاركة في الدار، أو في عداوة الرسول صلى الله عليه وسلم أو في عبادة الأوثان؟ والله أعلم. المسألة الرابعة: قال الواحدي: الواو في قوله: {وَقَعَدُواْ } للحال ومعنى هذا القعود القعود عن الجهاد يعني من قتل بأحد لو قعدوا كما قعدنا وفعلوا كما فعلنا لسلموا ولم يقتلوا، ثم أجاب الله عن ذلك بقوله: {قل فادرؤا عن أنفسكم الموت ان كنتم صادقين}. فإن قيل: ما وجه الاستدلال بذلك مع أن الفرق ظاهر فان التحرز عن القتل ممكن، أما التحرز عن الموت فهو غير ممكن ألبتة؟ والجواب: هذا الدليل الذي ذكره الله تعالى لا يتمشى إلا إذا اعترفنا بالقضاء والقدر، وذلك لأنا إذا قلنا لا يدخل الشيء في الوجود إلا بقضاء الله وقدره، اعترفنا بأن الكافر لا يقتل المسلم إلا بقضاء الله، وحينئذ لا يبقى بين القتل وبين الموت فرق، فيصح الاستدلال. أما إذا قلنا بأن فعل العبد ليس بتقدير الله وقضائه، كان الفرق بين الموت والقتل ظاهراً من الوجه الذي ذكرتم، فتفضي إلى فساد الدليل الذي ذكره الله تعالى، ومعلوم أن المفضي إلى ذلك يكون باطلا، فثبت أن هذه الآية دالة على أن الكل بقضاء الله. وقوله: {ان كنتم صادقين} يعني: إن كنتم صادقين في كونكم مشتغلين بالحذر عن المكاره، والوصول إلى المطالب.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى {ٱلَّذِينَ قَالُواْ لإِخْوَانِهِمْ} معناه لأجل إخوانهم، وهم الشهداء المقتولون من الخَزْرَج؛ وهم إخوة نسب ومجاورة، لا إخوة الدِّين. أي قالوا لهؤلاء الشهداء: لو قعدوا، أي بالمدينة ما قتِلوا. وقيل: قال عبد الله بن أبيّ وأصحابُه لإخوانهم، أي لأشكالهم من المنافقين: لو أطاعونا، هؤلاء الذين قُتِلوا، لمَا قتِلوا. وقوله: {لَوْ أَطَاعُونَا} يريد في ألاّ يخرجوا إلى قريش. وقوله: {وَقَعَدُواْ} أي قالوا هذا القول وقعدوا بأنفسهم عن الجهاد؛ فردّ الله عليهم بقوله: {قُلْ فَادْرَءُوا} أي قل لهم يا محمد: إن صدقتم فادفعوا الموت عن أنفسكم. والدَّرْء الدفعُ. بيّن بهذا أن الحَذَر لا ينفع من القَدَر، وأن المقتولَ يقتل بأجله، وما عَلِم الله وأخبر به كائنٌ لا محالَة. وقيل: مات يومَ قيل هذا، سبعون منافقاً. وقال أبو الليث السَّمْرَقَنْدِيّ: سمعت بعض المفسّرين بسَمْرَقَنْد يقول: لما نزلت الآية {قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ} مات يومئذ سبعون نفساً من المنافقين.

المحلي و السيوطي

تفسير : {ٱلَّذِينَ } بدل من (الذين) قبله أو نعت {قَالُواْ لإِخْوٰنِهِمْ } في الدين {وَ} قد {قَعَدُوا} عن الجهاد {وَقَعَدُواْ لَوْ أَطَاعُونَا } أي شهداء أحد أو إخواننا في القعود {مَا قُتِلُوا قُلْ } لهم {فَادْرءُواْ} ادفعوا { عَنْ أَنفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ } في أن القعود ينجي منه.

ابن عطية

تفسير : {الذين} بدل من "الذين" المتقدم، و"إخوانهم" المقتولون من الخزرج وهي أخوة نسب ومجاورة، وقوله تعالى: {لإخوانهم} معناه لأجل إخوانهم وفي شأن إخوانهم، ويحتمل أن يكون قوله: {لإخوانهم} للأحياء من المنافقين، ويكون الضمير في {أطاعونا} هو للمقتولين، وقوله: {وقعدوا} جملة في موضع الحال وهي حالة معترضة أثناء الكلام، وقوله: {لو أطاعونا} يريد في أن لا يخرجوا إلى قريش، وقرأ الحسن بن أبي الحسن: "ما قتّلوا" بشد التاء، وهذا هو القول بالأجلين، فرد الله تعالى عليهم بقوله: {قل فادرؤوا} الآية، والدرء الدفع ومنه قول دغفل النسابة: [الرجز] شعر : صَادَفَ دَرْءُ السَّيْلِ درءاً يَدْفَعُهْ وَالْعِبءُ لا تَعْرفُهُ أَوْ تَرْفَعُه تفسير : ولزوم هذه الحجة هو أنكم أيها القائلون: إن التوقي واستعمال النظر يدفع الموت، فتوقوا وانظروا في الذي يغشاكم منه حتف أنوفكم، فادفعوه إن كان قولكم صدقاً، أي إنما هي آجال مضروبة عند الله. وقرأ جمهور القراء: "ولا تحسبن" بالتاء مخاطبة للنبي عليه السلام، وقرأ حميد بن قيس، "ولا يحسبن" بالياء على ذكر الغائب، ورويت عن ابن عمر وذكره أبو عمرو وكأن الفاعل مقدر: ولا يحسبن أحد أو حاسب، وأرى هذه القراءة بضم الباء فالمعنى: ولا يحسب الناس، ويحسبن، معناه يظن، وقرأ الحسن: "الذين قتّلوا"، بشد التاء، وابن عامر من السبعة، وروي عن عاصم أنه قرأ: "الذين قاتلوا" بألف بين القاف والتاء، وأخبر الله تعالى في هذه الآية عن الشهداء: أنهم في الجنة يرزقون، هذا موضع الفائدة، ولا محالة أنهم ماتوا وأن أجسادهم في التراب وأرواحهم حية كأرواح سائر المؤمنين وفضلوا بالرزق في الجنة من وقت القتل، حتى كأن حياة الدنيا دائمة لهم، قال الحسن بن أبي الحسن: أم زال ابن آدم يتحمد حتى صار حياً لا يموت بالشهادة في سبيل الله، فقوله: {بل أحياء} مقدمة لقوله: {يرزقون} إذ لا يرزق إلا حي، وهذا كما تقول لمن ذم رجلاً: بل هو رجل فاضل، فتجيء باسم الجنس الذي تركب عليه الوصف بالفضل، وقرأ جمهور الناس: "بل أحياءٌ" بالرفع على خبر ابتداء مضمر، أي هم أحياء، وقرأ ابن أبي عبلة، "بل أحياءً" بالنصب، قال الزجّاج: ويجوز النصب على معنى بل أحسبهم أحياء، قال أبو علي في الاغفال: ذلك لا يجوز لأن الأمر يقين فلا يجوز أن يؤمر فيه بمحسبة، ولا يصح أن يضمر له إلا فعل المحسبة. قال القاضي: فوجه قراءة ابن أبي عبلة أن تضمر فعلاً غير المحسبة، اعتقدهم أو اجعلهم وذلك ضعيف إذ لا دلالة في الكلام على ما يضمر، وقوله {عند ربهم} فيه حذف مضاف تقديره: عند كرامة ربهم، لأن {عند} تقتضي غاية القرب، ولذلك لم تصغر قاله سيبويه، وورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:حديث : أرواح الشهداء على نهر بباب الجنة يقال له بارق، يخرج عليهم رزقهم من الجنة بكرة وعشياًتفسير : ، وروي عنه عليه السلام أنه قال: حديث : أرواح الشهداء في أجواف طير خضر ترد أنهار الجنة وتأكل من ثمارها . تفسير : قال القاضي رحمه الله: وهؤلاء طبقات وأحوال مختلفة، يجمعها أنهم يرزقون، وقال عليه السلام: إنما نسمة المؤمن طير تعلق في ثمار الجنة، ويروى يعلق بفتح اللام وبالياء، والحديث معناه في الشهداء خاصة، لأن أرواح المؤمنين غير الشهداء، إنما ترى مقاعدها من الجنة دون أن تدخلها، وأيضاً فإنها لا ترزق، وتعلق معناه: تصيب العلقة من الطعام، وفتح اللام هو من التعلق، وقد رواه القراء في إصابة العلقة، وروي عن النبي عليه السلام أنه قال: حديث : إن الله تعالى يطلع إلى الشهداء فيقول: يا عبادي ما تشتهون فأزيدكم؟ فيقولون يا ربنا لا فوق ما أعطيتنا، هذه الجنة نأكل منها حيث نشاء، لكنا نريد أن تردنا إلى الدنيا فنقاتل في سبيلك فنقتل مرة أخرى، فيقول تعالى: قد سبق أنكم لا تردون، وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لجابر بن عبد الله: ألا أبشرك يا جابر؟ قال جابر: قلت بلى يا رسول الله، قال: إن أباك حيث أصيب - بأحد - أحياه الله، ثم قال: ما تحب يا عبد الله بن عمرو أن أفعل بك؟ قال: يا رب أحب أن تردني إلى الدنيا فأقاتل فيك فأقتل مرة أخرى تفسير : ، وقال قتادة رحمه الله: ذكر لنا أن رجالاً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا: ليتنا نعلم ما فعل إخواننا الذين أصيبوا -بأحد- فنزلت هذه الآية وقال محمد بن قيس بن مخرمة في حديث: إن الشهداء قالوا يا ربنا ألا رسول يخبر نبينا عنا بما أعطيتنا؟ فقال الله تعالى: أنا رسولكم، فنزل جبريل بهذه الآية وكثرت هذه الأحاديث في هذا المعنى، واختلفت الروايات وجميع ذلك جائز على ما اقتضبته من هذه المعاني وقوله تعالى: {فرحين} نصب في موضع الحال وهو من الفرح بمعنى السرور، و"الفضل" في هذه الآية: التنعيم المذكور.

ابن عبد السلام

تفسير : {الَّذِينَ قَالُواْ لإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُواْ} لما انخذل ابن أُبي وأصحابه ـ وهم نحو من ثلاثمائة ـ وتخلف عنهم من قُتل منهم قالوا لو أطاعونا وقعدوا معنا ما قُتلوا. {صَادِقِينَ} في أنهم لو أطاعوكم ما قُتلوا، أو محقين في تثبيطكم عن الجهاد فراراً من القتل.

الثعالبي

تفسير : وقوله تعالى: {ٱلَّذِينَ قَالُواْ لإِخْوٰنِهِمْ وَقَعَدُواْ لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا}، {ٱلَّذِينَ} بدل من {ٱلَّذِينَ} المتقدِّم، {لإِخْوٰنِهِمْ}، أي: لأجْلِ إخوانهم، أوْ في شأنِ إخوانهم المقتولِينَ، ويحتمل أنْ يريد: لإخوانهم الأحياءِ مِنَ المُنَافِقِينَ، ويكون الضميرُ في «أَطَاعُونَا» للمقتولين، وقَعَدُوا: جملةٌ في موضِعِ الحالِ، معترضةٌ أثْنَاءَ الكلامِ، وقولهم: {لَوْ أَطَاعُونَا}، يريدون: في ألاَّ يخرُجُوا، وباقِي الآيةِ بَيِّن. ثم أخْبَرَ سبحانه عن الشهداءِ؛ أنهم في الجنَّة أحياءٌ يرزقُونَ، وعن النبيِّ صلى الله عليه وسلم؛ أنَّه قال: «حديث : إنَّ اللَّهَ يَطَّلِعُ عَلَى الشُّهَدَاءِ، فَيَقُولُ: يَا عِبَادِي، مَا تَشْتَهُونَ، فَأَزِيدَكُمْ؟ فَيَقُولُونَ: يَا رَبَّنَا، لاَ فَوْقَ مَا أَعْطَيْتَنَا، هَذِهِ الجَنَّةُ نَأْكُلُ مِنْهَا حَيْثُ نَشَاءُ، لَكِنَّا نُرِيدُ أَنْ تَرُدَّنَا إلَى الدُّنْيَا، فَنُقَاتِلَ فِي سَبِيلِكَ، فَنُقْتَلُ مَرَّةً أُخْرَىٰ، فَيَقُولُ سُبْحَانَهُ: «قَدْ سَبَقَ أَنَّكُمْ لاَ تُرَدُّونَ»تفسير : ، والأحاديثُ في فَضْل الشُّهَداء كثيرةٌ. قال الفَخْر: والرواياتُ في هذا البابِ كأنَّها بلَغَتْ حدَّ التواتر، ثم قَالَ: قال بعْضُ المفسِّرين: أرواحُ الشُّهَدَاءِ أحياءٌ، وهي تركَعُ وتَسْجُدُ تَحْتَ العَرْشِ إلَىٰ يَوْمِ القِيامةِ. انتهى. والعقيدةُ أنَّ الأرواحَ كلَّها أحياء، لا فرق بَيْن الشهداءِ وغيرهم في ذلك إلاَّ ما خَصَّص اللَّه به الشُّهداءَ مِنْ زيادَةِ المَزِيَّة والحياةِ الَّتِي ليْسَتْ بمكيَّفة، وفي «صحيح مسْلِمٍ»، عن مَسْرُوقٍ قال، سَأَلْنَا ابْنَ مَسْعُودٍ عن هذه الآية: {وَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أَمْوَٰتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبّهِمْ يُرْزَقُونَ}، فقال: أَمَّا أَنَا، فَقَدْ سَأَلْتُ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ، يَعْنِي النبيَّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : أَرْوَاحُهُمْ فِي جَوْفِ طَيْرٍ خُضْرٍ، لَهَا قَنَادِيلُ مُعَلَّقةٌ بِالعَرْشِ، تَسْرَحُ مِنَ الجَنَّةِ حَيْثُ شَاءَتْ، ثُمَّ تَأْوِي إلَىٰ تِلْكَ القَنَادِيلِ...»تفسير : الحديثَ إلى آخره اهـــ. ومن الآثار الصحيحةِ الدالَّة علَىٰ فَضْلِ الشُّهداءِ ما رواه مالكٌ في «الموطَّأ»؛ أنه بلَغَهُ أنَّ عمرو بْنَ الجَمُوحِ، وعبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو الأنصارِيَّيْنِ ثُمَّ السُّلَمِيَّيْنِ كَانَا قَدْ حَفَرَ السَّيْلُ قبرهما، وكان قَبْرُهما ممَّا يَلِي السَّيْلَ، وكانا في قَبْرٍ واحدٍ، وهما مِمَّن ٱستشهد يَوْمَ أُحُدٍ، فحفر عنهما ليغيَّرَا مِنْ مَكَانِهِمَا، فَوُجِدَا لم يُغَيَّرا، كأنما ماتا بالأمْسِ، وكان أحدُهُما قَدْ جُرِحَ فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَىٰ جُرْحِهِ، فَدُفِنَ، وهو كذلك، فَأُمِيطَتْ يده عَنْ جُرْحِهِ، ثم أرْسِلَتْ، فَرَجَعَتْ، كما كانَتْ، وكان بَيْنَ أُحُدٍ، وبَيْنَ يَوْمَ حُفِرَ عَنْهُمَا سِتٌّ وأربعون سنَةً، قال أبو عمر في «التمهيد»: حديثُ مالكٍ هذا يتَّصلُ من وجوهٍ صحاحٍ بمعنى واحدٍ متقاربٍ، وعبد اللَّه بن عمرو هذا هو والدُ جابرِ بنِ عبدِ اللَّهِ، وعَمْرُو بْنُ الجَمُوحِ هو ابنُ عَمِّه، ثم أسند أبو عمر، عن جابرِ بنِ عبْدِ اللَّهِ، قال: لما أراد معاويةُ أنْ يُجْرِيَ العَيْنَ بأُحُدٍ، نُودِيَ بالمدينةِ: مَنْ كان له قتيلٌ، فليأت قتيله، قال جابرٌ: فأتيناهم، فأخرجْنَاهم رطَاباً يَتَثَنَّوْنَ، فأصابَتِ المِسْحَاةُ أُصْبُعَ رَجُلٍ مِنْهُمْ، فَٱنفطرَتْ دَماً، قال أبو سعيدٍ الخُدْرِيُّ: «لاَ يُنْكِرُ بَعْدَ هَذَا مُنْكَرٌ أَبداً» وفي رواية: «فٱستخرجَهُم ـــ يعني: معاويةَ ـــ، بعد سِتٍّ وأربعين سنَةً لَيِّنَةً أجسادُهم، تتثنَّىٰ أطرافهم»، قال أبو عمر: الذي أصابَتِ المِسْحَاةُ أصبُعَهُ هو حمزةُ (رضي اللَّه عنه). ثم أسند عَنْ جابِرٍ قال: رأَيْتُ الشهداءَ يَخْرجُونَ علَىٰ رِقَابِ الرجَالِ؛ كأنهم رجَالٌ نُوَّمٌ؛ حتَّىٰ إذا أَصَابَتِ المِسْحَاةُ قَدَمَ حمزةَ (رضي اللَّه عنه): «فٱنثعبَتْ دَماً» انتهى. وقوله سبحانه: {وَيَسْتَبْشِرُونَ بِٱلَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم...} الآية: معناه: يُسَرُّونَ، ويَفْرَحُونَ، وذهَبَ قتادة وغيره إلى أنَّ ٱستبشارَهُمْ هو أنهم يقولُونَ: إخواننا الذين تركْنَاهم خَلْفَنَا في الدنيا يُقَاتِلُونَ في سَبيل اللَّه مع نبيِّهم، فيستشهدُونَ، فينالُونَ مِنَ الكرامَةِ مِثْلَ ما نِلْنَا نَحْنُ، فيسرُّون لهم بذلك؛ إذْ يحصُلُونَ لا خَوْفٌ عليهم ولا هُمْ يَحْزَنُونَ، وذهب فريقٌ من العلماءِ إلى أَنَّ الإشارة في قوله: {بِٱلَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ}، إلى جميع المؤمنين الَّذِينَ لم يلحقوا بهم في فَضْل الشهادة؛ وذَلك لِمَا عايَنُوا من ثوابِ اللَّهِ، فهم فَرِحُونَ لأنفسهم بما آتاهم اللَّه مِنْ فضله، ومُسْتَبْشِرُون للمؤمنين أنَّهم لا خَوْفٌ عليهم ولا هم يَحْزَنُونَ؛ ثم أكَّد سبحانه ٱستبشارَهُمْ بقوله: {يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ}، ثم بيَّن سبحانه بقوله: {وَفَضْلٍ}، أنَّ إدخالَهُ إياهم الجَنَّةَ هو بفَضْل مِنْه، لا بعملِ أَحَدٍ، وأمَّا النعمة في الجَنَّة، والدَّرجاتُ، فقد أخبر أنَّها علَىٰ قَدْر الأعمال. قُلْتُ: وخرَّج أبو عبد اللَّهِ الحُسَيْنُ بْنُ الحَسَنِ بْنِ حَرْبٍ صَاحِبُ ٱبْنِ المبارَكِ في «رقائقه»، بسنده، عن عبد اللَّه بن عمرو بن العَاصِي؛ «حديث : أنَّ الشُّهداءَ فِي قِبابٍ مِنْ حَرِيرٍ فِي رِياضٍ خُضْرٍ، عِنْدَهُمْ حُوتٌ وَثَوْرٌ، يَظَلُّ الحُوتُ يُسَبِّحُ فِى أَنْهَارِ الجَنَّةِ يَأْكُلُ مِنْ كُلِّ رائِحَةٍ فِي أَنْهَارِ الجَنَّةِ، فَإذَا أَمْسَىٰ وَكَزَهُ الثَّوْرُ بقَرْنِهِ، فَيُذْكِيهِ، فَيَأْكُلُونَ لَحْمَهُ، يَجِدُونَ فِي لَحْمِهِ طَعْمَ كُلِّ رَائِحَةٍ، وَيَبِيتُ الثَّوْرُ فِي أَفْنَاءِ الجَنَّةِ، فَإذَا أَصْبَحَ، غَدَا عَلَيْهِ الحُوتُ، فَوَكَزَهُ بِذَنَبِهِ، فَيُذْكِيهِ، فَيَأْكُلُونَ، فَيَجِدُونَ فِي لَحْمِهِ طَعْمَ كُلِّ رَائِحَةٍ فِي الجَنَّةِ، ثُمَّ يَعُودُونَ، وَيَنْظُرُونَ إلَىٰ مَنَازِلِهِمْ مِنَ الجَنَّةِ، وَيَدْعُونَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ تَقُومَ السَّاعَةُ...»تفسير : الحديثَ. انتهى. مختصرًا، وقد ذكره صاحب «التذكرة» مطوَّلاً. وقرأ الكِسَائِيُّ: «وَإنَّ اللَّهَ»؛ بكسر الهمزة؛ على استئناف الإخبار، وقرأ باقي السبعة بالفتْحِ علَىٰ أنَّ ذلك داخلٌ فيما يُسْتبشر به، وقوله: {ٱلَّذِينَ ٱسْتَجَابُواْ} يحتملُ أنْ يكون صفَةً للمؤمنين؛ علَىٰ قراءة مَنْ كَسَر الألف من «إنَّ»، والأظهر أنَّ الذين ابتداءٌ، وخبره في قوله: {لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ مِنْهُمْ...}، والمستجيبُونَ للَّه والرسولِ: هم الذين خرَجُوا مع النبيِّ صلى الله عليه وسلم إلى حَمْرَاءِ الأَسَدِ في طَلَبِ قُرَيْش.

ابن عادل

تفسير : جوَّزوا في موضع "الذين" الألقاب الثلاثة: الرفع والنصب والجر، فالرفعُ من ثلاثةِ أوجهٍ: أحدها: أن يكون مرفوعاً على خبر مبتدأ محذوفٍ، تقديره: هم الذين. ثانيها: أنه بدل من واو "يكتمون". ثالثها: أنه مبتدأ، والخبر قوله: "قل فادْرءوا" ولا بُدَّ من حذف عائدٍ، تقديره: قُلْ لَهُمْ. والنصبُ من ثلاثة أوجه - أيضاً -: أحدها: النصبُ على الذَّم، أي: أذم الذين قالوا. ثانيها: أنه بدل من "الذين نافقوا". ثالثها: أنه صفة. والجر من وجهينِ: البدل من الضمير في "بأفواهم" أو من الضمير في "قلوبهم" كقول الفرزدق: [الطويل] شعر : 1687- عَلَى حَالَةٍ لَوْ أنَّ فِي الْقَوْمِ حَاتِماً عَلَى جُودِهِ لَضَنَّ بِالْمَاءِ حَاتِمِ تفسير : بجر "حاتم" على أنه بدل من الهاء في "جوده" - وقد تقدم الخلافُ في هذه المسألةِ وقال أبو حيان: وجوَّزوا في إعراب "الذين" وُجُوهاً: الرفع، على النعت لـ "الذين نافقوا" أو على أنه خبر لمبتدأ محذوف والنصب... فذكره إلى آخره. قال شهابُ الدينِ: وهذا عجيبٌ منه؛ لأنَّ "الذين نافقوا" منصوب بقوله: "وليعلم" وهم - في الحقيقة - عطف على "المؤمنين" وإنَّمَا كرر العاملَ توكيداً، والشيخُ لا يخفَى عليه ما هو أشكلُ من هذا فيحتمل أن يكون تبع غيرَه في هذا السهو - وهو الظاهر من كلامه - ولم ينظر في الآية، اتكالاً على ما رآه منقولاً، وكثيراً ما يقع الناس فيه، وأن يُعْتَقَدَ أنّ "الذين" فاعل بقوله: "وليعلم" أي: فعل الله ذلك ليعلم هو المؤمنين، وليعلم المنافقون، ولكن مثل هذا لا ينبغي أن يجوز ألبتة. قوله: "وقعدوا" يجوز في هذه الجملة وجهانِ: أحدهما: أن تكون حالية من فاعل "قالوا" و "قد" مرادة أي: وقد قعدوا، ومجيء الماضي حالاً بالواو و "قد" أو بأحدهما، أو بدونهما، ثابتٌ من لسان العربِ. الثاني: أنها معطوفة على الصلة، فتكون معترضة بين "قالوا" ومعمولها، وهو "لو أطاعونا". فصل في المراد بـ "الذين" قال المفسّرون المراد بـ "الذين" عبدُ بنُ أبَيٍّ وأصحابُهُ. وقال الأصَم: هذا لا يجوزُ؛ لأن عبد الله بن أبي خرج مع النبي صلى الله عليه وسلم في الجهادِ يوم أحُدٍ، وهذا القول واقع ممن تخلَّف، لأنه قال: {ٱلَّذِينَ قَالُواْ لإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُواْ لَوْ أَطَاعُونَا} أي في القعود "ما قتلوا" فهو كلامُ متأخرٍ عن الجهاد قاله لمن خرج إلى الجهادِ ولمن هو قوي النية في ذلك؛ ليجعله شُبْهَةً فيما بعد، صارفاً لهم عن الجهاد. وهذا فيه نظرٌ؛ لأنه يحتمل أنه أراد بقوله: "وقعدوا" القعود عن القتالِ، لا عن الخروج إلى القتال؛ فإن عبد الله بن أبَيّ خَرَجَ إلى الْقِتَالِ، ولم يُقَاتِل، بل هَرَبَ بمن معه، ويُطْلَق عليه أنه قَعَد عن القتال وهو القائلُ هذا الكلام. وقوله: {لإِخْوَانِهِمْ} أي: لأجل إخوانهم - وقد تقدم: هل المرادُ - من هذه الأخوة - الأخوة في النسب، أو الأخوة بسبب المشاركة في الدَّارِ، أو في عداوة الرسول صلى الله عليه وسلم أو في عبادة الأوثان؟ قوله: { قُلْ فَادْرَءُوا} ادفعوا {عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ} ذكر ذلك على سبيل الجوابِ لقولهم: {لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا}. فإن قيل: ما وجه هذا الاستدلالِ مع أن الفرقَ ظاهرٌ؛ فإن التحرُّز عن القتل ممكن، وأما التحرزُ عن الموتِ فغير ممكن ألبته؟ فالجوابُ: أن هذا الدليلَ لا يتمشى إلا إذا قلنا: إنّ الكُلَّ بقضاء الله وقَدَرِه، فحينئذٍ لا يبقى بين القتلِ وبين الموتِ فرق، فيصح الاستدلالُ، أما إذا قلنا: بأن فعل العبد ليس بتقدير الله وقضائه، كان الفرق بين القتل والموتِ ظاهراً. وقوله: {إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ} أي: في كونكم مشتغلين بالحذر عن المكاره، والوصول إلى المطالب.

البقاعي

تفسير : ولما حكى عنهم ما لا يقوله ذو إيمان أتبعه ما لا يتخيله ذو مروة ولا عرفان فقال مبيناً للذين نافقوا: {الذين قالوا لإخوانهم} أي لأجل إخوانهم والحال أنهم قد أسلموهم {وقعدوا} أي عنهم خذلاناً لهم {لو أطاعونا} أي في الرجوع {ما قتلوا} ولما كان هذا موجباً للغضب أشار إليه بإعراضه في قوله: {قل} أي لهؤلاء الأجانب الذين هم بمنزلة الغيبة عن حضرتي لما تسبب عن قولهم هذا من ادعاء القدرة على دفع الموت {فادرءوا} أي ادفعوا بعز ومنعة وميّلوا {عن أنفسكم الموت} أي حتى لا يصل إليكم أصلاً {إن كنتم صادقين} أي في أن الموت يغني منه حذر. فقد انتظم الكلام بما قبل الجملة الواعظة أتم انتظام على أنه قد لاح لك أن ملائمة الجمل الواعظة لما قبلها وما بعدها ليس بدون ملاءمة ما قبلها من صلب القصة لما بعدها منه. ولما أزاح سبحانه وتعالى العلل وشفى الغلل وختم بأنه لا مفر من القدر، فلم يبق عند أهل الإيمان إلا ما طبع عليه الإنسان من الأسف على فقد الإخوان، وكان سرور المفقود يبرد غلة الموجود بشرهم بحياتهم وما نالوه من لذاتهم؛ ولما كان العرب بعيدين قبل الإسلام من اعتقاد الحياة بعد الموت خاطب الذي لا ريب في علمه بذلك إشارة إلى أنه لا يفهمه حق فهمه سواه، كما أشار إليه قوله في البقرة {أية : ولكن لا تشعرون}تفسير : [البقرة: 153] فقال تعالى عاطفاً على قل محبباً في الجهاد، إزالة لما بغضه به المنافقون من أنه سبب الموت: {ولا تحسبن الذين قتلوا} أي وقع لهم القتل في هذه الغزوة أو غيرها {في سبيل الله} أي الملك الأعظم، والله أعلم بمن يقتل في سبيله {أمواتاً} أي الآن {بل} هم {أحياء} وبين زيادة شرفهم معبراً عن تقربهم بقوله: {عند ربهم} أي المحسن إليهم في كل حال، فكيف في حال قتلهم فيه حياة ليست كالحياة الدنيوية! فحقق حياتهم بقوله {يرزقون *} أي رزقاً يليق بحياتهم {فرحين بما آتاهم الله} أي الحاوي لجميع الكمال من ذلك الفوز الكبير {من فضله} لأنه لو حاسبهم على أقل نعمة من نعمة لم توف جميع أعمالهم بها لأن أعمالهم من نعمه، فأعلمنا سبحانه وتعالى بهذا تسلية وحسن تعزية أن لم يفت منهم إلا حياة الكدر التي لا مطمع لأحد في بقائها وإن طال المدى، وبقيت لهم حياة الصفاء التي لا انفكاك لها ولا آخر لنعيمها بغم يلحقهم ولا فتنة تنالهم ولا حزن يعتريهم ولا دهش يلم بهم في وقت الحشر ولا غيره، فلا غفلة لهم، فكان ذلك مذهباً لحزن من خلفوه ومرغباً لهم في الأسباب الموصلة إلى مثل حالهم، وهذا - والله سبحانه وتعالى أعلم - معنى الشهادة، أي أنهم ليست لهم حال غيبة، لأن دائم الحياة بلا كدر أصلاً كذلك. ولما ذكر سرورهم بما نالوه ذكر سرورهم بما علموه لمن هو على دينهم فقال: {ويستبشرون} أي توجد لهم البشرى وجوداً عظيم الثبات حتى كأنهم يوجدونها كلما أرادوا {بالذين لم يلحقوا بهم} أي في الشهادة في هذه الغزوة. ثم بين ذلك بقوله: {من خلفهم} أي في الدنيا. ثم يبن المبشر به فقال: {ألاّ خوف عليهم} أي على إخوانهم في آخرتهم {ولا هم يحزنون *} أي أصلاً، لأنه لا يفقد منه شيء، بل هم كل لحظة في زيادة، وهذا أعظم البشرى لمن تركوا على مثل حالهم من المؤمنين، لأنهم يلحقونهم في مثل ذلك، لأن السبب واحد، وهو منحة الله لهم بالقتل فيه، أو مطلق الإيمان لمطلق ما هم فيه من السعادة بغير قيد الشهادة. ولما ذكر سرورهم لأنفسهم تارة ولإخوانهم أخرى كرره تعظيماً له وإعلاماً بأنه في الحقيقة عن غير استحقاق. وإنما هو مجرد مَنّ فقال: {يستبشرون بنعمة من الله} أي ذي الجلال والإكرام، كبيرة {وفضل} أي منه عظيم {وأن الله} أي الملك الأعظم الذي لا يقدره أحد حق قدره {لا يضيع أجر المؤمنين *} أي منهم ومن غيرهم، بل يوفيهم أجرهم على أعمالهم ويفضل عليهم، ولو شاء لحاسبهم على سبيل العدل، ولو فعل ذلك لم يكن لهم شيء. ولما ذم المنافقين برجوعهم من غير أن يصيبهم قرح، ومدح أحوال الشهداء ترغيباً في الشهادة، وأحوال من كان على مثل حالهم ترغيباً في النسج على منوالهم، وختم بتعليق السعادة بوصف الإيمان، أخذ يذكر ما أثمر لهم إيمانهم من المبادرة إلى الإجابة إلى ما يهديهم إليه صلى الله عليه وسلم إشارة إلى أنه لم يحمل على التخلف عن أمره من غير عذر إلا صريح النفاق فقال: {الذين استجابوا} أي أوجدوا الإجابة في الجهاد إيجاداً مؤكداً محققاً ثابتاً ما عندهم من خالص الإيمان {لله والرسول} أي لا لغرض مغنم ولا غيره، ثم عظم صدقهم بقوله - مثبتاً الجار لإرادة ما يأتي من إحدى الغزوتين إلا استغراق ما بعد الزمان -: {من بعد ما أصابهم القرح}. ولما كان تعليق الأحكام بالأوصاف حاملاً على التحلي بها عند المدح قال سبحانه وتعالى: {للذين أحسنوا} وعبر بما يصلح للبيان والبعض ليدوم رغبهم ورهبهم فقال: {منهم واتقوا أجر عظيم *} وهذه الآيات من تتمة هذه القصة سواء قلنا: إنها إشارة إلى غزوة حمراء الأسد، أو غزوة بدر الموعد، فإن الوعد كان يوم أحد - والله الهادي، ومما يجب التنبيه له أن البيضاوي قال تبعاً للزمخشري: إن النبي صلى الله عليه وسلم خرج إلى بدر الموعد في سبعين راكباً، وفي تفسير البغوي أن ذلك كان في حمراء الأسد، فإن حمل على أن الركبان من الجيش كان ذلك عددهم وأن الباقين كانوا مشاة فلعله، وإلا فليس كذلك، وأما في حمراء الأسد فإن النبي صلى الله عليه وسلم بلغه أن المشركين هموا بعد انفصالهم من أحد بالرجوع، فأراد أن يرهبهم وأن يريهم من نفسه وأصحابه قوة، فنادى مناديه يوم الأحد - الغد من يوم أُحد - بطلب العدو, وأن لا يخرج معه إلا من كان حاضراً معه بالأمس، فأجابوا بالسمع والطاعة، فخرج في أثرهم واستعمل على المدينة ابن أم مكتوم، ولا يشك في أنهم أجابوا كلهم، ولم يتخلف منهم أحد، وقد كانوا في أحد نحو سبعمائة ولم يأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخروج معه لأحد لم يشهد القتال يوم أحد، واستأذنه رجال لم يشهدوها فمنعهم إلا ما كان من جابر بن عبد الله رضي الله عنهما فإنه أذن له لعلة ذكرها في التخلف عن أحد محمودة. قال الواقدي: ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بلوائه وهو معقود لم يحل من الأمس، فدفعه إلى علي رضي الله عنه، ويقال: إلى أبي بكر رضي الله عنه، وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ورأسه مشجوج وهو مجروح، في وجهه أثر الحلقتين، ومشجوج في جبهته في أصول الشعر، ورباعيته قد سقطت، وشفته قد كلمت من باطنها وهو متوهن منكبه الأيمن بضربة ابن قميئة، وركبتاه مجحوشتان بأبي هو وأمي ووجهي وعيني! فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم المسجد فركع ركعتين والناس قد حشدوا، ونزل أهل العوالي حيث جاءهم الصريخ، ثم ركع رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعتين، فدعا بفرسه على باب المسجد، وتلقاه طلحة رضي الله عنه وقد سمع المنادي فخرج ينظر متى يسير، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم عليه الدرع والمغفر وما يرى منه إلا عيناه فقال: يا طلحة سلاحك! قال: قلت: قريب، قال: فأخرج، أعدو فألبس درعي ولأنا أهم بجراح رسول الله صلى الله عليه وسلم مني بجراحي، ثم أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم على طلحة فقال: "حديث : أين ترى القوم الآن؟ قال: هم بالسيالة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ذلك الذي ظننت! أما إنهم يا طلحة لن ينالوا منا مثل أمس حتى يفتح الله مكة علينا! "تفسير : ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم في أصحابه حتى عسكر بحمراء الأسد، قال جابر رضي الله عنه: وكان عامة زادنا التمر، وحمل سعد بن عبادة رضي الله عنه ثلاثين بعيراً حتى وافت الحمراء، وساق جزوراً فنحروا في يوم اثنين وفي يوم ثلاثاء، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرهم في النهار بجمع الحطب، فإذا أمسوا أمر أن توقد النيران، فيوقد كل رجل ناراً، فلقد كنا تلك الليالي نوقد خمسمائة نار حتى نرى من المكان البعيد، وذهب ذكر معسكرنا ونيراننا في كل وجه حتى كان ما كبت الله به عدونا فهنا ظاهر في أنهم كانوا خمسمائة رجل - والله أعلم - ويؤيده ذلك ما نقل من أخبار المثقلين بالجراح - قال الواقدي: جاء سعد بن معاذ رضي الله عنه والجراح في الناس فاشية، عامة بني عبد الأشهل جريح، بل كلهم - رضي الله عنهم! فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمركم أن تطلبوا عدوكم، قال: يقول أسيد بن حضير رضي الله عنه وبه سبع جراحات وهو يريد أن يداويها: سمعاً وطاعة لله ولرسوله! فأخذ سلاحه ولم يعرج على دواء جراحه ولحق برسول الله صلى الله عليه وسلم؛ وجاء سعد بن عبادة رضي الله عنه قومه بني ساعده فآمرهم بالمسير، فلبسوا ولحقوا، وجاء أبو قتادة رضي الله عنه أهل خربى وهم يداوون الجراح فقال: هذا منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمركم بطلب العدو، فوثبوا إلى سلاحهم وما عرجوا على جراحاتهم - رضي الله عنهم! فخرج من بني سلمة رضي الله عنهم أربعون جريحاً، وبالطفيل بن النعمان رضي الله عنه ثلاثة عشر جرحاً، وبقطبه بن عامر بن حديدة رضي الله عنه تسع جراحات حتى وافوا النبي صلى الله عليه وسلم ببئر أبي عتبة إلى رأس الثنية عليهم السلاح، قد صفوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما نظر إليهم والجراح فيهم فاشية قال: "حديث : اللهم ارحم بني سلمة! "تفسير : وحدث ابن إسحاق والواقدي أن عبد الله بن سهل ورافع بن سهل رضي الله عنهما كان بهما جراح كثيرة، فلما بلغهما النداء قال أحدهما لصاحبه: والله إن تركنا غزوة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لغَبنا والله ما عندنا دابة نركبها وما ندري كيف نصنع! قال عبد الله: انطلق بن، قال رافع: لا والله ما بي مشي! قال أخوه: انطلق بنا نتجارّ، فخرجا يزحفان فضعف رافع فكان عبد الله يحمله على ظهره عقبة ويمشي الآخر عقبة حتى أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عند العشاء وهو يوقدون النيران، فأتى بهما رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى حرسه تلك الليلة عباد بن بشر فقال: "حديث : ما حبسكما؟ فأخبراه بعلتهما، فدعا لهما بخير وقال: إن طالت بكم مدة كانت لكم مراكب من خيل وبغال وإبل، وليس ذلك بخير لكم"تفسير : وأما غزوة بدر الموعد فروى الواقدي - ومن طريقه الحاكم في الإكليل - كما حكاه ابن سيد الناس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد خرج في هذه الغزوة في ألف وخمسمائة من أصحابه رضي الله عنهم، وكان الخيل عشرة قال الواقدي: وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر أهل الموسم: يا محمد! لقد أخبرنا أنه لم يبق منكم أحد، فما أعلمكم إلا أهل الموسم! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم - "حديث : ليرفع ذلك إلى عدوه: ما أخرجنا إلا موعد أبي سفيان وقتال عدونا، وإن شئت مع ذلك نبذنا إليك وإلى قومك العهد ثم جالدناكم قبل أن نبرح من منزلنا هذا، فقال الضمري: بل نكف أيدينا عنكم ونتمسك بحلفك ".

ابو السعود

تفسير : {الَّذِينَ قَالُواْ} مرفوعٌ على أنه بدلٌ من واو يكتُمون أو خبرٌ لمبتدأ محذوفٍ، وقيل: مبتدأ خبرُه (قل فادرؤا) بحذف العائدِ تقديرُه {قُلْ لَهُمْ} الخ، أو منصوبٌ على الذم أو على أنه نعتٌ للذين نافقوا أو بدلٌ منه، وقيل: مجرورٌ على أنه بدلٌ من ضمير أفواهِهم أو قلوبِهم كما في قوله: [الطويل] شعر : على جودِه لضن بالماء حاتمُ تفسير : والمرادُ بهم عبدُ اللَّه بنُ أُبـيّ وأصحابُه {لإِخْوٰنِهِمْ} أي لأجلهم وهم من قُتل يومَ أحدٍ من جنسهم أو من أقاربهم فيندرج فيهم بعضُ الشهداءِ {وَقَعَدُواْ} حال من ضمير قالوا بتقدير قد، أي قالوا: وقد قعدوا عن القتال بالانخذال {لَوْ أَطَاعُونَا} أي فيما أمرناهم به ووافقونا في ذلك {مَا قُتِلُوا} كما لم نُقتلْ، وفيه إيذانٌ بأنهم أمروهم بالانخذال حين انخذلوا وأغْوَوْهم كما غَوَوْا، وحملُ القعودِ على ما استصوبه ابنُ أُبـيّ عند المشاورةِ من الإقامة بالمدينة ابتداءً، وجعلُ الإطاعةِ عبارةً عن قبول رأيِه والعملِ به يرُده كونُ الجملةِ حاليةً فإنها لتعيـين ما فيه العصيانُ والمخالفةُ مع أن ابنَ أبـيَ ليس من القاعدين فيها بذلك المعنى، على أن تخصيصَ عدمِ الطاعةِ بإخوانهم ينادي باختصاص الأمرِ أيضاً، بهم فيستحيل أن يُحمَلَ على ما خوطب به النبـيُّ صلى الله عليه وسلم عند المشاورة {قُلْ} تبكيتاً لهم وإظهاراً لكذبهم {فَادْرَءوا عَنْ أَنفُسِكُمُ الْمَوْتَ} جوابٌ لشرط قد حُذف تعويلاً على ما بعده من قوله تعالى: {إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ} كما أنه شرطٌ حُذف جوابُه لدِلالة الجوابِ المذكورِ عليه أي أن كنتم صادقين فيما يُنبىء عنه قولُكم من أنكم قادرون على دفع القتلِ عمن كُتب عليه فادفعوا عن أنفسكم الموتَ الذي كُتب عليكم مُعلَّقاً بسبب خاصٍّ موقتاً بوقت معيّنٍ بدفع سببِه، فإن أسبابَ الموتِ في إمكان المدافعةِ بالحال وامتناعِها سواءٌ، وأنفسُكم أعزُّ عليكم من إخوانكم وأمرُها أهمُّ لديكم من أمرهم، والمعنى أن عدمَ قتلِكم كان بسبب أنه لم يكن مكتوباً عليكم لا بسبب أنكم دفعتموه بالقُعود مع كتابته عليكم فإن ذلك مما لا سبـيلَ إليه، بل قد يكون القتالُ سبباً للنجاة والقعود مؤدياً إلى الموت. رُوي أنه مات يوم قالوا سبعون منافقاً، وقيل: أريد {إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ} [آل عمران، الآية: 168] في مضمون الشرطية، والمعنى أنهم لو أطاعوكم وقعدوا لقُتلوا قاعدين كما قُتلوا مقاتِلين فقوله تعالى: {فَادْرَءوا عَنْ أَنفُسِكُمُ الْمَوْتَ} [آل عمران، الآية: 168] حينئذ استهزاءٌ بهم، أي إن كنتم رجالاً دفّاعين لأسباب الموتِ فادرؤا جميعَ أسبابِه حتى لا تموتوا كما درأتم في زعمكم هذا السببَ الخاصَّ. {وَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ قُتِلُواْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ أَمْوٰتاً} كلامٌ مستأنفٌ مسوقٌ لبـيان أن القتلَ الذي يَحذَرونه ويُحذّرون الناسَ منه ليس مما يُحذر بل هو من أجل المطالبِ التي يتنافسُ فيها المتنافسون إثرَ بـيانِ أن الحذرَ لا يُجدي ولا يغني. وقرىء ولا تحسِبن بكسر السين، والمرادُ بهم شهداءُ أحدٍ وكانوا سبعين رجلاً: أربعةٌ من المهاجرين حمزةُ بنُ عبدِ المطلب ومُصعبُ بنُ عميرٍ وعثمانُ بنُ شهابٍ وعبدُ اللَّه بنُ جحشٍ وباقيهم من الأنصار رضوان الله تعالى عليهم أجمعين. والخطابُ لرسول الله صلى الله عليه وسلم أو لكل أحدٍ ممن له حظٌّ من الخطاب. وقرىء بالياء على الإسناد إلى ضميره عليه السلام أو ضمير مَنْ يحسَب، وقيل: إلى الذين قُتلوا، والمفعولُ الأولُ محذوفٌ لأنه في الأصل مبتدأٌ جائزُ الحذفِ عند القرينةِ، والتقديرُ ولا يحسَبنّهم الذين قُتلوا أمواتاً أي لا يحسبن الذين قُتلوا أنفسَهم أمواتاً، على أن المرادَ من توجيه النهي إليهم تنبـيهُ السامعين على أنهم أحِقاءُ بأن يَسْلُوا بذلك ويَبْشُروا بالحياة الأبديةِ والكرامةِ السنية والنعيمِ المقيمِ، لكن لا في جميع أوقاتِهم بل عند ابتداءِ القتلِ إذ بعد تبـيُّن حالِهم لهم لا يبقى لاعتبار تسليتِهم وتبشيرِهم فائدة ولا لتنبـيه السامعين وتذكيرهم وجه وقرىء قتلوا بالتشديد لكثرة المقتولين {بَلْ أَحْيَاء} أي بل هم أحياء، وقرىء منصوباً أي بلِ احسَبْهم أحياءً على أن الحُسبانَ بمعنى اليقين كما في قوله: [الطويل] شعر : حسِبتُ التُّقَى والمجدَ خيرَ تجارة رَباحاً إذا ما المرءُ أصبح ثاقلاً تفسير : أو على أنه واردٌ على طريق المشاكلةِ {عِندَ رَبّهِمْ} في محل الرفعِ على أنه خبرٌ ثانٍ للمبتدأ المقدرِ، أو صفةٌ لأحياءٌ، أو في محل النصبِ على أنه حالٌ من الضمير في أحياءٌ، وقيل: هو ظرفٌ لأحياء، أو للفعل بعده، والمرادُ بالعندية التقربُ والزُلفىٰ. وفي التعرض لعنوان الربوبـيةِ المنبئةِ عن التربـية والتبليغِ إلى الكمال مع الإضافة إلى ضميرهم مزيدُ تكرمةٍ لهم {يُرْزَقُونَ} أي من الجنة، وفيه تأكيدٌ لكونهم أحياءً وتحقيقٌ لمعنى حياتِهم. قال الإمام الواحدي: الأصحُ في حياة الشهداءِ ما رُوي عن النبـي صلى الله عليه وسلم من أن أرواحَهم في أجواف طيورٍ خُضْرٍ وأنهم يُرزقون ويأكْلون ويتنعمون. ورُوي عنه عليه السلام أنه قال: «حديث : لما أصيب إخوانُكم بأحُدٍ جعل الله أرواحَهم في أجواف طيورٍ خضْرٍ تدور في أنهار الجنة» تفسير : وروي: «حديث : ترِدُ أنهارَ الجنةِ وتأكُل من ثمارها وتسرَح من الجنة حيث شاءت وتأوي إلى قناديلَ من ذهب معلقةٍ في ظل العرشِ» تفسير : وفيه دَلالةٌ على أن روحَ الإنسانِ جسمٌ لطيفٌ لا يفنى بخراب البَدَن ولا يتوقف عليه إدراكُه وتألُّمه والتذاذُه، ومن قال بتجريد النفوسِ البشريةِ يقول: المرادُ أن نفوسَ الشهداءِ تتمثل طيوراً خُضْراً أو تتعلق بها فتلتذّ بما ذكر. وقيل: المرادُ أنها تتعلق بالأفلاك والكواكبِ فتلتذ بذلك وتكتسب زيادةَ كمالٍ.

القشيري

تفسير : الذين ركنوا إلى ما سوَّلت لهم نفوسهم من إيثار الهوى، ثم اعترضوا على من يصرف أحكام القضاء وقالوا لو تَحَرَّزُوا عن البروز للقتال لم يسقطوا عن درجة السلامة.. لمَذْمُومةٌ تلك الظنون، ولَذَاهِبَةٌ عن شهود التحقيق تلك القلوب. قُلْ لهم - يا محمد - استديموا لأنفسكم الحياة، وادفعوا عنها هجوم الوفاة! ومتى تقدرون على ذلك؟! هيهات هيهات!.

اسماعيل حقي

تفسير : {الذين قالوا} مرفوع على انه بدل من واو يكتمون {لاخوانهم} لاجل اخوانهم من جنس المنافقين المقتولين يوم احد أو اخوانهم فى النسب وفى سكنى الدار فيندرج فيهم بعض الشهدآء {وقعدوا} حال من ضمير قالوا بتقدير قد اى قالوا وقد قعدوا عن القتال بالانخذال {لو اطاعونا} اى فيما امرناهم ووافقونا فى ذلك {ما قتلوا} كما لم نقتل وفيه ايذان بأنهم امروهم بالانخذال حين انخذلوا واغووهم كما غووا {قل} تبكيتا لهم واظهارا لكذبهم {فادرأوا} اى ادفعوا {عن انفسكم الموت ان كنتم صادقين} جواب الشرط محذوف يدل عليه ما قبله اى ان كنتم صادقين فيما ينبئ عنه قولكم من انكم قادرون على دفع القتل عمن كتب عليه فادفعوا عن انفسكم الموت الذى كتب عليكم معلقا بسبب خاص موقتا بوقت معين بدفع سببه فان اسباب الموت فى امكان المدافعة بالحيل وامتناعها سواء وانفسكم اعز عليكم من اخوانكم وامرها اهم لديكم من امرهم والمعنى ان عدم قتلكم كان بسبب انه لم يكن مكتوبا لا بسبب انكم دفعتموه بالقعود مع كتابته عليكم فان ذلك مما لا سبيل اليه بل قد يكون القتال سببا للنجاة والقعود مؤديا الى الموت شعر : زبيش خطر تاتوانى كريز وليكن مكن باقضا بنجه تبز كرت زندكانى نبشتست دير نه مارت كز آيدنه شمشير وتير تفسير : واعلم ان الموت ليس له سن معلوم ولا اجل معلوم ولا مرض معلوم وذلك ليكون المرء على اهبة من ذلك مستعدا لذلك وكان بعض الصالحين ينادى بالليل على سور المدينة الرحيل الرحيل فلما توفى فقد صوته امير تلك المدينة فسأل عنه فقيل انه مات فقال شعر : ما زال يلهج بالرحيل وذكره حتى اناخ ببابه الجمال فأصابه متيقظا متشمرا ذا أهبة لم تلهه الآمال تفسير : - روى - انه مر دانيال عليه السلام ببرية فسمع مناديا يا دانيال قف ساعة تر عجبا فلم ير شيأ ثم نادى الثانية قال فوقفت فاذا بيت يدعونى الى نفسه فدخلت فاذا سرير مرصع بالدر والياقوت فاذا النداء من السرير اصعد يا دانيال تر عجبا فارتقيت السرير فاذا فراش من ذهب مشحون بالمسك والعنبر فاذا عليه شاب ميت كأنه نائم واذا عليه من الحلى والحلل ما لا يوصف وفى يده اليسرى خاتم من ذهب وفوق رأسه تاج من ذهب وعلى منطقته سيف اشد خضرة من البقل فاذا النداء من السرير أن احمل هذا السيف واقرأ ما عليه قال فاذا مكتوب عليه هذا سيف صمصام بن عوج بن عنق بن عاد بن ارم وانى عشت الف عام وسبعمائة وافتضضت اثنى عشر الف جارية وبنيت اربعين الف مدينة وهزمت سبعين الف جيش وفى كل جيش قائد مع كل قائد اثنا عشر الف مقاتل وباعدت الحكيم وقربت السفيه وخرجت بالجور والعنف والحمق عن حد الانصاف وكان يحمل مفاتيح الخزائن اربعمائة بغل وكان يحمل الى خراج الدنيا فلم ينازعنى احد من اهل الدنيا فادعيت الربوبية فاصابنى الجوع حتى طلبت كفا من ذرة بالف قفيز من درّ فلم اقدر عليه فمت جوعا يا اهل الدنيا اذكروا امواتكم ذكرا كثيرا واعتبروا بى ولا تغرنكم الدنيا كما غرتنى فان اهلى لم يحملوا من وزرى شيأ. فعلى العاقل ان لا يركن الى الدنيا ويتذكر مرجعه ويتجنب عن المنافقة والظلم والجور ويتصف بالاخلاص والعدل والاحسان فانه هو المفيد: قال ابن الكمال شعر : برده دارى ميكند در طاق كسرى عنكبوت بوم نوبت ميزند بر قلعه افراسياب تخم احسانراجه دارى برفشان اى بى خبر جونكه دانى دانه عمرت خورداين آسياب تفسير : جعلنا الله واياكم من المتيقظين الواصلين الى ذروة اليقين قبل حلول الاجل والحين.

الطوسي

تفسير : الاعراب: موضع الذين يحتمل ثلاثة أوجه من الاعراب: أحدها - أن يكون نصباً على البدل من الذين نافقوا. الثاني - الرفع على البدل من الضمير في يكتمون. الثالث - الرفع على خبر الابتداء، وتقديره: هم {الذين قالوا لإخوانهم} المعنى: والمعني بهذا الكلام والقائلون لهذا القول عبد الله بن أبي وأصحابه من المنافقين قالوه في قتلى يوم أحد من أخوانهم - على قول جابر بن عبد الله، وقتادة، والسدي، والربيع - وقوله: {قل فادرأوا عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين} معناه ادفعوا قال الشاعر: شعر : تقول إذا درأت لها وضيني أهذا دينه أبداً وديني تفسير : فان قيل كيف يلزمهم دفع الموت عن أنفسهم بقولهم أنهم لو لم يخرجوا لم يقتلوا؟ قيل لأن من علم الغيب في السلامة من القتل يجب أن يمكنه أن يدفع عن نفسه الموت فليدفعه، فهو أجدى عليه. فان قيل: كيف كان هذا القول منهم كذباً مع أنه اخبار على ما جرت به العادة؟ قلنا: لأنهم لا يدرون لعلهم لو لم يخرجوا لدخل المشركون عليهم في ديارهم، فقتلوهم هذا قول أبي علي وقال غيره معنى {إن كنتم صادقين} أي محقين في تثبيطكم من الجهاد فراراً من القتل.

الجنابذي

تفسير : {ٱلَّذِينَ قَالُواْ لإِخْوَانِهِمْ} اى فى حقّهم والجملة مستأنفة جواب لسؤالٍ مقدّرٍ محذوفة المبتدأ، او محذوفة الخبر اى هم الّذين قالوا، او الّذين قالوا هؤلاء المنافقون، او مفعول لفعلٍ محذوفٍ على الذّمّ، او بدل من فاعل يكتمون، او ضمير قلوبهم، او خبر بعد خبر للضّمير فى قوله: {هم للكفر}، او صفة للّذين نافقوا {وَقَعَدُواْ} عطف على قالوا او حال بتقدير قد {لَوْ أَطَاعُونَا} فى القعود وعدم الخروج من المدينة {مَا قُتِلُوا} وقد كان ديدن النّساء والرّجال الّذين هم كالنّساء فى ضعف الاعتقاد والتوسّل بالاسباب ان يكرّروا بعد وقوع قضيّة اسباب عدم وقوعها ويؤدّونه بلو كان كذا لما كان كذا ويكون ذلك اشدّ فى تحسّرهم {قُلْ} لهم {فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ} انّ تدبيركم ابقاكم وانّ اخوانكم لمّا خرجوا من تدبيركم وقولكم هلكوا.

الهواري

تفسير : قوله: {الَّذِينَ قَالُوا لإِخْوَانِهِمْ} يعني من قتل من المؤمنين يوم أُحُد، هم إخوانهم بزعمهم لإِقرارهم بدينهم وادعائهم ملتهم ورضاهم بأحكامهم؛ فقال {الَّذِينَ قَالُوا لإِخْوَانِهِمْ} بهذا المعنى وعلى هذا التفسير. {وَقَعَدُوا} أي: عن القتال {لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا} أي لو أطاعونا ما خرجوا مع محمد، ولعملوا كما عمل المنافقون [ولما قتلوا]. قال الله: {قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنفُسِكُمُ المَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ}. أي: لا تستطيعون أن تدفعوا عن أنفسكم الموت. ثم أراد أن يعلمهم أنهم مقتولون أو ميّتون، وأن القتل في سبيل الله أفضل فقال: {وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ}. ذكر بعض المفسّرين أنها نزلت في عبد الله بن أبي بن سلول. وذكر لنا أن رجلاً من أصحاب النبي عليه السلام قال: يا ليتنا نعلم ما فعل إخواننا الذين قتلوا في سبيل الله يوم أحد؛ فأنزل الله: {وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ}. {فَرِحِينَ بِمَا ءَاتَاهُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ} أي من الشهادة والرزق {وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} أي: إخوانهم الذين فارقوهم على دينهم وأمرهم، لِمَا قدموا عليه من الكرامة والفضل الذي أعطاهم الله. ذكروا عن أبي صالح عن ابن عباس أنه قال: لما قَدِمَت أرواح أهل أحد على الله، جُعلت في حواصل طير خضر تسرح في الجنة، ثم تأوي إلى قناديل من ذهب معلّقة بالعرش يجاوب بعضُها بعضاً بصوت رخيم، لم تسمع الخلائق بمثله يقولون: يا ليت إخواننا الذين خلّفنا من بعدنا علموا مثل الذي علمنا فسارعوا في مثل الذي سارعنا فيه، فإنا قد لقينا ربنا فرضي عنا وأرضانا [فوعدهم الله ليخبرن نبيّه بذلك حتى يخبرهم]. قال: فأنزل الله: {وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ بِمَا آتاهُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ}. قال الله: {يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللهِ وَفَضْلٍ} أي ورزق {وَأَنَّ اللهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ المُؤْمِنِينَ} قال الحسن: فرحين بما ءاتاهم الله من الشهادة والرزق. وتأويل الشهيد: أنه يشهد كرامة الله. وإن بعضهم ليقول لبعض: تركنا إخواننا فلاناً وفلاناً في صفوفهم يقاتلون عدوّهم فيُقتَلون إن شاء الله، فيصيبون من الرِزق والكرامة والأمن والشهادة ما أصبنا؛ وهو قوله: {وَيَسْتَبْشِرُونَ بالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ}.

اطفيش

تفسير : {الَّذِينَ}: بدل من الذين الذى قبله، قيل: أو نعت له، بناء على جواز نعت الوصف، فإن الذين بمنزلة الوصف، أو بدل من ضمير أفواههم أو من ضمير قلوبهم، كقوله: شعر : على حالة او أن فى القوم حاتما على جوده ما ضن بالمال حاتم تفسير : بجر حاتم آخر البيت، لأن القوافى مجرورة، وهو بدل من هاء جوده، أو بدل من واو {يكتمون}، أو خبراً لمحذوف، أو مفعول لمحذوف، على الذنب: أى هم الذين، أو أعنى: الذين. {قَالُواْ لإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُواْ لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا}: اللام فى {لإخوانهم} ليست لام التبليغ التى تأتى بعد القول لتوصله، بل للظرفية المجازية، أى فى شأن إخوانهم، أو للتعليل أى: لأجل إخوانهم بدليل الغيبة فى "أطاعوا" و "ما قتلوا"، والمراد بإخوانهم الذين قتلوا يوم أحد، وسموا إخواناً لهم مع أنهم منافقون، والمقتولون شهداء مخلصون، لأنهم أقاربهم فى النسب إذ هم كلهم بنو قيلة، أو لأنهم فى بلد واحد وهو المدينة، أو لأنهم فى الظاهر على دين الإسلام كلهم، ويقولون لا إله إلا الله محمد رسول الله، أو لأنهم كلهم فى مقابلة مشركى قريش، أو ذلك كله. وقيل إن عبد الله بن أبى لم يرجع بالمنافقين كلهم، بل بقى بعضهم، فمات فى أحد بعض من بقى منهم، فمن مات منهم المراد بالإخوان، فهم إخوان للمنافقين فى النفاق، وذلك أن القائلين لإخوانهم ذلك هو عبد الله بن أبى، وأصحابه، والواو فى قوله: {وقعدوا} عاطفة على {قالوا}، أو حالية بلا تقدير أو بتقدير قد، وصاحب الحال واو قالوا، والربط بالواو والضمير أو صاحب الحال إخوان، والربط بواو الحال، ومعنى قعدوا: تخلفوا عن القتال، وذلك أن المقاتل لا يقعد عن موضع القتال، بل يمشى إليه وجملة {لو أطاعونا ما قتلوا} مفعول القول، أى: لو أطاعنا فى قولنا لا تخرجوا من المدينة أو فى قولنا لهم بعد الخروج ارجعوا، ما قتلوا فى ذلك القتال فى أحد، كما لم تقتل ولو خرجنا إذ رجعنا، وقرأ هشام: {ما قتلوا} بتشديد التاء للمبالغة. {قُلْ} يا محمد لهم. {فَادْرَءُوا} ادفعوا. {عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ}: إذا أتاكم. {إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ}: فى أن الحذر عن أسباب الموت، يدفع القدر كلا فإن القدر لا يدفع وإنما ينفع السبب، إذا قدر الله نفعه، وما نفعه إلا لأنه الله لم يقض الموت، ومحال أن لا يتسبب الإنسان إن قضى الله أن يتسبب، ومحال أن لا يؤثر لو قد قضى الله أن يؤثر، ومحال أن يتسبب وقد قضى الله أن لا يتسبب، ومحال أن يؤثر، وقد قضى الله أن يتسبب ولا يؤثر، ومحال أن يموت بالقتال، من قضى أن يموت بغيره، ومحال أن يموت بغير القتال، وقد قضى أن يموت بالقتال، فقد يقضى الله أن يقعد عن القتال فيموت بنحو عقرب أو مرض، وقد روى غريباً أنه مات يوم قالوا هذا المقال سبعون رجلا منافقاً، ولو أراد الله حضوركم لحضرتم القتال، وسلمتم حتى تموتوا بغير هذا القتال، وما يدريكم أن سبب حياتكم عدم حضور القتال؟.

اطفيش

تفسير : {الَّذِينَ قَالُوا} نعت الذين، أو بدل منه، أو بدل من ضمير أفواههم أو قلوبهم، أو من واو يكتمون، أو ذم الذين، أو هم الذين {لإِخْوَانِهِمْ} فى شأن إخوانهم، أو لأجل إخوانهم، أو خاطبوا إخوانهم، وعلى هذا فقوله، لو أطاعونا التفات، أى لو أطعتمونا ما قتلتم، والإخوة إخوة النسب أو البلد، وهم شهداء أحد المخلصون، أو إخوة دين النفاق، فإن مِن مَن مات فى أحد من هو منافق {وَقَعَدُوا} فى المدينة عن الجهاد، عطف على نالوا،أو حال بلا تقدير قد، أوهم، أو بتقدير أحدهما، وذلك فى الماضى المثبت {لَوْ أَطَاعُونآ} فى القعود فى المدينة عن الخروج للجهاد، أو المراد بالقعود الانخزال عن القتال بعد الخروج كما مر أن ابن أبى انخزل بثلاثمائة، فتبعهم أبو جابر يدعوهم للرجوع إلى النبى صلى الله عليه وسلم وحزب الله عز وجل {مَا قُتلُوا} كما لم نقتل، إذ لم نخرج {قُلْ} لهم {فَادْرَءُوا} أى إذا اعتبرتم ذلك فادرأوا، أى ادفعوا {عَنْ أَنْفُسِكُمُ المَوْتَ إن كُنتُمْ صَادِقِينَ} فى أن الموت ينجى منه القعود، فإنه إذا جاءكم لم تقدروا على رده، ومن قدر الله موته فى موضع لم يجد ألا يخرج إليه، ومن قدر موته فى موضعه لم يجد أن يموت فى غيره، فيدركه فى موضعه، وروى أنه أنزل بهم الموت فمات نحو سبعين، عدد من قتل فى أحد، بلا خروج ولا قتال، لإظهار كذبهم وجميع ما فى العالم لا يقع إلا بإذن الله على سبب وعلى غير سبب فكما يكون عدم الخروج سببا للنجاة يكون سببا للموت.

الالوسي

تفسير : {ٱلَّذِينَ قَالُواْ } مرفوع على أنه بدل من واو {أية : يَكْتُمُونَ } تفسير : [آل عمران: 167] كأنه قيل: والله أعلم بما يكتم الذين قالوا، أو خبر لمبتدأ محذوف أي هم الذين، وقيل: مبتدأ خبره قل فادرءوا بحذف العائد أي قل لهم الخ، أو منصوب على الذم أو على أنه نعت للذين نافقوا، أو بدل منه، أو مجرور على أنه بدل من ضمير أفواههم، أو قلوبهم، وجاء إبدال المظهر من ضمير الغيبة في كلامهم، ومنه قول الفرزدق:شعر : على حالة لو أن في القوم حاتماً على جوده لضن بالماء حاتم تفسير : بجر حاتم بدلاً من ضمير جوده لأن القوافي مجرورة. والمعنى يقولون بأفواه الذين قالوا، أو يقولون بأفواههم ما ليس في قلوب الذين قالوا، والكلام على الوجهين من باب التجريد كقوله:شعر : يا خير من يركب المطي ولا يشرب كأساً من كف من بخلا تفسير : والقائل كما قال السدي وغيره هو عبد الله بن أبـيّ وأصحابه، وقد قالوا ذلك في يوم أحد {لإِخْوٰنِهِمْ } أي لأجل إخوانهم الذين خرجوا مع النبـي صلى الله عليه وسلم وقتلوا في ذلك اليوم، والمراد لذوي قرابتهم أو لمن هو من جنسهم {وَقَعَدُواْ } حال من ضمير قالوا وقد مرادة أي قالوا وقد قعدوا عن القتال بالانخذال، وجوز أن يكون معطوفاً على الصلة فيكون معترضاً بين قالوا ومعمولها وهو قوله تعالى: {لَوْ أَطَاعُونَا } أي في ترك القتال {مَا قُتِلُوا } كما لم نقتل وفيه إيذان بأنهم أمروهم بالانخذال حين انخذلوا، ويؤيد ذلك ما أخرجه ابن جرير عن السدي قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في ألف رجل وقد وعدهم الفتح إن صبروا فلما خرجوا رجع عبد الله بن أبـيّ في ثلثمائة فتبعهم أبو جابر السلمي يدعوهم فلما غلبوه وقالوا له: {أية : لَوْ نَعْلَمُ قِتَالاً لاَّتَّبَعْنَاكُمْ }تفسير : [آل عمران: 167] قالوا له: ولئن أطعتنا لترجعن معنا فذكر الله تعالى نعي قولهم لئن أطعتنا لترجعن معنا بقوله سبحانه: {ٱلَّذِينَ قَالُواْ } الخ، وبعضهم حمل القعود على ما استصوبه ابن أبـيّ عند المشاورة من المقاومة بالمدينة ابتداءاً وجعل الإطاعة عبارة عن قبول رأيه والعمل به ـ ولا يخلو عن شيء ـ بل قال مولانا شيخ الإسلام: يرده كون الجملة حالية فإنها لتعيين ما فيه العصيان والمخالفة مع أن ابن أبـيّ ليس من القاعدين فيها بذلك المعنى على أن تخصيص عدم الطاعة بإخوانهم ينادي باختصاص الأمر أيضاً بهم فيستحيل أن يحمل على ما خوطب به النبـي صلى الله عليه وسلم عند المشاورة. {قُلْ } يا محمد تبكيتاً لهم وإظهاراً لكذبهم. {فَادْرَءوا عَنْ أَنفُسِكُمُ الْمَوْتَ } أي فادفعوا عنها ذلك وهو جواب لشرط قد حذف لدلالة قوله تعالى: {إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ } عليه كما أنه شرط حذف جوابه لدلالة {فَادْرَءوا } عليه، ومن جوز تقدم الجواب لم يحتج لما ذكر؛ ومتعلق الصدق هو ما تضمنه قولهم من أن سبب نجاتهم القعود عن القتال، والمراد أن ما ادعيتموه سبب النجاة ليس بمستقيم ولو فرض استقامته فليس بمفيد، أما الأول: فلأن أسباب النجاة كثيرة غايته أن القعود / والنجاة وجدا معاً وهو لا يدل على السببية، وأما الثاني: فلأن المهروب عنه بالذات هو الموت الذي القتل أحد أسبابه فإن صح ما ذكرتم فادفعوا سائر أسبابه فإن أسباب الموت في إمكان المدافعة بالحيل وامتناعها سواء، وأنفسكم أعز عليكم وأمرها أهمّ لديكم، وقيل: متعلق الصدق ما صرح به من قولهم: {لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا } والمعنى أنهم لو أطاعوكم وقعدوا لقتلوا قاعدين كما قتلوا مقاتلين، وحينئذ يكون {فَادْرَءوا } الخ استهزاءاً بهم أي إن كنتم رجالاً دفاعين لأسباب الموت فادرءوا جميع أسبابه حتى لا تموتوا كما درأتم بزعمكم هذا السبب الخاص، وفي «الكشاف» «روي أنه مات يوم قالوا هذه المقالة منهم سبعون منافقاً» بعدد من قتل بأحد.

القطان

تفسير : ادرأوا: ادفعوا. قال الذين تخلّفوا عن القتال ورجعوا الى المدينة، في شأن اخوانهم الذين خرجوا وقُتلوا: لو أنهم أطاعونا وقعدوا مثلنا لنجَوا من القتل كما نجونا. وهكذا لم يكتفِ المنافقون بالتخلف والاعتذار الكاذب، وما أحدثه ذلك من رجة وبلبلة في النفوس، بل راحوا يثيرون الحسرة في قلوب أهل الشهداء بعد المعركة. فرد الله تعالى عليهم رداً قاسياً دحض حجتهم وأبان كذبهم، كما وبخهم على ما قالوا فأبلغ نبيَّه ان يتحداهم {قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ}، اي ادفعوا عن أنفسكم الموت ان كان الحذَر يمنع من القدَر كما تزعمون.

د. أسعد حومد

تفسير : {لإِخْوَانِهِمْ} {فَادْرَءُوا} {صَادِقِينَ} (168) - وَهَؤُلاءِ المُنَافِقُونَ الذِين قَعَدُوا عَنِ الجِهَادِ، هُمُ الذِينَ قَالُوا عَنْ إِخْوَانِهِم الذِينَ قُتِلُوا فِي المَعْرَكَةِ: لَوْ سَمِعُوا مَشُورَتَنَا في القُعُودِ، وَعَدَمِ الخُرُوجِ لَمَا قُتِلُوا مَعَ مَنْ قُتِلَ. وَيَرُدُّ اللهُ تَعَالَى عَلَيهِمْ مُسْتَنْكِراً قَوْلَهُمْ هَذا: قُلْ لَهُمْ يَا مُحَمَّدُ: لَوْ كَانَ القُعُودُ يَسْلَمُ بِهِ الشَّخْصُ مِنَ القَتْلِ وَالمَوْتِ، فَيَنْبَغِي عَلَيْكُمْ ألاَّ تَمُوتُوا. وَلَكِنَّ المَوْتَ آتٍ لاَ بُدَّ مِنْهُ، فَادْفَعُوا عَنْ أنْفُسِكُمُ المَوْتَ إنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ فِي قَوْلِكُمْ. ادْرَؤوا - ادْفَعُوا.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : فعندما أراد ابن أُبَيٍّ أن يخذِّل الجيش، وافقه بعض المنافقين ولم يوافقه البعض. هؤلاء الذين خرجوا للقتال والجهاد ولم يوافقوهم ثم قتلوا فرحوا فيهم، وقالوا: لو كانوا أطاعونا ومكثوا في المدينة ولم يخرجوا لما انهزموا ولما قتلوا، وكأن الحق يوضح لنا أسلوبهم؛ لذلك سنأخذهم من منطقهم .. هم قعدوا وقالوا عن إخوانهم الذين قُتلوا في المعركة والذين هم من جماعتهم: {لَوْ أَطَاعُونَا} [آل عمران: 168] كأن قولاً صدر منهم: "أن اقعدوا" ولكن القوم الآخرين الذين هم أقل نفاقاً. لم يطاوعوهم وخرجوا، فحدث لهم ما حدث. فكيف يرد الله على هذه؟ انظروا إلى الرد الجميل: أنتم تقولون: {لَوْ أَطَاعُونَا} [آل عمران: 168]، فكأن طاعتكم كانت وسيلة لسلامتهم من القتل. إذن فأنتم تعرفون طريق السلامة من القتل. والذي يعرف طريق السلامة من القتل هل يعرف طريق السلامة من الموت؟ ولذلك يقول الحق سخرية بهم: {فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [آل عمران: 168] وفي ذلك رد عليهم من كلامهم {لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا} [آل عمران: 168]. وما دمتم تعرفون وسيلة للسلامة من القتل فاستعملوا هذه الوسيلة في أن تدفعوا عن أنفسكم الموت. وأنتم مع المتقدمين منكم والحاضرين تموتون ولا تستطيعون رد الموت عنكم، إذن فأنتم لا تعرفون طريق السلامة من الموت؛ فكم من مُحارب عاد من الحرب سليماً، وكم من هارب من القتال قد مات وانتهى، وهَبْ أن بعضاً من المؤمنين المقاتلين قد قُتل، إن الذي قُتل في المعركة ليس أهون على الله ممن سلم من المعركة، هؤلاء أحب إلى الله وقد عجل الله لقاءهم وأنزلهم المنزل المقرب عنده. ونعرف أن الحدث إنما يُحمد ويُذم بالنسبة للغاية منه، فكل حدث يُقربك من الغاية يكون محموداً، وكل حدث يُبعِدك عن الغاية يكون غير محمود، فإذا كانت الغاية أن تذهب إلى الإسكندرية مثلاً؛ فقد تذهب إليها ماشياً فتحتاج إلى عدة أيام، وقد تذهب إليها راكباً دابة فتحتاج إلى زمن أقل، أو تذهب إليها راكباً عربة فيقل الزمن لساعات، أو تذهب إليها راكباً طائرة فتصلها في نصف الساعة، فكلما كانت الوسيلة قوية كان الزمن قليلاً؛ لأننا نعلم أن القوة الفاعلة في النقلة تتناسب مع الزمن تناسباً عكسياً. وكلما زادت القوة قل الزمن، وما دامت غايتي أن أذهب إلى الإسكندرية. فالذي يُعجل لي الزمن ويقلله لأذهب إليها أفضل أم لا؟ إنها الوسيلة الأفضل. فما دامت الغاية أن تذهب إلى لقاء الله وأن تعيش في جواره ومعيته، فحين يُعجل الله ببعضنا فيأخذهم من أقصر طريق فهذا أفضل بالنسبة لهم أم لا؟ هذا أفضل، وهكذا نرى أن الناس تنظر للموت نظرة حمقاء، إن موت المؤمن الحق الصادق الإيمان إنما يقربه إلى الغاية، فما الذي يُحزنني!