٤٦ - ٱلْأَحْقَاف
46 - Al-Ahqaf (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
16
Tafseer
القرطبي
تفسير : قوله تعالى:{أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ وَنَتَجَاوَزُ عَن سَيِّئَاتِهِمْ} قراءة العامة بضم الياء فيهما. وقرىء «يَتَقَبَّلُ، وَيَتَجَاوَز» بفتح الياء؛ والضمير فيهما يرجع لِلّه عز وجل. وقرأ حفص وحمزة والكسائي «نَتقَبَّلُ، ونَتَجَاوَزُ» بالنون فيهما؛ أي نغفرها ونصفح عنها. والتجاوز أصله من جزت الشيء إذا لم تقف عليه. وهذه الآية تدلّ على أن الآية التي قبلها {وَوَصَّيْنَا ٱلإِنسَانَ} إلى آخرها مرسلة نزلت على العموم. وهو قول الحسن. ومعنى «نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ» أي نتقبل منهم الحسنات ونتجاوز عن السيئات. قال زيد بن أسلم ـ ويحكيه مرفوعاً ـ: إنهم إذا أسلموا قُبلت حسناتهم وغُفرت سيئاتهم. وقيل: الأحسن ما يقتضي الثواب من الطاعات، وليس في الحسن المباح ثواب ولا عقاب؛ حكاه ٱبن عيسى. {فِيۤ أَصْحَابِ ٱلْجَنَّةِ} «في» بمعنى مع، أي مع أصحاب الجنة، تقول: أكرمك وأحسن إليك في جميع أهل البلد، أي مع جميعهم. {وَعْدَ ٱلصِّدْقِ} نصب لأنه مصدر مؤكد لما قبله؛ أي وعد الله أهل الإيمان أن يتقبل من محسنهم ويتجاوز عن مسيئهم وعد الصدق. وهو من باب إضافة الشيء إلى نفسه؛ لأن الصدق هو ذلك الوعد الذي وعده الله؛ وهو كقوله تعالى: {أية : حَقُّ ٱلْيَقِينِ}تفسير : [الواقعة:95]. وهذا عند الكوفيين، فأما عند البصريين فتقديره: وَعْد الكلامِ الصدق أو الكتابِ الصدق، فحذف الموصوف. وقد مضى هذا في غير موضع. {ٱلَّذِي كَانُواْ يُوعَدُونَ} في الدنيا على ألسنة الرسل؛ وذلك الجنة.
البيضاوي
تفسير : {أُوْلَـئِكَ ٱلَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ } يعني طاعاتهم فإن المباح حسن ولا يثاب عليه. {وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيَّئَاتِهِمْ} لتوبتهم، وقرأ حمزة والكسائي وحفص بالنون فيهما. {فِى أَصْحَـٰبِ ٱلْجَنَّةِ} كائنين في عدادهم أو مثابين أو معدودين فيهم. {وَعْدَ ٱلصّدْقِ } مصدر مؤكد لنفسه فإن يتقبل ويتجاوز وعد {ٱلَّذِى كَانُواْ يُوعَدُونَ } أي في الدنيا. {وَٱلَّذِى قَالَ لِوٰلِدَيْهِ أُفّ لَّكُمَا} مبتدأ خبره {أُوْلَـٰئِكَ }، والمراد به الجنس وإن صح نزولها في عبد الرحمن بن أبي بكر قبل إسلامه، فإن خصوص السبب لا يوجب التخصيص. وفي {أُفّ } قراءات ذكرت في سورة «بني إسرائيل». {أَتَعِدَانِنِى أَنْ أُخْرَجَ } أبعث، وقرأ هشام «أتعداني» بنون واحدة مشددة. {وَقَدْ خَلَتِ ٱلْقُرُونُ مِن قَبْلِى } فلم يرجع أحد منهم. {وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ ٱللَّهَ } يقولان الغياث بالله منك، أو يسألانه أن يغيثه بالتوفيق للإِيمان. {وَيْلَكَ ءامِنْ } أي يقولان له {وَيْلَكَ }، وهو الدعاء بالثبور بالحث على ما يخاف على تركه. {إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ مَا هَـٰذَا إِلاَّ أَسَـٰطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ } أباطيلهم التي كتبوها. {أُوْلَـئِكَ ٱلَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلْقَوْلُ } بأنهم أهل النار وهو يرد النزول في عبد الرحمن لأنه يدل على أنه من أهلها لذلك وقد جب عنه إن كان لإسلامه. {فِى أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمْ} كقوله في أصحاب الجنة. {مّنَ ٱلْجِنّ وَٱلإِنْسِ } بيان للأمم. {إِنَّهُمْ كَانُواْ خَـٰسِرِينَ} تعليل للحكم على الاستئناف. {وَلِكُلّ} من الفريقين. {دَرَجَـٰتٌ مّمَّا عَمِلُواْ} مراتب من جزاء ما عملوا من الخير والشر، أو من أجل ما عملوا والـ {دَرَجَـٰتٌ } غالبة في المثوبة وها هنا جاءت على التغليب. {وَلِيُوَفّيَهُمْ أَعْمَـٰلَهُمْ } جزاءها، وقرأ نافع وابن عامر وحمزة والكسائي وابن ذكوان بالنون. {وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ } بنقص ثواب وزيادة عقاب. {وَيَوْمَ يُعْرَضُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ عَلَى ٱلنَّارِ } يعذبون بها. وقيل تعرض النار عليهم فقلب مبالغة كقولهم: عرضت الناقة على الحوض. {أَذْهَبْتُمْ } أي يقال لهم أذهبتم، وهو ناصب اليوم وقرأ ابن كثير وابن عامر ويعقوب بالاستفهام غير أن ابن كثير يقرؤه بهمزة ممدودة وهما يقرآن بها وبهمزتين محققتين. {طَيّبَـٰتِكُمْ } لذاتكم. {فِى حَيَـٰتِكُمُ ٱلدُّنْيَا } باستيفائها. {وَٱسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا } فما بقي لكم منها شيء. {فَٱلْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ ٱلْهُونِ } الهوان وقد قرىء به. {بِمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِى ٱلأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقّ وَبِمَا كُنتُمْ تَفْسُقُونَ} بسبب الاستكبار الباطل والفسوق عن طاعة الله، وقرىء {تَفْسِقُونَ} بالكسر.
المحلي و السيوطي
تفسير : {أُوْلَٰئِكَ } أي قائلو هذا القول أبو بكر وغيره {ٱلَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ } بمعنى حسن {مَا عَمِلُواْ وَنَتَجَاوَزُ عَن سَيْئَٰتِهِمْ فِى أَصْحَٰبِ ٱلْجَنَّةِ } حال أي كائنين في جملتهم {وَعْدَ ٱلصِّدْقِ ٱلَّذِى كَانُواْ يُوعَدُونَ } في قوله تعالى { أية : وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَٰتِ جَنَّٰتٍ }تفسير : [72:9].
ابن عطية
تفسير : قوله تعالى: {أولئك} دليل على أن الإشارة بقوله: {أية : ووصينا الإنسان}تفسير : [الأحقاف: 15] إنما أراد الجنس. وقرأ جمهور القراء: "يُتَقبَّل" بالياء على بناء الفعل للمفعول وكذلك "يُتجاوز". وقرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم فيهما بالنون التي للعظمة "نتقبل" "أحسنَ" بالنصب "ونتجاوز" وهي قراءة طلحة وابن وثاب وابن جبير والأعمش بخلاف عنه. وقرأ الحسن "يَتقبل" بياء مفتوحة "ويَتجاوز" كذلك، أي الله تعالى وقوله: {في أصحاب الجنة} يريد الذين سبقت لهم رحمة الله. وقوله: {وعدَ الصدق} نصب على المصدر المؤكد لما قبله. وقوله تعالى: {والذي قال لوالديه أف لكما} الآية، {الذي} يعنى به الجنس على حد العموم الذي في الآية التي قبلها في قوله: {أية : ووصينا الإنسان}تفسير : [الأحقاف: 15] وهذا قول الحسن وجماعة، ويشبه أن لها سبباً من رجل قال ذلك لأبويه. فلما فرغ من ذكر الموفق عقب بذكر هذا العاق. وقال ابن عباس في كتاب الطبري: هذه الآية نزلت في ابن لأبي بكر ولم يسمِّه. وقال مروان بن الحكم: نزلت في عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وقاله قتادة، وذلك أنه كان أكبر ولد أبي بكر وشهد بدراً وأحداً مع الكفار، وقال لأبيه في الحرب: شعر : لم يبق إلا شكة ويعبوب وصارم يقتل ضلال الشيب تفسير : ودعاه إلى المبارزة فكان بمكة على نحو هذه الخلق، فقيل إن هذه الآية نزلت فيه. وروي أن مروان بن الحكم خطب وهو أمير المدينة فدعا الناس إلى بيعة يزيد، فقال عبد الرحمن بن أبي بكر: جعلتموها هرقلية، كلما مات هرقل ولي هرقل، وكلما مات قيصر ولي قيصر، فقال مروان بن الحكم: خذوه، فدخل عبد الرحمن بيت عائشة أخته أم المؤمنين، فقال مروان: إن هذا هو الذي قال الله فيه: {والذي قال لوالديه أف لكما} فسمعته عائشة، فأنكرت ذلك عليه، وسبت مروان، وقالت له: والله ما نزل في آل أبي بكر من القرآن غير براءتي، وإني لأعرف فيمن نزلت هذه الآية. وذكر ابن عبد البر أن الذي خطب هو معاوية، وذلك وهم، والأصوب أن تكون عامة في أهل هذه الصفات ولم يقصد بها عبد الرحمن ولا غيره من المؤمنين والدليل القاطع على ذلك قوله: {أولئك الذين حق عليهم القول في أمم} وكان عبد الرحمن رحمه الله من أفضل الصحابة ومن الأبطال، وممن له في الإسلام غناء يوم اليمامة وغيره. وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم وطلحة بن مصرف: "أفِّ" بكسر الفاء بغير تنوين، وذلك فيها علامة تعريف. وقرأ ابن كثير وابن عامر وابن محيصن وشبل وعمرو بن عبيد: "أفَّ" بالفتح، وهي لغة الكسر والفتح. وقرأ نافع وحفص عن عاصم وأبو جعفر وشيبة والحسن والأعرج: "أفٍّ" بالكسر والتنوين، وذلك علامة تنكير، وهي كصه وغاق، وكما تستطعم رجلاً حديثاً غير معين فتقول "إيه" منونة، فإن كان حديثاً مشاراً إليه قلت "إيهِ" بغير تنوين. و {أف}: أصلها في الأقذار، كانت العرب إذا رأت قذراً قالت: "أف" ثم صيره الاستعمال يقال في كل ما يكره من الأفعال والأقوال. وقرأ هشام عن ابن عامر وعاصم وأبو عمرو: "أتعداني"، وقرأ أبو عمرو ونافع وشيبة والأعرج والحسن وأبو جعفر وقتادة وجمهور القراء "أتعدانني" بنونين، والقراءة الأولى هي بإدغام النون في النون. وقرأ نافع أيضاً وجماعة: "أتعدانيَ" بنون واحدة وإظهار الياء. وقرأ نافع وأبو عمرو وعاصم وأبو جعفر والأعرج وشيبة وقتادة وأبو رجاء وابن وثاب وجمهور الناس "أن أُخرَج" بضم الهمزة وفتح الراء. وقرأ الحسن وابن يعمر والأعمش وابن مصرف والضحاك. "أَن أَخرُج" بفتح الهمزة وضم الراء. والمعنى أن أخرج من القبر للحشر والمعاد، وهذا القول منه استفهام بمعنى الهزء والاستبعاد. وقوله: {وقد خلت القرون من قبلي} معناه: هلكت ومضت ولم يخرج منهم أحد. وقوله: {وهما} يعني الوالدين، ويقال استغثت الله واسغثت بالله بمعنى واحد. و: {ويلك} دعاء يقال هنا لمن يحفز ويحرك لأمر ما يستعجل إليه. وقرأ الأعرج "أن وعد الله" بفتح الهمزة، والناس على كسرها. وقوله: {ما هذا إلا أساطير} أي ما هذا القول الذي يتضمن البعث من القبور إلا شيء قد سطره الأولون في كتبهم، يعني الشرائع، وظاهر ألفاظ هذه الآية أنها نزلت في مشار إليه قال وقيل له، فنعى الله أقواله تحذيراً من الوقوع في مثلها. وقوله: {أولئك} ظاهره أنها إشارة إلى جنس يتضمنه قوله: {والذي قال}، ويحتمل إن كانت الآية في مشار إليه أن يكون قوله: {أولئك} بمعنى صنف هذا المذكور وجنسهم {الذين حق عليهم القول}، أي قول الله إنه يعذبهم. وقوله: {قد خلت من قبلهم من الجن والإنس} يقتضي أن {الجن} يموتون كما يموت البشر قرناً بعد قرن، وقد جاء حديث يقتضي ذلك. وقال الحسن بن أبي الحسن في بعض مجالسه: إن الجن لا يموتون، فاعترضه قتادة بهذه الآية فسكت. وقوله تعالى: {ولكل درجات} يعني المحسنين والمسيئين. قال ابن زيد: ودرجات المحسنين تذهب علواً، ودرجات المسيئين تذهب سفلاً. وقرأ أبو عبد الرحمن: "ولتوفيهم" بالتاء من فوق، أي الدرجات. وقرأ جمهور الناس: "وليوفيهم" بالياء. وقرأ نافع بخلاف عنه، وأبو جعفر وشيبة والأعرج وطلحة والأعمش: "ولنوفيهم" بالنون: قال اللؤلؤي في حرف أبي بن كعب وابن مسعود: "ولنوفينّهم" بنون أولى ونون ثانية مشددة، وكل امرئ يجني ثمرة عمله من خير أو شر ولا يظلم في مجازاته، بل يوضع كل أمر موضعه من ثواب أو عقاب.
ابن عبد السلام
تفسير : {نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ} نقبل حسناتهم ونغفر خطاياهم إذا أسلموا، أو الجزاء بالحسنة عشراً، أو الطاعات يثابون عليها لأنها أحسن أعمالهم وليس في المباح ثواب ولا عقاب {وَنَتَجَاوَزُ عَن سَيِّئَاتِهِمْ} بالرحمة، أو عن صغائرهم بالعفو، أو عن كبائرهم بالتوبة {وَعْدَ الصِّدْقِ} الجنة {الَّذِى كَانُواْ يُوعَدُونَ} في الدنيا على ألسنة الرسل.
الخازن
تفسير : {أولئك الذين نتقبل عنهم أحسن ما عملوا} يعني أعمالهم الصالحة التي عملوها في الدنيا وكلها حسن فالأحسن بمعنى الحسن فيثيبهم عليها ويتجاوز عن سيئاتهم فلا يؤاخذهم بها {في أصحاب الجنة} أي مع أصحاب الجنة {وعد الصدق} يعني الذي وعدهم بأن يتقبل حسناتهم ويتجاوز عن سيئاتهم ووعده صدق وقيل: وعدهم بأن يدخلهم الجنة {الذي كانوا يوعدون} يعني في الدنيا على لسان الرسول صلى الله عليه وسلم. قوله تعالى: {والذي قال لوالديه} يعني إذ دعواه إلى الإيمان بالله والإقرار بالبعث بعد الموت {أفٍّ لكما} وهي كلمة كراهية {أتعدانني أن أخرج} يعني من قبري حياً {وقد خلت القرون من قبلي} يعني فلم يبعث منهم أحد {وهما يستغيثان الله} يعني يستصرخان بالله عليه ويقولان له {ويلك آمن إن وعد الله حق} يعني بالبعث {فيقول ما هذا} يعني الذي تدعونني إليه {إلا أساطير الأولين} قال ابن عباس نزلت في عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق قبل إسلامه وكان أبواه يدعوانه إلى الإسلام وهو يأبى ويقول أحيوا لي عبد الله بن جدعان وعامر بن كعب ومشايخ قريش حتى أسألهم عما تقولون. وأنكرت عائشة أن يكون قد نزل هذا في عبد الرحمن بن أبي بكر (خ). عن يوسف بن ماهك قال: كان مروان على الحجاز استعمله معاوية فخطب فجعل يذكر يزيد بن معاوية لكي يبايع له، فقال له عبد الرحمن بن أبي بكر شيئاً، فقال: خذوه فدخل بيت عائشة فلم يقدروا عليه، فقال له مروان: هذا الذي أنزل الله فيه والذي قال لوالديه أف لكما فقالت عائشة من وراء الحجاب: ما أنزل الله فينا شيئاً من القرآن إلا ما أنزل الله في سورة النور من براءتي والقول الصحيح أنه ليس المراد من الآية شخص معين بل المراد كل شخص كان موصوفاً بهذه الصفة وهو كل من دعاه أبواه إلى الدين الصحيح والإيمان بالبعث فأبى وأنكر. وقيل نزلت في كل كافر عاقٍّ لوالديه قال الزجاج: قول من قال إنها نزلت في عبد الرحمن بن أبي بكر قبل إسلامه يبطله قوله تعالى: {أولئك الذين حق عليهم القول}.
ابو السعود
تفسير : {أُوْلَـٰئِكَ} إشارةٌ إلى الإنسانِ، والجمعُ لأنَّ المرادَ به الجنسُ المتصفُ بالوصفِ المَحكِيِّ عنْهُ، وما فيهِ من مَعْنى البُعدِ للإشعارِ بعُلوِّ رُتبتهِ وبُعدِ منزلتِه، أي أولئكَ المنعوتونَ بما ذُكِرَ من النعوتِ الجليلةِ. {ٱلَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ} من الطاعاتِ، فإنَّ المباحَ حسنٌ ولا يثابُ عليهِ. {وَنَتَجَاوَزُ عَن سَيْئَـٰتِهِمْ} وقُرىءَ الفعلانِ بالياءِ على إسنادِهما إلى الله تعالى، وعلى بنائِهما للمفعولِ، ورفعِ أحسنَ على أنَّه قائمٌ مقامَ الفاعلِ، وكذا الجارُّ والمجرور. {فِى أَصْحَـٰبِ ٱلْجَنَّةِ} أي كائنينَ في عدادِهم منتظمينَ في سلكِهم {وَعْدَ ٱلصّدْقِ} مصدرٌ مؤكدٌ لما أنَّ قولَه تعالَى نتقبلُ ونتجاوزُ وعدٌ من الله تعالى لهُم بالتقبلِ والتجاوزِ. {ٱلَّذِى كَانُواْ يُوعَدُونَ} عَلَى ألسنةِ الرُّسلِ. {وَٱلَّذِى قَالَ لِوٰلِدَيْهِ} عندَ دعوتِهما لهُ إلى الإيمانِ {أُفّ لَّكُمَا} هو صوتٌ يصدرُ عنِ المرءِ عندَ تضجرِه، واللامُ لبـيانِ المؤفَّفِ له كمَا في هَيْتَ لكَ. وقُرِىءَ أُفِّ بالفتحِ والكسرِ بغيرِ تنوينٍ وبالحركاتِ الثلاثِ معَ التنوينِ. والموصولُ عبارةٌ عن الجنسِ القائلِ ذلكَ القولَ ولذلكَ أُخبرَ عنه بالمجموعِ كما سبقَ. قيلَ: هُو في الكافرِ العاقِّ لوالديهِ المكذبِ بالبعثِ. وعن قَتَادةَ: هُو نعتُ عبدِ سوءٍ عاقِّ لوالديهِ فاجرٍ لربِّه. وما رُويَ من أنَّها نزلتْ في عبدِ الرَّحمنِ بن أبـي بكرٍ رضيَ الله عنهُمَا قبلَ إسلامِه يردُّه ما سيأتِي من قولِه تعالى: {أية : أُوْلَـئِكَ ٱلَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلْقَوْلُ } تفسير : [سورة الأحقاف، الآية 18] الآيةَ. فإنَّه كانَ من أفاضلِ المسلمينَ وسَرواتِهم، وقد كذَّبتِ الصدِّيقةُ رضيَ الله عنَها مَنْ قالَ ذلكَ. {أَتَعِدَانِنِى أَنْ أُخْرَجَ} أُبعثَ من القبرِ بعدَ الموتِ. وقُرِىءَ أَخْرُجَ، من الخُروجِ. {وَقَدْ خَلَتِ ٱلْقُرُونُ مِن قَبْلِى} ولم يُبعثْ منهم أحدٌ {وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ ٱللَّهَ} يسألانِه أنْ يغيثَهُ ويوفقَهُ للإيمانِ. {وَيْلَكَ} أي قائلينَ له ويلكَ، وهو في الأصلِ دعاءٌ عليه بالثبورِ أُريدَ به الحثَّ والتحريضَ على الإيمانِ لا حقيقةَ الهلاكِ. {ءَامَن إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ} أي البعثَ أضافاهُ إليهِ تعالى تحقيقاً للحقِّ وتنبـيهاً على خطئهِ في إسنادِ الوعدِ إليهما. وقُرِىءَ أنَّ وعدَ الله أي آمِنْ بأنَّ وعدَ الله حقٌّ {فَيَقُولُ} مكذباً لهُما {مَا هَـٰذَا} الذي تسميانِه وعدَ الله {إِلاَّ أَسَـٰطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ} أباطيلُهم التي سَطرُوها في الكتبِ من غيرِ أنْ يكونَ لها حقيقةٌ.
اسماعيل حقي
تفسير : {اولئك} اشارة الى الانسان والجمع لان المراد به الجنس المتصف بالوصف المحكى عنه اى اولئك المنعوتون بما ذكر من النعوت الجليلة {الذين نتقبل عنهم أحسن ما عملوا} من الطاعات واجبة او مندوبة فان المباحات حسن لا يثاب عليها وفى ترجمة الفتوحات وهر حركت كه كنى بايدكه بنيت قربت بحق تعالى باشد وا كرجه اين حركت در امرى مباح باشد نيت قربت كن بحق تعالى ازين جهت كه تواعتقاد دارى كه آن مباحست واكر مباح نمى بوبدان مشغول نمى شدى بدين نيت دران امرمباح مستحق ثواب شوى. يقول الفقير عندى وجه آخر فى الآية وهو أن اضافة احسن من اضافة الصفة الى موصوفها كما فى قوله سيئات ما عملوا والتقدير اعمالهم الحسنى ولا يلزم منه ان لا يتقبل منهم الاعمال الحسنة بل يكون فيه اشارة الى ان كل اعمالهم احسن عند الله تعالى بموجب فضله {ونتجاوز عن سيئاتهم} اى ما فعلوا قبل التوبة ولا يعاقبون عليها قال الحسن من يعمل سوأ يجز به انما ذلك من اراد الله هوانه واما من اراد كرامته فانه يتجاوز عن سيئاته {فى اصحاب الجنة} اى حال كونهم كائنين فى عداد اصحاب الجنة منتظمين فى سلكهم {وعد الصدق} مصدر مؤكد لما ان قوله تعالى نتقبل ونتجاوز وعد من الله لهم بالتفضل والتجاوز {الذى كانوا يوعدون} فى الدنيا على السنة الرسل قال الشيخ نجم الدين قدس سره فى تأويلاته فى الآية اشارة الى رعاية حق الوالدين على جهة الاحترام لما عليه لهما من حق التربية والانعام ليعلم ان رعاية حق الحق تعالى على جهته التعظيم لما عليه له من حق الربوبية وانعام الوجود أحق وأولى وقال بعضهم دلت الآية على ان حق الام اعظم لانه تعالى ذكر الابوين معا ثم خص الام بالذكر وبين كثرة مشقتها بسبب الولد زمان حملها ووضعها وارضاعها مع جميع ما تكابده فى اثناء ذلك قال فى فتح الرحمن عدد تعالى على الابناء منن الامهات وذكر الأم فى هذه الآيات فى اربع مراتب والأب فى واحدة جمعهما الذكر فى قوله بوالديه ثم ذكر الحمل للام ثم الوضع لها ثم الرضاع الذى عبر عنه بالفصال فهذ يناسب ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين جعل للأم ثلاثة ارباع البر والربع للأب وذلك اذ حديث : قال له رجل يا رسول الله من ابر قال "امك" ثم قال ثم من قال "امك" ثم قال ثم من قال "امك" ثم قال ثم من قال "ثم أباك" تفسير : قال بعض الاولياء وهو ابراهيم الخواص قدس سره كنت فى تيه بنى اسرائيل فاذا رجل يماشينى فتعجبت منه والهمت انه الخضر عليه السلام فقلت له بحق الحق من انت قال اخوك الخضر فقلت له اريد أن اسالك قال سل قلت ما تقول فى الشافعى قال هو من الاوتاد اى من الاوتاد الاربعة المحفوظ بهم الجهات الاربع من الجنوب والشمال والشرق والغرب قلت فما تقول فى احمد بن حنبل امام السنة قال هو رجل صديق قلت فما تقول فى بشر ابن الحارث قال رجل لم يخلف بعده مثله يعنى ازبس اومثل اونبود. قلت فبأى وسيلة رأيتك قال ببرك امك قال الاما اليافعى (حكى) ان الله سبحانه أوحى الى سليمان بن داود عليهما السلام ان اخرج الى ساحل البحر تبصر عجبا فخرج سليمان ومن معه من الجن والانس فلما وصل الى الساحل التفت يمينا وشمالا فلم ير شيئا فقال لعفريت غص فى هذا البحر ثم ائتنى بعلم ما تجد فيه فغاص فيه ثم رجع بعد ساعة وقال يا نبى الله انى ذهبت فى هذا البحر مسيرة كذا وكذا فلم اصل الى قعره ولا أبصرت فيه شيئا فقال لعفريت آخر غص فى هذا البحر وائتنى بعلم ما تجد فيه فغاص ثم رجع بعد ساعة وقال مثل قول الاول الا انه غاص مثل الاول مرتين فقال لآصف ابن بر خيا وهو وزيره الذى ذكره الله تعالى فى القرءآن بقوله حكاية عنه {أية : قال الذى عنده علم من الكتاب} تفسير : ائتنى بعلم ما فى هذا البحر فجاءه بقبة من الكافور الابيض لها اربعة ابواب باب من در وباب من جوهر وباب من زبرجد أخضر وباب من ياقوت احمر والابواب كلها مفتحة ولا يقطر فيها قطرة من الماء وهى فى داخل البحر فى مكان عميق مثل مسيرة ما غاص فيه العفريت الاول ثلاث مرات فوضعها بين يدى سليمان عليه السلام واذا فى وسطها شاب حسن الشباب نقى الثياب وهو قائم يصلى فدخل سليمان القبة وسلم على ذلك الشاب وقال له ما انزلك فى قعر هذا البحر فقال يا نبى الله انه كان ابى رجلا مقعدا وكانت امى عمياء فأقت فى خدمتهما سبعين سنة فلما حضرت وفاة امى قالت اللهم اطل حياة ابنى فى طاعتك فلما حضرت وفاة ابى قال اللهم استخدم ولدى فى مكان لا يكون للشيطان عليه سبيل فخرجت الى هذا الساحل بعدما دفتنهما فنظرت هذه القبة موضوعة فدخلتها لانظر حسنها فجاء ملك من الملائكة فاحتمل القبة وانا فيها وانزلنى فى قعر هذا البحر قال سليمان ففى اى زمان كنت اتيت هذا الساحل قال فى زمن ابراهيم الخليل عليه السلام فنظر سليمان فى التاريخ فاذا له ألفا سنة واربعمائة سنة وهو شاب لا شيبة فيه قال فما كان طعامك وشرابك فى داخل هذا البحر قال يا نبى الله يأتينى كل يوم طير اخضر فى منقاره شئ اصفر مثل رأس الانسان فآكله فأجد فيه طعم كل نعيم فى دار الدنيا فيذهب عنى الجوع والعطش والحر والبرد والنوم والنعاس والفترة والوحشة فقال سليمان اتقف معنا ام نردك الى موضعك فقال ردنى يا نبى الله فقال رده يا آصف فرده ثم التفت فقال انظروا كيف استجاب الله دعاء الوالدين فأحذركم عقوق الوالدين رحمكم الله قال الامام السخاوى عن ابن عمر رضى الله عنه رفعه انى سألت الله ان لا يقبل دعاء حبيب على حبيبه ولكن قد صح ان دعاء الوالد على ولده لا يرد فيجمع بينهما حديث : وجاء رجل الى النبى عليه السلام ليستشيره فى الغزو فقال "ألك والدة" قال نعم قال "فالزمها فان الجنة تحت قدميها " تفسير : جنت كه سراى مادرانست زير قدمات مادرانست روزى بكن اى خداى مارا جيزى كه رضاى مادرانست. ومنه الاعانة والتوفيق للخدمة المرضية بالنفوس الطبية الراضية
الطوسي
تفسير : قرأ "نتقبل، ونتجاوز" بالنون فيهما حمزة والكسائي وخلف، على وجه الاخبار من الله عن نفسه ولقوله {ووصينا} الباقون بالياء فيهما، على ما لم يسم فاعله. وروى هشام "اتعداني" بنون مشددة. الباقون بنونين. وقرأ ابن كثير وأهل البصرة وعاصم إلا الكسائي عن ابي بكر والحلواني عن هشام {وليوفينهم} بالياء. الباقون بالنون. وقرأ ابن ذكوان وروح {أاذهبتم} بهمزتين مخففتين على الاستفهام. وقرأ ابن كثير وابو جعفر وهشام بتخفيف الاولى وتليين الثانية وفصل بينهما بالف ابو جعفر والحلواني عن هشام. الباقون بهمزة واحده على الخبر. لما اخبر تعالى بما أوصى به الانسان ان يعمله ويقوله عند بلوغ أشده اخبره بعده بما يستحقه من الثواب إذا فعل ما أمره به تعالى فقال {أولئك} يعني الذين فعلوا ما وصيناهم به من التائبين المسلمين هم {الذين نتقبل عنهم أحسن ما عملوا} من قرأ بالنون اضاف الفعل إلى الله وانه أخبر عن نفسه بأنه يفعل بهم. ومن قرأ بالياء والضم فيهما لم يذكر الفاعل لانه معلوم أن المراد به أن الله الذي يتقبل الطاعات ويجازي عليها. وقوله {أحسن ما عملوا} يعني ما يستحق به الثواب من الواجبات والمندوبات، لأن المباحات وإن كانت حسنة لا يستحق بها الثواب ولا توصف بأنها متقبلة، لانه لا يتقبل إلا ما ذكرناه من واجب او ندب. ثم قال {ونتجاوز عن سيئاتهم} التي اقترفوها فلا نؤاخذهم بها إذا تابوا منها أو اردنا أن نتفضل عليهم باسقاطها، وقوله {في أصحاب الجنة} أي هم فى اصحاب الجنة {وعد الصدق} أي وعدهم وعد الصدق لا الكذب، فهو نصب على المصدر {الذي كانوا يوعدون} به فى دار الدنيا إذا اطاعوا الله. ثم اخبر تعالى عن حال {الذي قال} أي الذي يقول {لوالديه أف لكما} ومعناه أنه فى موضع ضجر منهما، وقيل: معناه نتناً وقذراً لكما، كما يقال عند شم الرائحة الكريهة. وقال الحسن: هو الكافر الفاجر العاق لوالديه المكذب بالبعث وانه يتأفف بهما إذا دعواه إلى الاقرار بالبعث والنشور. وقال قوم: نزلت الآية فى عبد الرحمن بن ابي بكر قبل ان يسلم. ثم بين أنه يقول لهما {أتعدانني أن أخرج} من القبر وأحيا وابعث {وقد خلت القرون من قبلي} أي مضت امم قبلي وماتوا فما أخرجوا ولا اعيدوا {وهما} يعني والديه {يستغيثان الله} ويقولان له {ويلك آمن إن وعد الله حق} والبعث والنشور والثواب والعقاب {فيقول} فى جوابهما {ما هذا إلا أساطير الأولين} أي ليس هذا إلا أخبار الأولين وسطروها، وليس لها حقيقة، فقال تعالى {أولئك الذين حق عليهم القول} باستحقاق العقاب وإدخالهم النار {في أمم} أي مع أمم وجماعات {قد خلت من قبلهم من الجن والإنس} على مثل حالهم ومثل اعتقادهم. وقال قتادة: قال الحسن: الجن لا يموتون، قال قتادة: فقلت {أولئك الذين حق عليهم القول..} الآية تدل على خلافه، ويجوز ان يكون الحسن أراد انهم لا يموتون فى دار الدنيا ويبقون إلى وقت قيام الساعة. ثم يميتهم الله كما ان ذلك سبيل كل خلق من الملائكة. ثم قال تعالى مخبراً عن حالهم {إنهم} يعني الذين وصفهم {كانوا قوماً خاسرين} فى أمورهم، لانهم خسروا الثواب الدائم وحصل لهم العقاب المؤبد. ثم قال {ولكل درجات مما عملوا} أي لكل مطيع درجات ثواب، وإن تفاضلوا فى مقاديرها. وقوله {وليوفيهم} من قرأ بالياء معناه ليوفيهم الله. ومن قرأ بالنون فعلى وجه الاخبار من الله عن نفسه انه يوفيهم ثواب اعمالهم من الطاعات {وهم لا يظلمون} أي من غير ان ينقص منه شيئاً. ثم قال تعالى {ويوم يعرض الذين كفروا على النار} يعني يوم القيامة {أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا} أي يقال لهم على وجه التهجين والتوبيخ {أذهبتم طيباتكم} أي انفقتم ذلك فى ملاذ الدنيا، وفي معاصي الله، ولم تستعملوها فى طاعاته. فمن خفف الهمزتين أراد بالف الاستفهام التوبيخ. ومن لين الثانية كره الجمع بين الهمزتين. ومن قرأ على الخبر، فعلى تقدير يقال لهم {أذهبتم} أو يكون حذف احدهما تخفيفاً ويكون المحذوفة الاصلية، لان همزة الاستفهام ادخلت لمعنى. وقوله {واستمتعتم بها} يعني بالطيبات. ثم حكى ما يقال لهم بعد ذلك فانه يقال لهم {فاليوم تجزون عذاب الهون} يعني عذاب الهوان - في قول مجاهد {بما كنتم تستكبرون في الأرض} أي جزاء بما كنتم تطلبون التكبّر والتجبر على الناس {بغير الحق} أي بغير استحقاق {وبما كنتم تفسقون} أي تخرجون من طاعة الله الى معاصيه.
الجنابذي
تفسير : {أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ} أتى بالجمع ايهاماً لتعميم الآية {وَنَتَجَاوَزُ عَن سَيِّئَاتِهِمْ فِيۤ أَصْحَابِ ٱلْجَنَّةِ وَعْدَ ٱلصِّدْقِ} وعدنا وعد الصّدق {ٱلَّذِي كَانُواْ يُوعَدُونَ} قال الصّادق (ع): لمّا حملت فاطمة (ع) بالحسين (ع) جاء جبرئيل الى رسول الله (ص) فقال: "حديث : انّ فاطمة ستلد غلاماً تقتله امّتك من بعدك" تفسير : فلمّا حملت فاطمة (ع) بالحسين (ع) كرهت حمله، وحين وضعته كرهت وضعه ثمّ قال: لم تُر فى الدّنيا امّ تلد غلاماً تكرهه ولكنّها كرهته لما علمت انّه سيقتل، قال: وفيه نزلت هذه الآية، وفى روايةٍ اخرى: ثمّ هبط جبرئيل (ع) فقال: يا محمّد (ص) "حديث : انّ ربّك يقرؤك السّلام ويبشّرك بانّه جاعلٌ فى ذرّيّته الامامة والولاية والوصيّة فقال: انّى رضيت ثمّ بشّر فاطمة" تفسير : (ع) فرضيت قال: فلولا انّه قال: اصلح لى فى ذرّيّتى لكانت ذرّيّته كلّهم ائمّةً، قال: ولم يرضع الحسين (ع) من فاطمة (ع) ولا من انثى، كان يؤتى به النّبىّ (ص) فيضع ابهامه فى فيه فيمصّ منها ما يكفيه اليومين والثّلاث فنبت لحم الحسين (ع) من لحم رسول الله (ص) ودمه من دمه، ولم يولد لستّة اشهرٍ الاّ عيسى بن مريم (ع) والحسين، وفى نزول الآية فى الحسين (ع) قريباً بهذا المضمون اخبارٌ اُخر.
الهواري
تفسير : قال: {أُوْلَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجاوَزُ عَن سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ} أي: مع أصحاب الجنة {وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ} أي: في الدنيا، وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار. قوله عزّ وجلّ: {وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَّكُمَا أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ} أي: أن أبعث {وَقَدْ خَلَتْ الْقُرُونُ مِن قَبْلِي} أي: فلم يبعثوا. قال: {وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ اللَّهَ وَيْلَكَ آمِنْ} أي يقولان له: ويلك آمن {إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ} أي القيامة، {فَيَقُولُ مَا هَذَا إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ} أي: كذب الأولين وباطلهم. نزلت في عبدالرحمن بن أبي بكر قبل أن يسلم، وفي أبويه أبي بكر وامرأته أم رومان، وهي أم عائشة، كانا يقولان له قبل أن يسلم هذا القول، فيقول هو هذا القول الذي أجابهما به. قال الله عز وجل جواباً لقول عبد الرحمن في القرون التي قد خلت فلم يبعثوا: {أُوْلَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ} [أي: وجب عليهم الغضب] {فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ} أي: مع أمم قد خلت {مِن قَبْلِهِم مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ} صاروا إلى النار {إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ}.
اطفيش
تفسير : {أُوْلَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ} (عن) على بابها وقال ابن هشام بمعنى (من) بدليل التقبل من أحدهم الخ {أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ} هو الطاعة فانها أحسن من المباح والمباح حسن ولا يثاب عليه فافعل على بابه وانظر ما مر في مثله أو بمعنى حسن والمباح ولو كان حسناً لا يرد في المقام ولا يوصف فيه بالحسن ولا بالقبح* {وَنَتَجَاوَزُ عَن سَيِّئَاتِهِمْ} لا يؤاخذهم بها لتوبتهم وقرأ حمزة والكسائي وحفص (نتقبل ونتجاوز) بالنون ونصب (أحسن) وقرئ يتقبل بتجاوز بالمثناة تحت والبناء للفاعل ونصب {أَحْسَنَ} والجمع في ذلك دليل على أن المراد بالانسان الجنس* {فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ} أي معهم حال من الهاء في {عَنْهُمْ} أو من الهاء في {سَيِّئَاتِهِمْ} وعليه فانما جاء الحال من المضاف اليه لان السيئات بمنزلة الجزء من عاملها أو في الظرفية فيه أي كائنين في أصحاب الجنة معدودين فيهم كقولك (أكرمني الأمير في ناس من أصحابه) أي في جملة من أكرم ونظمني في عددهم* {وَعْدَ الصِّدْقِ} مصدر موكل لنفسه فان يتقبل ويتجاوز وعد الصدق كقولك له عليَّ ألف اعترافاً* {الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ} في الدنيا وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات تجرى من تحتها الانهار
اطفيش
تفسير : {أولئك} أشارة البعد لانسان المراد به الجنس البعيد درجة فى الخير، والأفعال الجليلة {الَّذينَ نتقبَّل عنْهم أحْسنَ ما عَمِلوا} وهو الطاعات، فأما الحسن وهو المباح فلا مدخل له فى القبول، ولا الرد، ولا يتبادر أن يراد بالأحسن الحسن، ويشمل المباح على أنهم قصدوا به الطاعة، فيثابوا عليه، ويكون خارجا عن التفضيل، ولو كان ذلك لا بد منه فى نفس الأمر، لا تفسير للآية، وعليه فلا يوجد إلا قسمان، حسن وهو الطاعة ولو بالمباح، وقبيح وهو المذكور فى قوله عز وجل: {ونَتَجاوزُ عَن سَيِّئاتِهم} كبائرهم وصغائرهم لتوبتهم، كما قال: {إني تبت إليك} ومن أصر لم تقبل حسناته، لم تغفر سيئاته، وأجاز قومنا المغفرة بلا توبة، وهو خطأ. {في أصحاب الجنَّة} حال اى ثابتين فى أصحاب الجنة، أو منتظمين فى سلكهم وقيل فى بمعنى مع {وعْد الصِّدق} وعد الله ذلك وعد الصدق مفعول مطلق، مؤكد لمعنى نفسه فى الجملة قبله نحو: لك علىَّ ألف اعترافا {الَّذي} نعت وعد الا نعت الصدق {كانُوا يُوعدون} على ألسنة الرسل.
الالوسي
تفسير : {أُوْلَـٰئِكَ } إشارة إلى {أية : ٱلإِنسَانَ}تفسير : [الأحقاف: 15] والجمع لأن المراد به الجنس المتصف بالمعنى المحكي عنه، وما فيه من معنى البعد للإشعار ببعد منزلته وعلو درجته أي أولئك المنعوتون بما ذكر من النعوت الجليلة. {ٱلَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَلِمُواْ } من الطاعات فإن المباح حسن لا يثاب عليه {وَنَتَجَاوَزُ عَن سَيْئَـٰتِهِمْ} لتوبتهم المشار إليها بإني تبت وإلا فعند أهل الحق أن مغفرة الذنب مطلقاً لا تتوقف على توبة {فِي أَصْحَـٰبِ ٱلْجَنَّةِ } / كائنين في عدادهم منتظمين في سلكهم، وقيل: {فِي } بمعنى مع وليس بذاك. {وَعْدَ ٱلصّدْقِ } مصدر لفعل مقدر وهو مؤكد لمضمون الجملة قبله، فإن قوله سبحانه: {نَتَقَبَّلُ} و {نَتَجَاوَزُ } وعد منه عز وجل بالتقبل والتجاوز. {ٱلَّذِي كَانُواْ يُوعَدُونَ } على ألسنة الرسل عليهم السلام. وقرىء {يتقبل } بالياء والبناء للمفعول و {أحسن } بالرفع على النيابة مناب الفاعل وكذا {يتجاوز عن سيآتهم}. وقرأ الحسن والأعمش وعيسى بالياء فيهما مبنيين للفاعل وهو ضميره تعالى شأنه و {أحسن } بالنصب على المفعولية.
ابن عاشور
تفسير : جيء باسم الإشارة للغرض الذي ذكرناه آنفاً عند قوله: {أية : أولئك أصحاب الجنة خالدين فيها}تفسير : [الأحقاف: 14]. وكونه إشارة جمع ومخبرة عنه بألفاظ الجمع ظاهر في أن المراد بالإنسان من قوله: {أية : ووصينا الإنسان}تفسير : [الأحقاف: 15] غير معيّن بل المراد الجنس المستعمل في الاستغراق كما قدمناه. والجملة مستأنفة استئنافاً بيانياً لأن ما قبلها من الوصف والحثّ يُحدث ترقب السامع لمعرفة فائدة ذلك فكان قوله: {أولئك الذين يتقبل عنهم} إلى آخره جواباً لترقية. وعموم {أحسنُ ما عملوا} يكسب الجملة فائدة التذييل، أي الإحسان بالوالدين والدعاء لهما وللذرية من أفضل الأعمال فهو من أحسن ما عملوا. وقد تُقبل منهم كل ما هو أحسن ما عملوا. والتقبل: ترتب آثار العمل من ثواب على العمل واستجابة للدعاء. وفي هذا إيماء إلى أن هذا الدعاء مرجوّ الإجابة لأن الله تولى تلقينه مثل الدعاء الذي في سورة الفاتحة ودعاء آخر سورة البقرة. وعدّي فعل {يتقبل} بحرف (عَن)، وحقه أن يعدّى بحرف (مِن) تغليباً لجانب المدعو لهم وهم الوالدان والذريّة، لأن دعاء الوَلد والوالد لأولئك بمنزلة النيابة عنهم في عبادة الدعاء وإذا كان العمل بالنيابة متقبلاً علم أن عمل المرء لنفسه متقبل أيضاً ففي الكلام اختصار كأنه قيل: أولئك يتقبل منهم ويتقبل عن والديْهم وذريتهم أحسن ما عملوا. وقرأ الجمهور {يتقبل} و{يتجاوز} بالياء التحتية مضمومة مَبْنيين للنائب و{أحسن} مرفوع على النيابة عن الفاعل ولم يذكر الفاعل لظهور أن المتقبل هو الله وقرأهما حمزة والكسائي وحفص عن عاصم وخلف بنونين مفتوحتين ونصب {أحسنَ}. وقوله: {في أصحاب الجنة} في موضع الحال من اسم الإشارة، أي كائنين في أصحاب الجنة حين يتقبل أحسن ما عملوا ويتجاوز عن سيئاتهم لأن أصحاب الجنة متقبل أحسن أعمالهم ويتجاوز عن سيئاتهم، وذكر هذا للتنويه بهم بأنهم من الفريق المشَّرفين كما يقال: أكرمه في أهل العلم. وانتصب {وعْدَ الصدق} على الحال من التقبل والتجاوز المفهوم من معاني {يتقبل} و {يتجاوز}، فجاء الحال من المصدر المفهوم من الفعل كما أعيد عليه الضمير في قوله تعالى: {أية : اعدلوا هو أقرب للتقوى}تفسير : [المائدة: 8]، أي العدل أقرب للتقوى. والوعد: مصدر بمعنى المفعول، أي ذلك موعدهم الذي كانوا يوعدونه. وإضافة {وعد} إلى {الصدق} إضافةٌ على معنى (من)، أي وعدٌ من الصدق إذ لا يتخلف. و {الذي كانوا يوعدون} صفة وعْد الصدق، أي ذلك هو الذي كانوا يوعدونه في الدنيا بالقرآن في الآيات الحاثة على بِرّ الوالدين وعلى الشكر وعلى إصلاح الذرية.
د. أسعد حومد
تفسير : {أُوْلَـٰئِكَ} {أَصْحَابِ} (16) - وَهؤلاءِ المُتَّصِفُونَ بِالصِّفَاتِ السَّابِقَةِ (التَّائِبُونَ إِلى اللهِ، المُنِيبُونَ إِليهِ، المُسْتَدْرِكُونَ مَا فَاتَ بِالتُّوْبَةِ والاسْتِغْفَارِ..) هُمُ الذِينَ يَتَقَبَّلُ اللهُ تَعَالى مِنْهُمْ أحسَنَ مَا عَمِلُوهُ في الدُّنيا، وَيَصْفَحُ عَنْ سَيِّئاتهِمْ فَيَغْفِرُ لَهُمُ الكَثيرَ مِنَ الزَّلَلِ الذِي صَدَرَ مِنْهُم فِي حَيَاتِهم الدُّنيا، ولمْ يَتَرسَّخْ فِعْلُهُ في نُفُوسِهِم، وَيَقْبَلُ القَليلَ مِنَ العَمَلِ. وَهُمْ في عِدادِ أَهْلِ الجَنَّةِ تَحقيقاً للوَعْدِ الصِّدْقِ الذِي وَعَدَهُمْ بِهِ رَبُّهم فِي الدُّنيا، وَلا يُخْلِفُ اللهُ وَعْدَهُ أَبداً. (وَرُوِيَ أَنَّ هذهِ الآيةَ نَزَلَتْ في سَعْدِ بنِ أَبي وَقَّاصٍ. وَرُوِيَ أَيْضاً أَنَّها نَزَلَتْ في أَبي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ. والآيَةُ تَنْطَبِقُ عَلَى كُلِّ مُؤْمِنٍ فَهُوَ مُوصىً بِوالِدَيهِ، مَأْمُورٌ بِشُكْر أَنْعُمِ الله عَلَيهِ وَعليهِما، وَبأَنْ يَعْمَلَ صَالِحاً، وَأَنْ يَسْعَى في إِصْلاَحِ ذُرِّيَّتهِ، وَأَنْ يَدْعُوَ اللهَ أَنْ يُوِّفقَهُ إِلى عَمَلِ أَهْلِ الجَنَّةِ).
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وكلمة {أُوْلَـٰئِكَ ..} [الأحقاف: 16] إشارة لمن سبق ذكرهم وأوصافهم {ٱلَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ ..} [الأحقاف: 16] المشهور عن الفعل تقبل أنه يتعدَّى بمَنْ، كما جاء في قول سيدنا إبراهيم: {أية : وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَٰهِيمُ ٱلْقَوَاعِدَ مِنَ ٱلْبَيْتِ وَإِسْمَٰعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ ..}تفسير : [البقرة: 127]. وفي موضع آخر: {أية : وَهُوَ ٱلَّذِي يَقْبَلُ ٱلتَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ ..}تفسير : [الشورى: 25]. إذن: يتعدى مرة بـ (من) ومرة بـ (عن) ولكلٍّ معنى، فقوله تعالى: {أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ ..} [الأحقاف: 16] يعني: أن التوبة تحمل عنك عبءَ المعاصي وثقلها، لأنها تزحزحها عنك. لذلك قال: {عَنْهُمْ ..} [الأحقاف: 16] لأن مجيء حرف مكان حرف لا بدَّ أن له حكمة، وأنه يضيف معنى لا يعطيه الحرف الآخر، وسبق أنْ أوضحنا هذه المسألة في قول الحق سبحانه: {أية : ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى ٱلْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ ..}تفسير : [إبراهيم: 39] ورأينا كلّ المفسرين يقولون: (على) هنا بمعنى: مع الكِبَر. وبتأمل الآية نجد (مع) حرفان و(على) ثلاثة أحرف، فلماذا عدل القرآن عن (مع) وجاء بـ (على)؟ كيف يترك السهل في حرفين إلى الثلاثة؟ ولما نتأمل مسألة كِبَر سيدنا إبراهيم نجد أن المعيّة التي تفيدها (مع) لا تكفي، فالمراد حرف يعطي المعية المتغلّب عليها، فالكِبَر موجود مع سيدنا إبراهيم ومصاحب له، لكنه كِبَر مُتغلَّب عليه بقدرة الله. فكأن طلاقة القدرة علَتْ على قانون الكبر، وخرقتْ الناموس فجاء إسماعيل على هذا الكبر، وهذا المعنى لا يقوم باستخدام (مع) بل (على). كذلك في قوله تعالى: {أية : وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِّلنَّاسِ عَلَىٰ ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ ٱلْعِقَابِ}تفسير : [الرعد: 6] فكأن الذنب يقتضي العقوبة، لكن مغفرة الله علَتْ على العقوبة وتغلّبت عليها. إذن: حينما يستخدم حرفاً مكان حرف فلا بدَّ أنه يضيف معنىً لا يضيفه الحرف الأول. إذن: {نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ ..} [الأحقاف: 16] حملنا عنهم عبء ما كان قبل التوبة، وفي موضع آخر يشرح الحق سبحانه هذا المعنى: {أية : فَأُوْلَـٰئِكَ يُبَدِّلُ ٱللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ ..}تفسير : [الفرقان: 70] حتى قال أحدهم: والله لقد أسفتُ أنِّي لم أرتكب الكبائر، لأن الله كان سيُبدلها حسنات، وهذا خطأ، فمَنْ يدريك أنك ستعيش حتى تتوب؟ وقوله: {وَنَتَجَاوَزُ عَن سَيِّئَاتِهِمْ ..} [الأحقاف: 16] أي: نعفو عنها ونتسامح {فِيۤ أَصْحَابِ ٱلْجَنَّةِ ..} [الأحقاف: 16] سبق أنْ قلنا: أصحاب الجنة يعني بينهم وبينها مصاحبة أو صداقة، أو أصحابها يعني المالكين لها. لكن هنا يقول {فِيۤ أَصْحَابِ ٱلْجَنَّةِ ..} [الأحقاف: 16] فكأن هؤلاء الذين نتحدث عنهم في وسط الجنة، وأهل الجنة محيطون بهم، فهم في المركز، هذا الفهم جاء من معنى (في) هنا، لكن لماذا استحقّ هؤلاء أنْ يكونوا في الوسط وفي المركز وأهل الجنة حولهم؟ قالوا لأن الذي أَلِفَ المعصية ثم يذهب إلى الطاعة تشقّ على نفسه بعد أنِ استهوى المعصية وارتاضَ عليها، فهو يجاهد نفسه للاستمرار على الطاعة، على خلاف مَنْ لم يُجرب المعصية، فالطاعة عنده طبيعية لا تحتاج إلى مجاهدة كالأول، لذلك يعاملهم الله بهذا التساهل وهذا الفضل فيُبدِّل سيئاتهم حسنات، وهذا منتهى الكرم. ثم يُطمئنهم الحق سبحانه وتعالى: {وَعْدَ ٱلصِّدْقِ ٱلَّذِي كَانُواْ يُوعَدُونَ} [الأحقاف: 16] فكأنهم لا يُصدِّقون أن الله يعاملهم بكلِّ هذا الفضل، فيُذكِّرهم أن هذا وعد الله، ووَعْد الله وعد صدق لا يُخلَف أبداً، ولا يوجد مَنْ ينقضه أو يفسخ هذا الوعد. والحق سبحانه يعطي عباده كلّ هذه التسهيلات والإغراءات، فيقبل توبة التائبين ويعفو عن المسيئين، ويُبدِّل سيئاتهم حسنات، لا لنجاة التائب وحده، وإنما لنجاة المجتمع كله، فلو لم تشرع التوبة لشَقِيَ المجتمع بكلِّ عاصٍ سُدّ في وجهه بابها، ولاستشرى الشر وساد.
الجيلاني
تفسير : {أُوْلَـٰئِكَ} السعداء المولعون على شكر نعم الله وأداء حقوق الوالدين، وحسن المعاشرة معهما، والإحسان إليهما، هم {ٱلَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ} التفسير جرى على قراءة ابن عامر ونافع مغيرهما: "يتقبل عنهم أحسن ما عملوا ويتجاوز عن ... الآية"، ولكن سياق "ويتجاوز" سبحانه لا تدل إلا على قراءة المطوعي - بفتح الياء - وهي قراءة شاذة ولكنها تذكر ضمن القراءات الأربع عشرة "يتقبل عنهم" بقبلو حسن {أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ} مخلصين فيه، طالبين رضاء الله، مجتنبين عن سخطه {وَنَتَجَاوَزُ} ويتجاوز سبحانه {عَن سَيِّئَاتِهِمْ} بعدما تابوا، ورجعوا نحوه نادمين، وهم {فِيۤ أَصْحَابِ ٱلْجَنَّةِ} ومعهم، آمنون فائزون لا خوف عليهم، ولا هم يحزنون، إنجازاً لما وعد لهم الحق {وَعْدَ ٱلصِّدْقِ ٱلَّذِي كَانُواْ يُوعَدُونَ} [الأحقاف: 16] في النشأة الأولى. وبعدما وصى سبحانه بما وصى من رعاية حقوق الوالدين، وما يترتب عليها من الفوز العظيم عقبه بضده، وهو عقوق الوالدين، وما يترتب عليها من العذاب الأليم فقال: {وَٱلَّذِي} أي: والمسرف المتناهي الذي {قَالَ لِوَالِدَيْهِ} من فرط سرفه وعصيانه وشدة عقوقه عليهما حين دعواه إلى الإيمان والتوحيد، واجتهد أن يخلصاه من ظلمة الشرك والتقليد، وعن أهوال يوم القيامة وأفراغها: {أُفٍّ} أي: أتضجر {لَّكُمَآ أَتَعِدَانِنِيۤ} وتخوفانني من العذاب والنكال بعد أن {أُخْرَجَ} من قبري حيّاً {وَ} الحال أنه {قَدْ خَلَتِ} ومضت {ٱلْقُرُونُ} الماضية {مِن قَبْلِي} ولم يخرج أحد منهم من قبره حيّاًن فإنَّا أيضاً لا أخرج أمثالهم، والحال أنه هو يصر على هذا {وَهُمَا} من مال تحننهما وترحمهما {يَسْتَغِيثَانِ ٱللَّهَ} ويطلبان الغوث والتوفيق منه سبحانه لأجل إيمانه قائلين له على وجه المبالغة في التخويف: {وَيْلَكَ} أي: ويل وهلاك ينزل عليك أيها المسرف لو لم تؤمن {آمِنْ} بالله، وبجميع ما جاء من عنده في النشأة الأولى والأخرى أن {وَعْدَ ٱللَّهِ} بعموم المواعيد والوعيدات الصادرة منه سبحانه على ألسنة رسله وكتبه {حَقٌّ} لا خلف فيه، سينجزه الله القادر المقتدر على وجوه الانتقام والإنعام {فَيَقُولُ} بعدما سمع منهما ما سمع من شدة إصراره وإنكاره: {مَا هَـٰذَآ} الذي جئتما به على سبيل العظة والتذكير {إِلاَّ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ} [الأحقاف: 17] أي: أباطليهم الزائغة، لمجرد الترغيب والترهيب. وبالجملة: {أُوْلَـٰئِكَ} الأشقياء المردودون عن ساحة عز القبول هم {ٱلَّذِينَ حَقَّ} أي: ثبت وتحقق {عَلَيْهِمُ ٱلْقَوْلُ} والحكم من الله المطلع بما في صدور عباده من الغل والغواية، بأنهم أصحاب النار المعدودون {فِيۤ} زمرة {أُمَمٍ} هالكة مستحقة لعذاب {قَدْ خَلَتْ} ومضت {مِن قَبْلِهِمْ مِّنَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنسِ} أي: من جنسهما، وبالجملة: {إِنَّهُمْ} بأجمعهم {كَانُواْ خَاسِرِينَ} [الأحقاف: 18] مضيعين على أنفسهم كرامة مرتبة الخلاقة والنيابة الإلهية الموعودة في النشأة الإنسانية. {وَ} اعلما أن {لِكُلٍّ} من المحقين والمبطلين {دَرَجَٰتٌ} من الثواب والعقاب متفاوتة شدةً وضعفاً، ورفعةً ودناءةً، منتشئة {مِّمَّا عَمِلُواْ} مترتبة عليه خيراً كان أو شراً، حسنات أو سيئات {وَ} كل منهم متعلق بعمله، يشاكل عليه {لِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَٰلَهُمْ} ويوفى عليهم جزاءهم المترتب عليها درجات أو دركات {وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ} [الأحقاف: 19] بالزيادة والنقصان على أجور ما كسبوا.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):