Verse. 465 (AR)

٣ - آلِ عِمْرَان

3 - Al-Imran (AR)

اَلَّذِيْنَ اسْتَجَابُوْا لِلہِ وَالرَّسُوْلِ مِنْۢ بَعْدِ مَاۗ اَصَابَھُمُ الْقَرْحُ۝۰ۭۛ لِلَّذِيْنَ اَحْسَنُوْا مِنْھُمْ وَاتَّقَوْا اَجْرٌ عَظِيْمٌ۝۱۷۲ۚ
Allatheena istajaboo lillahi waalrrasooli min baAAdi ma asabahumu alqarhu lillatheena ahsanoo minhum waittaqaw ajrun AAatheemun

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«الذين» مبتدأ «استجابوا لله والرسول» دعاءه لهم بالخروج للقتال لما أراد أبو سفيان وأصحابه العود تواعدوا مع النبي صلى الله عليه وسلم سوق بدر العام المقبل من يوم أحد «من بعد ما أصابهم القرح» بأحد وخبرُ المبتدأ «للذين أحسنوا منهم» بطاعته «واتقوا» مخالفته «أجر عظيم» هو الجنة.

172

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أن الله تعالى مدح المؤمنين على غزوتين، تعرف احداهما بغزوة حمراء الاسد، والثانية بغزوة بدر الصغرى، وكلاهما متصلة بغزوة أحد، أما غزوة حمراء الاسد فهي المراد من هذه الآية على ما سنذكره ان شاء الله تعالى، وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: في محل {ٱلَّذِينَ } وجوه: الأول: وهو قول الزجاج أنه رفع بالابتداء وخبره {لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ مِنْهُمْ } الى آخر هذه الآية: أن يكون محله هو الخفض على النعت للمؤمنين الثالث: أن يكون نصباً على المدح. المسألة الثانية: في سبب نزول هذه الآية قولان: الأول: وهو الأصح أن أبا سفيان وأصحابه لما انصرفوا من أحد وبلغوا الروحاء ندموا، وقالوا إنا قتلنا أكثرهم ولم يبق منهم إلا القليل فلم تركناهم؟ بل الواجب أن نرجع ونستأصلهم، فهموا بالرجوع فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأراد أن يرهب الكفار ويريهم من نفسه ومن أصحابه قوة، فندب أصحابه الى الخروج في طلب أبي سفيان وقال: لا أريد أن يخرج الآن معي إلا من كان معي في القتال، فخرج الرسول صلى الله عليه وسلم مع قوم من أصحابه، قيل كانوا سبعين رجلا حتى بلغوا حمراء الأسد وهو من المدينة على ثلاثة أميال، فألقى الله الرعب في قلوب المشركين فانهزموا، وروي أنه كان فيهم من يحمل صاحبه على عنقه ساعة، ثم كان المحمول يحمل الحامل ساعة أخرى، وكان كل ذلك لإثخان الجراحات فيهم، وكان فيهم من يتوكأ على صاحبه ساعة، ويتوكأ عليه صاحبه ساعة. والثاني: قال أبو بكر الأصم: نزلت هذه الآية في يوم أحد لما رجع الناس اليه صلى الله عليه وسلم بعد الهزيمة فشد بهم على المشركين حتى كشفهم، وكانوا قد هموا بالمثلة فدفعهم عنها بعد أن مثلوا بحمزة، فقذف الله في قلوبهم الرعب فانهزموا، وصلى عليهم، صلى الله عليه وسلم ودفنهم بدمائهم، وذكروا أن صفية جاءت لتنظر الى أخيها حمزة فقال عليه الصلاة والسلام للزبير: ردها لئلا تجزع من مثلة أخيها، فقالت: قد بلغني ما فعل به وذلك يسير في جنب طاعة الله تعالى، فقال للزبير: فدعها تنظر اليه، فقالت خيرا واستغفرت له. وجاءت امرأة قد قتل زوجها وأبوها وأخوها وابنها فلما رأت النبي صلى الله عليه وسلم وهو حي قالت: إن كل مصيبة بعدك هدر، فهذا ما قيل في سبب نزول هذه الآية، وأكثر الروايات على الوجه الأول. المسألة الثالثة: استجاب: بمعنى أجاب، ومنه قوله: {أية : فَلْيَسْتَجِيبُواْ إِلَىٰ } تفسير : [البقرة: 186] وقيل: أجاب، فعل الاجابة واستجاب طلب أن يفعل الاجابة، لأن الأصل في الاستفعال طلب الفعل، والمعنى أجابوا وأطاعوا الله في أوامره وأطاعوا الرسول من بعد ما أصابهم الجراحات القوية. أما قوله تعالى: {لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ مِنْهُمْ وَٱتَّقَوْاْ أَجْرٌ عَظِيمٌ } ففيه مسألتان. المسألة الأولى: في قوله: {لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ مِنْهُمْ وَٱتَّقَوْاْ أَجْرٌ عَظِيمٌ } وجوه: الأول: {أَحْسَنُواْ } دخل تحته الائتمار بجميع المأمورات، وقوله: {وَٱتَّقَوْاْ } دخل تحته الانتهاء عن جميع المنهيات، والمكلف عند هذين الأمرين يستحق الثواب العظيم. الثاني: أحسنوا في طاعة الرسول في ذلك الوقت، واتقوا الله في التخلف عن الرسول، وذلك يدل على أنه يلزمهم الاستجابة للرسول وإن بلغ الأمر بهم في الجراحات ما بلغ من بعد أن يتمكنوا معه من النهوض. الثالث: أحسنوا: فيما أتوا به من طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم، واتقوا ارتكاب شيء من المنهيات بعد ذلك. المسألة الثانية: قال صاحب الكشاف «من» في قوله: {لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ مِنْهُمْ } للتبيين لأن الذين استجابوا لله والرسول قد أحسنوا واتقوا كلهم لا بعضهم.

القرطبي

تفسير : {ٱلَّذِينَ} في موضع رفع على الابتداء، وخبره {مِن بَعْدِ مَآ أَصَابَهُمُ ٱلْقَرْحُ}. ويجوز أن يكون في موضع خفض، بدلٌ من المؤمنين، أو من {الّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا}. {ٱسْتَجَابُواْ} بمعنى أجابوا، والسين والتاء زائدتان. ومنه قوله:شعر : فـلم يَسْتَجِبْـه عنـد ذاك مُجِيـبُ تفسير : وفي الصحيحين عن عروة بن الزبير قال: قالت لي عائشة رضي الله عنها: كان أبوك من الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القَرْح. لفظ مسلم. وعنه عن عائشة: يا ٱبن أختى كان أبواك ـ تعنى الزبير وأبا بكر ـ من الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القَرْح. وقالت: حديث : لما ٱنصرف المشركون من أُحُد وأصاب النبيّ صلى الله عليه وسلم وأصحابَه ما أصابهم خاف أن يرجعوا فقال: «من يَنتدب لهؤلاء حتى يعلموا أن بنا قوّة» قال: فانتَدَب أبو بكر والزُّبير في سبعين؛ فخرجوا في آثار القوم، فسمعوا بهم وٱنصرفوا بنعمة من الله وفضلتفسير : . وأشارت عائشة رضي الله عنها إلى ما جرى في غَزوة حَمْراء الأسْد، وهي على نحو ثمانية أميال من المدينة.حديث : وذلك أنه لما كان في يوم الأحد، وهو الثاني من يوم أُحُد، نادى رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس بإتباع المشركين، وقال: «لا يخرج معنا إلا من شهدها بالأمس» فنهض معه مائتا رجل من المؤمنين. في البخاريّ فقال: «من يذهب في إثرهم» فانتدب منهم سبعون رجلاً. قال: كان فيهم أبو بكر والزبير على ما تقدّمتفسير : ، حتى بلغ حمراء الأسْد، مُرْهِباً للعدوّ؛ فرُبّما كان فيهم المُثْقَل بالجراح لا يستطيع المشي ولا يجد مركُوباً، فرُبّما يحمل على الأعناق؛ وكل ذلك ٱمتثالٌ لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ورغبة في الجهاد. وقيل: إن الآية نزلت في رجلين من بني عبد الأَشْهل كانا مُثْخَنَين بالجراح، يتوكّأ أحدهما على صاحبه، وخرجا مع النبيّ صلى الله عليه وسلم؛ فلما وصلوا حمرَاء الأسد، لقيهم نُعيم بن مسعود فأخبرهم أن أبا سفيان ٱبن حرب ومن معه من قريش قد جَمَعُوا جُموعهم، وأجمعوا رأيهم على أن يأتوا إلى المدينة فيستأصلوا أهلها؛ فقالوا ما أخبرنا الله عنهم: {حَسْبُنَا ٱللَّهُ وَنِعْمَ ٱلْوَكِيلُ}. وبينا قريش قد أجمعوا على ذلك إذ جاءهم مَعْبَد الخُزَاعيّ. وكانت خُزاعةُ حُلفاءَ النبيّ صلى الله عليه وسلم وعَيْبَةَ نُصْحه، وكان قد رأى حال أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم وما هم عليه؛ ولما رأى عزمَ قريش على الرجوع ليستأصلوا أهل المدينة احتمله خوفُ ذلك، وخالصُ نصحه للنبيّ صلى الله عليه وسلم وأصحابه على أنْ خَوّف قريشاً بأن قال لهم: قد تركت محمداً وأصحابه بحمراء الأسد في جيش عظيم، قد ٱجتمع له من كان تخلّف عنه، وهم قد تحرّقوا عليكم؛ فالنَّجاء النّجاءٰ فإني أنهاك عن ذلك، فوالله لقد حملني ما رأيتُ أن قلتُ فيه أبياتاً من الشعر. قال: وما قلت؟ قال: قلت:شعر : كادت تُهَدُّ من الأصوات راحِلَتِي إذ سالت الأرضُ بالجُرْد الأبابيل تُرْدِي بأُسْدٍ كرامٍ لا تَنابلةٍ عند اللّقاء ولا مِيلٍ مَعازيلِ فَظلْتُ عَدْواً أظنّ الأرضَ مائِلةً لمّا سَمَوْا برئيس غير مَخْذُول فقلتُ وَيْلَ ٱبنِ حَرْبٍ من لقائِكُمُ إذا تَغَطْمَطَتِ البَطْحاء بالخيلِ إني نذير لأهل البَسْل ضاحيةً لكلّ ذي إِرْبةٍ منهم ومعقول من جيش أحْمَدَ لا وَخْشٌ قَنابِلُهُ وليس يُوصَفُ ما أنذرتُ بالقِيلِ تفسير : قال: فثَنَى ذلك أبا سُفيان ومن معه، وقذَف الله في قلوبهم الرُّعْب، ورجعوا إلى مكة خائفين مسرعين، ورجع النبيّ صلى الله عليه وسلم في أصحابه إلى المدينة منصوراً؛ كما قال الله تعالى: {فَٱنْقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوۤءٌ} أي قتال ورُعْب. وٱستأذن جابر بن عبد الله إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم في الخروج معه فأذن له. وأخبرهم تعالى أن الأجر العظيم قد تَحصّل لهم بهذه القَفْلة. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إنها غَزْوة». هذا تفسير الجمهور لهذه الآية. وشذّ مجاهد وعِكرمة رحمهما الله تعالى فقالا: إن هذه الآية من قوله: {ٱلَّذِينَ قَالَ لَهُمُ ٱلنَّاسُ... إِلَىٰقَوْلُهُ - عظِيمٌ}. إنما نزلت في خروج النبيّ صلى الله عليه وسلم إلى بَدْرٍ الصُّغرى. وذلك أنه خرج لميعاد أبي سفيان في أُحد، إذ قال: مَوْعِدنا بَدْرٌ من العام المُقبِل. فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «قولوا نعم» فخرج النبيّ صلى الله عليه وسلم قبل بَدْرٍ، وكان بها سُوق عظيم، فأعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابَه دراهِم؛ وقَرُب من بَدْرٍ فجاءه نُعيم بن مسعود الأشجَعِيّ، فأخبره أن قريشاً قد ٱجتمعت وأقبلت لحربه هي ومن ٱنضاف إليها، فأشفق المسلمون من ذلك، لكنهم قالوا: «حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ» فصَمّمُوا حتى أتوا بدراً فلم يجدوا أحداً، ووجدوا السُّوق فاشتروا بدراهمهم أُدْماً وتجارة، وٱنقلبوا ولم يَلقُوا كَيْداً، ورَبِحوا في تجارتهم؛ فذلك قوله تعالى: {فَٱنْقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَفَضْلٍ} أي وفضل في تلك التجارات. والله أعلم.

المحلي و السيوطي

تفسير : {ٱلَّذِينَ } مبتدأ {ٱسْتَجَابُواْ لِلَّهِ وَٱلرَّسُولِ } دعاءه بالخروج للقتال لما أراد أبو سفيان وأصحابه العَوْدَ وتواعدوا مع النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه سوق بدر العام المقبل من يوم أُحُد {مِن بَعْدِ مَا أَصَٰبَهُمُ ٱلْقَرْحُ } بأُحد وخبر المبتدأ {لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ مِنْهُمْ } بطاعته {وَٱتَّقَوْاْ } مخالفته {أَجْرٌ عَظِيمٌ } هو الجنة.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن اسحق وابن جرير والبيهقي في الدلائل عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم قال "حديث : ‏"‏خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم لحمراء الأسد، وقد أجمع أبو سفيان بالرجعة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه وقالوا‏:‏ رجعنا قبل أن نستأصلهم، لَنَكُرَّنَّ على بقيتهم‏.‏ فبلغه أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج في أصحابه يطلبهم، فثنى ذلك أبا سفيان وأصحابه ومر ركب من عبد القيس فقال لهم أبو سفيان‏:‏ بلغوا محمداً أنا قد أجمعنا الرجعة الى أصحابه لنستأصلهم‏.‏ فلما مر الركب برسول الله صلى الله عليه وسلم بحمراء الأسد أخبروه بالذي قال أبو سفيان؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنون معه ‏ {‏حسبنا الله ونعم الوكيل‏} ‏ فأنزل الله في ذلك ‏ {‏الذين استجابوا لله والرسول‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏} ‏ الآيات‏ "تفسير : .‏ وأخرج موسى بن عقبة في مغازيه والبيهقي في الدلائل عن ابن شهاب قال"حديث : ‏"‏إن رسول الله صلى الله عليه وسلم استنفر المسلمين لموعد أبي سفيان بدراً، فاحتمل الشيطان أولياءه من الناس، فمشوا في الناس يخوفونهم وقالوا‏:‏ قد أخبرنا أن قد جمعوا لكم من الناس مثل الليل، يرجون أن يواقعوكم فينتهبوكم، فالحذر الحذر‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏ فعصم الله المسلمين من تخويف الشيطان، فاستجابوا لله ورسوله وخرجوا ببضائع لهم وقالوا‏:‏ إن لقينا أبا سفيان فهو الذي خرجنا له، وإن لم نلقه ابتعنا بضائعنا‏.‏ فكان بدر متجراً يوافي كل عام، فانطلقوا حتى أتوا موسم بدر، فقضوا منه حاجتهم، وأخلف أبو سفيان الموعد فلم يخرج هو ولا أصحابه، ومر عليهم ابن حمام فقال‏:‏ من هؤلاء‏؟‏ قالوا‏:‏ رسول الله وأصحابه ينتظرون أبا سفيان ومن معه من قريش‏.‏ فقدم على قريش فأخبرهم، فأرعب أبو سفيان ورجع إلى مكة، وانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة بنعمة من الله وفضل، فكانت تلك الغزوة تدعى غزوة جيش السويق، وكانت في شعبان سنة ثلاث‏"‏‏ "تفسير : .‏ وأخرج ابن جرير من طريق العوفي عن ابن عباس قال‏ ‏"حديث : ‏إن الله قذف في قلب أبي سفيان الرعب يوم أحد بعد الذي كان منه، فرجع إلى مكة فقال النبي صلى الله عليه وسلم‏: إن أبا سفيان قد أصاب منكم طرفاً، وقد رجع وقذف الله في قلبه الرعب "تفسير : ، وكانت وقعة أحد في شوّال، وكان التجار يقدمون المدينة في ذي القعدة، فينزلون ببدر الصغرى في كل سنة مرة، وأنهم قدموا بعد وقعة أحد، وكان أصاب المؤمنين القرح واشتكوا ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم، واشتد عليهم الذي أصابهم، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم ندب الناس لينطلقوا معه وقال‏:‏ إنما ترتحلون الآن فتأتون الحج ولا تقدرون على مثلها حتى عام مقبل‏.‏ فجاء الشيطان فخوف أولياءه فقال ‏ {‏إن الناس قد جمعوا لكم‏} ‏ فأبى عليهِ الناس أن يتبعوه فقال‏:‏ إني ذاهب وإن لم يتبعني أحد‏.‏ فانتدب معه أبو بكر، وعمر، وعلي، وعثمان، والزبير، وسعد، وطلحة، وعبد الرحمن بن عوف، وعبد الله بن مسعود، وحذيفة بن اليمان، وأبو عبيدة بن الجراح‏؛‏ في سبعين رجلاً، فساروا في طلب أبي سفيان، فطلبوه حتى بلغوا الصفراء، فأنزل الله ‏ {‏الذين استجابوا لله والرسول‏.‏‏.‏‏.‏‏} ‏ الآية‏.‏ وأخرج النسائي وابن أبي حاتم والطبراني بسند صحيح من طريق عكرمة عن ابن عباس قال‏:‏ لما رجع المشركون عن أحد قالوا‏:‏ لا محمداً قتلتم، ولا الكواعب أردفتم‏.‏ بئسما صنعتم ارجعوا‏.‏ فسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك، فندب المسلمين فانتدبوا حتى بلغ حمراء الأسد؛‏ أو بئر أبي عنبة، شك أبو سفيان فقال المشركون‏:‏ نرجع قابل‏.‏ فرجع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكانت تعد غزوة‏.‏ فأنزل الله ‏ {‏الذين استجابوا لله والرسول‏.‏‏.‏‏.‏‏} ‏ الآية‏.‏ وقد كان أبو سفيان قال للنبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ موعدكم موسم بدر حيث قتلتم أصحابنا، فأما الجبان فرجع، وأما الشجاع فأخذ أهبة القتال والتجارة‏.‏ فأتوه فلم يجدوا به أحد وتسوقوا‏.‏ فأنزل الله ‏{‏فانقلبوا بنعمة من الله وفضل‏.‏‏.‏‏.‏‏} ‏ الآية‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن عكرمة قال‏:‏ خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بدر الصغرى وبهم الكلوم، خرجوا لموعد أبي سفيان فمر بهم أعرابي، ثم مر بأبي سفيان وأصحابه وهو يقول‏:‏ شعر : ونفرت من رفقتي محمد وعجوة منثورة كالعنجد تفسير : فتلقاه أبو سفيان فقال‏:‏ ويلك ما تقول‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏؟‏‏!‏ فقال‏:‏ محمد وأصحابه تركتهم ببدر الصغرى فقال أبو سفيان‏:‏ يقولون ويصدقون، ونقول ولا نصدق وأصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً من الأعراب وانقلبوا‏؟‏‏!‏ قال عكرمة‏:‏ ففيهم أنزلت هذه الآية ‏ {‏الذين استجابوا لله والرسول‏.‏‏.‏‏.‏‏} ‏ إلى قوله ‏ {‏فانقلبوا بنعمة من الله وفضل‏}‏‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن قال‏ ‏"حديث : ‏إن أبا سفيان وأصحابه أصابوا من المسلمين ما أصابوا ورجعوا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏: إن أبا سفيان قد رجع وقد قذف الله في قلبه الرعب فمن ينتدب في طلبه‏؟ فقام النبي صلى الله عليه وسلم، وأبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وأناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏ فتبعوهم، فبلغ أبا سفيان أن النبي صلى الله عليه وسلم يطلبه، فلقي عيراً من التجار فقال‏:‏ ردوا محمداً ولكم من الجعل كذا وكذا‏.‏‏.‏‏.‏ وأخبروهم أني قد جمعت لهم جموعاً، وإني راجع إليهم‏.‏ فجاء التجار فأخبروا بذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم‏: حسبنا الله‏.‏ فأنزل الله ‏{‏الذين استجابوا لله والرسول‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏} ‏ الآية ‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن جريج قال‏ ‏"‏حديث : أخبرت أن أبا سفيان لما راح هو وأصحابه يوم أحد منقلبين قال المسلمون للنبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ إنهم عامدون إلى المدينة يا رسول الله‏.‏ فقال‏: إن ركبوا الخيل وتركوا الأثقال فهم عامدوها، وإن جلسوا على الأثقال وتركوا الخيل فقد أرعبهم الله فليسوا بعامديها‏. فركبوا الأثقال‏.‏ ثم ندب أناساً يتبعوهم ليروا أن بهم قوّة، فاتبعوهم ليلتين أو ثلاثاً، فنزلت ‏ {‏الذين استجابوا لله والرسول‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏ ‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وأحمد والبخاري ومسلم وابن ماجة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الدلائل عن عائشة في قوله ‏{‏الذين استجابوا لله والرسول‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏} ‏ الآية‏.‏ قالت لعروة‏:‏ يا ابن أختي كان أبواك منهم‏:‏ الزبير وأبو بكر، لما أصاب نبي الله صلى الله عليه وسلم ما أصاب يوم أحد انصرف عنه المشركون، خاف أن يرجعوا فقال‏:‏ من يرجع في أثرهم‏؟‏ فانتدب منهم سبعون رجلا‏ً.‏ فيهم أبو بكر والزبير، فخرجوا في آثار القوم فسمعوا بهم، فانصرفوا بنعمة من الله وفضل‏.‏ قال‏:‏ لم يلقوا عدوّا‏ً.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن مسعود قال‏:‏ نزلت هذه الآية فينا ثمانية عشر رجلاً ‏ {‏الذين استجابوا لله والرسول‏.‏‏.‏‏.‏‏} ‏ الآية‏.‏ وأخرج ابن جرير عن عكرمة قال‏:‏ ‏"‏كان يوم أحد السبت للنصف من شوّال، فلما كان الغد من يوم الأحد لست عشرة ليلة مضت من شوّال أذن مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس بطلب العدو، وأذن مؤذنه أن لا يخرجن معنا أحد إلا من حضر يومنا بالأمس، فكلمه جابر عن عبد الله فقال‏:‏ يا رسول الله إن أبي كان خلفني على أخوات لي سبع وقال‏:‏ يا بني أنه لا ينبغي لي ولا لك أن نترك هؤلاء النسوة لا رجل فيهن، ولست بالذي أوثرك بالجهاد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على نفسي فتخلف على أخواتك فتخلفت عليهن‏.‏ فأذن له رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرج معه‏.‏ وإنما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ترعيباً للعدوّ ليبلغهم أنه خرج في طلبهم ليظنوا به قوّة، وأن الذي أصابهم لم يوهنهم من عدوهم‏"‏‏.‏ وأخرج ابن إسحق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن أبي السائب مولى عائشة بنت عثمان ‏"‏أن رجلاً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من بني عبد الأشهل كان شهد أحداً قال‏:‏ شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أحداً. أنا وأخ لي فرجعنا جريحين، فلما أذن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخروج في طلب العدو قلت لأخي، أو قال لي‏:‏ تفوتنا غزوة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم‏؟‏ ما لنا من دابة نركبها، وما منا إلا جريح ثقيل‏.‏ فخرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وكنت أيسر جرحاً منه، فكنت إذا غلب حملته عقبة ومشى عقبة، حتى انتهينا إلى ما انتهى إليه المسلمون فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى انتهى إلى حمراء الأسد‏.‏ وهي من المدينة على ثمانية أميال، فأقام بها ثلاثاً‏.‏ الإثنين، والثلاثاء، والأربعاء، ثم رجع إلى المدينة‏.‏ فنزل ‏{‏الذين استجابوا لله والرسول‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏"‏‏.‏ وأخرج ابن جرير عن إبراهيم قال‏:‏ كان عبد الله من ‏{‏الذين استجابوا لله والرسول‏}‏‏.‏ وأخرج ابن المنذر عن سعيد بن جبير في قوله ‏ {‏من بعد ما أصابهم القرح‏} ‏ قال‏:‏ الجراحات‏.‏ وأخرج سعيد بن منصور عن ابن مسعود أنه كان يقرأ ‏ {‏من بعد ما أصابهم القرح‏}.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال‏:‏ افصلوا بينهما قوله ‏{‏للذين أحسنوا منهم واتقوا أجر عظيم، الذين قال لهم الناس‏}‏‏.‏ وأخرج ابن جرير عن السدي قال‏:‏ لما ندم أبو سفيان وأصحابه على الرجوع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وقالوا‏:‏ ارجعوا فاستأصلوهم‏.‏ فقذف الله في قلوبهم الرعب فهزموا، فلقوا أعرابياً فجعلوا له جعلاً، فقالوا له‏:‏ إن لقيت محمداً وأصحابه فأخبرهم أنا قد جمعنا لهم‏.‏ فأخبر الله رسوله صلى الله عليه وسلم، فطلبهم حتى بلغ حمراء الأسد، فلقوا الأعرابي في الطريق فأخبرهم الخبر فقالوا‏:‏ ‏ {‏حسبنا الله ونعم الوكيل‏}‏ ثم رجعوا من حمراء الأسد‏.‏ فأنزل الله فيهم وفي الأعرابي الذي لقيهم ‏ {‏الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم‏.‏‏.‏‏.‏‏} ‏ الآية‏.‏ وأخرج ابن سعد عن ابن أبزى ‏{‏الذين قال لهم الناس‏} ‏ قال‏:‏ أبو سفيان‏.‏ قال لقوم‏:‏ إن لقيتم أصحاب محمد فأخبروهم أنا قد جمعنا لهم جموعا‏ً.‏ فأخبروهم فقالوا ‏ {‏حسبنا الله ونعم الوكيل‏}.‏ وأخرج ابن جرير من طريق العوفي عن ابن عباس قال‏:‏ استقبل أبو سفيان في منصرفه من أحد عيراً واردة المدينة ببضاعة لهم، وبينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم جبال فقال‏:‏ إن لكم عليّ رضاكم إن أنتم رددتم عني محمداً ومن معه، إن أنتم وجدتموه في طلبي أخبرتموه أني قد جمعت له جموعاً كثيرة، فاستقبلت العير رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا له‏:‏ يا محمد إنا نخبرك أن أبا سفيان قد جمع لك جموعاً كثيرة، وأنه مقبل إلى المدينة، وإن شئت أن ترجع فافعل‏.‏ فلم يزده ذلك ومن معه إلا يقيناً‏ {‏وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل‏} ‏ فأنزل الله ‏ {‏الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا‏.‏‏.‏‏.‏‏} ‏ الآية‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة قال ‏"‏انطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم وعصابة من أصحابه بعدما انصرف أبو سفيان وأصحابه من أحد خلفهم حتى إذا كانوا بذي الحليفة، فجعل الأعراب والناس يأتون عليهم فيقولون لهم‏:‏ هذا أبو سفيان مائل عليكم بالناس فقالوا ‏ {‏حسبنا الله ونعم الوكيل‏} ‏ فأنزل الله ‏ {‏الذين قال لهم الناس‏.‏‏.‏‏.‏‏} ‏ الآية‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن أبي مالك في قوله ‏{‏الذين قال لهم الناس‏.‏‏.‏‏.‏‏} ‏ الآية‏.‏ قال‏:‏ إن أبا سفيان كان أرسل يوم أحد أو يوم الأحزاب إلى قريش، وغطفان، وهوازن، يستجيشهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه فقيل‏:‏ لو ذهب نفر من المسلمين فأتوكم بالخبر، فذهب نفر حتى إذا كانوا بالمكان الذي ذكر لهم أنهم فيه لم يروا أحداً فرجعوا‏"‏‏.‏ وأخرج ابن مردويه والخطيب عن أنس "حديث : ‏"‏أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى يوم أحد فقيل له‏:‏ يا رسول الله ‏ {‏إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم‏}‏ فقال ‏ {‏حسبنا الله ونعم الوكيل‏} ‏ فأنزل الله ‏ {‏الذين قال لهم الناس‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏"‏‏ "تفسير : .‏ وأخرج ابن مردويه عن أبي رافع "‏حديث : "‏أن النبي صلى الله عليه وسلم وجه علياً في نفر معه في طلب أبي سفيان، فلقيهم أعرابي من خزاعة فقال‏:‏ إن القوم قد جمعوا لكم ‏ {‏قالوا حسبنا الله ونعم الوكيل‏} ‏ فنزلت فيهم هذه الآية‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏"‏‏ "تفسير : .‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد ‏ "حديث : في قوله ‏ {‏الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم‏} ‏ قال‏:‏ هذا أبو سفيان قال لمحمد يوم أحد‏:‏ موعدكم بدر حيث قتلتم أصحابنا‏.‏ فقال محمد صلى الله عليه وسلم:‏ عسى‏. فانطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم لموعده حتى نزل بدراً فوافوا السوق فابتاعوا، فذلك قوله ‏{‏فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء‏} ‏ وهي غزوة بدر الصغرى ‏‏"‏‏. تفسير : وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عكرمة قال‏:‏ كانت بدر متجراً في الجاهلية، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم واعد أبا سفيان أن يلقاه بها، فلقيهم رجل فقال له‏:‏ إن بها جمعاً عظيماً من المشركين‏.‏ فأما الجبان فرجع‏.‏ وأما الشجاع فأخذ أهبة التجارة وأهبة القتال‏.‏ ‏ {‏وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل‏} ‏ ثم خرجوا حتى جاؤوها فتسوّقوا بها ولم يلقوا أحداً فنزلت ‏ {‏الذين قال لهم الناس‏} ‏ إلى قوله ‏ {‏بنعمة من الله وفضل‏}‏‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله ‏ {‏فزادهم إيماناً‏} ‏ قال‏:‏ الإيمان يزيد وينقص‏.‏ وأخرج البخاري والنسائي وابن أبي حاتم والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس قال ‏ {‏حسبنا الله ونعم الوكيل‏} ‏ قالها إبراهيم حين ألقي في النار، وقالها محمد حين قالوا ‏ {‏إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيماناً وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل‏}‏‏.‏ وأخرج البخاري وابن المنذر والحاكم والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس قال‏:‏ قال آخر قول إبراهيم حين ألقي في النار ‏{‏حسبنا الله ونعم الوكيل‏} ‏ وقال نبيكم مثلها ‏ {‏الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيماناً وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل‏}. ‏ وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر عن ابن عمرو قال‏:‏ هي الكلمة التي قالها إبراهيم حين ألقي في النار ‏ {‏حسبنا الله ونعم الوكيل‏} ‏ وهي الكلمة التي قالها نبيكم وأصحابه إذ قيل لهم ‏ {‏إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم‏}. وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏إذا وقعتم في الأمر العظيم فقولوا ‏{‏حسبنا الله ونعم الوكيل‏}‏ ‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن أبي الدنيا في الذكر عن عائشة ‏"حديث : "‏أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا اشتدّ غمه مسح بيده على رأسه ولحيته ثم تنفس الصعداء وقال‏:‏ حسبي الله ونعم الوكيل‏"‏‏ "تفسير : .‏ وأخرج أبو نعيم عن شداد بن أوس قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏حسبي الله ونعم الوكيل أمان كل خائف‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج الحكيم الترمذي عن بريدة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏ من قال عشر كلمات عند كل صلاة غداة وجد الله عندهن مكفياً مجزياً‏:‏ خمس للدنيا، وخمس للآخرة‏:‏ حسبي الله لديني، حسبي الله لما أهمني، حسبي الله لمن بغى عليّ، حسبي الله لمن حسدني، حسبي الله لمن كادني بسوء، حسبي الله عند الموت، حسبي الله عند المسألة في القبر، حسبي الله عند الميزان، حسبي الله عند الصراط، حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وإليه أنيب‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج البيهقي في الدلائل عن ابن عباس في قوله ‏ {‏فانقلبوا بنعمة من الله وفضل‏} ‏ قال ‏{‏النعمة‏} ‏ أنهم سلموا و ‏ {‏الفضل‏} ‏ إن عيراً مرَّت وكان في أيام الموسم فاشتراها رسول الله صلى الله عليه وسلم فربح مالاً فقسمه بين أصحابه‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في الآية قال ‏"‏الفضل‏"‏ ما أصابوا من التجارة والأجر‏.‏ وأخرج ابن جرير عن السدي قال‏:‏ أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم حين خرج إلى غزوة بدر الصغرى ببدر دراهم ابتاعوا بها من موسم بدر، فأصابوا تجارة فذلك قول الله ‏ {‏فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء‏} ‏ قال‏:‏ أما النعمة فهي العافية، وأما الفضل فالتجارة، والسوء القتل‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس في قوله ‏{‏لم يمسسهم سوء‏} ‏ قال‏:‏ لم يؤذهم أحد ‏{‏واتبعوا رضوان الله‏} ‏ قال‏:‏ أطاعوا الله ورسوله‏.‏ وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن أبي حاتم وابن الأنباري في المصاحف من طريق عطاء عن ابن عباس أنه كان يقرأ ‏ {‏إنما ذٰلكم الشيطان يخوّفكم أولياءه‏}‏‏.‏ وأخرج ابن جرير من طريق العوفي عن ابن عباس ‏ {‏إنما ذٰلكم الشيطان يخوّف أولياءه‏} ‏ يقول‏:‏ الشيطان يخوّف المؤمنين بأوليائه‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد ‏{‏إنما ذلكم الشيطان يخوّف أولياءه‏} ‏ قال‏:‏ يخوّف المؤمنين بالكفار‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن أبي مالك ‏ {‏يخوّف أولياءه‏} ‏ قال‏:‏ يعظم أولياءه في أعينكم‏.‏ وأخرج ابن المنذر عن عكرمة في الآية قال‏:‏ تفسيرها يخوّفكم بأوليائه‏. ‏ وأخرج ابن المنذر عن إبراهيم في الآية قال‏:‏ يخوّف الناس أولياءه‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن في الآية قال‏:‏ إنما كان ذلك تخويف الشيطان، ولا يخاف الشيطان إلا ولي الشيطان‏.‏

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {ٱلَّذِينَ ٱسْتَجَابُواْ للَّهِ وَٱلرَّسُولِ} [الآية: 172]. قال الواسطى: استجابوا لله تعالى بالوحدانية وأجابوا الرسول فى اتباع أوامره واجتناب نواهيه، وقبول الشريعة منه على الرأس والعين. وقيل: فى قوله تعالى: {ٱلَّذِينَ ٱسْتَجَابُواْ للَّهِ}: باستجابة الرسول صلى الله عليه وسلم فبلغتهم استجابتهم المصطفى صلى الله عليه وسلم إلى حقيقة استجابة الحق تعالى. وقيل: استجابوا لله بالفردانية وللرسول صلى الله عليه وسلم بالبلاغ. قوله تعالى: {لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ مِنْهُمْ وَٱتَّقَواْ أَجْرٌ عَظِيمٌ}. قيل: للذين أحسنوا فى أداء الشرائع واتقوا فى التوحيد، أن يخالطوه بشرك خفى {أَجْرٌ عَظِيمٌ} هو حفظ أسرارهم وأوقاتهم عليهم من كل شاغل يشغلهم عن الحق. وقيل للذين أحسنوا منهم فى إجابة المصطفى صلى الله عليه وسلم واتقوا مخالفته سرًا وعلنًا. {أَجْرٌ عَظِيمٌ} وهو البلاغ إلى المحل العظيم من محاورة الحق ومشاهدته.

القشيري

تفسير : للاستجابة مزية وفضيلة على الإجابة من حيث الإشارة لا من مقتضى العربية وهو أنه يستجيب طوعاً لا كرهاً، فهم استجابوا لله من غير انطواء على تحمل مشقة بل بإشارة القلب ومحبة الفؤاد واختيار الروح واستحلاء تحمُّل الحُكْم. فالاستجابة للحق بوجوده، والاستجابة للرسول - عليه السلام - بالتخلُّق بما شرع من حدوده. استجابة الحق بالتحقق بالصفاء في حق الربوبية، واستجابة الرسول عليه السلام بالوفاء في إقامة العبودية. {مِن بَعْدِ مَآ أَصَابَهُمُ ٱلْقَرْحُ}: في ابتداء معاملاتهم قبل ظهور أنوار التجلي على قلوبهم، وابتسام الحقائق في أسرارهم. {لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ مِنْهُمْ}: "حديث : الإحسان أن تعبد الله كأنَّك تراه...تفسير : - وهو المشاهدة والتقوى -... حديث : فإن لم تكن تراه فإنه يراك" تفسير : - وهو المراقبة في حال المجاهدة. {أَجْرٌ عَظِيمٌ} لأهل البداية مؤجَّلاً، ولأهل النهاية مُعجَّلاً.

البقلي

تفسير : { ٱلَّذِينَ ٱسْتَجَابُواْ للَّهِ وَٱلرَّسُولِ} استجابوا الله بجيب مشاهدته والاشتياق الى جماله ولطائف قربه ولدائن صحبته وللرسول لما عليه من اثار انور صفاته وفيه اشارة الى مقام الاتحاد حيث الامر واحد وان الله سبحانه وتعالى وصفهم حسن الارادة فى محبته وطلب جماله ببذل ارواحهم بع احتمال الام الامتحان على ابدانهم بقوله {مِن بَعْدِ مَآ أَصَابَهُمُ ٱلْقَرْحُ } قال الواسطى استجابو الله بالوحدانية واجابوا الرسول باتباع اوامره واجناب نواهيه وقبول الشريعة منه على الراس والعين قوله تعالى {لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ مِنْهُمْ وَٱتَّقَواْ أَجْرٌ عَظِيمٌ } اى للذين بلغوا مقام الاحسان وهو رؤية الله فى مقام الامتحان واتقوا جميع الحجاب بينهم وبينه احسانهم القاء نفوسهم فى بحر رضاه بغير ميلانهم الى حظوظهم بنعت تقديس قلوبهم عن التردد والخطرات وانقوا من شر نفوسهم وهواجسها عند قبلوهم مراد الحق بعد خروجهم عن مرادهم الاجر العظيم الذى وصفه الله باعداده لهم هو ايضا لهم اليه بغير الهجران والعتاب والحساب والحجاب وقيل للذين احسنوا منهم فى اجابة المصطفى صلوات الله عليه وواتقوا مخالفته سر وعلنا اجر عظيم هو البلوغ الى المحل العظيم من مجاورة الحق ومشاهدته قال الاستاد فى هذه الاية استجابة الحق بالتحقيق بوجوده واستجابة الرسول بالتخلق بما شرع من حدوده واستجابة الحق بالصفاء فى حق الربوبية واستجابة الرسول بالوفاء فى اقامة العبودية من بعد ما اصابهم القرح فى ابتداء مقاماتهم قبل ظهور انوار التجلى على قلوبهم وابتسام الحقائق فى اسرارهم للذين احسنوا منهم الاحسان ان يعبد الله كانك تراه وهو المشاهدة واتقوا فان لم تكن تراه فانه يراك وهو المراقبة فى حال المجاهدة اجر عظيم لاهل الدباية موجلا ولاهل النهاية معجلا.

اسماعيل حقي

تفسير : {الذين استجابوا لله والرسول} اى اجابوا واطاعوا فيما امروا به ونهوا عنه كما فى قوله تعالى {أية : فليستجيبوا} تفسير : [البقرة: 186]. {من بعد ما اصابهم القرح} اى الجرح فى غزوة احد {للذين احسنوا منهم} يدخل تحته الاتيان بجميع المأمورات {واتقوا} يدخل تحته الانتهاء عن جميع المنهيات {اجر عظيم} ثواب عظيم وجملة قوله للذين خبر مقدم مبتدأه اجر عظيم والجملة فى محل الرفع خبر الذين استجابوا وكلمة من فى قوله منهم ليست للتبعيض لان الذين استجابوا لله والرسول كلهم قد احسنوا لا بعضهم بل هى لبيان الجنس ومحصل المعنى حينئذ الذين استجابوا لله والرسول لهم اجر عظيم الا انهم وصفوا بوصفى الاحسان والتقوى مدحا لهم وتعليلا لعظم اجرهم بحسن فعالهم لا تقييدا. ـ روى ـ ان ابا سفيان واصحابه لما رجعوا من احد فبلغوا الروحاء وهو موضع بين مكة والمدينة ندموا وهموا بالرجوع حتى يستأصلوا ما بقى من المؤمنين فبلغ ذلك رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فندب اصحابه للخروج فى طلب ابى سفيان وقال لا يخرجن معنا الا من حضر يومنا بالامس اى وقعتنا والعرب تسمى الوقائع اياما وذكرهم بايام الله فخرج رسول الله عليه السلام اراءة من نفسه ومن اصحابه جلدا وقوة ومعه جماعة حتى بلغوا حمراء الاسد وهى من المدينة على ثمانية اميال وكان باصحابه القرح فتحاملوا على انفسهم اى حملوا المشقة على انفسهم كيلا يفوتهم الاجر والقى الله الرعب فى قلوب المشركين فذهبوا فنزلت فهذه هى غزوة حمراء الاسد متصلة بغزوة احد واما غزوة بدر الصغرى فقد وقعت بعدها بسنة واليها الاشارة بقوله تعالى.

ابن عجيبة

تفسير : قلت: {الذين}: مبتدأ، وجملة {للذين أحسنوا}: خبر، أو صفة للمؤمنين قبله، أو نصب على المدح. يقول الحقّ جلّ جلاله: {الذين استجابوا لله والرسول} فأطاعوه فيما ندبهم إليه من اللحوق بالمشركين، إرهاباً لهم، {من بعد ما أصابهم القرح} أي: الجرح، فتحاملوا على أنفسهم حتى ذهبوا مع نبيهم {للذين أحسنوا منهم} بأن فعلوا ما أمروا به، {واتقوا} الله في مخالفة أمر رسوله، {أجر عظيم} يوم يقدمون عليه. الأشارة: الذين استجابوا لله فيما ندبهم من الوصول إلى حضرته، وللرسول فيما طلبهم به من اتباع سنته، فجعلوا قلوبهم محلاً لحضرته، وجوارحهم متبعة لشريعته، من بعد ما أصابهم في طلب الوصول إلى ذلك قرح وضرب وسجن وإهانة، فصبروا حتى ظفروا بالجمع بين الحقيقة والشريعة، للذين أحسنوا منهم بالثبات على السير إلى الوصول إلى الحق، واتقوا كل ما يردهم إلى شهود الفرق، أجر عظيم وخير جسيم، بالعكوف في الحضرة، والتنعم بالشهود والنظرة.

الطوسي

تفسير : سبب النزول والقصة: ذكر ابن عباس والسدي، وابن اسحاق، وابن جريج، وقتادة: ان سبب نزول هذه الآية ان أبا سفيان: صخر بن حرب، وأصحابه لما انصرفوا عن أحد، ندموا. وقال بعضهم لبعض: لا محمداً قتلتم ولا الكواعب اردفتم فارجعوا فاغيروا على المدينة، واسبوا ذراريهم. وقيل: إن بعضهم قال لبعض: إنكم قتلتم عدوكم حتى إذا لم يبق إلا الشريد تركتموهم. ارجعوا فاستأصلوهم. فرجعوا إلى حمراء الاسد وسمع بهم النبي (صلى الله عليه وسلم) فدعا أصحابه إلى الخروج، وقال: لا يخرج معنا إلا من حضرنا أمس للقتال، ومن تأخر عنا، فلا يخرج معنا. وروي أنه (صلى الله عليه وسلم) أذن لجابر وحده في الخروج. - وكان خلفه أبوه على بناته يقوم بهن - فاعتل بعضهم بأن قال: بنا جراح، وآلام فانزل الله تعالى {إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله} وقيل نزلت فيهم أيضاً {أية : ولا تهنوا في ابتغاء القوم إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون وترجون من الله ما لا يرجون} تفسير : ثم استجابوا على ما بهم إلى اتباعهم وألقى الله الرعب في قلوب المشركين، فانهزموا من غير حرب. وخرج المسلمون إلى حمراء الاسد. وهي على ثمانية أميال من المدينة. الاعراب، واللغة: وموضع {الذين} يحتمل ثلاثة أوجه من الاعراب: الجر - على أن يكون نعتاً للمؤمنين - والرفع - على الابتداء - وخبر الذين الجملة - والنصب - على المدح - وقوله: {من بعد ما أصابهم القرح} معناه من بعد ما نالهم الجراح وأصله الخلوص من الكدر. ومنه ماء قراح أي خالص. والقراح من الارض: ما خلص طينه من السبخ، وغيره. والقريحة خالص الطبيعة. واقترحت عليه كذا أي اشتهيته عليه لخلوصه على ما تتوق نفسه إليه، كأنه قال: استخلصته. وفرس قارح أي طلع نابه لخلوصه ببلوغ تلك الحال عن نقص الصغار، وكذلك ناقة قارح أي حامل. فالقرح الجراح، لخلوص ألمه إلى النفس. وأجاب، واستجاب بمعنى واحد. وقال قوم: استجاب: طلب الاجابة. واجاب: فعل الاجابة. وقوله: {للذين أحسنوا} فالاحسان هو النفع الحسن. والافضال النفع الزائد على أقل المقدار. وقوله: {واتقوا} معناه اتقوا معاصي الله {أجر عظيم} معناه ها هنا الذين فعلوا الحسن الجميل من طاعة النبي (صلى الله عليه وسلم)، والانتهاء إلى قوله. وقوله {منهم} معناه تبيين الصفة لا التبعيض.

الجنابذي

تفسير : {ٱلَّذِينَ ٱسْتَجَابُواْ لِلَّهِ وَٱلرَّسُولِ مِن بَعْدِ مَآ أَصَابَهُمُ ٱلْقَرْحُ} صفة للمؤمنين او خبر مبتدءٍ محذوفٍ، او مفعول فعلٍ محذوف للمدح، او مبتدءٌ خبره جملة {لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ مِنْهُمْ وَٱتَّقَواْ أَجْرٌ عَظِيمٌ} والجملة مستأنفة جواب لسؤالٍ مقدّرٍ، روى انّ الرّسول (ص) لمّا دخل المدينة من وقعة احد نزل عليه جبرئيل وقال: يا محمّد (ص) انّ الله يأمرك ان تخرج فى اثر القوم ولا يخرج معك الاّ من به جراحة فأمر رسول الله (ص) منادياً ينادى يا معشر المهاجرين والانصار من كانت به جراحة فليخرج ومن لم يكن به جراحة فليقم فأقبلوا يضمّدون جراحاتهم ويداوونها فخرجوا على ما بهم من الالم والجراح فلمّا بلغ رسول الله (ص) حمراء الاسد وهو على ثمانية اميال من المدينة وقريش قد نزلت الرّوحاء قال عكرمة بن ابى جهل والحارث بن هشام وعمرو بن العاص وخالد بن وليد نرجع ونغير على المدينة قد قتلنا سراتهم وكبشهم يعنون حمزة فوافاهم رجل خرج من المدينة فسألوه الخبر فقال: تركت محمّداً (ص) واصحابه بحمراء الاسد يطلبونكم جدّ الطلب فقال ابو سفيان: هذا النّكد والبغى فقد ظفرنا بالقوم وبغينا والله ما افلح قوم قطّ بغوا فوافاهم نعيم بن مسعود الشجعىّ فقال ابو سفيان: اين تريد؟ - قال المدينة لامتار لاهلى طعاماً، فقال: هل لك ان تمرّ بحمراء الاسد وتلقى اصحاب محمّد (ص) وتعلمهم انّ حلفاءنا وموالينا قد وافونا من الاحابيش حتّى يرجعوا عنّا ولك عندى عشرة قلائص املأها تمراً وزبيباً، قال: نعم؛ فوافى فى غد ذلك اليوم حمراء الاسد فقال لاصحاب رسول الله (ص) اين تريدون؟ - قالوا: قريشاً قال: ارجعوا انّ قريشاً قد اجتمعت اليهم حلفاؤهم ومن كان تخلّف عنهم وما اظنّ الاّ اوائل خيلهم يطلعون عليكم السّاعة فقالوا: حسبنا الله ونعم الوكيل ما نبالى، فنزل جبرئيل على رسول الله (ص) فقال: ارجع يا محمّد (ص) فانّ الله قد ارعب قريشاً ومرّوا لا يلوون على شيءٍ، فرجع رسول الله (ص) وانزل الله: {الّذين استجابوا}؛ الآية، وقيل: نزلت الآية فى بدرٍ الصّغرى وذلك انّ ابا سفيان حين اراد ان ينصرف من احد قال: يا محمّد (ص) موعدنا موسم بدر الصّغرى من قابل، فلمّا كان العام المقبل خرج ابو سفيان فى اهل مكّة فالقى الله عليه الرّعب فبدا له فلقى نعيم بن مسعود الاشجعىّ فقال له ابو سفيان: انّى واعدت محمّداً (ص) ان نلتقى بموسم بدر وانّ هذه عام جدب وبدا لى ان لا اخرج اليه واكره ان يزيدهم ذلك جرأة فالحق بالمدينة فثبّطهم ولك عندى عشرة من الابل اضعها على يد سهيل بن عمرو، فأتى نعيم المدينة فوجد النّاس يتجهّزون فثبّط وأرعب أصحاب الرّسول فقال رسول الله (ص) والّذى نفسى بيده لاخرجنّ ولو وحدى فانحرف الجبان وتأهّب الشّجاع وقال: حسبنا الله ونعم الوكيل، فخرج رسول الله (ص) فى أصحابه حتّى وافوا بدراً الصّغرى وكانت موضع سوقٍ لهم فى الجاهليّة يجتمعون اليها فى كلّ عام ثمانية ايّام فاقام ينتظر ابا سفيان وقد انصرف ابو سفيان فسمّاهم اهل مكّة جيش السّويق وقالوا: خرجتم تشربون السّويق، ووافق رسول الله (ص) السّوق وكانت لهم تجاراتٍ فباعوا واصابوا للدّرهم درهمين وانصرفوا الى المدينة سالمين غانمين.

الحبري

تفسير : وقوله: {ٱلَّذِينَ ٱسْتَجَابُواْ للَّهِ وَٱلرَّسُولِ مِن بَعْدِ مَآ أَصَابَهُمُ ٱلْقَرْحُ} يَعْنِي الجَراحَةَ {لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ مِنْهُمْ وَٱتَّقَواْ أَجْرٌ عَظِيمٌ }. نَزَلَتْ في عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ وَتِسْعَةِ نَفَرٍ مَعَهُ، بَعَثَهُمْ رَسُولُ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ [وَآلِهِ] في أَثَرِ أَبي سُفْيانَ حِيْنَ ارْتَحَلَ، فاسْتَجابُوا للهِ وَرَسُولِهِ صَلّى الله عَلَيْهِ [وَآلِهِ].

فرات الكوفي

تفسير : [وبالاسناد المتقدم انفاً عن ابن عباس]: وقوله: {الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح}. يعني الجراحة {للذين أحسنوا منهم واتقوا أجرٌ عظيم} [قال. أ]: نزلت في علي [بن أبي طالب. ر] [عليه السلام. ح، ر، أ] وتسعة ونفر [معه. ح، ر] بعثهم رسول الله صلى الله عليه [وآله وسلم. ن] في أثر أبي سفيان حين ارتحل فاستجابوا لله ولرسوله [ح: ورسوله صلى الله عليه. ب: وللرسول].

الهواري

تفسير : قوله: {الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِن بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ القَرْحُ} والقرح الجرح {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقُوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ} أي الجنة. وذلك يوم أحد، حيث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : رحم الله قوماً ينتدبون حتى يعلم المشركون أننا لم نُستأصَل، وأن فينا بقيةً تفسير : . فانتدب قوم ممّن أصابتهم الجراح ذلك اليوم. وقال بعض المفسّرين: {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقُوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ}. أي الجنة. ذلك يوم أُحُد، بعد القتل والجراحات، وبعد ما انصرف المشركون: أبو سفيان وأصحابه، فقال نبي الله لأصحابه: حديث : ألا عصابة تنتدب لأمر الله فنطلب عدوَّنا، فإنه أنكى للعدو وأبعد في السّمعتفسير : . فانطلق عصابة منهم على ما يعلم الله من الجهد بهم، حتى إذا كانوا بذي الحليفة فجعل الأعراب والناس يأتون عليهم ويقولون: هذا أبو سفيان مائل عليكم بالناس فقالوا: حسبنا الله ونعم الوكيل؛ فأنزل الله: {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا: حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الوَكِيلُ}. قال الكلبي: بلغنا أن أبا سفيان وأصحابه مرّ بهم قوم من السفار من التجار، وبلغوهم أن القوم يأتونهم، فقالوا للتجار: قولوا لمحمد وأصحابه: إنا راجعون إليكم فقاتلوكم، فأنزل الله هذه الآية. قال الكلبي: وبلغنا حديث : أن أبا سفيان يوم أحد حين أراد أن ينصرف قال: يا محمد، موعد ما بيننا وبينكم موسم بدر الصغرى أن نقتتل بها إن شئت. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ذلك بيننا وبينك. فانصرف أبو سفيان وقدم مكة، فلقي رجلاً من أشجع يقال له: نُعيم بن مسعود، فقال: إني واعدت محمداً وأصحابه أن يخرج نلتقي بموسم بدر، فبدا لي ألا أخرج إليهم، وأكره أن يخرج محمد وأصحابه ولا أخرج فيزيدهم ذلك علي جرأة، فيكون الخلف من قِبَلهم أحبَّ إلي، فلك عشرة من الإِبل إن أنت حبسته عني فلم يخرج. فقدم الأشجعي المدينة، وأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم يتجهّزون لميعاد أبي سفيان. فقال: أين تريدون؟. قالوا: واعدنا أبا سفيان أن نلتقي بموسم بدر فنقتتل بها. فقال: بئس الرأي رأيتم؛ أتوكم في دياركم وقراركم فلم يُفلِت منكم إلا الشديد، وأنتم تريدون أن تخرجوا إليهم، وقد جمعوا لكم عند الموسم؛ والله إذاً لا يُفلت منكم أحد. فكره أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يخرجوا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: والذي نفسي بيده لأخرجن وإن لم يخرج معي منكم أحد. فخرج معه سبعون رجلاً حتى وافوا معه بدراً. ولم يخرج أبو سفيان ولم يكن قتال، فسوَّقُوا في السوق، ثم انصرفوا تفسير : . فهو قوله: {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ}، يعني الأشجعي، {إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الوَكِيلُ}.

اطفيش

تفسير : {الَّذِينَ اسْتَجَابُواْ للَّهِ وَالرَّسُولِ مِن بَعْدِ مَآ أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ}. الذين: نعت للمؤمنين، أو مفعول لمحذوف، أو خبر لمحذوف، أى أعنى الذين بل أردت الذين، أو هم الذين، وذلك على المدح، أو الذين مبتدأ خبره جملة المبتدأ والخبر من قوله: {لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ مِنْهُمْ وَاتَّقَواْ أَجْرٌ عَظِيمٌ}: والرابط هاء منهم ومن: للبيان لا للتبعيض، لأن المستحبين لله والرسول كلهم لهم أجر عظيم لا بعضهم فقط وكلهم محسنون ومتقون الإحسان امتثال ما أمروا به والاتقاء ترك ما نهوا عنه بحذر.

اطفيش

تفسير : {الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلهِ وَالرَّسُولِ مِن بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ القَرْحُ} الجرح فى أُحد، أمدح الذين، او هم الذين، أو بالذين لم يلحقوا بهم الذين استجابوا، أو المؤمنين الذين، او الذين استجابوا لله الخ لمحسنهم المتقين أجر عظيم، كما قال {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنهُمْ} بالإعمال الصالحة {وَاتَّقُوا} مانهوا عنه {أَجْرٌ عظِيمٌ} ومن لم يكن منهم كذلك فلا أجر له، وإن فرضنا أن هؤلاء كلهم محسنون متقون فمن للبيان، وهذا راجح، أو متعين لقوله عز وجل، استجابوا، فذكر الإحسان والاتقاء مدح وتعليل لا قيد، ولذلك عدل عن مقتضى الظاهر، وهو أنه يقول لهم أجر عظيم، وهم من أعظم من يمدح، إذ خرجوا للقتال مع ما فيهم من جروح جديدة، تقدم أنه لما ذهب أبو سفيان يوم أحد إلى مكة خرج إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك من الغد للقتال صبيحة يوم الأحد لست عشرة أو ثمان مضت من شوال على رأس اثنين وثلاثين شهراً من الهجرة، ونادى منادى رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا يخرج أحد معنا إلا من شهد معنا يومنا بالأمس، فخرج ستمائة وثلاثون رجلا مؤمنا خالصا إلى أن وصلوا حمراء الأسد، موضع على ثمانية اميال من المدينة على يسار الذاهب إلى ذى الحليفة، وبه سميت غزوة حمراء الأسد وأقاموا بها الاثنين والثلاثاء والأربعاء، ثم رجعوا إلى المدينة يوم الجمعة، وقد غابوا خمسا، وأذن صلى الله عليه وسلم لجابر بن عبد الله بن حرام أن يرجع إلى المدينة ليتم على سبع أخوات له، أمره أبوه بهن، وقيل: خرج فى جماعة، لا فى ستمائة وثلاثين وسبب هذا الخروج ما بلغة أن أبا سفيان لما بلغ الروحاء ذاهبا إلى مكة أراد الرجوع إلى المدينة ليستأصل من بها ولم يرجع لرعب فى قلبه، واشتد هربهم فلم يدركهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأما غزوة بدر الصغرى فمن قابل، إذ واعد أبو سفيان بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأشار إليها فى قوله: {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ} نعيم بن مسعود الأشجعى، عام أريد به خاص إطلاقاً للكل وإرادة البعض، كقوله تعالى: {أية : أم يحسدون الناس} تفسير : [النساء: 54]، أى رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو للحقيقة، كما تقول: فلان يشترى النخل، أو يركب الخيل ولو لم يشتر أويركب إلا واحدة، أو نعيم ومن وافقه على قوله، من أهل المدينة، من المنافقين وضعفاء المؤمنين، وقيل: الناس، ركب من عبد قيس، وأسلم نعيم {إنَّ النَّاسَ} أبا سفيان ومن معه {قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ} جموعاً ليقاتلوكم {فَاخْشَوْهُمْ} أى لا تخرجوا إليهم، فعبر عن عدم الخروج بملزومه وسببه، وإلا فالخشية ضرورية لا كسبية، فلا يؤمر بها لتكسب لما كان عام قابل، خرج أبو سفيان ومن معه في ألفين من قريش حتى نزل بمر الظهران لموعد بدر الصغرى، فألقى الله فى قلبه الرعب، وبدا له أن يرجع، فمر به ركب من عبد قيس يريدون المدينة للميرة، فقال: هذا موعدنا لمحمد، إلا أن العام جدب، لا شجر يرعى، ولا لبن يشرب، فاذهبوا إليه، فثبطوه، وقد بدا لى أن أرجع، فشرط لهم حمل بعير من زبيب إن ثبطوا المسلمين، أو لقى نعيم بن مسعود معتمراً وقال له ذلك، وجعل له عشر أبعرة إن ثبطهم، وضمنها لهم سهيل بن عمرو، ويكنى أبا يزيد، وقال لهم أبو سفيان: إن خرج محمد ولم أخرج زاد جرأة علينا فاجهدوا فى تثبيطه، فجاءوا المدينة فثبطوا أو جاءها فوجدهم يتجهزون للخروج، فقال لهم: غلبكم أبو سفيان فى العام الماضى، ولم يفلت منكم إلا شريد، وإن ذهبتم إليهم الآن لم يفلت منكم أحد، وما هذا بالرأى، فأثر ذلك الكلام فى قلوبهم، فعرف رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك، فقال: "حديث : والله لأخرجن إليهم ولو وحدى"تفسير : ، فخرج فى سبعين راكباً، والباقون يمشون، أو يتعاقبون، والجملة ألف وخمسمائة {فَزَادَهُمْ إيْمَاناً} زادهم الله، أو القول، أى قول الركب، أو قول نعيم، أو المقول، أو القائل الجنس، أو القائل نعيم، ونصوص القرآن، أن الإيمان يزداد بنزول شىء آخر، وحصول معجزة أخرى، بإعمال الفكر فى الحجة وزيادة الحجة والعمل، وقابل الزيادة يقبل النقص، هذا مذهبنا، والنقص يكون بالكسل وطول العهد وقسوة القلب، ومن طبع البشر النقص بطوله،رأى أبو بكر قوة خشوع قوم أسلموا حادثا، فقال: كذلك كنا، ثم قست القلوب، قال ابن عمر: حديث : قلنا يا رسول الله، الإيمان يزيد وينقص، فقال صلى الله عليه وسلم: نعم، يزيد حتى يدخل صاحبه الجنة، وينقص حتى يدخل صاحبه النار تفسير : {وَقَالُوا حَسْبُنَا اللهُ} كافينا، كقول إبراهيم لجبريل حين ألقى فى النار، حسبى علم الله بحالى، وقد قال: ألك إلى ّ حاجة {وَنِعْمَ الْوَكِيلُ} هو ومن يوكل الله له الأمر، أى يترك، قال أبو هريرة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إذا وقعتم فى الأمر العظيم فقولوا: حسبنا الله ونعم الوكيل"تفسير : ، قال أبو نعيم عن شداد بن أوس عنه صلى الله عليه وسلم، "حديث : حسبى الله ونعم الوكيل، أمان كل خائف"تفسير : ، وأخرج ابن أبى الدنيا عن عائشة، أنه إذا اشتد همه صلى الله عليه وسلم مسح بيده على رأسه ولحيته، ثم تنفس الصعداء، وقال: حسبى الله ونعم الوكيل، ويروى أنه آخر ما قال إبراهيم حين ألقى فى النار.

الالوسي

تفسير : {ٱلَّذِينَ ٱسْتَجَابُواْ } أي أطاعوا {لِلَّهِ وَٱلرَّسُولِ } بامتثال الأوامر {مِن بَعْدِ مَآ أَصَابَهُمُ ٱلْقَرْحُ} أي نالهم الجراح يوم أحد، والموصول في موضع جر صفة للمؤمنين أو في موضع نصب بإضمار أعني، أو في موضع رفع على إضمارهم، ((أو مبتدأ أول وخبره جملة قوله تعالى: {لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ مِنْهُمْ وَٱتَّقَوْاْ أَجْرٌ عَظِيمٌ } قال الطبرسي وهو الأشبه)): ومنهم حال من الضمير في أحسنوا ومن للتبعيض ـ وإليه ذهب بعضهم ـ وذهب غير واحد إلى أنها للبيان، فالكلام حينئذٍ فيه تجريد جرد من الذين استجابوا لله والرسول المحسن المتقي، والمقصود من الجمع بين الوصفين المدح والتعليل لا التقييد لأن المستجيبين كلهم محسنون ومتقون، قال ابن إسحق وغيره: لما كان يوم الأحد لست عشرة ليلة مضت من شوال وكانت وقعة أحد يوم السبت للنصف منه أذن مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم بطلب العدو وأن لا يخرج معنا أحد إلا أحد حضر يومنا بالأمس فكلمه جابر بن عبد الله بن حزام فقال: يا رسول الله إن / أبـي كان خلفني على أخوات لي سبع وقال: يا بني لا ينبغي لي ولا لك أن نترك هؤلاء النسوة لا رجل فيهن ولست بالذي أوثرك بالجهاد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على نفسي فتخلف على أخواتك فتخلفت عليهن فأذن له رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إرهاباً للعدو حتى انتهى إلى حمراء الأسد على ثمانية أميال من المدينة فأقام بها يوم الاثنين والثلاثاء والأربعاء ثم رجع إلى المدينة وقد مر به معبد بن أبـي معبد الخزاعي وكانت خزاعة مسلمهم ومشركهم عيبة نصح رسول الله صلى الله عليه وسلم بتهامة صفقتهم معه لا يخفون عنه شيئاً كان بها، ومعبد يومئذٍ مشرك فقال: يا محمد أما والله لقد عز علينا ما أصابك في أصحابك ولوددنا أن الله تعالى عافاك فيهم، ثم ذهب ورسول الله صلى الله عليه وسلم بحمراء الأسد حتى لقي أبا سفيان ومن معه بالروحاء وقد أجمعوا الرجعة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه وقالوا: أصبنا أجل أصحابه وقادتهم وأشرافهم ثم نرجع قبل أن نستأصلهم لنكرن عليهم فلنفرغن منهم فلما رأى أبو سفيان معبداً قال: ما وراءك يا معبد؟ قال: محمد قد خرج في أصحابه يطلبكم في جمع لم أر مثله قط وهم يتحرّقون عليكم تحرقاً وقد اجتمع معه من كان تخلف عنه في يومكم وندموا على ما صنعوا فيهم من الحنق عليكم شيء لم أر مثله قال: ويلك ما تقول؟ قال ما أرى والله أن ترتحل حتى ترى نواصي الخيل قال: فوالله لقد أجمعنا الكرة عليهم لنستأصل بقيتهم قال: فإني أنهاك عن ذلك ووالله لقد حملني ما رأيت على أن قلت فيهم أبياتاً من الشعر قال: وما قلت؟ قال قلت:شعر : كادت تهدّ من الأصوات راحلتي إذ سالت الأرض بالجرد الأبابيل ترمى بأسد كرام لا تنابلة عند اللقاء ولا ميل معازيل فظلت عدواً كأن الأرض مائلة لما سموا برئيس غير مخذول وقلت: ويل ابن حرب من لقائهم إذا تغطمطت البطحاء بالخيل إني نذير لأهل النبل ضاحية لكل آربة منهم ومعقول من خيل أحمد لا وخشا تنابلة وليس يوصف ما أنذرت بالقيل تفسير : فثنى عند ذلك أبو سفيان ومن معه ومرّ به ركب من عبد القيس فقال: أين تريدون؟ قالوا: نريد المدينة قال ولم؟ قالوا: نريد الميرة قال: فهل أنتم مبلغون عني محمداً رسالة أرسلكم بها إليه وأحمل هذه لكم غداً زبيباً بعكاظ إذا وافيتموه؟ قالوا: نعم قال: إذا وافيتموه فأخبروه أن قد أجمعنا السير إليه وإلى أصحابه لنستأصل بقيتهم فمرّ الركب برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بحمراء الأسد فأخبروه بالذي قال أبو سفيان وأصحابه فقال: حسبنا الله ونعم الوكيل، وأخرج ابن هشام أن أبا سفيان لما أراد الرجوع إلى حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لهم صفوان بن أمية بن خلف: لا تفعلوا فإن القوم قد جربوا وقد خشينا أن يكون لهم قتال غير الذي كان فارجعوا إلى محالكم فرجعوا فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بحمراء الأسد أنهم هموا بالرجعة قال: والذي نفسي بيده لقد سومت لهم حجارة لو صبحوا بها لكانوا كأمس الذاهب ثم رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه إلى المدينة وأنزل الله تعالى هذه الآيات، وإلى هذا ذهب أكثر المفسرين.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 172- الذين لبّوا دعوة الرسول إلى استئناف الجهاد من بعد ما أصابهم فى غزوة أُحد من الجرح العميق، وبذلك أحسنوا، واتقوا عصيان أمر الله ورسوله، فاستحقوا الأجر العظيم فى دار الجزاء والنعيم. 173- الذين خوفهم الناس بأن قالوا لهم: إن أعداءكم قد جمعوا لكم جيشاً كثيفاً فخافوهم، فما ضعفوا وما وهنوا، بل ازدادوا إيماناً بالله وثقة بنصره، وكان ردّهم: الله كافينا، وهو المتولى أمورنا، وهو نِعْمَ من يفوّض إليه الأمر كله. 174- ثم خرجوا للجهاد ولقاء الجيش الكثيف، ولكن المشركين جبنوا عن اللقاء، فعاد المؤمنون فائزين بنعمة السلامة مع الرغبة فى الجهاد، وفوزهم بثوابه وفضل اللَّه عليهم فى إلقاء الرعب فى قلوب عدوهم فلم ينلهم أذى. وابتغوا رضوان اللَّه فصاروا أهلاً لفضله، واللَّه صاحب الفضل العظيم. 175- يبين اللَّه سبحانه للمؤمنين أن أولئك الذين يخوفونكم بأعدائكم لتجْبنوا عن لقائهم ليسوا إلا أعواناً للشيطان الذى يخوف أتباعه فيجعلهم جبناء ولستم منهم. فلا تحفلوا بتخويفهم وخافوا اللَّه - وحده - إن كنتم صادقى الإيمان، قائمين بما يفرضه عليكم هذا الإيمان. 176- لا تحزن - أيها النبى - إذا رأيت الذين يزدادون كفراً ويسرعون بالانتقال من سيئ إلى أسوأ، فهم لن ينالوا اللَّه بأى ضرر، لأنه القاهر فوق عباده، بل يريد اللَّه ألا يجعل لهم نصيباً من ثواب الآخرة، ولهم فوق حرمانهم هذا الثواب الكريم عذاب عظيم. 177- إن هؤلاء الذين استبدلوا الكفر بالإيمان، فابتغوا الكفر وتركوا الإيمان، لن يضرُّوا اللَّه شيئا، ولهم فى الآخرة عذاب مؤلم شديد الإيلام.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: استجابوا: أجابوا الدعوة وقبلوا الأمر. القرح: ألم الجراحات. أحسنوا: أعمالهم وأقوالهم أتوا بها وفق الشرع وأحسنوا إلى غيرهم. اتقوا: ربهم فلم يشركوا به ولم يعصوه فيما أمرهم به أو نهاهم عنه. جمعوا لكم: جمعوا الجيوش لقتالكم. حسبنا الله: يكفينا الله ما أرادونا به من الأذى. ونعم الوكيل: نعم الوكيل الله نوكل إليه أمورنا ونفوضها إليه. انقلبوا: رجعوا من حمراء الأسد إلى المدينة. أولياء الشيطان: أهل طاعته والاستجابة إليه فيما يدعوهم إليه من الشر والفساد. معنى الآيات: ما زال السياق في أحداث غزوة أحد وما لا بسها من أمور وأحوال والآيات الأربع كلها في المؤمنين الذين حضروا غزوة أحد يوم السبت وخرجوا في طلب أبي سفيان يوم الأحد وعلى رأسهم نبيهم محمد صلى الله عليه وسلم، رأى أن يرفع معنويات أصحابه الذين كُلِموا وهزموا يوم السبت بأحد، وأن يرهب أعداءهُ فأمر مؤذناً يؤذن بالخروج في طلب أبي سفيان وجيشه، فاستجاب المؤمنون وخرجوا وإن منهم للمكلوم المجروح، وإن أخوين جريحين كان أحدهما يحمل أخاه على ظهره فإذا تعب وضعه فمشى قليل، ثم حمله حتى انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه إلى حمراء الأسد، وألقى الله تعالى الرعب في قلب أبي سفيان فارتحل هارباً إلى مكة، وقد حدث هنا أن معبداً الخزاعي مر بمعسكر أبي سفيان فسأله عن الرسول فأخبره أنه خرج في طلبكم وخرج معه جيش كبير وكلهم تغيظ عليكم، أنصح لك أن ترحل فهرب برجاله خوفاً من رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فأقام الرسول صلى الله عليه وسلم بحمراء الأسد برجاله كذا ليلة ثم عادوا لم يمسسهم سوء وفيهم نزلت هذه الآيات الأربع وهذا نصها: الآية [172] {ٱلَّذِينَ ٱسْتَجَابُواْ للَّهِ وَٱلرَّسُولِ مِن بَعْدِ مَآ أَصَابَهُمُ ٱلْقَرْحُ} يريد في أحد واستجابوا: لبوا نداء الرسول صلى الله عليه وسلم وخرجوا معه في ملاحقة أبي سفيان، {لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ مِنْهُمْ وَٱتَّقَواْ أَجْرٌ عَظِيمٌ} ولكل من أحسن واتقى أجر عظيم، ألا وهو الجنة الآية الثانية [173] {ٱلَّذِينَ قَالَ لَهُمُ ٱلنَّاسُ إِنَّ ٱلنَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَٱخْشَوْهُمْ} المراد من الناس القائلين هم نفر من عبد القيس مروا بأبي سفيان وهو عازم على العودة إلى المدينة لتصفية المؤمنين بها في نظره فقال له أبو سفيان أخبر محمداً وأصحابه أني ندمت على تركهم أحياء بعدما انتصرت عليه وإني جامع جيوشي وقادم عليهم، والمراد من الناس الذين جمعوا هم أبو سفيان فلما بلغ هذا الخبر الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه زادهم إيماناً فوق إيمانهم بنصر الله تعالى وولايته لهم، وقالوا: حسبنا الله أي يكفينا الله شرهم، ونعم الوكيل الذي يكفينا ما أهمنا ونفوض أمرنا إلى الله. الآية الثالثة [174] {فَٱنْقَلَبُواْ} أي رجعوا من حمراء الأسد لأن أبا سفيان ألقى الله الرُّعْب في قلبه فانهزم وهرب، رجعوا مع نبيهم سالمين في نعمة الإِيمان والإسلام والنصر، {وَفَضْلٍ} حيث أصابوا تجارة في طريق عودتهم {لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوۤءٌ} أي أذى، {وَٱتَّبَعُواْ رِضْوَانَ ٱللَّهِ} بالاستجابة لما دعاهم الله ورسوله وهو الخروج في سبيل الله لملاحقة أبي سفيان وجيشه. وقوله تعالى: {وَٱللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ} وما أفاضه على رسوله كاف في التدليل عليه الآية الرابعة [175] {إِنَّمَا ذٰلِكُمُ ٱلشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ}، وذلك أن وفد عبد القيس آجره أبو سفيان بكذا حمل من زبيب إن هو خوف المؤمنين منه فبعثه كأنه (طابور) يخذل له المؤمنين إلا أن المؤمنين عرفوا أنها مكيدة وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل، فنزلت الآية: {إِنَّمَا ذٰلِكُمُ ٱلشَّيْطَانُ} الناطق على لسان النفر من عبد القيس يخوف المؤمنين من أوليائه أبي سفيان وجمعه، فلا تخافوهم فنهاهم عن الخوف منهم وأمرهم أن يخافوه تعالى فلا يجبُنُوا ويخرجوا إلى قتال أبي سفيان وكذلك فعلوا لأنهم المؤمنون بحق رضى الله عنهم أجمعين. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- فضل الإِحسان والتقوى وأنهما مفتاح كل خير. 2- فضل أصحاب رسول الله على غيرهم، وكرامتهم على ربهم. 3- فضل كلمة "حسبنا الله ونعم الوكيل" قالها رسول الله وقالها إبراهيم من قبل فصلى الله عليهما وسلم. 4- بيان أن الشيطان يخوف المؤمنين من أوليائه، فعلى المؤمنين أن لا يخافوا غير ربهم تعالى في الحياة، فيطيعونه ويعبدونه ويتوكلون عليه، وهو حسبهم ونعم الوكيل لهم.

القطان

تفسير : القرح: الجرح، والمراد هنا كل ما أصاب المؤمنين من مشقات في وقعة أُحد وما تكبدوه من الخسائر. حسبنا الله: كفانا الله. فانقلبوا: فرجعوا. في هذه الآيات وصف عظيم للمؤمنين الصادقين، وهم الذين لبّوا دعوة الرسول الى استئناف الجهاد من بعد ما أصابهم من جرح وآلام يوم أُحُد. لقد اتقوا عصيان ربهم ورسوله الكريم، فاستحقوا الأجر العظيم على ما قاموا به من جليل الأعمال. "حديث : وذلك ان أبا سفيان وأصحابه، لما رجعوا من أحد، ندموا وهمُّوا بالرجوع حتى يستأصلوا من بقي من المؤمنين. فبلغ ذلك رسولَ الله، فأراد أَن يُرهبَهم ويريهم القوة من نفسه وأصحابه، فندب أصحابه للخروج في أثر أبي سفيان، وقال: لا يخرجنّ معنا إِلا من حضر يومنا بالأمس. وهكذا خرج مع جماعة من أصحابه وفيهم عدد من الجرحى قد تحاملوا على أنفسهم، حتى بلغوا مكانا اسمه "حمراء الأسَد". وعندما سمع أبو سفيان بخروج النبي وأصحابه في طلبه، خشي العاقبة، فأسرع في جماعته منقلباً الى مكة ". تفسير : وهنا يقول: ان هؤلاء الذين خوّفهم الناس بأن قالوا لهم: إن اعداءكم قد جمعوا لكم جيشاً كثيفا فخافوهم، لكنهم لم يضعفوا، بل ازدادوا ايماناً بالله وثقة من نصره، كما أجابوا: ليس يهمَّنا هؤلاء الذين جمعوا الجموع، فالله معنا لا يعجزه ان ينصرنا على قلّتنا وكثرتهم، ثم خرجوا مع رسول الله للقاء العدو، لكنهم لم يلقوه لأنه أسرع خائفا الى مكة، فرجعوا بدورهم الى المدينة مع الرسول ـ هؤلاء قد فازوا بنعمة السلام، واطاعة رسولهم. وبذلك ربحوا في تجارتهم ولم يمسَسْهم سوء. روى البيهقي عن ابن عباس ان عيراً مرت في أيام الموسم فاشتراها رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم باعها، فربح مالاً، فقسمه بين أصحابه، فذلك من فضل الله.

د. أسعد حومد

تفسير : (172) - بَعْدَ أنِ انْصَرَفَتْ قُرَيْشٌ مِنْ مَيْدَانِ المَعْرَكَةِ يَوْمَ أحُدٍ مُتَّجِهَةً إلَى مَكَّةَ، نَدِمَتْ عَلَى الانْصِرَافِ قَبْلَ اسْتِئْصَالِ شَأفَةِ المُسْلِمِينَ، وَالقَضَاءِ عَلَيْهِمْ، فَفَكَّرُوا فِي العَوْدَةِ إلى المَدِينَةِ. وَعَلِمَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بِذَلِكَ، فَنَدَبَ المُسْلِمِينَ لِلْخُرُوجِ وَرَاءَ المُشْرِكِينَ لِيَثْنِيَهُمْ عَنِ التَّفْكِيرِ فِي العَوْدَةِ، وَأمَرَ بِألاَّ يَخْرُجَ مَعَهُ إلاَّ مَنْ شَهِدَ أحُداً، فَتَسَارَعَ النَّاسُ إلى الخُرُوجِ مَعَهُ عَلَى مَا هُمْ عَلَيهِ مِنْ جِرَاحٍ. وَقَدْ وَعَدَ اللهُ مَنْ أحْسَنَ مِنْ هَؤُلاءِ المُسْتَجِيبِينَ لِلرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم وَاتَّقَى أجْراً عَظِيماً. القَرْحُ - الجِرَاحُ. الإِحْسَانُ - القِيَامُ بِالعَمَلِ عَلَى أَكْمَلِ وَجْهٍ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : انظر إلى المنزلة العالية كي تعلم أن الهزة التي حدثت في أُحُد أعادت ترتيب الذرات الإيمانية في نفوس المؤمنين. ولذلك أراد الله ألا يطول أمد الغم على مَن ندموا بسبب ما وقع منهم، وألا يطول أمد الكفار الذين فرحوا بما ألحق بالمؤمنين من الضرر في المعركة الأخيرة، هؤلاء المشركون فرحون، وهؤلاء المسلمون في حزن؛ لأننا قلنا: ما داموا مسلمين ومؤمنين فلهم الحق، وإن قَصَّروا فعليهم عقوبة، وسبحانه قد أنزل بهم العقوبة لكن بقي لإسلامهم حق على الله؛ لأنه أجرى تلك الأقدار ليُهذب ويُمحص ويُربي، فلا يطيل أمد الغم على المؤمنين ولا يمد الفرحة للكافرين، فيأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم والحالة كما تعلمون هكذا، ويؤذن مؤذنه صلى الله عليه وسلم في الناس بطلب قريش قائلاً: "لا يخرجن معنا إلا من حضر معنا القتال". ويخرج الرسول صلى الله عليه وسلم إليهم بعدد لايزيد على عدد المقاتلين الذين كانوا يواجهونهم حتى لا يقال إنهم جاءوا بمددٍ إضافي، بل بالعكس، فالذين خرجوا لمطاردة الكفار هم الذين بقوا مع الرسول في أُحد، ونقص منهم من قُتل ونقص منهم أيضاً كل من أثقلته جراحه. لقد كانوا أقل ممن كانوا في المعركة، وكأن الله يريد أن يبين لنا أن التمحيص قد أدى مطلوبه. هم في هذه الحالة استجابوا للرسول، كأن المسألة جاءت رد اعتبار لمن شهدوا المعركة؛ حتى لا يضعفوا أمام نفوسهم؛ وحتى لا يجعلوها زلة تطاردهم وتلاحقهم في تاريخهم الطويل، بل يعلمون أن معركة أُحد قد انتهت وعرفوا آثارها. وبمجرد أذن مؤذن الرسول صلى الله عليه وسلم بالنداء السابق استجابوا جميعاً، ولم يُسمح إلا لجابر بن عبد الله أن يكون إضافة لهم؛ لأنه أبدى العذر في أنه لم يكن مع القوم؛ لأن له أخوات سبعاً من البنات وأمره أبوه أن يمكث مع أخواته لرعايتهن، فسمح له رسول الله. - وكما قلنا - فإن الله أراد بكل أحداث أُحُدٍ أن يُعيد ترتيب الذرات الإيمانية، وما دامت الذرات الإيمانية قد انتظمت فقد تم إصلاح جهاز الاستقبال عن الله، وفي لحظة واحدة يستجيبون لرسول الله صلى الله عليه وسلم في أنهم يلاحقون الكفار، وذهبوا إلى حمراء الأسد وكان ما كان. وبعد ذلك أرسل الله لهم من جنوده من يُخَذِّلُ هؤلاء القوم الكافرين، ويقول لهم: إن محمداً قد خرج إليكم بجيش كبير. ونلحظ أن الحق سبحانه يجيء هنا بقوله: {ٱلَّذِينَ ٱسْتَجَابُواْ} [آل عمران: 172] وهي تقابل "من خالفوا" أمر رسول الله وهم الرماة، {ٱلَّذِينَ ٱسْتَجَابُواْ للَّهِ وَٱلرَّسُولِ مِن بَعْدِ مَآ أَصَابَهُمُ ٱلْقَرْح} [آل عمران: 172]. لقد استجابوا وهم مُرهقون ومُتألمون ومثخنون بالجراح؛ فكل واحد منهم قد ناله نصيب من إرهاق القتال، ومع ذلك استجابوا لله وللرسول، وكل منهم أصابه القَرح أو القُرح .. يعني الألم أو الجرح، {مِن بَعْدِ مَآ أَصَابَهُمُ ٱلْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ مِنْهُمْ وَٱتَّقَواْ أَجْرٌ عَظِيمٌ} [آل عمران: 172] وهم قد أحسنوا في الاستجابة؛ لذلك فلهم الأجر العظيم، "أجر عظيم" لأن ما حدث منهم من أمر المخالفة قد أخذوا عليه العُقوبة. ويقول الحق بعد ذلك: {ٱلَّذِينَ قَالَ لَهُمُ ٱلنَّاسُ إِنَّ ٱلنَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَٱخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً ...}.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : لما رجع النبي صلى الله عليه وسلم من "أحد" إلى المدينة، وسمع أن أبا سفيان ومن معه من المشركين قد هموا بالرجوع إلى المدينة، ندب أصحابه إلى الخروج، فخرجوا - على ما بهم من الجراح - استجابة لله ولرسوله، وطاعة لله ولرسوله، فوصلوا إلى "حمراء الأسد" وجاءهم من جاءهم وقال لهم: { إن الناس قد جمعوا لكم } وهموا باستئصالكم، تخويفا لهم وترهيبا، فلم يزدهم ذلك إلا إيمانا بالله واتكالا عليه. { وقالوا حسبنا الله } أي: كافينا كل ما أهمنا { ونعم الوكيل } المفوض إليه تدبير عباده، والقائم بمصالحهم. { فانقلبوا } أي: رجعوا { بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء } . وجاء الخبر المشركين أن الرسول وأصحابه قد خرجوا إليكم، وندم من تخلف منهم، فألقى الله الرعب في قلوبهم، واستمروا راجعين إلى مكة، ورجع المؤمنون بنعمة من الله وفضل، حيث مَنَّ عليهم بالتوفيق للخروج بهذه الحالة والاتكال على ربهم، ثم إنه قد كتب لهم أجر غزاة تامة، فبسبب إحسانهم بطاعة ربهم، وتقواهم عن معصيته، لهم أجر عظيم، وهذا فضل الله عليهم. ثم قال تعالى: { إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه } أي: إن ترهيب من رهب من المشركين، وقال: إنهم جمعوا لكم، داع من دعاة الشيطان، يخوف أولياءه الذين عدم إيمانهم، أو ضعف. { فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين } أي: فلا تخافوا المشركين أولياء الشيطان، فإن نواصيهم بيد الله، لا يتصرفون إلا بقدره، بل خافوا الله الذي ينصر أولياءه الخائفين منه المستجيبين لدعوته. وفي هذه الآية وجوب الخوف من الله وحده، وأنه من لوازم الإيمان، فعلى قدر إيمان العبد يكون خوفه من الله، والخوف المحمود: ما حجز العبد عن محارم الله.