Verse. 4530 (AR)

٤٦ - ٱلْأَحْقَاف

46 - Al-Ahqaf (AR)

وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِيْنَ كَفَرُوْا عَلَي النَّارِ۝۰ۭ اَذْہَبْتُمْ طَيِّبٰتِكُمْ فِيْ حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِہَا۝۰ۚ فَالْيَوْمَ تُجْـزَوْنَ عَذَابَ الْہُوْنِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْـتَكْبِرُوْنَ فِي الْاَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُوْنَ۝۲۰ۧ
Wayawma yuAAradu allatheena kafaroo AAala alnnari athhabtum tayyibatikum fee hayatikumu alddunya waistamtaAAtum biha faalyawma tujzawna AAathaba alhooni bima kuntum tastakbiroona fee alardi bighayri alhaqqi wabima kuntum tafsuqoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ويوم يُعرض الذي كفروا على النار» بأن تكشف لهم يقال لهم «أذهبتم» بهمزة وبهمزتين وبهمزة ومدة وبهما وتسهيل الثانية «طيباتكم» باشتغالكم بلذاتكم «في حياتكم الدنيا واستمتعتم» تمتعتم «بها فاليوم تجزون عذاب الهُون» أي الهوان «بما كنتم تستكبرون» تتكبرون «في الأرض بغير الحق وبما كنتم تفسقون» به وتعذبون بها.

20

Tafseer

القرطبي

تفسير : قوله تعالى:{وَيَوْمَ يُعْرَضُ} أي ذكّرهم يا محمد يوم يعرض. {ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ عَلَى ٱلنَّارِ} أي يكشف الغطاء فيقرّبون من النار وينظرون إليها. {أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ} أي يقال لهم أذهبتم؛ فالقول مضمر. وقرأ الحسن ونصر وأبو العالية ويعقوب وابن كثير «أَأَذْهَبْتُمْ» بهمزتين مخففتين، وٱختاره أبو حاتم. وقرأ أبو حيوة وهشام «آذهبتم» بهمزة واحدة مطولة على الاْستفهام. الباقون بهمزة واحدة من غير مدّ على الخبر، وكلها لغات فصيحة ومعناها التوبيخ، والعرب توبخ بالاْستفهام وبغير الاْستفهام؛ وقد تقدّم. وٱختار أبو عبيد ترك الاْستفهام لأنه قراءة أكثر أئمة السبعة نافع وعاصم وأبي عمرو وحمزة والسكائي، مع من وافقهم شيبة والزهري وابن مُحَيْصن والمغيرة بن أبي شهاب ويحيى بن الحارث والأعمش ويحيى بن وثّاب وغيرهم؛ فهذه عليها جِلّة الناس. وترك الاْستفهام أحسن؛ لأن إثباته يوهم أنهم لم يفعلوا ذلك، كما تقول: أنا ظلمتك؟ تريد أنا لم أظلمك. وإثباته حسن أيضاً؛ يقول القائل: ذهبت فعلت كذا؛ يُوَبّخ ويقول: أذهبت فعلت! كل ذلك جائز. ومعنى «أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ» أي تمتَّعتم بالطيبات في الدنيا وٱتبعتم الشهوات واللذات؛ يعني المعاصي. {فَٱلْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ ٱلْهُونِ} أي عذاب الخزي والفضيحة. قال مجاهد: الهون الهوان. قتادة: بلغة قريش. {بِمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي ٱلأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ} أي تستعلون على أهلها بغير استحقاق. {وَبِمَا كُنتُمْ تَفْسُقُونَ} في أفعالكم بَغْياً وظلماً. وقيل: «أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ» أي أفنيتم شبابكم في الكفر والمعاصي. قال ابن بحر: الطيبات الشباب والقوّة؛ مأخوذ من قولهم: ذهب أطيباه؛ أي شبابه وقوّته. قال الماوردِيّ: ووجدت الضحاك قاله أيضاً. قلت: القول الأوّل أظهر، روى الحسن عن الأحنف بن قيس أنه سمع عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: لأنا أعلم بخفض العيش، ولو شئت لجعلت أكباداً وصلاء وصِناباً وصَلائِقَ، ولكني أستبقي حسناتي؛ فإن الله عز وجل وصف أقواماً فقال: {أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ ٱلدُّنْيَا وَٱسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا} وقال أبو عبيد في حديث عمر: لو شئت لدعوت بصلائق وصناب وكَرَاكِرَ وأسنمة. وفي بعض الحديث: وأفلاذٍ. قال أبو عمرو وغيره: الصلاء (بالمدّ والكسر): الشواء؛ سُمِّي بذلك لأنه يُصْلَى بالنار. والصِّلاء أيضاً: صلاء النار؛ فإن فتحت الصاد قصرت وقلت: صَلَى النارِ. والصِّناب: الأصبغة المتخذة من الخردل والزبيب. قال أبو عمرو: ولهذا قيل للبِرذَوْن: صِنابِيّ؛ وإنما شُبِّه لونه بذلك. قال: والسلائق (بالسين) وهو ما يسلق من البقول وغيرها. وقال غيره: هي الصلائق بالصاد؛ قال جرير:شعر : تُكَلِّفنِي معيشةَ آلِ زيدٍ ومَن لي بالصّلائق والصِّناب تفسير : والصلائق: الخبز الرقاق العريض. وقد مضى هذا المعنى في «الأعراف». وأما الكراكر فكراكر الإبل، واحدتها كِركِرة وهي معروفة؛ هذا قول أبي عبيد. وفي الصحاح: والكِرْكِرة رَحَى زَوْر البعير، وهي إحدى النفثات الخمس. والكِركِرة أيضاً الجماعة من الناس. وأبو مالك عمرو بن كِرْكِرة رجل من علماء اللغة. قال أبو عبيد: وأما الأفلاذ فإن واحدها فِلذ، وهي القطعة من الكَبِد. قال أعشَىْ باهلة:شعر : تَكْفِيهِ حُزَّةُ فِلْذٍ إن ألَمّ بها من الشِّواء ويُرْوِي شُرْبَه الغُمَرُ تفسير : وقال قتادة: ذكر لنا أن عمر رضي الله عنه قال: لو شئت كنت أطيبكم طعاماً، وألينكم لباساً، ولكني أستبقي طيباتي للآخرة. ولما قدم عمر الشام صنع له طعام لم ير قط مثله قال: هذا لناٰ فما لفقراء المسلمين الذين ماتوا وما شبعوا من خبز الشعير! فقال خالد بن الوليد: لهم الجنة؛ فَاغْرَوْرَقت عَيْنَا عمرَ بالدموع وقال: لئن كان حظنا من الدنيا هذا الحطام، وذهبوا هم في حظهم بالجنة فلقد باينونا بَوْناً بعيداً. وفي صحيح مسلم وغيره: حديث : أن عمر رضي الله عنه دخل على النبيّ صلى الله عليه وسلم وهو في مَشْرُبته حين هجر نساءه قال: فالتفت فلم أرَ شيئاً يردّ البصر إلا أهباً جلوداً معطونة قد سطع ريحها؛ فقلت: يا رسول الله، أنت رسول الله وخِيرته، وهذا كِسْرى وقَيْصر في الديباج والحرير؟ قال: فاستوى جالساً وقال:«أفِي شَكٍّ أنت يا بن الخطاب. أولئك قوم عجلت لهم طيباتهم في حياتهم الدنيا» فقلت: ٱستغفر لي! فقال:«اللهم ٱغفر له»تفسير : . وقال حفص بن أبي العاص: كنت أتغدّى عند عمر بن الخطاب رضي الله عنه الخبز والزيت، والخبز والخل، والخبز واللبن، والخبز والقَدِيد، وأقلّ ذلك اللحم الغَريض. وكان يقول: لا تنخلوا الدقيق فإنه طعام كلّه؛ فجيء بخبز متفلع غليظ؛ فجعل يأكل ويقول: كلوا؛ فجعلنا لا نأكل؛ فقال: ما لكم لا تأكلون؟ فقلنا: والله يا أمير المؤمنين نرجع إلى طعام ألين من طعامك هذا؛ فقال: يا بن أبي العاص أما ترى بأني عالم أن لو أمرتُ بعَناق سمينة فيلقى عنها شعرها ثم تُخرج مَصْلِيّة كأنها كذا وكذا، أمَا ترى بأني عالم أن لو أمرت بصاع أو صاعين من زبيب فأجعله في سقاء ثم أشنّ عليه من الماء فيصبح كأنه دم غزال؛ فقلت: يا أمير المؤمنين، أجل! ما تنعت العيش؛ قال: أجل! والله الذي لا إلٰه إلا هو لولا أني أخاف أن تنقص حسناتي يوم القيامة لشاركناكم في العيش! ولكني سمعت الله تعالى يقول لأقوام: {أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ ٱلدُّنْيَا وَٱسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا}. {فَٱلْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ ٱلْهُونِ} أي الهوان. {بِمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي ٱلأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ} أي تتعظمون عن طاعة الله وعلى عباد الله. {وَبِمَا كُنتُمْ تَفْسُقُونَ} تخرجون عن طاعة الله. وقال جابر: ٱشتهى أهلي لحماً فٱشتريته لهم فمررت بعمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال: ما هذا يا جابر؟ فأخبرته؛ فقال: أوكلما ٱشتهى أحدكم شيئاً جعله في بطنهٰ أما يخشى أن يكون من أهل هذه الآية: {أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ} الآية. قال ابن العربي: وهذا عتاب منه له على التوسع بابتياع اللحم والخروج عن جِلْف الخبز والماء؛ فإن تعاطي الطيبات من الحلال تستشره لها الطباع وتستمرئها العادة فإذا فقدتها ٱستسهلت في تحصيلها بالشبهات حتى تقع في الحرام المحض بغلبة العادة وٱستشراه الهوى على النفس الأمارة بالسوء؛ فأخذ عمر الأمر من أوّله وحماه من ٱبتدائه كما يفعله مثله. والذي يضبط هذا الباب ويحفظ قانونه: على المرء أن يأكل ما وجد، طيباً كان أو قَفاراً، ولا يتكلف الطيّب ويتخذه عادة؛ وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يشبع إذا وجد، ويصبِر إذا عدِم، ويأكل الحلوى إذا قدر عليها، ويشرب العسل إذا ٱتفق له، ويأكل اللحم إذا تيسر؛ ولا يعتمد أصلاً، ولا يجعله دَيْدَناً. ومعيشة النبيّ صلى الله عليه وسلم معلومة، وطريقة الصحابة منقولة؛ فأما اليوم عند ٱستيلاء الحرام وفساد الحطام فالخلاص عسير، والله يَهَب الإخلاص، ويُعين على الخلاص برحمته. وقيل: إن التوبيخ واقع على ترك الشكر لا على تناول الطيّبات المحللة، وهو حسن؛ فإن تناول الطيب الحلال مأذون فيه، فإذا ترك الشكر عليه وٱستعان به على ما لا يحل له فقد أذهبه. والله أعلم.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَيَوْمَ يُعْرَضُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ عَلَى ٱلنَّارِ } بأن تُكشف لهم، يقال لهم {أَذْهَبْتُمْ } بهمزة، وبهمزتين، وبهمزة ومدّة، وبهما وتسهيل الثانية {طَيِّبَٰتِكُمْ } باشتغالكم بلذاتكم {فِى حَيَاتِكُمُ ٱلدُّنْيَا وَٱسْتَمْتَعْتُمْ } تمتعتم {بِهَا فَٱلْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ ٱلْهُونِ } أي الهوان {بِمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ } تتكبرون {فِى ٱلأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ وَبِمَا كُنتُمْ تَفْسُقُونَ } به وتعذبون بها.

ابن عطية

تفسير : المعنى: واذكر يوم يعرض، وهذا العرض هو بالمباشرة، كما تقول عرضت العود على النار والجاني على السوط، والمعنى: يقال لهم {أذهبتم طيباتكم}. وقرأ جمهور القراء: "أذهبتم" على الخبر، حسنت الفاء بعد ذلك. وقرأ ابن كثير والحسن والأعرج وأبو جعفر ومجاهد وابن وثاب. "آذهبتم" بهمزة مطولة على التوبيخ والتقرير الذي هو في لفظ الاستفهام. وقرأ ابن عامر "أأذهبتم" بهمزتين تقريراً. والتقرير والتوبيخ إخبار بالمعنى، ولذلك حسنت الفاء وإلا فهي لا تحسن في جواب على حد هذه مع الاستفهام المحض. والطيبات: الملاذ، وهذه الآية وإن كانت في الكفار فهي رادعة لأولي النهى من المؤمنين عن الشهوات واستعمال الطيبات، ومن ذلك قول عمر رضي الله عنه: أتظنون أنا لا نعرف طيب الطعام، ذلك لباب البر بصغار المعزى، ولكني رأيت الله تعالى نعى على قوم أنهم أذهبوا طيباتهم في حياتهم الدنيا، ذكر هذا في كلامه مع الربيع بن زياد. وقال أيضاً نحو هذا لخالد بن الوليد حين دخل الشام فقدم إليه طعام طيب، فقال عمر: هذا لنا، فما لفقراء المسلمين الذين ماتوا ولم يشبعوا من خبز الشعير؟ فقال خالد: لهم الجنة، فبكى عمر وقال: لئن كان حظنا في الحطام وذهبوا بالجنة لقد باينونا بوناً بعيداً. وقال جابر بن عبد الله: اشتريت لحماً بدرهم فرآني عمر، فقال: أو كلما اشتهى أحدكم شيئاً اشتراه فأكله؟ أما تخشى أن تكون من أهل هذه الآية، وتلا: {أذهبتم} الآية. و {عذاب الهون}: العذاب الذي اقترن به هوان، وهذا هو عذاب العصاة المواقعين ما قد نهوا عنه، وهذا بين في عذاب الدنيا، فعذاب المحدود في معصية كالحرابة ونحوها مقترن بهون، وعذاب المقتول في حرب لا هون معه، فالهون والهوان بمعنى؟!. ثم أمر تعالى نبيه بذكر هود وقومه عاد على جهة المثال لقريش، وهذه الأخوة هي أخوة القرابة، لأن هوداً كان من أشراف القبيلة التي هي عاد. واختلف الناس في هذه "الأحقاف" أين كانت؟ فقال ابن عباس والضحاك: هي جبل بالشام، وقيل كانت بلاد نخيل، وقيل هي الرمال بين مهرة وعدن. وقال ابن عباس أيضاً: بين عمان ومهرة. وقال قتادة: هي بلاد الشحر المواصلة للبحر اليماني وقال ابن إسحاق هي بين حضرموت وعمان، والصحيح من الأقوال: أن بلاد عاد كانت باليمن ولهم كانت إرم ذات العماد. و "الأحقاف": جمع حقف، و هو الجبل المستطيل والمعوجّ من الرمل. (قال الخليل: هي الرمال الأحقاف) وكثيراً ما تحدث هذه الأحقاف في بلاد الرمل في الصحارى، لأن الريح تصنع ذلك. وقوله تعالى: {وقد خلت النذر من بين يديه ومن خلفه} اعتراض مؤكد مقيم للحجة أثناء قصة هود، لأن قوله: {ألا تعبدوا إلا الله} هو من نذارة هود. و: {خلت} معناه: مضت إلى الخلاء ومرت أزمانها. وفي مصحف عبد الله: "وقد خلت النذر من قبله وبعده". وروي أن فيه: "وقد خلت النذر من بين يديه ومن بعده". و {النذر}: جمع نذير بناء اسم فاعل. وقولهم: {لتأفكنا} معناه: لتصرفنا. وقولهم: {فأتنا بما تعدنا} تصميم على التكذيب وتعجيز منهم له في زعمهم.

ابن عبد السلام

تفسير : {طَيِّبَاتِكُمْ} شبابكم وقوتكم من قولهم ذهب أطيباه أي شبابه وقوته. قاله الضحاك. {الْهُونِ} الهوان بلغة قريش.

الثعالبي

تفسير : وقوله عز وجل: {وَيَوْمَ يُعْرَضُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ عَلَى ٱلنَّارِ...} الآية، المعنى: واذكر يومَ يُعْرَضُ، وهذا العرض هو بالمباشرة {أَذْهَبْتُمْ} أي: يقال لهم: {أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَـٰتِكُمْ فِى حَيَـٰتِكُمُ ٱلدُّنْيَا} و«الطَّيِّبَاتُ» هنا: المَلاَذُّ، وهذه الآية، وإنْ كانت في الكُفَّار، فهي رادعة لأُولي النُّهَىٰ من المؤمنين عن الشهوات واستعمالِ الطَّيِّبَاتِ؛ ومن ذلك قولُ عُمَرَ ـــ رضي اللَّه عنه ـــ: أتَظُنُّونَ أَنَّا لا نَعْرِفُ طَيِّبَ الطَّعَامِ؟ ذلك لُبَابُ البُرِّ بِصِغَارِ المِعْزَىٰ، ولكنِّي رأيتُ اللَّه تعالى نَعَىٰ عَلَىٰ قومٍ أَنَّهم أَذْهَبُوا طَيِّبَاتِهِمْ في حياتِهِمُ الدنيا، ذكَرَ هذا في كلامِهِ مع الرَّبيع بْنِ زِيَادٍ، وقال أيضاً نحو هذا لخالد بن الوَلِيدِ حينَ دَخَلَ الشَّامَ، فَقُدِّمَ إليه طعام طَيِّبٌ، فقال عمر: هذا لنا، فما لفقراءِ المسلمينَ الَّذِينَ ماتوا ولم يَشْبَعُوا من خُبْزِ الشَّعِير؟ فقال خالدٌ: لَهُمُ الجَنَّةُ، فبكَىٰ عُمَرُ، وقال: لَئِنْ كَانَ حَظُّنَا في الحُطَامَ، وذَهَبُوا بالجَنَّةِ ـــ فَقَدْ بَانُوا بُوْناً بَعِيداً، وقال جابرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: اشتريت لحماً بدرهم، فرآني عمر، فقال: أَوَكُلَّمَا اشْتَهَىٰ أَحَدُكم شَيْئاً اشتراه فأكَلَهُ؟! أما تخشَىٰ أنْ تكون من أهل هذه الآية، وتلا: {أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَـٰتِكُمْ فِى حَيَـٰتِكُمُ ٱلدُّنْيَا} * ت *: والآثار في هذا المعنى كثيرةٌ جِدًّا، فمنها ما رواه أبو داود في سُنَنِهِ، عن عبد اللَّه بن بُرَيْدَةَ أَنَّ رجُلاً من أصحاب النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، رَحَلَ إلى فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ، وهو بِمَصْرَ، فَقَدِمَ عليه، فقال: أَمَا إنِّي لم آتِكَ زَائِراً ولكنْ سَمِعْتُ أَنا وأَنْتَ حَدِيثاً مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، رَجَوْتُ أَنْ يكونَ عندَكَ منْهُ عِلْمٌ، قال: ما هو؟ قال: كذا وكذا، قال: فمالي أَرَاكَ شَعْثاً وأَنْتَ أَمِيرُ الأَرْضِ؟! قال: إنَّ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، كان ينهَىٰ عن كثيرٍ من الإرفَاهِ، قال: فمالي لا أرَىٰ عَلَيْكَ حِذَاءً؟ قال: كان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، يأمرنا أَنْ نَحْتَفِيَ أحياناً، وروَىٰ أبو داوُدَ عَنْ أَبي أُمَامَةَ قال: «حديث : ذكر أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، يوماً عنده الدنيا، فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: «أَلاَ تَسْمَعُونَ أَنَّ الْبَذَاذَةَ مِنَ الإيمَانِ؟ إِنَّ الْبَذَاذَةَ مِنَ الإيمَانِ، إن الْبَذَاذَةَ مِنَ الإِيمَانِ»»تفسير : قال أبو داوُدَ: يعني: التَّقَحُّلَ، وفسر أبو عمر بن عبد البَرِّ: «البَذَاذَةَ» بِرَثِّ الْهَيْئَةِ، ذكر ذلك في «التمهيد»، وكذلك فَسَّرَهَا غيره، انتهى،، وروى ابن المبارك في «رقائقه» من طريق الحسن عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ خَرَجَ في أَصْحَابِهِ إلَى بَقِيعِ الغَرْقَدِ، فَقَالَ: «حديث : السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ يَا أَهْلَ الْقُبُورِ، لَوْ تَعْلَمُونَ مَا نَجَّاكُمُ اللَّهُ مِنْهُ مِمَّا هُوَ كَائِنٌ بَعْدَكُم! ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَىٰ أَصْحَابِهِ، فَقَالَ: هَؤُلاَءِ خَيْرٌ مِنْكُمْ؛ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إخْوانُنَا، أَسْلَمْنَا كَمَا أَسْلَمُوا، وَهَاجَرْنَا كَمَا هَاجَرُوا، وَجَاهَدْنَا كَمَا جَاهَدُوا، وَأَتَوا عَلَىٰ آجَالِهِمْ فَمَضَوْا فِيهَا وَبَقِينَا في آجالِنَا، فَمَا يَجْعَلُهُمْ خَيْراً مِنَّا؟! قال: هَؤُلاَءِ خَرَجُوا مِنَ الدُّنْيَا لَمْ يَأْكُلُوا مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئاً، وَخَرَجُوا وَأَنا الشَّهِيدُ عَلَيْهِمْ، وإنَّكُمْ قَدْ أَكَلْتُمْ مِنْ أُجُورِكُمْ، وَلاَ أَدْرِي مَا تُحْدِثُونَ مِنْ بَعْدِي؟ قال: فَلَمَّا سَمِعَهَا الْقَوْمُ عَقَلُوهَا وَانْتَفَعُوا بِهَا، وَقَالُوا: إنَّا لَمُحاسَبُونَ بِمَا أَصَبْنَا مِنَ الدُّنْيَا، وَإنهُ لَمُنْتَقَصٌ بِهِ مِنْ أُجُورِنَا» تفسير : انتهى، ومنها حديثُ ثَوْبَانَ في «سنن أَبي دَاوُدَ»: قال ثَوْبَانُ: كانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إذَا سَافَرَ كَانَ آخِرُ عَهْدِهِ بِإنْسَانٍ مِنْ أَهْلِهِ فَاطِمَةَ، وَأَوَّلُ مَنْ يَدْخُلُ عَلَيْهَا فَاطِمَةَ، فَقَدِمَ مِنْ غَزَاةٍ، وَقَدْ عَلَّقَتْ مِسْحاً أوْ سِتْراً عَلىٰ بَابِهَا، وَحَلَّتِ الحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ قُلْبَيْنِ مِنْ فِضَّةٍ، فَلَمْ يَدْخُلْ، فَظَنَّتْ أَنَّما مَنَعَهُ أَنْ يَدْخُلَ مَا رَأَىٰ؛ فَهَتَكَتِ السِّتْرَ، وَفَكَّتِ القُلْبَيْنِ عَنِ الصَّبِيَّيْنِ وَقَطَعَتْهُمَا عَنْهُمَا، فَٱنْطَلَقَا إلَىٰ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَبْكِيَانِ، فَأَخَذَهُمَا مِنْهُمَا، وَقَالَ: يَا ثَوْبَانُ، ٱذْهَبْ بِهِمَا إلَى آلِ فُلاَنٍ؛ إنَّ هَؤُلاَءِ أَهْلِي أَكْرَهُ أَنْ يَأْكُلُوا طَيِّبَاتِهِمْ في حَيَاتِهُمْ الدُّنْيَا، يَا ثَوْبَانُ، ٱشْتَرِ لِفَاطِمَةَ قَلاَدَةً مِنْ عَصْبٍ وَسِوَارَيْنِ مِنْ عَاجٍ» انتهى، * ص *: قرأ الجمهور: «أَذْهَبْتُمْ» على الخبر، أي: فيقال لهم: أذهبتم طَيِّبَاتكم، وابن كثير بهمزة بعدها مَدَّة مُطَوَّلَةً، وابن عامر بهمزتين حَقَّقَهما ابن ذَكْوَانَ، ولَيَّنَ الثانيةَ هشامٌ وابن كثير في روايةٍ، والاستفهامُ هنا على معنى التوبيخ والتقريرِ، فهو خبر في المعنَىٰ، ولهذا حَسُنَتِ الفاء في قوله: {فَٱلْيَوْمَ}، ولو كان ٱستفهاماً مَحْضاً لما دخلَتِ الفاء، انتهى، و{عَذَابَ ٱلْهُونِ} هو الذي اقترن به هوانٌ، فالهُونُ والهَوَانُ بمعنى. ثم أمر تعالى نِبِيَّه بذكر هود وقومه عادٍ؛ على جهة المثال لقريشٍ، وقد تقدَّم قَصَصَ عادٍ مُسْتَوفًى في «سورة الأعراف»، فلينظر هناك، والصحيحُ من الأقوال أَنَّ بلادَ عادٍ كانت باليمن، ولهم كانَتْ إرَمُ ذاتُ العمادِ، و {بِٱلأَحْقَافُ}: جَمْعُ «حِقْفٍ» وهو الجبل المستطيل المُعْوَجُّ من الرَّمْلِ. وقوله سبحانه: {وَقَدْ خَلَتِ ٱلنُّذُرُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ ٱللَّهَ إِنِّى أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} {خَلَتِ} معناه: مَضَتْ إلى الأرض الخَلاَءِ، و{ٱلنُّذُرُ} جمع نَذِيرٍ، وقولهم: {لِتَأْفِكَنَا} معناه: لِتَصْرِفَنَا، وقولهم: {فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا} تصميم منهم على التكذيب، وتعجيزٌ له في زعمهم.

ابن عادل

تفسير : قوله: {وَيَوْمَ يُعْرَضُ} اليوم منصوب بقول مضمر، أي يقال لهم: أَذْهَبْتُمْ في يوم عرضهم. وجعل الزمخشري هذا مثل قولهم: "عُرِضَتْ النَّاقَةُ عَلَى الْحَوْضِ" فيكون قلباً. وردهُ أبو حيان بأنه ضرورة وأيضاً العرض أمر نسبي فتصح نسبته إلى الناقة، وإلى الحوض. وقد تقدم الكلام في القلب وأنَّ فيه ثلاثة مذاهب. قوله: {أَذْهَبْتُمْ} قرأ ابن كثير: أَأَذْهَبْتُمْ بهمزتين الأولى مخففة والثانية مُسَهَّلة بَيْنَ بَيْنَ ولم يُدخل بينهما ألفاً. وهذا على قاعدته في: "أأنذرتهم" ونحوه. وابن عامر قرأ أيضاً بهمزتين، لكن اختلف راوياه عنه: فهشام سهل الثانية وخففها، وأدخل ألفاً في الوجهين، وليس على أصله فإنه من أهل التحقيق. وابن ذكوان بالتحقيق فقط، دون إدخال ألف، والباقون بهمزة واحدة فيكون إما خبراً وإما استفهاماً سقطت أداته للدلالة عليها. والاستفهام معناه التقريع وكلتا القراءتين فصيحتان لأن العرب تسْتَفْهِمُ وتترك الاستفهام فتقول: أذْهَبْتَ فَفَعَلْتَ كَذَا؟ وذَهَبتَ فَفَعَلْتَ كَذَا؟. قوله: {فِي حَيَاتِكُمُ} يجوز تعلقه "بأَذْهَبْتُمْ" ويجوز تعلقه بمحذوف على أنه حال من "طَيْبَاتِكُمْ". فصل قيل: المعنى يعرض الذين كفروا على (النار) أي يَدْخُلُون النار. وقيل: تدخل عليهم النارُ ليروا أهوالها، ويقال لهم: أَذْهَبتُمٍ طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمعتم بها، والمعنى أن ما قدر لكم من الطيبات والدَّرَجَات فقد استوفيتموه في الدنيا، فلم يبق لكم بعد استيفاء حظكم شيء منها. وعن عمر ـ رضي الله عنه ـ: لَوْ شِئْتُ لَكُنْتُ أَطْيَبَكُمْ طَعَاماً وأحْسَنَكُمْ لِبَاساً، ولكنِّي أسْتَبْقِي طَيِّباتِي. قال الواحدي: إن الصالحين يؤثرون التقشف والزهد في الدنيا رجاء أن يكون ثوابهم في الآخرة أكمل، لأن هذه الآية لا تدل على المنع من التمتع، لأن هذه الآية وردت في حق الكافر، وإنما وبخ الله الكافر، لأنه تمتع بالدنيا ولم يؤد شكر المنعم بطاعته، والإيمان به، وأما المؤمن فإنه يؤدي بإيمانه شكر المنعم، فلا يوبّخ بتمتعه، ويدل على ذلك قوله تعالى: {أية : قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِيۤ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ ٱلرِّزْقِ}تفسير : [الأعراف:32] نعم لا يُنْكَر أنَّ الاحتراز عن التنعيم أولى؛ لأن النفس إذا اعتادت التنعيم صعب عليها الاحتراز والانقياد وحينئذ ربّما حمله المَيْلُ إلى تلك الطيبات على فعل ما لا يَنْبَغِي. "حديث : روى عمر ـ (رضي الله عنه) ـ قال: دخلت على رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فإذا هو على زُمّالٍ حَصِيرٍ قد أثر الزّمّال بجنبه فقلت يا رسول الله: ادع الله أن يُوسِّعَ على أمتك، فإنَّ فارساً والرومَ قد وسع عليهم وهم يعبدون غير الله فقال: أولَئِكَ قوم قد عُجِّلَتْ لهم طيباتهم في الحياة الدنيا"تفسير : . وروت عائشة ـ (رضي الله عنها) ـ قالت: ما شبع آل محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ من خبز الشعير يومين متتابعين حتى قُبضَ رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وعنها قالت: لقد كان يأتي علينا الشَّهْرُ ما نُوقِدُ فيه ناراً ما هو إلا الماء والتمر. وعن ابن عباس ـ (رضي الله عنهما) ـ قال: كان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يَبِيتُ الليالي المتتابعةَ طاوياً وأهلُه لا يجدون شيئاً، وكان أكثر خبزهم خبزَ الشعير، والأحاديث فيه كثيرة. قوله: {فَٱلْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ ٱلْهُونِ} أي العذاب الذي فيه ذُلّ وخِزْي. وقرىء: عَذَاب الهَوَانِ {بِمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي ٱلأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ وَبِمَا كُنتُمْ تَفْسُقُونَ} فعلّل تعالى ذلك العذاب بأمرين: أحدهما: الاستكبار والترفع وهو ذنب القلب. والثاني: الفِسق، وهو ذَنْب الجوارح وقدم الأول على الثاني، لأن أحوال القلب أعظم وقعاً من أعمال الجوارح، ويمكن أن يكون المراد من الاستكبار أنهم يتكبرون عن قبول الدين الحق، ويستكبرون عن الإيمان بمحمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ والمراد بالفسق المعاصي. فصل دلت الآية على ان الكفار يخاطبون بفروع الإسلام، لأن الله تعالى علل عذابهم بأمرين: أولهما: الكفر، وثانيهما: الفسق وهذا الفِسق لا بدّ وأن يكون مغايراً لذلك الكفر لأن العَطْفَ يوجب المغايرة فثبت أن فسق الكافر يوجب العذاب في حقهم، ولا معنى للفسق إلا ترك المأمورات وفعل المنهيَّات.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن مردويه عن حفص بن أبي العاصي قال: كنا نتغدى مع عمر رضي الله عنه فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: قال الله في كتابه {ويوم يعرض الذين كفروا على النار أذهبتم طيباتكم} الآية. وأخرج سعيب بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر والحاكم والبيهقي في شعب الإِيمان عن ابن عمر رضي الله عنهما أن عمر رضي الله عنه رأى في يد جابر بن عبد الله درهماً فقال: ما هذا الدرهم؟ قال: أريد أن أشتري به لحماً لأهلي قرموا إليه فقال: أفكلما اشتهيتم شيئاً اشتريتموه أين تذهب عنكم هذه الآية {أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها} . وأخرج أحمد في الزهد عن الأعمش قال: مر جابر بن عبد الله وهو متعلق لحماً على عمر رضي الله عنه فقال ما هذا يا جابر؟ قال: هذا لحم اشتهيته اشتريته. قال: وكلما اشتهيت شيئاً اشتريته؟ أما تخشى أن تكون من أهل هذه الآية {أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا} . وأخرج أبو نعيم في الحلية عن سالم بن عبد الله بن عمر أن عمر كان يقول: والله ما يعني بلذات العيش أن نأمر بصغار المعزى فتسمط لنا، ونأمر بلباب الحنطة فتخبز لنا، ونأمر بالزبيب فينبذ لنا في الاسعان حتى إذا صار مثل عين اليعقوب أكلنا هذا وشربنا هذا، ولكنا نريد أن نستبقي طيباتنا لأنا سمعنا الله يقول {أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا} الآية. وأخرج أبو نعيم عن عبد الرحمن بن أبي ليلى رضي الله عنه قال: قدم على عمر رضي الله عنه ناسٌ من العراق فرأى كأنهم يأكلون هديراً فقال يا أهل العراق لو شئت أن يدهمق لي كما يدهمق لكم لفعلت ولكنا نستبقي من ربنا ما نجده في آخرتنا أما سمعتم الله يقول لقوم {أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا} الآية. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه {أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها} قال: تعلموا أن أقواماً يسترطون حسناتهم في الدنيا استبقى رجل طيباته إن استطاع ولا قوّة إلا بالله. قال: وذكر لنا أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يقول: لو شئت لكنت أطيبكم طعاماً وألينكم لباساً ولكني أستبقي طيباتي، وذكر لنا أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما قدم الشام صنع له طعاماً لم ير قبله مثله قال: هذا لنا فما لفقراء المسلمين الذين ماتوا وهم لا يشبعون من خبز الشعير؟ فقال خالد بن الوليد رضي الله عنه: لهم الجنة. فاغرورقت عينا عمر رضي الله عنه فقال: لئن كان حظنا من هذا الحطام وذهبوا بالجنة لقد باينونا بوناً بعيداً. وأخرج عبد بن حميد عن أبي مجلز رضي الله عنه قال: ليطلبن ناس حسنات عملوها فيقال لهم {أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها} الآية. وأخرج عبد بن حميد عن الحسن رضي الله عنه قال: أتي عمر رضي الله عنه بشربة عسل فقال: والله لا أتحمل فضلها اسقوها فلاناً. وأخرج عبد بن حميد عن وهب بن كيسان عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: رآني عمر رضي الله عنه وأنا متعلق لحماً فقال يا جابر ما هذا؟ قلت: لحم اشتريته بدرهم لنسوة عندي قرمن إليه فقال أما يشتهي أحدكم شيئاً إلا صنعه أما يجد أحدكم أن يطوي بطنه لجاره وابن عمه؟ أين تذهب هذه الآية {أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا} قال فما انفلتّ منه حتى كدت أن لا أنفلت. وأخرج ابن سعد وعبد بن حميد عن حميد بن هلال قال: كان حفص رضي الله عنه يكثر غشيان أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه، وكان إذا قرب طعامه اتقاه، فقال له عمر رضي الله عنه: ما لك ولطعامنا؟ فقال: يا أمير المؤمنين إن أهلي يصنعون لي طعاماً هو ألين من طعامك فاختار طعامهم على طعامك، فقال: ثكلتك أمك أما تراني لو شئت أمرت بشاة فتية سمينة فألقي عنها شعرها ثم أمرت بدقيق فنخل في خرقة فجعل خبزاً مرققاً، وأمرت بصاع من زبيب فجعل في سمن حتى يكون كدم الغزال؟ فقال حفص: إني أراك تعرف لين الطعام. فقال عمر رضي الله عنه: ثكلتك أمك والذي نفسي بيده لولا كراهية أن ينقص من حسناتي يوم القيامة لأشركتكم في لين طعامكم. وأخرج ابن المبارك وابن سعد وأحمد في الزهد، وعبد بن حميد وأبو نعيم في الحلية عن الحسن قال: قدم وفد أهل البصرة على عمر مع أبي موسى الأشعري فكان له في كل يوم خبز فربما وافقناها مأدومة بزيت، وربما وافقناها مأدومة بسمن، وربما وافقناها مأدومة بلبن، وربما وافقنا القدائد اليابسة قد دقت ثم أغلي لها، وربما وافقنا اللحم الغريض وهو قليل. قال وقال لنا عمر رضي الله عنه: إني والله لقد أرى تقديركم وكراهيتكم طعامي، أما والله لو شئت لكنت أطيبكم طعاماً وأرقكم عيشاً أما والله ما أجهل عن كراكر وأسنمة وعن صلى وصناب وسلائق، ولكني وجدت الله عير قوماً بأمر فعلوه فقال {أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها} . وأخرج أحمد والبيهقي في شعب الإِيمان عن ثوبان رضي الله عنه قال:حديث : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سافر كان آخر عهده بإنسان من أهله فاطمة، وأوّل من يدخل عليه إذا قدم فاطمة. فقدم غزاة فأتاها فإذا بمسح على بابها، ورأى على الحسن والحسين قلبين من فضة فرجع ولم يدخل عليها، فلما رأت ذلك فاطمة ظنت أنه لم يدخل من أجل ما رأى فهتكت الستر ونزعت القلبين من الصبيين فقطعتهما فبكى الصبيان فقسمته بينهما فانطلقا إلى رسوله الله صلى الله عليه وسلم وهما يبكيان فأخذه رسول الله صلى الله عليه وسلم منهما، فقال: "يا ثوبان اذهب بهذا إلى بني فلان أهل بيت بالمدينة واشتر لفاطمة قلادة من عصب وسوارين من عاج فإن هؤلاء أهل بيتي ولا أحب أن يأكلوا طيباتهم في حياتهم الدنيا والله تعالى أعلم" .

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ ٱلدُّنْيَا} [الآية: 20]. قال سهل: هو اتباع الشهوات وقضاء الأوطار ومتابعة النفس على ما تشتهيه من ركب هذه المراكب فقد ركب مركب الإعراض عن الله. قال الواسطى رحمة الله عليه: من أسره شىء من الأكوان الفانية دقّ أو جلّ أو لاحظها بعينه أو بقلبه فقد دخل تحت خطاب قوله: {أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ...} الآية. قال أبو عثمان: الناظر إلى الدنيا بعين الرضا والشهوة هو الآخذ بحظه منها والناقص حظه من الآخرة بقدرها.

القشيري

تفسير : سبيلُ العبد ألا ينسى في كل حالٍ معبودَه، وأَنْ يتذكرَ أنه معه في همِّه وسروره، وفي مناجاته عند رخائه وبلائه. فإن اتفق أَنْ حَصَلَ له أَنْسٌ، وغَلَبَ عليه رجاءٌ وبسطٌ ثم هجم على قلبه قَبْضٌ أو مَسّهُ خوف.. فليخاطبْ ربَّه حتى لا يكونَ من جملة مَنْ قيل له: {أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَـٰتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ ٱلدُّنْيَا}.

اسماعيل حقي

تفسير : {ويوم يعرض الذين كفروا على النار} اى يعذبون بها فالعرض محمول على التعذيب مجازا من قولهم عرض الاسارى على السيف اى قتلوا والا فالمعروض عليه يجب ان يكون من أهل الشعور والاطلاع والنار ليست منه وقيل تعرض النار عليهم بأن يوقفوا بحيث تبدو لهم النار ومواقعهم فيها وذلك قبل ان يلقوا فيها فيكون من باب القلب مبالغة بادعاء كون النار مميزا ذا قهر وغلبة يقول الفقير لا حاجة عندى الى هذين التأويلين فان نار الآخرة لها شعور وادراك بدليل انها تقل هل من مزيد وتقول للمؤمنين جزيا مؤمن فان نورك اطفأ نارى وامثال ذلك وايضا لا بعد فى ان يكون عرضهم على النار باعتبار ملائكة العذاب فانهم حاضرون عندها باسباب العذاب وأهل النار ينظرون اليهم والى ما يعذبونهم به عياناً والله اعلم {أذهبتم طيباتكم} اى يقال لهم ذلك على التوبيخ وهو الناصب للظرف اى اليوم والمعنى اصبتم واخذتم ما كتب لكم من حظوظ الدنيا ولذآئذها وبالفارسية ببرديد وبخورديد جيزهاى لذيذ خود را {فى حياتكم الدنيا} در زندكانئ آن جهان خويش {واستمتعتم بها} فلم يبق لكم بعد ذلك شئ منها لان اضافة الطيبات تفيد العموم وبالفارسية وبرخوردارى يافتيد بآن لذىئذ يعنى استيفاى لذات كرديد وهيج براى آخرت نكذاشتيد. قال سعدى المفتى قوله واستمتعتم بها كأنه عطف تفسيرى لاذهبتم {فاليوم تجزون عذاب الهون} اى الهوان والحقارة اى العذاب الذى فيه ذل وخزى {بما كنتم} فى الدنيا {تستكبرون فى الارض بغير الحق} بغير استحقاق لذلك وفيه اشارة الى ان الاستكبار اذا كان بحق كالاستكبار على الظلمة لا ينكر {وبما كنتم تفسقون} اى تخرجون من طاعة الله اى بسبب استكباركم وفسقكم المستمرين علل سبحانه ذلك العذاب بأمرين احدهما الاستكبار عن قبول الدين الحق والايمان بمحمد عليه السلام وهو ذنب القلب والثانى الفسق والمعصية بترك المأمورات وفعل المنهيات وهو ذنب الجوارح وقدم الاول على الثانى لان ذنب القلب أعظم تاثيرا من ذنب الجوارح (قال الكاشفى) تنبيه است مر طالبان تجات راكه قدم از اندازه شرع بيرون تنهند باى از حدود شرع برون مىنهى منه خود را اسير نفس وهواميكنى مكن. وفى الآية اشارة الى ان للنفس طيبات من الدنيا الفانية وللروح طيبات من الآخرة الباقية فمن اشتغل باستيفاء طيبات نفسه فى الدنيا يحرم فى الآخرة من استيفاء طيبات روحه لان فى طلب استيفاء طيبات النفس فى الدنيا ابطال استعداد الروح فى استيفاء طيبات فى الآخرة موعودة وفى ترك استيفاء طيبات النفس فى الدنيا كمالية استعداد الروح فى استيفاء طيبات فى الآخرة موعودة فلهذا يقال لارباب النفوس فاليوم تجزون عذاب الهون بأنكم استكبرتم فى قبول دعوة الانبياء فى ترك شهوات النفس واستيفاء طيباتها لئلا تضيع طيبات ارواحكم وبما كنتم تخرجون من اوامر الحق ونواهيه ويقال للروح وارباب القلوب كلوا واشربوا هينئا بما اسلفتم فى الايام الخالية وبما كانت نفوسهم تاركة لشهواتها بتبعية الروح يقال لهم ولكم فيها ما تشهيه الانفس اى من نعيم الجنة فانها من طيباتها وتلذ الاعين وهو مشاهدة الجمال والجلال وهى طيبات الروح كذا فى التأويلات النجمية والآية منادية بأن استيفاء الحظ من الدنيا ولذاتها صفة من صفات أهل النار فعلى كل مؤمن ذى عقل وتمييز أن يجتنب ذلك اقتدآء بسيد الانبياء واصحابه الصالحين حيث آثروا اجتناب اللذات فى الدنيا رجاء ثواب الآخرة (قال الصائب) افتد هماى دولت اكر دركمندما از همت بلندر رها ميكنيم ما. قال الواسطى من سره شئ من الالوان الفانية دق أو جل دخل تحت هذه الآية (روى) حديث : عن عمر رضى الله عنه انه دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على سرير وقد اثر بجنبيه الشريط فبكى عمر فقال "ما يبكيك يا عمر" فقال ذكرت كسرى وقيصر وما كانا فيه من الدنيا وانت رسول رب العالمين قد أثر بجنبيك الشريط فقال عليه السلام "اولئك قوم عجلت لهم طيباتهم فى حياتهم الدنيا ونحن قوم اخرت لنا طيباتنا فى الآخرة" تفسير : قالت عائشة رضى الله عنها ما شبع آل محمد من خبز الشعير يومين متتابعين حتى قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم واول بدعة حدثت بعده الشبع وقالت ايضا وقد كان يأتى علينا الشهر وما وقد فيه نارا وما هو الا الماء والتمر غير انه جزى الله عنا نساء الانصار خيرا كن ربما اهدين لنا شيئا من اللبن (قال فى كشف الاسرار) ملك زمين برسول الله عرض كردند واو بندكى اختيار كرد واز ملكى اعراض كرد وكفت اجوع يوما واشبع يوما قال جابر بن عبد الله رضى الله عنه رأى عمر بن الخطاب رضى الله عنه لحما معلقا فى يدى فقال ما هذا يا جابر قلت اشتهيت لحما فاشتريته فقال عمر أو كل ما اشتهيت يا جابر اشتريت اما تخاف هذه الآية اذهبتم طيباتكم فى حياتكم الدنيا. نفس را بدخوابناز ونعمت دنيامكن آب ونان سير كاهل ميكند ما منه رجل عليه ردآء اما اراراوكساء قد ربطوه فى اعناقهم فمنها ما يبلغ نصف الساقين ومنها ما يبلع الكعبين فيجمعه بيده كراهية ان ترى عورته وفى الحديث "حديث : من قضى نهمته فى الدنيا حيل بينه وبين شهوته فى الآخرة ومن مد عينه الى زينة المترفين كان مهينا فى ملكوت السموات ومن صبر على الفوت الشديد اسكنه الله الفردوس حيث شاء" تفسير : (قال الشيخ سعدى) مبرورتن ار مردراى وهشى كه اورا جومى برورى مى كشى خور وخواب تنها طريق ددست بربن بودن آيين بابخر دست قناعت توانكر كند مردرا خبركن حريص جهان كردرا غدا كر لطيفست وكز سرسرى جوديرت ندست اوفتد خوش خورى كر آزاده برزيمن خسب وبس مكن نهر قالى زمين بوس كس مكن خانه برراه سيل اى غلام كه كس رانكشت اين همارت تمام ومن الله العون فى طريقه والوصول اليه بارشاده وتوفيقه

ابن عجيبة

تفسير : قلت: {ويوم}: منصوب بقول مقدّر قبل {أذهبتم} أي: يقال هم: أذهبتم طيباتكم يوم عرضكم، أو باذكر، وهو أحسن. يقول الحق جلّ جلاله: {و} اذكر {يومَ يُعْرَضُ الذين كفروا على النار} أي: يُعذّبون بها، من قولهم: عُرض بنو فلان على السيف، إذا قُتلوا به، وقيل المراد: عرض النار عليهم، من قولهم: عرضت الناقة على الحوض، يريدون: عرض الحوض عليها، فقلبوا. وإذا عُرضوا عليها يُقال لهم: {أَذْهبتُمْ طيباتِكُم} أي: أخذتم ما كُتب لكم من حظوظ الدنيا ولذائذها {في حياتكم الدنيا} فقد قدمتم حظكم من النعيم في الدر الفانية قال ابن عرفة: قيل: المراد بالطيبات المستلذات، والظاهر: أن المراد أسباب المستلذات، أي: الأسباب التي تتوصلون بها إلى نيل المستلذات في الدار الآخرة، إذ نسيتموها في الدنيا، أي: تركتموها ولم تفعلوها. هـ. قلت: يُبعده قوله: {واستمتعتم بها} أي: فلم يُبق ذلك لكم شيئاً منها، بل قدمتم جنتكم في دنياكم. وعن عمر رضي الله عنه: لو شئتُ كنتُ أطيبَكم طعاماً، وألينكم لباساً، ولكني أستبقي طيباتي. ولما قَدِم الشامَ صُنعَ له طعامٌ لم يُر قبله مثله، قال: هذا لنا، فما للفقراء المسلمين الذين ماتوا وهم لا يشبعون خبز الشعير؟ قال خالد، لهم الجنة، فاغروْرقتْ عينا عمر وبكى، وقال: لئن كان حظنا من الحطام، وذهبوا بالجنة، لقد باينونا بوناً بعيداً، وقال أبو هريرة رضي الله عنه: إنما كان طعامنا مع النبي صلى الله عليه وسلم الماء والتمر، والله ما كان نرى سمراءَكم هذه، وقال أبو موسى: ما كان لباسنا مع النبي صلى الله عليه وسلم إلا الصوف. ورُوي: أن النبيّ صلى الله عليه وسلم دخل على أهل الصُّفة، وهم يرقعون ثيابهم بالأدَم، ما يجدون لها رقعاً، فقال:"حديث : أنتم اليوم خيرٌ أم يومَ يغدوا أحدكم في حُلة، ويروح في أخرى، ويُغدا عليه بجفنة ويُراح بأخرى، ويُسترُ بيته كما تُستر الكعبة"؟ قالوا: نحن يومئذ خير، فقال لهم: "بل أنتم اليوم خير ". تفسير : وقال عمرو بن العاص: كنت أتغدّى عند عمر الخبزَ والزيتَ، والخبز والخل، والخبز واللبن، والخبز والقديد، وأجلّ ذلك اللحم الغريض، وكان يقول: لا تنخلوا الدقيق، فإنه كله طعامٌ، ثم قال عمر رضي الله عنه: والله الذي لا إله إلا هو، لولا أني أخاف أن تنقص حسناتي يوم القيامة لشاركتهم في العيش! ولكني سمعتُ اللّهَ يقول لقوم: {أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها} . هـ. {فاليوم تُجزونَ عذابَ الهُونِ} أي: الهوان، وقرئ به، {بما كنتم} في الدنيا {تستكبرون في الأرض بغير الحق} بغير استحقاق لذلك، {وبما كنتم تَفْسُقون} وتخرجون عن طاعة الله عزّ وجل، أي: بسبب استكباركم وفسقكم. الإشارة: ما زالت الأكابر من الأولياء تتنكب الحظوظ والشهوات، مجاهدةً لنفوسهم، وتصفيةً لقلوبهم، فإنَّ تَتَبُّعَ الشهوات يُقَسي القلب، ويكسِف نور العقل، كما قال الشاعر: شعر : إنَارَةُ العقل مَكْسُوفٌ بطَوْع هَوىً وعَقْلُ عَاصِي الهَوَى يَزْدَادُ تنْوِيرا تفسير : هذا في حال سيرهم، فإذا تحقق وصولهم فلا كلام عليهم؛ لأنهم يأخذون من الله، ويتصرفون به في أمورهم كلها، فلا حرج عليهم في نيل ما أنعم الله به عليهم، حيث أمِنوا ضرره، ومن ذلك: ما رُوي عن إبراهيم بن أدهم، أنه أصلح ذات يوم طعاماً كثيراً، ودعا نفراً يسيراً، منهم الأوزاعي والثوري، فقال له الثوري: أما تخاف أن يكون هذا إسرافاً؟ فقال: ليس في الطعام إسراف، إنما الإسراف في الثياب والأثاث، ودفع أيضاً إلى بعض إخوانه دراهم، فقال: خذ لنا بهذه زُبداً وعسلاً وخبزاً حُوَّاري، فقال: يا أبا إسحاق هذا كله؟ قال: ويحك إذا وجدنا أَكَلْنا أكلَ الرجال، وإذا عُدمنا صبرنا صبر الرجال، وإن معروفاً الكرخي كان يُهدي له طيبات الطعام، فيأكل، فيقال له: إن أخاك بِشْراً كان كلا يأكل من هذا، فيقول: أخي بِشْر قبضه الورعْ، وأنا بسطتني المعرفة، وإنما أنا شضيف في دار مولاي، إذا أطعمني أكلت، وإذا جوّعني صبرت، ما لي وللاعتراض والتمييز. هـ. والحاصل: أن الناس أقسام ثلاثة: عوام، لا همة لهم في السير، وإنما قنعوا أن يكونوا من عامة أهل اليمين. فهؤلاء يأخذون كل ما أباحته الشريعة، إذ لا سير لهم حتى يخافوا من تخلُّفهم، وخواص، نهضت همتُهم إلى الله، وراموا الوصول إليه، وهم في السير لم يتحقق وصولهم، أو من العُبَّاد والزهّاد، يخافون إن تناولوا المستلذات تفتَّرت عزائمهم، فهؤلاء يتأكد في حقهم ترك الحظوظ والشهوات، والقسم الثالث: خواص الخواص، قد تحقق وصولهم، ورسخت أقدامهم في المعرفة، فهؤلاء لا كلام معهم، ولا ميزان عليهم. قال في الإحياء، بعد كلام: وأكل الشهوات لا يُسلَّم إلا لمَن نظر من مشكاة الولاية والنبوة، فيكون بينه وبين الله علامة في استرساله وانقباضه، ولا يكون ذلك إلا بعد خروج النفس من طاعة الهوى والعادة بالكلية، حتى يكون أكلُه إذا أكل بنية، كما يكون إمساكه بنية، فيكون عاملاً له في إفطاره وإمساكه. ثم قال: وينبغي أن يتعلّم الحزم من عُمر، فإنه كان يرى النبيّ صلى الله عليه وسلم يُحب العسل ويأكله، ثم لم يقس نفسه عليه، بل لمّا عُرض عليه ماء مبرّد بالعسل جعل يُدير الإناء في كفه، ويقول: أَشربُها فتذهب حلاوتها وتبقى تباعتُها، اعزلوا عني حسابها، وتركها رضي الله عنه. ثم ذكر وبال من تمتع بدنياه، وأعرض عن أخراه، فقال: {وَٱذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنذَرَ قَوْمَهُ}.

اطفيش

تفسير : {وَيَوْمَ} أي ويقال يوم* {يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُواْ عَلَى النَّارِ} وقيل مفعول لـ (اذكر) ويقدر القول بعد النار والعرض عليها هو التعذيب بها ودخولها قاله الحسن ويجوز أن يراد عرض النار عليهم فقلت مبالغة ويدل له قول ابن عباس: (يجاء بهم اليها فيكشف لهم عنها فهو كعرضت الناقة على الحوض). وقال أبو حيان: لا قلب في نحو ذلك ورد هو على الزمخشري بان القلب ضرورة واذا صح المعنى بدونه فما لحامل عليه وعرض الناقة على الحوض والحوض على الناقة صحيحان. قال تلميذ أبو حيان بهاء الدين السبكي: حكمة مدعي القلب ان المعروض ليس له اختيار والاختيار للمعروض عليه فعرض الحوض على الناقة لا قلب فيه لانها قد تقبله وقد ترده وعرضها عليه مقلوب لفظاً وعرض الكفار على النار ليس بمقلوب لفظاً لانهم مقهورون فكأنهم لا يختارون والنار متصرفة فيهم كما يقال عرضت العود على النار لانها تتصرف فيه والذي في الآية قلب معنوي والذي في عرضت الناقة لفظي* {أَذْهَبْتُمْ} بهمزة واحدة على الاخبار* {أَذْهَبْتُمْ}. وقرأ ابن ذكوان: (أأذهبتم) بهمزتين مخخفتين من غير مد وقرأ هشام وابن كثير بهمزة ومد وهشام أطول مداً وعن ابن عامر ويعقوب بهمزتين بينهما ألف وعنهما أيضاً بهمزتين خفيفتين* {طَيِّبَاتِكُمْ} لذائذكم* {فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا} باستيفائها فلا حظ لكم اليوم* {وَاسْتَمْتَعْتُم بِهَا} في الدنيا* {فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ} أي الهوان وقد قرئ عذاب (الهوان) أي عذاباً مقترناً بذل وخزي* {بِمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ} تتكبرون* {فِي الأَرْضِ} عن الايمان والعبارة قيل أو على الناس* {بِغَيْرِ الْحَقِّ} بالشرك والتكذيب* {وَبِمَا كُنتُمْ تَفْسُقُونَ} وقرئ بكسر السين والباء للسببية وذلك سببان قلبي وهو الكبر وجارحي وهو الفسق. وعن بعض المراد بالفسق الشرك و (ما) مصدرية أو اسم واقع على المصدر فالرابط محذوف أي بالكون الذي كنتموه تفسقوه والهاء ضمير المصدر وتفسقون خبر وبالكون الذي كنتموه تفسقون كذلك وقيل الاصل (بما كنتم تستكبرون به وبما كنتم تفسقون به) وهو من جهة الربط واضح جدا فاعلم ان الآية ولو كانت في الكفار المشركين فهي مزجرة ومنهاة للمؤمنين. وقال أبو عبيدة في حديث عمر "لو شئت لدعوت بصلائق (الشواء أو الخبز الرقاق العريض) وصناب (الأصبغة المتخذة من الخردل والزبيب) وكركر (رص زور البعير)، وأسنمة وفي بعض الحديث: "حديث : وأفلاذ (جمعٍ فلذ وهي قطعة الكبد)" تفسير : وقال عمر: لو شئت لكنت أطيبكم طعاماً وأحسنكم لباساً ولكني أستبقى طيباتي وقال أتظنون انا لا نعرف طيب الطعام ذلك لباب البر بصغار المعز ولكني رأيت الله تعالى نعى على قوم انهم أذهبوا طيباتهم في حياتهم الدنيا. ذكره الربيع بن زياد وقال نحوه لخالد بن الوليد حين قدم الشام فقدم اليه طعاما طيبا فقال هذا لنا فما لفقراء المسلمين الذين ماتوا ولم يشبعوا من خبز الشعير فقال خالد لهم الجنة فبكى عمر وقال لئن كان حظنا في الحطام وذهبوا بالجنة فقد بانوا بوناً بعيداً وعن جابر بن عبدالله اشتريت لحماً بدرهم فرآني عمر فقال ما هذا يا جابر فقلت اشتهيت لحماً فاشتريته فقال أو كلما اشتهى أحدكم شيئاً اشتراه أما تخاف أن تكون من أهل هذه الآية {أَذْهَبْتُم طَيِّبَاتِكُم} الآية "حديث : قال عمر: دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فاذا هو متكئ على حصير أثر في جنبه وما في البيت شيء يرد البصر فقلت ادع الله أن يوسع على أمتك فقد وسع على فارس والروم ولا يعبدون الله فاستوى جالساً ثم قال وفي شك أنت يا ابن الخطاب أولئك قوم عجلت لهم طيباتهم في الحياة الدنيا فقلت استغفر لي يا رسول الله" حديث : ودخل النبي صلى الله عليه وسلم على أهل الصفة وهم يرقعون ثيابهم بالأدم فقال أنتم خير أم يوم يغدو أحدكم في حلة ويروح في أخرى ويغدى عليه بجفنة ويراح عليه بأخرى ويستر بيته كما تستر الكعبة قالوا نحن يومئذ خير قال بل أنتم خير" تفسير : أي الان وأراد باليوم وقت يفيض المال وقدم صحابي الى فضالة بن فضالة في مصر وقال لم آتك زائراً ولكن سمعت أنا وأنت حديثاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم رجوت أن يكون عندك فقال: وما هو؟ فقال: كذا وكذا فقال: فما لي أراك شعثاً وأنت أمير المؤمنين قال: ان رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ينهى عن كثير من الارقاء "حديث : وذكر الصحابة الدنيا يوماً عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ألا تسمعون ان البذاذة من الايمان ان البذاذة من الايمان" تفسير : والبذاذة التقحل وعن ابن عبد البر: انه كان رث الهيئة وخرج في أصحابه الى البقيع فقال السلام عليكم يا أهل القبور لو تعلمون ما نجاكم الله منه مما هو كائن بعدكم ثم أقبل على أصحابه فقال هؤلاء خير منكم فقالوا: يا رسول الله اخواننا أسلمنا كما أسلموا وهاجرنا كما هاجروا وجاهدنا كما جاهدوا وأتو على آجالهم فمضوا فيها وبقينا في آجالنا فما يجعلهم خيراً منا قال هؤلاء خرجوا من الدنيا لم يأكلوا من أجورهم شيئاً وخرجوا وأنا الشهيد عليهم وانكم قد أكلتم من أجوركم ولا أدري ما تحدثون من بعدي فعلقوها وانتفعوا بها وقالوا ما نصيب من الدنيا ننتقص من أجورنا وكان اذا سافر آخر عهده بانسان من أهل بيته فاطمة وأول من يدخل عليه اذا قدم فاطمة فقدم من غزوة وقد علقت سترا على بابها وحلت الحسن والحسين قلبين من فضة لم يدخل فظنت انه منعه ما رأى فهتكت الستر وفكت القلبين عن الصبيين فانطلقا اليه يبكيان فأخذهما منهما قال يا ثوبان اذهب بهما الى آل فلان ان هؤلاء عليّ أكره أن يأكلوا طيباتهم في حياتهم الدنيا يا ثوبان اشتر لفاطمة قلادة من عصب وسوارين من عاج وقالت عائشة رضي الله عنها ما شبع آل محمد صلى الله عليه وسلم من خبز شعير وروي يومين متتابعين حتى قبض ويأتي علينا الشهر ما نوقد ناراً انما هو الأسودان التمر والماء الا أن يؤتى باللحم. وفي رواية تأتي ثلاثة أشهر وما نوقد ناراً الا التمر والماء وقد يسقينا لبناً ويبيت الليالي المتتابعة طاوياً وأهله لا يجدون عيشاً وأكثر خبزهم الشعير. وقال: "حديث : لقد خفت في الله ما لم يخف أحد وأوذيت ما لم يؤذ أحد ولقد أتى علي ثلاثون من بين يوم وليلة ومالي ولبلال طعام الا شئ يوارى ابط بلال ". تفسير : قال أبو هريرة: رأيت سبعين من أصحاب الصفة ما منهم رجل عليه رداء اما ازار واما كساء قد ربطوا في أعناقهم فمنها ما يبلغ نصف الساقين ومنها ما يبلغ الكعبين فيجمعه بيده كراهة أن تبدو عورته وأتى عبدالرحمن ابن عوف بطعام صائماً. فقال قتل مصعب بن عمير وهو خير مني فكفن في بردة ان غطى رأسه بدت رجلاه وان غطيت رجلاه بدت رأسه وقتل حمزة وهو خير مني فلم يوجد ما يكفن فيه الا بردة ثم بسط لنا من الدنيا ما بسط فقد خشيت أن نكون قد عجلت لنا طيباتنا في الحياة الدنيا ثم جعل يبكي حتى ترك الطعام

اطفيش

تفسير : {ويَوم} متعلق بقول محذوف عامل قوله: {أذهبتم طيباتكم} الخ أى ويقال لهم:{يوم يعرض الذين كفروا على النار أذهبتم} الخ أو نقول لهم: {يوم يعرض الذين كفروا على النار أذهبتم} الخ {يُعْرض الذين كَفروا عَلى النَّار} أو هذا أعم، والأصل فى المعروض عليه أن يكون مدركا قابلاً للمعروض المنتقل الى المعروض عليه، أو المتحرك اليه، فيقبله أو يدره، فاما أن تكون نار الآخرة مدركة كالحيوان، أو العاقل كما قيل: أو تنزل منزلة الاقل فتقبل الكفرة فلا حاجة الى ادعاء بعضهم القلب هكذا الأصل تعرض النار على الذين كفروا، ولم يحسن القلب لأنه ضرورى أو شاذ أو لما كان المعروض فى الأصل يتحرك أو يحرك الى المعروض عليه، وهنا لا يتحرك عن موضعه، وهو النار، نزل منزلة المعروض عليه، الذى يبقى فى محله، فيعرض عليه غيره، ومن القلب عرض الناقة على الحوض إلا بهذا الاعتبار، بأن ينزل الحوض منزلة المعروض عيله، اذا لا ينتقل. وقال ابن السكيت: ان عرضت الحوض على الناقة مقلوب، والأصل عرضت الناقة على الحوض، وهو خلاف المشهور، واختار السيالكوى محشى شرح المواقف: أن كلا من ذلك غير مقلوب، وأن العرض اظهار شىء لشىء. {أذهبْتُم طيباتكم في حَياتِكُم الدنيا} باستيفائها، مر حديث البخارى ومسلم أو بعضه، حديث : أن عمر دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاذا هو متكىء على رمال حصير قد أثر فى جنبه، فقلت: أستأنس يا رسول الله، قال: "نعم" فجلست فرفعت رأسى فى البيت، فوالله ما رأيت فيه شيئا يرد البصر الا أهبة ثلاثة أى جلودا، فقلت: ادع الله أن يوسع على أمتك، فقد وسع على فارس والروم، ولا يعبدون الله، فاستوى جالسا ثم قال: "أفى شك أنت يا ابن الخطب؟ أولئك قوم عجلت لهم طيباتهم فى الحياة الدنيا" فقلت استغفر لى يا رسول اللهتفسير : ، وفى البخارى: أن عبد الرحمن بن عوف أتى بطعام، وكان صائما فقال: قتل مصعب بن عمير، وهو خير منى، فكفن فى بردة ان غطى رأسه بدت رجلاه، وان غطيت رجلاه بدا رأسه. قال ابراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، وأراه قال أيضا: قتل حمزة وهو خير منى، ولم يوجد ما يكفن فيه الا بردة، ثم بسط لنا من الدنيا ما بسط، وقد خشيت أن تكون عجلت لنا طيباتنا فى حياتنا الدنيا ثم جعل يبكى حتى ترك الطعام، قال عمر: لو شئت لكنت أطيبكم طعاما، وأحسنكم لباساً، ولكنى استبقى طيباتى، وفى البخارى عن عائشة: ما شبع آل محمد من خبز الشعير يومين متتابعين حتى قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم. {واسْتَمتعْتُم بها} فلم يبق لكم بعدها شىء، وانما أذهبوها بالاستماع فالعطف للتفسير {فاليَوم تُجزون} على أعمالكم وأقوالكم واعتقادكم السيئات {عذاب الهُون} عذاب الهوان، كما قرأ به بعض {بما كُنْتم} بكونكم فى الدنيا {تَسْتَكبِرون في الأرض} المخلوقة للعبادة والتواضع {بغَيْر الحق} من الله تعالى بمعنى أن الحق فى دين الله أن لا تستكبروا عن الخلق بالترفع عنهم، وأن لا تستكبروا عن الدين بانكاره، وبغير استحقاق، فقد يكون باستحقاق كالترفع عن الكافر لكفره، والترفع عن الظالم {وبما كنْتُم تفسقُون} تخرجون عن الطاعة بالزنى، وأكل أموال الناس وظلمهم، وغير ذلك من الذنوب، وهذا وأمثاله دليل على خطاب المشركين بالفروع كالأصول، وقدم التكبر لأنه من فعل القلب والفسق من أفعال الجوارح، وهى تابعة للقلب. روى سعيد بن منصور، والبيهقى وغيرهما، عن عبد الله بن عمر: أن عمر رضى الله عنه رأى فى يد جابر بن عبد الله درهما فقال: ما هذا الدرهم؟ فقال: أريد أن أشترى به لأهلى لحما، قرموا اليه، فقال: أكلما اشتهيتم شيئا اشتريتموه، أين تذهب عنكم هذه الآية: "أذهبتم طيباتكم فى حياتكم الدنيا واستمتعم بها" وفى رواية رأى فى يده لحما قال: ما هذا؟ فقال: لحم اشتريته لأهلى قرموا الى اللحم، فقال: أكلما الخ، ويروى اشتهيت لحما فاشتريته فقال عمر: أفكلما اشتهيت أجابر اشتريت، أما تخاف هذه الآية {أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا} ومراده التزهيد والتحذير من اكثار اللذات، كما هو شأن المشركين، وعن قسوة القلب لا التحريم. والآية انما هى فى المشركين اذا أقبلوا على اللذات وأعرضوا عن الآخرة، وقد قدم أهل البصرة على عمر رضى الله عنه، مع أبى موسى الأشعرى، فكان له كل يوم خبز مأدوم بزيت، وتارة بسمن، وتارة بلبن، وتارة بقدائد دقت وأغلى عليها، وتارة بلحم طرى وهو قليل، وقال: والله ما أجله كراكر وأسمنة على صلاء وكناب وسلائف، ولكن الله تعالى غير قوما بقوله: {أذهبتم طيباتكم} الآية، رواه عبد الله بن المبارك، وابن سعد، وأبو نعيم وغيرهم، عن الحسن، والكركرة ما يصيب الأرض من البعير اذا برك، وهى أطيب لحمه، والصلاء الشواء والطناب أدام يتخذ من الخردل والزبيب، والسليقة ما سلق من البقول وغيرها وبالصاد اللحم المشوى. وفى البخارى ومسلم، عن عائشة: يأتى علينا الشهر ما نوقد فيه نارا انما هو الأسودان الماء والتمر، الا أن نؤتى بلحيم، وفى رواية: إنا كنا للنظر الى الهلال ثم الهلال ثم الهلال ثلاثة أهلة أو شهرين، وما أوقد فى أبيات رسول الله صلى الله عليه وسلم نار، قال عروة: يا خالة ما كان يعيشكم؟ قالت: الأسودان التمر والماء، إلا أنه قد كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم جيران من الأنصار، وكانت لهم منائح فكانوا يرسلون الى رسول الله صلى الله عليه وسلم من ألبانها فيسقينا. وعن ابن عباس: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبيت الليالى المتتابعة طاويا وأهله لا يجدون عشاء، وكان أكثر خبزهم الشعير، رواه الترمذى، وروى الترمذى، عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لقد أخفت في الله تعالى ما لم يخف أحد وأوذيت في الله تعالى ما لم يؤذ أحد ولقد أتى عليَّ ثلاثون من بين يوم وليلة وما لي ولبلال طعام إلاَّ شيء يواريه إبط بلال" تفسير : وكانت فاطمة رضى الله عنها، آخر من يوادع صلى الله عليه وسلم اذا سافر، وأول من يلقى اذا رجع، وقدم من غزوة فرأى مسحا على بابها، وعلى الحسن والحسن قلبين من فضة، فرجع فظنت أنه رجع لذلك، فنزعت المسح وقطعت القلبين، فبكيا فقسمتهما بينهما، وأتياه صلى الله عليه وسلم يبكيان، فأخذه صلى الله عليه وسلم فقال: "حديث : يا ثوبان اشتر بهذا من بني فلان قلادة من عصب وسوارين من عاج فإنَّ هؤلاء أهل بيتي ولا أحب أن يأكلوا طيباتهم في الحياة الدنيا ". تفسير : والمسح ثوب غليظ سترت به الباب، والقلب بضم فاسكان السوار، والعصب ثياب يمنية، أو بفتح الصاد مفاصل الحيوان يتخذ منها زينة، وقيل دابة بحرية يتخذ منها خرز بيض باسكان الصاد، وفى البخارى عن أبى هريرة، لقد رأيت سبعين من أصحاب الصفة ما منهم رجل عليه رداء، اما ازار واما كساء، قد ربطوا فى أعناقهم، فمنها ما يبلغ نصف الساقين، ومنها ما يبلغ الكعبين، فيجمعه بيده كراهة أن ترى عورته.

الالوسي

تفسير : {وَيَوْمَ يُعْرَضُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ عَلَى ٱلنَّارِ } أي يعذبون بها من قولهم: عرض بنو فلان على السيف إذا قتلوا به وهو مجاز شائع، وذهب غير واحد إلى أنه من باب القلب المعنوي والمعنى يوم تعرض النار على الذين كفروا نحو عرضت الناقة على الحوض فإن معناه أيضاً كما قالوا: عرضت الحوض على الناقة لأن المعروض عليه يجب أن يكون له إدراك ليميل به إلى المعروض أو يرغب عنه لكن لما كان المناسب هو أن يؤتى بالمعروض عند المعروض عليه ويحرك نحو وهٰهنا الأمر بالعكس لأن الحوض لم يؤت به وكذا النار قلب الكلام رعاية لهذا الاعتبار. وفي «الانتصاف» ((إن كان قولهم: عرضت الناقة على الحوض مقلوباً فليس قوله تعالى: {وَيَوْمَ يُعْرَضُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ عَلَى ٱلنَّارِ } كذلك لأن الملجىء ثَمَّ إلى اعتقاد القلب أن الحوض جماد لا إدراك له والناقة هي المدركة فهي التي يعرض عليها الحوض حقيقة، وأما النار فقد وردت النصوص بأنها حينئذٍ مدركة إدراك الحيوانات بل إدراك أولي العلم فالأمر في الآية على ظاهره كقولك: عرضت الأسرى على الأمير))، وربما يقال: لا مانع من تنزيلها منزلة المدرك إن لم تكن حينئذٍ مدركة وكذا تنزيل الحوض منزلته حتى كأنه يستعرض الناقة كما قال أبو العلاء المعري:شعر : إذا اشتاقت الخيل المناهل أعرضت عن الماء فاشتاقت إليها المناهل تفسير : وبعد ذلك قد لا يحتاج إلى اعتبار القلب. وقال أبو حيان: ((لا ينبغي حمل القرآن على القرآن إذ الصحيح فيه أنه مما يضطر إليه في الشعر، وإذا كان المعنى صحيحاً واضحاً بدونه فأي ضرورة تدعو إليه؟ والمثال المذكور لا قلب فيه أيضاً، فإن عرض الناقة على الحوض وعرض الحوض على الناقة كل منهما صحيح إذ العرض أمر نسبـي يصح إسناده لكل واحد من الناقة والحوض)). وابن السكيت في كتاب «التوسعة» ذهب إلى أن عرضت الحوض على الناقة مقلوب والأصل إنما هو عرضت الناقة على الحوض وهو مخالف للمشهور. وأنت تعلم مما ذكرنا أولاً أن سبب اعتبارهم القلب في المثال كون المناسب في العرض أن يؤتى بالمعروض عند المعروض عليه وأن الأمر في عرضت الحوض على الناقة بالعكس، وتفصيل الكلام في ذلك على وجه يعرف منه منشأ الخلاف أن العرض مطلقاً لا يقتضي ذلك وإنما المقتضي له المعنى المقصود من العرض في المثال وهو الميل إلى المعروض، ومن لم ينظر إلى هذا المعنى ونظر إلى أن المعروض يتحرك إلى المعروض عليه قال إنه الأصل، ومن لم ينظر إلى الاعتبارين وقال العرض إظهار شيء لشيء قال إن كلاً من القولين على الأصل، وهو كما قال العلامة السيالكوتي الحق لأن كلا / الاعتبارين خارج عن مفهوم العرض فاحفظه فإنه نفيس. والظرف منصوب بقول محذوف مقوله قوله تعالى: {أَذْهَبْتُمْ طَيّبَـٰتِكُمْ } إلى آخره أي فيقال لهم يوم يعرضون أذهبتم لذاتكم {فِي حَيَـٰتِكُمُ ٱلدُّنْيَا } باستيفائها {وَٱسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا } فلم يبق لكم بعد شيء منها، وهو عطف تفسير لأذهبتم. وقرأ قتادة ومجاهد وابن وثاب وأبو جعفر والحسن والأعرج وابن كثير {آذهبتم } بهمزة بعدها مدة مطولة، وابن عامر بهمزتين حققهما ابن ذكوان ولين الثانية هشام وابن كثير في رواية، وعن هشام الفصل بين المحققة والملينة بألف، والاستفهام على معنى التوبيخ فهو خبر في المعنى ولو كان استفهاماً محضاً لم تدخل الفاء في قوله سبحانه: {فَٱلْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ ٱلْهُونِ } أي الهوان وكذلك قرىء {بِمَا كُنتُمْ } في الدنيا {تَسْتَكْبِرُونَ فِي ٱلاْرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقّ } بغير استحقاق لذلك، وقد مر بيان سر {فِي ٱلاْرْضِ } {وَبِمَا كُنتُمْ تَفْسُقُونَ } أي تخرجون من طاعة الله عز وجل أي بسبب استكباركم وفسقكم المستمرين، وفي «البحر» ((أريد بالاستكبار الترفع عن الإيمان وبالفسق معاصي الجوارح وقدم ذنب القلب على ذنب الجوارح إذ أعمال الجوارح ناشئة عن مراد القلب))، وقرىء {تفسقون } بكسر السين. وهذه الآية محرضة على التقلل من الدنيا وترك التنعم فيها والأخذ بالتقشف، أخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر والحاكم والبيهقي في «شعب الإيمان» عن ابن عمر أن عمر رضي الله تعالى عنه رأى في يد جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنه درهماً فقال ما هذا الدرهم؟ قال: أريد أن أشتري به لأهلي لحماً قرموا إليه فقال أكلما اشتهيتم شيئاً اشتريتموه أين تذهب عنكم هذه الآية {أَذْهَبْتُمْ طَيّبَـٰتِكُمْ فِي حَيَـٰتِكُمُ ٱلدُّنْيَا وَٱسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا }. وأخرج ابن المبارك وابن سعد وأحمد في الزهد وعبد بن حميد. وأبو نعيم في «الحلية» عن الحسن قال قدم وفد أهل البصرة على عمر رضي الله تعالى عنه مع أبـي موسى الأشعري فكان له في كل يوم خبز يلت فربما وافقناه مأدوماً بزيت وربما وافقناه مأدوماً بسمن وربما وافقناه مأدوماً بلبن وربما وافقنا القدائد اليابسة قد دقت ثم أغلي عليها وربما وافقنا اللحم الغريض ـ أي الطري ـ وهو قليل قال وقال لنا عمر رضي الله تعالى عنه: إني والله ما أجهل عن كراكر وأسنمة وعن صلاء وصناب وسلائق ولكن وجدت الله تعالى عير قوماً بأمر فعلوه فقال عز وجل: {أَذْهَبْتُمْ طَيّبَـٰتِكُمْ فِي حَيَـٰتِكُمُ ٱلدُّنْيَا وَٱسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا }، والكراكر جمع كِرْكِرَة بالكسرة زَوْر البعير الذي إذا برك أصاب الأرض وهو من أطيب ما يؤكل منه والأسنمة جمع سنام معروف والصلاء بالكسر والمد الشواء، والصِّناب ككتاب صباغ يتخذ من الخردل والزبيب، والسلائق جمع سليقة كسفينة ما سلق من البقول وغيرها ويروى بالصاد الخبز الرقاق واحدتها صليقة كسفينة أيضاً، وقيل: هي الحملان المشوية، وقيل: اللحم المشوي المنضج وأنشدوا لجرير:شعر : يكلفني معيشة آل زيد ومن لي بالصلائق والصناب تفسير : وأخرج أحمد والبيهقي في «شعب الإيمان» عن ثوبان رضي الله تعالى عنه قال: «حديث : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سافر آخر عهده من أهله بفاطمة وأول من يدخل عليه منهم فاطمة رضي الله تعالى عنها فقدم من غزاة له فأتاها فإذا بمسح على بابها ورأى على الحسن والحسين قُلْبين من فضة فرجع ولم يدخل عليها فلما رأت ذلك ظنت / أنه لم يدخل من أجل ما رأى فهتكت الستر ونزعت القلبين من الصبيين فقطعتهما فبكيا فقسمت ذلك بينهما فانطلقا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهما يبكيان فأخذه رسول الله صلى الله عليه وسلم منهما فقال يا ثوبان اذهب بهذا إلى بني فلان أهل بيت بالمدينة واشتر لفاطمة قلادة من عصب وسوارين من عاج فإن هؤلاء أهل بيتي ولا أحب أن يأكلوا طيباتهم في حياتهم الدنيا»تفسير : والمِسْح بكسر فسكون ثوب من شعر غليظ، والقُلْبين تثنية قُلْب بضم فسكون السوار، والعَصْب بفتح فسكون قال الخطابـي إن لم يكن الثياب اليمانية فما أدري ما هو وما أدري أن القلائد تكون منها، ويحتمل أن الرواية بفتح الصاد وهو إطناب مفاصل الحيوان فلعلهم كانوا يتخذون من طاهره مثل الخرز. قال ثم ذكر بعض أهل اليمن أن العَصْب سن دابة بحرية تسمى فرس فرعون يتخذ منها الخرز البيض وغيرها. وأحاديث الزهد في طيبات الحياة الدنيا كثيرة وحال رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك معروفة بين الأمة. وفي «البحر» بعد حكاية حال عمر رضي الله تعالى عنه على نحو مما ذكرنا ((قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: وهذا من باب الزهد وإلا فالآية نزلت في كفار قريش، والمعنى إنه كانت لكم طيبات الآخرة لو آمنتم لكنكم لم تؤمنوا فاستعجلتم طيباتكم في الحياة الدنيا، فهذه كناية عن عدم الإيمان ولذلك ترتب عليه {فَٱلْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ ٱلْهُونِ } ولو أريد الظاهر ولم يكن كناية عما ذكرنا لم يترتب عليه الجزاء بالعذاب)). هذا ولما كان أهل مكة مستغرقين في لذات الدنيا معرضين عن الإيمان وما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم ناسب تذكيرهم بما جرى للعرب الأولى ممن كانوا أكثر أموالاً وأشد قوة وأعظم جاهاً منهم فسلط عليهم العذاب بسبب كفرهم وبضرب الأمثال وقصص من تقدم يعرف قبح الشيء وحسنه فقال سبحانه لرسوله صلى الله عليه وسلم:{وَٱذْكُرْ ...}.

ابن عاشور

تفسير : انتقال إلى وعيد الكافرين على الكفر بحذافره، وذلك زائد على الوعيد المتقدم المتعلق بإنكارهم البعث مع عقوقهم الوالدين المسلمين. فالجملة معطوفة على جملة {أية : والذي قال لوالديه أفّ لكما}تفسير : [الأحقاف: 17] الآيات. والكلام مقول قول محذوف تقديره: ويقال للذين كفروا يومَ يعرضون على النار {أذهبتم طيباتكم}، ومناسبة ذكره هنا أنه تقرير لمعنى {أية : لا يظلمون}تفسير : [الأحقاف: 19]، أي لا يظلمون في جزاء الآخرة مع أننا أنعمنا عليهم في الدنيا ولو شئنا لعجلنا لهم الجزاء على كفرهم من الحياة الدنيا، ولكن الله لم يحرمهم من النعمة في الحياة الدنيا فإن نعمة الكافر في الدنيا نعمة عند المحققين من المتكلمين. وعن الأشعري: أن الكافر غير منعم عليه في الدنيا، وتُؤُوِّل بأنه خلاف لفظي، أي باعتبار أن عاقبتها سيئة. ونعمة الله في الدنيا معاملة بفضل الرّبوبية وجزاؤهم على أعمالهم في الآخرة معاملة بِعدل الإلهية والحكمة. وانتصب {يوم يعرض} على الظرفية لفعل القول المحذوف. والعرض تقدم في قوله: {أية : أولئك يعرضون على ربهم}تفسير : في سورة هود (18) وقوله: {أية : النار يُعرضون عليها} تفسير : في سورة غافر (46) وفي قوله: {أية : وتراهم يعرضون عليها} تفسير : في سورة الشورى (45). وإذهاب الطيبات مستعار لمفارقتها كما أن إذهاب المرء إبعادٌ له عن مكان له. والذهاب: المبارحة. والمعنى: استوفيتم ما لكم من الطيبات بما حصل لكم من نعيم الدنيا ومتعتها فلم تبق لكم طيبات بعدها لأنكم لم تعملوا لنوال طيبات الآخرة، وهو إعذار لهم وتقرير لكونهم لا يظلمون فرتب عليه قوله: فاليوم تجزون عذاب الهون}. فالفاء فصيحة. والتقدير: إن كان كذلك فاليوم لم يبق لكم إلا جزاء سيّـىء أعمالكم، وليست الفاء للتفريع ولا للتسبب. وليس في الآية ما يقتضي منع المسلم من تناول الطيبات في الدنيا إذا توخّى حلالها وعمل بواجبه الديني فيما عدا ذلك وإن كان الزهد في الاعتناء بذلك أرفع درجة وهي درجة رسول الله صلى الله عليه وسلم وخاصة من أصحابه. وروى الحسن عن الأحنف بن قيْس أنه سمع عمر بن الخطاب يقول: لأنا أعلم بخفض العيش ولو شئت لجعلت أكباداً، وصلائق وصِنَاباً وكَراكر وأسْنِمَة ولكني رأيت الله نعى على قوم فقال: {أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها}. وإنما أراد عمر بذلك الخشيةَ من أن يشغله ذلك عن واجبه من تدبير أمور الأمة فيقع في التفريط ويؤاخذ عليه. وذكر ابن عطية: أن عمر حين دخل الشام قدّم إليه خالد بن الوليد طعاماً طيباً. فقال عمر: هذا لنا فما لفقراء المسلمين الذين ماتوا ولم يشبعوا من خبز الشعير؟ فقال خالد: لهم الجنة، فبكى عمر. وقال: لئن كان حظنا في المقام وذهبوا بالجنة لقد باينونا بونا بعيداً. والهُون: الهوان وهو الذلّ وإضافة {عذاب} إلى {الهون} مع إضافة الموصوف إلى الصفة. والباء في قوله: {بما كنتم تستكبرون} للسببية وهي متعلقة بفعل {تجزون}. والمراد بالاستكبار، الاستكبار على الرسول صلى الله عليه وسلم وعلى قبول التوحيد. والفسوق: الخروج عن الدين وعن الحق، وقد يأخذ المسلم بحظ من هذين الجرمين فيكون له حظ من جزائهما الذي لقيه الكافرون، وذلك مبين في أحكام الدين. والفسوق: هنا الشرك. وقرأ الجمهور {أذهبتم} بهمزة واحدة على أنه خبر مستعمل في التوبيخ. وقرأه ابن كثير {أأذهبتم} بهمزتين على الاستفهام التوبيخي.

الشنقيطي

تفسير : معنى الآية الكريمة أنه يقال للكفار يوم يعرضون على النار: {أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ}. فقوله يعرضون على النار: قال بعض العلماء: معناه يباشرون حرها كقول العرب: عرضهم على السيف إذا قتلهم به، وهو معنى معروف في كلام العرب. وقد ذكر تعالى مثل ما ذكر هنا في قوله: {أية : وَيَوْمَ يُعْرَضُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ عَلَىٰ ٱلنَّارِ أَلَيْسَ هَـٰذَا بِٱلْحَقِّ}تفسير : [الأحقاف: 34] وهذا يدل على أن المراد بالعرض مباشرة العذاب لقوله: {أية : قَالُواْ بَلَىٰ وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُواْ ٱلْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ}تفسير : [الأحقاف: 34]. وقوله تعالى: {أية : فَوقَاهُ ٱللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَـرُواْ وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوۤءُ ٱلْعَذَابِ ٱلنَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً}تفسير : [غافر: 45- 46] لأنه عرض عذاب. وقال بعض العلماء: معنى عرضهم على النار هو تقريبهم منها، والكشف لهم عنها، حتى يروها كما قال تعالى:{أية : وَرَأَى ٱلْمُجْرِمُونَ ٱلنَّارَ}تفسير : [الكهف: 53] الآية. وقال تعالى:{أية : وَجِيۤءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ}تفسير : [الفجر: 23]. وقال بعض العلماء: في الكلام قلب، وهو مروي عن ابن عباس وغيره. قالوا: والمعنى ويوم تعرض النار على الذين كفروا قالوا وهو كقول العرب: عرضت الناقة على الحوض. يعنون عرضت الحوض على الناقة، ويدل لهذا قوله تعالى:{أية : وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِّلْكَافِرِينَ عَرْضاً}تفسير : [الكهف: 100]. قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: هذا النوع الذي ذكروه من القلب في الآية، كقلب الفاعل مفعولاً، والمفعول فاعلاً، ونحو ذلك اختلف فيه علماء العربية، فمنعه البلاغيون إلا في التشبيه، فأجازوا قلب المشبه مشبهاً به والمشبه به مشبهاً بشرط أن يتضمن ذلك نكتة وسراً لطيفاً كما هو المعروف عندهم فى مبحث التشبية المقلوب. وأجازه كثير من علماء العربية. والذي يظهر لنا أنه أسلوب عربي نطقت به العرب في لغتها، إلا أنه يحفظ ما سمع منه، ولا يقاس عليه ومن أمثلته في التشبيه قول الراجز: شعر : ومنهل مغبرة أرجاؤه كأن لون أرضه سماؤه تفسير : أي كأن سماءه لون أرضه، وقول الآخر: شعر : وبدا الصباح كأن غرته وجه الخليفة حين يمتدح تفسير : لأن أصل المراد تشبيه وجه الخليفة بغرة الصباح فقلب التشبية ليوهم أن الفرع أقوى من الأصل في وجه الشبه. قالوا ومن أمثلته في القرآن{أية : وَآتَيْنَاهُ مِنَ ٱلْكُنُوزِ مَآ إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِٱلْعُصْبَةِ أُوْلِي ٱلْقُوَّةِ}تفسير : [القصص: 76]، لأن العصبة من الرجال هي التي تنوء بالمفاتيح أي تنهض بها بمشقة وجهد لكثرتها وثقلها، وقوله تعالى: {أية : فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ ٱلأَنبَـآءُ}تفسير : [القصص: 66] أي عموا عنها. ومن أمثلته في كلام العرب قول كعب بن زهير: شعر : كأن أوب ذراعيها إذا عرقت وقد تلفع بالقور العساقيل تفسير : لأن معنى قوله: تلفع لبس اللفاع وهو اللحاف، والقور الحجارة العظام، والعساقيل: السراب. والكلام مقلوب، لأن القور هي التي تلتحف بالعساقيل لا العكس كما أوضحه لبيد في معلقته بقوله: شعر : فبتلك إذ رقص اللوامع بالضحى واجتاب أردية السراب إكامها تفسير : فصرح بأن الإكام التي هي الحجارة اجتابت أي لبست أردية السراب. والأردية جمع رداء، وهذا النوع من القلب وإن أجازه بعضهم فلا ينبغي حمل الآية عليه، لأنه خلاف الظاهر، ولا دليل عليه يجب الرجوع إليه. وظاهر الآية جار على الأسلوب العرب الفصيح، كما أوضحه أبو حيان في البحر المحيط. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة {أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ ٱلدُّنْيَا وَٱسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا} قرأه ابن كثير وابن عامر {أأذهبتم} بهمزتين وهما على أصولهما في ذلك. فابن كثير يسهل الثانية بدون ألف إدخال بين الهمزتين. وهشام يحققها ويسهلها مع ألف الإدخال، وابن ذكوان يحققها من غير إدخال. وقرأه نافع وأبو عمرو وعاصم وحمزة والكسائي: {أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ} بهمزة واحدة على الخبر من غير استفهام. واعلم أن للعلماء كلاماً كثيراً في هذه الآية قائلين إنها تدل على أنه ينبغي التقشف والإقلال من التمتع بالمآكل والمشارب والملابس ونحو ذلك. وأن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يفعل ذلك خوفاً منه، أن يدخل في عموم من يقال لهم يوم القيامة: {أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ ٱلدُّنْيَا} الآية. والمفسرون يذكرون هنا آثاراً كثيرة في ذلك، وأحوال أهل الصفة وما لاقوه من شدة العيش. قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: التحقيق: إن شاء الله في معنى هذه الآية هو أنها في الكفار وليست في المؤمنين الذين يتمتعون باللذات التي أباحها الله لهم، لأنه تعالى ما أباحها لهم ليذهب بها حسناتهم. وأنما قلنا: إن هذا هو التحقيق، لأن الكتاب والسنة الصحيحة دالان عليه والله تعالى يقول:{أية : فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ}تفسير : [النساء: 59] الآية. أما كون الآية في الكفار فقد صرح الله تعالى به في قوله: {وَيَوْمَ يُعْرَضُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ عَلَى ٱلنَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُم} الآية. والقرآن والسنة الصحيحة، قد دلا على أن الكافر إن عمل عملاً صالحاً مطابقاً للشرع، مخلصاً فيه لله، كالكافر الذي يبر والديه، ويصل الرحم ويقري الضيف، وينفس عن المكروب، ويعين المظلوم يبتغي بذلك وجه الله يثاب بعمله في دار الدنيا خاصة بالرزق والعافية، ونحو ذلك ولا نصيب له في الآخرة. فمن الآيات الدالة على ذلك قوله تعالى:{أية : مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُون أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ إِلاَّ ٱلنَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ}تفسير : [هود: 15-16] وقوله تعالى:{أية : وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي ٱلآخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ}تفسير : [الشورى: 20]. وقد قيد تعالى هذا الثواب الدنيوي المذكور في الآيات بمشيئته وإرادته، في قوله تعالى:{أية : مَّن كَانَ يُرِيدُ ٱلْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَآءُ لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُوماً مَّدْحُوراً}تفسير : [الإسراء: 18]. وقد ثبت في صحيح مسلم من حديث أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"حديث : إن الله لا يظلم مؤمناً حسنة يعطي بها في الدنيا ويجزي بها في الآخرة، وأما الكافر فيطعم بحسناته ما عمل بها لله في الدنيا حتى إذا أفضى إلى الآخرة لم تكن له حسنة يجزي بها"تفسير : هذا لفظ مسلم في صحيحه. وفي لفظ له عن رسول الله صلى الله عليه وسلم:"حديث : إن الكافر إذا عمل حسنة أطعم بها طعمة في الدنيا، وأما المؤمن فإن الله يدخر له حسناته في الآخرة ويعقبه رزقاً في الدنيا على طاعته " تفسير : فهذا الحديث الثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم فيه التصريح، بأن الكافر يجازى بحسناته في الدنيا فقط، وأن المؤمن يجازى بحسناته في الدنيا والآخرة معاً، وبمقتضى ذلك. يتعين تعييناً لا محيص عنه، أن الذي أذهب طيباته في الدنيا واستمتع بها هو الكافر، لأنه لا يجزي بحسناته إلا في الدنيا خاصة. وأما المؤمن الذي يجزي بحسناته في الدنيا والآخرة معاً، فلم يذهب طيباته في الدنيا، لأن حسناته مدخرة له في الآخرة، مع أن الله تعالى يثيبه بها في الدنيا كما قال تعالى:{أية : وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ}تفسير : [الطلاق: 2-3] فجعل المخرج من الضيق له ورزقه من حيث لا يحتسب ثواباً في الدنيا وليس ينقص أجر تقواه في الآخرة. والآيات بمثل هذا كثيرة معلومة، وعلى كل حال فالله جل وعلا أباح لعباده على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم الطيبات في الحياة الدنيا، وأجاز لهم التمتع بها، ومع ذلك جعلها خاصة بهم في الآخرة، كما قال تعالى:{أية : قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِيۤ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ ٱلرِّزْقِ قُلْ هِي لِلَّذِينَ آمَنُواْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ}تفسير : [الأعراف: 32]. فدل هذا النص القرآني أن تمتع المؤمنين بالزينة والطيبات من الرزق في الحياة الدنيا لم يمنعهم من اختصاصهم بالتنعم بذلك يوم القيامة، وهو صريح في أنهم لم يذهبوا طيباتهم في حياتهم الدنيا. ولا ينافي هذا أن من كان يعاني شدة الفقر في الدنيا كأصحاب الصفة، يكون لهم أجر زائد على ذلك، لأن المؤمنين يؤجرون، بما يصيبهم في الدنيا من المصائب والشدائد، كما هو معلوم. والنصوص الدالة على أن الكافر هو الذي يذهب طيباته في الحياة الدنيا، لأنه يجزي في الدنيا فقط كالآيات المذكورة، وحديث أنس المذكور عند مسلم، قد قدمناها موضحة في سورة بني إسرائيل في الكلام على قوله تعالى:{أية : وَمَنْ أَرَادَ ٱلآخِرَةَ وَسَعَىٰ لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُوراً}تفسير : [الإسراء: 19] وذكرنا هناك أسانيد الحديث المذكور وألفاظه. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: {فَٱلْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ ٱلْهُونِ} أي عذاب الهوان وهو الذل والصغار. وقوله تعالى: {بِمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي ٱلأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ وَبِمَا كُنتُمْ تَفْسُقُونَ}، الباء في قوله: بما كنتم سببية، وما مصدرية أي تجزون عذاب الهون بسبب كونكم مستكبرين في الأرض، وكونكم فاسقين. وما دلت عليه هذه الآية الكريمة من كون الاستكبار في الأرض والفسق من أسباب عذاب الهون، وهو عذاب النار، جاء موضحاً في غير هذا الموضع كقوله تعالى:{أية : أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْمُتَكَبِّرِينَ}تفسير : [الزمر: 60] وقوله تعالى:{أية : وَأَمَّا ٱلَّذِينَ فَسَقُواْ فَمَأْوَاهُمُ ٱلنَّارُ}تفسير : [السجدة: 20] الآية. وقد قدمنا النتائج الوخيمة الناشئة عن التكبر في سورة الأعراف في الكلام على قوله تعالى:{أية : فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا}تفسير : [الأعراف: 13] الآية. وقوله تعالى: {بِغَيْرِ ٱلْحَقّ} مع أنه من المعلوم أنهم لا يستكبرون في الأرض إلا استكباراً متلبساً بغير الحق كقوله تعالى:{أية : وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ}تفسير : [الأنعام: 38] ومعلوم أنه لا يطير إلا بجناحيه، وقوله:{أية : فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ ٱلْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ}تفسير : [البقرة: 79]، ومعلوم أنهم لا يكتبونه إلا بأيديهم، ونحو ذلك من الآيات، وهو أسلوب عربي نزل به القرآن.

د. أسعد حومد

تفسير : {طَيِّبَاتِكُمْ} (20) - ويَومَ القِيامَةِ يُوقَفُ الذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ، وَيُقَالُ لَهُمْ عَلَى سَبِيلِ التَّقْرِيعِ والتَّأْنِيبِ: إِنَّ كُلَّ ما قُدِّر لَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ والنَّعِيمِ قدِ استَمْتَعْتُمْ بِهِ، واستَوفَيْتُمُوهُ في حَيَاتِكُمُ الدُّنيا واستَهْلَكْتُمُوهُ فِيها، ولم يَبْقَ لَكُم شَيءٌ مِنَ المُتَعِ واللَّذَّاتِ. وَهكَذَا لَم يَبْقَ لَكُمْ شَيءٌ في الآخِرَةِ تَنَالُونَهُ غيرُ الخِزْيِ وَالإِهَانةِ، جَزَاءً لَكُمْ عَلى استِكْبَارِكُمْ عَنِ اتِّباعِ الحَقِّ، وَعَلَى فسْقِكُم وَخُرُوجِكُم عَنْ طَاعَةِ رَبِّكُمْ. الفِسْقُ - الخُروجُ عَنِ الطَّاعَةِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : التقدير هنا: واذكر يا محمد يوم يُعرض الذين كفروا على النار، فساعة ترى الظرف فابحث عن الحدث الذي فيه، لأن الزمن لا يُمدح ولا يُذمُّ لذاته، إنما بحسب الفعل الذي يحدث فيه. والحدث هنا أنْ يُعرض الذين كفروا على النار، لكن مَنْ يُعرض على مَنْ؟ النار غير عاقل والكافرون عُقلاء، فالنار تُعرض عليهم كما تقول: عرضتُ القماش على المشتري، لكن يوم القيامة سيتبين لهم أن النار عاقلة وهم الذين سيُعرضون عليها. واقرأ: {أية : يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ ٱمْتَلأَتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ}تفسير : [ق: 30] وثبت في الحديث الشريف أنها تشتاق لأهلها من الكافرين والعاصين وأنها ستتكلم وتنطق. والحق سبحانه يخاطب ما شاء بما شاء. إذن: لا نفهم هذه الآية بقوانين البشر، لأن لله قوانين أخرى مع الأشياء، لذلك لو علّمها الله لأحد من خَلْقه لعلمها وتعامل بها، كما رأينا في قصة سيدنا سليمان عليه السلام {أية : فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ ..}تفسير : [الأنبياء: 79]. فكان يفهم لغة الحيوان والطير، لذلك لما سمع النملة وفهم منها تبسَّم ضاحكاً من قولها، وشكر المنعم عليه بهذه النعمة. ومنهم من قال: إن في الآية قلباً كما تقول: عرضتُ الحوض على الناقة، والواقع أنك تعرض الناقة على الحوض لتشرب منه. وقوله تعالى: {أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَـٰتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ ٱلدُّنْيَا وَٱسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا ..} [الأحقاف: 20] أى: يقال لهم هذا الكلام في الآخرة بعد أنْ تقوم الساعة. لكن هناك آية أخرى يظن البعض أنها تتعارض مع هذه. وهي قوله تعالى: {أية : ٱلنَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ أَدْخِلُوۤاْ آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ ٱلْعَذَابِ}تفسير : [غافر: 46] ففهموا منها أن العرض يكون في الدنيا لأنه عطف عليها بقوله: {أية : وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ ..}تفسير : [غافر: 46]. لكن المتأمل في هذه الآية يجد أن هذا العرش ليس في الدنيا ولا في الآخرة، إنما في مرحلة البرزخ، كيف؟ لأن الغدو والعشي ناشىء من حركة الشمس ووجود الليل والنهار، والآخرة ليس فيها شيء من هذا. فالآخرة ليس فيها شمس ولا قمر، ولا ليل ولا نهار {أية : يَوْمَ تُبَدَّلُ ٱلأَرْضُ غَيْرَ ٱلأَرْضِ وَٱلسَّمَٰوَٰتُ ..} [إبراهيم: 48] فنحن في الدنيا نعيش بالأسباب، أما في الآخرة فنعيش بالمسبِّب سبحانه الشمس تُنير لنا في الدنيا، أما الآخرة {وَأَشْرَقَتِ ٱلأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا ..}تفسير : [الزمر: 69]. إذن: العرض هنا في البرزخ {أية : وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ أَدْخِلُوۤاْ آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ ٱلْعَذَابِ}تفسير : [غافر: 46] فالعرض ليس في الآخرة بل الدخول، فالعرض في الأولى غير العرض في الثانية، وما يدريك أنهم قبل أنْ يدخلوا النار يُعرضون عليها، لأن الصراط مضروب على متن جهنم، فيُعرضون على النار قبل أنْ يدخلوها. وقوله تعالى: {أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَـٰتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ ٱلدُّنْيَا وَٱسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا ..} [الأحقاف: 20] هذه الآية حَلَّتْ لنا إشكالاً، حيث نرى أهل الكفر والإلحاد أكثر منا مالاً وزينة في الدنيا، والبعض يسأل عن المخترعين والمكتشفين من غير المسلمين الذين خدموا البشرية بعلومهم، هل لهم جزاء على ذلك؟ الجواب هنا {أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَـٰتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ ٱلدُّنْيَا ..} الأحقاف: 20] ولم يبق لهم نصيب في الآخرة، فهذه سنة الله التي لا تتبدل، فالله تعالى أعطى الأسباب للمؤمنين وللكافرين. فمَنْ أحسن في الأسباب لم يُحرم ثمرة إحسانه. حتى لو كان كافراً، ومَنْ قعد وتخاذل حُرم ولو كان مؤمناً، لأن هذا عطاء الربوبية. والذين قدَّموا للبشرية هذا العطاء وخدموها هذه الخدمة، أكان في بالهم الله؟ أبداً كان في بالهم الحضارة والتقدم وخدمة التاريخ والإنسانية، وقد أخذوا منها جزاءهم سمعة وصيتاً وتخليداً لذكراهم، أقاموا لهم التماثيل وألَّفوا فيهم الكتب. إذن: أخذوا أجورهم ممَّنْ عملوا لهم وانتهت المسألة. لذلك يقول تعالى في وصف حال هؤلاء: {أية : وَٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ ٱلظَّمْآنُ مَآءً حَتَّىٰ إِذَا جَآءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ ٱللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّـٰهُ حِسَابَهُ وَٱللَّهُ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ}تفسير : [النور: 39]. فوجىء بإلهٍ يحاسبه لم يكُنْ في باله ساعة العمل، هذا حال الكافر، أما المؤمن فيعمل العمل في الدنيا وعَيْنه على الآخرة. حديث : يُروى أن سيدنا رسول الله مرّ على أهل الصُّفَّة فوجدهم يلبسون الملابس المخرَّقة ولا يجدون ما يُرقِّعونها به، فقال لهم: أيُّ أيامكم خير؟ أهذا اليوم أو يوم يُغدي عليكم بجفَانٍ ويُراح عليكم بجفان، وتغدون في حلة وتروحون في حُلة أخرى، وعلى أبوابكم ستائر مثل ستائر الكعبة . تفسير : وسيدنا عمر بن عبد العزيز كان قبل الخلافة مشهوراً بأنه الفتى المدلَّل الذي يتقلب في النعيم ليل نهار، حتى إنه كان يلبس الحرير، وكان الخدم الذين يغسلون له ملابسه يأخذون من الناس رشوة ليغسلوا ملابسهم في الماء الذي غسل فيه ثياب عمر لكثرة ما بها من العطر والطيب. فلما تولى الخلافة زهد في هذا النعيم وعاش حياة الزهد والتقشف، وارتدى الثياب الخشنة، فلما سألوه عن ذلك قال: والله لو شئتُ لكنتُ أطيبكم طعاماً وأحسنكم ثياباً، لكني أستبقي طيباتي للآخرة، وإن لي نفساً توَّاقة - يعني: عندهما طموح للأحسن - تاقتْ للإمارة، فلما نلْتها تاقتْ للخلافة، فلما نلتها تاقت للجنة. لذلك رُويَ عن السيدة عائشة رضي الله عنها أنها قالتْ: كان يمرُّ الهلال ثم يمر الهلال، ثم يمر الهلال. يعني: ثلاثة أشهر ما يُوقد في بيت محمد نار. قيل: فما طعامكم؟ قالت: الأسودان الماء والتمر. إلا أنه قد كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم جيران من الأنصار كانت لهم منائح، وكانوا يمنحون رسول الله صلى الله عليه وسلم من ألبانهم فيسقينا. إذن: كان بيت سيدنا رسول الله نموذجاً ومثالاً وأُسْوة للفقراء. وقوله {فِي حَيَاتِكُمُ ٱلدُّنْيَا ..} [الأحقاف: 20] بالله ساعة تفكر في معنى كلمة الدنيا، هل تجد لها وصفا أدنى وأقل من هذا؟ وساعة تسمع الدنيا لا بد أنْ تتذكر المقابل، وأن هناك حياة مقابلة تُوصف بأنها العليا، وهي التي فيها الجزاء. {فَٱلْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ ٱلْهُونِ ..} [الأحقاف: 20] أي: يوم القيامة تُجزون على أعمالكم عذاب الهون. يعني: الهوان والذلة، لأنكم استكبرتم في الدنيا عن قبول الحق. ومن الهُون هذه أُخذِتْ كلمة (الهون)، وهو الآلة التي ندقُّ فيها الأشياء في المطبخ، فهو آلة الطحن والدقّ وسحق المادة التي تُوضع فيه. فكأن العذاب الذي سيلاقونه سيسحق كبرياءهم ويجعلهم أذلةَ مُهانين {بِمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ ..} [الأحقاف: 20] يعني: بسبب استكباركم وتعاليكم عن قبول الحق {فِي ٱلأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ ..} [الأحقاف: 20] دل على أن هناك استكباراً بالحق، وهو أنْ تتكبَّر على المتكبر؛ لذلك قيل: الكبر على أهل الكبر صدقة. لذلك كان سيدنا حمزة في الحرب يرتدي عصابةَ الموت، وهي عصابة حمراء ويرفع سيفه، ثم يسير بين الصفوف يتبختر مزْهُواً بنفسه، فنظر إليه سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: هذه مِشْية يبغضها الله إلا في هذا الموقف، وقال: رحم الله امرءاً أبدى لهم من نفسه قوة. ونفهم من آيات القرآن الكريم أن المؤمن مِنْ وصفه في القرآن أنه غير مطبوع على طبع واحد ولا قالب واحد، إنما الموقف الذي يعيشه هو الذي يملي عليه الطبع المناسب للموقف. واقرأ: {أية : مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّآءُ عَلَى ٱلْكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ ..}تفسير : [الفتح: 29] وقال: {أية : أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ ..}تفسير : [المائدة: 54]. إذن: هو عزيز في موقف، وذليل في موقف آخر، شديد في موقف، ورحيم في موقف آخر، فهو يجمع بين المتناقضيْن لأن المقام مختلف. وقوله: {وَبِمَا كُنتُمْ تَفْسُقُونَ} [الأحقاف: 20] إذن: هناك استكبار وهناك فسق، الاستكبار: التعالي عن قبول الحق، والفسق: من فسقَتْ الرُّطبة يعني: خرجت عن قشرتها. والبلح له في استوائه أعمار، فلما يكتمل الحجم يبدأ اللون أحمر أو أصفر ثم يرطب وتكون له قشرة، فإذا كان في بيئة جافة جَمُدَ وجَفّ ولصقتْ القشرة في لحم البلحة، وهذا أجود أنواع التمر. فمعنى الفسق هنا يعني الخروج عن وعاء الطاعة، ولما تتأمل الاستكبار والفسق تجد أنهما يجمعان بين عمل القلب وعمل الجوارح. فالإنسان له قلبٌ وقالب، القلب محلُّ الأسرار والغيبيات، ومحل الإخلاص أو الرياء، ومحلُّ التواضع أو التعالي، فالاستكبار من أعمال القلب، قال تعالى: {أية : وَجَحَدُواْ بِهَا وَٱسْتَيْقَنَتْهَآ أَنفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً ..}تفسير : [النمل: 14]. أما الفسق فهو الخروج عن الطاعة التي هي عمل الجوارح.

الصابوني

تفسير : المنَاسَبَة: لما ذكر تعالى أحوال بعض الأشقياء، أعقبه بذكر حال الكفار الفجار في الآخرة، ثم ذكر قصة عاد الذين أهلكهم الله بطغيانهم مع ما كانوا عليه من القوة والشدة، تذكيراً لكفار قريش بعاقبة التكذيب والطغيان، وختم السورة الكريمة بقصة النفر من الجنِّ الذين آمنوا بالقرآن حين سمعوه ودعوا قومهم إِلى الإِيمان. اللغَة: {ٱلْهُونِ} الهوان والذل {ٱلأَحْقَافِ} الرمال العظيمة جمع حِقْف وهو ما استطال من الرمل العظيم واعوجَّ، والأحقاف ديار عاد {لِتَأْفِكَنَا} لتصرفنا وتزيلنا، والإِفك: الكذب {عَارِضاً} سحاباً يعرض في الأفق {تُدَمِّرُ} تُهلك، والتدميرُ الهلاك وكذلك الدَّمار {صَرَّفْنَا} بعثنا ووجهنا {يَعْيَ} يضعف ويعجز من الإِعياء وهو التعب والعجز. التفسِير: {وَيَوْمَ يُعْرَضُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ عَلَى ٱلنَّارِ} أي وذكّرهم يا محمد يوم يُكشف الغطاء عن نار جهنم، وتبرز للكافرين فيقرَّبون منها وينظرون إِليها {أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ ٱلدُّنْيَا} في الكلام حذف أي ويقال لهم تقريعاً وتوبيخاً أذهبتم طيباتكم أي لقد نلتم وأصبتم لذائد الدنيا وشهواتها فلم يبق لكم نصيب اليوم في الآخرة قال في البحر: والطيبات هنا المستلذات من المآكل والمشارب، والملابس والمفارش. والمراكب والمواطىء، وغير ذلك مما يتنعَّم به أهل الرفاهية {وَٱسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا} أي وتمتعتم بتلك اللذائذ والطيبات في الدنيا قال المفسرون: المراد بالآية إِنكم لم تؤمنوا حتى تنالوا نعيم الآخرة، بل اشتغلتم بشهوات الدنيا ولذائذها عن الإِيمان والطاعة، وأفنيتم شبابكم في الكفر والمعاصي، وآثرتم الفاني على الباقي، فلم يبق لكم بعد ذلك شيء من النعيم، ولهذا قال بعده {فَٱلْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ ٱلْهُونِ} أي ففي هذا اليوم - يوم الجزاء - تنالون عذاب الذُلِّ والهَوان {بِمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي ٱلأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ} أي بسبب استكباركم في الدنيا عن الإِيمان وعن الطاعة {وَبِمَا كُنتُمْ تَفْسُقُونَ} أي وبسبب فسقكم وخروجكم عن طاعة الله، وارتكاب الفجور والآثام قال الإِمام الفخر: وهذه الآية لا تدل على المنع من التنعم، لأن هذه الآية وردت في حق الكافر، وإِنما وبَّخ الله الكافر لأنه يتمتع بالدنيا ولا يؤدي شكر المنعم بطاعته والإِيمان به، وأما المؤمن فإِنه يؤدي بإِيمانه شكر المنعم فلا يوبخ بتمتعه ودليله {أية : قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِيۤ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ ٱلرِّزْقِ}تفسير : [الأعراف: 32]!! نعم لا يُنكر أن الاحتراز عن التنعم أولى، وعليه يُحمل قول عمر "لو شئتُ لكنتُ أطيبكم طعاماً، وأحسنكم لباساً، ولكني أستبقي طيباتي لحياتي الآخرة" وقال في التسهيل: الآية في الكفار بدليل قوله تعالى {وَيَوْمَ يُعْرَضُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} وهي مع ذلك واعظةٌ لأهل التقوى من المؤمنين، ولذلك قال عمر لجابر ابن عبد الله - وقد رآه اشترى لحماً - أو كلما اشتهى أحدكم شيئاً جعله في بطنه! أما تخشى أن تكون من أهل هذه الآية ممن قال الله فيهم {أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ ٱلدُّنْيَا}!! {وَٱذْكُرْ أَخَا عَادٍ} أي اذكر يا محمد لهؤلاء المشركين قصة نبي الله هود عليه السلام مع قومه عادٍ ليعتبروا بها {إِذْ أَنذَرَ قَوْمَهُ بِٱلأَحْقَافِ} أي حين حذَّر قومه من عذاب الله إِن لم يؤمنوا وهم مقيمون بالأحقاف - وهي تلالٌ عظيمة من الرمل في بلاد اليمن - قال ابن كثير: الأحقاف جمع حِقْف وهو الجبل من الرمل، قال قتادة: كانوا حياً باليمن أهل رملٍ مشرفين على البحر بأرضٍ يُقال لها: الشَحْر {وَقَدْ خَلَتِ ٱلنُّذُرُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ} أي وقد مضت الرسلُ بالإِنذار من قبل هودٍ ومن بعده، والجملة اعتراضية وهي إِخبار من الله تعالى أنه قد بعث رسلاً متقدمين قبل هودٍ وبعده {أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ ٱللَّهَ} أي حذَّرهم هود عليه السلام قائلا لهم: بأن لا تعبدوا إلا الله {إِنَّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} أي إِني أخاف عليكم إِن عبدتم غير الله عذاب يومٍ هائلٍ وهو يوم القيامة {قَالُوۤاْ أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ آلِهَتِنَا} أي قالوا جواباً لإِنذاره: أجئتنا يا هود لتصرفنا عن عبادة آلهتنا؟ وهو استفهام، يراد منه التسفيه والتجهيل لما دعاهم إليه {فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّادِقِينَ} أي فأتنا بالعذاب الذي وعدتنا به إِن كنت صادقاً فيما تقول قال ابن كثير: استعجلوا عذاب الله وعقوبته استبعاداً منهم لوقوعه {قَالَ إِنَّمَا ٱلْعِلْمُ عِندَ ٱللَّهِ} أي قال لهم هود: ليس علم وقت العذاب عندي إِنما علمه عند الله {وَأُبَلِّغُكُمْ مَّآ أُرْسِلْتُ بِهِ} أي وإِنما أنا مبلّغٌ ما أرسلني به الله إِليكم {وَلَـٰكِنِّيۤ أَرَاكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ} أي ولكنني أجدكم قوماً جهلة في سؤالكم استعجال العذاب {فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضاً مُّسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ} أي فلما رأوا السحاب معترضاً في أفق السماء متجهاً نحو أوديتهم استبشروا به {قَالُواْ هَـٰذَا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا} أي وقالوا هذا السحاب يأتينا بالمطر قال المفسرون: كانت عاد قد أبطأ عنهم المطر، وقُحطوا مدةً طويلةً من الزمن، فلما رأوا ذلك السحاب العارض ظنوا أنه مطر ففرحوا به واستبشروا وقالوا: هذا عارضٌ ممطرنا {بَلْ هُوَ مَا ٱسْتَعْجَلْتُم بِهِ} أي قال لهم هود: ليس الأمر كما زعمتم أنه مطر، بل هو ما استعجلتم به من العذاب ثم فسَّره بقوله {رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ} أي هو ريحٌ عاصفة مدمّرة فيها عذابٌ فظيع مؤلم {تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا} أي تُخَرِّب وتُهلك كل شيء أتت عليه من رجالٍ ومواشٍ وأموال، بأمره تعالى وإِذنه قال ابن عباس: أول ما جاءت الريح على قوم عاد، كانت تأتي على الرجال والمواشي فترفعهم من الأرض وتطير بهم إلى السماء حتى يصبح الواحد منهم كالريشة، ثم تضربهم على الأرض، فدخلوا بيوتهم وأغلقوا أبوابهم، فقلعت الريح الأبواب وصرعتهم، فهي التي قال الله فيها {تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا} أي تدمّر كل شيء مرت عليه من رجال عادٍ وأموالها، والتدميرُ الهلاك، وفي الحديث عن عائشة قالت: "حديث : كان صلى الله عليه وسلم إِذا رأى غيماً أو ريحاً عُرف في وجهه، فقلت يا رسول الله: الناسُ إِذا رأوا الغيم فرحوا رجاء أن يكون فيه المطر، وأراك إِذا رأيته عُرف في وجهك الكراهية؟ فقال يا عائشة: ما يؤمنني أن يكون فيه عذاب، عُذّب قوم بالريح"تفسير : ، وقد رأى قوم العذاب فقالوا {هَـٰذَا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا} {فَأْصْبَحُواْ لاَ يُرَىٰ إِلاَّ مَسَاكِنُهُمْ} أي فأصبحوا هلكى لا تُرى إِلا مساكنهم، لأن الريح لم تبق منهم إِلا الآثار والديار خاوية {كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْقَوْمَ ٱلْمُجْرِمِينَ} أي بمثل هذه العقوبة الشديدة نعاقب من كان عاصياً مجرماً قال الرازي: والمقصود منه تخويف أهل مكة، ولهذا قال بعده {وَلَقَدْ مَكَّنَاهُمْ فِيمَآ إِن مَّكَّنَّاكُمْ فِيهِ} "إِنْ" نافية بمعنى "ما" أي ولقد مكَّنا عاداً في الذي لم نمكنكم فيه يأ أهل مكة من القوة، والسَّعة، وطول الأعمار، وهو خطاب لكفار مكة على وجه التهديد {وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعاً وَأَبْصَاراً وَأَفْئِدَةً} أي وأعطيناهم الأسماع والأبصار والقلوب، ليعرفوا تلك النعم ويستدلوا بها على الخالق المنعم {فَمَآ أَغْنَىٰ عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلاَ أَبْصَارُهُمْ وَلاَ أَفْئِدَتُهُمْ مِّن شَيْءٍ} أي فما نفعتهم تلك الحواس أي نفع، ولا دفعت عنهم شيئاً من عذاب الله قال الإِمام الفخر: المعنى أنّا فتحنا عليهم أبواب النعم: أعطيناهم سمعاً فما استعملوه في سماع الدلائل، وأعطيناهم أبصاراً فما استعملوها في تأمل العبَر، وأعطيناهم أفئدة فما استعملوها في طلب معرفة الله، بل صرفوا كل هذه القوى إلى طلب الدينا ولذاتها، فلا جرم أنها لم تغن عنهم من عذاب الله شيئاً {إِذْ كَانُواْ يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ} تعليلٌ لما سبق أي لأنهم كانوا يكفرون وينكرون آيات الله المنزَّلة على رسله ويكذبون رسله {وَحَاقَ بِهم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} أي ونزل وأحاط بهم العذاب الذي كانوا يستعجلون به بطريق الاستهزاء {وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِّنَ ٱلْقُرَىٰ} تخويفٌ آخر لكفار مكة أي ولقد أهلكنا القرى المجاورة لكم يا أهل مكة والمحيطة بكم، كقرى عاد وثمود وسبأ وقوم لوط، والمراد بإِهلاك القرى إِهلاكُ أهلها {وَصَرَّفْنَا ٱلآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} أي وكررنا الحجج والدلالات، والمواعظ والبينات، أوضحناها وبيَّناها لهم لعلهم يرجعون عن كفرهم وضلالهم {فَلَوْلاَ نَصَرَهُمُ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ قُرْبَاناً آلِهَةَ} أي فهلاَّ نصرتهم آلهتهم التي تقربوا بها إلى الله بزعمهم، وجعلوها شفعاءهم لتدفع عنهم العذاب؟! و"لولا" تحضيضية بمعنى هلاَّ ومعناها النفي أي لم تنصرهم آلهتهم ولم تدفع عنهم عذاب الله {بَلْ ضَلُّواْ عَنْهُمْ} أي غابوا عن نصرتهم وهم أحوج ما يكونون إليهم، فإِن الصديق وقت الضيق قال أبو السعود: وفي الآية تهكمٌ بهم كأنَّ عدم نصرهم كان لغيبتهم {وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُواْ يَفْتَرُونَ} أي وذلك الذي أصابهم هو كذبهم وافتراؤهم على الله، حيث زعموا أن الأصنام شركاء الله وشفعاء لهم عند الله {وَإِذْ صَرَفْنَآ إِلَيْكَ نَفَراً مِّنَ ٱلْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ ٱلْقُرْآنَ} أي واذكر يا محمد حين وجهنا إِليك وبعثنا جماعةً من الجن ليستمعوا القرآن قال البيضاوي: والنفر دون العشرة، روي أنهم وافوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بوادي النخلة عند منصرفه من الطائف يقرأ في تهجده القرآن {فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوۤاْ أَنصِتُواْ} أي فلما حضروا القرآن عند تلاوته قال بعضهم لبعضٍ: اسكتوا لاستماع القرآن قال القرطبي: هذا توبيخٌ لمشركي قريش، أي إِن الجنَّ سمعوا القرآن فآمنوا به وعلموا أنه من عند الله، وأنتم معرضون مصرّون على الكفر {فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْاْ إِلَىٰ قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ} أي فلما فُرغَ من قراءة القرآن رجعوا إِلى قومهم مخوفين لهم من عذاب الله إِن لم يؤمنوا قال الرازي: وذلك لا يكون إِلا بعد إِيمانهم، لأنهم لا يدعون غيرهم إلى استماع القرآن والتصديق به إلاّ وقد آمنوا {قَالُواْ يٰقَوْمَنَآ إِنَّا سَمِعْنَا كِتَاباً أُنزِلَ مِن بَعْدِ مُوسَىٰ} أي سمعنا كتاباً رائعاً مجيداً منزَّلاً على رسولٍ من بعد موسى قال ابن عباس: إِن الجنَّ لم تكن قد سمعت بأمر عيسى عليه السلام {مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ} أي مصدِّقاً لما قبله من التوراة {يَهْدِيۤ إِلَى ٱلْحَقِّ وَإِلَىٰ طَرِيقٍ مُّسْتَقِيمٍ} أي هذا القرآن يرشد إِلى الحقِّ المبين، وإِلى دين الله القويم {يٰقَوْمَنَآ أَجِيبُواْ دَاعِيَ ٱللَّهِ وَآمِنُواْ بِهِ} أي أجيبوا محمداً صلى الله عليه وسلم فيما يدعوكم إليه من الإِيمان وصدِّقوا برسالته {يَغْفِرْ لَكُمْ مِّن ذُنُوبِكُمْ} أي يمحو الله عنكم الذنوب والآثام {وَيُجِرْكُمْ مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} أي ويخلِصْكم وينجكم من عذاب شديد مؤلمٍ {وَمَن لاَّ يُجِبْ دَاعِيَ ٱللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي ٱلأَرْضِ} هذا ترهيبٌ بعد الترغيب أي ومن لم يؤمن بالله ويستجب لدعوة رسوله، فإِنه لا يفوت الله طلباً، ولا يعجزه هرباً {وَلَيْسَ لَهُ مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءُ} أي وليس له أنصار يمنعونه من عذاب الله {أُوْلَـٰئِكَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} أي أولئك الذين لا يستجيبون لدعوة الله في خسرانٍ واضح، وإِلى هنا آخر كلام الجن الذين سمعوا القرآن، ثم ذكر تعالى الأدلة على قدرته ووحدانيته فقال {أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّ ٱللَّهَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ} أي أولم يعلم هؤلاء الكفار المنكرون للبعث والنشور أن الله العظيم القدير الذي خلق السماواتِ والأرض ابتداءً من غير مثال سابق {وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ} أي ولم يضعف ولم يتعب بخلقهنَّ {بِقَادِرٍ عَلَىٰ أَن يُحْيِـيَ ٱلْمَوْتَىٰ}؟ أي قادرٌ على أن يعيد الموتى بعد الفناء، ويحييهم بعد تمزق الأشلاء؟ {بَلَىٰ إِنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} أي بلى إِنه تعالى قادر لا يعجزه شيء، فكما خلقهم يعيدهم {وَيَوْمَ يُعْرَضُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ عَلَىٰ ٱلنَّارِ} أي واذكر يا محمد لهؤلاء المشركين الأهوال والشدائد التي يرونها في الآخرة، وذكّرهم يوم يُعرضون على النار فيقال لهم {أَلَيْسَ هَـٰذَا بِٱلْحَقِّ}؟ أي أليس هذا العذاب الذي تذوقونه حقٌّ؟ {أية : أَفَسِحْرٌ هَـٰذَا أَمْ أَنتُمْ لاَ تُبْصِرُونَ}تفسير : [الطور: 15] {قَالُواْ بَلَىٰ وَرَبِّنَا} أي قالوا بلى وعزة ربنا، أكَّدوا كلامهم بالقسم طمعاً في الخلاص قال الفخر الرازي: والمقصود بالآية التهكمُ بهم، والتوبيخ على استهزائهم بوعد الله ووعيده وقولهم: {أية : وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ}تفسير : [الشعراء: 138] {قَالَ فَذُوقُواْ ٱلْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ} أي فيقال لهم: ذوقوا العذاب الأليم بسبب كفركم {فَٱصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ ٱلْعَزْمِ مِنَ ٱلرُّسُلِ} أي فاصبر يا محمد على أذى المشركين كما صبر مشاهير الرسل الكرام وهم "نوح وإِبراهيم وموسى وعيسى" {وَلاَ تَسْتَعْجِل لَّهُمْ} أي ولا تدع على كفار قريش بتعجيل العذاب فإِنه نازل بهم لا محالة {كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوۤاْ إِلاَّ سَاعَةً مِّن نَّهَارٍ} أي كأنهم حين يعاينون العذاب في الآخرة لم يلبثوا في الدنيا إلا ساعةً واحدة من النهار، لما يشاهدون من شدة العذاب وطوله {بَلاَغٌ} أي هذا بلاغ وإِنذار {فَهَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ ٱلْقَوْمُ ٱلْفَاسِقُونَ} أي لا يكون الهلاك والدمار إِلا للكافرين الخارجين عن طاعة الله. تنبيه: قال المفسرون: "إن الجنَّ كانوا يسترقون السمع، فلما حُرست السماء بالشهب، قال إبليس: إِن هذا الذي حدث بالسماء من أمر حدث في الأرض، فبعث سراياه ليعرف الخبر، فذهب ركبٌ من نصيبين - وهم أشراف الجن - إلى تهامة، فلما بلغوا باطن نخلة سمعوا النبي صلى الله عليه وسلم يصلي ويتلو القرآن، فاستمعوا له وقالوا: أنصتوا ثم لما انتهى صلى الله عليه وسلم من القراءة آمنوا ثم رجعوا إِلى قومهم منذرين فدعوهم إِلى الإِيمان، وجاءوا بعد ذلك جماعات جماعات إِلى النبي صلى الله عليه وسلم فذلك سبب قوله تعالى {وَإِذْ صَرَفْنَآ إِلَيْكَ نَفَراً مِّنَ ٱلْجِنِّ}. البَلاَغَة: تضمنت السورة الكريمة وجوهاً من البيان والبديع نوجزها فيما يلي: 1- التعجيز {أية : ٱئْتُونِي بِكِتَابٍ مِّن قَبْلِ هَـٰذَآ}تفسير : [الأحقاف: 4] أمرٌ يراد منه التعجيز. 2- جناس الاشتقاق {يَدْعُواْ.. وَهُمْ عَن دُعَآئِهِمْ} ومثله {أية : وَشَهِدَ شَاهِدٌ}تفسير : [الأحقاف: 10]. 3- الطباق بين {آمَنَ ..وَكَفَرْتُمْ} وبين {يُنذِرَ .. وَبُشْرَىٰ}. 4- ذكر الخاص بعد العام {أية : وَوَصَّيْنَا ٱلإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ}تفسير : [الأحقاف: 15] ثم قال {أية : حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً}تفسير : [الأحقاف: 15] فذكر الخاص بعد العام لزيادة العناية والاهتمام بشأن الأم لحقها العظيم. 5- الطباق بين {حَمَلَتْهُ.. وَوَضَعَتْهُ}. 6- صيغة الحصر {أية : مَا هَـٰذَآ إِلاَّ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ}تفسير : [الأحقاف: 17]. 7- الاستعارة {أية : وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِّمَّا عَمِلُواْ}تفسير : [الأحقاف: 19] استعار الدرجات للمراتب، للسعداء والأشقياء. 8- الإِيجاز بالحذف مع التوبيخ والتقريع {أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ ٱلدُّنْيَا} أي يقال لهم أذهبتم. 9- الإِطناب بتكرار اللفظ {وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعاً وَأَبْصَاراً وَأَفْئِدَةً} ثم قال {فَمَآ أَغْنَىٰ عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلاَ أَبْصَارُهُمْ وَلاَ أَفْئِدَتُهُمْ} لزيادة التقبيح والتشنيع عليهم. 10- توافق الفواصل مما يزيد في جمال الكلام وحسن تناسقه وهو من المحسنات البديعية مثل {أية : وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ}تفسير : [الجاثية: 33] {وَصَرَّفْنَا ٱلآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} {وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُواْ يَفْتَرُونَ} الخ.

الجيلاني

تفسير : {وَ} اذكر لهم يا أكمل الرسل {يَوْمَ يُعْرَضُ} المسرفون {ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} بالحق وأعرضوا عنه وعن أهله {عَلَى ٱلنَّارِ} المسعرة المعدة للكافري المعرضين لهم حينئذ على التوبيخ التشنيع أنتم {أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَـٰتِكُمْ} من اللذائذ وتلذذهم بها {فِي حَيَاتِكُمُ ٱلدُّنْيَا وَٱسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا} فيها {فَٱلْيَوْمَ تُجْزَوْنَ} بدلها {عَذَابَ ٱلْهُونِ} المخزي المضل {بِمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي ٱلأَرْضِ} على عباد الله {بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ} يعني: بدل تعززكم وتعظمكم بها في دار الدنيا وكبركم وخيلائكم على ضعفاء العباد {وَبِمَا كُنتُمْ تَفْسُقُونَ} [الأحقاف: 20] وتخرجون عن مقتضى الحدود الإلهية ظلماً وزرواً. {وَٱذْكُرْ أَخَا عَادٍ} أي: اذكر يا أكمل الرسل لمشركي مكة قصة قوم عادٍ مع أخيهم هود عليه السلام إذ {أَنذَرَ قَوْمَهُ} إمحاضاً للنصح لهم وهو يسكنون {بِٱلأَحْقَافِ} أي: الرمال المعوجة الغير المستوية على شاطئ البحر {وَ} الحال أنه {قَدْ خَلَتِ ٱلنُّذُرُ} والرسل المنذرين {مِن بَيْنِ يَدَيْهِ} أي: قبل هود عليه السلام {وَمِنْ خَلْفِهِ} أي: بعده، كلهم متفقون في المنذر به، وهو {أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ} أي: لا تعبدوا {إِلاَّ ٱللَّهَ} الواحد الأحد الحقيق بالإطاعة والعبادة ولا تشركوا مع شيئاً من مصنوعاته، ولا تتوجهوا ولا تسترجعوا في الخطوب إلا إليه وانصرفوا عن عبادة غيره {إِنَّيۤ} بسبب عبادتكم غير الله واتخاذكم آلهة سواه {أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} [الأحقاف: 21] هائل شديد.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يذكر تعالى حال الكفار عند عرضهم على النار حين يوبخون ويقرعون فيقال لهم: { أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا } حيث اطمأننتم إلى الدنيا، واغتررتم بلذاتها ورضيتم بشهواتها وألهتكم طيباتها عن السعي لآخرتكم وتمتعتم تمتع الأنعام السارحة فهي حظكم من آخرتكم، { فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ } أي: العذاب الشديد الذي يهينكم ويفضحكم بما كنتم تقولون على الله غير الحق، أي: تنسبون الطريق الضالة التي أنتم عليها إلى الله وإلى حكمه وأنتم كذبة في ذلك، { وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ } أي: تتكبرون عن طاعته، فجمعوا بين قول الباطل والعمل بالباطل والكذب على الله بنسبته إلى رضاه والقدح في الحق والاستكبار عنه فعوقبوا أشد العقوبة.

همام الصنعاني

تفسير : 2848- حدثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا ابن عُيَيْنَة، قال: أخبرني رجل من أهل المدينة في قوله تعالى: {أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَـٰتِكُمْ}: [الآية: 20]، قال: أَبْصَرَ عُمَرَ مع جابر بن عبد الله إنساناً يحمل شيئاً، فقال: ما هَذَا؟ فقال: لحم اشتريته بدرهم، فقال عمر: ما يقوم أحدكم قرمة إلا أخرج دِرْهماً فاشترى به لحماً، أما سمعتم الله يقول: {أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَـٰتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ ٱلدُّنْيَا}: [الآية: 20]، 2852- حدثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن هشام بن عروة، في قوله تعالى: {أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَـٰتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ ٱلدُّنْيَا}: [الآية: 20]، أن عمر بن الخطاب قال: لو شئت أَنْ أذهب طيباتي في حياتي الدنيا لأمرت بجَدْيٍ سمين، فطُبخَ باللَّبن.