Verse. 463 (AR)

٣ - آلِ عِمْرَان

3 - Al-Imran (AR)

فَرِحِيْنَ بِمَاۗ اٰتٰىھُمُ اللہُ مِنْ فَضْلِہٖ۝۰ۙ وَيَسْـتَبْشِرُوْنَ بِالَّذِيْنَ لَمْ يَلْحَقُوْا بِھِمْ مِّنْ خَلْفِھِمْ۝۰ۙ اَلَّا خَوْفٌ عَلَيْھِمْ وَلَا ھُمْ يَحْزَنُوْنَ۝۱۷۰ۘ
Fariheena bima atahumu Allahu min fadlihi wayastabshiroona biallatheena lam yalhaqoo bihim min khalfihim alla khawfun AAalayhim wala hum yahzanoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«فرحين» حال من ضمير يُرزقون «بما آتاهم الله من فضله و» هم «يستبشرون» يفرحون «بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم» من إخوانهم المؤمنين ويبدل من الذين «أ» نْ أي بأن «لا خوف عليهم» أي الذين لم يلحقوا بهم «ولا هم يحزنون» في الآخرة المعنى يفرحون بأمنهم وفرحهم.

170

Tafseer

المحلي و السيوطي

تفسير : {فَرِحِينَ } حال من ضمير (يُرزقون) {بِمَا ءَاتَٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ و } هم {يَسْتَبْشِرُونَ } يفرحون {بِٱلَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مّنْ خَلْفِهِمْ } من إخوانهم المؤمنين ويبدل من (الذين) {أَ}نْ أي بأن { لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ } أي الذين لم يلحقوا بهم {وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } في الآخرة المعنى يفرحون بأمنهم وفرحهم.

ابن عطية

تفسير : {يستبشرون} معناه: يسرون ويفرحون، وليست استفعل في هذا الموضع بمعنى طلب البشارة، بل هي بمعنىاستغنى الله واستمجد المرخ والعفار، وذهب قتادة والربيع وابن جريج وغيرهم: إلى أن هذا الاستبشار إنما هو بأنهم يقولون: إخواننا الذين تركناهم خلفنا في الدنيا يقاتلون في سبيل الله مع نبيهم فيستشهدون فينالون من الكرامة مثل ما نحن فيه فيسرون لهم بذلك، إذ يحصلون لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، وذهب فريق من العلماء وأشار إليه الزجّاج وابن فورك: إلى أن الإشارة في قوله: {بالذين لم يلحقوا} إلى جميع المؤمنين، أي لم يلحقوا بهم في فضل الشهادة لكن الشهداء لما عاينوا ثواب الله، وقع اليقين بأن دين الإسلام هو الحق الذي يثيب الله عليه، فهم فرحون لأنفسهم بما آتاهم الله من فضله، {ويستبشرون} للمؤمنين بأنهم لا خوف عليهم ولا هم يحزنون"، و {ألا} مفعول من أجله، التقدير، بأن لا خوف، ويجوز أن يكون في موضع خفض بدل اشتمال. ثم أكد تعالى استبشارهم بقوله: {يستبشرون بنعمة} ثم بين تعالى بقوله: {وفضل} فوقع إدخاله إياهم الجنة الذي هو فضل منه لا بعمل أحد، وأما النعمة في الجنة والدرجات فقد أخبر أنها على قدر الأعمال، وقرأ الكسائي وجماعة من أهل العلم: "وإن الله"- بكسر الألف من "أن"، وقرأ باقي السبعة وجمهور العلماء: "وأن الله"- بفتح الألف، فمن قرأ بالفتح فذلك داخل فيما يستبشر به، المعنى، بنعمة وبأن الله، ومن قرأ بالكسر فهو إخبار مستأنف، وقرأ عبد الله "وفضل والله لا يضيع". وقوله تعالى: {الذين استجابوا} يحتمل أن تكون {الذين} صفة للمؤمنين على قراءة من كسر الألف من "إن"، والأظهر أن {الذين} ابتداء وخبره في قوله تعالى: {للذين أحسنوا} الآية، فهذه الجملة هي خبر الابتداء الأول، والمستجيبون لله والرسول هم الذين خرجوا مع النبي صلى الله عليه وسلم إلى حمراء الأسد في طلب قريش وانتظارهم لهم وذلك أنه لما كان في يوم الأحد وهو الثاني من يوم أحد نادى رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس باتباع المشركين، وقال: لا يخرجن معنا إلا من شاهدنا بالأمس، وكانت بالناس جراحة وقرح عظيم، ولكن تجلدوا ونهض معه مائتا رجل من المؤمنين حتى بلغ حمراء الأسد، وهي على ثمانية أميال من المدينة، وأقام بها ثلاثة أيام، وجرت قصة معبد بن أبي معبد التي ذكرناها، ومرت قريش وانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، فأنزل الله تعالى في شأن أولئك المستجيبين هذه الآية، ومدحهم لصبرهم، وروي أنه خرج في الناس أخوان وبهما جراحة شديدة وكان أحدهما قد ضعف، فكان أخوه يحمله عقبه ويمشي هو عقبة، ورغب جابر بن عبد الله إلى النبي صلى الله عليه وسلم في الخروج معه فأذن له، وأخبرهم تعالى أن الأجر العظيم قد تحصل لهم بهذه الفعلة، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنها غزوة.

ابن عبد السلام

تفسير : {وَيَسْتَبْشِرُونَ} يقولون إِخواننا يُقتلون كما قُتلنا فيُكرمون بما أُكرمنا، أو يؤتى الشهيد بكتاب يذكر فيه من يقدم عليه من إخوانه بشارة فيستبشر كما يستبشر أهل الغائب بقدومه.

الخازن

تفسير : {فرحين بما آتاهم الله من فضله} يعني بما أعطاهم من الثواب والكرامة والإحسان والإفضال في دار النعيم {ويستبشرون} أي يفرحون والاستبشار هو الفرح والسرور الذي يحصل للإنسان عند البشارة {بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم} يعني من إخوانهم الذين تركوهم أحياء في الدنيا على منهج الإيمان والجهاد لعلمهم بأنهم إذا استشهدوا سألوا الله عز وجل أن يخبر إخوانهم بما ناولوا من الخير والكرامة ليرغبوا في الجهاد فأخبرهم الله عز وجل إني قد أنزلت على نبّي محمد صلى الله عليه وسلم وأخبرته بحالكم وما صرتم إليه من الكرامة وأن محمداً صلى الله عليه وسلم قد أخبر إخوانكم بذلك ففرحوا بذلك واستبشروا {أن لا خوف عليهم} يعني في الآخرة {ولا هم يحزنون} يعني على ما فاتهم من نعيم الدنيا.

ابو السعود

تفسير : {فَرِحِينَ بِمَا ءاتَـٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ} وهو شرفُ الشهادةِ والفوزُ بالحياة الأبديةِ والزلفىٰ من الله عز وجل والتمتُّع بالنعيم المخلِّد عاجلاً. {وَيَسْتَبْشِرُونَ} يُسِرّون بالبشارة {بِٱلَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم} أي بإخوانهم الذين لم يُقتلوا بعدُ في سبـيل الله فيلحقوا بهم {مّنْ خَلْفِهِمْ} متعلقٌ بـيلحقوا والمعنى أنهم بقُوا بعدهم وهم قد تقدموهم، أو بمحذوف وقع حالاً من فاعل يلحقوا أي لم يلحقوا بهم حالَ كونِهم متخلِّفين عنهم باقين في الدنيا {أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} بدلٌ من الذين بدلَ اشتمالٍ مبـينٍ لكون استبشارِهم بحال إخوانِهم لا بذواتهم. وأن هي المخففةُ من أنّ واسمُها ضميرُ الشأنِ المحذوفِ، وخبرُها الجملةُ المنفيةُ أي يستبشرون بما تبـين لهم من حسن حالِ إخوانِهم الذين تركوهم وهو أنهم عند قتلِهم يفوزون بحياة أبديةٍ لا يكدِّرُها خوفٌ [ولا] وقوعُ محذور ولا حزنٌ [على] فوات مطلوبٍ، أو لا خوفٌ عليهم في الدنيا من القتل فإنه عينُ الحياةِ التي يجب أن يُرغَبَ فيها فضلاً عن أن تُخافَ وتحذَر، أي لا يعتريهم ما يوجب ذلك لا أنه يعتريهم ذلك لكنهم لا يخافون ولا يحزنون، والمرادُ بـيانُ دوامِ انتفاءِ الخوفِ والحزنِ لا بـيانُ انتفاءِ دوامِهما كما يوهمه كونُ الخبرِ في الجملة الثانيةِ مضارعاً، فإن النفيَ وإن دخل على نفس المضارعِ يفيدُ الدوامَ والاستمرارَ بحسب المقام.

اسماعيل حقي

تفسير : {فرحين بما آتاهم الله من فضله} وهو شرف الشهادة والفوز بالحياة الابدية والزلفى من الله تعالى والتمتع بالنعيم المخلد عاجلا {ويستبشرون} معطوف على قوله فرحين عطف الفعل على الاسم لكون الفعل فى تأويل الاسم كأنه قيل فرحين ومستبشرين وبناء استفعل ليس للطلب بل هو بمعنى المجرد نحو استغنى الله اى غنى وقد سمع بشر الرجل بكسر العين فيكون استبشر بمعناه وقيل هو مطاوع ابشر نحو أراحه فاستراح فان البشرى حصلت لهم بابشار الله تعالى واليه اشار الزمخشري فى الكشاف بقوله بشرهم الله بذلك فهم مستبشرون به والبيضاوى بقوله يسرون بالبشارة {بالذين لم يلحقوا بهم} اى باخوانهم الذين لم يقتلوا بعده فى سبيل الله فيلحقوا بهم {من خلفهم} متعلق بيلحقوا والمعنى انهم بقوا بعدهم وهم قد تقدموهم {ان لا خوف عليهم ولا هم يحزنون} بدل من الذين بدل اشتمال مبين لكون استبشارهم بحال اخوانهم لا بذواتهم وان هى المخففة اى يفرحون بما بشر لهم وبين من حيث حال اخوانهم الذين تركوهم وهو انهم اذا ماتوا او قتلوا يفوزون بحياة ابدية لا يدركها خوف وقوع محذور ولا حزن فوت مطلوب والخوف يكون بسبب توقع المكروه النازل فى المستقبل والحزن يكون بسبب فوت المنافع التى كانت موجودة فى الماضى فبين الله انه لا خوف عليهم مما سيأتيهم من اهوال القيامة واحوالها ولا حزن لهم مما فاتهم من نعم الدنيا ولذاتها.

الطوسي

تفسير : الاعراب: قوله: {فرحين} نصب على الحال من {يرزقون} وهو أولى من رفعه على بل أحياء لأن النصب ينبئ عن اجتماع الرزق والفرح في حال واحدة، ولو رفع على الاستئناف لكان جائزاً. وقال الفراء: يجوز نصبه على القطع عن الأول. المعنى، واللغة: وقوله: {بما آتاهم الله من فضله} معناه بما أعطاهم الله من ضروب نعمه، ومعنى يستبشرون أي يسرون بالبشارة وأصل الاستفعال طلب الفعل فالمستبشر بمنزلة من طلب السرور في البشارة، فوجده. وأصل البشارة من البشرة وذلك لظهور السرور بها في بشرة الوجه. ومنه البشر لظهور بشرته. ومعنى قوله: {ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم} أي هم بمنزلة من قد بشر في صاحبه بما يسر به. ولأهل التأويل فيه قولان: أحدهما - قال ابن جريج، وقتادة: يقولون: اخواننا يقتلون كما قتلنا فيصيبون من كرامة الله ما أصبنا. والآخر - أنه يؤتى الشهيد بكتاب فيه ذكر من يقدم عليه من اخوانه يبشر ذلك فيستبشر كما يستبشر أهل الغائب بقدومه في الدنيا - ذكره السدي - وقال الزجاج: معناه أنهم لم يلحقوا بهم في الفعل إلا أن لهم فضلا عظيما بتصديقهم وإيمانهم. ولحقت ذلك والحقت غيري، مثل علمت وأعلمت، وقيل لحقت وألحقت لغتان بمعنى واحد مثل بان وأبان، وعلى ذلك: إن عذابك بالكفار ملحق أي لاحق على هذا أكثر نقاد الحديث. وروى بعض الثقات ملحق بنصب الحاء ذكره البلخي. وقوله: {ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون} قيل في موضع أن قولان: أحدهما - انه خفض بالباء وتقديره بان لا خوف، هذا قول الخليل، والكسائي والزجاج. الثاني - ان يكون موضعه نصباً على أنه لما حذف حرف الجر نصب بالفعل كما قال الشاعر: شعر : أمرتك الخير تفسير : أي بالخير في قول غيرهم.

الجنابذي

تفسير : {فَرِحِينَ بِمَآ آتَاهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ} فضل الله يطلق على نعمه الّتى يفيضها على عباده من جهة كثراتهم مثل احكام الرّسالة والنّعم الّتى يجازى الله العباد بها بسبب قبول احكام الرّسالة والعمل بها كما انّ الرّحمة تطلق على النّعم الّتى يفيضها على العباد من جهة وحدتهم مثل الولاية وآثارها والمجازاة بها {وَيَسْتَبْشِرُونَ} يفرحون او يطلبون الفرح او يبشّرون انفسهم او غيرهم {بِٱلَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم} بحسب الزّمان كالمؤمنين الّذين لم يقتلوا ولم يموتوا او بحسب الرّتبة كالمؤمنين الّذين لم يلحقوا برتبتهم ودرجتهم {مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} قد مضى وجه الاختلاف بين القرينتين فى اوّل البقرة.

اطفيش

تفسير : {فَرِحِينَ بِمَآ آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ}: بما يرزقون من ثمارها وتحفها، ومن التوفيق فى الدنيا للإسلام، والشهادة وفى وصفهم بأنهم يرزقون تأكيد لمعنى الحياة فى قوله {بل أحياء} لأنه إنما يأكل ويشرب ويتلذذ الحى. و{فرحين}: حال من واو {يرزقون}. {وَيَسْتَبْشِرُونَ}: يفرحون وهو استفعال موافق للمجرد، فهو بمعنى بشر - بكسر الشين - أى فرح أو للمبالغة، أى يكثر فرحهم، أو يعظم، أو مطاوع لأبشر، أى: بشرهم الله، أى سرهم الله وبشرهم فاستبشروا، وجملة {يستبشرون} معطوفة على {يرزقون}، أو على فرحين ولو كان {فرحين} اسما، لأن {يستبشرون} بمعنى مستبشرين، أى فرحين ومستبشرين، كقوله تعالى {أية : صافات ويقبضن}تفسير : أو هى خبر لمحذوف، أى: وهم يستبشرون، والمجموع حال من ضمير فى فرحين، أو من هاء آتاهم، لا من ما، أو عائدها المحذوف، كما قيل أو المجموع معطوف على أحياء فى قوله {بل أحياء}. {بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِمْ}: بإخوانهم المسلمين الذين عرفوهم فى الدنيا، ولم يلحقوا بهم بالموت، أو القتل، بل هم فى الدنيا، كما قال. {مِّنْ خَلْفِهِمْ}: أى تأخر زمان موتهم أو قتلهم أو بكل مؤمن بعدهم فى زمانهم، أو بعده عرفوه، أو لم يعرفوه، أو بمن لم يلحق بهم، فى درجاتهم وكان دونهم ممن هو مؤمن، وليس شهيداً، وهذا التفسير هو الذى ظهر لى، ثم رأيته لقتادة وغيره. {أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ}: فى الآخرة. {وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ}: عما فاتهم من الدنيا لمصيرهم إلى ما هو خير، وأن لا خوف: بدل اشتمال من الذين، أى: يستبشرون بعدم خوف من سيموت، أو يقتل، من المؤمنين وعدم حزنه، فهم يفرحون بما هم فيه، وبما أعد لإخوانهم فى الله من الكرامة على الشهادة وغيرها، وقيل يستبشرون للطلب على الأصل، أى يطلبون البشارة من الله لإخوانهم الذين فارقوهم، على دينهم، بما نالوا من الكرامة، فيبعثهم دعاؤهم على الجهاد والعبادة، وعن ابن عباس رضى الله عنهما، ينزل على الشهداء صحف مكتوب فيها أسماء من يلحق بهم ممن يستشهدون بعدهم، وفى الآيات الحث على الجهاد. قال أبو هريرة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ضمن الله لمن خرج فى سبيله لا يخرجه إلا جهاد فى سبيلى وإيمان بى، وتصديق برسلى، أن أدخله الجنة إن مات أو أرجعه إلى مسكنه الذى خرج منه، نائلا، ما نال من أجر وغنيمة، والذى نفس محمد بيده، ما من كَلِم يكلم فى سبيل الله إلا جاء يوم القيامة كهيئته حين يكلّم، لونه لون دم، وريحه ريح مسك، والذى نفس محمد بيده لولا أن أشق على المسلمين ما قعد رجل خلف سرية تغزو فى سبيل الله أبداً، ولكن لا أجد سعة فأحملهم ولا يجدون سعة، ويشق عليهم أن يتخلفوا عنى، والذى نفس محمد بيده، لوددت أنى أغزو فى سبيل الله فأقتل ثم أغزو فأقتل، ثم أغزو فأقتل"تفسير : . وعن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "حديث : لَغَدْوةٌ فى سبيل الله أو روحةُ خير من الدنيا وما فيها، ولموقف رجل فى الصف أفضل من عبادة ستين سنة"تفسير : . وعن سهل بن سعد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : رباط يوم فى سبيل الله خير من الدنيا وما فيها، وموضع سوط أحدكم من الجنة خير من الدنيا وما فيها"تفسير : . وعن فضالة بن عبيد الله عن رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : كُلُّ ميت يختتم على عمله إلا المرابط فى سبيل الله لأنه ينمى له عمله إلى يوم القيامة، ويؤمن من فتنة القبر" تفسير : أى ينمى له عمله مع أنه لا عمل بعد الموت ولا ترك ما ينمى به ولا يعمل له أحد رباطاً بخلاف من ترك ولداً صالحاً، أو صدقة جارية، أو نحو ذلك مما يزيد بعده، أو عمل له أحد. وعن معاذ بن جبل قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من قاتل فى سبيل الله فوق ناقة وجبت له الجنة، ومن يسأل القتل فى سبيل الله صادقاً من نفسه ثم مات أو قتل كان له أجر شهيد، ومن جرح جرحاً فى سبيل الله أو نكب نكبة فإنها تجىء يوم القيامة كأغرز ما كانت، لونها لون الزعفران، وريحها ريح المسك، ومن جرح فى سبيل الله فإن عليه طابع الشهداء"تفسير : . وعن أبى سعيد: حديث : أتى رجل إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم فقال: أى الناس أفضل؟. قال: "مؤمن مجاهد بنفسه وماله فى سبيل الله" قال: ثم من؟. قال: "رجل فى شعب من الشعاب يعبد الله ويبعد الناس من شره"تفسير : . وعن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : من احتبس فرساً فى سبيل الله إيماناً واحتساباً وتصديقاً بوعده، فإن شِبَعه وريَّه وروثه وبوله فى ميزانه يوم القيامة"تفسير : يعنى حسنات. قال أنس بن مالك: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ما من أحد يدخل الجنة فيحب أن يرجع إلى الدنيا وله ما على الأرض إلا الشهيد، يتمنى أن يرجع إلى الدنيا، فيقتل عشر مرات لما يرى من الكرامة"تفسير : . وفى رواية لما يرى من فضل الشهادة، وعن أبى هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ما يجد الشهيد من ألم القتل إلا كما يجد أحدكم من القرصة"تفسير : . قال أبو الدرداء: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : يشفع الشهيد فى سبعين من أهل بيته"تفسير : وقال أبو هريرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : غبار فى سبيل الله، ودخان جهنم لا يجتمعان فى جوف عبد أبداً"تفسير : . وفى رواية: "حديث : فى منخرى عبد مسلم ولا يجتمع الشحّ والإيمان فى قلب عبد أبداً"تفسير : وعن ابن عباس رضى الله عنهما قال حديث : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث ابن رواحه فى سرية فوافق ذلك اليوم يوم جمعة فقال: أصلى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الجمعة، ثم ألحق بأصحابى، وقد غدا أصحابه فلما صلى الجمعة رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "مالك لم تغد مع أصحابك؟" فقال: أحببت أن أصلى معك الجمعة ثم ألحق بأصحابى. فقال: "لو أنفقت ما فى الأرض جميعاً ما أدركت فضل غدوتهم"تفسير : . وعن سلمان الفارسى رضى الله عنه أنهُ قال: "حديث : غاز يرابط ليلة على ساحل البحر خير من رجل صام وقام فى أهله شهراً، ومن مات فى سبيل الله مرابطاً أجاره الله من فتنة القبر، وأمنه الفزع الأكبر" وأجرى عمله كل يوم وليلة إلى يوم القيامة، وزيارة قبر المرابط، رباط إلى يوم القيامة.حديث : وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أى الجهاد أفضل؟. قال: "من عقر جواده وإِهراق دمه"تفسير : ، أى جهاد من عقر. قال أبو هريرة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : عرض على أول ثلاثة يدخلون الجنة، وأول ثلاثة يدخلون النار، فأما أول ثلاثة يدخلون الجنة: فالشهيد، وعبد مملوك لم يشغله رق الدنيا عن طاعة الله، وفقير متعفف ذو عيال، وأما أول الثلاثة يدخلون النار: فأمير مسلط، وذو ثروة من مال لا يؤدى حق الله من ماله، وفقير فجور" حديث : وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أى الأعمال أفضل؟ قال: "الصلاة لوقتها وبر الوالدين، والجهاد فى سبيل الله"تفسير : . وعن ابن عباس رضى الله عنهما: "حديث : من أعطى فرساً فى سبيل الله كان له أجر من جاهد فى سبيل الله بماله ونفسه ومن أعطى سيفاً فى سبيل الله جاء يوم القيامة له لسان ينادى أنا سيف فلان لم أزل أجاهد له إلى يوم القيامة، ومن رمى بسهم فى سبيل الله ادخره الله ويربيه له حتى يجىء يوم القيامة على رءوس الخلائق، ومن أعطى ترساً فى سبيل الله جعله الله له جنة يوم القيامة"تفسير : أى سترة من النار ومن طعن طعنة فى سبيل الله جعلها الله له نوراً يوم القيامة بين يديه وفاح ريح كريح المسك يحدها الخلائق ومن سقى أخاه فى سبيل الله سقاه الله من الرحيق المختوم ومن زار أخاه لله فى سبيل الله كتب الله بكل خطوة حسنة ورفع له بها درجة وحط بها سيئة، ومن حرس ليلة فى سبيل الله أمنه الله من فزع يوم القيامة" قال ابن عباس رضى الله عنهما: اذا كنت فى سرية فى سبيل الله، فكن خلفها تسوق ضعيفها، وتؤمن خائفها يكون لك مثل أجورهم، ولا ينقص من أجورهم شىء. وعن الحسن عن النبى، صلى الله عليه وسلم: "حديث : كل عين باكية إلا أربعاً: عين فقئت فى سبيل الله، وعين فاضت من خشية الله، وعين باتت ساهرة من خشية الله، وعين باتت تحرس سرية المسلمين"تفسير : . وعن النبى صلى الله عليه وسلم: "حديث : كل عين باكية يوم القيامة إلا ثلاثاً: عين بكت من خشية الله تعالى، وعين غضت عن محارم الله تعالى، وعين حرست فى سبيل الله تعالى"تفسير : . قال بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: السيوف مفاتيح الجنة، وإذا التقى الصفان فى سبيل الله تعالى تزين الحورُ العين واطلعن، وإذا قاتل الرجل قلن: اللهم ثبته، اللهم أعنه، وإذا أدبر احتجبن عنه، وقلن: اللهم اغفر له، فإذا قتل غفر الله له بأول قطرة تخرج من دمه كل ذنب هو له، ونزلت عليه اثنتان من الحور العين تمسحان الغبار عن وجهه، حديث : وجاء رجل إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله أنا كما ترى دميم الوجه منتن الرائحة، غير زكى الحسب، فأين أنا إن قاتلت حتى قتلت؟. قال: "أنت فى الجنة" فأسلم فقال: عندى غنم فكيف أصنع بها؟ قال: "وجهها إلى المدينة ثم صح بها فإنها ترجع إلى أهلها" ففعل ذلك ثم اقتحم القتال، واقتتلوا فلما تحاجز القوم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تفقدوا إخوانكم" ففعلوا، فقالوا: يا رسول الله ذلك الحبشى قتل فى وادى كذا، فقام النبى، صلى الله عليه وسلم فلما أشرف عليه قال: "اليوم حسن الله وجهك وزكى حسبك"، فبكى فأعرض عنه، فقالوا: رأيناك أعرضت عنه. قال: "والذى نفسى بيده لقد رأيت أزواجه من الحور العين يبتدرن حتى بدت خلاخلهن"تفسير : . ويقال: الغزاة ثلاثة أصناف، صنف منهم يرعى دوابهم، وصنف خادمهم وصنف يباشر القتال، فكلهم فى الأجر سواء وأفضلهم الذى يرعى دوابهم ويقاتل إذا حضر القتال، كما روى عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : أعظم القوم أجراً خادمهم"تفسير : . وعن أنس عن رسول الله، صلى الله عليه وسلم "حديث : ما من عبد يموت وله خير عند الله يتمنى أن يرجع إلى الدنيا، وأن له الدنيا وما فيها وإن أعطى الدنيا لما خاف من هول الموت إلا الشهيد، لما يرى من فضل الشهادة، فإنه يتمنى أن يرجع إلى الدنيا، فيقتل مرة أخرى"تفسير : أى لأنه لا يجد ألم الموت كما مر فى الحديث. قال سعيد بن جبير فى قوله تعالى: {أية : فَصَعِقَ مَنْ فى السَمَاواتِ ومَنْ فِى الأرْضِ إلاَّ مَنْ شَاءَ الله} تفسير : إنهم الشهداء متقلدين السيوف حول العرش. قال قتادة: فإن الله تعالى أعطى المجاهدين فى سبيل الله ثلاث خصال: من قتل منهم صَارَ حَيَّا مرزوقاً ومَنْ غَلَبَ أعطاه الله أجراً عظيماً، ومن عاش رزقه الله رزقاً حسناً.

اطفيش

تفسير : {فَرِحِينَ بِمَآ ءَاتَآهُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ} من شرف السعادة والشهادة، وخير الجنة، ومن للابتداء، أو للبيان، أو للسببية أو للتبعيض، وفرحين حال من واو يرزقون، أو من المستتر فى أحياء، أو فى عند {وَيَسْتَبْشِرُونَ} يرزقون ويستبشرون، أو فرحين ويستبشرون كقوله تعالى: {أية : صافات ويقبضن} تفسير : [الملك: 19]، إن المصدقين والمصدقات، وأقرضوا، أو وهم يستبشرون، ومعنى يستبشرون يفرحون ببشارة والله، وهو أيضاً للمجرد، أى ويبشرون بفتح الشين وإسكان الباء قبلها، أو مطاوع أبشر، كأراحه الله فاستراح، أي أبشرهم الله بذلك فاستبشروا، أو يطلبون البشارة من الله لإخوانهم فى الدين وقرابتهم بما نالوه من الشهادة من الكرامة ليفرحوا لهم ويحرصوا على القتال {بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِم} بإخوانهم المؤمنين الذين لم يلحقوا بهم حينئذ، بأن لم يقتلوا، ولكن يقتلون بعد ذلك شهداء {مِنْ خَلْفِهِمْ} قال ابن عباس: تنزل على الشهداء صحف مكتوبة فيها أسماء من يقتل بعدهم شهيداً، فيفرحون لهم بذلك، والاستبشار يذكر ويراد به الفرح ويراد به البشارة، ذلك كقوله تعالى: {أية : يا ليت قومى يعلمون بما غفر لى ربى} تفسير : [يس: 26، 27] الخ {ألاّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ} من وقوع محذور لعدمه، ومصدر السلب بدل اشتمال من الذين، أى انتفاء خوف من خلفهم، ويجوز أن يقدر بأن لا، وليس المراد أن المتقدمين لا يخافون على من خلفهم {وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} على فوت محبوب إذا ماتوا لعدم فوته.

الالوسي

تفسير : {فَرِحِينَ } جوز أن يكون حالا من الضمير في {أية : يُرْزَقُونَ } تفسير : [آل عمران: 169] أو من الضمير في {أَحْيَاء } أو من الضمير في الظرف، وأن يكون نصباً على المدح، أو الوصفية لإحياء في قراءة النصب ومعناه مسرورين {بِمَا ءاتَـٰهُمُ ٱللَّهُ } بعد انتقالهم من الدنيا {مِن فَضْلِهِ } متعلق بآتاهم، ومن إما للسببية أو لابتداء الغاية أو متعلق بمحذوف وقع حالاً من الضمير المحذوف العائد على الموصول، ومن للتبعيض والتقدير بما آتاهموه حال كونه كائناً بعض فضله. والمراد بها المؤتى ضروب النعم التي ينالها الشهداء يوم القيامة أو بعد الشهادة أو نفس الفوز بالشهادة في سبيل الله تعالى: {وَيَسْتَبْشِرُونَ } أي يسرون بالبشارة، وأصل الاستبشار طلب البشارة وهو الخبر السار إلا أن المعنى هنا على السرور استعمالاً للفظ في لازم معناه وهو استئناف أو معطوف على {فَرِحِينَ } لتأويله بيفرحون. وجوز أن يكون التقدير وهم يستبشرون فتكون الجملة حالا من الضمير في {فَرِحِينَ } أو من ضمير المفعول في {آتَاهُمُ} وإنما احتيج إلى تقدير مبتدأ عند جعلها حالا لأن المضارع المثبت إذا كان حالا لا يقترن بالواو. {بِٱلَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم } أي باخوانهم الذين لم يقتلوا بعد في سبيل الله تعالى فيلحقوا بهم {مّنْ خَلْفِهِمْ } متعلق بيلحقوا والمعنى أنهم بقوا بعدهم وهم قد تقدموهم. ويجوز أن يكون حالا من فاعل {يَلْحَقُواْ } أي لم يلحقوهم متخلفين عنهم باقين بعد في الدنيا. {أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } بدل من الذين بدل اشتمال مبين لكون استبشارهم بحال إخوانهم لا بذواتهم أي يستبشرون بما تبين لهم من حسن حال إخوانهم الذين تركوهم أحياء وهو أنهم عند قتلهم في سبيل الله تعالى يفوزون كما فازوا ويحوزون من النعيم كما حازوا، وإلى هذا ذهب ابن جريج وقتادة، وقيل: إنه منصوب بنزع الخافض أي لئلا، أو بأن لا وهو معمول ليستبشرون واقع موقع المفعول من أجله أي يستبشرون بقدوم إخوانهم الباقين بعدهم إليهم لأنهم لا خوف عليهم الخ، فالاستبشار حينئذ ليس بالأحوال. ويؤيد هذا ما روي عن السدي أنه يؤتى الشهيد بكتاب فيه ذكر من يقدم عليه من إخوانه يبشر بذلك فيستبشر كما يستبشر أهل الغائب بقدومه في الدنيا، فضمير، عليهم وما بعده على هذا راجع إلى الذين الأول، وعلى الأول إلى الثاني، ومن الناس من فسر ـ الذين لم يلحقوا ـ بالمتخلفين في الفضل عن رتبة الشهداء وهم الغزاة الذين جاهدوا في سبيل الله تعالى ولم يقتلوا بل بقوا حتى ماتوا في مضاجعهم، فإنهم وإن لم ينالوا مراتب الشهداء إلا أن لهم أيضاً فضلاً عظيماً بحيث لا خوف عليهم ولا هم يحزنون لمزيد فضل الجهاد، ولا يخفى أنه خلاف الظاهر من الآية وإن كان فضل الغزاة وإن لم يقتلوا مما لا يتناطح فيه كبشان، وأن على كل تقدير هي المخففة واسمها ضمير الشأن وخبرها الجملة المنفية، والمعنى لا خوف عليهم فيمن خلفوه من ذريتهم فإن الله تعالى يتولاهم ولا هم يحزنون على ما خلفوا من أموالهم لأن الله تعالى قد أجزل لهم العوض، أو لا خوف عليهم فيما يقدمون عليه لأن الله تعالى محص ذنوبهم بالشهادة ولا هم يحزنون على مفارقة الدنيا فرحاً بالآخرة، أو لا خوف عليهم في الدنيا من القتل فإنه عين الحياة التي يجب أن يرغب فيها فضلاً عن أن يخاف ويحذر ولا هم يحزنون على المفارقة، وقيل: إن كلا هذين المنفيين فيما يتعلق بالآخرة، والمعنى أنهم لا يخافون وقوع مكروه من أهوالها، ولا يحزنون / من فوات محبوب من نعيمها، وهو وجه وجيه. والمراد بيان دوام انتفاء ذلك لا بيان انتفاء دوامه كما يوهمه كون الخبر في الجملة الثانية مضارعاً فإن النفي وإن دخل على نفس المضارع يفيد الدوام والاستمرار بحسب المقام؛ وقد تقدمت الإشارة إليه.

د. أسعد حومد

تفسير : {آتَاهُمُ} (170) - وَيَكُونُ الشُّهَدَاءُ فِي سَبِيلِ اللهِ فَرِحِينَ بِمَا هُمْ فِيهِ مِنَ النِّعْمَةِ وَالغَبْطَةِ، التِي مَنَّ اللهُ بِهَا عَلَيهِمْ، مُسْتَبْشِرِينَ بإخْوانِهِم الذِينَ يُقْتَلُونَ بَعْدَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ، أنَّهُمْ يَقْدَمُونَ عَلَيْهِمْ حِينَما يُسْتَشْهَدُونَ، لاَ يَخَافُونَ مِمَّا أمَامَهُمْ، وَلا يَحْزَنُونَ عَلَى مَا تَرَكُوهُ فِي الدُّنيا. الاسْتِبْشَارُ - السُّرُورُ الحَاصِلُ بِالبِشَارَةِ. الذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ - البَاقُونَ عَلَى قَيْدِ الحَيَاةِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : والعدل يتحقق بين البشر بأن كلا منهم يموت. ولكن الفضل أن يعجل الله انقضاء الحياة في الدنيا لمن يُحبهم بالاستشهاد وينقلهم إلى رضوانه ونعيمه {فَرِحِينَ بِمَآ آتَاهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ} [آل عمران: 170] وليس هذا فقط، بل إننا نجد الأخوة الإيمانية قد بقيت فيهم وليست كخاصية الأحياء بل أنقى وأبقى من خاصية الأحياء، فالخاصية الإيمانية تقتضي أن يُحب المؤمن لأخيه ما يُحب لنفسه، والشهداء في حياتهم عند ربهم كذلك، مما يدل على أن الحياة التي يحياها الشهداء هي حياة نامية فيها رزق ومواجيد وفرح، وكل شهيد يعتبر أن هذا فضل من الله قد فضله به. ولذلك فالشهيد يستبشر بالذي لم يأت من بعده من إخوانه المؤمنين ويقول: يا ليتهم يأتون ليروا ما نراه. {وَيَسْتَبْشِرُونَ بِٱلَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم} [آل عمران: 170]: "ويستبشرون" من البُشرى، والبُشرى هي الخبر السّار {وَيَسْتَبْشِرُونَ بِٱلَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم} [آل عمران: 170] ويلحقوا أي يأتوا بعدهم، فالشهداء يقولون: إنهم سيأتون لنا وما داموا سيأتون لنا فنحن نُحب أن يكونوا معنا في النعيم والخير الذي نحيا فيه. وكل منهم يشعر بالمحبة لأخيه، لأنه يعلم قول الرسول صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا يكمل إيمان أحدكم حتى يُحب لأخيه ما يُحب لنفسه"تفسير : . وعن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لما أصيب إخوانكم يوم أحد جعل الله أرواحهم في أجواف طير خضر ترد أنهار الجنة وتأكل من ثمارها، وتأوي إلى قناديل من ذهب في ظل العرش، فلما وجدوا طيب مأكلهم ومشربهم وحسن فضلهم قالوا: ليت إخواننا يعلمون ما صنع الله بنا لئلا يزهدوا في الجهاد ولا ينكلوا من الحرب. فقال الله - عز وجل -: أنا أبلغهم عنكم، فأنزل الله هذه الآيات: {وَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ} وما بعدها . تفسير : ونعرف أن "البِشْرَ" عادة هو الفرحة، وهي تبدو عَلَى بشَرة الإنسان، فساعة يكون الإنسان فرحاً، فالفرحة تظهر وتُشرق في وجهه ولذلك نُسميها "البشارة"، لأنها تصنع في وجه المُبشَّر شيئاً من الفرح مما يعطيه بريقاً ولمعاناً وجاذبية. {وَيَسْتَبْشِرُونَ بِٱلَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} [آل عمران: 170] أي أن الذين خلفوا عن الشهادة لا خوف عليهم، فهؤلاء الذين لم يستشهدوا بعد قد يخوضون معركة ما، فيقول الحق على لسان الشهداء لكل منهم: لا تخف لأنك ستذهب لخير في الحياة {أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} [آل عمران: 170]. وبعد ذلك يقول الحق: {يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَفَضْلٍ ...}.