٤٦ - ٱلْأَحْقَاف
46 - Al-Ahqaf (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
22
Tafseer
القرطبي
تفسير : قوله تعالى:{قَالُوۤاْ أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ آلِهَتِنَا} فيه وجهان: أحدهما ـ لتزيلنا عن عبادتها بالإفك. الثاني ـ لتصرفنا عن آلِهتنا بالمنع؛ قاله الضحاك. قال عُرْوة بن أُذَيْنة:شعر : إن تك عن أحسن الصنيعة مأ فُوكاً ففي آخرين قد أفِكوا تفسير : يقول: إن لم توفَّق للإحسان فأنت في قوم قد صرفوا. {فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ} هذا يدل على أن الوعد قد يوضع موضع الوعيد. {إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّادِقِينَ} أنك نبيّ {قَالَ إِنَّمَا ٱلْعِلْمُ} بوقت مجيء العذاب. {عِندَ ٱللَّهِ} لا عندي {وَأُبَلِّغُكُمْ مَّآ أُرْسِلْتُ بِهِ} عن ربكم. {وَلَـٰكِنِّيۤ أَرَاكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ} في سؤالكم ٱستعجال العذاب. {فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضاً} قال المبرد: الضمير في «رَأَوْهُ» يعود إلى غير مذكور؛ وبيّنه قولُه: «عَارِضاً» فالضمير يعود إلى السحاب؛ أي فلما رأوا السحاب عارضاً. فـ «ـعارضاً» نصب على التكرير؛ سُمِّي بذلك لأنه يبدو في عرض السماء. وقيل: نصب على الحال. وقيل: يرجع الضمير إلى قوله: {فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ} فلما رأوه حسبوه سحاباً يمطرهم، وكان المطر قد أبطأ عنهم، فلما رأوه «مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ» ٱستبشروا. وكان قد جاءهم من وادٍ جرت العادة أن ما جاء منه يكون غَيْثاً؛ قاله ابن عباس وغيره. قال الجوهري: والعارض السحاب يعترض في الأفق؛ ومنه قوله تعالى: {هَـٰذَا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا} أي ممطر لنا؛ لأنه معرفة لا يجوز أن يكون صفة لعارض وهو نكرة. والعرب إنما تفعل مثل هذا في الأسماء المشتقة من الأفعال دون غيرها. قال جرير: شعر : يا رُبَّ غابِطِنا لو كان يطلبكم لاقى مباعدةً منكم وحِرْمَانَا تفسير : ولا يجوز أن يقال: هذا رجل غلامنا. وقال أعرابي بعد الفطر: رُبَّ صائمة لن تصومه، وقائمة لن تقومه؛ فجعله نعتاً للنكرة وأضافه إلى المعرفة. قلت: قوله: «لا يجوز أن يكون صفة لعارض» خلاف قول النحويين، والإضافة في تقدير الاْنفصال، فهي إضافة لفظية لا حقيقية؛ لأنها لم تفد الأوّل تعريفاً، بل الاْسم نكرة على حاله؛ فلذلك جرى نعتاً على النكرة. هذا قول النحويين في الآية والبيت. ونعت النكرة نكرة. و «رُبّ» لا تدخل إلا على النكرة. {بَلْ هُوَ} أي قال هود لهم. والدليل عليه قراءة من قرأ «قال هود بل هو» وقرىء «قُلْ بَلْ مَا ٱسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ هِيَ رِيحٌ» أي قال الله: قل بل هو ما ٱستعجلتم به؛ يعني قولهم: «فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا» ثم بين ما هو فقال: {رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ } والريح التي عذبوا بها نشأت من ذلك السحاب الذي رأوه، وخرج هود من بين أظهرهم، فجعلت تحمل الفساطيط وتحمل الظَّعِينة فترفعها كأنها جرادة، ثم تضرب بها الصخور. قال ابن عباس: أوّل ما رأوا العارض قاموا فمدّوا أيديهم، فأوّل ما عرفوا أنه عذاب رأوا ما كان خارجاً من ديارهم من الرجال والمواشي تطير بهم الريح ما بين السماء والأرض مثل الريش، فدخلوا بيوتهم وأغلقوا أبوابهم، فقلعت الريح الأبواب وصرعتهم، وأمر الله الريح فأمالت عليهم الرمال، فكانوا تحت الرمال سبع ليال وثمانية أيام حسوماً، ولهم أنين؛ ثم أمر الله الريح فكشفت عنهم الرمال واحتملتهم فرمتهم في البحر؛ فهي التي قال الله تعالى فيها: {تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا} أي كل شيء مرت عليه من رجال عادٍ وأموالها. قال ابن عباس: أي كل شيء بُعثت إليه، والتدمير: الهلاك. وكذلك الدمار. وقرىء «يَدْمُرُ كُلّ شَيْء» من دَمَر دماراً. يقال: دَمره تدميراً ودماراً ودَمّر عليه بمعنًى. ودَمَر يَدْمُر دُموراً دخل بغير إذن. وفي الحديث: «حديث : من سبق طَرْفُه استئذانه فقد دَمَر»تفسير : مخفف الميم. وتَدْمُر: بلد بالشام. ويَرْبُوع تَدْمُرِيّ إذا كان صغيراً قصيراً. {بِأَمْرِ رَبِّهَا} بإذن ربها. وفي البخاريحديث : عن عائشة رضي الله عنها زوج النبيّ صلى الله عليه وسلم قالت: ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ضاحكاً حتى أرى منه لَهَواتِه إنما كان يتبسم. قالت: وكان إذا رأى غَيْماً أو رِيحاً عُرف في وجهه. قالت: يا رسول الله، الناس إذا رأوا الغيم فرحوا رجاء أن يكون فيه المطر، وأراك إذا رأيته عرف في وجهك الكراهية؟ فقال:«يا عائشة ما يُؤَمِّنُنِي أن يكون فيه عذاب عُذِّب قوم بالريح وقد رأى قوم العذاب فقالوا هذا عارِضٌ مُمْطِرُنا» تفسير : خرجه مسلم والترمذيّ، وقال فيه: حديث حسن. وفي صحيح مسلم عن ابن عباس عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : نُصِرت بالصَّبا وأهلِكت عادٌ بالدبور»تفسير : . وذكر الماورديّ أن القائل «هَذَا عَارِض مُمْطِرُنَا» من قوم عاد: بكر بن معاوية؛ ولما رأى السحاب قال: إني لأرى سحاباً مرمداً، لا تدع من عاد أحداً. فذكر عمرو بن ميمون أنها كانت تأتيهم بالرجل الغائب حتى تقذفه في ناديهم. قال ابن إسحاق: واعتزل هود ومن معه من المؤمنين في حظيرة، ما يصيبه ومن معه منها إلا ما يُلين أعلى ثيابهم. وتلتذ الأنفس به؛ وإنها لتمرّ من عاد بالظعن بين السماء والأرض وتدْمَغُهُم بالحجارة حتى هلكوا. وحكى الكلبيّ أن شاعرهم قال في ذلك:شعر : فدعا هود عليهم دعوةً أضحَوْا همودا عصفت ريح عليهم تركت عاداً خمودا سخّرت سبع ليال لم تدع في الأرض عودا تفسير : وعَمَّر هود في قومه بعدهم مائة وخمسين سنة. {فَأْصْبَحُواْ لاَ يُرَىٰ إِلاَّ مَسَاكِنُهُمْ} قرأ عاصم وحمزة «لاَ يُرَى إِلاَّ مَسَاكِنُهُمْ» بالياء غير مسمى الفاعل. وكذلك روى حماد بن سلمة عن ابن كثِير إلا أنه قرأ «ترى» بالتاء. وقد روي ذلك عن أبي بكر عن عاصم. الباقون «ترى» بتاء مفتوحة. «مَسَاكِنَهُم» بالنصب؛ أي لا ترى يا محمد إلا مساكنهم. قال المهدوِيّ: ومن قرأ بالتاء غير مسمى الفاعل فعلى لفظ الظاهر الذي هو المساكن المؤنثة؛ وهو قليل لا يستعمل إلا في الشعر. وقال أبو حاتم: لا يستقيم هذا في اللغة إلا أن يكون فيها إضمار؛ كما تقول في الكلام ألا تُرى النساء إلا زينب. ولا يجوز لا ترى إلا زينب. وقال سيبويه: معناه لا ترى أشخاصهم إلا مساكنهم. وٱختار أبو عبيد وأبو حاتم قراءة عاصم وحمزة. قال الكسائي: معناه لا يرى شيء إلا مساكنهم، فهو محمول على المعنى؛ كما تقول: ما قام إلا هند، والمعنى ما قام أحد إلا هند. وقال الفرّاء: لا يرى الناس لأنهم كانوا تحت الرمل، وإنما ترى مساكنهم لأنها قائمة. {كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْقَوْمَ ٱلْمُجْرِمِينَ} أي مثل هذه العقوبة نعاقب بها المشركين.
المحلي و السيوطي
تفسير : {قَالُواْ أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ ءَالِهَتِنَا } لتصرفنا عن عبادتها {فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ } من العذاب على عبادتها {إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ } في أنه يأتينا.
ابن عبد السلام
تفسير : {لِتَأْفِكَنَا} لتزيلنا عن عبادتها بالإفك، أو لتصدنا عنها بالمنع.
البقاعي
تفسير : ولما تشوف السامع إلى جوابهم عن هذه الحكمة، أجيب بقوله تعالى: {قالوا} أي منكرين عليه: {أجئتنا} أي يا هود {لتأفكنا} أي تصرفنا عن وجه أمرنا إلى قفاه {عن آلهتنا} فلا نعبدها ولا نعتد بها. ولما كان معنى الإنكار النفي، فكان المعنى: إنا لا ننصرف عنها، سببوا عنه قولهم {فأتنا بما تعدنا} سموا الوعيد وعداً استهزاء به. ولما كان ذلك معناه تكذيبه، زادوه وضوحاً بقولهم معبرين بأداة الشك إشارة إلى أن صدقه في ذلك من فرض المحال: {إن كنت} أي كما يقال عنك. كوناً ثابتاً {من الصادقين *} في أنك رسول من الله وأنه يأتينا بما تخافه علينا من العذاب إن أصررنا. ولما تضمن قولهم هذا نسبة داعيهم عليه الصلاة والسلام إلى ما لا دلالة لكلامه عليه بوجه، وهو ادعاء العلم بعذابهم والقدرة عليه وتكذبيه في كل منهما اللازم منه أمنهم اللازم منه ادعاؤهم العلم بأنهم لا يعذبون، وكانوا كاذبين في جميع ذلك كان كأنه قيل: بم أجابهم؟ فقيل: {قال} مصدقاً لهم في سلب علمه بذلك وقدرته عليه، مكذباً لهم في نسبتهم إليه ادعاء شيء منهما وإلى أنفسهم بأنه لا يقع: {إنما العلم} أي المحيط بكل شيء عذابكم وغيره {عند الله} أي المحيط بجميع صفات الكمال، فهو ينزل علم ما توعدون على من يشاء إن شاء ولا علم لي الآن ولا لكم بشيء من ذلك ولا قدرة. ولما كان العلم المحيط يستلزم القدرة، فكان التقدير: فليست القدرة على الإتيان بعذابكم إلا له سبحانه وتعالى لا لي ولا لغيري، وليس عليّ إلا البلاغ كما أوحى إليّ ربي بقوله سبحانه{أية : إن عليك إلا البلاغ}تفسير : [الشورى: 48] وقد أبلغتكم ما أرسلت به إليكم من الوعظ بأن أعمالكم أعمال من قد أعرض عن سيده وعرض نفسه للهلاك والعذاب بإشراكه بالمحسن المطلق من لا يكافئه بوجه فهو بحيث يخشى عليه الأخذ، عطف عليه قوله: {وأبلغكم} أي أيضاً في الحال والاستقبال {ما أرسلت} أي ممن لا مرسل في الحقيقة غيره، فإنه يقدر على نصر رسوله {به} أي من التوحيد وغيره، سواء كان وعداً أو وعيداً أو غيرهما لو لم يذكر الغاية لأن ما أرسل به صالح لهم ولغيرهم. ولما كان معنى الإخبار بالإبلاغ أنه ليس عليّ إلا ذلك، وكان معنى قصر العلم المطلق على الله تصديقهم في نفي علمه عليه الصلاة والسلام بذلك، حسن قوله مستدركاً علمه بجهلهم: {ولكني أراكم} أي أعلمكم علماً هو كالرؤية {قوماً} غلاظاً شداداً عاسين {تجهلون *} أي بكم مع ذلك صفة الجهل، وهو الغلظة في غير موضعها مع قلة العلم، تجددون لك على سبيل الاستمرار بسبب أنكم تفعلون بإشراككم بالمحسن المطلق وهو الملك الأعظم من لا إحسان له بوجه أفعال من يستحق العذاب ثم لا تجوزون وقوعه وتكذبون من ينبهكم على أن ذلك أمر يحق أن يحترز منه، وتنسبونه إلى غير ما أرسل له من الإنذار من ادعاء القدرة على العذاب ونحوه. ولما تسبب عن قولهم هذا إتيان العذاب فأتاهم في سحاب أسود، استمروا على جهلهم وعادتهم في الأمن وعدم تجويز الانتقام، وكأن إتيانه كان قريباً من استعجالهم به، فلذلك أتى بالفاء في قوله مسبباً عن تكذيبهم مبيناً لعظيم جهلهم بجهلهم في المحسوسات، مفصلاً لما كان من حالهم عند رؤية البأس: {فلما رأوه} أي العذاب الذي يعدهم به {عارضاً} أي سحاباً أسود بارزاً في الأفق ظاهر الأمر عند من له أهلية النظر، حال كونه قاصداً إليهم {مستقبل أوديتهم} أي طالباً لأن يكون مقابلاً لها وموجداً لذلك، وهو وصف لعارضاً فهو نكرة إضافته لفظية وإن كان مضافاً إلى معرفة، وكذا "ممطرنا" {قالوا} علىعادة جهلهم مشيرين إليه بأداة القرب الدالة على أنهم في غاية الجهل، لأن جهلهم به استمر حتى كاد أن يواقعهم: {هذا عارض} أي سحاب معترض في عرض السماء أي ناحيتها {ممطرنا} لكونهم رأوه أسود مرتاداً فظنوه ممتلئاً ماء يغاثون به بعد طول القحط وإرسال رسلهم إلى مكة المشرفة ليدعوا لهم هنالك الله الذي استخفوا به بالقدح في ملكه بأن أشركوا به من هو دونهم، علماً منهم بأن شركاءهم لا تغني عنهم في الإمطار شيئاً، غافلين عن ذنوبهم الموجبة لعذابهم، فلذلك قال الله تعالى مضرباً عن كلامهم، والظاهر أنه حكاية لقول هود عليه الصلاة والسلام في جواب كلامهم: {بل هو} أي هذا العارض الذي ترونه {ما استعجلتم به} أي طلتم العجلة في إتيانه إليكم من العذاب. ولما اشتد تشوف السامع إلى معرفته قال: {ريح} أي ركمت هذا السحاب الذي رأيتموه {فيها عذاب أليم *} أي شديد الإيلام، كانت تحمل الظعينة في الجو تحملها وهودجها حى ترى كأنها جرادة، وكانوا يرون ما كان خارجاً عن منازلهم من الناس والمواشي تطير بهم الريح بين السماء والأرض ثم تقذف بهم {تدمر} أي تهلك إهلاكاً عظيماً شديداً سريعاً تأتي بغتة على طريق الهجوم {كل شيء} أي أتت عليه، هذا شأنها فمن سلم منها كهود عليه الصلاة والسلام ومن آمن به رضي الله عنهم فسلامته أمر خارق للعادة كما أن أمرها في إهلاك كل ما مرت عليه أمر خارق للعادة، والجملتان يحتمل أن تكونا وصفاً لريح ويحتمل وهو أعذب وأهز للنفس وأعجب أن تكونا استئنافاً، ولما كان ربما ظن ظان أنها مؤثرة بنفسها قال: {بأمر ربها} أي المبدع لها والمربي والمحسن بالانتقام بها من أعدائه. ولما ذكرها بهذا الذكر الهائل، وكان التقدير: جاءتهم فدمرتهم لم تترك منهم أحداً، سبب عن ذلك زيادة في التهويل قوله: {فأصبحوا} ولما اشتد إصغاء السامع إلى كيفية إصباحهم، قال مترجماً لهلاكهم: {لا يرى} أي أيها الرائي، فلما عظمت روعة القلب وهول النفس قال تعالى: {إلا مساكنهم} أي جزاء على إجرامهم، فانطبقت العبارة على المعنى، وعلم أن المراد بالإصباح مطلق الكون، ولكنه عبر به لأن المصيبة فيه أعظم، وعلم أنه لم يبق من المكذبين ديار ولا نافخ نار، وهذا كناية عن عموم الهلاك لهم سواء كان الرمل دفنهم أو على وجه الأرض مرتبين كما في الآية الأخرى {أية : فترى القوم فيها صرعى كأنهم أعجاز نخل خاوية}تفسير : [الحاقة: 7] وروي أن هوداً عليه الصلاة والسلام لما أحس بالريح اعتزل بمن آمن معه في حظيرة فأمالت الريح على الكفرة الأحقاف التي كانت مجتمعهم إذا تحدثوا ومحل بسطهم إذا لعبوا، فكانوا تحتها سبع ليال وثمانية أيام، ثم كشفت عنهم فاحتملتهم فقذفتهم في البحر وكذا أهلكت مواشيهم وكل شيء لهم فيه روح ولم يصب هوداً عليه الصلاة والسلام ومن معه رضي الله عنهم منها إلا ما لين أبشارهم ونعش أرواحهم، والآية على هذا على حقيقتها في أنه لم يصبح الصباح ومنهم أحد يرى. ولما طارت لهذا الهول الأفئدة واندهشت الألباب، قال تعالى منبهاً على زبدة المراد بطريق الاستئناف: {كذٰلك} أي مثل هذا الجزاء الهائل في أصله أو جنسه أو نوعه أو شخصه من الإهلاك {نجزي} بعظمتنا دائماً إذا شئنا {القوم} وإن كانوا أقوى ما يكون {المجرمين *} أي العريقين في الإجرام الذين يقطعون ما حقه الوصل فيصلون ما حقه القطع، وذلك الجزاء هو الإهلاك على هذا الوجه الشنيع، فاحذروا أيها العرب مثل ذلك إن لم ترجعوا.
اسماعيل حقي
تفسير : {قالوا اجئتنا لتأفكنا} اى تصرفنا من الافك بالفتح مصدر افكه يأفكه افكا قلبه وصرفه عن الشئ {عن آلهتنا} عن عبادتها الى دينك وهذا مما لا يكون {فائتنا بما تعدنا} من العذاب العظيم والباء للتعدية {ان كنت من الصادقين} فى وعدك بنزوله بنا
الجنابذي
تفسير : {قَالُوۤاْ أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا} لتصرفنا {عَنْ آلِهَتِنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ} من العذاب من الله {إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّادِقِينَ} فى ادّعاء الرّسالة والوحى اليك وتوعيد العذاب.
الهواري
تفسير : {قَالُوا} أي قال له قومه {أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا} أي: لتصرفنا {عَنْ آلِهَتِنَا} أي: عن عبادتها: وهذا منهم على الاستفهام. أي: قد فعلت {فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ} أي: إنه كان يعدهم بالعذاب إن لم يؤمنوا. {قَالَ} لهم {إِنَّمَا الْعِلْمُ عِندَ اللَّهِ} أي: علم متى يأتيكم العذاب. {وَأُبَلِّغُكُم مَّا أُرْسِلْتُ بِهِ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ}. قوله: {فَلَمَّا رَأَوْهُ} أي رأوا العذاب {عَارِضًا مُّسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا} أي: حسبوه سحاباً، وكان قد أبطأ عنهم المطر. قال الله عز وجل: {بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُم بِهِ} أي: لما كانوا يستعجلون به هوداً من العذاب استهزاءً وتكذيباً. فقال: بل هو ما استعجلتم به {رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا} أي: تدمر كل شيء أمرت به، وهي ريح الدبور. ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حديث : نصرت بالصبا وأهلكت عاد بالدبورتفسير : . وذكروا عن ابن عباس عن النبي عليه السلام مثل ذلك. قال الله: {فَأَصْبَحُوا لاَ يُرَى إِلاَّ مَسَاكِنُهُمْ} يقوله للنبي عليه السلام؛ أي: لا تبصر إلا مساكنهم. وهي تقرأ على وجه آخر: {لاَ تُرَى إِلاَّ مَسَاكِنُهُمْ} أي: قد هلكت وبقيت مساكنهم. وهي تقرأ على وجه ثالث: {فَأَصْبَحُوا لاَ يُرَى إِلاَّ مَسَاكِنُهُمْ}. قال الله: {كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ} أي: المشركين.
اطفيش
تفسير : {قَالُواْ أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا} لتصرفنا* {عَنْ آلِهَتِنَا} عن عبادتها. {فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ} في وعيدك بالعذاب على الشرك وهذا منهم استعجال
اطفيش
تفسير : {قالُوا أجئتنا} توبيخ {لتأفكنا} لتصرفنا، ولا يصح ما قيل لتزيلنا بالافك وهو الكذب، إذ لا يوضع الافك بمعنى الازالة بالكذب، إلا ان أريد التفسير بالمعنى والواقع، لا بمعنى الوضع والصناعة {عن آلهتنا} عن عبادة آلهتنا {فأتنا} ان أبيت الا ما أنت عليه من الديانة، وتخطئتنا فأتنا فى الدنيا {بما تعدنا} من العذاب عاجلا {إنْ كُنت من الصادقين} فى وعدك بنزوله.
الالوسي
تفسير : {قَالُواْ أَجِئْتَنَا } استفهام توبيخي {لِتَأْفِكَنَا } أي لتصرفنا ـ كما قال الضحاك ـ من الإفك بمعنى الصرف، وقيل: أي لتزيلنا بالإفك وهو الكذب {عَنْ ءالِهَتِنَا } أي عن عبادتها {فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا } من معاجلة العذاب على الشرك في الدنيا {إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّـٰدِقِينَ } في وعدك بنزوله بنا.
ابن عاشور
تفسير : جواب عن قوله: {أية : أن لا تعبدوا إلا الله}تفسير : [الأحقاف: 21]، ولذلك جاء فعل {قالوا} مفصولاً على طريق المحاورة. والاستفهام إنكار. والمجيء مستعار للقصد بطلب أمر عظيم، شبه طروّ الدعوة بعد أن لم يكن يدعو بها بمجيء جاء لم يكن في ذلك المكان. والأفك بفتح الهمزة: الصرَّف، وأرادوا به معنى الترك، أي لنترك عبادة آلهتنا. وهذا الإنكار تعريض بالتكذيب فلذلك فرع عليه {فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين} فصرحوا بتكذيبه بطريق المفهوم. والمعنى: ائتنا بالعذاب الذي تَعِدنا به، أي عذاب اليوم العظيم، وإنما صرَفوا مراد هود بالعذاب إلى خصوص عذاب الدنيا لأنهم لا يؤمنون بالبعث وبهذا يؤذن قوله بعده {أية : فلما رأوه عارضاً}تفسير : [الأحقاف: 24] وقوله: {أية : بل هو ما استعجلتم به}تفسير : [الأحقاف: 24]. وأرادوا: ائتنا به الآن لأن المقام مقام تكذيب بأن عبادة آلهتهم تجر لهم العذاب. و {من الصادقين} أبلغ في الوصف بالصدق من أن يقال: إن كنت صادقاً، كما تقرر في قوله تعالى: {أية : وكان من الكافرين}تفسير : في سورة البقرة (34)، أي إن كنت في قولك هذا من الذين صدَقوا، أي فإن لم تأت به فما أنت بصادق فيه.
الشنقيطي
تفسير : معنى قوله تعالى: {لِتَأْفِكَنَا عَنْ آلِهَتِنَا}، أي لتصرفنا عن عبادتها إلى عبادة الله وحده. وقد تضمنت هذه الآية الكريمة أمرين. أحدهما: إنكار عاد على هود أنه جاءهم، ليتركوا عبادة الأوثان، ويعبدوا الله وحده. والثاني: أنهم قالوا له: ائتنا بما تعدنا من العذاب وعجله لنا إن كنت صادقاً فيما تقول، عناداً منهم وعتوا. وهذان الأمران جاءا موضحين في غير هذا الموضع، كقوله تعالى في الأعراف{أية : قَالُوۤاْ أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ ٱللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّادِقِينَ}تفسير : [الأعراف: 70].
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 22- قال قوم هود إنكاراً عليه: أجئتنا لتصرفنا عن عبادة آلهتنا؟! فأتنا بما تعدنا من العذاب إن كنت من الصادقين فى هذا الوعيد. 23- قال هود: إنما العلم بوقت عذابكم عند الله - وحده - وأنا أبلغكم الذى أرسلت به، ولكنى أراكم قوماً تجهلون ما تبعث به الرسل. 24، 25- فأتاهم العذاب فى صورة سحاب، فلما رأوه ممتداً فى الأفق متوجهاً نحو أوديتهم، قالوا فرحين: هذا سحاب يأتينا بالمطر والخير. فقيل لهم: بل هو ما استعجلتم به ريح فيها عذاب شديد الألم، تهلك كل شئ بأمر خالقها، فدمرتهم فأصبحوا لا يرى من آثارها إلا مساكنهم. كذلك الجزاء نجزى كل من ارتكب مثل جرمهم. 26- ولقد مكنا عاداً فيما لم نمكنكم فيه من السعة والقوة يا أهل مكة، وجعلنا لهم سمعاً وأبصاراً وأفئدة لو شاءوا الانتفاع بها، فما نفعهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم شيئاً قليلاً، لأنهم كانوا يكذبون بآيات الله، فحال ذلك بينهم وبين انتفاعهم بما أوتوا، وأحاط بهم العذاب الذى كانوا به يستهزئون. 27- ولقد أهلكنا القرى التى كانت حولكم يا أهل مكة، وبيَّنا لهم الدلائل بأساليب متنوعة، لعلهم يرجعون عن الكفر، فلم يرجعوا.
د. أسعد حومد
تفسير : {آلِهَتِنَا} {ٱلصَّادِقِينَ} (22) - فَرَدُّوا عَليه قَائِلِينَ: أَجِئتَنَا لِتَصْرِفَنَا عَنْ عِبَادَةِ آلهِتنا إِلى عِبَادةِ رَبِّكَ الذِي تَدْعُونا إِليهِ، فَعَجِّلْ لَنَا بِإِنْزَالِ العَذَابِ عَلَينا، إِنْ كُنْتَ مِنْ الصَّادِقينَ في وَعِيدِكَ لَنا (وَهُوَ أَنَّ رَبَّكَ سَيُنْزِلُ عَلينا عَذاباً مُدَمِّراً مُهْلِكاً يُبِيدُنا بهِ إِذا ما بقينا مُقِيمِينَ عَلَى عِبَادَةِ أَصْنَامِنا). لِتَأْفِكَنَا - لِتَصْرِفَنا.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : الكلام هنا عن قوم هود، فلما دعاهم إلى عبادة الله وحده {قَالُوۤاْ أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا ..} [الأحقاف: 22] يعنى: تصرفنا {عَنْ آلِهَتِنَا ..} [الأحقاف: 22] أي المدَّعاة. والإفك: قَلْب الشيء على وجهه، وصرف الحق إلى الباطل، والصدق إلى الكذب. ومنه قوله تعالىِ: {أية : وَٱلْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَىٰ}تفسير : [النجم: 53] وهي القرى التي قلبها اللهُ رأساً على عَقِب {فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ ..} [الأحقاف: 22] أي: من العذاب {إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّادِقِينَ} [الأحقاف: 22] والعذاب الذي يعدهم به لا يأتيهم في الحال إنما يوم القيامة لكنهم يستعجلونه. لذلك خاطبهم بقوله: {أية : أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ الآنَ وَقَدْ كُنتُم بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ}تفسير : [يونس: 51]، وقال: {أية : يَوْمَ هُمْ عَلَى ٱلنَّارِ يُفْتَنُونَ * ذُوقُواْ فِتْنَتَكُمْ هَـٰذَا ٱلَّذِي كُنتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ}تفسير : [الذاريات: 13-14]. فهم يستعجلون العذاب لأنهم لا يؤمنون به ويُكذِّبونه، ولو أنهم يؤمنون به ما استعجلوه. ثم يرد عليهم بالجواب الطبيعى: {قَالَ إِنَّمَا ٱلْعِلْمُ عِندَ ٱللَّهِ ...}.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {لِتَأْفِكَنَا} معناه لِتَصرِفَنا.
الأندلسي
تفسير : {قَالُوۤاْ أَجِئْتَنَا} إستفهام تقرير وتوبيخ فيما أنذره إياهم من العذاب العظيم على ترك أفراد الله تعالى بالعبادة. {لِتَأْفِكَنَا} أي لتصرفنا. {عَنْ آلِهَتِنَا} بالإِفك وهو الكذب. {فَأْتِنَا} إستعجال منهم لحلول ما وعدهم به من العذاب العظيم والضمير في رأوه الظاهر أنه عائد على ما في قوله بما تعدنا وهو العذاب وانتصب عارضاً على الحال من المفعول. وقال الزمخشري: فلما رأوه في الضمير وجهان ان يرجع إلى ما تعدنا وأن يكون مبهماً وقد وضح أمره بقوله عارضاً إما تمييزاً وإما حالاً وهذا الوجه أعرب وأفصح "انتهى". هذا الذي ذكر أنه أعرب وأفصح ليس جارياً على ما ذكره النحاة لأن المبهم الذي يفسره ويوضحه التمييز لا يكون إلا في باب رب نحو ربه رجلاً لقيته وفي باب نعم وبئس على مذهب البصريين نحو نعم رجلاً زيد وبئس غلاماً عمرو وأما ان الحال توضح المبهم وتفسره فلا نعلم ان أحداً ذهب إليه وقد حصر النحاة الذي يفسره ما بعد فلم يذكروا فيه مفعول رأى إذا كان ضميراً ولا ان الحال تفسر الضمير وتوضحه والعارض المعترض في الجو من السحاب الممطر وأودية جمع واد وهو جمع شاذ في القياس إذ فاعل الإِسم لا يجمع على أفعلة. {بَلْ هُوَ} بل حرف إضراب وهو مبتدأ وما خبره وريح بدل من ما. {تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ} هو عام مخصوص بتدمير ما أمرت به وقرىء: ترى بالتاء مبنياً للمفعول مساكنهم رفع ولما أخبر بهلاك قوم عاد خاطب قريشاً على سبيل الموعظة فقال: {وَلَقَدْ مَكَّنَاهُمْ} وان نافية أي في الذي ما مكناكم فيه من القوة والغنى والبسط في الأجسام والأموال ولم يكن النفي بلفظ ما كراهة لتكرير اللفظ وإن اختلف المعنى. {وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِّنَ ٱلْقُرَىٰ} خطاب لقريش على جهة التمثيل لهم والذي حولهم من القرى ما رب وحجر ثمود وسدوم. {وَصَرَّفْنَا ٱلآيَاتِ} أي الحجج والدلائل. {فَلَوْلاَ نَصَرَهُمُ} أي فهلا نصرهم حين جاءهم الهلاك. {ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ} أي اتخذوهم من دون الله قرباناً أي في حال التقرب وجعلهم شفعاء. {آلِهَةَ} وهو المفعول الثاني لاتخذوا والأول الضمير المحذوف العائد على الموصول. وقال الزمخشري: وقرباناً حال ولا يصح أن يكون قرباناً مفعولاً ثانياً وآلهة بدل لفساد المعنى "انتهى". لم يبين الزمخشري كيف يفسر المعنى ويظهر أن المعنى صحيح على ذلك الإِعراب. {وَإِذْ صَرَفْنَآ إِلَيْكَ نَفَراً مِّنَ ٱلْجِنِّ} قضية الجن كانت مرتين: الأولى يأتي ذكرها. والثانية: حديث : ان الله تعالى أمره عليه السلام أن ينذر الجن ويقرأ عليهم القرآن فقال: إني أمرت أن أقرأ على الجن فمن يتبعني قالها ثلاثاً فأطرقوا إلا عبد الله بن مسعود قال: لم يحضره أحد ليلة الجن غيري فانطلقنا حتى إذا كنا في شعب الحجون خط لي خطاً وقال لا تخرج منه حتى أعود إليك ثم افتتح القرآن وسمعت لغطاً شديداً حتى خفت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وغشيته أسودة كثيرة حالت بيني وبينه حتى ما أسمع صوته ثم انقطعوا كقطع السحاب فقال لي هل رأيت شيئاً قلت: نعم رجالاً سوداً مستثفري ثياب بيض فقال: أولئك من نصيبين وكانوا اثني عشر ألفاً والسورة التي قرأها عليهم: {ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ} [العلق: 1] وفي آخر هذا الحديث قلت: يا رسول الله سمعت لهم لغطاً فقال: إنهم تدارؤا في قتيل لهم فحكمت بالحق . تفسير : {فَلَمَّا حَضَرُوهُ} أي القرآن. {قَالُوۤاْ أَنصِتُواْ} أي اسكتوا للإِستماع وفيه تأدب مع العلم وكيف يتعلم. {فَلَمَّا قُضِيَ} أي القرآن. {وَلَّوْاْ إِلَىٰ قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ} تفرقوا على البلاد ينذرون الجن قال قتادة: ما أسرع ما عقل القوم وعند ذلك وقعت قصة سواد بن فارب وخنافر وأمثالهما حين جاءهما ربياهما من الجن وكان سبب إسلامهما. {مِن بَعْدِ مُوسَىٰ} أي بعد كتاب موسى قال عطاء: كانوا على ملة اليهود. {أَجِيبُواْ دَاعِيَ ٱللَّهِ} هو الرسول صلى الله عليه وسلم وآمنوا به يعود على الله. {يَغْفِرْ لَكُمْ مِّن ذُنُوبِكُمْ} من للتبعيض. {وَيُجِرْكُمْ مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} وهذا كله وظواهر القرآن يدل على أن الجن مكلفون ولم ينص هنا على ثوابهم إذ أطاعوا وعمومات القرآن تدل على الثواب وكذا قال ابن عباس: لهم ثواب وعليهم عقاب يلتقون في الجنة ويزدحمون على أبوابها. {فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ} أي بفائت من عقابه إذ لا منجا ولا مهرب منه. قال الزمخشري: ويجوز أن يراد عرض النار عليهم من قولهم: عرضت الناقة على الحوض يريدون عرض الحوض عليها فقلبوا ويدل عليه تفسير ابن عباس يجاء بهم إليها فيكشف لهم عنها "انتهى". لا ينبغي حمل القرآن على القلب إذ الصحيح في القلب أنه مما يضطر إليه في الشعر وإذا كان المعنى صحيحاً واضحاً مع عدم القلب فأي ضرورة تدعو إليه وليس في قولهم عرضت الناقة على الحوض ولا في تفسير ابن عباس ما يدل على القلب لأن عرض الناقة على الحوض وعرض الحوض على الناقة كل منهما كل منهما صحيح أو العرض أمر نسبي يصح إسناده لكل واحد من الحوض والناقة. {أَلَيْسَ هَـٰذَا بِٱلْحَقِّ} أي يقال لهم والإِشارة بهذا إلى العذاب. {قَالُواْ بَلَىٰ وَرَبِّنَا} تصديق حيث لا ينفع فيقول لهم المجاوب من الملائكة عند ذلك فذوقوا العذاب. {فَٱصْبِرْ} الفاء عاطفة هذه الجملة على الجملة من إخبار الكفار في الآخرة والمعنى بينهما مرتبط أي هذه حالهم مع الله تعالى فلا تستعجل أنت واصبر ولا تخف إلا الله تعالى وأولوا العزم أي الجد من الرسل. {وَلاَ تَسْتَعْجِل لَّهُمْ} أي لكفار قريش بالعذاب أي لا تدع بتعجيله لهم فإِنه نازل بهم لا محالة وإن تأخر وإنهم مستقصرون حينئذٍ مدة لبثهم في الدنيا كأنهم لم يلبثوا فيها إلا ساعة من نهار بلاغ يعني به القرآن والشرع أي هذا بلاغ أي تبليغ وإنذار وبلاغ مبتدأ خبره لهم. {فَهَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ ٱلْقَوْمُ ٱلْفَاسِقُونَ} في هذه الآية وعيد وإنذار.
الجيلاني
تفسير : وبعدما سمعوا منه ما سمعوا من التوحيد {قَالُوۤاْ} له متهكمين معه مشنعين عليه {أَجِئْتَنَا} مدعياً ملتزماً {لِتَأْفِكَنَا} وتصرفنا {عَنْ آلِهَتِنَا} أي: عن عبادتهم وإطاعتهم، ونؤمن بك وبإلهك، وبالجملة: لا نؤمن بك ولا نصدقك في قولك {فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ} وتخوفنا من العذاب على الشرك الآن {إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّادِقِينَ} [الأحقاف: 22] في دعواك أنه آت لا محالة. وبعدما استهزؤوا معه واستعجلوا بالعذاب الموعود {قَالَ} هود: إني أعلم بمقتضى الوحي الإلهي أنه آت، ولا أعلم متى يأتي؛ إذ لم يوح إلى وقت إتيانه بل {إِنَّمَا ٱلْعِلْمُ} بوقت نزوله {عِندَ ٱللَّهِ} المطلع على عموم الغيوب {وَ} إنما {أُبَلِّغُكُمْ مَّآ أُرْسِلْتُ بِهِ} وأمرت بتبليغه من عنده؛ إذ ما على الرسول إلا البلاغ {وَلَـٰكِنِّيۤ أَرَاكُمْ} بسبب إعراضكم عن الحق وأهله وإصراركم على الشرك الباطل والضلال والزائل {قَوْماً تَجْهَلُونَ} [الأحقاف: 23] عن كمال عظمة الله وعزته، ومن مقتضيات قوته وقدرته. وبالجملة: قال هود عليه السلام ما قال، وهم كانوا على شركهم وإصرارهم كما كانوا {فَلَمَّا رَأَوْهُ} يوماً من الأيام {عَارِضاً} سحاباً ذا عرض على الأفق {مُّسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ} أي: متوجهاً لأمكنتهم التي كانوا متوطنين فيها، وكانوا حينئذ، قد حبس عليهم القطر، فلما رأوها حينئذ {قَالُواْ} فرحين مستبشرين: {هَـٰذَا عَارِضٌ} مبارك توجه نحو بلادنا هو {مُّمْطِرُنَا} مطراً عظيماً، وهم استدلوا بسواده إلى كثرة مائه، وبعدما استبشروا في ما بينهم، قال هود: {بَلْ هُوَ مَا ٱسْتَعْجَلْتُم بِهِ} واستبشرتهم باستقباله {رِيحٌ} عاصفة لا راحة فيها بل {فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ} [الأحقاف: 24] لا عذاب أشد منه. إذ {تُدَمِّرُ} وتهلك {كُلَّ شَيْءٍ} ذي حياة {بِأَمْرِ رَبِّهَا} وبمقتضى مشيئته، وبعدما وصلت الريح دمرتهم تدميراً إلى حيث استأصلهم {فَأْصْبَحُواْ لاَ يُرَىٰ} منهم {إِلاَّ مَسَاكِنُهُمْ} أي: سوى دورهم الخربة وأطلالهم المندرسة، وليس هذا مخصوصاً بهم بل {كَذَلِكَ نَجْزِي} عموم {ٱلْقَوْمَ ٱلْمُجْرِمِينَ} [الأحقاف: 25] الخاريجن عن ربقة عبوديتنا بارتكاب الجرائم والآثام.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):