٤٦ - ٱلْأَحْقَاف
46 - Al-Ahqaf (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
17
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه تعالى لما وصف الولد البار بوالديه في الآية المتقدمة، وصف الولد العاق لوالديه في هذه الآية، فقال: {وَٱلَّذِي قَالَ لِوٰلِدَيْهِ أُفّ لَّكُمَا } وفي هذه الآية قولان الأول: أنها نزلت في عبد الرحمٰن بن أبي بكر، قالوا كان أبواه يدعوانه إلى الإسلام فيأبى، وهو {أُفٍّ لَّكُمَا } واحتج القائلون بهذا القول على صحته، بأنه لما كتب معاوية إلى مروان يبايع الناس ليزيد، قال عبد الرحمٰن بن أبي بكر: لقد جئتم بها هرقلية، أتبايعون لأبنائكم؟ فقال مروان: يا أيها الناس هو الذي قال الله فيه {وَٱلَّذِي قَالَ لِوٰلِدَيْهِ أُفٍّ لَّكُمَا }. والقول الثاني: أنه ليس المراد من شخص معين، بل المراد منه كل من كان موصوفاً بهذه الصفة، وهو كل من دعاه أبواه إلى الدين الحق فأباه وأنكره، وهذا القول هو الصحيح عندنا، ويدل عليه وجوه الأول: أنه تعالى وصف هذا الذي قال لوالديه أف لكما أتعدانني بقوله {أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمْ مّنَ ٱلْجِنّ وَٱلإِنسِ إِنَّهُمْ كَانُواْ خَـٰسِرِينَ } ولا شك أن عبد الرحمٰن آمن وحسن إسلامه، وكان من سادات المسلمين، فبطل حمل الآية عليه، فإن قالوا: روي أنه لما دعاه أبواه إلى الإسلام وأخبراه بالبعث بعد الموت، قال: {أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ } من القبر، يعني أبعث بعد الموت {وَقَدْ خَلَتِ ٱلْقُرُونُ مِن قَبْلِي } يعني الأمم الخالية، فلم أر أحداً منهم بعث فأين عبد الله بن جدعان، وأين فلان وفلان؟ إذا عرفت هذا فنقول قوله {أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلْقَوْلُ } المراد هؤلاء الذين ذكرهم عبد الرحمٰن من المشركين الذين ماتوا قبله، وهم الذين حق عليهم القول، وبالجملة فهو عائد إلى المشار إليهم بقوله {وَقَدْ خَلَتِ ٱلْقُرُونُ مِن قَبْلِي } لا إلى المشار إليه بقوله {وَٱلَّذِي قَالَ لِوٰلِدَيْهِ أُفٍّ لَّكُمَا } هذا ما ذكره الكلبي في دفع ذلك الدليل، وهو حسن والوجه الثاني: في إبطال ذلك القول، ما روي أن مروان لما خاطب عبد الرحمٰن بن أبي بكر بذلك الكلام سمعت عائشة ذلك فغضبت وقالت: والله ما هو به، ولكن الله لعن أباك وأنت في صلبه الوجه الثالث: وهو الأقوى، أن يقال إنه تعالى وصف الولد البار بأبويه في الآية المتقدمة، ووصف الولد العاق لأبويه في هذه الآية، وذكر من صفات ذلك الولد أنه بلغ في العقوق إلى حيث لما دعاه أبواه إلى الدين الحق، وهو الإقرار بالبعث والقيامة أصر على الإنكار وأبى واستكبر، وعول في ذلك الإنكار على شبهات خسيسة وكلمات واهية، وإذا كان كذلك كان المراد كل ولد اتصف بالصفات المذكورة ولا حاجة ألبتة إلى تخصيص اللفظ المطلق بشخص معين، قال صاحب «الكشاف»: قرىء {أُفّ } بالفتح والكسر بغير تنوين، وبالحركات الثلاث مع التنوين، وهو صوت إذا صوت به الإنسان علم أنه متضجر، كما إذا قال حس، علم أنه متوجع، واللام للبيان معناه هذا التأفيف لكما خاصة، ولأجلكما دون غيركما، وقرىء {أَتَعِدَانِنِي } بنونين، وأتعداني بأحدهما وأتعداني بالإدغام، وقرأ بعضهم: أتعدانني بفتح النون كأنه استثقل اجتماع النونين والكسرين والياء، ففتح الأولى تحرياً للتخفيف كما تحراه من أدغم ومن طرح أحدهما. ثم قال: {أَنْ أُخْرِجْ } أي أن أبعث وأخرج من الأرض، وقرىء {أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ ٱلْقُرُونُ مِن قَبْلِي } يعني ولم يبعث منهم أحد. ثم قال: {وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ ٱللَّهَ } أي الوالدان يستغيثان الله، فإن قالوا: كان الواجب أن يقال يستغيثان بالله؟ قلنا الجواب: من وجهين الأول: أن المعنى أنهما يستغيثان الله من كفره وإنكاره، فلما حذف الجار وصل الفعل الثاني: يجوز أن يقال الباء حذف، لأنه أريد بالاستغاثة ههنا الدعاء على ما قاله المفسرون {يدعون ٱللَّهِ } فلما أريد بالاستغاثة الدعاء حذف الجار، لأن الدعاء لا يقتضيه، وقوله {وَيْلَكَ } أي يقولان له ويلك {آمِنْ } وصدق بالبعث وهو دعاء عليه بالثبور، والمراد به الحث، والتحريض على الإيمان لا حقيقة الهلاك. ثم قال: {إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ } بالبعث {حق فيقول} لهما {ما هذا} الذي تقولان من أمر البعث وتدعوانني إليه {إِلاَّ أَسَـٰطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ }. ثم قال تعالى: {أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلْقَوْلُ } أي حقت عليهم كلمة العذاب، ثم ههنا قولان: فالذين يقولون المراد بنزول الآية عبد الرحمٰن بن أبي بكر، قالوا المراد بهؤلاء الذين حقت عليهم كلمة العذاب هم القرون الذين خلوا من قبله، والذين قالوا المراد به ليس عبد الرحمٰن، بل كل ولد كان موصوفاً بالصفة المذكورة؛ قالوا هذا الوعيد مختص بهم، وقوله {فِي أُمَمٍ } نظير لقوله {فِي أَصْحَـٰبِ ٱلْجَنَّةِ } وقد ذكرنا أنه نظير لقوله: أكرمني الأمير في أناس من أصحابه، يريد أكرمني في جملة من أكرم منهم. ثم قال: {إِنَّهُمْ كَانُواْ خَـٰسِرِينَ } وقرىء أن بالفتح على معنى آمن بأن وعد الله حق. ثم قال: {وَلِكُلٍّ دَرَجَـٰتٌ مّمَّا عَمِلُواْ } وفيه قولان الأول: أن الله تعالى ذكر الولد البار، ثم أردفه بذكر الولد العاق، فقوله {وَلِكُلٍّ دَرَجَـٰتٌ مّمَّا عَمِلُواْ } خاص بالمؤمنين، وذلك لأن المؤمن البار بوالديه له درجات متفاوتة، ومراتب مختلفة في هذا الباب والقول الثاني: أن قوله {لِكُلٍّ دَرَجَـٰتٌ مّمَّا عَمِلُواْ } عائد إلى الفريقين، والمعنى ولكل واحد من الفريقين درجات في الإيمان والكفر والطاعة والمعصية، فإن قالوا كيف يجوز ذكر لفظ الدرجات في أهل النار، وقد جاء في الأثر الجنة الدرجات، والنار دركات؟ قلنا فيه وجوه الأول: يجوز أن يقال ذلك على جهة التغليب الثاني: قال ابن زيد: درج أهل الجنة يذهب علواً، ودرج أهل النار ينزلوا هبوطاً. الثالث: أن المراد بالدرجات المراتب المتزايدة، إلا أن زيادات أهل الجنة في الخيرات والطاعات، وزيادات أهل النار في المعاصي والسيئات. ثم قال تعالى: {وَلِيُوَفِّيَهُمْ } وقرىء بالنون وهذا تعليل معلله محذوف لدلالة الكلام عليه كأنه وليوفيهم أعمالهم ولا يظلمهم حقوقهم، قدر جزاءهم على مقادير أعمالهم فجعل الثواب درجات والعقاب دركات، ولما بيّن الله تعالى أنه يوصل حق كل أحد إليه بين أحوال أهل العقاب أولاً، فقال: {وَيَوْمَ يُعْرَضُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ عَلَى ٱلنَّارِ } قيل يدخلون النار، وقيل تعرض عليهم النار ليروا أهوالها {أَذْهَبْتُمْ طَيّبَـٰتِكُمْ فِى حَيَـٰتِكُمُ ٱلدُّنْيَا } قرأ ابن كثير {أَذْهَبْتُمْ } استفهام بهمزة ومدة، وابن عامر استفهام بهمزتين بلا مدة والباقون {أَذْهَبْتُمْ } بلفظ الخبر والمعنى أن كل ما قدر لكم من الطيبات والراحات فقد استوفيتموه في الدنيا وأخذتموه، فلم يبق لكم بعد استيفاء حظكم شيء منها، وعن عمر لو شئت لكنت أطيبكم طعاماً وأحسنكم لباساً، ولكني أستبقي طيباتي، وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه دخل على أهل الصفة وهم يرقعون ثيابهم بالأدم ما يجدون لها رقاعاً فقال: «حديث : أنتم اليوم خير أم يوم يغدو أحدكم في حلة ويروح في أخرى، ويغدى عليه بجفنة ويراح عليه بأخرى ويستر بيته كما تستر الكعبة، قالوا نحن يومئذ خير قال بل أنتم اليوم خير؟»تفسير : ، رواه صاحب «الكشاف» قال الواحدي: إن الصالحين يؤثرون التقشف والزهد في الدنيا رجاء أن يكون ثوابهم في الآخرة أكمل، إلا أن هذه الآية لا تدل على المنع من التنعم، لأن هذه الآية وردت في حق الكافر، وإنما وبخ الله الكافر لأنه يتمتع بالدنيا ولم يؤد شكر المنعم بطاعته والإيمان به، وأما المؤمن فإنه يؤدي بإيمانه شكر المنعم فلا يوبخ بتمتعه، والدليل عليه قوله تعالى: {أية : قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَـٰتِ مِنَ ٱلرّزْقِ } تفسير : [الأعراف: 32] نعم لا ينكر أن الاحتراز عن التنعم أولى، لأن النفس إذا اعتادت التنعم صعب عليها الاحتراز والإنقباض، وحينئذ فربما حمله الميل إلى تلك الطيبات على فعل ما لا ينبغي، وذلك مما يجر بعضه إلى بعض ويقع في البعد عن الله تعالى بسببه. ثم قال تعالى: {فَٱلْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ ٱلْهُونِ } أي الهوان، وقرىء عذاب الهوان {بِمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِى ٱلأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقّ وَبِمَا كُنتُمْ تَفْسُقُونَ } فعلل تعالى ذلك العذاب بأمرين: أولهما: الاستكبار والترفع وهو ذنب القلب الثاني: الفسق وهو ذنب الجوارح، وقدم الأول على الثاني لأن أحوال القلوب أعظم وقعاً من أعمال الجوارح، ويمكن أن يكون المراد من الاستكبار أنهم يتكبرون عن قبول الدين الحق، ويستنكفون عن الإيمان بمحمد عليه الصلاة والسلام، وأما الفسق فهو المعاصي واحتج أصحابنا بهذه الآية على أن الكفار مخاطبون بفروع الشرائع، قالوا لأنه تعالى علل عذابهم بأمرين: أولهما: الكفر وثانيهما: الفسق، وهذا الفسق لا بد وأن يكون مغايراً لذلك الكفر، لأن العطف يوجب المغايرة، فثبت أن فسق الكفار يوجب العقاب في حقهم، ولا معنى للفسق إلا ترك المأمورات وفعل المنهيات، والله أعلم.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَٱلَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَّكُمَآ أَتَعِدَانِنِيۤ أَنْ أُخْرَجَ} أي أن أبعث. {وَقَدْ خَلَتِ ٱلْقُرُونُ مِن قَبْلِي} قراءة نافع وحفص وغيرِهما «أُفٍّ» مكسور منوّن. وقرأ ابن كثير وابن محيصن وابن عامر والمفضل عن عاصم «أفَّ» بالفتح من غير تنوين. الباقون بالكسر غير منوّن؛ وكلها لغات، وقد مضى في «بني إسرائيل». وقراءة العامة «أَتَعِدَاننِي» بنونين مخففتين. وفتح ياءه أهل المدينة ومكة. وأسكن الباقون. وقرأ أبو حيوة والمغيرة وهشام «أَتَعِدَانِّي» بنون واحدة مشدّدة؛ وكذلك هي في مصاحف أهل الشام. والعامة على ضم الألف وفتح الراء من «أَنْ أُخْرَجَ». وقرأ الحسن ونصر وأبو العالية والأعمش وأبو معمر بفتح الألف وضم الراء. قال ابن عباس والسُّدِّي وأبو العالية ومجاهد: نزلت في عبد الله بن أبي بكر رضي الله عنهما، وكان يدعوه أبواه إلى الإسلام فيجيبهما بما أخبر الله عز وجل. وقال قتادة والسدي أيضاً: هو عبد الرحمٰن بن أبي بكر قبل إسلامه، وكان أبوه وأمه أم رومان يدعوانه إلى الإسلام ويعدانه بالبعث؛ فيردّ عليهما بما حكاه الله عز وجل عنه؛ وكان هذا منه قبل إسلامه. وروي أن عائشة رضي الله عنها أنكرت أن تكون نزلت في عبد الرحمٰن. وقال الحسن وقتادة أيضاً: هي نعت عبدٍ كافرٍ عاقٍّ لوالديه. وقال الزجاج: كيف يقال نزلت في عبد الرحمٰن قبل إسلامه والله عز وجل يقول: {أية : أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلْقَوْلُ فِيۤ أُمَمٍ} تفسير : [الأحقاف:8 1] أي العذاب، ومن ضرورته عدم الإيمان، وعبد الرحمٰن من أفاضل المؤمنين؛ فالصحيح أنها نزلت في عبدٍ كافر عاقٍّ لوالديه. وقال محمد بن زياد: كتب معاوية إلى مروان بن الحكم حتى يبايع الناس ليزيد؛ فقال عبد الرحمٰن بن أبي بكر: لقد جئتم بها هِرَقْلِيّة، أتبايعون لأبنائكم! فقال مروان: هو الذي يقول الله فيه: {وَٱلَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَّكُمَآ} الآية. فقال: والله ما هو بِه، ولو شئت لسمّيت، ولكن الله لعن أباك وأنت في صلبه، فأنت فَضَض من لعنة الله. قال المهدوِي: ومن جعل الآية في عبد الرحمٰن كان قوله بعد ذلك {أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلْقَوْلُ} يراد به من اعتقد ما تقدم ذكره؛ فأول الآية خاص وآخرها عام. وقيل إن عبد الرحمٰن لما قال: «وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُون مِنْ قَبْلِي» قال مع ذلك: فأين عبد الله بن جُدْعان، وأين عثمان بن عمرو، وأين عامر بن كعب ومشايخ قريش حتى أسألهم عما يقولون. فقوله: {أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلْقَوْلُ} يرجع إلى أولئك الأقوام. قلت: قد مضى من خبر عبد الرحمٰن بن أبي بكر في سورة «الأنعام» عند قوله: {أية : لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى ٱلْهُدَى} تفسير : [الأنعام: 17] ما يدلّ على نزول هذه الآية فيه؛ إذ كان كافراً وعند إسلامه وفضله تعيّن أنه ليس المراد بقوله: {أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلْقَوْلُ}. {وَهُمَا} يعني والديه. {يَسْتَغثِيَانِ ٱللَّهَ} أي يدعوان الله له بالهداية. أو يستغيثان بالله من كفره؛ فلما حذف الجار وصل الفعل فنصب. وقيل: الاْستغاثة الدعاء؛ فلا حاجة إلى الباء. قال الفرّاء: أجاب الله دعاءه وغواثه. {وَيْلَكَ آمِنْ} أي صدّق بالبعث. {إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ} أي صدْق لا خلف فيه. {فَيَقُولُ مَا هَـٰذَآ} أي ما يقوله والداه. {إِلاَّ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ} أي أحاديثهم وما سطروه مما لا أصل له. {أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلْقَوْلُ} يعني الذين أشار إليهم ٱبن أبي بكر في قوله أحْيُوا لي مشايخ قريش، وهم المعنيّون بقوله: {وَقَدْ خَلَتِ ٱلْقُرُونُ مِن قَبْلِي}. فأما ٱبن أبي بكر عبد الله أو عبد الرحمٰن فقد أجاب الله فيه دعاء أبيه في قوله: {وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِيۤ} على ما تقدم. ومعنى: «حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ» أي وجب عليهم العذاب، وهي كلمة الله: «هؤلاء في الجنة ولا أبالي وهؤلاء في النار ولا أبالي». {فِيۤ أُمَمٍ} أي مع أمم. {قَدْ خَلَتْ} تقدّمت ومضت. {مِن قَبْلِهِمْ مِّنَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنسِ} الكافرين {إِنَّهُمْ} أي تلك الأمم الكافرة {كَانُواْ خَاسِرِينَ} لأعمالهم؛ أي ضاع سعيهم وخسِروا الجنة.
ابن كثير
تفسير : لما ذكر تعالى حال الداعين للوالدين البارين بهما، ومالهم عنده من الفوز، والنجاة، عطف بحال الأشقياء العاقين للوالدين فقال: {وَٱلَّذِي قَالَ لِوَٰلِدَيْهِ أُفٍّ لَّكُمَآ} وهذا عام في كل من قال هذا، ومن زعم أنها نزلت في عبد الرحمن بن أبي بكر رضي الله عنهما، فقوله ضعيف، لأن عبد الرحمن بن أبي بكر رضي الله عنهما أسلم بعد ذلك، وحسن إسلامه، وكان من خيار أهل زمانه، وروى العوفي عن ابن عباس رضي الله عنهما: أنها نزلت في ابن لأبي بكر الصديق رضي الله عنهما، وفي صحة هذا نظر، والله تعالى أعلم. وقال ابن جريج عن مجاهد: نزلت في عبد الله بن أبي بكر رضي الله عنهما، قاله ابن جريج، وقال آخرون: عبد الرحمن بن أبي بكر رضي الله عنهما، وهذا أيضاً قول السدي، وإنما هذا عام في كل من عق والديه، وكذب بالحق، فقال لوالديه: أُفٍّ لَّكُمَآ عقهما. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا محمد بن العلاء، حدثنا يحيى بن أبي زائدة، عن إسماعيل بن أبي خالد، أخبرني عبد الله بن المديني، قال: إني لفي المسجد حين خطب مروان فقال: إن الله تعالى قد أرى أمير المؤمنين في يزيد رأياً حسناً، وإن يستخلفه، فقد استخلف أبو بكر عمر رضي الله عنهما، فقال عبد الرحمن بن أبي بكر رضي الله عنهما: أهرقلية؟ إن أبا بكر رضي الله عنه والله ما جعلها في أحد من ولده، ولا أحد من أهل بيته، ولا جعلها معاوية في ولده إلا رحمة وكرامة لولده، فقال مروان: ألست الذي قال لوالديه: أف لكما؟ فقال عبد الرحمن رضي الله عنه: ألست ابن اللعين الذين لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أباك؟ قال: وسمعتهما عائشة رضي الله عنها، فقالت: يامروان أنت القائل لعبد الرحمن رضي الله عنه كذا وكذا؟ كذبت، ما فيه نزلت، ولكن نزلت في فلان بن فلان، ثم انتحب مروان، ثم نزل عن المنبر، حتى أتى باب حجرتها، فجعل يكلمها حتى انصرف، وقد رواه البخاري بإسناد آخر ولفظ آخر فقال: حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا أبو عوانة عن أبي بشر عن يوسف بن ماهك قال: كان مروان على الحجاز، استعمله معاوية بن أبي سفيان، رضي الله عنهما، فخطب وجعل يذكر يزيد بن معاوية؛ لكي يبايع له بعد أبيه، فقال له عبد الرحمن بن أبي بكر رضي الله عنهما شيئاً، فقال: خذوه، فدخل بيت عائشة رضي الله عنها، فلم يقدروا عليه، فقال مروان: إن هذا الذي أنزل فيه: {وَٱلَّذِي قَالَ لِوَٰلِدَيْهِ أُفٍّ لَّكُمَآ أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ ٱلْقُرُونُ مِن قَبْلِي} فقالت عائشة رضي الله عنها من وراء الحجاب: ما أنزل الله عز وجل فينا شيئاً من القرآن، إلا أن الله تعالى أنزل عذري. [طريق أخرى] قال النسائي: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا أمية بن خالد، حدثنا شعبة عن محمد بن زياد قال: لما بايع معاوية رضي الله عنه لابنه، قال مروان: سنة أبي بكر وعمر رضي الله عنهما. فقال عبد الرحمن بن أبي بكر رضي الله عنهما: سنة هرقل وقيصر. فقال مروان: هذا الذي أنزل الله تعالى فيه: {وَٱلَّذِي قَالَ لِوَٰلِدَيْهِ أُفٍّ لَّكُمَآ} الآية. فبلغ ذلك عائشة رضي الله عنها، فقالت: كذب مروان، والله ما هو به، ولو شئت أن أسمي الذي أنزلت فيه، لسميته، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم لعن أبا مروان، ومروان في صلبه، فمروان فَضَضٌ من لعنة الله. وقوله: {أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ} أي أبعث {وَقَدْ خَلَتِ ٱلْقُرُونُ مِن قَبْلِي} أي: قد مضى الناس، فلم يرجع منهم مخبر {وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ ٱللَّهَ} أي يسألان الله فيه أن يهديه، ويقولان لولدهما: {وَيْلَكَ ءَامِنْ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ مَا هَـٰذَآ إِلاَّ أَسَـٰطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ}. قال الله تعالى: { أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلْقَوْلُ فِيۤ أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمْ مِّنَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنسِ إِنَّهُمْ كَانُواْ خَـٰسِرِينَ} أي دخلوا في زمرة أشباههم وأضرابهم؛ من الكافرين الخاسرين أنفسهم وأهليهم يوم القيامة. وقوله: {أُوْلَـٰئِكَ} بعد قوله: {وَٱلَّذِي قَالَ} دليل على ما ذكرناه من أنه جنس يعم كل من كان كذلك. وقال الحسن وقتادة: هو الكافر الفاجر العاق لوالديه المكذب بالبعث. وقد روى الحافظ ابن عساكر في ترجمة سهل بن داود من طريق هشام بن عمار: حدثنا حماد بن عبد الرحمن، حدثنا خالد بن الزبرقان الحلبي عن سليم بن حبيب عن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : أربعة لعنهم الله تعالى من فوق عرشه، وأمنت عليهم الملائكة: مضل المساكين» تفسير : قال خالد: الذي يهوي بيده إلى المسكين فيقول: هلم أعطيك، فإذا جاءه قال: ليس معي شيء «حديث : والذي يقول للمكفوف اتق الدابة وليس بين يديه شيء، والرجل يسأل عن دار القوم، فيدلونه على غيرها، والذي يضرب الوالدين حتى يستغيثا» تفسير : غريب جداً. وقوله تبارك وتعالى: {وَلِكُلٍّ دَرَجَـٰتٌ مِّمَّا عَمِلُواْ} أي لكل عذاب بحسب عمله {وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَـٰلَهُمْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ} أي لا يظلمهم مثقال ذرة فما دونها. قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: درجات النار تذهب سفالاً، ودرجات الجنة تذهب علواً، وقوله عز وجل: {وَيَوْمَ يُعْرَضُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ عَلَى ٱلنَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَـٰتِكُمْ فِي حَيَـٰتِكُمُ ٱلدُّنْيَا وَٱسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا} أي يقال لهم ذلك تقريعاً وتوبيخاً، وقد تورع أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن كثير من طيبات المآكل والمشارب، وتنزه عنها ويقول: إني أخاف أن أكون كالذين قال الله لهم وبخهم وقرعهم {أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَـٰتِكُمْ فِي حَيَـٰتِكُمُ ٱلدُّنْيَا وَٱسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا} وقال أبو مجلز: ليفقدن أقوام حسنات كانت لهم في الدنيا، فيقال لهم: {أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَـٰتِكُمْ فِي حَيَـٰتِكُمُ ٱلدُّنْيَا} وقوله عز وجل: {فَٱلْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ ٱلْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي ٱلأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ وَبِمَا كُنتُمْ تَفْسُقُونَ} فجوزوا من جنس عملهم فكما متعوا أنفسهم واستكبروا عن اتباع الحق، وتعاطوا الفسق والمعاصي، جازاهم الله تبارك وتعالى بعذاب الهون، وهو الإهانة والخزي والآلام الموجعة، والحسرات المتتابعة، والمنازل في الدركات المفظعة، أجارنا الله سبحانه وتعالى من ذلك كله.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَٱلَّذِى قَالَ لِوٰلِدَيْهِ } بالإفراد أريد به الجنس {أُفٍّ } بكسر الفاء وفتحها بمعنى مصدر أي نتناً وقبحاً {لَّكُمآ } أتضجَّر منكما {أَتَعِدَانِنِى } وفي قراءة بالإِدغام {أَنْ أُخْرَِجْ } من القبر {وَقَدْ خَلَتِ ٱلْقُرُونُ } الأمم {مِن قَبْلِى } ولم تخرج من القبور {وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ ٱللَّهَ } يسألانه الغوث برجوعه ويقولان إِن لم ترجع {وَيْلَكَ } أي هلاكاً بمعنى هلكت {ءَامِنْ } بالبعث {إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ مَا هَٰذآ } أي القول بالبعث {إِلاَّ أَسَٰطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ } أكاذيبهم.
الشوكاني
تفسير : لما ذكر سبحانه من شكر نعمة الله سبحانه عليه، وعلى والديه ذكر من قال لهما قولاً يدلّ على التضجر منهما عند دعوتهما له إلى الإيمان، فقال: {وَٱلَّذِى قَالَ لِوٰلِدَيْهِ أُفّ لَّكُمَا } الموصول عبارة عن الجنس القائل ذلك القول، ولهذا أخبر عنه بالجمع، وأفٍّ كلمة تصدر عن قائلها عند تضجره من شيء يرد عليه. قرأ نافع وحفص و{أفٍّ} بكسر الفاء مع التنوين. وقرأ ابن كثير، وابن عامر، وابن محيصن بفتحها من غير تنوين، وقرأ الباقون بكسر من غير تنوين وهي لغات. وقد مضى بيان الكلام في هذا في سورة بني إسرائيل. [أي: سورة الإِسراء]، واللام في قوله: {لَّكُمَا } لبيان التأفيف، أي: التأفيف لكما، كما في قوله: {أية : هَيْتَ لَكَ } تفسير : [يوسف: 23] قرأ الجمهور {أتعدانني} بنونين مخففتين، وفتح ياءه أهل المدينة ومكة، وأسكنها الباقون. وقرأ أبو حيوة، والمغيرة، وهشام بإدغام إحدى النونين في الأخرى، ورويت هذه القراءة عن نافع. وقرأ الحسن، وشيبة، وأبو جعفر، وعبد الوارث عن أبي عمرو بفتح النون الأولى، كأنهم فرّوا من توالي مثلين مكسورين. وقرأ الجمهور: {أن أخرج} بضم الهمزة وفتح الراء مبنياً للمفعول. وقرأ الحسن، ونصر، وأبو العالية، والأعمش، وأبو معمر بفتح الهمزة وضم الراء مبنياً للفاعل. والمعنى: أتعدانني أن أبعث بعد الموت، وجملة {وَقَدْ خَلَتِ ٱلْقُرُونُ مِن قَبْلِى } في محل نصب على الحال، أي: والحال أن قد مضت القرون من قبلي فماتوا، ولم يبعث منهم أحد، وهكذا جملة: {وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ ٱللَّهَ } في محل نصب على الحال، أي: والحال أنهما يستغيثان الله له، ويطلبان منه التوفيق إلى الإيمان، واستغاث يتعدّى بنفسه وبالباء يقال: استغاث الله، واستغاث به. وقال الرازي: معناه يستغيثان بالله من كفره، فلما حذف الجار وصل الفعل، وقيل: الاستغاثة: الدعاء، فلا حاجة إلى الباء. قال الفراء: يقال: أجاب الله دعاءه وغواثه، وقوله: {وَيْلَكَ } هو بتقدير القول، أي: يقولان له: ويلك، وليس المراد به: الدعاء عليه، بل الحثّ له على الإيمان، ولهذا قالا له: {آمن إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ} أي: آمن بالبعث إن وعد الله حقّ لا خلف فيه {فَيَقُولُ } عند ذلك مكذباً لما قالاه: {مَا هَـٰذَا إِلاَّ أَسَـٰطِيرُ ٱلأوَّلِينَ } أي: ما هذا الذي تقولانه من البعث إلاّ أحاديث الأوّلين، وأباطيلهم التي سطّروها في الكتب. قرأ الجمهور: {إن وعد الله} بكسر إن على الاستئناف، أو التعليل، وقرأ عمر بن فايد والأعرج بفتحها، على أنها معمولة لآمن بتقدير الباء، أي: آمن بأن وعد الله بالبعث حقّ {أُوْلَـئِكَ ٱلَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلْقَوْلُ } أي: أولئك القائلون هذه المقالات هم الذين حقّ عليهم القول، أي: وجب عليهم العذاب بقوله سبحانه لإبليس: {أية : لاَمْلاَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ }تفسير : [صۤ: 85] كما يفيده قوله: {فِى أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمْ مّنَ ٱلْجِنّ وَٱلإِنْسِ }، وجملة: {إِنَّهُمْ كَانُواْ خَـٰسِرِينَ } تعليل لما قبله، وهذا يدفع كون سبب نزول الآية عبد الرحمٰن بن أبي بكر، وأنه الذي قال لوالديه ما قال، فإنه من أفاضل المؤمنين، وليس ممن حقت عليه كلمة العذاب، وسيأتي بيان سبب النزول في آخر البحث إن شاء الله. {وَلِكُلّ دَرَجَـٰتٌ مّمَّا عَمِلُواْ } أي: لكلّ فريق من الفريقين المؤمنين، والكافرين من الجنّ والإنس مراتب عند الله يوم القيامة بأعمالهم. قال ابن زيد: درجات أهل النار في هذه الآية تذهب سفلاً، ودرجات أهل الجنة تذهب علوًّا {وَلِيُوَفّيَهُمْ أَعْمَـٰلَهُمْ } أي: جزاء أعمالهم. قرأ الجمهور: (لنوفيهم) بالنون. وقرأ ابن كثير، وابن محيصن، وعاصم، وأبو عمرو، ويعقوب بالياء التحتية. واختار أبو عبيد القراءة الأولى، واختار الثانية أبو حاتم {وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ } أي: لا يزاد مسيء، ولا ينقص محسن، بل يوفّى كل فريق ما يستحقه من خير وشرّ، والجملة في محلّ نصب على الحال، أو مستأنفة مقررة لما قبلها {وَيَوْمَ يُعْرَضُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ عَلَى ٱلنَّارِ } الظرف متعلق بمحذوف، أي: اذكر لهم يا محمد يوم ينكشف الغطاء، فينظرون إلى النار ويقربون منها، وقيل: معنى {يعرضون}: يعذبون، من قولهم: عرضه على السيف، وقيل: في الكلام قلب. والمعنى: تعرض النار عليهم {أَذْهَبْتُمْ طَيّبَـٰتِكُمْ فِى حَيَـٰتِكُمُ ٱلدُّنْيَا } أي: يقال لهم ذلك، قيل: وهذا المقدّر هو الناصب للظرف، والأوّل أولى. قرأ الجمهور {أذهبتم} بهمزة واحدة، وقرأ الحسن، ونصر، وأبو العالية، ويعقوب، وابن كثير بهمزتين مخففتين. ومعنى الاستفهام: التقريع والتوبيخ. قال الفراء، والزجاج: العرب توبخ بالاستفهام وبغيره، فالتوبيخ كائن على القراءتين. قال الكلبي: المراد بالطيبات: اللذات، وما كانوا فيه من المعايش {وَٱسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا } أي: بالطيبات، والمعنى: أنهم اتبعوا الشهوات واللذات التي في معاصي الله سبحانه، ولم يبالوا بالذنب تكذيباً منهم لما جاءت به الرّسل من الوعد بالحساب والعقاب والثواب {فَٱلْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ ٱلْهُونِ } أي: العذاب الذي فيه ذلّ لكم، وخزي عليكم. قال مجاهد، وقتادة: الهون: الهوان بلغة قريش {بِمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِى ٱلأرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقّ } أي: بسبب تكبركم عن عبادة الله، والإيمان به وتوحيده {وَبِمَا كُنتُمْ تَفْسُقُونَ } أي: تخرجون عن طاعة الله، وتعملون بمعاصيه، فجعل السبب في عذابهم أمرين: التكبر عن اتباع الحق، والعمل بمعاصي الله سبحانه وتعالى، وهذا شأن الكفرة، فإنهم قد جمعوا بينهما. وقد أخرج البخاري عن يوسف بن ماهك قال: كان مروان على الحجاز استعمله معاوية بن أبي سفيان، فخطب، فجعل يذكر يزيد بن معاوية؛ لكي يبايع له بعد أبيه، فقال عبد الرحمٰن بن أبي بكر شيئًا، فقال: خذوه، فدخل بيت عائشة، فلم يقدروا عليه، فقال مروان: إن هذا أنزل فيه: {وَٱلَّذِى قَالَ لِوٰلِدَيْهِ أُفّ لَّكُمَا } فقالت عائشة: ما أنزل الله فينا شيئًا من القرآن إلاّ أن الله أنزل عُذري. وأخرج عبد بن حميد، والنسائي، وابن المنذر، والحاكم وصححه، وابن مردويه، عن محمد بن زياد قال: لما بايع معاوية لابنه، قال مروان: سنة أبي بكر، وعمر، فقال عبد الرحمٰن: سنة هرقل، وقيصر، فقال مروان: هذا الذي قال الله فيه: {وَٱلَّذِى قَالَ لِوٰلِدَيْهِ أُفّ لَّكُمَا } الآية، فبلغ ذلك عائشة فقالت: كذب مروان، والله ما هو به، ولو شئت أن أسمي الذي نزلت فيه لسميته، ولكنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لعن أبا مروان، ومروان في صلبه، فمروان من لعنه الله. وأخرج ابن جرير، عن ابن عباس في الآية قال: هذا ابن لأبي بكر. وأخرج نحوه أبو حاتم عن السديّ، ولا يصح هذا كما قدّمنا.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لكُمَا أَتَعِدَانَنِي أَنْ أُخْرَجَ}: أي أبعث. {وَقَدْ خَلَتْ الْقُرُونُ مِن قَبْلِي} فلم يبعثوا. وفيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أنها نزلت في عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق وأمه أم رومان. يدعوانه إلى الإسلام ويعدانه بالبعث فيرد عليهما بما حكاه الله عنه، وكان هذا منه قبل إسلامه، قاله السدي. قال السدي: فلقد رأيت عبد الرحمن بن أبي بكر بالمدينة، وما بالمدينة أَعْبَدُ منه، ولقد استجاب الله فيه دعوة أبي بكر رضي الله عنه، ولما أسلم وحسن إسلامه، نزلت توبته في هذه الآية {وَلِكُلِّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُواْ}. الثاني: أنها نزلت في عبد الله بن أبي بكر، وكان يدعوه أبواه إلى الإسلام فيجيبهما بما أخبر الله تعالى، قاله مجاهد. الثالث: أنها نزلت في جماعة من الكفار قالوا ذلك لآبائهم ولذلك قال: {أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيهِم الْقَوْلُ} والعرب قد تذكر الواحد وتريد به الجمع وهذا معنى قول الحسن. فأما الــ{أُفٍّ} فهي كلمة تبرم يقصد بها إظهار السخط وقبح الرد. قال الشاعر: شعر : ما يذكر الدهر إلا قلت أف له إذا لقيتك لولا قال لي لاقي تفسير : وفي أصل الأف والتف ثلاثة أوجه: أحدها: أن الأف وسخ الأذن، والتف وسخ الأنف. الثاني: الأف وسخ الأظفار، والتف الذي يكون في أصول الأظافر. الثالث: أن الأف العليل الأنف، والتف الإبعاد. {وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ اللَّه} أي يدعوان الله: اللهم اهده، اللهم اقبل بقلبه، اللهم اغفر له. {وَيْلَكَ ءَامِنْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ} في الثواب على الإيمان، والعقاب على الكفر. قوله عز وجل: {وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُواْ عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ في حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا} يحتمل أربعة أوجه: أحدها: معناه أذهبتم طيباتكم في الآخرة بمعاصيكم في الدنيا. الثاني: ألهتكم الشهوات عن الأعمال الصالحة. الثالث: أذهبتم لذة طيباتكم في الدنيا بما استوجبتموه من عقاب معاصيكم في الآخرة. الرابع: معناه اقتنعتم بعاجل الطيبات في الدنيا بدلاً من آجل الطيبات في الآخرة. وروى الحسن عن الأحنف بن قيس أنه سمع عمر بن الخطاب يقول: لأنا أعلم بخفض العيش، ولو شئت لجعلت أكباداً وأسنمة وصلاء وصناباً وسلائق، ولكن أستبقي حسناتي، فإن الله تعالى وصف قوماً فقال: {أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُم بِهَا} والصلاء، والشواء، والصناب الأصبغة والسلائق الرقاق العريض. وقال ابن بحر فيه تأويل خامس: أن الطيبات: الشباب والقوة، مأخوذ من قولهم: ذهب أطيباه أي شبابه وقوته. ووجدت الضحاك قاله أيضاً. {وَاسْتَمْتَعْتُم بِهَا} يحتمل وجهين: أحدهما: بالدنيا. الثاني: بالطيبات. {فَالْيَوْمَ تُجْزَونَ عَذَابَ الْهُونِ} قال مجاهد: الهون الهوان. قال قتادة بلغة قريش. {بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيرِ الْحَقِّ} يحتمل ثلاثة أوجه: أحدها: تستعلون على أهلها بغير استحقاق. الثاني: تتغلبون على أهلها بغير دين. الثالث: تعصون الله فيها بغير طاعة. {وَبِمَا كُنتُمْ تَفْسُقُونَ} يحتمل وجهين: أحدهما: تفسقون في أعمالكم بغياً وظلماً. الثاني: في اعتقادكم كفراً وشركاً.
ابن عبد السلام
تفسير : {أُفٍّ} كلمة تبرم يقصد بها إظهار السخط وقبح الرد وأصل الأف والتف أن الأف وسخ الأذن والتف وسخ الأنف أو الأف وسخ الأظفار والتف الذي يكون في أصول الأفخاذ، أو الأف تقليب الأنف والتف الإبعاد {أَنْ أُخْرَجَ} أبعث {يَسْتَغِيثَانِ اللَّهَ} يدعوان اللهم أهده اللهم أقبل بقلبه اللهم اغفر له {وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ} فلم يبعثوا نزلت في عبد الرحمن بن أبي بكر كان أبوه وأمه يدعوانه إلى الإسلام فيجيبهما بذلك ثم أصاب الله ـ تعالى ـ فيه دعوة ابيه فأسلم ونزلت توبته في قوله {أية : وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِّمَّا عَمِلُواْ} تفسير : [الأحقاف: 19] قاله السدي وقال ما رأيت بالمدينة أعبد منه أو في عبد الله بن أبي بكر قاله مجاهد، أو في جماعة من الكفار قالوا ذلك لآبائهم ولذلك قال {أية : أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلْقَوْلُ}تفسير : [الأحقاف: 18] فأراد بقوله {وَالَّذِى} جمعاً لأنهم يذكرون الواحد يريدون به الجمع.
الثعالبي
تفسير : وقوله تعالى: {وَٱلَّذِى قَالَ لِوٰلِدَيْهِ} قال الثعلبيُّ: معناه: إذ دَعَوَاهُ إلى الإيمان، {أُفٍّ لَّكُمَا...} الآية، انتهى، و{ٱلَّذِى} يعنى به الجِنْسِ عَلَىٰ حَدِّ العموم في التي قبلها في قوله: {وَوَصَّيْنَا ٱلإِنسَـٰنَ}؛ هذا قول الحسن وجماعة، ويشبه أَنَّ لها سبباً من رَجُلٍ قال ذلك لأبويه، فلما فرغ من ذكر المُوَفَّقِ، عَقَّبَ بذكر هذا العَاقِّ، وقد أنكرتِ عائِشَةُ أنْ تكونَ الآية نزلت في عبد الرحمن بن أبي بَكْر، وقالت: مَا نَزَلَ في آلِ أبي بَكْرٍ مِنَ القُرْآنِ غَيْرُ بَرَاءَتِي. * ت *: ولا يُعْتَرَضُ عليها بقوله تعالى: {أية : ثَانِيَ ٱثْنَيْنِ } تفسير : [التوبة:40] ولا بقوله: {أية : وَلاَ يَأْتَلِ أُوْلُواْ ٱلْفَضْلِ } تفسير : [النور:22] كما بَيَّنَّا ذلك في غير هذه الآية، قال * ع *: والأَصوبُ أنْ تكونَ الآية عامَّةً في أَهل هذه الصفات، والدليلُ القاطعُ على ذلك: قوله تعالى: {أُوْلَـئِكَ ٱلَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلْقَوْلُ فِى أُمَمٍ} وكان عبدُ الرحمن بن أبي بكر ـــ رضي اللَّه عنه ـــ من أفاضل الصحابة، ومن أبطال المسلمين، ومِمَّنْ له في الإسلام غَنَاءٌ يومَ اليمامة وغيره، و{أُفٍّ} بالتنوين قراءة نافع وغيره، والتنوينُ في ذلك عَلاَمَةُ تنكيرٍ؛ كما تَسْتَطْعِمُ رَجُلاً حَدِيثاً غَيْرَ مُعَيَّنٍ فتقول: «إيهٍ» منونةً، وإنْ كان حديثاً مُشَاراً إليه قلت: «إيهِ» بغير تنوين. وقوله: {أَتَعِدَانِنِى أَنْ أُخْرَجَ} المعنى: أَنْ أُخْرَجَ مِنَ القَبْرِ إلى الحَشْرِ، وهذا منه استفهامٌ بمعنى الهُزْءِ والاِستبعاد. {وَقَدْ خَلَتِ ٱلْقُرُونُ مِن قَبْلِى} معناه: هَلَكَتْ ومَضَتْ، ولم يخرجْ منهم أحد، {وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ ٱللَّهَ} يعني: الوالدَيْنِ يقُولاَنِ له: {وَيْلَكَ ءَامِنْ}. وقوله: {مَا هَـٰذَا إِلاَّ أَسَـٰطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ} أي: ما هذا القول الذي يتضمَّنُ البَعْثَ من القبور إلاَّ شيءٌ سَطَرَهُ الأَوَّلُون في كتبهم، يعني: الشرائعَ، وظاهر ألفاظ هذه الآية أَنَّها نزلَتْ في مُشَارٍ إليه، قال: وقِيلَ له، فنعى اللَّه إلينا أقواله؛ تحذيراً من الوقوع في مثلها. وقوله: {أُوْلَـٰئِكَ} ظاهره أَنَّها إشارة إلَىٰ جنْسٍ، و{حَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلْقَوْلُ} أي: قول اللَّه: إنَّهُ يُعَذِّبُهُم؛ قال أبو حَيَّان {فِى أُمَمٍ} أي: في جملة أُمَمٍ فـ«في» على بابها، وقيل: {فِى} بمعنى مع، وقد تقدم ذلك، انتهى. وقوله: {قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمْ مِّنَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنْسِ} يقتضى أَنَّ الجِنَّ يموتون، وهكذا فَهِمَ الآية قتادة، وقد جاء حديثٌ يقتضى ذلك. وقوله سبحانه: {وَلِكُلٍّ دَرَجَـٰتٌ} يعني: المحسنين والمُسِيئِين، قال ابن زيد: ودرجات المحسنين تذهبُ عُلْواً، ودرجاتُ المسيئين تذهب سُفْلاً، وباقي الآية بَيِّنٌ في أَنَّ كُلَّ امرىءٍ يجتني ثَمَرَةَ عَمَلِهِ مِنْ خَيْرٍ أو شَرٍّ، ولا يُظْلَمُ في مجازاته.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {وَٱلَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَّكُمَآ} لما وصف الولد البارَّ بوالديه، وصف الولد العاقَّ بوالديه ههنا. واعلم أنه قد تقدم الكلام على أُفٍّ. و "لكما" بيان أي التأفيف لكما نحو: "هَيْتَ لَكَ" وهي كلمة كَرَاهَيِة. {أَتَعِدَانِنِيۤ أَنْ أُخْرَجَ} كم قبري حياً {وَقَدْ خَلَتِ ٱلْقُرُونُ مِن قَبْلِي} ولم يبعث منهم أحد. قال ابن عباس، والسدي، ومجاهد: نزلت في عبد الله. وقيل: في عبد الرحمن بن أبي بكر قبل إسلامه كان أبواه يدعوانه إلى الإسلام، وهو يأبى، وهو قوله: أُفٍّ لكما أَحْيوا لي عَبْدَ الله بن جُدْعَان، وعامرَ بن كعب ومشايخ قريش حتى أسألهم عما تقولون. واحتجوا بهذا القول بأنه (لما) كاتب معاوية إلى ابن مروان بأن يبايع الناس ليزيد قال عبد الرحمن بن أبي بكر: لقد جئتم شيئاً نُكراً أتبايعون أبناءكم فقال: (مروان) يا أيها الناس هو الذي قال الله فيه: {وَٱلَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَّكُمَآ} والصحيح أنها نزلت في كل كافر عاقٍّ لوالديه. قاله الحسن وقتادة. قال الزجاج: قول من قال: إنها نزلت في عبد الرحمن بن أبي بكر قبل إسلامه يبطله قوله: {أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلْقَوْلُ فِيۤ أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمْ} فأعلم الله تعالى أن هؤلاء قد حقت عليهم كلمة العذاب، وعبد الرحمن مؤمن من أفاضل المؤمنين، فلا يكون ممّن حقَّت عليهم كلمة العذاب. قال ابن الخطيب: وهذا القول هو الصحيح فإن قالوا: روى أنه لما دعاه أبواه إلى الإسلام، وأخبراه بالبعث بعد الموت قال: أَتَعِدَانني أَنْ أُخْرَجَ من القبر يعني أبعث بعد الموت "وَقَدْ خلت القرون من قبلي" يعني الأمم الخالية، فلم يرجعوا منهم عبد الله بن جدعان، وفلان وفلان. فنقول: قوله: أولئك الذي حق عليهم القول المراد هؤلاء الذين ذكرهم عبد الرحمن من المشركين الذين ماتوا قبله هم الذين حق عليهم القول فالضمير عائد إلى المُشارِ إليهم بقوله: {وَقَدْ خَلَتِ ٱلْقُرُونُ مِن قَبْلِي} لا إلى المشار إليه بقوله: {وَٱلَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَّكُمَآ}. هذا جواب الكلبي في دَفْعِ ذلك الدليل، وهو حسن. وأيضاً روي أن مَرْوَان لما خاطب عبد الرحمن بن أبي بكر بذلك الكلام سمعت عائشة ـ رضي الله عنها ـ ذلك فغضبت وقالت: والله ما هُوَ به، ولكن الله كفَّر أباك وأنت في صلبه. وإذا ثبت ذلك كان المراد كُلّ ولد اتصف بالصفات المذكورة. ولا حاجة إلى تخصيص اللفظ المطلق بشخص معين. قوله: {أَتَعِدَانَني} العامة على نوني مكسورتين، الأولى للرفع والثانية للوقاية وهشام بالإدغام ونافع في رواية بنون واحدة. وهذه شبيهة بقوله: "تَأْمُرُونِّي أَعْبُد". وقرأ الحسن وشيبة وأبو جعفر وعبد الوارث عن أبي عمرو بفتح النون الأولى، كأنهم فروا من توالي مثلين مكسورين بعدهما ياء. واقل أبو البقاء: وهي لغة شاذة في فتح نون الاثنين. قال شهاب الدين: إن عنى نون الاثنين في الأسماء نحو قوله: شعر : 4453ـ عَلَــى أَحْوَذِيَّيْـنَ اسْتَقَلَّـتْ.... ............................ تفسير : فليس هذا منه، وإن عنى في الفعل فلم يثبت ذلك لُغَةً، وإنما الفتح هنا لما ذكرت. قوله: {أَنْ أُخْرَجَ} هو الموعود به، فيجوز أن نقدر الباء قبل "أن" وأن لا نقدِّرَهَا. قوله: {وَقَدْ خَلَتِ} جملة حالية، وكذلك {وَهُمَا يَسْتَغثِيَانِ ٱللَّهَ} أي يَسْأَلاَنِ الله، واستغاث يتعدى بنفسه تارة، وبالباء أخرى، وإن كان ابن مالك زعم أنه متعدٍّ بنفسه، وعابَ قولَ النحاة: مُسْتَغَاثٌ بِهِ قال شهاب الدين: لكنه لم يرد في القرآن إلا متعدياً بنفسه، (كقوله): {أية : إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ}تفسير : [الأنفال:9] {أية : فَٱسْتَغَاثَهُ ٱلَّذِي مِن شِيعَتِهِ}تفسير : [القصص:15] {أية : وَإِن يَسْتَغِيثُواْ يُغَاثُواْ}تفسير : [الكهف:29]. قال ابن الخطيب: معناه يستغيثان الله من كفره وإنكاره، فلما حذف الجار وصل للفعل، ويجوز أن يقال: حذف الباء، لأنه أريد بالاستغاثة الدعاء، فحذف الجار، لأنَّ الدعاء لا يَقْتَضِيهِ. قوله: "وَيْلَكَ" منصوب على المصدر بفعل ملاق له في المعنى دون الاشتقاق، ومثله: وَيْحَهُ ووَيْسَهُ، وَوَيْتَهُ. وإما على المفعول به بتقدير ألْزَمَكَ اللهُ وَيْلَكَ، وعلى كلا التقديرين الجملة معمولة لقول مضمر، أي يَقُولاَنِ وَيْلَكَ آمِنْ، (والقول في محل نصب على الحال أي يستغيثان الله قَائِلِينَ ذلك، والمعنى يقولان له ويلَكَ آمنْ) وصدِّقْ بالبْعثِ، وهو دعاء عليه بالثُّبُورِ والمراد الحث والتحريض على الإيمان لا حقيقة الهَلاَك. قوله: {إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ} قرأ العامة بكسر إنّ، استئنافاً، أو تعليلاً، وقرأ عمرو بْنُ فَائِدٍ والأعرجُ بفتحها على أنها معمولة "لآمِنْ" على حذف الباء أي آمن بأن وعد الله حق بالبعث "فَيَقُولُ" لهما {مَا هَـٰذَآ إِلاَّ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ}. قوله: {أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلْقَوْلُ} أي وجب عليهم العذاب {فِيۤ أُمَمٍ} أي مع أمم. وقد تقدم {قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمْ مِّنَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنسِ إِنَّهُمْ كَانُواْ خَاسِرِينَ}. قوله: {وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِّمَّا عَمِلُواْ} قال ابن عباس ـ (رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا ـ) يريد من سبق إلى الإسلام فهو أفضل ممَّنْ تخلف عنه ولو ساعةً. وقال مقاتل: ولكل واحدٍ من الفريقين يعني البارَّ بوالديه والعاقّ لهما "دَرَجَاتٌ" في الإيمان والكفر والطاعة والمعْصِيَةِ. فإن قيل: كيف يجوز إطلاق لفظ الدرجات في أهل النار، وقد روي: الجَنَّةُ دَرَجَاتُ والنَّار دركات؟. فالجواب من وجوه: أحدها: أن ذلك على جهة التغليب. وثانيها: قال ابن زيد: دَرَجُ أهل الجنة تذهب عُلُوًّا، ودَرَجُ أهلِ النار تذهب هُبُوطاً. الثالث: المراد بالدرجات المراتب المتزايدة، فدرجات أهل الجنة في الخيرات والطاعات ودرجات أهل النار في المعاصي والسيئات. قوله: {وَلِيُوَفِّيَهُمْ} معلَّلة بمحذوف تقديره جَاؤُوهُمْ بذلك. وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وعاصم وهشام بالياء من تحت وباقي السبعة بالنون. والسُّلَميّ بالتاء من فوق: أسند التَّوفيَةً للدرجات مجازاً. قوله: {وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ} إما استئناف وإما حال مؤكَّدة.
البقاعي
تفسير : ولما ذكر سبحانه هذا المحسن بادئاً به لكون المقام للإحسان، أتبعه المسيء المناسب لمقصود السورة المذكور صريحاً في مطلعها فقال تعالى: {والذي قال لوالديه} مع اجتماعهما كافراً لنعمهما نابذاً لوصيتنا بهما فكان كافراً بنعمة أعظم منعم محسوس بعد الكفر بنعم أعظم منعم مطلقاً، والتثنية مشيرة إلى أنه أغلظ الناس كبداً، لأن العادة جرت بقبول الإنسان كلام أصله ولو كان واحداً، وأن الاجتماع مطلقاً له تأثير فكيف إذا كان والداً: {أف} أي تضجر وتقذر واسترذال وتكره مني ولغاتها أربعون - حكاها في القاموس، المتواتر منها عن القراء ثلاث: الكسر بغير تنوين وهو قراءة الجمهور، والمراد به أن المعنى الذي قصده مقترن بسفول ثابت، ومع التنوين وهو قراءة المدنيين وحفص والمراد به أنه سفول عظيم سائر مع الدهر بالغلبة والقهر، والفتح من غير تنوين وهو قراءة ابن كثير وابن عامر ويعقوب، والمراد به اقتران المعنى المقصود بالاشتهار بالعلو والانتشار مع الدوام، وقد تقدم في الإسراء عن الحرالي - وهو الحق - أن التأفيف أنهى الأذى وأشده، فإن معناه أن المؤفف به لا خطر له ولا وزن أصلاً، ولا يصلح لشيء بل هو عدم بل العدم خير منه مع أنهى القذر. ولما كان كأنه قيل: لمن هذا التأفيف؟ قال: {لكما} ولما كانا كأنهما قالا له: لم هذا التقذير العظيم بعد الإحسان لا تقدر على جزائنا به، قال مبكتاً موبخاً منكراً على تقدير كونه وعداً: {أتعدانني} أي على سبيل الاستمرار بالتجديد في كل وقت {أن أخرج} أي من مخرج ما يخرجني من الأرض بعد أن غبت فيها وصرت تراباً أحيى كما كنت أول مرة {وقد} أي والحال أنه قد {خلت} أي تقدمت وسبقت ومضت على سنن الموت {القرون} أي الأجيال الكثيرة من صلابتهم، وأثبت الجار لأن القرن لا ينخرم إلا بعد مدة طويلة، فالانخرام في ذلك غير مستغرق للزمان فقال: {من قبلي} أي قرناً بعد قرن وأمة بعد أمة وتطاولت الأزمان وأغلبهم يكذب بهذا الحديث فأنا مع الأغلب، وتأيد ذلك بأنه لم يرجع أحد منهم {وهما} أي والحال أنهما كلما قال لهما ذلك {يستغيثان الله} أي يطلبان بدعائهما من له جميع الكمال أن يعينهما بإلهامة قبول كلامهما، قائلين لولدهما مجتهدين بالنصيحة له بعد الاجتهاد بالدعاء: {ويلك} كما يقول المشفق إذا زاد به الكرب وبلغ منه الغم، إشارة إلى أنه لم يبق له إن أعرض إلا الويل وهو الهلاك {آمن} أي أوقع الإيمان الذي لا إيمان غيره، وهو الذي ينقذ من كل هلكة، ويوجب كل فوز بالتصديق بالعبث وبكل ما جاء عن الله، ثم عللا أمرهما على هذا الوجه مؤكدين في مقابلة إنكاره فقالا: {إن وعد الله} أي الملك الأعظم المحيط بجميع صفات المهابة والكمال الموصوف بالعزة والحكمة {حق} أي ثابت أعظم ثبات لانه لو لم يكن حقاً لكان نقصاً من جهة الإخلاف الذي لا يرضاه لنفسه أقل العرب فكيف وهو يلزم منه منافاة الحكمة بكون الخلق حينئذ على وجه العبث لأنهم عباد ورعايا لا يعرضون على ملكهم الذي أبدعهم مع علمه بما هم عليه من ظلم بعضهم لبعض وبغي بعضهم على بعض {فيقول} مسبباً عن قولهما ومعقباً له: {ما هذا} أي الذي ذكرتماه لي من البعث {إلا أساطير الأولين *} أي خرافات كتبها على وجه الكذب الأولائل وتناقلها منهم الأعمار جيلاً بعد جيل فصارت بحيث يظن الضعفاء أنها صحيحة - هذا والعجب كل العجب أنه بتصديقه لا يلزمه فساد على تقدير من التقادير الممكنة، بل يحمله التصديق على محاسن الأعمال ومعالي الأخلاق التي هو مقر بأنها محاسن من لزوم طريق الخير وترك طريق الشر، وتكذيبه يجره إلى المرح والأشر، والطبر وأفعال الشر، ودنايا الأخلاق مع احتمال الهلاك الذي يخوفانه به وهو لا ينفي أنه محتمل وإن استبعده فما دعوه إليه كما ترى لا يأباه عاقل ولكنها عقول كادها باريها. ولما كان هذا الكلام، ومع بلوغ النهاية في حسن الانتظام، وقد حصر الإنسان هذين القسمين مثلاً بليغاً لكفار العرب ومؤمنيهم، فالأول للمؤمنين التابعين لملة إبراهيم عليه الصلاة والسلام، الآتي بها أعظم أنبيائه الكرام محمد عليه أفضل الصلاة والسلام، والثاني للكفار المنابذين لأعظم آبائهم إبراهيم عليه الصلاة والسلام الذي يعرفونه منه نقلاً يتوارثونه من آبائهم، وقرآناً معجزاً كأنهم سمعوه من خالقهم أنه موحد لله مقر بالبعث محذر من غوائله، وكان قد ابتدأ سبحانه الحديث عنهم بما ذكر مما كفروا فيه المنعمين واستحقوا كلتا السوءتين، خزي الدنيا وعذاب الآخرة، أخبر عنهم بما أنتجه تكذيبهم بموعود ربهم وعقوقهم لوالديهم حقيقة أو تعليماً بقوله: {أولئك} أي البعداء من العقل والمروءة وكل خير {الذين حق} أي ثبت ووجب. ولما كان هذا وعيداً، دل عليه بأداة الاستعلاء فقال: {عليهم القول} أي الكامل في بابه بأنهم أسفل السافلين، وهذا يكذب من قال: إنها نزلت في عبد الرحمن بن أبي بكر رضي الله عنهما، فإنه أسلم وصار من أكابر الصحابة رضي الله عنهم أجمعين، فحقت له الجنة. ولما أثبت لهم هذه الشنيعة، عرف بكثرة من شاركهم فيها فقال: {في} أي كائنين في {أمم} أي خلائق كانوا بحيث يقصدهم الناس ويتبع بعضهم بعضاً {قد خلت} تلك الأمم. ولما كان المحكوم عليه بعض السالفين، أدخل الجار فقال: {من قبلهم} فكانوا قدوتهم {من الجن} بدأ بهم لأن العرب تستعظمهم وتستجير بهم، وذلك لأنهم يتظاهرون لهم يؤذونهم ولم يقطع أذاهم لهم وتسلطهم عليهم ظاهراً وباطناً إلا القرآن، فإنه أحرقهم بأنواره وجلاهم عن تلك البلاد بجلي آثاره {والإنس} وما نفعتهم كثرتهم ولا أغنت عنهم قوتهم، ثم علل حقوق الأمر عليهم أو استأنف بقوله مؤكداً تكذيباً لظن هذا القسم الذي الكلام فيه أن الصواب مع الأكثر: {إنهم} أي كلهم {كانوا} أي جبلة وطبعاً وخلقاً لا يقدرون على الانفكاك عنه {خاسرين *} أي عريقين في هذا الوصف.
السيوطي
تفسير : أخرج البخاري عن يوسف بن ماهك، قال: كان مروان على الحجاز استعمله معاوية بن أبي سفيان، فخطب فجعل يذكر يزيد بن معاوية لكي يبايع له بعد أبيه، فقال عبد الرحمن بن أبي بكر رضي الله عنه شيئاً، فقال: خذوه، فدخل بيت عائشة رضي الله عنها، فلم يقدروا عليه، فقال مروان: إن هذا أنزل فيه {والذي قال لوالديه أف لكما} فقالت عائشة رضي الله عنها من وراء الحجاب: ما أنزل الله فينا شيئاً من القرآن إلا أن الله أنزل عذري. وأخرج عبد بن حميد والنسائي وابن المنذر والحاكم وصححه، وابن مردويه عن محمد بن زياد قال: لما بايع معاوية لابنه قال مروان: سنة أبي بكر وعمر فقال عبد الرحمن: سنة هرقل وقيصر. فقال مروان: هذا الذي أنزل الله فيه {والذي قال لوالديه أف لكما} الآية فبلغ ذلك عائشة رضي الله عنها فقالت: كذب مروان كذب مروان والله ما هو به ولو شئت أن أسمي الذي أنزلت فيه لسميته، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم لعن أبا مروان في صلبه فمروان فضفض من لعنة الله. وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن عبد الله قال: إني لفي المسجد حين خطب مروان فقال إن الله قد أرى أمير المؤمنين في يزيد رأياً حسناً وإن يستخلفه فقد استخلف أبو بكر وعمر. فقال عبد الرحمن بن أبي بكر رضي الله عنه: أهرقلية؟ إن أبا بكر رضي الله عنه والله ما جعلها في أحد من ولده ولا أحد من أهل بيته ولا جعلها معاوية إلا رحمة وكرامة لولده، فقال مروان: ألست الذي قال لوالديه أفّ لكما؟ فقال عبد الرحمن: ألست ابن اللعين الذي لعن أباك رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: وسمعتها عائشة فقالت: يا مروان أنت القائل لعبد الرحمن كذا وكذا؟ كذبت والله ما فيه نزلت، نزلت في فلان ابن فلان. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما في {والذي قال لوالديه أفّ لكما} الآية قال: هذا ابن لأبي بكر. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي قال: نزلت هذه الآية {والذي قال لوالديه أفّ لكما} في عبد الرحمن بن أبي بكر قال لوالديه وكانا قد أسلما وأبى هو أن يسلم فكانا يأمرانه بالإِسلام ويرد عليهما ويكذبهما فيقول فأين فلان؟ وأين فلان؟ يعني مشايخ قريش ممن قد مات. ثم أسلم بعد فحسن إسلامه فنزلت توبته في هذه الآية {ولكل درجات ما عملوا} . وأخرج عبد الرزاق وابن مردويه من طريق ميناء أنه سمع عائشة رضي الله عنها تنكر أن تكون الآية نزلت في عبد الرحمن بن أبي بكر رضي الله عنه، وقالت: إنما نزلت في فلان ابن فلان، سمت رجلاً. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه {أتعدانني أن أخرج} قال: يعني البعث بعد الموت.
اسماعيل حقي
تفسير : {والذى} مبتدأ خبره قوله اولئك لان المراد به اى بالموصول الجنس {قال لوالديه} عند دعوتهما له الى الايمان ويدخل فيه كل عبد سوء عاق لوالديه فاجر لربه {اف لكما} كراهيت وننك مرشمارا. وهو صوت يصدر عن المرء عند تضجره وكراهيته واللام لبيان المؤفف له كما فى هيث لك اى هذا التأفيف لكما خاصة وقال الراغب اصل الأف كل مستقذر من وسخ وقلامة ظفر وما يجرى مجراهما ويقال ذلك لكل مستخف به استقذارا له {أتعداننى} آيا وعدمى دهيدمرا {ان اخرج} ابعث من القبر بعد الموت {وقد خلت القرون من قبلى} اى وقد خلت امة بعد امة من قبلى ولم يبعث منهم احد ولم يرجع والقرن القوم المقترنون فى زمن واحد والخلو المضى {وهما يستغيثان الله} ويسألانه ان يغيثه ويوفقه للايمان {ويلك} اى قائلين له ويلك ومعناه بالفارسية واى برتو. وهو فى الاصل دعاء عليه بالهلاك اريد به الحث والتحريض على الايمان لا حقيقة الهلاك وانتصابه على المصدر بفعل مقدر بمعناه لا من لفظه وهو من المصادر التى لم تستعمل افعالها وقيل هو مفعول به اى الزمك الله ويلك {آمن} اى صدق بالبعث والاخراج من الارض {ان وعد الله} اى موعوده وهو البعث اضافة اليه تحقيقا للحق وتنبيها على خطاه فى اسناد الوعد اليهما {حق} كائن لا محالة لان الخلف فى الوعد نقص يجب تنزيه الله عنه {فيقول} مكذبا لهما {ما هذا} الذى تسميانه وعد الله {الا اساطير الاولين} اباطيلهم التى يسطرونها فى الكتب من غير ان يكون لها حقيقة كأحاديث رستم ويهرام واسفنديار
ابن عجيبة
تفسير : قلت: {والذي قال} مبتدأ، وخبره: {أولئك الذين حقَّ عليهم القول}، والمراد بـ"الذي قال" الجنس، ولذلك جمع الخبر. يقول الحق جلّ جلاله: {والذي قال لوالديه} عند دعوتهما إلى الإيمان: {أُفًّ لكما} وهو صوت يصدر عن المرء عند تضجُّره، وقَنَطِه، واللام لبيان المؤفّف، كما في"هيتَ لك" وفيه أربعون لغة، مبسوطة في محلها، أي: هذا التأفيف لكما خاصة، أو لأجلكما دون غيركما. وعن الحسن: نزلت في الكافر العاقّ لوالديه، المكذِّب بالبعث، وقيل: نزلت في عبد الرحمن بن أبي بكر رضي الله عنه، قبل إسلامه. وأنكرت عائشة رضي الله عنها ذلك، وقالت: والله ما نزل في آل أبي بكر شيئاً من القرآن، سوى براءتي، ويُبطل ذلك قطعاً: قوله تعالى: {أولئك الذين حق عليهم القول} لأنَّ عبد الرحمن بن أبي بكر أسلم، وكان من فضلاء الصحابة، وحضر فتوحَ الشام، وكان له هناك غناء عظيم، وكان يسرد الصيامَ. قال السدي: ما رأيت أعبد منه.هـ. وقال ابن عباس: نزلت في ابنٍ لأبي بكر، ولم يسمه، ويرده ما تقدّم عن عائشة، ويدل على العموم: قوله تعالى: {أولئك الذين حقّ عليهم القول}، ولو أراد واحداً لقال: حق عليه القول. ثم قال لهما: {أَتعدانِني أن أُخْرَج} أي: أُبعث وأُخرج من الأرض، {وقد خَلَت القرونُ من قبلي} ولم يُبعث أحد منهم، {وهما يستغيثانِ اللّهَ} يسألانه أن يُغيثه ويُوقفه للإيمان، أو يقولان: الغِياث بالله منك، ومن قولك، وهو استعظام لقوله، ويقولان له: {وَيْلكَ} دعاء عليه بالثبور والهلاك، والمراد به: الحث والتحريضُ على الإيمان، لا حقيقة الهلاك، {آمِنْ} بالله وبالبعث {إِنَّ وعدَ الله} بالبعث والحساب {حَقٌّ} لا مرية فيه، وأضاف الوعد إليه - تعالى - تحقيقاً للحق، وتنبيهاً على خطئه، {فيقول} مكذّباً لهما: {ما هذا} الذي تسميانه وعْد اللّهِ {إلا أساطيرُ الأولين} أباطيلهم التي سطروها في كتبهم، من غير أن يكون له حقيقة. {أولئك الذين حقَّ عليهم القولُ} وهو قوله تعالى لإبليس:{أية : لأَمَّلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكُمْ أَجْمَعِينَ}تفسير : [الأعراف: 18] كما يُنبئ عنه قوله تعالى: {في أمم قد خلت مِن قبلهم من الجن والإنس} أي: في جملة أمم قد مضت، {إِنهم كانوا خاسرين} حيث ضيّعوا فطرتهم الأصلية، الجارية مجرى رؤوس أموالهم، باتباعهم الشيطان، وتقليداً بآبائهم الضالين. {ولكلٍّ} من الفريقين المذكورين، الأبرار والفجار، {درجاتٌ مما عملوا} أي: منازل ومراتب من جزاء ما عملوا من الخير والشر، ويقال في جانب الجنة: درجات، وفي جانب النار: دركات، فغلب هنا جانب الخير. قال الطيبي: ولكلٍّ من الجنسين المذكورين درجاتٌ، والظاهر أن أحد الجنسين ما دلّ عليه قوله:{أية : إِنَّ الَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُواْ}تفسير : [الأحقاف: 13]، والآخر قوله: {والذي قال لوالديه أُف لكما} ثم غلب الدرجات على الدركات، لأنه لمّا ذكر الفريق الأول، ووصفَهم بثباتٍ في القول، واستقامةٍ في الفعْل، وعقَّب ذلك بذكر فريقِ الكافرين، ووصفهم بعقوق الوالدين، وبإنكارهم البعثَ، وجعل العقوقَ أصلاً في الاعتبار، وكرر في القِسم الأول الجزاء، وهو ذكر الجنة مراراً ثلاثاً، وأفْردَ ذكر النار، وأخّره، وذكرَ ما يجمعُهما، وهو قوله: {ولكلٍّ درجات} غلّب الدرجات على الدركات لذلك، وفيه ألا شيء أعظم من التوحيد والثبات عليه، وبر الوالدين والإحسان إليهما، ولا شيء أفحش من عقوق الوالدين، وإنكار الحشر، وفي إيقاع إنكار الحشر مقابلاً لإثبات التوحيد الدلالة على أن المنكر معطل مبطل لحكمة الله في إيجاد العالم. هـ. {ولنُوفيهم أعمالهم} وقرأ المكي والبصري بالغيب، أي: وليوفيهم الله جزاء أعمالهم، {وهم لا يُظلمون} بنقص ثواب الأولين، وزيادة عقاب الآخرين، واللام متعلقة بمحذوف، أي: وليوفيهم أعمالهم، ولا يظلمهم حقوقهم، فعل ما فعل من ترتيب الدرجات أو الدركات. الإشارة: عقوق الأساتيذ أقبح من عقوق الوالدين، كما أن برهما أوكد؛ لأن الشيخ أخرجك من ظلمة الجهل إلى نور المعرفة بالله، والوالدان أخرجاك إلى دار التعب، مُعرض لأمرين، إما السلامة أو العطب، والمراد بالشيخ هنا شيخ التربية، لا شيخ التعليم، فلا يقدّم حقه على حق الوالدين، هذا ومَن يَسّر اللّهُ عليه الجمع بين بِر الوالدين والشيخ فهو كمال الكمال. وبالله التوفيق. ثم ذكر جزاء العاق المنكر للبعث، فقال: {وَيَوْمَ يُعْرَضُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ عَلَى ٱلنَّارِ}.
الجنابذي
تفسير : {وَٱلَّذِي قَالَ} عطف على الانسان او بتقدير اذكر، وعطف باعتبار المعنى كأنّه قال: اذكر الّذى قال بعد بلوغ الاربعين ربّ اوزعنى واذكر الّذى قال {لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَّكُمَآ} هذه اسم صوتٍ وكلمة تضجّرٍ يعنى اذكر حتّى يظهر بمقابلة هذا لذلك حسن الاوّل وقبح الثّانى، او مبتدء وخبره اولئك والجملة معطوفة {أَتَعِدَانِنِيۤ أَنْ أُخْرَجَ} من قبرى حيّاً {وَقَدْ خَلَتِ ٱلْقُرُونُ} الامم الماضية {مِن قَبْلِي} ولم يرجع احدٌ منهم ولم يخرج من قبره حيّاً {وَهُمَا يَسْتَغثِيَانِ ٱللَّهَ وَيْلَكَ} هى وَى ولك ووَى كلمة تعجّب كأنّه قال: تعجّب لك، او هى الويل المضاف الى الكاف والمعنى الزم ويلك، او هى مخفّفة ويل ولك والمعنى ويل لك {آمِنْ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ مَا هَـٰذَآ إِلاَّ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ} قد مضى هذه الكلمة فى الانعام والانفاق والنّحل وغيرها مع بيانها، قال القمّىّ: نزلت فى عبد الرّحمن بن ابى بكرٍ.
الأعقم
تفسير : {والذي قال لوالديه أفٍّ} الآية نزلت في عبد الرحمان بن أبي بكر قبل إسلامه، وقيل: دعاه أبواه أبو بكر وأمه إلى الإِسلام فأفف بهما وقالوا: بعثوا إلى جدعان بن عمر وعثمان بن عمر وهما من أجداده ومشايخ قريش حتى أسألهم عما يقول محمد، وأنكرت عائشة نزولها فيه، وقيل: هي في الكافر العاق لوالديه المكذب بالبعث، وعن قتادة هو نعت عبد سوء عاق بوالديه فأحد لربه والله أعلم، وقوله: {أفٍّ لكما}، قيل: كلمة ضجر، وقيل: هي كلمة، تقال لكل من أتى أمراً قبيحاً {أتعدانني أن أخرج} بعد الموت حيَّاً وأبعث للجزاء {وقد خلت القرون من قبلي} أي مضت القرون من قبلي هلكوا فلم يبعث منهم أحدٌ {وهما يستغيثان الله} أي يطلبان الغوث منه ويقولان: {ويلك آمن} ترحما {إن وعد الله حقٌّ} في البعث والجزاء فقال: {ما هذا إلا أساطير الأولين} يعني ما هذا إلا شيء كتبه الأولون {أولئك الذين حق عليهم القول} أي وجب عليهم الوعيد بالعذاب {في أمم قد خلت} أي مضت {من قبلهم من الجن والإِنس إنهم كانوا خاسرين} لأنفسهم إذ أهلكوها بالمعاصي {ولكل درجات مما عملوا} أي منازل ومراتب من جزاء ما عملوا من خير وشر {وليوفيهم أعمالهم} أي جزاء أعمالهم من الثواب والعقاب {وهم لا يظلمون} أي لا ينقصون شيئاً {ويوم يعرض الذين كفروا على النار} ليروا أهوالها فقال لهم توبيخاً: {أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا} قيل: الطيبات القوة والشباب، وقيل: الأرزاق أنفقوها في شهواتهم. وقيل: الملاذ والملاهي ونعيم الدنيا، أي أذهبتم في المعاصي غافلين عن الآخرة لأنها باقية دون الدنيا فإنها فانية {واستمتعتم} انتفعتم بها معرضين عن ذكر البعث {فاليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تستكبرون في الأرض بغير الحق} أي يرفعون عن الإِيمان {وبما كنتم تفسقون} تخرجون عن طاعة الله {واذكر} يا محمد {أخا عاد} يعني هوداً وكان أخاهم نسباً والإِنذار التخويف {قومه} وهم عاد وكانت العرب تعرف ديارهم {بالأحقاف} وهو ما بين عمان إلى حضرموت، وقيل: كانوا من أهل اليمن أهل رمل مشرفين على البحر بأرض يقال لها الشحر {وقد خلت} مضت {النذر} يعني الرسل المنذرين المخوفين {من بين يديه} أي من قبل هود ومن بعده، وروي أن في قراءة ابن مسعود من يعبده {ألا تعبدوا إلا الله إني أخاف عليكم} إن فعلتم ذلك {عذاب يوم عظيم}، قيل: عذاب الآخرة، وقيل: عذاب الاستئصال، وكان من جوابهم أن {قالوا} لهود: {أجئتنا لتأفكنا} لتصرفنا {عن آلهتنا} التي نعبدها {فأتنا بما تعدنا من العذاب إن كنت من الصادقين} في ذلك، يعني في العذاب، وقيل: في النبوة، وكان استعجالهم على وجه التكذيب {قال} هود {إنما العلم عند الله} أي هو يعلم وقته {وأبلغكم ما أرسلت به} إليكم يعني ليس علي إلا تبليغ الرسالة {ولكني أراكم قوماً تجهلون} في استعجال العذاب.
اطفيش
تفسير : {وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ} مبتدأ والمراد الجنس ولذلك أخبر عنه بقوله {أية : أولئك الذين حق عليهم القول} تفسير : قال الحسن: نزلت في الكافر العاق لوالديه المكذب بالبعث على العموم وعليه جماعة فهي فيمن دعاه أبواه للاسلام فأبى مطلقاً وهو الصحيح فيما قيل وعن قتادة هو نعت عبد سوء عاق لوالديه فاجر لربه. وروي عن ابن عباس انها نزلت في عبدالرحمن بن أبي بكر قبل اسلامه دعاه أبوه أبو بكر وأمه أم رومان وهي أم عائشة الى الاسلام فأفف بهما وقال ابعثوا الى جذعان بن عمرو وعثمان بن عمرو وكانا من أجداده وقيل عبدالله ابن جذعان وعامر بن كعب ومشايخ وقريش حتى أسألهم عما يقول محمد وأنكرت عائشة أن يكون ذلك في عبدالرحمن وقالت: ما نزل في آل أبى بكر من القرآن الا براءتي ولا يعترض عليها بقوله عز وجل {أية : ثاني اثنين} تفسير : وقوله {أية : ولا يأتل أولو الفضل} تفسير : لما مر في غير الآية. قال الزمخشرى ويرد قولهم بنزولها فيه قوله {أية : أولئك الذين حق عليهم القول} تفسير : وهم أهل النار وهو من أفاضل الصحابة وأبطالهم قال القاضي وقد يراد مراد من قال بالنزول فيها انها نزلت بسبب قوله ذلك عامة وهو خارج باسلامه عما تضمنه قوله {أية : أولئك الذين حق عليهم القول} تفسير : لان الاسلام يجبَّ ما قبله وكتب معاوية الى مروان بالحجاز وهو عامله فيه أن يبايع الناس ليزيد فقال عبدالرحمن: لقد جئتم بهر قلية أتبايعون لأبنائكم وقال معاوية: يا أيها الناس هو أي عبدالرحمن الذي قال الله فيه {وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ} الخ وقيل خطب مروان وذكر مبايعة يزيد فقال عبدالرحمن لقد جئتم الخ فخذوه فدخل بيت عائشة ولم يقدروا عليه فقال مروان يا أيها الناس هو الذي أنزل الله فيه {وَالَّذِي قَالَ} الخ والصحيح الأول فغضبت عائشة فقالت والله ما نزلت فيه ولو شئتم أن أسميه لسميته ولكن لعن الله أباك وأنت في صلبه وأنت فضض من لعنه الله (والفضض) بفتح الفاء والضاد وضمهما المتفرق وهرقل ملك الروم أول من ضرب الدراهم وأحدث البيعة* {أُفِّ} بالتنوين والكسر عند نافع وحفص وبفتح الفاء من غير تنوين عند ابن كثير وابن عامر (أفَّ) وبالكسر من غير تنزين عند الباقين وقرئ بالفتح والتنوين وبالضم والتنوين وفيه لغات ذكرتها في النحو والتنوين للتنكير قال بعض هو صوت اذا صوت به الانسان علم انه متضجر {لَّكُمَآ} اللام للبيان كسقيا لك أو للتعليل. قال بعض: المعنى هذا التأفيف لكما خاصة ولأجلكما دون غيركما* {أَتَعِدَانِنِي} بفتح الياء عند نافع وابن كثير وقرئ بنون واحدة وقرأ هاشم بالادغام وقرئ بفتح النون الاولى تخفيفاً من كسرتين في نونين بعدهما ياء وبضم النون أيضاً والهمزة للاستفهام التوبيخى الانكارى (وتعد) مضارع وعد والألف ضمير الوالدين والنون نون الرفع والثانية نون الوقاية {أَنْ أُخْرَجَ} من القبر وأبعث وقرئ (أخرج) بفتح الهمزة وضم الراء {وَقَدْ خَلَتِ} هلكت {الْقُرُونُ} الأمم* {مِن قَبْلِي} ولم يرجع واحد منهم* {وَهُمَا} الوالدان {يستغيثان الله} يقولان الغوث بالله منك ومن قولك استعظاماً لقوله أو يسألانه أن يغيثه بالتوفيق للايمان ويقولان له* {وَيْلَكَ} ان لم تؤمن أو المراد الحث على الايمان لا حقيقة الويل وهو الثبور {آمِنْ} بالبعث* {إِنَّ} وقرئ بالفتح أي بأن أو لان {وَعْدَ اللهِ} بالبعث أو موعوده وهو البعث أو الوعد مطلقاً* {حَقٌّ فَيَقُولُ مَا هَذَآ} الذي تدعونني اليه* {إِلآَّ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ} أكاذيبهم المسطرة
اطفيش
تفسير : {والَّذي قال لوالديْه} حين دعواه الى الايمان بالله ورسوله والبعث، وهو مبتدأ خبره أولئك الَّذين حق عليهم القول، والمراد جنس من نازع أبويه فى الاسلام، والبعث بدليل الاخبار عنه بأولئك الذين حق عليهم الخ، والمراد العموم، ولو نزلت فى واحد فقيل هو عبد الرحمن ابن أبى بكر، نازع أبويه فى الاسلام والبعث، ثم أسلم، وبه قال ابن عباس، وكان من الصحابة، وكان له غناء يوم اليمامة وغيره والاسلام يجب ما قبله، ولا يعارض ذلك بقوله تعالى: "أية : أولئك الذين حق عليهم القول" تفسير : [الأحقاف: 18] الخ فانه غير شامل له، لأن الحكم على الجنس لا يستغرق أفراده، فهذا كسائر ما نزل من القرآن فى كفار قريش، ثم يسلم بعض، فلا يشمله حكم السوء، ولو كان هو سبب النزول، وذلك أولى من تقدير بعض فى قوله تعالى: {أولئك الذين} صنف هذا المذكور. وكذا قال السهيلى نزلت فى عبد الرحمن بن أبى بكر، فان قاعدة القرآن أن لا يقال لمشرك: انه حق عليه القول الا من قضى الله عليه أن سيموت مشركا، كان يدعوه أبواه الى الاسلام فيأبى ويقول: أحيوا لى عبد الله بن جدعان، وعامر بن كعب، ومشايخ قريش حتى أسألهم عما تقولون ثم أسلم وكذا تأخر اسلام جده أبى قحافة، وكذا قال مروان: نزلت فى عبد الرحمن بن أبى بكر، فقال له: ألست الذى قال لوالديه أف لكما الخ، فأجابه عبد الرحمن: ألست الذى لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أباك وأنت فى صلبه، وليست الآية فىَّ، وقالت عائشة لمروان ثلاثا: كذبت، والله ما نزلت فيه، ولو شئت لسميت من نزلت فيه. ويروى أنه كتب معاوية الى مروان ليأمر الناس بالبيعة ليزيد، فخطب فأمر له بالبيعة، فقال عبد الرحمن: لقد جئتم بها هرقلية، أتبايعون بأبنائكم؟ فقال مروان: يا أيها الناس، هذا الذى قال الله فيه: {والذي قال لوالديه أفٍ لكما} وسمعت عائشة، وقد التجأ اليها عبد الرحمن، فنجا وقد قال: خذوه، وغضبت وقالت: من وراء الحجاب: والله ما هو به، ولو شئت لسميته، ولكن الله تعالى لعن أباك وأنت فى صلبه، فأنت فضض من لعنة الله، ما أنزل الله تعالى: فينا شيئا من القرآن الا ما أنزل الله فى سورة النور من براءتى، وقيل: الآية فى كل كافر عاق لوالديه، وقيل فى كل من دعاه أبواه الى الاسلام فأبى، قال بعض: وهو الصحيح، واللام فى قوله: {أفٍّ لكما} لبيان من أفف له {أتَعِدانني أن أُخْرج} من قبرى حيا بعد موتى {وقَد خَلَت} مضت، والواو للحال {القرون من قَبْلي} موتى، ولم يخرج منهم أحد ولو خرج أحد الآن لعلمنا أنهم يخرجون فى اليوم الذى تقول: انهم يخرجون فيه، وقيل: المعنى وقد خلت القرون من قبلى على التكذيب بالبعث، وأنا على ما مضوا عليه، وهذا استدلال على انكار البعث {وهُما يَسْتغِثانِ الله} يدعوان برغبة ولهف أن يوفقه الى الايمان، أو يلتجئان الى الله أن يعصمهما من كفر ولدهما وعذابه {ويْلَك آمِن} بالبعث {إنَّ وعد الله حَقّ} مفعول لحال محذوفة من ألف يستغيثان مقدر، لأن وقت الاستغاثة غير نفس وقت الحال، بل بعده، وان شئت فقل مقارنة لتقارب الوقتين، كأنهما وقت واحد، تقديرها قائلين: "ويلك آمن" الخ وان شئت فقل مقارنة بوجه آخر هكذا متصفين بهذا القول، بقطع النظر عن كونه ماضيا أو آتياً، أو قدر القول مرفوعا خبرا ثانيا، أى قائلان، أو يقولان: "ويلك آمن إن وعد الله حق". وليس المراد الدعاء عليه بالهلاك، بل التنبيه على أن ما هو فيه موجب له أو حقيق، بأن يدعى له بالهلاك قيل أو للتنبيه، على أن الأمر الذى أمراه به مما يحسد عليه، ويدعى عليه لأجله بالهلاك للحسد كما يقال: ويلك دم على ما انت عليه من الكرم وغير ذلك من ألفاظ السوء التى تذكر فى الخير، والجملة تعليل لآمن جملى، كما قرأ الأعرج وعمرو بن فائد بفتح همزة ان تعليلا افراديا أى لأن وعد الله حق، أو يقدرآمن بأن وعد الله حق على غير التعليل، وتقدير لام التعليل أولى لموافقة كسر ان، فان كسرها على التعليل الجملى، ولو احتمل الاستئناف فى كلامهما. {فيقُول ما هذا} أى ما الذى تدعوان اليه من الاخراج من القبر بالبعث {إلاَّ أسَاطيرُ الأولينَ} على حذف مضاف أى بعض أساطير الأولين، أو اعتبر فىالأخبار عنه بالجمع نظرا الى اما اشتمل عليه الاخراج من القبر بالحساب والثواب والعقاب، وأساطير جمع أسطورة بصيغة التفخيم، كأعجوبة وأحدوثة، أى شىء مستعظم من جهة الاخبار به، والتلهى وهى ما سطر أى كتب فى أخبار الأوائل التى لا حقيقة لها.
الالوسي
تفسير : {وَٱلَّذِي قَالَ لِوٰلِدَيْهِ } عند دعوتهما إياه للإيمان {أُفّ لَّكُمَا } صوت يصدر عن المرء عند تضجره وفيه قراءات ولغات نحو الأربعين، وقد نبهنا على ذلك في سورة الإسراء. واللام لبيان المؤفف له كما في {أية : هَيْتَ لَكَ } تفسير : [يوسف: 23] والموصول مبتدأ خبره {أية : أُوْلَـئِكَ ٱلَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلْقَوْلُ } تفسير : [الأحقاف: 18] والمراد به الجنس فهو في معنى الجمع، ولذا قيل: {أُوْلَـٰئِكَ } وإلى ذلك أشار الحسن بقوله: هو الكافر العاق لوالديه المنكر للبعث، ونزول الآية في شخص لا ينافي العموم كما قرر غير مرة، وزعم مروان عليه ما يستحق أنها نزلت في عبد الرحمن بن أبـي بكر الصديق رضي الله تعالى عنهما وَرَدَّتْ عليه عائشة رضي الله تعالى عنها. أخرج ابن أبـي حاتم وابن مردويه عن عبد الله قال: إني لفي المسجد حين خطب مروان فقال: إن الله تعالى قد أرى لأمير المؤمنين ـ يعني معاوية ـ في يزيد رأياً حسناً أن يستخلفه فقد استخلف أبو بكر وعمر فقال عبد الرحمن بن أبـي بكر: أهرقلية؟ إن أبا بكر رضي الله تعالى عنه واللهِ ما جعلها في أحد من ولده ولا أحد من أهل بيته ولا جعلها معاوية إلا رحمة وكرامة لولده، فقال مروان: ألست الذي قال لوالديه {أُفّ لَّكُمَا } فقال عبد الرحمن: ألست ابن اللعين الذي لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أباك فسمعت عائشة فقالت: مروان أنت القائل لعبد الرحمن كذا وكذا كذبت والله ما فيه نزلت نزلت في فلان بن فلان. وفي رواية تقدمت رواها جماعة وصححها الحاكم عن محمد بن زياد أنها كذبته ثلاثاً ثم قالت: والله ما هو به ـ تعني أخاها ـ ولو شئت أن أسمي الذي أنزلت فيه لسميته إلى آخر ما مر، وكان ذلك من فضض اللعنة إغاظة لعبد الرحمن وتنفيراً للناس عنه لئلا يلتفتوا إلى ما قاله وما قال إلا حقاً فأين يزيد الذي تجل اللعنة عنه وأين الخلافة؟ ووافق بعضهم كالسهيلي في «الإعلام» مروان في زعم نزولها في عبد الرحمن، وعلى تسليم ذلك لا معنى للتعيير لا سيما من مروان فإن الرجل أسلم وكان من أفاضل الصحابة وأبطالهم وكان له في الإسلام غناء يوم اليمامة وغيره والإسلام يجب ما قبله فالكافر إذا أسلم لا ينبغي أن يعير بما كان يقول. {أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ } ابعث من القبر بعد الموت. وقرأ الحسن وعاصم وأبو عمرو في رواية وهشام {أتعداني} بإدغام نون الرفع في نون الوقاية، وقرأ نافع في رواية وجماعة بنون واحدة، وقرأ الحسن وشيبة وأبو جعفر بخلاف عنه، وعبد الوارث عن أبـي عمرو وهارون بن موسى عن الجحدري، وبسام عن هشام {أَتَعِدَانِنِي } بنونين من غير إدغام ومع فتح الأولى كأنهم فروا من اجتماع الكسرتين والياء ففتحوا للتخفيف، وقال أبو حاتم: فتح النون باطل غلط، وقال بعضهم: فتح نون التثنية لغة رديئة وهون الأمر هنا الاجتماع، وقرأ الحسن وابن يعمر والأعمش وابن مصرف والضحاك {أَخْرَجَ } مبنياً للفاعل من الخروج. {وَقَدْ خَلَتِ ٱلْقُرُونُ مِن قَبْلِي } أي مضت ولم يخرج منها أحد ولا بعث فالمراد إنكار البعث كما قيل:شعر : / ما جاءنا أحد يخبر أنه في جنة لما مضى أو نار تفسير : وقال أبو سليمان الدمشقي: أراد وقد خلت القرون من قبلي مكذبة بالبعث، فالكلام كالاستدلال على نفي البعث. {وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ ٱللَّهَ } أي يقولان: الغياث بالله تعالى منك، والمراد إنكار قوله واستعظامه كأنهما لجآ إلى الله سبحانه في دفعه كما يقال: العياذ بالله تعالى من كذا أو يطلبان من الله عز وجل أن يغيثه بالتوفيق حتى يرجع عما هو عليه من إنكار البعث {وَيْلَكَ ءامِنْ } أي قائلين أو يقولون له ذلك، وأصل {وَيْلٌ } دعاء بالثبور يقام مقام الحث على الفعل أو تركه إشعاراً بأن ما هو مرتكب له حقيق بأن يهلك مرتكبه وأن يطلب له الهلاك فإذا أسمع ذلك كان باعثاً على ترك ما هو فيه والأخذ بما ينجيه، وقيل: إن ذلك لأن فيه إشعاراً بأن الفعل الذي أمر به مما يحسد عليه فيدعى عليه بالثبور فإذا سمع ذلك رغب فيه، وأياً ما كان فالمراد هنا الحث والتحريض على الإيمان لا حقيقة الدعاء بالهلاك. {إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ } أي البعث، وأضافا الوعد إليه تعالى تحقيقاً للحق وتنبيهاً على خطئه في إسناد الوعد إليهما. وقرأ الأعرج وعمرو بن فائد {أَن} بفتح الهمزة على تقدير لأن أو آمن بأن وعد الله حق، ورجح الأول بأن فيه توافق القراءتين {فَيَقُولُ } مكذباً لهما {مَا هَـٰذَا } الذي تسميانه وعد الله {إِلاَّ أَسَـٰطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ } أباطيلهم التي سطروها في الكتب من غير أن يكون لها حقيقة.
ابن عاشور
تفسير : هذا الفريق المقصود من هذه الآيات المبدوءة بقوله تعالى: {أية : ووصينا الإنسان}تفسير : [الأحقاف: 15]. وهذا الفريق الذي كفر بربه وأساء إلى والديه، وقد عُلم أن والديه كانا مؤمنين من قوله: {أتعدانني أن أخرج وقد خلت القرون من قبلي} الآية. فجملة {والذي قال لوالديه} الأحسن أن تكون معطوفة على جملة {أية : وإذا تُتْلى عليهم آياتنا بينات}تفسير : [الأحقاف: 7] الخ انتقال إلى مقالة أخرى من أصول شركهم وهي مقالة إنكار البعث. وأما قوله: {الذي قال لوالديه} فالوجه جعله مفعولاً لفعل مقدر تقديره: واذكر الذي قال لوالديه، لأن هذا الوجه يلائم كل الوجوه. ويجوز جعله مبتدأ وجملة {أية : أولئك الذين حق عليهم القول في أمم}تفسير : [الأحقاف: 18] خبراً عنه على أحد الوجهين الاثنين في مرجع اسم الإشارة من قوله: {أولئك الذين حق عليهم القول}. و {الذي} هنا اسم صادق على الفريق المتصف بصلته. وهذا وصف لفئة من أبناء من المشركين أسلم آباؤهم ودعوهم إلى الإسلام فلم يستجيبوا لهم وأغلظوا لهم القول فضمّوا إلى الكفر بشنيع عقوق الوالدين وهو قبيح لمنافاته الفطرة التي فطر الله الناس عليها لأن حال الوالدين مع أبنائهما يقتضي معاملتهما بالحسنى، ويدل لعدم اختصاص قوله في آخرها {أولئك الذين حق عليهم القول} إلى آخره. والذي عليه جمهور المفسرين: أن الآية لا تعْني شخصاً معيناً وأن المراد منها فريق أسلم آباؤهم ولم يسلموا حينئذٍ. وعن ابن عباس ومروانَ بن الحكم ومجاهد والسدّي وابن جريج أنّها نزلت في ابنٍ لأبي بكر الصديق واسمه عبد الكعبة الذي سماه النبي صلى الله عليه وسلم عبدَ الرحمان بعد أن أسلم عبد الرحمان قالوا: كان قبل الهجرة مُشركاً وكان يدعوه أبوه أبو بكر وأمه أم رُومان إلى الإسلام ويذكّرانه بالبعث، فيردّ عليهما بكلام مثل ما ذكره في هذه الآية. ويقول: فأيْن عبد الله بن جُدعان، وأين عثمان بن عمرو، وأيْنَ عامر بن كعب، ومشايخُ قريش حتى أسألهم عمّا يقول محمد. لكن ليست الآية خاصة به حتى تكون نازلة فيه، وبهذا يؤول قول عائشة رضي الله عنها لما قال مروان بن الحكم لعبد الرحمان هو الذي يقول الله فيه: {والذي قال لوالِدَيْه أفّ لكما}. وذلك في قصة إشارة عبد الرحمان على مروان أخذه البيعة ليزيد بن معاوية بالعهد له بالخلافة. ففي «صحيح البخاري» في كتاب التفسير عن يوسف بن ماهك أنه قال: «كان مروان ابن الحكم على الحجاز استعمله معاوية فخطب فجعل يذكر يزيد بن معاوية لكي يبايَع له بعد أبيه (أي بولاية العهد) فقال له عبد الرحمان بن أبي بكر أهِرَقْليَّة (أي اجعلتموها وراثة مثل سلطنة هرقل) فقال: خذوه فدخل بيت عائشة فلم يقدروا عليه، فقال مروان: إن هذا الذي أنزل الله فيه {والذي قال لوالديه أف لكما أتعدانني}، فقالت عائشة من وراء الحجاب: ما أنزل الله فينا شيئاً من القرآن إلا أن الله أنزل عذري (أي براءتي). وكيف يكون المراد بــ{الذي قال لوالديه أف لكما} عبد الرحمان بن أبي بكر وآخر الآية يقول: {أية : أولئك الذين حق عليهم القول} تفسير : إلى {أية : خاسرين}تفسير : [الأحقاف: 18] فذَكر اسم الإشارة للجَمع، وقضى على المتحدَّث عنهم بالخسران، ولم أقف على من كان مشركاً وكان أبواه مؤمنين. وأيَّاما كان فقد أسلم عبد الرحمان قبل الفتح فلما أسلم جبّ إسلامُه ما قبله وخرج من الوعيد الذي في قوله: {أولئك الذين حق عليهم القول} الآية، لأن ذلك وعيد وكل وعيد فإنما هو مقيد تحققه بأن يموت المتوعَّد به غير مؤمن وهذا معلوم بالضرورة من الشريعة. وتلقب عند الأشاعرة بمسألة الموافاة، على أنه قيل إن الإشارة بقوله: {أولئك} عائدة إلى {الأولين} من قوله: {ما هذا إلا أساطير الأولين} كما سيأتي. وأفَ: اسم فعل بمعنى: أتضجَّر، وتقدم الكلام عليه في سورة الإسراء وفي سورة الأنبياء، وهو هنا مستعمل كناية عن أقل الأذى فيكون الذين يؤذون والديهم بأكثر من هذا أوغلُ في العقوق الشنيع وأحرى بالحكم بدلالة فحوى الخطاب على ما تقرر في قوله تعالى: {أية : فلا تقل لهما أُفّ} تفسير : في سورة الإسراء (23). وقرأ نافع وحفص عن عاصم {أفٍ} بكسر الفاء منوناً. وقرأه ابن كثير وابن عامر ويعقوب {أفَّ} بفتح الفاء غير منون. وقرأه الباقون أفِّ بكسر الفاء غير منون، وهي لغات ثلاث فيه. واعلم أن في قوله تعالى: {والذي قال لوالديه أفّ لكما} مُحَسّنَ الاتزان فإنه بوزن مصراع من الرمل عَروضه محذوفة، وضَربه محذوف، وفيه الخبن والقبض، ويزاد فيه الكف على قراءة غير نافع وحفص. والاستفهام في {أتعدانِني أن أخرج} إنكار وتعجب. والإخراج: البعث بعد الموت. وجعلت جملة الحال وهي {وقد خلت القرون من قبلي} قيداً لمنتهى الإنكار، أي كيف يكون ذلك في حال مُضيّ القرون. والقرون: جمع قرن وهو الأمة التي تَقاربَ زمان حياتها، وفي الحديث «حديث : خير القرون قرني ثم الذين يلونهم»تفسير : الحديث، وقال تعالى: {أية : أو لم يعلم أن الله قد أهلك من قبله من القُرون من هو أشد منه قوة وأكثر جمعاً}تفسير : [القصص: 78]. والمعنى: أنه أحال أن يخرج هو من الأرض بعد الموت، وقد مضت أمم كثيرة وطال عليها الزمن فلم يخرج منهم أحد. وهذا من سوء فهمه في معنى البعث أو من المغالطة في الاحتجاج لأن وعد البعث لم يوقت بزمن معين ولا أنه يقع في هذا العالم. وقرأ الجمهور {أتعدانِني} بنونين مفكّكين وقرأه هشام عن ابن عامر بإدغام النونين. ومعنى {يستغيثان الله} يطلبان الغوث من الله، أي يطلبان من الله الغوث بأن يهديه، فالمعنى: يستغيثان الله له. وليست جملة {ويلك آمِنْ} بياناً لمعنى استغاثتهما ولكنها مقول قول محذوف يدل عليه معنى الجملة. وكلمة {ويلك} كلمة تهديد وتخويف. والويل: الشر. وأصل ويلك: ويْل لك كما في قوله تعالى: {أية : فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم}تفسير : [البقرة: 79]، فلما كثر استعماله وأرادوا اختصاره حذفوا اللام ووصلوا كاف الخطاب بكلمة (ويل) ونصبوه على نزع الخافض. وفعل {آمِن} منزل منزلة اللازم، أي اتصف بالإيمان وهو دعوة الإسلام، وجملة {إن وعد الله حق} تعليل للأمر بالإيمان وتعريض له بالتهديد من أن يحق عليه وعد الله. والأساطير: جمع أسطورة وهي القصة وغلب إطلاقها على القصة الباطلة أو المكذوبة كما يقال: خرافة، وتقدم في قوله تعالى: {أية : وإذا قيل لهم ماذا أنزل ربكم قالوا أساطير الأولين} تفسير : في سورة النحل (24) وفي قوله: {أية : وقالوا أساطير الأولين اكتتبها} تفسير : اكتتبها في سورة الفرقان (5).
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {وَٱلَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَّكُمَآ أَتَعِدَانِنِيۤ أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ ٱلْقُرُونُ مِن قَبْلِي وَهُمَا يَسْتَغثِيَانِ ٱللَّهَ وَيْلَكَ آمِنْ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ مَا هَـٰذَآ إِلاَّ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلْقَوْلُ} الآية. التحقيق إن شاء الله أن، {الذي} في قوله: {وَٱلَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ} بمعنى الذين، وأن الآية عامة في كل عاق لوالديه مكذب بالبحث. والدليل من القرآن على أن الذي، بمعنى الذين، وأن المراد به العموم، أن {الذي} في قوله: {وَٱلَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ} مبتدأ خبره قوله تعالى: {أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلْقَوْلُ} الآية. والإخبار عن لفظة الذين في قوله {أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ} القول بصيغة الجمع، صريح في أن المراد بالذي، العموم لا الإفراد. وخير ما يفسر به القرآن القرآن. وبهذا الدليل القرآني تعلم أن قول من قال في هذه الآية الكريمة أنها نازلة في عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق رضي الله عنهما، ليس بصحيح، كما جزمت عائشة رضي الله عنها ببطلانه. وفي نفس آية الأحقاف هذه دليل آخر واضح على بطلانه، وهو أن الله صرح بأن الذين قالوا تلك المقالة حق عليهم القول، وهو قوله {أية : وَلَـٰكِنْ حَقَّ ٱلْقَوْلُ مِنِّي لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ}تفسير : [السجدة: 13]. ومعلوم أن عبد الرحمن بن أبي بكر رضي الله عنهما أسلم وحسن إسلامه، وهو من خيار المسلمين وأفاضل الصحابة، رضي الله عنهم. وغاية ما في هذه الآية الكريمة هو إطلاق الذي وإرادة الذين، وهو كثير في القرآن وفي كلام العرب، لأن لفظ الذي مفرد ومعناها عام لكل ما تشمله صلتها، وقد تقرر في علم الأصول أن الموصولات كالذي والتي وفروعهما من صيغ العموم، كما أشار له في مراقي السعود بقوله: شعر : صيغة كل أو الجميع وقد تلا الذي التي الفروع تفسير : فمن إطلاق الذي وإرادة الذين في القرآن، هذه الآية الكريمة من سورة الأحقاف، وقوله تعالى في سورة البقرة:{أية : مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ ٱلَّذِي ٱسْتَوْقَدَ نَاراً}تفسير : [البقرة: 17] الآية. أي كمثل الذين استوقدوا بدليل قوله {أية : ذَهَبَ ٱللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لاَّ يُبْصِرُونَ}تفسير : [البقرة: 17] بصيغة الجمع في الضمائر الثلاثة التي هي {بِنُورِهِمْ} {وَتَرَكَهُمْ}، والواو في {لاَّ يُبْصِرُونَ} وقوله تعالى في البقرة أيضاً: {كَٱلَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَآءَ ٱلنَّاسِ}[البقرة: 264] أي كالذين ينفقون بدليل قوله {أية : لاَّ يَقْدِرُونَ عَلَىٰ شَيْءٍ مِّمَّا كَسَبُواْ}تفسير : [البقرة: 264]. وقوله في الزمر: {أية : وَٱلَّذِي جَآءَ بِٱلصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُتَّقُونَ}تفسير : [الزمر: 33] وقوله في التوبة{أية : وَخُضْتُمْ كَٱلَّذِي خَاضُوۤاْ}تفسير : [التوبة: 69] أي كالذين خاضوا بناء على أنها موصولة لا مصدرية، ونظير ذلك من كلام العرب قول أشهب بن رميلة: شعر : فإن الذي حانت بفلج دماؤهم هم القوم كل القوم يا أم خالد تفسير : وقول عديل بن الفرخ العجلي: شعر : وبت أساقي القوم إخوتي الذي غوايتهم غيي ورشدهم رشدي تفسير : وقول الراجز: شعر : يا رب عبس لا تبارك في أحد في قائم منهم ولا في من قعد إلا الذي قاموا بإطراف المسد تفسير : وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: {أُفٍّ لَّكُمَآ} كلمة تضجر. وقائل ذلك عاق لوالديه غير مجتنب نهى الله في قوله:{أية : إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ ٱلْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ}تفسير : [الإسراء: 23] الآية. وقوله {أَتَعِدَانِنِيۤ}: فعل مضارع وعد، وحذف واوه في المضارع مطرد، كما ذكره في الخلاصة بقوله: شعر : فا أمر أو مضارع من كوعد احذف وفي كعدة ذاك اطرد تفسير : والنون الأولى نون الرفع، والثانية نون الوقاية كما لا يخفى. وقرأ هذا الحرف أبو عمرو وابن عامر في رواية ابن ذكوان وعاصم وحمزة والكسائي: أتعدانني بنونين مكسورتين مخففتين وياء ساكنة. وقرأه هشام عن ابن عامر بنون مشددة مكسورة وبياء ساكنة. وقرأه نافع وابن كثير بنونين مكسورتين مخففتين وياء مفتوحة، والهمزة للإنكار. وقوله {أَنْ أُخْرَجَ} أي أبعث من قبري حياً بعد الموت. والمصدر المنسبك من أن وصلتها هو المفعول الثاني لتعدانني يعني أتعدانني الخروج من قبري حياً بعد الموت، والحال قد مضت القرون أي هلكت الأمم الأولى، ولم يحيي منهم أحد، ولم يرجع بعد أن مات. وهما أي والداه يستغيثان الله أي يطلبانه أن يغيثهما بأن يهدي ولدهما إلى الحق والإقرار بالبعث، ويقولان لولدهما: ويلك آمن. أي بالله وبالبعث بعد الموت. والمراد بقولهما ويلك: حثة على الإيمان إن وعد الله حق، أي وعده بالبعث بعد الموت حق لا شك فيه، فيقول ذلك الولد العاق المنكر للبعث: {مَا هَـٰذَآ} إن الذي تعدانني إياه من البعث بعد الموت، {إِلاَّ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِين}. والأساطير جمع أسطورة. وقيل جمع إسطارة، ومراده بها ما سطره الأولون، أي كتبوه من الأشياء التي لا حقيقة لها. وقوله {أُولَئِكَ} ترجع الإشارة فيه، إلى العاقين المكذبين، بالبعث المذكورين في قوله: {وَٱلَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَّكُمَآ} الآية. وقوله: {حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ} أي وجبت عليهم كلمة العذاب. وقد قدمنا الآيات الموضحة لذلك في سورة يس في الكلام على قوله تعالى {أية : لَقَدْ حَقَّ ٱلْقَوْلُ عَلَىٰ أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لاَ يُؤمِنُونَ}تفسير : يس: 7]. وما دلت عليه هذه الآية الكريمة من أن منكري البعث يحق عليهم القول لكفرهم، قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الفرقان في الكلام على قوله تعالى {أية : وَأَعْتَدْنَا لِمَن كَذَّبَ بِٱلسَّاعَةِ سَعِيراً}تفسير : [الفرقان: 11].
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: والذي قال لوالديه: الذي اسم موصول استعمل استعمال الجنس فدل على متعدد بدليل الخبر عنه وهو أولئك الذين حق عليهم القول. أفٍ لكما: أي نتناً وقبحاً لكما. أن أخرج: أي من القبر حيا بعد موتي. وقد خلت القرون: أي مضت الأمم قبلي ولم يخرج منها أحد من قبره. وهما يستغيثان الله: أي يطلبان الغوث برجوع ولدهما إلى الإِيمان بعد الإِلحاد والكفر. ويلك آمن: أي يقولان له إن لم ترجع ويلك أي هلاكك أي هلكت آمن بالبعث. إن وعد الله حق: وقد وعد العباد بالرجوع إليه ومحاسبتهم على أعمالهم ومجازاتهم بها. فيقول ما هذا إلا أساطير الأولين: أي ما القول بوجود بعث للناس أحياء بعد الموت إلا أكاذيب الأولين. أولئك الذين حق عليهم القول: أي وجب عليهم القول بالعذاب يوم القيامة. في أمم قد خلت من قبلهم: أي في جملة أمم قد مضت من قبلهم من الجن والإِنس. ولكل درجات مما عملوا: أي ولكل من المؤمنين البارين، والكافرين الفاجرين درجات مما عملوا درجات المؤمنين في الجنة ودرجات الكفار في النار. أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا: أي يقال لهم أذهبتم طيباتكم باشتغالكم بملذاتكم في الدنيا. واستمتعتم بها: أي تمتعتم بها في الحياة الدنيا. فاليوم تجزون عذاب الهون: أي جزاؤكم عذاب الهوان. بما كنتم تستكبرون في الأرض: أي تتكبرون في الأرض. بغير الحق: أي إذ لا حق لكم في الكبر والكبرياء لله، ولم يأذن لكم فيه. وبما كنتم تفسقون: أي تخرجون عن طاعة الله ورسوله. معنى الآيات: لما ذكر تعالى الرجل المؤمن وأعماله الصالحة ومواقفه المشرفة ذكر هنا الرجل الكافر وأعماله الباطلة ومواقفه السيئة وذلك من باب الدعوة إليه تعالى بالترغيب والترهيب فقال تعالى {وَٱلَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَّكُمَآ أَتَعِدَانِنِيۤ أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ ٱلْقُرُونُ مِن قَبْلِي} يخبر تعالى عن أخبث إنسان هو ذاك الملحد العاق لوالديه المنكر للبعث والجزاء إذ قال لوالديه أُمه وأبيه أُف لكما أي نتناً وقبحا لكما أتعدانني بأن أخرج من قبري حياً بعد ما مت، وقد مضت أُمم وشعوب قبلي، وما خرج منها أحد من قبره فكيف تعدانني أنتما ذلك إن هذا لتخلف عقلي وتأخر حضاري وقوله تعالى {وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ ٱللَّهَ} أي ووالداه يستغيثان الله ويستصرخانه طلبا إغاثتهما بهداية ولدهما الملحد الشيوعي، ويقولان للولد ويلك أي هلاكك حضر يا ولد هلكت آمن بالبعث والجزاء وصلِّ وصُم واترك الزنا والخمر ويلك إن وعد الله حق أي إن ما وعد الله به عباده من إحيائهم للحشر والحساب والجزاء حق فلا يتخلف أبدا فيرد عليهما الولد الملحد الدّهريُّ بما أخبر تعالى به عنه في قوله فيقول {مَا هَـٰذَآ إِلاَّ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ} أي أكاذيبهم التي كانوا يعيشون عليها ويقصونها في مجالسهم، وبما أن الذي قال لوالديه لفظه مفرد ولكنه دال على جنس كان الخبر جمعا فقال تعالى في الإِخبار عنهم {أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلْقَوْلُ} أي القول بالعذاب الدال عليه قوله تعالى {أية : لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ}تفسير : [هود: 119، السجدة: 13]، وفي قوله {فِيۤ أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمْ مِّنَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنسِ} أي في جملة أمم سبقتهم في الإِلحاد والكفر من العالمين عالم الجن وعالم الإِنس وقوله {إِنَّهُمْ كَانُواْ خَاسِرِينَ} وأي خسران أعظم من عبد يخسر نفسه وأهله ويعش في جهنم خالدا فيها أبدا. وقوله تعالى {وَلِكُلٍّ دَرَجَٰتٌ مِّمَّا عَمِلُواْ} أي ولكل من المؤمنين البارين والكافرين العاقين درجات مما عملوا من خير أو شر إلا أن درجات المؤمنين في الجنة تذهب في عُلو متزايد ودرجات الكافرين في النار تذهب في سفل متزايد إلى أسفل سافلين وقوله تعالى {وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَٰلَهُمْ} كاملة غير منقوصة الحسنة بعشر أمثالها والسيئة بمثلها وهم لا يظلمون بنقص حسنة ولا بزيادة سيئة. وقوله تعالى {وَيَوْمَ يُعْرَضُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ عَلَى ٱلنَّارِ} أي اذكر يا رسولنا لهؤلاء المشركين يوم يعرضون على النار ويقال لهم في توبيخ وتقريع {أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَـٰتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ ٱلدُّنْيَا} أي بإقبالكم على الشهوات والملآذ ناسين الدار الآخرة فاستمتعتم بكل الطيبات ولم تبقوا للآخرة شيئا {فَٱلْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ ٱلْهُونِ} أي الهوان {بِمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي ٱلأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ} إذ لا حق لكم في الكبر لضعفكم وعجزكم إنما الكبرياء لله الملك الحق أما أنتم فقد ظلمتم باستكباركم عن الإِيمان بربكم ولقائه وعن طاعته {وَبِمَا كُنتُمْ تَفْسُقُونَ} أي وبفسقكم عن طاعة ربكم وطاعة رسوله. إذاً فادخلوا جهنم داخرين. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- حرمة عقوق الوالدين وأنها من الكبائر. 2- بيان حنان الوالدين وحبهما لولدهما وبذل كل ما يقدران عليه من أجل إسعاده وهدايته. 3- التحذير من الانغماس في الملاذ والشهوات والاستمتاع. 4- التحذير من الكبر والفسق وأن الكبر من أعمال القلوب والفسق من أعمال الجوارح. 5- مدى فهم السلف الصالح لهذه الآية {أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَـٰتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ ٱلدُّنْيَا وَٱسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا}. 1) قرأ يزيد حتى بلغ {وَبِمَا كُنتُمْ تَفْسُقُونَ} ثم قال تعلمون والله إن أقواما يسترطون حسناتهم استبقى رجل طيباته إن استطاع ولا قوة إلا بالله. 2) روي أن عمر بن الخطاب كان يقول لو شئت لكنت أطيبكم طعام وألينكم لباسا، ولكن استبقي طيباتي. وذُكِر أنه لمّا قدم الشام صنع له طعام لم ير قبله مثله، قال هذا لنا فما لفقراء المسلمين الذين ماتوا وهم لا يشبعون من خبز الشعير؟ فقال له خالد بن الوليد لهم الجنة، فاغرورقت عينا عمر رضي الله عنه وقال لئن كان حظنا الحطام وذهبوا بالجنة لقد باينونا بونا بعيدا.
القطان
تفسير : أف: كلمة معناها التضجّر، وهي مستعملة كثيرا. أن أُخرج: ان ابعث من القبر. خلت القرونُ من قبلي: مضت الأممُ من قبلي ولم يبعث أحدٌ من قبره. ويلك: دعاء عليه بالهلاك. الهلاك لك. اساطير الاولين: أباطيلهم وخرافاتهم. حقَّ عليهم القول: حق عليهم العذاب: الخاسرين: الّذين ضيّعوا انفسهم باتّباع شهواتهم وعدم الايمان بالله ورسوله. الدرجات: المنازل. أذهبْتم طيباتكم: أذهبتم حياتكم وشبابكم وقوّتكم باتّباع شهواتكم في الدنيا. الهُون: الهوان والذل. بعد ان مضى الحديث عن حال البررة من الأولاد، بيّن هنا حالَ الاشقياء العاقّين للوالدَين، الجاحدين المنكرين للبعث والحساب. والفريق الثاني من الناس هو الذي ينهر والديه ويقول لهما أفّ لكما ولما تؤمنان به، اتقولان لي إني سأُبعث من قبري حيّا بعد موتي، وقد مات قبلي كثيرٌ من الناس لم يعُدْ منهم أحد، أنا لا اصدّق هذا ولا أومن به! ووالداهُ يستصرخان اللهَ مستغيثين أن يوفق ولدهما إلى الايمان، ويقولان له: ويلكَ، آمِنْ قبل ان تهلك وتموتَ ثم تحشَر الى النار، {إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ} فيردّ عليهم بأنّ كل ما يقولانه خرافاتٌ من أساطير الاقدمين. هذا الصنف من البشَر هم الذين حقَّ عليهم وقوعُ العذاب مع أممٍ قد مضت من قبلِهم من الجنّ والانس، {إِنَّهُمْ كَانُواْ خَاسِرِينَ}. روى البخاري والترمذي وابو داود ان النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إن من أكبرِ الكبائر ان يلعنَ الرجلُ والديه او يعقَّهما ". تفسير : ولكل من المؤمنين والكافرين منازلُ تلائمهم بحسب أعمالهم، ليظهرَ عدلُ الله فيهم، وليوفيهم جزاءَ أعمالهم {وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ}. واذكر أيّها الرسول يومَ يُعرض الكافرون على النار يقال لهم: لقد استوفيتم ملذّاتِكم وشهواتِكم في الدنيا، و استمتعتُم بها، فاليومَ لكم أشدُّ العذاب بالذلّ والهوان بما كنتم في الدنيا تفسُقون وتستكبرون. قراءات: قرأ حمزة والكسائي وحفص: نتقبل، ونتجاوز بالنون. والباقون: يتقبل ويتجاوز بالياء. وقرأ هشام: اتعدانّي بنون واحدة مشددة. والباقون: اتعدانني بنونين بدون تشديد. وقرأ نافع وابن عامر وحمزة والكسائي وابن ذكوان: لنوفيهم بالنون. والباقون: ليوفيهم بالياء. وقرأ ابن كثير وابن عامر ويعقوب: أأذهبتم طيباتكم بالاستفهام، والباقون: بهمزة واحدة، وابن كثير يقرأ بهمزة ممدودة.
د. أسعد حومد
تفسير : {لِوَالِدَيْهِ} {آمِنْ} {أَسَاطِيرُ} (17) - بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ تَعَالى حَالَ البَرَرَةِ الصَّالحينَ، وَما أَعَدَّهُ لَهُمْ مِنَ النَّعِيم في الدُّنيا وَالآخِرَةِ، جَاءَ عَلَى ذِكْرِ الأَشْقِيَاءِ أَهْلِ العُقُوقِ لِلْوَالِدَينِ، المُنْكِرِينَ لِلْبَعْثِ والنُّشُورِ، فَأَخْبَرَ تَعَالى: أَنّ الذِي أَجَابَ وَالديهِ حِينَما دَعَواهُ إِلى الإِيمَانِ باللهِ والإِقْرارِ بالبَعْثِ وَالحِسَابِ: أُفٍّ لَكُما، أَتَقُولاَنِ إِنَّني سأُبْعَثُ مِنْ قَبْرِي حَيّاً بَعْدَ مَوتِي، وَبَعْدَ أَنْ أَصِير تُراباً وَرَمِيماً؟ إِنَّ هَذا لأَمْرٌ لا يُصدَّقُ، فَهذِهِ أَجْيَالٌ مِنَ البَشَرِ مَضَتْ، وَأُمَمٌ قَدْ خَلَتْ، وَلَمْ يَبْقَ مِنْهَا أَحَدٌ، وَلَوَ كُنْتُ مَبُعُوثاً بَعْدَ مَوتي لَكَانَ بُعِثَ مَنْ مَضَى مِنَ الأُمَمِ الغَابِرَةِ. وَقَدِ استَغَاثَ وَالِدَاهُ بِاللهِ استِعْظَاماً لجُرمِهِ، وَقَالاَ لَهُ، وَهُما يَحُثَّانِهِ عَلَى الإِيمَانِ بِاللهِ: هَلَكْتَ إِنْ لَمْ تُؤْمِنْ بِما وَعَدَ اللهُ مِنَ المَعَادِ مِنْ بَعْدِ المَوتِ، ثُمَّ بِالحِسَابِ وبِالجَزَاءِ عَلى الأَعْمالِ، فَوَعْدُ اللهِ حَقٌ لاَ شَكَّ فِيهِ، واللهُ تَعالى لا يُخْلِفُ وَعْدَه أبداً. وَيَرُدُّ الوَلَدُ عَلى نَصِيحَةِ وَالِدَيهِ قَائِلاً: إِنَّ مَا يَقُولاَنِهُ لَهُ إِنْ هُوَ إِلاَّ شَيءٌ مِمَّا سَطَّرهُ الأَوَّلُونَ مِنْ أَبَاطِيلهِمْ، وَلا ظِلَّ لَهُ مِنَ الحَقِيقَةِ. أُفٍّ لَكُما - أفٍّ كَلِمَةُ تَضَجُّرٍ وَتَبَرُّمٍ بِما يَقُولاَنِ. وَهِيَ اسْمُ فِعْلٍ مُضَارِعٍ. أَنْ أُخْرَجَ - أَن أُبْعَثَ مِنْ قَبْرِي بَعْد َأَنْ تَصِيرَ عِظامي رَميماً. خَلَتِ القُرُونَ - مَضَتِ الأُمَمُ وَلَمْ تُبْعَثْ. وَيْلَكَ - هَلَكْتَ، وَهِيَ هُنَا تَعنِي حَثَّهُ عَلَى الإِيمَانِ. أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ - قَصَصُ الأَوَّلِينَ وَخُرَافَاتُهُمْ المَسْطُورَةُ في كُتِبِهمْ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : القرآن الكريم أعطانا عدة لقطات للوالدين مع الأولاد، وهذه اللقطات تختلف باختلاف الأحوال، ولأهمية هذه العلاقة بين الوالد والولد قرنَ اللهُ الوصية بالوالدين بعبادته سبحانه، وأعطاها نفس الأهمية والقداسة. فقال سبحانه: {أية : وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِٱلْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً ..}تفسير : [الإسراء: 23] لأن الوالد والولد هما الخلية الأساسية لبناء المجتمع، فإذا صلحتْ صَلُح المجتمع، وإذا فسدتْ فسد المجتمع، وصلاح هذه الخلية يقتضي منا أن نعلم منزلة الوالدين، وأنهما السبب المباشر في الوجود فلهما حَقُّ السَّببية في الإيجاد، يعني: لولاهما ما وجد الولد. وحين نبرهما ونحترمهما تكون دُرْبة لنا على تعظيم واحترام المُوجِد الأول سبحانه والأصل الأصيل في المسألة. لذلك جاءت هذه الوصية عامة، لا فرق بين مؤمن وكافر، فالحق يُوصي بالوالدين حتى إنْ كانا كافريْنِ، لأنه تعالى ربُّ الجميع يتكفل بالجميع حياة ورزقاً وإقامة ، لأنه عبده وصَنْعته. وقُلْنا: يجب أنْ نلحظ الفرق بين الألوهية والربوبية: فالربوبية عطاء وتربية، والألوهية تكليف وتعبُّد بطاعة الأمر واجتناب النهي. فهو أيضاً عطاء، لكن عطاء تكليفي بافعل ولا تفعل، عطاء لأن فائدته تعود على العبد ولا ينتفع الله منها بشيء، ولا تزيده طاعة الطائعين صفةً لم تكُنْ له سبحانه، ولا تسلبه معصية العاصين صفةً ثابتة له سبحانه. فالله له صفات الكمال المطلق قبل أنْ يُوجد هذا الخلق، لذلك نرى الإنسان حين يحزبه أمر لا يقدر عليه من أمور حياته يقول: يا رب، فيدعو بصفة الربوبية يعني يا رب، يا من تتولى رعايتي وتربيتي خُذْ بيدي وأعنِّي. لكن إذا أراد أنْ يستعين على أمر تكليفي لله تعالى يقول: يا الله، يعني يا إلهي، يا مَنْ كلَّفتني أعنِّي على طاعتك فيما كلَّفتني. إذن: الحكمة من التكليف لا تعود على الله إنما تعود على المكلَّف، والحق سبحانه يريد مجتمعاً مؤمناً صالحاً يبني ويُعمر، ويكون على أحسن حال، كما تحثّ ولدك الصغير على المذاكرة وتقول له: إنْ نجحت سأشتري لك عجلة أو بدلة، فأنت تريد له الخير ولن تنتفع أنت بما ستشتريه له. لذلك ورد في الحديث القدسى: "حديث : يا عبادي، إنكم لن تبلغوا نفعي فتنفعوني، ولن تبلغوا ضُرِّي فتضروني، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم، وحيّكم وميّتكم، وإنسكم وجنَّكم، وشاهدكم وغائبكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم، ما زاد ذلك في مُلكي شيئاً، ولو أن أولكم وآخركم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من مُلكي شيئاً. يا عبادي لو أن أولكم وآخركم .. اجتمعوا في صعيد واحد، فسألني كلُّ واحد مسألته فأعطيتُها له ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أُدخلَ البحر. ذلك أنَِّي جواد ماجد، عطائي كلام، وعذابي كلام، إنما أمري لشيء إذا أردته أنْ أقول له: كُنْ فيكون"تفسير : إذن: حظ التكليف صلاح المكلف. وقد أوضحنا هذه المسألة في بيان معنى قوله تعالى: {أية : أُوْلَـٰئِكَ عَلَىٰ هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ ..}تفسير : [البقرة: 5] فكأن الهدى دابة ومطيّة تحمل المهتدي وتُوصِّله إلى غايته التي يسعى إليها، فالهدي ليس حِمْلاً وليس ثِقَلاً على صاحبه إنما مُعين له. والآية التي معنا {وَٱلَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَّكُمَآ ..} [الأحقاف: 17] تعطينا لقطة للوالدين حينما يكونان مؤمنين والولد غير مؤمن، وتصور لنا حرص الوالدين على نجاة الولد، كما رأينا مثلاً في قصة سيدنا نوح وولده. وهذه الآية نزلتْ في عبد الرحمن بن أبي بكر وكان أبواه قد أسلما، وأبَى هو أنْ يسلم، فكانا يدعوانه إلى الإيمان بالله والإيمان بالبعث، فيقول لهما: أين فلان؟ وأين فلان؟ ممَّن ماتوا في السابقين. ثم أسلم عبد الرحمن بعد ذلك وحَسُن إسلامه. وإنْ كانت هناك روايات عن السيدة عائشة أنها نفَتْ ذلك، وقالت: إنما نزلت الآية في شخص آخر وذكرتْ اسمه. قوله تعالى: {وَٱلَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ ..} [الأحقاف: 17] أي: اذكر الذي قال لوالديه {أُفٍّ لَّكُمَآ ..} [الأحقاف: 17] و(أفّ) اسم فعل مضارع بمعنى أتضجر، يقولون: فلان يتأفّف. يعني: يقول أف ويُظهر الضيق والضجر من شيء قذر أو مُنتن أو فعل لا يعجبك. وقوله {لَّكُمَآ} دلَّ على غضبه منهما لأنها يُلحان عليه. فقال: {أُفٍّ لَّكُمَآ ..} [الأحقاف: 17] أنتما ليس بعيداً عنكما. لكن لماذا يتأفف؟ قالو: لأن الوالدين يُلحان عليه أنْ يؤمن وهو لا يريد الإيمان، فلما أكثرا عليه تأفّف، وقال: {أَتَعِدَانِنِيۤ أَنْ أُخْرَجَ ..} [الأحقاف: 17] يعني: أُبعث بعد الموت، والهمزة هنا استفهام للتعجب أو الإنكار فهو ينكر البعث. ثم يأتي بالدليل الذي يؤيد وجهة نظره {وَقَدْ خَلَتِ ٱلْقُرُونُ مِن قَبْلِي ..} [الأحقاف: 17] أي: مضتْ القرون ومات كثيرون ممَّنْ سبق، ولم أرَ أحداً منهم قام من قبره. لكن من قال أن البعث سيكون في الدنيا، البعث موعده الآخرة بعد أنْ يموت الجميع ولا يبقى إلا الله. لكن الوالدين بعد أنْ سمعا هذا الكلام، ولمسَا هذا التصميم على الكفر لم يجدا مُنقذاً سوى الله فتوجها إليه: {وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ ٱللَّهَ وَيْلَكَ آمِنْ ..} [الأحقاف: 17]. وهذا تصوير لطبيعة الوالدين وشدة حرصهما على نجاة الابن، فهما يتضرعان ويُلحان على الابن أن يؤمن، وأنْ يذوق حلاوة الإيمان التي ذاقاها. وكلمة {وَيْلَكَ آمِنْ ..} [الأحقاف: 17] حَثٌّ له على أنْ يؤمن، أو الويل لك إنْ لم تؤمن، ونلاحظ هنا أن الفعل يستغيث يتعدى بالباء فيقول: يستغيث فلان بالله، فلماذا حذف الباء وعدَّى الفعل بنفسه فقال: {يَسْتَغِيثَانِ ٱللَّهَ ..} [الأحقاف: 17]. قالوا: هذا يدل على أنهما أمام أمر صعب، وأمام قلب قاس متحجر معاند، لا يقبل الدعوة ولا يستجيب لنداء الوالدين، ولا يُقدِّر مشاعرهما. لذا توجَّها إلى الله مباشرة أنْ يهدي هذا الولد، وأنْ يشرح صدره، وأن يلين هذا الطبع القاسي، ليسمع ويطيع وينجو، لذلك قلنا: لا تجد إنساناً يحب لك الخير كما يحبه لك والدك، يحب أنْ تكون أحسن حالاً منه، وهذه لا تتوافر إلا في الوالد والولد. إذن: أمام هذا العناد ليس أمام الوالدين إلا التوجّه إلى الله مُقلِّب القلوب ومُسبِّب الأسباب، فما ضاقتْ به أسباب الخَلْق دَعْهُ للخالق سبحانه، فالقلوب بين أصبعين من أصابعه سبحانه يُقلِّبها كيف يشاء. وسبق أن قلنا ذلك في قصة أم موسى لما قال الله لها: {أية : فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي ٱليَمِّ وَلاَ تَخَافِي وَلاَ تَحْزَنِيۤ ..}تفسير : [القصص: 7] بالله أتقبل أم تخاف على ولدها أنْ تلقيه في البحر؟ تقبل أنْ تنجيه من موت مظنون بموت مُحقَّق؟ لكنها آمنَتْ وصدقتْ ونفذت. لأن الله قَلَب قلبها، ووارد الرحمن لا يعارضه ولا يعطله وارد الشيطان، لذلك قال تعالى: {أية : وَاعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَقَلْبِهِ ..}تفسير : [الأنفال: 24]. وهذه المسألة حدثتْ مع فرعون، فحال اللهُ بينه وبين قلبه وما يريد، فهو يبحث عن الأطفال ويقتلهم، ومع ذلك جاءه طفل في صندوق مُلقى في البحر، وعلى هيئة مريبة تدعو إلى الشك، ومع ذلك استقبله واحتضنه وربَّاه وصدَّق امرأته لما قالتْ عن الولد {أية : قُرَّتُ عَيْنٍ لِّي وَلَكَ ..}تفسير : [القصص: 9]. إذن: هذا غباء، ممَّنْ؟ من فرعون الذي ادَّعى الألوهية وقال للناس: أنا ربكم الأعلى. ثم لما نتأمل القصة نجد دلالات أخرى لغباء هذا الرجل، فقد قال له السحرة: إن زوال مُلْكك سيكون على يد طفل يُولَد من بني إسرائيل، فما دُمْت قد صدَّقت بهذه النبوءة، فلماذا تقتل الأطفال؟ إذن: أقدار الله لا بدَّ أنْ تتحقق، وأنْ يُهيء لها أسبابها، وهذا هو معنى {وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ ٱللَّهَ ..} [الأحقاف: 17] يقولان: يا رب أنت قادر على كل شيء وأنت فوق الأسباب، وليس لنا حيلة مع هذا الولد ويعز علينا أنْ نتركه على كفرة فيهلك. وقد علّمنا سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نلجأ إلى الله، فكان إذا حزبه أمر يعني: غلبه وضاقتْ عنه أسبابه قام إلى الصلاة ليقف بين يدي ربه، فيحلّ له كل شَاقٍّ ويُهوِّن كلَّ عسير. وكلمة {آمِنْ} يعني: انطق بالشهادة واعترف بأن الله إله واحد. ومادة (أمن) لها في القرآن معانٍ متعددة، تقول: آمنتُ بالله. وهذا الفعل مُتعدٍّ بالباء يعني: شهدتُ وصدّقتُ، وأمنتُ له: صدقته كما في قوله تعالى: {أية : وَمَآ أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا ..}تفسير : [يوسف: 17] يعني: مُصدِّق، وأمنته يعني أعطيته الأمان. وقولهما: {إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ ..} [الأحقاف: 17] يؤكدان له هذه الحقيقة، وما دام حقاً فسوف يحدث ولا مفرَّ منه، لأن الله إله واحد لا شريك له، ولا أحدَ ينقض هذا الوعد أو يعارضه، وهو سبحانه القادر القوي الذي يملك إنفاذ ما وعد به. لذلك قال تعالى في شأن الساعة: {أية : أَتَىٰ أَمْرُ ٱللَّهِ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ}تفسير : [النحل: 1] هكذا بالفعل الماضي، لأن وعَدْ الله يستوي فيه الماضي والحاضر والمستقبل، فهو سبحانه خالق الزمن ومالكه والمتصرّف فيه، فيعبر عن المستقبل بالماضي لأنه يعلم أنه لا توجد قوة تعارضه. إذن: فالقيامة التي ستأتي في المستقبل أتتْ بالفعل وهي حادثة لا شكَّ فيها، لذلك يتصرف في الكون بشهادته سبحانه لنفسه، فأول مَنْ آمن آمنَ اللهُ بذاته سبحانه، فقال: {أية : شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ..}تفسير : [آل عمران: 18]. فقد شهد الله لذاته قبل أنْ يشهد بذلك أحدٌ من خلقه، وكأنه سبحانه بهذه الشهادة يقبل على كل شيء يريده وهو يعلم أنه لن يتخلف، وما هي إلا كُنْ فيكون. كذلك سيدنا رسول الله يشهد لنفسه بالرسالة قبل أنْ يشهد بها أحد، ففي رواية حديث : أن سيدنا جابر بن عبد الله كان عليه دَيْن لرجل يهودي، ووعده حين يثمر النخل أنْ يجز نخله ويقضيه دَيْنه، فلما جاء أوان الثمر (خاب) ولم يُعط الثمر المرجو منه، وعجز جابر عن السداد. فذهب بعض إخوان جابر وحكوا القصة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فبعث لليهوي وقال له: أنظِرْ جابراً حتى يقضي ما عليه. فقال: لا يا أبا القاسم، فأعاد الرسول عليه: أنظِرْ جابراً. فقال: لا يا أبا القاسم. فتركه رسول الله وذهب إلى بستان جابر ومرَّ خلاله، ثم قال: أين عريشك يا جابر؟ فأخذ جابر رسول الله وأجلسه في عريشه، فقال: دَعْني هنا يا جابر واذهب فجُذَّ واقضِ ما عليك، فذهب جابر إلى نخله فجذَّ منه حتى قضى ما عليه وبقي له ما يكفيه، فجاء بطبق من الرطب إلى رسول الله وقال له: يا رسول الله قضيتُ ما عليَّ وبقي لي ما لم يكُنْ يبقى في أيّ عام سابق، عندها ضحك سيدنا رسول الله وقال: أشهد أني رسول الله . تفسير : فقوله تعالى: {إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ ..} [الأحقاف: 17] يعني: صادق لا يتخلف، والحق هو الشيء الثابت الذي لا يتغير، لأن الله هو الذي قضاه وحكم به، فلا أحدَ يُغيره، لذلك يقول سبحانه: {أية : سُنَّةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِي قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ ٱللَّهِ تَبْدِيلاً}تفسير : [الفتح: 23]. وقوله تعالى: {فَيَقُولُ مَا هَـٰذَآ إِلاَّ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ} [الأحقاف: 17]. أي: يقول هذا الولد المعاند لوالديه، وهما يدعوانه للإيمان بالبعث والنشور: إن ما تقولانه ما هو إلا أساطير الأولين، وهي أكاذيبهم وقصصهم التي جاءتْ في كتبهم، يعني: ما تدعواني إليه كذب أشبه بالأساطير والخرافات.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : لما ذكر تعالى حال الصالح البار لوالديه ذكر حالة العاق وأنها شر الحالات فقال: { وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ } إذ دعواه إلى الإيمان بالله واليوم الآخر وخوفاه الجزاء. وهذا أعظم إحسان يصدر من الوالدين لولدهما أن يدعواه إلى ما فيه سعادته الأبدية وفلاحه السرمدي فقابلهما بأقبح مقابلة فقال: { أُفٍّ لَكُمَا } أي: تبا لكما ولما جئتما به. ثم ذكر وجه استبعاده وإنكاره لذلك فقال: { أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ } من قبري إلى يوم القيامة { وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي } على التكذيب وسلفوا على الكفر وهم الأئمة المقتدى بهم لكل كفور وجهول ومعاند؟ { وَهُمَا } أي: والداه { يَسْتَغِيثَانِ اللَّهَ } عليه ويقولان له: { وَيْلَكَ آمِنْ } أي: يبذلان غاية جهدهما ويسعيان في هدايته أشد السعي حتى إنهما -من حرصهما عليه- أنهما يستغيثان الله له استغاثة الغريق ويسألانه سؤال الشريق ويعذلان ولدهما ويتوجعان له ويبينان له الحق فيقولان: { إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ } ثم يقيمان عليه من الأدلة ما أمكنهما، وولدهما لا يزداد إلا عتوا ونفورا واستكبارا عن الحق وقدحا فيه، { فَيَقُولُ مَا هَذَا إِلا أَسَاطِيرُ الأوَّلِينَ } أي: إلا منقول من كتب المتقدمين ليس من عند الله ولا أوحاه الله إلى رسوله، وكل أحد يعلم أن محمدا صلى الله عليه وسلم أمي لا يكتب ولا يقرأ ولا تعلم من أحد، فمن أين يتعلمه؟ وأنى للخلق أن يأتوا بمثل هذا القرآن ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا؟. { أُولَئِكَ الَّذِينَ } بهذه الحالة الذميمة { حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ } أي: حقت عليهم كلمة العذاب { فِي } جملة { أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالإنْسِ } على الكفر والتكذيب فسيدخل هؤلاء في غمارهم وسيغرقون في تيارهم. { إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ } والخسران فوات رأس مال الإنسان، وإذا فقد رأس ماله فالأرباح من باب أولى وأحرى، فهم قد فاتهم الإيمان ولم يحصلوا على شيء من النعيم ولا سلموا من عذاب الجحيم. { وَلِكُلٍّ } من أهل الخير وأهل الشر { دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا } أي: كل على حسب مرتبته من الخير والشر ومنازلهم في الدار الآخرة على قدر أعمالهم ولهذا قال: { وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ } بأن لا يزاد في سيئاتهم ولا ينقص من حسناتهم.
النسائي
تفسير : قوله: {وَٱلَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ/ لَّكُمَآ} [17] 511 - أخبرنا علي بن الحسين، قال: حدثنا أُمية بن خالدٍ، عن شعبة، عن محمد بن زيادٍ، قال: لمَّا بايع مُعاوية لابنهِ، قال مروان: سُنَّةُ أبي بكرٍ وعمر فقال عبد الرحمن بن أبي بكرٍ: سنة هرقل وقيصر، [فـ] قال مروان: هذا الذي أنزل اللهُ فيه {وَٱلَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَّكُمَآ} الآيةُ، فبلغ ذلك عائشة فقالت: كذب والله، ما هو به، ولو شئتُ أن أُسمي الذي أُنزلت فيه لسميتهُ، ولكنَّ رسول اللهِ صلى الله عليه وسلم لعن أبا مروان، ومروان في صُلبه، فمروانُ فضضٌ من لعنةِ الله.
همام الصنعاني
تفسير : 2851- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {أَتَعِدَانِنِيۤ أَنْ أُخْرَجَ}: [الآية: 17]، قال: يعني البعث بعد الموت. 2859- حدثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن قتادة والكلبي، في قوله تعالى: {وَٱلَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَّكُمَآ}: [الآية: 17]، قالا: عبد الرحمن بن أبي بكر. 2860- قال عبد الرزاق، قال: سمعت (أبي) أنه سمع (مينا) يذكر أنه سمع عائشة تنكر أن يكونَ عبد الرحمن الذي نزلت فيه الآية، وقالت: هو فلان بن فلان: سَمَّت رَجُلاً.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):