٣ - آلِ عِمْرَان
3 - Al-Imran (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
173
Tafseer
الرازي
تفسير : وفي الآية مسائل. المسألة الأولى: هذه الآية نزلت في غزوة بدر الصغرى، روى ابن عباس أن أبا سفيان لما عزم على أن ينصرف من المدينة إلى مكة نادى: يا محمد موعدنا موسم بدر الصغرى فنقتتل بها إن شئت، فقال عليه الصلاة والسلام لعمر: قل بيننا وبينك ذلك إن شاء الله تعالى، فلما حضر الأجل خرج أبو سفيان مع قومه حتى نزل بمر الظهران، وألقى الله تعالى الرعب في قلبه، فبدا له أن يرجع، فلقي نعيم بن مسعود الأشجعي وقد قدم نعيم معتمرا، فقال: يا نعيم إني وعدت محمداً أن نلتقي بموسم بدر، وإن هذا عام جدب ولا يصلحنا إلا عام نرعى فيه الشجر ونشرب فيه اللبن، وقد بدا لي أن أرجع، ولكن إن خرج محمد ولم أخرج زاد بذلك جراءة، فاذهب إلى المدينة فثبطهم ولك عندي عشرة من الابل، فخرج نعيم فوجد المسلمين يتجهزون فقال لهم: ما هذا بالرأي، أتوكم في دياركم وقتلوا أكثرهم فان ذهبتم اليهم لم يرجع منكم أحد، فوقع هذا الكلام في قلوب قوم منهم، فلما عرف الرسول عليه الصلاة والسلام ذلك قال: «حديث : والذي نفس محمد بيده لأخرجن إليهم ولو وحدي» تفسير : ثم خرج النبي صلى الله عليه وسلم، ومعه نحو من سبعين رجلا فيهم ابن مسعود، وذهبوا إلى أن وصلوا إلى بدر الصغرى، وهي ماء لبني كنانة، وكانت موضع سوق لهم يجتمعون فيها كل عام ثمانية أيام، ولم يلق رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه أحدا من المشركين، ووافقوا السوق، وكانت معهم نفقات وتجارات، فباعوا واشتروا أدماً وزبيباً وربحوا وأصابوا بالدرهم درهمين، وانصرفوا إلى المدينة سالمين غانمين، ورجع أبو سفيان إلى مكة فسمى أهل مكة جيشه جيش السويق، وقالوا: إنما خرجتم لتشربوا السويق، فهذا هو الكلام في سبب نزول هذه الآية. المسألة الثانية: في محل {ٱلَّذِينَ } وجوه: أحدها: أنه جر، صفة للمؤمنين بتقدير: والله لا يضيع أجر المؤمنين الذين قال لهم الناس. الثاني: أنه بدل من قوله: {لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ } الثالث: أنه رفع بالابتداء وخبره {فَزَادَهُمْ إِيمَـٰناً }. المسألة الثالثة: المراد بقوله: {ٱلَّذِينَ } من تقدم ذكرهم، وهم الذين استجابوا لله والرسول، وفي المراد بقوله: {قَالَ لَهُمُ ٱلنَّاسُ } وجوه: الأول: أن هذا القائل هو نعيم بن مسعود كما ذكرناه في سبب نزول هذه الآية، وإنما جاز إطلاق لفظ الناس على الانسان الواحد، لأنه إذا قال الواحد قولا وله أتباع يقولون مثل قوله أو يرضون بقوله، حسن حينئذ إضافة ذلك الفعل إلى الكل، قال الله تعالى: {أية : وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَٱدرَأْتُمْ فِيهَا } تفسير : [البقرة: 72] {أية : وَإِذْ قُلْتُمْ يَـٰمُوسَىٰ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى ٱللَّهَ جَهْرَةً } تفسير : [البقرة: 55] وهم لم يفعلوا ذلك وإنما فعله أسلافهم، إلا أنه أضيف اليهم لمتابعتهم لهم على تصويبهم في تلك الأفعال فكذا ههنا يجوز أن يضاف القول إلى الجماعة الراضين بقول ذلك الواحد. الثاني: وهو قول ابن عباس، ومحمد بن إسحاق: أن ركبا من عبد القيس مروا بأبي سفيان، فدسهم إلى المسلمين ليجبنوهم وضمن لهم عليه جعلا. الثالث: قال السدي: هم المنافقون، قالوا للمسلمين حين تجهزوا للمسير إلى بعد لميعاد أبي سفيان: القوم قد أتوكم في دياركم، فقتلوا الأكثرين منكم، فان ذهبتهم إليهم لم يبق منكم أحد. المسألة الرابعة: قوله تعالى: {إِنَّ ٱلنَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ } المراد بالناس هو أبو سفيان وأصحابه ورؤساء عسكره، وقوله: {قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ } أي جمعوا لكم الجموع، فحذف المفعول لأن العرب تسمي الجيش جمعا ويجمعونه جموعا، وقوله: {فَٱخْشَوْهُمْ } أي فكونوا خائفين منهم، ثم انه تعالى أخبر أن المسلمين لما سمعوا هذا الكلام لم يلتفتوا اليه ولم يقيموا له وزنا، فقال تعالى: {فَزَادَهُمْ إِيمَـٰناً } وفيه مسائل: المسألة الأولى: الضمير في قوله: {فَزَادَهُمْ } إلى ماذا يعود؟ فيه قولان: الأول: عائد إلى الذين ذكروا هذه التخويفات. والثاني: أنه عائد إلى نفس قولهم، والتقدير: فزادهم ذلك القول إيمانا، وإنما حسنت هذه الاضافة لأن هذه الزيادة في الايمان لما حصلت عند سماع هذا القول حسنت إضافتها إلى هذا القول وإلى هذا القائل، ونظيره قوله تعالى: {أية : فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِى إِلاَّ فِرَاراً } تفسير : [نوح: 6] وقوله تعالى: {أية : فَلَمَّا جَاءهُمْ نَذِيرٌ مَّا زَادَهُمْ إِلاَّ نُفُوراً } تفسير : [فاطر: 42] المسألة الثانية: المراد بالزيادة في الايمان أنهم لما سمعوا هذا الكلام المخوف لم يلتفتوا اليه، بل حدث في قلوبهم عزم متأكد على محاربة الكفار، وعلى طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم في كل ما يأمر به وينهى عنه ثقل ذلك أو خف، لأنه قد كان فيهم من به جراحات عظيمة، وكانوا محتاجين إلى المداواة، وحدث في قلوبهم وثوق بأن الله ينصرهم على أعدائهم ويؤيدهم في هذه المحاربة، فهذا هو المراد من قوله تعالى: {فَزَادَهُمْ إِيمَـٰناً }. المسألة الثالثة: الذين يقولون إن الايمان عبارة لا عن التصديق بل عن الطاعات، وإنه يقبل الزيادة والنقصان، احتجوا بهذه الآية، فانه تعالى نص على وقوع الزيادة، والذين لا يقولون بهذا القول قالوا: الزيادة إنما وقعت في مراتب الايمان وفي شعائره، فصح القول بوقوع الزيادة في الايمان مجازا. المسألة الرابعة: هذه الواقعة تدل دلالة ظاهرة على أن الكل بقضاء الله وقدره، وذلك لأن المسلمين كانوا قد انهزموا من المشركين يوم أحد، والعادة جارية بأنه إذا انهزم أحد الخصمين عن الآخر فانه يحصل في قلب الغالب قوة وشدة استيلاء، وفي قلب المغلوب انكسار وضعف، ثم انه سبحانه قلب القضية ههنا، فأودع قلوب الغالبين وهم المشركون الخوف والرعب، وأودع قلوب المغلوبين القوة والحمية والصلابة، وذلك يدل على أن الدواعي والصوارف من الله تعالى، وإنها متى حدثت في القلوب وقعت الأفعال على وفقها. ثم قال تعالى: {وَقَالُواْ حَسْبُنَا ٱللَّهُ وَنِعْمَ ٱلْوَكِيلُ } والمراد أنهم كلما ازدادوا إيمانا في قلوبهم أظهروا ما يطابقه فقالوا: حسبنا الله ونعم الوكيل. قال ابن الانباري: {حَسْبُنَا ٱللَّهُ } أي كافينا الله، ومثله قول امرىء القيس:شعر : وحسبك من غنى شبع وري تفسير : أي يكفيك الشبع والري، وأما (الوكيل) ففيه أقوال: أحدها: أنه الكفيل. قال الشاعر:شعر : ذكرت أبا أروى فبت كأنني بَرِدِّ الأمور الماضيات وكيل تفسير : اراد كأنني برد الأمور كفيل. الثاني: قال الفراء: الوكيل: الكافي، والذي يدل على صحة هذا القول أن «نعم» سبيلها أن يكون الذي بعدها موافقاً للذي قبلها، تقول: رازقنا الله ونعم الرازق، وخالقنا الله ونعم الخالق، وهذا أحسن من قول من يقول: خالقنا الله ونعم الرازق، فكذا ههنا تقدير الآية: يكفينا الله ونعم الكافي. الثالث: الوكيل، فعيل بمعنى مفعول، وهو الموكول اليه، والكافي والكفيل يجوز أن يسمى وكيلا، لأن الكافي يكون الأمر موكولا إليه، وكذا الكفيل يكون الأمر موكولا إليه. ثم قال تعالى: {فَٱنْقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مّنَ ٱللَّهِ وَفَضْلٍ } وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج والمعنى: وخرجوا فانقلبوا، فحذف الخروج لأن الانقلاب يدل عليه، كقوله: {أية : أَنِ ٱضْرِب بّعَصَاكَ ٱلْبَحْرَ فَٱنفَلَقَ} تفسير : [الشعراء: 63] أي فضرب فانفلق، وقوله: {بِنِعْمَةٍ مّنَ ٱللَّهِ وَفَضْلٍ } قال مجاهد والسدي: النعمة ههنا العافية، والفضل التجارة، وقيل: النعمة منافع الدنيا، والفضل ثواب الآخرة، وقوله: {لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوء } لم يصبهم قتل ولا جراح في قول الجميع {وَٱتَّبَعُواْ رِضْوٰنَ ٱللَّهِ } في طاعة رسوله {وَٱللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ } قد تفضل عليهم بالتوفيق فيما فعلوا، وفي ذلك إلقاء الحسرة في قلوب المتخلفين عنهم وإظهار لخطأ رأيهم حيث حرموا أنفسهم مما فاز به هؤلاء، وروي أنهم قالوا: هل يكون هذا غزوا، فأعطاهم الله ثواب الغزو ورضي عنهم. واعلم أن أهل المغازي اختلفوا، فذهب الواقدي إلى تخصيص الآية الأولى بواقعة حمراء الأسد، والآية الثانية ببدر الصغرى، ومنهم من يجعل الآيتين في وقعة بدر الصغرى، والأول أولى لأن قوله تعالى: {مِن بَعْدِ مَا أَصَـٰبَهُمُ ٱلْقَرْحُ } كأنه يدل على قرب عهد بالقرح، فالمدح فيه أكثر من المدح على الخروج على العدو من وقت إصابة القرح لمسه، والقول الآخر أيضا محتمل. والقرح على هذا القول يجب أن يفسر بالهزيمة، فكأنه قيل: إن الذين انهزموا ثم أحسنوا الأعمال بالتوبة واتقوا الله في سائر أمورهم، ثم استجابوا لله وللرسول عازمين على الثواب موطنين أنفسهم على لقاء العدو، بحيث لما بلغهم كثرة جموعهم لم يفتروا ولم يفشلوا، وتوكلوا على الله ورضوا به كافياً ومعيناً فلهم أجر عظيم لا يحجبهم عنه ما كان منهم من الهزيمة إذ كانوا قد تابوا عنها والله أعلم.
القرطبي
تفسير : اختُلف في قوله تعالى: {ٱلَّذِينَ قَالَ لَهُمُ ٱلنَّاسُ} فقال مُجاهد ومُقاتِل وعِكرمة والكَلْبيّ: هو نُعيم بن مسعود الأشجعيّ. واللّفظ عامّ ومعناه خاص؛ كقوله: {أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ} يعني محمداً صلى الله عليه وسلم. السُّدِّي: هو أعرابيّ جُعِل له جُعْل على ذلك. وقال ٱبن إسحاقَ وجماعةٌ: يريد بالناس ركْبَ عبدِ القيس، مَرُّوا بأبي سفيان فدسّهم إلى المسلمين ليثبّطوهم. وقيل: الناس هنا المنافقون. قال السُّدِّي: لما تجهّز النبيّ صلى الله عليه وسلم وأصحابُه للمسير إلى بَدْرٍ الصغرى لميعاد أبي سفيان أتاهم المنافقون وقالوا: نحن أصحابكم الذين نهيناكم عن الخروج إليهم وعصيتمونا، وقد قاتلوكم في دياركم وظَفِروا؛ فإن أتيتموهم في ديارهم فلا يرجع منكم أحد. فقالوا: «حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ». وقال أبو مَعْشر: دخل ناس من هُذيل من أهل تِهامة المدينةَ، فسألهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أبي سفيان فقالوا: {قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ} جموعاً كثيرة {فَٱخْشَوْهُمْ} أي فخافوهم وٱحذروهم؛ فإنه لا طاقة لكم بهم. فالناس على هذه الأقوال على بابه من الجمع. والله أعلم. قوله تعالى: {فَزَادَهُمْ إِيمَاناً} أي فزادهم قولُ الناس إيماناً، أي تصديقاً ويقيناً في دينهم، وإقامةً على نُصرتهم، وقوّةً وجراءة واستعداداً. فزيادة الإيمان على هذا هي في الأعمال. وقد اختلف العلماء في زيادة الإيمان ونقصانه على أقوال. والعقيدة في هذا على أن نفس الإيمان الذي هو تاجٌ واحدٌ، وتصديق واحد بشيء مّا، إنما هو معنًى فَرْدٌ، لا يدخل معه زيادة إذا حصل، ولا يبقى منه شيء إذا زال؛ فلم يبق إلا أن تكون الزيادة والنقصان في متعلَّقاته دون ذاته. فذهب جمع من العلماء إلى أنه يزيد وينقص من حيث الأعمال الصادرة عنه، لا سيما أن كثير من العلماء يوقعون ٱسم الإيمان على الطاعات؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : الإيمان بضع وسبعون باباً فأعلاها قول لا إلۤه إلا اللَّهُ وأدناها إماطة الأذى عن الطريق»تفسير : أخرجه الترمذيّ، وزاد مسلم «حديث : والحياء شُعْبَةٌ من الإيمان»تفسير : وفي حديث عليّ رضي الله عنه: حديث : إن الإيمان ليبدو لُمَظَةً بيضاء في القلب، كلما ٱزداد الإيمان ٱزدادت اللُّمَظَةتفسير : . وقوله «لمظة» قال الأصمعيّ: اللمظة مثل النُّكْتة ونحوها من البياض؛ ومنه قيل: فرس ألْمَظ، إذا كان بجَحْفَلته شيء من بياض. والمحدّثون يقولون «لمظة» بالفتح. وأما كلام العرب فبالضم؛ مثل شُبهة ودهمة وخُمرة. وفيه حُجّةٌ على من أنكر أن يكون الإيمان يزيد وينقص. ألا تراه يقول؛ كلما ٱزداد النفاق ٱسودّ القلب حتى يسودّ القلب كلّه. ومنهم من قال: إن الإيمان عَرَض، وهو لا يَثْبُتُ زمانين؛ فهو للنبيّ صلى الله عليه وسلم وللصُّلحاء متعاقب، فيزيد باعتبار توالي أمثاله على قلب المؤمن، وباعتبار دوام حضوره. وينقص بتوالي الغَفَلات على قلب المؤمن. أشار إلى هذا أبو المعالي. وهذا المعنى موجود في حديث الشفاعة، حديثِ أبي سعيد الخُدْرِيّ أخرجه مسلم. وفيه: «حديث : فيقول المؤمنون يا ربَّنا إخواننا كانوا يصومون ويُصلّون ويَحجُّون فيُقال لهم أخرجوا من عرفتم فتُحَرَّم صُورهُم على النار فيُخرجون خلقاً كثيراً قد أخذت النار إلى نِصفِ ساقَيْه وإلى رُكبتيه ثم يقولون رَبَّنا ما بَقِيَ فيها أحدٌ ممن أمرتنا به فيقول ٱرْجعوا فمن وجدتم في قلبه مِثقالَ دينار من خير فأخرجوه فيُخرِجون خلقاً كثيراً ثم يقولون رَبَّنا لم نَذَرْ فيها أحداً ممن أمرتنا ثم يقول ٱرجعوا فمن وجدتم في قلبه مِثقَال نِصفِ دِينار من خير فأخرجوه فيُخرجون خلقاً كثيراً ثم يقولون رَبَّنا لم نَذَرْ فيها ممن أمرتنا أحداً ثم يقول ٱرجِعوا فمن وجدتم في قلبه مِثقَال ذَرَّةٍ من خير فأخرجوه» تفسير : وذكر الحديث. وقد قيل: إن المراد بالإيمان في هذا الحديث أعمالُ القلوب؛ كالنّية والإخلاص والخوف والنصيحة وشبه ذلك. وسمّاها إيماناً لكونها في محل الإيمان أو عنى بالإيمان، على عادة العرب في تسمية الشيء باسم الشيء إذا جاوره، أو كان منه بسبب. دليل هذا التأويل قولُ الشافعين بعد إخراج من كان في قلبه مثقالُ ذرّة من خير: «لم نَذَرْ فيها خيراً» مع أنه تعالى يُخرج بعد ذلك جموعاً كثيرة ممن يقول لا إلۤه إلا الله، وهم مؤمنون قطعاً؛ ولو لم يكونوا مؤمنين لما أخرجهم. ثم إن عُدِم الوجود الأوّل الذي يُرَكَّب عليه المِثْل لم تكن زيادةٌ ولا نقصان. وقُدّر ذلك في الحركة. فإن الله سبحانه إذا خَلق علْماً فَرْداً وخلق معه مِثْلَه أو أمثالَه بمعلومات فقد زاد علمه؛ فإن أعدم الله الأمثال فقد نقص، أي زالت الزيادة. وكذلك إذا خلق حركة وخلق معها مثلها أو أمثالها. وذهب قوم من العلماء إلى أن زيادة الإيمان ونقصَه إنما هو من طريق الأدلة، فتزيد الأدلّة عند واحد فيقال في ذلك: إنها زيادة في الإيمان؛ وبهذا المعنى ـ على أحد الأقوال ـ فُضّل الأنبياء على الخلق، فإنهم عَلِموه من وجوه كثيرة، أكثر من الوجوه التي علمه الخلق بها. وهذا القول خارج عن مقتضى الآية؛ إذ لا يُتصوّر أن تكون الزيادة فيها من جهة الأدلة. وذهب قوم: إلى أن الزيادة في الإيمان إنما هي بنزول الفرائض والأخبار في مدّة النبيّ صلى الله عليه وسلم، وفي المعرفة بها بعد الجهل غابرَ الدّهر. وهذا إنما هو زيادة إيمان؛ فالقول فيه إنّ الإيمان يزيد قول مَجازِيّ، ولا يُتصوّر فيه النقص على هذا الحدّ، وإنما يتصوّر بالإضافة إلى من عُلِم. فاعلم. قوله تعالىٰ: {وَقَالُواْ حَسْبُنَا ٱللَّهُ وَنِعْمَ ٱلْوَكِيلُ} أي كافينا الله. وحسب مأخوذ من الإحساب، وهو الكفاية. قال الشاعر:شعر : فتملأ بيتنا إقْطاً وَسَمْناً وَحَسْبُكَ من غِنًى شِبَعٌ ورِيُّ تفسير : روى البخاريّ عن ابن عباس قال في قوله تعالىٰ: {ٱلَّذِينَ قَالَ لَهُمُ ٱلنَّاسُ إِنَّ ٱلنَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ} ـ إلى قوله: ـ {وَقَالُواْ حَسْبُنَا ٱللَّهُ وَنِعْمَ ٱلْوَكِيلُ} قالها إبراهيم الخليل عليه السَّلام حين ألْقِيَ في النَار. وقالها محمد صلى الله عليه وسلم حين قال لهم الناس: إن الناس قد جمعوا لكم. والله أعلم.
المحلي و السيوطي
تفسير : {ٱلَّذِينَ } بدل من (الذين) قبله أو نعت {قَالَ لَهُمُ ٱلنَّاسُ } أي نعيم بن مسعود الأشجعي {إِنَّ ٱلنَّاسَ } أبا سفيان وأصحابه {قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ } الجموع ليستأصلوكم {فَٱخْشَوْهُمْ } ولا تأتوهم {فَزَادَهُمُ } ذلك القول {إِيمَٰناً } تصديقاً بالله ويقيناً {وَقَالُواْ حَسْبُنَا ٱللَّهُ } كافينا أمرهم {وَنِعْمَ ٱلْوَكِيلُ } المفوَّض إليه الأمر هو، وخرجوا مع النبي صلى الله عليه وسلم فوافوا سوق بدر وألقى الله الرعب في قلب أبي سفيان وأصحابه فلم يأتوا وكان معهم تجارات فباعوا وربحوا. قال الله تعالى:
ابن عطية
تفسير : {الذين} صفة للمحسنين المذكورين، وهذا القول هو الذي قاله الركب من عبد القيس لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، حين حملهم أبو سفيان ذلك، وقد ذكرته قبل، فــ {الناس} الأول ركب عبد القيس و {الناس} الثاني عسكر قريش، وقوله تعالى: {فزادهم إيماناً}، أي ثبوتاً واستعداداً، فزيادة الإيمان في هذا هي في الأعمال، وأطلق العلماء عبارة: أن الإيمان يزيد وينقص، والعقيدة في هذا أن نفس الإيمان الذي هو تصديق واحد بشيء ما، إنما هو معنى فرد لا تدخله زيادة إذا حصل، ولا يبقى منه شيء إذا زال، فلم يبق إلا أن تكون الزيادة والنقص في متعلقاته دون ذاته فذهب بعض العلماء إلى أنه يقال: يزيد وينقص من حيث تزيد الأعمال الصادرة عنه وتنقص، لا سيما أن كثيراً من العلماء يوقعون اسم الإيمان على الطاعات، وذهب قوم: إلى أن الزيادة في الإيمان إنما هي بنزول الفروض والإخبار في مدة النبي صلى الله عليه وسلم، وفي المعرفة بها بعد الجهل غابر الدهر وهذا إنما زيادة إيمان إلى إيمان، فالقول فيه إن الإيمان يزيد وينقص قول مجازي ولا يتصور النقص فيه على هذا الحد وإنما يتصور الأنقص بالإضافة إلى الأعلم، وذهب قوم من العلماء: إلى أن زيادة الإيمان ونقصه إنما هي من طريق الأدلة، فتزيد الأدلة عند واحد، فيقال في ذلك: إنها زيادة في الإيمان، وهذا كما يقال في الكسوة، إنها زيادة في الإيمان، وذهب أبو المعالي في الإرشاد: إلى أن زيادة الإيمان ونقصانه إنما هو بثبوت المعتقد وتعاوره دائباً، قال: وذلك أن الإيمان عرض وهو لا يثبت زمانين فهو للنبي صلى الله عليه وسلم وللصلحاء متعاقب متوال، وللفاسق والغافل غير متوال، يصحبه حيناً ويفارقه حيناً في الفترة، فذلك الآخر أكثر إيماناً، فهذه هي الزيادة والنقص وفي هذا القول نظر، وقوله تعالى: {فزادهم إيماناً} لا يتصور أن يكون من جهة الأدلة، ويتصور في الآية الجهات الأخر الثلاث، وروي أنه لما أخبر الوفد من عبد القيس رسول الله صلى الله عليه وسلم بما حملهم أبو سفيان، وأنه ينصرف إليهم بالناس ليستأصلهم، وأخبر بذلك أيضاً أعرابي، شق ذلك على المسلمين فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: قولوا {حسبنا الله ونعم الوكيل} فقالوا واستمرت عزائمهم على الصبر ودفع الله عنهم كل سوء، وألقى الرعب في قلوب الكفار فمروا. وقوله تعالى: {فانقلبوا بنعمة من الله وفضل} يريد في السلامة والظهور في اتباع العدو وحماية الحوزة، وبفضل في الأجر الذي حازوه والفضل الذي تجللوه، وباقي الآية بين قد مضت نظائره، هذا هو تفسير الجمهور لهذا الآية، وأنها غزوة -أحد- في الخرجة إلى حمراء الأسد وشذ مجاهد رحمه الله فقال: إن هذه الآية من قوله: {الذين قال لهم الناس} إلى قوله: {فضل عظيم} إنما نزلت في خروج النبي عليه السلام إلى بدر الصغرى، وذلك أنه خرج لميعاد أبي سفيان في - أحد - إذ قال: موعدنا بدر من العام المقبل، فقال النبي عليه السلام: قولوا نعم: فخرج رسول الله قبل بدر وكان بها سوق عظيم، فأعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه دراهم وقرب من بدر فجاءه نعيم بن مسعود الأشجعي فأخبره أن قريشاً قد اجتمعت وأقبلت لحربه هي ومن انضاف إليها، فأشفق المسلمون من ذلك لكنهم قالوا: {حسبنا الله ونعم الوكيل}، وصممو حتى أتوا بدراً فلم يجدوا عدواً ووجدوا السوق فاشتروا بدراهمهم أدماً وتجارة وانقلبوا ولم يلقوا كيداً وربحوا في تجارتهم، فذلك قوله تعالى: {بنعمة من الله وفضل} أي فضل في تلك التجارة، والصواب ما قاله الجمهور: إن هذه الآية نزلت في غزوة حمراء الأسد، وما قال ابن قتيبة وغيره: من أن لفظة {الناس} على رجل واحد من هذه الآية، فقول ضعيف.
ابن عبد السلام
تفسير : {النَّاسُ} الأول: أعرابي جعل له على ذلك جُعْل، أو نعيم بن مسعود الأشجعي، {النَّاسَ} الثاني: أبو سفيان وأصحابه أراد ذلك بعد رجوعه من أُحد سنة ثلاث فوقع في قلوبهم الرعب فكفوا، أو في بدر الصغرى سنة أربع بعد أُحد بسنة.
الخازن
تفسير : قوله عز وجل: {الذين قال لهم الناس} هذه الآية متعلقة بالآية التي قبلها لأن المراد بالذين من تقدم ذكره وهم الذين استجابوا لله والرسول وفي المراد بالناس وجوه أحدها: أنه نعيم بن مسعود الأشجعي فيكون اللفظ عاماً أريد به الخاص وإنما جاز إطلاق لفظ الناس على الإنسان الواحد لأن ذلك الواحد إذا فعل فعلاً أو قال قولاً ورضي به غيره حسن إضافة ذلك الفعل والقول إلى الجماعة وإن كان الفاعل واحداً فهو كقوله تعالى: {أية : وإذ قتلتم نفساً} تفسير : [البقرة: 72] والقاتل واحد والوجه الثاني أن المراد بالناس الركب من عبد القيس قاله ابن عباس ومحمد بن إسحاق. الوجه الثالث أن المراد بالناس المنافقون وذلك أنهم لما رأوا النبي صلى الله عليه وسلم يتجهز لميعاد أبي سفيان نهوا أصحابه عن الخروج معه وقالوا لهم إن القوم قد أتوكم في دياركم فقتلوا الأكثر منكم فإن خرجتم إليهم لم يبق أحد منكم {إن الناس} يعني أبا سفيان وأصحابه من رؤساء المشركين {قد جمعوا لكم} يعني الجموع الكثيرة لأن العرب تسمى الجيش جمعاً ويجمعونه جموعاً {فاخشوهم} أي فخافوهم واحذروهم فإنه لا طاقة لكم بهم {فزادهم إيماناً} يعني فزاد المسلمين ذلك التخويف تصديقاً ويقيناً وقوة في دينهم وثبوتاً على نصر نبيهم صلى الله عليه وسلم وفي هذه الآية دليل لمن يقول بزيادة الإيمان ونقصانه لأن الله تعالى نص على وقوع الزيادة في الإيمان {وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل} أي كافينا الله هو يكفينا أمرهم فهو كقول امرئ القيس. وحسبك من غني شبع. وروي أي يكفيك الشبع والري ونعم الوكيل يعني ونعم الموكول إليه في الأمور كلها وقيل الوكيل هو الكافي يكفينا الله ونعم الكافي هو. وقيل الوكيل هو الكفيل ووكيل الرجل في ماله هو الذي كفله وقام به والوكيل في صفة الله تعالى هو الكفيل بأرزاق العباد ومصالحهم وأنه الذي يستقل بأمورهم كلها (خ) عن ابن عباس قال في قوله تعالى: {إن الناس قد جمعوا لكم} إلى قوله {وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل} قالها إبراهيم حين ألقي في النار وقالها محمد صلى الله عليه وسلم حين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم. قوله تعالى: {فانقلبوا} أي فانصرفوا ورجعوا بعد خروجهم والمعنى وخرجوا فانقلبوا فحذف الخروج لأن الانقلاب يدل عليه {بنعمة من الله} أي بعافية لم يلقوا عدواً {وفضل} أي تجارة وربح وهو ما أصابوا في سوق بدر من الربح وقيل النعمة منافع الدنيا والفضل ثواب الآخرة {لم يمسسهم سوء} أي لم يصيبهم أذى ولا مكروه من قتل وجراح {واتبعوا رضوان الله} يعني في طاعة الله وطاعة رسوله وقيل إنهم قالوا هل يكون هذا غزواً فأعطاهم الله ثواب الغزو ورضي عنهم بمجرد خروجهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم {والله ذو فضل عظيم} يعني أنه تعالى تفضل عليهم بالتوفيق لما فعلوا وقيل تفضل عليهم بإلقاء الرعب في قلوب المشركين حتى رجعوا.
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {ٱلَّذِينَ قَالَ لَهُمُ ٱلنَّاسُ إِنَّ ٱلنَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ...} الآية: «الذين»: صفةٌ للمحسنين، وهذا القولُ هو الذي قاله الركْبُ مِنْ عَبْدِ القَيْسِ لرسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وأصحابه حِينَ حَمَّلَهُمْ أبُو سُفْيَانَ ذلكَ، «فالنَّاسُ» الأوَّلُ هُمُ الرَّكْبُ، و «النَّاسُ» الثَّانِي عَسْكَر قُرَيْش؛ هذا قول الجمهورِ، وهو الصوابُ، وقولُ مَنْ قال: إن الآية نزلَتْ في خروجِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم إلى بَدْرٍ الصُّغْرَىٰ لميعاد أبي سُفْيان، و {إِنَّ ٱلنَّاسَ} هنا هو نُعيْمُ بْنُ مسعودٍ ــــ قولٌ ضعيفٌ، وعن ابنِ عَبَّاسٍ؛ أنه قال: «حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الوَكِيلُ» قَالَهَا إبْرَاهِيمُ ـــ عليه السلام ـــ، حينَ أُلْقِيَ فِي النَّارِ، وقَالَها محمَّد صلى الله عليه وسلم حِينَ قَالُوا: {إِنَّ ٱلنَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَٱخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَـٰناً وَقَالُواْ حَسْبُنَا ٱللَّهُ وَنِعْمَ ٱلْوَكِيلُ}، رواه مسلمٌ. والبخاريُّ. انتهى.
ابن عادل
تفسير : في قوله: "الذين" ما تقدم في: "الذين" قبله، إلا في رفعه بالابتداء. وهذه الآية نزلت في غزوة بدر الصُّغْرَى، حديث : روى ابن عباسٍ أن أبا سفيانَ لما عزم على أن ينصرف من المدينة إلى مَكَّةَ - قال: يا محمدُ موعدنا موسم بدر الصغرى، فنقتتل بها - إن شِئْتَ - فقال صلى الله عليه وسلم لعمر: قُلَ: بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ ذَلِكَ - إنْ شَاءَ الله - فلما كان العام المقبل، خرج أبو سفيان في أهل مكةَ، حتى نزل "مجنة" من ناحية "مَرِّ الظهران" فألقى الله تعالى الرُّعب في قلبه، فبدا له أن يرجعَ فلقي نُعَيم بن مسعود الأشْجَعِيّ - وقد قَدِم معتمراً - فقال أبو سفيان: يا نعيمُ، إني واعدتُ محمداً وأصحابه أن نلتقي بموسم بدرٍ، وإن هذا عام جَدْبٍ، ولا يُصْلِحُنا إلا عام نَرْعَى فيه الشجر ونشرب فيه اللبنَ، وقد بدا لي أن لا أخرج إليها، ولكن إن خَرَجَ مُحَمّدٌ - ولم أخرُجْ - زاد بذلك جُرْأةً، وَلأنْ يكونَ الخُلْفُ من قِبَلِهِمْ أحَبُّ إليّ من أنْ يكون من قِبَلي، فالْحَق بالمدينة فَثَبِّطْهُمْ، ولك عندي عشرةٌ من الإبل، أضعها على يد سُهَيْلِ بْنِ عمرو ويضمنها. قال: فجاء سُهَيلٌ، فقال له نعيمٌ: يا أبا يزيدَ أتضمنُ لي هذه القلائصَ، فأنطلق إلى مُحَمَّدٍ فأثبطه؟ قال: نَعَمْ، فخرج نُعَيْمٌ، حتى أتى المدينة، فوجد المسلمين يتجهَّزون لميعاد أبي سفيان، فقال: أين تريدون؟ فقالوا: واعَدَنَا أبو سفيان لموسم بدر الصُّغْرَى أن نقتتل بها، فقال: بئس الذي رأيتم، أتَوْكُمْ في دياركم وقراركم، فلم يفلت منكم إلا الشريد، أفتريدون أن تخرجوا إليهم؟ فإن ذهبتم إليهم لم يرجع منكم أحد، وقد جمعوا لكم عند الموسم. فوقع هذا الكلام في قلوب بعضهم، فلما عرفوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك قال: "والذي نفسُ محمدٍ بيده لأخرجنّ إليهم ولو وحدي". فأما الجبان فإنه رجع، وأما الشُّجَاعُ فإنه تأهَّبَ للقتالِ، وقالوا "حسبنا الله ونعم الوكيل". ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه نحو سبعين رجلاً - فيهم ابنُ مسعود حتى وافَوْا بدر الصغرى - وهي ماء لِبَني كنانةَ، وكانت موضعٍ سوقٍ لهم، يجتمعون فيه كل عام ثمانية أيام - ولم يَلْقَ رسولُ الله - وأصحابه أحداً من المشركين ووافقوا السوق، وكانت معهم نفقاتٌ وتجاراتٌ، فباعوا واشتروا أدماً وزبيباً، وأصابوا بالدرهم درهمين، وانصرفوا إلى المدينة سالمين غانمين. ورجع أبو سفيان إلى مكة، وسَمَّى أهل مكة جيشه جيش السويق، وقالوا: إنما خرجتم لتشربوا السويق. تفسير : هذا سبب نزول الآية. والمراد بـ "الناس" نُعَيم بن مسعود - في قول مجاهد وعكرمة - فهو من العامِّ الذي أرِيدَ به الخاصّ، كقوله تعالى: {أية : أَمْ يَحْسُدُونَ ٱلنَّاسَ} تفسير : [النساء: 54] يعني محمداً وحده، وإنما جاز إطلاقُ لفظِ "الناس" على الواحد؛ لأن الإنسانَ الواحدَ إذا كان له أتباع يقولون مثل قوله، أو يَرْضَونَ بقوله فإنه يحسن - حينئذٍ - إضافة ذلك الفعل إلى الكل، قال تعالى: {أية : وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَٱدَّارَأْتُمْ فِيهَا} تفسير : [البقرة: 72] وقال: {أية : وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَىٰ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى ٱللَّهَ جَهْرَةً} تفسير : [البقرة: 55] وهم لم يفعلوا ذلك، وإنما فعله أسلافهم، إلا أنهم لما تابعوهم وصوَّبوا فِعْلَهُمْ، حَسُن إضافة ذلك إليهم. وقال ابنُ عَبَّاس، ومحمد بن إسحاقَ، وجماعة: أراد بالنّاسِ: الرَّكْبَ من بني عبد القيسِ "قد جمعوا لكم" يعني أبا سفيان وأصحابه. وقال السُّدِّيُّ: هم المنافقون، قالوا للمسلمين - حين تجهزوا للمسير إلى بدر لميعاد أبي سفيان -: القوم قد أَتَوْكُمْ في دياركم، فقتلوا أكثركم، فإن ذَهَبْتُمْ إليهم لم يَبْقَ منكم أحدٌ، لا سيما وقد جمعوا لكم جَمْعاً عظيماً "فاخشوهم" أي: فخافوهم. قوله: {فَزَادَهُمْ إِيمَاناً} في فاعل "فزادهم" ثلاثة أوجهٍ: الأول - وهو الأظهرُ -: أنه ضميرٌ يعود على المصدر المفهوم من "قال" أي فزادهم القول بكيتَ وكيتَ إيماناً، كقوله: {أية : ٱعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ} تفسير : [المائدة: 8]. الثاني: أنه يعود على المقول - الذي هو {إِنَّ ٱلنَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَٱخْشَوْهُمْ} كأنه قيل: قالوا لهم هذا الكلام فزادهم إيماناً. الثالث: أنه يعود على "الناس" إذا أريد به فَرْدٌ واحد - كما نُقِل في سبب النزول - وهو نعيم بن مسعود الأشْجَعِيّ. واستضعف أبو حيّان الوجهين الأخيرَيْنِ، قال: "وهما ضعيفانِ؛ من حيثُ إنّ الأولَ لا يزيد إيماناً إلا النطقُ به، لا هو في نفسه، ومن حيثُ إنَّ الثاني إذا أطلقَ على المفرد لفظ الجمع مجازاً فإن الضمائر تجري على ذلك الجمع، لا على المفرد. تقول: مفارقه شابت - باعتبار الإخبار عن الجمع - ولا يجوز: مفارقة شاب - باعتبار: مَفْرِقُهُ شَابَ". قال شهابُ الدّين: وفيما قاله نَظَر؛ لأن المقولَ هو الذي في الحقيقة حصل به زيادة الإيمان - وأما قولُهُ: تجري على الجمع، لا على المفرد، فغير مُسَلَّم، ويعضده أنهم نَصُّوا على أنه يجوز اعتبار لفظ الجمع الواقع موقع المُثَنَّى تارةً، ومعناه تارةً أخْرَى، فأجازوا: رؤوس الكبشينِ قطعتهن، وقطعتهما، وإذا ثبت ذلك في الجمع الواقع موقع المثنى، فليَجز في الواقع موقع المفرد. ولقائلٍ أن يفرق بينهما، وهو أنه إنما جاز أن يراعى معنى التثنية - المعبِّر عنها بلفظ الجمع - لقربها منه؛ من حيثُ إنّ كلاً منهما فيه ضم شيء إلى مثله. بخلاف المفرد، فإنه بعيدٌ من الجمع؛ لعدم الضمِّ، فلا يلزمُ من مراعاة معنى التثنية في ذلك مراعاة معنى المفردِ. فصل قال أبو العَبّاس المُقْرئ: لفظ "الوكيل" في القرآن على وجهينِ: الأول: بمعنى المانع - كهذه الآية - ومثله قوله: {أية : فَمَن يُجَادِلُ ٱللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ أَمْ مَّن يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً} تفسير : [النساء: 109] أي: مانعاً. الثاني: بمعنى: الشاهدِ، قال تعالى: {أية : وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلاً} تفسير : [النساء: 81، 132، 171] أي: شهيداً، ومثله قوله: {أية : إِنَّمَآ أَنتَ نَذِيرٌ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ} تفسير : [هود: 12]. أي: شاهد، ومثله: {أية : فَلاَ عُدْوَانَ عَلَيَّ وَٱللَّهُ عَلَىٰ مَا نَقُولُ وَكِيلٌ} تفسير : [القصص: 28] أي: شهيد. قوله:{وَقَالُواْ حَسْبُنَا ٱللَّهُ}[آل عمران: 173] عطف "قالوا" على "فزادهم" والجملة بعد القول في محل نَصْب به. قوله: {وَنِعْمَ ٱلْوَكِيلُ} المخصوصُ بالمدحِ، أي: الله تعالى. قوله: {فَٱنْقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ} في متعلق باء "بنعمة" وجهانِ: أحدهما: أنها متعلقة بنفس الفعل على أنها باء التعدية. الثاني: أنها تتعلَّق بمحذوف، على أنَّها حال من الضمير في "انقلبوا" والباء على هذه المصاحبة، كأنه قيل: فانقلبوا ملتبسين بنعمة ومصاحبين لها. والتقدير: وخرجوا فانقلبوا، وحذف الخروجُ؛ لأن الانقلابَ يدل عليه، كقول: {أية : أَنِ ٱضْرِب بِّعَصَاكَ ٱلْبَحْرَ فَٱنفَلَقَ} تفسير : [الشعراء: 63] أي: فضرب فانفلق ومعنى الآية: "فانقلبوا" بعافية، لم يلقوا عدواً "وفضل" تجارة وربح، وهو ما أصابوا من السوق. قوله: {لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوۤءٌ} هذه الجملة في محل نصب على الحال - أيضاً - وفي ذي الحال وجهان: أحدهما: أنه فاعل "انقلبوا" أي: انقلبوا سالمين من السوء. الثاني: أنه الضمير المستكن في "بنعمة" إذا كانت حالاً، والتقدير: فانقلبوا منعَّمينَ بريئينَ من السوء. والعاملُ فيها: العامل في بنعمة فهما حالان متداخلتان، والحال إذا وقعت مضارعاً منفياً بـ "لم" وفيها ضمير ذي الحال جاز دخول الواو وعدمه فمن الأول قوله تعالى: {أية : أَوْ قَالَ أُوْحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ} تفسير : [الأنعام: 93] وقول كعب: [البسيط] شعر : 1691- لا تَأخُذَنِّي بِأقْوالِ الوُشَاةِ وَلَمْ أذْنِبْ وَلَوْ كَثُرَتْ فِيَّ الأقَاوِيلُ تفسير : ومن الثَّاني هذه الآية، وقوله: {أية : وَرَدَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُواْ خَيْراً} تفسير : [الأحزاب: 25] وقول [قيس] بن الأسلت: شعر : 1692- وَأضْرِبُ الْقَوْنَسَ يَوْمَ الْوَغَى بِالسَّيْفِ لَمْ يَقْصُرْ بِهِ بَاعِي تفسير : وبهذا يُعْرَف غَلَط الأستاذ ابن خروف؛ حيث زعم أنّ الواوَ لازَمةٌ في مِثْلِ هَذَا، سواء كان في الجملة ضمير، أو لَمْ يَكُنْ. قوله: {وَٱتَّبَعُواْ} يجوز في هذه الجملة وجهانِ: الأول: أنها عطف على "انقلبوا". الثاني: أنها حال من فاعل "انقلبوا" - أيضاً - ويكون على إضمار "قد" أي: وقد اتبعوا. فصل قال القرطبيُّ: "وقد اختلف العلماء في زيادة الإيمان ونُقْصانه على أقوال، والعقيدة في هذا على أن نفس الإيمان - الذي هو تاج - واحدٌ، وتصديق واحد بشيء ما إنما هو معنى مفرد، لا يدخل معه زيادة إذا حصل، ولا يبقى منه شيء إذا زال، فلم يَبْقَ إلا أن تكون الزيادة والنقصان في متعلقاته، دون ذاتِهِ. ومعنى الآية: زادهم قولُ الناسِ إيماناً ونُصْرَةً ويقيناً في دينهم، وإقامة على نُصْرَته، وقوةً وجرأةً واستعداداً، فزيادة الإيمان - على هذا - هي في الأعمال". قال ابنُ الخطيب: المرادُ بالزيادَةِ في الإيمان أنهم لما سمعوا هذا الكلامَ المخوِّف لم يلتفتوا إليه، بل حدث في قلوبهم عَزْمٌ متأكد على محاربة الكفار وعلى طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم في كل ما يأمر به وينهى عنه - ثقل ذلك أو خَفَّ - لأنه قد كان فيهم مَنْ به جراحاتٌ عظيمةٌ، وكانوا محتاجين إلى المداواةِ، وحدث في قلوبهم وثوق بأنَّ الله ينصره على أعدائهم ويؤيدهم في هذه المحاربة، فهذا هو المراد من قوله: {فَزَادَهُمْ إِيمَاناً}. فصل هذه الواقعةُ تدل دلالة ظاهرةً على أن الكل بقضاء وقَدَره؛ وذلك لأن المسلمين كانوا قد انهزموا من المشركين يوم أحُدٍ، والعادة جارية بأنه إذا انهزم أحد الخصمينِ عن الآخر، فإنه يحصل في قلب الغالب قوة وشدة استيلاء، وفي قلب المغلوب انكسار وضعف، ثم إنه - سبحانه وتعالى - قَلَبَ القضية ها هنا، فأودع قلوبَ الغالبين - وهم المشركونَ - الخوفَ والرعبَ، وأودع قلوبَ المغلوبين القوةَ والحميةَ والصلابةَ، وذلك يدل على أن الدواعي والصوارفَ من الله تعالى، وأنها متى حدثت في القلوبِ وقعت الأفعال على وفقها. ثم قال تعالى: {وَقَالُواْ حَسْبُنَا ٱللَّهُ وَنِعْمَ ٱلْوَكِيلُ} والمعنى: أنهم كلما ازدادوا إيماناً في قلوبهم أظهروا ما يطابقه، فقالوا: {حَسْبُنَا ٱللَّهُ وَنِعْمَ ٱلْوَكِيلُ} قال ابن الأنْبَارِيّ: {حَسْبُنَا ٱللَّهُ} أي: كافينا الله. ومثله قوله امرئ القيس: [الوافر] شعر : 1693- فَتَملأ بِيْتَنَا أقِطاً وَسَمْناً وَحَسْبُكَ مِنْ غَنًى شِبَعٌ وَرِيّ تفسير : أي: يكفيك الشَّبَعُ والرَّيُّ. وأما "الوكيل" ففيه أقوالٌ: أحدُهَا: أنه الكفيل. قال الشاعر: [الطويل] شعر : 1694- ذَكَرْتُ أبَا أروَى فَبِتُّ كَأَنَّنِي بِرَدِّ الأمُورِ الْمَاضِيَاتِ وَكِيلُ تفسير : الثاني: قال الفرّاء: الوكيل: الكافي، والذي يدل على صحة هذا القول أن "نِعْمَ" سبيلها أن يكون الذي بعدها موافقاً قبلها، تقول: رازقنا الله ونعم الرازق، وخالقنا الله ونعم الخالقُ، وهذا أحسنُ من قول مَنْ يقول: خالقنا الله ونعم الرازقُ، فكذا ههنا تقدير الآية: يكفينا الله ونعم الكافي. الثالث: "الوكيل" فعيل بمعنى مفعول، وهو الموكول إليه. والكافي والكفيل يجوز أن يُسَمَّى وكيلاً؛ لأن الكافيَ يكون الأمرُ موكولاً إليه، وكذا الكفيلُ يكون الأمر موكولاً إليه. ثم قال: {فَٱنْقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَفَضْلٍ} قال مجاهدٌ: النعمة - هنا - العافية، والفَضْل: التجارة. وقيل: النعمة: منافع الدنيا، والفَضْل: ثواب الآخرة. قوله: {لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوۤءٌ} أي: لم يصبهم قَتْلٌ ولا جِرَاحٌ - في قول الجميع - {وَٱتَّبَعُواْ رِضْوَانَ ٱللَّهِ} طاعة الله، وطاعة رسوله، {وَٱللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ} قد تفضل عليهم بالتوفيق فيما فعلوا. روي أنهم قالوا: هل يكون هذا غَزْواً؟ فأعطاهم الله ثوابَ الغَزْوِ. واختلف أهْلُ المغازي، فذهب الواقديُّ إلى تخصيص الآية الأولى بـ "حمراء الأسد" والثانية بـ "بدر الصغرى". ومنهم مَنْ جَعَل الآيتين في واقعة بدرٍ الصُّغْرَى، والأول أوْلَى؛ لأن قوله تعالى: {أية : مِن بَعْدِ مَآ أَصَابَهُمُ ٱلْقَرْحُ} تفسير : [آل عمران: 172] يدل على قُرْب عهدهم بالقَرْح.
البقاعي
تفسير : ولما كان قول نعيم بن مسعود أو ركب عبد القيس عند الصحابة رضي الله عنهم صدقاً لا شك فيه لما قام عندهم من القرائن، فكان بمنزلة المتواتر الذي تمالأ عليه الخلائق، وكانت قريش أعلى الناس شجاعة وأوفاهم قوة وأعرقهم أصالة فكانوا كأنهم جميع الناس، كان التعبير - بصيغة في قوله: {الذين قال لهم الناس} أي نعيم أو ركب عبد القيس {إن الناس} يعني قريشاً {قد جمعوا لكم فاخشوهم} أمدح للصحابة رضي الله عنهم من التعبير عمن أخبرهم ومن جمع لهم بخاص اسمه أو وصفه. ولما كان الموجب لأقدامهم على اللقاء بعد هذا القول الذي لم يشكوا في صدقه ثبات الإيمان وقوة الإيقان قال تعالى: {فزادهم} أي هذا القول {إيماناً} لأنه ما ثناهم عن طاعة الله ورسوله {وقالوا} ازدراء بالخلائق اعتماداً على الخالق {حسبنا} أي كافينا {الله} أي الملك الأعلى في القيام بمصالحنا. ولما كان ذلك هو شأن الوكيل وكان في الوكلاء من يذم قال: {ونعم الوكيل *} أي الموكول إليه المفوض إليه جميع الأمور؛ روى البخاري في التفسير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: " حديث : هذه الكلمة قالها إبراهيم عليه السلام حين ألقي في النار، وقالها محمد صلى الله عليه وسلم حين قالوا: إن الناس قد جمعوا لكم. وقال: كان آخر كلمة قالها إبراهيم عليه السلام حين ألقي في النار: حسبي الله ونعم الوكيل ". تفسير : ولما كان اعتمادهم على الله سبباً لفلاحهم قال {فانقلبوا} أي فكان ذلك سبباً لأنهم انقلبوا، أي من الوجه الذي ذهبوا فيه مع النبي صلى الله عليه وسلم {بنعمة} وعظمها بإضافتها إلى الاسم الأعظم فقال: {من الله} أي الذي له الكمال كله {وفضل} أي من الدنيا ما طاب لهم من طيب الثناء بصدق الوعد ومضاء العزم وعظيم الفناء والجرأة إلى ما نالوه. عند ربهم حال كونهم {لم يمسسهم سوء} أي من العدو خوفوه ولا غيره {واتبعوا} أي مع ذلك بطاعتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم بغاية جهدهم {رضوان الله} أي الذي له الجلال والجمال فحازوا أعظم فضله {والله} أي الذي لا كفوء له {ذو فضل عظيم *} أي في الدارين على من يرضيه، فستنظرون فوق ما تؤملون، فليبشر المجيب ويغتم ويحزن المتخلف، ولعظم الأمر كرر الاسم الأعظم كثيراً. ولما جزاهم سبحانه على أمثال ذلك بما وقع لهم من فوزهم بالسلامة والغنيمة بفضل من حاز أوصاف الكمال وتنزه عن كل نقص بما له من رداء الكبرياء والجلال، ورغبهم فيما لديه لتوليهم إياه، أتبع ذلك بما يزيدهم بصيرة من أن المخوف لهم مَن كيده ضعيف وأمره هين خفيف واهٍ سخيف وهو الشيطان، وساق ذلك مساق التعليل لما قبله من حيازتهم للفضل وبعدهم عن السوء بأن وليهم الله وعدوهم الشيطان فقال التفاتاً إليهم بزيادة في تنشيطهم أو تشجيعهم وتثبيتهم: {إنما ذلكم} أي القائل الذي تقدم أنه الناس {الشيطان} أي الطريد البعيد المحترق. ولما نسب القول إليه لأنه الذي زينه لهم حتى أشربته القلوب وامتلأت به الصدور، كان كأنه قيل: فماذا عساه يصنع؟ فقال: {يخوف} أي يخوفكم {أولياءه} لكنه أسقط المفعول الأول إشارة إلى أن تخويفه يؤول إلى خوف أوليائه، لأنه أولياء الرحمن إذا ثبتوا لأجله أنجز لهم ما وعدهم من النصرة على أولياء الشيطان، وإلى أن من خاف من تخويفه وعمل بموجب خوفه ففيه ولاية له تصحح إضافته إليه قلت أو كثرت. ولما كان المعنى أنه يشوش بالخوف من أوليائه، تسبب عنه النهي عن خوفهم فقال: {فلا تخافوهم} أي لأن وليهم الشيطان {وخافون} أي فلا تعصوا أمري ولا تتخلفوا أبداً عن رسولي {إن كنتم مؤمنين *} أي مباعدين لأولياء الشيطان بوصف الإيمان. ولما مدح سبحانه وتعالى المسارعين في طاعته وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم وختم ذلك بالنهي عن الخوف من أولياء الشيطان، أعقبه بذم المسارعين في الكفر والنهي عن الحزن من أجلهم. ولما كان أكثر الناس - كالمنافقين الراجعين عن أحد، ثم المقاتلين القائلين: هل لنا من الأمر من شيء - أرجفوا إلى أبي عامر وعبد الله بن أبيّ لأخذ الأمان من أبي سفيان، ثم ركب عبد القيس أو نعيم بن مسعود، ثم من استجاب من أهل المدينة وأرجف بما قالوا في ثبط المؤمنين، وكان ذلك مما يخطر بالبال تمادي أيام الكفر وأهله غالبِين، ويقدح في رجاء قصر مدته، ويوجب الحزن على ذلك، قال تعالى قاصراً الخطاب على أعظم الخلق وأشفقهم وأحبهم في صلاحهم {ولا يحزنك الذين يسارعون} أي يسرعون إسراع من يسابق خصماً {في الكفر} ثم علل ذلك بقوله: {إنهم لن يضروا الله} أي الذي له جميع العظمة {شيئاً} أي دينه بإذلال أنصاره والقائمين به، وحذف المضاف تفخيماً له وترغيباً فيه حيث جعله هو المضاف إليه. ولما نفى ما خيف من أمرهم كان مظنة السؤال عن الحاكم لهم على المسارعة فقيل جواباً: {يريد الله} أي الذي له الأمر كله {ألاّ يجعل لهم حظاً} أي نصيباً {في الآخرة} ولما كانت المسارعة في ذلك عظيمة ختمت الآية بقوله: {ولهم عذاب عظيم *} قد عم جميع ذواتهم، لأن المسارعة دلت على أن الكفر قد ملأ أبدانهم ونفوسهم وأرواحهم. ولما كان قبول نعيم وركب عبد القيس لذلك الجعل الذي هو من أسباب الكفر شرى الكفر بالإيمان عقب بقوله: {إن الذين اشتروا الكفر} أي فأخذوه {بالإيمان} أي فتركوه، وأكد نفي الضرر وأبده فقال: {لن يضروا الله} أي الذي لا كفوء له {شيئاً} لما يريد سبحانه وتعالى من الإعلاء للإسلام وأهله، وختمها بقوله: {ولهم عذاب أليم *} لما نالوه من لذة العوض في ذلك الشرى كما هي العادة في كل متجدد من الأرباح والفوائد. ولما كان مما اشترى به الكفر رجوع المنافقين عن أحد الذي كان سبباً للإملاء لهم قال سبحانه وتعالى: {ولا يحسبن الذين كفروا} أي بالله ورسوله {إنما نملي} أي أن إملاءنا أي إمهالنا وإطالتنا {لهم خير لأنفسهم} ولما نفى عنهم الخير بهذا النهي تشوفت النفس إلى ما لهم فقال: {أنما نملي لهم} أي استدراجاً {ليزدادوا إثماً} وهو جميع ما سبق العلم الأزلي بأنهم يفعلونه، فإذا بلغ النهاية أوجب الأخذ. ولما كان الرجوع المسفر عن السلامة مظنة لعزهم في هذه الدار الفانية عند من ظن حسن ذلك الرأي؛ عوضوا عنه الإهانة الدائمة فقال سبحانه وتعالى: {ولهم عذاب مهين *}.
التستري
تفسير : فقوله تعالى: {وَقَالُواْ حَسْبُنَا ٱللَّهُ وَنِعْمَ ٱلْوَكِيلُ}[173] أي نعم الكفيل بأرزاقنا ونعم الرب. كقوله تعالى: {أية : أَلاَّ تَتَّخِذُواْ مِن دُونِي وَكِيلاً} تفسير : [الإسراء:2] أي: رباً.
القشيري
تفسير : لم يلتَبِسْ على ظواهرهم شيءٌ مِنْ أحوال الدنيا إلا انفتحت لهم - في أسرارهم - طوالع من الكشوفات، فازدادوا يقيناً على يقين. ومن أمارات اليقين استقلالُ القلوب بالله عند انقطاع المُنَى مِن الخَلْق في توهم الإنجاد والإعانة.
اسماعيل حقي
تفسير : {الذين قال لهم الناس} يعنى الركب استقبلوهم من عبد قيس او نعيم بن مسعود الاشجعى واطلاق الناس عليه لما انه من جنسهم وكلامه كلامهم يقال فلان يركب الخيل ويلبس الثياب وماله سوى فرس فرد وغير ثوب واحد او لانه انضم اليه ناس من المدينة واذاعوا كلامه {ان الناس} يعنى ابا سفيان واصحابه {قد جمعوا لكم} اى اجتمعوا {فاخشوهم} ـ روى ـ ان ابا سفيان لما عزم على ان ينصرف من المدينة الى مكة نادى يا محمد موعدنا موسم بدر الصغرى لقابل نقتتل بها ان شئت فقال صلى الله عليه وسلم "حديث : ان شاء الله " .تفسير : فلما كان القابل خرج ابو سفيان فى اهل مكة حتى نزل مر الظهران فالقى الله فى قلبه الرعب وبدا له ان يرجع فمر به ركب من بنى عبد قيس يريدون المدينة للميرة فشرط لهم حمل بعير من زبيب ان ثبطوا المسلمين او لقى نعيم بن مسعود وقد قدم معتمرا فقال يا نعيم انى واعدت محمدا أن نلتقى بموسم بدر الا ان هذا العام عام جدب ولا يصلحنا الا عام نرعى فيه الشجر ونشرب فيه اللبن وقد بدا لى ان ارجع ولكن ان خرج محمد ولم اخرج زاده ذلك جراءة فاذهب الى المدينة فثبطهم ولك عندى عشرة من الابل وضمنها سهيل بن عمرو فجاء نعيم المدينة فوجد المسلمين يتجهزون للخروج فقال لهم ما هذا بالرأى اتوكم فى دياركم فلم يفلت منكم احد اى لم يتخلص الا شريد وهو الفار النافر المبعد أفترون ان تخرجوا وقد جمعوا لكم فان ذهبتم اليهم لم يرجع منكم أحد فاثر هذا الكلام فى قلوب قوم منهم فلما عرف رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك منهم قال "حديث : والذى نفسى بيده لاخرجن ولولم يخرج معى احد فخرج فى سبعين راكبا كلهم يقولون حسبنا الله ونعم الوكيل " .تفسير : {فزادهم} القول {ايمانا} والمعنى لم يلتفتوا الى ذلك بل ثبت به يقينهم بالله وازداد اطمئنانهم واظهروا حمية الاسلام واخلصوا النية عنده {وقالوا حسبنا الله} اى محسبنا وكافينا من احسبه اذا كفاه {ونعم الوكيل} اى الموكول اليه هو اى الله.
ابن عجيبة
تفسير : قلت: الموصول بدل من الموصول قبله، و {يخوف}: يتعدى إلى مفعولين؛ للتضعيف، حذف الأول، أي: يخوفكم أوليائه من الكفار، أو حذف الثاني، أي: يخوف أولياءه القاعدين عن الخروج إلى ملاقاة العدو. وهنا تفسيران: أحدهما: أن يكون من تتمة غزوة أحد، وهو الظاهر، ليتصل الكلام بما بعده، وذلك أن أبا سفيان لما هَمّ بالرجعة ليستأصل المسلمين، لقيه معبد الخزاعي، فقال له: إن محمداً خرج يطلبك في جمع لم أرَ مثله، فدخله الرعب، فلقيه ركب من عبد القيس يريد المدينة بالميرة، فقال لهم: ثبطوا محمداً عن لحوقنا، ولكم حمل بعير من الزبيب، فلما لقوا المسلمين خوفوهم، فقال: {حسبنا الله ونعم الوكيل}، ومضوا حتى بلغوا حمراء الأسد ثم رجعوا، فعلى هذا: يقول الحقّ جلّ جلاله: {الذين قال لهم الناس} وهم ركب عبد قيس حيث قالوا للمسلمين: {إن الناس} يعني أبا سفيان ومن معه، {قد جمعوا لكم} ليرجعوا ليستأصلوكم {فاخشوهم} وارجعوا إلى دياركم {فزادهم} ذلك {إيماناً} ويقيناً وتثبيتاً في الدين، وهذا يدل على أن الإيمان يزيد وينقص، فيزيد بحسب التوجه إلى الله والتفرغ مما سواه، وينقص بحسب التوجه إلى الدنيا وشغبها، ويزيد أيضاً بالطاعة والنظر والاعتبار، وينقص بالمعصية والغفلة والاغترار. ولما قال لهم الركب ذلك؛ ليخوفهم، {قالوا حسبنا الله} أي: كافينا الله وحده، فلا نخاف غيره، {ونعم الوكيل} أي: نعم من يتوكل عليه العبد، وهي كلمة يدفع بها ما يخاف ويكره، وهي الكلمة التي قالها إبراهيم حين ألقي في النار، {فانقلبوا} راجيعن من حمراء الأسد، متلبسين {بنعمة من الله} وهي العافية والسلامة، {وفضل} وهي زيادة الإيمان وشدة الإيقان، {لم يمسسهم سوء} من جراحة وكيد عدو، {واتبعوا رضوان الله}، الذي هو مناط الفوز بخير الدارين، {والله ذو فضل عظيم}، فقد تفضل عليهم بالتثبيت وزيادة الإيمان، والتوفيق إلى المبادرة إلى الجهاد مع الرسول صلى الله عليه وسلم الذي هو موجب الرضوان. ثم حذَّرهم الحق تعالى ممن ثبّطهم عن اللحوق بالكافر، وهو ركب عبد القيس، تشبيهاً لهم بالشيطان، فقال: {إنما ذلكم الشيطان} يخوفكم أولياءه من المشركين، أو {يخوف أولياءه} القاعدين من المنافقين {فلا تخافوهم}؛ فإن أمرهم بيدي، {وخافوا إن كنتم مؤمنين}؛ فإن الإيمان يقتضي إيثار خوف الله على خوف الناس. التفسير الثاني: أن يكون الكلام على غزوة بدر الصغرى،: وذلك أن أبا سفيان لما انصرف من أُحد نادى: يا محمد، موعدنا بدرٌ لقابل، إن شئت، فقال صلى الله عليه وسلم:"حديث : إن شاء الله تعالى"تفسير : ، فلما كان العام القابل، خرج أبو سفيان من أهل مكة، حتى نزل مرّ الظهران، فأنزل الله الرعب في قلبه، وبدا له أن يرجع، فلقي نُعيم بن مسعود الأشجعي معتمراً، فقال له: ائت المدينة وأعلمهم أنّا في جمع كثير، وثبطهم عن الخروج، ولك عندي عشر من الإبل، فأتى المدينة فأخبرهم، فكره أصحابُ النبيّ صلى الله عليه وسلم الخروج، فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم:"حديث : والذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لأَخْرجَنّ، ولو وَحْدِي"تفسير : . فرجع الجَبان وتأهب الشجعان، فخرجوا حتى أتوا بدراً الصغرى، ورجع أبو سفيان إلى مكة، فسموا جيش السويق، ووافق المسملون السوق ببدر، وكانت معهم تجارات فباعوا وربحوا، وانصرف النبيّ صلى الله عليه وسلم إلى المدينة. فعلى هذا، يقول الحقّ جلّ جلاله: {الذين استجابوا لله والرسول}، يعني: في غزوة بدر الصغرى، لميعاد أبي سفيان، {من بعد ما أصابهم القرح} يعني: في غزوة أحد في العام الأول، {للذين أحسنوا منهم} بالخروج مع الرسول، {واتقوا} الله في مخالفته، {أجر عظيم الذين قال لهم الناس} يعني نُعَيْم بن مسعود، وأطلق عليه الناس لأنه من جنسهم، كما يقال: فلان يركب الخيل، وما يركب إلا فرساً، أو: لأنه انضم إليه ناس من المدينة وأذاعوا كلامه. {إن الناس قد جمعوا لكم} يعني: أبا سفيان وأهل مكة لما خرج إلى مَرّ الظهران. وقوله: {فانقلبوا بنعمة من الله} أي: عافية وسلامة، {وفضل} ما أصابوا من التجارة، وقوله: {إنما ذلكم الشيطان} يعني: نعيماً يخوفكم {أولياءه} والباقي ظاهر. الإشارة: أهل القوة من المريدين إذا قيل لهم: إن الناس قد جمعوا لكم ليردوكم أو يؤذوكم فاخشوهم، زادهم ذلك إيماناً وإيقاناً، وتحققوا أنهم على الجادة، لسلوكهم على منهاج من قبلهم؛{أية : أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُواْ أَن يَقُولُواْ ءَامَنَّا}تفسير : [العَنكبوت: 2] الآية. واكتفوا بعلم الله ونظره وبرعايته ونصره، فانقلبوا بنعمة الشهود، وفضل الترقي في عظمة الملك الودود، لم يمسسهم في باطنهم سوء ولا نقصان، واستوجبوا من الله الرضى والرضوان، وإنما ذلكم شيطان يردهم عن مقام الشهود والعيان، فلا ينبغي لهم أن يخافوا ومطلبهم مقام الإحسان، الذي تُبْذل في طلبه الأرواح والأبدان. وبالله التوفيق.
الطوسي
تفسير : المعنى: وقيل في المعني بقوله: {الناس} الأول ثلاثة أقوال: أولها - قال ابن عباس، وابن اسحاق: انهم ركب دسهم أبو سفيان إلى المسلمين ليجبنوهم عند منصرفهم من أحد لما أرادوا الرجوع إليهم وقال السدي: هو اعرابي ضمن له جعل على ذلك. وقال الواقدي هو نعيم بن مسعود الاشجعي وهو قول أبي جعفر وأبي عبد الله (ع). وقوله: {إن الناس قد جمعوا لكم} المعني به أبو سفيان وأصحابه - في قول أكثر المفسرين - وقال مجاهد: انما كان ذلك في بدر الصغرى وهي سنة أربع وكانت أحد في سنة ثلاث من الهجرة. وإنما عبر بلفظ الجميع عن الواحد في قوله: {قال لهم الناس} لأمرين: أحدهما - ان تقديره جاء القول من قبل الناس، فوضع كلام موضع كلام - ذكره الرماني -. والثاني - إن الواحد يقوم مقام الناس، لأن {الإنسان} إذا انتظر قوماً فجاء واحد منهم، قد يقال: جاء الناس إما لتفخيم الشأن، وأما لابتداء الاتيان. وقوله: {فاخشوهم} حكاية عن قول نعيم بن مسعود للمسلمين. يعني اخشوا أبا سفيان، وأصحابه فبين الله تعالى ان ذلك القول زادهم ايماناً وثباتاً على دينهم، واقامة على نصرة نبيهم. وقالوا عند ذلك {حسبنا الله ونعم الوكيل} ومعناه كافينا الله. اللغة، والقصة: وأصله من الحساب، لأن الكفاية بحسب الحاجة، وبحساب الحاجة. ومنه الحسبان وهو الظن. والوكيل: الحفيظ. وقيل: هو الولي. وأصله القيام بالتدبير. والمتولى للشيء قائم بتدبيره، والحافظ له يرجع إلى هذا المعنى. ومعنى الوكيل في صفات الله المتولي للقيام بتدبير خلقه، لأنه مالكهم رحيم بهم. والوكيل في صفة غيره: انما يعقد بالتوكيل. وقال قوم من المفسرين: إن هذا التخويف من المشركين كان في السنة المقبلة، لأن أبا سفيان، لما انصرف يوم أحد، قال موعدكم البدر في العام المقبل. فقال النبي (صلى الله عليه وسلم) لمن حضره: قولوا نعم. فلما كان العام المقبل خرج النبي (صلى الله عليه وسلم) باصحابه، وكان أبو سفيان كره الخروج، فدسّ من يخوف النبي (صلى الله عليه وسلم) وأصحابه لم يسمعوا منهم، وخرجوا إلى بدر فلما لم يحضر أحد من المشركين، رجعوا، وكانوا صادفوا هناك تجارة اشتروها فربحوا فيها، وكان ذلك نعمة من الله. وروى ذلك أبو الجارود عن أبي جعفر (ع).
الجنابذي
تفسير : { ٱلَّذِينَ قَالَ لَهُمُ ٱلنَّاسُ} صفة الّذين استجابوا، او صفة الّذين احسنوا منهم، او مبتدأ خبره فزادهم ايماناً ودخول الفاء فى الخبر لكون المبتدأ متضمّناً معنى الشّرط، او خبره فانقلبوا بنعمة من الله، او خبر مبتدءٍ محذوفٍ، او مبتدأ خبرٍ محذوفٍ، او مفعول فعلٍ محذوفٍ للمدح والمراد بالنّاس نعيم بن مسعود على ما نقل من حكايته او ركب من عبد القيس على ما قيل انّه لقى ابا سفيان بعد ما علم بخروج محمّد (ص) من المدينة على اثرهم ركب من عبد القيس فقال: اين تريدون؟ - فقالوا: نريد المدينة فقال: هل انتم مبلّغون محمّداً (ص) رسالتى واحمل لكم ابلكم هذه زبيباً بعكاظ غداً اذا وافيتمونا؟ - قالوا: نعم، قال: فاذ اجئتموه فأخبروه انّا قد اجمعنا للكرّة عليه وعلى اصحابه لنستأصل بقيّتهم، او المراد بالنّاس منافقوا اصحاب الرّسول (ص) {إِنَّ ٱلنَّاسَ} يعنى ابا سفيان واصحابه {قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَٱخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً} لانّ المتوسّل بالله بعد الاتّصال بخلفائه بسبب الايمان اذا دهمته بليّة يزداد اتّصاله الايمانىّ ويتقوّى توسّله وايمانه {وَقَالُواْ حَسْبُنَا ٱللَّهُ وَنِعْمَ ٱلْوَكِيلُ فَٱنْقَلَبُواْ} من حمراء الاسد او من بدر الصّغرى {بِنِعْمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ} اى مع نعمة من الله وهى عافيتهم من القتال وسلامتهم من اثر الجراح الّذى كان بهم وقوّة من القلب والايمان {وَفَضْلٍ} الشّرف والصّيت وارعاب قلوب الاعداء او بنعمةٍ هى ما أصابوا من التّجارات ببدر {وفضل} هو الرّبح الّذى اصابوه من ضعفى ما كان لهم او بنعمة هو علىّ (ع) {وفضل} هو محمّد (ص) {لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوۤءٌ} لا من عدوّهم ولا من جراحاتهم {وَٱتَّبَعُواْ رِضْوَانَ ٱللَّهِ} حيث امتثلوا امره مع ما بهم من الجراح {وَٱللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ} فيتفضّل عليهم فى الآخرة بما لا حدّ له وما لا عين رأت وفيه تحسير للمتخلّفين وتخطئة لهم وترغيب فى الجهاد.
اطفيش
تفسير : {الَّذِينَ}: نعت آخر للمؤمنين، أو خبر لمحذوف، أو منعوت لمحذوف على المدح. {قَالَ لَهُمُ النَّاسُ}: لهم الركب الذين جاءوا من عبد قيس إلى المسلمين يرهبونهم من أبى سفيان وأصحابه. {إِنَّ النَّاسَ}: هم أبو سفيان وأصحابه. {قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ}: وذلك بعد أحد بعام، أى جمعوا لكم جنود للقتال، أو بمعنى اجتمعوا لكم. {فَاخْشَوْهُمْ}: خافوهم أى اقعدوا عن قتالهم، فإنكم لا تطيقونهم، فإن الخوف ليس كسبياً، فالمراد لازمه، و هو القعود عن القتال، أو تأملوا فيما يتولد منه الخوف منهم، وهو كثرتهم وشدتهم. {فَزَادَهُمْ إِيمَاناً}: أى زادهم قول الناس: إن الناس قد جمعوا لكم أو زادهم جمع الناس لهم، أو زادهم المقول الذى هو: {إن الناس قد جمعوا لكم} وذلك دليل على زيادة الإيمان ونقصه، حديث : قال ابن عمر رضى الله عنه: قلنا يا رسول الله، الإيمان يزيد وينقص؟ قال: "نعم يزيد حتى يدخل صاحبه الجنة، وينقص حتى يدخل صاحبه النار" تفسير : سواء كان بمعنى التصديق فإنه يقوى بزيادة الحجة، أو كان بمعنى الطاعة، وكان عمر يأخذ بيد الرجل فيقول: قم بنا نزدد إيماناً. وعنه: لو وزن إيمان أبى بكر بإيمان هذه الأمة لرجح. {وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللَّهُ} أى فحسبنا أى كافينا، فحسب بمعنى اسم فاعل أحسبه، إذا كفاه مهمه فإضافته إلى مفعوله كإضافة اسم الفاعل للحال أو الاستقبال إلى مفعوله لفظية لا تفيد تعريفاً، ولذلك ينعت به المنكر مضافاً لمعرفة، نحو: هذا رجل حسبك. {وَنِعْمَ الْوَكِيلُ}: أى الموكول إليه، أو الكفيل بما وعد لنا من نصر أو رزق، والمخصوص بالمدح محذوف، أى: ونعم الوكيل هو، أى الله وذلك حديث : أن أبا سفيان نادى عند انصرافه من أحد: يا محمد موعدنا موسم بدر القابل إن شئت؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "نعم إن شاء الله". ولما كان القابل خرج أبو سفيان فى أهل مكة حتى نزل بمر الظهران فى موضع منه يسمى صحبة، فأنزل الله الرعب فى قلبه، وبدا له أن يرجع فمر به ركب من عبد قيس يريدون المدينة للميرة، فشرط لهم حمل بعير من زبيب، إن ثبطوا المسلمين ففعلوا، وقيل: لقى نعيم بن مسعود الأشجعى، وقد قدم معتمراً، فقال: يا نعيم.. إنى واعدت محمداً أن نلتقى بموسم بدر إلا أن هذا العام جدب، لا يصلح لنا إلا عام نرعى فيه الشجر، ونشرب فيه اللبن، وقد بدا لى أن أرجع، ولكن إن خرج محمد ولم أخرج زاده ذلك جرأة ولئن يكون الخلف من قبلهم أحب إلى من أن يكون من قبلى، فاذهب إلى المدينة فثبطهم، وأعلمهم أنى فى جمع كثير لا طاقة لهم به، ولك عندى عشرة من الإبل يضمنها لك سهيل بن عمرو، فجاء نعيم إلى سهيل، فقال: يا أبا زيد أتضمن لى القلائص فأثبط محمداً؟ قال: نعم، فجاء نعيم المدينة فوجد المسلمين يتجهزون. فقال: ما هذا بالرأى، أتوكم فى دياركم، وقتلوا كثيراً منكم. وقيل: قال لم يفلت منكم أحد إلا شريد، فإن ذهبتم إليهم لم يرجع منكم أحد، فأثر هذا الكلام فى قلوب قوم منهم، ولما عرف رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك، قال: "والذى نفس محمد بيده، لأخرجن إليهم ولو وحدى"، ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه نحو سبعين رجلا ووصلوا بدراً، وكانت سوقاً لبنى كنانة فى الجاهلية، يجتمعون فيها كل عام ثمانية أيام، ولم يلق رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه هناك أحداً من المشركين، وسألوا عن أبى سفيان وأصحابه من لقوا من المشركين، فيقولون قد جمعوا لكم، ترهيباً، فقال المسلمون: حسبنا الله ونعم الوكيل. وأتو السوق وكان معهم نفقات وتجارات فباعوا واشتروا أدماً وزبيباً، وربحوا وأصابوا بالدرهم درهمين، وانصرفوا إلى المدينة سالمين غانمين، ورجع أبو سفيان إلى مكة فعير أهل مكة جيشه، وقالوا: إنما خرجتم لتشربوا السويق، وهذه بدر الصغرىتفسير : ، فقيل: سميت الصغرى لخروج الجنود إليها بدون أن يقع القتال وهو الموضع المسمى بدراً الكبرى لوقوع القتال فيه، وقيل: هما موضعان، والذى يسبق إليه عقلى الأول وما ذكر من القصة، وكون القائل أن الناس قد جمعوا لكم - نعيم - هو قول ابن عباس وعكرمة ومجاهد وابن اسحاق، قيل وهو ضعيف والجمهور على ما ذكر من القصة إلا أن القائل عندهم ركب عبد القيس، فهم الناس فى قوله تعالى {الذَيِنَ قَالَ لَهُمُ النَّاس} ونسبه بعض إلى ابن عباس وابن اسحاق، ومن قال: القائل نعيم، يقول هو القائل، ويقول إنه أطلق عليه لفظ الناس لأنه من الناس، عما تقول فلا يركب الخيل وما له إلا فرس واحد، لأنه إن قولا رضى به غيره، وقد قيل: انضم إليه ناس من أهل المدينة وأذاعوا كلامه، فالناس هو لأنهم تبعوه، أو هو وهم. وقد قيل: المراد بالناس فى قوله تعالى: {الذين قال الناس}: المنافقون لما رأوا النبى صلى الله عليه وسلم يتجهز لميعاد أبى سفيان، أنه نهوا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخروج معه، وقالوا: إن القوم أتوكم فى دياركم فقتلوا الأكثر منكم، وإن خرجتم لم يبق أحد منك وكانت بعد أحد غزوة تسمى غزوة حمراء الأسد، وذلك أن أبا سفيان وأصحابه لما رجعوا من أحد، فبلغوا الروحاء ندموا على انصرافهم وتلاوموا، فقالوا: لا محمداً استأصلتم ولا الكواعب أردفتم. أى: لم تسبوا كواعبهم، فتردفوهون معكم فى الدواب، قتلتموهم حتى إذا لم يبق إلا الشريد تركتموهم، ارجعوا فاستأصلوهم، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأراد أن يرهب العدو ويريهم من نفسه وأصحابه قوة، وأنه لم يهنهم ما أصابهم، فندب أصحابه للخروج فى طلب أبى سفيان وأصحابه، فانتدب قوما منهم مع ما بهم من الجروح والقروح، طلباً للأجر، ونادى منادى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا لا يخرجن معنا أحد إلا من حضرنا بالأمس فخرج معه القوم وهو سبعون رجلا منهم ابو بكر وعمر، وعثمان، وعلى، وطلحة، والزبير، وسعد، وسعيد، وعبد الرحمن بن عوف، وأبو عبيدة بن الجراح، وعبد الله ابن مسعود، وحذيفة بن اليمان، حتى بلغوا حمراء الأسد، وهى على ثمانية أميال من المدينة، وألقى الله الرعب فى قلوب المشركين فذهبوا قبل أن يصل المسلمون حمراء الأسد، وقيل: لما بلغوا فى ذى الحليفة جعل الأعراب والناس يقولون لهم: إن أبا سفيان مائل عليكم بالناس، وليست هذه القصة من تفسير الآية، ولما ندبهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلى غزوة حمراء الأسد، قال جابر بن عبد الله: يا رسول الله إن أبى كان خلفنى على أخرات لى سبع، وقال لى يا بنى إنه لا ينبغى لى ولك أن نترك هذه النسوة ولا رجل فيهن، ولست أوثرك على نفسى بالجهاد مع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فتخلف على إخواتك، فتخلفت عليهن، فأذن له رسول الله صلى الله عليه وسلم، نعم يجوز أن يكون هؤلاء السبعون المنتدبون إلى حمراء الأسد هو المراد بقوله تعالى: {أية : الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح} تفسير : على أن يكون {الذين} مبتدأ وخبره {أية : للذين أحسنوا منهم واتقوا أجر عظيم} تفسير : على أن الاستجابة مطاوعتهم رسول الله، صلى الله عليه وسلم، إلى حمراء الأسد فحينئذ يصح أن تكون {من} للتبعيض فيكون كاشتراط على مطلق البعض، أيا كان أن يكون متقياً ومحسناً، فيكون {الذين قال لهم الناس}: هم المسلمون عند الله - على ما مر - أن لفظ الذين نعتاً آخر للفظ المؤمنين أو خبر لمحذوف أو مفعولا لمحذوف، وهم المراد، ويدل لذلك ما روى أن عائشة رضى الله عنها قالت لعروة: يا ابن أختى، كان أبوك من الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح، الزبير وأبو بكر، إلا أنى لم أفسر الآية فى هذا بكل ما ذكرت عائشة أنه منهم، والغيب يعلمه الله ولست أحجر على الغيب، ولكن تعبدنا الولاية والبراءة، قالت رضى الله عنها لما أصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أصاب يوم أحد فانصرف المشركون: خاف أن يرجعوا فقال: من يذهب فى أثرهم؟ فانتدب منهم سبعين رجلا كان فيهم أبو بكر، والزبير، فمر برسول الله صلى الله عليه وسلم معبد الخزاعى بحمراء الأسد، وكانت خزاعة مسلمهم وكافرهم عوناً لرسول الله صلى الله عليه وسلم بتهامة لا يخفون عنه شبابها، ومعبد يومئذ مشرك، فقال: يا محمد لقد عز علينا ما أصابك فى أصحابك ولوددنا أن الله شفاك فيهم. ثم خرج معبد من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى لقى أبا سفيان ومن معه بالروحاء، وقد أجمعوا على الرجعة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا: قد أصبنا جل أصحابه، ولنكرن على بقيتهم، ولنفرغن منهم. وقال لمعبد: ما وراءك يا معبد؟ قال: محمد قد خرج فى أصحابه يطلبكم فى جمع لم أر مثله قط يتحرقون عليكم تحرقاً، وقد اجتمع معه من تخلف عنه فى يومكم، وندموا على ما صنعوا، وفيهم من الحنق عليكم شئ لم أر مثله قط. قال أبو سفيان: ويلك ما تقول؟ قال: والله ما ترحل حتى ترى نواصى الخيل. قال: فوالله لقد أجمعنا الكرة عليهم لنستأصل بقيتهم فقال: والله إنى أنهاك عن ذلك فوالله لقد حملنى ما رأيت على أن قلت أبياتاً. قال: وما قلت؟ قال: قلت.. شعر : كادت تهد الأصوات راحلتى إذ سالت الأرض بالجرد الأبابيل تودى بأسد كرام لا تنابلة عند اللقاء ولا ميل معازيل فقلت: ويل ابن حرب من لقائكم إذا تغمطت البطحاء بالْخِيلِ إنى نذير لأهل البسل قاطبة لكل ذى أربة منهم ومعقول من جيش أحمد لا جيش يقابله وليس يوصف ما أنذرت بالقيل تفسير : فساء ذلك أبا سفيان ومن معه، وحينئذ مر ركب من عبد القيس، فقال: أين تريدون؟ قالوا: نريد المدينة لأجل الميرة؟ قال: فهل أنتم مبلغون عنا رسالة وأحمل لكم إبلكم زبيباً بعكاظ إذا وافيتموه وأخبرتموه أنا قد أجمعنا السير إليه نستأصل بقيتهم، فانصرف أبو سفيان إلى مكة، ومر الركب إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وهو بحمراء الأسد فأخبره بالذى قال أبو سفيان، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : حَسْبنا الله ونعم الوكيل" تفسير : ثم انصرف صلى الله عليه وسلم، راجعاً إلى المدينة بعد ثلاث ليال قال ابن عباس رضى الله عنهما، قال إبراهيم الخليل حين ألقى فى النار: "حسبنا الله ونعم الوكيل". وقاله رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه حين قيل لهم: {أية : إنَّ الناسَ قّدْ جَمَعُوا لكم}تفسير : وكان سبباً لهم فى النعمة والفضل كما دلت عليه فاء السببية فى قوله تعالى: {فَانْقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ}.
الالوسي
تفسير : فقوله تعالى: {ٱلَّذِينَ قَالَ لَهُمُ ٱلنَّاسُ إِنَّ ٱلنَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَٱخْشَوْهُمْ } بدل من {أية : ٱلَّذِينَ ٱسْتَجَابُواْ } تفسير : [آل عمران: 172] أو صفة، والمراد من الناس الأول: ركب عبد قيس، ومن الثاني: أبو سفيان ومن معه فأل فيهما للعهد والناس الثاني غير الأول. / وروي عن مجاهد. وقتادة. وعكرمة. وغيرهم أنهم قالوا: والخبر متداخل نزلت هذه الآيات في غزوة بدر الصغرى، وذلك حديث : أن أبا سفيان قال يوم أحد حين أراد أن ينصرف: يا محمد موعد ما بيننا وبينك موسم بدر القابل إن شئت فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ذلك بيننا وبينك إن شاء الله تعالى فلما كان العام المقبل خرج أبو سفيان في أهل مكة حتى نزل مجنة من ناحية مر الظهران، وقيل: بلغ عسفان فألقى الله تعالى عليه الرعب فبدا له الرجوع فلقي نعيم بن مسعود الأشجعي وقد قدم معتمراً فقال له أبو سفيان: إني واعدت محمداً وأصحابه أن نلتقي بموسم بدر وأن هذه عام جدب ولا يصلحنا إلا عام نرعى فيه الشجر ونشرب فيه اللبن وقد بدا لي وأكره أن يخرج محمد ولا أخرج أنا فيزيدهم ذلك جرأة فالحق المدينة فتثبطهم ولك عندي عشرة من الإبل أضعها على يدي سهيل بن عمرو فأتى نعيم المدينة فوجد الناس يتجهزون لميعاد أبـي سفيان فقال لهم: بئس الرأي رأيكم أتوكم في دياركم وقراركم فلم يفلت منكم إلا شريد فتريدون أن تخرجوا إليهم وقد جمعوا لكم عند الموسم فوالله لا يفلت منكم أحد فكره أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الخروج فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده لأخرجن ولو وحدي» فخرج ومعه سبعون راكباً يقولون: حسبنا الله ونعم الوكيل حتى وافى بدراً فأقام بها ثمانية أيام ينتظر أبا سفيان وقد انصرف أبو سفيان ومن معه من مجنة إلى مكة فسماهم أهل مكة جيش السويق يريدون أنكم لم تفعلوا شيئاً سوى شرب السويق ولم يلق رسول الله صلى الله عليه وسلم أحداً من المشركين فكر راجعاً إلى المدينةتفسير : ، وفي ذلك يقول عبد الله بن رواحة أو كعب بن مالك:شعر : وعدنا أبا سفيان وعداً فلم نجد لميعاده صدقاً وما كان وافياً فأقسم لو وافيتنا فلقيتنا لأبت ذميماً وافتقدت المواليا تركنا به أوصال عتبة وابنه وعمراً أبا جهل تركناه ثاوياً عصيتم رسول الله أف لدينكم وأمركم الشيء الذي كان غاوياً وإني وإن عنفتموني لقائل فدى لرسول الله أهلي وماليا أطعناه لم نعدله فينا بغيره شهاباً لنا في ظلمة الليل هادياً تفسير : فعلى هذا المراد من الناس الأول نعيم، وأطلق ذلك عليه كما يطلق الجمع واسم الجمع المحلى بأل الجنسية على الواحد منه مجازاً كما صرحوا به، أو باعتبار أن المذيعين له كالقائلين لهم لكن في كون القائل نعيماً مقال. وقد ذكره ابن سعد في «طبقاته»، وذكر بعضهم أن القائلين أناس من عبد قيس. {فَزَادَهُمْ إِيمَـٰناً } الضمير المستكن للمقول أو لمصدر قال أو لفاعله إن أريد به نعيم وحده، أو لله تعالى، وتعقب أبو حيان ((الأول بأنه ضعيف من حيث إنه لا يزيد إيماناً إلا النطق به لا هو في نفسه، وكذا الثالث بأنه إذا أطلق على المفرد لفظ الجمع مجازاً فإن الضمائر تجري على ذلك الجمع لا على المفرد فيقال: مفارقه شابت باعتبار الإخبار عن الجمع، ولا يجوز مفارقه شاب باعتبار مفرقه شاب))، وفي كلا التعقيبين نظر، أما الأول: فقد نظر فيه الحلبـي بأن المقول هو الذي في الحقيقة حصل به زيادة الإيمان، وأما الثاني: فقد نظر فيه السفاقسي بأنه لا يبعد جوازه بناءاً على ما علم من استقراء كلامهم فيما له لفظ وله معنى من اعتبار اللفظ تارة والمعنى أخرى. والمراد أنهم لم يلتفتوا إلى ذلك بل ثبت به يقينهم بالله تعالى وازدادوا طمأنينة واظهروا حمية الإسلام. / واستدل بذلك من قال: إن الإيمان يتفاوت زيادة ونقصاناً وهذا ظاهر إن جعلت الطاعة من جملة الإيمان وأما إن جعل الإيمان نفس التصديق والاعتقاد فقد قالوا في ذلك: إن اليقين مما يزداد بالألف وكثرة التأمل وتناصر الحجج بلا ريب، ويعضد ذلك أخبار كثيرة، ومن جعل الإيمان نفس التصديق وأنكر أن يكون قابلاً للزيادة والنقصان يؤول ما ورد في ذلك باعتبار المتعلق، ومنهم من يقول: إن زيادته مجاز عن زيادة ثمرته وظهور آثاره وإشراق نوره وضيائه في القلب ونقصانه على عكس ذلك، وكأن الزيادة هنا مجاز عن ظهور الحمية وعدم المبالاة بما يثبطهم، وأنت تعلم أن التأويل الأول هنا خفي جداً لأنه لم يتجدد للقوم بحسب الظاهر عند ذلك القول شيء يجب الإيمان به كوجوب صلاة أو صوم مثلاً ليقال: إن زيادة إيمانهم باعتبار ذلك المتعلق وكذا التزام التأويل الثاني في الآيات والآثار التي لم تكد تتمنطق بمنطقة الحصر بعيد غاية البعد. فالأولى القول بقبول الإيمان الزيادة والنقصان من غير تأويل، وإن قلنا: إنه نفس التصديق وكونه إذا نقص يكون ظناً أو شكاً ويخرج عن كونه إيماناً وتصديقاً مما لا ظن ولا شك في أنه على إطلاقه ممنوع. نعم قد يكون التصديق بمرتبة إذا نزل عنها يخرج عن كونه تصديقاً وذاك مما لا نزاع لأحد في أنه لا يقبل النقصان مع بقاء كونه تصديقاً، وإلى هذا أشار بعض المحققين. {وَقَالُواْ حَسْبُنَا ٱللَّهُ } أي محسبنا وكافينا من أحسبه إذا كفاه، والدليل على أن حسب بمعنى محسب اسم فاعل وقوعه صفة للنكرة في هذا رجل حسبك مع إضافته إلى ضمير المخاطب فلولا أنه اسم فاعل وإضافته لفظية لا تفيده تعريفاً كإضافة المصدر ما صح كونه صفة لرجل كذا قالوا، ومنه يعلم أن المصدر المؤل باسم الفاعل له حكمه في الإضافة، والجملة الفعلية معطوفة على الجملة التي قبلها. {وَنِعْمَ ٱلْوَكِيلُ } أي الموكول إليه ففعيل بمعنى مفعول والمخصوص بالمدح محذوف هو ضميره تعالى، والظاهر عطف هذه الجملة الإنشائية على الجملة الخبرية التي قبلها، والواو إما من الحكاية أو من المحكي فإن كان الأول وقلنا بجواز عطف الإنشاء على الإخبار فيما له محل من الإعراب لكونهما حينئذٍ في حكم المفردين فأمر العطف ظاهر من غير تكلف التأويل لأن الجملة المعطوف عليها في محل نصب مفعول قالوا لكن القول بجواز هذا العطف بدون التأويل عند الجمهور ممنوع لا بد له من شاهد ولم يثبت. وإن كان الثاني وقلنا بجواز عطف الإنشاء على الإخبار مطلقاً ـ كما ذهب إليه الصفار ـ أو قلنا: بجواز عطف القصة على القصة أعني عطف حاصل مضمون إحدى الجملتين على حاصل مضمون الأخرى من غير نظر إلى اللفظ ـ كما أشار إلى ذلك العلامة الثاني ـ فالأمر أيضاً ظاهر، وإن قلنا: بعدم جواز ذلك ـ كما ذهب إليه الجمهور ـ فلا بد من التأويل إما في جانب المعطوف عليه أو في جانب المعطوف، والذاهبون إلى الأول قالوا: إن الجملة الأولى وإن كانت خبرية صورة لكن المقصود منها إنشاء التوكل أو الكفاية لا الإخبار بأنه تعالى كاف في نفس الأمر، والذاهبون إلى الثاني اختلفوا فمنهم من قدر قلنا أي ـ وقلنا نعم الوكيل ـ. واعترض بأنه تقدير لا ينساق الذهن إليه ولا دلالة للقرينة عليه مع أنه لا يوجد بين الإخبار بأن الله تعالى كافيهم والإخبار بأنهم قالوا ـ نعم الوكيل ـ مناسبة معتد بها يحسن بسببها العطف بينهما، ومنهم من جعل مدخول الواو معطوفاً على ما قبله بتقدير المبتدأ إما مؤخراً لتناسب المعطوف عليه فإن حسبنا خبر، والله مبتدأ بقرينة ذكره في المعطوف عليه ومجىء حذفه في الاستعمال وانتقال الذهن إليه، وإما مقدماً رعاية لقرب المرجع مع ما سبق. / واعترض بأنه لا يخفى أنه بعد تقدير المبتدأ لو لم يؤل ـ نعم الوكيل ـ بمقول في حقه ذلك تكون الجملة أيضاً إنشائية إذ الجملة الإسمية التي خبرها إنشاء إنشائية كما أن التي خبرها فعل فعلية بحسب المعنى كيف لا ولا فرق بين ـ نعم الرجل زيد، وزيد نعم الرجل ـ في أن مدلول كل منهما نسبة غير محتملة للصدق والكذب، وبعد التأويل لا يكون المعطوف جملة ـ نعم الوكيل ـ بل جملة متعلق خبرها ـ نعم الوكيل ـ والإشكال إنما هو في عطف ـ نعم الوكيل ـ إلا أن يقال يختار هدّا، ويقال: الجواب عن شيء قد يكون بتقرير ذلك الشيء وإبداء شيء آخر وقد يكون بتغيير ذلك الشيء، وما هٰهنا من الثاني فمن حيث الظاهر المعطوف هو جملة ـ نعم الوكيل ـ فيعود الإشكال، ومن حيث الحقيقة هو جملة هو مقول فلا إشكال لكن يرد أنه بعد التأويل يفوت إنشاء المدح العام الذي وضع أفعال المدح له بل يصير للإخبار بالمدح الخاص، وهو أنه مقول في حقه ـ نعم الوكيل ـ وأيضاً مقولية المقول المذكور فيه إنما تكون بطريق الحمل والإخبار عنه ـ بنعم الوكيل ـ فلا بدّ من تقدير مقول في حقه مرة أخرى، ويلزم تقديرات غير متناهية وكأنه لهذا لم يؤل الجمهور الإنشاء الواقع خبراً بذلك وإنما هو مختار السعد رحمه الله تعالى، وقد جوز بعضهم على تقدير كون الواو من المحكي عطف ـ نعم الوكيل ـ على حسبنا باعتبار كونه في معنى الفعل كما عطف {جَعَلَ } على {فَالِقُ } في قوله تعالى: {أية : فَالِقُ ٱلإِصْبَاحِ وَجَعَلَ ٱلَّيْلَ سَكَناً } تفسير : [الأنعام: 96] على رأي فحينئذٍ يكون من عطف الجملة التي لها محل من الإعراب على المفرد لأنه إذ ذاك خبر عن المفرد، وبعض المحققين يجوزون ذلك لا من عطف الإنشاء على الإخبار ـ وهذا وإن كان في الحقيقة لا غبار عليه ـ إلا أن أمر العطف على الخبر بناءاً على ما ذكره الشيخ الرضي من أن نعم الرجل بمعنى المفرد وتقديره أي رجل جيد ـ أظهر كما لا يخفى، ومن الناس من ادعى أن الآية شاهد على جواز عطف الإنشاء على الإخبار فيما له محل من الإعراب بناءاً على أن الواو من الحكاية لا غير. ولا يخفى عليك أنه بعد تسليم كون الواو كذلك فيها لا تصلح شاهداً على ما ذكر لجواز أن يكون قالوا مقدراً في المعطوف بقرينة ذكره في المعطوف عليه فيكون من عطف الجملة الفعلية الخبرية، على الجملة الفعلية الخبرية، ثم إن الظاهر كما يقتضي أن يكون في الآية عطف على الإخبار ـ وفيه الخلاف الذي عرفت ـ كذلك يقتضي عطف الفعلية على الاسمية ـ وفيه أيضاً خلاف مشهور كعكسه ـ ومما ذكرنا في أمر الإنشاء والإخبار يستخرج الجواب عن ذلك، وقد أطال العلماء الكلام في هذا المقام وما ذكرناه قليل من كثير ووشل من غدير، ثم إن هذه الكلمة كانت آخر قول إبراهيم عليه السلام حين ألقي في النار كما أخرجه البخاري في «الأسماء والصفات» عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وعبد الرزاق وغيره عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما. وأخرج ابن مردويه عن أبـي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إذا وقعتم في الأمر العظيم فقولوا: (حسبنا الله ونعم الوكيل)»تفسير : ، وأخرج ابن أبـي الدنيا عن عائشة رضي الله تعالى عنها أن حديث : النبـي صلى الله عليه وسلم كان إذا اشتد غمه مسح بيده على رأسه ولحيته ثم تنفس الصعداء وقال: حسبـي الله ونعم الوكيلتفسير : . وأخرج أبو نعيم عن شداد بن أوس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : حسبـي الله ونعم الوكيل أمان كل خائف».
ابن عاشور
تفسير : يجوز أن يكون {الذين قال لهم الناس} إلى آخره، بدلاً من {أية : الذين استجابوا لله والرسول}تفسير : [آل عمران: 172]، أو صفة له، أو صفة ثانية للمؤمنين في قوله: {أية : وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين}تفسير : [آل عمران: 171] على طريقة ترك العطف في الأخبار. وإنَّما جيء بإعادة الموصول، دون أن تعطف الصلة على الصلة، اهتماماً بشأن هذه الصلة الثانية حتّى لا تكون كجزء صلةٍ، ويجوز أن يكون ابتداء كلام مستأنفٍ، فيكون مبتدأ وخبره قوله: {أية : إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه}تفسير : [آل عمران: 175] أي ذلك القول، كما سيأتي. وهذا تخلّص بذكر شأن من شؤون المسلمين كفاهم الله به بأس عدوّهم بعد يَوم أحُد بعامٍ، إنجازاً لوعدهم مع أبي سفيان إذ قال: مَوعدكم بدر في العام القابل، وكان أبو سفيان قد كره الخروج إلى لقاء المسلمين في ذلك الأجل، وكاد للمسلمين ليُظهر إخلاف الوعد منهم ليجعل ذلك ذريعة إلى الإرجاف بين العرب بضعف المسلمين، فجَاعَل ركباً من عبدِ القيس مارينَ بمَرّ الظَّهْرانَ قرب مكّة قاصدين المدينة للميرة، أن يخبروا المسلمين بأنّ قريشاً جمعوا لهم جيشاً عظيماً، وكان مع الركب نعيم بن مسعود الأشجعي، فأخبر نعيم ومن معه المسلمين بذلك فزاد ذلك المسلمين استعداداً وحميّة للدين، وخرجوا إلى الموعد وهو بدر، فلم يجدوا المشركين وانتظروهم هنالك، وكانت هنالك سوق فاتّجَرُوا ورجعوا سالمين غير مذمومين، فذلك قوله تعالى: {الذين قال لهم الناس أي الركب العَبْدِيُّون إن الناس قد جمعوا لكم} أي إنّ قريشاً قد جمعوا لكم. وحذف مفعول {جمعوا} أي جمعوا أنفسهم وعُددهم وأحلافهم كما فعلوا يوم بدر الأول. وقال بعض المُفسّرين وأهل العربية: إنّ لفظ الناس هنا أطلق على نُعيم بن مسعود وأبي سفيان، وجعلوه شاهداً على استعمال الناس بمعنى الواحد والآية تحتمله، وإطلاق لفظ الناس مراداً به واحد أو نحوه مستعمل لقصد الإبهام، ومنه قوله تعالى: {أية : أم يحسدون الناس على ما ءاتاهم الله من فضله}تفسير : [النساء: 54] قال المفسّرون: يعني بـ(الناس) محمداً صلى الله عليه وسلم. وقوله: {فزادهم إيماناً} أي زادهم قول الناس، فضمير الرفع المستتر في {فزادهم} عائد إلى القول المستفاد من فعل {قال لهم الناس} أو عائد إلى الناس، ولمّا كان ذاك القول مراداً به تخويف المسلمين ورجوعهم عن قصدهم. وحصل منه خلاف ما أراد به المشركون، جُعل ما حصل به زائداً في إيمان المسلمين. فالظاهر أنّ الإيمان أطلق هنا على العمل، أي العزم على النصر والجهاد، وهو بهذا المعنى يزيد وينقص. ومسألة زيادة الإيمان ونقصه مسألة قديمة، والخلاف فيها مبنيّ على أنّ الأعمال يطلق عليها اسم الإيمان، كما قال تعالى: {أية : وما كان اللَّه ليضيع إيمانكم}تفسير : [البقرة: 143] يعني صَلاتكم. أمّا التَّصديق القلبي وهو عقد القلب على إثبات وجود الله وصفاته وبعثة الرسل وصدق الرسول، فلا يقبل النقص، ولا يقبل الزيادة، ولذلك لا خلاف بين المسلمين في هذا المعنى، وإنّما هو خلاف مبني على اللفظ، غير أنّه قد تقرّر في علم الأخلاق أنّ الاعتقاد الجازم إذا تكررت أدلّته، أو طال زمانه، أو قارنته التجارب، يزداد جلاء وانكشافاً، وهو المعبّر عنه بالمَلَكة، فلعلّ هذا المعنى ممّا يراد بالزيادة، بقرينة أنّ القرآن لم يطلق وصف النقص في الإيمان بل ما ذكر إلا الزيادة، وقد قال إبراهيمُ عليه السلام: {أية : بلى ولكن ليطمئنّ قلبي}تفسير : [البقرة: 260] وقولهم: {حسبنا الله ونعم الوكيل} كلمة لعلّهمُ ألهموها أو تلقّوها عن النبي صلى الله عليه وسلم وحسب أي كاف، وهو اسم جامد بمعنى الوصف ليس له فعل، قالوا: ومنه اسمه تعالى الحَسيب، فهو فعيل بمعنى مُفعل. وقيل: الإحساب هو الإكفاء، وقيل: هو اسم فعل بمعنى كفى، وهو ظاهر القاموس. وردّه ابن هشام في توضيحه بأنّ دخول العوامل عليه نحو {فإنّ حسبك الله}، وقولهم: بحسبك درهم، ينافي دعوى كونه اسم فعل لأنّ أسماء الأفعال لا تدخل عليها العوامل، وقيل: هو مصدر، وهو ظاهر كلام سيبويه. وهو من الأسماء اللازمة للإضافة لفظاً دون معنى، فيبنى على الضمّ مثل: قبلُ وبعدُ، كقولهم: اعطه درهمين فَحَسْبُ، ويتجدّد له معنى حينئذ فيكون بمعنى لا غير. وإضافته لا تفيده تعريفاً لأنّه في قوة المشتقّ ولذلك توصف به النكرة، وهو ملازم الإفراد والتذكير فلا يثنّى ولا يجمعُ ولا يؤنّث لأنّه لجموده شابَه المصدر، أو لأنّه لمّا كان اسم فعل فهو كالمصدر، أو لأنّه مصدر، وهو شأن المصادر، ومَعناها: إنّهم اكتفوا بالله ناصراً وإن كانوا في قِلّة وضعف. وجملة {ونعم الوكيل} معطوفة على {حسبنا الله} في كلام القائلين، فالواو من المحكي لا من الحكاية، وهو من عطف الإنشاء على الخبر الذي لا تطلب فيه إلا المناسبة. والمخصوص بالمدح محذوف لتقدّم دليله. و {الوكيل} فعيل بمعنى مفعول أي موكول إليه. يقال: وكل حاجته إلى فلان إذا اعتمد عليه في قضائها وفوّض إليه تحصيلها، ويقال للذي لا يستطيع القيام بشؤونه بنفسه: رَجل وَكَل ـــ بفتحتين ـــ أي كثير الاعتماد على غيره، فالوكيل هو القائم بشأن من وكّله، وهذا القيام بشأن الموكِّل يختلف باختلاف الأحوال الموكّل فيها، وبذلك الاختلاف يختلف معنى الوكيل، فإن كان القيام في دفع العداء والجور فالوكيل الناصر والمدافع {أية : قل لست عليكم بوكيل}تفسير : [الأنعام: 66]، ومنه {أية : فمن يجادل اللَّه عنهم يوم القيامة أمَّن يكون عليهم وكيلاً}تفسير : [النساء: 109]. ومنه الوكيل في الخصومة، وإن كان في شؤون الحياة فالوكيل الكافل والكافي منه: {أية : أن لا تتخذوا من دوني وكيلاً}تفسير : [الإسراء: 2] كما قال: {أية : وقد جعلتم الله عليكم كفيلاً}تفسير : [النحل: 91] ولذلك كان من أسمائه تعالى: الوكيل، وقولُه: {وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل} ومنه الوكيل على المال، ولذلك أطلق على هذا المعنى أيضاً اسم الكفيل في قوله تعالى: {وقد جعلتم اللَّه عليكم كفيلاً}. وقد حمل الزمخشري الوكيل على ما يشمل هذا عند قوله تعالى: {أية : وهو على كل شيء وكيل}تفسير : في سورة [الأنعام: 102]، فقال: وهو مالك لكلّ شيء من الأرزاق والآجال رقيب على الأعمال. وذلك يدل على أنّ الوكيل اسم جامع للرقيب والحافظ في الأمور التي يُعني الناس بحفظها ورقابتها وادّخارها، ولذلك يتقيّد ويتعمّم بحسب المقامات. وقوله: {فانقلبوا بنعمة من الله} تعقيب للإخبار عن ثبات إيمانهم وقولِهم: حسبنا الله ونعم الوكيل، وهو تعقيب لمحذوف يدلّ عليه فعل {فانقلبوا}، لأنّ الانقلاب يقتضي أنَّهم خرجوا للقاء العدوّ الذي بلغ عنهم أنّهم جمعوا لَهم ولم يَعبأوا بتخويف الشيطان، والتقدير: فخرجوا فانقلبوا بنعمة من الله. والباء للملابسة أي ملابسين لِنعمة وفضل من الله. فالنعمة هي ما أخذوه من الأموال، والفضلُ فضل الجهاد. ومعنى لم يمسسهم سوء لم يلاقوا حرباً مع المشركين. وجملة {إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه} إمّا استئناف بياني إن جَعلتَ قوله: {الذين قال لهم الناس} بدلاً أو صفة كما تقدّم، وإمَّا خبر عن {الذين قال لهم الناس إن جَعلَت قوله: {الذين قال لهم الناس} مبتدأ، والتقدير: الذين قال لهم الناس إلى آخره إنّما مقالهم يخوّف الشيطان به. ورابط هذه الجملة بالمبتدأ، وهو {الذين قال لهم الناس} على هذا التقدير، هو اسم الإشارة، واسم الإشارة مبتدأ. ثم الإشارة بقوله: {ذلكم} إمّا عائد إلى المقال فلفظ الشيطان على هذا مبتدأ ثان، ولفظه مستعمل في معناه الحقيقي، والمعنى: أنّ ذلك المقال ناشىء عن وسوسة الشيطان في نفوس الذين دبّروا مكيدة الإرجاف بتلك المقالة لتخويف المسلمين بواسطة ركب عبد القيس. وإمّا أن تعود الإشارة الى {الناس} من قوله: {قال لهم الناس} لأن الناس مؤوّل بشخص، أعني نُعميا بن مسعود، فالشيطان بدل أو بيان من اسم الإشارة وأطلق عليه لفظ شيطان على طريقة التشبيه البليغ. وقوله: {يخوف أولياءه} تقديره يخوّفكم أولياءه، فحذف المفعول الأول لفعل (يخوّف) بقرينة قوله بعده: {فلا تخافوهم} فإنّ خَوّف يتعدّى إلى مفعولين إذ هو مضاعف خاف المجرّد، وخاف يتعدّى الى مفعول واحد فصار بالتضعيف متعدّياً إلى مفعولين من باب كَسَا كما قال تعالى: {أية : ويحذّركم اللَّه نفسه}تفسير : [آل عمران: 28]. وضمير {فلا تخافوهم} على هذا يعود إلى {أولياءه} وجملة {وخافون} معترضة بين جملة {فلا تخافوهم} وجملة {إن كنتم مؤمنين}. وقوله: {إن كنتم مؤمنين} شرط مؤخّر تقدّم دليل جوابه، وهو تذكير وإحماء لإيمانهم وإلا فقد علم أنّهم مؤمنون حقّاً.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {ٱلَّذِينَ قَالَ لَهُمُ ٱلنَّاسُ إِنَّ ٱلنَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ} الآية. قال جماعة من العلماء: المراد بالناس القائلين: إن الناس قد جمعوا لكم، نعيم بن مسعود الأشجعي، أو أعرابي من خزاعة كما أخرجه ابن مردويه من حديث أبي رافع ويدل لهذا توحيد المشار إليه في قوله تعالى: {أية : إِنَّمَا ذٰلِكُمُ ٱلشَّيْطَانُ} تفسير : [آل عمران: 175] الآية. قال صاحب الإتقان، قال الفارسي: ومما يقوي أن المراد به واحد قوله: {إِنَّمَا ذٰلِكُمُ ٱلشَّيْطَانُ} فوقعت الإشارة بقوله: ذلكم إلى واحد بعينه، ولو كان المعنى جمعاً لقال: إنما أولئكم الشيطان، فهذه دلالة ظاهرة في اللفظ اهـ منه بلفظه.
الواحدي
تفسير : {الذين قال لهم الناس...} الآية. كان أبو سفيان واعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أنْ يوافيه العام المقبل من يوم أُحدٍ بِبَدْرٍ الصُّغرى، فلمَّا كان العام المقبل بعث نعيم بن مسعود الأشجعيِّ ليجبِّن المؤمنين عن لقائه، وهو قوله: {الذين} يعني: المؤمنين {قال لهم الناس} يعني: نعيم بن مسعود {إنَّ الناس} يعني: أبا سفيان وأصحابه {قد جمعوا} [باللطيمة سوق مكة] {لكم فاخشوهم} ولا تأتوهم {فزادهم} ذلك القول {إيماناً} أَيْ: ثبوتاً في دينهم، وإقامةً على نصرة نبيِّهم {وقالوا حسبنا الله} أَيْ: الذي يكفينا أمرهم هو الله {ونِعْمَ الوكيل} أَيْ: الموكول إليه الأمر. {فانقلبوا بنعمةٍ من الله وفضل} [ربحٍ] وذلك أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج لذلك الموعد، فلم يلق أحداً من المشركين، ووافقوا السُّوق، وذلك أنَّه كان موضع سوقٍ لهم، فاتَّجروا وربحوا، وانصرفوا إلى المدينة سالمين غانمين، وهو قوله: {لم يمسسهم سوءٌ} أَيْ: قتل ولا جراح {واتبعوا رضوان الله} [إلى بدر الصغرى في طاعته و] في طاعة رسوله. قوله: {إنما ذٰلكم الشيطان يُخوِّف أولياءَه} أَيْ: يُخوِّفكم بأوليائه، يعني: الكفَّار {فلا تخافوهم وخافون} في ترك أمري {إن كنتم مؤمنين} مُصدِّقين لوعدي. {ولا يحزنك الذين يسارعون في الكفر} أَيْ: في نصرته، وهم المنافقون واليهود والمشركون {إنَّهم لن يضرُّوا الله} أََيْ: أولياءَه ودينه {شيئاً} وإنَّما يعود وبال ذلك عليهم، {يريد الله ألا يجعل لهم حظَّاً} نصيباً {في الآخرة} في الجنَّة.
د. أسعد حومد
تفسير : {إِيمَاناً} (173) - وَخَافَتْ قُرَيشٌ أنْ يَجْمَعَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم أهْلَ المَدِينَةِ مِمَّنْ لَمْ يَشْتَرِكُوا فِي المَعْرَكَةِ، وَيَخْرُجَ وَرَاءَهُمْ، فَأرْسَلُوا إلَيهِ بَعْضَ نَاقِلِي الأخْبَارِ لِيُهَوِّلُوا عَلَيهِ، لِيَكُفَّ عَنِ اللِّحَاقِ بِهِمْ، وَقَالَ نَاقِلُو الأخْبَارِ لِلْمُسْلِمِينَ: إنَّ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ (النَّاسَ) قَدْ حَشَدُوا لَكُمْ، وَجَمَعُوا قِوَاهُمْ، فَاحْذَرُوهُمْ، وَاخْشَوْهُمْ، فَلَمْ يَزِدْ هذا القَوْلُ هَؤُلاءِ المُؤْمِنِينَ - الذِينَ اسْتَجَابُوا لِلرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أصَابَهَمْ القَرْحُ وَخَرَجُوا مَعِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم مُلَبِّينَ دَعْوَتَهُ، رَاغِبِينَ فِي نَيْلِ رِضْوَانِ رَبِّهِمْ وَنَصْرِهِ - إلاَّ إيمَاناً بِرَبِّهِمْ، وَثِقَةً بِوَعْدِهِ وَنَصْرِهِ وَأجْرِهِ، وَرَدُّوا عَلَى مُخَاطِبِيِهِمْ قَائِلِينَ: إنَّهُمْ يَتَوَكَّلُونَ عَلَى اللهِ، وَهُوَ حَسْبُهُمْ. جَمَعُوا لَكُمْ - حَشَدُوا لَكُمْ قُوَاهُمْ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : {ٱلَّذِينَ قَالَ لَهُمُ ٱلنَّاسُ إِنَّ ٱلنَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَٱخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُواْ حَسْبُنَا ٱللَّهُ وَنِعْمَ ٱلْوَكِيلُ} [آل عمران: 173]. المسألة ليست ذلك فقط، المسألة أن المنافقين راحوا يُروجون إشاعات كاذبة بأن المشركين قد اسْتَدْعوا عدداً جديداً من كفار مكة وذلك ليخيفوا المؤمنين، فلم يخف مؤمن واحد {ٱلَّذِينَ قَالَ لَهُمُ ٱلنَّاسُ إِنَّ ٱلنَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَٱخْشَوْهُمْ} [آل عمران: 173] وساعة ترى كلمة "الناس" فاعرف أن الإيمان بعيد عنها، وما داموا "أناساً" فهم يقابلون أناساً آخرين، ومن يغلب فهو يغلب بجهده وشطارته وحسن تصرفه، لكن المؤمن يقابل الكافر، والمؤمن يتلقى المدد من ربه. قيل: إن الشيطان قد يتمثل على هيئة حشد من الناس ليُرهب المؤمنين، والشيطان من عالم الجن، وعالم الجن يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم، وقد أعطاه الله القدرة على أن يتشكل بما يُحب. فله أن يتشكل في إنسان، في حيوان، أو كما يريد، ولكن إذا تشكل فالصورة تحكمه لأنه ارتضى أن يخرج عن واقعه ليتشكل بهيئة أخرى، فإذا ما تشكل على هيئة إنسان، فقانون الإنسان يسري عليه، بحيث إن كان معك مسدس أو سيف أو خنجر وتمكنت منه وطعنته يموت. وهذا هو ما رحمنا من تخويفهم لنا. ولذلك تجد أن الشيطان يظهر لمحة خاطفة ثم يختفي، لأنه يخاف أن يكون الإنسان الذي أمامه واعياً بأن الصورة تحكمه، فعندما يتمثل لك بأي شكل تخنقه فيُخنق؛ لذلك يخاف من الإنسان، فلا يظهر إلا في لمحات خاطفة. ويمكن أن نفهم أيضاً قول الحق: {ٱلَّذِينَ قَالَ لَهُمُ ٱلنَّاسُ إِنَّ ٱلنَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ} [آل عمران: 173] أي هناك بعض من الكفار أشاعوا أن أبا سفيان وصحبه قد حشدوا حشودهم، فكلمة "جمعوا" تعطي إيحاء بأنهم جاءوا بمقاتلين آخرين، أو أن فلولهم قد تجمعت، وسواء هذا أو ذاك فهم عندما فروا فروا فلولا، لأن القوم المنهزمين لا يسيرون سيراً منتظماً يجمعهم، بل يسير كل واحد منهم حسب سرعته، ويصح أن يتجمعوا ثانية، أو جاءوا بناس آخرين، ولنا أن نلحظ أن الأسلوب يحتمل كل ذلك. {ٱلَّذِينَ قَالَ لَهُمُ ٱلنَّاسُ إِنَّ ٱلنَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَٱخْشَوْهُمْ} [آل عمران: 173] ومثل هذا القول قد يفت في عضد المؤمنين، لكن التمحيص الإيماني قد صقل معسكر الإيمان فلم يهتموا بهذا الكلام، وهكذا أثمر الدرس الأول، لقد تعلموا أن المخالفة عن أمر الله الممثل في أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم مجرد المخالفة تجعل الضعف يسري في النفس، لكن التثبت والتمسك بأوامر رسول الله صلى الله عليه وسلم يُعزز الإحساس بالقوة؛ لذلك لم يأبهوا لهذا التهديد بل قالوا: إن العدد هذا ليس في بالنا؛ لأننا نعتمد على الله وحُسن الإيمان، إنهم قالوا: {حَسْبُنَا ٱللَّهُ وَنِعْمَ ٱلْوَكِيلُ} [آل عمران: 173] فلم يهتموا بالعدد وفهموا أن الإيمان يقتضي أن يقاتلوا الكافرين حتى يُعذبهم الله بأيديهم، وفي هذا درس لكل مُحارب، فعندما تحارب، فأنت إما أن تكون منصوراً بإيمانك بالله وإما أن تكون على عكس ذلك: {أية : وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ ..}تفسير : [الأنفال: 17]. لقد فطنوا إلى أنفسهم، وتغير الترتيب الإيماني في أعماقهم، ونلمس ذلك في أن بعضاً من الناس جاءوا يصدونهم ويخذلونهم، فلم يستطيعوا بل زادهم هذا القول إيماناً {وَقَالُواْ حَسْبُنَا ٱللَّهُ وَنِعْمَ ٱلْوَكِيلُ} [آل عمران: 173]، لقد فطنوا إلى أن قوة الله هي التي تنصرهم والله حسبهم وكافيهم عن أي عدد من الأعداد وهو نعم الوكيل، ومعنى "الوكيل" أنني عندما أعجز عن أمر أُوَكِّلُ أحداً فهو وكيل عني، وعندما نوكل الله فيما عجزنا عنه فهو نعم الوكيل، لماذا؟ وتأتينا الإجابة: {فَٱنْقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ} [آل عمران: 174]، ولقد نصروا بالرعب الذي أنزله الله في قلوب أعدائهم ولم يشتبكوا مع الكفار، فصدق قول الله: {أية : سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلرُّعْبَ ..}تفسير : [الأنفال: 12]. ويأتي الحق من بعد ذلك بما يصدق القضية: {فَٱنْقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوۤءٌ وَٱتَّبَعُواْ رِضْوَانَ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ} [آل عمران: 174]. وهذه القضية يجب أن يستشعرها كل مؤمن يتعرض لتمحيص الحق له، وعلى كل مسلم أن يتذكر تلك التجربة، تجربة أُحد، فليلة واحدة كانت هي الفارق بين يوم معركة أُحد ويوم الخروج لملاحقة الكفار في حمراء الأسد، ليلة واحدة كانت في حضانة الله وفي ذكر لتجربة التمحيص التي مر بها المؤمنون إنها قد فعلت العجب؛ لأنهم حينما طاردوا الكفار، لم يأبهوا لمحاولات الحرب النفسية التي شنها عليهم الأعداء، بل زادهم ذلك إيماناً وقالوا: {حَسْبُنَا ٱللَّهُ وَنِعْمَ ٱلْوَكِيلُ} [آل عمران: 173]. إذن فقد تجردوا من نفوسهم ومن حولهم ومن قوتهم ومن عددهم ومن أي شيء إلا أن يقولوا: الله كافينا وهو نعم الوكيل لمن عجز عن إدراك بغيته. لقد عرفوا الأمر المهم، وهو أن يكون كل منهم دائماً في حضانة ربه، وقد أخذ صحابة رسول الله وآل بيت رسول الله هذه الجرعة الإيمانية واستنبطوا منها الكثير في حل قضاياهم. وقول الله سبحانه: {حَسْبُنَا ٱللَّهُ وَنِعْمَ ٱلْوَكِيلُ} [آل عمران: 173] يُذكرنا بالإمام جعفر الصادق ابن سيدي محمد الباقر بن سيدي علي زين العابدين وكان من أفقه الناس بالقرآن، وكان من أعلمهم في استنباط أسرار الله في القرآن، إنّه كان يجد في قول الحق: {حَسْبُنَا ٱللَّهُ وَنِعْمَ ٱلْوَكِيلُ} [آل عمران: 173] استنباطاً رائعاً، فهو يتعجب لأي إنسان أدركه الخوف من أي شيء يخيف، والإنسان لا يخاف إلا أمراً يَنْقُضُ عليه رَتََابَة راحته، ويقلقه ويهدده في سلامه وأمنه واطمئنانه، ويكون لهذا الخوف مصدر معلوم، فإذا ما تعرض المؤمن لمثل هذا الخوف فعليه أن يتذكر قول الحق: {حَسْبُنَا ٱللَّهُ وَنِعْمَ ٱلْوَكِيلُ} [آل عمران: 173] لأنها قضية نفعت الجيش كله في معركته مع الكفار، فحين يأخذ الفرد هذه الجرعة فهو يستعيد رباطة الجأش. واشتداد القلب فلا يفر عند الفزع. وينبهنا سيدنا جعفر الصادق إلى هذه القضية لنفزع إليها عند كل ما يُخيفنا فيقول: عجبت لمن خاف ولم يفزع إلى قول الله: {حَسْبُنَا ٱللَّهُ وَنِعْمَ ٱلْوَكِيلُ} [آل عمران: 173] إنه بنظرته الإيمانية يتعجب لإنسان أدركه الخوف ثم لا يفزع إلى هذا القول الكريم {حَسْبُنَا ٱللَّهُ وَنِعْمَ ٱلْوَكِيلُ} [آل عمران: 173]، ثم يستنبط بإشراقاته سر هذا فيقول: لأني سمعت الله بعقبها يقول: {فَٱنْقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوۤءٌ} [آل عمران: 174] وانظروا إلى قول سيدنا جعفر الصادق: "فإني سمعت الله بعقبها" هو قرأ بنفسية المؤمن الصادق، فالمؤمن حين يقرأ كلام الله إنما يستحضر أنه يسمع الله يتكلم إنه يقول: فإني سمعت الله بعقبها يقول: {فَٱنْقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوۤءٌ} [آل عمران: 174] ولذلك فالحق يقول: {أية : وَإِذَا قُرِىءَ ٱلْقُرْآنُ فَٱسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ}تفسير : [الأعراف: 204]. فأنت حين تستمع إلى القرآن فالله هو الذي يتكلم، ومن العيب أن يتكلم ربك في أذنك ثم تشغل عنه وهو ربك، إذن فعلاج الخوف هو أن تقول من قلبك: {حَسْبُنَا ٱللَّهُ وَنِعْمَ ٱلْوَكِيلُ} [آل عمران: 173] وأن تقولها بحقّها، فإن قلتها بحقها كفاك الله شرّ ذلك الخوف، لأن الله يقول بعد {وَقَالُواْ حَسْبُنَا ٱللَّهُ وَنِعْمَ ٱلْوَكِيلُ} [آل عمران: 173]: {فَٱنْقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوۤءٌ} [آل عمران: 174] انظر إلى النعمة والفضل، إنهما من الله، وقد تصيبك النعمة والفضل ولكن تقدر ذلك في أخريات الأمور، فأوضح الله أن النعمة زادت في أنها غنيمة باردة، ولم يحدث فيها أن مسّنا سوء، إن ذلك هو قمة العطاء ورأسه وسنامه، فإذا قدرته في أخريات الأمور فقد أخطأت التقدير {فَٱنْقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوۤءٌ} [آل عمران: 174] ونتيجة لتلك التجربة النافعة هي أن "اتبعوا رضوان الله"، وقد نجحت التجربة مع المؤمنين. ويقول الإمام جعفر الصادق ليكمل العلاج لجوانب النفس البشرية، ويصف الدواء فالنفس البشرية يفزعها ويقلقها ويجعلها مضطربة أن تخاف شرًّا يقع عليها، وعلاج هذا: {حَسْبُنَا ٱللَّهُ وَنِعْمَ ٱلْوَكِيلُ} [آل عمران: 173]، ويضيف: وعجبت لمن اغتمّ ولم يفزع إلى قول الحق سبحانه:{أية : لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ ٱلظَّالِمِينَ}تفسير : [الأنبياء: 87]. و"الغمّ" قلق في النفس، ولكنك لا تدرك أسبابه، فأسبابه مُعقّدة، صدر يضيق، ولذلك تقول: أنا صدري ضيق، أنا متعب ولا أدري لماذا؟ أي لم يمرّ بك الآن أشياء تستوجب هذا، إنما قد تكون حصيلة تفاعلات لأحداث وأمور أنت لا تتذكرها الآن، هذا اسمه "غمّ"، فإذا ما فزع العبد إلى قول الحق سبحانه: "لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين" فالعبد يقرّ بذنبه ويقول: هذا الغمّ لم يأتني إلا لأنني خرجت عن المنهج، ويذكرنا سيدنا جعفر الصادق بأنه سمع بعدها قول الله: {أية : فَٱسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ ٱلْغَمِّ وَكَذٰلِكَ نُنجِـي ٱلْمُؤْمِنِينَ}تفسير : [الأنبياء: 88]. والذي قال ذلك هو سيدنا يونس "فاستجبنا له ونجيناه من الغم". وهذه الاستجابة من الله ليست خاصّية كانت ليونس عليه السلام، لأنه سبحانه قال: "وكذلك ننجـي المؤمنين" أي أنه باب واسع أدخل الله فيه كل المؤمنين، ويضيف سيدنا جعفر الصادق: وعجبت لمن مُكر به ولم يفزع إلى قول الله: {أية : وَأُفَوِّضُ أَمْرِيۤ إِلَى ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ بَصِيرٌ بِٱلْعِبَادِ}تفسير : [غافر: 44]. فإني سمعت الله بعقبها يقول: {أية : فَوقَاهُ ٱللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَـرُواْ} تفسير : [غافر: 45]. ومُكر به معناها بيّت له الشر بحيث يخفى، لأن المكر هو: تبييت من خصمك لشرّ يُصيبك، بينما أنت تقف بجانب الحق، فيكون هذا المكر شراً يُبيَّتُ لخير وحق، وهذا هو المكر السّيىء، ويُقابله مكر حَسن، ولذلك يقول الحق: {أية : وَلاَ يَحِيقُ ٱلْمَكْرُ ٱلسَّيِّىءُ إِلاَّ بِأَهْلِهِ ..}تفسير : [فاطر: 43]. إذن فهناك مكرٌ ليس بسيىء، كأن يُبيّت صاحب الحق لصاحب الشرّ تبييتاً يخفى عليه، هذا اسمه مكر خير؛ لأنه محاربة لشرٍّ، ولذلك يوضح لنا الله هذا الأمر: افطنوا إلى هذه، فإن كانوا يمكرون ويُبيِّتون، فهم إن بيّتوا على الخلق جميعاً لا يُبيِّتون على الله لأنه سبحانه العليم، الخالق، المُربّي، وإن يُبيّت الله لهم فلن يستطيعوا كشف هذا التبييت، إذن فالله خير الماكرين؛ لأن تبييتهم مكشوف أمام الخالق؛ لذلك فهو مكر ضعيف، أما المكر الحقيقي فهو الذي لا توجد وسيلة تعرفه بها. ونواصل مع سيدنا جعفر الصادق قوله في علاج النفس البشرية فيقول: وعجبت لمن طلب الدنيا وزينتها كيف لا يفزع إلى قول الله: {أية : مَا شَآءَ ٱللَّهُ لاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِٱللَّهِ ..}تفسير : [الكهف: 39]. فإني سمعت الله يعقبها بقوله: {أية : إِن تَرَنِ أَنَاْ أَقَلَّ مِنكَ مَالاً وَوَلَداً * فعسَىٰ رَبِّي أَن يُؤْتِيَنِ خَيْراً مِّن جَنَّتِكَ ..}تفسير : [الكهف: 39-40]. واستنبط سيدنا جعفر الصادق ذلك من حكاية صاحب الجنة: {أية : وَلَوْلاۤ إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَآءَ ٱللَّهُ لاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِٱللَّهِ إِن تَرَنِ أَنَاْ أَقَلَّ مِنكَ مَالاً وَوَلَداً * فعسَىٰ رَبِّي أَن يُؤْتِيَنِ خَيْراً مِّن جَنَّتِكَ ..}تفسير : [الكهف: 39-40]. إنك حين تقول: "ما شاء الله لا قوة إلا بالله" فإن الدنيا تأتيك مهرولة، لأنك جرّدت نفسك من حولك، ومن قوة حيلتك وأسبابك، وتركت الأمر لله سبحانه وتعالى القادر على كل عطاء. إذن فالجوانب البشرية في النفس: هي خوف له علاج وَوَصْفَة، وهمُّ له علاج ووصفه، ومكر بك له علاج ووصفه، وطلب دنيا وسعادة لها علاج ووَصْفَة، والوصْفة التي نحن بصددها هنا: {وَقَالُواْ حَسْبُنَا ٱللَّهُ وَنِعْمَ ٱلْوَكِيلُ * فَٱنْقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوۤءٌ} [آل عمران: 173-174]. والنعمة أن يعطيك الله على قدر عملك، والفضل من الله هو أن يزيدك عطاء، ولم يمسس السوء أحداً من المؤمنين الذين طاردوا المقاتلين من قريش، وكان من نتيجة ذلك أنهم جمعوا بين كل ما وهبه الله لهم؛ من نعمة وفضل مع اتباعهم رضوان الله؛ فقد صارت المسألة بالنسبة لهم تجربة مُحسّة ومُجرّبة {وَٱتَّبَعُواْ رِضْوَانَ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ} [آل عمران: 174]. لقد حاول المنافقون أن يثبطوا المؤمنين عن لقاء كفّار قريش، فيريد الحق أن يكشفهم، ويظهر الدافع إلى مثل ذلك الموقف من المنافقين؛ لذلك قالوا للمؤمنين: {إِنَّ ٱلنَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَٱخْشَوْهُمْ} [آل عمران: 173]. ويظهر الله للمؤمنين حقيقة موقف المنافقين: {إِنَّمَا ذٰلِكُمُ ٱلشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلاَ تَخَافُوهُمْ ...}.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {ٱلَّذِينَ قَالَ لَهُمُ ٱلنَّاسُ} يعني رَجُلاً واحِداً.
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير : 167 : 31 : 29 - سفين عن رجل عن مجاهد في قول الله {فَزَادَهُمْ إِيمَاناً} قال، الإِيمان يزيد وينقص. [الآية 173].
النسائي
تفسير : قوله تعالى: {ٱلَّذِينَ قَالَ لَهُمُ ٱلنَّاسُ إِنَّ ٱلنَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ} [173] 101- أنا محمد بن إسماعيل بن إبراهيم، وهارون بن عبد الله قالا: نا يحيى بن أبي بُكير، أنا ابو بكر بن عياش، عن أبي حصين، عن أبي الضُّحى، عن ابن عباس قال: كان آخر كلام إبراهيم عليه السلام حين أُلقي في النار حسبي الله ونعم الوكيل قال: وقال نبيكم صلى الله عليه وسلم مثلها { ٱلَّذِينَ قَالَ لَهُمُ ٱلنَّاسُ إِنَّ ٱلنَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَٱخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُواْ حَسْبُنَا ٱللَّهُ وَنِعْمَ ٱلْوَكِيلُ}. 102- أنا إسماعيل بن يعقوب بن إسماعيل، نا ابن موسى، نا أبي، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة - وذكر إسنادا آخر - قال: قال رسول الله صلى اللهعيه وسلم: "حديث : كيف أنْعمُ، وصاحب الصور قد التقم القرن، وأصغَى بسمعه، وحنا بجبهته ينتظر متى يؤمر فينفُخُ؟ قالوا: يا رسول الله كيف نقول؟ قال: "قولوا: حسبنا الله، ونعم الوكيل، على الله توكلنا ".
همام الصنعاني
تفسير : 487- عبد الرزاق، قال: أنبأنا ابن عيينة، عن عمرو، وعن عكرمة، قال: كانت بدر متجراً في الجاهلية، فخرج ناس من المسلمين يريدونه فلقيهم ناس من المشركين، فقالوا لهم: إن الناس قد جَمَعُوا لكم فاخشوهم، فأما الجبان فرجع، وأما الشجاع فأخذ أهبة القتال وأهبة التجارة وقالوا: حسبنا الله ونعم الوكيل، وأتوهم فلم يلقوا أحداً، فأنزل الله تعالى فيهم: {ٱلَّذِينَ قَالَ لَهُمُ ٱلنَّاسُ إِنَّ ٱلنَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَٱخْشَوْهُمْ}: [الآية: 173]. 488- عبد الرزاق، قال: حدثنا ابن عيينة، وأخبرني زكريا، عن الشعبي، عن عبد الله بن عمرو، قال: هي كلمة إبراهيم حين ألقي في البنيان، يعني النار {حَسْبُنَا ٱللَّهُ وَنِعْمَ ٱلْوَكِيلُ}: [الآية: 173].
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):