٤٦ - ٱلْأَحْقَاف
46 - Al-Ahqaf (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
13
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه تعالى لما قرر دلائل التوحيد والنبوّة وذكر شبهات المنكرين وأجاب عنها، ذكر بعد ذلك طريقة المحقين والمحققين فقال: {إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَـٰمُواْ } وقد ذكرنا تفسير هذه الكلمة في سورة السجدة والفرق بين الموضعين أن في سورة السجدة ذكر أن الملائكة ينزلون ويقولون {أية : أَلاَّ تَخَافُواْ وَلاَ تَحْزَنُواْ } تفسير : [فصلت: 30] وهٰهنا رفع الواسطة من البين وذكر أنه {لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} فإذا جمعنا بين الآيتين حصل من مجموعهما أن الملائكة يبلغون إليهم هذه البشارة، وأن الحق سبحانه يسمعهم هذه البشارة أيضاً من غير واسطة. واعلم أن هذه الآيات دالة على أن من آمن بالله وعمل صالحاً فإنهم بعد الحشر لا ينالهم خوف ولا حزن، ولهذا قال أهل التحقيق إنهم يوم القيامة آمنون من الأهوال، وقال بعضهم خوف العقاب زائل عنهم، أما خوف الجلال والهيبة فلا يزول ألبتة عن العبد، ألا ترى أن الملائكة مع علو درجاتهم وكمال عصمتهم لا يزول الخوف عنهم فقال تعالى: {أية : يَخَـٰفُونَ رَبَّهُمْ مّن فَوْقِهِمْ } تفسير : [النحل: 50] وهذه المسألة سبقت بالاستقصاء في آيات كثيرة منها قوله تعالى: {أية : لاَ يَحْزُنُهُمُ ٱلْفَزَعُ ٱلأَكْبَرُ } تفسير : [الأنبياء: 103]. ثم قال تعالى: {أُوْلَـئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلْجَنَّةِ خَـٰلِدِينَ فِيهَا جَزَاءً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } قالت المعتزلة: هذه الآية تدل على مسائل أولها: قوله تعالى: {أُوْلَـئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلْجَنَّةِ } وهذا يفيد الحصر، وهذا يدل على أن أصحاب الجنة ليسوا إلا الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا، وهذا يدل على أن صاحب الكبيرة قبل التوبة لا يدخل الجنة وثانيها: قوله تعالى: {جَزَاءً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } وهذا يدل على فساد قول من يقول: الثواب فضل لا جزاء وثالثها: أن قوله تعالى: {بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } يدل على إثبات العمل للعبد ورابعها: أن هذا يدل على أنه يجوز أن يحصل الأثر في حال المؤثر، أو أي أثر كان موجوداً قبل ذلك بدليل أن العمل المتقدم أوجب الثواب المتأخر وخامسها: كون العبد مستحقاً على الله تعالى، وأعظم أنواع هذا النوع الإحسان إلى الوالدين، لا جرم أردفه بهذا المعنى، فقال تعالى: {وَوَصَّيْنَا ٱلإِنْسَـٰنَ بِوَالِدَيْهِ حُسْناً } وقد تقدم الكلام في نظير هذه الآية في سورة العنكبوت، وفي سورة لقمان، وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ عاصم وحمزة والكسائي {بِوٰلِدَيْهِ إِحْسَـٰناً } والباقون {حَسَنًا }. واعلم أن الإحسان خلاف الإساءة والحسن خلاف القبيح، فمن قرأ {إِحْسَـٰناً } فحجته قوله تعالى في سورة بني إسرائيل {أية : وَبِٱلْوٰلِدَيْنِ إِحْسَـٰناً } تفسير : [الإسراء: 43] والمعنى أمرناه بأن يوصل إليهما إحساناً، وحجة القراءة الثانية قوله تعالى في العنكبوت {أية : وَوَصَّيْنَا ٱلإِنْسَـٰنَ بِوَالِدَيْهِ حُسْناً } تفسير : [العنكبوت: 8] ولم يختلفوا فيه، والمراد أيضاً أنا أمرناه بأن يوصل إليهما فعلاً حسناً، إلا أنه سمى ذلك الفعل الحسن بالحسن على سبيل المبالغة، كما يقال: هذا الرجل علم وكرم، وانتصب حسناً على المصدر، لأن معنى {وَوَصَّيْنَا ٱلإِنسَـٰنَ بِوٰلِدَيْهِ } أمرناه أن يحسن إليهما إِحساناً. ثم قال تعالى: {حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً } وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ ابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي {كُرْهاً } بضم الكاف، والباقون بفتحها، قيل هما لغتان: مثل الضعف والضعف، والفقر والفقر، ومن غير المصادر: الدف والدف، والشهد والشهد، قال الواحدي: الكره مصدر من كرهت الشيء أكرهه، والكره الاسم كأنه الشيء المكروه قال تعالى: {أية : كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ } تفسير : [البقرة: 216] فهذا بالضم، وقال: {أية : أَن تَرِثُواْ ٱلنّسَاء كَرْهاً } تفسير : [النساء: 19] فهذا في موضع الحال، ولم يقرأ الثانية بغير الفتح، فما كان مصدراً أو في موضع الحال فالفتح فيه أحسن، وما كان اسماً نحو ذهبت به على كره كان الضم فيه أحسن. المسألة الثانية: قال المفسرون. حملته أمه على مشقة ووضعته في مشقة، وليس يريد ابتداء الحمل، فإن ذلك لا يكون مشقة، وقد قال تعالى: {أية : فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفًا } تفسير : [الأعراف: 189] يريد ابتداء الحمل، فإن ذلك لا يكون مشقة، فالحمل نطفة وعلقة ومضغة، فإذا أثقلت فحينئذ {حَمَلَتْهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً } يريد شدة الطلق. المسألة الثالثة: دلت الآية على أن حق الأم أعظم، لأنه تعالى قال أولاً: {وَوَصَّيْنَا ٱلإِنْسَـٰنَ بِوَالِدَيْهِ حُسْناً } فذكرهما معاً، ثم خص الأم بالذكر، فقال: {حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً } وذلك يدل على أن حقها أعظم، وأن وصول المشاق إليها بسبب الولد أكثر، والأخبار مذكورة في هذا الباب. ثم قال تعالى: {وَحَمْلُهُ وَفِصَـٰلُهُ ثَلاَثُونَ شَهْراً } وفيه مسائل: المسألة الأولى: هذا من باب حذف المضاف، والتقدير ومدة حمله وفصاله ثلاثون شهراً والفصال الفطام وهو فصله عن اللبن، فإن قيل المراد بيان مدة الرضاعة لا الفطام، فكيف عبّر عنه بالفصال؟ قلنا: لما كان الرضاع يليه الفصال ويلائمه، لأنه ينتهي ويتم به سمي فصالاً. المسألة الثانية: دلت الآية على أن أقل مدة الحمل ستة أشهر، لأنه لما كان مجموع مدة الحمل والرضاع ثلاثون شهراً، قال: {أية : وَٱلْوٰلِدٰتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَـٰدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ } تفسير : [البقرة: 233] فإذا أسقطت الحولين الكاملين وهي أربعة وعشرون شهراً من الثلاثين، بقي أقل مدة الحمل ستة أشهر. روي عن عمر أن امرأة رفعت إليه، وكانت قد ولدت لستة أشهر، فأمر برجمها، فقال علي: لا رجم عليها، وذكر الطريق الذي ذكرناه، وعن عثمان أنه هم بذلك، فقرأ ابن عباس عليه ذلك. واعلم أن العقل والتجربة يدلان أيضاً على أن الأمر كذلك، قال أصحاب التجارب: إن لتكوين الجنين زماناً مقدراً، فإذا تضاعف ذلك الزمان تحرك الجنين، فإذا انضاف إلى ذلك المجموع مثلاه انفصل الجنين عن الأم، فلنفرض أنه يتم خلقه في ثلاثين يوماً، فإذا تضاعف ذلك الزمان حتى صار ستين تحرك الجنين، فإذا تضاعف إلى هذا المجموع مثلاه وهو مائة وعشرون حتى صار المجموع مائة وثمانين وهو ستة أشهر، فحينئذ ينفصل الجنين، فلنفرض أنه يتم خلقه في خمسة وثلاثين يوماً فيتحرك في سبعين يوماً، فإذا انضاف إليه مثلاه وهو مائة وأربعون يوماً صار المجموع مائة وثمانين وعشرة أيام، وهو سبعة أشهر انفصل الولد، ولنفرض أنه يتم خلقه في أربعين يوماً، فيتحرك في ثمانين يوماً، فينفصل عند مائتين وأربعين يوماً، وهو ثمانية أشهر، ولنفرض أنه تمت الخلقة في خمسة وأربعين يوماً، فيتحرك في تسعين يوماً، فينفصل عند مائتين وسبعين يوماً، وهو تسعة أشهر، فهذا هو الضبط الذي ذكره أصحاب التجارب. قال جالينوس: إن كنت شديد التفحص عن مقادير أزمنة الحمل، فرأيت امرأة ولدت في المائة والأربع والثمانين ليلة، وزعم أو علي بن سينا أنه شاهد ذلك، فقد صار أقل مدة الحمل بحسب نص القرآن، وبحسب التجارب الطيبة شيئاً واحداً، وهو ستة أشهر، وأما أكثر مدة الحمل، فليس في القرآن ما يدل عليه، قال أبو علي بن سينا: في الفصل السادس من المقالة التاسعة من عنوان الشفاء، بلغني من حيث وثقت به كل الثقة، أن امرأة وضعت بعد الرابع من سني الحمل ولداً قد نبتت أسنانه وعاش. وحكي عن أرسطاطاليس أنه قال: أزمنة الولادة، وحبل الحيوان مضبوطة سوى الإنسان، فربما وضعت الحبلى لسبعة أشهر، وربما وضعت في الثامن، وقلما يعيش المولود في الثامن إلا في بلاد معينة مثل مصر، والغالب هو الولادة بعد التاسع. قال أهل التجارب: والذي قلناه من أنه إذا تضاعف زمان التكوين تحرك الجنين، وإذا انضم إلى المجموع مثلاه انفصل الجنين، إنما قلناه بحسب التقريب لا بحسب التحديد، فإنه ربما زاد أو نقص بحسب الأيام، لأنه لم يقم على هذا الضبط برهان، إنما هو تقريب ذكروه بحسب التجربة، والله أعلم. ثم قال المدة التي فيها تتم خلقة الجنين تنقسم إلى أقسام فأولها: أن الرحم إذا اشتملت على المني ولم تقذفه إلى الخارج استدار المني على نفسه منحصراً إلى ذاته وصار كالكرة، ولما كان من شأن المني أن يفسده الحركات، لا جرم يثخن في هذا الوقت وبالحري أن خلق المني من مادة تجف بالحر إذا كان الغرض منه تكون الحيوان واستحصاف أجزائه ويصير المني زبداً في اليوم السادس وثانيها: ظهور النقط الثلاثة الدموية فيه إحداها: في الوسط وهو الموضع الذي إذا تمت خلقته كان قلباً والثاني: فوق وهو الدماغ والثالث: على اليمين وهو الكبد، ثم إن تلك النقط تتباعد ويظهر فيما بينها خيوط حمر، وذلك يحصل بعد ثلاثة أيام أخرى فيكون المجموع تسعة أيام وثالثها: أن تنفذ الدموية في الجميع فيصير علقة وذلك بعد ستة أيام أخرى حتى يصير المجموع خمسة عشر يوماً ورابعها: أن يصير لحماً وقد تميزت الأعضاء الثلاثة، وامتدت رطوبة النخاع، وذلك إنما يتم باثني عشر يوماً فيكون المجموع سبعة وعشرين يوماً وخامسها: أن ينفصل الرأس عن المنكبين والأطراف عن الضلوع والبطن يميز الحس في بعض ويخفى في بعض وذلك يتم في تسعة أيام أخرى فيكون المجموع ستة وثلاثين يوماً وسادسها: أن يتم انفصال هذه الأعضاء بعضها عن بعض ويصير بحيث يظهر ذلك الحس ظهوراً بيناً، وذلك يتم في أربعة أيام أخرى فيكون المجموع أربعين يوماً وقد يتأخر إلى خمسة وأربعين يوماً قال والأقل هو الثلاثون، فصارت هذه التجارب الطبية مطابقة لما أخبر عنه الصادق المصدوق في قوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : يجمع خلق أحدكم في بطن أمه أربعين يوماً» تفسير : قال أصحاب التجارب إن السقط بعد الأربعين إذا شق عنه السلالة ووضع في الماء البارد ظهر شيء صغير متميز الأطراف. المسألة الثالثة: هذه الآية دلّت على أقل الحمل وعلى أكثر مدة الرضاع، أما أنها تدل على أقل مدة الحمل فقد بيناه، وأما أنها تدل على أكثر مدة الرضاع فلقوله تعالى: {أية : وَٱلْوٰلِدٰتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَـٰدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ ٱلرَّضَاعَةَ } تفسير : [البقرة: 233] والفقهاء ربطوا بهذين الضابطين أحكاماً كثيرة في الفقه، وأيضاً فإذا ثبت أن أقل مدة الحمل هو الأشهر الستة، فبتقدير أن تأتي المرأة بالولد في هذه الأشهر يبقى جانبها مصوناً عن تهمة الزنا والفاحشة وبتقدير أن يكون أكثر مدة الرضاع ما ذكرناه، فإذا حصل الرضاع بعد هذه المدة لا يترتب عليها أحكام الرضاع فتبقى المرأة مستورة عن الأجانب، وعند هذا يظهر أن المقصود من تقدير أقل الحمل ستة أشهر وتقدير أكثر الرضاع حولين كاملين السعي في دفع المضار والفواحش وأنواع التهمة عن المرأة، فسبحان من له تحت كل كلمة من هذا الكتاب الكريم أسرار عجيبة ونفائس لطيفة، تعجز العقول عن الإحاطة بكمالها. وروى الواحدي في «البسيط» عن عكرمة أنه قال إذا حملت تسعة أشهر أرضعته أحداً وعشرين شهراً، وإذا حملت ستة أشهر أرضعته أربعة وعشرين شهراً، والصحيح ما قدمناه. ثم قال تعالى: {حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشكُرَ نِعْمَتَكَ ٱلَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وعلى والِدَيَّ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: اختلف المفسرون في تفسير الأشد، قال ابن عباس في رواية عطاء يريد ثماني عشرة سنة والأكثرون من المفسرين على أنه ثلاثة وثلاثون سنة، واحتج الفراء عليه بأن قال أن الأربعين أقرب في النسق إلى ثلاث وثلاثين منها إلى ثمانية عشر، ألا ترى أنك تقول أخذت عامة المال أو كله، فيكون أحسن من قولك أخذت أقل المال أو كله، ومثله قوله تعالى: {أية : إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَىٰ مِن ثُلُثَيِ ٱلَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ } تفسير : [المزمل: 20] فبعض هذه الأقسام قريب من بعض فكذا هٰهنا، وقال الزجاج الأولى حمله على ثلاث وثلاثين سنة لأن هذا الوقت الذي يكمل فيه بدن الإنسان، وأقول تحقيق الكلام في هذا الباب أن يقال إن مراتب سن الحيوان ثلاثة، وذلك لأن بدن الحيوان لا يتكون إلا برطوبة غريزية وحرارة غريزية، ولا شك أن الرطوبة الغريزية غالبة في أول العمر وناقصة في آخر العمر، والانتقال من الزيادة إلى النقصان لا يعقل حصوله إلا إذا حصل الاستواء في وسط هاتين المدتين، فثبت أن مدة العمر منقسمة إلى ثلاثة أقسام أولها: أن تكون الرطوبة الغريزية زائدة على الحرارة الغريزية وحينئذ تكون الأعضاء قابلة للتمدد في ذواتها وللزيادة بحسب الطول والعرض والعمق وهذا هو سن النشوء والنماء. والمرتبة الثانية: وهي المرتبة المتوسطة أن تكون الرطوبة الغريزية وافية بحفظ الحرارة الغريزية من غير زيادة ولا نقصان وهذا هو سن الوقوف وهو سن الشباب. والمرتبة الثالثة: وهي المرتبة الأخيرة أن تكون الرطوبة الغريزية ناقصة عن الوفاء بحفظ الحرارة الغريزية ثم هذا النقصان على قسمين فالأول: هو النقصان الخفي وهو سن الكهولة والثاني: هو النقصان الظاهر وهو سن الشيخوخة، فهذا ضبط معلوم. ثم ههنا مقدمة أخرى وهي أن دور القمر إنما يكمل في مدة ثمانية وعشرين يوماً وشيء، فإذا قسمنا هذه المدة بأربعة أقسام كان كل قسم منها سبعة فلهذا السبب قدروا الشهر بالأسابيع الأربعة، ولهذه الأسابيع تأثيرات عظيمة في اختلاف أحوال هذا العالم، إذا عرفت هذا فنقول إن المحققين من أصحاب التجارب قسموا مدة سن النماء والنشوء إلى أربعة أسابيع ويحصل للآدمي بحسب انتهاء كل سابوع من هذه السوابيع الأربعة نوع من التغير يؤدي إلى كماله أما عند تمام السوابيع الأول من العمر فتصلب أعضاءه بعض الصلابة، وتقوى أفعاله أيضاً بعض القوة، وتتبدل أسنانه الضعيفة الواهية بأسنان قوية وتكون قوة الشهوة في هذا السابوع أقوى في الهضم مما كان قبل ذلك، وأما في نهاية السابوع الثاني فتقوى الحرارة وتقل الرطوبات وتتسع المجاري وتقوى قوة الهضم وتقوى الأعضاء وتصلب قوة وصلابة كافية ويتولد فيه مادة الزرع، وعند هذا يحكم الشرع عليه بالبلوغ على قول الشافعي رضي الله عنه، وهذا هو الحق الذي لا محيد عنه، لأن هذا الوقت لما قويت الحرارة الغريزية قلت الرطوبات واعتدل الدماغ فتكمل القوى النفسانية التي هي الفكر والذكر، فلا جرم يحكم عليه بكمال العقل، فلا جرم حكمت الشريعة بالبلوغ وتوجه التكاليف الشرعية فما أحسن قول من ضبط البلوغ الشرعي بخمس عشرة سنة. واعلم أنه يتفرع على حصول هذه الحالة أحوال في ظاهر البدن أحدها: انفراق طرف الأرنبة لأن الرطوبة الغريزية التي هناك تنتقص فيظهر الانفراق وثانيها: نتوء الحنجرة وغلظ الصوت لأن الحرارة التي تنهض في ذلك الوقت توسع الحنجرة فتنتوء ويغلظ الصوت وثالثها: تغير ريح الإبط وهي الفضلة العفينة التي يدفعها القلب إلى ذلك الموضع وذلك لأن القلب لما قويت حرارته، لا جرم قويت على إنضاج المادة، ودفعها إلى اللحم الغددي الرخو الذي في الإبط ورابعها: نبات الشعر وحصول الاحتلام، وكل ذلك لأن الحرارة قويت فقدرت على توليد الأبخرة المولدة للشعر وعلى توليد مادة الزرع، وفي هذا الوقت تتحرك الشهوة في الصبايا وينهد ثديهن وينزل حيضهن وكل ذلك بسبب أن الحرارة الغريزية التي فيهن قويت في آخر هذا السابوع، وأما في السابوع الثالث فيدخل في حد الكمال وينبت للذكر اللحية ويزداد حسنه وكماله، وأما في السابوع الرابع فلا تزال هذه الأحوال فيه متكاملة متزايدة، وعند انتهاء السابوع الرابع نهاية أن لا يظهر الازدياد، أما مدة سن الشباب وهي مدة الوقوف السابوع واحد فيكون المجموع خمسة وثلاثين سنة. ولما كانت هذه المدة إما قد تزداد، وإما قد تنقص بحسب الأمزجة جعل الغاية فيه مدة أربعين سنة. وهذا هو السن الذي يحصل فيه الكمال اللائق بالإنسان شرعاً وطباً، فإن في هذا الوقت تسكن أفعال القوى الطبيعية بعض السكون وتنتهي له أفعال القوة الحيوانية غايتها، وتبتدىء أفعال القوة النفسانية بالقوة والكمال، وإذا عرفت هذه المقدمة ظهر لك أن بلوغ الإنسان وقت الأشد شيء وبلوغه إلى الأربعين شيء آخر، فإن بلوغه إلى وقت الأشد عبارة عن الوصول إلى آخر سن النشوء والنماء، وأن بلوغه إلى الأربعين عبارة عن الوصول إلى آخر مدة الشباب، ومن ذلك الوقت تأخذ القوى الطبيعية والحيوانية في الانتقاص، وتأخذ القوة العقلية والنطقية في الاستكمال وهذا أحد ما يدل على أن النفس غير البدن، فإن البدن عند الأربعين يأخذ في الانتقاص، والنفس من وقت الأربعين تأخذ في الاستكمال، ولو كانت النفس عين البدن لحصل للشيء الواحد في الوقت الواحد الكمال والنقصان وذلك محال، وهذا الكلام الذي ذكرناه ولخصناه مذكور في صريح لفظ القرآن، لأنا بينا أن عند الأربعين تنتهي الكمالات الحاصلة بسبب القوى الطبيعية والحيوانية، وأما الكمالات الحاصلة بحسب القوى النطقية والعقلية فإنها تبتدىء بالاستكمال، والدليل عليه قوله تعالى: {حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبّ أَوْزِعْنِى أَنْ أَشكُرَ نِعْمَتَكَ ٱلَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وٰلِدَيَّ } فهذا يدل على أن توجه الإنسان إلى عالم العبودية والاشتغال بطاعة الله إنما يحصل من هذا الوقت، وهذا تصريح بأن القوة النفسانية العقلية النطقية إنما تبتدىء بالاستكمال من هذا الوقت فسبحان من أودع في هذا الكتاب الكريم هذه الأسرار الشريفة المقدسة، قال المفسرون لم يبعث نبي قط إلا بعد أربعين سنة، وأقول هذا مشكل بعيسى عليه السلام فإن الله جعله نبياً من أول عمره إلا أنه يجب أن يقال الأغلب أنه ما جاءه الوحي إلا بعد الأربعين، وهكذا كان الأمر في حق رسولنا صلى الله عليه وسلم ويروى أن عمر بن عبد العزيز لما بلغ أربعين سنة كان يقول: اللّهم أوزعني أن أشكر نعمتك إليّ تمام الدعاء، وروي أنه جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «حديث : يؤمر الحافظان أن أرفقا بعبدي من حداثة سنه، حتى إذا بلغ الأربعين قيل احفظا وحققا» تفسير : فكان راوي هذا الحديث إذا ذكر هذا الحديث بكى حتى تبتل لحيته رواه القاضي في «التفسير». المسألة الثانية: اعلم أن قوله {حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً } يدل على أن الإنسان كالمحتاج إلى مراعاة الوالدين له إلى قريب من هذه المدة، وذلك لأن العقل كالناقص، فلا بد له من رعاية الأبوين على رعاية المصالح ودفع الآفات، وفيه تنبيه على أن نعم الوالدين على الولد بعد دخوله في الوجود تمتد إلى هذه المدة الطويلة، وذلك يدل على أن نعم الوالدين كأنه يخرج عن وسع الإنسان مكافأتهما إلا بالدعاء والذكر الجميل. المسألة الثالثة: حكى الواحدي عن ابن عباس وقوم كثير من متأخري المفسرين ومتقدميهم أن هذه الآية نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله عنه، قالوا والدليل عليه أن الله تعالى قد وقت الحمل والفصال ههنا بمقدار يعلم أنه قد ينقص وقد يزيد عنه بسبب اختلاف الناس في هذه الأحوال فوجب أن يكون المقصود منه شخصاً واحداً حتى يقال إن هذا التقدير اخبار عن حاله فيمكن أن يكون أبو بكر كان حمله وفصاله هذا القدر. ثم قال تعالى في صفة ذلك الإنسان {حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشكُرَ نِعْمَتَكَ ٱلَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وٰلِدَيَّ } ومعلوم أنه ليس كل إنسان يقول هذا القول، فوجب أن يكون المراد من هذه الآية إنساناً معيناً قال هذا القول، وأما أبو بكر فقد قال هذا القول في قريب من هذا السن، لأنه كان أقل سناً من النبي صلى الله عليه وسلم بسنتين وشيء، والنبي صلى الله عليه وسلم بعث عند الأربعين وكان أبو بكر قريباً من الأربعين وهو قد صدق النبي صلى الله عليه وسلم وآمن به، فثبت بما ذكرناه أن هذه الآيات صالحة لأن يكون المراد منها أبو بكر، وإذا ثبت القول بهذه الصلاحية فنقول: ندعي أنه هو المراد من هذه الآية، ويدل عليه أنه تعالى قال في آخر هذه الآية {أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ وَنَتَجَاوَزُ عَن سَيْئَـٰتِهِمْ فِي أَصْحَـٰبِ ٱلْجَنَّةِ } وهذا يدل على أن المراد من هذه الآية أفضل الخلق لأن الذي يتقبل الله عنه أحسن أعماله ويتجاوز عن كل سيئاته يجب أن يكون من أفاضل الخلق وأكابرهم، وأجمعت الأمة على أن أفضل الخلق بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم إما أبو بكر وإما علي، ولا يجوز أن يكون المراد من هذه الآية علي بن أبي طالب رضي الله عنه لأن هذه الآية إنما تليق بمن أتى بهذه الكلمة عند بلوغ الأشد وعند القرب من الأربعين، وعلي بن أبي طالب ما كان كذلك لأنه إنما آمن في زمان الصبا أو عند القرب من الصبا، فثبت أن المراد من هذه الآية هو أبو بكر، والله أعلم. المسألة الرابعة: قوله تعالى: {أَوْزِعْنِي } قال ابن عباس معناه ألهمني، قال صاحب «الصحاح» أوزعته بالشيء أغريته به فأوزع به فهو موزع به أي مغرى به، واستوزعت الله شكره، فأوزعني أي استلهمته فألهمني. المسألة الخامسة: اعلم أنه تعالى حكى عن هذا الداعي أنه طلب من الله تعالى ثلاثة أشياء: أحدها: أن يوفقه الله للشكر على نعمه والثاني: أن يوفقه للإتيان بالطاعة المرضية عند الله الثالث: أن يصلح له في ذريته، وفي ترتيب هذه الأشياء الثلاثة على الوجه المذكور وجهان: الأول: أنا بينا أن مراتب السعادات ثلاثة أكملها النفسانية وأوسطها البدنية وأدونها الخارجية والسعادات النفسانية هي اشتغال القلب بشكر آلاء الله ونعمائه، والسعادات البدنية هي اشتغال البدن بالطاعة والخدمة، والسعادات الخارجية هي سعادة الأهل والولد، فلما كانت المراتب محصورة في هذه الثلاثة لا جرم رتبها الله تعالى على هذا الوجه. والسبب الثاني: لرعاية هذا الترتيب أنه تعالى قدم الشكر على العمل، لأن الشكر من أعمال القلوب، والعمل من أعمال الجوارح، وعمل القلب أشرف من عمل الجارحة، وأيضاً المقصود من الأعمال الظاهرة أحوال القلب قال تعالى: {أية : وأقم الصلاة لذكري} تفسير : [طه: 14] بين أن الصلاة مطلوبة لأجل أنها تفيد الذكر، فثبت أن أعمال القلوب أشرف من أعمال الجوارح، والأشرف يجب تقديمه في الذكر، وأيضاً الاشتغال بالشكر اشتغال بقضاء حقوق النعم الماضية، والاشتغال بالطاعة الظاهرة اشتغال بطلب النعم المستقبلة، وقضاء الحقوق الماضية يجري مجرى قضاء الدين، وطلب المنافع المستقبلة طلب للزوائد. ومعلوم أن قضاء الدين مقدم على سائر المهمات، فلهذا السبب قدم الشكر على سائر الطاعات، وأيضاً أنه قدم طلب التوفيق على الشكر، وطلب التوفيق على الطاعة على طلب أن يصلح له ذريته، وذلك لأن المطلوبين الأولين اشتغال بالتعظيم لأمر الله، والمطلوب الثالث اشتغال بالشفقة على خلق الله، ومعلوم أن التعظيم لأمر الله يجب تقديمه على الشفقة على خلق الله. المسألة السادسة: قال أصحابنا إن العبد طلب من الله تعالى أن يلهمه الشكر على نعم الله، وهذا يدل على أنه لا يتم شيء من الطاعات والأعمال إلا بإعانة الله تعالى، ولو كان العبد مستقلاً بأفعاله لكان هذا الطلب عبثاً، وأيضاً المفسرون قالوا المراد من قوله {أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ ٱلَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ } هو الإيمان أو الإيمان يكون داخلاً فيه، والدليل عليه قوله تعالى: {أية : ٱهْدِنَا ٱلصّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ } تفسير : [الفاتحة: 6، 7] والمراد صراط الذين أنعمت عليهم بنعمة الإيمان وإذا ثبت هذا فنقول العبد يشكر الله على نعمة الإيمان، فلو كان الإيمان من العبد لا من الله لكان ذلك شكراً لله تعالى على فعله لا على فعل غيره، وذلك قبيح لقوله تعالى: {أية : وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ } تفسير : [آل عمران: 188] فإن قيل: فهب أن يشكر الله على ما أنعم به عليه فكيف يشكره على النعم التي أنعم بها على والديه؟ وإنما يجب على الرجل أن يشكر ربه على ما يصل إليه من النعم، قلنا كل نعمة وصلت من الله تعالى إلى والديه، فقد وصل منها أثر إليه فلذلك وصاه الله تعالى على أن يشكر ربه على الأمرين. وأما المطلوب الثاني: من المطالب المذكورة في هذا الدعاء، فهو قوله {وَأَنْ أَعْمَلَ صَـٰلِحاً تَرْضَـٰهُ }. واعلم أن الشيء الذي يعتقد أن الإنسان فيه كونه صالحاً على قسمين: أحدهما: الذي يكون صالحاً عنده ويكون صالحاً أيضاً عند الله تعالى والثاني: الذي يظنه صالحاً ولكنه لا يكون صالحاً عند الله تعالى، فلما قسم الصالح في ظنه إلى هذين القسمين طلب من الله أن يوفقه لأن يأتي بعمل صالح يكون صالحاً عند الله ويكون مرضياً عند الله. والمطلوب الثالث: من المطالب المذكورة في هذه الآية قوله تعالى: {وَأَصْلِحْ لِى فِى ذُرّيَّتِى } لأن ذلك من أجل نعم الله على الوالد، كما قال إبراهيم عليه السلام: {أية : وَٱجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ ٱلأَصْنَامَ } تفسير : [إبراهيم: 35] فإن قيل ما معنى {فِي } في قوله {وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرّيَّتِي }؟ قلنا تقدير الكلام هب لي الصلاح في ذريتي وأوقعه فيهم. واعلم أنه تعالى لما حكى عن ذلك الداعي، أنه طلب هذه الأشياء الثلاثة، قال بعد ذلك {إِنّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنّي مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ } والمراد أن الدعاء لا يصح إلا مع التوبة، وإلا مع كونه من المسلمين فتبين أني إنما أقدمت على هذا الدعاء بعد أن تبت إليك من الكفر ومن كل قبيح، وبعد أن دخلت في الإسلام والانقياد لأمر الله تعالى ولقضائه. واعلم أن الذين قالوا إن هذه الآية نزلت في أبي بكر، قالوا إن أبا بكر أسلم والداه، ولم يتفق لأحد من الصحابة والمهاجرين إسلام الأبوين إلا له، فأبوه أبو قحافة عثمان بن عمرو وأمه أم الخير بنت صخر بن عمرو، وقوله {وَأَنْ أَعْمَلَ صَـٰلِحاً تَرْضَـٰهُ } قال ابن عباس فأجابه الله إليه فأعتق تسعة من المؤمنين يعذبون في الله منهم بلال وعامر بن فهيرة ولم يترك شيئاً من الخير إلا أعانه الله عليه، وقوله تعالى: {وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرّيَّتِي } قال ابن عباس لم يبق لأبي بكر ولد من الذكور والإناث إلا وقد آمنوا، ولم يتفق لأحد من الصحابة أن أسلم أبواه وجميع أولاده الذكور والإناث إلا لأبي بكر. ثم قال تعالى: {أُوْلَـٰئِكَ } أي أهل هذا القول {ٱلَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ } قرىء بضم الياء على بناء الفعل للمفعول وقرىء بالنون المفتوحة، وكذلك نتجاوز وكلاهما في المعنى واحد، لأن الفعل وإن كان مبنياً للمفعول فمعلوم أنه لله سبحانه وتعالى، فهو كقوله {أية : يُغْفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ } تفسير : [الأنفال: 38] فبيّن تعالى بقوله {أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ } أن من تقدم ذكره ممن يدعو بهذا الدعاء، ويسلك هذه الطريقة التي تقدم ذكرها {نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ } والتقبل من الله هو إيجاب الثواب له على عمله، فإن قيل ولم قال تعالى: {أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ } والله يتقبل الأحسن وما دونه؟ قلنا الجواب من وجوه الأول: المراد بالأحسن الحسن كقوله تعالى: {أية : وَٱتَّبِعُـواْ أَحْسَنَ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مّن رَّبّكُـمْ } تفسير : [الزمر: 55] كقولهم: الناقص والأشج أعدلا بني مروان، أي عادلا بني مروان الثاني: أن الحسن من الأعمال هو المباح الذي لا يتعلق به ثواب ولا عقاب والأحسن ما يغاير ذلك، وهو وكل ما كان مندوباً واجباً. ثم قال تعالى: {وَنَتَجَاوَزُ عَن سَيْئَـٰتِهِمْ } والمعنى أنه تعالى يتقبل طاعاتهم ويتجاوز عن سيئاتهم. ثم قال: {فِي أَصْحَـٰبِ ٱلْجَنَّةِ } قال صاحب «الكشاف» ومعنى هذا الكلام مثل قولك: أكرمني الأمير في مائتين من أصحابه، يريد أكرمني في جملة من أكرم منهم وضمني في عدادهم، ومحله النصب على الحال على معنى كائنين في أصحاب الجنة ومعدودين منهم، وقوله {وَعْدَ ٱلصّدْقِ } مصدر مؤكد، لأن قوله {نتقبل، نتجاوز } وعد من الله لهم بالتقبل والتجاوز، والمقصود بيان أنه تعالى يعامل من صفته ما قدمناه بهذا الجزاء، وذلك وعد من الله تعالى فبيّن أنه صدق ولا شك فيه.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى:{إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَامُواْ} الآية تقدّم معناها. وقال ٱبن عباس: نزلت في أبي بكر الصدّيق. والآية تعم. {جَزَآءً} نصب على المصدر.
المحلي و السيوطي
تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَٰمُواْ } على الطاعة {فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ }.
ابن عبد السلام
تفسير : {اسْتَقَامُواْ} على أن الله ربهم، أو على شهادة أن لا إله إلا الله "ع"، أو على أداء الفرائض"ع"، أو على إخلاص الدين والعمل، أو استقاموا عليه فلم يرجعوا عنه إلى موتهم {فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ} في الآخرة {وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ} عند الموت.
النسفي
تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَـٰمُواْ } على توحيد الله وشريعة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم {فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ } في القيامة {وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } عند الموت {أُوْلَـئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلْجَنَّةِ خَـٰلِدِينَ فِيهَا } حال من {أَصْحَـٰبَ ٱلْجَنَّةِ } والعامل فيه معنى الإشارة الذي دل عليه {أُوْلَـٰئِكَ } {جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } جزاء مصدر لفعل دل عليه الكلام أي جوزوا جزاء. {وَوَصَّيْنَا ٱلإِنسَـٰنَ بِوٰلِدَيْهِ إِحْسَـٰناً } كوفي أي وصيناه بأن يحسن بوالديه إحساناً، {حُسْنًا} غيرهم أي وصيناه بوالديه أمراً ذا حسن أو بأمر ذي حسن، فهو في موضع البدل من قوله {بِوٰلِدَيْهِ } وهو من بدل الاشتمال {حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً } وبفتح الكافين: حجازي وأبو عمرو وهما لغتان في معنى المشقة، وانتصابه على الحال أي ذات كره، أو على أنه صفة للمصدر أي حملاً ذاكره {وَحَمْلُهُ وَفِصَـٰلُهُ } ومدة حمله وفطامه {ثَلاَثُونَ شَهْراً } وفيه دليل على أن أقل مدة الحمل ستة أشهر لأن مدة الرضاع إذا كانت حولين لقوله تعالى: {أية : حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ }تفسير : [البقرة: 233] بقيت للحمل ستة أشهر، وبه قال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله، وقال أبو حنيفة رضي الله عنه: المراد به الحمل بالأكف. {وَفِصْلُهُ} يعقوب. والفصل والفصال كالفطم والفطام بناء ومعنى {حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ } هو جمع لا واحد له من لفظه، وكان سيبويه يقول: واحده شدة، وبلوغ الأشد أن يكتهل ويستوفي السن التي تستحكم فيها قوته وعقله وذلك إذا أناف على الثلاثين وناطح الأربعين. وعن قتادة: ثلاث وثلاثون سنة ووجهه أن يكون ذلك أول الأشد وغايته الأربعون. {وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِى } ألهمني {أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ ٱلَّتِى أَنْعَمْتَ عَلَىَّ وَعَلَىٰ وَالِدَىَّ } المراد به نعمة التوحيد والإسلام، وجمع بين شكري النعمة عليه وعلى والديه لأن النعمة عليهما نعمة عليه {وَأَنْ أَعْمَلَ صَـٰلِحاً تَرْضَـٰهُ } قيل: هي الصلوات الخمس {وَأَصْلِحْ لِى فِى ذُرّيَّتِى } أي اجعل ذريتي موقعاً للصلاح ومظنة له {إِنِّى تُبْتُ إِلَيْكَ } من كل ذنب {وَإِنِّى مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ } من المخلصين {أُوْلَـئِكَ ٱلَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ وَنَتَجَاوَزُ عَن سَيِّئَـٰتِهِمْ } حمزة وعلي وحفص. {يُتَقَبَّل} {ويُتَجاوز} {أَحْسَنُ } غيرهم {فِى أَصْحَـٰبِ ٱلْجَنَّةِ } هو كقولك: أكرمني الأمير في ناس من أصحابه تريد أكرمني في جملة من أكرم منهم ونظمني في عدادهم، ومحله النصب على الحال على معنى كائنين في أصحاب الجنة ومعدودين فيهم {وَعْدَ ٱلصِّدْقِ } مصدر مؤكد لأن قوله {يُتَقَبَّل} {ويتجاوز} وعد من الله لهم بالتقبل والتجاوز. قيل: نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله عنه وفي أبيه أبي قحافة وأمه أم الخير وفي أولاده واستجابة دعائه فيهم، فإنه آمن بالنبي صلى الله عليه وسلم وهو ابن ثمان وثلاثين سنة ودعا لهما وهو ابن أربعين سنة ولم يكن أحد من الصحابة من المهاجرين منهم والأنصار أسلم هو ووالداه وبنوه وبناته غير أبي بكر رضي الله عنه {ٱلَّذِى كَانُواْ يُوعَدُونَ } في الدنيا. {وَٱلَّذِى قَالَ لِوٰلِدَيْهِ } مبتدأ خبره {أُوْلَـئِكَ ٱلَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلْقَوْلُ } والمراد بالذي قال، الجنس القائل ذلك القول ولذلك وقع الخبر مجموعاً. وعن الحسن: هو في الكافر العاق لوالديه المكذب بالبعث. وقيل: نزلت في عبد الرحمن بن أبي بكر رضي الله عنه قبل إسلامه، ويشهد لبطلانه كتاب معاوية إلى مروان ليأمر الناس بالبيعة ليزيد فقال عبد الرحمن بن أبي بكر: لقد جئتم بها هرقلية أتبايعون لأبنائكم؟ فقال مروان: يا أيها الناس هذا الذي قال الله تعالى فيه: {وَٱلَّذِى قَالَ لِوٰلِدَيْهِ أُفّ لَّكُمَا }. فسمعت عائشة رضي الله عنها فغضبت وقالت: والله ما هو به ولو شئت أن أسميه لسميته، ولكن الله تعالى لعن أباك وأنت في صلبه فأنت فضض من لعنة الله أي قطعة {أُفّ لَّكُمَآ} مدني وحفص، {أُفَّ} مكي وشامي، {أُفِّ} غيرهم وهو صوت إذا صوت به الإنسان علم أنه متضجر كما إذا قال «حس» علم أنه متوجع. واللام للبيان أي هذا التأفيف لكما خاصة ولأجلكما دون غيركما. {أَتَعِدَانِنِى أَنْ أُخْرَجَ } أن أبعث وأخرج من الأرض {وَقَدْ خَلَتِ ٱلْقُرُونُ مِن قَبْلِى } ولم يبعث منهم أحد {وَهُمَا } أبواه {يَسْتَغِيثَانِ ٱللَّهَ } يقولان الغياث بالله منك ومن قولك وهو استعظام لقوله ويقولان له {وَيْلَكَ } دعاء عليه بالثبور والمراد به الحث والتحريض على الإيمان لا حقيقة الهلاك {ءَامِنْ} بالله وبالبعث {إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ } بالبعث {حَقٌّ} صدق {فَيَقُولُ } لهما {مَا هَـٰذَا } القول {إِلاَّ أَسَـٰطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ أُوْلَـئِكَ ٱلَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلْقَوْلُ } أي لأملأن جهنم {فِى أُمَمٍ } في جملة أمم {قَدْ خَلَتْ } قد مضت {مِن قَبْلِهِمْ مِّنَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنْسِ إِنَّهُمْ كَانُواْ خَـٰسِرِينَ وَلِكُلّ } من الجنسين المذكورين الأبرار والفجار {دَرَجَـٰتٌ مِّمَّا عَمِلُواْ } أي منازل ومراتب من جزاء ما عملوا من الخير والشر، أو من أجل ما عملوا منهما، وإنما قال {دَرَجَـٰتٌ } وقد جاء «الجنة درجات والنار دركات» على وجه التغليب {وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَـٰلَهُمْ } بالياء: مكي وبصري وعاصم {وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ } أي وليوفيهم أعمالهم ولا يظلمهم حقوقهم، قدّر جزاءهم على مقادير أعمالهم فجعل الثواب درجات والعقاب دركات فاللام متعلقة بمحذوف {وَيَوْمَ يُعْرَضُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ عَلَى ٱلنَّارِ } عرضهم على النار تعذيبهم بها من قولهم: عرض بنو فلان على السيف إذا قتلوا به. وقيل: المراد عرض النار عليهم من قولهم: عرضت الناقة على الحوض يريدون عرض الحوض عليها فقلبوا {أَذْهَبْتُمْ } أي يقال لهم أذهبتم وهو ناصب الظرف {طَيِّبَـٰتِكُمْ فِى حَيَـٰتِكُمُ ٱلدُّنْيَا } أي ما كتب لكم حظ من الطيبات إلا ما قد أصبتموه في دنياكم وقد ذهبتم به وأخذتموه فلم يبق لكم بعد استيفاء حظكم شيء منها. وعن عمر رضي الله عنه: لو شئت لكنت أطيبكم طعاماً وأحسنكم لباساً ولكني أستبقي طيباتي {وَٱسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا } بالطيبات {فَٱلْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ ٱلْهُونِ } أي الهوان وقرىء به {بِمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ } تتكبرون {فِى ٱلأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ وَبِمَا كُنتُمْ تَفْسُقُونَ } أي باستكباركم وفسقكم. {وَٱذْكُرْ أَخَا عَادٍ } أي هوداً {إِذْ أَنذَرَ قَوْمَهُ بِٱلأَحْقَافِ } جمع حقف وهو رمل مستطيل مرتفع فيه انحناء من احقوقف الشيء إذا اعوج. عن ابن عباس رضي الله عنهما: هو وادٍ بين عمان ومهرة {وَقَدْ خَلَتِ ٱلنُّذُرُ } جمع نذير بمعنى المنذر أو الإنذار {مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ } من قبل هود ومن خلف هود، وقوله {وَقَدْ خَلَتِ ٱلنُّذُرُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ } وقع اعتراضاً بين {أَنذَرَ قَوْمَهُ } وبين {أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ ٱللَّهَ إِنِّى أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ } والمعنى واذكر إنذار هود قومه عاقبة الشرك والعذاب العظيم وقد أنذر من تقدمه من الرسل ومن تأخر عنه مثل ذلك {قَالُواْ } أي قوم هود {أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا } لتصرفنا فالأفك الصرف يقال: أفكه عن رأيه {عَنْ ءَالِهَتِنَا } عن عبادتها {فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا } من معاجلة العذاب على الشرك {إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّـٰدِقِينَ } في وعيدك.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَامُواْ} لما قرر دلائل التوحيد والنُّبوة وذكر شبهات المنكرين وأجاب عنها، ذكر بعد ذلك طريقة المحققين فقال: {إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَامُواْ} وقد تقدم تفسيره في سورة السجدة. والفرق بين الموضعين أن في سورة السجدة ذكر أن الملائكة ينزلُونَ ويقولون: لاَ تَخَافُوا وَلاَ تَحْزَنُوا، وههنا رفع الواسطة وذكر أنه لا خوف عليهم ولا هم يحزنون؛ فإذا جمعنا بين الآيتين حصل من مجموعهما أن الملائكة يتلقونهم بالبشارة من غير واسطة. قوله: {فَلاَ خَوْفٌ} الفاء زائدة في خَبَر الموصول، لما فيه من معنى الشرط. ولم تمنع "إنَّ" من ذلك إبقاء معنى الابتداء بخلاف لَيْتَ، ولَعَلَّ، وكَأَنَّ. قوله تعالى: {أُوْلَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلْجَنَّةِ} قالت المعتزلة هذه الآية تدل على مسائل: أولها: أن قوله: {أُوْلَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا} يفيد الحصر وأن أصحاب الجنة ليسوا إلا الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا وهذا يدل على أن صاحب الكبيرة قبل التوبة لا يدخل الجنة. وثانيها: قوله {جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} يدل على فساد قول من يقول: الثواب فضل لا جزاء. وثالثها قوله: {جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} يدل على إثبات العمل للعبد. ورابعها: يدل على أن العبد يستحق على الله جزاء عمله وتقدم جواب ذلك. قوله: {خَالِدِينَ} منصوب على الحالية و "جَزَاءً" منصوب إما بعامل مضمر، أي يُجْزَوْنَ جزاءً أو بما تقدم، لأن معنى أولئك أصحاب الجنة جَازَيْنَاهُمْ بِذَلِكَ.
ابو السعود
تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَـٰمُواْ} أي جمعُوا بـينَ التوحيدِ الذي هُو خلاصةُ العلمِ، والاستقامةِ في أمورِ الدينِ التي هيَ مُنتهى العملِ وثُمَّ للدلالةِ على تَراخِي رتبةِ العملِ وتوقفِ الاعتدادِ به على التوحيدِ {فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ} من لحوقِ مكروهٍ {وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} من فواتِ محبوبٍ. والفاءُ لتضمنِ الاسمِ معنى الشرطِ والمرادُ بـيانُ دوامِ نفي الحزنِ لا بـيانُ نفي دوامِ الحزنِ كما يُوهمه كونُ الخبرِ مضارعاً وقد مرَّ بـيانُه مراراً {أُوْلَـٰئِكَ} الموصوفونَ بما ذُكِرَ من الوصفينِ الجليلينِ {أَصْحَـٰبُ ٱلْجَنَّةِ خَـٰلِدِينَ فِيهَا} حالٌ من المستكنِّ في أصحابُ. وقولُه تعالَى: {جَزَاء} منصوبٌ إمَّا بعاملٍ مُقدرٍ أي يُجزون جزاءً أو بمَعْنى ما تقدمَ فإنَّ قولَه تعالى أولئكَ أصحابُ الجنَّةِ في معنى جازيناهُم. {بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} من الحسناتِ العلميةِ والعمليةِ. {وَوَصَّيْنَا ٱلإِنسَـٰنَ} بأنْ يُحسنَ {بِوٰلِدَيْهِ إِحْسَـٰناً} وقُرِىءَ حُسْناً أي بأنْ يفعلَ بهمَا حُسْناً أي فعلاً ذَا حُسنٍ أو كأنَّه في ذاتِه نفسُ الحسنِ لفرطِ حُسنهِ. وقُرِىءَ بضمِّ السينِ أيضاً، وبفتحِهما أيْ بأنْ يفعلَ بهما فعلاً حَسَناً أو وصينَاهْ إيصاءً حسناً. {حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً} أي ذاتَ كُرهٍ أو حملاً ذَا كُرهٍ وهو المشقةُ. وقُرِىءَ بالفتحِ وهما لغتانِ كالفُقرِ، وقيلَ: المضمومُ اسمٌ والمفتوحُ مصدرٌ. {وَحَمْلُهُ وَفِصَـٰلُهُ} أيْ مدةُ حملِه وفصالِه، وهو الفطامُ، وقُرِىءَ وفَصلُه. والفصالُ كالفطمِ والفِطامِ بناءً ومَعْنى، والمرادُ بهِ الرَّضاعُ التامُّ المُنتهِي بهِ. كمَا أرادَ بالأمدِ المدةَ من قالَ: شعر : كُلُّ حَيَ مُستكمِلٌ مُدَّةَ العمرِ ومُودٍ إذَا انتهى أمدُهْ تفسير : {ثَلاَثُونَ شَهْراً} تمضي عليَها بمعاناةِ المشاقِّ ومقاساةِ الشدائدِ لأجلِه وهذا دليلٌ على أن أقلَّ مدةِ الحملِ ستةُ أشهرٍ لما أنَّه إذا حُطَّ عنْهُ للفصالِ حولانِ لقولهِ تعالى: { أية : حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ ٱلرَّضَاعَةَ} تفسير : [سورة البقرة، الآية 233] يبقي للحملِ ذلكَ، قيلَ: ولعل تعيـينَ أقلِ مدةِ الحملِ وأكثرِ مدةِ الرَّضاعِ لانضباطِهما وتحققِ ارتباطِ النسبِ والرضاعِ بهما {حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ} أي اكتملَ واستحكمَ قوتُه وعقلُه {وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً} قيلَ: لم يبعثْ نبـيٌّ قبلَ أربعينَ. وقُرِىءَ حتَّى إذَا استَوى وبلغَ أشدَّهُ. {قَالَ رَبّ أَوْزِعْنِى} أي ألهمنِي، وأصلُه أَوْلعِني من أوزعتُه بكذَا {أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ ٱلَّتِى أَنْعَمْتَ عَلَىَّ وَعَلَىٰ وَالِدَىَّ} أي نعمةَ الدِّينِ أو ما يعمُّها وغيرَها. {وَأَنْ أَعْمَلَ صَـٰلِحاً تَرْضَـٰهُ} التنكيرُ للتفخيمِ والتكثيرِ {وَأَصْلِحْ لِى فِى ذُرّيَّتِى} أيْ واجعلِ الصلاحَ سارياً في ذُريتِي راسخاً فيهم كَما في قولِه: شعر : [وإن تَعْتَذِرْ بالمحلِ مِن ذي ضُروعِها إلى الضَّيفِ] يجرحُ في عَراقيبِها نَصْلِي تفسير : قالَ ابنُ عبَّاسٍ: أجابَ الله تعالَى دعاءَ أبـي بكرٍ رضيَ الله عنُهم فأعتقَ تسعةً من المؤمنينَ منهم عامرُ بنُ فُهيرةَ ولم يُردْ شيئاً من الخيرِ إلاَّ أعانَهُ الله تعالى عليهِ ودَعَا أيضاً فقالَ وأصلحْ لي في ذُريتِي فأجابَهُ الله عزَّ وجلَّ فلم يكُن لهُ ولدٌ إلا آمنُوا جميعاً فاجتمعَ له إسلامُ أبويهِ وأولادِه جميعاً فأدركَ أبُوه أبُو قحافةَ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم وابنُه عبدُ الرحمنِ بنُ أبـي بكرٍ وابنُ عبدِ الرَّحمنِ أبُو عتيقٍ كلُّهم أدركُوا النبـيَّ عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ولم يكُنْ ذلكَ لأحدٍ من الصَّحابةِ رضوانُ الله تعالَى عليهم أجمعينَ. {إِنّى تُبْتُ إِلَيْكَ} عمَّا لا ترضاهُ أو عمَّا يشغلُني عن ذكرِك {وَإِنّى مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ} الذينَ أخلصُوا لكَ أنفسَهُم.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَامُواْ} [الآية: 13]. استقاموا على ما سبق منهم من الإقرار بالتوحيد فلم يرو سواه منعمًا ولا شكروا سواه فى حال ولا رجعوا إلى غيره وثبتوا معه على منهاج الاستقامة. قال ابن عطاء: الذين قالوا ربنا الله: فى صفاء التوحيد، ثم استقاموا: اجتهدوا فى القيام بواجبه. قال جعفر: استقاموا مع الله بحركات قلوبهم على مشاهدات التوحيد. قال أبو عثمان: استقاموا على مقالتهم بالفعل والعزم والنية.
القشيري
تفسير : مضى تفسيرُ الاستقامة. وإنَّ مِنْ خرج على الإيمان والاستقامة حَظِيَ بكلِّ كرامة، ووصل إلى جزيل السلامة. وقيل: السين في "الاستقامة" سين الطَّلَب؛ وإن المستقيم هو الذي يبتهل إلى الله تعالى في أن يُقيمَه على الحق، ويُثَبِّتُه على الصدق.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَامُواْ} ما قال القوم هذا القول حتى شاهد وابقلوبهم وعقولهم وارواحهم واسرارهم مشاهدة الحق سبحانه فاذا رأوه قالوا ربنا الله كطلاب الهلال سكتوا فى طلبه فاذا رأوه يقولون هذا الهلال وصاحوا وتصفقوا وضحكوا لهذا القول منهم بعد كشف مشاهدة الحق لهم فلما رأوه احبوه وعرفوه وشربوا من بحار وصاله وجماله وجلاله شربات المحبة والشوق وتمكنوا شربها حتى استقاموا بقوتها فى موازاة روية انوار الازلة والأباد واستقاموا موافى مراد الله منهم واداء حقائق عبوديته فلا يبقى عليهم خوف الحجاب ولا حزن العتاب قال الله تعالى {فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} قال ابن طاهر استقاموا على ما سبق منهم من الاقرار بالتوحيد فلم يروا سواه منعما ولا شكروا سواه فى حال ولا رجعوا الى غيره وثبتوا منعه على منهاج الاستقامة وقال جعفر استقاموا مع الله بحركات القلوب مع مشاهدات التوحيد وقال بعضهم افردو الله بالملك والربوبية والقدرة واستقاموا على هذه الشروط فلم يخالفوه.
اسماعيل حقي
تفسير : {ان الذين قالو ربنا الله ثم استقاموا} اى جمعوا بين التوحيد الذى هو خلاصة العلم والاستقامة فى امور الدين التى هى منتهى العمل وثم للدلالة على تراخى رتبة العمل وتوقف الاهتدآء به على التوحيد قال ابن طاهر استقاموا على ما سبق منهم من الاقرار بالتوحيد فلم يروا سواه منعما ولم يشكروا سواه فى حال ولم يرجعوا الى غيره وثبتوا معه على منهاج الاستقامة {فلا خوف عليهم} من لحوق مكروه {ولا هم يحزنون} من فوات محبوب والمراد بيان دوام نفى الحزن
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {إِن الذين قالوا ربُّنا اللّهُ ثم استقاموا} أي: جمعوا بين التوحيد، الذي هو خاصة العلم، والاستقامة في الظاهر، التي هي منتهى العمل، {فلا خوفٌ عليهم} من لحوق مكروه، {ولا هم يحزنون} على فوات مرغوب، و"ثم" للدلالة على تراخي رتبة العمل، وتوقف الاعتداد به على التوحيد. ودخلت الفاء لتضمن الموصول معنى الشرط، والتعبير بالمضارع للدلالة على دوام نفي الحزن عنهم، {أولئك} الموصوف بما ذكر من الاسمين الجليلين، {أصحابُ الجنة خالدينَ فيها} حال من أصحاب الجنة، والعامل: معنى الإشارة، {جزاء بما كانوا يعملون} من الأعمال الصالحة، و"جزاء" مصدر لمحذوف، أي: جوّزوا جزاء، أو بمعنى ما تقدم، فإن قوله: {أولئك أصحاب الجنة} في معنى: جزيناهم. الإشارة: مضى تفسير الاستقامة، وأنَّ مَن درج على الإيمان والاستقامة حظي بكل كرامة، ووصل إلى جزيل السلامة، وقيل: السين في الاستقامة سين الطلب، وأنَّ المستقيم يتوسل إلى الله تعالى في أن يقيمه على الحق، ويثبته على الصدق. هـ. قال الورتجبي: ما قال القوم هذا القول - أي: "ربنا الله" - حتى شاهدوه بقلوبهم، وعقولهم، وأرواحهم، وأسرارهم، مشاهدة الحق سبحانه، فإذا رأوه يقولون: هذا الهلال، وصاحوا، وضحكوا، فهذا القول منهم بعد كشف مشاهدة الحق لهم، فلما رأوه أبحوه وعرفوه، وشربوا من بحار وصالة، حتى تمكنوا، فاستقاموا بقوتها في موازاة رؤية أنوار الأزل والآباد، واستقاموا في مراد الله منهم، وأداء حقوق عبوديته، فلا يبقى عليهم خوف الحجاب، ولا حزن العتاب، قال الله تعالى: {فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون} هـ. ثم وصَّى بالربوبية الصغرى بعد الكبرى، فقال: {وَوَصَّيْنَا ٱلإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَاناً}.
الجنابذي
تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَامُواْ} قد مضى الآية وبيانها فى سورة السّجدة وهذه ردّ على ما قالوا لو كان خيراً ما سبقونا اليه وابطالٌ لقياسهم الفاسد {فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} قد مضى فى سورة البقرة بيان اختلاف هاتين الفقرتين.
الالوسي
تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَـٰمُواْ } إلى آخره أي إن الذين جمعوا بين التوحيد الذي هو خلاصة العلم والاستقامة في الدين التي هي منتهى العمل، و {ثُمَّ } للتراخي الرتبـي فالعمل متراخي الرتبة عن التوحيد، وقد نصوا على أنه لا يعتد به بدونه {فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ } من لحوق مكروه {وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } من فوات محبوب، والمراد استمرار النفي. والفاء لتضمن الاسم معنى الشرط مع بقاء معنى الابتداء فلا تدخل في خبر ليت ولعل وكان وإن كان كانت أسماؤها موصولات. وتقدم في سورة السجدة نظير هذه الآية وذكرنا في تفسيره ما ذكرنا فليراجع.
ابن عاشور
تفسير : استئناف بياني أوثر بصريحه جانب المؤمنين من المستمعين للقرآن لأنهم لما سمعوا البشرى تطلعوا إلى صفة البشرى وتعيينِ المحسنين ليضعوا أنفسهم في حق مواضعها، فأجيبوا بأن البشرى هي نَفي الخوف والحزن عنهم، وأنهم أصحاب الجنة وأن المحسنين هم الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا في أعمالهم. وأشير بمفهومه إلى التعريض بالذين ظلموا فإن فيه مفهوم القصر من قوله: {أولئك أصحاب الجنة}. وتعريفُهم بطريق الموصولية لما تؤذن به الصلة من تعليل كرامتهم عند الله لأنهم جمعوا حسنَ معاملتهم لربهم بتوحيده وخوفه وعبادته، وهو ما دل عليه {قالوا ربنا الله} إلى حسن معاملتهم أنفسهم وهو معنى {ثم استقاموا}. وجيء في صلة الموصول بفعل {قالوا} لإيجاز المقول وغنيته عن أن يقال: اعترفوا بالله وحده وأطاعوه. والمراد: أنهم قالوا ذلك واعتقدوا معناه إذ الشأن في الكلام الصدق وعملوا به لأن الشأن مطابقة العمل للاعتقاد. {ثمَّ} للتراخي الرتبي: وهو الارتقاء والتدرج، فإن مراعاة الاستقامة أشق من حصول الإيمان لاحتياجها إلى تكرر مراقبة النفس، فأما الإيمان فالنظر يقتضيه واعتقاده يحصل دفعة لا يحتاج إلى تجديد ملاحظة. فهذا وجه التراخي الرتبي من جهة، وإن كان الإيمان أرقى درجة من العمل من حيث إنه شرط في الاعتداد بالعمل ولذلك عطف بــ {ثم} التي للتراخي في قوله تعالى: {أية : وما أدراك ما العَقبة فَكّ رقبة} تفسير : [البلد: 12] إلى قوله: {أية : ثمّ كان من الذين آمنوا}تفسير : [البلد: 17]، فالاعتباران مختلفان باختلاف المقام المسوق فيه الكلام كما يظهر بالتأمل هنا وهناك، وتقدم نظيره في سورة فصّلت. ودخول الفاء على خبر الموصول وهو {فلا خوف عليهم} لمعاملة الموصول معاملة الشرط كأنه قيل: إن قالوا ربنا الله ثم استقاموا فلا خوف عليهم، ومثله كثير في القرآن، فأفاد تسبب ذلك في أمنهم من الخوف والحزن. و {عليهم} خبر عن خوف، أي لا خوف يتمكن منهم ويصيبهم ويلحقهم. وتقديم المسند إليه على المسند الفعلي في قوله: {ولا هم يحزنون} لتخصيص المسند إليه بالخبر نحو: ما أنا قلتُ هذا، أي أن الحزن منتف عنهم لا عن غيرهم، والمراد بالغير: من لم يتصف بالإيمان والاستقامة في مراتب الكفر والعصيان، فجنس الخوف ثابت لمن عداهم على مراتب توقع العقاب حتى في حالة الوجل من عدم قبول الشفاعة فيهم ومن توقع حرمانهم من نفحَات الله تعالى. واستحضارهم بطريق اسم الإشارة في قوله: {أولئك أصحاب الجنة} للتنبيه على أنهم أحرياء بما يَرد من الإخبار عنهم بما بعد الإشارة لأجل الأوصاف المذكورة قبل اسم الإشارة، كما تقدم في قوله: {أية : أولئك على هدى من ربهم}تفسير : في أول سورة البقرة (5). {وأصحاب الجنة} أدل على الاختصاص بالجنة من أن يقال: أولئك في الجنة وأولئك لهم الجنة لما في {أصحاب} من معنى الاختصاص وما في الإضافة أيضاً. وقوله: {جزاء بما كانوا يعملون} تصريح بما استفيد من تعليل الصلة في الخبر ومن اقتضاء اسم الإشارة جدارتهم بما بعده وما أفاده وصف أصحاب وما أفادته الإضافة، وهذا من تمام العناية بالتنويه بهم.
الشنقيطي
تفسير : قد قدمنا الكلام عليه في سورة فصلت في الكلام على قوله تعالى:{أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَامُواْ تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ ٱلْمَلاَئِكَةُ}تفسير : [فصلت: 30] الآية.
القطان
تفسير : وصّينا الانسان: أمرناه أن يفعل كذا.. ومثله أوصاه. كُرها: بضم الكاف وفتحها: مشقة. حَمْله وفصاله: مدة حَمْلِه وفطامه. أشده: صار بالغا مستحكما القوة والعقل. أوزِعني: ألهِمني، رغّبني، وفقني. أصلحْ لي في ذريتي: اجعل لي خلَفاً صالحا. في أصحاب الجنة: يدخلون الجنة مع الذين انعم الله عليهم. ان الذين قالوا ربُّنا الله الذي لا إله غيره، ثم أحسَنوا العملَ واستقاموا عليه بإيمان كامل، لا خوفٌ عليهم من فزعِ يوم القيامة وأهواله، وهُم لا يحزنون على ما خلّفوا وراءهم بعد مماتهم، أولئك هُم أهلُ الجنة خالدين فيها، ثواباً لهم من الله على أعمالهم الصالحة التي كانوا يعملونها في الدنيا. وهذه أحسنُ بُشرى يزفُّها القرآن الكريم للمحسنين، فهنيئا لهم. ثم تأتي الوصيّة بالوالدَين، وقد وردت التوصية بهما في غير آيةٍ لِما للوالدَين من منزلةٍ كبيرة وكريمة في وجود الانسان. ووصّينا الانسانَ بأن يحسِن إلى والديه ويبرَّهما في حياتهما وبعد مماتهما، وخصَّ الأمَّ بالكلام لأنها تقاسي في حمله مشقةً وتعبا، وفي وضعه آلاماً كثيرة، ثم في إرضاعه وتربيته. فالطفلُ يقضي معظم وقتِه مع أمهِ، وفي رعايتها وحنانها وعطفها.. لهذا كلّه تستحقّ الكرامةَ وجميل الصحبة والبر العظيم. وقد وردت احاديث كثيرة تحثّ على بِرّ الأمهات. روى الترمذي ان النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : أمَّكَ ثم أمك ثم أمك، ثم أباك" تفسير : ورواه أحمد وابو داود والحاكم عن معاوية بن حيدة. وهناك حديث مشهور: "حديث : الجنّةُ تحت أقدام الأمهات" تفسير : رواه الخطيب والقضاعي عن أنسٍ رضي الله عنه، وروي أيضاً عن ابنِ عباس رضي الله عنه. وعن ابي أمامة رضي الله عنه أن النبي قال لرجلٍ يسأله عن حقوق الوالدين: "حديث : هما جنَّتاك وناراك"تفسير : . وفي البخاري ومُسْلم والترمذي: "حديث : أحقُّ الناسِ بالصحبة الأم" تفسير : والأحاديثُ كثيرة يمكن الرجوع اليها في كتب الحديث. {وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاَثُونَ شَهْراً} يعني إن مدة الحمل والفطام ثلاثون شهرا، تكابدُ الأم فيها الآلامَ الجسمية والنفسية، فتسهَرُ الليالي العديدةَ على طفلها، وتغذّيه وتقوم بجميع شئونه بلا ضَجَرٍ ولا ملل. ويؤخذ من هذه الآية {وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاَثُونَ شَهْراً} ومن الآية: {أية : وَٱلْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ ٱلرَّضَاعَةَ} تفسير : [البقرة: 233] أنّ أقلَّ مدة الحمل ستةُ أشهرٍ فاذا ولدت امرأة ولداً بعد ستة أشهر من دخولها في عصمة الزوج يُعترف به. حتى اذا بلغ كمالَ قوّته وعقله ببلوغه أربعين سنةً، ويكون في كامل قواه الجسمية والعقلية، يقول عندها: ربِّ ألهِمني شُكرَ نعمتك التي تفضّلتَ بها عليّ وعلى والديّ، ووفقني الى العمل الصالحِ الذي ترضاه، وارزقني ذريةً صالحة تسير على درب الهدى والايمان، إني تُبت اليك من كلّ ذنب {وَإِنِّي مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ} المستسلمين لأمرِك ونَهيك. هؤلاء الذين اتصفوا بهذه الصفات الحميدة نتقبّل منهم أعمالَهم الحسنة، ونجازيهم عليها أحسنَ الجزاء. وهم منتظِمون في سلك أصحاب الجنة {وَعْدَ ٱلصِّدْقِ ٱلَّذِي كَانُواْ يُوعَدُونَ} والله تعالى لا يُخْلف وعده. قراءات: قرأ أهل الكوفة: احسانا وقرأ الباقون: حسنا. وقرأ ابن كثير ونافع والكسائي وابو عمرو: كَرها بفتح الكاف. والباقون: كُرها بضمها وهما لغتان. وقرأ يعقوب: وفصله، والباقون: وفصاله. وهما لغتان.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱسْتَقَامُواْ} (13) - إِنَّ الذِينَ قَالُوا: رَبُّنَا اللهُ لا إِلَهَ غَيرُهُ، وَلاَ مَعْبُودَ سِوَاهُ، ثُمَّ ثَبَتُوا عَلَى تَصْدِيقِهِم بِذَلِكَ، وَلَمْ يَخْلِطُوا إِيمَانَهم بِشِرْكٍ أَوْ ظُلْمٍ، وَلَمْ يُخالِفُوا أَمْرَ اللهِ، أُولئِكَ لا خَوْفٌ عَلَيهِمْ فِيما يَسْتَقْبِلُونَهُ مِنْ أَمْرِهِمْ يَومَ القِيَامَةِ، وَلا يَحزَنُونَ عَلَى مَا خَلَّفُوهُ وَرَاءَهُم في الدُّنيا.
الثعلبي
تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَامُواْ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ * أُوْلَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ * وَوَصَّيْنَا ٱلإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَاناً} قرأ العامّة: "حسناً" بدون ألف، وقرأ أهل الكوفة: (إحساناً) وهي قراءة ابن عبّاس. {حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً} بَكُره ومشقّة. {وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ} وفِطامه، وقرأ الحسن ويعقوب: «وفصله» بغير ألف. {ثَلاَثُونَ شَهْراً} قال المفسِّرون: حَملَهُ ستّة أشهر ورضاعه أربعة وعشرون شهراً. وقال ابن إسحاق: حمله تسعة أشهر وفصاله من اللبن لأحد وعشرين شهراً. {حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ} نهاية قوّته وقامته وغاية شبابه واستوائه وهو ما بين ثماني عشرة سنة إلى أربعين سنة، فذلك قوله تعالى: {وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً} قال السدي والضحاك: نزلت هذه الآية في سعد بن أبي وقّاص. وقد مضت القصة، وقال الآخرون: نزلت في أبي بكر الصدّيق رضي الله عنه وأبيه أبي قحافة عثمان بن عمرة، وأُمّه أُمّ الخير بنت صخر بن عمرو بن عامر، فلمّا بلغ أبو بكر أربعين سنة آمن بالنبي صلى الله عليه وسلم وقال لربّه: إنّي تبت إليك وإنّي من المسلمين. أخبرنا ابن منجويه، حدّثنا عبيد الله بن محمّد بن شنبه، حدّثنا إسحاق بن صدقة، حدّثنا عبد الله بن هاشم، عن سيف بن عمر، عن عطية، عن أبي أيّوب، عن علي رضي الله عنه في قوله: {وَوَصَّيْنَا ٱلإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَاناً} نزلت في أبي بكر، أسلم أبواه جميعاً ولم يجتمع لأحد من أصحاب رسول الله [من] المهاجرين [أسلم] أبواه غيره، أوصاه الله بهما ولزم ذلك مَن بعده. {قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِيۤ} ألهمني وأوسعني. {أَنْ أَشكُرَ نِعْمَتَكَ ٱلَّتِيۤ أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِيۤ} أن تجعلهم مؤمنين صالحين. قالوا: فأجاب الله تعالى أبا بكر في أولاده فأسلموا، ولم يكن أحد من الصحابة أسلم هو ووالداه وبنوه وبناته إلاّ أبو بكر رضي الله عنه. {إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ * أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ} يعني أعمالهم الصالحة فيثيبهم عليها. {وَنَتَجَاوَزُ عَن سَيِّئَاتِهِمْ} فلا يعاقبهم بها. {فِيۤ أَصْحَابِ ٱلْجَنَّةِ} أي مع أصحاب الجنّة، و(في) بمعنى مع {وَعْدَ ٱلصِّدْقِ ٱلَّذِي كَانُواْ يُوعَدُونَ} وهو قوله: {أية : وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ} تفسير : [التوبة: 72] {وَٱلَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ} إذا دعوه إلى الإيمان بالله والإقرار بالبعث والجزاء. {أُفٍّ لَّكُمَآ} وهي كلمة كراهية. {أَتَعِدَانِنِيۤ} قراءة العامة (بنونين) حقيقيتين، وروى أهل الشام (بنون) واحدة مشدّدة {أَنْ أُخْرَجَ} من قبري حيّاً بعد فنائي وبلائي. {وَقَدْ خَلَتِ} مضت {ٱلْقُرُونُ مِن قَبْلِي} فلم يبعث منهم أحد. وقرأ الحسن والأعمش وأبو معمر أن أَخُرج بفتح وضم (الراء). {وَهُمَا يَسْتَغثِيَانِ ٱللَّهَ} يستصرخان الله ويستغيثانه عليه ويقولان له: {وَيْلَكَ آمِنْ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ مَا هَـٰذَآ} الذي تعدانني وتدعوانني إليه. {إِلاَّ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ} قال ابن عبّاس وأبو العالية والسدي ومجاهد: نزلت هذه الآية في عبد الله. وقيل: في عبد الرّحمن بن أبي بكر الصدِّيق. قال له أبواه: أسلم وألحّا عليه في دعائه إلى الإيمان. فقال: أحيوا لي عبد الله بن جدعان وعامر بن كعب ومشايخ قريش حتّى أسألهم عمّا يقولون. قال محمّد بن زياد: كتب معاوية إلى مروان حتّى يبايع الناس ليزيد، فقال عبد الرّحمن بن أبي بكر: لقد جئتم بها هرقلية، أتبايعون لأبنائكم؟ فقال مروان: هذا الذي يقول الله تعالى فيه: {وَٱلَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَّكُمَآ أَتَعِدَانِنِيۤ} ... الآية. فسمعت عائشة رضي الله عنه بذلك فغضبت، وقالت: والله ما هي به، ولو شئت لسمّيته ولكنّ الله لعن أباك وأنت في صلبه فأنت نضض من لعنة الله. {أولـئك الذين حق عليهم القول} وجب عليهم العذاب. قالوا: يعني الّذين أشار عليهم ابن أبي بكر، وقال أحيوهم إليّ، هم الّذين حقّ عليهم القول، وهم الماضون بقوله: {وقد خلت القرون من قبلي}، فإمّا ابن أبي بكر فقد أجاب الله تعالى فيه دعاء أبيه بقوله: {وأصلح لي في ذريتي} فأسلم وحسن إسلامه. وقال الحسن وقتادة: هذه الآية مرسلة عامة، وهي نعت عبد كافر فاجر عاق لوالديه. {أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلْقَوْلُ} وجب عليهم العذاب. قالوا: يعني الّذين أشار عليهم ابن أبي بكر، وقال أحيوهم إليّ، هم الّذين حقّ عليهم القول، وهم الماضون بقوله: {فِيۤ أُمَمٍ} مع أُمم. {قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمْ مِّنَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنسِ إِنَّهُمْ كَانُواْ خَاسِرِينَ * وَلِكُلٍّ} واحد من الفريقين المؤمنين والكافرين. {دَرَجَاتٌ مِّمَّا عَمِلُواْ} منازل ومراتب عند الله يوم القيامة بإعمالهم فيجازيهم عليها، وقال ابن زيد: في هذه الآية دُرج أهل النار تذهب سفالاً، ودُرج أهل الجنّة تذهب علوّاً. {وَلِيُوَفِّيَهُمْ} أجورهم (بالياء) مكي وبصري وهشام، والباقون (بالنون). {أَعْمَالَهُمْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ * وَيَوْمَ يُعْرَضُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ عَلَى ٱلنَّارِ} فيقال لهم: {أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ ٱلدُّنْيَا وَٱسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا} قرأ أبو جعفر وابن كثير ويعقوب (أذهبتم طيباتكم) بالاستفهام، واختلف فيه عن أهل الشام، وغيرهم بالخبر، وهما صحيحتان فصيحتان لأنّ العرب تستفهم بالتوبيخ وتترك الاستفهام فيه. فتقول: أذهبت ففعلت كذا وكذا؟، وذهبت ففعلت وفعلت؟ {فَٱلْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ ٱلْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي ٱلأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ وَبِمَا كُنتُمْ تَفْسُقُونَ} أخبرنا ابن محمّد بن الحسين بن منجويه، حدّثنا عبد الله بن إبراهيم بن علي بن عبدالله، حدّثنا محمّد بن أحمد بن إبراهيم الكرابيسي، حدّثنا حميد بن الربيع، حدّثنا أبو معمر، حدّثنا عبد الوارث، حدّثنا محمّد بن حجارة، عن حميد الشامي، عن سليمان، عن ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حديث : كان رسول الله إذا سافر كان آخر عهده بإنسان من أهله وأوّل من يدخل عليه إذا قدم فاطمة عليها السلام. فلمّا قدم من غزوة فأتاها فإذا لمحَ وقيل: لمح على بابها ورأى على الحسن والحسين قلبين من فضّة، فرجع ولم يدخل عليها، فلمّا رأت ذلك فاطمة ظنّت إنّه لم يدخل عليها من أجل ما رأى، فهتكت الستر ونزعت القلبين من الصّبيين، فقطعتهما، فبكى الصبيّان، فقسمته بينهما نصفين، فانطلقا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهما يبكيان، فأخذه رسول الله منهما، وقال: "يا ثوبان إذهب بهذا إلى بني فلان أهل بيت بالمدينة واشتر لفاطمة قلادة من عصب وسوارين من عاج" قال: "فإنّ هؤلاء أهل بيتي ولا أحبّ أن يأكلوا طيّباتهم في الحياة الدُّنيا" . تفسير : أنبأني عقيل بن محمّد، قال: أخبرنا المعافى بن زكريا، أخبرنا محمّد بن جرير، حدّثنا كثير، حدّثنا يزيد، حدّثنا سعيد، عن قتادة، قال: حدّثنا صاحب لنا، عن أبي هريرة، قال: إنّما كان طعامنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الأسودان: الماء، والتمر، والله ما كنا نرى سمراكم هذه ولا ندري ما هي. وبه عن قتادة، عن أبي بردة بن عبدالله بن قيس الأشعري، عن أبيه، قال: أي بُني لو شهدتنا ونحن مع نبيّنا صلى الله عليه وسلم إذا أصابتنا السماء حسبت إنّ ريحنا ريح الضأن، إنّما كان لباسنا الصوف. وبه عن قتادة، قال: ذُكر لنا أنّ عمر بن الخطّاب ح كان يقول: لو شئت كنت أطيبكم طعاماً وألينكم لباساً، ولكنّي أستبقي طيباتي. وذكر لنا أنّه لما قدم الشام صُنع له طعام لم ير قبله مثله. قال: هذا لنا فما لفقراء المسلمين الذين ماتوا وهم لا يشبعون من خبز الشعير؟ قال خالد ابن الوليد: لهم الجنّة. فاغرورقت عينا عمر، وقال: لئن كان حظّنا في الحطام وذهبوا فيما أرى أنا بالجنّة لقد باينونا بوناً بعيداً. وذُكر لنا أنّ النبي صلى الله عليه وسلم دخل على أهل الصفة، مكاناً يجتمع فيه فقراء المسلمين وهم يرقعون ثيابهم بالأدم ما يجدون لها رقاعاً. قال: أنتم اليوم خير أم يوم يغدو أحدكم في حلة ويروح في أُخرى، ويغدى عليه بحفئة ويُراح عليه بأُخرى، ويستر بيته كما يستر الكعبة؟ قالوا: نحن يومئذ خير. أخبرنا الحسين بن منجويه، حدّثنا محمّد بن أحمد بن نصرويه، حدّثنا أبو العبّاس أحمد ابن موسى الجوهري، حدّثنا علي بن سهل الرملي، حدّثنا الوليد بن مسلم، حدّثني رزق أبو الهذيل، حدّثني عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عبّاس، حديث : عن عمر بن الخطّاب رضي الله عنه أنّه حدّثه أنّه دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم حين هجر نساءه فوافاه على سرير رميل، يعني مرمُولاً مشدوداً، قد أثّر الحصيرُ في جنبه، متوسِّد وسادة من أدم محشوة ليف. فقال عمر: والتفتٌّ في البيت فوالله ما رأيت شيئاً يردّ البصر إلاّ أهب يعني جلداً معطوبة قد سطع ريحها، فبكيت، فقلت: يا رسول الله أنت رسول الله وخيرته، فيما أرى وهذا كسرى وقيصر في الديباج والحرير؟ فاستوى رسول الله جالساً، وقال: "أَوَفي شك أنت يابن الخطّاب؟" "أولئك قوم عجلت لهم طيّباتهم في حياتهم الدُّنيا" . تفسير : أخبرنا ابن منجويه الدينوري، حدّثنا عبيد الله بن محمّد بن عتبة، حدّثنا الفرماني، حدّثنا أبو أمية الواسطي، حدّثنا يزيد بن هارون، أخبرنا مبارك بن فضالة، حدّثنا حفص بن أبي العاص، قال: حديث : كنت أتغدى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فتغدينا الخبز والزيت والخل، والخبز واللبن، والخبز والقديد، وأقلّ ذلك اللحم العريض، وكان يقول: "لا تنخلوا الدقيق فإنّه كلّه طعام"تفسير : . فيجىء بخبز منقلع غليظ، فجعل يأكل ويقول لنا: كلوا. فجعلنا نعتذر، فقال: ما لكم لا تأكلون؟ فقلت: لا نأكله والله يا أمير المؤمنين، نرجع إلى طعام ألين من طعامك. قال: بخ يا بن أبي العاص، ألا ترى أنّي عالم بأن آمر بدقيق أن ينخل بخرقة فيَخبز في كذا، وكذا؟ أما ترى أنّي عالم إنّ آمر إلى عناق سمينة فُيلقى عنها شعرها، ثمّ تخرج صلاء كأنّه كذا وكذا؟ أما ترى أنّي عالم أن أعمل إليَّ صاع أو صاعين من زبيب فاجعله في سقاء ثمّ أرش عليه من الماء فيطبخ كإنّه دم غزال؟ قال: قلت: والله يا أمير المؤمنين إني لأراك عالماً بطيب العيش، فقال عمر: أجل، والله الذي لا إله إلاّ هو لولا إنّي أخاف أن ينقص من حسناتي يوم القيامة لشاركتكم في العيش، ولكنّي سمعت الله يقول لقوم: {أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ ٱلدُّنْيَا وَٱسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا}. أخبرنا ابن منجويه، حدّثنا عبد الله بن يوسف، حدّثنا عبدالله بن محمّد بن عبد العزيز، حدّثنا محمّد بن بكار الريان، حدّثنا أبو معشر، عن محمّد بن قيس، عن جابر بن عبدالله. قال: اشتهى أهلي لحماً، فمررت بعمر بن الخطّاب رضي الله عنه، فقال: ما هذا يا جابر؟ فقلت: أشتهى أهلي لحماً، فاشتريت لحماً بدرهم. فقال: أوكلّما اشتهى أحدكم شيئاً جعله في بطنه؟ أما تخشى أن تكون من أهل هذه الآية {أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ ٱلدُّنْيَا}؟ أخبرنا ابن منجويه، حدّثنا محمّد بن الحسين، حدّثنا بشر، حدّثنا ابن أبي الخصيب، أخبرني أحمد بن محمّد بن أبي موسى، حدّثنا أحمد بن أبي الحواري، حدّثنا أبي، قال: قال وهب بن الورد: خلق ابن آدم والخبز معه، فما زاد على الخبز ينمو شهوة. قال: فحدّثت به أبا سليمان. فقال: صدق، الملح مع الخبز شهوة. {وَٱذْكُرْ أَخَا عَادٍ} يعني هود (عليه السلام). {إِذْ أَنذَرَ قَوْمَهُ بِٱلأَحْقَافِ} قال ابن عبّاس: الأحقاف واد بين عمان ومهرة. مقاتل: كانت منازل عاد باليمن في حضرموت بموضع يقال له: مهرة إليها تنسب الجمال، فيقال: إبل مهرية ومهاري، وكانوا أهل عمد سيارة في الربيع، فإذا هاج العود رجعوا إلى منازلهم، وكانوا من قبيلة إرم. وقال الضحّاك: الأحقاف جبل بالشام. مجاهد: هي أرض جساق من جسمي. قتادة: ذكر لنا أنّ عاداً كانوا حيّاً باليمن أهل رمل مشرفين على البحر بأرض يقال لها: الشحر. ابن زيد: هي ما استطال من الرمل كهيئة الجبل ولم يبلغ أن يكون جبلاً. الكلبي: الأحقاف ما نضب عنه الماء زمان الغرق، كان ينضب الماء من الأرض ويبقى أثره. الخليل: هي الرمال العظام. الكسائي: هي ما استدار من الرمل، وواحدها حقف وحقاف، مثل دبغ ودباغ، ولبس ولباس. وقيل: الحقاف جمع الحقف، والأحقاف جمع الجمع. ونظير حقف أحقاف شبر وأشبار. قال الأعشى: شعر : فبات إلى أرطاة حقف تلفّه حريق شمال يترك الوجه أقتما تفسير : وقال: بنا بطن حرّى ذي حقاف عقنقل. ويقال: حقفٌ أحقف أي رمل متناه في الاستدار. قال العجاج: بات إلى إرطاة حقف أحقفا، والفعل منه أحقف. قال الراجز: سماوة الهلال حتّى احقوقفا. أي انحنى واستدار. {وَقَدْ خَلَتِ ٱلنُّذُرُ} مضت الرسل. {مِن بَيْنِ يَدَيْهِ} أي قبل هود. {وَمِنْ خَلْفِهِ} وهي في قراءة عبد الله و {مِن بَعْدِهِ} . {أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ ٱللَّهَ إِنَّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ * قَالُوۤاْ أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا} لتصرفنا. {عَنْ آلِهَتِنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ} من العذاب. {إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّادِقِينَ * قَالَ إِنَّمَا ٱلْعِلْمُ} بوقت مجيء العذاب. {عِندَ ٱللَّهِ} لا عندي وإنّما أنا مبلِّغ. {وَأُبَلِّغُكُمْ مَّآ أُرْسِلْتُ بِهِ وَلَـٰكِنِّيۤ أَرَاكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ * فَلَمَّا رَأَوْهُ} يعني العذاب. {عَارِضاً} نُصب على الحال، وإن شئت بالتكرير أي رأوهُ عارضا وهو السحاب، سمّي بذلك لأنّه يعرض أي يبدو في عرض السماء. قال مجاهد: استعرض بهم الوادي. قال الأعشى: شعر : يا من يرى عارضاً قد بتُّ أرمقه كإنّما البرق في حافاته الشعل تفسير : قال المفسِّرون: ساق الله تعالى السحابة السوداء التي اختار قيل بن عتز رأسه وقد عاد بما فيها من النقمة إلى عاد فخرجت عليهم من واد لهم يقال له: المغيث. وكانوا قد حبس عنهم المطر أيّاماً، فلمّا رأوها. [قالوا: هذا عارض ممطرنا حتى عرفت أنها ريح امرأة منهم يقال لها مهدر فصاحت وصعقت، فلمّا أفاقت قيل لها: ما رأيت؟ قالت: ريحاً فيها كشهب النار]. {مُّسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ} استبشروا بها. {قَالُواْ هَـٰذَا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا} يقول الله تعالى: {بَلْ هُوَ مَا ٱسْتَعْجَلْتُم بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ} فجعلت تحمل الفسطاط، وتحمل الظعينة، فترفعها حتّى ترى كأنّها جرادة. أخبرنا ابن منجويه، حدّثنا عبيد الله بن محمّد بن شنبه، حدّثنا عبيدالله بن أحمد بن منصور الكسائي، حدّثنا الحارث بن عبد الله، حدّثنا هشيم، عن جويبر، حدّثنا أبو داود الأعمى، عن ابن عبّاس في قول الله تعالى: {فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضاً مُّسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ} الآية، قال: لمّا دنا العارض قاموا فمدّوا أيديهم، فأوّل ما عرفوا أنّها عذاب رأوا ما كان خارجاً من ديارهم، من رحالهم، ومواشيهم تطير بهم الريح بين السماء والأرض، مثل الرشا، قالوا: فدخلوا بيوتهم، وأغلقوا أبوابهم، فجاءت الريح فغلّقت أبوابهم وصرعتهم، وأمر الله تعالى الريح فأهالت عليهم الرمال فكانوا تحت الرمل سبع ليال، وثمانية أيّاماً حسوماً لهم أنين، ثمّ أمر الله الريح فكشفت عنهم الرمال ثمّ أمرها فاحتملتهم، فرمت بهم في البحر. فهم الذين يقول الله تعالى: {تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا} مرّت به من رجال عاد وأموالها بأذن ربّها. أخبرنا ابن منجويه، حدّثنا عمر بن الخطّاب، حدّثنا عبدالله بن الفضل، حدّثنا أبو هشام، حدّثنا حفص، عن ابن جريح، عن عطاء، عن عائشة رضي الله عنه قالت: حديث : كان النبيّ صلى الله عليه وسلم إذا رأى الريح فزع، وقال: "اللّهم إنّي أسألك خيرها وخير ما فيها، وخير ما أرسلت به، وأعوذ بك من شرّها وشر ما فيها، وشرّ ما أرسلت به". فإذا رأى مخيلة قام، وقعد، وجاء، وذهب، وتغيّر لونه، فنقول: يا رسول الله، فيقول: "إنّي أخاف أن يكون مثل قوم عاد، حيث قالوا هذا عارض ممطرنا" . تفسير : {فَأَصْبَحُواْ لاَ يُرَىٰ إِلاَّ مَسَاكِنُهُمْ} قرأ الحسن (لا تُرى) بتاء مضمومة {إِلاَّ مَسَاكِنُهُمْ} برفع (النون). ومثله روى شعيب بن أيّوب، عن يحيى بن آدم، عن أبي بكر بن عيّاش، عن عاصم. قال أبو حاتم: هذا لا يستقيم في اللغة إلاّ إنْ أُوّل فيه إضمار كما تقول في الكلام: لا تُرى النساء إلاّ زينب، ولا يجوز لا تُرى إلاّ زينب، وقال سيبويه: معناه (لا ترى) أشخاصهم. {إِلاَّ مَسَاكِنُهُمْ} وأجرى الفرّاء هذه الآية على الاستكراه، وذكر أنّ المفضل أنشده: شعر : نارنا لم تر ناراً مثلها قد علمتْ ذاك معدّ كرما تفسير : فأَنّث فعل مثل لأنّه للنّار، قال: وأجود الكلام أن يقول: لم تر مثلها نار. وقرأ الأعمش وعاصم وحمزة ويعقوب وخلف (بياء) مضمومة {مَسَاكِنُهُمْ} رفعاً واختاره أبو عبيدة رفعاً وأبو حاتم. قال الكسائي: معناه لا يُرى شيء إلاّ مساكنهم. وقال الفرّاء: لا يُرى الناس لأنّهم كانوا تحت الرمل، فإنّما يرى مساكنهم لأنّها قائمة. وقرأ الباقون (تَرى) (بتاء) مفتوحة (مساكنهم) نصباً على معنى (لا ترى) يا محمّد (إلاّ مساكنهم). {كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْقَوْمَ ٱلْمُجْرِمِينَ}.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : هذه الآية لها نظير في سورة فُصّلت: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَامُواْ تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ ٱلْمَلاَئِكَةُ أَلاَّ تَخَافُواْ وَلاَ تَحْزَنُواْ وَأَبْشِرُواْ بِٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ}تفسير : [فصلت: 30]. نعم {فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} [الأحقاف: 13] فأيُّ خوف يُصيبهم، وأيّ حزن ينزل بهم وقد قالوا هذه الكلمة {رَبُّنَا ٱللَّهُ ..} [الأحقاف: 13] وهي لُبُّ العقيدة ثم لم يقولوها كلمةً جوفاء، إنما قرنوها بالعمل بمقتضى هذا الإيمان. {ثُمَّ ٱسْتَقَامُواْ ..} [الأحقاف: 13] أي: على أوامر العقيدة ونواهيها، ومعنى الاستقامة: السير على الطريق المستقيم الذي رسمه لك مَنْ آمنتَ به. وهذه الاستقامة تُصلح لك حركة حياتك وحركة الآخرين معك، والاستقامة بمفهوم الهندسة هي أقصر الطرق التي تُوصلِّك إلى غايتك. لذلك قلنا: إن الهدى مطيَّة تحملك وتُوصِّلك، الهدى ليس عبئاً على صاحبه بل أنت حِمْل عليه، يقول تعالى: {أية : أُوْلَـٰئِكَ عَلَىٰ هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ ..}تفسير : [لقمان: 5] فهم يعتلون الهدى وهو يحملهم. إذن: مَنْ نطق بهذه الكلمة {رَبُّنَا ٱللَّهُ ..} [الأحقاف: 13] ثم استقام عليها في حركة حياته ضمن الله له عدم الخوف وعدم الحزن، ولم يُؤجله إلى الآخرة، بل جعله بُشْرى تُبشِّرهم بها الملائكة في آية فُصِّلت: {أية : تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ ٱلْمَلاَئِكَةُ أَلاَّ تَخَافُواْ وَلاَ تَحْزَنُواْ وَأَبْشِرُواْ بِٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ}تفسير : [فصلت: 30]. أي: تتنزَّل عليهم ساعة الموت تُبشرهم وتُطمئنهم، فلا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون، الخوف توقُّع أمر يُؤذي ويضرّ، والحزن الفجيعة والألم لفقد شيء محبوب، فهم في أمن من هذا وذاك. وما دام الأمر كذلك فلا تخافوا من أعدائكم فلن ينالوا منكم شيئاً أبداً. لذلك كان عندهم قضية يقولونها لأعدائهم بشجاعة: {أية : قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَآ إِلاَّ إِحْدَى ٱلْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَن يُصِيبَكُمُ ٱللَّهُ بِعَذَابٍ مِّنْ عِندِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُوۤاْ إِنَّا مَعَكُمْ مُّتَرَبِّصُونَ}تفسير : [التوبة: 52]. يعني: إنْ تواجهنا في قتال فنحن ننتظر أحد أمرين، إما أنْ ننتصر عليكم ونكسر شوكتكم ونُذلكم، وإما أنْ نُقتل فنظفر بالشهادة، فنحن رابحون على أيِّ حال، أما أنتم فننتظر أنْ يُصيبكم اللهُ بعذاب من عنده أو بأيدينا، لذلك دخل المسلمون على هذه المسألة بثقة ويقين لا يخالطه شكّ.
الجيلاني
تفسير : إن المحسنين {إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُواْ} بعدما تحققوا بمقام العبودية {رَبُّنَا ٱللَّهُ} الواحد الأحد الصمد المستقل بالألوهية والربوبية {ثُمَّ} بعدما تمكنوا من مقر التوحيد وتمرنوا عليه {ٱسْتَقَامُواْ} فيه ورسخوا بمحافظة الآداب الشرعية والعقائد الدينية الموضوعة لتأييد أرباب المعرفة، وتمكينهم على جادة التوحيد؛ لئلا يطرأ عليهم التزلزل والانحراف عن صراط الحق وسواء سبيله {فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ} بعدما وصلوا إلى مقر التمكين {وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} [الأحقاف: 13] عن التردد والتلوين، وبالجملة: {أُوْلَـٰئِكَ} السعداء المقبولون عند الله {أَصْحَابُ ٱلْجَنَّةِ} المعدة لأرباب العناية {خَالِدِينَ فِيهَا} بلا تبديل ولا تحويل، وإنما جوزوا {جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} [الأحقاف: 14] من الإحسان مع الله بمراعاة الأدب معه سبحانه بملازمة الطاعات والعبادات على وجه الإخلاص والتسليم، ومع عمود عباده بحسن المعاشرة والمصاحبة وأداء حقوق المؤاخاة والموالاة. ثم اشار سبحانه إلى معظم أخلاق المحسنين المستحقين بخلود الجنة بالفوز العظيم فيها، فقال: {وَوَصَّيْنَا ٱلإِنسَانَ} أي: ومن جملة ما ألزمنا على الإنسان الاتصاف به والمحافظة عليه حتماً إكرامه {بِوَٰلِدَيْهِ إِحْسَاناً} لهما وحسن الأدب معهما، أداءً لحقوق تربيتهما وحضانتهما له، وكيف لا يحسن إليهما؛ إذ {حَمَلَتْهُ أُمُّهُ} لأجله حين حبلت به {كُرْهاً} مشقة عظيمة، وألماً شديداً، وحملاً ثقيلاً {وَ} حين {وَضَعَتْهُ} أيضاً {كُرْهاً} أشد من شمقة الحمل، وأكثر ألماً منها {وَ} ليست مشقتها ومقاساتها زماناً قليلاً، بل {حَمْلُهُ} أي: من حمل أمة إياه في بطنها {وَفِصَٰلُهُ} أي: مدة فطامه عن لبنها كلاهما {ثَلٰثُونَ شَهْراً} وهي مدة طويلة، ثم بعد فطامه أيضاً تلازم حفظه وحضانته {حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ} وكمل عقله ورشده {وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً} إذ القوة العاقلة إنما تكاملت دونها، لهذا قيل: لم يبعث نبي إلا بعد الأربعين إلا نادراً؟ {قَالَ} بعدما تذكر نعم الحق الفائضة عليه من بدء فطرته إلى أوان رشده وكماله مناجياً مع ربه مستمداً منه: {رَبِّ أَوْزِعْنِيۤ} أي: أولعني وحرصني بتوفيقك إياي {أَنْ أَشكُرَ نِعْمَتَكَ ٱلَّتِيۤ أَنْعَمْتَ عَلَيَّ} طل دهري وأواظب على أداء حقوقها حسب طاقتي وقدر قوتي {وَ} كذا أشكر نعمتك التي أنعمت {عَلَىٰ وَالِدَيَّ} إذ أداء حقوقهما، وما لزم عليهما من حقوق نعمك عليك واجبة عليَّ {وَ} كذا حرصني بمقتضى كرمك وجودك {أَنْ أَعْمَلَ صَٰلِحاً} مطلقاً على الوجه الذي {تَرْضَٰهُ} عني {وَ} بالجملة: {أَصْلِحْ لِي} بمقتضى كرامتك عليَّ عملي، واجعل بفضلك صلاحي سارياً {فِي ذُرِّيَّتِيۤ} ليكونوا صلحاء مثلي، وارثين مستحقين لكرامتك وعنايتك بهدايتهم وصلاحهم {إِنِّي تُبْتُ} ورجعت {إِلَيْكَ} عن جميع ما لا يرضيك من عملي؛ إذ أنت أعلم مني بحالي {مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ} إليك يا رب {وَإِنِّي} [الأحقاف: 15] المنقادين لك، المطيعين لحكمك، المفوضين أمورهم كلها إليك؛ إذ لا مقصد لنا غيرك ولا مرجع سواك.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : أي: إن الذين أقروا بربهم وشهدوا له بالوحدانية والتزموا طاعته وداموا على ذلك، و { اسْتَقَامُوا } مدة حياتهم { فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ } من كل شر أمامهم، { وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ } على ما خلفوا وراءهم. { أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ } أي: أهلها الملازمون لها الذين لا يبغون عنها حولا ولا يريدون بها بدلا { خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ } من الإيمان بالله المقتضى للأعمال الصالحة التي استقاموا عليها.
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير : 893 : 3 - سفين عن أبي اسحاق عن عامر بن سعد عن نمران البجلي قال، قرأت هذه الآية على أبي بكر الصديق {إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَامُواْ} قال، هم الذين لم يشركوا بالله شيئاً. [الآية 13].
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):