٤٦ - ٱلْأَحْقَاف
46 - Al-Ahqaf (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
24
Tafseer
المحلي و السيوطي
تفسير : {فَلَمَّا رَأَوْهُ } أي ما هو العذاب {عَارِضاً } سحاباً عرض في أفق السماء {مُّسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُواْ هَٰذَا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا } أي مطرأتانا. قال تعالى:{بَلْ هُوَ مَا ٱسْتَعْجَلْتُم بِهِ } من العذاب {رِيحٌ } بدل من ما {فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ } مؤلم.
ابن عبد السلام
تفسير : العارض: السحاب لأخذه في عرض السماء أو لأنه يملأ آفاقها، أو لأنه مار فيها والعارض المار الذي لا يلبث وهذا أشبه، وكان المطر أبطأ عنهم فظنوه سحاباً ممطراً. فقال بكر بن معاوية منهم هذا عارض ممطر فنظر إليه هود فقال {بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ} لأنهم استعجلوا العذاب استهزاء فنظر بكر بن معاوية إلى السحاب فقال إني لأرى سحاباً مرمداً لا يبقى من عاد أحداً، والريح: الدبور كانت تأتيهم بالرجل الغائب حتى تقذفه في ناديهم واعتزل هود والمؤمنون في حظيرة لا يصيبهم منها إلا ما يلين على الجلود وتلذ به الأنفس وإنها لتمر من عاد بالظُّعن بين السماء والأرض قال شاعرهم: شعر : فدعا هود عليهم دعوة أضحوا همودا عصفت ريح عليهم تركت عادا خمودا سخرت سبع ليال لم تدع في الأرض عودا تفسير : وعُمِّر هود بعدهم في قومه مائة وخمسين سنة.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم من طرق عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {هذا عارض ممطرنا} قال: هو السحاب. وأخرج سعبد بن منصور وأحمد وعبد بن حميد والبخاري ومسلم وأبو داود وابن المنذر وابن مردويه عن عائشة رضي الله عنها قالت: "حديث : ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم مستجمعاً ضاحكاً حتى أرى منه لهواته، إنما كان يتبسم، وكان إذا رأى غيماً أو ريحاً عرف ذلك في وجهه. قلت يا رسول الله إن الناس إذا رأوا الغيم فرحوا رجاء أن يكون فيه المطر، وإذا رأيته عرف في وجهك الكراهية. قال يا عائشة وما يؤمنني أن يكون فيه عذاب، قد عذب قوم بالريح وقد رأى قوم العذاب فقالوا {هذا عارض ممطرنا} ". تفسير : وأخرج عبد بن حميد ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجة عن عائشة رضي الله عنها قالت: "حديث : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا عصفت الريح قال: اللهم إني أسألك خيرها وخير ما فيها وخير ما أرسلت به وأعوذ بك من شرها وشر ما فيها وشر ما أرسلت به، فإذا تخيلت السماء تغير لونه وخرج ودخل وأقبل وأدبر فإذا أمطرت سري عنه، فسألته فقال لا أدري لعله كما قال قوم عاد {هذا عارض ممطرنا} ". تفسير : وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب السحاب وأبو الشيخ في العظمة عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {فلما رأوه عارضاً مستقبل أوديتهم} قال غيم فيه مطر، فأول ما عرفوا أنه عذاب رأوا ما كان خارجاً من رحالهم ومواشيهم يطير بين السماء والأرض مثل الريش دخلوا بيوتهم وأغلقوا أبوابهم فجاءت الريح ففتحت أبوابهم، ومالت عليهم بالرمل، فكانوا تحت الرمل سبع ليال وثمانية أيام حسوماً لهم أنين، ثم أمر الريح فكشف عنهم الرمل وطرحتهم في البحر فهو قوله {فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم} . وأخرج ابن أبي الدنيا وأبو يعلى والطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"حديث : ما فتح الله على عاد من الريح التي هلكوا فيها إلا مثل الخاتم فمرت بأهل البادية فحملتهم وأموالهم فجعلتهم بين السماء والأرض، فلما رأى ذلك أهل الحاضرة من عاد الريح وما فيها {قالوا هذا عارض ممطرنا} فألقت أهل البادية ومواشيهم على أهل الحاضره ". تفسير : وأخرج الطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"حديث : ما فتح الله على عاد من الريح إلا موضع الخاتم أرسلت عليهم فحملت البدو إلى الحضر فلما رآها أهل الحضر {قالوا هذا عارض ممطرنا} مستقبل أوديتنا وكان أهل البوادي فيها فألقي أهل البادية على أهل الحاضرة حتى هلكوا، قال: عتت على خزَّانِها حتى خرجت من خلال الأبواب ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير عن عمرو بن ميمون رضي الله عنه قال: كان هود قاعداً في قومه فجاء سحاب مكفهر فقالوا {هذا عارض ممطرنا} فقال هود {بل هو ما استعجلتم به ريح فيها عذاب أليم} فجعلت تلقي الفسطاط وتجيء بالرجل الغائب. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير والحاكم وصححه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ما أرسل الله على عاد من الريح إلا قدر خاتمي هذا. وأخرج عبد بن حميد عن ميمون رضي الله عنه أنه قرأ "لا ترى إلا مساكنهم" بالتاء والنصب. وأخرج عبد بن حميد عن عاصم رضي الله عنه أنه قرأ {لا يرى إلا مساكنهم} بالياء ورفع النون.
اسماعيل حقي
تفسير : {فلما رأوه} الفاء فصيحة اى فأتاهم العذاب الموعود به فلما رأوه حال كونه {عارضا} اى سحابا يعرض فى افق السماء او يبدو فى عرض السماء {مستقبل اوديتهم} اى متوجها تلقاء اوديتهم والاضافة فيه لفظية ولذا وقع صفة للنكرة {قالوا هذا عارض ممطرنا} اى يأتينا بالمطر والاضافة فيه ايضا لفظية روى انه خرجت عليهم سحابة سودآء من واد لهم يقال الميثت وكانوا قد حبس عنهم المطر فلما شاهدوها قالوا ذلك مستبشرين بها مسرورين {بل هو} اى قال هود ليس الامر كذلك بل هو {ما استعجلتم به} من العذاب وبالفارسية اين نه ابر باران دهنده است بلكه او آن جيزيست كه تعجيل مزكرريد بدان {ريح} خبر لمبتدأ محذوف اى حوريح {فيها عذاب أليم} صفة لريح وكذ قوله
الجنابذي
تفسير : {فَلَمَّا رَأَوْهُ} رأوا الموعود {عَارِضاً} سحاباً عارضاً فى الافق {مُّسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُواْ هَـٰذَا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا} قال الملائكة او هودٌ او الله {بَلْ هُوَ مَا ٱسْتَعْجَلْتُم بِهِ} من العذاب {رِيحٌ} بدل من ما {فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ تُدَمِّرُ} التّدمير المبالغة فى الاهلاك {كُلَّ شَيْءٍ} من الانفس والاموال {بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأْصْبَحُواْ لاَ يُرَىٰ إِلاَّ مَسَاكِنُهُمْ} قرئ بالتّاء الفوقانيّة مبنيّاً للفاعل، او المفعول، وبالياء التّحتانيّة مبنيّاً للمفعول، ومساكنهم على حسبه والمعنى لا ترى الاّ سكونهم او محلّ سكناهم {كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْقَوْمَ ٱلْمُجْرِمِينَ} قد مضى قصّتهم فى سورة الاعراف وسورة هودٍ.
الأعقم
تفسير : {فلما رأوه} الضمير يرجع إلى العذاب {عارضاً}، قيل: سحاباً، وقيل: عذاباً، ساق الله اليهم سحابة سوداء وكان حبس عنهم المطر فلما رأوها {مستقبل أوديتهم قالوا هذا عارض ممطرنا} استبشروا وقالوا: هذا غيث ممطرنا {بل هو ما استعجلتم به ريح}، قيل: هو كلام هود، وقيل: هو كلام على سبيل الحكاية {تدمّر كل شيء بأمر ربّها} أي تهلك من نفر من عاد وأموالهم الجمّ الكثير {فأصبحوا لا يرى} الخطاب للرأي من كان، وقرئ لا يرى، وقيل: اقتلعت الريح كل شيء منتصب، وقيل: كانت ترفع الظعينة حتى ترى كأنها جرادة، وقيل: أول من أبصر العذاب امرأة منهم قالت: ريحاً فيها كشهب، وروي أول ما عرفوا أنه عذاب أنهم رأوه ما كان في الصحراء من رجالهم ومواشيهم تطير بهم الريح بين السماء والأرض، فدخلوا بيوتهم وأغلقوا أبوابهم فقلعت الريح الأبواب وصرعتهم، وأمال الله عليهم فكانوا تحتها سبع ليال وثمانية أيام، ثم كشف الريح عنهم فاحتملتهم فطرحتهم في البحر، وروي أن هوداً لما أحس بالريح خط على نفسه وعلى المؤمنين خطاً إلى عين تنبع، وعن ابن عباس: اعتزل هو ومن معه، وعن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان إذا رأى الريح فزع وقال: "حديث : اللهم إني أسألك خيرها وخير ما أرسلت به، وأعوذ بك من شرِّها وشر ما أرسلت به" تفسير : فلما ذكر هلاك قوم عاد وعظ قوم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وحذرهم أن ينزل بهم مثل ما نزل بأولئك فقال سبحانه: {ولقد مكَّناهم فيما ان مكناكم فيه} التخلية والإِمهال، أي لم يعاجلهم، وقيل: وسعنا عليهم فيما إن مكناكم فيه كذلك مكناكم، وقيل: فيما لم نمكنكم فيه، وعن ابن عباس: يعني في طول الأعمار، وقوة الأبدان، وكثرة الأموال {وجعلنا لهم سمعاً وأبصاراً وأفئدة} يعني مع هذا التمكين أعطيناهم حواساً سليمة: أعيناً يبصرون بها، وأذاناً يسمعون بها، وقلوباً يتفكرون بها، لينتفعوا بهذه الحواس {فما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شيء} أي لم تغن عنهم من عذابه لما نزل بهم {إذ كانوا يجحدون بآيات الله وحاق بهم} أي حلَّ بهم {ما كانوا به يستهزئون} من الوعيد والعذاب {ولقد أهلكنا ما حولكم من القرى} خطاب لأهل مكة مثل عاد وثمود أو أرض سدوم {وصرّفنا الآيات لعلّهم يرجعون} {فلولا نصرهم} أي هلا نصرهم عند نزول العذاب بهم {الذين اتخذوا من دون الله قرباناً آلهة} يعني الأصنام اتخذوها سبب يتقربون بها إلى الله على زعمهم {بل ضلّوا عنهم} أي ذهبوا عن نصرهم {وذلك إفكهم وما كانوا يفترون}، قيل: كذبهم الذي كانوا يقولون، ثم بيَّن تعالى أن في الجن مؤمناً وكافراً كما في الإِنس فقال سبحانه: {وإذ صرفنا إليك نفراً من الجن}، قيل: صرفهم اليه بالأمر، أمرهم يصيروا اليه، وقيل: صرفهم إليه بالألطاف، وقيل: صرفهم إليه بالشهب، فإنها لما كثرت في أيام الرسول وحرست السماء علم جماعةٌ من الجن أنه لأمرٌ عظيم فصرفوا إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لطلب العلم فكان الشهب لطفاً للجن، قيل: كانوا سبعة نفر فجعلهم رسلاً إلى قومهم، وقيل: تسعة، وقيل: من جن نصيبين من أشرافهم منهم زوبعة، فقربوا حتى بلغوا تهامة ثم اندفعوا إلى وادي نخلة، فرأى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو قائم في جوف الليل يصلي أو في صلاة الفجر فاستمعوا لقراءته، وذلك عند منصرفه من الطائف حين خرج اليهم يستنصرهم فلم يجيبوه إلى طلبته وأغروا به سفهاؤهم، وقيل: بل حديث : أمر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أن ينذر الجن ويقرأ عليهم، فصرف الله نفراً منهم جمعهم له فقال: "إني أمرت أن أقرأ على الجن الليلة فمن يتبعني؟" قالها ثلاثاً، فأطرقوا إلا عبد الله بن مسعود (رضي الله عنه) قال: لم يحضره ليلة الجن غيري، فانطلقنا حتى إذا كنا بأعلى مكة في شعب الحجون فخط لي خطاً وقال: لا تخرج حتى أعود إليك، ثم افتتح القراءة وسمعت صوتاً شديداً حتى خفت على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وغشيه أسودة كثيرة حالت حتى ما أسمع صوته ثم انقطعوا كقطع السحاب، فقال لي رسول الله: "رأيت شيئاً؟" قلت: نعم رجالاً سوداً بثياب بيض، فقال: "أولئك جن نصيبين وكانوا اثني عشر ألفاً" تفسير : والسورة التي قرأها {أية : إقرأ باسم ربك} تفسير : [العلق: 1] {فلما حضروه} للقرآن قالوا: {انصتوا} اسكتوا مستمعين {فلما قضى} تم قراءته وفرغ {ولوا إلى قومهم منذرين}.
اطفيش
تفسير : {فَلَمَّا رَأَوْهُ} (الهاء) للعذاب أو الى (ما) من قوله بما تعدنا أو الى (عارضاً) (وعارضاً) تمييز وحال وبدل من الهاء وهذا أغرب وأفصح وهو مما يعود فيه الضمير بما بعده لفظاً ورتبة* {عَارِضاً} سحاباً عرض في أفق السماء سمي لانه يمنع من رؤية السماء والقمرين والنجوم وقيل: العارض الذى يعرض في ناحية ثم يطبق السماء* {مُّسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ} متوجهاً اليها واضافته لفظية لانه للحال على ذلك المعنى أو للاستقبال أي آتياً وارداً أي سيمطرهم فلذلك وقع نعتاً لنكرة وكذا في {قَالُواْ هَذَا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا} وممطر للاستقبال فقط جاءهم من جانب واد يمطرون منه لا من غيره يقال له المغيث جاء سحابة سوداء وقد حبس عنهم المطر مدة طويلة ففرحوا شديداً وقال لهم هود ليس كما ترون* {بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ} استهزاء فأضمر القول ويدلل له قراءة ابن مسعود وقال: (هو دليل) الخ وقرئ (قل بل) الخ أي قال الله (قل بل هو ما استعجلتم به من العذاب)* {رِيحٌ} بدل من ماء أو خبر لمحذوف أي هو ريح أو هي ريح بالتأنيث للاخبار بالمؤنث لجواز نعت الريح {تُدَمِّرُ} نعت أيضاً أو حال من ريح ومن مجرور وفي معنى {تُدَمِّرُ} تهلك {كُلَّ شَيْءٍ} أي كل شيء أرسلت عليه وهو نفس عاد وأموالهم فحذف النعت لدليل ما تذر من شيء أنتم عليه الخ فذلك حمل مطلق على (مقيداً) ولما كانوا هم وأموالهم كثيراً عبر بالكلية عن الكثرة وقرئ (يدمر) بالتحتية المفتوحة والتخفيف ورفع كل من دمر يدمر كضرب يضرب أي هلك ورابط النعت أو الحال على هذا محذوف أي الها أو الضمير في ربها* {بِأَمْرِ رَبِّهَا} أي باذنه لا حركة ولا سكون الا بأمره وارادته وذكر الامر ليفيد أنها مأمورة من عنده وانها في قبضته وأضاف الرب الى (ها) وهو ضمير الريح ليدل انها مخلوقة له وان تصريفها شاهد قدرته ويجوز كون (يدمر) الخ بالتحتية استئنافاً للدلالة على أن لكل موجود سواء وقتاً مخصوصاً يهلك فيه فالعموم على ظاهره (وها) من (ربها) لكل شيء لانه بمعنى الأشياء* {فَأَصْبَحُواْ لاَ يُرَى} يا محمد لو حضرت بلادهم أو اياه من تمكن منه الرؤية {إِلاَّ مَسَاكِنُهُمْ} وقرأ عاصم وحمزة والكسائي بالمثناة تحت بالبناء للمفعول ورفع (المساكن) وقرأ الحسن بالمثناة فوق والبناء للمفعول ورفع (المساكن) مثل قوله: شعر : وما بقيت الا الضلوع الجراشع تفسير : قال ابن جني التأنيث مع الفصل بالالفة ضعيفة وأجازه ابن مالك في السعة ولم يقل انه لغة أهلكت الريح المسماة بالدبور أموالهم طارت بين السماء والارض ومزقتها وأنفسهم وصغارهم وكانت تحمل الفسطاط والظعينة حتى يرى ذلك كالجرادة وأول من أبصر العذاب امرأة منهم قالت رأيت ريحاً فيها كشهب النار وذكر ان أول ما عرفوا به انه عذاب انهم رأوا ما كان في الصحراء من رجال ومواش تطير بهم الريح فأغلقوا أبوابهم على أنفسهم فقلعتها الريح وصرعتهم ودفعتهم بالحجارة وأمال الله عليهم الاحقاف فكانوا تحتها سبع ليال وثمانية أيام لهم أنين ثم كشفت الريح عنهم فطرحتهم في البحر ولما أحسّ هود بالريح خط على نفسه ومن معه خطاً الى جنب عين تنبع ولم يصبهم الا ريح طيبة تلذذها النفس. ذكره الزمخشري وهذه معجزة عظيمة لهود صلى الله عليه وسلم وذلك مقدار الخاتم من الريح أرسله خازنها بأمر الله وفي هذا اظهار كمال قدرة الله. وفي الحديث "حديث : انه اذ رأى الريح أفزع وقال اللهم اني أسألك خيرها وخير ما أرسلت به وأعوذ بك من شرها ومن شر ما أرسلت به واذا رأى سحابة يرجى امطارها قام وقعد وجاء وذهب وتغير لونه فاذا أمطرت زال ذلك عنه" تفسير : وقالت له عائشة يوماً لِمَ ذلك والناس يفرحون اذا رأوا غيماً قال: "حديث : من يؤمنني أن تكون مثل ذات عاد اذ قالوا {هذا عارض ممطرنا}" تفسير : وانه قال "حديث : نصرت بالصبا وهلكت عاد بالدبور" تفسير : {كَذَلِكَ} أي كما جزيناهم* {نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ} المشركين كفار مكة والمراد غير قوم هود
اطفيش
تفسير : {فلمَّا} عطف على محذوف مستأنف، أى أتاهم، فلما الخ، أو محذوف معطوف أى فأتاهم فلما {رأوه} بأبصارهم، والهاء والمستتر فى أتاهم المقدر لما فى قوله: "أية : بما تعدنا" تفسير : [الأحقاف: 22] والذى رأوه لم يروه على أنه الموعود به، لأنهم أنكروا الموعود، وانما هو موعود عند الله، وباعتبار أنه سيعلمون أنه اذا نزل علموا أنه الموعود يصدق الموعود به عندهم لأنه سيكون هو الموعود به عندهم، أو الضميران مبهمان مفسران بقوله {عارضاً} حال باعتبار أصله من الوصفية، أو تمييز باعتبار تغلب الاسمية عليه، فانه السحاب الذى فى أفق السماء، سمى لأنه يعرض، لكن تفسير الضمير بما بعده مخصوص بأبواب، وليس منها تفسيره بالحال والتمييز، ولا مانع من اطراده مطلقا باعتبار نكتة الابهام، ثم البيان، ولا مانع من أن عرضا بدل، فقد فسر بالبدل. {مُسْتقبل أوْديتهم} اضافة مستقبل لفظية، لأنه وصف للحال، اضافته للمعرفة لا تفيد التعريف، فصح نعت النكرة به، وهى عارضا، كأنه منون ناصب لما بعده على المفعولية، والمفرد وادٍ، وجمع فاعل الذى هو غير وصف على أفعلة شاذ قياسا، فصيح استعمالا حيث ورد، فان واديا وصف تغلب عليه الاسمية، وكذا نادٍ لمعنى مجمع القوم، وجائزة للخشبة الممتدة فى أعلى السقف، تعتمد عليه خشب، وأصلهما وصف سمع أندية وأجوزة {قالُوا هَذا عارضٌ} سحاب {مُمْطِرنا} نعت للنكرة، لأنه وصف للاستقبال، كأنه منون ناصب لما بعده على المفعولية، وليست اضافة مثل ذلك مجازا كما قيل: لأن باب التقييد واسع، يقول ممطرهم لا ممطر غيرهم، والأصل يمطرهم،ثم كان المعنى بالاضافة أنه ممطر لهم، كما تقول: غلام زيد، وغلام له، فان مكرمك شخصه نسبته أنه لك بالاكرام، فانه ولو لم يفد فائدة زائدة على ما قبل الاضافة، لكن تجدد له معنى آخر معتبر بالاضافة، فلا تقل كما قيل لما لم يفد فائدة زائدة عد كأن اضافته كلا اضافة. {بلْ هُو ما اسْتعجَلْتم به} من العذاب أى قال هود: بل ذلك العارض هو ما استعجلتم به، كما قرأ بعض قال هود: بل هو الخ، وقدر بعض: قل بل هو الخ كما قرأ به بعض وذلك أنه لم يخاطبهم بذلك فى زمان، القرآن، ولا هو من كلام قوم هود القائلين: {هذا عارض} فاحتجنا الى التقدير، وقدر بعض قال الله: {بل هو} الخ ولا بأس لأن المراد قال الله فى ذلك الزمان، وبل على كل حال للاضراب الابطالى {ريحٌ} بدل من ما أو خبر لمحذوف، أى هو ريح، أو هى ريح بتأنيث الضمير لتأنيث خبر، لأن الريح يؤنث ويذكر، أو بدل من هو على أن هو خبر مقدم، وما مبتدأ، والواضح ما مرّ، ولفظ هو مبتدأ وما خبر، والتنكير للتعظيم، ويقال تقطع الريح المعتدلة فى ساعة نحو فرسخ، والمتوسطة نحو أربعة فراسخ، والقوية نحو ثمانية فراسخ، وما هى أقوى نحو ستة عشر فرسخا، وما هو أقوى منها، وتسمى العاصف نحو سبعة عشر فرسخا، وما فوقها، وتسمى المؤتفكة نحو تسعة وعشرين فرسخا، وأكثر ما قيل: ستة وثلاثين فرسخا، ونعت الريح بقوله: {فيها عَذابٌ أليمٌ} وبقوله: {تُدمِّر} تهلك {كُلَّ شىءٍ} أمرت بتدميره وهو نفوسهم وأموالهم، كما قيد فى آية أخرى بقوله: أتت عليه، وقد يفيد ذلك التقييد قوله عز وجل: {بأمر ربِّها} على معنى بحسب ما يأمرها الله باهلاكه، لا كل شىء مطلقا، بل أنفسهم وأموالهم الا المساكن، كما قال عز وجل: {فأصْبَحوا} أى صاروا، وذلك على انه أهلكوا نهارا، وإن أهلكوا ليلا فأصبحوا، أو فأتت الريح فدمرتهم فأصبحوا {لا يرى} يا محمد أو يا من يصلح للرؤية لو كنت فى ذلك الزمان، وفى ذلك المكان. {إلاَّ مساكنهم} قال ابن عباس رضى الله عنهما: أول ما رأوا من شأنها أنهم رأوا إبلهم وبقرهم وسائر حيوانهم بين السماء والأرض كالريش تحملها الريح، وتلقيها، فبادروا بيوتهم فأغلقوها على أنفسهم، ففتحتها ومالت عليهم بالرمال، فبقوا تحتها سبع ليال وثمانية أيام، وأرسل الله عز وجل الريح فكشف عنهم وألقتهم فى البحر، ويروى أن الريح تجيد الانسان من داخل البيت وتدقه، وتلقى عليه التراب، وترجمهم بالحجارة، وقيل: بقوا تحت الرمال، وبهذا أو بالالقاء فى البحر لا ترى الا مساكنهم، وعلى فرض أنهم بقوا بعد الهلاك بالأحقاف منكشفين، يكون المعنىلا تراهم على حالهم فى حياتهم، وكانت كعاقل مأمور. وروى أنه أول من أبصر العذاب منهم امرأة، رأت ريحا فيها كشهب النار، ولما أحس هود بالريح خط على نفسه والمؤمنين خطا الى جنب عين تنبع، وعن ابن عباس رضى الله عنهما: اعتزلوا فى حظيرة يصيبهم من الريح ما يلين جلودهم، وهى ريح واحدة على الكفار شديدة من جهة واحدة، وريح هود والمؤمنين معه رياح من هاهنا خفيفة. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول فى الريح: "حديث : اللهم اجعلها رياحاً لا ريحاً" تفسير : ويقول: "حديث : اللهم إني أسألك خيرها وخير ما فيها وخير ما أرسلت به، وأعوذ بك من شرها ومن شر ما فيها وشر ما أرسلت به" تفسير : وكان يتغير لونه بتعير السماء بالسحاب، ويخرج ويدخل ويقبل ويدبر، واذا أمطرت زال عنه ذلك، فسألته عائشة فقال: "حديث : لا أدري لعله كما قال قوم عاد هذا عارض ممطرنا" تفسير : {كَذلِك} مثل ذلك الجزاء فى الشدة بغير ريح ورمال {نَجْزي القَوم المُجْرمين} سائر المجرمين، والمراد الجنس لا الاستغراق، لأنه لم يهلك كل قوم مجرمين.
الالوسي
تفسير : والفاء في قوله تعالى: {فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضاً } فصيحة أي فأتاهم فلما رأوه، وضمير النصب قيل راجع إلى {مَا } في {أية : بِمَا تَعِدُنَا } تفسير : [الأحقاف: 22] وكون المرئي هو الموعود باعتبار المآل والسببية له وإلا فليس هو المرئي حقيقة، وجوز الزمخشري أن يكون مبهماً يفسره {عَارِضاً } وهو إما تمييز وإما حال، ثم قال: وهذا الوجه أعرب - أي أبين وأظهر لما أشرنا إليه في الوجه الأول من الخفاء - وأفصح لما فيه من البيان بعد الإبهام والإيضاح غب التعمية. وتعقبه أبو حيان ((بأن المبهم الذي يفسره ويوضحه التمييز لا يكون في باب رب نحو ربه رجلاً لقيته وفي باب نعم / وبئس على مذهب البصريين نحو نعم رجلاً زيد وبئس غلاماً عمرو، وأما أن الحال توضح المبهم وتفسره فلا نعلم أحداً ذهب إليه، وقد حصر النحاة المضمر الذي يفسره ما بعده فلم يذكروا فيه مفعول رأى إذا كان ضميراً ولا أن الحال يفسر الضمير ويوضحه))، وأنت تعلم جلالة جار الله وإمامته في العربية. والعارض السحاب الذي يعرض في أفق السماء، ومنه قول الشاعر:شعر : يا من رأى عارضاً أرقت له بين ذراعي وجبهة الأسد تفسير : وقول الأعشى:شعر : يا من رأى عارضاً قد بتُّ أَرْمُقُهُ كأنما البرق في حافاته الشُعَلُ تفسير : {مُّسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ } أي متوجه أوديتهم وفي مقابلتها، وهي جمع واد، وأفعلة في جمع فاعل الاسم شاذ نحو ناد وأندية وجائز للخشبة الممتدة في أعلى السقف وأجوزة والإضافة لفظية كما في قوله تعالى: {قَالُواْ هَـٰذَا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا } ولذلك وقعا صفتين للنكرة وأطلق عليها الزمخشري مجازية ووجه التجوز أن هذه الإضافة للتوسع والتخفيف حيث لم تفد فائدة زائدة على ما كان قبل فكما أن إجراء الظرف مجرى المفعول به مجاز كذلك إجراء المفعول أو الفاعل مجرى المضاف إليه في الاختصاص ولم يرد أنها من باب الإضافة لأدنى ملابسة. {بَلْ هُوَ مَا ٱسْتَعْجَلْتُم بِهِ } أي من العذاب والكلام على إضمار القول قبله أي قال هود بل هو الخ لأن الخطاب بينه وبينهم فيما سبق ويؤيده أنه قرىء كذلك، وقدره بعضهم قل بل هو الخ للقراءة به أيضاً والاحتياج إلى ذلك لأنه إضراب ولا يصلح أن يكون من مقول من قال {هَـٰذَا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا} وقدر البغوي قال الله بل هو الخ وينفك النظم الجليل عليه كما لا يخفى. وقرىء {بَل مَا ٱسْتَعْجَلْتُم } أي بل هو، وقرأ قوم {ما استعجلتم} بضم التاء وكسر الجيم. {رِيحٌ } بدل من {مَا } أو من {هُوَ } أو خبر لمبتدأ محذوف أي هي أو هو ريح {فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ } صفة {رِيحٌ } لكونه جملة بعد نكرة وكذا قوله تعالى: {تُدَمّرُ كُلّ شَيْء...}.
ابن عاشور
تفسير : الفاء لتفريع بقية القصة على ما ذكر منها، أي فلما أراد الله إصابتهم بالعذاب ورأوهُ عارض قالوا: {هذا عارض} إلى آخره، ففي الكلام تقدير يدل عليه السياق، ويسمى التفريع فيه فصيحة، وقد طوي ذكر ما حدث بين تكذيبهم هوداً وبين نزول العذاب بهم، وذكر في كتب تاريخ العرب أنهم أصابهم قحط شديد سنين، وأن هوداً فارقهم فخرج إلى مكة ومات بها، وقد قيل إنه دفن في الحِجر حول الكعبة، وتقدم في سورة الحجر. وقولهم: {هذا عارض ممطرنا} يشير إلى أنهم كانوا في حاجة إلى المطر. وورد في سورة هود (52) قول هود لهم: {أية : ويا قوم استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يُرسِل السماء عليكم مدراراً} تفسير : وقصتهم مبسوطة في تفسيرنا لسورة هود. وضمير {رأوه} عائد إلى {أية : ما تعَدِنا}تفسير : [الأحقاف: 22]، وهو العذاب. وأطلق على المرئي ضمير العذاب لأن المَرئِي سبب العذاب وهو ما حملته الريح. و {عارضاً} حال منه، والعارض: السحاب الذي يعترض جو السماء أي رأوه كالعارض. وليس المراد عارض المطر لأنه ليس كذلك وكيف قد أبطل قولهم: {هذا عارض ممطرنا} بقوله: {بل هو ما استعجلتم به ريح}. و {مستقبل أوديتهم} نعت لــ {عارضاً}. والاستقبال: التوجه قبالة الشيء، أي سائراً نحو أوديتهم. وأودية: جمع وادٍ جمعاً نادراً مثل نادٍ وأندية. ويطلق الواد على محلة القوم ونزلهم إطلاقاً أغلبياً لأنّ غالب منازلهم في السهول ومقارّ المياه. وفي حديث سعد بن معاذ بمكة بعد الهجرة وما جرى بينه وبين أبي جهل من تحاور ورفع صوته على أبي جهل فقال له أمية: لا ترفع صوتك على أبي الحكم سَيِّد أهل الوادي. وجمع الأودية باعتبار كثرة منازلهم وانتشارها. والعارض في قولهم: {هذا عارض ممطرنا}: السحاب العظيم الذي يعرض في الأفق كالجبل، و{ممطرنا} نعت لــ {عارض}. وقوله: {بل هو ما استعجلتم به} مقول لقول محذوف، يجوز أن يكون من قول هود إن كان هود بين ظَهرانيهم ولم يكن خرج قبل ذلك إلى مكة أو هو من قول بعض رجالهم رأى مخائل الشرّ في ذلك السحاب. قيل: القائل هو بكر بن معاوية من قوم عاد. قال لما رآه: «إني لأَرى سحاباً مرمداً لا تدع من عاد أحداً» لعله تبين له الحق من إنذار هود حين رأى عارضاً غير مألوف ولم ينفعه ذلك بعد أن حلّ العذاب بهم، أو كان قد آمن من قبل فنجّاه الله من العذاب بخارق عادة. وإنّما حذف فعل القول لتمثيل قائل القول كالحاضر وقت نزول هذه الآية، وقد سمع كلامهم وعلم غرورهم فنطق بهذا الكلام ترويعاً لهم. وهذا من استحضار الحالة العجيبة كقول مالك بن الريب:شعر : دعاني الهوى من أهل وُدِّي وجِيرتي بذي الشَّيِّطَيْن فالتفتُّ ورائيا تفسير : فتخيل داعياً يدعوه فالتفت، وهذا من التخيّل في الكلام البليغ. وجعل العذاب مظروفاً في الريح مبالغة في التسبب لأن الظرفيّة أشدّ ملابسة بين الظرف والمظروف من ملابسة السبب والمسبب. والتدمير: الإهلاك، وقد تقدم. و {كل شيء} مستعمل في كثرة الأشياء فإن (كُلاَّ) تأتي كثيراً في كلامهم بمعنى الكثرة. وقد تقدم عند قوله تعالى: {أية : ولو جاءتهم كل آية} تفسير : في سورة يونس (97). والمعنى: تدمر ما من شأنه أن تُدمره الريح من الإنسان والحيوان والديار. وقوله: بأمر ربها} حال من ضمير {تدمر}. وفائدة هذه الحال تقريب كيفية تدميرها كلَّ شيء، أي تدميراً عجيباً بسبب أمر ربها، أي تسخيره الأشياء لها فالباء للسببية. وأضيف الرب إلى ضمير الريح لأنها مسخرّة لأمر التكوين الإلهي فالأمر هنا هو أمر التكوين. {فأصبحوا} أي صاروا، وأصبح هنا من أخوات صار. وليس المراد: أن تدميرهم كان ليلاً فإنهم دمّروا أياماً وليالي، فبعضهم هلك في الصباح وبعضهم هلك مساء وليلاً. والخطاب في قوله: {لا ترى} لمن تتأتّى منه الرؤية حينئذٍ إتماماً لاستحضار حالة دمارهم العجيبة حتى كأن الآية نازلة في وقت حدوث هذه الحادثة. والمراد بالمساكن: آثارها وبقاياها وأنقاضها بعد قلع الريح معظمها. والمعنى: أن الريح أتت على جميعهم ولم يبق منهم أحد من ساكني مساكنهم. وقوله: {كذلك نجزي القوم المجرمين} أي مثل جزاء عاد نجزي القوم المجرمين، وهو تهديد لمشركي قريش وإنذار لهم وتوطئة لقوله: {أية : ولقد مكناهم فيما إن مكَّنَّاكم فيه}تفسير : [الأحقاف: 26]. وقرأ الجمهور {لا ترى} بالمثناة الفوقية مبنياً للفاعل وبنصب {مساكنهم} وقرأه عاصم وحمزة وخلف بياء تحتية مبنياً للمجهول وبرفع {مساكنُهم} وأجرى على الجمع صيغة الغائب المفرد لأن الجمع مستثنى بــ {إلاّ} وهي فاصلة بينه وبين الفعل.
الشنقيطي
تفسير : قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة فصلت في الكلام على قوله تعالى:{أية : فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِيۤ أَيَّامٍ نَّحِسَاتٍ}تفسير : [فصلت: 16].
د. أسعد حومد
تفسير : (24) - وَكَانَ اللهُ تَعَالى قَدْ حَبَسَ المَطَرَ عَنْ عَادٍ مُدَّةً مِنَ الزَّمَنِ، حَتَّى اشتَدَّ بِهِم العَطَشُ، ثُمَّ أَرْسَلَ إِليهِمْ غُيُوماً كَثِيفَةً اتَّجَهَتْ إِلى أودِيَتِهِمْ فَفَرِحَ بها قَوْمُ عَادٍ، واستَبْشَرُوا ظَنَّاً مِنْهُمْ أَنَّها سَحَائِبُ تَحمِلُ المَطَرَ. فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: هذا سَحَابٌ سَيُمْطِرُنا. وَقَالَ لهُمُ اللهُ تَعَالى (أَوْ قَالَه لَهُمْ هُودٌ عَليهِ السَّلاَمُ): بَل هُوَ العَذَابُ الذِي استَعْجَلْتُم بإِنْزَالِهِ بِكُم، حِينَ قُلْتُمْ لِرَسُولِكُم {أية : فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّادِقِينَ} تفسير : إِنَّهُ رِيحٌ تحمِلُ إِليكُمْ عَذاباً مُهْلِكاً شَدِيدَ الإِيلامِ. عارِضاً - سحاباً يَعْرِضُ فِي الأُفُقِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : يعني: بعد أن استعجلوا العذاب، وقالوا: {أية : فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّادِقِينَ}تفسير : [الأحقاف: 22] فجاءهم العذاب في صورة سحاب {فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضاً ..} [الأحقاف: 24] يعني: سحاباً يعترض في جو السماء {مُّسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ ..} [الأحقاف: 24] مقبلاً عليهم {قَالُواْ هَـٰذَا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا ..} [الأحقاف: 24] يعني: ظنوه سحاباً عادياً سيمطر على أوديتهم ويأتيهم بالخير. إذن: الهاء في {رَأَوْهُ ..} [الأحقاف: 24] تعود على السحاب، لأنه هو المعلوم في الكلام بدليل قولهم (ممطرنا) ولا يمطر إلا السحاب، فالقرينة دلّتْ على أنه السحاب. وكثيراً ما يعتمد القرآن في أسلوبه على القرائن التي تبين مرجع الضمير اعتماداً على أن العقلَ يدرك بذاته المسألة. اقرأ: {أية : وَلَوْ يُؤَاخِذُ ٱللَّهُ ٱلنَّاسَ بِمَا كَسَبُواْ مَا تَرَكَ عَلَىٰ ظَهْرِهَا مِن دَآبَّةٍ ..}تفسير : [فاطر: 45] والمراد: ظهر الأرض مع أنها لم تُذكر في السياق، لكن هي التي تأتي في الذهن، ولا يُفهم من الكلام إلا هذا. فالقاعدة أن الضمير لا بدَّ انْ يكون له مرجع، ولا يوجد ضمير غائب ليس له مرجع إلا شيء واحد هو إذا كان الضمير الغيبي للغيب المطلق وهو الحق سبحانه وتعالى، واستدلوا بقوله سبحانه: {أية : قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ}تفسير : [الإخلاص: 1] هو من؟ الله لأنها لا تنصرف إلا إليه سبحانه. تقول: جاء زيد فأكرمته - أى زيداً، وجاءت فاطمة فأكرمتُها. الهاء تعود على فاطمة وهكذا، ومرجع الضمير يكون لذات الشيء كما لو قلت: جاءني رجل فأكرمته - أي: أكرمتُ الرجل، وقد يعود على غير ذات الشيء كما لو قلت: تصَّدقْتُ بدرهم ونصفه، فالهاء في نصفه لا تعود على الدرهم المذكور إنما على درهم مثله، أي على نصف درهم مثله. لكن، لماذا ظنُّوا السحاب المعترض ممطراً؟ قالوا: لأنهم كانوا في جَذْب وقحط ينتظرون الماء، فرأوا سحاباً يعترض أفق السماء رأوه داكناً بطيئاً في سيره وهذه علامات السحاب الممطر، لأن أبطأ الدَّلاء فيضاً أملؤها، وأثقل السحب مشْياً أحفلها، فبُطء السحاب دلالة على أنه مُحمَّل بالماء وهم مُستشرفون للمطر، فظنوْه مطراً. إذن: أعطاهم الأمل في نزول المطر، فكلُّ العلامات تدل عليه، وفجأة تقطع عنهم هذا الأمل، وبين بسْط النفس بالأمل وقمْعها بقطع الأمل نوعٌ من النكاية والحسرة، يُسمُّونه (يأس بعد طمع). وهذا نوع من التعذيب في حَدِّ ذاته يستعمله مثلاً القائمون على التعذيب في السجن، فيمنعون الماء عن المسجون حتى يشتدَّ به العطش ويتوسَّل إليه ليشرب، فيأتيه العسكري بكوب ويُقرِّبه منه حتى يكون على شفتيه فيرميه على الأرض، وهذا إيلام وتعذيب، فليْته ما جاء بالماء أصلاً، لأن مجيء الماء أمامه بلاء فوق بلاء العطش. كذلك الحال في هؤلاء، استشرفوا للمطر وقالوا: يخلّصنا مما نحن فيه من الجدب، فإذا به يُنزل عليهم العذاب بدلاً من الماء، إذا به العذاب الذي سبق لهم أنْ كذّبوا به واستعجلوه {بَلْ هُوَ مَا ٱسْتَعْجَلْتُم بِهِ ..} [الأحقاف: 24] أي: من العذاب جاء متمثلاً في صورة {رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ} [الأحقاف: 24]. قلنا: إن كلمة الريح إذا جاءت هكذا مفردة دلَّتْ على أنها تحمل العذاب والشر. فقوله (ريح) أي: عذاب مُجمَل ثم يُفصِّله {فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ} [الأحقاف: 24] أما إذا جمعتْ (رياح) فإنها تدل على الخير، كما في قوله تعالى: {أية : وَتَصْرِيفِ ٱلرِّيَاحِ ..}تفسير : [الجاثية: 5] لأن تصريفها يسوق السحاب ويُجري السفن ويلقح الزهر .. إلخ. لذلك ورد في الحديث الشريف في دعاء هبوب الريح: "حديث : اللهم اجعلها رياحاً، ولا تجعلها ريحاً ". تفسير : وسبق أنْ بيَّنا أن الرياحَ طاقةٌ وقوة تصلح وتنفع إذا جاءتْ من جميع الجهات، وتدمر إذا جاءتْ من جهة واحدة، وتفريغ الهواء الآن عِلْم له قواعدُ يستخدمونه في التدمير. ثم إن الهواء نفسه مُقوِّم من مُقوِّمات الحياة وبدونه لا توجد حياة، لذلك جعله الله عاماً شائعاً في الكون لا يملكه أحد كما يملكون الطعام مثلاً، لأن مالك الهواء لو منعه عنك لحظة تموت، على خلاف الماء والطعام مثلاً. ثم بعد ذلك يُفصِّل القول في كلمة {فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ} [الأحقاف: 24] فيقول: {تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا ...}.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {هَـٰذَا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا} قال الإِمامُ زيد بن علي عليهما السّلامُ. فالعَارضُ: السَّحابُ الذي يُرى في نَاحيةٍ مِنْ نَواحي السّماءِ بالعِشي، ثم يُصبح وقد حَبا حتَّى استوى.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : {فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضاً}، فيه إشارة إلى أنه تعرض في سماء القلوب تارة عارض يعرض {مُّسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ} [الأحقاف: 24]، فيمطر مطر الرحمة يحي به الله أرض البشرية، فينبت منها الأخلاق الحسنة والأعمال الصالحة، وتارة يعرض عارض {قَالُواْ هَـٰذَا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا ٱسْتَعْجَلْتُم بِهِ} [الأحقاف: 24] بسوء أخلاقكم وفساد أعمالكم، {رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ} [الأحقاف: 24]. {تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ} [الأحقاف: 25]، تدمر كل شيء من الأخلاق الحميدة {بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأْصْبَحُواْ لاَ يُرَىٰ إِلاَّ مَسَاكِنُهُمْ} [الأحقاف: 25]؛ أي: أشخاصهم خالية عن الأخلاق والآداب والأعمال الصالحة، وقلوبهم فارغة من الصدق والإخلاص والرضاء والتسليم، {كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْقَوْمَ ٱلْمُجْرِمِينَ} [الأحقاف: 25]، المعرضين عن الحق المقبلين على الباطل. ثم أخبر عن تبيين أهل التمكن بقوله تعالى: {وَلَقَدْ مَكَّنَاهُمْ فِيمَآ إِن مَّكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعاً وَأَبْصَاراً وَأَفْئِدَةً} [الأحقاف: 26]، يشير إلى أن هذه الآلات أسباب تحصيل التوحيد، ولكن لمن يشأ الله به خيراً، {فَمَآ أَغْنَىٰ عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلاَ أَبْصَارُهُمْ وَلاَ أَفْئِدَتُهُمْ مِّن شَيْءٍ} [الأحقاف: 26]؛ أي: من التوحيد؛ إذ لم يشأ الله بهم خيراً ما جحدوا وما استهزءوا.
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير : 895 : 5 - سفين عن أبي اسحاق عن عمرو بن ميمون قال، لما رأى قوم عاد العارض، قالوا: {هَـٰذَا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا}. قال الله {بَلْ هُوَ مَا ٱسْتَعْجَلْتُم بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ * تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا}. فإِن كانت الريح لتدفع الراعي وغنمه بين السماء والأرض، ثم تقلبها عليهم. [الآية 24-25].
النسائي
تفسير : قوله تعالى: {فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضاً مُّسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُواْ هَـٰذَا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا} [24] 512 - أخبرنا محمد بن يحيى بن أيوب بن إبراهيم، قال: حدَّثنا حفصُ بن غياثٍ، قال: حدثنا ابن جُريجٍ، عن عطاءٍ. عن عائشة، قالت: حديث : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رأى ريحاً قام وقعد وأقبل وأدبر، قالت: فقلت له، فقال: "يا عائشة ما يُؤمنُني أن يكون كما قال (قومٌ) {فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضاً مُّسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُواْ هَـٰذَا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا ٱسْتَعْجَلْتُم بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ} قال: فيرى قطراتٍ فيسكنُ (صلى الله عليه وسلم) ".
همام الصنعاني
تفسير : 2856- عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ}: [الآية: 24]، قال: ذَكَرُوا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : نصرتُ بالصبا وأهلكت عادٌ بالدَّبُور ".
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):