Verse. 4531 (AR)

٤٦ - ٱلْأَحْقَاف

46 - Al-Ahqaf (AR)

وَاذْكُرْ اَخَا عَادٍ۝۰ۭ اِذْ اَنْذَرَ قَوْمَہٗ بِالْاَحْقَافِ وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْۢ بَيْنِ يَدَيْہِ وَمِنْ خَلْفِہٖۗ اَلَّا تَعْبُدُوْۗا اِلَّا اللہَ۝۰ۭ اِنِّىْۗ اَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيْمٍ۝۲۱
Waothkur akha AAadin ith anthara qawmahu bialahqafi waqad khalati alnnuthuru min bayni yadayhi wamin khalfihi alla taAAbudoo illa Allaha innee akhafu AAalaykum AAathaba yawmin AAatheemin

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«واذكر أخا عاد» هود عليه السلام «إذ» إلخ بدل اشتمال «أنذر قومه» خوَّفهم «بالأحقاف» واد باليمن به منازلهم «وقد خلت النذر» مضت الرسل «من بين يديه ومن خلفه» أي من قبل هود ومن بعده إلى أقوامهم «أن»، أي بأن قال «لا تعبدوا إلا الله» وجملة وقد خلت معترضة «إني أخاف عليكم» إن عبدتم غير الله «عذاب يوم عظيم».

21

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه تعالى لما أورد أنواع الدلائل في إثبات التوحيد والنبوّة، وكان أهل مكة بسبب استغراقهم في لذات الدنيا واشتغالهم بطلبها أعرضوا عنها، ولم يلتفتوا إليها، ولهذا السبب قال تعالى في حقهم {وَيَوْمَ يُعْرَضُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ عَلَى ٱلنَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيّبَـٰتِكُمْ فِى حَيَـٰتِكُمُ ٱلدُّنْيَا } فلما كان الأمر كذلك بين أن قوم عاد كانوا أكثر أموالاً وقوة وجاهاً منهم، ثم إن الله تعالى سلّط العذاب عليهم بسبب شؤم كفرهم فذكر هذه القصة ههنا ليعتبر بها أهل مكة، فيتركوا الاغترار بما وجدوه من الدنيا ويقبلوا على طلب الدين، فلهذا المعنى ذكر الله تعالى هذه القصة في هذا الموضع، وهو مناسب لما تقدم لأن من أراد تقبيح طريقة عند قوم كان الطريق فيه ضرب الأمثال، وتقديره أن من واظب على تلك الطريقة نزل به من البلاء كذا وكذا، وقوله تعالى: {وَٱذْكُرْ أَخَا عَادٍ } أي واذكر يا محمد لقومك أهل مكة هوداً عليه السلام {إِذْ أَنذَرَ قَوْمَهُ } أي حذرهم عذاب الله إن لم يؤمنوا، وقوله {بِٱلأَحْقَافِ } قال أبو عبيدة الحقف الرمل المعوج، ومنه قيل للمعوج محقوف وقال الفراء الأحقاف واحدها حقف وهو الكثيب المكسر غير العظيم وفيه اعوجاج، قال ابن عباس الأحقاف وادٍ بين عمان ومهرة والنذر جمع نذير بمعنى المنذر {مِن بَيْنِ يَدَيْهِ } من قبله {وَمِنْ خَلْفِهِ } من بعده والمعنى أن هوداً عليه السلام قد أنذرهم وقال لهم أن لا تعبدوا إلا الله إني أخاف عليكم العذاب. واعلم أن الرسل الذين بعثوا قبله والذين سيبعثون بعده كلهم منذرون نحو إنذاره. ثم حكى تعالى عن الكفار أنهم قالوا {أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا } الإفك الصرف، يقال أفكه عن رأيه أي صرفه، وقيل بل المراد لتزيلنا بضرب من الكذب {عَنْ ءالِهَتِنَا } وعن عبادتها {فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا } معاجلة العذاب على الشرك {إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّـٰدِقِينَ } في وعدك، فعند هذا قال هود {إِنَّمَا ٱلْعِلْمُ عِندَ ٱللَّهِ } وإنما صلح هذا الكلام جواباً لقولهم {فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا } لأن قولهم {فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا } استعجال منهم لذلك العذاب فقال لهم هود لا علم عندي بالوقت الذي يحصل فيه ذلك العذاب، إنما علم ذلك عند الله تعالى {وَأُبَلّغُكُمْ مَّا أُرْسِلْتُ بِهِ } وهو التحذير عن العذاب، وأما العلم بوقته فما أوحاه الله إليّ {وَلَـٰكِنّى أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ } وهذا يحتمل وجوهاً الأول: المراد أنكم لا تعلمون أن الرسل لم يبعثوا سائلين عن غير ما أذن لهم فيه وإنما بعثوا مبلغين الثاني: أراكم قوماً تجهلون من حيث إنكم بقيتم مصرين على كفركم وجهلكم فيغلب على ظني أنه قرب الوقت الذي ينزل عليكم العذاب بسبب هذ الجهل المفرط والوقاحة التامة الثالث: {إِنّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ } حيث تصرون على طلب العذاب وهب أنه لم يظهر لكم كوني صادقاً، ولكن لم يظهر أيضاً لكم كوني كاذباً فالإقدام على الطلب الشديد لهذا العذاب جهل عظيم. ثم قال تعالى: {فَلَمَّا رَأَوْهُ } ذكر المبرّد في الضمير في رأوه قولين أحدهما: أنه عائد إلى غير مذكور وبينه قوله {عَارِضاً } كما قال: {أية : مَا تَرَكَ عَلَىٰ ظَهْرِهَا مِن دَابَّةٍ } تفسير : [فاطر: 45] ولم يذكر الأرض لكونها معلومة فكذا هٰهنا الضمير عائد إلى السحاب، كأنه قيل: فلما رأوا السحاب عارضاً وهذا اختيار الزجاج ويكون من باب الإضمار لا على شريطة التفسير والقول الثاني: أن يكون الضمير عائداً إلى ما في قوله {فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا } أي فلما رأوا ما يوعدون به عارضاً، قال أبو زيد العارض السحابة التي ترى في ناحية السماء ثم تطبق، وقوله {مُّسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ } قال المفسرون كانت عاد قد حبس عنهم المطر أياماً فساق الله إليهم سحابة سوداء فخرجت عليهم من وادٍ يقال له المغيث {فَلَمَّا رَأَوْهُ مُّسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ } استبشروا و {قَالُواْ هَـٰذَا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا } والمعنى ممطر إيانا، قيل كان هود قاعداً في قومه فجاء سحاب مكثر فقالوا {هَـٰذَا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا } فقال: {بَلْ هُوَ مَا ٱسْتَعْجَلْتُم بِهِ } من العذاب ثم بيّن ماهيته فقال: {رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ }. ثم وصف تلك الريح فقال: {تُدَمّرُ كُلَّ شَىْءٍ } أي تهلك كل شيء من الناس والحيوان والنبات {بِأَمْرِ رَبِّهَا } والمعنى أن هذا ليس من باب تأثيرات الكواكب والقرانات، بل هو أمر حدث ابتداء بقدرة الله تعالى لأجل تعذيبكم {فَأَصْبَحُواْ } يعني عاداً {لاَ يُرَىٰ إِلاَّ مَسَـٰكِنُهُمْ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: روي أن الريح كانت تحمل الفسطاط فترفعها في الجو حتى يرى كأنها جرادة، وقيل أول من أبصر العذاب امرأة منهم قالت رأيت ريحاً فيها كشهب النار، وروي أن أول ما عرفوا به أنه عذاب أليم، أنهم رأوا ما كان في الصحراء من رجالهم ومواشيهم يطير به الريح بين السماء والأرض فدخلوا بيوتهم وغلقوا أبوابهم فعلقت الريح الأبواب وصرعتهم، وأحال الله عليهم الأحقاف، فكانوا تحتها سبع ليال وثمانية أيام لهم أنين، ثم كشفت الريح عنهم فاحتملتهم فطرحتهم في البحر، وروي أن هوداً لما أحس بالريح خط على نفسه وعلى المؤمنين خطاً إلى جنب عين تنبع فكانت الريح التي تصيبهم ريحاً لينة هادئة طيبة، والريح التي تصيب قوم عاد ترفعهم من الأرض وتطيرهم إلى السماء وتضربهم على الأرض، وأثر المعجزة إنما ظهر في تلك الريح من هذا الوجه، وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : ما أمر الله خازن الرياح أن يرسل على عاد إلا مثل مقدار الخاتم» تفسير : ثم إن ذلك القدر أهلكهم بكليتهم، والمقصود من هذا الكلام إظهار كمال قدرة الله تعالى، وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا رأى الريح فزع وقال: «حديث : اللّهم إني أسألك خيرها وخير ما أرسلت به، وأعوذ بك من شرها ومن شر ما أرسلت به»تفسير : . المسألة الثالثة: قرأ عاصم وحمزة {لاَ يُرَىٰ } بالياء وضمها {مَسَـٰكِنُهُمْ } بضم النون، قال الكسائي معناه لا يرى شيء إلا مساكنهم، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر والكسائي {لاَّ تَرَىٰ } على الخطاب أي لا ترى أنت أيها المخاطب، وفي بعض الروايات عن عاصم {لاَّ تَرَىٰ } بالتاء {مَسَـٰكِنِهِمْ } بضم النون وهي قراءة الحسن والتأويل لا ترى من بقايا عاد أشياء إلا مساكنهم. وقال الجمهور هذه القراءة ليست بالقوية. ثم قال تعالى: {كَذٰلِكَ نَجْزِي ٱلْقَوْمَ ٱلْمُجْرِمِينَ } والمقصود منه تخويف كفار مكة، فإن قيل لما قال الله تعالى: {أية : وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعَذّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ } تفسير : [الأنفال: 33] فكيف يبقى التخويف حاصلاً؟ قلنا: قوله {وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعَذّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ } إنما أنزل في آخر الأمر فكان التخويف حاصلاً قبل نزوله. ثم إنه تعالى خوف كفار مكة، وذكر فضل عاد بالقوة والجسم عليهم فقال: {وَلَقَدْ مَكَّنَـٰهُمْ فِيمَا إِن مَّكَّنَّـٰكُمْ فِيهِ } قال المبرّد ما في قوله {فِيمَا } بمنزلة الذي. و {إن } بمنزلة ما والتقدير: ولقد مكناهم في الذي ما مكناكم فيه، والمعنى أنهم كانوا أشد منكم قوة وأكثر منكم أموالاً، وقال ابن قتيبة كلمة إن زائدة. والتقدير ولقد مكناهم فيما إن مكناكم فيه، وهذا غلط لوجوه الأول: أن الحكم بأن حرفاً من كتاب الله عبث لا يقول به عاقل والثاني: أن المقصود من هذا الكلام أنهم كانوا أقوى منكم قوة، ثم إنهم مع زيادة القوة ما نجوا من عقاب الله فكيف يكون حالكم، وهذا المقصود إنما يتم لو دلّت الآية على أنهم كانوا أقوى قوة من قوم مكة الثالث: أن سائر الآيات تفيد هذا المعنى، قال تعالى: {أية : هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثاً ورئيا} تفسير : [مريم: 74] وقال: {أية : كَانُواْ أَكْـثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَاراً فِي ٱلأَرْضِ } تفسير : [غافر: 82]. ثم قال تعالى: {وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعاً وَأَبْصَـٰراً وَأَفْئِدَةً } والمعنى أنا فتحنا عليهم أبواب النعم وأعطيناهم سمعاً فما استعملوه في سماع الدلائل، وأعطيناهم أبصاراً فما استعملوها في تأمل العبر، وأعطيناهم أفئدة فما استعملوها في طلب معرفة الله تعالى، بل صرفوا كل هذه القوى إلى طلب الدنيا ولذاتها، فلا جرم ما أغنى سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من عذاب الله شيئاً. ثم بيّن تعالى أنه إنما لم يغن عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم لأجل أنهم كانوا يجحدون بآيات الله، وقوله {إِذْ كَانُواْ يَجْحَدُونَ } بمنزلة التعليل، ولفظ إذ قد يذكر لإفادة التعليل تقول: ضربته إذ أساء، والمعنى ضربته لأنه أساء، وفي هذه الآية تخويف لأهل مكة فإن قوم عاد لما اغتروا بدنياهم وأعرضوا عن قبول الدليل والحجة نزل بهم عذاب الله، ولم تغن عنهم قوتهم ولا كثرتهم، فأهل مكة مع عجزهم وضعفهم أولى بأن يحذروا من عذاب الله تعالى ويخافوا. ثم قال تعالى: {وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ } يعني أنهم كانوا يطلبون نزول العذاب وإنما كانوا يطلبونه على سبيل الاستهزاء، والله أعلم.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى:{وَٱذْكُرْ أَخَا عَادٍ} هو هود بن عبد الله بن رباح عليه السلام، كان أخاهم في النسب لا في الدِّين. {إِذْ أَنذَرَ قَوْمَهُ بِٱلأَحْقَافِ} أي ٱذكر لهؤلاء المشركين قصة عادٍ ليعتبروا بها. وقيل: أمره بأن يتذكر في نفسه قصة هود ليقتدي به، ويهون عليه تكذيب قومه له. والأحقاف: ديار عاد. وهي الرمال العظام؛ في قول الخليل وغيره. وكانوا قهروا أهل الأرض بفضل قوّتهم. والأحقاف جمع حِقف، وهو ما ٱستطال من الرمل العظيم وٱعوج ولم يبلغ أن يكون جبلاً، والجمع حِقاف وأحقاف (وحقوف). وٱحقوقف الرمل والهلال أي ٱعوج. وقيل: الحِقف جمع حِقاف. والأحقاف جمع الجمع. ويقال: حِقْفٌ أحقف. قال الأعشى:شعر : بات إلى أرطاة حِقف أحْقَفَا تفسير : أي رمل مستطيل مشرف. والفعل منه ٱحقوقف. قال العجاج:شعر : طيّ الليالي زُلَفاً فزلفا سَمَاوَةَ الهلال حتى احقوقفا تفسير : أي ٱنحنى وٱستدار. وقال ٱمرؤ القيس:شعر : كحِقف النقا يمشي الولِيدَانِ فوقه بما احتسبا من لِين مَسٍّ وتَسْهَالِ تفسير : وفيما أريد بالأحقاف هاهنا مختلف فيه. فقال ابن زيد: هي رمال مشرفة مستطيلة كهيئة الجبال، ولم تبلغ أن تكون جبالاً؛ وشاهده ما ذكرناه. وقال قتادة: هي جبال مشرفة بالشِّحْر، والشِّحْرُ قريب من عدن؛ يقال: شِحْرُ عُمَان وشَحْرُ عمان، وهو ساحل البحر بين عُمان وعدن. وعنه أيضاً: ذكر لنا أن عاداً كانوا أحياء باليمن، أهل رمل مشرفين على البحر بأرض يقال لها: الشّحْر. وقال مجاهد: هي أرض من حِسْمَى تسمى بالأحقاف. وحِسْمَى (بكسر الحاء) ٱسم أرض بالبادية فيها جبال شواهق ملس الجوانب لا يكاد القتام يفارقها. قال النابغة:شعر : فأصبحَ عاقِلاً بجبال حِسْمى دُقاقَ التُّرْب مُحْتَزِمَ القَتامِ تفسير : قاله الجوهري. وقال ابن عباس والضحاك: الأحقاف جبل بالشام. وعن ابن عباس أيضاً: وادٍ بين عُمان ومهرة. وقال مقاتل: كانت منازل عاد باليمن في حضرموت بواد يقال له مهرة، وإليه تنسب الإبل المَهْرِيّة؛ فيقال: إبل مَهْرِيّة ومَهارِي. وكانوا أهل عَمَد سيّارة في الربيع فإذا هاج العود رجعوا إلى منازلهم؛ وكانوا من قبيلة إرم. وقال الكلبي: أحقاف الجبل ما نضب عنه الماء زمان الغرق، كان يَنْضُب الماء من الأرض ويبقى أثره. وروى الطُّفيل عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال: خيرُ وادِيَيْن في الناس وادٍ بمكة ووادٍ نزل به آدم بأرض الهند. وشر وادِيَيْن في الناس وادٍ بالأحقاف ووادٍ بحضرمَوْت يدعى بَرَهُوت تلقى فيه أرواح الكفار. وخير بئر في الناس بئر زمزم. وشر بئر في الناس بئر بَرَهُوت، وهو في ذلك الوادي الذي بحضرموت. {وَقَدْ خَلَتِ ٱلنُّذُرُ} أي مضت الرسل. {مِن بَيْنِ يَدَيْهِ} أي من قبل هود. {وَمِنْ خَلْفِهِ} أي ومن بعده؛ قاله الفرّاء. وفي قراءة ٱبن مسعود «من بين يديه ومن بعده». {أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ ٱللَّهَ} هذا من قول المرسِل، فهو كلام معترض. ثم قال هود: {إِنَّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} وقيل: «أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللَّهَ» من كلام هود، والله أعلم.

البيضاوي

تفسير : {وَٱذْكُرْ أَخَا عَادٍ } يعني هوداً. {إِذْ أَنذَرَ قَوْمَهُ بِٱلأَحْقَافِ} جمع حقف وهو رمل مستطيل مرتفع فيه انحناء من احقوقف الشيء إذا اعوج، وكانوا يسكنون بين رمال مشرفة على البحر بالشحر من اليمن. {وَقَدْ خَلَتِ ٱلنُّذُرُ } الرسل. {مّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ } قبل هود وبعده والجملة حال أو اعتراض. {أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ ٱللَّهَ } أي لا تعبدوا، أو بأن لا تعبدوا فإن النهي عن الشيء إنذار من مضرته. {إِنّى أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ } هائل بسبب شرككم. {قَالُواْ أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا } لتصرفنا. {عَنْ ءالِهَتِنَا } عن عبادتها. {فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا } من العذاب على الشرك. {إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّـٰدِقِينَ } في وعدك. {قَالَ إِنَّمَا ٱلْعِلْمُ عِندَ ٱللَّهِ } لا علم لي بوقت عذابكم ولا مدخل لي فيه فأستعجل به، وإنما علمه عند الله فيأتيكم به في وقته المقدر له. {وَأُبَلّغُكُمْ مَّا أُرْسِلْتُ بِهِ } إليكم وما على الرسول إلا البلاغ. {وَلَـٰكِنّى أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ } لا تعلمون أن الرسل بعثوا مبلغين منذرين لا معذبين مقترحين. {فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضاً } سحاباً عرض في أفق السماء. {مُّسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ } متوجه أوديتهم، والإضافة فيه لفظية وكذا في قوله: {قَالُواْ هَـٰذَا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا} أي يأتينا بالمطر. {بَلْ هُوَ } أي قال هود عليه الصلاة والسلام {بَلْ هُوَ مَا ٱسْتَعْجَلْتُم بِهِ } من العذاب، وقرىء «قل» «بل»: {رِيحٌ } هي ريح، ويجوز أن يكون بدل ما. {فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ } صفتها وكذا قوله: {تُدَمّرُ} تهلك. {كُلَّ شَىْءٍ} من نفوسهم وأحوالهم. {بِأَمْرِ رَبّهَا } إذ لا توجد نابضة حركة ولا قابضة سكون إلا بمشيئته، وفي ذكر الأمر والرب وإضافة إلى الريح فوائد سبق ذكرها مراراً، وقرىء «يدمر كل شيء» من دمر دماراً إذا هلك فيكون العائد محذوفاً أو الهاء في {رَبُّهَا }، ويحتمل أن يكون استئنافاً للدلالة على أن لكل ممكن فناء مقضياً لا يتقدم ولا يتأخر، وتكون الهاء لكل شيء فإنه بمعنى الأشياء {فَأْصْبَحُواْ لاَ تُرَى إِلاَّ مَسَـٰكِنُهُِمْ } أي فجاءتهم الريح فدمرتهم فأصبحوا بحيث لو حضرت بلادهم لا ترى إلا مساكنهم، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي «لاَ يُرَىٰ إِلاَّ مَسَـٰكِنُهُمْ » بالياء المضمومة ورفع المساكن. {كَذٰلِكَ نَجْزِي ٱلْقَوْمَ ٱلْمُجْرِمِينَ}. روي أن هوداً عليه السلام لما أحس بالريح اعتزل بالمؤمنين في الحظيرة وجاءت الريح فأمالت الأحقاف على الكفرة، وكانوا تحتها سبع ليال وثمانية أيام، ثم كشفت عنهم واحتملتهم تقذفتهم في البحر. {وَلَقَدْ مَكَّنَـٰهُمْ فِيمَا إِن مَّكَّنَّـٰكُمْ فِيهِ} {إن} نافية وهي أحسن من ما ههنا لأنها توجب التكرير لفظاً ولذلك قلبت ألفها هاء في مهما، أو شرطية محذوفة الجواب والتقدير، ولقد مكناهم في الذي أوفي شيء إن مكناكم فيه كان بغيكم أكثر، أو صلة كما في قوله:شعر : يُرَجِّي المَرْءُ مَا إِنْ لاَ يَرَاه ويعرض دُونَ أدناهُ الخُطُوبُ تفسير : والأول أظهر وأوفق لقوله: {أية : هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثاً } تفسير : [مريم: 74] {أية : كَانُواْ أَكْـثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَءاثَاراً }تفسير : [غافر: 82] {وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعاً وَأَبْصَـٰراً وَأَفْئِدَةً} ليعرفوا تلك النعم ويستدلوا بها على مانحها تعالى ويواظبوا على شكرها. {فَمَا أَغْنَىٰ عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلاَ أَبْصَـٰرُهُمْ وَلاَ أَفْئِدَتُهُمْ مّن شَىْءٍ } من الإِغناء وهو القليل. {إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللهِ} صلة {فَمَا أَغْنَىٰ } وهو ظرف جرى مجرى التعليل من حيث إن الحكم مرتب على ما أضيف إليه وكذلك حيث. {وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ} من العذاب {وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ } يا أهل مكة. {مّنَ ٱلْقُرَىٰ} كحجر ثمود وقـرى قوم لوط. {وَصَرَّفْنَا ٱلاْيَـٰتِ} بتكريرها. {لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} عن كفرهم.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى مسلياً لنبيه صلى الله عليه وسلم في تكذيب من كذبه من قومه: {وَٱذْكُرْ أَخَا عَادٍ} وهو هود عليه الصلاة والسلام، بعثه الله عز وجل إلى عاد الأولى، وكانوا يسكنون الأحقاف، جمع حقف، وهو الجبل من الرمل، قاله ابن زيد، وقال عكرمة: الأحقاف: الجبل والغار، وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: الأحقاف واد بحضرموت يدعى برهوت، تلقى فيه أرواح الكفار، وقال قتادة: ذكر لنا أن عاداً كانوا حياً باليمن أهل رمل مشرفين على البحر بأرض يقال لها: الشحر، قال ابن ماجه: باب إذا دعا فليبدأ بنفسه: حدثنا الحسين بن علي الخلال، حدثنا أبي، حدثنا زيد بن الحباب، حدثنا سفيان، عن أبي إسحاق عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : يرحمنا الله وأخا عاد» تفسير : وقوله تعالى: {وَقَدْ خَلَتِ ٱلنُّذُرُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ} يعني: وقد أرسل الله تعالى إلى من حول بلادهم في القرى مرسلين ومنذرين؛ كقوله عز وجل: {أية : فَجَعَلْنَـٰهَا نَكَـٰلاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا} تفسير : [البقرة: 66] وكقوله جل وعلا: {أية : فَإِنْ أَعْرَضُواْ فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَـٰعِقَةً مِّثْلَ صَـٰعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ إِذْ جَآءَتْهُمُ ٱلرُّسُلُ مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ ٱللَّهَ قَالُواْ لَوْ شَآءَ رَبُّنَا لأَنزَلَ مَلاَئِكَةً فَإِنَّا بِمَآ أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ} تفسير : [فصلت:13-14] {إِنِّىۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} أي: قال لهم هود ذلك، فأجابه قومه قائلين: {أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ ءَالِهَتِنَا} أي: لتصدنا عن آلهتنا، {فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّـٰدِقِينَ} استعجلوا عذاب الله وعقوبته؛ استبعاداً منهم وقوعه؛ كقوله جلت عظمته: {أية : يَسْتَعْجِلُ بِهَا ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِهَا} تفسير : [الشورى: 18] {قَالَ إِنَّمَا ٱلْعِلْمُ عِندَ ٱللَّهِ} أي الله أعلم بكم، إن كنتم مستحقين لتعجيل العذاب، فسيفعل ذلك بكم وأما أنا فمن شأني أني أبلغكم ما أرسلت به {وَلَـٰكِنِّيۤ أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ} أي لا تعقلون ولا تفهمون. قال الله تعالى: {فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضاً مُّسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ} أي: لما رأوا العذاب مستقبلهم، اعتقدوا أنه عارض ممطر، ففرحوا واستبشروا به، وقد كانوا ممحلين محتاجين إلى المطر. قال الله تعالى: {بَلْ هُوَ مَا ٱسْتَعْجَلْتُم بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ} أي هو العذاب الذي قلتم: فأْتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين {تُدَمِّرُ} أي تخرب {كُلِّ شَيْءٍ} من بلادهم مما من شأنه الخراب {بِأَمْرِ رَبِّهَا} أي بإذن الله لها في ذلك؛ كقوله سبحانه وتعالى: {أية : مَا تَذَرُ مِن شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلاَّ جَعَلَتْهُ كَٱلرَّمِيمِ} تفسير : [الذاريات: 42] أي كالشيء البالي، ولهذا قال عز وجل: {فَأْصْبَحُواْ لاَ يُرَىٰ إِلاَّ مَسَـٰكِنُهُمْ} أي قد بادوا كلهم عن آخرهم، ولم تبق لهم باقية {كَذٰلِكَ نَجْزِي ٱلْقَوْمَ ٱلْمُجْرِمِينَ} أي هذا حكمنا فيمن كذب رسلنا وخالف أمرنا. وقد ورد حديث في قصتهم وهو غريب جداً من غرائب الحديث وأفراده. قال الإمام أحمد: حدثنا زيد بن الحباب، حدثني أبو المنذر سلام بن سليمان النحوي قال: حدثنا عاصم بن أبي النجود عن أبي وائل عن الحارث البكري قال: خرجت أشكو العلاء بن الحضرمي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فمررت بالربذة، فإذا عجوز من بني تميم منقطع بها، فقالت لي: يا عبد الله إن لي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حاجة، فهل أنت مبلغي إليه؟ قال: فحملتها، فأتيت بها المدينة، فإذا المسجد غاص بأهله، وإذا راية سواد تخفق، وإذا بلال رضي الله عنه متقلداً السيف بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: ما شأن الناس؟ قالوا: يريد أن يبعث عمرو بن العاص رضي الله عنه وجهاً، قال: فجلست، فدخل منزله، أو قال: رحله، فاستأذنت عليه فأذن لي، فدخلت فسلمت، فقال صلى الله عليه وسلم: «حديث : هل كان بينكم وبين تميم شيء؟» تفسير : قلت: نعم، وكان لنا الدائرة عليهم، ومررت بعجوز من بني تميم منقطع بها؛ فسألتني أن أحملها إليك، فهاهي بالباب، فأذن لها، فدخلت فقلت: يا رسول الله إن رأيت أن تجعل بيننا وبين تميم حاجزاً، فاجعل الدهناء، فحميت العجوز واستوفزت وقالت: يا رسول الله فإلى أين يضطر مضطرك؟ قال: قلت: إن مثلي ما قال الأول: معزى حملت حتفها، حملت هذه ولا أشعر أنها كانت لي خصماً، أعوذ بالله ورسوله أن أكون كوافد عاد، قال: «حديث : وما وافد عاد؟» تفسير : وهو أعلم بالحديث منه، ولكن يستطعمه، قلت: إن عاداً قحطوا، فبعثوا وفداً لهم يقال له قيل، فمر بمعاوية بن بكر، فأقام عنده شهراً يسقيه الخمر، وتغنيه جاريتان يقال لهما: الجرادتان، فلما مضى الشهر، خرج إلى جبال مهرة، فقال: اللهم إنك تعلم أني لم أجىء إلى مريض فأداويه، ولا إلى أسير أفاديه، اللهم اسق عاداً ما كنت تسقيه، فمرت به سحابات سود، فنودي منها: اختر. فأومأ إلى سحابة منها سوداء، فنودي منها: خذها رماداً رمدداً، لا تبقي من عاد أحداً، قال: فلما بلغني أنه أرسل عليهم من الريح إلا قدر ما يجري في خاتمي هذا حتى هلكوا. قال أبو وائل: وصدق، وكانت المرأة والرجل إذا بعثوا وافداً لهم قالوا: لا تكن كوافد عاد. ورواه الترمذي والنسائي وابن ماجه كما تقدم في سورة الأعراف. وقال الإمام أحمد: حدثنا هارون بن معروف، أخبرنا ابن وهب، أخبرنا عمرو: أن أبا النضر حدثه عن سليمان بن يسار عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم مستجمعاً ضاحكاً حتى أرى من لهواته، إِنما كان يبتسم، وقالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إِذا رأى غيماً أو ريحاً، عرف ذلك في وجهه، قالت: يا رسول الله إِن الناس إِذا رأوا الغيم فرحوا رجاء أن يكون فيه المطر، وأراك إِذا رأيته عرفت في وجهك الكراهية، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : يا عائشة ما يؤمنني أن يكون فيه عذاب قد عذب قوم بالريح، وقد رأى قوم العذاب وقالوا: هذا عارض ممطرنا» تفسير : وأخرجاه من حديث ابن وهب. [طريق أخرى] قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرحمن عن سفيان عن المقدام بن شريح عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها قالت: إِن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إِذا رأى ناشئاً في أفق من آفاق السماء ترك عمله، وإِن كان في صلاته، ثم يقول: «حديث : اللهم إِني أعوذ بك من شر ما فيه» تفسير : فإِن كشفه الله تعالى، حمد الله عز وجل، وإِن أمطر قال: «حديث : اللهم صيباً نافعاً»تفسير : [طريق أخرى] قال مسلم في صحيحه: حدثناأبو بكر الطاهر، أخبرنا ابن وهب قال: سمعت ابن جريج يحدثنا عن عطاء بن أبي رباح عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إِذا عصفت الريح قال: «حديث : اللهم إِني أسألك خيرها وخير ما فيها وخير ما أرسلت به، وأعوذ بك من شرها وشر ما فيها وشر ما أرسلت به» تفسير : قالت: وإِذا تخيلت السماء تغير لونه وخرج ودخل وأقبل وأدبر، فإِذا أمطرت سري عنه، فعرفت ذلك عائشة رضي الله عنها؛ فسألته فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لعله يا عائشة كما قال قوم عاد: {فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضاً مُّسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُواْ هَـٰذَا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا}» تفسير : وقد ذكرنا قصة هلاك قوم عاد في سورتي الأعراف وهود بما أغنى عن إِعادته هاهنا، ولله تعالى الحمد والمنة. وقال الطبراني: حدثنا عبدان بن أحمد، حدثنا إِسماعيل بن زكريا الكوفي، حدثنا أبو مالك بن مسلم الملائي عن مجاهد وسعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ما فتح على عاد من الريح إِلا مثل موضع الخاتم، ثم أرسلت عليهم فحملتهم البدو إِلى الحضر، فلما رآها أهل الحضر، قالوا هذا عارض ممطرنا مستقبل أوديتنا، وكان أهل البوادي فيها، فألقى أهل البادية على أهل الحاضرة حتى هلكوا ــــ قال ــــ عتت على خزانها حتى خرجت من خلال الأبواب» تفسير : والله سبحانه وتعالى أعلم.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَٱذْكُرْ أَخَا عَادٍ } هو هود عليه السلام {إِذْ } الخ بدل اشتمال {أَنذَرَ قَوْمَهُ } خوّفهم {بِٱلأَحْقَافِ } واد باليمن به منازلهم {وَقَدْ خَلَتِ ٱلنُّذُرُ } مضت الرسل {مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ } أي من قبل هود ومن بعده إلى أقوامهم {إِ} ن أي بأن قال { تَعْبُدُواْ إِلاَّ ٱللَّهَ } وجملة «وقد خلت» معترضة {إِنِّى أَخَافُ عَلَيْكُمْ } إن عبدتم غير الله {عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ }.

الشوكاني

تفسير : قوله: {وَٱذْكُرْ أَخَا عَادٍ } أي: واذكر يا محمد لقومك أخا عاد، وهو هود بن عبد الله بن رباح، كان أخاهم في النسب، لا في الدين، وقوله: {إِذْ أَنذَرَ قَوْمَهُ } بدل اشتمال منه، أي: وقت إنذاره إياهم {بِٱلأحْقَافِ } وهي ديار عاد، جمع حقف، وهو الرمل العظيم المستطيل المعوج قاله الخليل وغيره، وكانوا قهروا أهل الأرض بقوّتهم، والمعنى: أن الله سبحانه أمره أن يذكر لقومه قصتهم؛ ليتعظوا ويخافوا، وقيل: أمره بأن يتذكر في نفسه قصتهم مع هود؛ ليقتدي به ويهون عليه تكذيب قومه. قال عطاء: الأحقاف: رمال بلاد الشحر. وقال مقاتل: هي باليمن في حضرموت، وقال ابن زيد: هي رمال مبسوطة مستطيلة كهيئة الجبال، ولم تبلغ أن تكون جبالاً {وَقَدْ خَلَتِ ٱلنُّذُرُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ } أي: وقد مضت الرسل من قبله ومن بعده، كذا قال الفراء وغيره. وفي قراءة ابن مسعود: (من بين يديه ومن بعده) والجملة في محل نصب على الحال، ويجوز أن تكون معترضة بين إنذار هود، وبين قوله لقومه: {إِنّى أَخَافُ عَلَيْكُمْ } والأوّل أولى. والمعنى: أعلمهم أن الرسل الذين بعثوا قبله، والذين سيبعثون بعده كلهم منذرون نحو إنذاره، ثم رجع إلى كلام هود لقومه، فقال حاكياً عنه: {إِنّى أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ } وقيل: إن جعل تلك الجملة اعتراضية أولى بالمقام، وأوفق بالمعنى {قَالُواْ أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ ءالِهَتِنَا } أي: لتصرفنا عن عبادتها، وقيل: لتزيلنا، وقيل: لتمنعنا، والمعنى متقارب، ومنه قول عروة بن أذينة:شعر : إن تك عن حسن الصنيعة مأفو كاً ففي آخرين قد أفكوا تفسير : يقول: إن لم توفق للإحسان، فأنت في قوم قد صرفوا عن ذلك. {فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا } من العذاب العظيم {إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّـٰدِقِينَ } في وعدك لنا به. {قَالَ إِنَّمَا ٱلْعِلْمُ عِندَ ٱللَّهِ } أي: إنما العلم بوقت مجيئه عند الله لا عندي {وَأُبَلّغُكُمْ مَّا أُرْسِلْتُ بِهِ } إليكم من ربكم من الإنذار والإعذار، فأما العلم بوقت مجيء العذاب، فما أوحاه إليّ {وَلَـٰكِنّى أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ } حيث بقيتم مصرّين على كفركم، ولم تهتدوا بما جئتكم به، بل اقترحتم عليّ ما ليس من وظائف الرسل. {فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضاً } الضمير يرجع إلى «ما» في قوله: {بِمَا تَعِدُنَا }. وقال المبرد، والزجاج: الضمير في {رَأَوْهُ } يعود إلى غير مذكور، وبينه قوله: {عَارِضاً }، فالضمير يعود إلى السحاب، أي: فلما رأوا السحاب عارضاً، فـ {عارضاً} نصب على التكرير، يعني: التفسير، وسمي السحاب عارضاً لأنه يبدو في عرض السماء. قال الجوهري: العارض: السحاب يعترض في الأفق، ومنه قوله: {هَـٰذَا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا } وانتصاب {عارضاً} على الحال، أو التمييز {مُّسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ } أي: متوجهاً نحو أوديتهم. قال المفسرون: كانت عاد قد حبس عنهم المطر أياماً، فساق الله إليهم سحابة سوداء، فخرجت عليهم من واد لهم يقال له: المعتب، فلما رأوه مستقبل أوديتهم استبشروا، و{قَالُواْ هَـٰذَا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا } أي: غيم فيه مطر، وقوله: {مُّسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ } صفة لعارض؛ لأن إضافته لفظية لا معنوية، فصح وصف النكرة به، وهكذا ممطرنا، فلما قالوا ذلك أجاب عليهم هود، فقال: {بَلْ هُوَ مَا ٱسْتَعْجَلْتُم بِهِ } يعني: من العذاب حيث قالوا: {فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا } وقوله: {رِيحٌ } بدل من ما، أو خبر مبتدأ محذوف، وجملة: {فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ } صفة لريح، والريح التي عذبوا بها نشأت من ذلك السحاب الذي رأوه. {تُدَمّرُ كُلَّ شَىْء بِأَمْرِ رَبّهَا } هذه الجملة صفة ثانية لريح، أي: تهلك كل شيء مرّت به من نفوس عاد وأموالها، والتدمير: الإهلاك، وكذا الدمار، وقرىء (يدمر) بالتحتية مفتوحة وسكون الدال وضم الميم، ورفع (كلّ) على الفاعلية من دمر دماراً، ومعنى {بِأَمْرِ رَبّهَا }: أن ذلك بقضائه وقدره {فَأْصْبَحُواْ لاَ تَرَى إلا مَسَـٰكِنِهِمْ } أي: لا ترى أنت يا محمد، أو كل من يصلح للرؤية إلاّ مساكنهم بعد ذهاب أنفسهم وأموالهم. قرأ الجمهور {لا ترى} بالفوقية على الخطاب، ونصب مساكنهم. وقرأ حمزة، وعاصم بالتحتية مضمومة مبنياً للمفعول، ورفع مساكنهم. قال سيبويه: معناه لا يرى أشخاصهم إلاّ مساكنهم، واختار أبو عبيد، وأبو حاتم القراءة الثانية. قال الكسائي، والزجاج: معناها لا يرى شيء إلاّ مساكنهم، فهي محمولة على المعنى كما تقول: ما قام إلاّ هند، والمعنى: ما قام أحد إلاّ هند، وفي الكلام حذف، والتقدير: فجاءتهم الريح فدمرتهم، فأصبحوا لا يرى إلاّ مساكنهم {كَذٰلِكَ نَجْزِي ٱلْقَوْمَ ٱلْمُجْرِمِينَ } أي: مثل ذلك الجزاء نجزي هؤلاء، وقد مرّ بيان هذه القصة في سورة الأعراف. {وَلَقَدْ مَكَّنَـٰهُمْ فِيمَا إِن مَّكَّنَّـٰكُمْ فِيهِ } قال المبرد: ما في قوله: {فيما} بمنزلة "الذي"، و"إن" بمنزلة "ما"، يعني: النافية، وتقديره: ولقد مكناهم في الذي ما مكناكم فيه من المال وطول العمر وقوّة الأبدان، وقيل: «إن» زائدة، وتقديره: ولقد مكناهم فيما مكناكم فيه، وبه قال القتيبي، ومثله قول الشاعر:شعر : فما إن طبنا جبن ولكن منايانا ودولة آخرينا تفسير : والأوّل أولى؛ لأنه أبلغ في التوبيخ لكفار قريش، وأمثالهم {وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعاً وَأَبْصَـٰراً وَأَفْئِدَةً } أي: إنهم أعرضوا عن قبول الحجة، والتذكر مع ما أعطاهم الله من الحواسّ التي بها تدرك الأدلة، ولهذا قال: {فَمَا أَغْنَىٰ عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلاَ أَبْصَـٰرُهُمْ وَلاَ أَفْئِدَتُهُمْ مّن شَىْء } أي: فما نفعهم ما أعطاهم الله من ذلك حيث لم يتوصلوا به إلى التوحيد، وصحة الوعد والوعيد، وقد قدّمنا من الكلام على وجه إفراد السمع، وجمع البصر ما يغني عن الإعادة، و«من» في {مِن شَىْء } زائدة، والتقدير: فما أغنى عنهم شيء من الإِغناء، ولا نفعهم بوجه من وجوه النفع {إذ كانوا يجحدون بآيات الله} الظرف متعلق بـ {أغنى}، وفيها معنى التعليل أي: لأنهم كانوا يجحدون {وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ يستهزئون} أي: أحاط بهم العذاب الذي كانوا يستعجلونه بطريق الاستهزاء حيث قالوا: {فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا }. {وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مّنَ ٱلْقُرَىٰ } الخطاب لأهل مكة، والمراد بما حولهم من القرى: قرى ثمود، وقرى لوط، ونحوهما مما كان مجاوراً لبلاد الحجاز، وكانت أخبارهم متواترة عندهم {وَصَرَّفْنَا ٱلآيَـٰتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } أي: بينا الحجج ونوّعناها؛ لكي يرجعوا عن كفرهم فلم يرجعوا. ثم ذكر سبحانه أنه لم ينصرهم من عذاب الله ناصر، فقال: {فَلَوْلاَ نَصَرَهُمُ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ قُرْبَاناً ءالِهَةَ } أي: فهلا نصرهم آلهتهم التي تقرّبوا بها بزعمهم إلى الله لتشفع لهم حيث قالوا: {أية : هَـؤُلاء شُفَعَـٰؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ } تفسير : [يونس: 18] ومنعتهم من الهلاك الواقع بهم. قال الكسائي: القربان: كل ما يتقرّب به إلى الله من طاعة ونسيكة، والجمع قرابين، كالرهبان والرهابين، وأحد مفعولي {اتخذوا} ضمير راجع إلى الموصول، والثاني آلهة، و{قرباناً} حال، ولا يصح أن يكون قرباناً مفعولاً ثانياً، و{آلهةً} بدلاً منه لفساد المعنى، وقيل: يصح ذلك ولا يفسد المعنى، ورجحه ابن عطية، وأبو البقاء، وأبو حيان، وأنكر أن يكون في المعنى فساد على هذا الوجه {بَلْ ضَلُّواْ عَنْهُمْ } أي: غابوا عن نصرهم، ولم يحضروا عند الحاجة إليهم، وقيل: بل هلكوا، وقيل: الضمير في ضلوا راجع إلى الكفار، أي: تركوا الأصنام وتبرءوا منها، والأوّل أولى. والإشارة بقوله: {وَذَلِكَ } إلى ضلال آلهتهم. والمعنى: وذلك الضلال والضياع أثر {إِفْكِهِمْ } الذي هو اتخاذهم إياها آلهةً وزعمهم أنها تقرّبهم إلى الله. قرأ الجمهور {إفكهم} بكسر الهمزة، وسكون الفاء مصدر أفك يأفك إفكاً، أي: كذبهم. وقرأ ابن عباس، وابن الزبير، ومجاهد بفتح الهمزة والفاء والكاف على أنه فعل أي: ذلك القول صرفهم عن التوحيد. وقرأ عكرمة بفتح الهمزة وتشديد الفاء، أي: صيرهم آفكين. قال أبو حاتم: يعني قلبهم عما كانوا عليه من النعيم، وروي عن ابن عباس أنه قرأ بالمدّ، وكسر الفاء بمعنى: صارفهم {وَمَا كَانُواْ يَفْتَرُونَ } معطوف على {إفكهم} أي: وأثر افترائهم، أو أثر الذي كانوا يفترونه. والمعنى: وذلك إفكهم أي: كذبهم الذي كانوا يقولون إنها تقرّبهم إلى الله، وتشفع لهم {وَمَا كَانُواْ يَفْتَرُونَ } أي: يكذبون أنها آلهة. وقد أخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: الأحقاف: جبل بالشام. وأخرج البخاريّ، ومسلم، وغيرهما عن عائشة قالت: ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم مستجمعاً ضاحكاً حتى أرى منه لهواته، إنما كان يتبسم، وكان إذا رأى غيماً أو ريحاً عرف ذلك في وجهه، قلت: يا رسول الله، الناس إذا رأوا الغيم فرحوا أن يكون فيه المطر. وأراك إذا رأيته عرفت في وجهك الكراهية، قال: «حديث : يا عائشة: وما يؤمنني أن يكون فيه عذاب، قد عذب قوم بالريح، وقد رأى قوم العذاب، فقالوا: {هَـٰذَا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا }»تفسير : . وأخرج مسلم، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا عصفت الريح قال: «حديث : اللَّهم إني أسألك خيرها وخير ما فيها، وخير ما أرسلت به، وأعوذ بك من شرّها وشرّ ما فيها وشرّ ما أرسلت به»تفسير : ، فإذا تخيلت السماء تغير لونه، وخرج ودخل وأقبل وأدبر، فإذا مطرت سرّي عنه، فسألته فقال:«حديث : لا أدري، لعله كما قال قوم عاد: {هَـٰذَا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا }»تفسير : . وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب السحاب، وأبو الشيخ في العظمة عن ابن عباس في قوله: {فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضاً مُّسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ } قالوا: غيم فيه مطر، فأوّل ما عرفوا أنه عذاب رأوا ما كان خارجاً من رجالهم، ومواشيهم تطير بين السماء والأرض مثل الريش دخلوا بيوتهم، وغلقوا أبوابهم، فجاءت الريح ففتحت أبوابهم، ومالت عليهم بالرمل، فكانوا تحت الرمل سبع ليال، وثمانية أيام حسوماً لهم أنين، ثم أمر الله الريح، فكشفت عنهم الرمل وطرحتهم في البحر، فهو قوله: {فَأْصْبَحُواْ لاَ يُرَىٰ إِلاَّ مَسَـٰكِنُهُمْ }. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، والحاكم وصححه عن ابن عباس قال: ما أرسل الله على عاد من الريح إلاّ قدر خاتمي هذا. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عنه في قوله: {وَلَقَدْ مَكَّنَـٰهُمْ فِيمَا إِن مَّكَّنَّـٰكُمْ فِيهِ } يقول: لم نمكنكم. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه أيضاً في الآية قال: عاد مكنوا في الأرض أفضل مما مكنت فيه هذه الأمة، وكانوا أشدّ قوة وأكثر أموالاً وأطول أعماراً.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنذَرَ قَوْمَهُ بِالأحْقَافِ} وهو هود بعث إلى عاد، وكان أخاهم في النسب لا في الدين لأنه مناسب وإن لم يكن أخا أحد منهم. {إِذْ أَنذَرَ قَوْمَهُ بِالأحْقَافِ} وهي جمع حقف، وهو ما استطال واعوج من الرمل العظيم، ولا يبلغ أن يكون جبلاً. ومنه قول العجاج: شعر : بات إلى أرطاة حقف أحقفا .................... تفسير : أي رمل مستطيل مشرق. وفيما أريد بالأحقاف هنا خمسة أقاويل: أحدها: أن الأحقاف رمال مشرقة كالجبال، قاله ابن زيد، وشاهده ما تقدم، وقال هي رمال مشرقة على البحر بالسحر في اليمن. الثاني: أن الأحقاف أرض من حسمي تسمى الأحقاف، قاله مجاهد. الثالث: أنه جبل بالشام يسمى الأحقاف، قاله الضحاك. الرابع: هو ما بين عمان وحضرموت، قاله ابن إسحاق. الخامس: هو واد بين عُمان ومهرة، قاله ابن عباس. وروى أبو الطفيل عن علي كرم الله وجهه أنه قال: خير واد بين في الناس واد بمكة، وواد نزل به آدم بأرض الهند، وشر واديين في الناس وادي الأحقاف، ووادٍ بحضرموت يدعى برهوت تلقى فيه أرواح الكفار، وخير بئر في الناس بئر زمزم، وشر بئر في الناس بئر برهوت وهي ذلك الوادي حضرموت. {وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ} أي قد بعث الرسل من قبل هود ومن بعده، قال الفراء، من بين يديه من قبله، ومن خلفه من بعده وهي في قراءة ابن مسعود: {مِنْ بَيْنَ يَدَيْهِ وَمِنْ بَعدِهِ}. قوله عز وجل: {قَالُواْ أَجِئْتَنَا لِتَأفِكَنَا عَنْ ءَالِهَتِنَا} فيه وجهان: أحدهما: لتزيلنا عن عبادتها بالإفك. الثاني: لتصدنا عن آلهتنا بالمنع، قاله الضحاك. قوله عز وجل: {فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضاً مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتهِمْ} يعني السحاب. وأنشد الأخفش لأبي كبير الهذلي: شعر : وإذا نظرت إلى أسرة وجهه برقت كبرق العارض المنهال تفسير : وفي تسميته عارضاً ثلاثة أقاويل: أحدها: لأنه أخذ في عرض السماء، قال ابن عيسى. الثاني: لأنه يملأ آفاق السماء، قال النقاش. الثالث: لأنه مار من السماء. والعارض هو المار الذي لا يلبث وهذا أشبه. {قَاُلواْ هَذا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا} حسبوه سحاباً يمطرهم، وكان المطر قد أبطأ عليهم. {بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُم بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذابٌ أَلِيمٌ} كانوا حين أوعدهم هود استعجلوه استهزاء منهم بوعيده، فلما رأوا السحاب بعد طول الجدب أكذبوا هوداً وقالوا: هذا عارض ممطرنا. ذكر أن القائل ذلك من قوم عاد، بكر بن معاوية. فلما نظر هود إلى السحاب قال: بل هو ما استعجلتم به، أي الذي طلبتم تعجيله ريح فيها عذاب أليم وهي الدبور. وروي عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : نُصِرْتُ بِالصبَا وَأُهْلِكَتْ عَادٌ بِالدَّبُورِ " تفسير : فنظر بكر بن معاوية إلى السحاب فقال: إني لأرى سحاباً مُرْمِداً، لا يدع من عَادٍ أحداً. فذكر عمرو بن ميمون أنها كانت تأتيهم بالرجل الغائب حتى تقذفه في ناديهم. قال ابن اسحاق: واعتزل هود ومن معه من المؤمنين في حظيرة ما يصيبه هو ومن معه فيها إلا ما يلين على الجلود وتلتذ الأنفس به، وإنها لتمر من عاد بالظعن بين السماء والأرض. وحكى الكلبي أن شاعرهم قال في ذلك: شعر : فدعا هود عليهم دعوة أضحوا همودا عصفت ريح عليهم تركت عاداً خمودا سخرت سبع ليال لم تدع في الأرض عودا تفسير : وعمَّر هود في قومه بعدهم مائة وخمسين سنة .

ابن عبد السلام

تفسير : {أَخَا عَادٍ} في النسب {بِالأَحْقَافِ} جمع حقف وهو ما استطال واعوج من الرمل العظيم ولم يبلغ أن يكون جبلاً هي رمال مشرفة على البحر في الشِّحْر باليمن، أو أرض من حُسمى تسمى الأحقاف، أو جبل بالشام يسمى الأحقاف، أو ما بين عمان وحضرموت، أو واد بين عمان ومهرة "ع" {وَقَدْ خَلَتِ النُذُرُ} الرسل {مِن بَيْنِ يَدَيْهِ} قبله. {وَمِنْ خَلْفِهِ} بعده.

الخازن

تفسير : قوله تعالى: {واذكر أخا عاد} يعني هوداً عليه السلام {إذ أنذر قومه بالأحقاف} قال ابن عباس: الأحقاف وادٍ بين عمان ومهرة. وقيل: كانت منازل عاد باليمن في حضرموت بموضع يقال له مهرة. وكانوا أهل عمد سيارة في الربيع فإذا هاج العود، رجعوا إلى منازلهم وكانوا من قبيلة إرم. وقيل: إن عاداً كانوا أحياء باليمن وكانوا أهل رمل مشرفين على البحر بأرض يقال لها الشحر. والأحقاف: جمع حقف وهو المستطيل من الرمل فيه اعوجاج كهيئة الجبل ولم يبلغ أن يكون جبلاً. وقيل: الأحقاف ما استدار من الرمل {وقد خلت النذر} أي مضت الرسل {من بين يديه} أي من قبل هود {ومن خلفه} أي من بعده {ألا تعبدوا إلا الله إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم} والمعنى: أن هوداً قد أنذرهم بذلك وأعلمهم أن الرسل الذين بعثوا قبله والذين سيبعثون بعده كلهم منذرون نحو إنذاره {قالوا أجئتنا لتأفكنا} أي لتصرفنا {عن آلهتنا} أي عبادتها {فأتنا بما تعدنا} أي من العذاب {إن كنت من الصادقين} يعني أن العذاب نازل بنا {قال} يعني هوداً {إنما العلم عند الله} يعني هو يعلم متى يأتيكم العذاب {وأبلغكم ما أرسلت به} يعني من الوحي الذي أنزله الله عليّ وأمرني بتبليغه إليكم {ولكني أراكم قوماً تجهلون} يعني قدر العذاب الذي ينزل بكم {فلما رأوه} يعني رأوا ما يوعدون به من العذاب ثم بينه فقال تعالى: {عارضاً} يعني رأوا سحاباً عارضاً وهو السحاب الذي يعرض في ناحية السماء ثم يطبق السماء {مستقبل أوديتهم} وذلك أنه خرجت عليهم سحابة سوداء من ناحية وادٍ يقال له المغيث وكان قد حبس عنهم المطر مدة طويلة فلما رأوا تلك السحابة استبشروا بها ثم {قالوا هذا عارض ممطرنا} قال الله رداً عليهم {بل هو ما استعجلتم به} يعني من العذاب ثم بين ماهية ذلك العذاب فقال تعالى: {ريح فيها عذاب أليم} ثم وصف تلك الريح فقال تعالى: {تدمر كل شيء بأمر ربها} يعني تهلك كل شيء مرت به من رجال عاد وأموالهم يقال: إن تلك الريح كانت تحمل الفسطاط وتحمل الظعينة حتى ترى كأنها جرادة فلما رأوا ذلك، دخلوا بيوتهم وأغلقوا أبوابهم، فجاءت الريح فقلعت الأبواب وصرعتهم. وأمر الله الريح، فأهالت عليهم الرمال فكانوا تحت الرمل سبع ليال وثمانية أيام لهم أنين. ثم أمر الله الريح فكشفت عنهم الرمل واحتملتهم فرمت بهم في البحر. وقيل: إن هوداً عليه السلام لما أحس بالريح، خط على نفسه وعلى من معه من المؤمنين خطاً فكانت الريح تمر بهم لينة باردة طيبة والريح التي تصيب قومه شديدة عاصفة مهلكة وهذه معجزة عظيمة لهود عليه السلام. وقيل: إن الله تعالى أمر خازن الريح أن يرسل عليهم مثل مقدار الخاتم فأهلكهم الله بهذا القدر وفي هذا إظهار كمال القدرة (ق) "حديث : عن عائشة قالت: ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم مستجمعاً قط ضاحكاً حتى ترى منه لهواته إنما كان يتبسم" زاد في رواية: "وكان إذا رأى غيماً عرف في وجهه قالت يا رسول الله الناس إذا رأوا الغيم فرحوا رجاء أن يكون فيه المطر وأراك إذا رأيت غيماً عرف في وجهك الكراهة؟ فقال: يا عائشة وما يؤمنني أن يكون فيه عذاب قد عذب قوم بالريح وقد رأى قوم العذاب فقالوا هذا عارض ممطرنا"" تفسير : وفي رواية قالت "حديث : كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا رأى مخيلة في السماء أقبل وأدبر ودخل وخرج وتغير وجهه فإذا أمطرت السماء سري عنه فرفعته عائشة ذلك فقال وما أدري لعله كما قال قوم هود فلما رأوه عارضاً مستقبل أوديتهم قالوا هذا عارض ممطرنا" تفسير : الآية وفي رواية أخرى قالت: "حديث : كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا عصفت الريح قال اللهم إني أسألك خيرها وخير ما فيها وخير ما أرسلت به، وأعوذ بك من شرها وشر ما فيها وشر ما أرسلت به" تفسير : وإذا تخيلت السماء تغير لونه وخرج ودخل وأقبل وأدبر فإذا أمطرت السماء سري عنه فعرفت ذلك عائشة فسالته فقال: لعله يا عائشة كما قال قوم عاد فلما رأوه عارضاً مستقبل أوديتهم قالوا هذا عارض ممطرنا المخيلة: السحاب الذي يظن فيه مطر. وتخيلت السماء: إذا تغيمت. وقولها: سري عنه أي كشف وأزيل عنه ما كان به من الغم والحزن. وقوله تعالى: {فأصبحوا لا ترى إلا مساكنهم} قرىء بالتاء مفتوحة على أنه خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم. والمعنى: ما ترى يا محمد إلا مساكنهم خاوية عاطلة من السكان ليس فيها أحد وقرىء بالياء مضمومة والمعنى لا يرى إلا آثار مساكنهم لأن الريح لم تبق منها إلا الآثار والمساكن المعطلة {كذلك نجزي القوم المجرمين} يخوف بذلك كفار مكة

القمي النيسابوري

تفسير : القراءات: {إني أخاف} بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو وخلف. {لا يرى} بالياء التحتانية مبنياً للمفعول {إلا مساكنهم} بالرفع: عاصم وحمزة وخلف وسهل ويعقوب. والباقون {لا ترى} على خطاب كل راء {مساكنهم} بالنصب {بل ضلوا} بإدغام اللام في الضاد: عليّ. {وإذا صرفنا} بإدغام الذال في الصاد وكذا ما يشبهه: أبو عمرو وعليّ وهشام وحمزة في رواية خلاد وابن سعدان وأبي عمرو {يقدر} فعلاً مضارعاً من القدرة: سهل ويعقوب. الوقوف: {عاد} ط لأن "إذ" يتعلق بأذكر محذوفاً وهو مفعول به. هذا قول السجاوندي، وعندي أن لا وقف. وقوله "إذ" بدل الاشتمال من {أخا عاد}. {إلا الله} ط {عظيم} ه {آلهتنا} ج لتناهي الاستفهام مع تقيب الفاء {الصادقين} ه {عند الله} ز لاختلاف الجملتين لفظاً ولكن التقدير وأنا أبلغكم {تجهلون} ه {ممطرنا} ط لتقدير القول {به} ط لأن التقدير هذه ريح {أليم} ه لا لأن ما بعده صفة {مساكنهم} ط {المجرمين} ه {وأفئدة} ز لعطف الجملتين المختلفتين والوصل أولى للفاء واتحاد الكلام {يستهزؤون} ه {يرجعون} ه {آلهة} ج لتمام الاستفهام {عنهم} ج لعطف الجملتين {يفترون} ه {القرآن} ج لكلمة المجازاة مع الفاء {أنصتوا} ج لذلك {منذرين} ه {مستقيم} ه {أليم} ه {أولياء} ط {مبين} ه {الموتى} ط {قدير} ه {النار} ط لتقدير القول {بالحق} ط {وربنا} ط {تكفرون} ه {لهم} ط {يوعدون} ه لا لأن ما بعده خبر "كأن" {نهار} ط {بلاغ} ج للاستفهام مع الفاء {الفاسقون} ه. التفسير: إنه سبحانه بعد حكاية شبه المكذبين والأجوبة عنها، وبعد إتمام ما انجر الكلام إليه، أمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يذكر قومه بقصة هود أعني أخا عاد لأنه واحد منهم. والأحقاف جمع حقف وهو رمل مستطيل مرتفع فيه انحناء من احقوقف الشيء إذا اعوج، ويقال له الشحر من بلاد اليمن. وقيل: بين عمان ومهرة. والنذر جمع نذير مصدر أو صفة. الواو في قوله {وقد خلت} إما أن تكون للحال والمعنى أنذرهم وهم عالمون بإنذار الرسل من قبل ومن بعده، وإما أن يكون اعتراضاً والمعنى واذكروا وقت إنذار هود قومه {ألا تعبدوا إلا الله} وقد أنذر من تقدمه من الرسل ومن تأخر عنه مثل ذلك فأذكرهم قوله {لتأفكنا} أي لتصرفنا عن عبادة آلهتنا. قوله {إنما العلم عند الله} أي لا علم لي بالوقت الذي عينه الله لتعذيبكم فلا معنى لاستعجالكم ولهذا نسبهم إلى الجهالة، وأيّ جهل أعظم من نسبة نبي الله إلى الكذب. ومن ترك طريقة الاحتياط ومن استعجال ما فيه هلاكهم، والضمير في قوله {فلما رأوه} عائد إلى الموعود، أو هو مبهم يوضحه قوله {عارض} أي سحاب عرض في نواحي السماء. والإضافة في قوله {مستقبل أوديتهم} و{ممطر} لفظية ولهذا صح وقوعها صفة للنكرة. والتدمير الإهلاك والاستئصال. وفي قوله {بأمر ربها} إشارة إلى إبطال قول من زعم أن مثل هذه الآثار مستند إلى تأثيرات الكواكب بالاستقلال. ثم زاد في تخويف كفار مكة وذكر فضل عاد في القوة الجسمانية وفي الأسباب الخارجية عليهم فقال {ولقد مكناهم فيما إن مكناكم فيه} قال المبرد:"ما" موصولة و "إن" نافية أي في الذي لم نمكنكم فيه. وقال ابن قتيبة: "إن" زائدة وهذا فيه ضعف لأن الأصل حمل الكلام على وجه لا يلزم منه زيادة في اللفظ، ولأن المقصود فضل أولئك القوم على هؤلاء حتى يلزم المبالغة في التخويف، وعند تساويهما يفوت هذا المقصود. وقيل: "إن" للشرط والجزاء مضمر أي في الذي إن مكناكم فيه كان بغيكم أكثر. وقوله {من شيء} أي شيئاً من الإغناء وهو القليل منه. وقوله {إذ كانوا} ظرف لما أغنى وفيه معنى التعليل كقولك "ضربته إذ أساء" قوله {من القرى} يريد من قريات عاد وثمود ولوط وغيرهم بالشام والحجاز واليمن، وتصريف الآيات أي تكريرها. قيل: للعرب المخاطبين والأظهر أنه للماضين لقوله {لعلهم يرجعون} عن شركهم، والأوّلون حملوه على الالتفات. ثم وبخهم بأن أصنامهم لم يقدروا على نصرتهم وشفاعتهم. فقوله {آلهة} مفعول ثانٍ {لا تخذوا} والمفعول الأول محذوف وهو الراجع إلى {الذين} و {قرباناً} حال أو مفعول له أي متقربين إلى الله، أو لأجل القربة بزعمهم. والقربان مصدر أو اسم لما يتقرب به إلى الله عز وجل. ويجوز أن يكون {قرباناً} مفعولاً ثانياً و {آلهة} بدلاً أو بياناً. قوله {وذلك إفكهم} أي عدم نصرة آلهتهم وضلالهم عنهم وقت الحاجة محصول إفكهم وافترائهم، أو عاقبة شركهم وثمرة كذبهم على الله. وحين بّين أن الإنس من آمن وفيهم من كفر، أراد أن يبين أن نوع الجن أيضاً كذلك. وفي كيفية الواقعة قولان: أحدهما عن سعيد بن جبير وعليه الجمهور: كانت الجن تسترق فلما رجموا قالوا: هذا إنما حدث في السماء لشيء حدث في الأرض. فذهبوا يطلبون السبب فوافوا النبي صلى الله عليه وسلم بمكة يصلي بأصحابه أو منفرداً. فمنهم من قال صلاة العشاء الآخرة ومنهم من قال صلاة الصبح، فقرأ فيها سورة "اقرأ" فسمعوا القرآن وعرفوا أن ذلك هو السبب. وعلى هذا لم يكن ذلك بعلم منه صلى الله عليه وسلم حتى أوحى الله إليه. والقول الثاني حديث : أنه صلى الله عليه وسلم أمر بذلك فقال لأصحابه: إني أمرت أن أقرأ القرآن على الجن فأيكم يتبعني؟ فأتبعه ابن مسعود، فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم شعب الحجون وخط على ابن مسعود وقال: لا تبرح حتى آتيك. قال: فسمعت لغطاً شديداً حتى خفت على النبي صلى الله عليه وسلم، ثم علا بالقرآن أصواتهم. فلما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم سألته عن اللغط فقال: اختصموا إليّ في قتيل كان بينهم فقضيت فيهم. تفسير : وفي رواية أخرى حديث : عن ابن مسعود قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: أمعك ماء؟ قلت: يا رسول الله معي إداوة فيها شيء من نبيذ التمر. فاستدعاه فصببت على يده فتوضأ فقال: تمرة طيبة وماء طهور. تفسير : واختلفوا في عددهم: عن ابن عباس: كانوا تسعة من جن نصيبين أو نينوى. وقال عكرمة: كانوا عشرة من جزيرة الموصل، وزر بن حبيش: كانوا تسعة ومنهم زوبعة. وقيل: اثني عشر ألفاً. ولنرجع إلى التفسير. قوله {وإذ صرفنا} معطوف على قوله {أذكر أخا عاد إذ أنذر} ومعنى صرفنا أملناهم إليك، والنفر ما دون العشرة ويجمع على أنفار. والضمير في {حضروه} للنبي صلى الله عليه وسلم أو القرآن {قالوا} أي قال بعضهم لبعض {أنصتوا} والإنصات السكوت لاستماع الكلام {فلما قضى} أي فرغ النبي صلى الله عليه وسلم من القراءة. وإنما قالوا {أنزل من بعد موسى} لأنهم كانوا يهوداً أو لأنهم لم يسمعوا أمر عيسى قاله ابن عباس {أجيبوا داعي الله} عنوا رسول الله أو أنفسهم بناء على أنهم رسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قومهم، ومنه يعلم أنه صلى الله عليه وسلم كان مبعوثاً إلى الجن أيضاً وهذا من جملة خصائصه. وحين عمموا الأمر بإجابة الداعي خصصوه بقولهم {وآمنوا به} لأن الإيمان أشرف أقسام التكاليف. و"من" في قوله {من ذنوبكم} للتبعيض فمن الذنوب ما لا يغفر بالإيمان كالمظالم وقد مر في "إبراهيم". واختلفوا في أن الجن هل لهم ثواب أم لا؟ فقيل: لا ثواب لهم إلا النجاة من النار بقوله {ويجركم من عذاب أليم} وهو قول أبي حنيفة. والصحيح أنهم في حكم بني آدم يدخلون الجنة ويأكلون ويشربون. وقد جرت بين مالك وأبي حنيفة مناظرة في هذا الباب. قوله {فليس بمعجز} أي لا يفوته هارب. قوله {ولم يعي} يقال: عييت بالأمر إذا لم يعرف وجهه. قوله {بقادر} في محل الرفع لأنه خبر "أن" وإنما دخلت الباء لاشتمال الآية على النفي كأنه قيل: أليس الله بقادر؟ والمقصود تأكيد ما مر في أول السورة من دلائل البعث والنبوّة. ثم سلى نبيه صلى الله عليه وسلم بقوله {فاصبر كما صبر أولوا العزم} وقوله {من الرسل} بيان لأن جميع الرسل أرباب عزم وجد في تبليغ ما أمروا بأدائه، أو هو للتبعيض فنوح صبر على أذى قومه، وإبراهيم على النار وذبح الولد، وإسحق على الذبح، ويعقوب على فراق الولد، ويوسف على السجن، وأيوب على الضر، وموسى على سفاهة قومه وجهالاتهم، وأما يونس فلم يصبر على دعاء القوم فذهب مغاضباً، وقال الله تعالى في حق آدم {أية : ولم نجد له عزماً}تفسير : [طه: 115] {ولا تستعجل لهم} أي لا تدع لكفار قريش بتعجيل العذاب فإنه نازل بهم لا محالة وإن تأخر، وإنهم يستقصرون مدة لبثهم في الدنيا حتى ظنوا أنها ساعة من نهار {هذا} الذي وعظهم به كفاية في بابه وقد مر في آخر سورة "إبراهيم" عليه السلام.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {وَٱذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنذَرَ قَوْمَهُ بِٱلأَحْقَافِ...} الآية لما ذكر دلائل النبوة والتوحيد وكان أهل مكة بسبب استغراقهم في لذات الدنيا أعرضوا عنها ولم يلتفتوا إليها لهذا السبب قال تعالى في حقهم: {أية : وَيَوْمَ يُعْرَضُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ عَلَى ٱلنَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ ٱلدُّنْيَا}تفسير : [الأحقاف:20] فلما كان الأمر كذلك بين أن قوم عاد كانوا أكثر أموالاً وقوةً وجاهاً، ثم إن الله تعالى سلَّط عليهم العذاب بكفرهم وذكر قصتهم ليعتبر بها أهل مكة فيتركوا الاغترار بما وجدوه في الدنيا ويقبلوا على طلب الدين الحق فقال: "وَاذْكُرْ يا محمد لقومك أَخَا عَادٍ" أي هوداً ـ عليه الصلاة والسلام ـ. قوله: {إِذْ أَنذَرَ} بدل من "أخا" بدل اشتمال وتقدم تحقيقه. وقوله {بِٱلأَحْقَافِ} هي جمع حِقْفٍ وهو الرمل المستطيل المعوجُّ ومنه احْقَوْقَفَ الهِلاَلُ، قال امرؤ القيس: شعر : 4454ـ فَلَمَّا أَجَزْنَا سَاحَةَ الحَيِّ وَانْتَحَى بِنَا بَطْنُ حقْفٍ ذِي حِقَافٍ عَقَنْقَلِ تفسير : قال ابن عباس ـ (رضي الله عنهما) ـ وادٍ بين عمان ومَهْرة. وقال مقاتل: كانت منازل عاد باليمن في حضرموت، بموضع يقال له: مَهْرَةَ إليها تنسب الإبل المَهْرِيَّة، وكانوا أهل عُمُد سيارة في الربيع فإذا العُود رَجَعُوا إلى منازلهم وكانوا من قبيلة إرَم، وقال قتادة: ذكر لنا أن عاداً كانوا حياً من اليمن كانوا أهل رمل مشرفين على البحر، بأرض يقال لها الشِّحْر. قوله: {وَقَدْ خَلَتِ} يجوز أن يكون حالاً من الفاعل، أو من المفعول والرابط الواو، والنُّذُر جمع نَذِيرٍ ويجوز أن يكون معترضة بين "أَنْذَرَ" وبين "أَنْ لا تَعْبُدُوا" أي أنذرهم بأن لا. وقوله: {مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ} أي مضت الرسل من قبل هود ومن خلفه أي بعده. (والمعنى أعلمهم أن الرسل الذي بعثوا قبله والذين يبعثون) بعده كلهم منذرون نحو إنذاره. فصل قال المفسرون: إن هُوداً ـ عليه الصلاة والسلام ـ كان قد أنذرهم وقال: أن لا تعبدوا إلا الله إنِّي أَخَافُ عَلَيْكُم العذاب قالوا جئتنا لتأفكنا "أي لتصرفنا" عَنْ آلِهَتِنَا أي عن عِبَادَتِهَا، والإفْكُ الصَّرْفُ، يقالُ: أَفِكَهُ عَنْ رَأيهِ إذا صَرَفَهُ عنه. وقيل: المراد لتلفتنا بالكذب. {فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ} من معاجلة العذاب على الكفر {إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّادِقِينَ} في وعدك أن العذاب نازل بنا قال هود: إنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللهِ وهو يعلم متى يأتيكم العذاب {وَأُبَلِّغُكُمْ مَّآ أُرْسِلْتُ بِهِ} من الوحي والتحذير من العذاب، فأما العلم بوقته فما أوحاه إليَّ {وَلَـٰكِنِّيۤ أَرَاكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ} وهذا يحتمل أن المراد أنكم لا تعلمون أن الرسل لم يبعثوا مقترحين ولا سائلين عن غير ما أُذِنَ لهم فيه وإنما بعثوا مبلغين. ويحتمل أن يكون المراد قوماً تجهلون من حيث إنكم بَقِيتُم مُصرِّين على كفركم وجهلكم فيغلب على ظني أنه قرب الوقت الذي ينزل عليكم العذاب بسبب هذا الجهل المفرط والوقاحة التامة. ويحتمل أن يكون المراد قوماً تجهلون حيث تُصِرُّونَ على طلب العذاب وهب أنه لم يظهر لكم كوني صادقاً ولكن لم يظهر لكم أيضاً كوني كاذباً، فالإقدام على الطلب الشديد لهذا العذاب جهل عظيم. قوله: {فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضاً} في "هاء" "رَأَوْهُ" قولان: أحدهما: أنه عائد على "ما" في قوله "ما تَعِدُنا". الثاني: أنه ضمير مبهم يفسره "عَارِضاً" إما تمييزاً، أو حالاً. قالهما الزمخشري. وردَّه أبو حيان بأن التمييز المفسِّر للضمير محصورٌ في باب رُبَّ، وفي نِعْمَ وبِئْسَ، وبأنَّ الحالَ لم يُعْهَد فيها أن توضع الضمير قبلها، وأن النَّحويِّين لا يعرفون ذلك. وذكر المبرد في الضمير ههنا قولين: الاول: ما تقدم. والثاني: أنه يعود إلى غير مذكور وبينه قوله: "عارضاً" كقوله: {أية : مَا تَرَكَ عَلَىٰ ظَهْرِهَا مِن دَآبَّةٍ}تفسير : [فاطر:45]. ولم يذكر الأرض لكونها معلومة فكذا الضمير ههنا، عائد إلى السحاب، كأنه قيل: فلما رأَوا السَّحَابَ عارِضاً. وهذا اختيار الزجاج. ويكون من باب الإضمار لا على شريطة التفسير. والعارض السحابة التي ترى في ناحية السماء ثم تطبّق السماء. قال أهل اللغة: العَارِضُ المُعْتَرِضُ من السَّحَاب في الجوِّ، قال: شعر : 4455ـ يَامَنْ رَأَى عَارِضاً أَرقْتُ لَهُ بَيْنَ ذِرَاعَيْ وَجَبْهَةِ الأَسَدِ تفسير : قوله: {مُّسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ} صفة لـ "عَارِضاً"، وإضافة غير محضة فمن ثَمَّ سَاغَ أن يكون نعتاً لنكرة وكذلك "مُمْطِرُنَا" وقع نعتاً "لِعَارِضٍ" ومثله: شعر : 4456ـ يَا رُبَّ غَابِطِنَا لَوْ كَانَ يَطْلُبُكُمْ لاَقَى مُبَاعَدَةً مِنْكُمْ وَحِرْمَانَا تفسير : وقد تقدم أن أوديةً جمع وادٍ، وأن أفْعِلَةً وردت جمعاً لفاعل في ألفاظ كَوَادٍ وأوْدِيَةٍ ونَادٍ وأنْدِيَةٍ، وحَائِزٍ وأَحْوِزَةٍ. فصل قال المفسرون: كانت عاد قد حبس عنهم المطر أيماً فساق الله إليهم سحابة سوداء فخرجت عليهم من وادٍ لهم يقال له: المغيث، فلما رأوها استبشروا وقالوا: هذا عارض ممطرنا فقال الله تعالى: {بَلْ هُوَ مَا ٱسْتَعْجَلْتُم بِهِ} من العذاب. ثم بين ماهيته فقال: {رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ} ثم وصف تلك الريح فقال: {تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا} أي تهلك كل شيء من الحيوان والناس بأمر ربها. ومعناه أن هذا ليس من باب تأثيراتٍ الكواكب والقِرانَات بل هو أمر حدث ابتداءً بقدرة الله تعالى لأجل تَعْذِيبكم. قوله: {بَلْ هُوَ مَا ٱسْتَعْجَلْتُم بِهِ} قرىء: "ما اسْتُعْجلْتُمْ" مبنياً للمفعول. وقوله: "ريحٌ" يجوز أن يكون خبر مبتدأ مضمر أي هُوَ رِيحٌ، ويجوز أن يكون بدلاً من "هِيَ" و "فِيهَا عَذَابٌ" صفة لـ "رِيحٍ" وكذلك "تُدَمّر". وقرىء: يَدْمُر كل شيء، بالياء من تحت مفتوحة، وسكون الدال، وضمّ الميم بالرفع على الفاعلية، أي تهلك كل شيء. وزيد بن علي كذلك إلا أنه بالتاء من فوق ونصب كل والفاعل ضمير الريح؛ وعلى هذا فيكون (دَمَرَ) الثلاثي لازماً ومتعدياً. قوله: {فَأْصْبَحُواْ لاَ يُرَىٰ إِلاَّ مَسَاكِنُهُمْ} قرأ حمزة وعاصم لا يُرَى بضم الياء من تحت مبْنيًّا للمفعول "مَسَاكِنُهُمْ" بالرفع لقيامه مقام الفاعل، والباقون من السبعة بفتح تاء الخطاب مَسَاكِنَهُمْ بالنَّصب مفعولاً به. والجَحْدَرِيُّ والأعمشُ وابنُ أبي إسحاق والسُّلَمِيّ وأبو رجاء بضم التاء من فوق مبنياً للمفعول مَسَاكِنُهُمْ بالرفع لقيامه مقام الفاعل، إلا أن هذا عند الجمهور لا يجوز، أعني إذا كان الفاصل "إلا" فإنه يمتنع لحاق علامة التأنيث (في الفعل) إلاَّ في ضرورة كقوله ـ (رَحِمَهُ اللهُ) ـ: شعر : 4457ـ كَأَنَّهُ جَمَلٌ وَهُمٌ وَمَا بَقِيَتْ إلاَّ النُّحَيْزَةُ وَالأَلْوَاحُ والْعُصُبُ تفسير : وعيسى الهمداني: لا يُرَى بالياء من تحت مبنياً للمفعول مَسْكَنُهُمْ بالتوحيد. ونصرُ بنُ عاصم بتاء الخطاب مَسْكَنَهُمْ بالتوحيد أيضاً منصوباً. واجْتُزِىءَ بالوَاحِدِ عَن الْجَمْعِ. فصل روي أن الريح كانت تحمل الفُسْطَاطَ فَترْفَعُهَا في الجوِّ، وتحمل الظَّعِينَةَ حتى تُرَى كأنها جَرادَةٌ وقيل: إن أوّل من أبصر العذاب امرأة بينهم قالت: (رَأَيْتُ) ريحاً فيها كشُهب النار. وروي أن أول ما عرفوا به أنه عذاب أليم أنهم رأوا ما كان في الصحراء من رجالهم ومواشيهم تطير بهم الريح بين السماء والأرض، فدخلوا بيوتهم وأغلقوا أبوابهم فقلعت الريح الأبواب، وصَرَعَتْهُمْ وأمال الله تعالى عليهم الأَحْقَافَ فكانوا تحتها سبعَ ليالٍ وثمانيةَ أيَّام، لَهُمْ أنينٌ، ثم أمر الله الريح فكشفت عنهم الرِّمال واحتملتهم، فرَمَتْ بهم في البحر. وروي أن هوداً لما أحسَّ بالريح خط على نفسه وعلى المؤمنين خطًّا إلى جنب عين تنبعُ، وكانت الريح التي تصيبهم ريحاً طَيِّبةً هادية، والريح التي تُصيبُ قوم عاد ترفعهم من الأرض وتطير بهم إلى السماء، وتضربهم على الأرض، وأثر المعجزةِ إنما ظهر في تلك الريح من هذا الوجه. قال ـ عليه الصلاة والسلام ـ "حديث : مَا أَمَرَ اللهُ خَازِنَ الرِّيَاحِ أنْ يُرْسِلَ عَلَى عَادٍ إلاَّ مِثْلَ مِقْدَارِ الخَاتَم"تفسير : وذَلِكَ القَدْرُ أهْلَكَهُمْ بكُلِّيَّتِهِمْ وذلك إظهارُ قدرة الله تعالى. وعن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه كان إذا رأى الريح فزع وقال: "حديث : اللَّهم إِنِّي أَسْأَلُكَ خَيْرَهَا وَخَيْرَ مَا أُرْسِلَتْ بِهِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّها وشَرِّ مَا أُرْسِلَتْ به"تفسير : . قال تعالى: {كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْقَوْمَ ٱلْمُجْرِمِينَ} والمقصود به تخويف كفار مكة فإن قيل: لما قال (تعالى): {أية : وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ}تفسير : [الأنفال:33] فكيف يحصل التخويف؟. فالجواب: أن ذلك قبل نزول الآية. قوله تعالى: {وَلَقَدْ مَكَّنَاهُمْ فِيمَآ إِن مَّكَّنَّاكُمْ فِيهِ} ما موصولة، أو موصوفة. وفي "إنْ" ثلاثة أوجه: أحدها: شرطية، وجوابها محذوف والجملة الشرطية صلة ما، والتقدير: في الَّذي إنْ مَكَّنَّاكُمْ فيه طَغَيْتُمْ. والثاني: أنها مزيدة تشبيهاً للموصولة بما النافية والتوقيتية، وهو كقوله: شعر : 4458ـ يُرَجِّي الْمَرْء مَا إنْ لاَ يَرَاهُ وَتَعْرِضُ دُونَ أَدْنَاهُ الخُطُوبُ تفسير : والثالث: ـ وهو الصحيح ـ أنها نافية بمعنى مكّناكم في الذي ما مكّناهم فيه من القوة والبَسْطَةِ وسَعَةِ الأرزاق. ويدل له قوله في مواضع: {أية : أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً}تفسير : [الروم:9] وأمثاله. وإنما عدل عن لفظ "ما" النافية إلى "إنْ" كراهية لاجتماع متماثلين لفظاً. قال الزمخشري: وقد أَغَثَّ أبو الطيب في قوله: شعر : 4459ـ لَعْمُرَكَ ما ما بانَ مِنْكَ لَضَارِبٌ .............................. تفسير : وما ضره لو اقتدى بعذوبة لفظ التنزيل فقال: "مَا إنْ بان". فصل معنى الآية مكناهم فيما لم نمكنكم فيه من قوة الأبدان وطولِ العمر، وكَثْرةِ المال ثم إنهم مع زيادة القُوَّة ما نَجَوْا من عذاب الله تعالى فكيف يكون حالكم؟ ثم قال: {وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعاً وَأَبْصَاراً وَأَفْئِدَةً} أي فتحنا عليهم أبواب النعم وأعطيناهم سمْعاً، فما استعملوه في سَمَاع الدلائل وأعطيناهم أبصاراً فما استعملوها في دلائل ملكوت السموات والأرض، وأعطيناهم أفئدة فما استعملوها في طلب معرفة الله تعالى بل صرفوا كل هذه القُوَى إلى طلب الدنيا ولذاتها فلا جَرَمَ ما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من عذاب الله تعالى. قوله: {فَمَآ أَغْنَىٰ} يجوز أن يكون "ما" نفياً وهو الظاهر. أو استفهاماً للتقرير. واستبعده أبو حيان لأجل قوله: {مِّن شَيْءٍ} قال: إذ يصير التقدير أي شيء أعنى عنهم من شيء؟ فزاد "من" فِي الوَاجِبِ، وهو لا يجوز على الصحيح. قال شهاب الدين: قالوا يجوز زيادتها في غير المُوجب. وفسروا غير الموجب بالنفي والنهي والاستفهام وهذا استفهام. قوله: {إِذْ كَانُواْ} معمول لـ "أغْنى" وِهيَ مُشْربة معنى التعليل، أي لأنهم كانوا يجحدون فهو كقوله ضَرَبْتُهُ إذْ أَسَاءَ، أي ضربته لأنه أساء. وفي هذه الآية تخويف لأهل مكة. ثم قال: {وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} يعني أنهم كانوا يطلبون نزول العذاب على سبل الاسْتِهْزَاء. قوله تعالى: {وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِّنَ ٱلْقُرَىٰ} يا كفار مكة كحِجْر ثَمُود وعاد باليمن وأرض سدوم ونحوها بالشام {وَصَرَّفْنَا ٱلآيَاتِ} الحُجج بيناها لهم لعل أهل القرى يرجعون. قال الجبائي: قوله: {لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} معناه لكي يرجعوا عن كفرهم وذلك يدل على أنه تعالى أراد رجوعهم ولم يرد إصرارهم وأجيب: بأنه فصل ما لو فعله غيره لكان ذلك لأجل الإرادة المذكورة وإنَّما ذهبنا إلى هذا التأويل للدلائل الدالة على أنه تعالى مريد لجميعِ الكائنات. قوله تعالى: {فَلَوْلاَ نَصَرَهُمُ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ قُرْبَاناً آلِهَةَ} القُرْبَانُ ما تُقُرِّب به إلى الله. أي اتخذوها شفعاء وقالوا: هؤلاء شفعاؤنا عند الله {أية : مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ}تفسير : [الزمر:3]. قوله: {قُرْبَاناً} فيه أربعة أوجه: أظهرها: أن المفعول الأول لـ "اتَّخَذَ" محذوف، هو عائد المصدر "قُرْبَاناً" نصب على الحال، و "آلِهَةً" هو المفعول الثاني للاتِّخَاذ، والتقدير لَهلاَّ نَصَرَهُم الَّذِينَ اتَّخَذُوهُمْ مُتَقَرَّباً بهم آلهة. والثاني: أن المفعول الأول محذوف ـ كما تقدم ـ و "قُرْبَاناً" مفعولاً ثانياً و "آلهة" بدل منه. وإليه نحا أبن عطية والحَوْفِيُّ وأبو البقاء، إلا أن الزمخشري منع هذه الوجه قال: "الفساد المعنى". ولم يبين جهة الفاسد. قال أبو حيان: ويظهر أن المعنى صحيح على ذلك الإعراب. قال شهاب الدين: ووجه الفساد ـ والله أعلم ـ أن القُرْبَانَ اسم لما تقرب به إلى الإله، فلو جعلناه مفعولاً ثانياً و "آلهةً" بدلاً منه لزم أن يكون الشيء المُتَقَرَّبُ به آلهةً والغرض أنه غيرُ آلهة. بل هو شيء يتقرب به إليها فهو غيرها فكيف تكون الآلهة بدلاً منه؟ وهذا مَا لاَ يَجُوزُ. الثالث: أن "قرباناً" مفعولٌ من أجله. وعزاه أبو حيان للحَوْفي. وإليه ذهب أبو البقاء أيضاً. وعلى هذا فـ "آلِهَةً" مفعولٌ ثان، والأول محذوف كما تقدم. الرابع: أن يكون مصدراً. نقله مكي. ولولا أنه ذكر وجهاً ثانياً وهو المفعول من أجله لكان كلامه مؤولاً بأنه أراد بالمصدر المفعول من أجله لبُعْدِ معنى المصدر. قوله: {بَلْ ضَلُّواْ عَنْهُمْ} قال مقاتل: بل ضلت الآلهة عنهم فلم ينفعهم عد نزول العذاب لهم. قوله: {وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ} العامة على كسر الهمزة، وسكون الفاء، مصدر أَفِكَ يَأفِكُ إفْكاً، أي كَذِبُهُمْ وابن عباس بالفتح وهو مصدر له أيضاً. وابن عباس ـ أيضا ـ وعكرمة والصَّباح بنْ العلاء أَفَكَهُمْ ـ بثلاث فتحات ـ فعلاً ماضياً، أي صَرَفَهُمْ. وأبو عياض وعكرمة أيضاً كذلك، إلا أنه بتشديد الفاء للتكثير، وابن الزبير، وابن عباس ـ أيضاً ـ آفَكَهُمْ ـ بالمد ـ فعلا ماضياً أيضاً. وهو يحتمل أن يكون بزنة فَاعَل، فالهمزة أصلية، وأن يكون بزنة أَفْعَلَ فالهمزة زائدة والثانية بدل من همزة. وإذا قلنا: إنه أفعل، فهمزته يحتمل أنت تكون للتعدية، وأن تكون أفعل بمعنى المُجَرّد ـ وابن عباس ـ أيضاً آفكُهُمْ بالمد وكسر الفاء، ورفع الكاف جعله اسم فاعل بمعنى صارفهم. وقرىء أَفَكُهُمْ ـ بفتحتين ـ ورفع الكاف على أنه مصدر ـ لأفِكَ أيضاً ـ فيكون له ثلاثة مصادر الإفك والأَفك بفتح الهمزة وكسرها مع سكون الفاء وفتح الهمزة والفاء، وزاد أبو البقاء أنه قرىء: آفَكُهُمْ ـ بالمد وفتح الفاء، ورفع الكاف ـ قال: بمعنى أَكْذَبُهُمْ. فجعله أفعل تفضيل. قوله: {وَمَا كَانُواْ يَفْتَرُونَ} يجوز أن تكون ما مصدرية، وهو الأحسن، ليعطف على مثله، وأن تكون بمعنى الذي، والعائد محذوف أي يَفْتَرُونَهُ ـ والمصدر من قوله: "إفكهم" يجوز أن يكون مضافاً إلى الفاعل بمعنى كُذِبُهُمْ، وإلى المفعول بمعنى صَرْفُهُمْ. والمعنى: وذلك إفكهم أي كذبهم الذي كانوا يقولون: إنها تقربهم إلى الله وتشفع لهم {وَمَا كَانُواْ يَفْتَرُونَ} يكذبونَ أنَّها آلِهَةٌ.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن ماجه وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"حديث : يرحمنا الله وأخا عاد " تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم عن علي رضي الله عنه قال: "خير واديين في الناس وادي مكة ووادي أرم بأرض الهند، وشرّ واديين في الناس وادي الأحقاف وواد بحضرموت يدعى برهوت يلقى فيه أرواح الكفار، وخير بئر في الناس زمزم، وشر بئر في الناس برهوت، وهي في ذاك الوادي الذي بحضرموت. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: الأحقاف جبل بالشام. وأخرج ابن جرير عن الضحاك قال: الأحقاف جبل بالشام يسمى الأحقاف. وأخرج ابن جرير عن مجاهد رضي الله عنه قال: الأحقاف الأرض. وأخرج ابن جرير عن مجاهد رضي الله عنه قال: الأحقاف جساق من جسمي. وأخرج ابن جرير عن قتادة رضي الله عنه قال: ذكر لنا أن عاداً كانوا أحياء باليمن أهل رمل مشرفين على البحر بأرض يقال لها الشحر. وأخرج ابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله بالأحقاف قال: تلال من أرض اليمن. وأخرج ابن جرير عن الضحاك رضي الله عنه في قوله {وقد خلت النذر من بين يديه ومن خلفه ألا تعبدوا إلا الله} قال: لم يبعث الله رسولاً ألا بأن يعبد الله. وأخرج ابن جرير عن ابن زيد رضي الله عنه في قوله {لتأفكنا} قال لتزيلنا، وقرأ "إن كاد ليضلنا عن آلهتنا" قال: يضلنا ويزيلنا ويأفكنا واحد.

ابو السعود

تفسير : {وَٱذْكُرْ} أيْ لكُفَّارِ مكةَ {أَخَا عَادٍ} أيْ هوداً عليهِ السلامُ، {إِذْ أَنذَرَ قَوْمَهُ} بدلُ اشتمالٍ منْهُ أي وقتَ إنذارِه إِيَّاهُم. {بِٱلاْحْقَافِ} جمعُ حِقْفٍ، وهُو رملٌ مستطيلٌ مرتفعٌ فيهِ انحناءٌ منِ احقوقفَ الشيءُ إذا اعوجَّ. وكانتْ عادٌ أصحابَ عَمدٍ يسكنونَ بـين رمالٍ مشرفةٍ على البحرِ بأرضٍ يُقالُ لها الشّحْرُ من بلادِ اليمنِ، وقيلَ: بـينَ عُمَانَ ومَهَرَةَ. {وَقَدْ خَلَتِ ٱلنُّذُرُ} أي الرُّسلُ جمعُ نذيرٍ بمعنى المنذرِ. {مِن بَيْنِ يَدَيْهِ} أي من قبلهِ {وَمِنْ خَلْفِهِ} أي منْ بعدهِ. والجملةُ اعتراضٌ مقررٌ لما قبلَهُ مؤكدٌ لوجوبِ العملِ بموجبِ الإنذارِ، وُسِّط بـينَ أنذرَ قومَهُ وبـينَ قولِه {أَن لاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ ٱللَّهَ} مسارعةً إلى ما ذُكِرَ من التقريرِ والتأكيدِ وإيذاناً باشتراكِهم في العبارةِ المحكيةِ، والمَعْنى واذكُرْ لقومِكَ إنذارَ هودٍ قومَهُ عاقبةَ الشركِ والعذابِ العظيمِ، وقد أندرَ مَنْ تقدمَهُ من الرسلِ، ومن تأخرَ عنْهُ قومَهُم مثلَ ذلكَ فاذكُرهم. وأَما جعلُها حالاً من فاعلِ أنذرَ على مَعْنى أنَّه عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنذرَهُم، وقالَ لَهُم لا تعبدُوا إلا الله {إِنّى أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} وقد أعلمهم أنَّ الرسلَ الذين بُعثوا قبلَه والذينَ سيُبعثونَ بعدَهُ كلَّهم منذرونَ نحوَ إنذارِه، فمعَ ما فيهِ من تكلفِ تقديرِ الإعلامِ لا بُدَّ في نسبةِ الخلوِّ إلى مَن بعدَهُ من الرسلِ من تنزيلِ الآتِي منزلةَ الخالِي. {قَالُواْ أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا} أيْ تَصُرِفَنَا {عَنْ ءالِهَتِنَا} عن عبادتِها {فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا} منَ العذابِ العظيمِ {إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّـٰدِقِينَ} في وعدِك بنزولهِ بنَا. {قَالَ إِنَّمَا ٱلْعِلْمُ} أي بوقتِ نزولِه أو العلمُ بجميعِ الأشياءِ التي من جُمْلتِها ذلكَ {عَندَ ٱللَّهِ} وحدَهُ لا علمَ لي بوقتِ نزولِه ولا مدخلَ لي في إتيانِه وحلولِه وإنَّما علمُه عندَ الله تعالَى فيأتيكُم بهِ في وقتهِ المقدرِ لهُ. {وَأُبَلّغُكُمْ مَّا أُرْسِلْتُ بِهِ} من مواجبِ الرسالةِ التي من جُملتِها بـيانُ نزولِ العذابِ إنْ لم تنتُهوا عن الشركِ من غيرِ وقوفٍ على وقتِ نزولِه. وقُرِىءَ أُبْلِغُكُم من الإبلاغِ. {وَلَـٰكِنّى أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ} حيثُ تقترحُون عليَّ ما ليسَ من وظائفِ الرسلِ من الإتيانِ بالعذابِ وتعيـينِ وقتهِ. والفاءُ في قولِه تعالى: {فَلَمَّا رَأَوْهُ} فصيحةٌ، والضميرُ إما مُبهمٌ يوضحه قولُه تعالى {عَارِضاً} تميـيزٌ أو حالٌ أو راجعٌ إلى ما استعجلُوه بقولِهم فائتنا بما تَعدُنا أي فأتاهُم فلمَّا رأَوهُ سحاباً يعرضُ في أفق السماءِ {مُّسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ} أي متوجِّه أوديتِهم. والإضافةُ فيه لفظيةٌ كما في قولِه تعالى {قَالُواْ هَـٰذَا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا} ولذلكَ وَقَعا وصفينِ للنكرةِ {بَلْ هُوَ} أي قالَ هُودٌ وقد قُرِىءَ كذلكَ، وقُرِىءَ قُلْ، وهُو ردٌّ عليهم، أيْ ليسِ الأمرُ كذلكَ بلْ هُو {مَا ٱسْتَعْجَلْتُم بِهِ} من العذابِ {رِيحٌ} بدلٌ منْ ما أو خبرٌ لمبتدأٍ محذوفٍ. {فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ} صفةٌ لريحٌ.

القشيري

تفسير : أخبر بالشرحِ عن قصة هود وقومه عاد وما جرى بينهم من الخطاب، وتوجّه عليهم من العتاب، وأَخْذِهم بأليم العذاب.

اسماعيل حقي

تفسير : {واذكر اخا عاد} اى واذكر يا محمد لكفار مكة هودا عليه السلام ليعتبروا من حال قومه وبالفارسية وياد بن برادر عاد يعنى بيغمبرى كه از قبيله عاد بود. قمعنا اخا عاد واحدا منهم فى النسب لا فى الدين كما قولهم يا اخا العرب وعاد هم ولد عاد بن عوص بن ارم بن سام بن نوح وهود هو ابن عبد الله ابن رباح بن الخلود بن عاد {اذ أنذر قومه} بدل اشتمال منه اى وقت انذاره اياه {بالاحقاف} بموضع يقال له الاحقاف وآن ريكتسانى بود نزديك حضرموت بولايت يمن. جمع حقف وهو رمل مستطيل مرتفع فيه انحناء من احقوقف الشئ اذا اعوج وانما اخذ الحقف من احقوقف مع ان الامر ينبغى ان يكون بالعكس لان احقوقف اجلى معنى واكثر استعمالا فكانت له من هذه الجهة اصالة فادخلت عليه كلمة الابتدآء للتنبيه على هذا كما فى حواشى سعدى المفتى وعن بعضهم كانت عاد اصحاب عمد سيارة فى الربيع فاذا هاج العود رجعوا الى منازلهم وكانوا من قبيله ارم يسكنون بين رمال مشرفة على البحر بأرض يقال له الشحر من بلاد اليمن وهو بكسر الشين وسكون الحاء وقيل بفتح الشين ساحل البحر بين عمان وعدن وقيل يسكنون بين عمان ومهرة وعمان بالضم والتخفيف بلد باليمن واما الذى بالشام فهو عمان بالفتح والتشديد ومهرة موضع ينسب اليه الابل المهرية قال فى فتح الرحمن الصحيح من الاقوال ان بلاد عاد كانت فى اليمن ولهم كانت ارم ذات العماد والاحقاف جمع حقف وهو الجبل المستطيل المعود من الرمل وكثيرا ما تحدث هذه الاحقاف فى بلاد الرمل فى الصحارى لان الريح تصنع ذلك انتهى وعن على رضى الله عنه شر واد بين الناس وادى الاحقاف وواد بخضر موت يدعى برهوت تلقى فيه ارواح الكفار وخير واد وادى مكة وواد نزل به آدم بأرض الهند وقال خير بئر فى الناس بئر زمزم وشر بئر فى الناس بئر يرهوت كذا فى كشف الاسرار {وقد خلت النذر} اى الرسل جمع نذير بمعنى المنذر {من بين يديه} اى من قبله {ومن خلفه} اى من بعده والجملة اعتراض بين المفسر والمفسر او المتعلق والمتعلق مقرر لما قبله مؤكد لوجوب العمل بموجب الانذار وسط بين انذار قومه وبين قوله {ان لا تعبدوا الا الله} مسارعة الى ما ذكر من التقرير والتأكيد وايذانا باشتراكهم فى العبادة المحكية والمعنى واذكر لقومك انذار هود قومه عاقبة الشرك والعذاب العظيم وقد انذر من تقدمه من الرسل ومن تأخر عنه قومهم مثل ذلك فاذكرهم قال فى بحر العلوم ان مخففة من الثقيلة اى انه يعنى ان الشان والقصة لا تعبدوا الا الله او مفسرة بمعنى اى لا تعبدوا الا الله او مصدرية بحذف الباء تقدير بأن لا تعبدوا الا الله والنهى عن الشى انذار عن مضرته انتهى {انى اخاف عليكم عذاب يوم عظيم} اى هائل بسبب شرككم واعراضكم عن التوحيد واليوم العظيم يوم نزول العذاب عليهم فعظيم مجاز عن هائل لانه يلزم العظم ويجوز ان يكون من قبيل الاسناد الى الزمان مجازا وان يكون الجر على الجوار

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {واذكر أخا عاد} وهو هود عليه السلام {إِذا أنذر قومه} بدل اشتمال أي: وقت إنذاره قومه {بالأحقاف} جمع حِقْف، وهو رمل مستطيل فيه انحناء، من: احقوقف الشيء إذا اعوجَّ، وكان عاد أصحاب عُمُد، يسكنون بين رمال مُشرفة على البحر، بأرض يُقال لها: "الشِّحْر" بأرض اليمن. وعن ابن عباس: الأحقاف: واد بين عُمان ومَهْرَة، وقال مقاتل: كانت منازل عاد باليمن، في حضرموت، بموضع يقال له: مَهْرة، وإليه تنسب الإبل المهرية، ويقال لها: المهاري، وكانوا أهل عمد سيارة في الربيع، فإذا هاج العود رجعوا إلى منازلهم، وكانوا من قبيلة إِرَم، والمشهور: أن الأحقاف اسم جبل ذا رمل مستطيل، كانت منازل عاد حوله. {وقد خَلَتْ النُذر} جميع نذير، بمعنى النذر، أي: مضت الرسل، {من بين يديه ومن خلفه} أي: من قبل هود ومَن بعده، وقوله: {وقد خلت..} الخ: جملة معترضة بين إنذار قومه وبين قوله: {ألاَّ تعبدوا إلا اللّهَ} مؤكدة لوجوب العمل بموجب الإنذار، وإيذاناً باشتراكهم في العبادة المذكورة، والمعنى: واذكر لقومك إنذار هود قومَه عاقبةَ الشرك والعذاب العظيم، وقد أنذر مَن تقدمه مِن الرسل، ومَن تأخر عنه قومهم قبل ذلك. {إني أخاف عليكم} إن عصيتموني {عذابَ يومٍ عظيم} يوم القيامة. {قالوا أجئتنا لتأفكَنَا} لتصرفنا {عن آلهتنا} عن عبادتها، {فأْتنا بما تَعِدُنا} من العذاب العظيم {إن كنت من الصادقين} في وعدك بنزوله بنا، {قال إِنما العلمُ} بوقت نزوله، أو بجميع الأشياء التي من جملتها ذلك، {عند الله} وحده، لا علم لي بوقت نزوله، ولا دخل لي في إيتانه وحلوله، وإنما عِلْم ذلك عند الله، فيأتيكم به في وقته المقدّر له. {وأُبلغكم ما أُرسلت به} من التخويف والإنذار من غير وقف على تعيين وقت نزول العذاب، {ولكني أراكم قوماً تجهلون} حيث تقترحون عليَّ ما ليس من وظائف الرسل، من الإتيان بالعذاب وتعيين وقته. رُوي: أنهم قحطوا سنين، ففزعوا إلى الكعبة، وقد كانت بنتها العمالقة، ثم خربت، فطافوا بها، واستغاثوا، فعرضت لهم ثلاث سحابات: سوداء وحمراء وبيضاء، وقيل لهم: اختاروا واحدة، فاختاروا السوداء، فمرتْ إلى بلادهم، فلما رأوها مستقبلة أوديتهم، فرحوا واستبشروا، وهذا معنى قوله تعالى: {فلما رَأَوْهُ} أي: العذاب الذي استعجلوه بقوله: {فأتنا بما تعدنا} وقيل: الضمير مبهم، يُفسره قوله: {عارضاً} على أنه تمييز، أي: رأوا عارضاً، والعارض: السحاب، سُمي به لأنه يعرض السحاب في أُفق السماء. قال المفسرون: ساق الله السحابة السوداء التي اختاروها بما فيها من النقمة، فخرجت عليهم من واد يُقال له: "مغيث"، فلما رأوها مستقبلة أوديتهم، أي: متوجة إليها، فرحوا، وقالوا: {هذا عارض مُمطرنا} أي: ممطر إياناً، لأنه صفة النكرة، فيقدر انفصاله. قال الله تعالى: {بل هو ما استعجلتم به} من العذاب، وقيل: القائل هود عليه السلام، {ريحٌ فيها عذابٌ إليم} فجعلت تحمل الفساطيط، وتحمل الظعينة فترفعها في الجو، فتُرى كأنها جرادة. قال ابن عباس: لما دنا العارض، قاموا فنظروا، فأول ما عروا أنه عذاب رأوا ما كان خارجاً من ديارهم من حالهم ومواشيهم، تطير بهم الريح بين السماء والأرض، مثل الريش، فدخلوا بيوتهم، وأغلقوا أبوابهم، فألقت الريح أبوابهم، وصرعتهم، وأمر الله تعالى الريح فأمالت عليهم الرمال، فكانوا تحت الرمل سبع ليال وثمانية أيام حسوماً، لهم أنين، ثم أمر الله تعالى الريح، فكشفت عنهم الرمال، فاحتملتهم، فرمت منهم في البحر، وشدخت الباقي بالحجارة. وقيل: أول مَن أبصر العذاب امرأة منهم، قالت: رأيت ريحاً فيها كشهب النار، وهو معنى قوله: {تُدَمّرُ كلَّ شيء} أي: تهلك من نفوس عاد وأموالهم الجم الكثير، فعبّر عن الكثرة بالكلية. {بأمر ربها} أي: رب الريح، وفي ذكر الأمر والرب، والإضافة ألى الريح، من الدلالة على عظيم شأنه تعالى ما لا يخفى، {فأصبحوا لا يُرى إلا مساكنُهُم} أي: فجاءت الريح فدمرتهم، فصاروا بحيث لا يُرى شيء إلا مساكنهم خاوية، ومَن قرأ بتاء الخطاب، فهو لكل مَن يتأتى منه الرؤية، تنبيهاً على أن حالهم صار بحيث لو نظر كل أحد بلادَهم لا يَرى فيها إلا مساكنهم. {كذلك} أي: مثل ذلك الجزاء الفظيع {نجزي القومَ المجرمين} وننجي المؤمنين، رُوي أن هود عليه السلام ومَن معه من المؤمنين في حظيرته، ما يصيبهم من الريح إلا ما تلين على الجلود، وتلذه الأنفس، وإنها لتمرّ من عاد بالظعن بين السماء، والأرض، وتدمغهم بالحجارة. سبحان الحكيم القدير، اللطيف الخبير. الإشارة: إنما جاءت النُذر من عهد آدم عليه السلام إلى القيامة الساعة، تأمر بعبادة الله، ورفض كل ما سواه، فمَن تمسّك بذلك نجى، ومَن عبد غير الله، أو مال إلى سواه، عاجلته العقوبة في الظاهر أو الباطن. والله تعالى أعلم. ثم خوّف هذه الأمة بما جرى على عاد، فقال: {وَلَقَدْ مَكَّنَاهُمْ فِيمَآ إِن مَّكَّنَّاكُمْ فِيهِ}.

الطوسي

تفسير : قرأ عاصم وحمزة وخلف {لا يرى} بالياء مضمومة، على ما لم يسم فاعله {إلا مساكنهم} برفع النون. الباقون - بالتاء - ونصب النون. من ضم الياء فعلى ما لم يسم فاعله. ومن فتح التاء، فعلى الخطاب، والمعنيان متقاربان. يقول الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وآله {واذكر} يا محمد {أخا عاد} يعني هوداً عليه السلام {إذ أنذر قومه} أي خوفهم من الكفر بالله وحذرهم معاصيه ودعاهم إلى طاعته {بالأحقاف} قال ابن عباس: هو واد بين عمان ومهوة، وقال ابن اسحاق: الاحقاف الرمل في ما بين عمان إلى حضرموت. وقال قتادة: الاحقاق رمال مشرفة على البحر بالشجر من اليمن، وقال الحسن: الاحقاف أرض خلالها رمال. وقال الضحاك: جبل بالشام يسمى بذلك، قال العجاج: شعر : بات إلى ارطات حقف أحقفا تفسير : أي رمل مشرف، وقال ابن زيد: الحقف الرمل يكون كهيئة الجبل. وقال المبرد: الحقف هو كثيب المكثر غير العظيم وفيه اعوجاج، قال العجاج: شعر : سماوة الهلال حتى احقوقفا تفسير : وهو انحناؤه. وقوله {وقد خلت النذر} أي مضت الرسل {من بين يديه ومن خلفه} أي قدامه ووراءه {ألا تعبدوا إلا الله} أي انذرهم وخوفهم بان لا تعبدوا إلا الله. وقال لهم {إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم} يعني عذاب يوم القيامة. ثم حكى ما اجاب به قومه وانهم {قالوا أجئتنا} يا هود {لتأفكنا} أي لتلفتنا وتصرفنا {عن} عبادة {آلهتنا} بالكذب والافك {فأتنا بما تعدنا} من العذاب {إن كنت} صادقاً {من الصادقين} فانا لا نصدقك في ما تقوله، فقال هود لهم {إنما العلم عند الله} يريد العلم بوقت إنزال العذاب بكم عند الله، وهو العالم به ولا أعلمه مفصلا {وأبلغكم ما أرسلت به} أي أؤدي اليكم ما بعثت به اليكم من الدعاء إلى عبادة الله وإخلاص القربة اليه، فلست اراكم تقبلون ذلك {ولكني أراكم قوماً تجهلون} أي تفعلون ما يفعله الجهال. وقوله {فلما رأوه عارضاً مستقبل أوديتهم} معناه فلما رأو العذاب وشاهدوه أطل عليهم {قالوا هذا عارض} أي سحاب {ممطرنا} والعارض المار بمعنى انه لا يلبث من خير أو شر، فلما رأو العارض ظنوا انه عارض خير بالمطر، فقيل لهم ليس الأمر كما ظننتم {بل هو ما استعجلتم} أي هو عارض من العذاب الذي استعجلتموه وطلبتموه مكذبين به، وقال (عارض) نكرة و (ممطرنا) معرفة، وإنما وصفه به لان التقدير ممطر إيانا، كقولك: مررت برجل مثلك أي مثل لك ثم فسره فقال "هو ريح فيه عذاب عظيم" أي مؤلم، وسمي السحاب عارضاً، لأخذه فى عرض السماء، وقال الاعشى: شعر : يا من رأى عارضاً قد بت أرمقه كأنما البرق فى حافاته الشعل تفسير : وقيل: كانت الريح ترفع الظعينة بحملها حتى ترى كأنها جرادة - فى قول عمرو بن ميمون - وقوله تعالى {تدمر كل شيء} أي تخرب وتلقي بعض الاشياء على بعض حتى تهلك، قال جرير: شعر : وكان لهم كبكر ثمود لما رغا ظهراً فدمرهم دمارا. تفسير : وقوله {فأصبحوا} يعني اهل الاحقاف {لا يرى إلا مساكنهم} وما عداها قد هلك. فمن فتح التاء نصب النون من {مساكنهم} على وجه الخطاب للنبي صلى الله عليه وآله. ومن ضم الياء ضم النون وتقديره فأصبحوا لا يرى شيء فى مساكنهم وقرأ الحسن بالتاء والضم. وقال النحويون: القراءة بالياء ضعيفة فى العربية، لأن العرب تذكر ما قبل (الا) فى الجحد، فتقول: ما قام إلا اختك، لان المحذوف (أحد) وتقديره ما قام احد إلا اختك قامت. ثم قال تعالى مثل ما أهلكنا اهل الاحقاف وجازيناهم بالعذاب {كذلك نجزي القوم المجرمين} الذين سلكوا مسلكهم.

الجنابذي

تفسير : {وَٱذْكُرْ أَخَا عَادٍ} اى اخا قبيلة عادٍ وهو هود (ع) والجملة معطوفة باعتبار المعنى كأنّه قال: اذكر الّذى حملته امّه كرهاً، واذكر الّذى قال لوالديه: افٍّ واذكر اخا عادٍ {إِذْ أَنذَرَ قَوْمَهُ بِٱلأَحْقَافِ} جمع الحقف بالكسر وهو الرّمل المستطيل المرتفع المشرف، او الرّمل العظيم المستدير او المعوجّ، والاحقاف اسمٌ لبلاد قوم هودٍ وقد اختلف فى تعيينها، قال القّمىّ: هى من الشّقوق الى الاجفر وهى اربعة منازل، وفى المجمع: هو وادٍ بين عمان ومهرة، وقيل: رمال فيما بين عمان الى حضرموت، وقيل رمال مشرفة على البحر بالشّجر من اليمن، وقيل: ارض خلالها رمال {وَقَدْ خَلَتِ ٱلنُّذُرُ} اى الرّسل {مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ} اى قبله وبعده {أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ ٱللَّهَ إِنَّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} مقداره او بلاؤه.

اطفيش

تفسير : {وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ} هو هود أخوهم في النسب لا في الدين* {إِذْ} بدل اشتمال من (أخا)* {أَنذَرَ قَوْمَهُ بِالأَحْقَافِ} الباء بمعنى (في) متعلقة بمحذوف نكرة حال من القوم أو بمحذوف معرفة نعته والذي وقع به الانذار هو {أية : أن لا تعبدوا} تفسير : أو متعلق (بأنذر) والأحقاف جمع حقف رمل مستطيل مرتفع فيه انحناء من أحقوقب ولم يبلغ أن يكون جبلاً وقيل: الاحقاف ما استدار من الرمل وهو الشيء أعوج سكنوا بين رمال مشرفين على البحر بأرض يقال لها الشجر بشين معجمة مفتوحة وحاء مهملة ساكنة من بلاد اليمن وعن بعض بين عمان وعدن ولهم {أية : إرم ذات العماد }. تفسير : وقال ابن عباس: الاحقاف واد بين عمان ومهرة وقيل في اليمن في حضرموت بموضع يقال له مهرة وكانوا أهل عمد سيارة في الربيع فاذا هاج العود رجعوا الى منازلهم {وَقَدْ خَلَتِ} مضت* {النُّذُرُ} الرسل جمع نذير بمعنى منذر أو انذار والجملة حال أو معترضة* {مِن بَيْنِ يَدَيْهِ} أي قبل هود* {وَمِنْ خَلْفِهِ} أي بعده يدعون الى ما يدعو هود وقرئ ومن بعده {أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ اللهَ} (ان) مفسرة (ولا) ناهية والتفسير للانذار الاول أو ناصبة ولا نافية فيقدر الباء أي بأن لا تعبدوا الا الله وقيل ومن خلفه الرسل في زمانه أي ومن بعد انذاره* {إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} هائل بسبب شرككم والخوف هنا تحقيق أي تعذبون ان بقيتم على عبادة غير الله أو للشك على معنى ان بقيتم على عبادة غيره عذبتم والا فلا ولا أدرى ما يختم به عليكم

اطفيش

تفسير : {واذكُر} يا محمد لقومك {أخا عادٍ} هودا عليه السلام، قال بعض العلما: كلما ورد فى القرآن خبر عاد فالمراد بعاد فيه عاد الأولى إلا ما فى سورة الأحقاف {إذ أنْذر قومه} بدل اشتمال {بالأحقاف} جمع حقف وهو الرمل المستطيل فى اعوجاج، واحقوقف الشىء اعوج، وقيل: الحقف ما استدار من الرمل، فلعله من الأضداد، كانوا بدويين فى الأخبية والأعمدة، بين رمال مشرفين على البحر فى الشحر، بالحاء المهملة، وهو أرض اليمن، وقيل: بين عمان ومهرة وهو الصحيح، عن ابن عباس، لا ما قيل عنه: جبل بالشام، وقيل: بين عمان الى حضرموت، والصحيح الأول، وعبارة بعض أنهم أحياء باليمن مشرفين على البحر فى أرض يقال لها أشحر، وقيل: كانت منازل عاد فى حضرموت، بموقع يقال له مهرة، سيارة فى الربيع، واذا هاج العود أى يبس رجعوا الى منازلهم، وهن من إرم. {وقد خَلَت النُّذر} جمع نذير وهم الرسل، أو الرسل وأتباعهم فى الأمر والنهى {مِن بَين يديه} من بين يدى هود، أى من قبله {ومِن خَلفه} بعده كما قرىء: ومن بعده، فهذه الآية بهذه القراءة دليل على أن من بين يديه فى سائر القرآن بمعنى من قبله، ومن خلفه بمعنى من بعده، ولا يعكس، وعن ابن عباس: من بين يديه قبله، ومن خلفه فى زمانه، فيقدر مضاف، أى من خلف انذاره، ويبحث بأنه كيف يقال: خلت، وهم فى زمانه؟ الجواب: ان الخلو باعتبار من تأخر عن زمانه كزمان بعثة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، أو باعتبار قضاء الله أو اللوح المحفوظ، أويقدر وتأتى من خلفه، أى من بعده، كقوله: شعر : علفتها تبنا وماء باردا تفسير : أى وسقيتها ماء، فانه لما لم يناسب خلت بمعنى مضت، قوله: "من خلفه" أى من بعده، قدرنا يأتى أى ويأتى من خلفه، أى بعده، وقيل: مشاكلة، وقيل استعارة بالكناية بأن شبه الآتى بالحاضر التابع من خلفه، ورمز اليه بخلف، وقيل: ادخال للمستقبل فى معنى الخلو لتحقق الوقوع، ففيه الجمع بين الحقيقة والمجاز اذا استعمل الخلو فى معنى المضى والاستقبال، أو عموم المجاز، والجملة حال من المستتر فى أنذر، أو من قوم، أو عطف على أنذر، ويجوز أن يكون المعنى أنذرهم على فترة من الرسل قبله وبعده. {ألا تعْبُدوا إلاَّ الله} ان تفسيرية لتقدم معنى القول، وهو الانذار، وبالاحقاف متعلق بأنذر أو بحال محذوف اى عالما، أو عالمين بالأحقاف، وانما علموا باعلام هود لهم، وعلل النهى بقوله: {إنِّي أخافُ عليْكُم} بسبب شرككم {عَذاب يومٍ عظيمٍ} عظمه لعظم الهول فيه، فالأصل اسناد العظم الى الهول، وأسنده الى اليوم لأنه يقع فيه على التجوز العقلى.

الالوسي

تفسير : {وَٱذْكُرْ } لكفار مكة {أَخَا عَادٍ } هوداً عليه السلام {إِذْ أَنذَرَ قَوْمَهُ } بدل اشتمال منه أي وقت إنذاره إياهم {بِٱلأحْقَافِ } جمع حقف رمل مستطيل فيه اعوجاج وانحناء ويقال احقوقف الشيء اعوج وكانوا بدويين أصحاب خباء وعمد يسكنون بين رمال مشرفين على البحر بأرض يقال لها الشِّحْر من بلاد اليمن قاله ابن زيد، وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما بين عمان ومهرة، وفي رواية أخرى عنه الأحقاف جبل بالشام، وقال ابن إسحاق: مساكنهم من عمان إلى حضرموت؛ وقال ابن عطية الصحيح أن بلاد عاد كانت باليمن ولهم كانت ارم ذات العماد وسيأتي إن شاء الله تعالى الكلام في إرم وبيان الحق فيها. {وَقَدْ خَلَتِ ٱلنُّذُرُ } أي الرسل كما هو المشهور، وقيل من يعمهم والنواب عنهم جمع نذير بمعنى منذر. وجوز كون {ٱلنُّذُرُ } جمع نذير بمعنى الإنذار فيكون مصدراً وجمع لأنه يختلف باختلاف المنذر به. وتعقب بأن جمعه على خلاف القياس ولا حاجة تدعو إليه {مِن بَيْنِ يَدَيْهِ } أي من قبله عليه السلام {وَمِنْ خَلْفِهِ } أي من بعده وقرىء به ولولا ذلك لجاز العكس، والظاهر أن المراد النذر المتقدمون عليه والمتأخرون عنه. وعن ابن عباس يعني الرسل الذين بعثوا قبله والذين بعثوا في زمانه، فمعنى {مِنْ خَلْفِهِ } من بعد إنذاره، وعطف {مِنْ خَلْفِهِ } أي من بعده على ما قبله إما من باب:شعر : علفتها تبناً وماءً بارداً تفسير : وفيه أقوال فقيل عامل الثاني مقدر أي وسقيتها ماء، ويقال في الآية أي خلت النذر من بين يديه وتأتي من خلفه؛ وقيل إنه مشاكلة، وقيل: إنه من قبيل الاستعارة بالكناية، وإما لإدخال الآتي في سلك الماضي قطعاً بالوقوع وفيه شائبة الجمع بين الحقيقة والمجاز، وجوز أن / يقال: المضي باعتبار الثبوت في علم الله تعالى أي وقد خلت النذر في علم الله تعالى يعني ثبت في علمه سبحانه خلو الماضين منهم والآتين. والجملة إما حال من فاعل {أَنْذَرَ } أي إذ أنذر معلماً إياهم بخلو النذر أو مفعوله أي وهم عالمون بإعلامه إياهم، وهو قريب من أسلوب قوله تعالى: {أية : كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوٰتًا } تفسير : [البقرة: 28] الآية، ويجوز أن يكون المعنى أنذرهم على فترة من الرسل، وهي حال أيضاً على تفسير ابن عباس. وعلم القوم يجوز أن يكون من إعلامه ومن مشاهدتهم أحوال من كانوا في زمانه وسماعهم أحوال من قبله، وإما اعتراض بين المفسر أعني {أَنْذِر قَوْمِهِ } وبين المفسر أعني قوله تعالى: {أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ ٱللَّهَ } فإن النهي عن الشيء إنذار عن مضرته كأنه قيل: واذكر زمان إنذار هود قومه بما أنذر به الرسل قبله وبعده وهو أن لا تعبدوا إلا الله تنبيهاً على أنه إنذار ثابت قديماً وحديثاً اتفقت عليه الرسل عليهم السلام عن آخرهم فهو يؤكد قوله تعالى: {وَٱذْكُرْ } ويؤكد قوله سبحانه: {أَنذَرَ قَوْمَهُ } ولذلك توسط، وهو أيضاً مقصود بالذكر بخلاف ما إذا جعل حالاً فإنه حينئذ قيد تابع، وهذا الوجه أولى مما قبله على ما قرره في «الكشف». وجوز بعضهم العطف على {أُنذِرَ } أي وأعلمهم بذلك وهو كما ترى. وجعلت {أَن} مفسرة لتقدم معنى القول دون حروفه وهو الإنذار والمفسر معموله المقدر، وجوز كونها مصدرية وكونها مخففة من الثقيلة فقبلها حرف جر مقدر متعلق بأنذر أي أنذرهم بأن لا تعبدوا إلا الله. {إِنّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ } صفة {يَوْمٍ } وعِظَمُه مجاز عن كونه مَهُولاً لأنه لازم له، وكون اليوم مهولاً باعتبار هول ما فيه من العذاب فالإسناد فيه مجازي، ولا حاجة إلى جعله صفة للعذاب والجر للجوار والجملة استئناف تعليل للنهي، ويفهم إني أخاف عليكم ذلك بسبب شرككم.

سيد قطب

تفسير : وهذا الشوط جولة في مجال آخر، تخدم القضية التي تعالجها السورة، وتأخذ القلب البشري من جانب غير الجوانب التي عالجها الشوطان الأولان.. جولة في مصرع عاد ومصارع القرى غيرها حول مكة. وقد وقفوا من رسولهم وأخيهم هود - عليه السلام - موقف المشركين من رسولهم وأخيهم محمد - صلى الله عليه وسلم - واعترضوا اعتراضاتهم، وأجابهم نبيهم بما يليق به من أدب النبوة في حدود بشريته وحدود وظيفته. ثم أخذهم ما أخذهم من العذاب المدمر، حين لم يسمعوا النذير. فلم تغن عنهم قوتهم - وكانوا أقوى - ولم يغن عنهم ثراؤهم - وكانوا أغنى - ولم ينتفعوا بسمعهم وأبصارهم وأفئدتهم - وكانوا أذكياء - ولم تغن عنهم آلهتم التي اتخذوها تقرباً - بزعمهم - إلى الله. وكذلك يقف المشركين في مكة أمام مصارع أسلافهم من أمثالهم؛ فيقفهم أمام مصيرهم هم أنفسهم. ثم أمام الخط الثابت المطرد المتصل. خط الرسالة القائمة على أصلها الواحد الذي لا يتغير وخط السنة الإلهية التي لا تتحول ولا تتبدل. وتبدو شجرة العقيدة عميقة الجذور، ممتدة الفروع ضاربة في أعماق الزمان؛ واحدة على اختلاف القرون واختلاف المكان. {واذكر أخا عاد إذ أنذر قومه بالأحقاف - وقد خلت النذر من بين يديه ومن خلفه - ألا تعبدوا إلا الله. إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم}.. وأخو عاد هو هود - عليه السلام - يذكره القرآن هنا بصفته. صفة الأخوة لقومه. ليصور صلة الود بينه وبينهم، وصلة القرابة التي كانت كفيلة بأن تعطفهم إلى دعوته، وتحسن ظنهم بها وبه. وهي ذات الصلة بين محمد - صلى الله عليه وسلم - وقومه الذين يقفون منه موقف الملاحاة والخصومة. والأحقاف جمع حقف. وهو الكثيب المرتفع من الرمال. وقد كانت منازل عاد على المرتفعات المتفرقة في جنوب الجزيرة - يقال في حضرموت. والله - سبحانه - يوجه نبيه - صلى الله عليه وسلم - أن يذكر أخا عاد وإنذاره لقومه بالأحقاف. يذكره ليتأسى بأخ له من الرسل لقي مثلما يلقى من إعراض قومه وهو أخوهم. ويذكره ليذكر المشركين في مكة بمصير الغابرين من زملائهم وأمثالهم، على مقربة منهم ومن حولهم. وقد أنذر أخو عاد قومه، ولم يكن أول نذير لقومه. فقد سبقته الرسل إلى أقوامهم.. {وقد خلت النذر من بين يديه ومن خلفه}.. قريباً منه وبعيداً عنه في الزمان وفي المكان. فالنذارة متصلة، وسلسلة الرسالة ممتدة. والأمر ليس بدعاً ولا غريباً. فهو معهود مألوف. أنذرهم - ما أنذر به كل رسول قومه -: {ألا تعبدوا إلا الله. إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم}.. وعبادة الله وحده عقيدة في الضمير ومنهج في الحياة؛ والمخالفة عنها تنتهي إلى العذاب العظيم في الدنيا أو في الآخرة، أو فيهما على السواء. والإشارة إلى يوم { عذاب يوم عظيم}.. تعني حين تطلق يوم القيامة وهو أشد وأعظم. فماذا كان جواب قومه على التوجيه إلى الله، والإنذار بعذابه؟ {قالوا: أجئتنا لتأفكنا عن آلهتنا؟ فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين!}.. سوء الظن وعدم الفهم، والتحدي للنذير، واستعجال العذاب الذي ينذرهم به، والاستهزاء والتكذيب. وإصرار على الباطل واعتزاز! فأما هود النبي فيتلقى هذا كله في أدب النبي، وفي تجرده من كل ادعاء، وفي الوقوف عند حده لا يتعداه: {قال: إنما العلم عند الله. وأبلغكم ما أرسلت به. ولكني أراكم قوماً تجهلون}.. إنما أنذركم بالعذاب كما كلفت أن أنذركم. وليست أعلم متى يحين موعده، ولا كيف يكون شكله. فعلم ذلك عند الله. وإنما أنا مبلغ عن الله. لا أدعي علماً ولا قدرة مع الله.. {ولكني أراكم قوماً تجهلون} وتحمقون. وأية حماقة وأي جهل أشد من استقبال النذير الناصح والأخ القريب بمثل هذا التحدي والتكذيب؟ ويجمل السياق هنا ما كان بين هود وقومه من جدل طويل، ليمضي إلى النهاية المقصودة أصلاً في هذا المقام؛ رداً على التحدي والاستعجال. {فلما رأوه عارضاً مستقبل أوديتهم قالوا: هذا عارض ممطرنا. بل هو ما استعجلتم به: ريح فيها عذاب أليم، تدمر كل شيء بأمر ربها، فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم. كذلك نجزي القوم المجرمين}.. وتقول الروايات: إنه أصاب القوم حر شديد، واحتبس عنهم المطر، ودخن الجو حولهم من الحر والجفاف. ثم ساق الله إليهم سحابة، ففرحوا بها فرحاً شديداً، وخرجوا يستقبلونها في الأودية، وهم يحسبون فيها الماء: { قالوا هذا عارض ممطرنا}.. وجاءهم الرد بلسان الواقع: {بل هو ما استعجلتم به: ريح فيها عذاب أليم تدمر كل شيء بأمر ربها}.. وهي الريح الصرصر العاتية التي ذكرت في سورة أخرى. كما جاء في صفتها: {أية : ما تذر من شيء أتت عليه إلا جعلته كالرميم } تفسير : والنص القرآني يصور الريح حية مدركة مأمورة بالتدمير: {تدمر كل شيء بأمر ربها} وهي الحقيقة الكونية التي يحفل القرآن بإشعارها للنفوس. فهذا الوجود حي. وكل قوة من قواه واعية. وكلها تدرك عن ربها وتتوجه لما تكلف به من لدنه. والإنسان أحد هذه القوى. وحين يؤمن حق الإيمان، ويفتح قلبه للمعرفة الواصلة، يستطيع أن يعي عن القوى الكونية من حوله، وأن يتجاوب معها، وأن تتجاوب معه، تجاوب الأحياء المدركة، بغير الصورة الظاهرة التي يعرفها الناس من الحياة والإدراك. ففي كل شيء روح وحياة، ولكننا لا ندرك هذا لأننا محجوبون بالظواهر والأشكال عن البواطن والحقائق. والكون من حولنا حافل بالأسرار المحجوبة بالأستار، تدركها البصائر المفتوحة ولا تراها الأبصار. وقد أدت الريح ما أمرت به، فدمرت كل شيء {فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم}.. أما هم وأما أنعامهم وأما أشياؤهم وأما متاعهم فلم يعد شيء منه يرى. إنما هي المساكن قائمة خاوية موحشة، لا ديار فيها ولا نافخ نار..{كذلك نجزي القوم المجرمين}.. سنة جارية وقدر مطرد في المجرمين. وعلى مشهد الدمار والخراب يلتفت إلى أمثالهم الحاضرين، يلمس قلوبهم بما ترتعش منه القلوب: {ولقد مكناهم فيما إن مكناكم فيه. وجعلنا لهم سمعاً وأبصاراً وأفئدة. فما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شيء. إذ كانوا يجحدون بآيات الله. وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون}.. هؤلاء الذين دمرتهم الريح المأمورة بالتدمير. مكناهم فيما لم نمكنكم فيه.. إجمالاً.. من القوة والمال والعلم والمتاع. وآتيناهم أسماعاً وأبصاراً وأفئدة - والقرآن يعبر عن قوة الإدراك مرة بالقلب ومرة بالفؤاد ومرة باللب ومرة بالعقل. وكلها تعني الإدراك في صورة من صوره - ولكن هذه الحواس والمدارك لم تنفعهم في شيء. إذ أنهم عطلوها وحجبوها {إذ كانوا يجحدون بآيات الله}.. والجحود بآيات الله يطمس الحواس والقلوب، ويفقدها الحساسية والإشراق والنور والإدراك. {وحاق به ما كانوا به يستهزئون}.. من العذاب والبلاء.. والعبرة التي يفيدها كل ذي سمع وبصر وقلب، ألا يغتر ذو قوة بقوته، ولا ذو مال بماله، ولا ذو علم بعلمه. فهذه قوة من قوى الكون تسلط على أصحاب القوة والمال والعلم والمتاع، فتدمر كل شيء، وتتركهم {لا يرى إلا مساكنهم} حين يأخذهم الله بسنته التي يأخذ بها المجرمين. والريح قوة دائبة العمل، وفق النظام الكوني الذي قدره الله، وهو يسلطها حين يسلطها للتدمير وهي ماضية في طريقها الكوني، تعمل وفق الناموس المرسوم. فلا حاجة لخرق النواميس الكونية - كما يعترض المعترضون واهمين - فصاحب الناموس المرسوم هو صاحب القدر المعلوم. وكل حادث وكل حركة، وكل اتجاه، وكل شخص، وكل شيء، محسوب حسابه، داخل في تصميم الناموس. والريح كغيرها من القوى الكونية مسخرة بأمر ربها، ماضية تؤدي ما قدره لها في نطاق الناموس المرسوم لها وللوجود كله. ومثلها قوة البشر المسخرة لما يريده الله بها. المسخر لها من قوى الكون ما أراد الله تسخيره لها. وحين يتحرك البشر فإنما يؤدون دورهم في هذا الوجود، ليتم ما أراده الله بهم وفق ما يريد. وحرية إرادتهم في الحركة والاختيار جزء من الناموس الكلي ينتهي إلى التناسق الكوني العام. وكل شيء مقدر تقديراً لا يناله نقص ولا اضطراب. ويختم هذا الشوط بالعبرة الكلية لمصارع من حولهم من القرى من عاد وغير عاد: {ولقد أهلكنا ما حولكم من القرى، وصرفنا الآيات لعلهم يرجعون. فلولا نصرهم الذين اتخذوا من دون الله قرباناً آلهة بل ضلوا عنهم. وذلك إفكهم وما كانوا يفترون}.. وقد أهلك الله القرى التي كذبت رسلها في الجزيرة. كعاد بالأحقاف في جنوب الجزيرة. وثمود بالحجر في شمالها. وسبأ وكانوا باليمن. ومدين وكانت في طريقهم إلى الشام. وكذلك قرى قوم لوط وكانوا يمرون بها في رحلة الصيف إلى الشمال. ولقد نوع الله في آياته لعل المكذبين يرجعون إلى ربهم ويثوبون. ولكنهم مضوا في ضلالتهم، فأخذهم العذاب الأليم، ألواناً وأنواعاً، تتحدث بها الأجيال من بعدهم، ويعرفها الخلف من ورائهم. وكان مشركو مكة يتسامعون بها، ويرون آثارها غادين رائحين. وهنا يلفتهم إلى الحقيقة الواقعة. فقد دمر الله على المشركين قبلهم وأهلكهم دون أن تنجيهم آلهتهم التي كانوا يتخذونها من دون الله، زاعمين أنهم يتقربون بها إليه. سبحانه. وهي تستنزل غضبه ونقمته: {فلولا نصرهم الذين اتخذوا من دون الله قرباناً آلهة}. إنهم لم ينصروهم {بل ضلوا عنهم}.. وتركوهم وحدهم لا يعرفون طريقاً إليهم أصلاً، فضلاً على أن يأخذوا بيدهم وينجدوهم من بأس الله. {وذلك إفكهم وما كانوا يفترون}.. فهو إفك. وهو افتراء. وذلك مآله. وتلك حقيقته.. الهلاك والتدمير.. فماذا ينتظر المشركون الذين يتخذون من دون الله آلهة بدعوى أنها تقربهم من الله زلفى؟ وهذه هي العاقبة وهذا هو المصير؟

ابن عاشور

تفسير : سيقت قصة هود وقومه مساق الموعظة للمشركين الذين كذبوا بالقرآن كما أخبر الله عنهم من أول هذه السورة في قوله: {أية : والذين كفروا عما أنذروا معرضون}تفسير : [الأحقاف: 3] مع ما أعقبت به من الحجج المتقدمة من قوله: {أية : قل أرأيتم ما تدعون من دون الله}تفسير : [الأحقاف: 4] الذي يقابله قول هود {أن لا تعبدوا إلا الله} ثم قوله: {أية : قل ما كنت بِدْعا من الرسل}تفسير : [الأحقاف: 9] الذي يقابله قوله: {وقد خَلَت النذُر من بين يديه ومن خلفه}، ذلك كله بالموعظة بحال هود مع قومه. وسيقت أيضاً مساق الحجة على رسالة محمد صلى الله عليه وسلم وعلى عناد قومه بذكر مثال لحالهم مع رسولهم بحال عاد مع رسولهم. ولها أيضاً موقع التسلية للرسول صلى الله عليه وسلم على ما تلقاه به قومه من العناد والبهتان لتكون موعظة وتسلية معا يأخذ كل منها ما يليق به. ولا تجد كلمة أجمع للمعنيين مع كلمة {اذكر} لأنها تصلح لمعنى الذكر اللساني بأن يراد أن يذكر ذلك لقومه، ولمعنى الذُكر بالضم بأن يتذكر تلك الحالة في نفسه وإن كانت تقدمت له وأمثالها لأن في التذكر مسلاة وإسوة كقوله تعالى: {أية : اصبر على ما يقولون واذكر عبدنا داوود ذا الأيد} تفسير : في سورة ص (17). وكلا المعنيين ناظر إلى قوله آنفاً {قل ما كنت بدعاً من الرسل} فإنه إذا قال لهم ذلك تذكروا ما يعرفون من قصص الرسل مما قصّه عليهم القرآن من قبل وتذكر هو لا محالة أحوال رسل كثيرين ثم جاءت قصة هود مثالاً لذلك. ومشركو مكة إذا تذكروا في حالهم وحال عاد وجدوا الحالين متماثلين فيجدر بهم أن يخافوا من أن يصيبهم مثل ما أصابهم. والاقتصار على ذكر عاد لأنهم أول الأمم العربية الذين جاءهم رسول بعد رسالة نوح العامة وقد كانت رسالة هود ورسالة صالح قبل رسالة إبراهيم عليهم السلام، وتأتي بعد ذكر قصتهم إشارة إجمالية إلى أمم أخرى من العرب كذبوا الرسل في قوله تعالى: {أية : ولقد أهلكنا ما حولكم من القرى}تفسير : [الأحقاف: 27] الآية. وأخو عاد هو هود وتقدمت ترجمته في سورة الأعراف. وعبّر عنه هنا بوصفه دون اسمه العلَم لأن المراد بالذكر هنا ذكر التمثيل والموعظة لقريش بأنهم أمثال عاد في الإعراض عن دعوة رسول من أمتهم. والأخ يراد به المشارك في نسب القبيلة، يقولون: يا أخا بني فلان، ويا أخا العرب، وهو المراد هنا وقد يراد بها الملازم والمصاحب، يقال: أخو الحرب وأخو عزمات. حديث : وقال النبي صلى الله عليه وسلم لزيد بن حارثة"أنت أخونا ومولانا" تفسير : وهو المراد في قوله تعالى: {أية : كذبت قوم لوط المرسلين إذ قال لهم أخوهم لوط ألا تتقون}تفسير : [الشعراء: 160، 161]. ولم يكن لوط من نسب قومه أهل سَدُوم. و {إذْ أنذر} اسم للزمن الماضي، وهي هنا نصب على البدل من أخا عاد، أي اذكر زمن إنذاره قومه فهي بدل اشتمال. وذكر الإنذار هنا دون الدعوة أو الارسال لمناسبة تمثيل حال قوم هود بحال قوم محمد صلى الله عليه وسلم فهو ناظر إلى قوله تعالى في أول السورة {أية : والذين كفروا عما أنذروا معرضون}تفسير : [الأحقاف: 3]. والأحقاف: جمع حِقْف بكسر فسكون، وهو الرمل العظيم المستطيل وكانت هذه البلاد المسماة بالأحقاف منازل عاد وكانت مشرفة على البحر بين عمان وعدن. وفي منتهى الأحقاف أرض حضرموت، وتقدم ذكر عاد عند قوله تعالى: {أية : وإلى عاد أخاهم هودا}تفسير : في سورة الأعراف (65). وجملة {وقد خلت النذر من بين يديه ومن خلفه} معترضة بين جملة {أنذر} وجملة {أن لا تعبدوا إلا الله} المفسرة بها. وقد فسرت جملة {أنذر} بجملة {لا تعبدوا إلا الله} الخ. و(أن) تفسيرية لأن {أنذر} فيه معنى القول دون حروفه. ومعنى {خلت النذر} سبقت النذر أي نذر رسل آخرين. والنذر: جمع نِذارة بكسر النون. و{من بين يديه ومن خلفه} بمعنى قريباً من زمانه وبعيداً عنه، فــ {مِن بين يديه} معناه القرب كما في قوله تعالى: {أية : إن هو إلا نذير لكم بين يدي عذاب شديد}تفسير : [سبأ: 46]، أي قبل العذاب قريباً منه قال تعالى: {أية : وقروناً بين ذلك كثيراً}تفسير : [الفرقان: 38]، وقال {أية : ورسلاً لم نقصصهم عليك}تفسير : [النساء: 164]. وأما الذي من خلفه فنوح فقد قال هود لقومه {أية : واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح}تفسير : [الأعراف: 69]، وهذا مراعاة للحالة المقصود تمثيلها فهو ناظر إلى قوله تعالى: {أية : قل ما كنت بِدْعا من الرسل}تفسير : [الأحقاف: 9] أي قد خلت من قبله رسل مثل ما خلت بتلك. وجملة {إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم} تعليل للنهي في قوله: {أن لا تعبدوا إلا الله}، أي إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم بسبب شرككم. وعذاب اليوم العظيم يحتمل الوعيد بعذاب يوم القيامة وبعذاب يوم الاستئصال في الدنيا، وهو الذي عجّل لهم. ووصف اليوم بالعظم باعتبار ما يحدث فيه من الأحداث العظيمة، فالوصف مجاز عقلي.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {وَٱذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنذَرَ قَوْمَهُ بِٱلأَحْقَاف}. أبهم جل وعلا في هذه الآية الكريمة أخا عاد ولم يعينه ولكنه بين في آيات أخرى، أنه هود عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام كقوله تعالى:{أية : وَإِلَىٰ عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً}تفسير : [الأعراف: 65 وهود 11-50] في سورة الأعراف وسورة هود وغير ذلك من المواضع. قوله تعالى: {أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ ٱللَّهَ إِنَّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ}. ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أن النبي هوداً نهى قومه أن يعبدوا غير الله، وأمرهم بعبادته تعالى وحده، وأنه خوفهم من عذاب الله، إن تمادوا في شركهم به. وهذان الأمران اللذان تضمنتهما هذه الآية جاءا موضحين في آيات أخر. أما الأول منهما ففي قوله تعالى:{أية : وَإِلَىٰ عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً قَالَ يَاقَوْمِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ}تفسير : [الأعراف: 65 وهود: 50] في سورة الأعراف وسورة هود ونحو ذلك من الآيات. وأما خوفه عليهم العذاب العظيم فقد ذكره في الشعراء في قوله تعالى:{أية : وَٱتَّقُواْ ٱلَّذِيۤ أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ إِنِّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ}تفسير : [الشعراء: 132-135] وهو يوم القيامة.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: واذكر أخا عاد: أي نبي الله هودا عليه السلام. إذ أنذر قومه بالأحقاف: أي خوف قومه عذاب الله بوادي الأحقاف. وقد خلت النذر: أي مضت الرسل. من بين يديه ومن خلفه: أي من قبله ومن بعده إلى أُممهم. ألا تعبدوا إلا الله: أي أنذروهم بأن لا يعبدوا إلا الله. إني أخاف عليكم: أي إن عبدتم غير الله. عذاب يوم عظيم: أي هائل بسبب شرككم بالله وكفركم برسالتي. أجئتنا لتأفكنا عن آلهتنا: أي لتصرفنا عن عبادتها. فأتنا بما تعدنا: أي من العذاب على عبادتها. إن كنت من الصادقين: أي في أنه يأتينا قطعا كما تقول. قال إنما العلم عند الله: أي علم مجيء العذاب ليس لي وإنما هو لله وحده. وأبلغكم ما أرسلت به إليكم: أي وإنما أنا رسول أبلغكم ما أرسلني به ربي إليكم. ولكني أراكم قوما تجهلون: أي حظوظ أنفسكم وما ينبغي لها من الإِسعاد والكمال وإلاّ كيف تستعجلون العذاب مطالبين به. فلما رأوه عارضا: أي رأوا العذاب سحابا يعرض في الأفق. مستقبل أوديتهم: أي متجها نحو أوديتهم التي فيها مزارعهم. قالوا هذا عارض ممطرنا: أي قالو مشيرين إلى السَّحاب هذا عارض ممطرنا. بل هو ما استعجلتم به: أي ليس هو بالعارض الممطر بل العذاب الذي استعجلتموه. ريح تدمر كل شيء: أي ريح عاتية تهلك كل شيء تمر به. بأمر ربها: أي بإِذن ربها تعالى. فأصبحوا لا يرى إلاّ مساكنهم: أي أهلكتهم عن آخرهم فلم يبق إلا مساكنهم. كذلك نجزي القوم المجرمين: أي كذلك الجزاء الذي جازينا به عاداً قوم هود وهو الهلاك الشامل نجزي المجرمين من سائر الأمم. معنى الآيات: ما زال السياق الكريم في مطلب هداية قوم النبي محمد صلى الله عليه وسلم فقال تعالى {وَٱذْكُرْ} أي لقومك للعبرة والاتعاظ {أَخَا عَادٍ} وهو هود عليه السلام والأخوة هنا أخوة نسب لا دين. اذكره {إِذْ أَنذَرَ قَوْمَهُ بِٱلأَحْقَافِ} إذ خوفهم عذاب الله إن لم يتوبوا إلى الله ويوحدوه، والآحقاف وادي القوم الذي به مزارعهم ومنازلهم وهو ما بين حضرموت ومهرة وعُمان جنوب الجزيرة العربية. وقوله {وَقَدْ خَلَتِ ٱلنُّذُرُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ} أي وقد مضت الرسل من قبله ومن بعده في أممهم. أي لم يكن هود أول نذير، ولا أمته أول أمة انذرت العذاب وقوله {أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ ٱللَّهَ} أي كل رسول أنذر أمته عاقبة الشرك فأمرهم أن لا يعبدوا إلا الله، وهو معنى لا إله إلا الله التي دعا إليها محمد صلى الله عليه وسلم أمته فهي أمر بعبادة الله وترك الشرك فيها، وقوله {إِنَّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} يوم هائل عظيم وهو يوم القيامة، فكان رد القوم ما أخبر تعالى به في قوله {قَالُوۤاْ أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا} أي تصرفنا عن عبادة آلهتنا {فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ} أي من العذاب {إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّادِقِينَ} فيما توعدنا به وتهددنا، فأجابهم هود عليه السلام بما أخبر تعالى به عنه بقوله {قَالَ} أي هود {إِنَّمَا ٱلْعِلْمُ عِندَ ٱللَّهِ} أي علم مجيء العذاب وتحديد وقته هذا ليس لي وإنما هو لله منزله، فمهمتي أن أنذركم العذاب قبل حلوله بكم وأبلغكم ما أرسلت به إليكم من الأمر بالتوحيد والنهي عن الشرك والمعاصي، {وَلَـٰكِنِّيۤ أَرَاكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ} أي بما يضركم وما ينفعكم في الدنيا والآخرة وإلا كيف تستعجلون العذاب وتطالبون به إذ المفروض أن تطلبوا الرحمة والسعادة لا العذاب والشقاء قوله تعالى {فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضاً مُّسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ} أي فلما رأى قوم هود العذاب متجها نحو أوديتهم التي بها مزارعهم ومنازلهم {قَالُواْ هَـٰذَا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا} أي هذا سحاب يعرض في السماء ذاهباً صوب وادينا ليسقينا، وهو معنى قوله {هَـٰذَا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا} أي ممطر أراضينا المصابة بالجفاف الشديد. قال تعالى {بَلْ هُوَ مَا ٱسْتَعْجَلْتُم بِهِ} أي ليس بالسحاب الممطر بل هو العذاب الذي طالبتم به لجهلكم وخفة أحلامكم، وبيّنه بقوله {رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ} أي تحمل في ثناياها العذاب الموجع، تدمر كل شيء تمر به فتهلكه {بِأَمْرِ رَبِّهَا} أي بإِذنه وقد أتت عليهم عن آخرهم ولم ينج إلا هود والذين آمنوا معه برحمة من الله خاصة، {فَأْصْبَحُواْ لاَ يُرَىٰ إِلاَّ مَسَاكِنُهُمْ} أي لا يرى الرائي إذا نظر إليهم إلاّ مساكنهم خالية ما بها أحد. قال تعالى {كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْقَوْمَ ٱلْمُجْرِمِينَ} أي كهذا الجزاء بالدمار والهلاك نجزي المجرمين أي المفسدين أنفسهم بالشرك والمعاصي. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- بيان سنة الله في الأمم في إرسال الرسل إليهم. 2- وبيان مهمة الرسل وهي النذارة والبلاغ. 3- بيان سفه وجهل الأمم التي تطالب بالعذاب وتستعجل به. 4- بيان أن عاداً أهلكت بالريح الدَّبور، وأن نبينا محمد صلى الله عليه وسلم نُصر بريح الصبا كما في الحديث الصحيح. 5- بيان سنة الله تعالى في إهلاك المجرمين وهم الذين يصرون على الشرك والمعاصي.

القطان

تفسير : أخا عاد: هو هود عليه السلام. الأحقاف: جمع حِقف بكسر الحاء، رمال معوجة مستطيلة، وهي بلاد بين عُمان وحضرموت كما تقدم في الكلام على مقدمة السورة. النذُر: جمع نذير، وهو المنذر. من بين يديه: من قبله. ومن خلفه: من بعده. لتأفكنا: لتصرفنا. بما تعدنا: من تعجيل العذاب. العارض: السحاب الذي يعرض في افق السماء. مستقبل أوديتهم: متجها اليها. وحاق بهم: نزل بهم. صرّفنا الآيات: بيناها. قرباناً: متقربا بها الى الله. ضلّوا عنهم: غابوا عنهم. وذلك إفكُهم: وذلك الذي حل بهم عاقبة كذبهم وافترائهم. اذكر ايها الرسول لقومك المكذِّبين هوداً، أخا قوم عادٍ، الذي حذّر قومه الذين كانوا يسكنون الأحقاف. وقد مضت الرسُل قبله وبعدَه بمثل ما أنذَر به قومه، اذ قال لهم: لا تعبدوا الا الله وحده، {إِنَّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ}. فما كان جوابُ قومه الا أن قالوا: أجئتنَا لتَصرِفَنا عن عبادة آلهتنا، فأتِنا بما تعِدُنا من العذابِ ان كنتَ من الصادقين. فقال هود: إنما العِلم بوقتِ عذابكم عندَ الله وحده، وأنا ابلِّغكم رسالة ربي اليكم، {وَلَـٰكِنِّيۤ أَرَاكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ} ما تُبعث به الرسُل وما في مصلحتكم. فأتاهم العذابُ في صورة سحاب. فلَمّا رأَوه ممتدّا في الأفُق مقبلاً على أوديتهم ظنّوه غيثاً فقالوا فرِحين: هذا سحابٌ جاءنا بالمطر والخير. فقيل لهم: بل هو العذابُ الذي طلبتموه واستعجلتم به. إنها ريحٌ فيها عذابٌ شديدُ الألم، تُهلك كلَّ شيء بأمر ربِّها. ولقد دمرتْهم واستأصلت جميع الأحياء في تلك البلاد. {فَأْصْبَحُواْ لاَ يُرَىٰ إِلاَّ مَسَاكِنُهُمْ} أصبحوا أثراً بعد عَيْن. بمثل هذا نجزي كلَّ من أجرمَ واستكبر ولم يؤمن بالله ورسله. ولقد مكنّا عاداً وقومه بالقوة والسَّعة ما لم نمكّن لكم يا أهل مكة، وجعلنا لهم سمعاً وأبصاراً وأفئدة لم ينتفِعوا بها لأنهم كانوا مصرّين على إنكار بآيات الله وجحدوها. {وَحَاقَ بِه مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} وأحاط بهم العذابُ الذي كانوا يستهزئون به. ولقد أهلكنا القرى التي كانت حولكم يا أهلَ مكة، وبينّا لهم الآياتِ المتنوعةَ والحجج لعلّهم يرجعون عن الكفر. فلم يَرعَووا ولم يرجِعوا. فخُذوا عبرةً من كل ما تلوناه عليكم وارجِعوا عن كفركم وعبادةِ الأوثان لعلّكم تُفلحون. والمقصود بالقرى التي حولَهم هي أقوام هود وصالح ولوط وشعيب لأنهم كانوا حول ديارهم. {فَلَوْلاَ نَصَرَهُمُ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ قُرْبَاناً آلِهَةَ بَلْ ضَلُّواْ عَنْهُمْ}. هنا يقول الله تعالى: لم تَنصرهم آلهتُهم وأوثانهم الذين عبدوهم من دون الله، واتّخذوا عبادتَهم قرباناً يتقرّبون به إلى ربهم فيما زعموا، بل غابوا عنهم وتركوهم في أحرجِ الأوقات. {وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُواْ يَفْتَرُونَ} وذلك الذي حلّ بهم من خِذلان آلهتهم لهم وضلالِهم عنهم هو عاقبةُ كذِبهم. قراءات: قرأ عاصم وحمزة وخلف: لا يُرى الا مساكنهم بضم الياء من يرى، ورفع النون. والباقون: لا تَرى الا مساكنهم بفتح التاء ونصب النون.

د. أسعد حومد

تفسير : (21) - ويُسَلِّي اللهُ تَعَالى رَسُولَه الكَريمَ عَمَّا يُلاقِيهِ مِنْ تَكْذِيبِ قَوْمِهِ لَهُ، واسْتِهْزَائِهِمْ بهِ، وَيُذَكِّرُهُ بِقَصَصِ الأَنبِيَاءِ الذِينَ قَبْلَهُ، فَكَذَّبَهمْ أَقْوامُهُم، وَاسْتَهْزَؤوا بِهِمْ فَجَاءَ نَصْرُ اللهِ فَنَجَّى الرُّسُلَ وَالذِينَ آمَنُوا، وأَهْلَكَ المُجْرِمينَ. وَهُنَا يَبْدَأُ تَعَالى بِسَرْدِ قِصَّةِ هُودٍ، عَلَيهِ السَّلاَمُ، مَعَ قُومِهِ عَادٍ، وَقَدْ كَانوا يَسْكُنُونَ الأَحْقَافَ في مِنْطَقَةِ حَضْرَمَوْتَ، جَنُوبيِّ الجَزِيرَةِ العَرَبيَّةِ، فَقَدْ بَعَثَهُ اللهُ إِليهِمْ فَدَعَاهُم إِلى عِبَادَةِ اللهِ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، وَذَكَّرَهُمْ بِأَنْعُمِ اللهِ عَلَيهِم، وَبِما مَنَّ عَلَيهِمْ بِهِ من قُوَّةٍ وَغِنىً، وَكَثْرَةِ عَدَدٍ، وَأَنذَرَهُمْ بَأسَ اللهِ الشَّدِيدَ وَعِقَابَهُ إِن أَقَامُوا عَلى كُفْرِهم وَظُلْمِهِمْ. وَقَدْ أَرْسَلَ اللهُ قَبْلَ هُودٍ رُسُلاً آخَرِينَ دَعَوا أَقْوَامَهُم إِلى الإِيمانِ باللهِ، وَأَنْذَرُوهُمْ عَذَابَ اللهِ إِنْ أَصَرُّوا عَلَى كُفْرِهِمْ، وَحَثُّوهُمْ عَلَى الإِقْلاَعِ عَنِ الشِّرْكِ بِاللهِ، وَعَلى إِفرادِهِ تَعَالى بِالأُلُوهِيَّةِ وَحْدَهُ. وَقَالَ هُودٌ لِقَوْمِهِ نَاصِحاً: إِنِّي أَخَافُ عَلَيكُم عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمِ الهَوْلِ، هُوَ َيَوْمُ القِيَامَةِ إِذا أَصَرُّوا علَى كُفْرهِمْ وَتَكْذِيبِهِمْ. الأَحْقَافُ - فِي جَنُوبيِّ الجَزِيرَةِ العَرَبِيَّةِ - حَضْرَ مَوْتُ. الحقْفُ - هُوَ كَثِيبُ الرَّمْلِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : قوله تعالى {وَٱذْكُرْ ..} [الأحقاف: 21] أي: اذكر يا محمد، كأن هذا الذكر جاء لتذكير رسول الله بمواقف إخوانه من الرسل في موكب الإيمان، يعني: انظر لمَنْ سبقك منهم ولما تحمّل في سبيل دعوته، فأنت لستَ بدعاً في الرسل. نعم تحمَّلوا المشقة والأذى، لكن صدق اللهُ وعده بنُصْرتهم في النهاية، لذلك تلاحظ على أسلوب القرآن تعدُّد القصة الواحدة بتعدُّد الأحداث التي تمرُّ بالرسول، يقول تعالى: {أية : وَكُـلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ ٱلرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ ..}تفسير : [هود: 120]. فكلّما حدث لرسول الله أمر مع قومه يُذِّكره الله بموقف من مواقف الرسل السابقين ليُطمئنه وليُثبِّت فؤاده على الحق، وإذا كان كل رسول يتعرض للأذى على قدر مهمته فلا شكَّ أنك ستكون أشدَّ الرسل إيذاء لأنك الرسول الخاتم. وقوله: {أَخَا عَادٍ ..} [الأحقاف: 21] المراد سيدنا هود {أية : وَإِلَىٰ عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً ..}تفسير : [الأعراف: 65] كلمة أخ تُجمع على إخوة وإخوان، إخوة تعني أخوة النسب، كما جاء في قوله تعالى: {أية : وَجَآءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ ..}تفسير : [يوسف: 58]. إما إخوان فيُراد بها أخوة المنهج والدين والقيم كما في قوله تعالى: {أية : إِخْوَٰناً عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَـٰبِلِينَ}تفسير : [الحجر: 47] فقوله: {أَخَا عَادٍ ..} [الأحقاف: 21] أخاهم في النسب، وعاد هي القبيلة أو الأمة التي أُرِسلَ فيها سيدنا هود عليه السلام. والإضافة في {أَخَا عَادٍ ..} [الأحقاف: 21] تحنينٌ لهم وإثارة لمشاعر الرحمة والدم والواحد، فالذي جاءهم ليس غريباً عنهم، إنما هو أخ لهم، وإنْ جاءهم منهج مخالف لما هُمْ عليه وأراد أنْ يُخرجهم عمَّا ألِفُوه من الضلال والفساد، والأخ لا يغشّ أخاه سواء أكانتْ أخوتهم له للنسب، أم للدين والمنهج والقيم. إذن: عليهم أنْ يستقبلوا دعوته بالحنان الذي تقتضيه الأخوة. {أَخَا عَادٍ إِذْ أَنذَرَ قَوْمَهُ بِٱلأَحْقَافِ ..} [الأحقاف: 21] عاد كانت جماعة من العرب البائدة، وكانت تسكن الأحقاف في جنوب شبه الجزيرة العربية، والأحقاف جمع حقف: وهو الرمل المستطيل الذي يعلو وينخفض ويتحرك يميناً وشمالاً، وهنا وهنا. والرمل لنعومته تُحركه الرياح والأعاصير بسهولة، حتى إن الهبَّة الواحدة من الإعصار في هذا المكان كانت تطمر قافلة وتغطيها في هذا الوادي، لذلك لم تظهر آثار قوم عاد حتى الآن لأنها مطمورةٌ على مسافات بعيدة تحت الرمال. كذلك الآثار القديمة في كل مكان لا توجد إلا تحت الأرض في حفريات، لأن عوامل التعرية تطمرها. لذلك ترى الواحد منا إذا سافر مثلاً وترك بيته لعدة شهور مثلاً يعود فيجده مُغطى بطبقة من التراب، مع أنه مغلق بإحكام، فما بالك في الخلاء مع هبوب الرياح والأعاصير. وفي سورة الفجر، الحق سبحانه يعطينا طرفاً من تاريخ هذه الأمم وما حَلَّ بها من العذاب: {أية : أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ ٱلْعِمَادِ * ٱلَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي ٱلْبِلاَدِ * وَثَمُودَ ٱلَّذِينَ جَابُواْ ٱلصَّخْرَ بِٱلْوَادِ * وَفِرْعَوْنَ ذِى ٱلأَوْتَادِ * ٱلَّذِينَ طَغَوْاْ فِي ٱلْبِلاَدِ * فَأَكْثَرُواْ فِيهَا ٱلْفَسَادَ * فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ * إِنَّ رَبَّكَ لَبِٱلْمِرْصَادِ}تفسير : [الفجر: 6-14]. ونحن حتى الآن لا نعرف أين ديارهم، ولا نعرف آثارهم إلا ما أخبرنا الله به، ذلك لأنها تحت مسافات في باطن الأرض. وقوله تعالى: {وَقَدْ خَلَتِ ٱلنُّذُرُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ ..} [الأحقاف: 21] فهو ليس أول الرسل إليهم ولا هو آخرهم، فقد مضتْ الرسل {مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ..} [الأحقاف: 21] يعني: قبله {وَمِنْ خَلْفِهِ ..} [الأحقاف: 21] يعني: من بعده. والنُّذر جمع نذير، وهو الذي يُخوّفك ويُحذِّرك من الشر قبل حلوله، وفائدة الإنذار أنه ينبهك من الخطر قبل أنْ تقعَ فيه فتتجنبه، ويجب أنْ يكون الإنذار قبل حدوث الشر بمدة كافية تمكِّنك من تدارك الأمر وتجنب الوقوع فيه. وقوله: {أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ ٱللَّهَ ..} [الأحقاف: 21] يعني: هذه القضية اتفق عليها جميع الرسل من قبل هود ومن بعده، فكل الديانات ما جاءتْ إلا لخدمة هذه القضية ودعوة الناس إليها. والعبادة كما بينّا طاعة العابد لأوامر المعبود ونواهيه، وهذا المعنى ينقض ويبطل عبادة غير الله، فكلها آلهة باطلة وعبادتها باطلة لأنها آلهة بلا منهج وبلا أمر ولا نهي. فالشمس، ماذا قالت لمَنْ عبدها؟ بمَ أمرته وعمّ نهَتْ؟ ماذا أعدتْ لمن عبدها من الجزاء؟ وماذا أعدّت لمَنْ كفر بها؟ فإنْ سألتَ لماذا عبدها الناس وعبدوا غيرها من الأشياء؟ نقول: لأن التدّين غريزة في الإنسان منذ خلقه الله ومنذ كان في عالم الذر، لكن التدين الحق له مطالب ومسئوليات تكبح جماح النفس وتُقيد شهواتها. لذلك لجأ البعض إلى عبادة تُرضي عندهم غريزة التدين وتُعفيهم من مطالب الدين الحق، فراحوا إلى الآلهة الباطلة وعبدوها، لأنها لا تلزمهم بشيء ولا تكلفهم شيئاً، وتُطلق العنان لشهواتهم. وقوله: {إِنَّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} [الأحقاف: 21] هذا الخوف هو مقتضى الأخوة، فالأخ حريص على مصلحة أخيه، حريص على نجاته، لذلك قال تعالى في سيدنا رسول الله: {أية : لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِٱلْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ}تفسير : [التوبة: 128]. وهنا وصف يوم العذاب بأنه يوم عظيم، أنتم فب دنياكم تصفون بعض الأشياء بأنها عظيمة، وهذا العظمة في وجودكم المادي مردودة إلى الفناء مهما طال أجلها، كذلك كل نعيم في الدنيا يُنغِّصه على صاحبه أمران: أنْ يفوته النعيم، أو يفوت هو النعيم ويتركه بالموت. فوصف هذا اليوم بأنه عظيم لأنه دائم لا يزول، ولا يموت صاحبه فيستريح منه.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {أَنذَرَ قَوْمَهُ بِٱلأَحْقَافِ} فالأَحقافُ: تِلالٌ ورملٌ باليمن. واحدُها حِقفٌ.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : { وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالأحْقَافِ } إلى آخر القصة. أي: { وَاذْكُرْ } بالثناء الجميل { أَخَا عَادٍ } وهو هود عليه السلام، حيث كان من الرسل الكرام الذين فضلهم الله تعالى بالدعوة إلى دينه وإرشاد الخلق إليه. { إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ } وهم عاد { بِالأحْقَافِ } أي: في منازلهم المعروفة بالأحقاف وهي: الرمال الكثيرة في أرض اليمن. { وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ } فلم يكن بدعا منهم ولا مخالفا لهم، قائلا لهم: { أَلا تَعْبُدُوا إِلا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ }. فأمرهم بعبادة الله الجامعة لكل قول سديد وعمل حميد، ونهاهم عن الشرك والتنديد وخوفهم -إن لم يطيعوه- العذاب الشديد فلم تفد فيهم تلك الدعوة. { قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ آلِهَتِنَا } أي: ليس لك من القصد ولا معك من الحق إلا أنك حسدتنا على آلهتنا فأردت أن تصرفنا عنها. { فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ } وهذا غاية الجهل والعناد. { قَالَ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ } فهو الذي بيده أزمة الأمور ومقاليدها وهو الذي يأتيكم بالعذاب إن شاء. { وَأُبَلِّغُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ } أي: ليس علي إلا البلاغ المبين، { وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ } فلذلك صدر منكم ما صدر من هذه الجرأة الشديدة، فأرسل الله عليهم العذاب العظيم وهو الريح التي دمرتهم وأهلكتهم. ولهذا قال: { فَلَمَّا رَأَوْهُ } أي: العذاب { عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ } أي: معترضا كالسحاب قد أقبل على أوديتهم التي تسيل فتسقي نوابتهم ويشربون من آبارها وغدرانها. { قَالُوا } مستبشرين: { هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا } أي: هذا السحاب سيمطرنا. قال تعالى: { بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ } أي: هذا الذي جنيتم به على أنفسكم حيث قلتم: { فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ } { رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ } { تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ } تمر عليه من شدتها ونحسها. فسلطها الله عليهم {أية : سبع ليالي وثمانية أيام حسوما فترى القوم فيها صرعى كأنهم أعجاز نخل خاوية } تفسير : [ { بِأَمْرِ رَبِّهَا } أي: بإذنه ومشيئته]. { فَأَصْبَحُوا لا يُرَى إِلا مَسَاكِنُهُمْ } قد تلفت مواشيهم وأموالهم وأنفسهم. { كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ } بسبب جرمهم وظلمهم. هذا مع أن الله تعالى قد أدر عليهم النعم العظيمة فلم يشكروه ولا ذكروه ولهذا قال: { وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ } أي: مكناهم في الأرض يتناولون طيباتها ويتمتعون بشهواتها وعمرناهم عمرا يتذكر فيه من تذكر، ويتعظ فيه المهتدي، أي: ولقد مكنا عادا كما مكناكم يا هؤلاء المخاطبون أي: فلا تحسبوا أن ما مكناكم فيه مختص بكم وأنه سيدفع عنكم من عذاب الله شيئا، بل غيركم أعظم منكم تمكينا فلم تغن عنهم أموالهم ولا أولادهم ولا جنودهم من الله شيئا. { وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً } أي: لا قصور في أسماعهم ولا أبصارهم ولا أذهانهم حتى يقال إنهم تركوا الحق جهلا منهم وعدم تمكن من العلم به ولا خلل في عقولهم ولكن التوفيق بيد الله. { فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلا أَبْصَارُهُمْ وَلا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ } لا قليل ولا كثير، وذلك بسبب أنهم { يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ } الدالة على توحيده وإفراده بالعبادة. { وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ } أي: نزل بهم العذاب الذي يكذبون بوقوعه ويستهزئون بالرسل الذين حذروهم منه.

عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي

تفسير : 894 : 4 - سفين عن منصور عن مجاهد {وَٱذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنذَرَ قَوْمَهُ بِٱلأَحْقَافِ} قال، الاحقاف ارض. [الآية 21].

همام الصنعاني

تفسير : 2853- قال عبد الرزاق، قال معمر، قال قتادة، قال عمر: لو شئت أن أكون أطيبكم طعاماً وألينكم ثوباً لفعلت، ولكنِّي أسْتَبْقِي طيباتي. 2854- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن الكلبي، في قوله تعالى: {وَٱذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنذَرَ قَوْمَهُ بِٱلأَحْقَافِ}: [الآية: 21]، قال: (الأحقاف)، الرما. 2855- قال عبد الرزاق، قال معمر، قال قتادة: بلغنا أنه كان بأرض يقال له: "الشجر" مشرفين على البحر وكانوا أهل رمّْلٍ.