Verse. 4525 (AR)

٤٦ - ٱلْأَحْقَاف

46 - Al-Ahqaf (AR)

وَوَصَّيْنَا الْاِنْسَانَ بِوَالِدَيْہِ اِحْسٰـنًا۝۰ۭ حَمَلَتْہُ اُمُّہٗ كُرْہًا وَّوَضَعَتْہُ كُرْہًا۝۰ۭ وَحَمْلُہٗ وَفِصٰلُہٗ ثَلٰثُوْنَ شَہْرًا۝۰ۭ حَتّٰۗي اِذَا بَلَغَ اَشُدَّہٗ وَبَلَـغَ اَرْبَعِيْنَ سَـنَۃً۝۰ۙ قَالَ رَبِّ اَوْزِعْنِيْۗ اَنْ اَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِيْۗ اَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلٰي وَالِدَيَّ وَاَنْ اَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضٰىہُ وَاَصْلِحْ لِيْ فِيْ ذُرِّيَّتِيْ۝۰ۭۚ اِنِّىْ تُبْتُ اِلَيْكَ وَاِنِّىْ مِنَ الْمُسْلِمِيْنَ۝۱۵
Wawassayna alinsana biwalidayhi ihsanan hamalathu ommuhu kurhan wawadaAAathu kurhan wahamluhu wafisaluhu thalathoona shahran hatta itha balagha ashuddahu wabalagha arbaAAeena sanatan qala rabbi awziAAnee an ashkura niAAmataka allatee anAAamta AAalayya waAAala walidayya waan aAAmala salihan tardahu waaslih lee fee thurriyyatee innee tubtu ilayka wainnee mina almuslimeena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ووصَّينا الإنسان بوالديه حُسنا» وفي قراءة إحسانا، أي أمرناه أن يحسن إليهما فنصب إحسانا على المصدر بفعله المقدر ومثله حسنا «حملته أمه كرها ووضعته كرها» أي على مشقة «وحمله وفصاله» من الرضاع «ثلاثون شهرا» ستة أشهر أقل مدة الحمل والباقي أكثر مدة الرضاع، وقيل إن حملت به ستة أو تسعة أرضعته الباقي «حتى» غاية لجملة مقدرة، أي وعاش حتى «إذا بلغ أشده» هو كمال قوته وعقله ورأيه أقله ثلاث وثلاثون سنة أو ثلاثون «وبلغ أربعين سنة» أي تمامها وهو أكثر الأشد «قال رب» إلخ، نزل في أبي بكر الصديق لما بلغ أربعين سنة بعد سنتين من مبعث النبي صلى الله عليه وسلم آمن به ثم آمن أبواه ثم ابنه عبد الرحمن وابن عبد الرحمن أبو عتيق «أوزعني» ألهمني «أن أشكر نعمتك التي أنعمت» بها «عليَّ وعلى والديَّ» وهي التوحيد «وأن أعمل صالحا ترضاه» فأعتق تسعة من المؤمنين يعذبون في الله «وأصلح لي في ذريتي» فكلهم مؤمنون «إني تبت إليك وإني من المسلمين».

15

Tafseer

القرطبي

تفسير : فيه سبع مسائل: الأولى ـ قوله تعالى: {وَوَصَّيْنَا ٱلإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَاناً} بيّن ٱختلاف حال الإنسان مع أبويه، فقد يطيعهما وقد يخالفهما؛ أي فلا يبعد مثل هذا في حق النبيّ صلى الله عليه وسلم وقومه حتى يستجيب له البعض ويكفر البعض. فهذا وجه ٱتصال الكلام بعضه ببعض؛ قاله القشيريّ. الثانية ـ قوله تعالى: «حُسْناً» قراءة العامة «حُسْناً» وكذا هو في مصاحف أهل الحرمين والبصرة والشام. وقرأ ابن عباس والكوفيون «إحْسَاناً» وحجتهم قوله تعالى في سورة (الأنعام وبني إسرائيل): {أية : وَبِٱلْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً} تفسير : [الإسراء:3 2] وكذا هو في مصاحف الكوفة. وحجة القراءة الأولى قوله تعالى في سورة العنكبوت: {أية : وَوَصَّيْنَا ٱلإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْناً}تفسير : [العنكبوت: 8] ولم يختلفوا فيها. والحُسْن خلاف القُبْح. والإحسان خلاف الإساءة. والتوصية الأمر. وقد مضى القول في هذا وفيمن نزلت. الثالثة ـ قوله تعالى: {حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً} أي بكره ومشقة. وقراءة العامة بفتح الكاف. وٱختاره أبو عبيد، قال: وكذلك لفظ الكره في كل القرآن بالفتح إلا التي في سورة البقرة: {أية : كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ}تفسير : [البقرة: 216] لأن ذلك ٱسم وهذه كلها مصادر. وقرأ الكوفيون «كُرْهاً» بالضم. قيل: هما لغتان مثل الضُّعْف والضَّعْف والشُّهْد والشَّهْد؛ قاله الكسائي، وكذلك هو عند جميع البصريين. وقال الكسائيّ أيضاً والفرّاء في الفرق بينهما: إن الكره (بالضم) ما حمل الإنسان على نفسه، وبالفتح ما حمل على غيره؛ أي قهراً وغضباً؛ ولهذا قال بعض أهل العربية إن كرهاً (بفتح الكاف) لحن. الرابعة ـ قوله تعالى: {وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاَثُونَ شَهْراً} قال ابن عباس: إذا حملت تسعة أشهر أرضعت إحدى وعشرين شهراً، وإن حملت ستة أشهر أرضعت أربعة وعشرين شهراً. وروي أن عثمان قد أتِي بٱمرأة قد ولدت لستة أشهر؛ فأراد أن يقضي عليها بالحدّ؛ فقال له عليّ رضي الله عنه: ليس ذلك عليها، قال الله تعالى: {وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاَثُونَ شَهْراً} وقال تعالى: {أية : وَٱلْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ} تفسير : [البقرة: 233] فالرضاع أربعة وعشرون شهراً والحمل ستة أشهر، فرجع عثمان عن قوله ولم يحدّها. وقد مضى في «البقرة». وقيل: لم يعدّ ثلاثة أشهر في ٱبتداء الحمل؛ لأن الولد فيها نطفة وعلقة ومضغة فلا يكون له ثقل يحس به، وهو معنى قوله تعالى: {أية : فَلَماَّ تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفاً فَمَرَّتْ بِهِ}تفسير : [الأعراف: 189]. والفِصال الفطام. وقد تقدّم في «لقمان» الكلام فيه. وقرأ الحسن ويعقوب وغيرهما «وفَصْله» بفتح الفاء وسكون الصاد. وروي أن الآية نزلت في أبي بكر الصدّيق، وكان حمله وفصاله في ثلاثين شهراً، حملته أمه تسعة أشهر وأرضعته إحدى وعشرين شهراً. وفي الكلام إضمار؛ أي ومدّة حمله ومدّة فصاله ثلاثون شهراً؛ ولولا هذا الإضمار لنصب ثلاثون على الظرف وتغيّر المعنى. الخامسة ـ قوله تعالى: {حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ} قال ٱبن عباس: ثماني عشرة سنة. وقال في رواية عطاء عنه: إن أبا بكر صحب النبيّ صلى الله عليه وسلم وهو ٱبن ثماني عشرة سنة والنبيّ صلى الله عليه وسلم ٱبن عشرين سنة، وهم يريدون الشام للتجارة، فنزلوا منزلاً فيه سدرة، فقعد النبيّ صلى الله عليه وسلم في ظلها، ومضى أبو بكر إلى راهب هناك فسأله عن الدِّين. فقال الراهب: مَن الرجل الذي في ظل الشجرة؟ فقال: ذاك محمد بن عبد الله بن عبد المطلب. فقال: هذا والله نبيّ، وما ٱستظل أحد تحتها بعد عيسى. فوقع في قلب أبي بكر اليقين والتصديق؛ وكان لا يكاد يفارق رسول الله صلى الله عليه وسلم في أسفاره وحضرِه. فلما نُبىءَ رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ٱبن أربعين سنة، صدّق أبو بكر رضي الله عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ٱبن ثماني وثلاثين سنة. فلما بلغ أربعين سنة قال: «رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وعَلَى وَالِدَيَّ» الآية. وقال الشعبيّ وابن زيد: الأشدّ الحلم. وقال الحسن: هو بلوغ الأربعين. وعنه قيام الحجة عليه. وقد مضى في «الأنعام» الكلام في الآية. وقال السّدّي والضحاك: نزلت في سعد بن أبي وقاص. وقد تقدّم. وقال الحسن: هي مرسلة نزلت على العموم. والله أعلم. السادسة ـ قوله تعالى: {قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِيۤ} أي ألهمني. {أَنْ أَشكُرَ} في موضع نصب على المصدر؛ أي شكر نعمتك {عَلَيَّ} أي ما أنعمت به عليّ من الهداية {وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ} بالتحنن والشفقة حتى ربّياني صغيراً. وقيل: أنعمت عليّ بالصحة والعافية وعلى والديّ بالغنى والثروة. وقال عليّ رضي الله عنه: هذه الآية نزلت في أبي بكر الصدّيق رضي الله عنه؛ أسلم أبواه جميعاً ولم يجتمع لأحد من المهاجرين أن أسلم أبواه غيره، فأوصاه الله بهما ولزم ذلك من بعده. ووالده هو أبو قحافة عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تَيْم. وأمّه أمّ الخير، واسمها سَلْمَى بنت صخر بن عامر بن كعب بن سعد. وأم أبيه أبي قحافة «قَيْلة» بالياء المعجمة باثنتين من تحتها. وٱمرأة أبي بكر الصدّيق ٱسمها «قُتيلة» بالتاء المعجمة باثنتين من فوقها بنت عبد العزى. {وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ} قال ابن عباس: فأجابه الله فأعتق تسعة من المؤمنين يعذَّبون في الله منهن بلال وعامر بن فُهيرة؛ ولم يدَع شيئاً من الخير إلا أعانه الله عليه. وفي الصحيح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:حديث : من أصبح منكم اليوم صائماً»؟ قال أبو بكر أنا. قال: «فمن تبع منكم اليوم جنازة»؟ قال أبو بكر أنا. قال: «فمن أطعم منكم اليوم مسكيناً»؟ قال أبو بكر أنا. قال: «فمن عاد منكم اليوم مريضاً»؟ قال أبو بكر أنا. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما ٱجتمعن في ٱمرىء إلا دخل الجنة». تفسير : السابعة ـ قوله تعالى: {وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِيۤ} أي ٱجعل ذرّيتي صالحين. قال ابن عباس: فلم يبق له ولد ولا والد ولا والدة إلا آمنوا بالله وحده. ولم يكن أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم هو وأبواه وأولاده وبناته كلهم إلا أبو بكر. وقال سهل بن عبد الله: المعنى ٱجعلهم لي خَلَف صِدق، ولك عبيدَ حق. وقال أبو عثمان: ٱجعلهم أبراراً لي مطيعين لك. وقال ٱبن عطاء: وفقهم لصالح أعمال ترضى بها عنهم. وقال محمد بن علي: لا تجعل للشيطان والنفس والهوى عليهم سبيلاً. وقال مالك بن مِقول: ٱشتكى أبو معشر ٱبنَه إلى طلحة بن مُصَرِّف؛ فقال: ٱستعن عليه بهذه الآية؛ وتلا: {رَبِّ أَوْزِعْنِيۤ أَنْ أَشكُرَ نِعْمَتَكَ ٱلَّتِيۤ أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِيۤ إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ}. {إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ} قال ابن عباس: رجعت عن الأمر الذي كنت عليه. {وَإِنِّي مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ} أي المخلصين بالتوحيد.

ابن كثير

تفسير : لما ذكر تعالى في الآية الأولى التوحيد له، وإِخلاص العبادة والاستقامة إِليه، عطف بالوصية بالوالدين؛ كما هو مقرون في غير ما آية من القرآن؛ كقوله عز وجل: {أية : وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ إِيَّـٰهُ وَبِٱلْوَٰلِدَيْنِ إِحْسَـٰناً} تفسير : [الإسراء: 23] وقوله جل جلاله: {أية : أَنِ ٱشْكُرْ لِي وَلِوَٰلِدَيْكَ إِلَيَّ ٱلْمَصِيرُ} تفسير : [لقمان: 14] إِلى غير ذلك من الآيات الكثيرة. وقال عز وجل ههنا: {وَوَصَّيْنَا ٱلإِنسَـٰنَ بِوَٰلِدَيْهِ إِحْسَـٰناً} أي أمرناه بالإحسان إِليهما والحنو عليهما. وقال أبو داود الطيالسي: حدثنا شعبة، أخبرني سماك بن حرب قال: سمعت مصعب بن سعد يحدث عن سعد رضي الله عنه قال: قالت أم سعد لسعد: أليس قد أمر الله بطاعة الوالدين؟ فلا آكل طعاماً، ولا أشرب شراباً حتى تكفر بالله تعالى، فامتنعت من الطعام والشراب، حتى جعلوا يفتحون فاها بالعصا، ونزلت هذه الآية: {وَوَصَّيْنَا ٱلإِنسَـٰنَ بِوَٰلِدَيْهِ إِحْسَـٰناً} الآية. ورواه مسلم وأهل السنن إِلا ابن ماجه من حديث شعبة بإِسناده نحوه، وأطول منه {حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً} أي قاست بسببه في حمله مشقة وتعباً من وحام وغثيان وثقل وكرب، إِلى غير ذلك مما تنال الحوامل من التعب والمشقة، {وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً} أي بمشقة أيضاً من الطلق وشدته {وَحَمْلُهُ وَفِصَـٰلُهُ ثَلاَثُونَ شَهْراً}. وقد استدل علي رضي الله عنه بهذه الآية مع التي في لقمان {وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ} وقوله تبارك وتعالى: {أية : وَٱلْوَٰلِدَٰتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَـٰدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ ٱلرَّضَاعَةَ} تفسير : [البقرة: 233] على أن أقل مدة الحمل ستة أشهر، وهو استنباط قوي وصحيح، ووافقه عليه عثمان وجماعة من الصحابة رضي الله عنهم. قال محمد بن إِسحاق بن يسار عن يزيد بن عبدَالله بن قسيط عن بعجة بن عبد الله الجهني قال: تزوج رجل منا امرأة من جهينة، فولدت له لتمام ستة أشهر، فانطلق زوجها إلى عثمان رضي الله عنه، فذكر ذلك له، فبعث إليها، فلما قامت لتلبس ثيابها بكت أختها، فقالت: وما يبكيك؟ فوالله ما التبس بي أحد من خلق الله تعالى غيره قط، فيقضي الله سبحانه وتعالى في ما شاء، فلما أتى بها عثمان رضي الله عنه، أمر برجمها، فبلغ ذلك علياً رضي الله عنه، فأتاه فقال له: ما تصنع؟ قال: ولدت تماماً لستة أشهر، وهل يكون ذلك؟ فقال له علي رضي الله عنه: أما تقرأ القرآن؟ قال: بلى. قال: أما سمعت الله عز وجل يقول: {وَحَمْلُهُ وَفِصَـٰلُهُ ثَلاَثُونَ شَهْراً} وقال: {أية : حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ} تفسير : [البقرة: 233] فلم نجده بقي إلا ستة أشهر، قال: فقال عثمان رضي الله عنه والله: ما فطنت بهذا، عليَّ بالمرأة، فوجدوها قد فرغ منها، قال: فقال بعجة: فوالله ما الغراب بالغراب، ولا البيضة بالبيضة، بأشبه منه بأبيه، فلما رآه أبوه قال: ابني والله لا أشك فيه. قال: وابتلاه الله تعالى بهذه القرحة بوجهه الآكلة، فمازالت تأكله حتى مات، رواه ابن أبي حاتم، وقد أوردناه من وجه آخر عند قوله عز وجل: {أية : فَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْعَـٰبِدِينَ} تفسير : [الزخرف: 81]. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا فروة بن أبي المغراء، حدثنا علي بن مسهر عن داود بن أبي هند عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما: قال: إذا وضعت المرأة لتسعة أشهر، كفاه من الرضاع أحد وعشرون شهراً، وإذا وضعته لسبعة أشهر، كفاه من الرضاع ثلاثة وعشرون شهراً، وإذا وضعته لستة أشهر، فحولين كاملين؛ لأن الله تعالى يقول: {وَحَمْلُهُ وَفِصَـٰلُهُ ثَلاَثُونَ شَهْراً حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ} أي قوي وشب وارتجل. {وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً} أي تناهى عقله، وكمل فهمه وحلمه. ويقال: إنه لا يتغير غالباً عما يكون عليه ابن الأربعين، قال أبو بكر بن عياش عن الأعمش عن القاسم بن عبد الرحمن قال: قلت لمسروق: متى يؤخذ الرجل بذنوبه؟ قال: إذا بلغت الأربعين، فخذ حذرك. وقال الحافظ أبو يعلى الموصلي: حدثنا أبو عبد الله القواريري، حدثنا عروة بن قيس الأزدي، وكان قد بلغ مئة سنة، حدثنا أبو الحسن السلولي عمر بن أوس قال: قال محمد بن عمرو ابن عثمان عن عثمان رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : العبد المسلم إذا بلغ أربعين سنة، خفف الله تعالى حسابه، وإذا بلغ الستين سنة رزقه الله تعالى الإنابة إليه، وإذا بلغ سبعين سنة أحبه أهل السماء، وإذا بلغ ثمانين سنة ثبت الله تعالى حسناته ومحا سيئاته، وإذا بلغ تسعين سنة غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وشفعه الله تعالى في أهل بيته، وكتب في السماء أسير الله في أرضه» تفسير : وقد روي هذا من غير هذا الوجه، وهو في مسند الإمام أحمد، وقد قال الحجاج بن عبد الله الحكمي أحد أمراء بني أمية بدمشق: تركت المعاصي والذنوب أربعين سنة حياء من الناس، ثم تركتها حياءً من الله عز وجل، وما أحسن قول الشاعر:شعر : صَبا ما صَبا حتى عَلا الشَّيْبُ رأسَهُ فَلَمّا عَلاهُ قالَ للباطل: ابْعدِ! تفسير : {قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِيۤ} أي ألهمني {أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ ٱلَّتِيۤ أَنْعَمْتَ عَلَىَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَـٰلِحاً تَرْضَـٰهُ} أي في المستقبل {وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِيۤ} أي نسلي وعقبي {إِنَّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ} وهذا فيه إرشاد لمن بلغ الأربعين أن يجدد التوبة والإنابة إلى الله عز وجل، ويعزم عليها، وقد روى أبو داود في سننه عن ابن مسعود رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعلمهم أن يقولوا في التشهد: «حديث : اللهم ألف بين قلوبنا، وأصلح ذات بيننا، واهدنا سبل السلام ونجنا من الظلمات إلى النور، وجنبنا الفواحش ما ظهر منها وما بطن، وبارك لنا في أسماعنا وأبصارنا وقلوبنا وأزواجنا وذرياتنا، وتب علينا، إنك أنت التواب الرحيم، واجعلنا شاكرين لنعمتك، مثنين بها عليك قابليها وأتممها علينا» تفسير : . قال الله عز وجل: {أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ وَنَتَجَاوَزُ عَن سَيْئَـٰتِهِمْ فِيۤ أَصْحَـٰبِ ٱلْجَنَّةِ} أي هؤلاء المتصفون بما ذكرنا، التائبون إلى الله تعالى، المنيبون إليه، المستدركون ما فات بالتوبة والاستغفار، هم الذين نتقبل عنهم أحسن ما عملوا، ونتجاوز عن سيئاتهم، فنغفر لهم الكثير من الزلل، ونتقبل منهم اليسير من العمل. {فِيۤ أَصْحَـٰبِ ٱلْجَنَّةِ} أي هم في جملة أصحاب الجنة، وهذا حكمهم عند الله؛ كما وعد الله عز وجل من تاب إليه وأناب، ولهذا قال تعالى: {وَعْدَ ٱلصِّدْقِ ٱلَّذِي كَانُواْ يُوعَدُونَ} قال ابن جرير: حدثني يعقوب بن إبراهيم، حدثنا المعتمر بن سليمان عن الحكم بن أبان عن الغطريف، عن جابر بن زيد عن ابن عباس رضي الله عنهما، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الروح الأمين عليه الصلاة والسلام قال: «حديث : يؤتى بحسنات العبد وسيئاته، فيقتص بعضها ببعض، فإن بقيت حسنة وسع الله تعالى له في الجنة» تفسير : قال: فدخلت على يزداد، فحدث بمثل هذا، قال: قلت: فإن ذهبت الحسنة؟ قال: { أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ وَنَتَجَاوَزُ عَن سَيْئَـٰتِهِمْ فِيۤ أَصْحَـٰبِ ٱلْجَنَّةِ وَعْدَ ٱلصِّدْقِ ٱلَّذِي كَانُواْ يُوعَدُونَ} وهكذا رواه ابن أبي حاتم عن أبيه عن محمد بن عبد الأعلى الصنعاني عن المعتمر بن سليمان بإسناده مثله، وزاد: عن الروح الأمين. قال: قال الرب جل جلاله: يؤتى بحسنات العبد وسيئاته فذكره، وهو حديث غريب وإسناده جيد لا بأس به. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا سليمان بن معبد، حدثنا عمرو بن عاصم الكلائي، حدثنا أبو عوانة عن أبي بشر جعفر بن أبي وحشية عن يوسف بن سعد، عن محمد بن حاطب قال: ونزل في داري حيث ظهر علي رضي الله عنه على أهل البصرة، فقال له يوماً: لقد شهدت أمير المؤمنين علياً رضي الله عنه، وعنده عمار وصعصعة والأشتر ومحمد بن أبي بكر رضي الله عنهم، فذكروا عثمان رضي الله عنه، فنالوا منه، فكان علي رضي الله عنه على السرير، ومعه عود في يده، فقال قائل منهم: إن عندكم من يفصل بينكم، فسألوه، فقال علي رضي الله عنه: كان عثمان رضي الله عنه من الذين قال الله تعالى: { أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ وَنَتَجَاوَزُ عَن سَيْئَـٰتِهِمْ فِيۤ أَصْحَـٰبِ ٱلْجَنَّةِ وَعْدَ ٱلصِّدْقِ ٱلَّذِى كَانُواْ يُوعَدُونَ} قال: والله عثمان وأصحاب عثمان رضي الله عنهم، قالها ثلاثاً. قال يوسف: فقلت لمحمد بن حاطب: آلله لسمعت هذا من علي رضي الله عنه؟ قال: آلله لسمعت هذا من علي رضي الله عنه.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَوَصَّيْنَا ٱلإِنسَٰنَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَٰناً } وفي قراءة إحسانا أي أمرناه أن يحسن إليهما، فنصب إحسانا على المصدر بفعله المقدّر، ومثله حسناً {حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً } أي على مشقة {وَحَمْلُهُ وَفِصَٰلُهُ } من الرضاع {ثَلاَثُونَ شَهْراً } ستة أشهر أقلّ مدّة الحمل، والباقي أكثر مدّة الرضاع. وقيل: إن حملت به ستة أو تسعة أرضعته الباقي {حَتَّىٰ } غاية لجملة مقدّرة: أي وعاش حتى {إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ } هو كمال قوّته وعقله ورأيه: أقله ثلاث وثلاثون سنة أو ثلاثون {وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً } أي تمامها وهو أكثر الأشدّ {قَالَ رَبِّ } الخ نزل في أبي بكر الصديق لما بلغ أربعين سنة بعد سنتين من مبعث النبي صلى الله عليه وسلم آمن به ثم آمن أبواه ثم ابنه عبد الرحمن وابن عبد الرحمن أبو عتيق {أَوْزِعْنِى } ألهمني {أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ ٱلَّتِى أَنْعَمْتَ } بها {عَلَىَّ وَعَلَىٰ وَالِدَىَّ } وهي التوحيد {وَأَنْ أَعْمَلَ صَٰلِحاً تَرْضَٰهُ } فأعتق تسعة من المؤمنين يعذبون في الله {وَأَصْلِحْ لِى فِى ذُرِّيَّتِى } فكلهم مؤمنون {إِنِّى تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّى مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ }.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {وَوَصَّيْنَا الإنْسَانَ بِوَالِدَيْه إحْسَاناً} في قراءة أهل الكوفة وقرأ الباقون حسناً. قال السدي: يعني براً. {حَمَلْتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً} أي حملته بمشقة ووضعته بمشقة. وقرىء كرهاً بالضم والفتح. قال الكسائي والفراء في الفرق بينهما أن الكره بالضم ما حمل الإنسان على نفسه، وبالفتح ما حمل على غيره. {وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاَ ثُونُ شَهْراً} الفصال مدة الرضاع، فقدر مدة الحمل والرضاع ثلاثون شهراً، وكان في هذا التقدير قولان: أحدهما: أنها مدة قدرت لأقل الحمل وأكثر الرضاع، فلما كان أكثر الرضاع أربعة وعشرين شهراً لقوله تعالى: {أية : حَولَينِ كَامِلَينِ لِمَنْ أَرادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ} تفسير : [البقرة: 233] دل ذلك على أن مدة أقل الحمل ما بقي وهو ستة أشهر، فإن ولدته لتسعة أشهر لم يوجب ذلك نقصان الحولين في الرضاع، قاله الشافعي وجمهور الفقهاء. الثاني: أنها مدة جمعت زمان الحمل ومدة الرضاع، فإن كانت حملته تسعة أشهر؛ أرضعته أحداً وعشرين شهراً، وإن كانت حملته عشرة أشهر أرضعته شهراً لئلا تزيد المدة فيهما عن ثلاثين شهراً، قاله ابن عباس. {حَتَّى إذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ} وفي الأشد تسعة أقاويل: أحدها: أنه البلوغ، قاله ابن مالك والشعبي وزيد بن أسلم. الثاني: خمسة عشر سنة، قاله محمد بن أويس. الثالث: ثماني عشرة سنة، قاله ابن جبير. الرابع: عشرون سنة، قاله سنان. الخامس: خمسة وعشرون سنة، قاله عكرمة. السادس: ثلاثون سنة، قاله السدي. السابع: ثلاثة وثلاثون سنة، قاله ابن عباس. الثامن: أربعة وثلاثون سنة، قاله سفيان الثوري. التاسع: أربعون سنة، وهو قول عائشة، والحسن. {وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً} فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: لأنها زمان الأشد، وهو قول من ذكرنا. الثاني: لأنها زمان الاستواء، قال زيد بن أسلم: لم يبعث الله نبياً حتى يبلغ الأربعين. وقال ابن زيد: وقوله تعالى لموسى {وَاسْتَوَى} قال بلغ أربعين سنة. وقال الشعبي: يثغر الغلام لسبع ويحتلم لأربع عشرة، وينتهي طوله لإحدى وعشرين سنة، وينتهي عقله لثمان وعشرين، فما زاد بعد ذلك فهو تجربة ويبلغ أشده لثلاث وثلاثين. الثالث: لأنها أول عمر بعد تمام عمر، قال ابن قيس. {رَبِّ أَوْزِعْنِي} قال سفيان معناه ألهمني. قال ابن قتيبة: والأصل في الإيزاع هو الإغراء بالشيء، ويقال فلان موزع بكذا أي مولع به. {أَن أَشْكُر نِعْمَتَكَ الَّتي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ} يحتمل وجهين: أحدهما: أنعمت علي بالبر والطاعة، وأنعمت على والدي بالتحنن والشفقة. الثاني: أنعمت عليَّ بالعافية والصحة، وعلى والديَّ بالغنى والثروة، وفي النعمة على كل واحد منهما نعمة على الآخر لما بينهما من الممازجة والحقوق الملتزمة. وحكى أبو زهير عن الأعمش قال: سمعتهم يقولون إن الولد يأتيه رزقه من أربع خلال: يأتيه رزقه وهو في بطن أمه، ثم يولد فيكون رزقه في ثدي أمه، فإذا تحرك كان رزقه على أبويه، فإذا اجتمع وبلغ أشده جلس يهتم للرزق ويقول من أين يأتيني رزقي، فاختصت الأم بخلتين من خلال رزقه، واشترك أبوه في الثالثة، وتفرد هو بالرابعة، فذهب عنه الهم لما كان موكلاً إلى غيره، واهتم لما صار موكلاً إلى نفسه ليتنبه بذلك على التوكل على خالقه ليكون نقى لهمته وأقل لحيرته وأدرّ لرزقه، وليعلم أن لأمه عليه حقاً يعجز عن أدائه لما عانت من موارد رزقه ما عجز الخلق عن معاناته. {وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ} يحتمل وجهين: أحدهما: في بر الوالدين. الثاني: في ديني. {وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَتِي} يحتمل وجهين: أحدهما: أن يدعو بإصلاحهم لبره وطاعته لإضافته ذلك إلى نفسه. الثاني: أن يدعو بإصلاحهم لطاعة الله وعبادته وهو الأشبه، لأن طاعتهم لله من بره، ولأنه قد دعا بصلاح ذرية قد تكون من بعده. وفيه لأصحاب الخواطر أربعة أوجه: أحدها: قاله سهل: اجعلهم لي خلف صدق ولك عبيد حق. الثاني: قاله أبو عثمان: اجعلهم أبراراً، أي مطيعين لك. الثالث: قاله ابن عطاء وفقهم لصالح أعمال ترضى بها عنهم. الرابع: قاله محمد الباقر رضي الله عنه: لا تجعل للشيطان والنفس والهوى عليهم سبيلاً. {إنِّي تُبْتُ إِِلَيكَ} قال ابن عباس: رجعت عن الأمر الذي كنت عليه. وفي هذه الآية قولان: أحدهما: أنها نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله عنه، قاله مقاتل والكلبي. الثاني: مرسلة نزلت على العموم، قاله الحسن. قوله عز وجل: {أُوْلَئكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنهم إذا أسلموا قبلت حسناتهم وغفرت سيئاتهم، قاله زيد بن أسلم يحكيه مرفوعاً. الثاني: هو إعطاؤهم بالحسنة عشراً رواه أبو هلال. الثالث: هي الطاعات لأنها الأحسن من أعماله التي يثاب عليها وليس في المباح ثواب ولا عقاب، حكاه ابن عيسى. {وَنَتَجَاوَزُ عَن سَيِّئَاتِهِم فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: نتجاوز عن سيئاتهم بالرحمة. الثاني: نتجاوز عن صغائرهم بالمغفرة. الثالث: نتجاوز عن كبائرهم بالتوبة. {وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُواْ يُوعَدُونَ} وعد الصدق الجنة، الذي كانوا يوعدون في الدنيا على ألسنة الرسل.

ابن عبد السلام

تفسير : {إِحْسَاناً} براً {كُرْهاً} بمشقة والكره بالضم ما حمله الإنسان على نفسه وبالفتح ما حمل على غيره {وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ} فطامه ثلاثونَ شهراً مدة لأكثر فصاله وأقل حمله ففصاله حولان كاملان فإن وضعته لتسعة أشهر، أو أكثر فلا يوجب ذلك نقص الحولين قاله الجمهور، أو الثلاثون جامعة لزمان الحمل ومدة الرضاع فإن وضعته لتسعة أشهر أرضعته إحدى وعشرين شهراً وإن وضعته لعشرة أرضعته عشرين لئلا تزيد مدتهما على الثلاثين "ع" {أَشُدَّهُ} بلوغه، أو خمس عشرة سنة، أو ثماني عشرة سنة، أو عشرون، أو خمس وعشرون، أو ثلاثون، أو ثلاث وثلاثون"ع"، أو أربع وثلاثون، أو أربعون"ح" {أَرْبَعِينَ سَنَةً} لأنها زمان الأشد، أو زمان الاستواء ولما بلغ موسى أشده واستوى ببلوغ الأربعين، أو لأنها عمر بعد تمام عمر {أَوْزِعْنِى} ألهمني أصله الإغراء أوزع بكذا أغرى به. {فِى ذُرِّيَّتِى} اجعلهم لي خلف صدق ولك عبيد حق وأبراراً بي مطيعين لك، أو وفقهم لما يرضيك عنهم {تُبْتُ إِلَيْكَ} رجعت عما كنت عليه نزلت في أبي بكر ـ رضي الله تعالى عنه ـ خاصة أو هي عامة "ح".

الثعالبي

تفسير : وقوله سبحانه: {وَوَصَّيْنَا ٱلإِنسَـٰنَ} يريد: النوع، أي: هكذا مَضَتْ شرائِعِي وكُتُبِي، فَهِيَ وَصِيَّةٌ من اللَّه في عباده، وبِرُّ الوالدَيْنِ واجبٌ، وعُقُوقُهُمَا كبيرةٌ، وقد قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : كُلُّ شَيْءٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ حِجَابٌ إلاَّ شَهَادَةَ أَنْ لاَ إلٰهَ إلاَّ اللَّه، وَدَعْوَةَ الْوَالِدَيْنِ »تفسير : قال * ع *: ولن يَدْعُوَا في الغالب إلاَّ إذا ظلمَهُمَا الوَلَدُ، فهذا يَدْخُلُ في عُمُومِ قوله ـــ عليه السلام ـــ: «حديث : اتَّقُوا دَعْوَةَ المَظْلُومِ؛ فَإنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللَّهِ حِجَابٌ»تفسير : ثم عَدَّدَ سُبْحَانَهُ عَلَى الأبْنَاءِ مِنَنَ الأُمَّهَاتِ. وقوله تعالى: {حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً} قال مجاهد، والحسن، وقتادة: حملته مَشَقَّةً، ووضعته مَشَقَّةً، قال أبو حَيَّان: {وَحَمْلُهُ} علَىٰ حَذْفِ مضافٍ، أي: مدَّة حمله، انتهى. وقوله: {ثَلاَثُونَ شَهْراً} يقتضى أَنَّ مُدَّة الحمل والرَّضَاعِ هي هذه المُدَّةُ، وفي البقرة: {أية : وَٱلْوٰلِدٰتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَـٰدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ } تفسير : [البقرة:233] فيترتب من هذا أَنَّ أَقَلَّ مُدَّةِ الحَمْلِ سِتَّةُ أَشهر، وأقلَّ ما يَرْضَعُ الطفْلُ عَامٌ وتسعَةُ أشْهُرٍ، وإكمال الحولَيْنِ هو لمن أراد أَنْ يُتِمَّ الرضاعة، وهذا في أمد الحَمْلِ، هو مذهب مالك وجماعة من الصحابة، وأقوى الأقوال في بلوغ الأَشُدِّ ستةٌ وثلاثُونَ سنَةً، قال * ع *: وإنَّما ذكر تعالى الأربعين؛ لأَنَّها حَدٌّ للإنسان في فلاحه ونَجَابَتِهِ، وفي الحديث: «حديث : إنَّ الشَّيْطَانَ يَجُرُّ يَدَهُ عَلَىٰ وَجْهِ مَنْ زادَ عَلَى الأَرْبَعِينَ وَلَمْ يَتُبْ، فَيَقُولُ: بِأَبِي، وَجْهٌ لاَ يُفْلِحُ ».تفسير : * ت *: وحَدَّثَ أبو بَكْرِ ابْنُ الخَطِيبِ في «تاريخِ بَغْدَادَ» بسنده المُتَّصِلِ عن أنسٍ، قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: «حديث : إذَا بَلَغَ الْعَبْدُ أَرْبَعِينَ سَنَةً، أَمَّنَهُ اللَّهُ مِنَ البَلاَيَا الثَّلاَثِ: الجُنُونِ، وَالجُذَامِ وَالْبَرَصِ، فَإذا بَلَغَ خَمْسِينَ سَنَةً خَفَّفَ اللَّهُ عَنْهُ الحِسَابَ، فَإذَا بَلَغَ سِتِّينَ سَنَةً رَزَقَهُ اللَّهُ الإنَابَةَ لِمَا يُحِبُّ، فَإذَا بَلَغَ سَبْعِينَ سَنَةً غَفَرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ، وَشُفِّعَ في أَهْلِ بَيْتِهِ، وَنَادَاهُ مُنَادٍ مِنَ السَّمَاءِ: هَذَا أَسِيرُ اللَّهِ في أَرْضِهِ»تفسير : انتهى، وهذا ـــ واللَّه أعلم ـــ في العبد المُقْبِلِ على آخرته، المشتغل بطاعة ربه. وقوله: {رَبِّ أَوْزِعْنِى} معناه: ادفع عني الموانع، وأَجِرْنِي من القواطع؛ لأجل أنْ أشكرَ نعمتك، ويحتمل أنْ يكون {أَوْزِعْنِى} بمعنى: اجعل حَظِّي ونصيبي، وهذا من التوزيع. * ت *: وقال الثعلبيُّ وغيره {أَوْزِعْنِى}: معناه: ألهمني، وعبارة الفَخْر: قال ابن عباس {أَوْزِعْنِى}: معناه: ألهمني، قال صَاحِبُ «الصِّحَاحِ» ٱسْتَوْزَعْتُ اللَّهَ فَأَوْزَعَنِي، أي: استَلْهَمْتُهُ فألْهَمَنِي، انتهى، قال ابن عباس {نِعْمَتَكَ}: في التوحيد و{صَـٰلِحاً تَرْضَـٰهُ}: الصلواتِ، والإصلاحُ في الذُّرِّيَّةِ: كونُهم أَهْلَ طاعة وخيرٍ، وهذه الآية معناها: أَنْ هٰكَذَا ينبغي للإنسان أنْ يَكُونَ، فهي وَصِيَّةُ اللَّه تعالى للإنسان في كُلِّ الشرائع، وقولُ مَنْ قال: إنَّها في أبي بكر وأبويه ـــ ضعيف؛ لأَنَّ هذه الآية نزلت بمَكَّةَ بلاَ خِلاَفٍ، وأبو قُحَافَةَ أَسْلَمَ عامَ الفتح، وفي قوله تعالى: {أُوْلَـئِكَ ٱلَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ...} الآية: دليلٌ على أَنَّ الإشارة بقوله: {وَوَصَّيْنَا ٱلإِنسَـٰنَ} إنما أراد به الجِنْسَ. وقوله: {فِى أَصْحَـٰبِ ٱلْجَنَّةِ} يريد: الذين سبقت لهم رحمةُ اللَّه، قال أبو حَيَّان {فِى أَصْحَـٰبِ ٱلْجَنَّةِ} قيل: {فِى} على بابها، أي: في جملتهم؛ كما تقول: أَكْرَمَنِي الأمِيرُ في نَاسٍ، أي: في جملةِ مَنْ أَكْرَمَ، وقيل: {فِى} بمعنى مع، انتهى.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {وَوَصَّيْنَا ٱلإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَاناً} تقدم نظيره. قرأ الكوفيون: إحْساناً، وباقي السبعة "حسناً" بضَمِّ الحاء وسكون السين، فالقراءة الأولى يكون "إحْسَاناً" فيها منصوباً بفعل مقدر أي وصيناه أن يحسن إليهما إِحْسَاناً وقيل: بل هو مفعول به على تضمين وصينا معنى "أَلْزَمْنَا" فيكون مفعولاً ثانياً وقيل: بل هو منصوب على المفعول له، أي وصَّيْنَا بهما إحْسَاناً منا إليهما. وقيل: هو منصوب على المصدر، لأن معنى وصينا أحْسَنًّا، فهو مصدر صريحٌ، والمفعول الثاني هو المجرور بالباء. وقال ابن عطية: إنها تتعلق إما "بوصَّيْنَا" وإما "بإحْسَاناً" وردَّ عليه أبو حيان هذا الثاني بأنه مصدر مؤول فلا يتقدم معموله عليه، ولأن "أَحْسَنَ" لا يتعدى بالباء، وإنما يتعدى باللام لا تقول: أَحْسِنْ بزَيْدٍ على معنى وصول الإحسان إليه. ورد بعضهم هذا بقوله: {أية : أَحْسَنَ بَيۤ إِذْ أَخْرَجَنِي}تفسير : [يوسف:100]. وقيل: هو بغير هذا المعنى. وقدر بعضهم: ووصينا الإنسان بوالديه ذَا إحْسَانٍ، يعني فيكون حالاً. وأما "حُسْناً" فقيل فيها ما تقدم في "إحسان". وقرأ عِيسَى والسُّلَمي بفتحهما. وقد تقدم معنى القراءتين في البقرة وفي لقمان. قال ابن الخطيب: حجة من قرأ إحساناً قوله تعالى في سورة بني إسرائيل: {أية : وَبِٱلْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً}تفسير : [الإسراء:23] ومعناه أمر بأن يوصل إليهما إحساناً. وحجة القراءة الأخرى قوله تعالى في سورة العنكبوت: {أية : وَوَصَّيْنَا ٱلإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْناً}تفسير : [العنكبوت:8] ولم يختلفوا فيه. والمراد أنا أمرناه بأن يوصل إليهما فعلاً حسنا، كما يقال: هذا الرجل عِلْمٌ وكَرَمٌ. قوله: {حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً} قرأ أهل الحجاز وأبو عمرو بفتح الكاف، والباقون بضمها، وقيل: هما لغتان بمعنى واحد، مثل الضَّعْف والضُّعْف، والفَقْر والفُقْر، ومن غير المصادر الدَّفُّ، والدُّفُّ، والشَّهْدُ والشُّهْدُ وقال الواحدي: الكُرْهُ مصدر من كَرِهْتُ الشيء أَكْرَهُهُ والكَرْهُ الاسمُ كأنه الشيء المكروه، قال تعالى: {أية : كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ}تفسير : [البقرة:216] فهذا بالضم، وقال: {أية : تَرِثُواْ ٱلنِّسَآءَ كَرْهاً}تفسير : [النساء:19] فهذا في موضع الحال، وما كان مصدراً في موضع الحال فالفتح فيه أحسن. وقال أبو حاتم: الكره بالفتح لا يحسن، لأنه بالفتح الغَصْبُ والغَلبة. ولا يلتفت لما قاله لتواتر هذه القراءة. وانتصابهما إمَّا على الحال من الفاعل أي ذات كره، وإِمَّا على النعت لمصدر مقدر أي حَمْلاً كُرْهاً. فصل قال المفسرون: حملته أمُّه مشقةً على مشقةٍ، ووضعته بمشقَّةٍ وليس المراد ابتداء الحمل فإن ذلك لا يكون مشقة، لقوله تعالى: {أية : فَلَماَّ تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفاً فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّآ أَثْقَلَتْ}تفسير : [الأعراف:189] فحينئذ حملته كرهاً ووضعته كرهاً يريد شدة الطلق. فصل دلت الآية على أن حق الأم أعظم لأنه تعالى قال: {وَوَصَّيْنَا ٱلإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَاناً} فذكرهما معاً، ثم خص الأُمَّ بالذكر فقال: {حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً} وذلك يدل على أن حقها أعظمُ وأَنَّ وصول المشاقّ إليها بسبب الولد كثيرة والأخبار كثيرة في هذا الباب. قوله: {وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ} أي مدة حمله. وقرأ العامة وفِصَالُهُ مَصْدَر "فَاصَل" كأن الأم فَاصَلَتْهُ وهُوَ فَاصَلَهَا. والجَحْدَرِيُّ والحَسَنُ وقَتَادَةُ: وفَصْلُهُ. قيل: والفَصْلُ والفِصَالُ بمعنى كالعَظْمِ والعِظَامِ والقَطْفِ والقِطَافِ. ولو نصب "ثلاثين" على الظرف الواقع موقع الخبر جاز وهو الأصل، هذا إذا لم نُقدر مضافاً فإن قدرناه ـ أي مُدَّة حَمْلِهِ ـ لم يجز ذلك وتعين الرفع لتصادق الخَبَر والمُخْبَرِ عَنْهُ. فصل دلت الآية على أن أقل مدة الحمل ستة أشهر، لأنه لما كان مجموع مدة الحمل والرَّضَاع ثلاثونَ شَهْراً وقال تعالى: {أية : وَٱلْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ}تفسير : [البقرة:233] فإذا أسقطنا الحولين الكاملين وهي أربعة وعشرون شهراً من ثلاثين بقي مدة الحمل ستة أشهر. وروى عكرمة عن ابن عباس (رضي الله عنهما) قال: إذا حملتِ المرأةُ تسعة أشهر أرضعت واحداً وعشرينَ شهراً. وروي عن أبي بكر (الصديق) رضي الله عنه أَنَّ امرأةً رفعت إليه وقد ولدت لستة أشهر فأمر برجمها. فقال عمر: لا رَجْمَ عليها وذكر الطريق المتقدمة. وعن عقمان نحوه وأنه يعم بذلك فقرأ ابن عباس عليه الآية. وأما مدة أكثر الحمل فليس في القرآن ما يدل عليه. قوله: {حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ} لا بد من جملة محذوفة، تكون "حَتَّى" غاية لها، أي عاش واستمرت حياته حتى إذا بلغ أشده، قال ابن عباس ـ في رواية عطاء ـ الأشد ثماني عشرة سنة وقيل: نهاية قوته وغاية شبابه واستوائه، وهو ما بين ثماني عشرة سنة إلى أربعين سنة، فذلك قوله: {وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً} وقال السدي والضحاك: نزلت في سعد بن أبي وقاص، وقد مَضَت القِصَّةُ. وقيل: نزلت في أبي بكر الصديق وأبيه أبي قُحَافَةً عُثْمَانَ بْنِ عمرو، وأمه أم الخير بنت صخر بن عمرو. وقال علي بن أبي طالب: الآية في أبي بكر الصديق أسلم أبواه جميعاً، ولم يجتمع لأحد من المهاجرين أبواه غيره أوصاه الله بهما ولزم ذلك من بعده، وكان أبو بكر صحب النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهو ابن ثماني عشرة سنة، والنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ابن عشرين سنة في تجارته إلى الشام فلما بلغ أربعين سنة، ونُبِّىء النبيُّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ آمن به ودعا ربه فقال: {رَبِّ أَوْزِعْنِيۤ أَنْ أَشكُرَ نِعْمَتَكَ ٱلَّتِيۤ أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ} بالهداية والإيمان. وأكثر المفسرين على أن الأشد ثلاثٌ وثلاثون سنةً. فصل قال ابن الخطيب: مراتب سن الحيوان ثلاثة، لأن بدن الحيوان لا يتكون إلا برطوبة غريزية وحرارة غريزية، والرطوبة الغريزية زائدة في أول العمر، وناقصة في آخر العمر والانتقال من الزيادة إلى النقصان لا يعقل حصوله إلى إذا حصل الاستواء في وسط هاتين المدتين فثبت أن مدة العمر منقسمة إلى ثلاثة أقسام: فأولها: أن تكون الرطوبة الغريزية زائدة على الحرارة الغريزية، وحينئذ تكون الأعضاء عظيمة التمدد في ذَوَاتِها وزيادتها في الطول والعرض والعُمْق وهذا هو سن النُّشُوِّ (والانتماء). والثانية: وهي المرتبة المتوسطة أن تكون الرطوبة الغريزية وافيةً بحفظ الحرارة الغريزية من غير زيادة ولا نُقْصَان، وهذا هو سنّ الوقوف وهو سِنّ الشباب. والمرتبة الثالثة: أن تكون الرطوبة الغريزية ناقصة عن الوفاء بحفظ الحرارة الغريزية. ثم هذا النقصان على قسمين: فالأول: هو النقصان الخفي وهو سن الكهولة. والثاني: هو النقصان الظاهر وهو سن الشَّيْخُوخَةِ. قوله: "أَرْبَعِينَ" أي تمامها، "فأربعين" مفعول به. قال المفسرون: لم يبعث نَبِيٌّ قَطُّ إلاَّ بعد أربعين سنة. قال ابن الخطيب: وهذا يشكل بعيسى ـ عليه الصلاة والسلام ـ فإنه تعالى جعله نبياً من أول عمره إلا أنه يجب أن يقال: الأغلب أن ما جاء(ه) الوحي إلا بعد الأربعين وهكذا كان الأمر في حق نبينا ـ صلى الله عليه وسلم ـ. قوله: "أَوْزِعْنِي" قال ابن عباس ـ (رضي الله عنهما) ـ معناه أَلْهِمْنِي. قال الجوهري: أَوْزَعْتُهُ أَغْرَيْتُهُ به، فَأُوزعَ بِه فَهو مُوزعٌ به أي مُغْرًى به، واسْتَوْزَعْتُ اللهَ فَأَوْزَعَنِي أي اسْتَلْهَمْتُهُ فأَلْهَمَنِي. قوله: {وأَن أعمل صالحاً ترضاه} قال ابن عباس ـ (رضي الله عنهما) ـ أجاب الله ـ عزَّ وجَلَّ ـ دعاء أبي بكر، فأعتق تسعةً من المؤمنين يُعَذَّبُونَ في الله، منهم بلالٌ، وعامرُ بنُ فُهَيْرة، فلم يرد شيئاً من الخير إلا أعانه الله عليه. ودعا أيضاً فقال: "فَأَصْلِح لِي فِي ذُرِّيَّتِي" فأجاب الله تعالى فلم يكن له ولد إلا آمنوا جميعاً. فاجتمع له إسلام أبويه وأولاده جميعاً. فأدرك أبو قحافة النَّبِيَّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ وابنه أبو بكر، وابنه عبد الرحمن بن أبي بكر، وابن عبد الرحمن أبو عتيق، كلهم أدركوا النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ولم يكن ذلك لأحد من الصحابة. قوله: {وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِيۤ} أصلح يتعدى بنفسه لقوله: {أية : وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ}تفسير : [الأنبياء:90] وإنَّمَا تعدى بـ "في" لتضمنه معنى: الطف بي في ذريتي أو لأنه جعل الذرية طرفاً للاصلاح كقوله: شعر : 4452ـ يَخْـــرُجُ فِـــي عَـرَاقِيهــا نُصَـلِّـي تفسير : والمعنى هب لي الصلاح في ذريتي، وأوقعه فيهم. قوله: {إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ} والمراد أن الدعاء لا يصح إلا مع التوبة، ومع كونه من المسلمين. قوله: {أولئك الذين نتقبل عنهم} قرأ الأَخَوانِ وحَفْصٌ: نَتَقَبَّلُ بفتح النون مبنياً للفاعل ونصب "أحسن" على المفعول به، وكذلك "نتَجَاوَزُ" والباقون بنيابتهما للمفعول، ورفع "أحْسَن" لقيامه مقام الفاعل، ومكان النون ياء مضمومة في الفعلين. والحَسَنُ والأَعْمَشُ وعِيسَى بالياء من تحت، والفاعل الله تعالى. (فصل) ومعنى أولئك أي أهل هذا القول الذي تقدَّم ذكره، فمن يدعو بهذا الدعاء نتقبل عنهم، والتقبل من الله هو إيجاب الثواب له على عمله. وقوله: {أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ} يعني أعمالهم الصالحة التي عملوها في الدنيا وكلها حسن. فإن قيل: كيف قال: {أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ} والله يَتَقبَّل الأحْسَنَ وَمَا دُونَه؟!. فالجواب من وجهين: الأول: المراد بالأحسن الحسن، كقوله تعالى: {أية : وَٱتَّبِعُـوۤاْ أَحْسَنَ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُـمْ}تفسير : [الزمر:55] وكقولهم: النَّاقِصُ والأشجُّ أعدلا بني مروان أي عادلاً بني مروان. الثاني: أنّ الحسن من الأعمال هو المباح الذي لا يتعلق به ثواب، ولا عقاب، والأحسن ما يغاير ذلك وهو المندوب أو الواجب. وقوله: {وَنَتَجَاوَزُ عَن سَيِّئَاتِهِمْ} فلا يعاقبهم عليها. قوله: {في أصحاب الجنة} فيه أوجه: أظهرها: أنه في محل الحال أي كائنين في جملة أصحاب الجنة كقولك: "أَكْرَمَنِي الأَميرُ في أصحابِهِ" أي في جُمْلَتِهِم. والثاني: أن "في" معناها "مَعَ". الثالث: أنها خبر ابتداء مضمر أي هُمْ في أصحاب الجنَّة. قوله: {وَعْدَ ٱلصِّدْقِ} مصدر مؤكد لمضمون الجملة السابقة لأن قوله: {أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ} في معنى الوعد، فيكون قوله: "نَتَقَبَّلُ وَنَتَجَاوَزُ" وعداً من الله بالتقبل والتجاوز والمعنى (أنه) يعامل من صفته ما قدمناه بهذا الجزاء، وذلك وعد من الله، فبين أنه صدق لا شك فيه.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن عساكر من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله عنه {ووصينا الإِنسان بوالديه إحساناً} إلى قوله: {وعد الصدق الذي كانوا يوعدون} . وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله {حملته أمه كرهاً} قال: مشقة عليها. وأخرج عبد بن حميد عن الحسن أنه قال: "وحمله وفصله" بغير ألف. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن بعجة بن عبد الله الجهني قال: تزوّج رجل منا امرأة من جهينة فولدت له تماماً لستة أشهر، فانطلق زوجها إلى عثمان بن عفان فأمر برجمها، فبلغ ذلك علياً رضي الله عنه، فأتاه فقال: ما تصنع؟ قال: ولدت تماماً لستة أشهر وهل يكون ذلك؟ قال: علي رضي الله عنه: أما سمعت الله تعالى يقول: {وحمله وفصاله ثلاثون شهراً} وقال:{أية : حولين كاملين}تفسير : [البقرة: 233] فكم تجده بقي إلا ستة أشهر؟ فقال عثمان رضي الله عنه. والله ما فطنت لهذا، علي بالمرأة فوجدوها قد فرغ منها. وكان من قولها لاختها: يا أخيه لا تحزني فوالله ما كشف فرجي أحد قط غيره. قال: فشب الغلام بعدُ فاعترف الرجل به وكان أشبه الناس به. قال: فرأيت الرجل يتساقط عضواً عضواً على فراشه. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر من طريق قتادة عن أبي حرب بن أبي الأسود الدؤلي قال: رفع إلى عمر رضي الله عنه امرأة ولدت لستة أشهر فسأل عنها أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فقال علي رضي الله عنه: لا رجم عليها ألا ترى أنه يقول {وحمله وفصاله ثلاثون شهراً} وقال:{أية : وفصاله في عامين}تفسير : [لقمان: 14] وكان الحمل ههنا ستة أشهر. فتركها عمر رضي الله عنه. قال: ثم بلغنا أنها ولدت آخر لستة أشهر. وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن نافع بن جبير أن ابن عباس أخبره قال: إني لصاحب المرأة التي أتي بها عمر وضعت لستة أشهر فأنكر الناس ذلك، فقلت لعمر: لا تظلم. قال: كيف؟ قلت: اقرأ {وحمله وفصاله ثلاثون شهراً} {أية : والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين}تفسير : [البقرة: 233] كم الحول؟ قال: سنة. قلت: كم السنة؟ قال: اثنا عشر شهراً. قلت: فأربعة وعشرون شهراً حولان كاملان ويؤخر الله من الحمل ما شاء ويقدم. قال: فاستراح عمر رضي الله عنه إلى قولي. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن أبي عبيدة مولى عبد الرحمن بن عوف قال: رفعت امرأة إلى عثمان رضي الله عنه ولدت لستة أشهر، فقال عثمان: إنها قد رفعت إلي امرأة ما أراها إلا جاءت بشرّ فقال ابن عباس: إذا كملت الرضاعة كان الحمل ستة أشهر؟ وقرأ {وحمله وفصاله ثلاثون شهراً}. فدرأ عثمان عنها. وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه كان يقول: إذا ولدت المرأة لتسعة أشهر كفاها من الرضاع إحدى وعشرون شهراً، وإذا ولدت لسبعة أشهر كفاها من الرضاع ثلاثة وعشرون شهراً؛ وإذا وضعت لستة أشهر فحولين كاملين، لأن الله تعالى يقول {وحمله وفصاله ثلاثون شهراً} . وأخرج ابن أبي حاتم عن القاسم بن عبد الرحمن قال: قلت لمسروق رضي الله عنه: متى يؤخذ الرجل بذنوبه؟ قال: إذا بلغت الأربعين فخذ حذرك. وأخرج ابن الجوزي في كتاب الحدائق بسند ضعيف عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: جاء جبريل عليه السلام إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال " إن الله أمر الحافظين فقال لهما رفقاً بعبدي في حداثته فإذا بلغ الأربعين فاحفظا وحققا". وأخرج أبو الفتح الأزدي من طريق جويبر عن الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعاً "من أتى عليه الأربعون سنة فلم يغلب خيره شره فليتجهز إلى النار". وأخرج ابن حاتم عن مالك بن مغول قال شكا أبو معشر ابنه إلى طلحة بن مصرف فقال طلحة رضي الله عنه: استعن عليه بهذه الآية {رب أوزعني أن أشكر نعمتك} الآية. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: أنزلت هذه الآية في أبي بكر الصديق رضي الله عنه {حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة قال رب أوزعني} الآية فاستجاب الله له فأسلم والداه جميعاً وإخوانه وولده كلهم، ونزلت فيه أيضاً{أية : فأما من أعطى واتقى}تفسير : الآية [الليل: 5]، إلى آخر السورة. وأخرج ابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه {وأصلح لي في ذريتي} قال: اجعلهم لي صالحين. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن "حديث : عباس رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، عن الروح الأمين قال: يؤتى بحسنات العبد وسيئاته فيقتص بعضها من بعض، فإن بقيت له حسنة وسع الله له بها إلى الجنة"تفسير : قال: فدخلت على يزدان فحدثت مثل هذا الحديث، قلت: فإن ذهبت الحسنة. قال {أولئك الذين نتقبل عنهم أحسن ما عملوا} الآية. وأخرج ابن جرير عن مجاهد قال دعا أبو بكر عمر رضي الله عنهما، فقال له: إني موصيك بوصية أن تحفظها، إن لله في الليل حقاً لا يقبله بالنهار وحقاً بالنهار لا يقبله بالليل، إنّه ليس لأحد نافلة حتى يؤدي الفريضة، إنه إنما ثقلت موازين من ثقلت موازينه يوم القيامة باتباعهم الحق في الدنيا وثقل ذلك عليهم وحق لميزان لا يوضع فيه إلا الحق أن يثقل وخفت موازين من خفت موازينه يوم القيامة لاتباعهم الباطل في الدنيا وخفته عليهم وحق لميزان لا يوضع فيه إلا الباطل أن يخف. ألم تر أن الله ذكر أهل الجنة بأحسن أعمالهم فيقول: أين يبلغ عملك من عمل هؤلاء، وذكر أهل النار بأسوأ أعمالهم حتى يقول القائل أنا خير من عمل هؤلاء، وذلك بأن الله تعالى رد عليهم أحسن أعمالهم ألم تر أن الله أنزل آية الشدة عند آية الرخاء وآية الرخاء عند آية الشدة ليكون المؤمن راغباً لئلا يلقي بيده على التهلكة ولا يتمنى على الله أمنية يتمنى على الله فيها غير الحق.

التستري

تفسير : قوله: {وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِيۤ}[15] قال: اجعلهم لك عبيد حق، ولي خَلَفَ صدق.

السلمي

تفسير : قوله عز وعلا: {وَوَصَّيْنَا ٱلإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَاناً} [الآية: 15]. قال بعضهم: أوصى الله العوام ببر الولدين لما لهما عليه من نعمة التربية والحفظ فمن حفظ وصية الله تعالى فى الأبوين وفقه ببركة ذلك الحفظ بركات الله تعالى، وكذلك رعايات الأوامر والمحافظة عليها توصل بركاتها بصاحبها إلى محل الرضا والأمن. قوله تعالى: {حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً} [الآية: 15]. قال ابن عطاء: خاطب الله الأنبياء ونعتهم عند كمال الأوصاف وتمام العقول وهو الوقت الذى أخبر الله عز وجل عن تمام خلقه عباده حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة. قوله تعالى: {رَبِّ أَوْزِعْنِيۤ أَنْ أَشكُرَ نِعْمَتَكَ ٱلَّتِيۤ أَنْعَمْتَ عَلَيَّ} [الآية: 15]. قال سهل: ألهمنى التوبة والعمل بالطاعة. وقال بعضهم: تمام الشكر والمعرفة بالعجز عن الشكر لأن توفيق الشكر يوجب الشكر إلى ما لا نهاية لذلك قال محمود الوراق: شعر : إذا كان شكرى نعمة الله نعمة علىَّ له فى مثلها يجب الشكر فكيف بلوغ الشكر إلا بفضله وإن طالت الأيام واتصل العمر وما منهما إلا لـه فيه منـة تضيق بها الأوهام والبر والبحر فإن مس بالسراء عم سرورها وإن مس بالضراء أعقبه الأجر تفسير : قوله تعالى: {وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ} [الآية: 15]. قال سهل: العمل المرضى ما كان أوائله على الإخلاص مقيداً باتباع السنن. قال ابن عطاء: العمل الصالح المرضى ما يصلح للعرض على الحق. قوله تعالى: {وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِيۤ} [الآية: 15]. قال سهل: اجعلهم خَلَفَ صدق لى ولك عبيد حق. قال ابن عطاء: وفقهم لصالح أعمال ترضى بهم عنهم. قال محمد بن على: لا تجعل للشيطان والنفس والهوى عليهم سبيلاً. وقال أبو عثمان: اجعلهم أبراراً أى مطيعين لك.

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {وَوَصَّيْنَا ٱلإِنسَانَ بِوَٰلِدَيْهِ إِحْسَاناً حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً}. أَمَرَ الإنسانَ برعاية حقِّ والديه على جهة الاحترام، لما لهما عليه من حق التربية والإنعام، وإذا لم يُحْسِنْ الإنسانُ حُرْمةَ مَنْ هو مِنْ جنسه فهو عن حُسْنِ مراعاة سيِّده أبعد. ولو لم يكن في هذا الباب إلا قوله - صلى الله عليه وسلم: "حديث : رضا الرب من رضا الوالدين، وسخطه في سخطهما"تفسير : لكان ذلك كافياً. ورعايةُ حق الوالد من حيث الاحترام، ورعاية حق الأم من حيث الشفقة والإكرام. ووَعَدَ اللهُ الوالدين قبولَ الطاعة بقوله جلَّ ذكره: {أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ وَنَتَجَاوَزُ عَن سَيِّئَاتِهِمْ فِيۤ أَصْحَابِ ٱلْجَنَّةِ وَعْدَ ٱلصِّدْقِ ٱلَّذِي كَانُواْ يُوعَدُونَ}. فقبولُ الطاعةِ وغفران الزَّلَّة مشروطان ببرِّ الوالدين، وقد ذمَّ اللَّهُ - سبحانه - الذي يتصف في حقهما بالتأفُّفِ، وفي ذلك تنبيهٌ على ما وراء ذلك من أي تعنُّف، وعلى أنَّ الذي يَسْلكُ ذلك يكونُ من أهل الخسران، وبالتالي يكون ناقصَ الإيمان. وسبيلُ العبدِ في رعاية حق الوالدين أن يُصْلِح ما بينه وبين الله، فحينئذٍ يَصْلُحُ ما بينه وبين غيره - على العموم، وأهله - على الخصوص. وشَرُّ خصَال الولد في رعاية حق والديه أَنْ يتبَرَّم بطول حياتهما، ويتأذَّى بما يحفظ من حقهما. وعن قريب يموت الأصلُ ويبقى النسلُ، ولا بدَّ من أن يتبع النسلُ الأصلَ، وقد قالوا في هذا المعنى: شعر : رويــدك إن الـدهـرَ فيـه كفـايةٌ لتفـريـق ذات الـبيْنِ.. فـانتظـر الدهــرا

البقلي

تفسير : قوله تعالى {وَوَصَّيْنَا ٱلإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَاناً} وصلى الانسان بالاحسان الى ابويه لانهما اسباب وجوده ومصادر افعال الحق بدامتهما بدائع قدرته وانوار ربوبيته فحرمتهما حرمة الاصل ومن صبر فى طاعتهما رزقه الله حسن المعاشرة على بساط حرمته وقربته قال بعضهم اوصى الله العوام ببر الوالدين لما لهما عليه من نعمة التربية والحفظ فمن حفظ وصية الله فى الابوين وفقه بركة ذلك لحفظ حرمات الله تعالى وكذلك رعاية الاوامر والمحافظة عليها توصل بركاتها بصاحبها الى محل الرضا والانس قوله تعالى {حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً} وصف الله الصدّيقين فى طرفين من اعمارهم انهم فى عنفوان شبابهم واشدا سنانهم اهل الاجتهاد والرغبة فى الطاعات وفى اربعين سنة هم اهل الكمال فى العقول والفهوم والاستعداد لقبول الوحى والالهام والكلام والكشف والعيان لا ترى كيف عرف شانه الصديق رضى الله عنه حين بلغ اربعين سنة فى صحبة النبى صلى الله عليه وسلم فى اول شبابه بما ابخر الله عنه بقوله {رَبِّ أَوْزِعْنِيۤ أَنْ أَشكُرَ نِعْمَتَكَ ٱلَّتِيۤ أَنْعَمْتَ عَلَيَّ} اى الهمنى رشدا التوفيق والبس قلبى ولسانى نور عرفانك وقوة فيض مشاهدتك اشرك بهما نعمة مشاهدتك ومعرفتك وصحبة رسولك فانه اعزم النعم منك علىّ وعلى والدى قال ابن عطا خاطب الله الانبياء وبعثهم عند كمال الاوصاف وتمام العقول وهو الوقت الذى اخبر الله تعالى عن تمام خلقه عبادة حتى اذا بلغ اشده وبلغ اربعين سنة وقال سهل فى قوله رب اوزعنى اى الهمنى التوبة والعمل بالطانعة قوله تعالى {وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ} العمل الصالح المقرون بالرضا بذل النفس لله والخروج مما سوى الله للوصول الى مشاهدة الله قال سهل العمل المرضى ما كان اوايله على الاخلاص مقيدا باتباع السنن قوله تعالى {وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِيۤ} اجعلهم اوليائك واهل معرفتك وطاعتك قال سهل اجعلهم خلق صدق ولك عبيد حق وقال محمد بن على لا تجعل للشيطان والنفس والهوى عليهم سبيلا.

اسماعيل حقي

تفسير : {ووصينا الانسان} عهدنا اليه وامرناه بأن يحسن {بوالديه احسانا} فحذف الفعل واقتصر على المصدر دالا عليه {حملته امه} الام باز آءالاب وهى الوالدة القريبة التى ولدته والوالدة البعيدة التى ولدت من ولدته ولهذا قيل لحوآء عليها السلام هى امنا وان كان بيننا وبينها وسائط ويقال لكل ما كان اصلا لوجود الشئ او تربيته او اصلاحه او مبدأه ام {كرها} حال من فاعل حملته اى حال كونها ذات كره وهو المشقة والصعوبة يريد حالة ثقل الحمل فى بطنها لا فى ابتدآئها فان ذلك لا يكون فيه مشقة او حملته حملا ذا كره وكذا قوله {ووضعته} اى ولدته {كرها} وهى شدة الطلق وفى الحديث "حديث : اشتدى ازمة تنفرجى" تفسير : قال عليه السلام لامرأة مسماة بازمة حين اخذها الطلق اى تصبرى يا ازمة حتى تتفرجى عن قريب بالوضع كذا فى المقاصد الحسنة {وحمله} اى مدة حمله فى البطن {وفصاله} وهو الفطام اى قطع الولد عن اللبن والمراد به الرضاع التام المنتهى به فيكون مجازا مرسلا عن الرضاع التام بعلاقة ان احدهما بغاية الآخرة ومنتهاه كما اراد بالامد المدة من قال شعر : كل حى مستكمل مدة العمر ومردى اذا انتهى امده تفسير : اى هالك اذا انتهت مدة عمره ونظيره التعبير عن المسافة بالغاية فى قولهم من لابتدآء الغاية والى لانتهاء الغاية {ثلاثون شهرا} تمضى عليها بمقاساة الشدآئد لاجله والشهر مدة معروفة مشهورة باهلال الهلال او باعتبار جزء من اثنى عشر جزأ من دوران الشمش من نقطة الى تلك النقطة سمى به لشهرنه وهذا دليل على ان أقل مدة الحمل ستة اشهر لما انه اذا حط منها للفصال حولان لقوله تعالى {أية : حولين كاملين لمن اراد ان يتم الرضاعة} تفسير : يبقى للحمل ذلك وبه قال الاطباء وفى الفقه مدة الرضاع ثلاثون شهرا عند ابى حنيفة وسنتان عند الامامين وهذا الخلاف فى حرمة الرضاع اما استحقاق اجر الرضاع فمقدر بحولين لهما قوله تعالى {أية : والوالدات يرضعن اولادهن حولين كاملين} تفسير : وله قوله تعالى {وحمله وفصاله ثلاثون شهرا} ذكر شيئين وهما الحمل والفصال وضرب لهما مدة ثلثين شهرا وكان لكل واحد منهما بكمالها كلاجل المضروب لدينين لكن مدة الحمل انتقصت بالدليل وهو قول عائشة رضى الله عنها الولد لا يبقى فى بطن امه اكثر من سنتين ولو بقدر ظل مغزل والظاهر انها قالته سماعا لان المقادير لا يهتدى اليها بالرأى فبقى مدة الفصال على ظاهرها ويحمل قوله تعالى {أية : يرضعن اولادهن حولين} تفسير : على مدة استحقاق اجرة الرضاع حتى لا يجب نفقة الارضاع على الاب بعد الحولين والمراد السنة القمرية على ما افادته الآية كما قال شهرا لا الشمسية وقال فى عين المعانى أقل مدة الحمل ستة اشهر فبقى سنتان للرضاع وبه قال ابو يوسف ومحمد وقال ابو حنيفة المراد منه الحمل على اليد لو حمل على حمل البطن كان بيان الاقل مع الاكثر انتهى قبل ولعل تعيين أقل مدة الحمل واكثر مدة الرضاع اى فى الآية لانضباطهما وتحقق ارتباط النسب والرضاع بهما فان من ولدت لستة اشهر من وقت التزوج بثبت نسب ولدها كما وقع فى زمان على كرم الله وجهه فحكم بالولد على ابيه فلو جاءت بولد لأقل من ستة لم يلزم الولد للزوج ويفرق بينهما ومن مص ثدى امرأة فى اثناء حولين من مدة ولادته تكون المرضعة اما له ويكون زوجها الذى لبنها منه ابا له قال فى الحقائق الفتوى فى مدة الرضاع على قولهما وفى فتح الرحمن اتفق الأئمة على ان مدة الحمل ستة اشهر واختلفوا فى اكثر مدته فقال ابو حنيفة سنتان والمشهور عن مالك خمس سنين وروى عنه اربع وسبع وعند الشافعى واحمد اربع سنين وغالبها تسعة اشهر انتهى وفى انسان العيون ذكر ان مالكا رضى الله عنه مكث فى بطن امه سنتين وكذا الضحاك بن مزاحم التابعى وفى محاضرات السيوطى ان مالكا مكث فى بطن امه ثلاث سنين واخبر سيدنا مالك ان جارة له ولدت ثلاثة اولاد فى اثنتى عشرة سنة تحمل اربع سنين {حتى اذا بلغ اشده} غاية لمحذوف اى اخذ ما وصيناه به حتى اذا بلغ وقت اشده بحذف المضاف وبلوغ الاشد ان يكتهل ويستوفى السن الذى تستحكم فيه قوته وعقله ورأيه وأقله ثلاث وثلاثون واكثره اربعون {وبلغ اربعين سنة} اى تمام الاربعين بحذف المضاف قيل لم يبعث نبى قبل اربعين وهو ضعيف جدا يدل على ضعفه ان عيسى ويحيى عليهما السلام بعثا قبل الاربعين كما فى بحر العلوم وجوابه انه من اقامه الاكثر الاغلب مقام الكل كما فى حواشى سعد المفتى قال ابن الجوزى قوله ما من نبى نبئ الا بعد الاربعين موضوع لان عيسى نبئ ورفع الى السماء وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة فاشتراط الاربعين فى حق الانبياء ليس بشئ انتهى وكذا نبئ يوسف عليه السلام وهو ابن ثمانى عشرة سنة كما فى التفاسير وقس على النبوة الولاية وقوة الايمان والاسلام {قال رب} كفت بروردكار من {اوزعنى} اى الهمنى وبالفارسية الهام ده مرا وتوفيق بخش. واصله الاغرآء بالشئ من قولهم فلان موزع بكذا اى مغرى به وقال الراغب وتحقيقه اولعنى بذلك والايلاع سخت حريص شدن. او اجعلنى بحيث ازع نفسى عن الكفران اى اكفها {أن أشكر} تاشكر كنم {نعمتك التى انعمت على وعلى والدى} اى نعمة الدين والاسلام فانها النعمة الكاملة او ما يعمها وغيرها وجمع بين شكرى النعمة عليه وعلى والديه لان النعمة عليهما نعمة عليه {وان أعمل صالحا ترضاه} اى تقبله وهى الفرآئض الخمس وغيرها من الطاعات والتنوين للتفخيم والتنكير وقال بعضهم العمل الصالح المقرون بالرضى بذل النس لله والخروج مما سوى الله الى مشاهدة الله وفيه اشارة الى انه لا يمكن للعبد ان يعمل عملا يرضى به ربه الا بتوفيقه وارشاده {واصلح لى فى ذريتى} ذرأ الشئ كثر ومنه الذرية لنسل الثقلين كما فى القاموس اى واجعل الصلاح ساريا فى ذريتى راسخا فيهم ولذا استعمل بفى والا فهو يتعدى بنفسه كما فى قوله {أية : وأصلحنا له زوجه} تفسير : قال سهل اجعلهم لى خلف صدق ولك عبيدا حقا وقال محمد ابن على لا تجعل للشيطان والنفس والهوى عليهم سبيلا وفيه اشارة الى ان صلاحية الآباء تورث صلاحية الابناء (قال الكاشفى) اكثر مفسران برانندكه اين آيت خاص است بابى بكر الصديق رضى الله عندكه شش ماه درشكم مادر بوده ودوسال تمام شيرخورده وهجده سال بملازمت حضرت بيغمبر عليه السلام رسيد وآن حضرت بيست ساله بود ودرسفر وحضر رقيق وقرين وى بود وجون سال مبارك آن حضرت رسالتبناه بجهل رسيد مبعوث كشت وصديق سى وهشت ساله بودبوى ايمان آورد جون جهل ساله شد كفت رب أوزعنى الخ فأجاب الله تعالى عاءه قأعتق تسعة من المؤمنين يعذبون فى الله منهم بلال الحبشى بن رباح غلامى بود دربنى مذحج مولد ايشان وعامر بن فهيره ازقبيله ازبود مولد ايشان بولم برد شيأ من الخير الا اعانه الله عليه ولم يكن له ولد الا آمنوا جميعا ودخترش عائشة رضى الله عنها بشرف فراش حضرت أشرف رسل مشرف شد وبسرش عبد الرحمن مسلمان كشت وبسر عبد الرحمن ابو عتيق محمد نبز مسلمان كشت وبدولت خدمت حضرت بيغمبر سرافرازى يافت وادرك ابوه ابو قحافة عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم وامه ام الخير سلمى بنت صخر بن عمرو بن كعب بن سعد رسول الله عليه السلام وآمنا به ولم يكن ذلك لاحد من الصحابة رضى الله عنهم وسى قبائل نيزاز أولاد صديق درعالم هستند اغلب ايشان بشرف علم وصلاح آراسته {انى تبت اليك} عما لا ترضاه او عما يشغلنى عن ذكرك {وانى من المسلمين} الذين اخلصوا لك انفسهم

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {ووصينا الإِنسانَ} بأن يُحسن {بوالديه حُسناً} وقرأ أهل الكوفة {إحساناً} وهما مصدران، وقرئ: "حَسَناً" بفتح الحاء والسين، أي: يفعل بهما فعلاً حَسَناً، أو: وصينا إيصاءً حَسَاناً، {حملته أُمه كُرْهاً ووضعته كُرهاً} أي: حملته بكُرْهٍ ومشقة، ووضعته كذلك، وذكره للحث على الإحسان والبرور بها، فإن الإحسان إليها أوجب، وأحق من الأب، ونصبهما على الحال، أي: حملته كارهة، أو: ذات كُره، وفيه لغتان؛ الفتح والضم، وقيل: بالفتح مصدر، وبالضم اسمه. {وحَمْلُه وفِصَالُه} أي: ومدةُ حمله وفصاله، وهو الفطام. وقرأ يعقوبُ: "وفصله" وهما لغتان كالفَطْم والفطام، {ثلاثون شهراً} لأن في هذه المدة عُظَّم مشقة التربية، وفيه دليل على أن أقل مدة ستةُ أشهر؛ لأنه إذ حُط منه لفطام حولان، لقوله تعالى:{أية : حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ}تفسير : [البقرة: 233] يبقى للحمل ستة، قيل: ولعل تعيين أقل مدة الحمل، وأكثر مدة الرضاع لانضباطهما، وارتباطِ النسب والرضاع بهما. {حتى إِذا بلغ أشُدَّه} أي: اكتهل، واستحكم عقله وقوته، وانتهت قامته وشبابه، وهي ما بين ثماني عشرة سنة إلى أربعين، وقال زيد بن أسلم: الحلم، وقال قتادة: ستة وثلاثون سنة، وهو الراجح، وقال الحسن: قيام الحجة عليه. {وبلغ أربعين سنة} وهو نهاية الأشدّ، وتمام العقل، وكمال الاستواء. قيل: لم يُبعث نبيّ إلا بعد الأربعين، قال ابن عطية: وإنما ذكر تعالى الأربعين، لأنها حدّ الإنسان في فلاحه ونجاته، وفي الحديث"حديث : إن الشيطان يمدّ يده على وجه مَن زاد على الأربعين ولم يتب، فيقول: بأبي وَجْهٌ لايُفلح"تفسير : . هـ. ومن حديث أنس قال صلى الله عليه وسلم:"حديث : مَن بلغ أربعين سنة أمّنه الله من البلايا لثالث: الجنون والجذام والبرص، فإذا بلغ الخمسين خفّف الله عنه الحساب، فإذا بلغ ستين سنة رزقه الله الإنابة كما يُحب، فإذا بلغ سبعين سنة غفر الله ما تقدّم من ذنبه وما تأخر، وشفع في أهل بيته، وناداه منادٍ من السماء: هذا أسير الله في أرضه"تفسير : . وهذا في العبد المقبل على الله. والله تعالى أعلم. وقُرئ: "حتى إذا استوى وبلغ أشُدَّه". {قال ربِّ أوزعني} أي: ألهمني {أن أشكر نعمتك التي أنعمتَ عليَّ} من الهداية والتوحيد، والاستقامة على الدين، {وعلى والديَّ} كذلك، وجمع بين شكر النعمة عليه وعلى والديه؛ لأن النعمة عليهما نعمةٌ عليه، {وأنْ أعمل صالحاً ترضاه} التنكير للتفخيم والتكثير، قيل: هو الصلوات الخمس، والعموم أحسن، {وأَصْلِحْ لي في ذُريتي} أي: واجعل الصلاة سارياً في ذريتي راسخاً فيهم، أو: اجعل ذريتي مَوقعاً للصلاح دائماً فيهم، {إِني تُبتُ إِليك} من كل ذنب، {وإِني من المسلمين} الذين أخلصوا لك أنفسهم، وانقادوا إليك بكليتهم. قال عليّ رضي الله عنه: نزلت في أبي بكر رضي الله عنه، ولم تجتمع لأحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم من المهاجرين مَن أسلم أبواه غيره، وأوصاه الله بهما. هـ. فاجتمع لأبي بكر إسلام أبي قحافة وأمه "أم الخير" وأولاده: عبد الرحمن، وابنه عتيق، فاستجاب الله دعاءه في نفسه وفي ذريته، فإنه آمن بالنبي صلى الله عليه وسلم وهو ابن ثمان وثلاثين سنة، ودعا لهم وهو ابن أربعين سنة. قال ابن عباس: أعتق أبو بكر تسعةً من المؤمنين، منهم: بلال، وعامر بن فهيرة، ولم يُرد شيئاً من الخير إلا أعانه الله عليه. هـ. قال ابن عطية: معنى الآية: هكذا ينبغي للإنسان أن يكون، فهي وصية الله تعالى للإنسان في كل الشرائع، وقول مَن قال: إنها في أبي بكر وأبويه ضعيف، لأن هذه نزلت في مكة بلا خلاف، وأبو قُحافة أسلم يوم الفتح. هـ. قلت: كثيراً ما يقع في التنزيل تنزيل المستقبل منزلة الماضي، فيُخبر عنه كأنه واقع، ومنه: {أية : وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّن بَنِى إِسْرَآءِيلَ}تفسير : [الأحقاف: 10] و{أية : وَوَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ لاَ يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ}تفسير : [فصلت:6، 7] وهذه الآية في إسلام إبي قحافة. والله تعالى أعلم. {أولئك الذين يتقبل عنهم أحسن ما عملوا} من الطاعات، فإن المباح لا يُثاب عليه إلا بنية صالحة، فإن يَنقلِب حينئذ طاعة، وضمّن "يتقبل" معنى يتجاوز، فعدّاه بعَن؛ إذ لا عمَلَ يستوجبُ القبول، لولا عفوُ الله وتجاوزه عن عامله، إذ لا يخلو عمل من خلل أو نقص، فإذا تجاوز الحق عن عبده قَبِلَه منه على نقصه، فلولا حلمه تعالى ورأفته ما كان عملٌ أهلاً للقبول. {ويتجاوز عن سيائتهم} فيغفر لهم، {في} جملة {أصحاب الجنة} كقولك: أكرمني الأمير في نار من أصحابه، أي: أكرمني في جملة مَن أكرمهم، ونظمني في سِلكِهمْ ومحله: نصب على الحال، أي: كائنين في أصحاب الجنة، ومعدودين فيهم، {وَعْدَ الصِّدق} أي: وعدهم وعداً صدقاً، فهو مصدر مؤكد، لأن قوله: {يتقبل ويتجاوز} وعد من الله تعالى لهم بالتقبُّل والتجاوز، {الذي كانوا يُوعدون} في الدنيا على ألسنة الرسل عليهم السلام. الإشارة: لمَّا كانت تربية الأبوين مظهراً لنعمة الإمداد بعد ظهور نعمة الإيجاد وصّى الله تعالى بالإحسان إليهما، وفي الحقيقة: ما ثمَّ إلا تربيةُ الحق، ظهرت في تجلِّي الوالدين، قذف الرأفة في قلوبهما، حتى قاما بتربية الولد، فالإحسان إليها إحسان إلى الله تعالى في الحقيقة. وقال الورتجبي: وصى الإنسانَ بالإحسان إلى أبويه، لأنهما أسباب وجوده، ومصادر أفعال الحق بَدَا منهما بدائعُ قدرته، وأنوارُ ربوبيته، فحُرمتهما حرمة الأصل، ومَن صبرَ في طاعتهما رزقه الله حُسنَ المعاشرة على بساط حُرمته وقُربته. قال بعضهم: أوصى اللّهُ العوام ببر الوالدين لِما لهما عليه من نعمة التربية والحِفظ، فمَن حفظ وصية الله في الأبوين، وفّقه بركةُ ذلك، لحِفظِ حرمات الله، وكذلك رعاية الأوامر والمحافظةُ عليها تُوصل بركتُها بصاحبها إلى محل الرضا والأنس.هـ. قال القشيري: وشر خصال الولد: التبرُّم بطول حياتهما، والتأذي بما يجب من حقهما، وعن قريب يموت الأصل، وقد يبقى النسل، ولا بد ان يتبعَ الأصل. هـ. أي: فيعق إن عقّ أصله، ويبر إن بر، وفي الحديث:"حديث : برُّوا آباءَكُمء تبركمْ أبناؤكم"تفسير : . ثم قال: ولقد قالوا في هذا المعنى وأنشدوا: شعر : رُوَيْدَكَ إنَّ الدَّهْرَ فيه كفاية لِتَفْرِيق ذات البَيْنِ فارتقِبِ الدَّهرا تفسير : هـ. قلت: وقد تقدم أن حُرمة الشيخ أوكد من حرمة الوالدين، فيُقدم أمره على أمرهما، كما تقدّم عن الجنيد في سورة النساء. والله تعالى أعلم. ثم ذكر وبال عقوقهما، فقال: {وَٱلَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَّكُمَآ}.

فرات الكوفي

تفسير : {إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا 13=30/ فصّلت} {رب أوزعني أن أشكر نعمتك التى أنعمت عليّ وعلى والدي وأن أعمل صالحاً ترضاه وأصلح لي في ذريتي 15} قال: حدثنا أبو القاسم عبد الرحمان بن محمد بن عبد الرحمان الحسيني قال: حدثنا فرات بن إبراهيم الكوفي قال: حدثنا محمد بن علي بن عمرو بن طريف [أ: ظريف] الحجري قال: حدثنا عقبة بن مكرم الضبي قال: حدثنا أبو تراب عمرو [ب، أ (خ ل): عمر] بن عبد الله بن هارون الطوسي الخراساني قال: حدثنا أحمد بن عبد الله أبو علي الهروي الشيباني قال: حدثنا محمد بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين عن أبيه عن آبائه: حديث : عن علي بن أبي طالب عليه السلام قال: لقد هممت بتزويج فاطمة الزهراء عليها السلام [أ، ب: بنت رسول الله (ص. ب) حيناً وإن ذلك متخلخل في قلبي ليلي ونهاري ولم أجترء أن أذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى دخلت على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ذات يوم فقال لي: يا علي. قلت: لبيك يا رسول الله. فقال [ر: قال]: هل لك في التزويج؟ فقلت: رسول الله أعلم إذا هو يريد أن يزوجني بعض نساء قريش. وإني لخائف على فوت فاطمة فما شعرت بشيءٍ يوماً إذ أتاني [رسول. أ، ب] رسول الله فقال: يا علي أجب رسول الله وأسرع فما رأينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بأشد فرحاً منه اليوم. قال: فأتيته مسرعاً فإذا هو في حجرة أم سلمة فلما نظر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تهلل وجهه وتبسم حتى نظرت إلى أسنانه تبرق فقال: أبشر يا علي فإن الله قد كفاني ما كان قد أهمني من أمر تزويجك. قلت: وكيف ذلك يا رسول الله؟ فقال: أتاني جبرئيل عليه السلام ومعه من سنبل الجنة وقرنفلها وطيبها [ر، أ: ولينها] فأخذتها وشممتها فقلت له: يا جبرئيل ما سبب هذا السنبل والقرنفل؟ فقال: إن الله تبارك وتعالى أمر سكان الجنة من الملائكة ومن فيها أن يزينوا الجنة كلها بمغارسها وأشجارها وأثمارها وقصورها، وأمر ريحاً فهبت بأنواع الطيب والعطر، فأمر حور عينها بالغناء فيها بسورة طه ويس وطواسين و [حم. ب] عسق ثم نادى منادٍ من تحت العرش: إلا إن اليوم يوم وليمة علي بن أبي طالب عليه السلام ألا إني أشهدكم أني قد زوجت فاطمة بنت محمد بن عبد الله إلى [خ (خ ل): من] علي بن أبي طالب [ع.ب] رضىً مني بعضهم لبعض، ثم بعث الله سبحانه [سحابة. خ] بيضاء فقطرت عليهم من لؤلؤها ويواقيتها وزبرجدها، فقامت [خ: وقامت] الملائكة فتناثرت من سنبل الجنة وقرنفلها، وهذا مما نثرت الملائكة، ثم [أمر الله تبارك وتعالى. خ] ملكاً من الملائكة يقال له: راحيل - وليس في الملائكة أبلغ منه - فقال له: اخطب يا راحيل، فخطب بخطبةٍ لم يسمع بمثلها أهل السماء و[لا. أ، ب] أهل الأرض، ثم نادى منادٍ: يا ملائكتي وسكان [سماواتي و. ب] جنتي باركوا علي تزويج علي بن أبي طالب وفاطمة [عليهما السلام. ر] فقد باركت أنا عليهما ألا إني زوجت أحب النساء إلي [إلى.أ. خ: من] أحب الرجال إليّ بعد النبيين والمرسلين فقال راحيل الملك: يا رب وما بركتك لهما بأكثر مما رأينا من إكرامك لهما في جنانك و دورك وهما بعد في الدنيا؟ فقال: من بركتي فيهما - أو قال عليهما - أني أجمعهما على محبتي وأجعلهما معدنين لحجتي إلى يوم القيامة، وعزتي وجلالي لأخلقن منهما خلقاً ولأنشئن منهما ذرية فأجعلهم خزاناً في أرضي ومعادن لعلمي ودعائم لكتابي ثم احتج على خلقي [بهم] بعد النبيين والمرسلين. فأبشر يا علي فإن الله تبارك وتعالى قد أكرمك بكرامة لم يكرم [الله. أ، ر] بمثلها أحداً، قد زوجتك فاطمة ابنتي على ما زوجك الرحمان فوق عرشه وقد رضيت لها ما رضي الله [لها. ب] فدونك أهلك فإنك أحق بها [ر: لها] مني ولقد أخبرني جبرئيل [عليه السلام. ر] أن الجنة وأهلها لمشتاقة إليكما، ولولا أن الله قدر أن يخرج منكما ما يتخذ به على الخلق حجة لأجاب فيكما الجنّة وأهلها، فنعم الأخ أنت ونعم الخلف [خ: الختن] أنت ونعم الصاحب أنت، وكفاك برضا [ك. أ، ر] الله رضى. فقال علي [بن أبي طالب عليه السلام. ر، أ]: يا رسول الله بلغ من قدري حتى أني ذكرت في الجنة فزوجني الله في ملائكته. فقال: يا علي إن الله [تعالى. ر] إذا أكرم وليه أكرمه بما لا عين رأت ولا أذن سمعت وإنما حباك الله في الجنة بما لا عين رأت ولا أذن سمعت. فقال علي بن أبي طالب [عليه السلام. أ، ر] يا {رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي وأن أعمل صالحاً ترضاه وأصلح لي في ذريتي} فقال رسول الله [ر: النبي] صلى الله عليه وآله وسلم: آمين آمين يا رب العالمين ويا خير الناصرين .

اطفيش

تفسير : {حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ} صار كهلاً واستحكمت قوته وعقله وهو ثلاثون سنة وقيل أن يزيد على الثلاثين ويناطح الأربعين. وقال قتادة: (ثلاث وثلاثون) سنة وذلك أول الأشد وغايته أربعون وقيل ما بين ثمانى عشرة سنة الى أربعين قيل وأقوى الأقوال في الاشد ست وثلاثون سنة {وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً} قيل لم يبعث نبى الا بعد أربعين لانها حد للانسان في فلاحه ونجابته وفي الحديث "حديث : ان الشيطان يجر يده على وجه من زاد على الاربعين ولم يتب فيقول بأي وجه لا يفلح وانه اذا بلغ أربعين أمنه الله من الجنون والجذام والبرص فاذا بلغ خمسين خفف الله عنه الحساب فاذا بلغ الستين رزقه الله الانابة لما يجب فاذا بلغ سبعين غفر له ما تقدم وما تأخر وشفع في أهل بيته ونادي المنادى من السماء هذا أسير الله في أرضه وهذا في المقبل على آخرته المشتغل بطاعة ربه اذا تقبل منه" تفسير : والآية في سعد بن أبى وقاص وقيل على العموم وقال ابن عباس في أبي بكر وهو الصحيح. صحب رسول الله وهو ابن ثماني عشر سنة ورسول الله صلى الله عليه وسلم ابن عشرين الى الشام في تجارة فنزل رسول الله في ظل سدرة ومضى أبو بكر الى راهب هنالك يسأله عن الدين فقال من الرجل الذي في ظل الشجرة فقال محمد بن عبدالله بن عبدالمطلب فقال له هذا نبي والله ما استظل تحتها أحد بعد عيسى الا محمدا نبي الله وصدقه أبو بكر فكان لا يفارق رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر ولا حضر فلما بعث على الاربعين وأبو بكر ابن ثمان وثلاثين أظهر الاسلام ولما بلغ الاربعين دعا ربه كما قال* {قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي} الهمني* {أَنْ أَشْكُرَ} أي لأن أشكر أو الى أن أشكر وقيل أوزعن ادفع عني الموانع أو بمعنى اجعل حظي الشكر والأول لابن عباس* {نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ} أي أبي وأمي بتشديد الياء وفيها ياء التثنية وياء الاضافة والرابط محذوف أي أنعمتها وتقديره أنعمت بها مرجوح لعدم جر الموصول بمثل هذا الجار والنعمة التوحيد وغيره وقيل: التوحيد قيل: ذلك يؤيد قول ابن عباس على ان الآية نزلت في أبي بكر أسلم أبواه جميعاً ولم يجمع لأحد من المهاجرين أبواه غيره. قال ابن عباس: النعمة التوحيد قيل: لما بلغ أربعين بعد سنتين من مبعث النبي صلى الله عليه وسلم آمن به أبواه ولم يكن أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أسلم هو وأبواه وأولاده وبناته كلهم الا أبا بكر. قلت ذكر الثعالبي ان كونها نزلت في أبي بكر وأبويه ضعيف لانها بمكة وأبوه أسلم عام الفتح وانما طلب الشكر على نعمة الله على والديه لان النعمة عليهما نعمة عليه* {وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ} قال ابن عباس: الصلوات الخمس قال: أجاب الله دعاه فأعتق تسعة من المؤمنين يعذبون في الله منهم بلال ولم يرد شيئاً من الخير الا أعانه الله عليه) وقيل أراد عموم العمل الصالح والتنكير للتعظيم أو لانه أراد نوعاً من الجنس يستجلب رضى الله ودعا الله أيضاً* {وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي} أي اجعل ذريتي موقعاً للصلاح ومظنة له كأنه قال هب لي الصلاح في ذريتي وأوقعه فيهم. قال ابن هشام أصلح مضمن معنى فعل قاصر يتعدى بفي وهو (بارك) فتعدى بفي كقوله* شعر : وان تعتذر بالمحل من ذي ضروعها الى الضيف يخرج في عراقيبها النصل تفسير : فانه أخرج (متعد) وضمن معنى يعشو فلزم وجعل ابن الحاجب الفعلين منزلين منزلة اللازم على طريق فلان يعطى اذا لم يكن الغرض بيان ما يعطي ومن يعطيه كأنه قيل بفعل الاعطاء والمنع واذا قصد هذا المعنى وقصد ذكر خوض متعلقة أتى بفي كأنه محل له أو أوقع الصلاح في ذريتى ويوجد نصلي في عراقيبها اخراج الجرح وفي {أية : وهزي إليك بجذع النخلة} تفسير : من الكشاف ما يوافقه. ويروى بخرج بالجيم قبل الراء وبالمهملة بعدها وضمير تعتذر للناقة والمحل انقطاع المطر وذي الضروع اللبن والعراقيب جمع عرقوب بالضم وهو في رجل الدابة بمنزلة الركبة في يدها وهو عصب غليظ أجاب الله دعاءه فآمن أولاده كلهم عبدالرحمن وابن عبدالرحمن وابن ابن عبدالرحمن أبو عتيق محمد وآمن أبوه أبو قحافة عثمان بن عمرو وأمه أم الخير بنت صخر ابن عمرو وأدركوا كلهم النبي وآمنوا ولم يجتمع لأحد من الصحابة مثل ذلك سواه. قال بعض لم يكفر منهم أحد هو وأبواه وأولاده وبناته* {إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ} الى ما تحب* {وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ} الخاضعين لك بالقلب والجوارح واللسان

اطفيش

تفسير : {ووَصينا} التوصية والايصاء التقدم الى أحد بما يعمل به، مقترنا بوعظ وتأكيد {الإنسان} الجنس او الاستغراق حتى يشمل الصبيان، فانهم موصون بالأعمال الصالحة، ويثابون عليها، ولا يعاقبون على شىء، وكل طاعة أمر بها أو معصية نهى عنها فان الطفل داخل فيها إلا أنه لا يسمى فعله فسقا أو كفرا أو فحشا، ووجه دخوله أن الأمر يكون للندب، كما يكون للوجوب فقد يجوز الجمع بينهما بلفظ واحد، فيدخل الطفل، فيكون فى حقه للندب، وفى حق المكلف للوجوب، وكذا المحروم هو كراهة فى حق الصبى، وهذا أولى فى الزجر والمحافظة على حقوق الوالدين، والمتبادر الجنس، وكثير ما يكون الشىء عاما، والمقام ليس لذكر الاستغراق، فيحمل على الجنس. {بوالديْه} أبيه وأمه، ولو مشتركا اذا حكم الشرع بالشركة فى الولد {إحْساناً} اسم مصدر هو الاحسان مفعول به لوصينا لتضمنه معنى ألزمنا أو مفعول مطلق لتضمن حسنا معنى، وصينا أو وصينا معنى أحسنا أى احسنا بالوصية للانسان بوالديه احسانا أو لتقدير وصينا الانسان ايصاء ذا حسن، وقيل: وصينا الانسان أن يحسن بوالديه احسانا، ولا يعلق الجار بحسنا بعده، لأنه مصدر مقصود به، أن والفعل، وأما قوله تعالى: "أية : ولا تأخذكم بهما رأفة" تفسير : [النور: 2] فليس على معنى لا يأخذكم بهما أن ترأفوا فيجوز التعلق به، وأما "أية : فلمَّا بلغ معه السعي" تفسير : [الصافات: 102] فمع متعلق ببلغ، والقاعدة التصرف فى الظروف والجار والمجرور لاحتياج الأشياء اليها، فيقاس فيما لا ينحل الى حرف المصدر والفعل، ويتوقف مع السماع فيما ينحل، واذا عدى الحسن بالباء فهى للالصاق، والآية نزلت فى الصديق رضى الله عنه، الى "يوعدون" أسلم هو وأبواه كابن عمرو، وأسامة بن زيد، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وإنما أسلم والد أبى بكر بعد الفتح والآية مدنية، وقد قيل: قوله تعالى: {رب أوزعني} الخ بالنسبة الى أبويه دعاء بتوفيقهما للايمان. وروى أن أبا بكر صحب النبى صلى الله عليه وسلم وهو ابن ثمانى عشرة سنة ورسول الله صلى الله عليه وسلم ابن عشرين فى سفر الى الشام فى تجارة، فنزل تحت سمرة فقال له الراهب: انه لم يستظل بها أحد بعد عيسى غيره صلى الله عليه وسلم، فوقع فى قلبه تصديق الراهب، فلم يكن يفارق النبى صلى الله عليه وسلم فى سفر، ولا حضر، فلما بعث صلى الله عليه وسلم وهو ابن أربعين سنة آمن به، وهو ابن ثمان وثلاثين سنة، ولما بلغ أربعين قال: {رب أوزعني}الخ. {حملتْه أمُّه كرهاً} ذات كره، أو حملا ذا كره أو مكروها لا بالذات بل من حيث المشقة، فانها فى المشقة من حين ينتن فى البطن، وصار علقة الى أن يولد، وذلك مشقة النتن، ومشقة كراهة بعض الأطعمة وثقله وتحركه {ووضَعتْه كرهاً} لمشقة الولادة، ويقال أيضا بضم الكاف كما هو قراءة بعض، ومعناهما واحد، وقيل المفتوح مصدر بمعنى الحدث، والمضموم اسم للحاصل من المعنى المصدرى، وقيل: المفتوح المشقة التى تنال الانسان من غيره باكراه، والله سبحانه وتعالى قهرها على الحمل والولادة الشاقين، والكره ما يناله من ذاته، وهو ما يعافه بالطبع والعقل أو الشرع. {وحَمْله} العلوق وما بعده {وفصاله} أى مدة حمله وفصاله، وهو الفطام والمفاعلة على بابها، وهو انفصال بينه وبين أمه فصلته وفصلها، وكل منهما فاصل الآخر، والاضافة للفاعل، وقيل: خارجة عن بابها بمعنى فصلته عنها كما قرأ أبو رجاء والحسن وغيرهما، وفصله أى وفطمه والاضافة للفاعل، وقيل: الفصال فى الأصل المصدر، والمراد الزمان، وهو وقت الفطم، وهو معطوف على مدة المحذوفة، لكن ناب عنها حمله، والفصال الرضاع التام الذى يعقبه الفطم، وذكر المشقة والرضاع حضا على برّ الأم والاحسان اليها، كل الاحسان لما تلقاه من الألم. "حديث : قال رجل: يا رسول الله من أبر؟ قال: "أمك" قال: ثم من؟ قال: "أمك" قال: ثم من؟ قال: "أمك" فذلك ثلاث مرات، قال: "ثم أباك"" تفسير : وذلك دليل على أن الأم أعظم حقا، وكذا ذكر مشافها فى الآية دليل على ذلك ثلاثا كما أفصح به الحديث عن الآية، ولم يذكر مثل ذلك للأب بل ذكره فى المرتبة الرابعة من الحديث، والجمهور على أن مدة الحمل أقلها ستة أشهر، لأن من ثلاثين شهرا سنتين للرضاع، كما قال الله عز وجل: "أية : حولين كاملين لمن أراد أنْ يتم الرضاعة"تفسير : [البقرة: 233] فيبقى منها للحمل ستة أشهر، وبه قال على وابن عباس، والأطباء، وشاهد جالينوس وابن سينا ولادة امرأة على مائة ليلة وأربع وثمانين ليلة، وأما أكثر مدة الحمل فليس فى القرآن ما يدل عليها، وقد ولدت امرأة ولداً لأربع سنين من حين الحمل، قد نبتت أسنانه وأزمنة حمل الحيوان أكثر ضبطا من زمان حمل المرأة، فقد تضع لسبعة أشهر، وقلما يحيا ما وضعت لثمانية الا فى بلاد معينة كمصر، ولو ولدت امرأة لأقل من ستة أشهر أى تحرك فى بطنها لأقل من أربعة أشهر، من حين النكاح، كان ولد زنى فترجم إلا إن كان زوج قبلها، فيلحق به، ولا رجم. ومن أرضعت بعد حولين فليس برضاع موقع للحرمة، وقيل رضاع ان كان قويا مغذيا، وقيل: رضاع مطلقا وان أرضعت من له أكثر من حولين، فليس محرما لها، وأكثر مدة الرضاع أربعة وعشرون شهرا قال ابن عباس: اذا حملت المرأة تسعة أشهر أرضعت واحدا وعشرين شهرا، واذا حملت ستة أشهر أرضعت أربعة وعشرين شهرا، وعن أبى حنيفة: المراد فى الآية الحمل بالأكف. {حتى إذا بَلَغ} عاش حتى اذا بلغ {أشدَّهُ} قوة عقله وبدنه، وقيل ثمانى عشرة سنة الى اربعين، وذلك قوته الشديدة، وقيل تشتد قوته وعقله اذا زاد على ثلاثين، وناصح أربعين، وعن قتادة: فى ثلاثة وثلاثين، فيقال: أول الأشد ما ذكر، وتمامه أربعون وهو اسم جمع، وعن سيبويه جمع شدة. {وبَلَغ أربعين سنَةً} عطف تفسير فسر بلوغ الأشد ببلوغ أربعين سنة، والأولى أنه غير بلوغ الأشد، فهو ما قبل أربعين فى قرب منها، وتكمل القوة عقلا وبدنا بتمام أربعين، وكذلك كان غالب النبوة على تمام أربيعن قلت: النبوة قبلها كما قيل فى يحيى وعيسى أنهما نبيان فى زمان الصبا قال الله تعالى: "أية : إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبياً" تفسير : [مريم: 30] وقال: "أية : وآتيناه الحكم صبياً" تفسير : [مريم: 12] وقيل هذا اخبار عما سيحصل لهما على تمام الأربيعن، وعنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : إنَّ الله يجر يده على وجه من زاد على أربعين ولم يتب، ويقول بأي وجه لا يفلح" تفسير : أى متعجبا من عدم فلاحه مع بلوغ أربعين، وعنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : من أتى عليه أربعون سنة، ولم يغلب خيره شره فليتجهز إلى النار ". تفسير : {قال ربِّ} يا رب {أوزعْنِي} حضضنى {أنْ أشْكر} على أن أشكر {نعْمتك التي أنعَمتَ علىَّ وعَلى والدىَّ} من الايجاد، وصحة البدن والعقل، ودين الاسلام، نزلت فى أبى بكر وقد أسلم هو ووالده، وهى على عمومها فيمن يقول ذلك، وفيمن نعمة والديه نعمة الدنيا والدين {وأنْ أعْمل صالحا} فريقا كثيرا من العمل الصالح {ترضاهُ} بأن لا يخالطه اهمال أو رياء أو خلل أو عجب، وغير ذلك مما يفسده أو ينقصه، والرضا القبول، وقيل الرضا الثواب تسمية بالملزوم، والسبب باللازم والمسبب، وفسره بعض بالارادة، ولا يصح إلا أن عنى بالارادة، الحب. {وأصْلح لي في ذرِّيتي} اجعل الصلاح راسخا فيهم، نزل أصلح منزلة اللازم فعدى بفى للدلالة على الرسوخ فيه، وزعم بعض أن المراد ألطف بى فى ذريتى، أجاب الله دعاء أبى بكر رضى الله عنه، فأعتق تسعة من المؤمنين، يعذبون فى الله تعالى، منهم: بلال وعامر بن فهيرة، ولم يرد شيئا من الخير الا أعانه الله تعالى عليه، ودعا أيضا فقال: أصلح لى فى ذريتى، فلم يكن له ولد إلا آمن، فاجتمع له اسلام أبيه أبى قحافة، وعثمان بن عمرو وأمه أم الخير بنت صخر بن عمرو وأولاده، أدرك أبوه وولده عبد الرحمن، وولد عبد الرحمن، واسمه محمد، وكنيته أبو عتيق، النبى صلى الله عليه وسلم، وآمنوا به، ولم يجتمع لغيره من الصحابة ذلك أسلم هو وأبواه وبنوه وبناته وولد ولده، زاد عليه النبى بعامين أوحى اليه على أربعين عاما، وآمن به أبو بكر وهو ابن ثمان وثلاثين، والآية فى سعد بن أبى وقاص عند بعض، وصحح أنها فى أبى بكر، وقيل: على العموم. روى أنه صاحب وهو ابن ثامنى عشرة النبى صلى الله عليه وسلم، وهو ابن عشرين سنة فى تجر الى الشام، وقعد فى ظل سدرة، ومضى أبو بكر الى راهب يسأله عن الدين، فقال: من فى ظل السدرة؟ فقال: هو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، فقال: هذا والله نبى، ما استظل بعد عيسى تحتها أحد الا هذا، وهو نبى آخر الزمان، وصدقه أبو بكر، فكان لا يفارق النبى صلى الله عليه وسلم، فى حضر ولا سفر {إنِّي تُبتُ إليْك} من كل حرام، وكل مكروه، {وإنِّي مِن المُسْلمين} المخلصين أنفسهم لك.

الالوسي

تفسير : {وَوَصَّيْنَا ٱلإِنسَـٰنَ بِوٰلِدَيْهِ إِحْسَـٰناً } نزلت كما أخرج ابن عساكر من طريق الكلبـي عن أبـي صالح عن ابن عباس في أبـي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه / إلى قوله تعالى: {أية : وَعْدَ ٱلصّدْقِ ٱلَّذِى كَانُواْ يُوعَدُونَ } تفسير : [الأحقاف: 16]. {وإحساناً} قيل: مفعول ثان لوصينا على تضمينه معنى ألزمنا، وقيل: منصوب على المصدر على تضمين {وَصَّيْنَا } معنى أحسنا أي أحسنا بالوصية للإنسان بوالديه إحساناً، وقيل: صفة لمصدر محذوف بتقدير مضاف أي إيصاء ذا إحسان، وقيل: مفعول له أي وصيناه بهما لإحساننا إليهما، وقال ابن عطية: إنه منصوب على المصدر الصريح و {بِوٰلِدَيْهِ } متعلق بوصينا، أو به وكأنه عنى يحسن إحساناً وهو حسن، لكن تعقب أبو حيان تجويزه تعلق الجار بإحساناً ((بأنه لا يصح لأنه مصدر مقدر بحرف مصدري والفعل فلا يتقدم معموله عليه ولأن أحسن لا يتعدى بالباء وإنما يتعدى باللام تقول: أحسنت لزيد ولا تقول: أحسنت بزيد على معنى أن الإحسان يصل إليه))، وفيه أنا لا نسلم أن المقدر بشيء يشارك ما قدر به في جميع الأحكام لجواز أن يكون بعض أحكامه مختصاً بصريح لفظه مع أن الظرف يكفيه رائحة الفعل ولذا يعمل الاسم الجامد فيه باعتبار لمح المعنى المصدري، وقد قالوا: إنه يتصرف فيه ما لا يتصرف في غيره لاحتياج معظم الأشياء إليه. والجار والمجرور محمول عليه، وقد كثر ما ظاهره التعلق بالمصدر المتأخر نكرة كـ{أية : وَلاَ تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ} تفسير : [النور: 2] ومعرفة نحو {أية : فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ ٱلسَّعْيَ } تفسير : [الصافات: 102] وتأويل كل ذلك تكلف، وأيضاً قوله: لأن أحسن لا يتعدى بالباء الخ فيه منع ظاهر، وقدر بعضهم الفعل قبل الجار فقال: وصينا الإنسان بأن يحسن بوالديه إحساناً، ولعل التنوين للتفخيم أي إحساناً عظيماً. والإيصاء والوصية التقدم إلى الغير بما يعمل به مقترناً بوعظ من قولهم: أرض واصية متصلة النبات، ففي الآية إشعار بأن الإحسان بهما أمر معتنى به، وقد عدَّ في الحديث ثاني أفضل الأعمال وهو الصلاة لأول وقتها، وَعدَّ عقوقهما ثاني أكبر الكبائر وهو الإشراك بالله عز وجل، والأحاديث في الترغيب في الأول والترهيب عن الثاني كثيرة جداً، وفي الآيات ما فيه كفاية لمن ألقى السمع وهو شهيد. وقرأ الجمهور {حُسْنًا } بضم الحاء وإسكان السين أي فعلاً ذا حُسْن أو كأنه في ذاته نفس الحُسْن لفرط حُسْنه، وجوز أبو حيان فيه أن يكون بمعنى {إِحْسَـٰناً } فالأقوال السابقة تجري فيه. وقرأ علي كرم الله تعالى وجهه والسلمي وعيسى {حَسَناً } بفتح الحاء والسين، وعن عيسى {حُسُناً } بضمهما. {حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً } أي ذات كره أو حملاً ذا كره وهو المشقة كما قال مجاهد والحسن وقتادة، وليس الكره في أول علوقها بل بعد ذلك حين تجد له ثقلاً. وقرأ شيبة وأبو جعفر والحرميان {كَرْهاً } بفتح الكاف وهما لغتان بمعنى واحد كالفَقْر والفُقْر والضَّعْف والضُّعْف، وقيل: المضموم اسم والمفتوح مصدر. وقال الراغب: ((قيل الكَرْه أي بالفتح المشقة التي تنال الإنسان من خارج مما يُحْمَلُ عليه بإكراه والكُرْه ما يناله من ذاته وهو ما يعافه من حيث الطبع أو من حيث العقل أو الشرع)). وطعن أبو حاتم في هذه القراءة فقال: لا تحسن هذه القراءة لأن الكَرْه بالفتح الغصب والغلبة. وأنت تعلم أنها في السبعة المتواترة فلا معنى للطعن فيها، وقد كان هذا الرجل يطعن في بعض القراآت بما لا علم له به جسارة منه عفا الله تعالى عنه. {وَحَمْلُهُ وَفِصَـٰلُهُ } أي مدة حمله وفصاله، وبتقدير هذا المضاف يصح حمل قوله تعالى: {ثَلاَثُونَ شَهْراً } على المبتدأ من غير كره. والفصال الفطام وهو مصدر فاصل فكأن الولد فاصل أمه وأمه فاصلته. وقرأ أبو رجاء والحسن وقتادة / ويعقوب والجحدري {وَفِصَـٰلُهُ } أي فطمه فالفصل والفصال كالفطم والفطام بناءً ومعنى؛ وقيل: الفصال بمعنى وقت الفصل أي الفطم فهو معطوف على مدة الحمل، والمراد بالفصال الرضاع التام المنتهي بالفطام ولذلك عبر بالفصال عنه أو عن وقته دون الرضاع المطلق فإنه لا يفيد ذلك، وفي الوصف تطويل. والآية بيان لما تكابده الأم وتقاسيه في تربية الولد مبالغة في التوصية لها، ولذا اعتنى الشارع ببرها فوق الاعتناء ببر الأب، فقد روي «حديث : أن رجلاً قال: يا رسول الله من أبر؟ قال: أمك قال: ثم من؟ قال: أمك قال: ثم من؟ قال: أمك قال: ثم من؟ قال: أباك»تفسير : وقد أشير في الآية إلى ما يقتضي البر بها على الخصوص في ثلاث مراتب فتكون الأوامر في الخبر كالمأخوذة من ذلك. واستدل بها علي كرم الله تعالى وجهه وابن عباس رضي الله تعالى عنهما وجماعة من العلماء على أن أقل مدة الحمل ستة أشهر لما أنه إذا حط عن الثلاثين للفصال حولان لقوله تعالى: {أية : حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ ٱلرَّضَاعَةَ } تفسير : [البقرة: 233] يبقى للحمل ذلك وبه قال الأطباء، قال جالينوس: كنت شديد الفحص عن مقدار زمن الحمل فرأيت امرأة ولدت لمائة وأربع وثمانين ليلة. وادعى ابن سينا أنه شاهد ذلك. وأما أكثر مدة الحمل فليس في القرآن العظيم ما يدل عليه؛ وقال ابن سينا في «الشفا»: بلغني من جهة من أثق به كل الثقة أن امرأة وضعت بعد الرابع من سني الحمل ولداً نبتت أسنانه، وحَكَى عن أرسطو أنه قال: أزمنة الحمل لكل حيوان مضبوطة سوى الإنسان فربما وضعت المرأة لسبعة أشهر وربما وضعت لثمانية وقلما يعيش الولد في الثامن إلا في بلاد معينة مثل مصر. ولعل تخصيص أقل الحمل وأكثر الرضاع بالبيان في القرآن الكريم بطريق الصراحة والدلالة دون أكثر الحمل وأقل الرضاع وأوسطهما لانضباطهما بعدم النقص والزيادة بخلاف ما ذكر. وتحقق ارتباط حكم النسب بأقل مدة الحمل حتى لو وضعته فيما دونه لما يثبت نسبه منه وبعده يثبت وتبرأ من الزنا، ولو أرضعت مرضعة بعد حولين لم يثبت به أحكام الرضاع في التناكح وغيره وفي هذا خلاف لا يعبأ به. {حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ } غاية لمقدر أي فعاش أو استمرت حياته حتى إذا اكتهل واستحكم قوته وعقله {وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً } الظاهر أنه غير بلوغ الأشد، وقال بعضهم: إنه بلوغ الأشد والعطف للتأكيد. وقد ذكر غير واحد أن الإنسان إذا بلغ هذا القدر يتقوى جداً خلقه الذي هو عليه فلا يكاد يزايله بعد، وفي الحديث «حديث : إن الشيطان يجر يده على وجه من زاد على الأربعين ولم يتب ويقول بأبـي وجه لا يفلح»تفسير : وأخرج أبو الفتح الأزدي من طريق جويبر عن الضحاك عن ابن عباس مرفوعاً «حديث : من أتى عليه الأربعون سنة فلم يغلب خيره شره فليتجهز إلى النار»تفسير : وعلى ذلك قول الشاعر:شعر : إذا المرء وافى الأربعين ولم يكن له دون ما يهوى حياء ولا ستر فدعه ولا تنفس عليه الذي مضى وإن جر أسباب الحياة له العمر تفسير : وقيل: لم يبعث نبـي إلا بعد الأربعين، وذهب الفخر إلى خلافه مستدلاً بأن عيسى ويحيـى عليهما السلام أرسلا صبيين لظواهر ما حكى في الكتاب الجليل عنهما، وهو ظاهر كلام السعد حيث قال: من شروط النبوة الذكورة وكمال العقل والذكاء والفطنة وقوة الرأي ولو في الصبا كعيسى ويحيـى عليهما السلام إلى آخر ما قال. وذهب ابن العربـي في آخرين إلى أنه يجوز على الله سبحانه بعث الصبـي إلا أنه لم يقع وتأولوا آيتي عيسى ويحيـى {أية : قَالَ إِنّي عَبْدُ ٱللَّهِ ءاتَانِيَ ٱلْكِتَـٰبَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً } تفسير : [مريم: 30]، {أية : وَآتَيْنَاهُ ٱلْحُكْمَ صَبِيّاً } تفسير : [مريم: 12] بأنهما إخبار عما سيحصل لهما / لا عما حصل بالفعل، ومثله كثير في الآيات وغيرها، والواقع عند هؤلاء البعث بعد البلوغ. وحكى اللقاني عن بعض اشتراطه فيه ويترجح عندي اشتراطه فيه دون أصل النبوة لما أن النفوس في الأغلب تأنف عن اتباع الصغير وإن كبر فضلاً كالرقيق والأنثى، وصرح جمع بأن الأعم الأغلب كون البعثة على رأس الأربعين كما وقع لنبينا صلى الله عليه وسلم. {قَالَ رَبّ أَوْزِعْنِي } أي رغبني ووفقني من أوزعته بكذا أي جعلته مولعاً به راغباً في تحصيله. وقرأ البزي {أوزعنيَ } بفتح الياء {أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ ٱلَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ } أي نعمة الدين أو ما يعمها وغيرها، وذلك يؤيد ما روي أنها نزلت في أبـي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه لأنه لم يكن أحد أسلم هو وأبواه من المهاجرين والأنصار سواه كذا قيل، وإسلام أبيه بعد الفتح وحينئذٍ يلزم أن تكون الآية مدنية وإليه ذهب بعضهم، وقيل: إن هذا الدعاء بالنسبة إلى أبويه دعاء بتوفيقهما للإيمان وهو كما ترى. واعترض على التعليل بابن عمر وأسامة بن زيد وغيرهما، ونقل عن الواحدي أنه قد صحب النبـي صلى الله عليه وسلم وهو ابن ثمان عشرة سنة ورسول الله صلى الله عليه وسلم ابن عشرين سنة في سفر للشام في التجارة فنزل تحت شجرة سَمُرَة وقال له الراهب: إنه لم يستظل بها أحد بعد عيسى غيره صلى الله عليه وسلم فوقع في قلبه تصديقه فلم يكن يفارقه في سفر ولا حضر فلما نبـىء وهو ابن أربعين آمن به وهو ابن ثمانية وثلاثين فلما بلغ الأربعين قال: {رَبّ أَوْزِعْنِي } الخ. {وَأَنْ أَعْمَلَ صَـٰلِحاً تَرْضَـٰهُ } التنوين للتفخيم والتكثير، والمراد بكونه مرضياً له تعالى مع أن الرضا على ما عليه جمهور أهل الحق الإرادة مع ترك الاعتراض وكل عمل صالح كذلك أن يكون سالماً من غوائل عدم القبول كالرياء والعجب وغيرهما، فحاصله اجعل عملي على وفق رضاك. وقيل المراد بالرضا هنا ثمرته على طريق الكناية. {وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرّيَّتِي } أي اجعل الصلاح سارياً في ذريتي راسخاً فيهم كما في قوله:شعر : فإن تعتذر في المحل من ذي ضروعها لدى المحل يجرح في عراقيبها نصلي تفسير : على أن {أَصْلِحْ} نزل منزلة اللازم ثم عدي بفي ليفيد ما أشرنا إليه من سريان الصلاح فيهم وكونهم كالظرف له لتمكنه فيهم وإلا فكان الظاهر وأصلح لي ذريتي، وقيل: عدي بفي لتضمنه معنى اللطف أي الطف بـي في ذريتي، والأول أحسن. قال ابن عباس: أجاب الله تعالى دعاء أبـي بكر فأعتق تسعة من المؤمنين منهم بلال وعامر بن فهيرة ولم يرد شيئاً من الخير إلا أعانه الله تعالى عليه، ودعا أيضاً فقال: {أَصْلِحْ لِي فِي ذُرّيَّتِي } فأجابه الله تعالى فلم يكن له ولد إلا آمنوا جميعاً فاجتمع له إسلام أبويه وأولاده جميعاً، وقد أدرك أبوه وولده عبد الرحمن وولده أبو عتيق النبـي صلى الله عليه وسلم وآمنوا به ولم يكن ذلك لأحد من الصحابة رضي الله تعالى عنهم أجمعين. {إِنّي تُبْتُ إِلَيْكَ } عما لا ترضاه أو يشغل عنك {وَإِنّي مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ } الذين أخلصوا أنفسهم لك.

سيد قطب

تفسير : هذا الشوط يسير مع الفطرة في استقامتها وفي انحرافها، وفيما تنتهي إليه حين تستقيم وما تنتهي إليه حين تنحرف. ويبدأ بالوصية بالوالدين. وكثيراً ما ترد هذه الوصية لاحقة للكلام عن العقيدة في الله أو مصاحبة لهذا الحديث. ذلك أن وشيجة الأبوة والبنوة هي أول وشيجة بعد وشيجة الإيمان في القوة والأهمية، وأولاها بالرعاية والتشريف. وفي هذا الاقتران دلالتان: أولاهما هي هذه. والثانية أن آصرة الإيمان هي الأولى وهي المقدمة، ثم تليها آصره الدم في أوثق صورها. وفي هذا الشوط نموذجان من الفطرة: في النموذج الأول تلتقي آصرة الإيمان وآصرة الوالدين في طريقهما المستقيم المهتدي الواصل إلى الله. وفي الثاني تفترق آصرة النسب عن آصرة الإيمان، فلا تلتقيان. والنموذج الأول مصيره الجنة ونصيبه البشرى. والنموذج الثاني مصيره النار ونصيبه استحقاق العذاب. وبهذه المناسبة يعرض صورة العذاب في مشهد من مشاهد القيامة، يصور عاقبة الفسوق والاستكبار. {ووصينا الإنسان بوالديه إحساناً}.. فهي وصية لجنس الإنسان كله، قائم على أساس إنسانيته، بدون حاجة إلى أية صفة أخرى وراء كونه إنساناً. وهي وصية بالإحسان مطلقة من كل شرط ومن كل قيد. فصفة الوالدية تقتضي هذا الإحسان بذاتها، بدون حاجة إلى أية صفة أخرى كذلك. وهي وصية صادرة من خالق الإنسان، وربما كانت خاصة بهذا الجنس أيضاً. فما يعرف في عالم الطير أو الحيوان أو الحشرات وما إليها أن صغارها مكلفة برعاية كبارها. والمشاهد الملحوظ هو فقط تكليف فطرة هذه الخلائق أن ترعى كبارها صغارها في بعض الأجناس. فهي وصية ربما كانت خاصة بجنس الإنسان. وتتكرر في القرآن الكريم وفي حديث الرسول - صلى الله عليه وسلم - الوصية بالإحسان إلى الوالدين. ولا ترد وصية الوالدين بالأولاد إلا نادرة، ولمناسبة حالات معينة. ذلك أن الفطرة وحدها تتكفل برعاية الوالدين للأولاد، رعاية تلقائية مندفعة بذاتها لا تحتاج إلى مثير. وبالتضحية النبيلة الكاملة العجيبة التي كثيراً ما تصل إلى حد الموت - فضلاً على الألم - بدون تردد، ودون انتظار عوض، ودون منّ ولا رغبة حتى في الشكران! أما الجيل الناشئ فقلما يتلفت إلى الخلف. قلما يتلفت إلى الجيل المضحي الواهب الفاني. لأنه بدوره مندفع إلى الأمام، يطلب جيلاً ناشئاً منه يضحي له بدوره ويرعاه! وهكذا تمضي الحياة! والإسلام يجعل الأسرة هي اللبنة الأولى في بنائه؛ والمحضن الذي تدرج فيه الفراخ الخضر وتكبر؛ وتتلقى رصيدها من الحب والتعاون والتكافل والبناء. والطفل الذي يحرم من محضن الأسرة ينشأ شاذاً غير طبيعي في كثير من جوانب حياته - مهما توافرت له وسائل الراحة والتربية في غير محيط الأسرة - وأول ما يفقده في أي محضن آخر غير محضن الأسرة، هو شعور الحب. فقد ثبت أن الطفل بفطرته يحب أن يستأثر وحده بأمه فترة العامين الأولين من حياته. ولا يطيق أن يشاركه فيها أحد. وفي المحاضن الصناعية لا يمكن أن يتوفر هذا. إذ تقوم الحاضنة بحضانة عدة أطفال، يتحاقدون فيما بينهم، على الأم الصناعية المشتركة، وتبذر في قلوبهم بذرة الحقد فلا تنمو بذرة الحب أبداً. كذلك يحتاج الطفل إلى سلطة واحدة ثابتة تشرف عليه فترة من حياته كي يتحقق له ثبات الشخصية. وهذا ما لا يتيسر إلا في محضن الأسرة الطبيعي. فأما في المحاضن الصناعية فلا تتوفر السلطة الشخصية الثابتة لتغير الحاضنات بالمناوبة على الأطفال. فتنشأ شخصياتهم مخلخلة، ويحرمون ثبات الشخصية.. والتجارب في المحاضن تكشف في كل يوم عن حكمة أصيلة في جعل الأسرة هي اللبنة الأولى في بناء المجتمع السليم، الذي يستهدف الإسلام إنشاءه على أساس الفطرة السليم. ويصور القرآن هنا تلك التضحية النبيلة الكريمة الواهبة التي تتقدم بها الأمومة، والتي لا يجزيها أبداً إحسان من الأولاد مهما أحسنوا القيام بوصية الله في الوالدين: {حملته أمه كرهاً، ووضعته كرهاً، وحمله وفصاله ثلاثون شهراً}.. وتركيب الألفاظ وجرسها يكاد يجسم العناء والجهد والضنى والكلال: {حملته أمه كرهاً، ووضعته كرهاً}.. لكأنها آهة مجهد مكروب ينوء بعبء ويتنفس بجهد، ويلهث بالأنفاس! إنها صورة الحمل وبخاصة في أواخر أيامه، وصورة الوضع وطلقه وآلامه! ويتقدم علم الأجنة فإذا به يكشف لنا في عملية الحمل عن جسامة التضحية ونبلها في صورة حسية مؤثرة.. إن البويضة بمجرد تلقيحها بالخلية المنوية تسعى للالتصاق بجدار الرحم. وهي مزودة بخاصية أكالة. تمزق جدار الرحم الذي تلتصق به وتأكله؛ فيتوارد دم الأم إلى موضعها، حيث تسبح هذه البويضة الملقحة دائماً في بركة من دم الأم الغني بكل ما في جسمها من خلاصات؛ وتمتصه لتحيا به وتنمو. وهي دائمة الأكلان لجدار الرحم. دائمة الامتصاص لمادة الحياة. والأم المسكينة تأكل وتشرب وتهضم وتمتص، لتصب هذا كله دماً نقياً غنياً لهذه البويضة الشرهة النهمة الأكول! وفي فترة تكوين عظام الجنين يشتد امتصاصه للجير من دم الأم فتفتقر إلى الجير. ذلك أنها تعطي محلول عظامها في الدم ليقوم به هيكل هذا الصغير! وهذا كله قليل من كثير! ثم الوضع، وهو عملية شاقة، ممزقة، ولكن آلامها الهائلة كلها لا تقف في وجه الفطرة ولا تنسي الأم حلاوة الثمرة. ثمرة التلبية للفطرة، ومنح الحياة نبتة جديدة تعيش، وتمتد.. بينما هي تذوي وتموت! ثم الرضاع والرعاية. حيث تعطي الأم عصارة لحمها وعظمها في اللبن، وعصارة قلبها وأعصابها في الرعاية. وهي مع هذا وذلك فرحة سعيدة رحيمة ودود. لا تمل أبداً ولا تكره تعب هذا الوليد. وأكبر ما تتطلع إليه من جزاء أن تراه يسلم وينمو. فهذا هو جزاؤها الحبيب الوحيد! فأنى يبلغ الإنسان في جزاء هذه التضحية، مهما يفعل. وهو لا يفعل إلا القليل الزهيد؟ وصدق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقد جاءه رجل كان في الطواف حاملاً أمه يطوف بها، فسأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هل أديتُ حقها؟ فأجابه: "حديث : لا، ولا بزفرة واحدة ". تفسير : ويخلص من هذه الوقفة أمام الوصية بالوالدين، واستجاشة الضمائر بصورة التضحية النبيلة ممثلة في الأم، إلى مرحلة النضج والرشد، ومع استقامة الفطرة، واهتداء القلب: {حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة قال: رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت عليّ وعلى والديَّ، وأن أعمل صالحاً ترضاه، وأصلح لي في ذريتي، إني تبت إليك، وإني من المسلمين}.. وبلوغ الأشد يتراوح بين الثلاثين والأربعين. والأربعون في غاية النضج والرشد، وفيها تكتمل جميع القوى والطاقات، ويتهيأ الإنسان للتدبر والتفكر في اكتمال وهدوء. وفي هذه السن تتجه الفطرة المستقيمة السليمة إلى ما وراء الحياة وما بعد الحياة. وتتدبر المصير والمآل. ويصور القرآن هنا خوالج النفس المستقيمة، وهي في مفرق الطريق، بين شطر من العمر ولى، وشطر يكاد آخره يتبدى. وهي تتوجه إلى الله: {رب أوزعني أن أشكرك نعمتك التي أنعمت عليَّ وعلى والديّ}.. دعوة القلب الشاعر بنعمة ربه، المستعظم المستكثر لهذه النعمة التي تغمره وتغمر والديه قبله فهي قديمة العهد به، المستقل المستصغر لجهده في شكرها. يدعو ربه أن يعينه بأن يجمعه كله: {أوزعني}.. لينهض بواجب الشكر؛ فلا يفرق طاقته ولا اهتمامه في مشاغل أخرى غير هذا الواجب الضخم الكبير. {وأن أعمل صالحاً ترضاه}.. وهذه أخرى. فهو يطلب العون للتوفيق إلى عمل صالح، يبلغ من كماله وإحسانه أن يرضاه ربه. فرضى ربه هو الغاية التي يتطلع إليها. وهو وحده الرجاء الذي يأمل فيه. {وأصلح لي في ذريتي}.. وهذه ثالثة. وهي رغبة القلب المؤمن في أن يتصل عمله الصالح في ذريته. وأن يؤنس قلبه شعوره بأن في عقبه من يعبد الله ويطلب رضاه. والذرية الصالحة أمل العبد الصالح. وهي آثر عنده من الكنوز والذخائر. وأروح لقلبه من كل زينة الحياة. والدعاء يمتد من الوالدين إلى الذرية ليصل الأجيال المتعاقبة في طاعة الله. وشفاعته إلى ربه. شفاعته التي يتقدم بها بين يدي هذا الدعاء الخالص لله، هي التوبة والإسلام: {إني تبت إليك وإني من المسلمين}.. ذلك شأن العبد الصالح، صاحب الفطرة السليمة المستقيمة مع ربه. فأما شأن ربه معه، فقد أفصح عنه هذا القرآن: {أولئك الذين نتقبل عنهم أحسن ما عملوا، ونتجاوز عن سيئاتهم في أصحاب الجنة. وعد الصدق الذي كانوا يوعدون}.. فالجزاء بحساب أحسن الأعمال. والسيئات مغفورة متجاوزة عنها. والمآل إلى الجنة مع أصحابها الأصلاء. ذلك وفاء بوعد الصدق الذي وعدوه في الدنيا. ولن يخلف الله وعده.. وهو جزاء الفيض والوفر والإنعام. فأما النموذج الآخر فهو نموذج الانحراف والفسوق والضلال: {والذي قال لوالديه: أف لكما! أتعدانني أن أخرج وقد خلت القرون من قبلي؟}.. فالوالدان مؤمنان. والولد العاق يجحد برهما أول ما يجحد؛ فيخاطبهما بالتأفف الجارح الخشن الوقح: {أف لكما!}.. ثم يجحد الآخرة بالحجة الواهية: {أتعدانني أن أخرج وقد خلت القرون من قبلي؟}.. أي ذهبوا ولم يعد منهم أحد.. والساعة مقدرة إلى أجلها. والبعث جملة بعد انتهاء أجل الحياة الدنيا. ولم يقل أحد إنه تجزئة. يبعث جيل مضى في عهد جيل يأتي. فليست لعبة وليست عبثاً. إنما هو الحساب الختامي للرحلة كلها بعد انتهائها! والوالدان يريان الجحود ويسمعان الكفر، ويفزعان مما يقوله الولد العاق لربه ولهما؛ ويرتعش حسهما لهذا التهجم والتطاول؛ ويهتفان به: {وهما يستغيثان الله. ويلك آمن. إن وعد الله حق}.. ويبدو في حكاية قولهما الفزع من هول ما يسمعان. بينما هو يصر على كفره، ويلج في جحوده: {فيقول: ما هذا إلا أساطير الأولين}.. هنا يعاجله الله بمصيره المحتوم: {أولئك الذين حق عليهم القول في أمم قد خلت من قبلهم من الجن والإنس؛ إنهم كانوا خاسرين}.. والقول الذي حق على هذا وأمثاله هو العقاب الذي ينال الجاحدين المكذبين. وهم كثير. خلت بهم القرون. من الجن والإنس. حسب وعيد الله الصادق الذي لا يخلف ولا يتخلف. {إنهم كانوا خاسرين}.. وأية خسارة أكبر من خسارة الإيمان واليقين في الدنيا. ثم خسارة الرضوان والنعيم في الآخرة. ثم العذاب الذي يحق على الجاحدين المنحرفين؟ وبعد بيان العاقبة والجزاء إجمالاً للمهتدين والضالين، يصور دقة الحساب والتقدير لكل فرد من هؤلاء وهؤلاءعلى حدة: {ولكل درجات مما عملوا، وليوفيهم أعمالهم، وهم لا يظلمون}.. فلكل فرد درجته، ولكل فرد عمله، في حدود ذلك الإجمال في جزاء كل فريق. وبعد، فهذان النموذجان عامان في الناس، ولكن مجيئهما في هذا الأسلوب، الذي يكاد يحدد شخصين بذواتهما أوقع وأشد إحياء للمثل كأنه واقع. ولقد وردت روايات أن كلاً منهما يعني إنساناً بعينه. ولكن لم يصح شيء من هذه الروايات. والأولى اعتبارهما واردين مورد المثل والنموذج. يدل على هذا الاعتبار صيغة التعقيب على كل نموذج. فالتعقيب على الأول: {أولئك الذين نتقبل عنهم أحسن ما عملوا ونتجاوز عن سيئاتهم في أصحاب الجنة. وعد الصدق الذي كانوا يوعدون}.. والتعقيب على الثاني: {أولئك الذين حق عليهم القول في أمم قد خلت من قبلهم من الجن والإنس, إنهم كانوا خاسرين}.. ثم التعقيب العام: {ولكل درجات مما عملوا وليوفيهم أعمالهم، وهم لا يظلمون}.. وكلها توحي بأن المقصود هو النموذج المكرر من هؤلاء وهؤلاء. ثم يقفهم وجهاً لوجه أمام مشهد شاخص لهم في يوم الحساب الذي كانوا يجحدون: {ويوم يعرض الذين كفروا على النار. أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها. فاليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تستكبرون في الأرض بغير الحق، وبما كنتم تفسقون}.. والمشهد سريع حاسم، ولكنه يتضمن لفتة عميقة عريضة. إنه مشهد العرض على النار. وفي مواجهتها وقبيل سوقهم إليها، يقال لهم عن سبب عرضهم عليها وسوقهم إليها: {أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها}.. فقد كانوا يملكون الطيبات إذن، ولكنهم استنفدوها في الحياة الدنيا، فلم يدخروا للآخرة منها شيئاً؛ واستمتعوا بها غير حاسبين فيها للآخرة حساباً. استمتعوا بها استمتاع الأنعام للحصول على اللذة بالمتاع، غير ناظرين فيها للآخرة، ولا شاكرين لله نعمته، ولا متورعين فيها عن فاحش أو حرام. ومن ثم كانت لهم دنيا ولم تكن لهم آخرة. واشتروا تلك اللمحة الخاطفة على الأرض بذلك الأمد الهائل الذي لا يعلم حدوده إلا الله! {فاليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تستكبرون في الأرض بغير الحق، وبما كنتم تفسقون}.. وكل عبد يستكبر في الأرض فإنما يستكبر بغير حق. فالكبرياء لله وحده. وليست لأحد من عباده في كثير أو قليل. وعذاب الهون هو الجزاء العدل على الاستكبار في الأرض. فجزاء الاستكبار الهوان. وجزاء الفسوق عن منهج الله وطريقه الانتهاء إلى هذا الهوان أيضاً. فإن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين. وهكذا ينتهي هذا الشوط من السورة بعرض ذينك النموذجين ومصيرهما في النهاية؛ وبهذا المشهد المؤثر للمكذبين بالآخرة، الفاسقين عن منهج الله، المستكبرين عن طاعته. وهي لمسة للقلب البشري تستجيش الفطر السليمة القويمة لارتياد الطريق الواصل المأمون.

ابن عاشور

تفسير : {وَوَصَّيْنَا ٱلإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَاناً حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاَثُونَ شَهْراً} تطلب بعض المفسرين وجه مناسبة وقوع هذه الآية عقب التي قبلها، وذكر القرطبي عن القشيري أن وجه اتصال الكلام بعضه ببعض أن المقصود بيان أنه لا يبعد أن يستجيب بعض الناس للنبي صلى الله عليه وسلم ويكفر به بعضهم كما اختلف حال الناس مع الوالدين. وقال ابن عساكر: لما ذكر الله التوحيد والاستقامة عطف الوصية بالوالدين كما هو مقرون في غير ما آية من القرآن. وكلا هذين القولين غير مقنع في وجه الاتصال. ووجه الاتصال عندي أن هذا انتقال إلى قول آخر من أقوال المشركين وهو كلامهم في إنكار البعث وجدالهم فيه فإن ذلك من أصول كفرهم بمحل القصد من هذه الآيات قوله: {أية : والذي قال لوالديه أف لكما} تفسير : [الأحقاف: 17] إلى قوله: {أية : خاسرين}تفسير : [الأحقاف: 18]. وصيغ هذا في أسلوب قصة جدال بين والدين مؤمنين ووَلد كافر، وقصة جدال بين ولد مؤمن ووالدين كافرين لأن لذلك الأسلوب وقعا في أنفس السامعين مع ما روي أن ذلك إشارة إلى جدال جرى بين عبد الرحمان بن أبي بكر الصديق قبل إسلامه وبين وَالديه كما سيأتي. ولذلك تعيّن أن يكون ما قبله توطئة وتمهيداً لذكر هذا الجدال. وقد روى الواحدي عن ابن عبّاس أن قوله: {أية : ووصينا الإنسان بوالديه إحساناً}تفسير : [الأحقاف: 15] إلى قوله: {أية : يوعدون}تفسير : [الأحقاف: 16] نزل في أبي بكر الصديق. وقال ابن عطية وغير واحد: نزلت في أبي بكر وأبيه (أبي قحافة) وأمه (أم الخير) أسلم أبواه جميعاً. وقد تكررت الوصاية ببر الوالدين في القرآن وحرض عليها النبي صلى الله عليه وسلم في مواطن عديدة فكان البر بالوالدين أجلى مظهراً في هذه الأمة منه في غيرها وكان من بركات أهلها بحيث لم يبلغ بر الوالدين مبلغاً في أمة مبلغه في المسلمين. وتقدم {أية : ووصينا الإنسان بوالديه حسنا} تفسير : في سورة العنكبوت (8). والمراد بالإنسان الجنس، أي وصينا الناس وهو مراد به خصوص الناس الذين جاءتهم الرسل بوصايا الله والذين آمنوا وعملوا الصالحات وذلك هو المناسب لقوله في آخرها {أية : أولئك الذين يتقبل عنهم أحسن ما عملوا}تفسير : [الأحقاف: 16] الآية. وكذلك هو فيما ورد من الآيات في هذا الغرض كما في سورة العنكبوت وفي سورة لقمان بصيغة واحدة. والحُسن: مصدر حَسُن، أي وصيناه بحُسن المعاملة. وقرأه الجمهور كذلك. وقرأه عاصم وحمزة والكسائي وخلف {إحسانا}. والنصب على القراءتين إما بنزع الخافض وهو الباء وإما بتضمين {وصيْنَا} معنى: ألزمنا. والكره: بفتح الكاف وبضمها مصدر أكره، إذا امتعض من شيء، أي كان حمله مكروهاً لها، أي حالة حمله وولادته لذلك. وقرأ الجمهور {كَرها} في الموضعين بفتح الكاف. وقرأه عاصم وحمزة والكسائي وابن ذكوان عن ابن عامر ويعقوب بضم الكاف في الموضعين. وانتصب {كرها} على الحال، أي كارهة أو ذات كَره. والمعنى: أنها حملته في بطنها متعبَة من حمله تعباً يجعلها كارهة لأحوال ذلك الحمل. ووضعته بأوجاع وآلام جعلتها كارهة لوضعه. وفي ذلك الحمل والوضع فائدة له هي فائدة وجوده الذي هو كمال حال الممكن وما ترتب على وجوده من الإيمان والعمل الصالح الذي به حصول النعم الخالدة. وأشير إلى ما بعد الحمل من إرضاعه الذي به علاج حياته ودفع ألم الجوع عنه وهو عمل شاق لأمه فذُكرت مدة الحمل والإرضاع لأنها لطولها تستدعي صبرَ الأم على تحمل كلفة الجنين والرضيع. والفصال: الفطام، وذكر الفصال لأنه انتهاء مدة الرضاع فذكر مبدأ مدة الحمل بقوله: {وحملُه} وانتهاءُ الرضاع بقوله: {وفصالُه}. والمعنى: وحمله وفصاله بينهما ثلاثون شهراً. وقرأ يعقوب {وفصْله} بسكون الصاد، أي فصله عن الرضاعة بقرينة المقام. ومن بديع معنى الآية جمع مدة الحمل إلى الفصال في ثلاثين شهراً لتُطابق مختلف مدد الحمل إذ قد يكون الحمل ستة أشهر وسبعة أشهر وثمانية أشهر وتسعة وهو الغالب، قيل: كانوا إذا كان حمل المرأة تسعة أشهر وهو الغالب أرضعتْ المولود أحد وعشرين شهراً، وإذا كان الحمل ثمانية أشهر أرضعت اثنين وعشرين شهراً، وإذا كان الحمل سبعة أشهر أرضعت ثلاثة وعشرين شهراً، وإذا كان الحمل ستة أشهر أرضعت أربعة وعشرين شهراً، وذلك أقصى أمد الإرضاع فعوضوا عن نقص كل شهر من مدة الحمل شهراً زائداً في الإرضاع لأن نقصان مدة الحمل يؤثر في الطفل هزالاً. ومن بديع هذا الطيّ في الآية أنها صالحة للدلالة على أن مدة الحمل قد تكون دون تسعة أشهر ولولا أنها تكون دون تسعة أشهر لحددته بتسعة أشهر لأن الغرض إظهار حق الأم في البر بما تحملته من مشقة الحمل فإن مشقة مدة الحمل أشدّ من مشقة الإرضاع فلولا قصد الإيماء إلى هذه الدلالة لكان التحديد بتسعة أشهر أجدرَ بالمقام. وقد جعل علي بن أبي طالب رضي الله عنه هذه الآية مع آية سورة البقرة (233) {أية : والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين}تفسير : دليلاً على أن الوضع قد يكون لستة أشهر، ونسب مثله إلى ابن عباس. ورووا عن معمر بن عبد الله الجهني قال: تزوج رجل منا امرأة من جهينة فولدت لتمام ستة أشهر فانطلق زوجها إلى عثمان بن عفان فذكر له فبعث إليها عثمان، فلما أتي بها أمر برجمها فبلغ ذلك عَليّاً فأتاه فقال: أما تقرأ القرآن قال: بلى. قال: أما سمعت قوله: {وحملهُ وفصاله ثلاثون شهراً}، وقال: {حولين كامِلين} فلم نجده بَقي إلا ستة أشهر. فرجع عثمان إلى ذلك وهو استدلال بني على اعتبار أن شمول الصور النادرة التي يحتملها لفظ القرآن هو اللائق بكلام علاّم الغيوب الذي أنزله تبياناً لكل شيء من مثل هذا. وتقدم الكلام على أحكام الحمل في سورة البقرة. {حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِىۤ أَنْ أَشكُرَ نِعْمَتَكَ ٱلَّتِىۤ أَنْعَمْتَ عَلَىَّ وَعَلَىٰ وَٰلِدَىَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَـٰلِحاً تَرْضَـٰهُ وَأَصْلِحْ لِى فِى ذُرِّيَّتِىۤ إِنَّى تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّى مِنَ المسلمين}. {حتى} ابتدائية ومعناها معنى فاء التفريع على الكلام المتقدم، وإذ كانت {حتى} لا يفارقها معنى الغاية كانت مؤذنة هنا بأن الإنسان تدرج في أطواره من وقت فصاله إلى أن بلغ أشده، أي هو موصًى بوالديه حسناً في الأطوار الموالية لفصاله، أي يوصيه وليّه في أطوار طفولته ثم عليه مراعاة وصية الله في وقت تكليفه. ووقوع {إذا} بعد {حتى} ليرتب عليها توقيت ما بعد الغاية من الخبر، أي كانت الغاية وقت بلوغه الأشدّ، وقد تقدمت نظائر ذلك قريباً وبعيداً منها قوله تعالى: {أية : حتى إذا فشلتم} تفسير : في سورة آل عمران (152). ولما كان {إذا} ظرفاً لزمن مستقبل كان الفعل الماضي بعدها منقلباً إلى الاستقبال، وإنما صيغ بصيغة الماضي تشبيهاً للمؤكد تحصيله بالواقع، فهو استعارة. و{إذا} تجريد للاستعارة، والمعنى: حتى يبلغ أشده، أي يستمر على الإحسان إليهما إلى أن يبلغ أشده فإذا بلغه {قال رب أوزِعْني}، أي طلب العون من الله على زيادة الإحسان إليهما بأن يلهمه الشكر على نعمه عليه وعلى والديه. ومن جملة النعم عليه أن ألهمه الإحسان لِوالديه. ومن جملة نعمه على والديه أن سخر لهما هذا الولد ليحسن إليهما، فهاتان النعمتان أول ما يتبادر عن عموم نعْمة الله عليه وعلى والديه لأن المقام للحديث عنهما. وهذا إشارة إلى أن الفعل المؤقت ببلوغ الأشد وهو فعل {قال ربّ أوزعني} من جملة ما وُصِي به الإنسان، أي أن يحسن إلى والديه في وقت بلوغه الأشد. فالمعنى: ووصينا الإنسان حُسناً بوالديه حتى في زمن بلوغه الأشد، أي أن لا يفتر عن الإحسان إليهما بكل وجه حتى بالدعاء لهما. وإنما خص زمان بلوغه الأشد لأنه زمن يكثر فيه الكلف بالسعي للرزق إذ يكون له فيه زوجة وأبناء وتكثر تكاليف المرأة فيكون لها فيه زوج وبيت وأبناء فيكونان مظنة أن تشغلهما التكاليف عن تعهد والديهما والإحسان إليهما فنبها بأن لا يفتُرا عن الإحسان إلى الوالدين. ومعنى {قال ربّ أوزعني} أنه دعا ربه بذلك، ومعناه: أنه مأمور بالدعاء إليهما بأنه لا يشغله الدعاء لنفسه عن الدعاء لهما وبأنه يحسن إليهما بظهر الغيب منهما حين مناجاته ربه، فلا جرم أن إحسانه إليهما في المواجهة حاصل بفحوى الخطاب كما في طريقة الفحوى في النهي عن أذاهما بقوله تعالى: {أية : فلا تقل لهما أف}تفسير : [الإسراء: 23]. وحاصل المعنى: أن الله أمر بالإحسان إلى الوالدين في المشاهدة والغيبة وبجميع وسائل الإحسان الذي غايته حصول النفع لهما، وهو معنى قوله تعالى: {أية : وقل رب ارحمهما كما رَبَّياني صغيرا}تفسير : [الإسراء: 24] وأن الله لمّا أمر بالدعاء للأبوين وعد بإجابته على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم لقوله: «حديث : إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، وعلم بثه في صدور الرجال، وولد صالح يدعو له بخير»تفسير : . وما شُكر الولد ربه على النعمة التي أنعمها الله على والديه إلا من باب نيابته عنهما في هذا الشكر، وهو من جملة العمل الذي يؤديه الولد عن والديه. وفي حديث الفضل بن عباس حديث : أن المرأة الخثعمية قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حجة الوداع «إن فريضة الله على عباده في الحج أدركت أبي شيخاً كبيراً لا يثبت على الراحلة أفيجزِىءُ أن أحُجّ عنه، قال:"نعم حُجِّي عنه"تفسير : ، وهو حج غير واجب على أبيها لعجزه. والأشُدّ: حالة اشتداد القوى العقلية والجسدية وهو جمع لم يسمع له بمفرد. وقيل مفرده: شِدّة بكسر الشين وهاء التأنيث مثل نعمة جمعها أنْعُم، وليس الأشد اسماً لعدد من سني العمر وإنما سِنُو العمر مظنة للأشُدّ. ووقتُه ما بعد الثلاثين سنة وتمامه عند الأربعين سنة ولذلك عطف على {بلَغ أشده} قوله: {وبلغ أربعين سنة} أي بلغ الأشد ووصل إلى أكمله فهو كقوله تعالى: {أية : ولما بلغ أشده واستوى}تفسير : [القصص: 14]، وتقدم في سورة يوسف، وليس قوله: {وبلغ أربعين سنة} تأكيداً لقوله {بلغ أشده} لأن إعادة فعل بلغ تبعد احتمال التأكيد وحرف العطف أيضاً يبعد ذلك الاحتمال. و {أوزعني}: ألهمني. وأصل فعل أوزع الدلالة على إزالة الوَزْع، أي الانكفاف عن عمل ما، فالهمزة فيه للإزالة، وتقدم في سورة النمل. و {نعمتك} اسم مصدر مضاف يعمّ، أي ألهمني شكر النعم التي أنعمت بها علي وعلى والدي من جميع النعم الدينية كالإيمان والتوفيق ومن النعم الدنيوية كالصحة والجِدة. وما ذكر من الدعاء لذريته بقوله: {وأصلح لي في ذريتي} استطراد في أثناء الوصاية بالدعاء للوالدين بأن لا يغفل الإنسان عن التفكر في مستقبله بأن يصرف عنايته إلى ذريته كما صرفها إلى أبويه ليكون له من إحسان ذريته إليه مثل ما كان منه لأبويه وإصلاح الذرية يشمل إلهامهم الدعاء إلى الوالد. وفي إدماج تلقين الدعاء بإصلاح ذريته مع أن سياق الكلام في الإحسان إلى الوالدين إيماء إلى أن المرء يلقى من إحسان أبنائه إليه مثل ما لقي أبواه من إحسانه إليهما، ولأن دعوة الأب لابنه مرجوة الإجابة. وفي حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : ثلاث دعوات مستجابات لا شك فيهن: دعوة الوالد على ولده، ودعوة المسافر، ودعوة المظلوم»تفسير : ، وفي رواية «لولده» وهو حديث حسن متعددة طرقه. واللام في {وأصلح لي} لام العلة، أي أصلح في ذريتي لأجلي ومنفعتي كقوله تعالى: {أية : ألم نشرح لك صدرك}تفسير : [الشرح: 1]. ونكتة زيادة هذا في الدعاء أنه بعد أن أشار إلى نعم الله عليه وعلى والديه تعرض إلى نفحات الله فسأله إصلاح ذريته وعرَّض بأن إصلاحهم لفائدته، وهذ تمهيد لبساط الإجابة كأنه يقول: كما ابتدأتني بنعمتك وابتدأت والديّ بنعمتك ومتعتهما بتوفيقي إلى برهما، كَمِّلْ إنعامك بإصلاح ذريتي فإن إصلاحهم لي. وهذه ترقيات بديعة في درجات القرب. ومعنى ظرفية {في ذريتي} أن ذريته نزلت منزلة الظرف يَستقر فيه ما هو به الإصلاح ويحتوي عليه، وهو يفيد تمكن الإصلاح من الذرية وتغلغله فيهم. ونظيره في الظرفية قوله تعالى: {أية : وجعلها كلمة باقية في عقبه}تفسير : [الزخرف: 28]. وجملة {إني تبت إليك} كالتعليل للمطلوب بالدعاء تعليل توسل بصلة الإيمان والإقرار بالنعمة والعبودية. وحرف (إنَّ) للاهتمام بالخبر كما هو ظاهر، وبذلك يستعمل حرف (إنَّ) في مقام التعليل ويغني غناء الفاء. والمراد بالتوبة: الإيمان لأنه توبة من الشرك، وبكونه من المسلمين أنه تبع شرائع الإسلام وهي الأعمال. وقال: {من المسلمين} دون أن يقول: وأسلمت كما قال: {تُبت إليك} لما يؤذن به اسم الفاعل من التلبس بمعنى الفعل في الحال وهو التجدد لأن الأعمال متجددة متكررة، وأما الإيمان فإنما يحصل دفعة فيستقر لأنه اعتقاد، وفيه الرعي على الفاصلة. هذا وجه تفسير الآية بما تعطيه تراكيبها ونظمها دون تكلف ولا تحمّل، وهي عامة لكل مسلم أهل لوصاية الله تعالى بوالديه والدعاء لهما إن كانا مؤمنين.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {وَوَصَّيْنَا ٱلإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ}. قرأ هذا الحرف، نافع وابن كثير وابن عامر وأبو عمرو {حُسْنا} بضم الحاء وسكون السين، وكذلك هو في مصاحفهم. وقرأه عاصم وحمزة والكسائي: إحساناً بهمزة مكسورة وإسكان الحاء وألف بعد السين. وقد قدمنا الآيات الموضحة لهذه الآية في سورة بني إسرائيل في الكلام على قوله تعالى:{أية : وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِٱلْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً}تفسير : [الإسراء: 23] وقال أبو حيان في البحر: قيل ضمن {ووصينا} معنى ألزمنا فيتعدى لاثنين فانتصب حسناً وإحساناً على المفعول الثاني لوصينا. وقيل: التقدير إيصاء ذا حسن أو ذا إحسان ويجوز أن يكون حسناً بمعنى إحسان فيكون مفعولاً له، أي ووصيناه بها لإحساننا إليهما فيكون الإحسان من الله تعالى. وقيل: النصب على المصدر على تضمين معنى أحسنا بالوصية للإنسان بوالديه إحساناً ا هـ منه، وكلها له وجه. قوله تعالى: {حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً}. قرأ هذا الحرف نافع وابن كثير وأبو عمرو وهشام عن ابن عامر: {كَرها} بفتح الكاف في الموضعين. وقرأه عاصم وحمزة والكسائي، وابن ذكوان، عن ابن عامر: {كُرهاً} بضم الكاف في الموضعين. وهما لغتان كالضُّعف والضَّعف. ومعنى حملته {كرها} أنها في حال حملها به تلاقي مشقة شديدة. ومن المعلوم ما تلاقيه الحامل، من المشقة والضعف، إذا أثقلت وكبر الجنين في بطنها. ومعنى وضعته كرهاً: أنها في حالة وضع الولد، تلاقي من ألم الطلق، وكربه مشقة شديدة، كما هو معلوم. وهذه المشاق العظيمة التي تلاقيها الأم في حمل الولد ووضعه، لا شك أنها يعظم حقها بها، ويتحتم برها، والإحسان إليها كما لا يخفى. وما دلت عليه هذه الآية الكريمة من المشقة التي تعانيها الحامل، ودلت عليه آية أخرى، وهي قوله تعالى في لقمان:{أية : وَوَصَّيْنَا ٱلإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَىٰ وَهْنٍ}تفسير : [لقمان: 14] أي تهن به وهناً على وهن أي ضعفاً على ضعف، لأن الحمل كلما تزايد وعظم في بطنها، ازدادت ضعفاً على ضعف. وقوله في آية الأحقاف هذه كرهاً في الموضعين مصدر منكر وهو حال أي حملته ذات كره ووضعته ذات كره، وإتيان المصدر المنكر حالاً كثير كما أشار له في الخلاصة بقوله: شعر : ومصدر منكر حالا يقع بكثرة كبغتة زيد طلع تفسير : وقال بعضهم: كرهاً في الموضعين نعت لمصدر، أي حملته حملاً ذا كره، ووضعته وضعاً ذا كره، والعلم عند الله تعالى. قوله تعالى: {وحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاَثُونَ شَهْراً}. هذه الآية الكريمة، ليس فيها بانفرادها تعرض لبيان أقل مدة الحمل، ولكنها بضميمة بعض الآيات الأخرى إليها يعلم أقل أمد الحمل، لأن هذه الآية الكريمة، من سورة الأحقاف، صرحت بأن أمد الحمل والفصال معاً، ثلاثون شهراً. وقوله تعالى في لقمان:{أية : وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ}تفسير : [لقمان: 14]. وقوله في البقرة{أية : وَٱلْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ}تفسير : [البقرة: 223] يبين أن أمد الفصال عامان وهما أربعة وعشرون شهراً، فإذا طرحتها من الثلاثين بقيت ستة أشهر، فتعين كونها أمداً للحمل، وهي أقله، ولا خلاف في ذلك بين العلماء. ودلالة هذه الآيات على أن ستة أشهر أمد للحمل هي المعروفة عند علماء الأصول بدلالة الإشارة. وقد أوضحنا الكلام عليها، في مباحث الحج، في سورة الحج، في مبحث أقوال أهل العلم، في حكم المبيت بمزدلفة، وأشرنا لهذا النوع، من البيان في ترجمة هذا الكتاب المبارك. قوله تعالى: {حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً}. قد قدمنا الكلام عليه في سورة الأنعام في الكلام على قوله تعالى: {حَتَّىٰ يَبْلُغَ أَشُدَّه}، وفي ترجمة هذا الكتاب المبارك.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 15- ووصينا الإنسان بوالديه أن يحسن إليهما إحساناً عظيماً، حملته أمه حملاً ذا مشقة، ووضعته وضعاً ذا مشقة، ومدة حمله وفصاله ثلاثون شهراً قاست فيها صنوف الآلام، حتى إذا بلغ كمال قوته وعقله، وبلغ أربعين سنة، قال: رب ألهمنى شكر نعمتك التى أنعمت علىَّ وعلى والدى، وألهمنى أن أعمل عملاً صالحاً ترضاه، واجعل الصلاح سارياً فى ذريتى، إنى تبت إليك من كل ذنب، وإنى من الذين أسلموا أنفسهم إليك. 16- أولئك الموصوفون بتلك المحامد هم الذين نتقبل عنهم أعمالهم الحسنة، ونعفو عن سيئاتهم فى عداد أصحاب الجنة، محققين لهم وعد الصدق الذى كانوا يوعدون به فى الدنيا. 17- والذى قال لوالديه حين دعواه إلى الإيمان بالبعث متضجراً منهما ومنكراً عليهما: أف لكما، أتعداننى بالخروج من القبر وقد مضت الأمم من قبلى ولم يبعث من القبور أحد؟ وأبواه يستغيثان الله استعظاماً لجرمه، ويقولان له حثَّا على الإيمان: هلكت إن لم تؤمن، إن وعد الله بالبعث حق، فيقول - إمعاناً فى التكذيب -: ما هذا الذى تقولانه إلا خرافات سطرها الأولون.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: ووصينا الإِنسان بوالديه: أي أمرناه أمراً مؤكداً بالإِيصاء. إحسانا: أي أن يُحسن بهما إحسانا وهو المعاملة بالحسنى. حملته أُمه كُرها ووضعته كرها: أي حملته أثناء حمله في بطنها على مشقة وولدته كذلك على مشقة. وحمله وفصاله ثلاثون شهرا: أي مدة حمله في بطنها وفطامه من الرضاع ثلاثون شهرا. حتى إذا بلغ أشده: أي اكتمال قوته البدنّية العقلية وهي من الثلاث والثلاثين فما فوق. رب أوزعني أن أشكر نعمتك: أي ألهمني ووفقني أن أشكر نعمتك بصرفها فيما تحب. وأن أعمل صالحا ترضاه: أي وبأن أعمل صالحا ترضاه مني أي تتقبله عني. ونتجاوز عن سيئاتهم: أي فلا نؤاخذهم بها بل نغفرها. في أصحاب الجنة: أي في جملة أصحاب الجنة وعدادهم. وعد الصدق الذي كانوا يوعدون: أي في مثل قوله تعالى وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار الآية. معنى الآيات: إن الفرد كالجماعة فقد أوصى تعالى الإِنسان بالإِحسان بوالديه وببرهما في جميع كتبه وعلى ألسنة كافة رسله، والإِنسان بعد ذلك قد يحسن ويبرُّ وقد يسيء ويعُقُّ، فكذلك الجماعة والأمة من الناس يرسل إليهم الرسول فمنهم من يؤمن ومنهم من يكذب، ومنهم من يتابع ومنهم من يخالف فلما ذكر تعالى اختلاف قوم النبي صلى الله عليه وسلم في الإِيمان بما جاء به، والكفر به ذكر أن هذه حال الإِنسان فقال تعالى {وَوَصَّيْنَا ٱلإِنسَانَ} أي جنس الإِنسان أي أمرناه بما هو آكد من الأمر وهو الوصيّة بوالديه أي أمه وأبيه إحسانا بهما وذلك بكف الأذى عنهما وإيصال الخير بهما وطاعتهما في المعروف وببرهما أيضا بعد موتهما. فمن الناس من ينفذ هذه الوصية ومنهم من يهملها ولا ينفذها وقوله، حملته أمه كرها ووضعته كرها بيان لوجوب الإِحسان بهما وبرهما إذ معاناة الأُم وتحملها مشقة الحمل تسعة أشهر ومشقة الوضع وهي مشقة لا يعرفها إلا من قاسى آلامها كالأمهات. وقوله {وَحَمْلُهُ وَفِصَٰلُهُ ثَلٰثُونَ شَهْراً} بيان لمدة تحمل المشقة إنها ثلاثون شهرا بعضها للحمل وبعضها للإِرضاع والتربية وقوله تعالى حتى إذا بلغ أي عاش حتى إذا بلغ أشده أي اكتمال قواه البدنية والعقلية وذلك من ثلاث وثلاثين سنة إلى الأربعين وبلغ أربعين سنة قال أي الإِنسان البار بوالديه المنفذ للوصية الإِلهية كأبي بكر الصديق رضي الله عنه إذ بلغ الأربعين من عمره بعد البعثة المحمدية بسنتين. {قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِيۤ أَنْ أَشكُرَ نِعْمَتَكَ ٱلَّتِيۤ أَنْعَمْتَ عَلَيَّ} وهي نعمة الإِيمان والتوحيد والإِسلام عليّ وعلى والديَّ إذ آمن وآمن أبواه أبو قحافة عثمان بن عامر التيمي وآمنت أمه أم الخير سلمى، وأولاده عامة من بنين وبنات ولم يحصل لأحد من الصحابه أن سأل ربه أن يدفعه دفعا إلهاميا وتوفيقا ربانيا لأن يشكر نعمة الله عليه وعلى والديه بالإِسلام، وأن يدفعه كذلك إلى العمل الصالح الذي يرضاه الله ويتقبله عن صاحبه، وقد استجاب له ربه فأعتق تسعة أعبد مؤمنين من استرقاق الكافرين لهم منهم بلال رضي الله عنه، وقوله {وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِيۤ} أي اجعل الصلاح ساريا في ذريتي حتى يشملهم جميعا وقد استجاب الله تعالى له فآمن أولاده أجمعون ذكورا وإناثا، وقوله {إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ} هذا توسل منه رضي الله عنه لقبول دعائه فقد توسل إلى ربّه بالتوبة من الشرك والكفر إلى الإِيمان والتوحيد، وبالإِسلام إلى الله وهو الخضوع لله والانقياد لأمره ونهيه. وقوله تعالى {أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ وَنَتَجَاوَزُ عَن سَيِّئَاتِهِمْ} فلا يؤاخذهم بها بعد توبتهم منها في جملة أصحاب الجنة إذ لا يدخل الجنة أحد إلا بعد مغفرة ذنبه، وقوله {وَعْدَ ٱلصِّدْقِ} أي أنجز لهم هذا لأنه وعد صدق وعدهم فأنجزه لهم، وقوله {ٱلَّذِي كَانُواْ يُوعَدُونَ} أي في الكتاب مثل قوله تعالى {أية : وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا}تفسير : [التوبة: 72] الآية. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- وجوب البر بالوالدين بطاعتهما في المعروف والإِحسان بهما بعد كف الأذى عنهما. 2- الإِشارة إلى أن مدة الحمل قد تكون ستة أشهر فأكثر، وأن الرضاع قد يكون حولين فأقل. 3- جواز التوسل بالتوبة إلى الله والانقياد له بالطاعة. 4- فضيلة آل أبي بكر الصديق على غيرهم من سائر الصحابة ما عدا آل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم. 5- بشارة الصديق وأسرته بالجنة، إذ آمنوا كلهم وأسلموا أجمعين وماتوا على ذلك.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلإِنسَانَ} {بِوَالِدَيْهِ} {إِحْسَاناً} {فِصَالُهُ} {ثَلاَثُونَ} {وَالِدَيَّ} {صَالِحاً} {تَرْضَاهُ} (15) - بَعْدَ أَنْ أَمَرَ اللهُ تَعَالى عِبَادَهَ بِالإِيمانِ بِهِ وَبِتَصْدِيقِ رَسُولِهِ، وبما جاءَ بِهِ مِنْ كِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللهِ، والاستِقَامَةِ عَلَى الإِيمانِ، حَثَّ النَّاسَ عَلَى الإِحسَانِ إلى الوَالِدَينِ فأَخبَرَ تَعَالَى: أَنَّهُ أَمَرَ الإِنسَانَ بالإِحسَانِ إِلى وَالديْهِ، وَبِالحُنُوِّ عَلَيهِما، وَجَعَلَ برَّهُما مِنْ أَفْضَلِ القُرُبَاتِ إِلى اللهِ، وَجَعَلَ عُقُوقَهُما مِنَ كَبَائِرِ الذُّنوبِ، ثُمَّ بَيَّنَ تَعَالى سَبَبَ تَوصِيَتِهِ الإِنسَانَ بِبِرِّ وَالِدَيهِ، فَقَالَ: إِنَّ أُمَّهُ قَاسَتْ في حَمْلِهِ مَشَقَّةً وَتَعَباً، وَقَاسَتْ في وَضعِهِ مَشَقَّةً وأَلماً، وَكُلُّ ذَلِكَ يَسْتَدعي مِنَ الإِنسانِ الشكرَ، واستِحقَاقَ التَّكريمِ، وَجَميلَ الصُّحْبَةِ. وَمُدَّةُ حَمْلِ الطّفْلِ، وفِطَامِهِ، ثَلاثُونَ شَهْراً تَتَحَمَّلُ فِيها الأٌمُ أَعْظَمَ المَشَاقِّ. حَتَّى إِذَا بَلَغَ الطّفْلُ كَمَالَ قُوَّتِهِ وَعَقْلِهِ، وَبَلَغَ أَربَعِينَ سَنَةً مِنْ عُمْرِهِ قَالَ: رَبِّ أَلْهِمْنِي وَوَفِّقْنِي إِلى شُكْرِ نِعْمَتِكَ التِي أَنْعَمْتَ بِها عَلَيَّ، وَعَلَى وَالِدَيَّّ، مِنْ صِحَّةِ جِسْمٍ، وَسَعَةِ عَيْشٍ، واجْعَلْني أَعْمَل عَمَلاً صَالِحا يُرضِيكَ عَنِّي لأَِنَالَ مَثُوبَتَهُ عِنْدَكَ، وَاجَعْلِ اللَهُمَّ الصَّلاَحَ سَارِياً في ذُرِّيَّتِي، إِني تُبتُ إِليكَ مِنْ ذُنُوبِي التِي صَدَرتَ عَنِّي فِيما سَلَفَ مِنْ أَيَّامِي، وَإِنِّي مِنَ المُستَسلِمِينَ لأَِمرِكَ وَقَضَائِكَ. وَصِّينا - أَمَرْنا وَأَلزَمْنا. كُرْهاً - ذَاتَ كُرهٍ وَمَشَقَّةٍ. حَمْلُهُ وفِصَالُهُ - مُدَّةُ حَملِهِ وَفِطَامِهِ. بَلَغَ أَشُدَّهُ - بَلَغَ كَمَالَ قُوَّتِهِ وَعَقْلِهِ. رَبِّ أَوْزِعْني - يا رَبِّ أَلْهِمْنِي وَوَفّقْنِي.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : قوله تعالى: {وَوَصَّيْنَا ٱلإِنسَانَ بِوَٰلِدَيْهِ ..} [الأحقاف: 15] أمرناه بذلك وألزمناه به، والوصية أن تطلب ممَّنْ توصيه عملاً خيَِّراً يفيده في حياته وآخرته، ويعينه على آداء مهمته، لذلك تجد معظم الوصايا بالأمور المهمة تأتي في أخريات العمر، وكأنه يقول لأهله ولمن يوصيه: الحقوا خذوا مني نتيجة تجاربي في الحياة. وهذه المادة أتت في القرآن بلفظ: وصَّى وأوصى. وصى تفيد تكرار الفعل، كما في قوله تعالى: {وَوَصَّيْنَا ٱلإِنسَانَ بِوَٰلِدَيْهِ ..} [الأحقاف: 15] وفي قوله تعالى: {أية : وَوَصَّىٰ بِهَآ إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ ..}تفسير : [البقرة: 132]. أما أوصى فهي للتعدية، كما في قوله تعالى على لسان المسيح عليه السلام: {أية : وَأَوْصَانِي بِٱلصَّلاَةِ وَٱلزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّاً}تفسير : [مريم: 31] فهي مثل أنزل ونزَّل، وأنزل أي مرة واحدة، ونزَّل يعني تباعاً. وكلمة {ٱلإِنسَانَ ..} [الأحقاف: 15] وهو الموصَّى تفيد الإطلاق والعموم أي الإنسان على إطلاقه من آدم إلى قيام الساعة في اسم جنس تقابل في الخلق المختار كلمة الجن، نقول: الإنس والجن، الإنس يعني الإنسان من الأُنس. يعني: يأنس بعضنا إلى بعض. أما الجن فلا أنْسَ بيننا وبينه، لأننا لا نراهم ولا نتفق معهم في الطبيعة، قال تعالى: {أية : إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ ..}تفسير : [الأعراف: 27]. إذن: هذه الوصية مُوجّهة من الحق سبحانه للناس كافة وللإنسان عموماً، فتشمل المؤمن والكافر، والكبير المكلف والطفل دون التكليف، فإنْ فعل بالوصية يُثاب عليها، وإنْ تركها لا يُعاقب. يمكن أنْ نقيس هذه المسألة على الصلاة، ففي الحديث الشريف قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : مُروا أولادكم بالصلاة لسبع، واضربوهم عليها لعشر ". تفسير : إذن: الأمر منكم وكذلك العقوبة منكم أيضاً، لأنه ما يزال دون سِنِّ التكليف الشرعي. والصلاة في هذه السنِّ تدريب له وتعوّد ليرتاد ويألف الصلاة منذ صِغَره فيشب عليها، حتى إذا بلغ التكليف كانت سهلة عليه ومعتادة عنده. وكلمة (الوالدين) أي: الأب والأم، وهما السبب المباشر للوجود، لأن هناك سبباً غير مباشر، وهو الوجود الأعلى الذي أوجد آدم وحواء، وهذا الوجود كان عن عدم، أما وجودنا نحن بالتناسل، فكان عن سبب وهو (الوالدان). ولبقاء النوع وعمارة الأرض ربط الله تعالى - ولحكمة عملية - الإنجابَ بأقوى غرائز الإنسان وأقوى لذة عنده، كيف؟ قالوا: أنت حين تنظر إلى منظر جميل تستمتع به عينُك أو تشمّ رائحة طيبة يستمتع بها أنفُك. كذلك حين تأكل أكلة مُحبّبة إليك. إذن: كلّ جارحة من جوارحك لها متعة خاصة، أما العملية الجنسية فتُحدث لذة ومتعة تستوعب الجوارح كلها، وتشارك فيها الجوارح كلها، لذلك شرع الله الغُسْلَ بعدها لاشتراك جميع الجوارح في هذه العملية، وأيضاً لأنك تغفل في هذه الأثناء عن الله فاستوجب ذلك الغسل. وأيضاً لأن الحق سبحانه وتعالى علم أن الأولاد يُمثلون عبئاً على الأهل ومشقة في التربية والإنفاق والسعي عليهم، لذلك أقسم الله بهذه المسألة فقال: {أية : وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ}تفسير : [البلد: 3]. ولولا أن الله ربط الإنجاب بهذه اللذة لربما زهد فيها كثير من الناس، تروْنَ المرأة كم تعاني من آلام الحمل والولادة، حتى أنها تقول توبة لن أعود، ثم تنسى آلامَها ومقاساتَها وتحِنّ من جديد للحمل. إذن: ربط الإنجاب بهذه اللذة لحكمة، لكن العجيب أن الناس تسرف فيها وتبالغ وتخرجها عن حدِّها فتجعل اللذة هي الأصل. ونحن نرى الحيوانات مثلاً تمارسها لبقاء النوع فقط، لذلك ساعة يأتي الفحل للأنثى يشمّها أولاً، فإنْ وجدها حاملاً لا يقربها، وهي أيضا لا تُمكّنه من نفسها، والعجيب أننا نعيب الحيوانات ونقول: شهوة بهيمية .. سبحان الله!! ثم إننا نلاحظ في هذه المسألة أن طفولة الإنسان هي تقريباً أطول فترة طفولة إذا ما قُورنت بباقي المخلوقات، فالحيوان مثلاً يلد ثم تُرضع الأم ولدها، وبعد فترة الرضاعة لا تعرفه ولا تهتم به. أما في الإنسان فهو طفل حتى سنِّ البلوغ، اقرأ: {أية : وَإِذَا بَلَغَ ٱلأَطْفَالُ مِنكُمُ ٱلْحُلُمَ ..}تفسير : [النور: 59] ذلك لأن الإنسان مرتبطٌ ومكلّف تكليفاً أعلى من الحق سبحانه ومطلوب منه أنْ يأتمر بأمره، وأنْ ينتهي عن نَهْيه. إذن: طبيعة الإنسان وتكريمه بصلته بالله جعلتْ فترة تربيته طويلة تناسب مهمته في الحياة. انظر مثلاً إلى البقرة تلد فينزل ولدها يتحرك وينفض عن نفسه البلل، ثم يقف بعد دقائق ثم ينهض واقفاً، ثم يجري حولها كل هذا في ساعة من الزمن. أما الولد عندنا فيستطيع الجلوس مثلاً بعد عدة أشهر ثم يحبو ثم يقف ثم يمشي بعد سنة أو أكثر، بل وعندنا مَنْ يمد فترة الطفولة لأبنائه إلى سن 25 سنة، وهو في حكم الطفل يعوله وينفق عليه ولا يُحمِّله المسئولية. والتوصية بالوالدين وردتْ في القرآن في أربعة مواضع مقرونة بعبادة الله: {أية : وَٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِٱلْوَٰلِدَيْنِ إِحْسَاناً ..}تفسير : [النساء: 36] وقال: {أية : وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ ٱللَّهَ وَبِٱلْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً ..}تفسير : [البقرة: 83]. وفي سورة الأنعام: {أية : قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِٱلْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً ..}تفسير : [الأنعام: 151] وفي سورة الإسراء: {أية : وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِٱلْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً ..}تفسير : [الإسراء: 23]. هذه أربعة مواضع يأمر فيها الحق سبحانه الأولاد بالإحسان إلى الوالدين، ويقرن هذا لأهميته بعبادة الله وكأنهما في الميزان سواء؛ لأن الوالدين كما ذكرنا هما سببُ الوجود المباشر، وبرّهما والإحسان إليهما تمهيد وتدريب يُذكِّرك بالسبب الأعلى لوجودك، وهو الخالق سبحانه وتعالى. وهذه الوصية يلزمنا الله بها حتى إنْ كان الولدان كافريْنِ كما قلنا في وصية عامة، يقول تعالى: {أية : وَوَصَّيْنَا ٱلإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْناً وَإِن جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَآ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ}تفسير : [العنكبوت: 8]. وقال سبحانه: {أية : وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَىٰ أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي ٱلدُّنْيَا مَعْرُوفاً ..}تفسير : [لقمان: 15] فإذا كان الله تعالى يُوصينا بالوالدين حتى إنْ كانا مشركين لأنهما سبب الوجود المباشر، فما بالك بسبب الوجود الأعلى سبحانه؟ وقد اعترض بعض المستشرقين هنا وقالوا: القرآن يقول: {أية : فَلاَ تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي ٱلدُّنْيَا مَعْرُوفاً ..}تفسير : [لقمان: 15] وفي آية أخرى يقول: {أية : لاَّ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ يُوَآدُّونَ مَنْ حَآدَّ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوۤاْ آبَآءَهُمْ أَوْ أَبْنَآءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ ..}تفسير : [المجادلة: 22]. فرأى تعارضاً بين الآيتين، وهذا ناتج عن عدم فهم اللغة وعدم الإلمام بأساليبها وأسرارها، فهناك فرْق بين الود والمعروف. الود منشؤه الحب والعاطفة القلبية، أما المعروف فجميلٌ تصنعه مع مَنْ تحب ومع مَنْ تكره. والحق سبحانه حينما يأمرنا ببرِّ الوالدين إنما ليعطينا دُرْبة ورياضة على أن تبرَّ مَنْ خلقك وخلقهم، وهو الموجِد الأعلى سبحانه. وكلمة (إحساناً) مصدر أحسن. والإحسان في الشرع أنْ تصنع من الخير والمعروف فوق ما فرض عليك ومن جنس ما فُرِض عليك، وهذا المعنى شرحه لنا الحق سبحانه في سورة الذاريات: {أية : إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * آخِذِينَ مَآ آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ}تفسير : [الذاريات: 15-16]. ثم يصفهم ويعطينا حيثيات الإحسان: {أية : كَانُواْ قَلِيلاً مِّن ٱللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِٱلأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ * وَفِيۤ أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لَّلسَّآئِلِ وَٱلْمَحْرُومِ}تفسير : [الذاريات: 17-19]. وواضح أن هذه المسائل الثلاثة المذكورة ليست فرضاً على المسلم، بل هي زيادة من جنس ما فرض عليه، ألاَ تراه يقول في الأموال: {أية : حَقٌّ لَّلسَّآئِلِ وَٱلْمَحْرُومِ}تفسير : [الذاريات: 19] لكن عندما يتحدَّث عن فريضة الزكاة يقول: {أية : حَقٌّ مَّعْلُومٌ}تفسير : [المعارج: 24]. فالحق المعلوم هو الزكاة الواجبة، لكن (حق) هكذا مطلقة، فهي للصدقات التي تخرج زيادة على الفريضة، ومَنْ يقدم هذه الزيادة في الطاعة تدخله في دائرة الإحسان التى هي أعلى مراتب العبادة. كذلك الحق سبحانه يأمرنا ببرِّ الوالدين والإحسان إليهما، لأن لهما فضلاً علينا في الإيجاد وفي التربية وفي الإنفاق، فيجب أنْ نعطيهم أكثر مما يستحقون، وحين تعطي أكثر مما يجب عليك فأنت مُحسن إليهما. إذن: الأمر في بر الوالدين لا يتوقف عند الواجب الضروري إنما يتعداه إلى مرتبة الإحسان. لذلك الحق سبحانه حينما يُحدِّثنا عن حَقِّ الوالدين يقول: {أية : فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا}تفسير : [الإسراء: 23] وأف: اسم فعل مضارع بمعنى أتضجر، وهي تدلّ على الضيق. فاحذر أنْ تقول لهما هذه الكلمة أو تتأفف منهما خاصة حال كبرهما عندما يُردَّان إلى أرذل العمر ويكونان في أمسِّ الحاجة للحنان والرعاية. ففي هذه السنِّ يعود الإنسان إلى الطفولة مرة أخرى، فيحتاج مَنْ يحمله ويُقعده ويؤكله، وربما حدث منه ما يدعو إلى التأذِّي، فإياك أنْ تتأذى منه في هذه الحالة. ربما ارتعشتْ به قدماه فوقع على الأرض أو كسر (فازة) مثلاً، فاحذر أنْ تظهر له ما يؤذيه، واعلم أنك مُثابٌ على هذا، وأنه مُدَّخر لك ودَيْن سيُؤدَّى، ومَنْ برَّ والديه برَّه أبناءه. ويكفي أنك حين تبره وتتحمل أذاه تفعل ذلك وأنت تتمنى موته، وقد فعل معك أكثر من هذا وكان يتمنى لك طول العمر. وفي ضوء هذه العلاقة بين الآباء والأبناء نفهم حديث سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : يا معشر الشباب، مَنْ استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغضَ للبصر، وأحصن للفرج ". تفسير : فالزواج المبكر فوق أنه عصمةٌ لصاحبه هو أيضاً، كما قال العربي: أقرب طريق لإنجاب أب يرعاك في طفولة شيخوختك، حيث يصير الولد في هذه الحالة في منزلة الأب الذي يرعى ولده. وفي موضع آخر قال الحق سبحانه: {أية : وَوَصَّيْنَا ٱلإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْناً ..}تفسير : [العنكبوت: 8] وفرْق بين حُسن وإحسان، فالإحسان أن تفعل معهما فعلاً حسناً، أما الحُسن فهو مصدر هذا الفعل واسم هذه العملية التى تقوم بها، كما تقول فلان عادل، وفلان عدل. يعني: بلغ الغاية في تحقيق العدل حتى جعلته هو والعدل شيئاً واحداً. إذن: الحُسن أبلغ من الإحسان، وردُّ الإحسان بأحسن منه مبدأ إسلامي، لذلك قال تعالى: {أية : وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَآ أَوْ رُدُّوهَآ ..}تفسير : [النساء: 86]. والحق سبحانه لم يأت بحيثية: {أية : وَوَصَّيْنَا ٱلإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْناً ..}تفسير : [العنكبوت: 8]. وإنما قال بعدها: {أية : وَإِن جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَآ ..}تفسير : [العنكبوت: 8] يعني: حتى في وضع المخالفة العقدية حفظ لهما هذا الحق وأكدّ ووصَّى على برِّهما على أحسن ما يكون البر: {أية : إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ}تفسير : [العنكبوت: 8] وفي الآية الأخرى قال: {أية : فَلاَ تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي ٱلدُّنْيَا مَعْرُوفاً ..}تفسير : [لقمان: 15]. قالوا: لأن الآباء على قسمين: أب يكون في حاجة إلى ولده ليعيش، وأب لا يحتاج لولده يعني: غني بنفسه، فمَنْ كان في حاجة فعليك أنْ تصاحبه بالمعروف يعني: تُعينه وتقيم حياته إقامة كريمة، ومَنْ كان غنياً بنفسه فهو وشأنه، ومردُّ الجميع إلى الله. وهنا في الآية التي معنا لم يقل حُسْناً ولا إحساناً، بل ذكر حيثية الوصية فقال: {حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً وَحَمْلُهُ وَفِصَٰلُهُ ثَلٰثُونَ شَهْراً ..} [الأحقاف: 15] فحدَّد هنا مُدة الحمل مع الرضاعة جملة واحدة، وفي آية أخرى قال عن الرضاعة وحدها: {أية : وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ ..}تفسير : [لقمان: 14]. إذن: كلّ آية أخذتْ لقطة، وبجمع الآيتين أمكننا أنْ نحلَّ بعض الإشكالات في مسألة مدة الحمل ومدة الرضاعة. فقد رُوي أن سيدنا علياً رضي الله عنه دخل على سيدنا عمر وعنده امرأة يريد أنْ يقيم عليها حد الزنا لأنها ولدت لستة أشهر وهي في بيت زوجها، والمشهور عندهم أن مدة الحمل تسعة أشهر. فقال علي: على رسْلك يا ابنَ الخطاب، ثم قرأ عليه هذه الآية: {وَحَمْلُهُ وَفِصَٰلُهُ ثَلٰثُونَ شَهْراً ..} [الأحقاف: 15] وقال في الآية الأخرى: {أية : وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ ..}تفسير : [لقمان: 14]. وبطرح العامين من الثلاثين شهراً يكون من الجائز أنْ تكون فترة الحمل ستة أشهر، وهي أقل فترة ممكنة للحمل. لذلك قال عمر: بئس المقام بأرض ليس فيها أبو الحسن، نعم لأن علياً رضي الله عنه اشتُهر بالعلم والفتوى، لأنه دخل الإسلام وهو صبيّ، وشرب من معين النبوة منذ صغره، فكانت ثقافته من بدايتها ثقافة إسلامية، فكأن الخميرة الثقافية عنده منذ صِغَره إسلامية، في حين كان غيره أصحاب ثقافة جاهلية. ومن فقه الإمام علي وإلمامه بمسائل الشرع لما انتقل سيدنا رسول الله إلى ربه عز وجل، اجتمع المهاجرون والأنصار في السقيفة، ودارت بينهما مناقشات كُلٌّ يريد أنْ تكون له الخلافة بعد رسول الله، وتطلَّع الأنصار إلى ذلك، ثم قالوا: منا أمير ومنكم أمير. فلما بلغ ذلك سيدنا علياً قال: لم تُحسنوا حجاجهم. قولوا لهم أي للأنصار: ألم تسمعوا قول رسول الله "حديث : إذا ملكتم فاستوصوا بالأنصار خيراً" تفسير : إذن لو كانت الإمارة فيهم لم تكُنْ الوصية بهم. ومن المسائل الطريفة التي كانت بين علي وعمر أن علياً دخل عليه فوجده مُغْضباً، فقال: ما أغضبكَ يا أمير المؤمنين؟ قال: سألتُ حذيفة: كيف أصبحتَ يا حذيفة؟ فقال: أصبحتُ أحب الفتنة، وأكره الحق، وأصلي بغير وضوء، ولي في الأرض ما ليس لله في السماء. فضحك عليّ وقال: صدق يا أمير المؤمنين، فقال: أتقولها يا أبا الحسن؟ قال: نعم، هو يعني: أصبح يحب ماله وولده، وقرأ: {أية : إِنَّمَآ أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ ..}تفسير : [التغابن: 15]. ويكره الحق، يعني: الموت، ومَنْ منَّا يُحبه يا أمير المؤمنين، ويصلي بغير وضوء، يعني: يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم. وله في الأرض ما ليس لله في السماء. أي: له زوجة وولد. والعجيب أنْ نسمع في زماننا مَنْ يُقلل من شأن هؤلاء، بل يريد أنْ يلغي شخصيات أبي بكر وعمر وعلي من تاريخنا. ثم نلاحظ أيضاً في هذه الآية أن الحق سبحانه قال: {حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً ..} [الأحقاف: 15] أي: كارهة أو على مشقة، وفي الآية الأخرى: {أية : حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَىٰ وَهْنٍ ..}تفسير : [لقمان: 14]. والوهَن أي الضعف نتيجة الحمل والولادة، أما الكراهية لهذه المسألة فتأتي من أن النساء لها طبائع مختلفة، فمنهن مَنْ تحب هذه العملية، ومنهن مَنْ تكرهها لكن تطيع زوجها وهي كارهة ثم تتحملّ بعد ذلك مشاقّ الحمل والوحم ثم الآم الوضع، وبعد الولادة تنشغل بالمولود وتحنو عليه. في حين ينشغل الوالد بالسَّعي وطلب الرزق، لذلك يغلب على الرجل العقلانية وعلى المرأة العاطفة كلّ حسب مهمته في الحياة. لذلك يخطىء البعض في فهم حديث النبي صلى الله عليه وسلم حديث : عن المرأة وأنها خُلقَتْ من ضلع أعوج، وأعوج ما في الضلع أعلاه فإنْ رُحْتَ تقيمه كسرته، وكسْرها طلاقها . تفسير : وحين نتأمل هذا الحديث نجد اعوجاج الضلع لحكمه، لأن الضلوع خُلقَتْ لتصون أثمن وأهم جهازين في الجسم هما القلب والرئتان، ولو كان الضلع معتدلاً ما أدَّى هذه المهمة. وهل نقول مثلاً عن الخطاف أنه أعوج، أو أن اعوجاجه عَيْب فيه؟ أبداً لأن طبيعة عمله ومهمته تقتضي أنْ يكون على هذا الشكل، إذن: شبّه رسول الله صلى الله عليه وسلم المرأة بالضلع، لأن مهمتها العطف والحنان. الحق سبحانه لمَّا وصانا بالوالدين أتى بحيثيات الوصية بالأم، ولم يذكر شيئاً من حيثيات الوصية بالأب، قالوا: لأن دور الأم جاء في زمن ليس للطفل فيه إدراك يدرك به دور أمه وفضلها في مرحلة الحمل والولادة والرضاعة. أما دور الأب من الإنفاق والرعاية فيأتي في زمن الطفلُ فيه مدركٌ لجميل والده، فاهم لدوره في تربيته والقيام على أمره، لذلك احتاج الولد أنْ نُذكِّره بدور أمه وفضلها، لأنه غير مدرك له، أما دور الوالد فهو يعرفه. ما دُمْنا بصدد الحديث عن دور الوالدين في التربية فلا بدّ أنْ نذكر قوْلَ الحق سبحانه: {أية : وَقُل رَّبِّ ٱرْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً}تفسير : [الإسراء: 24] فهذه الآية تعطينا منهج التربية العام لكل الأطفال. فالوالدان استحقا هذه الوصية لأمرين أنهما سببُ الوجود المباشر الذي يُذكِّرك بسبب الوجود الأعلى، وهما يقومان بالتربية فيُذكِّرانك بالمربِّي الأعلى سبحانه. فالله ربّ ومُربٍّ، خلقنا من عدم وأمدَّنا من عُدْم، فهو الذي ربّانا وأمدنا بأسباب التربية. إذن: الوصية بالإحسان إلى الوالدين تُعطينا دُرْبة على الإحسان في علاقتنا بالله خالقنا ومُربِّينا. ثم نفهم من هذه الآية أيضاً أن التربية وحدها سببٌ وحيثيةٌ للإحسان، فقد يُربِّي الطفل غير والديه فيكون لمَنْ ربَّاه فضل عليه يستوجب الإحسان لأنه قام بشطر العملية. فالوالد والوالدة لهما فضل الإيجاد، والمربِّي له فضل التربية وله نصف الثواب، وهذه المسألة تُشجِّع على كفالة الأيتام وتربيتهم ابتغاء وجه الله. فمَنْ مات أبوه فالمجتمع كله أبوه، لذلك قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : أنا وكافل اليتيم كهاتين فى الجنة ". تفسير : لأن الأب لو مات وترك أولاداً إذا لم يجدوا من المجتمع مَنْ يرعاهم ويكون لهم والدا بدلاً عن والدهم، إذا لم يجدوا هذا نشأ عندهم حقدٌ على باقي الأولاد وحقد على المجتمع كله، وربما تعدَّى ذلك إلى التمرد على الله الذي كتب عليهم اليُتْم. وكلمة {أية : كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً}تفسير : [الإسراء: 24] تعني أن التربية لها وقت هو وقت الصِّغَر، لذلك أذكر أنني دُعيت لإلقاء محاضرة بعنوان. تربية الشباب، وكانت في إحدى جامعاتنا لكن قبل أنْ أبدأ المحاضرة قُلت: أستأذن السيد مدير الجامعة في تغيير عنوان المحاضرة لأن الشباب لا يُربَّى، الشباب طاقة تُستغل في حركة الحياة، الشباب تربَّى بالفعل. فلو قُلْنا تربية الشباب كان هذا العنوان غير صحيح، بل تربية الطفولة أو النشء، لأن الطفولة هي العجينة التي تقبل التشكيل دون أنْ تعترض، أما الشباب فقد تم تشكيلهم، لذلك يعترضون ولهم (تتنيحة) حين تُوجه له نقداً أو توجيهاً. لكن الشباب الموجودين بالجامعة قالوا: نحن رُبِّينا خطأ فاستأنفوا تربيتنا من جديد. فقلت لهم: إذن فاستأنفوا معنا طفولتكم وتقبَّلوا التوجيه والنقد دون أن تعترضوا، كونوا مثل المريض بين يدي الطبيب يقبل ما يقول دون مناقشة. ومن أخطائنا في التربية أننا نطيل فترة الطفولة عند أولادنا، فالأسرة تظل تحتضن الابن وتُنفق عليه حتى سنِّ العشرين والخامسة والعشرين. لذلك فاقنا الغرب في هذه المسألة، فالولد عندهم حين يصل سِنَّ البلوغ يستقل عن أسرته وينفق على نفسه حتى لو كان أبوه مليونيراً. وبذلك كثُرتْ الأيدي العاملة، وقلَّتْ البطالة، وزاد الإنتاج، وهذه كلها وسائل للتقدم نفتقدها نحن، ولم نتمكن حتى الآن من استغلال طاقات الشباب. إنك لو ذهبتَ إلى عاصمة من عواصم الغرب فلن ترى هناك الشباب يملأ الشوارع والنواصي، ولن تجد (قهاوي) تمتلئ بالعاطلين، لكن تراهم في وقت الراحة يخرجون كالجراد لتناول الغداء، لكن الخطأ الذي وقعوا فيه أنهم عمَّموا هذا الحكم على الفتى والفتاة. وكلمة {أية : رَبَّيَانِي ..}تفسير : [الإسراء: 24] للمثنى يعنى: الوالد والوالدة، فلكلٍّ منهما دوره في التربية، فالأب يجلب، والمرأة تدبر وتقوم على شئون بيتها. فهما إذن شركاء في هذه المسألة، ووجود المرأة بصفة عامة في البيت يجعل تأثيرها أقوى من تأثير الرجل في عملية التربية، ولذلك حينما نهتم بالتربية النوعية نعطي الولد ما يناسبه، ونعطي البنت ما يناسبها. لذلك يجمل بنا الآن أنْ نذكر وصية الأم العربية لابنتها، وهي تُجهزِّها للانتقال إلى بيت الزوجية، فتقول لها: أيْ بُنية إن الوصية لو تُركت لفضل أدب لتركت لذلك منك، ولكنها تنبيه للغافل ومعونة للعاقل. أيْ بُنية، إنك غداً تفارقين البيت الذي فيه نشأتِ والعش الذي فيه درجت إلى بيت لم تألفيه، وقرين لم تعرفيه، فكوني له أَمَة يكُنْ لك عبداً. أيْ بُنية: لو أن المرأة استغنتْ عن الرجل لغنَى أبويها وعدم حاجتها إلى غيرهما لكنت أغنى الناس عنه، ولكن النساء للرجال خُلِقْنَ، ولَهُنَّ خُلِق الرجال. أيْ بُنية احفظي عني عَشْر خصال تكُنْ لك ذخراً: أما الأولى والثانية: فالمعاشرة له بالقناعة وحُسْن السمع له والطاعة، وأما الثالثة والرابعة فالتفقد لمواقع عينيه وأَنفه، فلا تقع عينه منك على قبيح، ولا يشم منك إلا أطيب ريح. وأما الخامسة والسادسة فالتفقد لوقت منامه وطعامه، فإنَّ تواتر الجوع مَلْهبة، وتنغيص النوم مغضبة، وأما السابعة والثامنة فالاحتراس لماله والإرعاء على حَشَمه وعياله. ومِلاك الأمر في المال حُسْن التقدير، وفي العيال حُسْن التدبير. وأما التاسعة والعاشرة فلا تعصِنَّ له أمراً ولا تُفشِنَّ له سراً، فإنك إن خالفتِ أمره أوغرتِ صدره، وإنْ أفشيتِ سِره لم تأمني غدره. ثم إياك والفَرح بين يديه إذا كان مُهتماً أو الكآبة بين يديه إذا كان فَرِحاً. هذه وصية أمامة بنت الحارث لابنتها أم أُناس بنت عوف بن مُحَلِّم الشيباني، وهذه الوصية كانت قبل الإسلام، ومع ذلك فيها من الآداب والنصائح ما إنْ أخذت به الزوجة في عصرنا الحاضر لحُلَّتْ معظم المشاكل الأسرية التي تمتلئ بها المحاكم اليوم. ولو ربّتْ كلُّ أم ابنتها على هذه الآداب لانصلح حالنا، لكن الواقع أننا تركنا هذه النصائح وغفلنا عن العمل بها في بيوتنا، بل وتركنا البيوت للخادمات، وتركنا التربية لغير أهلها حتى صِرْنا إلى ما نحن فيه. وقوله سبحانه: {حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِيۤ أَنْ أَشكُرَ نِعْمَتَكَ ٱلَّتِيۤ أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ ..} [الأحقاف: 15] هذا طور آخر من أطوار الحياة هو طور البلوغ {بَلَغَ أَشُدَّهُ ..} [الأحقاف: 15] أي: بلغ الغاية في اكتمال الجسم والقوة والعقل. ومن ذلك قوله تعالى في سيدنا يوسف: {أية : وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذٰلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ}تفسير : [يوسف: 22] وقال في سيدنا موسى: {أية : وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَٱسْتَوَىٰ آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ}تفسير : [القصص: 14]. إذن: بلوغ الأشُدّ والاستواء واكتمال البدن والجسم والقوة واكتمال العقل هو بداية إلقاء الحكمة وهو بداية التكليف، فلو كلّف قبل البلوغ ثم طرأ عليه البلوغ ومرحلة المراهقة وما تفعله من تغيرات بالجسم ربما يقول العبد: لقد طرأ عليَّ تغيرات لم تكُنْ في بالي عند الإيمان بك؛ لذلك أجّل العملية كلها حتى سنِّ البلوغ، وهو منتهى النضج. ومنتهى النضج في الإنسان أنْ يصيرَ قادراً على إنجاب مثله، كذلك الحال في الثمار مثلاً، قلنا: إن البطيخة لا تحلو للأكل إلا إذا استوى لُبُّها واسودَ بحيث إذا زرعْتَه يعطيك نباتاً جديداً، فإذا أكلتَ هذه ضمنت لك وجود غيرها. لكن إذا حلت ولبُّها غير مُستو أكلتها ثم تزرع اللب فلا ينبت، إذاً هنا حكمة لبقاء النوع. لذلك يقول تعالى: {أية : ٱنْظُرُوۤاْ إِلِىٰ ثَمَرِهِ إِذَآ أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ ..}تفسير : [الأنعام: 99] كلمة (ينعه) أنك تضمن أنْ تأتي بشجرة جديدة. كما أنك تلاحظ في الشجر المثمر أنك إذا لم تقطف الثمار تقع هي بطبيعتها. ومن حكمة الخالق سبحانه وعجائب الخلق أنك في مرحلة النمو وقبل سِنِّ البلوغ تجد أن عملية النمو تتم بحساب وإعجاز محكم، فأشياء في الجسم تنمو ومثيلاتها في الجسم لا تنمو. خذ مثلاً الشعر ينمو ونقصه من حين لآخر، أما شعر الحاجبين مثلاً والرموش فلا ينمو، كذلك العظام تنمو بنمو الطفل إلى أنْ يبلغ الأشُدّ، في حين أن الأسنان وهي أيضاً عظام تقف عند شكل معين ولا تنمو، ولو كانت تنمو كنمو باقي العظام لصارتْ مثل ناب الفيل. إذن: المسألة ليستْ كما قلنا (ميكانيكا) إنما هي (هندسة) من مبدع هذا الكون سبحانه. {وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِيۤ أَنْ أَشكُرَ نِعْمَتَكَ ٱلَّتِيۤ أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ ..} [الأحقاف: 15] لأن سنَّ الأربعين هي السنّ التي ينبغي أنْ يقف الإنسان عندها ويحاسب نفسه ويُصحِّح مساره. سِنَّ الأربعين هو قمة النضج العقلي، وهي أيضاً بداية الانحدار نحو النهاية، لذلك يلفت الحق سبحانه نظرنا إلى الأربعين بالذات لنقف ونتدارك ما كان. كلمة {أَوْزِعْنِيۤ ..} [الأحقاف: 15] يعني: ألهمني وأعنِّي وقوِّني {أَنْ أَشكُرَ نِعْمَتَكَ ٱلَّتِيۤ أَنْعَمْتَ عَلَيَّ ..} [الأحقاف: 15] بداية من نعمة الإيجاد، ونعمة السلامة والعافية، ونعمة الإسلام، ونعمة التوفيق للطاعة، ونعمة أن جعلت لي أباً وأماً قاما على تربيتي. ثم يُعدّي الشكر إلى الوالدين {وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ ..} [الأحقاف: 15] لأن النعمة عند الوالد نعمة عند ولده {وَأَنْ أَعْمَلَ صَٰلِحاً تَرْضَٰهُ ..} [الأحقاف: 15] أي: وفِّقني وأعنّي على العمل الصالح. والعمل الصالح هو الاستقامة بتنفيذ الأمر واجتناب النهي فيما ورد فيه نصّ، أما ما لم يرد فيه نصّ فَلَك الحرية تفعل أو لا تفعل. {تَرْضَٰهُ ..} [الأحقاف: 15] يعني: بأنْ يكون هذا العمل وفق المنهج الذي شرعتَ، أو ترضاه فتقبله، أو تثيبني عليه. {وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِيۤ ..} [الأحقاف: 15] دعاء بأنْ يجعل صلاحه ممتداً في ذريته، أو أنني يا رب أسرفتُ على نفسي وقصّرْتُ، ولا أريد ذلك لذريتي، أريد لها الصلاح الذي لم يتحقق لي. وهذا مبدأ معروف أن الأب يحب أنْ يتدارك ما فاته في حياته يُحقِّقه في حياة أولاده، وذريته من بعده، يريد أنْ يحقق فيهم الكمال الذي لم يصل هو إليه، لذلك يكون الإنسان سعيداً لو تفوّق ولده عليه. وتأمل الفعل {وَأَصْلِحْ ..} [الأحقاف: 15] تجده يتعدّى بنفسه، فلماذا ذكر (في) فقال {وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِيۤ ..} [الأحقاف: 15] ولم يقل: وأصلح لي ذريتي؟ ما الضرورة لذلك؟ الأسلوب هنا كأنه جعل الذرية ظرفاً للإصلاح، وظرفُ الإنسان قَلْبه. لذلك ورد في الحديث الشريف: "حديث : ألا إن في الجسد مُضغة إذا صلُحَتْ صَلُح الجسد كله، وإذا فسدتْ فسد الجسد كله، ألا وهي القلب"تفسير : إذن: عدّاها بـ (في) ليجعلها ظرفاً ومظروفاً. وقوله: {إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ} [الأحقاف: 15] التوبة باب مفتوح إلى آخر العمر، لكن ينبغي ألاّ تُؤخر وألاّ نغفل عنها إذا كنا أسرفنا على أنفسنا، لكن البعض منا تأخذه الدنيا وتنسيه نفسه فيؤخر التوبة والتصالح مع ربه إلى هذه السن. لذلك ورد في الأثر: "حديث : إن الله يجرى يده على وجه العبد بعد الأربعين إنْ لم يتب فيقول: أمَا آنَ لهذا الوجه أنْ يستحي ". تفسير : وفي معنى حديث آخر يقول: "حديث : مَنْ بلغ الأربعين ولم يكُنْ خيره أكثر من شرِّه، فليجهز نفسه - والعياذ بالله - لجهنم ". تفسير : لماذا؟ لأنك أخذتَ راحتك في شبابك، وأشبعتَ رغبتك ممّا تريد، لكن إذا وافيتَ الأربعين فاستح أنْ تعصي الله بعدها، واستحِ أن تؤجل التوبة وأنت لا تضمن عمرك بعدها. وكلمة {وَإِنِّي مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ} [الأحقاف: 15] تعني: أن العطل أو التقصير لم يكُنْ في العقيدة، إنما في تنفيذ مطلوب العقيدة في الأحكام.

مجاهد بن جبر المخزومي

تفسير : أَنبا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً} [الآية: 15]. يعني: حملته بمشقة ووضعته بمشقة. أَنا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح عن مجاهد في قوله: {فَٱلْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ ٱلْهُونِ} [الآية: 20]. يعني: الهوان. أَنبا عبد الرحمن، قال: ثنا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح /71 ظ/ عن مجاهد قال: "الأَحْقَافِ" [الآية: 21] خساف من حسمي.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {وَحَمْلُهُ وَفِصَٰلُهُ ثَلٰثُونَ شَهْراً} قال الإِمام زيد بن علي عليهما السّلامُ: فالحَملُ: ستةُ أَشهرٍ وهو أَقلُهُ. والفِصالُ والفِطامُ في الحَولين. وأكثرُ الحَملِ سَنتان. وقوله تعالى: {حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ} معناه ثلاثةٌ وثَلاثون سنةً. واستوى: أي بَلغَ أَربعين سنةً. وللإِمام زيد بن علي عليه السّلامُ قَولٌ ثانٍ إن يَبلغَ الحِلمُ إذا كَتَب على الإِنسانِ الحَسنات والسيئات. وقوله تعالى: {أَوْزِعْنِيۤ} معناه أَلهِمني.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : وبقوله: {وَوَصَّيْنَا ٱلإِنسَانَ بِوَٰلِدَيْهِ إِحْسَاناً حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً} [الأحقاف: 15]، يشير إلى رعاية الحق الوالدين على جهة الاحترام، لما عليه لهما من حق التربية والإنعام؛ ليعلم أن رعاية حق الله تعالى على جهة التعظيم، لما عليه له في حق الربوبية، وأنعام الوجود أحق وأولى وفي إثبات حق الوالدين، قال: {وَحَمْلُهُ وَفِصَٰلُهُ ثَلٰثُونَ شَهْراً حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً} [الأحقاف: 15]، فحق من كان في شأنه بالتقدير والقسمة والخَلق والخُلق والرزق والأجل، حتى إذا بلغ أشده في النبوة في الولاية والإيمان والإسلام من الأزل إلى الأبد أثبت وأعظم، كما أشار إلى هذا المعنى. بقوله: {قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِيۤ} [الأحقاف: 15]، وفقني {أَنْ أَشكُرَ نِعْمَتَكَ ٱلَّتِيۤ أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَٰلِحاً تَرْضَٰهُ} [الأحقاف: 15]، فيه إشارة إلى ألا يمكن للعبد أن يعمل عملاً يرضى به ربه إلا بتوفيقه وإرشاده. وبقوله: {وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِيۤ إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ} [الأحقاف: 15]، يشير إلى أن صلاحية الآباء تورث الصلاحية للأبناء. وبقوله: {أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ وَنَتَجَاوَزُ عَن سَيِّئَاتِهِمْ فِيۤ أَصْحَابِ ٱلْجَنَّةِ وَعْدَ ٱلصِّدْقِ ٱلَّذِي كَانُواْ يُوعَدُونَ} [الأحقاف: 16]؛ يعني: الأبناء على جزاء ما أحسنوا مع الآباء، يشير إلى أن بر الوالدين إذا كان مشروطاً بقبول الطاعة، والتجاوز عن السيئات موعود بنعيم الجنات، فكيف لمن يؤدي حقوق الربوبية بالقيام بحق العبودية؛ فيفني ناسوتيته في لاهوتية ربه - تبارك وتعالى - فهل له جزاء إلا ما وعده ربه جل جلاله بقوله: "حديث : كنت له سمعاً وبصراً ولساناً ويداً...."تفسير : الحديث. وبقوله: {وَٱلَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَّكُمَآ....} [الأحقاف: 17] الآية، يشير إلى ذم الذين اتصفوا في حقهما بالتأفيف، وفي ذلك تنبيه على ما وراءها من التأفيف، فحكم أن صاحبه من أهل الخسران، والخسران نقصان في الإيمان؛ فكيف بمن خالف مولاه، وبالعصيان أداء كما قال: {أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلْقَوْلُ فِيۤ أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمْ مِّنَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنسِ إِنَّهُمْ كَانُواْ خَاسِرِينَ} [الأحقاف: 18].

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : هذا من لطفه تعالى بعباده وشكره للوالدين أن وصى الأولاد وعهد إليهم أن يحسنوا إلى والديهم بالقول اللطيف والكلام اللين وبذل المال والنفقة وغير ذلك من وجوه الإحسان. ثم نبه على ذكر السبب الموجب لذلك فذكر ما تحملته الأم من ولدها وما قاسته من المكاره وقت حملها ثم مشقة ولادتها المشقة الكبيرة ثم مشقة الرضاع وخدمة الحضانة، وليست المذكورات مدة يسيرة ساعة أو ساعتين، وإنما ذلك مدة طويلة قدرها { ثَلاثُونَ شَهْرًا } للحمل تسعة أشهر ونحوها والباقي للرضاع هذا هو الغالب. ويستدل بهذه الآية مع قوله: {أية : وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ } تفسير : أن أقل مدة الحمل ستة أشهر لأن مدة الرضاع -وهي سنتان- إذا سقطت منها السنتان بقي ستة أشهر مدة للحمل، { حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ } أي: نهاية قوته وشبابه وكمال عقله، { وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي } أي: ألهمني ووفقني { أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ } أي: نعم الدين ونعم الدنيا، وشكره بصرف النعم في طاعة مسديها وموليها ومقابلته منته بالاعتراف والعجز عن الشكر والاجتهاد في الثناء بها على الله، والنعم على الوالدين نعم على أولادهم وذريتهم لأنهم لا بد أن ينالهم منها ومن أسبابها وآثارها، خصوصا نعم الدين فإن صلاح الوالدين بالعلم والعمل من أعظم الأسباب لصلاح أولادهم. { وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ } بأن يكون جامعا لما يصلحه سالما مما يفسده، فهذا العمل الذي يرضاه الله ويقبله ويثيب عليه. { وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي } لما دعا لنفسه بالصلاح دعا لذريته أن يصلح الله أحوالهم، وذكر أن صلاحهم يعود نفعه على والديهم لقوله: { وَأَصْلِحْ لِي }. { إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ } من الذنوب والمعاصي ورجعت إلى طاعتك { وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ }. { أُولَئِكَ } الذين ذكرت أوصافهم { الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا } وهو الطاعات لأنهم يعملون أيضا غيرها. { وَنَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ } فِي جملة { أَصْحَابِ الْجَنَّةِ } فحصل لهم الخير والمحبوب وزال عنهم الشر والمكروه. { وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ } أي: هذا الوعد الذي وعدناهم هو وعد صادق من أصدق القائلين الذي لا يخلف الميعاد.

همام الصنعاني

تفسير : 2849- حدثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر عن الحسن، وقتادة، في قوله تعالى: {حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً}: [الآية: 15]، قال: حملته من مشقة، ووضعته من مشقَّة. 2850- حدثنا عبد الرزاق، قال أنبأنا معمر عن قتادة، في قوله تعالى: {حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ}: [الآية: 15]، ثلاثٌ وثلاثون سنة، وتلا قتادة: {وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِيۤ أَنْ أَشكُرَ نِعْمَتَكَ}: [الآية: 15]، حتى {ٱلْمُسْلِمِينَ}، قال: وقد مضى من سيء [سني) عمله ما قد مضى.