٣ - آلِ عِمْرَان
3 - Al-Imran (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
169
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أن القول لما ثبطوا الراغبين في الجهاد بأن قالوا: الجهاد يفضي إلى القتل، كما قالوا في حق من خرج إلى الجهاد يوم أحد، والقتل شيء مكروه، فوجب الحذر عن الجهاد، ثم إن الله تعالى بين أن قولهم: الجهاد يفضي إلى القتل باطل، بأن القتل إنما يحصل بقضاء الله وقدره كما أن الموت يحصل بقضاء الله وقدره، فمن قدر الله له القتل لا يمكنه الاحتراز عنه، ومن لم يقدر له القتل لا خوف عليه من القتل، ثم أجاب عن تلك الشبهة في هذه الآية بجواب آخر وهو أنا لا نسلم ان القتل في سبيل الله شيء مكروه، وكيف يقال ذلك والمقتول في سبيل الله أحياه الله بعد القتل وخصه بدرجات القربة والكرامة، وأعطاه أفضل أنواع الرزق وأوصله الى أجل مراتب الفرح والسرور؟ فأي عاقل يقول إن مثل هذا القتل يكون مكروها، فهذا وجه النظم وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: هذه الآية واردة في شهداء بدر وأحد، لأن في وقت نزول هذه الآية لم يكن أحد من الشهداء إلا من قتل في هذين اليومين المشهورين، والمنافقون إنما ينفرون المجاهدين عن الجهاد لئلا يصيروا مقتولين مثل من قتل في هذين اليومين من المسلمين، والله تعالى بين فضائل من قتل في هذين اليومين ليصير ذلك داعيا للمسلمين الى التشبه بمن جاهد في هذين اليومين وقتل، وتحقيق الكلام أن من ترك الجهاد فربما وصل الى نعيم الدنيا وربما لم يصل، وبتقدير أن يصل اليه فهو حقير وقليل، ومن أقبل على الجهاد فاز بنعيم الآخرة قطعا وهو نعيم عظيم، ومع كونه عظيما فهو دائم مقيم، واذا كان الأمر كذلك ظهر أن الإقبال على الجهاد أفضل من تركه. المسألة الثانية: اعلم أن ظاهر الآية يدل على كون هؤلاء المقتولين أحياء، فإما أن يكون المراد منه حقيقة أو مجازا، فإن كان المراد منه هو الحقيقة، فإما أن يكون المراد أنهم سيصيرون في الآخرة أحياء، أو المراد أنهم أحياء في الحال، وبتقدير أن يكون هذا هو المراد، فاما أن يكون المراد إثبات الحياة الروحانية أو إثبات الحياة الجسمانية، فهذا ضبط الوجوه التي يمكن ذكرها في هذه الآية. الاحتمال الأول: أن تفسير الآية بأنهم سيصيرون في الآخرة أحياء، قد ذهب اليه جماعة من متكلمي المعتزلة، منهم أبو القاسم الكعبي قال: وذلك لأن المنافقين الذين حكى الله عنهم ما حكى، كانوا يقولون: أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم يعرضون أنفسهم للقتل فيقتلون ويخسرون الحياة ولا يصلون الى خير، وإنما كانوا يقولون ذلك لجحدهم البعث والميعاد، فكذبهم الله تعالى وبين بهذه الآية أنهم يبعثون ويرزقون ويوصل اليهم أنواع الفرح والسرور والبشارة. واعلم أن هذا القول عندنا باطل، ويدل عليه وجوه: الحجة الأولى: ان قوله: {بَلْ أَحْيَاء } ظاهره يدل على كونهم أحياء عند نزول الآية، فحمله على أنهم سيصيرون أحياء بعد ذلك عدول عن الظاهر. الحجة الثانية: انه لا شك أن جانب الرحمة والفضل والاحسان أرجح من جانب العذاب والعقوبة، ثم إنه تعالى ذكر في أهل العذاب أنه أحياهم قبل القيامة لأجل التعذيب فانه تعالى قال: {أية : أُغْرِقُواْ فَأُدْخِلُواْ نَاراً } تفسير : [نوح: 25] والفاء للتعقيب، والتعذيب مشروط بالحياة، وأيضا قال تعالى: {أية : ٱلنَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً } تفسير : [غافر: 46] واذا جعل الله أهل العذاب أحياء قبل قيام القيامة لأجل التعذيب، فلأن يجعل أهل الثواب أحياء قبل القيامة لأجل الاحسان والاثابة كان ذلك أولى. الحجة الثالثة: أنه لو أراد أنه سيجعلهم أحياء عند البعث في الجنة لما قال للرسول عليه الصلاة والسلام: {وَلاَ تَحْسَبَنَّ } مع علمه بأن جميع المؤمنين كذلك، أما إذا حملناه على ثواب القبر حسن قوله: {وَلاَ تَحْسَبَنَّ } لأنه عليه الصلاة والسلام لعله ما كان يعلم أنه تعالى يشرف المطيعين والمخلصين بهذا التشريف، وهو أنه يحييهم قبل قيام القيامة لأجل إيصال الثواب اليهم. فان قيل: إنه عليه الصلاة والسلام وإن كان عالما بأنهم سيصيرون أحياء عند ربهم عند البعث ولكنه غير عالم بأنهم من أهل الجنة، فجاز أن يبشره الله بأنهم سيصيرون أحياء ويصلون إلى الثواب والسرور. قلنا: قوله: {وَلاَ تَحْسَبَنَّ } إنما يتناول الموت لأنه قال: {وَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ قُتِلُواْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ أَمْوٰتاً } فالذي يزيل هذا الحسبان هو كونهم أحياء في الحال لأنه لا حسبان هناك في صيرورتهم أحياء يوم القيامة، وقوله: {يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ } فهو خبر مبتدأ ولا تعلق له بذلك الحسبان فزال هذا السؤال. الحجة الرابعة: قوله تعالى: {وَيَسْتَبْشِرُونَ بِٱلَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مّنْ خَلْفِهِمْ } والقوم الذين لم يلحقوا بهم لا بد وأن يكونوا في الدنيا، فاستبشارهم بمن يكون في الدنيا لا بد وأن يكون قبل قيام القيامة، والاستبشار لا بد وأن يكون مع الحياة، فدل هذا على كونهم أحياء قبل يوم القيامة، وفي هذا الاستدلال بحث سيأتي ذكره. الحجة الخامسة: ما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في صفة الشهداء: «حديث : ان أرواحهم في أجواف طير خضر وإنها ترد أنهار الجنة وتأكل من ثمارها وتسرح حيث شاءت وتأوي إلى قناديل من ذهب تحت العرش فلما رأوا طيب مسكنهم ومطعمهم ومشربهم قالوا: يا ليت قومنا يعلمون ما نحن فيه من النعيم وما صنع الله تعالى بنا كي يرغبوا في الجهاد فقال الله تعالى: أنا مخبر عنكم ومبلغ إخوانكم ففرحوا بذلك واستبشروا فأنزل الله تعالى هذه الآية» تفسير : وسئل ابن مسعود رضي الله عنه عن هذه الآية، فقال: سألنا عنها فقيل لنا إن الشهداء على نهر بباب الجنة في قبة خضراء، وفي رواية في روضة خضراء، وعن جابر بن عبدالله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ألا أبشرك أن أباك حيث أصيب بأحد أحياه الله ثم قال: ما تريد يا عبدالله بن عمرو أن فعل بك فقال يا رب أحب أن تردني الى الدنيا فأقتل فيها مرة أخرى» تفسير : والروايات في هذا الباب كأنها بلغت حد التوتر، فكيف يمكن إنكارها؟ طعن الكعبي في هذه الروايات وقال: إنها غير جائزة لان الأرواح لا تتنعم، وإنما يتنعم الجسم اذا كان فيه روح لا الروح، ومنزلة الروح من البدن منزلة القوة، وأيضا: الخبر المروي ظاهره يقتضي أن هذه الارواح في حواصل الطير، وأيضا ظاهره يقتضي أنها ترد أنهار الجنة وتأكل من ثمارها وتسرح، وهذا يناقض كونها في حواصل الطير. والجواب: أما الطعن الأول: فهو مبني على أن الروح عرض قائم بالجسم، وسنبين أن الأمر ليس كذلك، وأما الطعن الثاني: فهو مدفوع لأن القصد من أمثال هذه الكلمات الكنايات عن حصول الراحات والمسرات وزوال المخافات والآفات، فهذا جملة الكلام في هذا الاحتمال. وأما الوجه الثاني: من الوجوه المحتملة في هذه الآية هو أن المراد أن الشهداء أحياء في الحال، والقائلون بهذا القول منهم من أثبت هذه الحياة للروح، ومنهم من أثبتها للبدن، وقبل الخوض في هذا الباب يجب تقديم مقدمة، وهي أن الانسان ليس عبارة عن مجموع هذه البنية، ويدل عليه أمران: أحدهما: أن أجزاء هذه البنية في الذوبان والانحلال، والتبدل، والانسان المخصوص شيء باق من أول عمره إلى آخره، والباقي مغاير للمتبدل، والذي يؤكد ما قلناه: أنه تارة يصير سمينا وأخرى هزيلا، وأنه يكون في أول الأمر صغير الجثة، ثم انه يكبر وينمو، ولا شك أن كل إنسان يجد من نفسه أنه شيء واحد من أول عمره الى آخره فصح ما قلناه. الثاني: أن الانسان قد يكون عالما بنفسه حال ما يكون غافلا عن جميع أعضائه وأجزائه، والمعلوم مغاير لما ليس بمعلوم، فثبت بهذين الوجهين أنه شيء مغاير لهذا البدن المحسوس، ثم بعد ذلك يحتمل أن يكون جسما مخصوصا ساريا في هذه الجثة سريان النار في الفحم. والدهن في السمسم، وماء الورد في الورد. ويحتمل أن يكون جوهراً قائما بنفسه ليس بجسم ولا حال في الجسم، وعلى كلا المذهبين فانه لا يبعد أنه لما مات البدن انفصل ذلك الشيء حيا، وان قلنا إنه أماته الله الا أنه تعالى يعيد الحياة اليه، وعلى هذا التقدير تزول الشبهات بالكلية عن ثواب القبر، كما في هذه الآية، وعن عذاب القبر كما في قوله: {أية : أُغْرِقُواْ فَأُدْخِلُواْ نَاراً } تفسير : [نوح: 25] فثبت بما ذكرناه أنه لا امتناع في ذلك، فظاهر الآية دال عليه، فوجب المصير اليه، والذي يؤكد ما ذكرناه القرآن والحديث والعقل. أما القرآن فآيات: إحداها: {أية : يأَيَّتُهَا ٱلنَّفْسُ ٱلْمُطْمَئِنَّةُ * ٱرْجِعِى إِلَىٰ رَبّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً * فَٱدْخُلِى فِى عِبَادِى * وَٱدْخُلِى جَنَّتِى } تفسير : [الفجر: 27 ـ 30] ولا شك أن المراد من قوله: {ٱرْجِعِى إِلَىٰ رَبّكِ } الموت. ثم قال: {فَٱدْخُلِى فِى عِبَادِى } وفاء التعقيب تدل على أن حصول هذه الحالة يكون عقيب الموت، وهذا يدل على ما ذكرناه، وثانيها: {أية : حَتَّىٰ إِذَا جَاء أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لاَ يُفَرّطُونَ } تفسير : [الأنعام: 61] وهذا عبارة عن موت البدن. ثم قال: {أية : ثُمَّ رُدُّواْ إِلَىٰ ٱللَّهِ مَوْلَـٰهُمُ ٱلْحَقّ } تفسير : [الأنعام: 62] فقوله: {رُدُّواْ } ضمير عنه. وإنما هو بحياته وذاته المخصوصة، فدل على أن ذلك باق بعد موت البدن، وثالثها: قوله: {أية : فَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ ٱلْمُقَرَّبِينَ * فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ * وَجَنَّةٍ نَعِيمٍ } تفسير : [الواقعة: 88 , 89] وفاء التعقيب تدل على أن هذا الروح والريحان والجنة حاصل عقيب الموت، وأما الخبر فقوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : من مات فقد قامت قيامته» تفسير : والفاء فاء التعقيب تدل على أن قيامة كل أحد حاصلة بعد موته، وأما القيامة الكبرى فهي حاصلة في الوقت المعلوم عند الله، وأيضا قوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار» تفسير : وأيضا روي أنه عليه الصلاة والسلام يوم بدر كان ينادي المقتولين ويقول: «حديث : هل وجدتم ما وعد ربكم حقا»تفسير : فقيل له: يا رسول الله إنهم أموات، فكيف تناديهم، فقال عليه الصلاة والسلام: «حديث : إنهم أسمع منكم» تفسير : أو لفظاً هذا معناه، وأيضاً قال عليه الصلاة والسلام: «حديث : أولياء الله لا يموتون ولكن ينقلون من دار إلى دار»تفسير : وكل ذلك يدل على أن النفوس باقية بعد موت الجسد. وأما المعقول فمن وجوه: الأول: وهو أن وقت النوم يضعف البدن، وضعفه لا يقتضي ضعف النفس، بل النفس تقوى وقت النوم فتشاهد الأحوال وتطلع على المغيبات، فاذا كان ضعف البدن لا يوجب ضعف النفس، فهذا يقوي الظن في أن موت البدن لا يستعقب موت النفس. الثاني: وهو أن كثرة الأفكار سبب لجفاف الدماغ، وجفافه يؤدي الى الموت، وهذه الأفكار سبب لاستكمال النفس بالمعارف الالهية، وهو غاية كمال النفس، فما هو سبب في كمال النفس فهو سبب لنقصان البدن، وهذا يقوي الظن في أن النفس لا تموت بموت البدن. الثالث: أن أحوال النفس على ضد أحوال البدن، وذلك لأن النفس انما تفرح وتبتهج بالمعارف الالهية، والدليل عليه قوله تعالى: {أية : أَلاَ بِذِكْرِ ٱللَّهِ تَطْمَئِنُّ ٱلْقُلُوبُ } تفسير : [الرعد: 28] وقال عليه الصلاة والسلام: «حديث : أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني» تفسير : ولا شك أن ذلك الطعام والشراب ليس الا عبارة عن المعرفة والمحبة والاستنارة بأنوار عالم الغيب وأيضا، فانا نرى أن الانسان اذا غلب عليه الاستبشار بخدمة سلطان، أو بالفوز بمنصب، أو بالوصول الى معشوقه، قد ينسى الطعام والشراب، بل يصير بحيث لو دعي الى الأكل والشرب لوجد من قلبه نفرة شديدة منه، والعارفون المتوغلون في معرفة الله تعالى قد يجدون من أنفسهم أنهم اذا لاح لهم شيء من تلك الانوار، وانكشف لهم شيء من تلك الأسرار، لم يحسوا ألبتة بالجوع والعطش وبالجملة فالسعادة النفسانية كالمضادة للسعادة الجسمانية، وكل ذلك يغلب على الظن أن النفس مستقلة بذاتها ولا تعلق لها بالبدن، واذا كان كذلك وجب أن لا تموت النفس بموت البدن، ولتكن هذه الاقناعيات كافية في هذا المقام. واعلم أنه متى تقررت هذه القاعدة زالت الاشكالات والشبهات عن كل ما ورد في القرآن من ثواب القبر وعذابه، واذا عرفت هذه القاعدة فنقول: قال بعض المفسرين: أرواح الشهداء أحياء وهي تركع وتسجد كل ليلة تحت العرش الى يوم القيامة، والدليل عليه ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : اذا نام العبد في سجوده باهى الله تعالى به ملائكته ويقول انظروا إلى عبدي روحه عندي وجسده في خدمتي».تفسير : واعلم أن الآية دالة على ذلك وهي قوله: {أَحْيَاء عِندَ رَبّهِمْ } ولفظ «عند» فكما أنه مذكور ههنا فكذا في صفة الملائكة مذكور وهو قوله: {أية : وَمَنْ عِنْدَهُ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ } تفسير : [الأنبياء: 19] فاذا فهمت السعادة الحاصلة للملائكة بكونهم عند الله، فهمت السعادة الحاصلة للشهداء بكونهم عند الله، وهذه كلمات تفتح على العقل أبواب معارف الآخرة. الوجه الثالث: في تفسير هذه الآية عند من يثبت هذه الحياة للأجساد، والقائلون بهذا القول اختلفوا، فقال بعضهم: إنه تعالى يصعد أجساد هؤلاء الشهداء إلى السموات والى قناديل تحت العرش ويوصل أنواع السعادة والكرامات اليها، ومنهم من قال: يتركها في الارض ويحييها ويوصل هذه السعادات اليها، ومن الناس من طعن فيه وقال: إنا نرى أجساد هؤلاء الشهداء قد تأكلها السباع، فاما أن يقال إن الله تعالى يحييها حال كونها في بطون هذه السباع ويوصل الثواب اليها، أو يقال: إن تلك الأجزاء بعد انفصالها من بطون السباع يركبها الله تعالى، ويؤلفها ويرد الحياة اليها ويوصل الثواب اليها، وكل ذلك مستبعد، ولأنا قد نرى الميت المقتول باقيا أياما إلى أن تنفسخ أعضاؤه وينفصل القيح والصديد، فإن جوزنا كونها حية متنعمة عاقلة عارفة لزم القول بالسفسطة. الوجه الرابع: في تفسير هذه الآية أن نقول: ليس المراد من كونها أحياء حصول الحياة فيهم، بل المراد بعض المجازات وبيانه من وجوه: الأول: قال الأصم البلخي: إن الميت إذا كان عظيم المنزلة في الدين، وكانت عاقبته يوم القيامة البهجة والسعادة والكرامة، صح أن يقال: إنه حي وليس بميت، كما يقال في الجاهل الذي لا ينفع نفسه ولا ينتقع به أحد: إنه ميت وليس بحي، وكما يقال للبليد: إنه حمار، وللمؤذي إنه سبع، وروي أن عبد الملك بن مروان لما رأى الزهري وعلم فقهه وتحقيقه قال له: ما مات من خلف مثلك، وبالجملة فلا شك أن الانسان إذا مات وخلف ثناء جميلا وذكرا حسنا، فانه يقال على سبيل المجاز إنه ما مات بل هو حي. الثاني: قال بعضهم مجاز هذه الحياة أن أجسادهم باقية في قبورهم، وانها لا تبلى تحت الأرض البتة. واحتج هؤلاء بما روي أنه لما أراد معاوية أن يجري العين على قبور الشهداء، أمر بأن ينادى: من كان له قتيل فليخرجه من هذا الموضع، قال جابر: فخرجنا اليهم فأخرجناهم رطاب الأبدان، فأصابت المسحاة أصبع رجل منهم فقطرت دما. والثالث: أن المراد بكونهم أحياء أنهم لا يغسلون كما تغسل الأموات، فهذا مجموع ما قيل في هذه الآية والله أعلم بأسرار المخلوقات. المسألة الثالثة: قال صاحب «الكشاف»: {وَلاَ تَحْسَبَنَّ } الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم أو لكل أحد وقرىء بالياء، وفيه وجوه: أحدها: ولا يحسبن رسول الله. والثاني: ولا يحسبن حاسب، والثالث: ولا يحسبن الذين قتلوا أنفسهم أمواتاً قال: وقرىء {تَحْسَبَنَّ } بفتح السين، وقرأ ابن عامر {قُتِلُواْ} بالتشديد والباقون بالتخفيف. المسألة الرابعة: قوله: {بَلْ أَحْيَاء } قال الواحدي: التقدير: بل هم أحياء، قال صاحب «الكشاف»: قرىء {أَحْيَاء } بالنصب على معنى بل أحسبهم أحياء. وأقول: إن الزجاج قال: ولو قرىء {أَحْيَاء } بالنصب لجاز على معنى بل أحسبهم أحياء، وطعن أبو علي الفارسي فيه فقال: لا يجوز ذلك لأنه أمر بالشك والأمر بالشك غير جائز على الله، ولا يجوز تفسير الحسبان بالعلم لأن ذلك لم يذهب اليه أحد من علماء أهل اللغة، وللزجاج أن يجيب فيقول: الحسبان ظن لا شك، فلم قلتم إنه لا يجوز أن يأمر الله بالظن، أليس أن تكليفه في جميع المجتهدات ليس إلا بالظن. وأقول: هذه المناظرة من الزجاج وأبي علي الفارسي تدل على أنه ما قرىء {أَحْيَاء } بالنصب بل الزجاج كان يدعي أن لها وجها في اللغة، والفارسي نازعه فيه، وليس كل ما له وجه في الإعراب جازت القراءة به. أما قوله تعالى: {عِندَ رَبّهِمْ } ففيه وجوه: أحدها: بحيث لا يملك لهم أحد نفعا ولا ضرا إلا الله تعالى. والثاني: هم أحياء عند ربهم، أي هم أحياء في علمه وحكمه، كما يقال: هذا عند الشافعي كذا، وعند أبي حنيفة بخلافه. والثالث: ان {عِندَ } معناه القرب والإكرام، كقوله: {أية : وَمَنْ عِنْدَهُ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ } تفسير : [الأنبياء: 19] وقوله: {أية : ٱلَّذِينَ عِندَ رَبّكَ } تفسير : [الأعراف: 206] أما قوله: {يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا ءَاتَـٰهُمُ ٱللَّهُ } فاعلم أن المتكلمين قالوا الثواب منفعة خالصة دائمة مقرونة بالتعظيم، فقوله: {يُرْزَقُونَ } إشارة إلى المنفعة، وقوله: {فَرِحِينَ } إشارة إلى الفرح الحاصل بسبب ذلك التعظيم، وأما الحكماء فانهم قالوا: إذا أشرقت جواهر الأرواح القدسية بالأنوار الالهية كانت مبتهجة من وجهين: أحدهما: أن تكون ذواتها منيرة مشرقة متلألئة بتلك الجلايا القدسية والمعارف الالهية. والثاني: بكونها ناظرة إلى ينبوع النور ومصدر الرحمة والجلالة، قالوا: وابتهاجها بهذا القسم الثاني أتم من ابتهاجها بالأول، فقوله: {يُرْزَقُونَ } إشارة إلى الدرجة الأولى وقوله: {فَرِحِينَ } إشارة إلى الدرجة الثانية، ولهذا قال: {فَرِحِينَ بِمَا ءَاتَـٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ } يعني ان فرحهم ليس بالرزق، بل بايتاء الرزق لأن المشغول بالرزق مشغول بنفسه، والناظر إلى إيتاء الرزق مشغول بالرازق، ومن طلب الحق لغيره فهو محجوب. ثم قال تعالى: {وَيَسْتَبْشِرُونَ بِٱلَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مّنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ }. واعلم أن قوله: {أَلاَّ خَوْفٌ } في محل الخفض بدل من {ٱلَّذِينَ } والتقدير: ويستبشرون بأن لا خوف ولا حزن بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم، وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: الاستبشار السرور الحاصل بالبشارة، وأصل الاستفعال طلب الفعل، فالمستبشر بمنزلة من طلب السرور فوجده بالبشارة. المسألة الثانية: اعلم أن الذين سلموا كون الشهداء أحياء قبل قيام القيامة ذكروا لهذه الآية تأويلات أخر. أما الأول: فهو أن يقال: إن الشهداء يقول بعضهم لبعض: تركنا إخواننا فلانا وفلانا في صف المقاتلة مع الكفار فيقتلون إن شاء الله فيصيبون من الرزق والكرامة ما أصبنا، فهو قوله: {وَيَسْتَبْشِرُونَ بِٱلَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم }. وأما الثاني: فهو أن يقال: إن الشهداء إذا دخلوا الجنة بعد قيام القيامة يرزقون فرحين بما آتاهم الله من فضله، والمراد بقوله: {لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مّنْ خَلْفِهِمْ } هم إخوانهم من المؤمنين الذين ليس لهم مثل درجة الشهداء، لأن الشهداء يدخلون الجنة قبلهم، دليله قوله تعالى: {أية : وَفَضَّلَ ٱللَّهُ ٱلْمُجَـٰهِدِينَ عَلَى ٱلْقَـٰعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً * دَرَجَـٰتٍ مّنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً } تفسير : [النساء: 95 , 96] فيفرحون بما يرون من مأوى المؤمنين والنعيم المعد لهم، وبما يرجونه من الاجتماع بهم وتقر بذلك أعينهم، هذا اختيار أبي مسلم الاصفهاني والزجاج. واعلم أن التأويل الأول أقوى من الثاني، وذلك لأن حاصل الثاني يرجع الى استبشار بعض المؤمنين ببعض بسبب اجتماعهم في الجنة، وهذا أمر عام في حق كل المؤمنين، فلا معنى لتخصيص الشهداء بذلك، وأيضا: فهم كما يستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم، فكذلك يستبشرون بمن تقدمهم في الدخول، لأن منازل الأنبياء والصديقين فوق منازل الشهداء، قال تعالى: {أية : فَأُوْلَـٰئِكَ مَعَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مّنَ ٱلنَّبِيّينَ وَٱلصّدّيقِينَ وَٱلشُّهَدَاء وَٱلصَّـٰلِحِينَ }تفسير : [النساء: 69] وعلى هذا التقدير لا يبقى فائدة في التخصيص. أما إذا فسرنا الآية بالوجه الأول ففي تخصيص المجاهدين بهذه الخاصية أعظم الفوائد فكان ذلك أولى والله أعلم. المسألة الثالثة: الخوف يكون بسبب توقع المكروه النازل في المستقبل، والحزن يكون بسبب فوات المنافع التي كانت موجودة في الماضي، فبين سبحانه أنه لا خوف عليهم فيما سيأتيهم من أحوال القيامة، ولا حزن لهم فيما فاتهم من نعيم الدنيا.
القرطبي
تفسير : وفيه ثمان مسائل: الأولى: لمّا بيّن الله تعالىٰ أنّ ما جرى يوم أُحُد كان ٱمتحاناً يُميّز المنافق من الصَّادق، بيّن أن من لم ينْهَزِم فقُتل له الكرامةُ والحياةُ عنده. والآية في شُهَداء أُحُد. وقيل: نزلت في شهداء بئر مَعُونة. وقيل: بل هي عامّة في جميع الشهداء. وفي مصنف أبي داود بإسناد صحيح عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : «لمّا أُصيب إخوانكم بأُحُد جعل الله أرواحهم في جَوْف طَير خضر تَرِد أنهار الجنة تأكُل من ثمارها وتأوِي إلى قناديلَ من ذهب معلَّقةٍ في ظِلّ العَرْش فلما وجدوا طِيب مأْكَلِهم ومَشْرَبهم ومَقِيلهم قالوا مَن يُبلِّغ إخوانَنَا عنّا أنّا أحياءٌ في الجنة نُرْزَق لئلا يَزْهَدوا في الجهاد ولا يَنْكُلوا عند الحرب فقال الله سبحانه أنا أبلغهم عنكم» ـ قال ـ فأنزل الله {وَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أَمْوَاتاً} إلى آخر الآياتتفسير : . وروى بقِيّ بن مَخْلَد حديث : عن جابر قال: لقِيني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «يا جابر ما لي أراك مُنَكِّساً مُهْتَمّاً»؟ قلت: يا رسول الله، اسْتُشْهِد أبِي وترك عِيالاً وعليه دَيْنٌ؛ فقال: «ألاَ أُبَشِّرك بما لقي اللَّهُ عزّ وجلّ به أباك»؟ قلت: بلىٰ يا رسول الله. قال: «إن الله أحْيَا أباك وكلمه كِفاحاً وما كلّم أحد قطُّ إلاَّ من وراء حجاب فقال له يا عبدي تَمنّ أُعْطِك قال يا رب فرُدّني إلى الدنيا فأُقْتَل فيك ثانيةً فقال الربّ تبارك وتعالىٰ إنه قد سبق مِني أنهم (إليها) لا يرجعون قال يا ربّ فأبلغ مَن ورائي» فأنزل الله عزّ وجلّ {وَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} الآيةتفسير : . أخرجه ابن ماجه في سُنَنه، والتَّرمذِيّ في جامعه وقال: هذا حديث حسن غرِيب. وروى وكيع عن سالم بن الأفْطَس عن سعيد بن جبير {وَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ} قال: لما أُصيب حمزة بن عبد المطّلب ومُصْعَب بن عُمير ورأوا ما رُزقوا من الخير قالوا: ليت إخواننا يعلمون ما أصابنا من الخير كي يزدادوا في الجهاد رَغْبَةً؛ فقال الله تعالىٰ أنا أبلغهم عنكم، فأنزل الله تعالىٰ: {وَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أَمْوَاتاً} ـ إلى قوله: {لاَ يُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُؤْمِنِينَ}. وقال أبو الضُّحىٰ: نزلت هذه الآية في أهل أُحُد خاصّةً. والحديثُ الأوّل يقتضي صحةَ هذا القول. وقال بعضهم: نزلت في شهداء بَدْر وكانوا أربعة عشر رجلاً؛ ثمانيةٌ من الأنصار، وستة من المهاجرين. وقيل: نزلت في شهداء بئر مَعُونة، وقصتهم مشهورة ذكرها محمد بن إسحاق وغيره. وقال آخرون: إن أولياء الشهداء كانوا إذا أصابتهم نعمة وسرور تحسّروا وقالوا: نحن في النعمة والسرور، وآباؤنا وأبناؤنا وإخواننا في القبور. فأنزل الله تعالىٰ هذه الآية تَنْفِيساً عنهم وإخباراً عن حال قتلاهم. قلت: وبالجملة وإن كان يحتمل أن يكون النّزول بسبب المجموع فقد أخبر الله تعالىٰ فيها عن الشهداء أنهم أحياءٌ في الجنة يُرزقون، ولا مَحالَة أنهم ماتوا وأن أجسادهم في التراب، وأرواحهم حيّة كأرواح سائر المؤمنين، وفُضّلوا بالرزق في الجنّة من وقت القَتْل حتى كأن حياة الدنيا دائمة لهم. وقد اختلف العلماء في هذا المعنى. فالذي عليه المعظم هو ما ذكرناه، وأن حياة الشهداء محققة. ثم منهم من يقول: تُردُّ إليهم الأرواح في قبورهم فينعّمون، كما يحيا الكفار في قبورهم فيُعذبون. وقال مجاهد: يرزقون من ثَمَر الجنة، أي يجدون ريحها وليسوا فيها. وصار قوم إلى أن هذا مجاز، والمعنى أنهم في حكم الله مستحقّون للتنعُّم في الجنة. وهو كما يُقال: ما مات فلان، أي ذكْره حيّ؛ كما قيل:شعر : مَوْتُ التّقِيّ حياةٌ لا فناءَ لها قَدْ مات قومٌ وهُمْ في الناس أحْيَاءُ تفسير : فالمعنى أنهم يرزقون الثّناءَ الجميل. وقال آخرون: أرواحهم في أجواف طَيْر خُضْر وأنهم يُرزقون في الجنة ويأكلون ويتنعّمون. وهذا هو الصحيح من الأقوال؛ لأن ما صحّ به النقل فهو الواقع. وحديثُ ابن عباس نصٌّ يرفع الخلاف. وكذلك حديث ابن مسعود خرّجه مسلم. وقد أتينا على هذا المعنى مبيَّناً في كتاب «التّذكِرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة». والحمد لله. وقد ذكرنا هناك كم الشهداء، وأنهم مختلفو الحال. وأما من تأوّل في الشهداء أنهم أحياء بمعنى أنهم سيحْيَوْن فبعيدٌ يرده القرآن والسنة؛ فإن قوله تعالىٰ: {بَلْ أَحْيَاءٌ} دليل على حياتهم، وأنّهم يرزقون ولا يُرزق إلاَّ حَيّ. وقد قيل: إنه يكتب لهم في كل سَنَة ثوابُ غزوة؛ ويُشركون في ثواب كلّ جهاد كان بعدهم إلى يوم القيامة؛ لأنهم سَنّوا أمر الجهاد. نَظِيره قوله تعالىٰ: {أية : مِنْ أَجْلِ ذٰلِكَ كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْساً} تفسير : [المائدة: 32]. على ما يأتي بيانه هناك إن شاء الله تعالىٰ. وقيل: لأن أرواحَهم تركَع وتسجُد تحت العرش إلى يوم القيامة، كأرواح الأحياء المؤمنين الذين باتُوا على وُضُوء. وقيل: لأن الشهيد لا يَبلى في القبر ولا تأكُله الأرض. وقد ذكرنا هذا المعنى في «التّذكِرة» وأن الأرض لا تأكل الأنبياء والشهداء والعلماء والمؤذّنين المحتَسبين وحملة القرآن. الثانية: إذا كان الشَّهيد حيّاً حُكماً فلا يُصلّىٰ عليه، كالحيّ حِسّاً. وقد اختلف العلماء في غُسل الشهداء والصّلاة عليهم؛ فذهب مالك والشافعيّ وأبو حنيفة والثّوْريّ إلى غُسل جميع الشّهداء والصَّلاة عليهم؛ إلاَّ قتيلَ المُعتَرك في قتال العدوّ خاصة؛ لحديث جابر قال قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: حديث : «ادفنوهم بدمائهم» يعني يوم أُحُد ولم يُغسِّلهمتفسير : ، رواه البخاريّ. وروى أبو داود عن ابن عباس قال: حديث : أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتلى أُحُد أن يُنزَع عنهم الحديدُ والجلودُ وأن يُدفَنُوا بِدمائهم وثيابهمتفسير : . وبهذا قال أحمدُ وإسحاقُ والأوزاعيّ وداود بن عليّ وجماعةُ فُقَهاء الأمصار وأهل الحديث وابنُ عُلَيَّة. وقال سعيد بن المُسَيّب والحَسَن: يُغسّلون. قال أحدهما: إنما لن تُغَسِّل شهداء أُحُد لكثرتهم والشُّغل عن ذلك. قال أبو عُمَر: ولم يقل بقول سعيد والحسن هذا أحد من فقهاء الأمصار إلاَّ عبيد الله بن الحسن العَنْبَري، وليس ما ذكروا من الشُّغل عن غُسل شهداء أُحُد علّة؛ لأن كل واحد منهم كان له وليٌّ يشتَغل به ويقوم بأمره. والعلّة في ذلك ـ والله أعلم ـ. ما جاء في الحديث في دمائهم «حديث : أنها تأتي يوم القيامة كريح الْمِسك»تفسير : فَبَانَ أن العلّة ليست الشُّغل كما قال من قال في ذلك، وليس لهذه المسألة مدخل في القياس والنظر، وإنما هي مسألة ٱتّباعٍ للأثر الذي نقله الكافّة في قتلى أُحُد لم يُغسّلوا. وقد ٱحتج بعض المتأخرين ممن ذهب مذهب الحسن. بقوله عليه السَّلام في شهداء أُحُد: «حديث : أنا شهيد على هؤلاء يوم القيامة»تفسير : . قال: وهذا يدل على خصوصهم وأنه لا يَشْرَكهم في ذلك غيرهم. قال أبو عمر: وهذا يشبه الشذوذ، والقول بترك غُسلهم أولى؛ لثبوت ذلك عن النبيّ صلى الله عليه وسلم في قَتلى أُحُد وغيرهم. ورَوى أبو داود عن جابر قال: رُمِيَ رجل بسهم في صدره أو في حلقه فمات فأدرِج في ثيابه كما هو. قال: ونحن مع رسول صلى الله عليه وسلم. الثالثة: وأما الصلاة عليهم فاختلف العلماء في ذلك أيضاً؛ فذهب مالك واللّيث والشافعيّ وأحمد وداود إلى أنه لا يُصلّى عليهم؛ لحديث جابر قال: حديث : كان النبي صلى الله عليه وسلم يجمع بين الرجلين من قتلى أحد في ثوب واحد ثم يقول: «أيُّهما أكثر أخْداً للقرآن»؟ فإذا أُشير له إلى أحدِهما قدّمه في اللَّحد وقال: «أنا شهيدٌ على هؤلاء يوم القيامة» وأمر بدفنهم بدمائهم ولم يُغسّلوا ولم يُصل عليهمتفسير : . وقال فقهاء الكوفة والبصرة والشام: يُصلّىٰ عليهم. وروَوْا آثاراً كثيرة أكثرها مراسيل. أن النبيّ صلى الله عليه وسلم صلّى على حمزة وعلى سائر شهداء أُحد. الرابعة: وأجمع العلماء على أن الشّهيد إذا حُمل حَيّاً ولم يَمت في الْمعتَرَك وعاش وأكلَ فإنه يُصلّىٰ عليه؛ كما قد صُنع بعمر رضي الله عنه. واختلفوا فيمن قُتل مظلوماً كقتيل الخوارج وقُطّاع الطريق وشبه ذلك؛ فقال أبو حنيفة والثّوري: كل من قتل مظلوماً لم يُغسّل، ولكنه يُصلّىٰ عليه وعلى كل شهيد؛ وهو قول سائر أهلِ العِراق. ورَوَوْا من طُرِق كثيرةٍ صحاح عن زيد بن صُوحان، وكان قتل يوم الجَمَل: لا تَنزِعوا عنّي ثوباً ولا تَغسِلوا عني دَماً. وثبت عن عمار بن ياسر أنه قال مثلَ قول زيد ٱبن صُوحان. وقُتل عمار بن ياسِر بِصفّين ولم يغسّله عليّ. وللشافعي قولان: أحدهما ـ يُغسّل كجميع الموتى إلا من قتله أهل الحرب؛ وهذا قول مالك. قال مالك: لا يُغسّل من قتله الكفار ومات في المُعترك. وكل مقتول غيرِ قتيلِ المُعتَرك ـ قتيل الكفار ـ فإنه يُغسّل ويُصلَّى عليه. وهذا قول أحمد ابن حنبل رضي الله عنه. والقول الآخر للشافعيّ ـ لا يُغسّل قتيل البُغاة. وقول مالك أصحّ؛ فإنّ غُسل الموتى قد ثبت بالإجماع ونَقْلِ الكافّة. فَواجبٌ غُسلُ كلِّ ميت إلا من أخرجه إجماعٌ أو سُنّةٌ ثابتة. وبالله التوفيق. الخامسة: العدوّ إذا صبّح قوماً في منزلهم ولم يَعلموا به فقتَلَ منهم فهل يكون حكمه حكم قتيل المعتَرك، أو حكم سائر الموتى؛ وهذه المسألة نزلت عندنا بقُرطُبَة أعادها الله: أغَارَ العدوّ ـ قَصَمه الله ـ صَبيحَةَ الثّالثِ من رَمضانَ المُعظّم سنةَ سَبعٍ وعشرين وسِتّمائة والناس في أجْرانهم على غَفلة، فقتَل وأسَر، وكان من جُملة من قُتل والدي رحمه الله؛ فسألت شيخنا المقرىء الأُستاذ أبا جعفر أحمد المعروف بأبي حجة فقال؛ غَسّله وصلّ عليه، فإن أباك لم يُقتَل في المُعتَرك بين الصَّفين. ثم سألت شيخنا ربيعَ بن عبد الرحمن بن أحمد بن ربيع بن أُبيّ فقال: إن حكمه حكم القتلى في المعترك. ثم سألت قاضي الجماعة أبا الحسن عليّ بن قطرال وحوله جماعة من الفقهاء فقالوا: غسّله وكفّنه وصلّ عليه؛ ففعلت. ثم بعد ذلك وقَفتُ على المسألة في «التّبصرة» لأبي الحسن اللّخميّ وغيرها، ولو كان ذلك قبل ذلك ما غسّلته، وكنت دفنته بدمه في ثيابه. السادسة: هذه الآية تدل على عظيم ثواب القتل في سبيل الله والشهادة فيه حتى أنه يكفر الذنوب؛ كما قال صلى الله عليه وسلم: «حديث : القتل في سبيل الله يكفّر كل شيء إلا الدّين كذلك قال لي جبريل عليه السلام آنفاً»تفسير : . قال علماؤنا ذِكر الدَّين تنبيه على ما في معناه من الحقوق المتعلقة بالذمم، كالغصب وأخذ المال بالباطل وقتل العمد وجِراحه وغير ذلك من التَّبِعات، فإن كل هذا أوْلى ألاّ يُغفَر بالجهاد من الدَّين فإنه أشد، والقصاص في هذا كله بالحسنات والسيئات حسبما وردت به السنَّة الثابتة. روى عبد الله بن أُنَيْس قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : يحشر الله العباد ـ أو قال الناس، شكَّ همّام، وأوْمَأَ بيده إلى الشام ـ عُراة غُرْلا بُهْماً. قلنا: ما بُهْمٌ؟ قال: ليس معهم شيء فيناديهم بصوت يسمعه مَن قَرُب وَمَن بَعُد أنا الملِك أنا الديان لا ينبغي لأحد من أهل الجنة أن يدخل الجنة وأحد من أهل النار يطلبه بمظلِمة ولا ينبغي لأحد من أهل النار أن يدخل النار وأحد من أهل الجنة يطلبه بمظلِمة حتّى اللطْمة. قال قلنا: كيف وإنما نأتي الله حفاة عراة غرلا. قال: بالحسنات والسيئات»تفسير : . أخرجه الحارث بن أبي أسامة. وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة. أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حديث : «أتدرون من المفلِس»؟. قالوا: المفلِس فِينا من لا دِرهم له ولا متاع. فقال: «إن المفْلِس من أُمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة ويأتي قد شَتَم هذا وقَذَف هذا وأكلَ مالَ هذا وسفكَ دَمَ هذا وضرب هذا فيُعطى هذا من حسناته وهذا من حسناته فإن فنِيت حسناته قبل أن يُقْضى ما عليه أخِذ من خطاياهم فطرحت عليه ثم طرح في النار»تفسير : وقال صلى الله عليه وسلم: «حديث : والذي نفسي بيده لو أن رجلاً قُتل في سبيل الله ثم أُحْيَي ثم قتل ثم أُحيي ثم قُتل وعليه دَيْن ما دخل الجنة حتى يُقْضى عنه»تفسير : . وروى أبو هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : نفس المؤمن معلَّقة ما كان عليه دَيْن»تفسير : . وقال أحمد بن زُهَير: سئل يحيى بن مَعِين عن هذا الحديث فقال: هو صحيح. فإن قيل: فهذا يدل على أن بعض الشهداء لا يدخلون الجنة من حين القتل، ولا تكون أرواحهم في جَوف طيرٍ كما ذكرتم، ولا يكونون في قبورهم، فأيْنَ يكونون؟ قلنا: قد ورد عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : أرواح الشهداء على نهر بباب الجنة يقال له بَارِقٌ يخرج عليهم رزقهم من الجنة بُكْرَةً وعَشِيّاً»تفسير : فلعلهم هؤلاء. والله أعلم. ولهذا قال الإمام أبو محمد بن عطية: وهؤلاء طبقات وأحوال مختلفة يجمعها أنهم {يُرْزَقُونَ}. وقد أخرج الإمام أبو عبد الله محمد بن يزيد بن ماجه القزويني في سننه عن سليم بن عامر قال سمعت أبا أمامة يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : شهيد البحر مثلُ شهِيدَيْ البَرِّ والمائدُ في البحر كالمُتَشَحِّط في دَمِه في البر وما بين المَوْجَتين كقاطع الدنيا في طاعة الله وإن الله عزّ وجلّ وكّل ملك الموت بقبض الأرواح إلا شهداء البحر فإنه سبحانه يتولّى قَبضَ أرواحهم ويَغْفِر لشهيد البرّ الذنوبَ كلَّها إلا الدَّين ويغفر لشهيد البحر الذنوب كلها والديْن».تفسير : السابعة: الدَّين الذي يُحْبس به صاحبه عن الجنة ـ والله أعلم ـ هو الذي قد ترك وفاء ولم يُوص به. أو قَدر على الأداء فلم يؤدّه، أو ٱدّانه في سَرَف أو في سفهٍ ومات ولم يوفّه. وأما من ٱدّان في حق واجب لِفافةٍ وعُسْر ومات ولم يَتْرُك وفاء فإن الله لا يحبسه عن الجنة إن شاء الله؛ لأن على السلطان فرضاً أن يؤدّيَ عنه دينه، إما من جملة الصدقات، أو من سهم الغارمين، أو من الفَيْء الراجع على المسلمين. قال صلى الله عليه وسلم: «حديث : من ترك دَيْناً أو ضَياعاً فعلى الله ورسوله ومن ترك مالاً فلورثته»تفسير : . وقد زدنا هذا الباب بياناً في كتاب (التذكرة) والحمد لله. الثامنة: قوله تعالى: {عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ} فيه حذف مضاف تقديره عند كرامة ربّهم. و «عِند» هنا تقتضي غايةَ القُرْب، فهي كـ (لدى) ولذلك لم تصغر فيقال! عُنيد؛ قاله سيبويه. فهذه عِنْدِيّة الكرامة لا عِنْدِية المسافة والقُرْب. و «يرزقون» هو الرّزق المعروف في العادات. ومن قال: هي حياة الذّكْر قال: يرزقون الثناء الجميل. والأوّل الحقيقة. وقد قيل: إن الأرواح تُدرِك في تلك الحال التي يسرحون فيها من روائح الجنة وطِيبها ونعيمها وسرورها ما يَليق بالأرواح؛ مما ترتزق وتنتعش به. وأما اللذات الجسمانية فإذا أُعيدت تلك الأرواح إلى أجسادها ٱستَوْفت من النعيم جميعَ ما أعدّ الله لها. وهذا قول حسن، وإن كان فيه نوع من المجاز، فهو الموافق لما ٱخترناه. والمُوَفِّق الإلۤه. و {فَرِحِينَ} نصب في موضع الحال من المضمر في «يُرْزَقُونَ». ويجوز في الكلام «فَرِحُون» على النعت لأَحْيَاء. وهو من الفرح بمعنى السرور. والفضْل في هذه الآية هو النّعيمُ المذكور. وقرأ ابن السَّمَيْقَع «فَارِحِين» بالألف وهما لغتان كالفَرِه والفارِه، والحَذِر والحاذِر، والطّمِع والطّامِع، والبَخِل والباخِل. قال النحاس: ويجوز في غير القرآن رَفعُه، يكون نعتاً لأحياء. قوله تعالى: {وَيَسْتَبْشِرُونَ بِٱلَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ} المعنى لم يلحقوا بهم في الفضل، وإن كان لهم فضل. وأصله من البَشرة؛ لأن الإنسان إذا فَرِح ظهر أثر السّرور في وجهه. وقال السّدّي: يؤتىٰ الشهيد بِكتابٍ فيه ذكرُ من يَقْدَمُ عليه من إخوانه، فيستبشر كما يستبشر أهل الغائب بقُدومِه في الدنيا. وقال قَتادةُ وابن جُريْج والرّبيعُ وغيرُهم: استبشارهم بأنهم يقولون: إخواننا الذين تركنا خلفنا في الدنيا يقاتلون في سبيل الله مع نبيّهم، فيستشهدون فينالون من الكرامة مثلَ ما نحن فيه؛ فيسرّون ويفرحون لهم بذلك. وقيل: إن الإشارة بالاستبشار للذين لم يَلحقوا بهم إلى جميع المؤمنين وإن لم يُقتَلوا، ولكنهم لما عاينوا ثواب الله وقع اليقين بأن دِين الإسلام هو الحق الذي يثيب الله عليه؛ فهم فَرِحون لأنفسهم بما آتاهم الله من فضله، مستبشرون للمؤمنين بأن لا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون. ذهب إلى هذا المعنى الزجّاج وٱبن فُورَك.
ابن كثير
تفسير : يخبر تعالى عن الشهداء بأنهم، وإن قتلوا في هذه الدار، فإن أرواحهم حية مرزوقة في دار القرار. قال محمد بن جرير: حدثنا محمد بن مرزوق، حدثنا عمرو بن يونس عن عكرمة، حدثنا ابن إسحاق بن أبي طلحة، حدثني أنس بن مالك في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين أرسلهم نبي الله صلى الله عليه وسلم إلى أهل بئر معونة، قال: لا أدري أربعين أو سبعين، وعلى ذلك الماء عامر بن الطفيل الجعفري، فخرج أولئك النفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أتوا غاراً مشرفاً على الماء، فقعدوا فيه، ثم قال بعضهم لبعض: أيكم يبلغ رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل هذا الماء؟ فقال ـ أراه ابن ملحان الأنصاري ـ: أنا أبلغ رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فخرج حتى أتى حياً منهم، فاختبأ أمام البيوت، ثم قال: يا أهل بئر معونة إني رسول رسول الله إليكم، إني أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً عبده ورسوله، فآمنوا بالله ورسوله، فخرج إليه رجل من كسر البيت برمح، فضربه في جنبه حتى خرج من الشق الآخر، فقال: الله أكبر، فزت ورب الكعبة فاتبعوا أثره حتى أتوا أصحابه في الغار، فقتلهم أجمعين عامر بن الطفيل. وقال إسحاق: حدثني أنس ابن مالك: أن الله أنزل فيهم قرآناً: «بلغوا عنا قومنا أنا قد لقينا ربنا، فرضي عنا ورضينا عنه»، ثم نسخت، فرفعت بعد ما قرأناها زماناً، وأنزل الله تعالى: { وَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ قُتِلُواْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ أَمْوَٰتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ} وقد قال مسلم في صحيحه: حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير، حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش عن عبد الله بن مرة، عن مسروق، قال: سألنا عبد الله عن هذه الآية: { وَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ قُتِلُواْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ أَمْوَٰتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ} فقال: أما إنا قد سألنا عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «حديث : أرواحهم في جوف طير خضر، لها قناديل معلقة بالعرش، تسرح من الجنة حيث شاءت، ثم تأوي إلى تلك القناديل، فاطلع إليهم ربهم اطلاعة، فقال: هل تشتهون شيئاً؟ فقالوا: أي شيء نشتهي ونحن نسرح من الجنة حيث شئنا؟ ففعل ذلك بهم ثلاث مرات، فلما رأوا أنهم لن يتركوا من أن يسألوا، قالوا: يا رب نريد أن ترد أرواحنا في أجسادنا حتى نقتل في سبيلك مرة أخرى، فلما رأى أن ليس لهم حاجة، تركوا»تفسير : وقد روي نحوه من حديث أنس وأبي سعيد. (حديث آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الصمد، حدثنا حماد، حدثنا ثابت عن أنس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: «حديث : ما من نفس تموت لها عند الله خير يسرها أن ترجع إلى الدنيا إلا الشهيد، فإنه يسره أن يرجع إلى الدنيا، فيقتل مرة أخرى؛ لما يرى من فضل الشهادة»تفسير : تفرد به مسلم من طريق حماد. (حديث آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا علي بن عبد الله المديني، حدثنا سفيان بن محمد بن علي بن ربيعة السلمي، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن جابر، قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : أعلمت أن الله أحيا أباك، فقال له: تمن عليّ، فقال له: أرد إلى الدنيا فأقتل مرة أخرى، قال: إني قضيت الحكم أنهم إليها لا يرجعون»تفسير : . تفرد به أحمد من هذا الوجه. وقد ثبت في الصحيحين وغيرهما: أن أبا جابر، وهو عبد الله بن عمرو ابن حرام الأنصاري رضي الله عنه، قتل يوم أحد شهيداً. قال البخاري: وقال أبو الوليد عن شعبة عن ابن المنكدر: سمعت جابراً قال: لما قتل أبي: جعلت أبكي وأكشف الثوب عن وجهه، فجعل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهوني، والنبي صلى الله عليه وسلم لم ينه، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا تبكيه ـ أو: ما تبكيه؟ - ما زالت الملائكة تظله بأجنحتها حتى رفع»تفسير : وقد أسنده هو ومسلم والنسائي من طريق آخر عن شعبة، عن محمد بن المنكدر، عن جابر، قال: لما قتل أبي يوم أحد، جعلت أكشف الثوب عن وجهه وأبكي، وذكر تمامه بنحوه. (حديث آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا يعقوب، حدثنا أبي عن ابن إسحاق، حدثنا إسماعيل بن أمية بن عمرو بن سعيد عن أبي الزبير المكي، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : لما أصيب إخوانكم بأحد، جعل الله أرواحهم في أجواف طير خضر، ترد أنهار الجنة، وتأكل من ثمارها، وتأوي إلى قناديل من ذهب في ظل العرش، فلما وجدوا طيب مشربهم ومأكلهم، وحسن متقلبهم، قالوا: يا ليت إخواننا يعلمون ما صنع الله لنا؛ لئلا يزهدوا في الجهاد، ولا ينكلوا عن الحرب، فقال الله عز وجل: أنا أبلغهم عنكم، فأنزل الله عز وجل هذه الآيات: { وَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ قُتِلُواْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ أَمْوَٰتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ} وما بعدها» تفسير : هكذا رواه أحمد، وكذا رواه ابن جرير عن يونس، عن ابن وهب، عن إسماعيل بن عياش، عن محمد ابن إسحاق، به. ورواه أبو داود والحاكم في مستدركه من حديث عبد الله بن إدريس عن محمد بن إسحاق عن إسماعيل بن أمية عن أبي الزبير، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس رضي الله عنهما، فذكره، وهذا أثبت. وكذا رواه سفيان الثوري عن سالم الأفطس، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس. وروى الحاكم في مستدركه من حديث أبي إسحاق الفزاري، عن سفيان، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: نزلت هذه الآية في حمزة وأصحابه: { وَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ قُتِلُواْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ أَمْوَٰتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ} ثم قال: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه، وكذلك قال قتادة والربيع والضحاك: إنها نزلت في قتلى أحد. (حديث آخر) قال أبو بكر بن مردويه: حدثنا عبد الله بن جعفر، حدثنا هارون بن سليمان، أنبأنا علي بن عبد الله المديني، أنبأنا موسى بن إبراهيم بن كثير بن بشير بن الفاكه الأنصاري، سمعت طلحة بن خراش بن عبد الرحمن بن خراش بن الصمة الأنصاري، قال: سمعت جابر بن عبد الله قال: نظر إليّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم، فقال: «حديث : يا جابر مالي أراك مهتماً؟»تفسير : قلت: يا رسول الله، استشهد أبي، وترك ديناً وعيالاً، قال: فقال: «حديث : ألا أخبرك؟ ما كلم الله أحداً قط إلا من وراء حجاب، وإنه كلم أباك كفاحاً»تفسير : ، قال علي: الكفاح: المواجهة «حديث : قال: سلني أعطك. قال: أسألك أن أرد إلى الدنيا، فأقتل فيك ثانية، فقال الرب عز وجل: إنه قد سبق مني القول: أنهم إليها لا يرجعون. قال: أي رب فأبلغ من ورائي، فأنزل الله: {وَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ قُتِلُواْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ أَمْوَٰتاً} الآية»تفسير : . ثم رواه من طريق أخرى عن محمد بن سليمان بن سليط الأنصاري، عن أبيه عن جابر، به، نحوه. وكذا رواه البيهقي في دلائل النبوة من طريق علي بن المديني به. وقد رواه البيهقي أيضاً من حديث أبي عبادة الأنصاري، وهو عيسى بن عبد الرحمن إن شاء الله عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، قالت: قال النبي صلى الله عليه وسلم لجابر: «حديث : يا جابر ألا أبشرك؟»تفسير : قال: بلى، بشرك الله بالخير، قال: «حديث : شعرت أن الله أحيا أباك، فقال: تمن عليّ عبدي ما شئت أعطكه، قال: يا رب ما عبدتك حق عبادتك، أتمنى عليك أن تردني إلى الدنيا فأقاتل مع نبيك، وأقتل فيك مرة أخرى، قال: إنه سلف مني أنه إليها لا يرجع».تفسير : (حديث آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا يعقوب، حدثنا أبي عن ابن إسحاق، حدثنا الحارث بن فضيل الأنصاري عن محمود بن لبيد، عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : الشهداء على بارق نهر بباب الجنة، في قبة خضراء، يخرج عليهم رزقهم من الجنة بكرة وعشياً»تفسير : تفرد به أحمد. وقد رواه ابن جرير عن أبي كريب: حدثنا عبد الرحيم بن سليمان وعبيدة عن محمد بن إسحاق، به، وهو إسناد جيد. وكأن الشهداء أقسام: منهم من تسرح أرواحهم في الجنة، ومنهم من يكون على هذا النهر بباب الجنة، وقد يحتمل أن يكون منتهى سيرهم إلى هذا النهر، فيجتمعون هنالك، ويغدى عليهم برزقهم هناك ويراح، والله أعلم. وقد روينا في مسند الإمام أحمد حديثاً فيه البشارة لكل مؤمن بأن روحه تكون في الجنة تسرح أيضاً فيها، وتأكل من ثمارها، وترى ما فيها من النضرة والسرور، وتشاهد ما أعده الله لها من الكرامة، وهو بإسناد صحيح عزيز عظيم، اجتمع فيه ثلاثة من الأئمة الأربعة أصحاب المذاهب المتبعة، فإن الإمام أحمد رحمه الله، رواه عن محمد بن إدريس الشافعي رحمه الله، عن مالك بن أنس الأصبحي رحمه الله، عن الزهري عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، عن أبيه رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : نسمة المؤمن طائر يعلق في شجر الجنة حتى يرجعه الله إلى جسده يوم يبعثه» تفسير : قوله: «حديث : يعلق»تفسير : أي: يأكل، وفي هذا الحديث: «حديث : إن روح المؤمن تكون على شكل طائر في الجنة»تفسير : وأما أرواح الشهداء، فكما تقدم، في حواصل طير خضر، فهي كالكواكب بالنسبة إلى أرواح عموم المؤمنين، فإنها تطير بأنفسها، فنسأل الله الكريم المنان أن يميتنا على الإيمان. وقوله تعالى: {فَرِحِينَ بِمَآ ءَاتَـٰهُمُ ٱللَّهُ} إلى آخر الآية، أي: الشهداء الذين قتلوا في سبيل الله أحياء عند ربهم، وهم فرحون بما هم فيه من النعمة والغبطة، ومستبشرون بإخوانهم الذين يقتلون بعدهم في سبيل الله أنهم يقدمون عليهم، وأنهم لا يخافون مما أمامهم، ولا يحزنون على ما تركوه وراءهم، نسأل الله الجنة. قال محمد بن إسحاق: {وَيَسْتَبْشِرُونَ} أي: ويسرون بلحوق من لحقهم من إخوانهم على ما مضوا عليه من جهادهم؛ ليشركوهم فيما هم فيه من ثواب الله الذي أعطاهم. قال السدي: يؤتى الشهيد بكتاب فيه: يقدم عليك فلان يوم كذا وكذا، ويقدم عليك فلان يوم كذا وكذا، فيسر بذلك كما يسر أهل الدنيا بغائبهم إذا قدم. وقال سعيد بن جبير: لما دخلوا الجنة، ورأوا ما فيها من الكرامة للشهداء، قالوا: يا ليت إخواننا الذين في الدنيا يعلمون ما عرفناه من الكرامة، فإذا شهدوا القتال باشروها بأنفسهم حتى يستشهدوا، فيصيبوا ما أصبنا من الخير، فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بأمرهم، وما هم فيه من الكرامة، وأخبرهم، أي: ربهم، أني قد أنزلت على نبيكم، وأخبرته بأمركم وما أنتم فيه، فاستبشروا بذلك، فذلك قوله: {وَيَسْتَبْشِرُونَ بِٱلَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ} الآية، وقد ثبت في الصحيحين عن أنس رضي الله عنه في قصة أصحاب بئر معونة السبعين من الأنصار الذين قتلوا في غداة واحدة، وقنت رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو على الذين قتلوهم ويلعنهم، قال أنس: ونزل فيهم قرآن قرأناه حتى رفع: «حديث : أن بلغوا عنا قومنا أنا لقينا ربنا فرضي عنا وأرضانا».تفسير : ثم قال تعالى: { يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ ٱللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} قال محمد بن إسحاق: استبشروا وسروا؛ لما عاينوا من وفاء الموعود، وجزيل الثواب. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: هذه الآية جمعت المؤمنين كلهم سواء، الشهداء وغيرهم، وقلما ذكر الله فضلاً ذكر به الأنبياء وثوابا أعطاهم، إلا ذكر ما أعطى الله المؤمنين من بعدهم. وقوله تعالى: { ٱلَّذِينَ ٱسْتَجَابُواْ لِلَّهِ وَٱلرَّسُولِ مِن بَعْدِ مَآ أَصَـٰبَهُمُ ٱلْقَرْحُ} هذا كان يوم حمراء الأسد، وذلك أن المشركين لما أصابوا ما أصابوا من المسلمين، كروا راجعين إلى بلادهم، فلما استمروا في سيرهم، تندَّموا لم لا تمموا على أهل المدينة وجعلوها الفيصلة، فلما بلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ندب المسلمين إلى الذهاب وراءهم؛ ليرعبهم ويريهم أن بهم قوة وجلداً، ولم يأذن لأحد سوى من حضر الوقعة يوم أحد، سوى جابر بن عبد الله رضي الله عنه؛ لما سنذكره، فانتدب المسلمون على ما بهم من الجراح والإثخان طاعة لله عز وجل ولرسوله صلى الله عليه وسلم. قال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عبد الله بن يزيد، حدثنا سفيان بن عيينة عن عمرو، عن عكرمة، قال: لما رجع المشركون عن أحد، قالوا: لا محمداً قتلتم، ولا الكواعب أردفتم، بئس ما صنعتم، ارجعوا، فسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك، فندب المسلمين، فانتدبوا حتى بلغوا حمراء الأسد ـ أو بئر أبي عيينة ـ الشك من سفيان ـ فقال المشركون: نرجع من قابل، فرجع رسول الله صلى الله عليه وسلم فكانت تعد غزوة، فأنزل الله تعالى: { ٱلَّذِينَ ٱسْتَجَابُواْ لِلَّهِ وَٱلرَّسُولِ مِن بَعْدِ مَآ أَصَـٰبَهُمُ ٱلْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ مِنْهُمْ وَٱتَّقَوْاْ أَجْرٌ عَظِيمٌ}. ورواه ابن مردويه من حديث محمد بن منصور عن سفيان بن عيينة، عن عمرو، عن عكرمة، عن ابن عباس، فذكره. وقال محمد بن إسحاق: كان يوم أحد يوم السبت للنصف من شوال، فلما كان الغد من يوم الأحد لست عشرة ليلة مضت من شوال، أذّن مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس بطلب العدو، وأذّن مؤذنه أن لا يخرج معنا أحد إلا من حضر يومنا بالأمس، فكلمه جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام، فقال: يا رسول الله، إن أبي كان خلفني على أخوات لي سبع، وقال: يا بني إنه لا ينبغي لي ولا لك أن نترك هؤلاء النسوة لا رجل فيهن، ولست بالذي أوثرك بالجهاد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على نفسي، فتخلف على أخواتك، فتخلفت عليهن، فأذن له رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرج معه، وإنما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم مرهباً للعدو، وليبلغهم أنه خرج في طلبهم؛ ليظنوا به قوة، وأن الذي أصابهم لم يوهنهم عن عدوهم. قال محمد بن إسحاق: حدثني عبد الله بن خارجة بن زيد بن ثابت عن أبي السائب مولى عائشة بنت عثمان: أن رجلاً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من بني عبد الأشهل، كان قد شهد أحداً، قال: شهدتُ أحداً مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا وأخي، فرجعنا جريحين، فلما أذن مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخروج في طلب العدو، قلت لأخي ـ أو قال لي ـ: أتفوتنا غزوة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ والله ما لنا من دابة نركبها، وما منا إلا جريح ثقيل، فخرجنا مع رسول الله، وكنت أيسر جراحاً منه، فكان إذا غلب، حملته عُقبة، ومشى عُقبة، حتى انتهينا إلى ما انتهى إليه المسلمون. وقال البخاري: حدثنا محمد بن سلام، حدثنا أبو معاوية عن هشام، عن أبيه، عن عائشة رضي الله عنها: {ٱلَّذِينَ ٱسْتَجَابُواْ لِلَّهِ وَٱلرَّسُولِ} الآية، قلت لعروة: يابن أختي كان أبواك منهم؛ الزبير، وأبو بكر رضي الله عنهما. لما أصاب نبي الله صلى الله عليه وسلم ما أصاب يوم أحد، وانصرف عنه المشركون، خاف أن يرجعوا، فقال: «حديث : من يرجع في أثرهم»تفسير : فانتدب منهم سبعون رجلاً، فيهم أبو بكر والزبير رضي الله عنهما، هكذا رواه البخاري منفرداً به بهذا السياق، وهكذا رواه الحاكم في مستدركه عن الأصم، عن عباس الدوري، عن أبي النضر، عن أبي سعيد المؤدب، عن هشام بن عروة، به، ثم قال: صحيح، ولم يخرجاه، كذا قال. ورواه ابن ماجه عن هشام بن عمار، وهدبة بن عبد الوهاب عن سفيان بن عيينة، عن هشام بن عروة، به. وهكذا رواه سعيد بن منصور وأبو بكر الحميدي في مسنده عن سفيان به. وقد رواه الحاكم أيضاً من حديث إسماعيل بن أبي خالد عن البهي، عن عروة، قال: قالت لي عائشة: يا بنيّ إن أباك من الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح، ثم قال: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه. وقال أبو بكر بن مردويه: حدثنا عبد الله بن جعفر من أصل كتابه، أنبأنا سمويه، أنبأنا عبد الله بن الزبير، أنبأنا سفيان، أنبأنا هشام عن أبيه، عن عائشة رضي الله عنها، قالت: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : إن كان أبواك لمن الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح؛ أبو بكر والزبير رضي الله عنهما»تفسير : ، ورفع هذا الحديث خطأ محض من جهة إسناده؛ لمخالفته رواية الثقات من وقفه على عائشة رضي الله عنها كما قدمناه، ومن جهة معناه؛ فإن الزبير ليس هو من آباء عائشة، وإنما قالت ذلك عائشة لعروة بن الزبير، لأنه ابن أختها أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنهم. وقال ابن جرير: حدثني محمد بن سعد، حدثني أبي، حدثني عمي، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قال: إن الله قذف في قلب أبي سفيان الرعب يوم أحد بعد ما كان منه ما كان، فرجع إلى مكة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : إن أبا سفيان قد أصاب منكم طرفاً، وقد رجع وقذف الله في قلبه الرعب»تفسير : ، وكانت وقعة أحد في شوال، وكان التجار يقدمون المدينة في ذي القعدة، فينزلون ببدر الصغرى في كل سنة مرة، وإنهم قدموا بعد وقعة أحد، وكان أصاب المؤمنين القرح، واشتكوا ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم واشتد عليهم الذي أصابهم، وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم ندب الناس لينطلقوا معه، ويتبعوا ما كانوا متبعين، وقال: «حديث : إنما يرتحلون الآن فيأتون الحج، ولا يقدرون على مثلها حتى عام مقبل»تفسير : فجاء الشيطان فخوّف أولياءه، فقال: إن الناس قد جمعوا لكم، فأبى عليه الناس أن يتبعوه، فقال: «حديث : إني ذاهب وإن لم يتبعني أحد لأحضض الناس»تفسير : فانتدب معه أبو بكر الصديق وعمر وعثمان وعلي والزبير وسعد وطلحة وعبد الرحمن بن عوف وعبد الله بن مسعود وحذيفة بن اليمان وأبو عبيدة بن الجراح، في سبعين رجلاً، فساروا في طلب أبي سفيان، فطلبوه حتى بلغوا الصفراء، فأنزل الله تعالى: {ٱلَّذِينَ ٱسْتَجَابُواْ لِلَّهِ وَٱلرَّسُولِ مِن بَعْدِ مَآ أَصَـٰبَهُمُ ٱلْقَرْحُ} الآية، ثم قال ابن إسحاق: فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى انتهى إلى حمراء الأسد، وهي من المدينة على ثمانية أميال. قال ابن هشام: واستعمل على المدينة ابن أم مكتوم، فأقام بها الاثنين والثلاثاء والأربعاء، ثم رجع إلى المدينة، وقد مر به ـ كما حدثني عبد الله بن أبي بكر ـ معبد بن أبي معبد الخزاعي، وكانت خزاعة مسلمهم ومشركهم عيبة نصح لرسول الله صلى الله عليه وسلم بتهامة، صفقتهم معه، لا يخفون عنه شيئاً كان بها، ومعبد يومئذ مشرك، فقال: يا محمد، أما والله لقد عز علينا ما أصابك في أصحابك، ولوددنا أن الله عافاك فيهم، ثم خرج، ورسول الله صلى الله عليه وسلم بحمراء الأسد حتى لقي أبا سفيان بن حرب ومن معه بالروحاء، وقد أجمعوا الرجعة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وقالوا: أصبنا حَدَّ أصحابه وقادتهم وأشرافهم، ثم نرجع قبل أن نستأصلهم؟ لنكرّنّ على بقيتهم، ثم فلنفرغن منهم، فلما رأى أبو سفيان معبداً، قال: ما وراءك يا معبد؟ قال: محمد وأصحابه يطلبكم في جمع لم أر مثلهم، يتحرقون عليكم تحرقاً، قد اجتمع معه من كان تخلف عنه في يومكم، وندموا على ما صنعوا، فيهم من الحنق عليكم شيء لم أر مثله قط، قال: ويلك ما تقول؟ قال: والله ما أرى أن ترتحل حتى ترى نواصي الخيل. قال: فوالله لقد أجمعنا الكرة عليهم لنستأصل بقيتهم، قال: فإني أنهاك عن ذلك، فوالله لقد حملني ما رأيت على أن قلت فيهم أبياتاً من شعر، قال: وما قلت؟ قال: قلت:شعر : كادَتْ تُهَدَّ من الأصوات راحِلَتي إذْ سالَتِ الأرضُ بالجُرْدِ الأبابيلِ تردى بأُسْدٍ كِرامٍ لا تَنابِلَةٍ عندَ اللقاءِ ولا ميلٍ معازيلِ فظَلْتُ عَدْواً أظنُّ الأرضَ مائلةً لمّا سَمَوْا برئيسٍ غيرِ مخذولِ تفسير : فقلْتُ شعر : ويلُ ابنِ حربٍ من لقائِكُمُ إذا تَغَطْمَطَتِ البَطْحاء بالخيلِ إني نذيرٌ لأهلِ البَسْل ضاحيةً لكل ذي إربةٍ منهم ومَعْقولِ من جيشِ أحمدَ لا وخشٍ تنابلةٍ وليسَ يوصفُ ما أنذرتُ بالقيلِ تفسير : قال: فثنى ذلك أبا سفيان ومن معه، ومر به ركب من بني عبد القيس، فقال: أين تريدون؟ قالوا: نريد المدينة. قال: ولم؟ قالوا: نريد الميرة. قال: فهل أنتم مبلغون عني محمداً رسالة أرسلكم بها إليه، وأحمل لكم هذه غداً زبيباً بعكاظ إذا وافيتمونا؟ قالوا: نعم. قال: فإذا وافيتموه، فأخبروه أنا قد أجمعنا المسير إليه وإلى أصحابه لنستأصل بقيتهم، فمر الركب برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بحمراء الأسد، فأخبروه بالذي قال أبو سفيان وأصحابه، فقالوا: حسبنا الله ونعم الوكيل. وذكر ابن هشام عن أبي عبيدة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين بلغه رجوعهم: «حديث : والذي نفسي بيده لقد سومت لهم حجارة، لو أصبحوا بها، لكانوا كأمس الذاهب»تفسير : وقال الحسن البصري في قوله: {ٱلَّذِينَ ٱسْتَجَابُواْ لِلَّهِ وَٱلرَّسُولِ مِن بَعْدِ مَآ أَصَـٰبَهُمُ ٱلْقَرْحُ}: إن أبا سفيان وأصحابه أصابوا من المسلمين ما أصابوا، ورجعوا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : إن أبا سفيان قد رجع وقد قذف الله في قلبه الرعب، فمن ينتدب في طلبه؟»تفسير : فقام النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي، وناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاتبعوهم، فبلغ أبا سفيان أن النبي صلى الله عليه وسلم يطلبه، فلقي عيراً من التجار فقال: ردوا محمداً، ولكم من الجعل كذا وكذا، وأخبروهم أني قد جمعت لهم جموعاً، وأني راجع إليهم، فجاء التجار، فأخبروا رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : حسبنا الله ونعم الوكيل»تفسير : . فأنزل الله هذه الآية، وهكذا قال عكرمة وقتادة وغير واحد: إن هذا السياق نزل في شأن غزوة حمراء الأسد، وقيل: نزلت في بدر الموعد، والصحيح الأول. وقوله تعالى: {ٱلَّذِينَ قَالَ لَهُمُ ٱلنَّاسُ إِنَّ ٱلنَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَٱخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَـٰناً} الآية، أي: الذين توعدهم الناس بالجموع، وخوفوهم بكثرة الأعداء، فما اكترثوا لذلك، بل توكلوا على الله، واستعانوا به، {وَقَالُواْ حَسْبُنَا ٱللَّهُ وَنِعْمَ ٱلْوَكِيلُ}. قال البخاري: حدثنا أحمد بن يونس، قال: أراه قال: حدثنا أبو بكر عن أبي حصين، عن أبي الضحى، عن ابن عباس: {حَسْبُنَا ٱللَّهُ وَنِعْمَ ٱلْوَكِيلُ} قالها إبراهيم عليه السلام حين ألقي في النار، وقالها محمد صلى الله عليه وسلم حين قال لهم الناس: إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم، فزادهم إيماناً، وقالوا: حسبنا الله ونعم الوكيل. وقد رواه النسائي عن محمد بن إسماعيل بن إبراهيم وهارون بن عبد الله، كلاهما عن يحيى بن أبي بكير، عن أبي بكر، وهو ابن عياش، به، والعجب أن الحاكم أبا عبد الله رواه من حديث أحمد بن يونس به، ثم قال: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه. ثم رواه البخاري عن أبي غسان مالك بن إسماعيل، عن إسرائيل، عن أبي حصين عن أبي الضحى، عن ابن عباس، قال: كان آخر قول إبراهيم عليه السلام حين ألقي في النار: {حَسْبُنَا ٱللَّهُ وَنِعْمَ ٱلْوَكِيلُ}. وقال عبد الرزاق: قال ابن عيينة: وأخبرني زكريا عن الشعبي، عن عبد الله بن عمرو، قال: هي كلمة إبراهيم عليه السلام حين ألقي في النار، رواه ابن جرير. وقال أبو بكر بن مردويه: حدثنا محمد بن معمر، حدثنا إبراهيم بن موسى الثوري، حدثنا عبد الرحيم بن محمد بن زياد السكري، أنبأنا أبو بكر بن عياش عن حميد الطويل، عن أنس بن مالك، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قيل له يوم أحد: إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم، فأنزل الله هذه الآية. وروى أيضاً بسنده عن محمد بن عُبيد الله الرافعي، عن أبيه، عن جده أبي رافع: أن النبي صلى الله عليه وسلم وجه علياً في نفر معه في طلب أبي سفيان، فلقيهم أعرابي من خزاعة، فقال: إن القوم قد جمعوا لكم، فقالوا: {حَسْبُنَا ٱللَّهُ وَنِعْمَ ٱلْوَكِيلُ} فنزلت فيهم هذه الآية. ثم قال ابن مردويه: حدثنا دعلج بن أحمد، حدثنا الحسن بن سفيان، أنبأنا أبو خيثمة مصعب بن سعيد، أنبأنا موسى بن أعين، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إذا وقعتم في الأمر العظيم فقولوا: {حَسْبُنَا ٱللَّهُ وَنِعْمَ ٱلْوَكِيلُ}»تفسير : هذا حديث غريب من هذا الوجه. وقد قال الإمام أحمد: حدثنا حيوة بن شريح وإبراهيم بن أبي العباس، قالا: حدثنا بقية، حدثنا بحير بن سَعْد عن خالد بن معدان، عن سيف، عن عوف بن مالك: أنه حدثهم: أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى بين رجلين، فقال: المقضي عليه لما أدبر: حسبي الله ونعم الوكيل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : ردوا علي الرجل»تفسير : فقال: «حديث : ما قلت؟»تفسير : قال: قلت: حسبي الله ونعم الوكيل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : إن الله يلوم على العجز، ولكن عليك بالكيس، فإذا غلبك أمر فقل: حسبي الله ونعم الوكيل»تفسير : وكذا رواه أبو داود والنسائي من حديث بقية عن بحير عن خالد، عن سيف، وهو الشامي، ولم ينسب، عن عوف بن مالك، عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه. وقال الإمام أحمد: حدثنا أسباط، حدثنا مطرف عن عطية، عن ابن عباس، في قوله: {فَإِذَا نُقِرَ فِي ٱلنَّاقُورِ} قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : كيف أنعم وصاحب القرن قد التقم القرن، وحنى جبهته يسمع متى يؤمر فينفخ؟»تفسير : فقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: فما نقول؟ قال: «حديث : قولوا: حسبنا الله ونعم الوكيل على الله توكلنا»تفسير : وقد روي هذا من غير وجه، وهو حديث جيد. وروينا عن أم المؤمنين زينب وعائشة رضي الله عنهما، أنهما تفاخرتا، فقالت زينب: زوجني الله، وزوجكن أهاليكن، وقالت عائشة: نزلت براءتي من السماء في القرآن، فسلمت لها زينب، ثم قالت: كيف قلت حين ركبت راحلة صفوان بن المعطل؟ فقالت: قلت: حسبي الله ونعم الوكيل. قالت زينب: قلت: كلمة المؤمنين، ولهذا قال تعالى: {فَٱنْقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوۤءٌ} أي: لما توكلوا على الله، كفاهم ما أهمهم، وردَّ عنهم بأس من أراد كيدهم، فرجعوا إلى بلدهم {بِنِعْمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوۤءٌ} مما أضمر لهم عدوهم {وَٱتَّبَعُواْ رِضْوَٰنَ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ}. وقال البيهقي: حدثنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو بكر بن داود الزاهد، حدثنا محمد بن نعيم، حدثنا بشر بن الحكم، حدثنا مبشر بن عبد الله بن رزين، حدثنا سفيان بن حسين عن يعلى بن مسلم، عن عكرمة، عن ابن عباس في قول الله تعالى: {فَٱنْقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَفَضْلٍ} قال: النعمة أنهم سلموا، والفضل أن عيراً مرت في أيام الموسم، فاشتراها رسول الله صلى الله عليه وسلم فربح فيها مالاً، فقسمه بين أصحابه. وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد في قول الله تعالى: {ٱلَّذِينَ قَالَ لَهُمُ ٱلنَّاسُ إِنَّ ٱلنَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَٱخْشَوْهُمْ} قال: هذا أبو سفيان، قال لمحمد صلى الله عليه وسلم: موعدكم بدر حيث قتلتم أصحابنا، فقال محمد صلى الله عليه وسلم: «حديث : عسى»تفسير : ، فانطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم لموعده حتى نزل بدراً، فوافقوا السوق فيها، فابتاعوا، فذلك قول الله عز وجل: {فَٱنْقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوۤءٌ} الآية، قال: وهي غزوة بدر الصغرى، رواه ابن جرير، وروى أيضاً عن القاسم، عن الحسين، عن حجاج، عن ابن جريج، قال: لما عمد رسول الله صلى الله عليه وسلم لموعد أبي سفيان، فجعلوا يلقون المشركين، فيسألونهم عن قريش، فيقولون: قد جمعوا لكم؛ يكيدونهم بذلك، يريدون أن يرعبوهم، فيقول المؤمنون: حسبنا الله ونعم الوكيل، حتى قدموا بدراً، فوجدوا أسواقها عافية لم ينازعهم فيها أحد، قال: فقدم رجل من المشركين أخبر أهل مكة بخيل محمد، وقال في ذلك:شعر : نفرَتْ قَلوصي من خيولِ محمدِ وعجوةٍ منثورةٍ كالعنجدِ واتخذَتْ ماءَ قديدٍ موعدي تفسير : قال ابن جرير: هكذا أنشدنا القاسم، وهو خطأ، وإنما هو:شعر : قد نفرَتْ من رفقتي محمدِ وعجوةٍ من يثربٍ كالعنجد فهيَ على دينِ أبيها الأتلَدِ قد جعلَتْ ماءَ قديدٍ موعديِ وماءَ ضجنانٍ لها ضُحى الغَد تفسير : ثم قال تعالى: {إِنَّمَا ذَٰلِكُمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ} أي: يخوفكم أولياءه، ويوهمكم أنهم ذوو بأس وذوو شدة، قال الله تعالى: {فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ} أي: إِذا سول لكم وأوهمكم، فتوكلوا علي، والجؤوا إِلي، فإِني كافيكم وناصركم عليهم، كما قال تعالى: {أية : أَلَيْسَ ٱللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِٱلَّذِينَ مِن دُونِهِ} تفسير : [الزمر: 36] إِلى قوله: {أية : قُلْ حَسْبِىَ ٱللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّـلُ ٱلْمُتَوَكِّلُونَ}تفسير : [الزمر: 38] وقال تعالى: {أية : فَقَـٰتِلُوۤاْ أَوْلِيَاءَ ٱلشَّيْطَـٰنِ إِنَّ كَيْدَ ٱلشَّيْطَـٰنِ كَانَ ضَعِيفاً}تفسير : [النساء: 76] وقال تعالى: {أية : أُوْلَـٰئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَـٰنِ أَلاَ إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَـٰنِ هُمُ ٱلْخَاسِرُونَ}تفسير : [المجادلة: 19] وقال تعالى: {أية : كَتَبَ ٱللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَاْ وَرُسُلِىۤ إِنَّ ٱللَّهَ قَوِىٌّ}تفسير : [المجادلة: 21] وقال: {أية : وَلَيَنصُرَنَّ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُ}تفسير : [الحج: 40] وقال تعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِن تَنصُرُواْ ٱللَّهَ يَنصُرْكُمْ}تفسير : [محمد: 7] الآية، وقال تعالى: {أية : إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ ٱلأَشْهَـٰدُ يَوْمَ لاَ يَنفَعُ ٱلظَّـٰلِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ ٱلْلَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوۤءُ ٱلدَّارِ } تفسير : [غافر: 51 ـ 52].
المحلي و السيوطي
تفسير : ونزل في الشهداء {وَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ قُتِلُواْ } بالتخفيف والتشديد {فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ } أي لأجل دينه {أَمْوٰتاً بَلْ } هم {أَحْيَاءٌ عِندَ رَبّهِمْ } (أرواحهم في حواصل طيور خضر تسرح في الجنة حيث شاءت) كما ورد في الحديث {يُرْزَقُونَ } يأكلون من ثمار الجنة.
الشوكاني
تفسير : لما بين الله - سبحانه - أن ما جرى على المؤمنين يوم أحد كان امتحاناً ليتميز المؤمن من المنافق، والكاذب من الصادق، بين ههنا أن من لم ينهزم، وقتل فله هذه الكرامة، والنعمة، وأن مثل هذا مما يتنافس فيه المتنافسون، لا مما يخاف، ويحذر، كما قالوا من حكى الله عنهم: {أية : لَّوْ كَانُواْ عِنْدَنَا مَا مَاتُواْ وَمَا قُتِلُواْ } تفسير : [آل عمران: 156] وقالوا: {أية : لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا }تفسير : [آل عمران: 168] فهذه الجملة مستأنفة لبيان هذا المعنى، والخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، أو لكل أحد، وقرىء بالياء التحتية، أي: لا يحسبن حاسب. وقد اختلف أهل العلم في الشهداء المذكورين في هذه الآية من هم؟ فقيل: في شهداء أحد، وقيل: في شهداء بدر، وقيل: في شهداء بئر معونة. وعلى فرض أنها نزلت في سبب خاص، فالاعتبار بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب. ومعنى الآية عند الجمهور: أنهم أحياء حياة محققة ثم اختلفوا، فمنهم من يقول: أنها تردّ إليهم أرواحهم في قبورهم، فيتنعمون. وقال مجاهد: يرزقون من ثمر الجنة، أي: يجدون ريحها، وليسوا فيها، وذهب من عدا الجمهور إلى أنها حياة مجازية، والمعنى: أنهم في حكم الله مستحقون للتنعم في الجنة، والصحيح الأوّل، ولا موجب للمصير إلى المجاز. وقد وردت السنة المطهرة بأن أرواحهم في أجواف طيور خضر، وأنهم في الجنة يرزقون، ويأكلون، ويتمتعون. وقوله: {ٱلَّذِينَ قَتَلُواْ } هو: المفعول الأوّل. والحاسب هو النبي صلى الله عليه وسلم، أو كل أحد، كما سبق، وقيل: يجوز أن يكون الموصول هو: فاعل الفعل، والمفعول الأوّل محذوف، أي: لا تحسبنّ الذين قتلوا أنفسهم أمواتاً، وهذا تكلف لا حاجة إليه، ومعنى النظم القرآني في غاية الوضوح، والجلاء. وقوله: {بَلْ أَحْيَاء } خبر مبتدأ محذوف، أي: بل هم أحياء. وقرىء بالنصب على تقدير الفعل، أي: بل أحسبهم أحياء. وقوله: {عِندَ رَبّهِمْ } إما خبر ثان، أو صفة لأحياء، أو في محل نصب على الحال، وقيل: في الكلام حذف، والتقدير: عند كرامة ربهم. قال سيبويه: هذه عندية الكرامة لا عندية القرب. وقوله: {يُرْزَقُونَ } يحتمل في إعرابه الوجوه التي ذكرناها في قوله: {عِندَ رَبّهِمْ } والمراد بالرزق هنا: هو الرزق المعروف في العادات على ما ذهب إليه الجمهور، كما سلف، وعند من عدا الجمهور المراد به: الثناء الجميل، ولا وجه يقتضي تحريف الكلمات العربية في كتاب الله تعالى، وحملها على مجازات بعيدة، لا لسبب يقتضي ذلك. وقوله: {فَرِحِينَ } حال من الضمير في {يرزقون}، و{بما آتاهم الله من فضله} متعلق به. وقرأ ابن السميفع: «فارحين» وهما: لغتان كالفره والفاره، والحذر والحاذر. والمراد: {بِمَا ءاتَـٰهُمُ ٱللَّهُ } ما ساقه الله إليهم من الكرامة بالشهادة، وما صاروا فيه من الحياة، وما يصل إليهم من رزق الله سبحانه. {وَيَسْتَبْشِرُونَ بِٱلَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم } من إخوانهم المجاهدين الذين لم يقتلوا إذ ذاك. فالمراد باللحوق هنا: أنهم لم يلحقوا بهم في القتل، والشهادة؛ بل سيلحقون بهم من بعد. وقيل المراد: لم يلحقوا بهم في الفضل، وإن كانوا أهل فضل في الجملة، والواو في: {وَيَسْتَبْشِرُونَ } عاطفة على: {يُرْزَقُونَ } أي: يرزقون، ويستبشرون، وقيل المراد: بإخوانهم هنا: جميع المسلمين الشهداء، وغيرهم؛ لأنهم لما عاينوا ثواب الله، وحصل لهم اليقين بحقية دين الإسلام استبشروا بذلك لجميع أهل الإسلام الذين هم أحياء لم يموتوا، وهذا أقوى، لأن معناه أوسع، وفائدته أكثر، واللفظ يحتمله بل هو الظاهر، وبه قال الزجاج، وابن فورك. وقوله: {أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } بدل من الذين، أي: يستبشرون بهذه الحالة الحاصلة لإخوانهم من أنه لا خوف عليهم، ولا حزن، و"أن" هي: المخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن المحذوف، وكرر قوله: {يَسْتَبْشِرُونَ } لتأكيد الأوّل، ولبيان أن الاستبشار ليس لمجرد عدم الخوف، والحزن، بل به، وبنعمة الله، وفضله. والنعمة: ما ينعم الله به على عباده. والفضل: ما يتفضل به عليهم، وقيل النعمة: الثواب، والفضل الزائد، وقيل: النعمة الجنة، والفضل داخل في النعمة ذكر بعدها لتأكيدها، وقيل: إن الاستبشار الأوّل متعلق بحال إخوانهم، والاستبشار الثاني بحال أنفسهم. قوله: {وَأَنَّ ٱللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُؤْمِنِينَ } قرأ الكسائي بكسر الهمزة من "أن"، وقرأ الباقون بفتحها فعلى القراءة الأولى هو: مستأنف اعتراض. وفيه دلالة على أن الله لا يضيع أجر شيء من أعمال المؤمنين، ويؤيده قراءة ابن مسعود، "والله لا يضيع أجر المؤمنين". وعلى القراءة الثانية الجملة عطف على فضل داخلة في جملة ما يستبشرون به. وقوله: {ٱلَّذِينَ ٱسْتَجَابُواْ } صفة للمؤمنين، أو بدل منهم، أو من الذين لم يلحقوا بهم، أو هو مبتدأ خبره: {لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ مِنْهُمْ وَٱتَّقَوْاْ أَجْرٌ عَظِيمٌ } بجملته، أو منصوب على المدح، وقد تقدم تفسير القرح. قوله: {ٱلَّذِينَ قَالَ لَهُمُ ٱلنَّاسُ } المراد بالناس هنا: نعيم بن مسعود، كما سيأتي بيانه، وجاز إطلاق لفظ الناس عليه لكونه من جنسهم. وقيل: المراد بالناس: ركب عبد القيس الذين مروا بأبي سفيان. وقيل: هم: المنافقون. والمراد بقوله: {إِنَّ ٱلنَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ } أبو سفيان، وأصحابه، والضمير في قوله: {فَزَادَهُمُ } راجع إلى القول المدلول عليه، بـ {قال}، أو إلى المقول، وهو: {إِنَّ ٱلنَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَٱخْشَوْهُمْ } أو إلى القائل، والمعنى: أنهم لم يفشلوا لما سمعوا ذلك، ولا التفتوا إليه، بل أخلصوا لله، وازدادوا طمأنينة، ويقيناً. وفيه دليل على أن الإيمان يزيد، وينقص. قوله: {وَقَالُواْ حَسْبُنَا ٱللَّهُ وَنِعْمَ ٱلْوَكِيلُ } حسب مصدر حسبه، أي: كفاه، وهو بمعنى الفاعل، أي: محسب بمعنى كافي. قال في الكشاف: والدليل على أنه بمعنى المحسب أنك تقول: هذا رجل حسبك، فتصف به النكرة؛ لأن إضافته لكونه بمعنى اسم الفاعل غير حقيقية. انتهى. والوكيل هو: من توكل إليه الأمور، أي: نعم الموكول إليه أمرنا، أو الكافي، أو الكافل، والمخصوص بالمدح محذوف، أي: نعم الوكيل الله سبحانه. قوله: {فَٱنْقَلَبُواْ } هو: معطوف على محذوف، أي: فخرجوا إليهم، فانقلبوا بنعمة هو: متعلق بمحذوف وقع حالاً. والتنوين للتعظيم، أي: رجعوا متلبسين: {بِنِعْمَةٍ} عظيمة، وهي السلامة من عدوهم، وعافية {وَفَضَّلَ } أي: أجر تفضل الله به عليهم؛ وقيل ربح في التجارة. وقيل: النعمة خاصة بمنافع الدنيا، والفضل بمنافع الآخرة، وقد تقدم تفسيرهما قريباً بما يناسب ذلك المقام؛ لكون الكلام فيه مع الشهداء الذين قد صاروا في الدار الآخرة، والكلام هنا مع الأحياء. قوله: {لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوء } في محل نصب على الحال، أي: سالمين عن سوء لم يصبهم قتل ولا جرح ولا ما يخافونه {وَٱتَّبَعُواْ رِضْوٰنَ ٱللَّهِ } في ما يأتون، ويذرون، ومن ذلك خروجهم لهذه الغزوة {وَٱللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ } لا يقادر قدره، ولا يبلغ مداه، ومن تفضله عليهم: تثبيتهم، وخروجهم للقاء عدوهم، وإرشادهم إلى أن يقولوا هذه المقالة التي هي جالبة لكل خير، ودافعة لكل شرّ. قوله: {إِنَّمَا ذٰلِكُمُ } أي: المثبط لكم أيها المؤمنون {ٱلشَّيْطَـٰنِ } هو: خبر اسم الإشارة، ويجوز أن يكون الشيطان صفة لاسم الإشارة، والخبر قوله: {يُخَوّفُ أَوْلِيَاءهُ }؛ فعلى الأول يكون قوله: {يُخَوّفُ أَوْلِيَاءهُ } جملة مستأنفة، أو حالية، والظاهر أن المراد هنا: الشيطان نفسه باعتبار ما يصدر منه من الوسوسة المقتضية للتثبيط، وقيل المراد به: نعيم بن مسعود لما قال لهم تلك المقالة، وقيل: أبو سفيان لما صدر منه الوعيد لهم؛ والمعنى أن الشيطان يخوف المؤمنين أولياءه، وهم الكافرون، وقيل: إن قوله: {أَوْلِيَاءهُ } منصوب بنزع الخافض أي: يخوفكم بأوليائه، أو من أوليائه، قاله الفراء، والزجاج، وأبو علي الفارسي. ورده ابن الأنباري بأن التخويف قد يتعدى بنفسه إلى مفعولين، فلا ضرورة إلى إضمار حرف الجر. وعلى قول الفراء، ومن معه يكون مفعول يخوف محذوفاً، أي: يخوفكم. وعلى الأول يكون المفعول الأوّل محذوفاً، والثاني مذكوراً، ويجوز أن يكون المراد: أن الشيطان يخوف أولياءه، وهم القاعدون من المنافقين، فلا حذف. قوله: {فَلاَ تَخَافُوهُمْ } أي: أولياءه الذين يخوفكم بهم الشيطان، أو فلا تخافوا الناس المذكورين في قوله: {إِنَّ ٱلنَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ } نهاهم سبحانه عن أن يخافوهم، فيجبنوا على اللقاء، ويفشلوا عن الخروج، وأمرهم بأن يخافوه سبحانه، فقال: {وَخَافُونِ } فافعلوا ما آمركم به، واتركوا ما أنهاكم عنه لأني الحقيق بالخوف مني، والمراقبة لأمري، ونهيـي لكون الخير والشرّ بيدي، وقيده بقوله: {إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ } لأن الإيمان يقتضي ذلك. وقد أخرج الحاكم وصححه، عن ابن عباس قال: نزلت هذه الآية: {وَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ قُتِلُواْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ } في حمزة، وأصحابه. وأخرج سعيد بن منصور، وعبد بن حميد عن أبي الضحى أنها نزلت في قتلى أحد، وحمزة منهم. أخرج عبد بن حميد، وأبو داود، وابن جرير، والحاكم وصححه، والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لما أصيب إخوانكم بأحد جعل الله أرواحهم في أجواف طير خضر ترد أنهار الجنة وتأكل من ثمارها، وتأوي إلى قناديل من ذهب معلقة في ظل العرش، فلما وجدوا طيب مأكلهم، ومشربهم، وحسن مقيلهم قالوا: يا ليت إخواننا يعلمون ما صنع الله لنا»تفسير : ، وفي لفظ قالوا: «حديث : من يبلغ إخواننا أنَّا أحياء في الجنة نرزق لئلا يزهدوا في الجهاد، ولا ينكلوا عن الحرب، فقال الله: أنا أبلغهم عنكم، فأنزل الله هؤلاء الآيات: {وَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ قُتِلُواْ..} الآية وما بعدها»تفسير : وأخرج الترمذي وحسنه، وابن ماجه، وابن خزيمة، والطبراني، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في الدلائل، عن جابر بن عبد الله: أن أباه سأل الله سبحانه أن يبلغ من وراءه ما هو فيه، فنزلت هذه الآية، وهو من قتلى أحد. وقد روى من وجوه كثيرة أن سبب نزول الآية قتلى أحد. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، عن أنس؛ أن سبب نزول هذه الآية قتلى بئر معونة، وعلى كل حال، فالآية باعتبار عموم لفظها يدخل تحتها كل شهيد، وقد ثبت في أحاديث كثيرة في الصحيح، وغيره أن أرواح الشهداء في أجواف طيور خضر، وثبت في فضل الشهداء ما يطول تعداده، ويكثر إيراده مما هو معروف في كتب الحديث. وأخرج النسائي، وابن ماجه، وابن أبي حاتم، والطبراني بسند صحيح، عن ابن عباس قال: لما رجع المشركون عن أحد قالوا: لا محمداً قتلتم، ولا الكواعب أردفتم بئس ما صنعتم ارجعوا، فسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك، فندب المسلمين، فانتدبوا حتى بلغ حمراء الأسد، أو بئر أبي عتبة، شكّ سفيان، فقال المشركون: يرجع من قابل، فرجع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكانت تعدّ غزوة، فأنزل الله سبحانه: {ٱلَّذِينَ ٱسْتَجَابُواْ لِلَّهِ وَٱلرَّسُولِ } الآية. وأخرج البخاري، ومسلم وغيرهما عن عائشة في قوله تعالى: {ٱلَّذِينَ ٱسْتَجَابُواْ لِلَّهِ وَٱلرَّسُولِ...} الآية، أنها قالت لعروة بن الزبير: يا بن أختي كان أبواك منهم: الزبير، وأبو بكر، لما أصاب نبي الله صلى الله عليه وسلم ما أصاب يوم أحد انصرف عنه المشركون خاف أن يرجعوا، فقال: حديث : من يرجع في أثرهم؟ تفسير : فانتدب منهم سبعون فيهم أبو بكر، والزبير. وأخرج ابن إسحاق، وابن جرير، والبيهقي في الدلائل عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم بحمراء الأسد، وقد أجمع أبو سفيان بالرجعة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأصحابه، وقالوا: رجعنا قبل أن نستأصلهم لنكرَّن على بقيتهم، فبلغه أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج في أصحابه يطلبهم، فثنى ذلك أبا سفيان، وأصحابه، ومر ركب من عبد القيس، فقال لهم أبو سفيان: بلغوا محمداً أنا قد أجمعنا الرجعة على أصحابه؛ لنستأصلهم؛ فلما مرّ الركب برسول الله صلى الله عليه وسلم بحمراء الأسد أخبروه بالذي قال أبو سفيان، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم، والمسلمون معه: حديث : حسبنا الله، تفسير : ونعم الوكيل، فأنزل الله في ذلك: {ٱلَّذِينَ ٱسْتَجَابُواْ لِلَّهِ وَٱلرَّسُولِ } الآيات. وأخرج موسى بن عقبة في مغازيه، والبيهقي في الدلائل، عن ابن شهاب قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم استنفر المسلمين لموعد أبي سفيان بدراً. فاحتمل الشيطان أولياءه من الناس، فمشوا في الناس يخوفونهم، وقالوا: إنا قد أخبرنا أن قد جمعوا لكم من الناس مثل الليل يرجون أن يواقعوكم. والروايات في هذا الباب كثيرة قد اشتملت عليها كتب الحديث، والسير. وأخرج ابن المنذر، عن سعيد بن جبير قال: القرح الجراحات. وأخرج ابن جرير، عن السدي أن أبا سفيان، وأصحابه لقوا أعرابياً، فجعلوا له جعلاً على أن يخبر النبي صلى الله عليه وسلم، وأصحابه أنهم قد جمعوا لهم، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، فقال هو، والصحابة: حديث : حسبنا الله، تفسير : ونعم الوكيل، ثم رجعوا من حمراء الأسد، فأنزل الله فيهم، وفي الأعرابي: {ٱلَّذِينَ قَالَ لَهُمُ ٱلنَّاسُ } الآية. وأخرج ابن مردويه، عن أبي رافع أن هذا الأعرابي من خزاعة. وقد ورد في فضل هذه الكلمة أعني: {حَسْبُنَا ٱللَّهُ وَنِعْمَ ٱلْوَكِيلُ } أحاديث منها ما أخرجه ابن مردويه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إذا وقعتم في الأمر العظيم، فقولوا: حسبنا الله، ونعم الوكيل»تفسير : قال ابن كثير بعد إخراجه: هذا حديث غريب من هذا الوجه. وأخرج أبو نعيم، عن شداد بن أوس قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : حسبي الله، ونعم الوكيل، أمان كل خائف»تفسير : . وأخرج ابن أبي الدنيا في الذكر، عن عائشة:«أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا اشتد غمه مسح بيده على رأسه، ولحيته، ثم تنفس الصعداء، وقال: حديث : حسبي الله، ونعم الوكيل»تفسير : . وأخرج البخاري، وغيره عن ابن عباس قال: حديث : حسبنا الله، تفسير : ونعم الوكيل، قالها إبراهيم حين ألقي في النار، وقالها محمد حين قالوا: {إِنَّ ٱلنَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ }. وأخرج أحمد، وأبو داود، والنسائي، عن عوف بن مالك أنه حدثهم: «أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى بين رجلين، فقال المقضي عليه لما أدبر: حسبي الله، ونعم الوكيل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ردوا عليّ الرجل"، فقال: "ما قلت"؟ قال: قلت: حسبي الله، ونعم الوكيل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : إن الله يلوم على العجز، ولكن عليك بالكيس، فإذا غلبك أمر، فقل: حسبي الله، ونعم الوكيل»تفسير : . وأخرج أحمد، عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : كيف أنعم، وصاحب القرن قد التقم القرن، وحنى جبهته يسمع متى يؤمر، فينفخ؟ ثم أمر الصحابة أن يقولوا حسبنا الله، ونعم الوكيل على الله توكلنا» تفسير : وهو حديث جيد. وأخرج البيهقي في الدلائل، عن ابن عباس في قوله: {فَٱنْقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مّنَ ٱللَّهِ وَفَضْلٍ } قال: النعمة أنهم سلموا، والفضل أن عيراً مرّت، وكان في أيام الموسم، فاشتراها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فربح مالاً، فقسمه بين أصحابه. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن مجاهد في الآية قال: الفضل ما أصابوا من التجارة، والأجر. وأخرج ابن جرير، عن السدي قال: أما النعمة: فهي العافية، وأما الفضل: فالتجارة، والسوء: القتل. أخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، من طريق العوفي عن ابن عباس في قوله: {لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوء } قال: لم يؤذهم أحد: {وَٱتَّبَعُواْ رِضْوٰنَ ٱللَّهِ } قال: أطاعوا الله، ورسوله. وأخرج ابن جرير، من طريق العوفي عنه في قوله: {إِنَّمَا ذٰلِكُمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ يُخَوّفُ أَوْلِيَاءهُ } قال: يقول الشيطان يخوّف بأوليائه. وأخرج عبد بن حميد، وابن أبي حاتم، عن أبي مالك قال: يعظم أولياءه في أعينكم. وأخرج ابن المنذر، عن عكرمة مثل قول ابن عباس. وأخرج ابن أبي حاتم، عن الحسن: إنما كان ذلك تخويف الشيطان، ولا يخاف الشيطان إلا وليّ الشيطان.
الماوردي
تفسير : {وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَآءٌ} يعني أنهم في الحال وبعد القتل بهذه الصفة، فأما في الجنة فحالهم في ذلك معلومة عند كافة المؤمنين، وليس يمتنع إحياؤهم في الحكمة. وقد روى ابن مسعود وجابر وابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : لَمَّا أُصِيبَ إِخْوَانُكُم بِأُحدٍ جَعَلَ اللهُ أَرْوَاحَهُم فِي حَوَاصِلِ طَيْر خُضْرٍ تَرِدُ أَنْهارَ الجَنَّةِ وَتَأْكُلُ مِن ثِمَارِها ". تفسير : وفي {أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ } تأويلان: أحدهما: أنهم بحيث لا يملك لهم أحد نفعاً ولا ضراً إلا ربُّهُم. والثاني: انهم أحياء عند ربهم من حيث يعلم أنهم أحياء دون الناس. {وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِنْ خَلْفِهِمْ} فيه قولان: أحدهما: يقولون: إخواننا يقتلون كما قتلنا فيصيبون من كرامة الله ما أصبنا، وهو قول قتادة، وابن جريج. والثاني: أنه يؤتى الشهيد بكتاب فيه ذكر من يقدم عليه من إخوانه فيبشر بذلك فيستبشر كما يستبشر أهل الغائب في الدنيا بقدومه، وهذا قول السدي. {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ: إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوهُم} أما الناس في الموضعين وإن كان بلفظ الجمع فهو واحد لأنه تقدير الكلام جاء القول من قِبَل الناس، والذين قال لهم الناس هم المسلمون وفي الناس القائل قولان: أحدهما: هو أعرابي جُعِل له على ذلك جُعْل، وهذا قول السدي. والثاني: هو نعيم بن مسعود الأشجعي، وهذا قول الواقدي. والناس الثاني أبو سفيان وأصحابه. واختلفوا في الوقت الذي أراد أبو سفيان أن يجمع لهم هذا الجمع على قولين: أحدهما: بعد رجوعه على أُحُد سنة ثلاث حتى أوقع الله في قلوب المشركين الرعب كفّوا، وهذا قول ابن عباس، وابن إسحاق، وقتادة. والثاني: أن ذلك في بدر الصغرى سنة أربع بعد أحد بسنه، وهذا قول مجاهد. {إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ} التخويف من الشيطان والقول من الناس، وفي تخويف أولياءئه قولان: أحدهما: أنه يخوف المؤمنين من أوليائه المشركين، وهذا قول ابن عباس، ومجاهد، وقتادة. والثاني: أنه يخوف أولياءَه المنافقين ليقعدوا عن قتال المشركين، وهذا قول الحسن، والسدي.
ابن عبد السلام
تفسير : {أمْوَاتاً بَلْ أَحْيَآءٌ} أحياء في البرزخ، وأما في الجنة فإن حالهم معلومة لجميع المؤمنين. {عِندَ رَبِّهِمْ} بحيث لا يملك أحد لهم ضراً ولا نفعاً سوى ربهم، أو يعلم أنهم أحياء دون غيره.
ابن عادل
تفسير : "الذين" مفعول أول، و "أمواتاً" مفعول ثانٍ، والفاعلُ إما ضمير كل مخاطب، أو ضمير الرسول صلى الله عليه وسلم كما تقدم في نظائره وقرأ حُمَيْد بن قَيْس وهشام - بخلاف عنه - "يحسبن" بياء الغيبة، وفي الفاعل وجهان: أحدهما: أنه مُضْمَر، إما ضمير الرسول صلى الله عليه وسلم أو ضمير مَنْ يَصْلح للحسبان - أي: حاسب. الثاني: قاله الزمخشري: وهو أن يكون "الذين قتلوا" قال: ويجوز أن يكون "الذين قتلوا" فاعلاً والتقديرُ: ولا يحسبنهم الذين قتلوا أمواتاً، أي: ولا يحسبن الذين قتلوا أنفسهم أمواتاً. فإن قلت: كيف جاز حذف المفعول الأول؟ قلتُ: هو - في الأصلِ - مبتدأ، فحذف كما حذف المبتدأ في قوله: "بل أحياء" أي: هم أحياءٌ؛ لدلالة الكلام عليهما. وردَّ عليه أبو حيان بأن هذا التقديرَ يؤدي إلى تقديم الضمير على مفسره، وذلك لا يجوز إلا في أبواب محصورةٍ، وعَدَّ منه باب رُبُّهُ رَجُلاً، نعم رجلاً زيد، والتنازع عند إعمال الثاني في رأيه سيبويه، والبدل على خلاف فيه، وضمير الأمرِ، قال: "وزاد بعضُ أصحابِنَا أن يكون المُفَسِّرُ خبراً للضمير" وبأن حذف أحد مفعولي "ظن" اختصاراً إنما يتمشى له عند الجمهور مع أنه قليل جِداً، نص عليه الفارسيُّ، ومنعه ابنُ ملكون ألبتة. قال شهابُ الدينِ: وهذا من تحملاته عليه، أما قوله: يؤدي إلى تقديم المضمر... إلى آخره، فالزمخشريُّ لم يقدره صناعةً، بل إيراداً للمعنى المقصود، ولذلك لَمّا أراد أن يقدر الصناعة النحوية قدَّره بلفظ "أنفسهم" المنصوبة وهي المفعول الأول، وأظن الشيخ يتوهم أنها مرفوعة، تأكيداً للضمير في "قتلوا" ولم يتنبه أنه إنما قدرها مفعولاً أول منصوبة، وأما تَمْشِية قوله على مذهب الجمهور فيكفيه ذلك وما عليه من ابن ملكون، وستأتي مواضعُ يضطر هو وغيره إلى حَذْف أحدِ المفعولينِ، كما ستقف عليه قريباً. وتقدم الكلامُ على مادة "حسب" ولغاتها، وقراءاتها، وقُرِئَ "تحسبن" - بفتح السين - قاله الزمخشريُّ وقرأ ابن عامر "قتّلوا" - بالتشديد - وهشام وحده في "ما ماتوا وما قتلوا" والباقون بالتخفيف، فالتشديد للتكثير، والتخفيفُ صالح لذلك، وقرأ الجمهورُ "أحياءٌ" رفعاً، على تقدير: بل هُمْ أحياءٌ، وقرأ ابنُ ابي عَبْلَة "أحياءً" وخرَّجها أبو البقاء على وجهين: أحدهما: أن يكون عطفاً على"أمواتاً" قال: "كما تقول: ما ظننت زيداً قائماً بل قاعداً". الثاني: - وإليه ذهب الزمخشري - أيضاً - أن يكون بإضمار فعل، تقديره: بَلِ احسبهم أحياءً، وهذا الوجهُ سبق إليه أبو إسحاق، الزجاجِ، إلا أن الفارسيَّ ردَّه عليه - في الإغفال - وقال، لأن الأمر يقينٌ، فلا يجوز أن يؤمر فيه بمحسبة، ولا يصح أن يُضمرَ فيه إلا فعلُ المحسبة، فوجه قراءة ابن أبي عبلة أن يضمر فعلاً غير المحسبة، اعتقدهم، أو اجعلهم، وذلك ضعيفٌ؛ إذ لا دَلاَلَةَ في الكلامِ على ما يُضْمَر. قال شهابُ الدينِ: وهذا تحامُل من أبي عليٍّ أما قوله: إن الأمر يقينٌ، يعني أن كونهم أحياء أمر متيقن، فكيف يقال فيه: أحسبهم - بفعل يقتضي الشك - وهذا غير لازم؛ لأن "حسب" قد تأتي لليقين. قال الشاعر: [الطويل] شعر : 1688- حَسِبْتُ التُّقَى وَالمَجْدَ خَيْرَ تِجَارَةٍ رَبَاحاً إذَا ما المَرْءُ أصبَحَ ثَاقِلا تفسير : وقال آخر: [الطويل] شعر : 1689- شَهِدْت وَفَاتُونِي وَكُنْتُ حَسِبْتُنِي فَقيراً إلى أن يَشْهَدوُا وَتَغِيبي تفسير : فـ "حسب" - في هذين البيتين - لليقين؛ لأن المعنى على ذلك. وقوله: لذلك ضعيف، يعني من حيث عدم الدلالة اللفظية، وليس كذلك، بل إذا أرشَدَ المعنى إلى شيء يُقَدَّر ذلك الشيءُ - لدلالة المعنى عليه - من غير ضَعْفٍ - وإن كانَ دلالةُ اللَّفظِ أحسنَ - وأما تقديره هو: اعتقدهم أو جعلهم، قال الشيخ: هذا لا يصح ألبتة سواءٌ جعلت: اجعلهم بمعنى اخلقهم، أو صيِّرهم أو سمِّهم، أو الْقهم. قوله: {عِندَ رَبِّهِمْ} فيه خمسةُ أوجهٍ: أحدها: أن يكون خبراً ثانياً لـ "أحياء" على قراءة الجمهورِ. الثاني: أن يكون ظرفاً لـ "أحياء" لأن المعنى: يحيون عند ربهم. الثالث: أن يكون ظرفاً لـ "يرزقون" أي: يقع رزقهم في هذا المكانِ الشريفِ. الرابع: أن يون صفة لـ "أحياء" فيكون في محل رفع على قراءة الجمهور، ونصب على قراءة ابن أبي عبلة. الخامس: أن يكون حالاً من الضمير المستكن في "أحياء". أي: يحيون مرزوقين. والمراد بالعندية: المجاز عن قربهم بالتكرمة. وقيل: {عِندَ رَبِّهِمْ} أي: في حكمه، كما تقول: هذه المسألةُ عند الشافعي كذا، وعند غيره كذا. قال ابنُ عطية "وهو على حَذف مضاف، أي: عند كرامة ربهم". ولا حاجةَ إليه؛ لأن الأولَ أليقُ. قوله: {يُرْزَقُونَ} فيه أربعةُ وجهٍ: أحدها: أن يكون خبراً ثالثاً لـ "أحياء" أو ثانياً - إذا لم نجعل الظرفَ خبراً. الثاني: أنها صفة لـ "أحياء:" - بالاعتبارين المتقدمين - فإن أعربنا الظرف وصفاً - أيضاً - فيكون هذا جاء على الأحسن، وهو أنه إذا وصف بظرفٍ وجملةٍ، فالأحسن تقديمُ الظرفِ وعديله؛ لأنه أقرب إلى المفردِ. الثالث: أنه حال من الضمير في "أحياء" أي: يحيون مرزوقين. الرابع: أن يكون حالاً من الضمير المستكن في الظرف، والعامل فيه - في الحقيقة - العامل في الظرف. قال أبو البقاء - في هذا الوجه -: "ويجوز أن يكون حالاً من الضمير في الظرف، إذا جعلته صفة. وليس ذلك مختصاً بجعله صفة فقط، بل لو جعلته حالاً جاز ذلك - أيضاً - وهذه تُسمى الحالَ المتداخلة، ولو جعلته خبراً كان كذلك". فصل هذه الآية نزلت في شهداء بدرٍ، وكانوا أربعةَ عشرَ رجلاً، ثمانية من الأنصارِ، وستة من المهاجرين. وقيل: نزلت في شهداء أُحُدٍ، وكانو سبعينَ رجلاً، أربعة من المهاجرين - حمزة بن عبد المطلب ومصعب بن عميرٍ، وعثمان بن شماسٍ، وعبد الله جَحْشٍ - وباقيهم من الأنصار. فصل ظاهرُ هذه الآية يدل على كون هؤلاء المقتولين أحياء، فإما أن يكون حقيقةً، أو مجازاً، فإن كان حقيقةً، فإما أن يكون بمعنى أنهم سيصيرون في الآخرة أحياء، أو في الحال. وبتقدير أن يكونوا أحياءً في الحال، فإما أن يكون المرادُ الحياةَ الروحانيةَ، أو الجسمانيةَ، فأما الاحتمال الأولُ - وهو أنهم سيصيرون أحياء في الآخرة - فقد ذهب إليه جماعةٌ من المعتزلةِ، منهم الكَعْبِيِّ، قال: لأن الله - تعالى - أورده هذه الآية تكذيباً للمنافقين في جَحْدِهِم البعثَ والمعادَ، وقولهم: إن أصحاب مُحَمدٍ يُعَرِّضون أنفسهم للقتل، فَيُقْتَلون، ويخسرون الحياة، ولا يصلونَ إلى خيرٍ. وهذه الآية تردُّ هذا القول؛ لأن ظاهرَها يدل على كونهم أحياءً حال نزول هذه الآية، وأيضاً فإنه تعالى قال: {أية : أُغْرِقُواْ فَأُدْخِلُواْ نَاراً} تفسير : [نوح: 25] والفاء للتعقيب، والتعذيب مشروط بالحياة. وقال: {أية : ٱلنَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً} تفسير : [غافر: 46] وإذا جعل الله أهل العذاب أحياءً - قبل القيامة لأجل التعذيب، فأن يجعلَ أهلَ الثواب أحياء - قبل القيامة - لأجل الثواب أولى؛ لأن جانب الإحسان والرحمةِ أرجح من جانب العذاب، وأيضاً لو كان المراد أنه سيجعلهم أحياءً في القيامة لمَا قال للنبيِّ صلى الله عليه وسلم {وَلاَ تَحْسَبَنَّ} مع علمه بأن جميع المؤمنين كذلك. فإن قيل: إنه صلى الله عليه وسلم كان عالماً بأنهم سيصيرون أحياءً عند البعثِ، لكنه غير عالم أنهم من أهلِ الجَنَّةِ، فجاز أن يبشِّرَه الله - تعالى - بأنهم سيصيرون أحياءً، ويصلون إلى الثواب؟ فالجوابُ: أن قوله: {وَلاَ تَحْسَبَنَّ} وإنما يتناول الموتَ؛ لأنه قال: {وَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أَمْوَاتاً} فالذي يُزيل هذا الحسبان هو كونُهم أحياءً في الحال؛ لأنه لا حسبان - هناك - في صيرورتهم أحياء يوم القيامة. وقوله: {يُرْزَقُونَ} خبر مبتدأ، ولا تعلُّق له بذلك الحسبان، فزال السؤالُ، وأيضاً فقوله تعالى: {وَيَسْتَبْشِرُونَ بِٱلَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ} فالقوم الذينَ لم يلحقوا بهم لا بد وأن يكونوا في الدُّنْيا، واستبشارهم بمن يكون في الدنيا ولا بد وأن يكون قبل القيامة، والاستبشار لا يكون إلا مع الحياةِ، فدل على كونهم أحياءً قبلَ يوم القيامة. وأيضاً روى ابن عباسٍ أن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال - في صفة الشهداء: "حديث : أَرْوَاحُهُمْ فِي أَجْوَافِ طَيْرٍ خُضْرٍ، تَرِدُ أَنهارَ الجَنَّةِ، وَتَأْكُلُ مِنْ ثِمَارِهَا، وَتَسْرَحُ حيثُ شاءتْ، وتأوي إلى قَنَاديلَ تحت العَرْشِ؛ فلمت رأوا طِيبَ مَسْكَنِهِمْ ومَطْعَمِهِمْ ومَشْرَبِهِمْ قَالُوا: يَا لَيْتَ قومَنَا يَعْلَمُونَ بِمَا نَحْنُ فِيهِ مِنَ النَّعِيم، كَيْ يَرْغَبُوا فِي الجِهَادِ، فَقَالَ اللهُ تَعَالَى أَنَا مُخْبِرٌ عَنْكُمْ، وَمُبَلِّغٌ إخْوَانِكُم، فَفَرِحُوا بِذَلِكَ وَاسْتَبْشَرُوا"تفسير : فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى هذه الآية. وسُئِل ابنُ مسعود عن هذه الآية، فقال: سألنا عنها، فقيل لنا: إن الشهداء على نهر بباب الجنة في قُبَّةٍ خضراءَ. وفي رواية: في روضةٍ خضراء. وعن جابرٍ بن عبد الله، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : ألاَ أبَشرُكَ أنَّ أباكَ -حَيْثُ أصِيبَ بأحُدٍ - أحْيَاهُ اللَّهُ، ثُمَّ قَالَ: مَا تُرِيدُ يا عبدَ اللَّهِ بنَ عَمرو أنْ أفَعْلَ لَكَ؟ قَالَ: يَا رَبِّ، أحِبُّ أن تَرُدَّنِي إلى الدُّنْيَا فأقْتَلَ فيك مرةً أخْرَى ". تفسير : الاحتمالُ الثاني - وهو أنهم أحياءٌ في الحالِ - والقائلون بهذا القولِ، منهم من أثبت الحياةَ للروح، ومنهم من أثبتها للبدنِ، فمن أثبتها للروح قال: لقوله تعالى: {أية : يٰأَيَّتُهَا ٱلنَّفْسُ ٱلْمُطْمَئِنَّةُ ٱرْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً فَٱدْخُلِي فِي عِبَادِي وَٱدْخُلِي جَنَّتِي} تفسير : [الفجر: 27- 30] والمراد: الروح. حديث : وروي أنه صلى الله عليه وسلم يوم بدرٍ كان ينادي المقتولين، ويقول: {فَهَلْ وَجَدتُّم مَّا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقّاً} [الأعراف: 44] فقيل: يا رسول الله، إنهم أمواتٌ، فكيف تُناديهم؟ فقال صلى الله عليه وسلم: "إنهم أسمع منكم" تفسير : وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : أنبياء الله لا يموتون ولكن ينتقلون من دار إلى دار ". تفسير : الاحتمالُ الثالثُ: من أثبت الحياة للأجساد، وهؤلاء اختلفوا، فقال بعضهم: أنه - تعالى - يُصْعد أجسادَ الشهداءِ إلى السموات، وإلى قناديل تحت العرش، ويوصل إليها الكرامات. وقد طعنوا في هذا، وقالوا: إنا نرى الشهداء تأكلهم السباع، ونرى المقتول يبقى أياماً إلى أن تتفسّخ وتنفصل أعضاؤه، فَعَوْدُ الحياة إليها مُسْتبعدٌ، وإن جوزنا كونها حية عاقلة، متنعمة عارفة: لزم القول بالسفسطة. الاحتمالُ الرابعُ: إن كونهم أحياء من طريق المجاز. قال الأصمُّ البلخيُّ: إذا كان الميِّتُ عظيم المنزلةِ في الدينِ، وكانت عاقبته يومَ القيامةِ إلى السعادة والكرامة، صحَّ أن يقالَ: أنه حَيّ، وليس بميتٍ، كما يقال - في الجاهلِ الذي لا ينفع نفسه ولا غيره -: إنه ميتٌ، وكما يقال - للبليد -: إنه حمار، وللمؤذي إنه سبع، كما قال عبد الملك بن مروان - لما رأى الزُّهريَّ، وعلم فقهه وتحقيقه -: مَا مَاتَ مَنْ خَلْفَهُ مِثْلُكَ. وإذا مَاتَ الإنسانُ، وخلف ثناء جميلاً، وذكراً حَسَناً، يقال - على سبيل المجاز: أنه مَا مَاتَ. وقال آخَرونَ: مجازُ هذه الآية أن أجسادَهم لا تَبْلى تحت الأرضِ، كما روي أن معاوية لما أراد أن يُجري العينَ إلى قبور الشهداء، أمر أن ينادى: مَن كان له قَتيل فليخْرجه من هذا الموضع، قال جابرٌ: فخرجنا إليهم، فأخرجناهم رِطاب الأبدان فأصابَ المسحاةُ أصبعَ رَجلٍ مَنْهُمْ، فانفطرت دماً. وقيل: المراد - بكونهم أحياء - أنهم لا يُغَسَّلون كما يُغَسَّل الأموات. قال القرطبي: إذا كان الشهيدُ حيًّا - حكماً - فلا يُصَلَّى عليه، كالحَيِّ حِسًّا. قوله: {فَرِحِينَ} فيه خمسة أوجهٍ: أحدها: أن يكون حالاً من الضمير في "أحياء". ثانيها: أن يكون حالاً من الضمير في الظرف. ثالثها: أن يكون حالاً من الضمير في {يُرْزَقُونَ}. رابعها: أنه منصوبٌ على المَدْح. خامسها: أنه صفة لـ "أحياء". وهذا مختص بقراءة ابن أبي عبلة و "بما" يتعلق بـ "فرحين". قوله: {مِن فَضْلِهِ} في "من" ثلاثة أوجهٍ: أحدها: أن معناها السببية، أي بسببب فضله، أي: الذي آتاهم الله متسبب عن فضله. الثاني: أنها لابتداء الغايةِ، وعلى هذين الوجهين تتعلق بـ "آتاهم". الثالث: أنها للتبعيض، أي: بعض فضله، وعلى هذا فتتعلق بمحذوف، على أنه حال من الضمير العائدِ على الموصول ولكنه حُذِف، والتقدير: بما آتاهموه كائناً من فَضْلهِ. قوله: "ويستبشرون" فيه أربعة أوجهٍ: أحدها: أن يكون من باب عطفِ الفعلِ على الاسم؛ لكون الفعل في تأويله، فيكون عطفاً على "فرحين" كأنه قيل: فرحين ومُسْتَبْشِرِين، ونظَّروه بقوله تعالى: {أية : فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ} تفسير : [الملك: 19]. الثاني: أنه - أيضاً - يكون من باب عطف الفعل على الاسم، ولكن لا لأن الاسم في تأويل الفعل، قال أبو البقاء هو معطوف على "فرحين" لأن اسم الفاعل - هنا - يُشْبه الفعل المضارع يعني أن "فرحين" بمنزلة يفرحون، وكأنه جعله من باب قوله: {أية : إِنَّ ٱلْمُصَّدِّقِينَ وَٱلْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُواْ ٱللَّهَ} تفسير : [الحديد: 18] والتقديرُ الأولُ أولى، لأن الاسم - وهو "فرحين" لا ضرورة بنا إلى أن نجعله في محل فعل مضارع - حتى يتأول الاسم به - والفعل فَرْع عليه، فينبغي أن يُرَدَّ إليه. وإنما فعلنا ذلك في الآية؛ لأن "أل" الموصولة بمعنى: الذي و "الذي" لا يُوصَل إلا بجملة أو شبهها، وذلك الشبهُ - في الحقيقة - يتأول بجملة. الثالث: أن يكونَ مُستأنفاً، والواو للعطف، عطفت فعلية على اسمية. الرابع: أن يكون خبراً لمبتدأ محذوفٍ، أي: وهم يستبشرون، وحينئذٍ يجوز وجهان: أحدهما: أن تكون الجملةُ حاليةً من الضمير المستكن في "فرحين" أو من العائد المحذوف من "آتاهم" وإنما احتجنا إلى تقدير مبتدأ عند جعلنا إياها حالاً؛ لأن المضارعَ المثبت لا يجوز اقترانه بواو الحال لما تقدم مراراً. الثاني من هذين الوجهين: أن تكون استئنافية، عطف جملة اسمية على مثلها. و "استفعل" - هنا - ليست للطلب، بل تكون بمعنى المجرد، نحو: استغنى الله - بمعنى: غَنِيَ، وقد سُمِع بَشِر الرجل - بكسر العين - فيكون استبشر بمعناه، قاله ابنُ عطية. ويجوز أن يكون مطاوع أبشَرَ، نحو: أكانَهُ فاستكان، وأراحه فاستراح، وأشلاه فاستشلى، وأحكمَه فاستحكم - وهو كثيرٌ - وجعله أبو حيّان أظهر؛ من حيث إن المطاوعَة تدل على الاستفعال عن الغيرِ، فحصلت لهم البُشرى بإبشار الله تعالى، وهذا لا يلزم إذَا كان بمعنى المجردِ. قوله: {مِّنْ خَلْفِهِمْ} في هذا الجارّ وجهان: أحدهما: أنه متعلق بـ "لم يلحقوا" على معنى أنهم قد بَقُوا بَعْدَهم، وهم قد تقدموهم. الثاني: أن يكون متعلقاً بمحذوفٍ على أنه حال من فاعل "يلحقوا بهم"، أي: لم يلحقوا بهم حال كونهم متخلِّفين عنهم - أي: في الحياة -. فصل معنى الكلام: ويستبشرون: ويفرحون بالذين لم يلحقوا بهم، من إخوانهم الذين تركوهم أحياءً في الدنيا على مناهج الإيمان والجهاد؛ لِيُعْلِمَهم انهم إذَا استشهدوا لحقوا بهم، ونالوا من الكرامةِ ما نَالوا هُمْ؛ فلذلك يستبشرون. وقال الزّجّاجُ وابن فورك: الإشارة - بالاستبشار للذين لم يلحقوا بهم - إلى جميع المؤمنين - وإن لم يقتلوا - ولكنهم لما عايَنُوا ثوابَ الله وقع اليقينُ بأن دينَ الإسلام هُوَ الحقُّ الذي يُثِيبُ الله عليه، فهم فرحون لأنفسهم بما آتاهم الله من فضله، مستبشرون للمؤمنين بأن لا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون. قوله: {أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ} فيه وجهان: أحدهما: أن "أن" وما في حَيِّزها في محل جَرّ، بدلاً من "بالذين" بدل اشتمال، أي: يستبشرون بعد خوفهم وحُزْنهم، فهو المستبشَر به في الحقيقة، لأن الذواتَ لا يُسْتَبْشَرُ بها. الثاني: أنها في محل نَصْبٍ؛ على أنها مفعول من أجله، أي: لأنهم لا خوف عليهم. و "أن" - هذه - هي المخفَّفة، واسمها ضمير الشأن، وجملة النفي بعدها في محل الخبر. فإن قيل: الذوات لا يُسْتبشر بها - كما تقدم - فكيف قال: {وَيَسْتَبْشِرُونَ بِٱلَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ}؟. فالجوابُ أن ذلك على حَذفِ مُضَافٍ مناسبٍ، تقديره: ويَسْتبشرون بسلامةِ الذين، أو لحوقهم بهم في الدرجة. وقال مكيٌّ - بعد أن حكى أنها بدلُ اشتمالٍ -: ويجوز أن يكون في موضع نَصْب، على معنى: بأن لا وهذا - هو بعينه - وجه البدل المتقدِّم، غاية ما في الباب أنه أعاد مع البدل العامل في تقديره اللهُمّ إلا أن يعني أنها - وإن كانت بدلاً من "الذين" - ليست في محل جَرٍّ، بل في محل نَصْبٍ، لأنها سقطت منها الباء؛ فإن الأصل: بأن لا، وإذا حُذِف منها حرفُ الجرِ كانت في محل نصبٍ - على رأي سيبويه والفرَّاء - وهو بعيدٌ.
السيوطي
تفسير : أخرج الحاكم وصححه عن ابن عباس قال: نزلت هذه الآية في حمزة وأصحابه {ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياء عند ربهم يرزقون}. وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن أبي حاتم عن أبي الضحى في قوله {ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً} قال: نزلت في قتلى أحد، استشهد منهم سبعون رجلاً: أربعة من المهاجرين: حمزة بن عبد المطلب من بني هاشم، ومصعب بن عمير من بني عبد الدار، وعثمان بن شماس من بني مخزوم، وعبد الله بن جحش من بني أسد. وسائرهم من الأنصار. وأخرج أحمد وهناد وعبد بن حميد وأبو داود وابن جرير وابن المنذر والحاكم وصححه والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لما أصيب إخوانكم بأحد جعل الله أرواحهم في أجواف طير خضر ترد أنهار الجنة، وتأكل من ثمارها، وتأوي إلى قناديل من ذهب معلقة في ظل العرش. فلما وجدوا طيب مأكلهم ومشربهم، وحسن مقبلهم. قالوا: يا ليت إخواننا يعلمون ما صنع الله لنا تفسير : - وفي لفظ - حديث : قالوا: إنا أحياء في الجنة نرزق لئلا يزهدوا في الجهاد ولا ينكلوا عن الحرب فقال الله: أنا أبلغهم عنكم. فأنزل الله هؤلاء الآيات {ولا تحسبن الذين قتلوا...} الآية. وما بعدها ". تفسير : وأخرج الترمذي وحسنه وابن ماجة وابن أبي عاصم في السنة وابن خزيمة والطبراني والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في الدلائل "حديث : عن جابر بن عبد الله قال لقيني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا جابر ما لي أراك منكسراً؟ قلت: يا رسول الله استشهد أبي وترك عيالاً وديناً فقال: ألا أبشرك بما لقي الله به أباك؟ قال: بلى. قال: ما كلم الله أحداً قط إلا من وراء حجاب، وأحيا أباك فكلمه كفاحاً وقال: يا عبدي تمن عليّ أعطك قال: يا رب تحييني فأقتل فيك ثانية قال الرب تعالى: قد سبق مني أنهم لا يرجعون. قال: أي رب فأبلغ من ورائي. فأنزل الله هذه الآية {ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً...} الآية ". تفسير : وأخرج الحاكم عن عائشة قالت "حديث : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لجابر: ألا أبشرك. قال: بلى. قال: شعرت أن الله أحيا أباك فأقعده بين يديه فقال: تمنَّ عليَّ ما شئت أعطيكه قال: يا رب ما عبدتك حق عبادتك، أتمنى أن تردني إلى الدنيا فأقتل مع نبيك مرة أخرى. قال: سبق مني أنك إليها لا ترجع ". تفسير : وأخرج ابن جرير عن قتادة قال: ذكر لنا أن رجالاً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا: يا ليتنا نعلم ما فعل إخواننا الذين قتلوا يوم أحد، فأنزل الله {ولا تحسبن الذين قتلوا...} الآية. وأخرج ابن جرير عن الربيع قال: ذكر لنا عن بعضهم في قوله {ولا تحسبن الذين قتلوا...} الآية. قال: هم قتلى بدر وأحد، زعموا أن الله تعالى لما قبض أرواحهم وأدخلهم الجنة، جعلت أرواحهم في طير خضر ترعى في الجنة، وتأوي إلى قناديل من ذهب تحت العرش، فلما رأوا ما أعطاهم الله من الكرامة قالوا: ليت إخواننا الذين بعدنا يعلمون ما نحن فيه، فإذا شهدوا قتالاً تعجلوا إلى ما نحن فيه فقال الله: إني منزل على نبيكم ومخبر إخوانكم بالذي أنتم فيه. ففرحوا واستبشروا وقالوا: يخبر الله إخوانكم ونبيكم بالذي أنتم فيه. فإذا شهدوا قتالاً أتوكم. فذلك قوله {فرحين...} الآية. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن محمد بن قيس بن مخرمة قال: قالوا: يا رب ألا رسول لنا يخبر النبي صلى الله عليه وسلم عنا بما أعطيتنا فقال الله تعالى: أنا رسولكم، فأمر جبريل أن يأتي بهذه الآية {ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله...} الآيتين. وأخرج ابن جرير عن الضحاك قال: لما أصيب الذين أصيبوا يوم أحد لقوا ربهم فأكرمهم، فأصابوا الحياة والشهادة والرزق الطيب قالوا: يا ليت بيننا وبين إخواننا من يبلغهم أنا لقينا ربنا فرضي عنا وأرضانا فقال الله: أنا رسولكم إلى نبيكم وإخوانكم، فأنزل الله {ولا تحسبن الذين قتلوا} إلى قوله {ولا هم يحزنون}. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن إسحق بن أبي طلحة. حدثني أنس بن مالك في أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الذين أرسلهم النبي صلى الله عليه وسلم إلى بئر معونة قال: لا أدري أربعين أو سبعين وعلى ذلك الماء عامر بن الطفيل، فخرج أولئك النفر حتى أتوا غاراً مشرفاً على الماء قعدوا فيه، ثم قال بعضهم لبعض: أيكم يبلغ رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل هذا الماء؟ فقال أبو ملحان الأنصاري: أنا. فخرج حتى أتى خواءهم فاختبأ أمام البيوت، ثم قال: يا أهل بئر معونة إني رسول رسول الله إليكم، إني أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله، فآمنوا بالله ورسوله. فخرج إليه رجل من كسر البيت برمح فضرب به في جنبه حتى خرج من الشق الآخر. فقال: الله أكبر فزت ورب الكعبة، فاتبعوا أثره حتى أتوا أصحابه في الغار فقتلهم عامر بن الطفيل. فحدثني أنس أن الله أنزل فيهم قرآناً: بلغوا عنا قومنا أنا قد لقينا ربنا فرضي عنا ورضينا عنه. ثم نسخت فرفعت بعدما قرأناه زماناً، وأنزل الله {ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياء...} الآية. وأخرج ابن المنذر من طريق طلحة بن نافع عن أنس قال: لما قتل حمزة وأصحابه يوم أحد قالوا: يا ليت لنا مخبراً يخبر إخواننا بالذي صرنا إليه من الكرامة لنا. فأوحى إليهم ربهم أنا رسولكم إلى إخوانكم. فأنزل الله {ولا تحسبن الذين قتلوا} إلى قوله {لا يضيع أجر المؤمنين}. وأخرج ابن أبي شيبة والطبراني عن سعيد بن جبير قال: لما أصيب حمزة وأصحابه بأحد قالوا: ليت من خلفنا علموا ما أعطانا الله من الثواب ليكون أحرى لهم فقال الله: إنا أعلمهم، فأنزل الله {ولا تحسبن الذين قتلوا...} الآية. وأخرج عبد الرزاق في المصنف والفريابي وسعيد بن منصور وهناد وعبد بن حميد ومسلم والترمذي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والبيهقي في الدلائل عن مسروق قال: سألنا عبد الله بن مسعود عن هذه الآية {ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً} فقال: أما انا قد سألنا عن ذلك، أرواحهم في جوف طير خضر - ولفظ عبد الرزاق - أرواح الشهداء عند الله كطير خضر لها قناديل معلقة بالعرش، تسرح من الجنة حيث شاءت، ثم تأوي إلى تلك القناديل، فاطلع إليهم ربهم إطلاعة فقال: هل تشتهون شيئاً؟ قالوا: أي شيء نشتهي ونحن نسرح من الجنة حيث شئنا. ففعل ذلك بهم ثلاث مرات، فلما رأوا أنهم لم يتركوا من أن يسألوا قالوا: يا رب نريد أن ترد أرواحنا في أجسادنا حتى نقتل في سبيلك مرة أخرى. فلما رأى أن ليس لهم حاجة تركوا. وأخرج عبد الرزاق عن أبي عبيدة عن عبد الله أنه قال في الثالثة حين قال لهم: هل تشتهون من شيء قالوا: تقرئ نبينا السلام، وتبلغه أنا قد رضينا ورضي عنا. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله {بل أحياء عند ربهم يرزقون} قال: يرزقون من ثمر الجنة، ويجدون ريحها وليسوا فيها. وأخرج ابن جرير عن قتادة في الآية قال: كنا نحدث أن أرواح الشهداء تعارف في طير بيض تأكل من ثمار الجنة، وأن مساكنهم سدرة المنتهى، وأن للمجاهد في سبيل الله ثلاث خصال: من قتل في سبيل الله منهم صار حياً مرزوقاً، ومن غلب آتاه الله أجراً عظيماً، ومن مات رزقه الله رزقاً حسناً. وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي العالية في قوله {بل أحياء} قال: في صور طير خضر يطيرون في الجنة حيث شاؤوا منها يأكلون من حيث شاؤوا. وأخرج ابن جرير عن عكرمة في الآية قال: أرواح الشهداء في طير بيض في الجنة. وأخرج ابن جرير من طريق الإفريقي عن ابن بشار الأسلمي أو أبي بشار قال: أرواح الشهداء في قباب بيض من قباب الجنة، في كل قبة زوجتان رزقهم في كل يوم ثور وحوت. فأما الثور ففيه طعم كل ثمرة في الجنة، وأما الحوت ففيه طعم كل شراب في الجنة. وأخرج ابن جرير عن السدي أن أرواح الشهداء في أجواف طير خضر في قناديل من ذهب معلقة بالعرش، فهي ترعى بكرة وعشية في الجنة وتبيت في القناديل. وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور عن ابن عباس قال: أرواح الشهداء تجول في أجواف طير خضر تعلق في ثمر الجنة. وأخرج هناد بن السري في كتاب الزهد وابن أبي حاتم عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إن أرواح الشهداء في طير خضر ترعى في رياض الجنة، ثم يكون مأواها إلى قناديل معلقة بالعرش فيقول الرب: هل تعلمون كرامة أكرم من كرامة أكْرَمْتُكُموها؟ فيقولون: لا. إلا أنا وَدَدْنا أنك أعدت أرواحنا في أجسادنا حتى نقاتل فنقتل مرة أخرى في سبيلك ". تفسير : وأخرج هناد في الزهد وابن أبي شيبة في المصنف عن أبي بن كعب قال: الشهداء في قباب من رياض بفناء الجنة، يبعث إليهم ثور وحوت فيعتركان فيلهون بهما، فإذا احتاجوا إلى شيء عقر أحدهما صاحبه، فيأكلون منه فيجدون فيه طعم كل شيء في الجنة. وأخرج أحمد وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم وابن المنذر والطبراني وابن حبان والحاكم وصححه والبيهقي في البعث عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : الشهداء على بارق نهر بباب الجنة في قبة خضراء، يخرج إليهم رزقهم من الجنة غدوة وعشية ". تفسير : وأخرج هناد في الزهد من طريق ابن إسحق عن إسحق بن عبد الله بن أبي فروة قال: حدثنا بعض أهل العلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إن الشهداء ثلاثة، فأدنى الشهداء عند الله منزلة رجل خرج منبوذاً بنفسه وماله لا يريد أن يقتل ولا يقتل أتاه سهم غرب فأصابه فأول قطرة تقطر من دمه يغفر له ما تقدم من ذنبه، ثم يهبط الله جسداً من السماء يجعل فيه روحه ثم يصعد به إلى الله، فما يمر بسماء من السموات إلا شيَّعته الملائكة حتى ينتهي إلى الله، فإذا انتهى به وقع ساجدا، ثم يؤمر به فيكسى سبعين حلة من الاستبرق، ثم يقال: اذهبوا به إلى إخوانه من الشهداء فاجعلوه معهم، فيؤتى به إليهم وهم في قبة خضراء عند باب الجنة يخرج عليهم غداؤهم من الجنة ". تفسير : وأخرج ابن جرير عن الحسن قال: ما زال ابن آدم يتحمد حتى صار حياً ما يموت، ثم تلا هذه الآية {أحياء عند ربهم يرزقون}. وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل في قوله {فرحين بما آتاهم الله من فضله} قال: بما هم فيه من الخير والكرامة والرزق. وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله {ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم} قال: لما دخلوا الجنة ورأوا ما فيها من الكرامة للشهداء قالوا: يا ليت إخواننا الذين في الدنيا يعلمون ما صرنا فيه من الكرامة، فإذا شهدوا القتال باشروها بأنفسهم حتى يستشهدوا فيصيبون ما أصبنا من الخير، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بأمرهم، وما هم فيه من الكرامة، وأخبرهم أني قد أنزلت على نبيكم، وأخبرته بأمركم وما أنتم فيه من الكرامة، فاستبشروا بذلك. فذلك قوله {ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم} يعني من إخوانهم من أهل الدنيا أنهم سيحرصون على الجهاد ويلحقون بهم. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي في قوله {ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم} قال: إن الشهيد يؤتى بكتاب فيه من يقدم عليه من إخوانه وأهله يقال: يقدم عليك فلان يوم كذا وكذا، يقدم عليك فلان يوم كذا وكذا. فيستبشر حين يقدم عليه كما يستبشر أهل الغائب بقدومه في الدنيا.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {وَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ} [الآية: 169]. قال ابن عطاء: المقتول على المشاهدة باقٍ برؤية شاهده، والميت من عاش على رؤية نفسه ومتابعة هواه. قال أبو سعيد القرشى فى هذه الآية: لا تظننَّ أنَّ الهالكين فى طريق الإرادة طلبًا للوصلة مردودين إلى مقاماتهم، بل قد بلغ بهم غاية ما قصدوا من القرب والوصلة، أحياء بقرب الحى عند ربهم فى مجلس المشاهدة، يرزقون زيادة الفوائد من أنوار الاطلاع، فرحين بالغين أقصى الرضا.
القشيري
تفسير : الحياة بذكر الحق بعد ما تتلف النفوس في رضاء الحق أتَمُّ من البقاء بنعمة الخلق مع الحجبة عن الحق. ويقال إن الذي وارثُه الحي الذي لم يزل فليس بميت - وإن قُتِل: شعر : وإن كانت العبدان للموت أُنْشِئَتْ فقتل امرئ في الله - لا شكَّ - أفضلُ تفسير : قوله: {وَيَسْتَبْشِرُونَ بِٱلَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ}: مَنْ علم أن أحباءه ينتظرونه وهم في الرَّفَه والنعمة لا يهنأ بعيش دون التأهب والإلمام بهم والنزول عليهم.
البقلي
تفسير : {وَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أَمْوَاتاً} نبه الخلق ان من قيل فى سبيل العشق بسيوف العشق انسلخ من الحدث الى القدم والتبس بنور الازل من الازل فلما بلغ نعت الاولية واتصف بصفة الازلية يصير منعوتا بنعت الاخرية موصوفا بوصف الابدية لان صفات الحق جل سلطانه واحدة فى الوحدانية خارجة عن الجمع والتفرقة فيضها فى الافعال تفرقة مع الاسماء ونورها فى الغيبية تجمع لاهل الوحدة ومحل ان وصل نور الصفة فيكون خارجا عن الصفة الاولية صفة والاخرية صفة والاخر اول فى النعت فمن كان نعته اولية فيكون نعته اخرية واذا خرج ما لحدثان الى جمال الرحمن لم يجر عليه صفات الحدث بعده عن صفة الموت والفناء بل يصير حيا باتصافه بحياة الحق وحياة الحق ابدى لم يجر على حياة الانسانى وموت الانسانى وهذا من فيض نور مشاهدته وعنديته لان مقتول السيف التجلى يحيى بقبض القربة والعندية ومن يكون فى العندية كيف يفنى ويموت وهو مشاهدة فى شهود الحق ايه ورزقه فيض مزيدة مشاهدة الحق وزياة اتصافه ببقاء الحق وفرحه نبيل بقائه من بقاء لاحق ومن قتل بسيف الارادة فهو باق بنور القربة من قتل بسيف المحبة فهو باق فى سنا المشاهدة ومن قتل بسيف المعرفة فهو باق فى انس الوصلة ومن قتل بسيف التوحيد فهو باق بالوحدة فى الوحدة وحياة هؤلاء من تجلى الازلية وشهادة هؤلاء بغيرة العزة غار عليهم فافناهم واحبهم فابقاهم قالا بن عطا المقتول على المشاهدة باق رؤية شاهدة والميت من عاشر على رؤية نفسه ومتابعة هواه قال ابو عسيد القرشى فى هه الاية لا تظن الهالكين فى طريق الارادة طلبا الوصلة مردودين الى مقاماتهم بل قد بلغ بهم غياة ما قصدوا من القرب ولا وصلة احياء بقرب لاحق عند ربهم فى مجلس المشاهدة يرزقون زيادة الفوائسد من انوار الاطلاع فرحين الغين اقصى رضاه.
اسماعيل حقي
تفسير : {ولا تحسبن الذين قتلوا فى سبيل الله امواتا} المراد بهم شهداء احد وكانوا سبعين رجلا اربعة من المهاجرين حمزة بن عبد المطلب ومصعب بن عمير وعثمان بن شهاب وعبد الله بن جحش وباقيهم من الانصار. قال القاشانى الافصح الابلغ ان يجعل الخطاب فى {ولا تحسبن} لكل احد لانه امر خطير يجب ان يبشر به كل واحد لتتوفر دواعيهم الى الجهاد وليتيقنوا بحسن الجزاء وان كان للرسول صلى الله عليه وسلم فالمراد به نهى الامة وتنبيههم على حالهم والا فرسول الله اجل مرتبة من ذلك الحسبان {بل احياء} اى بل هم احياء {عند ربهم} خبر ثان للمبتدأ المقدر والعندية المكانية مستحيلة فتعين حملها على انهم مقربون منه تعالى قرب التكريم والتعظيم {يرزقون} من ثمار الجنة وتحفها وفيه تأكيد لكونهم احياء وتحقيق لمعنى حياتهم.
ابن عجيبة
تفسير : قلت: {ألاَّ خَوف عليهم}: بدل من {الذين لم يلحقوا}، أو مفعول لأجله، وكرر: {يستبشرون}؛ ليذكر ما تعلق به من الفضل والنعمة، أو: الأول بحال إخوانهم، وهذا بحال أنفسهم. يقول الحقّ جلّ جلاله: {ولا تحسبن} أيها الرسول، أو أيها السامع، {الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل} هم {أحياء}؛ لأن الله تعالى جعل أرواحهم في حواصل طير خضر، يسرحون في الجنة حيث شاءوا عند ربهم، بالكرامة والزلفى، يُرزقون من ثمار الجنة ونعيمها، فحالهم حال الأحياء في التمتع بأرزاق الجنة، بخلاف سائر الأموات من المؤمنين؛ فإنهم لا يتمتعون بالأرزاق حق يدخلوا الجنة. قاله ابن جزي. قلت: شهداء الملكوت - وهم العارفون - أعظم قدراً من شهداء السيوف، وراجع ما تقدم في سورة البقرة. {فرحين بما آتاهم الله من فضله} من الكرامة والزلفى والنعيم الذي لا يفنى، {ويسبشرون بالذين لم يلحقو بهم من خلفهم} أي: بإخوانهم الذي لم يُقتلوا فيلحقوا بهم من بعدهم. وتلك البشارة هي: {ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون}، أو من أجل {ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون}. والحاصل: أنهم يستبشرون بما تبين لهم من الكرامة في الآخرة، وبحال من تركوا من خلفهم من المؤمنين، وهو أنهم إذا ماتوا أو قُتلوا، كانوا أحياء، حياة لا يدركها خوفُ وقوعِ محذور، ولا حزن فوات محبوب. فالآية تدل على أن الإنسان غير الهيكل المحسوس، بل هو جوهر مُدرِك بذاته، لا ينفى بخراب البدن، ولا يتوقف على وجود البدن إدراكه وتألمُه والتذاذه. ويؤيد ذلك قوله تعالى في آل فرعون:{أية : النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُواً وَعَشِيّاً}تفسير : [غَافِر: 46]، وما رَوى ابنُ عباس من أنه صلى الله عليه وسلم قال:"حديث : أرْواحُ الشهداء في أجْوافِ طَيْرِ خَضْرٍ، تَرِدُ أنْهارَ الجنّةِ، وتَأكُلُ منْ ثِمارِها، وتَأوِي إلى قَنَادِيلَ مُعلَّقةٍ في ظلِّ العَرشِ"تفسير : - قال معناه البيضاوي. ولمّا ذكر استبشارهم بإخوانهم ذكر استبشارهم بما يخصهم فقال: {يستبشرون بنعمة من الله}؛ وهو ثواب أعمالهم الجسماني، {وفضل} وهو نعيم أرواحهم الروحاني، وهو النظر إلى وجهه الكريم، ويستبشرون أيضاً بكونه تعالى {لا يضيع أجر المؤمنين}، ماتوا في الجهاد أو على فرشهم، حيث حسنت سريرتهم وكرمت علانيتهم، قال صلى الله عليه وسلم:"حديث : إن لله عباداً يصرفهم عن القتل والزلازل والأسقام، يطيل أعمارهم في حسن العمل، ويحسن أرزاقهم، ويحييهم في عافية، ويميتهم في عافية على الفرش، ويعطيهم منازل الشهداء"تفسير : . قلت: ولعلهم العارفون بالله، جعلنا الله من خواصهم، وسلك بنا مسالكهم. آمين. الإشارة: لا تحسبن الذي بذلوا مُهجهم، وقتلوا أنفسهم بخرق عوائدها، وعكس مراداتها، في طلب معرفة الله، حتى ماتت نفوسهم، وحييت أرواحهم بشهود محبوبهم، حياة لا موت بعدها، فلا تظن أيها السامع أنهم أموات، ولو ماتوا حسّاً، بل هم أحياء على الدوام، وفي ذلك يقول الشاعر: شعر : مَوْتُ التَّقِيِّ حَيَاةٌ لا فَنَاءَ لَهَا قَدْ مَاتَ قَوْمٌ وَهُمْ فِي النَّاسِ أَحْيَاءُ تفسير : فهم عند ربهم يشاهدونه مدة بقائهم، يرزقون من ثمار المعارف وفواكه العلوم، فرحين بما أتحفهم الله به من القرب والسر المكتوم، ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم في المرتبة ممن تعلق بهم وأنهم سيصلون إلى ما وصلوا إليه من معرفة الحي القيوم، فلا يلحقهم حينئذٍ خوف ولا حزن ولا هم ولا غم، لما سكن في قلبهم من خمرة محبة الحبيب، والقرب من القريب المجيب، وفي ذلك يقول ابن الفارض. شعر : وإِنْ خَطَرَتْ يوماً علَى خاطِر امْرِئ أقَامَتْ به الأفْرَاحُ، وارتَحلَ الهمُّ تفسير : يسبشرون بنعمة أدب العبودية، وفضل شهود أسرار عظمة الربوبية، وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين المحبين لطريق المخصوصين، فإن طريق محبة طريق القوم عناية، والتصديق بها ولاية، وبالله التوفيق وهو الهادي إلى سواء الطريق. ولما رجع أبو سفيان من غزوة أُحد، هو وأصحابه، حتى بلغوا الروحاء، ندم وهم بالرجوع، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فندب أصحابه للخروج في طلبه، وقال:"حديث : لا يخرج معنا إلا من حضر بالأمس"تفسير : ، فخرج صلى الله عليه وسلم في سبعين رجلاً حتى بلغوا حمراء الأسد - وهي على ثمانية أميال من المدينة - وكان بأصحابه القرح، فتحاملوا على أنفسهم كي لا يفوتهم الأجر، وألقى الله الرعب في قلوب المشركين، فذهبوا.
الطوسي
تفسير : المعنى: ذكر ابن عباس، وابن مسعود، وجابر بن عبد الله عن النبي (صلى الله عليه وسلم) أنه قال لما أصيب أخوانكم بأحد جعل الله أرواحهم في حواصل طير خضر ترد انهار الجنة، وتأكل من ثمارها. قال البلخي: وهذا ضعيف، لأن الأرواح جماد لا حياة فيها، ولو كانت حية لاحتاجت إلى أرواح أخر وأدى إلى ما لا يتناهى فضعف الخبر من هذا الوجه. وفي الناس من قال: إن تأويل الآية اخبار عن صفة حال الشهداء في الجنة من حيث فسد القول بالرجعة، وهذا ليس بشيء لأنه خلاف الظاهر، ولأن أحداً من المؤمنين لا يحسب أن الشهداء في الجنة أموات، وأيضاً، فقد وصفهم الله بأنهم أحياء فرحون في الحال، لأن نصب فرحين هو على الحال. وقوله: {لم يلحقوا بهم من خلفهم} يؤكد ذلك، لأنهم في الآخرة قد لحقوا بهم، ومعنى الآية النهي عن أن يظن أحد أن المقتولين في سبيل الله أموات. والخطاب للنبي (صلى الله عليه وسلم)، والمراد به جميع المكلفين، كما قال: {يا أيها النبي إذا طلقتم النساء} وأنه ينبغي أن يعتقد أنهم {أحياء عند ربهم يرزقون فرحين بما آتاهم الله} وبهذا قال الحسن، وعمرو بن عبيد، وواصل بن عطاء واختاره الجبائي، والرماني، وأكثر المفسرين. وقال بعضهم وذكره الزجاج: المعنى ولا تحسبنهم أمواتاً في دينهم بل هم أحياء في دينهم، كما قال: {أية : أو من كان ميتاً فاحييناه} تفسير : وقال البلخي معناه: لا تحسبنهم كما يقول الكفار أنهم لا يبعثون بل يبعثون، وهم {أحياء عند ربهم يرزقون فرحين}. وقال قوم: إن أرواحهم تسرح في الجنة وتلتذ بنعيمها، فهم {أحياء عند ربهم} وقوله: {عند ربهم} قيل في معناه قولان: أحدهما - أنهم بحيث لا يملك لهم أحد نفعا ولا ضرا إلا ربهم وليس المراد بذلك قرب المسافة لأن ذلك من صفة الاجسام وذلك مستحيل عليه تعالى. والوجه الآخر - عند ربهم أحياء من حيث يعلمهم كذلك دون الناس - ذكره أبوعلي -. الاعراب: وقوله: {بل أحياء} رفع على أنه خبر الابتداء، وتقديره بل هم أحياء، ولا يجوز فيه النصب بحال، لأنه كان يصير المعنى بل احسبنهم أحياء، والمراد بل اعلمهم احياء. المعنى والحجة: فان قيل لم لا يجوز أن يكون المعنى بل أحياء على معنى أنهم بمنزلة الأحياء كما يقال لمن خلف خلفاً صالحاً أو ثناء جميلا: ما مات فلان بل هو حي؟ قلنا: لا يجوز ذلك لأنه انما جاز هذا بقرينة دلت عليه من حصول العلم بأنه ميت فانصرف الكلام إلى أنه بمنزلة الحي، وليس كذلك الآية لأن إحياء الله لهم في البرزخ جائز مقدور والحكمة تجيزه. فان قيل أليس في الناس من أنكر الحديث من حيث أن الروح عرض لا يجوز أن يتنعم؟ قيل: هذا ليس بصحيح، لأن الروح جسم رقيق هوائي مأخوذ من الريح. والدليل على ذلك أن الروح تخرج من البدن وترد إليه وهي الحساسة الفعالة دون البدن، وليست من الحياة في شيء، لأن ضد الحياة الموت وليس كذلك الروح - هذا قول الرماني سؤاله وجوابه -. وفي الآية دليل على أن الرجعة إلى دار الدنيا جائزة لاقوام مخصوصين، لأنه تعالى أخبر أن قوماً ممن قتلوا في سبيل الله ردهم الله أحياء كما كانوا، فأما الرجعة التي يذهب إليها أهل التناسخ، ففاسدة، والقول بها باطل لما بيناه في غير موضع، وذكرنا جملة منه في شرح جمل العلم فمن أراده وقف عليه من هناك ان شاء الله. وقال أكثر المفسرين الآية مختصة بقتلى أحد. وقال أبو جعفر (ع)، وكثير من المفسرين: انها تتناول قتلى بدر وأحد معاً.
الجنابذي
تفسير : {وَلاَ تَحْسَبَنَّ} عطف على (قل) او على {فادرأوا}، او الخطاب لمحمّد (ص) او لكلّ من يتأتّى منه الخطاب، وقرئ بالياء على اسناده الى الرّسول (ص) او الى من يتأتّى منه الحسبان، او الى الظّاهر بعده اى لا يحسبنّ {ٱلَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} انفسهم {أَمْوَاتاً} بحذف المفعول الاوّل وهذا ردّ على المنافقين حيث قالوا: {لو كانوا عندنا ما ماتوا} {ولو اطاعونا ما قتلوا} {بَلْ} هم {أَحْيَاءٌ} حياة اتمّ واكمل واشرف واعلى من هذه الحياة الدّانية {عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ} بالرّزق المناسب لمقامهم عند الرّبّ.
الأعقم
تفسير : قوله تعالى: {ولا تحسبنَّ الذين قُتِلُوا في سبيل الله} الآية، قيل: نزلت في شهداء بدر وكانوا أربعة عشر رجلاً ثمانية من الأنصار وستَّة من المهاجرين. وقيل: نزلت في شهداء أُحُد وكانوا سبعين رجلاً أربعة من المهاجرين، منهم: حمزة بن عبد المطلب (رضي الله عنه) وباقيهم من الأنصار وعن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال: "حديث : لما أصيب إخوانكم بأُحُد جعل الله أرواحهم في أجواف طير خضر تدور في أنهار الجنَّة، وتأكل من ثمارها وتسرح في الجنة حيث شاءت وتأوي إلى قناديل من ذهب تحت العرش فلما رأوا طيب مقيلهم ومطعمهم ومشربهم وما أعدَّ الله لهم من الكرامة قالوا: يا ليت قومنا يعلمون ما نحن فيه حتى يرغبوا في الجهاد فقال الله: "أنا أبلغ عنكم إخوانكم ففرحوا واستبشروا" تفسير : فنزلت، وقيل: أحياء في قبورهم، وقيل: في الجنة، وقيل: أحياء في السماء، قوله تعالى: {ويستبشرون} يعني بإخوانهم المجاهدين {الذين لم يلحقوا بهم} أي لم يقتلوا، وقيل: لم يدركوا فضلهم، وقيل: أحياء وصف لحالهم التي عليها من النعم برزق الله {فرحين بما آتاهم الله من فضله} وهو التوفيق في الشهادة وما ساق إليهم من الكرامة والتفضل على غيرهم من كونهم أحياء مقربين، قوله تعالى: {الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرحُ} الآية نزلت يوم أُحُد روي أن أبا سفيان وأصحابه لما انصرفوا من أُحُد فبلغوا الروحاء وهمّوا بالرجوع فبلغ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فرجع هو وأصحابه وقالوا: لا يخرجن معنا إلا من حضر يومنا بالأمس، وكان بأصحابه القروح، فتحاملوا على أنفسهم حتى لا يفوتهم الأجر وألقى الله في قلب أبي سفيان وأصحابه الرعب فنزلت الآية، قوله تعالى: {الذين قال لهم الناس إن الناس قد جَمَعُوا لكم فاخْشَوهُمْ} الآية نزلت في أبي سفيان روي أن أبا سفيان نادى عند انصرافه من أُحُد يا محمد موعدنا موسم بدر للقتال إن شئت، فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): "إن شاء الله" فلما كان القابل خرج أبو سفيان في أهل مكة حتى نزل مر الظهران فألقى الله الرعب في قلبه فبدا له وخرج النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في سبعين راكباً يقولون {حسبنا الله ونعم الوكيل} وقيل: هي الكلمة التي قالها ابراهيم (عليه السلام) حين ألقي في النار حتى وافوا بدراً وأقاموا بها ثمان ليال وكان معهم تجارات فباعوها وأصابوا خيراً ثم انصرفوا إلى المدينة سالمين غانمين من بدر الصغرى، وقيل: الناس الأول نُعيم بن مسعود الأشجعي، والناس الثاني أبو سفيان قيل: لما خرج رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) حمراء الأسد كما تقدم مرّ به سعد الخزاعي وهو يومئذٍ مشرك وكانت خزاعة مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) مسلمهم وكافرهم فقال: يا محمد لقد عزَّ علينا ما أصابك في أصحابك ثم خرج حتى لقي أبا سفيان ومن معه الروحاء، وقد أجمعوا على الرجعة فقال: يا معبد ما وراءك؟ قال: أن محمَّداً خرج في أصحابه يطلبكم في جمع لم أرَ مثله يتحرقون عليكم تحرّق قد اجتمع إليه كل من تخلّف عنه يومكم وندموا على ما صنعوا قال: ويلك ما تقول؟ قال: والله ما أراك ترحل حتى ترى نواصي الخيل فقال: انَّا اجتمعنا الكرة لنستأصلهم، قال: فإني أنهاك عن هذا، ففرَّ أبو سفيان ومن معه فمرَّ به ركب من عبد القيس فقال: أين تريدون؟ قالوا: المدينة، قال. هل تبلغون محمداً رسالة حتى أحمل إبلكم هذه زبيباً بعكاظ، قالوا: نعم، قال: فإن جئتموه فأخبروه أنا قد اجتمعنا اليوم لنستأصل بقيَّتهم، فمرَّ الركب برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وهم بحمراء الأسد فأخبروه بقول أبي سفيان فقالوا: {حسبنا الله ونعم الوكيل} عن ابن عباس وابن اسحاق، وقيل: أن أبا سفيان لما خرج من مكة لموعد بدر الصغرى وبدا لهُ فلقي نعيم بن مسعود وقد قدم معتمراً فقال له: إني خرجت لموعد محمدٍ وقد بدا لي فالحق بالمدينة وأعلمهم أني في جمع كثير، وضمنوا جعلاً فخرج إلى المدينة والناس يتأهبون لميعاد أبي سفيان فأخبرهم بما أعدَّ أبو سفيان فقالوا: حسبنا الله ونعم الوكيل.
اطفيش
تفسير : {وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً}: نزلت فى شهداء أحد عند الجمهور، لما روى عن أبى صالح عن ابن عباس أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال لأصحابه "حديث : إنه لما أصيب إخوانكم بأحد جعل الله أرواحهم فى جوف طير خضر، ترد أنهار الجنة، وتأكل من ثمارها ويجاوب بعضها بعضاً بصوت رخيم، لم يسمع الخلائق مثله، وتأوى إلى قناديل من ذهب معلقة فى ظل العرش، فلما وجدوا طيب مأكلهم ومشربهم ومقيلهم، قالوا من يبلغ إخواننا عنا إننا أحياء فى الجنة لئلا يزهدوا فى الجنة ولا ينكلوا عن الحرب، يا ليت إخواننا الذين خلقوا من بعدنا علموا مثل علمنا فسارعوا فى مثل الذى سارعنا فيه، فإنا قد لقينا ربنا فرضى عنا وأرضانا فقال الله تعالى: أَنا أبلغهم عنكم ففرحوا واستبشروا، فنزل: {وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا}" تفسير : الآية. وما رُوىَ عَنْ جَابر بن عبد الله الأنصارى أنه قال قتل أبى يوم أحد وترك لى بنات، وروى عيالا، وديناً وفى رواية: حديث : رآنى رسول الله صلى الله عليه وسلم مهتماً حين لقينى، فقال "مالى أراك منكسراً" فقلت: يا رسول الله استشهد أبى يوم أحد فترك عيالا وديناً. فقال لى رسول الله، صلى الله عليه وسلم: "ألا أبشرك يا جابر؟". قلت: بلى يا رسول الله. قال: "إن أباك أصيب بأحد فأحياه الله تعالى وكلمه شفاهاً أى خلق له كلاماً سمعه قال: يا عبد الله سلنى ما شئت. فقال: أسألك أن تعيدنى إلى الدنيا، فأقتل فيك ثانياً، فقال: يا عبد الله قد قضيت أن لا أعيد إلى الدنيا خليقة قبضتها. قال: يا رب فمن يبلغ قومى ما أنا فيه من الكرامة؟ قال الله تعالى - فأنزل الله تعالى هذه الآية {ولا تحسبن}"تفسير : إلخ. وقيل: نزلت فى شهداء بئر مؤتة، على ما يأتى إن شاء الله، وقيل فى شهداء بدر، وكانوا أربعة عشر: ستة من المهاجرين، وثمانية من الأنصار على ما يأتى إن شاء الله فى محله، ولفظ الآية يعم كل شهيد. حديث : قال مسروق: سألنا عبد الله بن عمرو بن العاص عن هذه الآية {وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِم يُرزَقُون}. فقال: أما أنا فقد سألت عن ذلك، النبى صلى الله عليه وسلم فقال: "أرواحهم فى أجواف طير خضر لها قناديل معلقة بالعرش، تسرح فى الجنة حيث شاءت، ثم تأوى إلى تلك القناديل فأطلع عليهم ربهم إطلاعه، فقال: هل تشتهون شيئاً؟ قالوا: أى شىء نشتهى ونحن نسرح فى الجنة فيما شئنا، ففعل بهم ذلك ثلاث مرات، فلما رأوا أنهم لم يتركوا أن يسألوا، قالوا: يا ربنا تردنا فى أجسادنا حتى نقتل فى سبيلك مرة أخرى. فلما رأى أن ليس لهم حاجة، تركوا . تفسير : وذكر هذا الحديث أيضاً ابن مسعود الأنصارى، والذى فى صحيح مسلم أن مسروقاً سأل عبد الله بن مسعود فأجابه بما مر آنفاً، ولعله سأله وسأل عمرو. قال بعض المفسرين: أرواح الشهداء أحياء تركع وتسجد تحت العرش إلى يوم القيامة، وخرج أبو عبد الله الحسين بن الحسن بن حرب صاحب ابن مبارك، فى رقائقه بسنده، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، أن الشهداء فى قباب من حرير فى رياض خضر عندهم حوت وثور، يظل الحوت يسبح فى أنهار الجنة يأكل من كل رائحة فى أنهار الجنة، فإذا أمسى وكزه الثور بقرنه فيذكيه، فيأكلون لحمه، يجدون فى لحمه طعم كل رائحة، ويبيت الثور فى فناء الجنة، فإذا أصبح غدا عليه الحوت فوكزه بذنبه، فيأكلون لحمه فيجدون فى لحمه طعم كل رائحة، ثم يعودون وينظرون إلى منازلهم من الجنة، ويدعون الله عز وجل أن تقوم الساعة، وعن عبد الله بن عمر: حديث : مر رسول الله صلى الله عليه وسلم، حين انصرف من أحد على مصعب بن عمر، وهو مقتول، فوقف عليه ودعا له، ثم قرأ: {من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه} ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أشهد أن هؤلاء شهداء عند الله يوم القيامة فأتوهم وزوروهم وسلموا عليهم، فوالذى نفسى بيده لا يسلم عليهم أحد إلى يوم القيامة إلا ردوا عليه".تفسير : واعلم أن فى بعض الروايات: أرواح الشهداء فى أجواف طير خضر، وفى بعضها: فى حواصل طير خضر، وفى بعضها: أنها تكون طيراً خضراً، فيجمع بين ذلك بأن بعضاً فى أجواف طير، وبعضاً فى حواصلها، أو يراد بالجوف الحوصلة، وبعضاً يصورها الله طيراً، وكذا ورد فى بعض الشهداء أن روحها تكون خارج الجنة، عن كعب بن مالك، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : إنما نسمة المؤمن طائر يعلق فى شجر الجنة، حتى يرجعه الله إلى جسده يوم يبعثه فلفظه يعم كل مؤمن"تفسير : ، وقد قيل بذلك والمشهور أن ذلك فى روح الشهيد ولفظه صريح فى أن النسمة هى الروح، تكون طائراً لافيه، وتعلق بضم اللام: تأكل، وبفتحها: تسرح، وهو والأكثر فى الرواية، قال ابن العربى لا يتعجل الأكل والنعيم لأحد إلا الشهيد فى سبيل الله بإجماع من الأمة، وفى دعوى الإجماع نظر، إذ قيل بتأويل قوله {أحياء} كما يأتى إن شاء الله، وقد قيل بالتعجيل لروح المؤمن مطلقاً بالأكل. قيل فى روح غير الشهداء إنما يملىء عليها قبره خضراً، ويفسح له فيه، فى أرواح غير الشهداء تارة تكون فى الأرض، على أفنية القبور، وتارة فى السماء لا فى الجنة، وقد قيل: تزور قبورها كل جمعة على الدوام، ولذلك يستحب زيارة القبور ليلة الجمعة ويوم الجمعة، ويكره السبت فيما ذكر العلماء، فقد يأتى الإنسان قبر آخر وفيه روحه، وقد يأتيه وليس فيه روحه. قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : ما من أحد يمر بقبر أخيه المسلم كان يعرفه فى الدنيا وروحه فى قبره فسلم عليه إلا عرفه ورد عليه السلام"تفسير : . أى والحال أن روحه فى قبره احتراز عما إذا لم تكن فيه. وعنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : والذى نفسى بيده لو أن رجلا قتل فى سبيل ثم أحيى ثم قتل ثم أحيى ثم قتل وعليه دين ما دخل الجنة حتى يقضى عنه" تفسير : أى فتكون روحه خارج الجنة فإذا قضى دينه دخلت إن كان سعيداً. وعن ابن عباس رضى الله عنهما عن النبى صلى الله عليه وسلم: "حديث : الشهداء على بارق نهر بباب الجنة، يخرج عليهم رزقهم من الجنة بكرة وعشية"تفسير : ولعل الشهداء الذين بباب الجنة من تعلق به حق آدمى كالدين وسائر التبعات، بل يشملها لفظ الدين، وذلك إذا كانت لا يدخل بها النار كتائب لا يجد ما يتخلص به من مال، وكمتدين بلا إسراف، وقيل فى المتدين بلا إسراف: إن مات شهيداً لم تحبس روحه عن الجنة، وأحوال الشهداء طبقات ومنازل مختلفة يجمعها أنهم يرزقون. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : لشهيد البحر مثل شهيد البر والمائد فى البحر كالمتسخط فى دمه فى البر، وما بين الموجتين كقطع الدنيا فى طاعة الله عز وجل، وأن الله وكل ملك الموت يقض الأرواح إلا شهيد البحر، فإنه يتولى قبض روحه"تفسير : . والمراد شهيد البحر: من غرق فيه سائراً للجهاد أو لطاعة، ويروى: يغفر لشهيد البر الذنوب كلها إلا الدين، ولشهيد البحر الذنوب كلها والدين، وذلك أن الله يرضى خصمه كما يرضى خصم من لم يترك وفاء ولم يسرف، أو تاب ولا بد من نية الخلاص، قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : من أخذ أموال الناس يريد أداءها، أدى الله عنه، ومن أخذها يريد إتلافها أتلفه الله"تفسير : . قال أبو بكر الصديق قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن الله يدعو صاحب الدين يوم القيامة فيقول: يا ابن آدم فيم ضيعت حقوق الناس؟ فيم أذهبت أموالهم؟ فيقول: يا رب لم أفسده ولكن أصبت إما غرقاً أو إما حرقاً، فيقول عز وجل أنا أحق من قضى عنك اليوم، فترجح حسناته على سيئاته، فيؤمر به إلى الجنة" تفسير : وعن بعض العلماء: أرواح المؤمنين كلهم، فى جنة المأوى، وسمعت لأنها تأوى إليها أرواح المؤمنين وهى تحت العرش، يتنعمون بنعيمها، ويتنسمون بطيب ريحها، وهى فى الجنة تسرح وتأوى إلى قناديل من نور تحت العرش، وعلى نحو هذا التنعيم يكون اختصاص الشهداء، بأن لهم ذلك بلا تقدم، كذا فى العبادة لكن لا إصرار لهم. وعن عبد الله بن عمرو: أن أرواح المؤمنين فى طير كالزرازير يتعارفون ويرزقون من الجنة، وعنه: أن أرواح المؤمنين صور طير بيض فى ظل العرش، لعل مراد الأحاديث والصحابة بالمؤمنين: المؤمنين الشهداء. كما روى عبد الله بن أبى يزيد عن ابن عباس: أرواح المؤمنين الشهداء تحول فى طير خضر، أى تصور بصورة طير، وعن كعب ابن مالك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أرواح المؤمنين الشهداء طير خضر تعلق فى شجر الجنة"تفسير : ، ورجح العلماء أحاديث أنها تكون طيراً، على أحاديث أنها فى أجواف الطير، أو حواصلها، وأنكر العلماء فيما قال القابسى: رواية أنها فى حواصل طير، لأنها تكون مضيقة فى الحواصل وهو مشكل، لأن الحكم هنا له بخلافه هنا، كذا الجوف، ولا سيما أنه يحتمل أن فى بمعنى على، كأنه قيل: على حواصلها، أو على بطنها من فوق. أى على ظهرها. وقال شبيب بن إبراهيم: من الأرواح ما هو طائر يعلق من شجر الجنة، ومنها ما هو فى حواصل طير خضر، ومنها ما يأوى فى حواصل طير كالزرازير، ومنها ما هو فى أشخاص صور من صور الجنة، ومنها ما هو فى صور تخلق لهم من ثواب عملهم، ومنها ما يسرح ويتردد إلى جثتها تزورها، ومنها ما يتلقى أرواح المقبوضين، ومن وجه آخر ما يكون فى كفالة ميكائيل، ومنها ما فى كفالة آدم، ومنها ما فى كفالة إبراهيم عليه السلام، وهذا جمع بين أخبار، وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : ينعم الله أرواح الشهداء فى الجنة إلى يوم القيامة، فيرد الله أجسادها، فيدخل الجسد والروح فيه الجنة، واختلفوا فى أرواح الشهداء، هل تفنى بقيام الساعة؟ ثم تعود؟ قيل نعم، وقيل لا تفنى، ولا يخفى أن لكل أحد روحاً يختص به فإما أن يصور روح الشهيد بصورة طير، أو يجعل فى طير وقد مر تأويل جعله فى طير، قلت: وعلى صحة ظاهره بلا تأويل فما هو إلا شىء أودعه الله خيراً، وحياة الطير بروح أخرى مختصة به، والروح المودعة فيه تنعم، فلبس ذلك إثباتاً لتناسخ الأرواح، وكذلك أرواح الكفار تعذب، وكذلك أرواح سائر المؤمنين تنعم، ولا سيما أن الروح جسم لطيف"تفسير : . وقيل: المنعم والمعذب جزء من الجسد، ترد فيه الروح، ولا مانع من أن يصور ذلك الجزء بصورة طائر، أو يودع فى الطائر، أو يجعل فى سجين ولا إشكال فى أن الروح تاكل وتشرب لأنها جسم وقد رجح بعضهم، أن الروح يرجع إلى الجسد فيأكل الجسد لقوله تعالى: {يرزقون} وإن الشهيد لا يبلى فى قبره، وصاحب هذا القول يرد عليه الأحاديث الثابتة فى أن أرواحهم ترعى فى الجنة، أو فى باب الجنة. والحديث يفسر القرآن، وزعم بعض أن معنى الحياة والرزق فى الآية أن أجسادهم ستحيى يوم القيامة ويرزقون وكأنهم أحياء الآن لتحقق الحياة بعد ودنوها، وزعم بعض أن حياتهم بالذكر والدين، كما يقال الكافر والجاهل أنه ميت والقائلان بالقولين يقولان الروح عرض، أو ريح، والحق أن أرواحهم أحياء فى الجنة، أو ببابها، وأن أجسادهم تارة يرجع إليها الروح، وتارة يخرج، وكذا المؤمنون، فهم أحياء فى قبورهم يتنعمون، إذا رجعت إليهم، وإذا لم ترجع تنعمت مجردة فى الجنة، فإن الكفار تعذب فى قبورها، فأولى أن ينعم المؤمن، فإن جانب الرحمة أرجح، قال الله عز وجل:{أية : أغرقوا فادخلوا ناراً}تفسير : وانظر هل تموت الروح إذا مات الجسد ثم تحيا إلى قيام الساعة، قيل نعم، وقيل تخرج من الجسد حية، فتبقى حية إلى قيام الساعة"، وقال بعض العلماء: يحيى الله أجساد الشهداء، فتصعد إلى فوق السماوات، وإلى قناديل تحت العرش، ويوصل إليها أنواع الخير، وقيل: تترك فى الأرض حية ويوصل إليها النعيم، وما مر فى الأحاديث أولى، ثم أنه لا مانع أن يكون جسم مخصوص سارياً فى جسد الإنسان سريان النار فى الفحم، والدهن فى السمسم، وماء الورد فى الورد، إذا مات الإنسان انفصل عنه، وهو حى بروح الإنسان وهو نفس الروح فهو يتنعم فى الجنة أو حيث شاء الله إلى أن تقوم الساعة، فيرد الله أجزاء الإنسان، فيسرى فيها فيكون حيا فيدخل الجنة وإن أكل السبع أو غيره جسد الحى، أو تفتت على وجه الأرض، فذلك الجسم المخصوص السارى يتنعم الروح مع، أو الروح وحده، ثم يرد الله ذلك الجسد يوم القيامة، ويرد إليه الروح، والخطاب فى قوله تعالى: {ولا تحسبن} لرسول الله صلى الله عليه وسلم أو الكل من يصلح أن يحسن الدين، قتلوا فى سبيل الله أمواتاً، والذين مفعول أول، وأمواتاً مفعول ثان، وقرئ: ولا يحسبن بالتحتية، والفاعل ضمير مستتر عائد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو الحاسب، والمفعولان: الذين، وأمواتاً أيضاً. ويجوز أن يكون الفاعل {الذين}، والمفعول الأول محذوف، والثانى أمواتاً، أى: ولا تحسبن الذين قتلوا فى سبيل الله أنفسهم أمواتاً، وإنما حذف مع أنه عمدة لدلالة المقام عليه، إذا فرضت {الذين} فاعلا، وإنما قلت عمدة لأنه فى الأصل مبتدأ. وقرأ ابن عامر: بتشديد تاء {قتلوا} للمبالغة، أى كثر قتلهم، أى لا تحسبن للمقتولين، وهم كثير أمواتاً والقليل والكثير فى ذلك سواء. {بَلْ أَحْيَاءٌ}: أى بل هم أحياء، محذوف المبتدأ، وقرئ بالنصب على أنه مفعول ثان لفعل أمر فى الحساب محذوف مع مفعوله الأول، أى: بل أحسبهم أحياء. {عِنْدَ رَبِّهِمْ}: متعلق بأحياء أو بمحذوف، حال من المستتر فى أحياء أو نعت للأحياء على القول لجواز نعت الصفة، أو خبر ثان، والأول أحياء ومبتدؤهما محذوف، أى: هم أحياء عند ربهم، وعند لمكان الحضور، والله سبحانه وتعالى منزه عن الحلول، فمعنى العندية التكريم، والتعظيم، أو الحكم، أى: أحياء فى حكم الله ويجوز تعليقه بيرزقن بعده، أو بمحذوف حال من واو يرزقون، وقوله: {يُرْزَقُونَ}: خبر آخر المبتدأ المقدر قبل أحياء، أو حال من ضمير أحياء، أو نعت لأحياء، أو حال من المستتر فى {عند} إذ علقنا {عند} بمحذوف حال، أو نعت أو خبر، والمعنى: يرزقون من الجنة أو فى الجنة.
اطفيش
تفسير : {وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِى سَبِيلِ اللهِ} من شهداء أحد وكذا مثلهم {أَمْوَأتاً} نزلت فى شهداء بدر وأحد، وإن تأخرت الآية عن أحد ففيهما، والخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، أو كل من يصلح له،أو لمن قالوا: لو أطاعونا، ورجحوا أنها نزلت فى شهداء أحد، وأما شهداء بدر فنزل فيهم: {أية : ولا تقولوا لمن يقتل فى سبيل الله..} تفسير : [البقرة: 154] الآية، لما وجدوا طيب مأكلهم ومشربهم بأرواحهم فى أجواف طير خضر فى قناديل ذهب، معلقة تحت العرش، قالوا: من يبلغ عنا إخواننا أننا أحياء فى الجنة ليرغبوا فى الجهاد، فقال الله عز وجل: أنا أبلغهم عنكم فأنزل، {ولا تحسبن الذين قتلوا فى سبيل الله أمواتا}، قال جابر بن عبد الله: قتل أبى قى أحد عن بنات وديون، فقال صلى الله عليه وسلم بعدما رأى أنكسارى وأخبرته، أَحياه الله، وقال: يا عبد الله، سلنى ما شئت: فقال: أعدنى للدنيا فأقتل فيها ثانيا فقال: يا عبدى، قضيت ألا أعيد إلى الدنيا من مات، وكلم الله الشهداء من وراء حجاب، أى بواسطة الملائكة، وكلم أباك كفاحا، أى خلق الله له كلاما حيث شاء فسمعه، قال: فمن يبلغ ما أنا فيه من الكرامة، قال: أنا، فأنزل الآية، وروى ابن إسحق عن أنس أنها فى أهل بئر معونة رضى الله عنهم، وأنه أنزل الله عز وجل فيهم قرآنا يتلى، أبلغوا عنا قومنا، أنا قد لقينا ربنا فرضى عنا، ورضينا عنه، ثم نسخ {بَلْ أَحْيَآءٌ} هم أحياء {عِندَ رَبِّهِمْ} لا أموات عنده، أى حيوا عنده، أو ثابتون عنده، أو ذوو زلفى عنده، فالقرب قرب تكريم، أو يتعلق بقوله {يُرْزِقُونَ} من ثمار الجنة ولحمها وسائر طعامها، كما يرزقون منها ذلك إذا بعثوا ودخلوها، وكما يعذب الكفار قبل يوم القيامة وبعد البعث يعرضون عليها غدوَّا وعشيَّا، أغرقوا فأدخلوها ناراً، أو تعجيل الرحمة لأهلها أحق من تعجيل العذاب لأهله، فليس كما قيل يرزقون إذا دخلوها يوم القيامة، بل من الآن، فقيل: تتنعم أرواحهم فى أجواف طير خضر، ترد أنهار الجنة وتأكل من ثمارها، وتسرح فى الجنة حيث شاءت، وتأوى إلى قناديل من ذهب تحت العرش، جاء الحديث بذلك، فقد يفسر به فقط ما ذكر فى الآية، وإذا جاء يوم البعث ردت إلى نفس أجسادها فى الدنيا، بأن يجمع نفس ما تلف من الأجساد، وهكذا شأن البعث، ولا تقل بجسد غير هذا فتزِلَّ، ثم إنه قد يصل الجسد نفسه إلى داخل الجنة فتكون فيه الروح، وقد يوصل إليه الخير من الجنة إلى قبره وهو حى وماتفتت، فالتنعم بالروح فقط، ولو كان المراد بالحياة مطلق السعادة كما يقال فلان حى ولو مات، وفى الجاهل ميت ولو حى، كما قيل، أو لقرب وقت البعث والجنة، أو تحققهما، لم يقل يرزقون فهذا مناف للآية والأحاديث ودعوى أن يرزقون وما بعده ترشيح تكلف لو ادعاها مدَّع، والجملة خبر آخر مع أحياء، أو نعت لأحياء، أو حال من ضمير أحياء، أو من الضمير فى عند إذا جعلنا عند متعلقا بمحذوف خبر، أو حال، أو نعت.
الالوسي
تفسير : {وَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ قُتِلُواْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ أَمْوٰتاً } أخرج الإمام أحمد وجماعة عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لما أصيب إخوانكم بأحد جعل الله تعالى أرواحهم في أجواف طير خضر ترد أنهار الجنة وتأكل من ثمارها وتأوي إلى قناديل من ذهب معلقة في ظل العرش فلما وجدوا طيب مأكلهم ومشربهم وحسن مقيلهم قالوا: يا ليت إخواننا يعلمون ما صنع الله تعالى لنا» تفسير : وفي لفظ «حديث : قالوا من يبلغ إخواننا أننا أحياء في الجنة نرزق لئلا يزهدوا في الجهاد ولا ينكلوا عن الحرب فقال الله تعالى أنا أبلغهم عنكم تفسير : فأنزل هؤلاء الآيات. وأخرج الترمذي وحسنه. والحاكم وصححه، وغيرهما عن جابر بن عبد الله قال: لقيني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «حديث : يا جابر مالي أراك منكسراً فقلت يا رسول الله استشهد أبـي وترك عيالاً وديناً فقال: ألا أبشرك بما لقي الله تعالى به أباك؟ قلت: بلى قال: ما كلم الله تعالى أحداً قط إلا من وراء حجاب وأحيا أباك فكلمه كفاحاً وقال: يا عبدي تمن عليَّ أعطك قال: يا رب تحييني فأقتل فيك ثانية قال الرب تعالى: قد سبق مني أنهم لا يرجعون قال: أي ربـي فأبلغ من ورائي فأنزل الله تعالى هذه الآية» تفسير : ولا تنافي بين الروايتين لجواز أن يكون كلا الأمرين قد وقع، وأنزل الله تعالى الآية لهما والأخبار متضافرة على نزولها في شهداء أحد، وفي رواية ابن المنذر عن إسحق ابن أبـي طلحة قال: حدثني أنس في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين أرسلهم النبـي عليه الصلاة والسلام إلى بئر معونة وساق الحديث بطوله ـ إلى أن قال ـ وحدثني أن الله تعالى أنزل فيهم قرآنا بلغوا عنا قومنا أنا قد لقينا ربنا فرضي عنا ورضينا عنه ثم نسخت فرفعت بعد ما قرأناه زماناً، فأنزل الله تعالى: {وَلاَ تَحْسَبَنَّ } الخ. ومن هنا قيل: إن الآية نزلت فيهم، وأنت تعلم أن الخبر ليس نصاً في ذلك، وزعم بعضهم أنها نزلت في شهداء بدر، وادعى العلامة السيوطي أن ذلك غلط، وأن آية البقرة هي النازلة فيهم، وهي كلام مستأنف مسوق إثر بيان أن الحذر لا يسمن ولا يغني لبيان أن القتل الذي يحذرونه ويحذرون منه ليس مما يحذر بل هو من أجل المطالب التي يتنافس فيها المتنافسون، والخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم أو لكل من يقف على الخطاب مطلقاً. وقيل: من المنافقين الذين قالوا: {أية : لإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُواْ لَوْ أَطَاعُونَا}تفسير : [آل عمران: 168] وإنما عبر عن اعتقادهم بالظن لعدم الاعتداد به، وقرىء ـ يحسبن ـ بالياء التحتانية على الإسناد إلى ضمير النبـي صلى الله عليه وسلم، أو ضمير من يحسب على طرز ما ذكر في الخطاب، وقيل: إلى الذين قتلوا والمفعول الأول محذوف لأنه في الأصل مبتدأ جائز الحذف عند القرينة أي ـ ولا يحسبن الذين قتلوا أنفسهم أمواتاً ـ. واعترضه أبو حيان ((بأنه إنما يتمشى على رأي الجمهور فإنهم يجوزون هذا الحذف لكنه عندهم عزيز جداً، ومنعه إبراهيم بن ملكون الأشبيلي البتة، وما كان [بهذه المثابة] ممنوعاً عند بعضهم عزيزاً [حذفه] عند الجمهور ينبغي أن لا يحمل عليه كلام الله تعالى))، وفيه أن هذا من باب التعصب لأن حذف أحد المفعولين في باب الحسبان لا يمنع اختصاراً / على الصحيح بل اقتصاراً، و {مَا } هنا من الأول فيجوز مع أنه جوز الاقتصار بعضهم ويكفي للتخريج مثله. وذكر العلامة الطيبـي أن حذف أحد المفعولين في هذا الباب مذهب الأخفش، وظاهر صنيع البعض يفهم منه تقديره مضمراً أي ولا يحسبنهم الذين قتلوا، والمراد لا يحسبن أنفسهم، واعترضه أبو حيان بشيء آخر أيضاً، وهو ((أن فيه تقديم المضمر على مفسره وهو محصور في أماكن [لا تتعدى] ليس هذا منها))، ورده السفاقسي بأنه وإن لم يكن هذا منها لكن عود الضمير على الفاعل لفظاً جائز لأنه مقدم معنى وتعدي أفعال القلوب إلى ضمير الفاعل جائز، وقد ظن السيرافي وغيره على جواز ظنه زيد منطلقاً وظنهما الزيدان منطلقين، وهذا نظيره ما ذكره هذا البعض، فالاعتراض عليه في غاية الغرابة، ثم المراد من توجيه النهي إلى المقتولين تنبيه السامعين على أنهم أحقاء بأن يتسلوا بذلك، ويبشروا بالحياة الأبدية والنعيم المقيم لكن لا في جميع أوقاتهم بل عند ابتداء القتل إذ بعد تبين حالهم لهم لا تبقى لاعتبار تسليتهم وتبشيرهم فائدة ولا لتنبيه السامعين وتذكيرهم وجه قاله شيخ الإسلام. وقيل: هو نهي في معنى النفي وقد ورد ذلك وإن قل، أو هو نهي عن حسبانهم أنفسهم أمواتاً في وقت مّا وإن كانوا وقت الخطاب عالمين بحياتهم، وقرىء {وَلاَ تَحْسَبَنَّ } بكسر السين، وقرأ ابن عامر {قُـتِّلُواْ } بالتشديد لكثرة المقتولين. {بَلْ أَحْيَآءٌ } أي بل هم أحياء مستمرون على ذلك، وقرىء بالنصب، وخرجه الزجاج على أنه مفعول لمحذوف أي بل أحسبهم أحياء، ورده الفارسي بأن الأمر يقين فلا يؤمر فيه بحسبان وإضمار غير فعل الحسبان كأعتقدهم أو أجعلهم ضعيف إذ لا دلالة عليه على أن تقدير اجعلهم قال فيه أبو حيان: إنه لا يصح البتة سواء جعلته بمعنى أخلقهم أو صيرهم أو سمهم أو ألفهم، نعم قال السفاقسي: يصح إذا كان بمعنى اعتقدهم لكن يبقى حديث عدم الدلالة على حاله، وأجاب الجلبـي بأن عدم الدلالة اللفظية مسلم لكن إذا أرشد المعنى إلى شيء قدر من غير ضعف وإن كانت دلالة اللفظ أحسن، وقال العلامة الثاني: لا منع من الأمر بالحسبان لأنه ظن لا شك والتكليف بالظن واقع لقوله تعالى: {أية : فَٱعْتَبِرُواْ يٰأُوْلِي ٱلأَبْصَارِ} تفسير : [الحشر: 2] أمراً بالقياس وتحصيل الظن، وقال بعضهم: المراد اليقين ويقدر أحسبهم للمشاكلة ولا يخفى أنه تعسف لأن الحذف في المشاكلة لم يعهد. {عِندَ رَبّهِمْ } في محل رفع على أنه خبر ثان للمبتدأ المقدر، أو صفة لأحياء، أو في محل نصب على أنه حال من الضمير في أحياء وجوز أبو البقاء كونه ظرفاً له أو للفعل الذي بعده، وعند هنا ليست للقرب المكاني لاستحالته ولا بمعنى في علمه وحكمه كما تقول: هذا عند أبـي حنيفة رضي الله تعالى عنه كذا لعدم مناسبته للمقام بل بمعنى القرب والشرف أي ذوو زلفى ورتبة سامية، وزعم بعضهم أن معنى في علم الله تعالى مناسب للمقام لدلالته على التحقق أي إن حياتهم متحققة لا شبهة فيها ولا يخفى أن المقام مقام مدح فتفسير العندية بالقرب أنسب به. وفي الكلام دلالة على التحقق من وجوه أخر وفي التعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضميرهم مزيد تكرمة لهم. {يُرْزَقُونَ } صفة لأحياء، أو حال من الضمير فيه أو في الظرف وفيه تأكيد لكونهم أحياء وقد تقدم الكلام في حياتهم على أتم وجه، والقول بأن أرواحهم تتعلق بالأفلاك والكواكب فتلتذ بذلك وتكتسب زيادة كمال قول هابط إلى الثرى، ولا أظن القائل به قرع سمعه الروايات الصحيحة والأخبار الصريحة بل لم يذق طعم الشريعة الغراء ولا تراءى له منهج المحجة البيضاء وخبر القناديل لا ينور كلامه ولا يزيل ظلامه / فلعمري إن حال الشهداء وحياتهم وراء ذلك.
ابن عاشور
تفسير : قوله: {ولا تحسبن} عطف على {أية : قل فادرءوا عن أنفسكم الموت}تفسير : [آل عمران: 168]، فلمّا أمر الله نبيئه أن يجيبهم بما فيه تبكيتهم على طريقة إرخاء العِنان لهم في ظنّهم أنّ الذين قتلوا من إخوانهم قد ذهبوا سُدًى، فقيل لهم: إنّ الموت لا مفرّ منه على كل حال، أعرض بعد ذلك عن خطابهم لقلّة أهليتهم، وأقبل على خطاب من يستأهل المعرفة، فقال: {ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً} وهو إبطال لما تلهّف منه المنافقون على إضاعة قتلاهم. والخطاب يجوز أن يكون للنبي صلى الله عليه وسلم تعليماً له، وليُعلِّم المسلمين، ويجوز أن يكون جارياً على طريقة العرب في عدم إرادة مخاطب معيّن. والحسبان: الظنّ فهو نهي عن أن يظنّ أنّهم أموات وبالأحرى يكون نهياً عن الجزم بأنَّهم أموات. وقرأ الجمهور: الذين قُتِلوا ـــ بتخفيف التاء ـــ وقرأه ابن عامر ـــ بتشديد التاء ـــ أي قُتِّلوا قتلاً كثيراً. وقوله: {بل أحياء} للإضراب عن قوله: {ولا تحسبن الذين قتلوا} فلذلك كان ما بعدها جملة غير مفرد، لأنّها أضربت عن حكم الجملة ولم تُضرب عن مفردٍ من الجملة، فالوجه في الجملة التي بعدها أن تكون اسمية من المبتدأ المحذوف والخبر الظاهر، فالتقدير: بل هم أحياء، ولذلك قرأه السبعة ـــ بالرفع ـــ، وقرىء ـــ بالنصب ـــ على أنّ الجملة فعلية، والمعنى: بل أحسبتم أحياء، وأنكرها أبو علي الفارسي. وقد أثبت القرآن للمجاهدين موتاً ظاهراً بقوله: {قتلوا}، ونفي عنهم الموت الحقيقي بقوله: {بل أحياء عند ربهم يرزقون} فعلِمنا أنّهم وإن كانوا أموات الأجسام فهم أحياء الأرواح، حياة زائدة على حقيقة بقاء الأرواح، غير مضمحلّة، بل هي حياة بمعنى تحقّق آثار الحياة لأرواحهم من حصول اللذات والمدركات السارّة لأنفسهم، ومسرّتهم بإخوانهم، ولذلك كان قوله: {عند ربهم} دليلاً على أنّ حياتهم حياة خاصّة بهم، ليست هي الحياة المتعارفة في هذا العالم، أعني حياة الأجسام وجريان الدم في العروق، ونبضات القلب، ولا هي حياة الأرواح الثابتة لأرواح جميع الناس، وكذلك الرزق يجب أن يكون ملائماً لحياة الأرواح وهو رزق النعيم في الجنّة. فإن علّقنا {عند ربهم} بقوله: أحياء كما هو الظاهر، فالأمر ظاهر، وإن علقناه بقوله: {يرزقون} فكذلك، لأنّ هذه الحياة لمّا كان الرزق الناشىء عنها كائناً عند الله، كانت حياة غير مادّية ولا دنيويَّة، وحينئذ فتقديم الظرف للاهتمام بكينونة هذا الرزق. وقولُه: {فرحين} حال من ضمير {يرزقون}. والاستبشار: حصول البشارة، فالسين والتاء فيه كما هما في قوله تعالى: {أية : واستغنى اللَّه}تفسير : [التغابن: 6] وقد جمع اللَّهُ لهم بين المسرّة بأنفسهم والمسرّة بمن بقي من إخوانهم، لأنّ في بقائهم نكاية لأعدائهم، وهم مع حصول فضل الشهادة لهم على أيدي الأعداء يتمنّون هلاك أعدائهم، لأنّ في هلاكهم تحقيق أمنية أخرى لهم وهي أمنية نصر الدين. فالمراد {بالذين لم يلحقوا بهم} رفقاؤهم الذين كانوا يجاهدون معهم، ومعنى لم يلحقوا بهم لم يستشهدوا فيصيروا إلى الحياة الآخرة. و{من خلفهم} تمثيل بمعنى من بعدهم، والتقدير: ويستبشرون بالذين لم يصيروا إلى الدار الآخرة مِن رفاقهم بأَمْنِهم وانتفاءِ ما يُحْزنهم. وقوله: {ألا خوف عليهم} بدل اشتمال، و(لا) عاملة عمل ليس ومفيدة معناها، ولم يُبن اسم (لا) على الفتح هنا لظهور أنّ المقصود نفي الجنس ولا احتمال لنفي الوحدة فلا حاجة لبناء النكرة على الفتح، وهو كقول إحدى نساء حديث أمّ زرع: «حديث : زوجي كلَيْلِ تِهَامَة، لا حرٌّ ولا قرّ ولا مخافة ولا سَآمَهْ»تفسير : برفع الأسماء النكرات الثلاثة. وفي هذا دلالة على أنّ أرواح هؤلاء الشهداء مُنحت الكشفَ على ما يسرّها من أحوال الذين يهمّهم شأنهم في الدنيا. وأنّ هذا الكشف ثابت لجميع الشهداء في سبيل الله، وقد يكون خاصّاً الأحوال السارّة لأنّها لذّة لها. وقد يكون عامّاً لِجميع الأحوال لأنّ لذّة الأرواح تحصل بالمعرفة، على أنّ الإمام الرازي حَصَر اللذّة الحقيقية في المعارف. وهي لذّة الحكماء بمعرفة حقائق الأشياء، ولو كانت سيئة. وفي الآية بشارة لأصحاب أُحُد بأنّهم لا تلحقهم نكبة بعد ذلك اليوم. وضمير {يستبشرون بنعمة من الله} يجوز أن يعود إلى الذين لم يلحقوا بهم فتكون الجملة حالاً من الذين لم يلحقوا بهم أي لا خوف عليهم ولا حزن فهم مستبشرون بنعمة من الله، ويحتمل أن يكون تكريراً لقوله: {ويستبشرون بالذين لم يلحقوا} والضمير لـ{الذين قُتِلوا في سبيل الله}، وفائدة التكرير تحقيق معنى البشارة كقوله: {أية : ربنا هؤلاء الذين أغوينا أغويناهم كما غوينا}تفسير : [القصص: 63] فكرّر أغويناهم، ولأنّ هذا استبشار منه عائد لأنفسهم، ومنه عائد لرفاقهم الذين استجابوا لله من بعد القرح، والأولى عائدة لإخوانهم. والنعمة: هي ما يكون به صلاح، والفضل: الزيادة في النعمة. وقوله: {وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين} قرأه الجمهور ـــ بفتح همزة (أنّ) ـــ على أنه عطف على {نعمةٍ من الله وفضلٍ}، والمقصود من ذلك تفخيم ما حصل لهم من الاستبشار وانشراح الأنفس بأنْ جمع الله لهم المسرّة الجثمانية الجزئية والمسرّة العقليّة الكلية، فإنّ إدراك الحقائق الكلية لذّة روحانية عظيمة لشرف الحقائق الكلية وشرف العلم بها، وحصول المسرّة للنفس من انكشافها لها وإدراكها، أي استبشروا بأنّ عَلِموا حقيقة كليّة وسرّاً جليلاً من أسرار العِلم بصفات الله وكمالاته، التي تعمّ آثارها، أهل الكمال كلَّهم، فتشمل الذين أدركوها وغيرهم، ولولا هذا المعنى الجليل لم يكن داع إلى زيادة {وأن الله لا يضيع أجرالمؤمنين} إذ لم يحصل بزيادته زيادةُ نعمة وفضل للمستبشرين مِن جنس النعمة والفضل الأولين، بل حصلت نعمة وفضل آخران. وقرأه الكسائي ـــ بكسر همزة (إنّ) ـــ على أنه عطف على جملة {يستبشرون} في معنى التذييل فهو غير داخل فيما استبشر به الشهداء. ويجوز أن تكون الجملة على هذا الوجه ابتداء كلام، فتكون الواو للاستئناف. وجملة {الذين استجابوا لله والرسول} صفة للمؤمنين أو مبتدأ خبره {للذين أحسنوا منهم واتقوا أجر عظيم} وهذه الاستجابة تشير إلى ما وقع إثر أُحُد من الأرجاف بأنّ المشركين، بعد أن بلغوا الرّوحاء، خطر لهم أنْ لو لحقوا المسلمين فاستأصلوهم. وقد مرّ ذكر هذا وما وقع لمعبد بن أبي معبد الخزاعي عند قوله تعالى: {أية : يأيها الذين ءامنوا إن تطيعوا الذين كفروا يردوكم على أعقابكم}تفسير : [آل عمران: 149]. وقد تقدّم القول في القرح عند قوله: {أية : إن يمسسكم قرح}تفسير : [آل عمران: 140]. والظاهر أنَّه هنا للقرح المجازي، ولذلك لم يجمع فيقال القروح.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {وَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أَمْوَاتاً} الآية. نهى الله تبارك وتعالى في هذه الآية عن ظن الموت بالشهداء، وصرح بأنهم أحياء عند ربهم يرزقون، وأنهم فرحون بما آتاهم الله من فضله، يستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون. ولم يبين هنا هل حياتهم هذه في البرزخ يدرك أهل الدنيا حقيقتها أو لا؟ ولكنه بين في سورة البقرة أنهم لا يدركونها بقوله: {أية : وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبيلِ ٱللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِن لاَّ تَشْعُرُون} تفسير : [البقرة: 154] لأن نفي الشعور يدل على نفي الإدراك من باب أولى كما هو ظاهر.
الواحدي
تفسير : {ولا تحسبنَّ الذين قتلوا في سبيل الله} يعني: شهداء أُحدٍ {أمواتاً بل أحياء} بل هم أحياءٌ {عند ربهم} في دار كرامته؛ لأنَّ أرواحهم في أجواف طيرٍ خضرٍ. {يرزقون} يأكلون. {فرحين} مسرورين {بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم} ويفرحون بإخوانهم الذين فارقوهم يرجون لهم الشَّهادة، فينالون مثلَ ما نالوا {ألاَّ خوفٌ عليهم} أَيْ: بأن لا خوفٌ عليهم. يعني: على إخوانهم المؤمنين إذا لحقوا بهم. {الذين استجابوا لله والرسول} أجابوهما {من بعد ما أصابهم القرح} أَيْ: الجراحات {للذين أحسنوا منهم} بطاعة الرَّسول واتَّقوا مخالفته {أجر عظيم} نزلت في الذين أطاعوا الرَّسول حين ندبهم للخروج في طلب أبي سفيان يوم أُحدٍ لمَّا همَّ أبو سفيان بالانصراف إلى محمَّدٍ عليه السَّلام وأصحابه ليستأصلوهم.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: ولا تحسبن: ولا تظنن. قتلوا: استشهدوا. أحياء: يُحسون ويتنعمون في نعيم الجنة بالطعام والشراب. فرحين: مسرورين. لا خوف عليهم: لما وجدوا من الأمن التام عن ربهم. ولا هم يحزنون: على ما خلفوا وراءهم في الدنيا لما نالهم من كرامة في الجنة. يستبشرون: يفرحون وفضل: وزيادة. معنى الآيات: ما زال السياق في الحديث عن غزوة أحد فقال تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم: {وَلاَ تَحْسَبَنَّ} أي لا تظنن الذين استشهدوا من المؤمنين في أحد وغيرها أمواتاً لا يحسون ولا يتنعمون بطيب الرزق ولذيذ العيش بل هم أحياء عند ربهم يرزقون أرواحهم في حواصل طير خضر يأكلون من ثمار الجنة ويأوون إلى قناديل معلقة بالعرش. إنهم فرحون بما أكرمهم الله تعالى به، ويستبشرون بإخوانهم المؤمنين الذين خلفوهم في الدنيا على الإِيمان والجهاد بأنهم إذا لحقوا بهم لم يخافوا ولم يحزنوا لأجل ما يصيرون إليه من نعيم الجنة وكرامة الله تعالى لهم فيها. إن الشهداء جميعا مستبشرون فرحون بما ينعم الله عليهم ويزيدهم وبأنه تعالى لا يضيع أجر المؤمنين شهداء وغير شهداء بل يوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- الشهداء أحياء والمؤمنون أحياء في الجنة غير أن حياة الشهداء أكمل. 2- الشهداء يستبشرون بالمؤمنين الذين خلفوهم على الإِيمان والجهاد بأنهم إذا لحقوا بهم نالهم من الكرامة والنعيم ما نالهم هم قبلهم. 3- لا خوف ينال المؤمن الصالح إذا مات ولا حزن يصيبه.
القطان
تفسير : هنا يشرح الله حقيقةً من أعظم الحقائق التي تبشّر المؤمنين وتحفزهم على الجهاد في سبيل الله، وهي ان الذين قُتلوا في سبيل الله ليسوا أمواتاً بل هم أحياء عند ربهم في عالم آخر غير هذا العالم، قد شرّفهم ربهم في تلك الحياة وأكرمهم بها. وهي حياة غيبية لا ندركها نحن، يُرزقون فيها رزقاً طيبا يعلمه الله، وتتألق وجوههم من السرور بما أعطاهم، كما يستبشرون بخلاص اخوانهم الذين تركوهم في الدنيا مقيمين على منهج الايمان والجهاد، وانه لا خوف عليهم من مكروه ولا هم يحزنون لفوات محبوب. إنهم يستبشرون بنعمة الله فتتألق وجوههم بالبشر والسرور بما أعطاهم ربهم من نعمة الشهادة ونعيم الجنة وعظيم الكرامة، انه لا يضيع أجر المؤمنين جميعا. قراءات: قرأ ابن عامر: {وَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ قُتِلُواْ} بتشديد التاء مع الكسرة.
د. أسعد حومد
تفسير : {أَمْوَاتاً} (169) - يُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى عَنِ الشُّهَدَاءِ بِأنَّهُمْ قُتِلُوا فِي هَذِهِ الدَّارِ، وَلَكِنَّ أرْوَاحَهُمْ حَيَّةٌ تُرْزَقُ عِنْدَ اللهِ. وَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: حديث : مَا مِنْ نَفْسٍ تَمُوتُ، لَهَا عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ، يَسُرُّهَا أنْ تَرْجِعَ إلى الدُّنْيا إلاَّ الشَّهِيدُ، فَإنَّهُ يَسُرُّهُ أنْ يَرْجِعَ إلى الدُّنيا فَيُقْتَلَ مَرَّةً أُخْرَى مِمَّا يَرَى مِنْ فَضْلِ الشَّهَادَةِ ". تفسير : وَيَقُولُ اللهُ تَعَالَى لِلْمُؤْمِنينَ: عَلَيهِمْ ألاَّ يَنْخَدِعُوا بِمَا يَقُولُهُ المُنَافِقُونَ، وَمَا يَفْعَلُونَهُ، فَهُمْ يُؤْثِرُونَ الحَيَاةَ الدُّنيا عَلَى الآخِرَةِ، لارْتِيَابِهِمْ فِي البَعْثِ وَالحِسَابِ فِي الآخِرَةِ، فَالشُّهَدَاءُ أحْيَاءٌ يُرْزَقُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ رِزْقاً حَسَناً يَعْلَمُهُ هُوَ.
الثعلبي
تفسير : {وَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أَمْوَاتاً} الآية. قال بعضهم: نزلت هذه الآية في شهداء بدر، وكانوا أربعة عشر رجلاً، ثمانية من الأنصار وستة من المهاجرين، وقال آخرون: نزلت في شهداء أُحد، وكانوا سبعين رجلاً، أربعة من المهاجرين، حمزة بن عبد المطلب ومصعب بن عمير وعثمان بن شماس وعبد الله بن جحش وسائرهم من الأنصار. وروى ابن الزبير وعطاء بن أبي رباح عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لما أُصيب إخوانكم يوم أُحد جعل الله أرواحهم في أجواف طير خضر تزور أنهار الجنة وتأكل من ثمارها وتسرح من الجنة حيث شاءت، وتأوي إلى قناديل من ذهب تحت العرش، فلمّا وجدوا طيب مقيلهم ومطعمهم ومشربهم، ورأوا ما أعد الله تعالى لهم من الكرامة. قالوا: يا ليت قومنا يعلمون ما نحن فيه من النعيم وما صنع الله بنا، كي يرغبوا في الجهاد ولا ينكلوا عنه، فقال الله تعالى: أنا مخبر عنكم ومبلغ إخوانكم، ففرحوا بذلك واستبشروا فأنزل الله تعالى {وَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أَمْوَاتاً} إلى قوله {أَجْرَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} ". تفسير : قال قتادة والربيع: ذُكر لنا أنّ رجلا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال: يا ليتنا نعلم ما فعل بإخواننا الذين قتلوا يوم أُحد، فأنزل الله تعالى هذه الآية. وقال مسروق: سألنا عبد الله بن مسعود عن هذه الآية فقال: جعل الله عزّ وجلّ أرواح شهداء أُحد في أجواف طير خضر تسرح في الجنة حيث شاءت وتأوي إلى قناديل معلقة بالعرش، قال: فأطلع الله تعالى عليهم اطلاعة فقال: هل تشتهون من شيء فأزيدكموه؟ قالوا: ربّنا ألسنا نسرح في الجنة في أيّها شئنا، ثم اطلع عليهم الثانية فقال: هل تشتهون من شيء فأزيدكموه؟ فقالوا: ربّنا أليس فوق ما أعطيتنا شيئاً إلاّ أن نحب أن تعيدنا أحياء، ونرجع إلى الدنيا فنقاتل في سبيلك فنقتل مرة أخرى فيك قال: لا. فقالوا: فتقرىء نبيّنا منّا السلام وتخبره بأن قد رضينا ورضي عنا، فأنزل الله تعالى هذه الآية. حديث : وقال جابر بن عبد الله: قتل أبي يوم أُحد وترك عليَّ بنات فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "ألاّ أُبشرك يا جابر" قلت: بلى يا نبي الله قال: "إنّ أباك حيث أُصيب بأُحد أحياه الله وكلمه كلاماً فقال: يا عبد الله سلني ما شئت قال: أسألك أن تعيدني إلى الدنيا فأُقتل فيك ثانياً، فقال: يا عبد الله إني قضيت أن لا أعيد خليقة إلى الدنيا. قال: يا ربِّ فمن يبلّغ قومي ما أنا فيه من الكرامة. قال الله تعالى: أنا، فأنزل الله تعالى هذه الآية" . تفسير : حميد عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ما من نفس تموت لها عند الله خير يسرّها أن ترجع إلى الدنيا ولها الدنيا وما فيها إلاّ الشهيد لما يرى من فضل الشهادة فيتمنى أن يرجع إلى الدنيا فيقتل مرة أُخرى ". تفسير : وقال بعضهم: نزلت في شهداء بئر معونة، وكان سبب ذلك على ما روى محمد بن إسحاق بن يسار عن أبيه عن المغيرة بن عبد الرحمن بن الحرث بن هشام، وعبد الله بن أبي بكر ابن محمد بن عمرو بن حزم، وعن حميد الطويل عن أنس بن مالك وغيرهم من أهل العلم قالوا: حديث : قدم أبو براء عامر بن مالك بن جعفر ملاعب الأسنّة وكان سيد بني عامر بن صعصعة على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وأهدى إليه هدية، فأبى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقبلها وقال: "يا أبا براء أنا لا أقبل هدية مشرك فأسلم إن أردت أن أقبل هديتك" ثم عرض عليه، وأخبره بما له فيها وما وعد الله المؤمنين من الثواب، وقرأ عليه القرآن فلم يسلم ولم يبعد وقال: يا محمد إن أمرك هذا الذي تدعو إليه حسن جميل، فلو بعثت رجالا من أصحابك إلى أهل نجد فدعوهم إلى أمرك رجوت أن يستجيبوا لك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إني أخشى عليهم أهل نجد" فقال أبو براء: أنا لهم جار أي هم في جواري فابعثهم ليدعوا الناس إلى أمرك. فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم المنذر بن عمرو أخا بني ساعدة في سبعين رجلاً من خيار المسلمين، فيهم الحارث بن الضمة وحَرام بن ملحان وعروة بن أسماء بن الصلت السلمي ونافع بن ورقاء الخزاعي وعامر بن فهير مولى أبي بكر، وذلك في صَفر سنة أربع من الهجرة على رأس أربعة أشهر من أُحد، فساروا حتى نزلوا بين معونة وهي أرض بين أرض بني عامر وحرة بني سليم، فلما نزلوها قال بعضهم لبعض: أيّكم يبلغ رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل هذا الماء؟ فقال حَرام بن ملحان: أنا، فخرج بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أبي عامر بن الطفيل وكان على ذلك الماء، فلما أتاهم حَرام بن ملحان لم ينظر عامر بن الطفيل في كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال حرام: يا أهل بئر معونة إني رسول رسول الله إليكم وإني أشهد أن لا اله إلاّ الله وأن محمداً عبده ورسوله فآمنوا بالله ورسوله. فخرج إليه رجل من كسر البيت برمح فضرب به في جنبه حتى خرج من الشق الآخر، فقال: الله أكبر فزت وربّ الكعبة. ثم استصرخ عامر بن الطفيل بني عامر على المسلمين، فأبوا أن يجيبوه إلى ما دعاهم إليه وقالوا: لن نخفر أبا براء وقد عقد لهم عقداً وجواراً. فاستصرخ قبائل من بني سليم عصبة ورعيل وذكوان فأجابوه إلى ذلك، فخرجوا حتى غشوا القوم فأحاطوهم في رجالهم، فلما رأوهم أخذوا السيوف ثم قاتلوهم حتى قتلوا من آخرهم إلاّ كعب بن زيد فإنهم تركوه وبه رمق، فارتث من بين القتلى فعاش حتى قتل يوم الخندق. وكان في سرح القوم عمرو بن أميّة الضمري ورجل من الأنصار أحد بني عمرو بن عوف، فلم ينبههما على مصاف أصحابهما إلاّ الطير يحوم على العسكر فقالا: والله إن لهذا الطير لشأناً، فأقبلا لينظرا إليه فإذا القوم في دمائهم وإذا الخيل التي أصابتهم واقفة، فقال الأنصاري لعمرو بن أميّة: ماذا ترى؟ قال: أرى أن نلحق برسول الله فنخبره الخبر، فقال الأنصاري: لكني لا أرغب بنفسي عن موطن قُتل فيه المنذر بن عمرو، ثم قاتل القوم حتى قُتل، وأخذوا عمرو بن أمية أسيراً، فلما أخبرهم أنه من مضر أطلقه عامر بن الطفيل وجز ناصيته وأعتقه عن رقبة زعم أنها كانت على أمّه، فقدم عمرو بن أمية على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره الخبر، فقال رسول الله: "هذا عمل أبي براء قد كنت لهذا كارهاً متخوفاً" تفسير : فبلغ ذلك أبا براء فشق عليه إخفار عامر إياه وما أصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بسببه وجواره، وكان فيمن أصيب عامر بن فهيرة. وروى محمد بن إسحاق عن هشام بن عروة: أن عامر بن الطفيل كان يقول: من الرجل منهم لما قتل رأيته رفع بين السماء والأرض حتى رأيت السماء من دونه، قالوا: هو عامر بن فهيرة. قالوا وقال حسان بن ثابت يحرض أبي براء على عامر بن الطفيل: شعر : فتى أم البنين ألم يرعكم وأنتم من ذوايب أهل نجد نهكم عامر بأبي براء ليخفره وما خطأ كعمد ألا أبلغ ربيعة ذا المساعي فما أحدثت في الحدثان بعدي أبوك أبو الحروب أبو براء وخالك ماجد حكم بن سعد تفسير : وقال كعب بن مالك في ذلك: شعر : لقد طارت شعاعاً كل وجه خفارة ما أجار أبو براء بني أم البنين أما سمعتم دعاء المستغيث مع النساء وتنويه الصريخ بلى ولكن عرفتم أنه صدّق اللقاء تفسير : فلما بلغ ربيعة من البراء قول حسان وقول كعب بن مالك، حمل على عامر بن الطفيل وطعنه فخر عن فرسه فقال: هذا عمل أبي براء، إن متُّ فدمي لعمي ولأتبعنّ به وإن أعش فسأرى فيه الرأي. وقال إسحاق بن أبي طلحة حدثني أنس بن مالك قال: أنزل الله تعالى في شهداء بئر معونة قرآناً بلّغوا قومنا عنا إنا قد لقينا ربّنا فرضى عنّا ورضينا عنه، ثم نسخت ورفعت بعد ما قرأناها زماناً وأنزل الله عزّ وجلّ {وَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أَمْوَاتاً} الآية. وقال بعضهم: إن أولياء الشهداء كانوا إذا أصابتهم نعمة أو سروراً تحسروا على الشهداء وقالوا: نحن في النعمة والسرور وآباؤنا وأبناؤنا وإخواننا في القبور، فأنزل الله عزّ وجلّ تنفيساً عنهم وإخباراً عن حال قتلاهم {وَلاَ تَحْسَبَنَّ} ولا تظنن وروى هشام عن أهل الشام: (يحسبن) بالياء. وقرأ الحسن وابن عامر: (الذين قتّلوا) مشدداً، (أمواتاً) كموت من لم يقتل في سبيل الله، ونصب أمواتاً على المفعول الثاني، لأن الحسبان يتعدى إلى مفعولين، فإذا قلت: حسبت زيداً، لا يكون كلاماً تاماً حتى تقول: قائماً أو قاعداً {بَلْ أَحْيَاءٌ} تقديره: بل هم أحياء. وقرأ ابن أبي عبلة: أحياءً نصباً أي أحسبهم أحياء {عِندَ رَبِّهِمْ}. وقال بعضهم: يعني أحياء في الدنيا حقيقة، وقيل: (في العالم) وقيل: بالثناء والذكر، كما قيل: شعر : موت التقي حياة لا فناء لها قد مات قوم وهم في الناس أحياء تفسير : وقيل: ممّا هم أحياء. {رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ} ويأكلون ويتنعمون كالأحياء، وقيل: إنه يكتب لهم في كل سنة ثواب غزوة ويشتركون في فضل كل مجاهد يكون في الدنيا إلى يوم القيامة، لأنهم سلوا أمر الجهاد، فيرجع أجر من يقتدي بهم إليهم، نظيره قوله: {أية : كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْساً} تفسير : [المائدة: 32] الآية، وقيل: لأن أرواحهم تركع وتسجد كل ليلة تحت العرش إلى يوم القيامة، كأرواح الأحياء من المؤمنين الذين باتوا على الوضوء. وقيل: لأن الشهيد لا يبلى في القبر ولا تأكله الأرض. يقال: أربعة لا تبلى أجسادهم: الأنبياء والعلماء والشهداء وحملة القرآن. وعن عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة: حديث : أنه بلغه أن عمرو بن الجموح وعبد الله بن عمرو بن حرام الأنصاريين ثم السلميين، كانا قد خرّب السيل قبرهما وكانا في قبر واحد وهما من شهداء أُحد، وكان قبرهما ممّا يلي السيل، فحفر عنهما ليغيّروا عن مكانهما فوجدا لم يتغيرا، كأنهما ماتا بالأمس، وكان قد جرح فوضع يده على جرحه فدفن وهو كذلك، فأميطت يده عن جرحه ثم أرسلت فرجعت كما كانت، وكان بين يوم أُحد وبين يوم حُفر عنهما ستة وأربعون سنة. وقيل: سمّوا أحياءً لأنهم لا يغسّلون كما لا يغسل الأحياء. وقال النبي صلى الله عليه وسلم "زمّلوهم في كلومهم ودمائهم، اللون لون الدم والريح ريح المسك" . تفسير : وقال عبيد بن عمر: حديث : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين انصرف يوم أُحد مرَّ على مصعب بن عمير وهو مقتول فوقف عليه ودعا ثم قرأ: {مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُواْ} [الأحزاب: 23] الآية، ثم قال صلى الله عليه وسلم "إن رسول الله يشهد أن هؤلاء شهداء عند الله يوم القيامة، فأتوهم وزوروهم وسلّموا عليهم، فوالذي نفسي بيده لا يسلّم عليهم أحد إلى يوم القيامة إلاّ ردّوا عليه، يرزقون من ثمار الجنة وتحفها" . تفسير : {فَرِحِينَ} نصب على الحال والقطع من قوله {يُرْزَقُونَ}. وقرأ ابن السميقع: (فارحين) بالألف، وهما لغتان كالفرة والفأرة والحذر والحاذر والطمع والطامع والبخل والباخل. {بِمَآ آتَاهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ} من ثوابه {وَيَسْتَبْشِرُونَ} يفرحون، وأصله من البشرة، لأن الإنسان إذا فرح ظهر أثر السرور في بشرة وجهه {بِٱلَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ} من إخوانهم الذين فارقوهم وهم أحياء في الدنيا على منهاجهم من الإيمان والجهاد، لعلمهم بأنهم إن استشهدوا لحقوا بهم فصاروا من كرائم الله عزّ وجلّ إلى مثل ما صاروا هم إليهم، فهم لذلك مستبشرون. وقال السدي: يؤتى الشهيد بكتاب فيه من تقدم عليه من إخوانه وأهله فيقال: تقدم فلان عليك يوم كذا وتقدم فلان يوم كذا، فيستبشر حين يقدم عليه كما يستبشر أهل الغائب بقدومه في الدنيا. {أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ} يعني بأن لا خوف {وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ * يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ ٱللَّهَ} يعني وبأن الله في محل الخفض على قوله: {بِنِعْمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَفَضْلٍ}. وقرأ الكسائي والفرّاء والمفضل ومحمد بن عيسى: (وأن الله) بكسر الألف على الاستثناء، ودليلهم قراءة ابن مسعود {وَاللَّهُ} (لا يضيع أجر المؤمنين). قال الكلبي باسناده: إن العبد إذا لقى العدو في سبيل الله، فتح له باب من السماء وأطلعت عليه زوجتاه من الحور العين، فإذا أقبل على العدو يقاتلهم قالتا: اللهم وفقه وسدّده، وإذا أدبر عن العدو قالتا: اللهم أعف وتجاوز، فإذا قتل يباهي الله عزّ وجلّ به الملائكة فيقول لهم: انظروا إلى عبدي بذل نفسه ودمه ابتغاء مرضاتي، فتقول الملائكة: يا ربّ أفلا تذهب فتنصره على من يريد قتله؟ فيقول لهم: خلّوا عن عبدي، فقد سهر ونصب في طلب مرضاتي، أحبَّ لقائي وأحببت لقاءه. فينزل إليه زوجتاه من الحور العين، ويأمر الله الملائكة أن يأتوه من آفاق الأرض، فيحبونه ويبشرونه بالجنة والكرامة من الله تعالى، فإذا فعلوا ذلك بعث الله إليهم: أن خلّوا بين عبدي وبين زوجته حتى يستريح، فتقول زوجتاه: لقد كنا إليك بالأشواق، ويقول لهما مثل ذلك. وعن الحسين بن علي (عليه السلام) قال: حديث : بينما علي بن أبي طالب يخطب الناس ويحثهم على الجهاد إذ قام إليه شاب وقال: يا أمير المؤمنين أخبرني عن فضل الغزاة في سبيل الله؟ قال: كنت رديف رسول الله صلى الله عليه وسلم على ناقته العصباء ونحن منقلبون من غزوة، فسألته عمّا سألتني عنه فقال صلى الله عليه وسلم "الغزاة إذا همّوا بالغزو كتب الله تعالى لهم براءة من النار، فإذا تجهزوا لغزوهم باهى الله تعالى بهم الملائكة، فإذا ودعهم أهلوهم بكت عليهم الحيطان والبيوت، ويخرجون من ذنوبهم كما تخرج الحية من سلخها، يوكل عزّ وجلّ بكل رجل منهم أربعين ألف ملك يحفظونه من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله، ولا يعمل حسنة إلاّ ضعفت له، وكتب له كل يوم عبادة ألف رجل يعبدون الله عزّ وجلّ ألف سنة كل سنة ثلاثمائة وستون يوماً، اليوم مثل عمر الدنيا، فإذا صاروا بحضرة عدوّهم انقطع علم أهل الدنيا عن ثواب الله إياهم، فإذا برزوا لعدوّهم وأشرعت الأسنّة وفوّقت السهام وتقدم الرجل إلى الرجل حفّتهم الملائكة بأجنحتها ويدعون الله لهم بالنصرة والتثبت، ونادى مناد: الجنة تحت ظلال السيوف، فتكون الضربة والطعنة على الشهيد أهون من شرب الماء البارد في اليوم الصائف، وإذا زال الشهيد عن فرسه بطعنة أو ضربة لم يصل إلى الأرض حتى يبعث الله تعالى إليه زوجته من الحور العين فتبشره بما أعد الله له من الكرامة، وإذا وصل إلى الأرض تقول له الأرض: مرحباً بالروح الطيب التي أُخرجت من البدن الطيب أبشر فإن لك ما لا عين رأت ولا أُذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. ويقول الله تعالى: أنا خليفته في أهله، من أرضاهم فقد أرضاني ومن أسخطهم فقد أسخطني، ويجعل الله روحه في حواصل طير خضر تسرح في الجنة حيث تشاء تأكل من ثمارها، وتأوي إلى قناديل من ذهب معلقة بالعرش، ويعطى الرجل منهم سبعين غرفة من غرف الفردوس، سلوك كل غرفة ما بين صنعاء والشام يملأ نورها ما بين الخافقين، في كل غرفة سبعون باباً، على كل باب سبعون مصراعاً من ذهب، وعلى كل باب سبعون غرفة مسبلة، وفي كل غرفة سبعون خيمة، في كل خيمة سبعون سريراً من ذهب قوائمها الدر والزبرجد، مزمولة بقضبان الزمرد، على كل سرير أربعون فراشاً، غلظ كل فراش أربعون ذراعاً، على كل فراش زوجة من الحور العين {عُرُباً أَتْرَاباً} [الواقعة: 37] " . تفسير : فقال الشاب: يا أمير المؤمنين أخبرني عن العروبة؟ قال: "هي الغنجة الرضية المرضية الشهية، لها ألف وصيف وسبعون ألف وصيفة، صفر الحلي بيض الوجوه، عليهن تيجان اللؤلؤ، على رقابهم المناديل، بأيديهم الأكواب والأباريق، وإذا كان يوم القيامة يخرج من قبره شاهراً سيفه تشخب أوداجه دماً، اللون لون الدم والرائحة رائحة المسك، يخطو في عرصة القيامة. فوالذي نفسي بيده لو كان الأنبياء على طريقهم لترجّلوا لهم، ممّا يرون من بهائهم، حتى يأتوا إلى موائد من الجواهر فيقعدون عليها، ويشفع الرجل منهم في سبعين ألف من أهل بيته وجيرته، حتى أن الجارين يتخاصمان أيهما أقرب جواراً فيقعدون معي ومع إبراهيم على مائدة الخلد، فينظرون إلى الله في كل يوم بكرة وعشية". وروى مكحول عن كثير بن مرة عن قيس الجذامي: رجل كانت له صحبة قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : يُعطى الشهيد ست خصال عند أول قطرة من دمه: يكفّر عنه كل خطيئة، ويرى مقعده من الجنة، ويزوَّج من الحور العين، ويؤمن الفزع الأكبر وعذاب القبر، ويحلّى بحلية الإيمان ". تفسير : ثابت بن أسلم البناني عن أنس بن مالك قال: حديث : كان النبي صلى الله عليه وسلم في بعض غزواته فأتاه رجل أسود فقال: يا رسول الله إني أسود قبيح الوجه منتن الريح لا مال لي، فإن قاتلت هؤلاء حتى أُقتل فأين أنا؟ قال: "في الجنة" قال: فحمل عليهم فقاتل حتى قُتل، قال: فجاء رسول الله (عليه السلام) حتى وقف على رأسه فقال: "لقد بيّض الله وجهك وطيّب ريحك وأكثر مالك" ثم قال: "لقد رأيت زوجتيه من الحور العين في الجنة تنازعانه جبة له من صوف، ليدخلا بينه وبين جبته" . تفسير : أبو صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ما يجد الشهيد من القتل في سبيل الله إلاّ كما يجد أحدكم مسَّ القرصة ". تفسير : وفي غير هذا الحديث: "حديث : عضة نملة أشد على الشهيد من مس السلاح ". تفسير : وعن عبد الرحمن بن عبد الله عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن لله عباداً يصونهم عن القتل والزلازل والأسقام، يطيل أعمارهم في حسن العمل، ويحسن أرزاقهم ويُحييهم في عافية ويقبض أرواحهم في عافية على الفرش، ويعطيهم منازل الشهداء ". تفسير : {ٱلَّذِينَ ٱسْتَجَابُواْ للَّهِ وَٱلرَّسُولِ} الآية، وذلكحديث : أن أبا سفيان وأصحابه لما انصرفوا عن المسلمين من أُحد فبلغوا الروحاء، ندموا على انصرافهم وتلاوموا وقالوا: لا محمداً قتلتم ولا الكواعب أردفتم قتلتموهم حتى لم يبق منهم إلاّ الشريد، تركتموهم ارجعوا فاستأصلوهم، فبلغ ذلك الخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فأراد أن يذهب العدو ويريهم من نفسه وأصحابه قوة، فندب أصحابه للخروج في طلب أبي سفيان، فقال: "ألا عصابة تشدد لأمر الله تطلب عدوها فإنها أنكأ للعدو وأبعد للسمع" فانتدب عصابة منهم مع ما بهم من الجروح والقروح الذي أصابهم يوم أُحد، ونادى منادي رسول الله: ألا لا يخرجن فيها أحد إلاّ من حصر يومنا بالأمس، فكلمه جابر بن عبد الله فقال: يا رسول الله إن أبي كان خلفني على أخوات لي سبع، وقال لي: يا بني إنه لا ينبغي لي ولا لك أن نترك هؤلاء النسوة ولا رجلٌ فيهم، ولست بالذي أُؤثرك على نفسي بالجهاد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فتخلف على أخواتك، فتخلفته عليهن، فأذن له رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرج معه، وإنما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم مرعباً للعدو ليبلغهم أنه خرج في طلبهم فيظنوا به قوة، وأن الذي أصابهم لم يوهنهم عن عدوهم فينصرفوا، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير وسعد وعبد الرحمن بن عوف وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن اليمان وأبو عبيدة بن الجراح في سبعين رجلا، حتى بلغوا حمراء الأسد وهي من المدينة على ثلاثة أميال . تفسير : وعن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أنها قالت لعبد الله بن الزبير: يابن أُختي أما والله إن أباك وجدّك يعني أبا بكر والزبير لمن الذين قال الله: {ٱلَّذِينَ ٱسْتَجَابُواْ للَّهِ وَٱلرَّسُولِ مِن بَعْدِ مَآ أَصَابَهُمُ ٱلْقَرْحُ}. وروى محمد بن إسحاق عن عبد الله بن خارجة بن زيد بن ثابت عن أبي السايب: أن رجلا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم من بني عبد الأشهل كان شهد أُحداً، قال: حديث : شهدت أُحداً أنا وأخ لي فرجعنا جريحين، فلما أذّن مؤذّن رسول الله بالخروج في طلب العدو قلنا: لا تفوتنا غزة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فوالله ما لنا دابة نركبها وما منّا إلاّ جريح ثقيل، فخرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وكنت أيسر جرحاً من أخي وكنت إذا غلب حملته عقبة ومشى عقبة حتى انتهينا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حمراء الأسد، فمرَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم معبد الخزاعي بحمراء الأسد، وكانت خزاعة مسلمهم وكافرهم عيبة رسول الله صلى الله عليه وسلم بتهامة، صفقتهم معه لا يخفون عنه شيئاً كان بها، ومعبد يومئذ مشرك فقال: يا محمد والله لقد عزّ علينا ما أصابك في أصحابك ولوددنا أن الله كان أعفاك فيهم، ثم خرج من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى لقى أبا سفيان ومن معه بالروحاء، قد أجمعوا على الرجعة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا: قد أصبنا جلّ أصحابه وقادتهم وأشرافهم، ثم رجعنا قبل أن نستأصلهم لنكرّن على بقيتهم فلنفرغن منهم، فلما رأى أبو سفيان معبداً قال: ما وراءك يا معبد؟ قال: محمد قد خرج في أصحابه بطلبكم في جمع لم أرَ مثله قط، يتحرقون عليكم تحرقاً قد اجتمع معه من كان تخلف عنه في يومكم وندموا على صنيعهم، فيهم من الحنق عليكم شيء لم أرَ مثله قط، قال: ويلك ما تقول؟ قال: والله ما أراك ترتحل حتى ترى نواصي الخيل، قال: فوالله لقد أجمعنا الكرة عليهم لنأتي على بقيتهم. قال: فإني والله أنهاك عن ذلك فقد حملني ما رأيت على أن قلت فيه أبياتاً. قال: وما قلت؟ قال: قلت: * كادت تهدّ من الأصوات راحلتي * إذ سالت الأرض بالجرد الأبابيل * * تردي بأسد كرام لا تنابلة * عند اللقاء ولا خرق معاذيل * * فظلت عدواً أظن الأرض مائلة * لمّا سمعوا برئيس غير مخذول * * فقلت: ويٌ لابن حرب من لقائكم * إذا تغطمطت البطحاء بالجيل * * إني نذير لأهل السير ضاحية * ولكل ذي إربة منهم ومعقول * * من جيش أحمد لا وحش قنابله * وليس يوصف ما أثبت بالقيل * قال: فثنى ذلك أبا سفيان ومن معه، ومرَّ به ركب من عبد القيس فقال: أين تريدون؟ قالوا: نريد المدينة نريد الميرة. قال: فهل أنتم مبلّغون محمداً عني برسالة أرسلكم بها وأُحمّل لكم إبلكم هذه زبيباً بسوق عكاظ إذا وافيتمونا؟ قالوا: نعم، قال: فإذا جئتموه فأخبروه إنا قد أجمعنا إليه وإلى أصحابه لنستأصل بقيتهم. وانصرف أبو سفيان إلى مكة ومرَّ الركب برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بحمراء الأسد فأخبروه بالذي قال أبو سفيان. فقال رسول الله وأصحابه: حسبنا الله ونعم الوكيل، ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد الثالثة إلى المدينة وقد ظفر في وجهه بمعاوية بن المغيرة بن العاص وأبي غرة الجمحي،تفسير : هذا قول أكثر المفسرين. وقال مجاهد وعكرمة: نزلت هذه الآيات في غزوة بدر الصغرى، وذلك حديث : أن أبا سفيان قال يوم أُحد حين أراد أن ينصرف: يا محمد موعدنا بيننا وبينك موسم بدر الصغرى لقابل إن شئت. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "ذلك بيننا وبينك إن شاء الله" فلما كان العام المقبل خرج أبو سفيان في أهل مكة حتى نزل مجنة من ناحية من الظهران، ثم ألقى الله عزّ وجلّ الرعب في قلبه قبل الرجوع، فلقى نعيم بن مسعود الأشجعي وقد قدم معتمراً فقال له أبو سفيان: يا نعيم إني واعدت محمداً وأصحابه أن نلتقي بموسم بدر الصغرى، وإن هذه عام جدب ولا يصلحنا إلاّ عام نرعى فيه الشجر ونشرب فيه اللبن، وقد بدا لي أن لا أخرج إليها، وأكره أن يخرج محمد ولا أخرج أنا، فيزيدهم ذلك جرأة، ولأن يكون الخلف من جهتهم أحبُّ إليَّ من أن يكون من قبلي، فالحق بالمدينة فثبطهم وأعلمهم أنّا في جمع كثير ولا طاقة لهم بنا، ولك عندي عشرة من الإبل أضعها لك على يدي سهيل بن عمرو يضمنها. قال: فجاء سهيل فقال له نعيم: يا أبا يزيد أتضمن لي هذه الفرائض فانطلق إلى محمد وإثبطه. قال: نعم، فخرج نعيم حتى قدم المدينة فوجد الناس يتجهزون بميعاد أبو سفيان، فقال: أين تريدون؟ فقالوا: واعدنا أبو سفيان بموسم بدر الصغرى أن نقتتل بها. قال: بئس الرأي رأيتم، أتوكم في دياركم وقراكم فلم يفلت منكم إلاّ شريد، فتريدون أن تخرجوا وقد جمعوا لكم عند الموسم، والله لا يفلت منكم أحد. فكره أصحاب رسول الله الخروج، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "والذي نفسي بيده لأخرجنّ ولو وحدي" فأما الجبان فرجع وأما الشجاع فإنه تأهب للقتال وقالوا: حسبنا الله ونعم الوكيل، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في أصحابه حتى وافوا بدر الصغرى، فجعلوا يلقون المشركين ويسألونهم عن قريش فيقولون: قد جمعوا لكم. يريدون أن يرعبوا المسلمين، فيقول المؤمنون: حسبنا الله ونعم الوكيل، حتى لقوا بدر وهو ماء لبني كنانة وكانت موضع سوق لهم في الجاهلية يجتمعون إليها في كل عام ثمانية أيام فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم ببدر ينتظر أبا سفيان، وقد انصرف أبو سفيان من مجنة إلى مكة، فسماهم أهل مكة جيش السويق وقالوا: إنما خرجتم تشربون السويق، فلم يلق رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه أحداً من المشركين ببدر، ووافوا السوق وكانت معهم نفقات وتجارات فباعوها وأصابوا الدرهم والدرهمين، وانصرفوا إلى المدينة سالمين غانمينتفسير : . فذلك قوله تعالى: {ٱلَّذِينَ ٱسْتَجَابُواْ للَّهِ وَٱلرَّسُولِ}. ومحل (الذين) خفض على صفة المؤمنين تقديره {وَأَنَّ ٱللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} المستجيبين لله والرسول ومعنى الاستجابة: الاجابة والطاعة، نظيره قوله تعالى: {أية : فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي} تفسير : [البقرة: 186] فليطيعوا لي {مِن بَعْدِ مَآ أَصَابَهُمُ ٱلْقَرْحُ} أي نالهم الجراح والكلوم، وتم الكلام هاهنا ثم ابتدأ فقال: {لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ مِنْهُمْ} بطاعة رسول الله وإجابته إلى الغزو {وَٱتَّقَواْ} معصيته وطاعته {أَجْرٌ عَظِيمٌ} ثواب كثير {ٱلَّذِينَ قَالَ لَهُمُ ٱلنَّاسُ} ومحل (الذين) خفض أيضاً مردود على الذين الأول، وأراد (بالناس) نعيم ابن مسعود في قول مجاهد ومقاتل وعكرمة والواقدي، وهو على هذا التأويل من العام الذي أُريد به الخاص، نظيره قوله: {أية : أَمْ يَحْسُدُونَ ٱلنَّاسَ} تفسير : [النساء: 54] يعني محمداً وحده، وقوله: {أية : لَخَلْقُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ أَكْـبَرُ مِنْ خَلْقِ ٱلنَّاسِ} تفسير : [غافر: 57] يريد الرجال وحدهم. وقال ابن اسحاق وجماعة: يريد بـ (الناس) الركب من عبد القيس وقد مضت قصتهم. وقال السدي: حديث : لما تجهز رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه للمسير إلى ميعاد أبي سفيان، أتاهم المنافقون وقالوا: نحن أصحابكم الذين نهيناكم عن الخروج إليهم فعصيتمونا، وقد أتوكم في داركم وقاتلوكم وظفروا، فإن أتيتموهم في ديارهم لا يرجع أحد منكم. فقالوا: حسبنا الله ونعم الوكيل . تفسير : وقيل: (الناس) ساروا الناس في هذه الآية هم المنافقون. وقال أبو معشر: دخل ناس من هذيل من أهل تهامة المدينة، فسألهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أبي سفيان فقالوا: قد جمعوا لكم جموعاً كثيرة فاجتنبوهم. فقالوا: حسبنا الله ونعم الوكيل، فأنزل الله تعالى {ٱلَّذِينَ قَالَ لَهُمُ ٱلنَّاسُ} يعني أولئك القوم من بني هذيل {إِنَّ ٱلنَّاسَ} يعني أبا سفيان وأصحابه {قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَٱخْشَوْهُمْ} فخافوهم واحذروهم، فإنه لا طاقة لكم بهم {فَزَادَهُمْ} ذلك {إِيمَاناً} يعني تصديقاً ويقيناً وقوة وجرأة. ذكر بعض ما ورد في الأخبار في زيادة الإيمان ونقصانه روى مالك عن نافع عن ابن عمر قال: حديث : قلنا يا رسول الله الإيمان يزيد وينقص؟ قال: "نعم يزيد حتى يدخل صاحبه الجنة وينقص حتى يدخل صاحبه النار" . تفسير : عطاء: إنما مجادلة أحدكم في الحق، فيكون له في الدنيا بأشد من مجادلة المؤمنين لربّهم في إخوانهم الذين أدخلوا النار. قال: فيقولون: ربّنا إخواننا كانوا يصلّون معنا ويصومون معنا ويحجّون معنا فأدخلتهم النار. قال: فيقول: إذهبوا فأخرجوا من قد عرفتم منهم، فيأتونهم فيعرفونهم بصورهم، فمنهم من أخذته النار إلى أنصاف ساقيه ومنهم من أخذته إلى كعبيه، فيخرجونهم فيقولون: ربّنا قد أخرجنا من أمرتنا. قال: ثم يقول لهم: أخرجوا من كان في قلبه وزن دينار من الإيمان، ثم كان في قلبه وزن نصف دينار، حتى يقول فمن كان في قلبه ذرة. وعن سهل بن حنيف قال: سمعت أبا سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : بينما أنا نائم رأيت الناس يعرضون عليَّ وعليهم قميص منها ما يبلغ الثدي ومنها ما يبلغ دون ذلك، وعرض عليَّ عمر بن الخطاب وعليه قميص يجره" قالوا: فماذا أولت يا رسول الله؟ قال: "الدين ". تفسير : وعن هذيل بن شرحبيل عن عمر(رضي الله عنه) قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لو وزن إيمان أبي بكر بإيمان أهل الأرض أو بإيمان هذه الأمة لربح به ". تفسير : وعن ابن سابط قال: كان عبد الله بن رواحة يأخذ بيد النفر من أصحابه فيقول: تعالوا نؤمن ساعة تعالوا نزدد إيماننا، تعالوا نذكر الله تعالى، [تعالوا نذكره بطاعته لعله يذكرنا بمغفرته]. وعن عبد الله بن عمرو بن هند قال: قال علي كرم الله وجهه: إن الإيمان يبدأ نقطة بيضاء في القلب، كلما ازداد الإيمان ازدادت بياضاً، حتى يبيضّ القلب كله، وإن النفاق يبدأ نقطة سوداء في القلب، وكلما ازداد النفاق ازدادت سواداً، حتى يسوّد القلب كله، والذي نفسي بيده لو شققتم عن قلب مؤمن لوجدتموه أبيض القلب ولو شققتم عن قلب منافق لوجدتموه أسود القلب. وعن عمير بن حبيب بن خماشة قال: الإيمان يزيد وينقص. فقيل له: وما زيادته ونقصانه؟ قال: إذا ذكرنا ربّنا وخشيناه فذلك زيادته، وإذا غفلنا ونسينا وضيقنا فذلك نقصانه. وعن محمد بن طلحة عن زبيد عن زر قال: كان عمر ممّا يأخذ الرجل والرجلين من أصحابه فيقول: قم بنا نزدد إيماناً. وعن محمد بن فضيل عن أبيه عن سماك عن إبراهيم عن علقمة أنه كان يقول لأصحابه: امشوا بنا نزدد إيماناً. وعن الحرث بن عمير عن أبي الدرداء قال: الإيمان يزيد وينقص. وعن عبد الوهاب بن مجاهد عن أبيه عن ابن عباس وأبي هريرة قالا: الإيمان يزداد وينقص. الحرث بن الحصين عن أبي الدرداء قال: الإيمان يزداد وينقص. أبو حذيفة: إن عمر بن عبد العزيز قال: الإيمان يزيد وينقص. سفيان عن هشام بن عروة عن أبيه قال: ما نقصت أمانة عبد قط إلاّ نقص من إيمانه. وعن عثمان بن سعد الدارمي قال: سألت محمد بن كثير العبدي عن الإيمان فقال: هو قول وعمل يزيد وينقص، قلت: أكان سفيان يقوله؟ قال: نعم بلا شك. وقال: سألت أبا حذيفة موسى بن مسعود عن الإيمان قال: هو قول وعمل يزيد وينقص، قلت: أكان سفيان يقوله؟ قال: نعم. قال: وسألت عارم بن الفضل عن الإيمان، فقال: هو قول وعمل يزيد وينقص، قلت: أكان حماد بن يزيد يقوله؟ قال: نعم. قال: وسألت أبا الوليد الطيالسي عن الإيمان، فقال: قول وعمل ونية، قلت: أيزداد وينقص؟ قال: نعم. قال: وسألت سليمان بن حرب عن الإيمان، فقال: مثل ذلك. قال: وسمعت مسلم بن إبراهيم يقول: الإيمان قول وعمل يزيد وينقص. قال: وسألت علي بن عبد الله المديني عن الإيمان، قال: قول وعمل ونية، قلت: أينقص ويزداد؟ قال: نعم يزداد وينقص حتى لا يبقى منه شيء. قال: وسألت عمر بن عون الواسطي عن الإيمان فقال: مثل ذلك. قال: وسمعت يحيى بن يحيى يقول: الإيمان قول وعمل والناس يتفاضلون في الإيمان. قال: وسألت أحمد بن يونس عن الإيمان. قال: هو عمل يزيد وينقص. قال: وسألت عبد الله بن محمد [الطفيل] وكان مُتّقياً عن الإيمان فقال: هو قول وعمل يزيد وينقص، فأروه عني. قال: وسألت أبا بويه الجيلي عن الإيمان فقال: قول وعمل يزيد وينقص. قال: وسمعت محبوب بن موسى الأنطاكي يقول: الإيمان قول وعمل يزيد وينقص، ومن كره الاستثناء فقد أخطأ السنّة. قلت: أكان أبو إسحاق الفراري يقوله؟ قال: كان أبو إسحاق يخرج من المصيصة من لا يقول الإيمان يزيد وينقص. قال: وسمعت محبوب بن موسى يقول: سمعت يوسف بن أسباط يقول: الإيمان يزيد وينقص. قال: وسمعت الحسين بن عمر السجستاني يقول: الإيمان قول وعمل يزيد وينقص. قال الحسن: وكان وكيع بن الجراح وعمر بن عمارة وابن أبي برزة وزهير بن نعيم يقولون: الإيمان قول وعمل يزيد وينقص. قوله تعالى {وَقَالُواْ حَسْبُنَا ٱللَّهُ وَنِعْمَ ٱلْوَكِيلُ} أي كافينا وثقتنا، والنون والألف مخفوضتان بالإضافة كقولك: حسب زيد درهم، لان حسب اسم وإن كان في مذهب الفعل ألا ترى ضمة الثانية. قال الشاعر: شعر : فتملأ بيتنا إقطا وسمنا وحسبك من غنىً شبع وريّ تفسير : {وَنِعْمَ ٱلْوَكِيلُ} أي الموكول إليه الأمور، فعيل بمعنى مفعول. قال الواقدي: ونعم الوكيل أي المانع. نظيره قوله: {أية : وَلَئِن شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِٱلَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلاً} تفسير : [الإسراء: 86] أي مانعاً، وقوله: {أية : إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ وَكِيلاً} تفسير : [الإسراء: 65]. عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : كان آخر ما تكلم به رسول الله إبراهيم (عليه السلام) حين أُلقي في النار: حسبي الله ونعم الوكيل ". تفسير : وعن عوف بن مالك الأشجعي قال: حديث : قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بين رجلين فقال المقضي عليه: حسبي الله ونعم الوكيل. فقال النبي صلى الله عليه وسلم "إن الله يحمد على الكيس ويلوم على العجز، وإذا غلبك أمر فقل: حسبي الله ونعم الوكيل" . تفسير : {فَٱنْقَلَبُواْ} فانصرفوا ورجعوا، نظيره قوله: {أية : لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَآ إِذَا ٱنْقَلَبُوۤاْ إِلَىٰ أَهْلِهِمْ} تفسير : [يوسف: 62] أي رجعوا. {بِنِعْمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ} أي بعافية لم يلقوا بها عدواً وبراء جراحهم {وَفَضْلٍ} بربح وتجارة، وهو ما أصابوا من السوق فربحوا {لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوۤءٌ} لم يصبهم قتل ولا جرح ولا ينالهم سوء ولا أذى ولا مكروه {وَٱتَّبَعُواْ رِضْوَانَ ٱللَّهِ} في طاعة الله وطاعة رسوله، وذلك أنهم قالوا: هل يكون هذا غزواً؟ فأعطاهم الله ثواب الغزو ورضى عنهم {وَٱللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ * إِنَّمَا ذٰلِكُمُ ٱلشَّيْطَانُ} يعني ذلك الذي قال لكم: إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم، من فعل الشيطان ألقى في أفواههم يرهبوهم ويجبنوا عنهم {يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ} أي يخوفكم بأوليائه، أي أولياء إبليس حتى يخوّف المؤمنين بالكافرين. وقال السدي: يعظم أولياءه في صدورهم ليخافوهم، نظيره قوله عزّ وجلّ: {أية : لِّيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً} تفسير : [الكهف: 2] أي ببأس، وقوله: {أية : لِيُنذِرَ يَوْمَ ٱلتَّلاَقِ} تفسير : [غافر: 15] و {أية : وَتُنذِرَ يَوْمَ ٱلْجَمْعِ} تفسير : [الشورى: 7] أي بيوم الجمع يخوف الناس أولياءه، كقول القائل: ويعطى الدراهم ويكسي الثياب، بمعنى هو يعطي الناس الدراهم ويكسي الناس الثياب. يدل عليه قراءة ابن مسعود: (يخوف الناس أولياءه). وروى يحيى بن اليمان عن طلحة عن عطاء أنه كان يقرأ {إِنَّمَا ذٰلِكُمُ ٱلشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ}. وروى محمد بن مسلم بن أبي وضاح قال: حدثنا علي بن خزيمة قال: في قراءة أُبي بن كعب: يخوفكم بأوليائه. {فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ} في ترك أمري {إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ} مصدقين بوعدي فإني المتكفل لكم بالنصر والظفر {وَلاَ يَحْزُنكَ}. قرأ نافع: (يُحزِنك) بضم الياء وكسر الزاي، وكذلك جميع ما في القرآن من هذا الفعل، إلاّ التي في الأنبياء {أية : لاَ يَحْزُنُهُمُ ٱلْفَزَعُ ٱلأَكْبَرُ} تفسير : [الأنبياء: 103] فإنه بفتح الياء وضم الزاي، وضده أبو جعفر، وقرأ ابن محيصن كلها بضم الياء وكسر الزاي. الباقون كلها بالفتح وضم الزاي، وهما اختيار أبي عبيد وأبي حاتم، وهما لغتان، حزن يحزن وأحزن يحزن إلاّ أن اللغة العالية الفصيحة: حزن يحزن وأحزنته قال الشاعر: شعر : مضى صحبي وأحزنني الديار تفسير : {ٱلَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي ٱلْكُفْرِ}. قرأه العامة: هكذا، وقرأ طلحة بن مصرف: يسرعون. قال الضحاك: هم كفار قريش، وقال غيره: هم المنافقون يسارعون في الكفر بمظاهرة الكفار. {إِنَّهُمْ لَن يَضُرُّواْ ٱللَّهَ شَيْئاً} بمسارعتهم في الكفر ومظاهرتهم أهله {يُرِيدُ ٱللَّهُ أَلاَّ يَجْعَلَ لَهُمْ حَظّاً فِي ٱلآخِرَةِ} نصيباً في ثواب الآخرة، فلذلك خذلهم حتى سارعوا في الكفر {وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} وفي هذه الآية ردَّ على القدرية. {إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُاْ ٱلْكُفْرَ بِٱلإِيمَانِ} استبدلوا الكفر بالإيمان {لَن يَضُرُّواْ ٱللَّهَ شَيْئاً} فإنهم يضرون أنفسهم {وَلهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * وَلاَ يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ}. قراءة حمزة وأبي بحتريه: بالتاء. الباقون: بالياء، فمن قرأ بالياء ف (الذين) في محل الرفع على الفاعل تقديره: ولا يحسبن الكفار أن إملاءنا خير لهم. ومن قرأ بالتاء، قال الفراء: هو على التكرير في المعنى، ولا تحسبن يا محمد الذين كفروا ولا تحسبن إنما نملي، لأنك إذا أعلمت الحسبان في الذين لم يجز أن يقع على إنما، وهو كقوله: {أية : فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ ٱلسَّاعَةَ أَن تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً} تفسير : [محمد: 18] يعني هل ينظرون إلاّ أن تأتيهم بغتة، وقيل: موضع إنما نصب على البدل من الذين. كقول الشاعر: شعر : فما كان قيس هلكه هلك واحد ولكنه بنيان قوم تهدّما تفسير : فرفع (هلك) على البدل، من الأول، والاملاء الإمهال والتأخير والإطالة في العمر والإنساء في الأجل، ومنه قوله تعالى:{أية : وَٱهْجُرْنِي مَلِيّاً} تفسير : [مريم: 46] أي حيناً طويلا ويقال: عشت طويلا، أي تمليت حيناً، وأصله من الملاوة والملا وهما الدهر. قال الشاعر: شعر : وقد أراني للغوالي مصيداً ملاوة كأن فوقي جلدا تفسير : والملوان: الليل والنهار. قال تميم بن مقبل: شعر : ألا يا ديار الحي بالسبعان أمل عليها بالبلى تفسير : ثم قال {أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ} نمهلهم {لِيَزْدَادُوۤاْ إِثْمَاً وَلَهْمُ عَذَابٌ مُّهِينٌ} نزلت هذه الآية في مشركي قريش. قال مقاتل: قال عطاء: في قريظة والنضير. وعن عبد الرحمن بن أبي بكر عن أبيه أن رجلا قال: حديث : يا رسول الله أي الناس خير؟ قال: "من طال عمره وحسن عمله"، قال: فأي الناس شر؟ قال: "من طال عمره وساء عمله" . تفسير : وقال ابن مسعود: ما من نفس برّة ولا فاجرة إلاّ والموت لها، فأما الفاجرة فمستريح ومستراح منه، وقرأ {وَلاَ يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ} الآية، وأما البرّة فقرأ {نُزُلاً مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ وَمَا عِندَ ٱللَّهِ خَيْرٌ لِّلأَبْرَارِ}.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : أنتم تخافون الموت، ولكن هؤلاء الذين قتلوا في سبيل الله ليسوا بميتين، لأن حياتهم حياة موصولة. إن هناك فارقاً كبيراً بين الموت والشهادة، فالذي يقتل شهيداً تكون حياته موصولة، ولن يمر بفترة موتنا نحن، ولنفهم أنهم أحياء عند ربهم، أي بقانونه سبحانه، فلا تُحَكّم قانونك أنت، فأنت - كما قلت - لو فتحت القبر ستجد هؤلاء القتلى مجرد أشلاء. هم عندك أشلاء وأموات في قانونك أنت. لكنهم أحياء عند ربهم يُرزقون. فالحياة تختلف عن الموت في ماذا؟ إن الإنسان إذا زهقت روحه وفارقت جسده انقطعت حياته، في ظاهر الأمر انتهى ولم يعد ينتفع برزق ولا بأكل؛ لأن الرزق جُعِلَ لاستبقاء الحياة، وما دام الرزق قد صُنِعَ لاستبقاء الحياة وليس فيه حياة إذن فلا رزق، لكن الله سبحانه يريد أن يعطينا مواصفات تؤكد أن الشهيد حي. ومن ضروريات الحياة أنه يُرزَق أي ينتفع باستبقاء الحياة، وعلينا أن نفهم أن العنْدية عندك غير العندية عند الله. فالشهيد حي عند ربه ويُرزق عند ربه رزقاً يناسب الحياة التي أرادها له ربه. ونعلم أن الرزق هو الخاصية التي توجد للأحياء. وعندما نقرأ قول الله: {أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ} [آل عمران: 169] قد يقول قائل: من الجائز أنك تأخذ إنساناً وتُبقيه حياً وتعطيه طعاماً وشراباً لكن أهو فرح بموقعه؟ لا. لذلك يجب أن ندرك ونعرف أن حياة الشهيد ليست في قبره ولكنها عند ربه وهو فَرِح بموقعه لذلك يقول الحق: {فَرِحِينَ بِمَآ آتَاهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِٱلَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ ...}.
الصابوني
تفسير : المنََاسَبَة: لا تزال الآيات الكريمة تتابع أحداث أُحد، وتكشف عن أسرار المنافقين ومواقفهم المخزية، وتوضّح الدروس والعبر من تلك الغزوة المجيدة. اللغَة: {يَسْتَبْشِرُونَ} يفرحون وأصله من البشرة لأن الإِنسان إِذا فرح ظهر أثر السرور في وجهه قال ابن عطية: وليست استفعل في هذا الموضع بمعنى طلب البشارة وإِنما هي بمعنى الفعل المجرد كقوله تعالى {أية : وَّٱسْتَغْنَىٰ ٱللَّهُ} تفسير : [التغابن: 6] {ٱلْقَرْحُ} بالفتح الجرح وبالضم ألم الجرح وقد تقدم {حَسْبُنَا} كافينا مأخوذ من الإِحساب بمعنى الكفاية قال الشاعر: شعر : فتملأُ بيتنا أقْطاً وسَمْناً وحسبُك من غنىً شِبَعٌ ورِيُّ تفسير : {حَظّاً} الحظ: النصيب ويستعمل في الخير والشر وإِذا لم يقيّد يكون للخير {نُمْلِي} الإِملاء: التأخير والإِمهال قال القرطبي: والمراد بالإِملاء هنا طول العمر ورغد العيش {يَمِيزَ} يُميِّز يقال: ماز وميّز أي فصل الشيء من الشيء ومنه {أية : وَٱمْتَازُواْ ٱلْيَوْمَ أَيُّهَا ٱلْمُجْرِمُونَ} تفسير : [يس: 59] {يَجْتَبِي} يختار {سَيُطَوَّقُونَ} من الطّوق وهو القلادة أي يلزمون به لزوم الطوق في العنق. سَبَبُ النّزول: أ - عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : لمّا أصيب إِخوانكم بأحد جعل الله أرواحهم في جوف طيرٍ خضرٍ، ترد أنهار الجنة تأكل من ثمارها وتأوي إِلى قناديل من ذهب معلقةً في ظلّ العرش، فلما وجدوا طيب مأْكلهم ومَشْربهم ومَقِيلهم قالوا: من يبلّغ إِخواننا عنا أنّا أحياءٌ في الجنة نرزق لئلا يزهدوا في الجهاد ولا ينكُلوا عند الحرب فقال الله سبحانه: أنا أبلغهم عنكم فأنزل الله {وَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أَمْوَاتاً}تفسير : الآية. ب - عن جابر بن عبد الله قال: حديث : لقيني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا جابر: ما لي أراك منكساً مُهتماً؟ قلت يا رسول الله: استُشْهد أبي وترك عيالاً وعليه دين فقال: ألا أبشرك بما لقي الله عز وجل به أباك؟ قلت: بلى يا رسول الله، قال: إِن الله أحيا أباك وكلّمه كفاحاً - وما كلّم أحداً قط إِلا من وراء حجاب - فقال له: يا عبد الله تمنَّ أعطك قال يا رب: أسألك أن تردني الى الدنيا فأُقتل فيك ثانية فقال الرب تبارك وتعالى: إِنه قد سبق مني أنهم إِليها لا يرجعون، قال يا رب: فأبلغ من ورائي فأنزل الله {وَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أَمْوَاتاً}. تفسير : التفسِير: {وَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أَمْوَاتاً} أي لا تظنَّن الذين استشهدوا في سبيل الله لإِعلاء دينه أمواتاً لا يُحسّون ولا يتنعمون {بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ} أي بل هم أحياء متنعمون في جنان الخلد يرزقون من نعيمها غدواً وعشياً قال الواحدي: الأصح في حياة الشهداء ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من أن أرواحهم في أجواف طيور خضر وأنهم يُرزقون ويأكلون ويتنعمون {فَرِحِينَ بِمَآ آتَاهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ} أي هم منعّمون في الجنة فرحون بما هم فيه من النعمة والغبطة {وَيَسْتَبْشِرُونَ بِٱلَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ} أي يستبشرون بإِخوانهم المجاهدين الذين لم يموتوا في الجهاد بما سيكونون عليه بعد الموت إِن استشهدوا فهم لذلك فرحون مستبشرون {أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} أي بأنْ لا خوف عليهم في الآخرة ولا هم يحزنون على مفارقة الدنيا لأنهم في جنات النعيم {يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ ٱللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُؤْمِنِين} أكّد استبشارهم ليذكر ما تعلّق به من النعمة والفضل والمعنى: يفرحون بما حباهم الله تعالى من عظيم كرامته وبما أسبغ عليهم من الفضل وجزيل الثواب، فالنعمة ما استحقوه بطاعتهم، والفضلُ ما زادهم من المضاعفة في الأجر {ٱلَّذِينَ ٱسْتَجَابُواْ للَّهِ وَٱلرَّسُولِ مِن بَعْدِ مَآ أَصَابَهُمُ ٱلْقَرْحُ} أي الذين أطاعوا الله وأطاعوا الرسول من بعد ما نالهم الجراح يوم أُحد قال ابن كثير: وهذا كان يوم "حمراء الأسد" وذلك أن المشركين لما أصابوا ما أصابوا من المسلمين كرّوا راجعين إِلى بلادهم ثم ندموا لم لا تمّموا على أهل المدينة وجعلوها الفيصلة، فلما بلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ندب المسلمين إِلى الذهاب وراءهم ليرعبهم ويريهم أنّ بهم قوة وجَلَداً، ولم يأذن لأحدٍ سوى من حضر أحداً فانتدب المسلمون على ما بهم من الجراح والإِثخان طاعة لله عز وجل ولرسوله صلى الله عليه وسلم. {لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ مِنْهُمْ وَٱتَّقَواْ أَجْرٌ عَظِيمٌ} أي لمن أطاع منهم أمر الرسول وأجابه إِلى الغزو - على ما به من جراح وشدائد - الأجرُ العظيم والثوابُ الجزيل {ٱلَّذِينَ قَالَ لَهُمُ ٱلنَّاسُ إِنَّ ٱلنَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَٱخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً} أي الذين أرجف لهم المرجفون من أنصار المشركين فقالوا لهم: إِن قريشاً قد جمعت لكم جموعاً لا تحصى فخافوا على أنفسكم فما زادهم هذا التخويف إِلا إِيماناً {وَقَالُواْ حَسْبُنَا ٱللَّهُ وَنِعْمَ ٱلْوَكِيلُ} أي قال المؤمنون الله كافينا وحافظنا ومتولي أمرنا ونعم الملجأ والنصير لمن توكل عليه جل وعلا {فَٱنْقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَفَضْلٍ} أي فرجعوا بنعمة السلامة وفضل الأجر والثواب {لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوۤءٌ} أي لم ينلهم مكروه أو أذى {وَٱتَّبَعُواْ رِضْوَانَ ٱللَّهِ} أي نالوا رضوان الله الذي هو سبيل السعادة في الدارين {وَٱللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ} أي ذو إِحسان عظيم على العباد {إِنَّمَا ذٰلِكُمُ ٱلشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ} أي إِنما ذلكم القائل {إِنَّ ٱلنَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ} بقصد تثبيط العزائم هو الشيطان يخوفكم أولياءه وهم الكفار لترهبوهم {فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ} أي فلا تخافوهم ولا ترهبوهم فإِني متكفل لكم بالنصر عليهم، ولكن خافوا إن كنتم مؤمنين حقاً أن تعصوا أمري فتهلكوا، والمراد بالشيطان "نعيم ابن مسعود الأَشجعي" الذي أرسله أبو سفيان ليثبط المسلمين، قال أبو حيان: وإِنما نسب إِلى الشيطان لأنه ناشيء عن وسوسته وإِغوائه وإِلقائه {وَلاَ يَحْزُنكَ ٱلَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي ٱلْكُفْرِ} تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم أي لا تحزن ولا تتألم يا محمد لأولئك المنافقين الذين يبادرون نحو الكفر بأقوالهم وأفعالهم، ولا تبال بما يظهر منهم من آثار الكيد للإِسلام وأهله {إِنَّهُمْ لَن يَضُرُّواْ ٱللَّهَ شَيْئاً} أي إِنهم بكفرهم لن يضروا الله شيئاً وإِنما يضرون أنفسهم {يُرِيدُ ٱللَّهُ أَلاَّ يَجْعَلَ لَهُمْ حَظّاً فِي ٱلآخِرَةِ} أي يريد تعالى بحكمته ومشيئته ألاّ يجعل لهم نصيباً من الثواب في الآخرة {وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} أي ولهم فوق الحرمان من الثواب عذاب عظيم في نار جهنم {إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُاْ ٱلْكُفْرَ بِٱلإِيمَانِ لَن يَضُرُّواْ ٱللَّهَ شَيْئاً وَلهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} أي الذين استبدلوا الكفر بالإِيمان وهم المنافقون المذكورون قبل، لن يضروا الله بكفرهم وارتدادهم ولهم عذاب مؤلم {وَلاَ يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَنْفُسِهِمْ} أي لا يظنَّن الكافرون أن إِمهالنا لهم بدون جزاء وعذاب، وإِطالتنا لأعمارهم خير لهم {إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوۤاْ إِثْمَاً} أي إِنما نمهلهم ونؤخر آجالهم ليكتسبوا المعاصي فتزداد آثامهم {وَلَهْمُ عَذَابٌ مُّهِينٌ} أي ولهم في الآخرة عذاب يهينهم {مَّا كَانَ ٱللَّهُ لِيَذَرَ ٱلْمُؤْمِنِينَ عَلَىٰ مَآ أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىٰ يَمِيزَ ٱلْخَبِيثَ مِنَ ٱلطَّيِّبِ} هذا وعدٌ من الله لرسوله بأنه سيميّز له المؤمن من المنافق والمعنى لن يترك الله المؤمنين مختلطين بالمنافقين حتى يبتليهم فيفصل بين هؤلاء وهؤلاء، كما فعل في غزوة أُحد حيث ظهر أهل الإِيمان وأهل النفاق قال ابن كثير "أي لا بدّ أن يعقد شيئاً من المحنة يظهر فيها وليُّه ويُفضح بها عدوه، يُعرف به المؤمن الصابر من المنافق الفاجر، كما ميّز بينهم يوم أُحد". {وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى ٱلْغَيْبِ} قال الطبري: وأولى الأقوال بتأويله: أي وما كان الله ليطلعكم على قلوب عباده فتعرفوا المؤمن من المنافق والكافر، ولكنه يميز بينهم بالمحن والإِبتلاء كما ميّز بينهم يوم أُحد بالبأساء وجهاد عدوه {وَلَكِنَّ ٱللَّهَ يَجْتَبِي مِن رُّسُلِهِ مَن يَشَآءُ} أي يختار من رسله من يشاء فيطلعهم على غيبه كما أطلع النبي صلى الله عليه وسلم على حال المنافقين {فَآمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِ} أي آمنوا إِيماناً صحيحاً بأن الله وحده المطلع على الغيب وأن ما يخبر به الرسول من أمور الغيب إِنما هو بوحي من الله {وَإِن تُؤْمِنُواْ وَتَتَّقُواْ فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ} أي وإِن تصدّقوا رسلي وتتقوا ربكم بطاعته فلكم ثواب عظيم {وَلاَ يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَآ آتَاهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَّهُمْ} لما بالغ تعالى في التحريض على بذل النفس في الجهاد شرع هنا في التحريض على بذل المال في سبيل الله، وذكر الوعيد الشديد لمن يبخل بماله والمعنى لا يحسبنَّ البخيلُ أن جمعه المال وبخله بإِنفاقه ينفعه، بل هو مضرّة عليه في دينه ودنياه {بَلْ هُوَ شَرٌّ لَّهُمْ} أي ليس كما يظنون بل ذلك البخلُ شرٌّ لهم {سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ} أي سيجعل الله ما بخلوا به طوقاً في أعناقهم يعذبون به يوم القيامة كما جاء في صحيح البخاري "حديث : من آتاه الله مالاً فلم يؤدّ زكاته مُثِّل له يوم القيامة شجاعاً أقرع - أي ثعباناً عظيماً - له زبيبتان فيأخذ بلهزمتيه - يعني شدقيه - ثم يقول: أنا مالك أنا كنزك ثم تلا صلى الله عليه وسلم {وَلاَ يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ} الآية {وَللَّهِ مِيرَاثُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ}" تفسير : أي جميع ما في الكون ملك له يعود إِليه بعد فناء خلقه {وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} أي مطلع على أعمالكم. البَلاغَة: قال في البحر: تضمنت هذه الآيات فنوناً من البلاغة والبديع: الإِطنابُ في {يَسْتَبْشِرُونَ} وفي {لَن يَضُرُّواْ} وفي اسم الجلالة في مواضع، والطباق في {أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ} وفي {ٱلْكُفْرَ بِٱلإِيمَانِ} والاستعارة في {ٱشْتَرَوُاْ ٱلْكُفْرَ} وفي {يُسَارِعُونَ فِي ٱلْكُفْرِ} وفي {ٱلْخَبِيثَ وَٱلطَّيِّبِ} إِذ يراد به المؤمن والمنافق والحذف في مواضع. فَائِدَة: قوله تعالى {حَسْبُنَا ٱللَّهُ وَنِعْمَ ٱلْوَكِيلُ} هي الكلمة التي قالها إِبراهيم عليه السلام حين ألقي في النار قال السيوطي في الإِكليل: يستحب قول هذه الكلمة عند الغمّ والأمور العظيمة.
الأندلسي
تفسير : {وَلاَ تَحْسَبَنَّ} بالتاء خطاب للسامع وبالياء أي ولا يحسبن وهو أي حاسب. قال الزمخشري: ويجوز أن يكون الذين قتلوا فاعلاً ويكون التقدير ولا يحسبنهم الذين قتلوا أمواتاً، أي لا يحسبن الذين قتلوا أنفسهم أمواتاً. فإِن قلت: كيف جاز حذف المفعول الأول؟ قلت: هو في الأصل مبتدأ فحذف كما حذف المبتدأ في قوله: أحياء، والمعنى هم أحياء الدلالة الكلام عليها. "انتهى" كلامه. أما تقديره فلا يحسبنهم الذين قتلوا ففيه تفسير الضمير بالفاعل الظاهر وهو لا يجوز فلا تقول حسبه زيد منطلقاً تريد حسب نفسه ولا ضربه زيد تريد ضرب نفسه زيد، وقد ذكرنا في البحر المواضع التي يفسر الضمير الاسم المتأخر أو الجملة اتفاقاً واختلافاً وليس منها الضمير الاذي يفسره الظاهر الفاعل وأما تجويزه حذف المفعول الأول في باب حسب. فقال الفارسي: حذفه اختصاراً عزيز جداً. وقال بعض أصحابنا: لا يجوز حذفه البتة وما كان هكذا فلا ينبغي أن يحمل عليه كلام الله تعالى وأما من حيث المعنى فيبعد ما قاله جداً لأن من كان حياً عند ربه مرزوقاً فرحاً مستبشراً لا ينهي أن يحسب نفسه ميتة فيجب أن تحمل قراءة الياء على أن الحاسب مضمر كما قررناه لتتفق القراءتان في كون الذين مفعولاً وإن اختلفتا من جهة الخطاب والغيبة. وإحياء بالرفع على تقدير بل هم احياء. وقرىء احياء بالنصب على تقدير بل تحسبهم احياء والظاهر ان فرحين حال من الضمير في يرزقون. {بِٱلَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم} هم الشهداء الذين يأتوا بعد من إخوانهم المؤمنين الذين تركوهم يجاهدون فيستشهدون فرحوا لأنفسهم ولمن يلحق بهم من الشهداء إذ يصيرون إلى ما صاروا إليه من كرامة الله. وجعل ابن عطية استبشر بمعنى الفعل المجرد لأنه يقال بشر كما قالوا استمجد المرغ والعفار بمعنى مجد، والأحسن أن يكون استبشر مطاوع أبشر كقولهم أكأنه فاستكان ومطاوعه استفعل لأفعل كثير لأنه من حيث المطاوعة يكون منفعلاً عن غيره فحصلت له البشرى بإِبشار الله له بذلك وأن هي المخففة من الثقيلة واسمها محذوف ضمير الشأن وخبرها الجملة المنفية بلا وان وما بعدها في تأويل مصدر مجرور على أنه بدل اشتمال من الذين فيكون هو المستبشر به في الحقيقة أو منصوب على أنه مفعول من أجله فيكون علة الاستبشار والمستبشر به غيره التقدير لأنه لا خوف عليهم والذوات لا يستبشر بها فلا بد من تقدير مضاف مناسب، والظاهر أن قوله: يستبشرون، استئناف إخبار. وليس بتوكيد للأول لاختلاف متعلق الفعلين الأول بانتفاء الخوف والحزن عن الذين لم يلحقوا بهم، والثاني قوله: بنعمة من الله وفضل، وذهب الزمخشري وابن عطية إلى أنه توكيد للأول. قال الزمخشري: وكرر يستبشرون ليعلق به ما هو بيان لقوله: {أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} من ذكر النعمة والفضل وان ذلك أجر لهم على إيمانهم يجب في عدل الله وحكمته ان يحصل لهم ولا يضيع. "انتهى". وهو على طريقة الاعتزال في ذكره وجوب الأجر وتحصيله على إيمانهم وسلك ابن عطية طريقة أهل السنة فقال: أكد استبشارهم بقوله: {يَسْتَبْشِرُونَ} ثم بين بقوله: وفضل إدخالهم الجنة الذي هو فضل منه لا بعمل أحد. وأما النعمة في الجنة والدرجات فقد أخبر انها على قدر الأعمال "انتهى". وقرىء وإن بكسر الهمزة وفتحها. {ٱلَّذِينَ ٱسْتَجَابُواْ للَّهِ وَٱلرَّسُولِ} الاستجابة كانت اثر الانصراف من أحد استنفر الرسول صلى الله عليه وسلم لطلب الكفار فاستجاب له تسعون. وقيل: لما كان اليوم الثاني من أحد وهو يوم الأحد نادى رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس باتباع المشركين. وقال: لا يخرجن معنا إلا من شاهدنا بالأمس وكانت بالناس جراحة وقرح عظيم ولكن تجلدوا ونهض معه مائتا رجل من المؤمنين حتى بلغ حمراء الأسد وهي على ثمانية أميال من المدينة وأقام بها ثلاثة أيام. {ٱلَّذِينَ قَالَ لَهُمُ ٱلنَّاسُ} الظاهر أن القائل هم ناس وليس واحداً، كما قال بعضهم: إنه نعيم بن مسعود الأشجعي. وقيل: الناس ركب من عبد القيس مروا على أبي سفيان يريدون المدينة للميرة فجعل لهم جعلاً وهو حمل إبلهم زبيباً على أن يخبروا أنه جمع ليستأصل بقية المؤمنين فأخبروا بذلك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه وهم إذ ذاك بحمراء الأسد: حسبنا الله ونعم الوكيل، والناس الثاني: قريش. {فَٱنْقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ} أي فرجعوا من بدر مصحوبين بنعمة من الله وهي السلامة وحذر العدوّ إياهم. {وَفَضْلٍ} وهو الربح في التجارة كقوله: {أية : لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ}تفسير : [البقرة: 198] هذا الذي اختاره الزمخشري في تفسير هذا الانقلاب ولم يذكر غيره وهو قول مجاهد. قال ابن عطية: والجمهور على أن معنى هذه الآية فانقلبوا بنعمة يريدون في السلامة والظهور وفي اتباع العدو وحماية الحوزة وبفضل في الأجر الذي حازوه والفخر الذي تخللوه وانها في غزوة أحد في الخرجة إلى حمراء الأسد. والجملة من قوله: لم يمسسهم في موضع الحال، وبنعمة في موضع الحال.
الجيلاني
تفسير : وبعدما بيَّن سبحانه جرائم المؤمنين يوم أُحد، وذلتهم ومتابعتهم للمنافقين في التخلف عن رسول الله، والميل إلى الغنيمة، وترك المركز مع كونهم مأمورين على خلافها، أراد أن ينبه عليهم سرائر الغزو والشهادة فيه، وبذل المهج في سبيله، فقال مخاطباً لرسوله على طريق الكف والنهي؛ لينبه من يقتدي به من المؤمنين؛ لأن أمثال هذه الخطابات والتنبيهات إنما يليق لمن وصل إلى ذورة مسالك التوحيد، وتحقق بنهاية مراتب التجريد والتفريد بقوله: {وَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} باذلين أرواحهم في طريق الفناء؛ ليفوزوا بشرف البقاء {أَمْوَاتاً} منقطعين عن الحياة والحركة، كالأموات الأخر {بَلْ} هم {أَحْيَاءٌ} ذو أوصاف وأسماء أزلية أبدية، مقربين بها {عِندَ رَبِّهِمْ} الجامع لجميع الأوصاف والأسماء {يُرْزَقُونَ} [آل عمران: 169] بها من عنده. {فَرِحِينَ بِمَآ آتَاهُمُ ٱللَّهُ} من موائد المعرفة والإحسان بواسطتهما {مِن فَضْلِهِ} دائماً، خالدين فيها {وَ} مع تلك اللذة والفرح {يَسْتَبْشِرُونَ} يطلبون الباشرة والشفاعة من الله {بِٱلَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ} من إخوانهم الذين بقوا من خلفهم في دار الدنيا التي هي دار الخوف والعناء، محل الخطر الفناء، قابلين لهم منادين، منبيهن أن {أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ} لم يحلقوا بنا {وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} [آل عمران: 170] لم يخلصوا عن الدنيا ولوازمها. بل {يَسْتَبْشِرُونَ} دائماً لأنفسهم ولإخوانهمه {بِنِعْمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَفَضْلٍ} جزاء لما جاهدوا في سيله وفضل مع عطاء منه، وامتناناً عليهم من لطفه {وَ} اعلموا أيها العاملون؛ لرضاء الله، المجاهدون في سبيله {أَنَّ ٱللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} [آل عمران: 171] الذين بذلوا جهدهم في محبة الله ومحبة رسوله صلى الله عليه وسلم خصوصاً. {ٱلَّذِينَ ٱسْتَجَابُواْ} طلبوا الإجابة {للَّهِ وَٱلرَّسُولِ} حين دعاهم الله ورسوله إلى المقاتلة {مِن بَعْدِ مَآ أَصَابَهُمُ ٱلْقَرْحُ} من العدو بلا مماطلة وتسويف، بل رغبتهم أشد من الكرة الأولى. وذلك أن أبا سفيان وأصحابه لما رجعوا من المدينة، فبلغوا الروحاء ندموا وقصدوا الرجوع؛ ليستأصلوهم، فبلغهم الخبر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فندب أصحابه للخروج في طلبهم، وقال: لا يخرج معنا اليوم إلا من كان معنا أمس. فخرج صلى الله عليه وسلم مع جماعة من المؤمنين حتى بلغوا حمراء الأسد، وهي على ثمانية أميال من المدينة، وكان بأصحابه الفرح والسرور، متلهفين، متحسرين للشهادة، مشتوقين إلى مرتبة إخوانهم الذين استشهدوا في سبيل الله، فمر بهم معبد الخزاعي، وكان مشركاً يومئذ، فقال: يا محمد، لقد عز علينا ما أصابك وأصاحبك، ثم خرج فلقي أبا سفيان بالروحاء، فقال له أبو سفيان: ما وراءك يا معبد؟ قال: محمد قد خرج مع أصحابه، يطلبونكم على مهور لم أر مثلهم في الجراءة أحداً، يتحرقون عليكم تحرقاً لو لقيتم، قال أبو سفيان: ويلك! ما تقول؟ قال: والله، ما أراك تحل حتى ترى نواحي الخيل، قال: فوالله لقد أجمعنا للكرة عليهم؛ لنستأصل بقيتهم، قال: فإني والله، أنهاك عن ذلك. فألقى الله الرغب في قلوبهم، فرجعوا مستوحشين منهم، لذلك قال سبحانه في حق المؤمنين {لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ} ببذل المهج في سبيل الله، بالخروج مع رسوله {مِنْهُمْ وَٱتَّقَواْ} عن مخالفة أمر الله ورسوله {أَجْرٌ عَظِيمٌ} [آل عمران: 172] لا أجر أعظم منه، وهو الفوز بالبقاء الأيدي والحياة السرمدية، وهم من كمال إيمانهم بهم. {ٱلَّذِينَ قَالَ لَهُمُ ٱلنَّاسُ} المخبرون لهم، ترحماً وتحذيراً: {إِنَّ ٱلنَّاسَ} يعني: أبو سفيان وأصحابه {قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ} ليكروا عليكم ويستأصلوكم {فَٱخْشَوْهُمْ} حتى لا يلحقكم شر العدو ثانياً {فَزَادَهُمْ} قول المخبرين {إِيمَاناً} إطاعة وانقياداً وتسليماً وإحساناً {وَقَالُواْ} في جوابهم من غاية رضاهم ونهاية تفويضهم: {حَسْبُنَا ٱللَّهُ} وكافينا، يكفينا عنايته لنا في حياتنا ومماتنا {وَنِعْمَ ٱلْوَكِيلُ} [آل عمران: 173] هو لمصالحنا، نفوض أمورنا كلها إليه، نعتصم به من سخطه وغضبه.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : ثم أخبر عن حال من رزق الاستشهاد ومن قتل في الجهاد بقوله تعالى: {وَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أَمْوَاتاً} [آل عمران: 169]، إشارة في الآية: إن أرباب القلوب الذين قتلوا أنفسهم بسيف الصدق في سبيل السير إلى الله تعالى، فلا تحسبن أهل الغفلة والبطالة إنهم أموات وما ماتت نفوسهم، {بَلْ أَحْيَاءٌ} [آل عمران: 169] قلوبهم، {عِندَ رَبِّهِمْ} [آل عمران: 169] بنور جماله، كما قال تعالى: {أية : أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَٰهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ}تفسير : [الأنعام: 122]، {يُرْزَقُونَ} [آل عمران: 169]، من كؤوس تجلي الصفات ساقيهم شراب الشهود، {فَرِحِينَ بِمَآ آتَاهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ} [آل عمران: 170]؛ أي: بما جذبتهم العناية الإلهية إلى عالم الوصول، {وَيَسْتَبْشِرُونَ بِٱلَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ} [آل عمران: 170]، من إخوان الصدق ومريديهم، {لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ} [آل عمران: 170]، وهو بعد في سلوك الطريق إلى الله تعالى، {أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ} [آل عمران: 170] من الانقطاع في الطريق؛ لأنهم شاهدوا وعاينوا إن متابعيهم مجذوبون بجذبات الحق، وإنه لا انقطاع بها فيصلون إليهم، {وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} [آل عمران: 170]، على فوات الحياة النفسانية؛ لفوزهم بالحياة الربانية. ثم أخبر عن الاستبشار بفضل الملك الغفار بقوله تعالى: {يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ ٱللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} [آل عمران: 171]، والإشارة في الآيات: إن الشهداء الذين استشهدوا في طلب الحق بسيف الصدق، يستبشرون عند فناء البشرية بنعمة من الله وهي البقاء ببقاء الإلوهية؛ لأنه قال تعالى: {بِنِعْمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ} [آل عمران: 171] لا من الجنة وغيرها، {وَفَضْلٍ} [آل عمران: 171]؛ أي: إعطائهم هذه النعمة إنما كان بفضل منه لا بمجازاة أعمالهم على الحقيقية؛ لأن المجازاة إنما تكون بالأمثال والأضعاف، كقوله تعالى: {أية : مَن جَآءَ بِٱلْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا}تفسير : [الأنعام: 160]، و {أية : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} تفسير : [الشورى: 11]، فاعلم جدًّا {وَأَنَّ ٱللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} [آل عمران: 171]؛ يعني: إذا أعطاهم نعمة البقاء بفضل منه لا مجازاة أعمالهم فلا يضيع أجر أعمالهم، فيجازيهم بالجنة ونعيمها {أية : جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ}تفسير : [السجدة: 17]، كما قال تعالى: {أية : لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ ٱلْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌ}تفسير : [يونس: 26]؛ الحسنى: عفي الجنة، والزيادة هي: النعمة التي من فضل الله وفضل الله منه. ثم وصفهم وقال تعالى: {ٱلَّذِينَ ٱسْتَجَابُواْ للَّهِ} [آل عمران: 172] عند الميثاق الأول، إذ قال: {أية : أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ}تفسير : [الأعراف: 172] فأجابوه: {أية : قَالُواْ بَلَىٰ}تفسير : [الأعراف: 172]، أقررنا بالربوبية والوحدانية، {وَٱلرَّسُولِ} [آل عمران: 172]، فأجابوه بقبول دعوة أتباعه في أخذ ما أتاهم وانتهاء ما نهاهم عنه، {مِن بَعْدِ مَآ أَصَابَهُمُ ٱلْقَرْحُ} [آل عمران: 172]؛ أي: جراحة المفارقة من حظائر القدس وجوار رب العالمين، فإن الخلائق استجابوا لله عامتهم إذ {أية : قَالُواْ بَلَىٰ}تفسير : [الأعراف: 172]، قيل: أصابهم قرح المفارقة من تلك الحضرة، وما استجاب للرسول من بعد ما أصابهم قرح المفارقة، إلا خواصهم وهم الذين اتقوا الشرك الجلي والخفي منهم، وأحسنوا في العبودية، كما قال تعالى: {لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ مِنْهُمْ وَٱتَّقَواْ أَجْرٌ عَظِيمٌ} [آل عمران: 172]، وهو نعمة البقاء بالله التي هي الفضل من الله، يدل عليه قوله تعالى: {أية : وَكَانَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً}تفسير : [النساء: 113]. ثم وصفهم بصفة أخرى هي تتمة كلامه، وقال تعالى: {ٱلَّذِينَ قَالَ لَهُمُ ٱلنَّاسُ} [آل عمران: 173]؛ يعني: بالنفس الأمارة بالسوء الناسية تلك المخاطبة عند الميثاق، {إِنَّ ٱلنَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَٱخْشَوْهُمْ} [آل عمران: 173]، واهربوا منهم، وفي الحقيقة؛ أي: القلب ودواعي الحق [لو صدقوكم] أيتها النفس اللوامة؛ لغنوكم عنكم بسطوة ذكر الله وتجلي صفاته، فاخشوهم بترك الذكر والمراقبة {فَزَادَهُمْ إِيمَاناً} [آل عمران: 173]، أما لأهل الظاهر بالتفكر في عواقب الأمور، فعلموا أن الدنيا فانية وأن {أية : كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ}تفسير : [الرحمن: 26]، وتحققوا أن المقتولين في سبيل الله {أية : أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ} تفسير : [آل عمران: 169]، فزادهم نور الإيمان، وشاهدوا بذلك النور الزائد مقامات أهل الزيادة عند ربهم فزهدوا في الدنيا وما فيها؛ طلباً مقام العندية في مقعد الصدق، {وَقَالُواْ حَسْبُنَا ٱللَّهُ وَنِعْمَ ٱلْوَكِيلُ} [آل عمران: 173]، وأما لأهل الحقيقة فبشواهد الغيب كوشفوا أن الحجاب الأصلي والمانع الحقيقي لهم عن المقصد والمقصود وهي النفس وصفاتها فاشتاقوا إلى فنائها وارتحلوا عن فنائها، ونادى رب العزة: "حديث : أنا يا أهل العزة، [الراجين ذلك] المقام، دع نفسك وتعال"تفسير : ، فزادهم صار الإيمان عياناً، فودعوا الملوثات وخلفوا المكونات، {وَقَالُواْ حَسْبُنَا ٱللَّهُ وَنِعْمَ ٱلْوَكِيلُ} [آل عمران: 173]، كما قال الخليل عليه السلام مع جبريل عليه السلام، والذي أشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم قوله: "حديث : كان آخر ما تكلم به إبراهيم عليه السلام حين ألقي في النار: حسبي الله ونعم الوكيل"تفسير : ؛ يعني: آخر مقام الخلة أن يكبر عن نفسه وما سواه، كما قال بعضهم: حب الواحد انفراد الواحد.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : هذه الآيات الكريمة فيها فضيلة الشهداء وكرامتهم، وما منَّ الله عليهم به من فضله وإحسانه، وفي ضمنها تسلية الأحياء عن قتلاهم وتعزيتهم، وتنشيطهم للقتال في سبيل الله والتعرض للشهادة، فقال: { ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله } أي: في جهاد أعداء الدين، قاصدين بذلك إعلاء كلمة الله { أمواتا } أي: لا يخطر ببالك وحسبانك أنهم ماتوا وفقدوا، وذهبت عنهم لذة الحياة الدنيا والتمتع بزهرتها، الذي يحذر من فواته، من جبن عن القتال، وزهد في الشهادة. { بل } قد حصل لهم أعظم مما يتنافس فيه المتنافسون. فهم { أحياء عند ربهم } في دار كرامته. ولفظ: { عند ربهم } يقتضي علو درجتهم، وقربهم من ربهم، { يرزقون } من أنواع النعيم الذي لا يعلم وصفه، إلا من أنعم به عليهم، ومع هذا { فرحين بما آتاهم الله من فضله } أي: مغتبطين بذلك، قد قرت به عيونهم، وفرحت به نفوسهم، وذلك لحسنه وكثرته، وعظمته، وكمال اللذة في الوصول إليه، وعدم المنغص، فجمع الله لهم بين نعيم البدن بالرزق، ونعيم القلب والروح بالفرح بما آتاهم من فضله: فتم لهم النعيم والسرور، وجعلوا { يستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم } أي: يبشر بعضهم بعضا، بوصول إخوانهم الذين لم يلحقوا بهم، وأنهم سينالون ما نالوا، { ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون } أي: يستبشرون بزوال المحذور عنهم وعن إخوانهم المستلزم كمال السرور { يستبشرون بنعمة من الله وفضل } أي: يهنىء بعضهم بعضا، بأعظم مهنأ به، وهو: نعمة ربهم، وفضله، وإحسانه، { وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين } بل ينميه ويشكره، ويزيده من فضله، ما لا يصل إليه سعيهم. وفي هذه الآيات إثبات نعيم البرزخ، وأن الشهداء في أعلى مكان عند ربهم، وفيه تلاقي أرواح أهل الخير، وزيارة بعضهم بعضا، وتبشير بعضهم بعضا.
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير : 166 : 30 : 12 - سفين عن الأعمش عن عبد الله بن مرة عن مسروق قال،حديث : سألنا بن مسعود عن قول الله تبارك وتعالى {وَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ} قال، أرواح الشهداء عند الله كطير خضر، تأوي إلى قناديل معلقة بالعرش، تسرح في الجنة حيث شاءت. فاطلع إليها ربك اطلاعه، فقال: "هل تشتهون من شيء فأزيدكم"؟ فقالوا: "ربنا أليس آتيتنا الجنة، نسرح فيها حيث نشاء"؟ ثم اطلع الثانية، فقال لهم مثل ذلك، وقالوا مثل ما قالوا أول مرة. ثم اطلع إليهم الثالثة. فسألهن: "هل تشتهون شيئاً فأزيدكم"؟ قالوا: "ترد أرواحنا إلى أجسادنا، فنقتل في سبيلك مرة اخرى"تفسير : . [الآية 169].
همام الصنعاني
تفسير : 481- عبد الرزاق قال: أنبأنا معمر عن قتادة، في قوله تعالى: {وَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ}: [الآية: 169]، قال: بلغنا أن أرواح الشهداء في صور طير بيض تأكل من ثمار الجنة، قال معمر وقال الكلبي: في صور طير خضر تسرح في الجنة وتأوي إلى قنادي تحت العرش. 482- عبد الرزاق، قال: حدثنا الثوري، عن الأعمش، عن عبد الله بن مرة، عن مسروق، قال: سألنا عبد الله بن عمر عن هذه الآية: {وَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ}: [الآية: 169]، قال: أرواح الشهداء عند الله كطير خضر، لها قنادي معلقة بالعرش، تسرح في أي الجنة شاءت. قال: واطلع إليهم ربك اطلاعةً فقال: هل تشتهون من شيء فأزيدكموه؟ قالوا: ربنا، ألسنا نسرح في الجنة في أيها شاءت! ثم اطَّلع إليهم الثانية فقال: هل تشتهون من شيءٍ فأزيدكموه؟ فقالوا: ربنا ألسنا نسرح في الجنة في أيّها شئنا ثم اطلع إليه الثالثة فقال: هل تشتهون من شيءٍ فأزيدكموه؟ فقالوا: ربنا تعُيدُ أرواحنا في أجسادنا فنقاتل في سبيلك فُنْقَتلُ مرة أخرى! قال: فسكت عنهم. 483- عبد الرزاق، قال: أخبرني ابن عُيَيْنة، عن عطاء بن السائب، عن أبي عبيدة، عن عبد الله: أنهم قالوا في الثالثة حين قال: هل تشتهون شيئاً فأزيدكموه؟ قالوا: تقرئ نبينا عنا السلام وتُخبره أنْ قدْ رضينا ورُضِيَ عنّا. 484- عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر عن الزهري، عن ابن كعب بن مالك قال: قالت أم مبشر لكعب بن مالك وهو شاكلٍ: اقرأ على ابني السلام - تعني مبشراً - فقال: يغفر الله لكِ يا أم بشر، أو لم تسمعي ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إنما نسمة المسلم طَيْرُ تَعْلَقُ في شجر الجنّة حتى يُرجِعه الله إلى جسده يوم القيامة"تفسير : قال: ضعفت، فأستغفر الله.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):