Verse. 464 (AR)

٣ - آلِ عِمْرَان

3 - Al-Imran (AR)

يَسْتَبْشِرُوْنَ بِنِعْمَۃٍ مِّنَ اللہِ وَفَضْلٍ۝۰ۙ وَّاَنَّ اللہَ لَا يُضِيْعُ اَجْرَ الْمُؤْمِنِيْنَ۝۱۷۱ۚۛۧ
Yastabshiroona biniAAmatin mina Allahi wafadlin waanna Allaha la yudeeAAu ajra almumineena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«يستبشرون بنعمة» ثوابٍ «من الله وفضل» زيادة عليه «وأنَّ» بالفتح عطفاً على نعمة وبالكسر استئنافا «الله لا يضيع أجر المؤمنين» بل يأجرهم.

171

Tafseer

الرازي

تفسير : وفيه مسائل: المسألة الأولى: أنه تعالى بين أنهم كما يستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم على ما ذكر فهم يستبشرون لأنفسهم بما رزقوا من النعيم، وانما أعاد لفظ {يَسْتَبْشِرُونَ } لأن الاستبشار الأول كان بأحوال الذين لم يلحقوا بهم من خلفهم، والاستبشار الثاني كان بأحوال أنفسهم خاصة. فان قيل: أليس أنه ذكر فرحهم بأحوال أنفسهم والفرح عين الاستبشار؟ قلنا: الجواب من وجهين: الأول: ان الاستبشار هو الفرح التام فلا يلزم التكرار. والثاني: لعل المراد حصول الفرح بما حصل في الحال، وحصول الاستبشار بما عرفوا أن النعمة العظيمة تحصل لهم في الآخرة. المسألة الثانية: قوله: {بِنِعْمَةٍ مّنَ ٱللَّهِ وَفَضْلٍ } النعمة هي الثواب والفضل هو التفضل الزائد. المسألة الثالثة: الآية تدل على ان استبشارهم بسعادة إخوانهم أتم من استبشارهم بسعادة أنفسهم، لأن الاستبشار الأول في الذكر هو بأحوال الاخوان، وهذا، تنبيه من الله تعالى على أن فرح الانسان بصلاح أحوال إخوانه ومتعلقيه، يجب أن يكون أتم وأكمل من فرحه بصلاح أحوال نفسه. ثم قال: {وَأَنَّ ٱللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُؤْمِنِينَ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ الكسائي {وَأَنَّ ٱللَّهَ } بكسر الألف على الاستئناف. وقرأ الباقون بفتحها على معنى: وبأن الله، والتقدير: يستبشرون بنعمة من الله وفضل وبأن الله لا يضيع أجر المؤمنين والقراءة الأولى أتم وأكمل لأن على هذه القراءة يكون الاستبشار بفضل الله وبرحمته فقط، وعلى القراءة الثانية يكون الاستبشار بالفضل والرحمة وطلب الأجر، ولا شك أن المقام الأول أكمل لأن كون العبد مشتغلا بطلب الله أتم من اشتغاله بطلب أجر عمله. المسألة الثانية: المقصود من الآية بيان أن الذي تقدم من إيصال الثواب والسرور العظيم إلى الشهداء ليس حكما مخصوصاً بهم، بل كل مؤمن يستحق شيئا من الأجر والثواب، فان الله سبحانه يوصل اليه ذلك الأجر والثواب ولا يضيعه ألبتة. المسألة الثالثة: الآية عندنا دالة على العفو عن فساق أهل الصلاة لأنه بايمانه استحق الجنة فلو بقي بسبب فسقه في النار مؤبداً مخلداً لما وصل اليه أجر إيمانه، فحينئذ يضيع أجر المؤمنين على إيمانهم وذلك خلاف الآية.

القرطبي

تفسير : أي بجنة من الله. ويقال: بمغفرة من الله. {وَفَضْلٍ} هذا لزيادة البيان. والفضل داخل في النعمة، وفيه دليل على اتساعها، وأنها ليست كنِعَم الدنيا. وقيل: جاء الفضل بعد النعمة على وجه التأكيد؛ روى التِّرمذيّ عن المِقْدام بن مَعْدِيكرِب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : للشَّهيد عند الله ستُّ خِصال ـ كذا في الترمذيّ وابن ماجه «سِتّ»، وهي في العدد سبع ـ يغفر له في أوّل دُفعة ويرى مَقعده من الجنة ويُجار من عذاب القبر ويأمن من الفزع الأكبر ويوضع على رأسه تاجُ الوَقار الياقوتة منها خير من الدنيا وما فيها ويُزوّج اثنتين وسبعين زوجة من الحور العِين ويُشَفَّع في سبعين من أقاربه»تفسير : قال: هذا حديث حسن صحيح غريب. وهذا تفسير للنّعمة والفضل. والآثار في هذا المعنى كثيرة. ورُوي عن مجاهد أنه قال: السيوف مفاتيح الجنة. ورُوي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : أكرم الله تعالى الشهداء بخمس كرامات لم يُكرم بها أحداً من الأنبياء ولا أنا أحدها أن جميع الأنبياء قبض أرواحَهم مَلَكُ الموت وهو الذي سيقبض رُوحي وأما الشهداء فالله هو الذي يقبض أرواحهم بقدرته كيف يشاء ولا يُسلّط على أرواحهم مَلَكُ الموت، والثاني أن جميع الأنبياء قد غُسِّلوا بعد الموت وأنا أُغَسَّل بعد الموت والشهداء لا يُغَسَّلُون ولا حاجة لهم إلى ماء الدنيا، والثالث أن جميع الأنبياء قد كُفِّنوا وأنا أُكَفَّن والشهداء لا يُكَفَّنون بل يُدفنون في ثيابهم، والرابع أن الأنبياء لما ماتوا سُمُّوا أمواتا وإذا مِت يقال قد مات والشهداء لا يُسَمَّون مَوْتَى، والخامس أن الأنبياء تُعطَى لهم الشفاعةُ يوم القيامة وشفاعتي أيضاً يوم القيامة وأما الشهداء فإنهم يشفعون في كل يوم فيمن يشفعون».تفسير : قوله تعالى: {وَأَنَّ ٱللَّهَ} قرأه الكِسائي بكسر الألف، والباقون بالنصب؛ فمن قرأ بالنصب فمعناه يستبشرون بنعمة من الله ويستبشرون بأن الله لا يضيع أجر المؤمنين. ومن قرأ بالكسر فعلى الابتداء. ودليله قراءة ابن مسعود «وٱللَّهُ لا يضِيع أجر المؤمِنين».

المحلي و السيوطي

تفسير : {يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ } ثواب {مِّنَ ٱللَّهِ وَفَضْلٍ } زيادة عليه {وَأَنَّ } بالفتح عطفاً على (نعمة) والكسر استئنافاً {ٱللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُؤْمِنِينَ } بل يأجرهم.

النسفي

تفسير : {يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَفَضْلٍ } يسرون بما أنعم الله عليهم وما تفضل عليهم من زيادة الكرامة {وَأَنَّ ٱللَّهَ } عطف على النعمة والفضل. «وإن الله»: عليٌّ بالكسر على الاستئناف وعلى أن الجملة اعتراض {لاَ يُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُؤْمِنِينَ } بل يوفر عليهم. {ٱلَّذِينَ ٱسْتَجَابُواْ لِلَّهِ وَٱلرَّسُولِ } مبتدأ خبره «للذين أحسنوا»، أو صفة للمؤمنين، أو نصب على المدح {مِن بَعْدِ مَا أَصَـٰبَهُمُ ٱلْقَرْحُ } الجرح. روي أن أبا سفيان وأصحابه لما انصرفوا من أحد فبلغوا الروحاء ندموا وهموا بالرجوع فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فأراد أن يرهبهم ويريهم من نفسه وأصحابه قوة، فندب النبيّ أصحابه للخروج في طلب أبي سفيان، فخرج يوم الأحد من المدينة مع سبعين رجلاً حتى بلغوا حمراء الأسد وهي من المدينة على ثمانية أميال، وكان بأصحابه القرح فألقى الله الرعب في قلوب المشركين فذهبوا فنزلت {لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ مِنْهُمْ وَٱتَّقَوْاْ } «من» للتبيين. مثلها في قوله: {أية : وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً } تفسير : [الفتح: 29]. لأن الذين استجابوا لله والرسول قد أحسنوا كلهم واتقوا لا بعضهم {أَجْرٌ عَظِيمٌ } في الآخرة. {ٱلَّذِينَ قَالَ لَهُمُ ٱلنَّاسُ } بدل من الذين استجابوا {إِنَّ ٱلنَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ } روي أن أبا سفيان نادى عند انصرافه من أحد: يا محمد موعدنا موسم بدر القابل. فقال عليه السلام «حديث : إن شاء الله»تفسير : فلما كان القابل خرج أبو سفيان في أهل مكة فألقى الله الرعب في قلبه فبدا له أن يرجع فلقي نعيم بن مسعود الأشجعي وقد قدم معتمراً فقال: يا نعيم إني واعدت محمداً أن نلتقي بموسم بدر وقد بدا لي أن أرجـع فالحق بالمدينة، فثبطهم ولك عندي عشرة من الإبل، فخرج نعيم فوجد المسلمين يتجهزون فقال لهم: أتريدون أن تخرجوا وقد جمعوا لكم فوالله لا يفلت منكم أحد فقال عليه السلام «حديث : والله لأخرجن ولو لم يخرج معي أحد»تفسير : فخرج في سبعين راكباً وهم يقولون «حسبنا الله ونعم الوكيل» حتى وافوا بدراً وأقاموا بها ثماني ليال وكانت معهم تجارة فباعوها وأصابوا خيراً، ثم انصرفوا إلى المدينة سالمين غانمين ولم يكن قتال، ورجع أبو سفيان إلى مكة فسمى أهل مكة جيشه جيش السويق وقالوا: إنما خرجتم لتأكلوا السويق. فالناس الأول نعيم وهو جمع أريد به الواحد أو كان له أتباع يثبطون مثل تثبيطه، والثاني أبو سفيان وأصحابه. {فَٱخْشَوْهُمْ } فخافوهم {فَزَادَهُمُ } أي المقول الذي هو «إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم» أو القول، أو نعيم {إِيمَـٰناً } بصيرة وإيقاناً {وَقَالُواْ حَسْبُنَا ٱللَّهُ } كافينا الله أي الذي يكفينا الله. يقال أحسبه الشيء إذا كفاه وهو بمعنى المحسب بدليل أنك تقول «هذا رجل حسبك» فتصف به النكرة لأن إضافته غير حقيقية لكونه في معنى اسم الفاعل {وَنِعْمَ ٱلْوَكِيلُ } ونعم الموكول إليه هو {فَٱنْقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مّنَ ٱللَّهِ } وهي السلامة وحذر العدو منهم {وَفَضْلٍ} وهو الربح في التجارة فأصابوا بالدرهم درهمين {لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوء } لم يلقوا ما يسوءهم من كيد عدو وهو حال من الضمير في «انقلبوا»، وكذا «بنعمة» والتقدير: فرجعوا من بدر منعمين بريئين من سوء {وَٱتَّبَعُواْ رِضْوٰنَ ٱللَّهِ } بجرأتهم وخروجهم إلى وجه العدو على أثر تثبيطه وهو معطوف على «انقلبوا» {وَٱللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ } قد تفضل عليهم بالتوفيق فيما فعلوا. {إِنَّمَا ذٰلِكُمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ } هو خبر «ذلكم» أي إنما ذلك المثبط هو الشيطان وهو نعيم {يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ } أي المنافقين وهو جملة مستأنفة بيان لشيطنته، أو الشيطان صفة لاسم الإشارة و«يخوف» الخبر {فَلاَ تَخَافُوهُمْ } أي أولياءه {وَخَافُونِ إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ } لأن الإيمان يقتضي أن يؤثر العبد خوف الله على خوف غيره. و«خافوني» في الوصل والوقف: سهل ويعقوب، وافقهما أبو عمرو في الوصل. {وَلاَ يَحْزُنكَ } «يحزنك» في كل القرآن: نافع إلا في سورة الأنبياء {أية : لاَ يَحْزُنُهُمُ ٱلْفَزَعُ ٱلأَكْبَرُ } تفسير : [الأنبياء: 103] {ٱلَّذِينَ يُسَـٰرِعُونَ فِى ٱلْكُفْرِ } يعني لا يحزنوك لخوف أن يضروك ألا ترى إلى قوله {إِنَّهُمْ لَن يَضُرُّواْ ٱللَّهَ شَيْئاً } أي أولياء الله يعني أنهم لا يضرون بمسارعتهم في الكفر غير أنفسهم وما وبال ذلك عائداً على غيرهم. ثم بين كيف يعود وباله عليهم بقوله {يُرِيدُ ٱللَّهُ أَلاَّ يَجْعَلَ لَهُمْ حَظّاً فِى ٱلآخِرَةِ } أي نصيباً من الثواب {وَلَهُمْ } بدل الثواب {عَذَابٌ عظِيمٌ } وذلك أبلغ ما ضر به الإنسان نفسه، والآية تدل على إرادة الكفر والمعاصي لأن إرادته أن لا يكون لهم ثواب في الآخرة لا تكون بدون إرادة كفرهم ومعاصيهم. {إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُاْ ٱلْكُفْرَ بِٱلإيمَـٰنِ } أي استبدلوه به {لَن يَضُرُّواْ ٱللَّهَ شَيْئاً } هو نصب على المصدر أي شيئاً من الضرر. الآية الأولى فيمن نافق من المتخلفين أو ارتد عن الإسلام، والثانية في جميع الكفار أو على العكس {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * وَلاَ يَحْسَبَنَّ } وثلاثة بعدها مع ضم الباء في «يحسبنهم» بالياء: مكي وأبو عمرو، وكلها بالتاء: حمزة، وكلها بالياء: مدني وشامي إلا «فَلاَ تَحْسَبَنَّهُمْ» فإنها بالتاء. الباقون: الأوليان بالياء والأخريان بالتاء. {ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } فيمن قرأ بالياء رفع أي ولا يحسبن الكافرون. و «أن» مع اسمه وخبره في قوله {أَنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ خَيْرٌ لأَِنفُسِهِمْ } في موضع المفعولين لـ «يحسبن» والتقدير: ولا يحسبن الذين كفروا إملاءنا خيراً لأنفسهم. و«ما» مصدرية وكان حقها في قياس علم الخط أن تكتب مفصولة ولكنها وقعت في الإمام متصلة فلا يخالف. وفيمن قرأ بالتاء نصب أي ولا تحسبن الكافرين وأنما نملي لهم خير لأنفسهم بدل من الكافرين، أي ولا تحسبن أن ما نملي للكافرين خير لهم، و«أن» مع ما في حيزه ينوب عن المفعولين، والإملاء لهم إمهمالهم وإطالة عمرهم. {إِنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْمَاً } «ما» هذه حقها أن تكتب متصلة لأنها كافة دون الأولى، وهذه جملة مستأنفة تعليل للجملة قبلها كأنه قيل: ما بالهم لا يحسبون الإملاء خيراً لهم؟ فقيل: إنما نملي لهم ليزدادوا إثماً. والآية حجة لنا على المعتزلة في مسألتي الأصلح وإرادة المعاصي {وَلَهْمُ عَذَابٌ مُّهِينٌ }. اللام في {مَّا كَانَ ٱللَّهُ لِيَذَرَ ٱلْمُؤْمِنِينَ عَلَىٰ مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ } من اختلاط المؤمنين الخلص والمنافقين لتأكيد النفي {حَتَّىٰ يَمِيزَ ٱلْخَبِيثَ مِنَ ٱلطَّيّبِ } حتى يعزل المنافق عن المخلص. «يميز»: حمزة وعلي. والخطاب في «أنتم» للمصدقين من أهل الإخلاص والنفاق كأنه قيل: ما كان الله ليذر المخلصين منكم على الحال التي أنتم عليها من اختلاط بعضكم ببعض حتى يميزهم منكم بالوحي إلى نبيه وإخباره بأحوالكم {وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى ٱلْغَيْبِ } وما كان الله ليؤتي أحد منكم علم الغيوب فلا تتوهموا عند إخبار الرسل بنفاق الرجل وإخلاص الآخر أنه يطلع على ما في القلوب إطلاع الله فيخبر عن كفرها وإيمانها {وَلَكِنَّ ٱللَّهَ يَجْتَبِى مِن رُّسُلِهِ مَن يَشَاء } أي ولكن الله يرسل الرسول فيوحي إليه ويخبره بأن في الغيب كذا وأن فلاناً في قلبه النفاق وفلاناً في قلبه الإخلاص، فيعلم ذلك من جهة إخبار الله لا من جهة نفسه. والآية حجة على الباطنية فإنهم يدعون ذلك العلم لإمامهم فإن لم يثبتوا النبوة له صاروا مخالفين للنص حيث أثبتوا علم الغيب لغير الرسول، وإن أثبتوا النبوة له صاروا مخالفين لنص آخر وهو قوله {أية : وَخَاتَمَ ٱلنَّبِيّينَ }تفسير : [الأحزاب: 40] {فَـئَامِنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِ } بصفة الإخلاص {وَإِن تُؤْمِنُواْ وَتَتَّقُواْ } النفاق {فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ } في الآخرة. ونزل في مانعي الزكاة {وَلاَ يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا ءَاتَـٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَّهُمْ } من قرأ بالتاء قدر مضافاً محذوفاً أي ولا تحسبن بخل الباخلين و«هو» فصل و«خيراً لهم» مفعول ثانٍ، وكذا من قرأ بالياء وجعل فاعل «يحسبن» ضمير رسول الله أو ضمير أحد، ومن جعل فاعله «الذين يبخلون» كان التقدير: ولا يحسبن الذين يبخلون بخلهم هو خير لهم و«هو» فصل و«خيراً لهم» مفعول ثانٍ {بَلْ هُوَ } أي البخل {شَرٌّ لَّهُمْ } لأن أموالهم ستزول عنهم ويبقى عليهم وبال البخل {سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ } تفسير لقوله «بَلْ هُوَ شَرٌّ لَّهُمْ» أي سيجعل مالهم الذي منعوه عن الحق طوقاً في أعناقهم كما جاء في الحديث"حديث : من منع زكاة ماله يصير حية ذكراً أقرع له نابان فيطوق في عنقه فينهشه ويدفعه إلى النار"تفسير : {وَلِلَّهِ مِيرَاثُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ} وله ما فيهما مما يتوارثه أهلهما من مال وغيره، فما لهم يبخلون عليه بملكه ولا ينفقونه في سبيل الله؟ والأصل في ميراث موراث فقلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها. {وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ } وبالياء مكي وأبو عمرو، فالتاء على طريقة الالتفات وهو أبلغ في الوعيد، والياء على الظاهر.

الخازن

تفسير : {يستبشرون بنعمة من الله وفضل} لمّا بيّن الله تعالى أن الشهداء يستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم في خلفهم ذكر أنهم أيضاً يستبشرون لأنفسهم بما رزقوا من النعيم والفضل فالاستبشار الأول كان لغيرهم والاستبشار الثاني لأنفسهم خاصة {وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين} يعني كما أنه تعالى لا يضيع أجر المجاهدين والشهداء كذلك لا يضيع أجر المؤمنين. فصل في فضل الجهاد في سبيل الله (ق) عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : تضمن الله لمن خرج في سبيله لا يخرجه إلاّ جهاد في سبيل وإيمان بي وتصديق برسلي فهو على ضامن أن أدخله الجنة أو أرجعه إلى مسكنه الذي خرج منه نائلاً ما نال من أجر أو غنيمة. والذي نفس محمد بيده ما من كلم يكلم في سبيل الله إلاّ جاء يوم القيامة كهيئته حين يكلم لونه لون دم وريحه ريح مسك. والذي نفس محمد بيده لولا أن يشق على المسلمين ما قعدت خلاف سرية تغزو في سبيل الله أبداً ولكن لا أجد سعة فأحملهم ولا يجدون سعة ويشق عليهم أن يتخلفوا عني. والذي نفس محمد بيده لوددت اني أغزو في سبيل الله فأقتل ثم اغزوا فأقتل" تفسير : لفظ (ق) عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "حديث : لغدوة في سبيل الله أو روحة خير من الدنيا وما فيها" تفسير : (ق) عن سهل بن سعد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : رباط يوم في سبيل الله خير من الدنيا وما عليها وموضع سوط أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما عليها"تفسير : . عن فضالة بن عبيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : كل ميت يختم على عمله إلاّ المرابط في سبيل الله فإنه ينمى له عمله إلى يوم القيامة ويأمن من فتنة القبر" تفسير : أخرجه أبو داود والترمذي عن معاذ بن جبل أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "حديث : من قاتل في سبيل الله فواق ناقة وجبت له الجنة ومن سأل الله القتل في سبيل الله صادقاً من نفسه ثم مات أو قتل كان له أجر شهيد، ومن جرح جرحاً في سبيل الله أو نكب نكبة فإنها تجيء يوم القيامة كأغزر ما كانت لونها لون الزعفران وريحها ريح المسك ومن خرج به خراج في سبيل الله فإن عليه طابع الشهداء"تفسير : . أخرجه أبو داود والنسائي وأخرجه الترمذي مفرقاً في موضعين (ق) عن أبي سعيد قال: أتى رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "حديث : أي الناس أفضل؟ قال: مؤمن مجاهد بنفسه وماله في سبيل الله قال ثم من قال رجل في شعب من الشعاب يعبد الله" تفسير : وفي رواية يتقي الله ويدع الناس من شره (خ) عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : من احتبس فرساً في سبيل الله إيماناً واحتساباً وتصديقاً فإن شبعه وريه وروثه وبوله في ميزانه يوم القيامة يعني حسنات" تفسير : (ق) عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : ما أحد يدخل الجنة فيحب أن يرجع إلى الدنيا وله ما على الأرض من شيء إلاّ الشهيد يتمنى أن يرجع إلى الدنيا فيقتل عشر مرات لما يرى من الكرامة وفي رواية لما يرى من فضل الشهادة" تفسير : (م) عن عبدالله بن عمرو بن العاص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يغفر للشهيد كل ذنب إلى الدين عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : ما يجد الشهيد من مس القتل إلاّ كما يجد أحدكم من القرصة" تفسير : أخرجه الترمذي؛ وللنسائي نحوه عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : يشفع الشهيد في سبعين من أهل بيته" تفسير : أخرجه أبو داود: قوله عز وجل: {الذين استجابوا لله والرسول} الآية قال أكثر المفسرين أن أبا سفيان وأصحابه لمّا انصرفوا من أحد فبلغوا الروحاء ندموا على انصرافهم وتلاوموا فقالوا: لا محمداً قتلتم ولا الكواكب أردفتم قتلتموهم حتى إذا لم يبق الشريد تركتموهم ارجعوا فاستأصلوهم فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فأراد أن يرهب العدو ويريهم من نفسه وأصحابه قوة فندب أصحابه للخروج في طلب أبي سفيان فانتدب عصابة منهم مع ما بهم من ألم الجراح والقرح الذي أصابهم يوم أحد وناد مناد رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا لا يخرجن معنا أحد إلاّ من حضرنا بالأمس فكلمه جابر بن عبدالله فقال: يا رسول الله إن أبي كان خلفني على أخوات لي سبع وقال لي بني إنه لا ينبغي لي ولا لك أن نترك هؤلاء النسوة ولا رجل فيهن ولست بالذي أوثرك على نفسي بالجهاد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فتخلف على أخواتك فتخلفت عليهن فأذن له رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرج معه وإنما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم مرهباً للعدو وليبلغهم أنه خرج في طلبهم فيظنوا به قوة وأن الذي أصابهم لم يوهنهم فينصرفوا فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير وسعد وسعيد وعبدالرحمن بن عوف وأبو عبيدة بن الجراح وعبدالله بن مسعود وحذيفة بن اليمان في سبعين رجلاً من أصحابه حتى بلغوا حمراء الأسد وهي من المدينة على ثماينة أميال، (ق) عن عائشة في قوله الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح، الذين أحسنوا منهم واتقوا أجر عظيم. قالت لعروة: يا ابن أختي كان أبواك منهم الزبير وأبو بكر لما أصاب نبي الله صلى الله عليه وسلم ما أصاب يوم أحد وانصرف المشركون خاف أن يرجعوا فقال من يذهب في أثرهم فانتدب منهم سبعون رجلاً كان فيهم أبو بكر والزبير قال: فمر برسول الله صلى الله عليه وسلم الخزاعي بحمراء الأسد كانت خزاعة مسلمهم وكافرهم عيبة رسول الله صلى الله عليه وسلم بتهامة صفقتهم معه لا يخفون عنه شيئاً كان بها ومعبد يومئذٍ مشرك فقال يا محمد والله لقد عز علينا ما أصابك في أصحابك ولوددنا أن الله كان قد أعفاك فيهم. ثم خرج معبد من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى لقي أبا سفيان ومن معه بالروحاء وقد أجمعوا على الرجعة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا قد أصبنا جل أصحابه وقادتهم لنكرن على بقيتهم ولنفرغن منهم فلما رأى أبو سفيان معبداً قال له: ما وراءك يا معبد قال محمد قد خرج في أصحابه يطلبكم في جمع لم أر مثله قد يتحرقون عليكم تحرقاً وقد اجتمع معه من كان تخلف عنه في يومكم وندموا على صنيعهم، وفيهم من الحنق عليكم شيء لم أر مثله قط قال أبو سفيان: ويلك ما تقول؟ قال: والله ما أراك ترحل حتى ترى نواصي الخيل قال فوالله لقد أجمعنا الكرة عليهم لنستأصل بقيتهم فقال والله إني أنهاك عن ذلك فوالله لقد حملني ما رأيت على أن قلت أبياتاً قال وما قلت قال قلت: شعر : كادت تهدي من الأصوات راحلتي إذ سألت الأرض بالجرد الأبابيل تردى بأسد كرام لا تنابلة عند اللقاء ولا ميل معازيل فقلت ويل ابن حرب من لقائكمو إذا تغطغطت البطحاء بالخيل إني نذير لأهل السبل ضاحية لكل ذي أربة منهم ومعقول من جيش أحمد لا وحش يقابله وليس يوصف ما أنذرت بالفيل تفسير : قالوا فثنى ذلك أبا سفيان ومن معه ومر ركب من عبد القيس فقال: أين تريدون؟ قولوا نريد المدينة لأجل الميرة قال: فهل أنتم مبلغون عنا محمداً رسالة وأحمل لكم إبلكم زبيباً بعكاظ إذا وفيتموها قالوا: نعم إذا وافيتموه فأخبروه إنا أجمعنا السير إليه وإلى أصحابه لنستأصل بقيتهم وانصرف أبو سفيان إلى مكة ومر الركب برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بحمراء الأسد فأخبروه بالذي قال أبو سفيان فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه: "حديث : حسبنا الله ونعم الوكيل"تفسير : . ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم راجعاً إلى المدينة بعد ثالثة وقال مجاهد وعكرمة نزلت هذه الآية في غزوة بدر الصغرى وذلك أن أبا سفيان يوم أحد حين أراد أن ينصرف قال يا محمد موعد ما بيننا وبينك موسم بدر الصغرى لقابل إن شئت فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك بيننا وبينك إن شاء الله فلما كان العام المقبل خرج أبو سفيان في أهل مكة حتى نزل بمجنة من ناحية مر الظهران ثم ألقى الله الرعب في قلبه فبدى له الرجوع فلقي نعيم بن مسعود الأشجعي وقد قدم معتمراً فقال له أبو سفيان: يا نعيم إني قد واعدت محمداً وأصحابه أن نلتقي بموسم الصغرى وهذا عام جدب ولا يصلحنا إلاّ عام نرعى فيه الشجر ونشرب اللبن، وقد بدا لي أن لا أخرج إليها وأكره أن يخرج محمد ولا أخرج أنا فيزيذهم ذلك جراءة ولا أن يكون الخلف من قبلهم أحب إلي من أن يكون من قبلي فألحق بالمدينة فثبطهم وأعلمهم أنا في جمع كثير لا طاقة لهم بنا ولك عندي عشرة من الإبل أضعها لك على يد سهيل بن عمرو ويضمنها لك قال وجاء سهيل فقال له نعيم: يا أبا يزيد أتضمن لي هذه القلائص وانطلق إلى محمد فاثبته قال: نعم، قال: فخرج نعيم حتى أتى المدينة فوجد الناس يتجهزون لميعاد أبي سفيان فقال نعيم: أين تريدون؟ قالوا: واعدنا أبا سفيان أن نلتقي بموسم بدر الصغرى فقال نعيم بئس الرأي رأيتم أتوكم في دياركم وقراركم فلم يفلت منكم إلاّ الشريد أفتريدون أن تخرجوا إليهم وقد جمعوا لكم عند الموسم والله لا يفلت منكم أحد فكره أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الخروج فقال رسول الله صلىالله عليه وسلم: "حديث : والذي نفسي بيده لأخرجن ولو وحدي فأما الجبان فإنه رجع وأما الشجاع فإنه تأهب للقتال وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل" تفسير : فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في أصحابه حتى وافوا بدر الصغرى وكانوا يلقون المشركين فيسألونهم عن قريش فيقولون قد جمعوا لكم يريدون بذلك أن يرعبوا المسلمين فيقول المؤمنون حسبنا الله ونعم الوكيل. حتى بلغوا بدر الصغرى وكانت موضع سوق لهم في الجاهلية يجتمعون إليها كل عام ثمانية أيام فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم ببدر ينتظر أبا سفيان وقد انصرف أبا سفيان من مجنة إلى مكة فلم يلق رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه أحداً من المشركين ووافوا السوق وكان معهم تجارات ونفقات فباعوا فأصابوا بالدرهم درهمين وانصرفوا إلى المدينة سالمين غانمين فذلك قوله تعالى الذين استجابوا لله والرسول أي أجابوا الله وأطاعوه في جميع أوامره وأطاعوا الرسول أيضاً {من بعدما أصابهم القرح} يعني من بعد ما نالهم من ألم الجراح {للذين أحسنوا منهم واتقوا} يعني أحسنوا بطاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأجابوه إلى الغزو واتقوا معصيته والتخلف عنه {أجر عظيم} يعني لهم ثواب جزيل وهو الجنة.

ابن عادل

تفسير : لما بَيَّنَ - تعالى - أنهم يستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم، بيَّن - هنا - أنهم يستبشرون لأنفسهم بما رُزِقوا من النعيم، ولذلك أعاد لفظَ لاستبشارِ. فإن قيلَ: أليس الذي ذكر فَرَحَهم بأحوالِ أنفسهم - والفرحُ عينُ الاستبشارِ - فلزم التكرارُ؟ فالجوابُ من وجهين: أحدهما: أن الاستبشارَ هو الفرحُ التامُّ، فلا يلزم التكرارُ. الثاني: لَعَلَّ المرادَ حصولُ الفرحِ بما حصل في الحالِ، وحصولُ الاستبشارِ بما عرفوا أنّ النعمةَ العظيمةَ تحصل لهم في الآخرةِ. فإن قيلَ: ما الفرقُ بين النعمةِ والفَضْلِ، فإنَّ العطفَ يقتضي المغايرةَ؟ فالجواب: أن النعمةَ هي الثواب، والفَضْل: هو التفضُّل الزائد. وقيل: النعمة: المغفرة، والفَضْل: الثواب الزائد. وقيل: للتأكيد. روى الترمذيّ عن المقدام بن معد يكرب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لِلشَّهِيْدِ عِنْدَ اللهِ سِتُّ خَصَالٍ: يُغْفَرُ لَهُ، ويَرَى مَقْعَدَهُ مِنَ الْجَنَّةِ، ويُجارُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَيأمَنُ الْفَزَعَ الأكْبَرَ، وَيُوضَعٌُ عَلَى رَأسِهِ تَاجُ الْوقارِ، الْيَاقُوَتَةُ مِنْهُ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، ويُزَوَّج اثنينِ وَسَبْعِينَ زَوْجَةً مِنَ الحُورِ العِينِ، وَيَشْفَعُ فِي سَبْعِينَ مِنْ أقارِبِه"تفسير : قال: هذا حديثٌ حَسَنٌ، صحيحٌ، غريبٌ، وهذا تفسيرُ النعمةِ والفضلِ، وهذا في الترمذيِّ وابن ماجه ستٌّ، وهي في العدد سبعةٌ. فصل وهذه الآية تدلُّ على أنّ الإنسانَ يكون فَرحُهُ واستبشارُهُ - بصلاحِ حالِ إخوانِهِ - أتم من استبشاره بسَعَادةِ نَفْسِهِ، لأنهُ - تعالى - مدَحَهم على ذلك بكونهم أوَّلَ ما استبشروا فرحوا بإخوانهم، ثم ذكر - بعده - استبشارهم بأنفسهم، فقال: {يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَفَضْلٍ}. قوله: {وَأَنَّ ٱللَّهَ لاَ يُضِيعُ} قرأ الكِسائيُّ بِكَسْرِ "أن" على الاستئنافِ. وقال الزمخشري: إن قراءة الكسرِ اعتراضٌ. واستشكلَ كونها اعتراضاً؛ لأنها لم تقع بين شيئين متلازمين. ويمكن أن يُجاب عنه بأن "الذين استجابوا" يجوز أن يكون تابعاً لـ "الذين لم يلحقوا" - نعتاً، أو بدلاً، على ما سيأتي - فعلى هذا لا يتصور الاعتراض. ويؤيدُ كونها للاستئناف قراءةُ عبد الله ومصحفُه: والله لا يضيع، وقرأ باقي السبعةِ بالفتحِ؛ عَطْفاً على قوله: "بنعمة" لأنها بتأويل مصدر، أي: يستبشرون بنعمةٍ من الله وفضل منه وعدم إضاعةِ الله أجْرَ المؤمنين. فإن قيل: لم قال: "يستبشرون" من غير عطف؟ فالجوابُ فيه أوجهٌ: أحدها: أنه استئنافٌ متعلِّقٌ بهم أنفسهم، دون {الذين لم يلحقوا بهم} لاختلافِ متعلِّقٍ البشارتين. الثاني: أنه تأكيدٌ للأولِ؛ لأنه قصد بالنعمة والفضل بيانَ مُتَعَلِّقِ الاستبشارِ الأولِ، وإليهِ ذَهَبَ الزمخشري. الثالثُ: انه بدلٌ من الفعل الأول، ومعنى كونه بدلاً: أنه لما كان متعلقه بياناً لمتعلق الأول حَسُن أن يقال: بدل منه، وإلا فكيف يبدل فعلٌ من فعل موافقٍ له لفظاً ومعنًى؟ وهذا في المعنى يئول إلى وجه التأكيد. الرابعُ: أنه حال من فاعل "يحزنون" و "يحزنون" عاملٌ فيه، أي: ولا هم يحزنون حال كونهم مستبشرين بنعمة. وهو بعيدٌ، لوجهين: أحدهما: أن الظاهر اختلافُ مَنْ نفي عنه الحُزْن ومن استبشرَ. الثاني: أن نفي الحزن ليس مقيَّداً ليكون أبلغ في البشارة، والحال قَيْدٌ فيه، فيفوت هذا المعنى. فصل والمقصودُ - من هذا الكلام - أن إيصال الثواب العظيم إلى الشهداء ليس مخصوصاً بهم، بل كل مؤمنٍ يستحق شيئاً من الأجر والثوابِ، فإن الله تعالى يوصِّل ثوابه إليه، ولا يُضيعه. قوله: "الذين استجابوا" فيه ستة أوْجُهٍ: أحدها: أنه مبتدأ، وخبره قوله: {لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ مِنْهُمْ وَٱتَّقَواْ أَجْرٌ عَظِيمٌ}. وقال مَكيٌّ: ابتداء وخبره "من بعدما أصابهم القرح" وهذا غلطٌ؛ لأن هذا ليس بمفيد ألبتة، بل "من بعد" متعلقٌ بـ "استجابوا". الثاني: أنه خبر مبتدأ مُضْمَر، أي: هم الذين. الثالث: أنه منصوب بإضمار "أعني" وهذانِ الوجهانِ يشملهما قولك: القطع. الرابع: أنه بدل من "المؤمنين". الخامس: أنه بدلٌ من {الذين لم يلحقوا} قَالَه مَكّيٌّ. السادسُ: أنه نعتٌ لـ "المؤمنين" ويجوزُ فيه وجهٌ سابعٌ، وهو أن يكون نعتاً لقوله: {الذين لم يلحقوا} قياساً على جَعْلهِ بدلاً منهم عند مكيٍّ. و "ما" في قوله: {مِن بَعْدِ مَآ أَصَابَهُمُ} مصدرية، و "الذين أحسنوا" خَبَرٌ مقدَّمٌ، و "منهم" فِيْهِ وَجْهَان: أحدهما: أنه حالٌ من الضمير في "أحسنوا" وعلى هذا فـ "من" تكون تبعيضية. الثاني: أنها لبيان الجنسِ. قال الزمخشري: "مثلها في قوله تعالى: {أية : وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً} تفسير : [الفتح: 29] لأن الذين استجابوا لله والرسولِ قد أحسنوا كلهم لا بعضهم". و "أجر" مبتدأ مؤخَّر، والجملة من هذا المبتدأ وخبره، إما مُستأنفة، أو حالٌ - إن لم يُعْرَب "الذين استجابوا" مبتدأ - وإما خبرٌ - إنْ أعربناه مبتدأ - كما تقدم تقريره. والمرادُ: أحسنوا فما أتوا به من طاعة الرسول صلى الله واتقوا ارتكابَ شيءٍ من المنهيات. فصل في بيان سبب النزول في سبب نزول هذه الآية وجهان: أحدهما - وهو الأصح -: حديث : أن أبا سفيان وأصحابه لما انصرفوا من أحُدٍ، فلما بلغوا الرَّوحاء ندموا وتلاوموا، وقالوا: لا محمداً قَتَلْتُمْ، ولا الكواعبَ أردفتم، قتلتموهم حتى لم يَبْقَ منهم إلا الشريد تركتموهم، ارجعوا فاستأصلوهم، فهمُّوا بالرجوع فبلغ ذلك الرسول صلى الله عليه وسلم فأراد أن يُرْهِب الكُفَّارَ، ويُريَهم من نفسه وأصحابه قوةً، فندب أصحابه للخروج في طلب أبي سفيانَ، وقال: لا أريد أن يخرجَ الآن معي إلا من كان معي في القتالِ، فانتدبَ عصابةً منهم - مع ما بهم من ألم الجِراح والقَرْح الذي أصابهم يوم أحُد - ونادى منادي رسولِ الله صلى الله عليه وسلم: ألا لا يخرجنَّ معنا أَحَدٌ، إلا مَنْ حضر يومنا بالأمس، فكلمه جابر بن عبد الله، فقال: يا رسولَ الله إن أبي كان قد خلَّفني على أخواتٍ لي سَبْع، وقال: يا بُنَيَّ لا يَنْبَغِي لِي وَلاَ لَكَ أن نَتْرك هؤلاء النسوةَ ولا رَجُلَ فِيهنَّ، ولسْتُ بالذي أوثرك على نفسي بالجهاد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فتخلَّفْ على أخواتك فتخلفتُ عليهن. فأذن له رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فَخَرَجَ مَعَهُ، وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم مُرْهِباً للعدو، وليبلغهم أنه خَرَجَ في طلبهم، فيظنوا به قوةً، وأن الذي أصابهم لم يوهِنهم، فينصرفوا. فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في سَبْعِينَ رَجُلاً، منهم أبو بكرٍ وعمرُ، وعثمانُ، وعليٌّ، وطلحةُ، والزبيرُ، وسعدٌ، وسعيدٌ، وعبدُ الرحمن بنُ عوفٍ، وعبدُ الله بنُ مسعودٍ، وحذيفةُ بنُ اليَمانِ، وأبو عبيدةَ بنُ الجراح، حتى بلغوا حمراء الأسد - وهي من المدينة على ثمانية أميال تفسير : - روي عن عائشةً أنَّها قالتْ- لعبدِ الله بن الزُّبَيْر: ابنَ أختي، أما - والله - إن أباك وجَدَّك - تعني أبا بكر والزبير - لَمِنَ الذين قال الله - عز وجل - فيهم: {ٱلَّذِينَ ٱسْتَجَابُواْ للَّهِ وَٱلرَّسُولِ}. حديث : وروي أنه كان فيهم مَنْ يحمل صاحبه على عنقه ساعةً، ثم كان المحمولُ يحملَ الحاملَ ساعةً أخرى، وذلك لكثرة الجراحاتِ فيهم، وكان منهم من يتوكأ على صاحِبِه ساعةً، ويتوكأ عليه صاحبه ساعة أخرى فمر برسول الله صلى الله عليه وسلم مَعْبَدٌ الخُزاعِيُّ بحمراء الأسدِ، وكانت خزاعةُ - مسلمهم وكافرهم - عَيْبَة رسول الله صلى الله عليه وسلم بتهامة، صَفْقَتهُمْ معه، لا يُخفونَ عنه شيئاً كان بها، ومعبد - يومئذ - مشرك، فقال: يا محمدُ والله لقد عَزَّ علينا ما أصابك في أصحابك، ولوددنا أن الله قد أعفاك منهم. ثم خرج من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم حتّى لقي أبا سفيان ومَنْ معه - بالروحاء - قد أجمعوا الرجعة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا: قد أصبنا جُلَّ أصحابه وقادتهم، لنكرَّنَّ على بقيتهم، فلنفرغن منهم فلما رأى أبو سفيان معبداً قال: ما وراءك يا معبدُ؟ قال: محمد قد خرج في أصحابه يطلبكم في جمع لم أر مثلَه قط، يتحرقون عليكم تحرُّقاً، قد اجتمع معه مَنْ كان تخلف عنه في يومكم، وندموا على صنيعهم وفيهم من الحنَقِ عليكم شيء لم أرَ مِثْلَه قط، قال ويلك ما تقول؟ قال: والله ما أراك ترتحل حتى ترى نواصيَ الخيل. قال: والله لقد أجمعنا الكرة عليهم لنستأصل بقيتهم. قال: فإني أنهاك عن ذلك، فوالله لقد حملني ما رأيتُ على أن قلت فيه أبياتاً: [البسيط] شعر : 1690- كَادَت تُهَدُّ مِنَ الأصْوَاتِ رَاحِلَتِي إذْ سَالَتِ الأرْضُ بِالجُرْدِ الأبَابِيلِ حديث : وذكر أبياتاً. ففَتَّرَ ذلك أبا سفيان ومَنْ معه. ومَرَّ به رَكْبٌ من بني عبد القيسِ، فقالوا: أين تريدون؟ قالوا: نريد المدينةَ قالوا: ولِمَ؟ قالوا: نريد المِيرَة، قال فهل أنتم مبلِّغون محمداً عني رسالةً وأحمِّلُ لكم إِبلَكم زبيباً بـ "عكاظ" غداً إذا وافيتمونا؟ قالوا: نَعَمْ، قال فإذا جئتموه فأخبروه أنا قد جمعنا إليه وإلى أصحابه؛ لنَسْتَأْصِلَ بقيتهم، وانصرف أبو سفيان إلى مكةَ. ومرَّ الركب برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بـ "حمراء الأسد" فأخبروه بالذي قال أبو سفيان، فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: حَسْبُنَا الله وَنْعِمَ الوكيلْ، ثم انصرف رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة. تفسير : هذا قولُ أكثرِ المفسّرين. الثاني: حديث : قال الأصمُّ: نزلت هذه الآية في يوم أحُدٍ، لما رجع الناس إليه صلى الله عليه وسلم بعد الهزيمة، فشدّ بهم على المشركين حتى كشفهم وكانوا قد هموا هم بالمُثْلة، فدفعهم عنها بعد أن مثَّلوا بحمزةَ، فقذف في قلوبهم الرُّعْبَ، فانهزموا، وصلى عليهم صلى الله عليه وسلم ودفنهم بدمائهم. وذكروا أن صفيةَ جاءت لتنظرَ إلى أخيها حمزةَ، فقال صلى الله عليه وسلم للزبير: رُدَّها؛ لئلا تجزع من مُثْلَةِ أخيها، فقالت: قد بلغني ما فُعِلَ به، وذلك يسيرٌ في جَنْب طاعةِ الله تعالى، فقال صلى الله عليه وسلم للزُّبَيْر: فَدَعْها، لتنظرَ إليه، فقالت خيراً، واستغفرت له. وجاءت امرأة - قُتِل زَوْجُها وأبوها وأخوها وابنُها - فلما رأت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو حَيٌّ قالت: كل مصيبةٍ بعدك هدر.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله ‏ {‏يستبشرون بنعمة من الله وفضل‏.‏‏.‏‏.‏‏} ‏ الآية‏.‏ قال‏:‏ هذه الآية جمعت المؤمنين كلهم سوى الشهداء، وقلما ذكر الله فضلاً ذكر به الأنبياء وثواباً أعطاهم إلا ذكر ما أعطى المؤمنين من بعدهم‏.‏ وأخرج الحاكم وصححه عن عبد الرحمن بن جابر عن أبيهسمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول ‏"‏حديث : إذا ذكر أصحاب أحد‏:‏ والله لوددت أني غودرت مع أصحابي بنحص الجبل‏"‏ تفسير : نحص الجبل‏:‏ أصله‏.‏ وأخرج الحاكم وصححه عن جابر قال‏ ‏"‏حديث : فقد رسول الله صلى الله عليه وسلم حمزة حين فاء الناس من القتال فقال رجل‏:‏ رأيته عند تلك الشجرات وهو يقول‏:‏ أنا أسد الله وأسد رسوله، اللهم ابرأ إليك مما جاء به هؤلاء‏؛‏ أبو سفيان وأصحابه، وأعتذر إليك مما صنع هؤلاء بانهزامهم‏.‏ فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم نحوه، فلما رأى جثته بكى، ولما رأى ما مثل به شهق ثم قال‏: ألا كفن‏؟ فقام رجل من الأنصار فرمى بثوب عليه، ثم قام آخر فرمى بثوب عليه، ثم قال جابر‏‏‏:‏ هذا الثوب لأبيك وهذا لعمي، ثم جيء بحمزة فصلى عليه ثم يجاء بالشهداء فتوضع إلى جانب حمزة فيصلي عليهم يرفع ويترك حمزة حتى صلى على الشهداء كلهم قال‏:‏ فرجعت وأنا مثقل قد ترك أبي عليَّ ديناً وعيالاً، فلما كان عند الليل أرسل إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال‏: يا جابر إن الله أحيا أباك وكلمه قلت‏:‏ وكلمه كلاماً‏!‏ قال‏: قال له‏:‏ تمن‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏ فقال‏:‏ أتمنى أن ترد روحي وتنشئ خلقي كما كان، وترجعني إلى نبيك فأقاتل في سبيلك فأقتل مرة أخرى‏.‏ قال‏:‏ إني قضيت أنهم لا يرجعون وقال‏:‏ قال صلى الله عليه وسلم‏:‏ سيد الشهداء عند الله يوم القيامة حمزة‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة والحاكم وصححه عن أنس قال ‏‏ "حديث : ‏كفن حمزة في نمرة كانوا إذا مدوها على رأسه خرجت رجلاه، فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يمدوها على رأسه ويجعلوا على رجليه من الإذخر وقال‏: لولا أن تجزع صفية لتركنا حمزة فلم ندفنه حتى يحشر من بطون الطير والسباع‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة عن كعب بن مالك ‏"‏حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم أحد‏:‏ من رأى مقتل حمزة‏؟ فقال رجل‏:‏ أنا‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏ قال‏:‏ فانطلق فأرناه‏.‏ فخرج حتى وقف على حمزة فرآه قد بقر بطنه وقد مُثِّل به، فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينظر إليه ووقف بين ظهراني القتلى وقال‏: أنا شهيد على هؤلاء القوم لفوهم في دمائهم، فإنه ليس جريح يجرح إلا جرحه يوم القيامة يدمى، لونه لون الدم وريحه ريح المسك، قدموا أكثر القوم قرآناً فاجعلوه في اللحد ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج النسائي والحاكم وصححه "حديث : عن سعد بن أبي وقاص ‏‏أن رجلاً جاء إلى الصلاة والنبي صلى الله عليه وسلم يصلي بنا فقال حين انتهى إلى الصف‏:‏ اللهم آتني أفضل ما تؤتي عبادك الصالحين، فلما قضى النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة قال‏:‏ من المتكلم آنفا‏ً؟‏ فقال‏:‏ أنا‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏ فقال‏: إذن يعقر جوادك وتستشهد في سبيل الله‏ "‏‏. تفسير : وأخرج أحمد ومسلم والنسائي والحاكم عن أنس قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏حديث : يؤتى بالرجل من أهل الجنة فيقول الله له‏:‏ يا ابن آدم كيف وجدت منزلك‏؟‏ فيقول‏:‏ أي رب خير منزل فيقول‏:‏ سل وتمن فيقول‏:‏ أسألك أن تردني إلى الدنيا فأقتل في سبيلك عشر مرات لما رأى من فضل الشهادة‏.‏ قال‏:‏ ويؤتى بالرجل من أهل النار فيقول الله‏:‏ يا ابن آدم كيف وجدت منزلك‏؟‏ فيقول‏:‏ أي رب شر منزل فيقول‏:‏ فتفتدى منه بطلاع الأرض ذهبا‏ً؟‏ فيقول‏:‏ نعم‏.‏ فيقول‏:‏ كذبت قد سألتك دون ذلك فلم تفعل‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة والترمذي وابن ماجة وابن خزيمة وابن حبان عن أبي هريرة قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏حديث : عرض عليَّ أول ثلاثة يدخلون الجنة، وأول ثلاثة يدخلون النار. فأما أول ثلاثة يدخلون الجنة فالشهيد، وعبد مملوك أحسن عبادة ربه ونصح لسيده، وعفيف متعفف ذو عيال‏.‏ وأما أول ثلاثة يدخلون النار فأمير مسلط، وذو ثروة من مال لا يؤدي حق الله في ماله، وفقير فخور‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج الحاكم عن سهل بن أبي أمامة بن سهل عن أبيه عن جده قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏إن أول ما يهراق من دم الشهيد يغفر له ذنوبه ‏"‏‏. تفسير : وأخرج الحاكم وصححه عن أبي أيوب قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏من صبر حتى يقتل أو يغلب لم يفتن في قبره‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن سعد وابن أبي شيبة وأحمد والبخاري عن أنس‏.‏ ‏ حديث : أن حارثة بن سراقة خرج نظاراً فأتاه سهم فقتله فقالت أمه‏:‏ يا رسول الله قد عرفت موضع حارثة مني فإن كان في الجنة صبرت وإلا رأيت ما أصنع‏؟‏ قال‏: يا أم حارثة أنها ليست بجنة واحده ولكنها جنان كثيرة، وأن حارثة لفي أفضلها‏.‏ أو قال‏:‏ في أعلى الفردوس‏ ‏. تفسير : وأخرج أحمد والنسائي عن عبادة بن الصامت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ‏"حديث : ‏ما على الأرض من نفس تموت ولها عند الله خير تحب أن ترجع إليكم إلا القتيل في سبيل الله، فإنه يحب أن يرجع فيقتل مرة أخرى ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج أحمد وعبد بن حميد والبخاري ومسلم والترمذي والبيهقي في الشعب عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ‏"حديث : ‏ما من أهل الجنة أحد يسره أن يرجع إلى الدنيا وله عشر أمثالها إلا الشهيد، فإنه ود أنه لو رد إلى الدنيا عشر مرات فاستشهد لما يرى من فضل الشهادة‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن سعد وأحمد والبيهقي عن قيس الجذامي قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏إن للقتيل عند الله ست خصال‏:‏ تغفر له خطيئته في أول دفعة من دمه، ويجار من عذاب القبر، ويحلى حلة الكرامة، ويرى مقعده من الجنة، ويؤمن من الفزع الأكبر، ويزوّج من الحور العين ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج الترمذي وصححه وابن ماجة والبيهقي عن المقدام بن معد يكرب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ‏"حديث : ‏إن للشهيد عند الله خصالاً‏.‏ يغفر له في أول دفعة من دمه، ويرى مقعده من الجنة، ويحلى عليه حلة الإيمان، ويجار من عذاب القبر، ويأمن يوم الفزع الأكبر، ويوضع على رأسه تاج الوقار، الياقوتة منه خير من الدنيا وما فيها، ويزوج اثنتين وسبعين زوجة من الحور العين، ويشفع في سبعين إنساناً من أقاربه‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج أحمد والطبراني من حديث عبادة بن الصامت‏.‏ مثله‏.‏ وأخرج البزار والبيهقي والأصبهاني في ترغيبه بسند ضعيف عن أنس بن مالك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏حديث : الشهداء ثلاثة‏:‏ رجل خرج بنفسه وماله محتسباً في سبيل الله يريد أن لا يقتل ولا يقتل ولا يقاتل، يكثر سواد المؤمنين، فإن مات وقتل غفرت له ذنوبه كلها، وأجير من عذاب القبر، وأومن من الفزع الأكبر، وزوّج من الحور العين، وحلت عليه حلة الكرامة، ووضع على رأسه تاج الوقار والخلد‏.‏ والثاني رجل خرج بنفسه وماله محتسباً يريد أن يقتل ولا يقتل، فإن مات أو قتل كانت ركبته مع ركبة إبراهيم خليل الرحمن بين يدي الله في مقعد صدق عند مليك مقتدر‏.‏ والثالث رجل خرج بنفسه وماله محتسباً يريد أن يقتل ويقتل، فإن مات أو قتل جاء يوم القيامة شاهراً سيفه واضعه على عاتقه والناس جاثون على الركب يقول‏:‏ ألا أفسحوا لنا، مرتين‏.‏ فإنا بذلنا دماءنا وأموالنا لله قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ والذي نفسي بيده لو قال ذلك لإبراهيم خليل الرحمن، أو لنبي من الأنبياء لتنحى لهم عن الطريق لما يرى من واجب حقهم، حتى يأتوا منابر من نور عن يمين العرش، فيجلسون فينظرون كيف يقضى بين الناس، لا يجدون غم الموت، ولا يغتمون في البرزخ، ولا تفزعهم الصيحة، ولا يهمهم الحساب، ولا الميزان ولا الصراط، ينظرون كيف يقضي بين الناس، ولا يسألون شيئاً إلا أعطوا، ولا يشفعون في شيء إلا شفعوا، ويعطون من الجنة ما أحبوا، وينزلون من الجنة حيث أحبوا ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج أحمد والطبراني وابن حبان والبيهقي عن عتبة بن عبد السلمي قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : القتلى ثلاثة‏:‏ رجل مؤمن جاهد بنفسه وماله في سبيل الله، حتى إذا لقي العدوّ قاتلهم حتى يقتل، فذاك الشهيد الممتحن في خيمة الله تحت عرشه لا يفضله النبيون إلا بدرجة النبوة‏.‏ ورجل مؤمن قرف على نفسه من الذنوب والخطايا، جاهد بماله ونفسه في سبيل الله حتى إذا لقي العدو قاتل حتى يقتل، فتلك ممصمصة تحط من ذنوبه وخطاياه‏.‏ إن السيف مَحَّاءٌ للخطايا، وأدخل من أي أبواب الجنة شاء، فإن لها ثمانية أبواب، ولجهنم سبعة أبواب، وبعضها أفضل من بعض‏.‏ ورجل منافق جاهد بنفسه وماله، حتى إذا لقي العدو قاتل في سبيل الله حتى يقتل، فإن ذلك في النار. إن السيف لا يمحو النفاق‏ "‏‏.‏ ‏تفسير : وأخرج أحمد والحاكم عن عبد الله بن عمرو بن العاص‏:‏ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏حديث : يغفر للشهيد كل ذنب إلا الدين ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج أحمد عن عبد الله بن جحش ‏‏ "حديث : ‏أن رجلاً قال‏:‏ يا رسول الله ما لي إن قتلت في سبيل الله‏؟‏ قال‏: الجنة‏.‏ فلما ولى قال‏:‏ إلا الدين سارني به جبريل آنفاً ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج أحمد والنسائي عن ابن أبي عميرة‏:‏ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"حديث : ‏ما من نفس مسلمة يقبضها ربها تحب أن ترجع إليكم وإن لها الدنيا وما فيها غير الشهيد‏ "‏‏.‏ تفسير : وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏لأن أقتل في سبيل الله أحب إليَّ من أن يكون لي أهل الوبر والمدر‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج الترمذي وصححه والنسائي وابن ماجة وابن حبان عن أبي هريرة قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏حديث : ما يجد الشهيد من مس القتل إلا كما يجد أحدكم من مس القرصة‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج الطبراني عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"حديث : ‏إذا وقف العباد للحساب جاء قوم واضعي سيوفهم على رقابهم تقطر دماً فازدحموا على باب الجنة فقيل‏:‏ من هؤلاء‏؟‏ قيل‏:‏ الشهداء كانوا مرزوقين ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج أحمد وأبو يعلى والبيهقي في الأسماء والصفات عن نعيم بن همار ‏ ‏"حديث : ‏ أن رجلاً سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الشهداء أفضل‏؟‏ قال‏: الذين أن يلقوا في الصف لا يلفتوا وجوههم حتى يقتلوا، أولئك ينطلقون في العرف العالي من الجنة، ويضحك إليهم ربهم‏.‏ وإذا ضحك ربك إلى عبد في الدنيا فلا حساب عليه‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج الطبراني عن أبي سعيد الخدري قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏أفضل الجهاد عند الله يوم القيامة الذين يلتقون في الصف الأول فلا يلفتون وجوههم حتى يقتلوا، أولئك يتلبطون في الغرف من الجنة يضحك إليهم ربك. وإذا ضحك إلى قوم فلا حساب عليهم‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن ماجة عن أبي هريرة قال‏:‏ ‏"‏ذكر الشهيد عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ ‏"حديث : ‏لا تجف الأرض من دم الشهيد حتى تبتدره زوجتاه كأنهما ظئران أضلتا فصيلهما في براح من الأرض، وفي يد كل واحدة منهما حلة خير من الدنيا وما فيها ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج النسائي عن راشد بن سعد عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم‏ ‏"حديث : ‏أن رجلاً قال‏:‏ يا رسول الله ما بال المؤمنين يفتنون في قبورهم إلا الشهيد‏؟‏ قال‏: كفى ببارقة السيوف على رأسه فتنة‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج الحاكم وصححه عن أنس ‏ ‏"‏حديث : أن رجلاً أسود أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ يا رسول الله إني رجل أسود، منتن الريح، قبيح الوجه، لا مال لي، فإن أنا قاتلت هؤلاء حتى أقتل فأين أنا‏؟‏ قال‏: في الجنة‏. فقاتل حتى قتل‏.‏ أتاه النبي صلى الله عليه وسلم فقال‏: قد بيض الله وجهك، وطيب ريحك، وأكثر مالك‏.‏ وقال لهذا أو لغيره‏: لقد رأيت زوجته من الحور العين نازعته جبة له صوفا تدخل بينه وبين جبته ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج البيهقي عن ابن عمر ‏ "حديث : ‏‏أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بخباء أعرابي وهو في أصحابه يريدون الغزو، فرفع الأعرابي ناحية من الخباء فقال‏:‏ من القوم‏؟‏ فقيل‏:‏ رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه يريدون الغزو، فسار معهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏: والذي نفسي بيده أنه لمن ملوك الجنة‏.‏ فلقوا العدو فاستشهدوا خبر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأتاه فقعد عند رأسه مستبشراً يضحك ثم أعرض عنه‏.‏ فقلنا‏:‏ يا رسول الله رأيناك مستبشراً تضحك ثم أعرضت عنه‏؟‏‏!‏ فقال‏:‏ أما ما رأيتم من استبشاري فلما رأيت من كرامة روحه على الله، وأما إعراضي عنه فإن زوجته من الحور العين الآن عند رأسه‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج عناد في الزهد وعبد بن حميد والطبراني عن عبد الله بن عمرو قال ‏"‏أن أوّل قطرة تقطر من دم الشهيد يغفر له بها ما تقدم من ذنبه، ثم يبعث الله ملكين بريحان من الجنة وريطة من الجنة، وعلى أرجاء السماء ملائكة يقولون‏:‏ سبحان الله قد جاء من الأرض اليوم ريح طيبة ونسمة طيبة‏.‏ فلا يمر بباب إلا فتح له، ولا يمر بملك إلا صلى عليه وشيعه، حتى يؤتى به إلى الرحمن فيسجد له قبل الملائكة وتسجد الملائكة بعده، ثم يأمر به إلى الشهداء فيجدهم في رياض خضر وقباب من حرير عند ثور وحوت يلعبان لهم كل يوم لعبة لم يلعبا بالأمس مثلها، فيظل الحوت في أنهار الجنة فإذا أمسى وكزه الثور بقرنه فذكاه لهم، فأكلوا من لحمه فوجدوا من لحمه طعم كل رائحة من أنهار الجنة، ويبيت الثور نافشاً في الجنة، فإذا أصبح غدا عليه الحوت فوكزه بذنبه، فأكلوا من لحمه فوجدوا في لحمه طعم كل ثمرة من ثمار الجنة ينظرون إلى منازلهم بكرة وعشيا يدعون الله أن تقوم الساعة‏. ‏ وإذا توفى المؤمن بعث الله إليه ملكين بريحان من ريحان الجنة وخرقة من الجنة تقبض فيها نفسه، ويقال‏:‏ اخرجي أيتها النفس المطمئنة إلى روح وريحان ورب عليك غير غضبان‏.‏ فتخرج كأطيب رائحة وجدها أحد قط بأنفه، وعلى أرجاء السماء ملائكة يقولون‏:‏ سبحان الله قد جاء اليوم من الأرض ريح طيبة ونسمة طيبة‏.‏ فلا يمر بباب إلا فتح له، ولا بملك إلا صلى عليه وشيعه، حتى يؤتى به إلى الرحمن‏.‏ فتسجد الملائكة قبله ويسجد بعدهم ثم يدعى بميكائيل فيقول‏:‏ اذهب بهذه النفس فاجعلها مع أنفس المؤمنين حتى أسألك عنهم يوم القيامة، ويؤمر به إلى قبر ويوسع سبعين طوله وسبعين عرضه، وينبذ له فيه ريحان ويشيد بالحرير، فإن كان معه شيء من القرآن كسى نوره، وإن لم يكن معه شيء من القرآن جعل له نور مثل الشمس، فمثله كمثل العروس لا يوقظه إلا أحب أهله إليه‏.‏ وإن الكافر إذا توفي بعث الله إليه ملكين بخرقة من بجاد أنتن من كل نتن، وأخشن من كل خشن، فيقال‏:‏ اخرجي أيتها النفس الخبيثة ولبئس ما قدمت لنفسك‏.‏ فتخرج كأنتن رائحة وجدها أحد قط، ثم يؤمر به في قبره فيضيق عليه حتى تختلف فيه أضلاعه، ويرسل عليه حيات كأعناق البخت يأكلن لحمه، وتقبض له ملائكة صم بكم عمي لا يسمعون له صوتاً ولا يرونه، فيرحمونه ولا يملون إذا ضربوا يدعون الله أن يديم ذلك عليه حتى يخلص إلى النار‏"‏‏.‏ وأخرج الطيالسي والترمذي وحسنه والبيهقي في الشعب عن عمر بن الخطاب سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏"‏حديث : الشهداء أربعة‏:‏ فمؤمن جيد الإيمان لقي العدو فصدق الله فقاتل حتى يقتل، فذلك الذي يرفع الناس إليه أعينهم، ورفع رأسه حتى وقعت قلنسوة كانت على رأسه أو رأس عمر، فهذا في الدرجة الأولى. ورجل مؤمن جيد الإيمان إذا لقي العدو فكأنما يضرب جلده بشوك الطلح من الجبن، فأتاه سهم غرب فقتله فهذا في الدرجة الثانية. ورجل مؤمن خلط عملاً صالحاً وآخر سيئاً، لقي العدو فصدق الله فَقُتِلَ فهذا في الدرجة الثالثة. ورجل أسرف على نفسه فلقي العدو فقاتل حتى يُقتل، فهذا في الدرجة الرابعة ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج أبو داود وابن حبان عن أبي الدرداء سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏"حديث : ‏الشهيد يشفع في سبعين من أهل بيته ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج الطبراني والبيهقي في البعث والنشور عن يزيد بن شجرة أنه كان يقول‏:‏ إذا صف الناس للصلاة وصفوا للقتال فتحت أبواب السماء، وأبواب الجنة، وأبواب النار، وزين الحور العين وأطلقن، فإذا أقبل الرجل قلن اللهم انصره، وإذا أدبر احتجبن عنه وقلن اللهم اغفر له‏.‏ فانهكوا وجوه القوم، ولا تخزوا الحور العين، فإن أوّل قطرة تقطر من دم أحدكم يكفر عنه كل شيء عمله، وينزل إليه زوجتان من الحور العين يمسحان التراب عن وجهه ويقولان‏:‏ قد أنالك ويقول‏:‏ قد أنالكما‏.‏ ثم يكسى مائة حلة ليس من نسج بني آدم ولكن من نبت الجنة، لو وضعت بين أصبعين لوسعن‏.‏ وكان يقول‏:‏ إن السيوف مفاتيح الجنة‏.‏ وأخرج البيهقي في الشعب عن أبي بكر محمد بن أحمد التميمي قال‏:‏ سمعت قاسم بن عثمان الجوعي يقول‏:‏ رأيت في الطواف حول البيت رجلاً لا يزيد على قوله‏:‏ اللهم قضيت حاجة المحتاجين وحاجتي لم تقض فقلت له‏:‏ ما لك لا تزيد على هذا الكلام‏؟‏ فقال‏:‏ أحدثك‏.‏ كنا سبعة رفقاء من بلدان شتى، غزونا أرض العدو فاستؤسرنا كلنا، فاعتزل بنا لتضرب أعناقنا، فنظرت إلى السماء فإذا سبعة أبواب مفتحة عليها سبع جوار من الحور العين على كل باب جارية، فقدم رجل منا فضربت عنقه، فرأيت جارية في يدها منديل قد هبطت إلى الأرض حتى ضربت أعناق ستة وبقيت أنا، وبقي باب وجارية‏.‏ فلما قدمت لتضرب عنقي استوهبني بعض رجاله فوهبني له، فسمعتها تقول‏:‏ أي شيء فاتك يا محروم‏.!!‏ وأغلقت الباب، وأنا يا أخي متحسر على ما فاتني‏.‏ قال قاسم بن عثمان‏:‏ أراه أفضلهم لأنه رأى ما لم يروا، وترك يعمل على الشوق‏.‏ وأخرج أبو داود والحاكم وصححه والبيهقي في الأسماء والصفات واللفظ له عن ابن مسعود‏:‏ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏حديث : عجيب ربنا من رجلين‏:‏ رجل ثار عن وطائه ولحافه من بين حبه وأهله إلى صلاته رغبة فيما عندي وشفقة مما عندي، ورجل غزا في سبيل الله فانهزم أصحابه فعلم ما عليه في الإنهزام وما له في الرجوع فرجع حتى أهريق دمه‏.‏ فيقول الله لملائكته‏:‏ انظروا إلى عبدي رجع رغبة فيما عندي، وشفقة مما عندي حتى أهريق دمه ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج البيهقي في الأسماء والصفات عن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"حديث : ‏ثلاثة يحبهم الله، ويضحك إليهم، ويستبشر بهم‏:‏ الذي إذا انكشف فئة قاتل وراءها بنفسه لله عز وجل فإما أن يقتل، وإما أن ينصره الله تعالى ويكفيه، فيقول‏:‏ انظروا إلى عبدي كيف صبر لي نفسه‏.‏ والذي له امرأة حسناء، وفراش لين حسن، فيقوم من الليل فيذر شهوته فيذكرني ويناجيني ولو شاء رقد، والذي إذا كان في سفر وكان معه ركب فسهروا ونصبوا ثم هجعوا فقام من السحر في سراء أو ضراء ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج الحاكم وصححه عن أنس ‏أن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏: ‏"حديث : ‏من سأل الله القتل في سبيل الله صادقاً ثم مات أعطاه الله أجر شهيد ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة والحاكم عن سهل ابن أبي أمامة بن سهل بن حنيف عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"حديث : ‏ من سأل الله الشهادة بصدق بلَّغه الله منازل الشهداء وإن مات على فراشه ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج أحمد ومسلم عن أنس قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏من طلب الشهادة صادقاً أعطيها ولو لم تصبه ‏"‏‏.‏

ابو السعود

تفسير : {يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ} كُرِّر لبـيان أن الاستبشارَ المذكورَ ليس بمجرد عدمِ الخوفِ والحزنِ بل به وبما يقارِنُه من نعمةٍ عظيمةٍ لا يقادَرُ قَدْرُها، وهي ثوابُ أعمالِهم، وقد جُوِّز أن يكون الأولُ متعلقاً بحال إخوانِهم، وهذا بحال أنفسِهم بـياناً لبعض ما أُجمل في قوله تعالى: {أية : فَرِحِينَ بِمَا ءاتَـٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ}تفسير : [آل عمران، الآية: 170] {مِنَ ٱللَّهِ} متعلقٌ بمحذوف وقع صفةً لنعمةٍ مؤكدةً لما أفاده التنكيرُ من الفخامة الإضافيةِ، أي كائنةٍ منه تعالى {وَفَضَّلَ} أي زيادةٍ عظيمةٍ كما في قوله تعالى: {أية : لّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ ٱلْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌ} تفسير : [يونس، الآية 26]. {وَأَنَّ ٱللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} بفتح أن، عطفٌ على فضلٍ منتظمٌ معه في سلك المستبشَرِ به، والمرادُ بالمؤمنين إما الشهداءُ والتعبـيرُ عنهم بالمؤمنين للإيذان بسمو رُتبة الإيمانِ وكونِه مناطاً لما نالوه من السعادة، وإما كافةُ أهلِ الإيمانِ من الشهداء وغيرِهم ذُكرت توفيةُ أجورِهم على إيمانهم وعُدَّت من جملة ما يستبشَرُ به الشهداء بحكم الأخُوَة في الدين. وقرىء بكسرها على أنه استئنافٌ معترضٌ دالٌّ على أن ذلك أجرٌ لهم على أن إيمانهم مُشعِرٌ بأن من لا إيمانَ له أعمالُه مُحبطةٌ لا أجرَ له. وفيه من الحث على الجهاد والترغيبِ في الشهادة والبعثِ على ازدياد الطاعةِ وبشرى المؤمنين بالفلاح ما لا يخفى. {الَّذِينَ ٱسْتَجَابُواْ لِلَّهِ وَٱلرَّسُولِ مِن بَعْدِ مَا أَصَـٰبَهُمُ ٱلْقَرْحُ} صفةٌ مادحةٌ للمؤمنين لا مخصِّصة، أو نُصب على المدح أو رُفع على الابتداء، والخبرُ قوله تعالى: {لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ مِنْهُمْ وَٱتَّقَوْاْ أَجْرٌ عَظِيمٌ} بجملته، ومن للبـيان، والمقصودُ من الجمع بـين الوصفين المدحُ والتعليلُ لا التقيـيدُ لأن المستجيبـين كلَّهم محسنون ومتقون. روي «حديث : أن أبا سفيان وأصحابَه لما انصرفوا من أحُد فبلغوا الرّوحاءَ ندِموا وهموا بالرجوع فبلغ ذلك رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فأراد أن يُرهِبهم ويُريَهم من نفسه وأصحابِه قوةً فندَب أصحابَه للخروج في طلب أبـي سفيان، وقال: "لا يخرُجنَّ معنا إلا من حضر يومَنا بالأمس" فخرج صلى الله عليه وسلم مع جماعة حتى بلغوا حمراءَ الأسدِ وهي من المدينة على ثمانية أميالٍ وكان بأصحابه القرْحُ فتحاملوا على أنفسهم حتى لا يفوتَهم الأجرُ وألقى الله تعالى الرعبَ في قلوب المشركين فذهبوا فنزلت {ٱلَّذِينَ قَالَ لَهُمُ ٱلنَّاسُ} يعني الركبُ الذين استقبلوهم من عبد قيسٍ أو نُعيم بنِ مسعودٍ الأشجعي، وإطلاقُ الناس عليه لما أنه من جنسهم وكلامُه كلامُهم، يقال: فلان يركبُ الخيلَ ويلبَسُ الثيابَ وما له سوى فرسٍ فردٍ وغيرُ ثوبٍ واحد، أو لأنه انضم إليه ناسٌ من المدينة وأذاعوا كلامَه {إِنَّ ٱلنَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَٱخْشَوْهُمْ} (رُوي أن أبا سفيان نادى عند انصرافِه من أحُد: يا محمدُ موعدُنا موسمُ بدرٍ القابلُ إن شئت، فقال عليه السلام: "إن شاء الله تعالى" فلما كان القابلُ خرج أبو سفيان في أهل مكةَ حتى نزل مرَّ الظهرانِ فألقى الله تعالى في قلبه الرعبَ وبدا له أن يرجِع فمر به ركبٌ من بني عبدِ قيسٍ يُريدون المدينةَ للمِيرَة فشرَط لهم حِملَ بعيرٍ من زبـيب إن ثبّطوا المسلمين)، وقيل: لقيَ نُعيمُ بنَ مسعودٍ وقد قدِم معتمِراً فسأله ذلك والتزم له عشراً من الإبل وضمِنها منه سهيلُ بنُ عمرو، فخرج نُعيمٌ ووجد المسلمين يتجهزون للخروج فقال لهم: أتَوْكم في دياركم فلم يُفلت منكم أحدٌ إلا شريدٌ أفترَوْن أن تخرُجوا وقد جمعوا لكم ففِرُّوا، فقال عليه السلام: "والذي نفسي بـيده لأخرُجَنَّ ولو لم يخرُجْ معي أحدٌ" فخرج في سبعين راكباً كلُّهم يقولون: حسبُنا الله ونعم الوكيل » تفسير : . قيل: هي الكلمة التي قالها إبراهيم عليه الصلاة والسلام حين ألقي في النار. {فَزَادَهُمْ إِيمَـٰناً} الضميرُ المستكنّ للمقول أو لمصدرِ قال أو لفاعله إن أُريد به نُعيمٌ وحدَه، والمعنى أنهم لم يلتفتوا إلى ذلك بل ثبَت به يقينُهم بالله تعالى وازداد اطمئنانُهم وأظهروا حميةَ الإسلامِ وأخلصوا النيةَ عنده، وهو دليلٌ على أن الإيمانَ يتفاوت زيادةً ونقصاناً فإن ازديادَ اليقينِ بالإلْفِ وكثرةِ التأملِ وتناصُرِ الحجج مما لا ريب فيه، ويعضُده قولُ ابنِ عمرَ رضي الله تعالى عنهما «حديث : قلنا: يا رسولَ الله الإيمانُ يزيدُ وينقص؟ قال: "نعم يزيد حتى يُدخِلَ صاحبَه الجنةَ وينقُص حتى يدخِلَ صاحبَه النار"» تفسير : {وَقَالُواْ حَسْبُنَا ٱللَّهُ} أي مُحْسِبُنا الله وكافينا من أحسبه إذا كفاه. والدليلُ على أنه بمعنى المُحسب أنه لا يستفيد بالإضافة تعريفاً في قولك: هذا رجلٌ حسبُك {وَنِعْمَ ٱلْوَكِيلُ}، أي نعم الموكولُ إليه، والمخصوصُ بالمدح محذوفٌ أي الله عز وجل.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَفَضْلٍ} [الآية: 171]. قال ابن عطاء: لو نظروا إلى المنعم لتبغض عليهم الاستبشار بنعمِهِ وفضلهِ ولكان استبشارهم بالمنعم المتفضل. قال بعضهم: الاستبشار بالنعمة منه هو الاستبشار بالمنعم. قال بعضهم: يستبشرون بما أنعم عليهم من فضله القديم، حيث جعلهم أهلاً لنعمه وفضله.

القشيري

تفسير : عِلَّةُ استبشارهم وموجبه فضلٌ من الله ونعمة منه، أي لولا فضله ونعمته بهم وإلا متى استبشروا؟ فليس استبشارهم بالنعمة إنما استبشارهم بأنهم عبادُه وأنه مولاهم، ولولا فضله ونعمته عليهم لما كانت لهم هذه الحالة.

البقلي

تفسير : {يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَفَضْلٍ} نعمة الله معرفة الله ومحبته وفضله مشاهدته فاستبشار القوم بروبه الله وجلاله وقدمه وبقائه لا بشئ من ا لحدثان كانوا اذا انظروا الى قدمه استبشروا بنعمة بقائه واذا نظروا الى بقائه فرحوا بمشاهدة قدمه قال ابن عطا لو نظروا الى المنعم لتنقص عليهم الاستبشار بنعمة فضله وكان استبشارهم بالمنعم المنفصل.

اسماعيل حقي

تفسير : {يستبشرون بنعمة} كائنة {من الله} كرر لبيان أن الاستبشار المذكور ليس بمجرد عدم الخوف والحزن بل به وبما يقارنه من نعمة عظيمة لا يقادر قدرها وهى ثواب اعمالهم {وفضل} اى زيادة عظيمة كما فى قوله تعالى {أية : للذين أحسنوا الحسنى وزيادة} تفسير : [يونس: 26]. {وان الله لا يضيع اجر المؤمنين} كافة سواء كانوا شهداء او غيرهم وهو بفتح ان عطف على فضل منتظم معه فى سلك المستبشر به. قال الامام الآية تدل على ان استبشارهم بسعادة اخوانهم من استبشارهم بسعادة انفسهم لان الاستبشار الاول فى الذكر هو باحوال الاخوان وهذا تنبيه من الله على ان فرح الانسان بصلاح حال اخوانه ومتعلقه يجب ان يكون اتم واكمل من فرحه وصلاح احوال نفسه. واعلم ان ظاهر الآية يدل على ان هؤلاء المقتولين وان فارقت ارواحهم من اجسادهم الا انهم احياء فى الحال. واختلف القائلون بحياتهم فى الحال انها للروح او للبدن ولا بد ههنا من تقديم مقدمة ليتضح بها المقام وهى ان الانسان المخصوص ليس عبارة عن مجموع هذه البنية المخصوصة بل هو شىء مغاير لها وذلك لان اجزاء هذه البنية فى الذوبان والانحلال والتبدل والتغير بالسمن وضده والصغر وخلافه والانسان المخصوص شىء واحد باق من اول عمره الى آخره والباقى مغاير للمتبدل فثبت ان الانسان مغاير لهذا البدن المخصوص ثم بعد هذا يحتمل ان يكون جسما مخصوصا ساريا فى هذه الجثة سريان النار فى الفحم والدهن فى السمسم وماء الورد فى الورد ويحتمل ان يكون جوهرا قائما بنفسه ليس بجسم ولا حال فى الجسم وعلى كلا المذهبين لا يبعد ان ينفصل ذلك الشىء حيا عند موت البدن فيثاب ويعذب على حسب اعماله والدلائل العقلية والنقلية الدالة على بقاء النفوس بعد موت الاجساد كثيرة متعاضدة فوجب المصير اليه وبه تزول الشبهات الواردة على القول بثواب القبر كما فى هذه الآية وعلى القول بعذاب القبر كما فى قوله تعالى {أية : اغرقوا فادخلوا نارا} تفسير : [نوح: 25]. اذا لم تمت النفوس بموت الابدان او قلنا بانه تعالى اماتها ثم اعاد الحياة اليها كما يدل عليه ما روى فى بعض الاخبار انه قال صلى الله عليه وسلم فى صفة الشهداء "حديث : ان ارواحهم فى اجواف طير خضر وانها ترد انهار الجنة وتأكل من ثمارها وتسرح فى الجنة حيث شاءت وتأوى الى قناديل من ذهب تحت العرش فلما رأوا طيب مطعمهم ومسكنهم ومشربهم قالوا يا ليت قومنا يعلمون ما نحن فيه من النعيم وما صنع الله بنا كى يرغبوا فى الجهاد فقال الله تعالى انا مخبر عنكم ومبلغ اخوانكم ففرحوا بذلك واستبشروا " .تفسير : فانزل الله هذه الآية والذين اثبتوا هذه الحياة للاجساد اختلفوا. فقال بعضهم انه تعالى تصعد اجساء هؤلاء الشهداء الى السموات الى قناديل تحت العرش ويوصل انواع السعادات والكرامات اليها. ومنهم من قال يتركها فى الارض ويحييها ويوصل هذه السعادات اليها كذا فى تفسير الامام ولابن سينا رسالة فى علم النفس ولعمرى قد بلغ القصوى فى التحقيق فليطلبها من اراد. وفضائل الشهداء لا نهاية لها قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : الشهيد لا يجد ألم القتل الا كما يجد احدكم ألم القرصة وله سبع خصال يغفر له فى اول قطرة قطرت من دمه ويرى مقعده من الجنة ويجار من عذاب القبر ويأمن من الفزع الاكبر ويوضع على رأسه تاج الوقار لياقوتة منه خير من الدنيا وما فيها ويزوج بثلاث وسبعين زوجة من الحور العين ويشفع فى سبعين من اقربائه " .تفسير : ـ ويروى ـ انه اذا كان يوم القيامة يقول الله تعالى ادعوا الى خيرتى من خلقى فيقولون يا رب من هم فيقول الشهداء الذين بذلوا دماءهم واموالهم وانفسهم فيمرون على رب العزة وسيوفهم على اعناقهم فيدخلون مساكنهم فى الجنة وينصب يوم القيامة لواء الصدق لأبى بكر وكل صديق يكون تحت لوائه ولواء العدل لعمر وكل عادل يكون تحت لوائه ولواء السخاوة لعثمان وكل سخى يكون تحت لوائه ولواء الشهداء لعلى وكل شهيد يكون تحت لوائه وكل فقيه تحت لواء معاذ بن جبل وكل زاهد تحت لواء ابى ذر وكل فقير تحت لواء ابى الدرداء وكل مقرىء تحت لواء ابى بن كعب وكل مؤذن تحت لواء بلال وكل مقتول ظلما تحت لواء الحسين بن على رضى الله عنهما فذلك قوله تعالى {أية : يوم ندعو كل اناس بإمامهم} تفسير : [الإسراء: 71]. قيل ارواح الشهداء وان كانت فى عليين الا انها تزور قبورها كل جمعة على الدوام ولذلك يستحب زيارة القبور ليلة الجمعة ويوم الجمعة قال عليه السلام "حديث : ما من احد يمر بمقبر اخيه المؤمن كان يعرفه فى الدنيا فيسلم عليه الا عرفه ورد عليه ". تفسير : قال الجنيد قدس سره من كانت حياته بنفسه يكون مماته بذهاب روحه ومن كانت حياته بربه فانه ينتقل من حياة الطبع الى حياة الاصل وهى الحياة الحقيقة واذا كان القتيل بسيف الشريعة حيا مرزوقا فكيف من قتل بسيف الصدق والحقيقة شعر : هركز نميرد آنكه دلش زنده شد بعشق ثبتست بر جريده عالم دوام ما تفسير : قال القاشانى المقتول فى سبيل الله صنفان. مقتول بالجهاد الاصغر وبذل النفس طلبا لرضى الله كما هو الظاهر. ومقتول بالجهاد الاكبر وكسر النفس وقتلها بسفرة الحب وقمع الهوى كما روى عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم انه قال عند رجوعه من بعض الغزو "حديث : رجعنا من الجهاد الاصغر الى الجهاد الاكبر " .تفسير : وكلا الصنفين ليسوا باموات بل احياء عند ربهم بالحياة الحقيقة مجردين من دنس الطبائع مقربين فى حضرة القدس يرزقون فى الجنة الصورية كما يرزق الاحياء او من كليهما فان للجنان مراتب بعضها معنوية وبعضها صورية ولكل منهما درجات على حسب المعارف والعلوم والمكاسب والاعمال. فالمعنوية جنة الذات وجنة الصفات وتفاضل درجاتها بحسب تفاضل المعارف والترقى فى الملكوت والجبروت والصورية جنة الافعال وتفاوت درجاتها بحسب تفاوت الاعمال والتدرج فى مراتب عالم الملك من السموات العلى والجنات المحتوية على جميع المنى وما روى من الحديث فى شهداء احد فالطير الخضر فيه اشارة الى الاجرام السماوية والقناديل هى الكواكب اى تعلقت بالنيرات من الاجرام السماوية لنزاهتها وانهار الجنة منابع العلوم ومشارعها ثمارها الاحوال والكشوف والمعارف او الانهار والثمار الصورية على حسب جنتهم المعنوية او الصورية فان كل ما وجد فى الدنيا من المطاعم والمشارب والمناكح والملابس وسائر الملاذ والمشتهيات موجود فى الآخرة فى عالم المثال وفى طبقات السماء الذ واصفى مما فى الدنيا يستبشرون بنعمة الامن من العقاب اللازم للنقص والتقصير والنجاة من الحزن على فوات نعمة الدنيا لحصول ما هو اشرف واصفى والذ وابقى من جنات الافعال وفضل هو زيادة جنات الصفات المشار اليها بالرضوان او نعمة جنة الصفات وفضل جنة الذوات وان اجر ايماهم من جنة الافعال لا يضيع مع ذلك انتهى كلامه فلا بد للسالك من بذل المال والبدن والروح حتى يحصل لهم انواع الفتوح شعر : دلا طمع مبراز لطف بى نهايت دوست جولاف عشق زدى سربباز جابك وجست

الطوسي

تفسير : القراءة: قرأ الكسائي {وإن الله} - بكسر الالف - الباقون بفتحها على معنى وبأن الله، ورجح هذه القراءة أبو علي الفارسي. والكسر على الاستئناف. وفي قراءة عبد الله {والله لا يضيّع أجر المؤمنين}. وهو يقوي قراءة من قرأ بالكسر. قوله: "يستبشرون". المعنى: يعني هؤلاء الذين قتلوا في سبيل الله الذين وصفهم بانهم يرزقون فرحين بما أتاهم الله من فضله، وانهم يستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم، فوصفهم ها هنا بانهم يستبشرون بنعمة من الله وفضل. وفضل الله وان كان هو النعمة قيل في تكراره ها هنا قولان: أحدهما - لأنها ليست نعمة مضيقة على قدر الكفاية من غير مضاعفة السرور واللذة. والآخر - للتأكيد لتمكين المعنى في النفس، والمبالغة. والنعمة هي المنفعة التي يستحق بها الشكر إذا كانت خالية من وجوه القبح، لأن المنفعة على ضربين: أحدهما - منفعة اغترار، وحيلة، و [الثاني] - منفعة خالصة من شائب الاساءة. والنعمة: تعظيم بفعل غير المنعم، كنعمة الرسول على من دعاه إلى الاسلام فاستجاب له، لأن دعاءه له نفع من وجهين: أحدهما - حسن النية في دعائه إلى الحق ليستجيب له. والآخر - قصده الدعاء إلى حق من يعلم انه يستجيب له المدعو وانما يستدل بفعل غير المنعم على موضع النعمة في الجلالة وعظم المنزلة. وقوله: {وإن الله لا يضيع أجر المؤمنين} وان كانوا هم علموا ذلك فانما ذكر الله انهم يستبشرون بذلك، لأن ما يعلمونه في دار التكليف يعلمونه بدليل. وما يعلمونه بعد الموت يعلمونه ضرورة. وبينهما فرق واضح، لأن مع العلم الضروري يتضاعف سرورهم، ويشتد اغتباطهم.

الجنابذي

تفسير : {يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ} النّعمة كالرّحمة الولاية وكلّما صدر منه او انتهى اليها {وَفَضْلٍ} منه قد مضى انّ الفضل الرّسالة وقبول احكامها والمجازاة بها ولذلك فسّر النّعمة بعلىّ (ع) والفضل بمحمّد (ص) والتّنكير فيهما للتّفخيم {وَأَنَّ ٱللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} قرئ بفتح الهمزة للعطف على نعمة وقرئ بكسر الهمزة للعطف على يستبشرون او لكونها حالاً.

اطفيش

تفسير : {يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ}: بثواب أعمالهم. {مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ}: زيادة كقوله {أية : للذين أحْسَنُوا الحُسْنَى وزيادة}تفسير : وما تقدم استبشار منهم لإخوانهم بما لإخوانهم هؤلاء المذكورين. وهذا استبشار لأنفسهم بما لهم، فالجملة مستأنفة لبيان ذلك ولا تتكرر مع قوله: {أية : فرحين بما آتاهم الله من فضله}تفسير : على الاستبشار هو ما يحصل من التبشير، والحاصل منه فرح بما آتاهم الله من فضله: خير ماتوا وهو قوله: {أية : فرحين بما آتاهم الله من فضله}تفسير : وفرح بما يؤتون يوم القيامة وهو فى قوله {يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْل} ويجوز أن يكون الاستبشار الثانى والأول كلاهما، فحال إخوانهم فيكون الثانى تأكيدا أو ليعلق به ما بعده وهو أنه لا يضيع أجر المؤمنين، فيكون الإخبار بأنه لا يضيع أجرهم بياناً فى المعنى لنفى الخوف المذكور، أى لا يخافون أن يضيع أجرهم. {وَأَنَّ اللَّهَ}: أى وبأن الله عطف اسم سلب من خبرها مضاف للمصدر من خبرها على نعمة، كأنه قيل بنعمة من الله وفضل، وبعدم تضييع أجر المؤمنين. وقرأ الكسائى بكسر {إن} على الاستئناف والاعتراض بين النعت وهو الذين استجابوا، أو المنعوت وهو: الذين قتلوا فى سبيل الله، وكثير ما يسمى فى الكشاف، والجملة الآتية بعد تمام الكلام معترضة، ولو لم تكن بين متناسين أو متلازمتين فيجوز هنا هذا، إن لم يجعل الذين استجابوا نعتاً للذين قتلوا. {لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ} أى لا يضيع أجرهم، أى أجر الذين لم يلحقوا بهم، ووضع الظاهر موضع المضمر، ليمدحهم بالإيمان، وأن الأجر على عمل المؤمن وأما لكافر فعمله محبط.

اطفيش

تفسير : {يَسْتَبْشِرُونَ} كرره تأكيداً لنفى الخوف والحزن بإثبات النعمة، والفضل له وأجر الإيمان لهم، وقد قيل: هو بدل من يستبشرون الأول، والاستبشار الأول حال إخوانهم الذين يستشهدون بعد، والثانى بحال أنفسهم، أو الأول بدفع المضار ولذا قدم، والثانى بوجود المسار {بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللهِ} مقدار من النعمة، جعله بفضله ثواباً لأعمالهم، لا لاستحقاقهم، لأن أعمالهم خلقها الله لهم ويسرها لهم فهى نعمة أيضا {وَفَضْلٍ} مقدرا من العمة زائد على ماجعله ثواباً،وكلا المقدار بن لا يعلم كنهه إلا الله، وذلك كقوله تعالى: {أية : للذين أحسنوا الحسنى وزيادة} تفسير : [يونس: 26]، {وَأَنَّ اللهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنينَ} أجر إيمانهم، فالنعمة أجر العمل، وهذا أجر التصديق والتوحيد، والمراد عموم المؤمنين، فدخل فيه هؤلاء، وأما الكفرة فلا أجر لهم على عملهم ولا فضل.

الالوسي

تفسير : {يَسْتَبْشِرُونَ } مكرر للتأكيد وليتعلق به قوله تعالى: {بِنِعْمَةٍ مّنَ ٱللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ ٱللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُؤْمِنِينَ } فحينئذ يكون بياناً وتفسيراً لقوله سبحانه: {أية : أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ }تفسير : [آل عمران: 170] لأن الخوف غم يلحق الإنسان مما يتوقعه من السوء، والحزن غم يلحقه من فوات نافع أو حصول ضار فمن كان متقلباً في نعمة من الله تعالى وفضل منه سبحانه فلا يحزن أبداً، ومن جعلت أعماله مشكورة غير مضيعة فلا يخاف العاقبة، ويجوز أن يكون بيان ذلك النفي بمجرد قوله جل وعلا: {بِنِعْمَةٍ مّنَ ٱللَّهِ وَفَضْلٍ } من غير ضم ما بعده إليه، وقيل: الاستبشار الأول: بدفع المضار ولذا قدم، والثاني: بوجود المسار أو الأول: لإخوانهم، والثاني: لهم أنفسهم، ومن الناس من أعرب يستبشرون بدلاً من الأول ولذا لم تدخل واو العطف عليه، ومن الله متعلق بمحذوف وقع صفة ـ لنعمة ـ مؤكدة لما أفاده التنكير من الفخامة الذاتية بالفخامة الإضافية، وجمع ـ الفضل والنعمة ـ مع أنهما كثيراً ما يعبر بهما عن معنى واحد إما للتأكيد وإما للإيذان بأن ما خصهم به سبحانه ليس نعمة على قدر الكفاية من غير مضاعفة سرور ولذة، بل زائد عليها مضاعف فيها ذلك، ونظيره قوله تعالى: {أية : لّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ ٱلْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌ }تفسير : [يونس: 26] وعطف {وَأَنَّ } على فضل أو على نعمة وعلى التقديرين مضمون ما بعدها داخل في المستبشر به. وقرأ الكسائي {وَإِنَّ} بكسر الهمزة على أنه تذييل لمضمون ما قبله من الآيات السابقة، أو اعتراض بين التابع والمتبوع بناءاً على أن الموصول الآتي تابع للذين لم يلحقوا، والمراد من المؤمنين إما الشهداء والتعبير عنهم بذلك للإعلام بسمو مرتبة الإيمان وكونه مناطاً لما نالوه من السعادة، وإما كافة المؤمنين، وذكرت توفية أجورهم وعدت من جملة المستبشر به على ما اقتضاه العطف بحكم الأخوة في الدين، واختار هذا الوجه كثير. ويؤيده ما أخرجه ابن أبـي حاتم عن ابن زيد أن هذه الآية جمعت المؤمنين كلهم سوى الشهداء وقلّ ما ذكر الله تعالى فضلاً ذكر به الأنبياء وثواباً أعطاهم إلا ذكر سبحانه ما أعطى الله تعالى المؤمنين من بعدهم، وفي الآية إشعار بأن من لا إيمان له أعماله محبطة وأجوره مضيعة.

د. أسعد حومد

تفسير : (171) - وَهُمْ مُسْتَبْشِرُونَ مِنْ تَلَقِّيهِمْ مَا يُفِيضُهُ اللهُ عَلَيهِمْ مِنَ النِّعْمَةِ وَالفَضْلِ وَالثَّوَابِ، وَمِنْ يَقِينِهِمْ بِأنَّ اللهَ لاَ يُضَيِّعُ أجْرَ المُؤْمِنينَ الصَّادِقِينَ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : إن الحق سبحانه لا يضيع أجر هؤلاء الذين قاتلوا في سبيل الله، وها هو ذا سبحانه وتعالى يقول: {ٱلَّذِينَ ٱسْتَجَابُواْ للَّهِ وَٱلرَّسُولِ مِن بَعْدِ مَآ أَصَابَهُمُ ٱلْقَرْحُ ...}.