٤٦ - ٱلْأَحْقَاف
46 - Al-Ahqaf (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
25
Tafseer
المحلي و السيوطي
تفسير : {تُدَمِّرُ } تهلك {كُلِّ شَىْءٍ } مرت عليه {بِأَمْرِ رَبِّهَا } بإرادته أي كل شيء أراد إهلاكه بها، فأهلكت رجالهم ونساءهم وصغارهم وأموالهم بأن طارت بذلك بين السماء والأرض ومزقته وبقي هود ومن آمن معه {فَأْصْبَحُواْ لاَ تُرَى ٰإلاّ مَسَٰكِنُهُمْ كَذَٰلِكَ } كما جزيناهم {نَجْزِي ٱلْقَوْمَ ٱلْمُجْرِمِينَ } غيرهم.
ابو السعود
تفسير : وكذَا قولُه تعالى: {تُدَمّرُ} أي تهلكُ {كُلّ شَىْء} من نفوسهم وأموالهم {بِأَمْرِ رَبّهَا} وقرىء يدمر كلَّ شيءٍ من دمَّر دماراً إذا هلكَ فالعائدُ إلى الموصوفِ محذوفٌ أو هو الهاءُ في ربِّها ويجوزُ أن يكونَ استئنافاً وارداً لبـيانِ أنَّ لكلَّ ممكنٍ فناءً مقضياً منوطاً بأمرِ بارئهِ، وتكونُ الهاءُ لكلِّ شيءٍ لكونِه بمعنى الأشياءِ وفي ذكرِ الأمرِ والربِّ والإضافةِ إلى الريحِ من الدلالة على عظمةِ شأنِه عزَّ وجلَّ ما لا يَخْفى. والفاءُ في قولِه تعالى: {فَأْصْبَحُواْ لاَ يُرَىٰ إِلاَّ مَسَـٰكِنُهُمْ} فصيحةٌ أي فجاءتْهُم الريحُ فدمرتْهُم فأصبحُوا بحيثُ لا يُرى إلا مساكنُهم. وقُرِىءَ تَرَى بالتاءِ ونصبِ مساكنُهم. خطاباً لكلِّ أحدٍ يتأتَّى منه الرؤيةُ تنبـيهاً على أنَّ حالَهُم بحيثُ لو حضرَ كلُّ أحدٍ بلادَهُم لا يَرَى فيها إلا مساكنَهُم. {كَذٰلِكَ} أي مثلَ ذلكَ الجزاء الفظيعِ. {نَجْزِي ٱلْقَوْمَ ٱلْمُجْرِمِينَ} وقد مرَّ تفصيلُ القصةِ في سورةِ الأعرافِ. وقد رُويَ أنَّ الريحَ كانتْ تحملُ الفُسطاطَ والظَّعينةَ فترفعُها في الجوِّ حتى تُرى كأنَّها جرادةٌ. قيلَ: أولُ من أبصرَ العذابَ امرأةٌ منُهم قالتْ رأيتُ ريحاً فيها كشهبِ النَّارِ، ورُويَ أنَّ أولَ ما عرفُوا به أنَّه عذابٌ ما رأوا ما كانَ في الصحراءِ من رحالِهم ومواشيهم تطيرُ بها الريحُ بـينَ السماءِ والأرضِ فدخلُوا بـيوتَهم وغلَّقوا أبوابَهم فقلعتِ الريحُ الأبوابَ وصرعَتْهم فأمالَ الله تعالى الأحقافَ فكانُوا تحتَها سبعَ ليالٍ وثمانيةَ أيامٍ لهم أنينٌ ثم كشفتِ الريحُ عنهُم فاحتملتهم فطرحتْهُم في البحرِ. ورُوِيَ أنَّ هُوداً عليهِ السَّلامُ لمَّا أحسَّ بالريحِ خطَّ على نفسِه وعلى المؤمنينَ حظاً إلى جنبِ عينٍ تنبَعُ. وعن ابنِ عبَّاسٍ رضيَ الله عنهُمَا اعتزلَ هودٌ ومن معَهُ في حظيرةِ ما يصيبُهم من الريحِ إلا ما يلينُ على الجُلودِ وتلذه الأنفسُ وإنَّها لتمرُّ من عادٍ بالظعنِ بـينَ السماءِ والأرضِ وتدمغُهم بالحجارةِ. {وَلَقَدْ مَكَّنَـٰهُمْ} أي قررنَا عاداً أو أقدرنَاهُم، وما في قولِه تعالى: {فِيمَا إِن مَّكَّنَّـٰكُمْ فِيهِ} موصولةٌ أو موصوفةٌ، وأنْ نافيةٌ، أيْ في الذِي أو في شيءٍ ما مكنَّاكُم فيهِ من السَّعةِ والبسطةِ وطولِ الأعمار وسائرِ مبادِيِ التصرفاتِ كَما في قولِه تعالى: { أية : أَلَمْ يَرَوْاْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مّن قَرْنٍ مَّكَّنَّـٰهُمْ فِى ٱلأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكّن لَّكُمْ} تفسير : [سورة الأنعام، الآية 6] وممَّا يُحسِّنُ موقعَ إنْ هَهُنا التَّفَصِّي عن تكررِ لفظةِ مَا، وهُو الدَّاعِي إلى قلبِ ألِفها هاءً في مَهْمَا، وجعلُها شرطيةً أو زائدةً مِمَّا لاَ يليقُ بالمقامِ. {وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعاً وَأَبْصَـٰراً وَأَفْئِدَةً} ليستعملُوهَا فيمَا خُلقتْ لهُ ويعرفُوا بكلَ منَها ما نِيطتْ بهِ معرفتُه من فنونِ النعمِ ويستدلُّوا بها على شؤونِ منعمِها عزَّ وجلَّ ويداومُوا على شُكرِه. {فَمَا أَغْنَىٰ عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ} حيثُ لم يستعملُوه في استماعِ الوَحي ومواعظِ الرسلِ. {وَلاَ أَبْصَـٰرُهُمْ} حيثُ لم يجتلُوا بها الآياتِ التكوينيةَ المنصوبةَ في صحائفِ العالمِ. {وَلاَ أَفْئِدَتُهُمْ} حيثُ لم يستعملُوها في معرفةِ الله تعالَى. {مِن شَىْء} أي شيئاً من الإغناءِ. ومِنْ مزيدةٌ للتأكيدِ. وقولُه تعالى: {إِذْ كَانُواْ يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ} متعلقٌ بما أَغْنَى وهو ظرفٌ جَرَى مجرى التعليلِ من حيثُ أنَّ الحكمَ مرتبٌ على ما أضيفَ إليهِ فإنَّ قولَكَ أكرمتُه إذْا أكرمنِي، في قوةِ قولِك أكرمتُه لإكرامِه لأنَّك إذا أكرمتَهُ وقتَ إكرامِه فإنَّما أكرمْتَه فيه لوجودِ إكرامِه فيهِ وكذا الحالُ في حيثُ {وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءونَ} من العذابِ الذي كانُوا يستعجلونَهُ بطريقِ الاستهزاءِ ويقولونَ فائْتنِا بما تعدُنا إن كنتَ من الصادقينَ.
اسماعيل حقي
تفسير : {تدمر} اى تهلك {كل شئ} مرت به من نفوسهم واموالهم فالاستغراق عرفى والمراد المشركون منهم {بامر ربها} اذ لا حركة ولا سكون الا بمشيئته تعالى واضاف الرب الى الريح مع انه تعالى رب كل شئ لتعظيم شأن المضاف اليه وللاشارة الى انها فى حركتها مأمورة وانها من اكابر جنود الله يعنى ليس ذلك من باب تأثيرات الكواكب والقرانات بل هو امر حدت ابتدآء بقدرة لله تعالى لاجل التعذيب {فاصبحوا} اى صاروا من العذاب بحال {لا يرى الا مساكنهم} الفاء فصيحة اى فجأتهم الريح فدمرتهم فاصبحوا لا يرى الا مساكنهم يعنى بس كشتند بحالىكه اكر كسى بديار ايشان رسيدى ديده نشدى مكر جايكاههاى ايشان يعنى همه هلاك شدند وجايكا ايشان خالى بماند {كذلك} الكاف منصوبة على معنى مثل ذلك الجزآء الفظيع يعنى الهلاك بعذاب الاستئصال {نجزى القوم المجرمين} قيل اوحى الله تعالى الى خزان الريح ان ارسلوا مقدار منخر البقر فقالوا يا رب اذا ننسف الارض ومن عليها فقال تعالى مثل حلقة الخاتم ففعلوا فجاءت ريح باردة من قبل المغرب واول ما عرفوا به انه عذاب ان رأوا ما كان فى الصحرآء من رحالهم ومواشيهم تطير بها الريح بين السماء والارض وترفع الظعينة فى الجو حتى ترى كأنها جرادة فتدمغها بالحجارة فدخلوا بيوتهم واغلقوا ابوابهم فقلعت الريح الابواب وسرعتهم فأمال الله الاحقاف عليهم فكانوا تحتها سبع ليال وثمانية ايام لهم انين ثم كشفت الريح عنهم الاحقاف فاحتملتهم فطرحتهم فى البحر وقد قالوا من اشد منا قوة فلا تستطيع الريح ان تزيل اقدامنا فغلبت عليهم الريح بقوتها فما اغنت عنهم قوتهم (وفى المثنوى) جمله ذرات زمين وآسمان لشكر حقندكاه امتحان بادرا ديدى كه با عادان جه كرد آب را ديدى كه باطوفان جه كرد. روى ان هودا عليه السلام لما أحس بالريح خط على نفسه وعلى المؤمنين خطا الى جنب عين تثبع ماء لا يصيبهم من الريح الا ما يلين على الجلود وتلذ الانفس وعمر هود بعدهم مائة وخمسين وقد مر تفصيل القصة فى سورة الاعراف فارجع والآية وعيد لاهل مكة على اجرامهم بالتكذيب فان الله تعالى قادر على ان يرسل عليهم ريحا مثل ريح عاد أو نحوها فلا بد من الحذر وعن عائشة رضى الله عنها حديث : كان النبى عليه السلام اذا رأى ريحا مختلفة تلون وجهه وتغير ودخل وخرج واقبل وادبر فذكرت ذلك له فقال "وما تدرون لعله كما قال الله تعالى فلما راوه عارضا" الخ فاذا امطرت سرى عنه ويقول وهو الذى يرسل شباح بشر بين يدى رحمته تفسير : وفى الآية اشارة الى انه يعرض فى سماء القلوب تارة عارض فيمطر مطر الرحمة يحيى الله به ارض البشرية فينبت منها الاخلاق الحسنة والاعمال الصالحة وتارة يعرض عارض ضده بسوء الاخلاق وفساد الاعمال فتكون اشخاصهم خالية عن الحير كالاخلاق والاداب والاعمال الصالحة وقلوبهم فارغة من الصدق والاخلاص والرضى والتسليم وهو جزآء القوم المعرضين عن الحق المقبلين على الباطل يقول الفقير وفيه اشارة ايضا الى قوم ممكورين مقهورين يحسبون انهم من اهل اللطف والكرم فيأمرون برفع القباب على قبورهم بعد موتهم او يفعل بهم ذلك من جهة الجهلة فصاروا بحيث لا يرى الا القبور والقباب وليس فيها احد من الاحباب بلى من اهل العذاب ونعم ما قالوا لا تهيئ لنفسك قبرا وهيئ نفسك للقبر نسأل الله سبحانه ان يوفقنا لما يحبه ويرضاه ويحفظنا مما يوجب اذاه ويخالف رضاه
الالوسي
تفسير : {تُدَمّرُ} أي تهلك {كُلّ شَيْء } من نفوسهم وأموالهم أو مما أمرت بتدميره {بِأَمْرِ رَبّهَا } ويجوز أن يكون مستأنفاً. وقرأ زيد بن علي {تدمر } بفتح التاء وسكون الدال وضم الميم، وقرىء كذلك أيضاً إلا أنه بالياء ورفع {كُلٌّ } على أنه فاعل {يدمر} وهو من دمر دماراً أي هلك، والجملة صفة أيضاً والعائد محذوف أي بها أو الضمير من {رَبِّهَا } ويجوز أن يكون استئنافاً كما في قراءة الجمهور وأراد البيان أن لكل ممكن وقتاً مقتضياً منوطاً بأمر بارئه لا يتقدم ولا يتأخر ويكون الضمير من {رَبِّهَا } لكل شيء فإنه بمعنى الأشياء. وفي ذكر الأمر والرب والإضافة إلى الريح من الدلالة على عظمة شأنه عز وجل ما لا يخفى. والفاء في قوله تعالى: {فَأْصْبَحُواْ لاَ يُرَىٰ إِلاَّ مَسَـٰكِنُهُمْ } فصيحة أي فجأتهم الريح فدمرتهم فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم وجعلها بعضهم فاء التعقيب على القول بإضمار القول مسنداً إليه تعالى وادعى أنه ليس هناك قول حقيقة بل هو عبارة عن سرعة استئصالهم وحصول دمارهم من غير ريث وهو كما ترى. وقرأ الجمهور {لا ترى } بتاء الخطاب {إلا مساكنهم } بالنصب، والخطاب لكل أحد تتأتى منه الرؤية تنبيهاً على أن حالهم بحيث لو حضر كل أحد بلادهم لا يرى إلا مساكنهم أو لسيد المخاطبين صلى الله عليه وسلم، وقرأ أبو رجاء ومالك بن دينار بخلاف عنهما والجحدري والأعمش وابن أبـي إسحٰق والسلمي {لا ترى } بالتاء من فوق مضمومة {إلا مساكنهم} بالرفع وجمهور النحاة على أنه لا يجوز التأنيث مع الفصل بإلا إلا في الشعر كقول ذي الرمة:شعر : / كأنه جمل هم وما بقيت إلا النحيزة والألواح والعصب تفسير : وقول الآخر وعزاه ابن جني لذي الرمة أيضاً:شعر : برى النحز والأجرال ما في غروضها وما بقيت إلا الضلوع الجراشع تفسير : وبعضهم يجيزه مطلقاً وتمام الكلام فيه في محله، وقرأ عيسى الهمداني {لا يرى } بضم الياء التحتية {إلا مسكنهم} بالتوحيد والرفع وروى هذا عن الأعمش ونصر بن عاصم، وقرىء {لا ترى} بتاء فوقية مفتوحة {إلا مسكنهم} مفرداً منصوباً وهو الواحد الذي أريد به الجمع أو مصدر حذف مضافه أي آثار سكونهم. {كَذٰلِكَ } أي مثل ذلك الجزاء الفظيع {نَجْزِي ٱلْقَوْمَ ٱلْمُجْرِمِينَ } أخرج ابن أبـي الدنيا في «كتاب السحاب» وأبو الشيخ في «العظمة» عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال في قوله تعالى: {أية : فَلَمَّا رَأَوْهُ}تفسير : [الأحقاف: 24] الآية أول ما عرفوا أنه عذاب ما رأوا ما كان خارجاً من رحالهم ومواشيهم يطير بين السماء والأرض مثل الريش فدخلوا بيوتهم وأغلقوا أبوابهم فجاءت الريح ففتحت أبوابهم ومالت عليهم بالرمل فكانوا تحت الرمل سبع ليال وثمانية أيام حسوماً لهم أنين فأمر الله تعالى الريح فكشفت عنهم الرمل وطرحتهم في البحر فهو قوله تعالى: {فَأْصْبَحُواْ لاَ يُرَىٰ إِلاَّ مَسَـٰكِنُهُمْ }. وروي أن أول من أبصر العذاب امرأة منهم رأت ريحاً فيها كشهب النار، وروي أن هوداً عليه السلام لما أحس بالريح خط على نفسه وعلى المؤمنين خطاً إلى جنب عين تنبع، وعن ابن عباس أنه عليه السلام اعتزل ومن معه في حظيرة ما يصيبهم من الريح إلا ما يلين به الجلود وتلذه الأنفس، وإنها لتمر من عاد بالظعن بين السماء والأرض وتدمغهم بالحجارة، وكانت كما أخرج ابن أبـي شيبة وابن جرير عن عمرو بن ميمون تجيء بالرجل الغائب، ومر في سورة الأعراف مما يتعلق بهم ما مر فارجع إليهم إن أردته. ولِمَا أصابهم من الريح ما أصابهم كان صلى الله عليه وسلم يدعو إذا عصفت الريح. أخرج مسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه وعبد بن حميد عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: «حديث : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا عصفت الريح قال: اللهم إني أسألك خيرها وخير ما فيها وخير ما أرسلت به وأعوذ بك من شرها وشر ما فيها وشر ما أرسلت به فإذا أخيلت السماء تغير لونه صلى الله عليه وسلم وخرج ودخل وأقبل وأدبر فإذا مطرت سُرِّيَ عنه فسألته فقال عليه الصلاة والسلام: لا أدري لعله كما قال قوم عاد {هَـٰذَا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا} [الأحقاف: 24]».
د. أسعد حومد
تفسير : {مَسَاكِنُهُمْ} (25) - وهذهِ الرِّيحُ التي أَرسَلَها اللهُ عَلَى قَوْمِ عَادٍ تُهلكُ وَتُخَرِّبُ كُلَّ شَيءٍ مَرَّتْ بِهِ بإِذن رَبِّها. وَوَصَفَهَا تَعَالى في آيةٍ أخْرى بأنَّها (أية : مَا تَذَرُ مِن شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلاَّ جَعَلَتْهُ كَٱلرَّمِيمِ) تفسير : وَسَلَّطَ اللهُ تَعَالى هذهِ الرِّيحَ العَاتيةَ على قَومِ عَادٍ، فَهَبَّتْ عَلَيهِمْ سَبْعَ لَيالٍ وَثَمانِيةَ أيَّامٍ كَامِلاَتٍ مُتَتَالِيَاتٍ، فَأهْلَكَتْهُمْ جَميعاً، ولم تَترُكْ لَهُمْ في أَرْضِهِمْ مِنْ بَاقِيةٍ، وَلَم يَعُدْ يُرى في دِيَارِهم إِلاَّ مَسَاكِنُهُمْ خَالِيةً لا سَاكِنَ فِيها. وَيُخْبِرُ تَعَالى أَنَّهُ يُعَاقِبُ بِمِثْلِ هذِهِ العُقُوبَةِ كُلَّ مَنْ كَذَّبَ رُسُلَهُ، وَخَالَفَ أَوَامِرَهُ. تُدَمِّر - تُهْلِكُ وَتُخَرِّبُ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : كلمة {تُدَمِّرُ ..} [الأحقاف: 25] تهلك {كُلَّ شَيْءٍ ..} [الأحقاف: 25] يعني: لا تُبقي لهم شيئاً {بِأَمْرِ رَبِّهَا ..} [الأحقاف: 25] خالقها ومُجريها، فهي لا تُهلك بطبيعتها إنما بأمر الله لها، فبدل أنْ تأتيهم بالخير أتتهم بالشر، فتحتاج هنا إلى أمر زائد من الله بأنْ تتحول إلى الشر، وتُهلك بدل أنْ تعمِّر. ولا يملك هذا الأمر إلا الله، ولا يُخرجها عن طبيعتها إلا خالقها سبحانه، كما أخرج النار عن طبيعتها في قصة سيدنا إبراهيم، فقال لها: {أية : يٰنَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلَٰماً عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ} تفسير : [الأنبياء: 69]. إذن: استجابتْ الريحُ لأمر ربها، وأهلكتهم هلاكاً لم يُبْق لهم شيئا من متاعهم إلا بقايا بيوتهم {فَأْصْبَحُواْ لاَ يُرَىٰ إِلاَّ مَسَاكِنُهُمْ ..} [الأحقاف: 25] ولماذا أبقتْ على مساكنهم؟ قالوا: لتكون عبرة لغيرهم، وأثراً من آثارهم الدَّالة عليهم وعلى نزول العذاب بهم، وإنْ كانت هذه القرى مطمورة تحت الأرض، لأنهم كما قلنا: كانوا في وادٍ من الرمال هو (الأحقاف)، وهذه الرمال هي التي طمرتهم. قالوا: لما أراد اللهُ إهلاكهم وسلَّط عليهم الريح العاصف، فأوَّل مَنْ رأى العذاب امرأةٌ منهم، رأتْ بيتها يطير في الهواء مثل الطير. ولما فاجأهم العذاب دخلوا البيوت يحتمون بها من شدة العواصف، فدخلتْ الريح وراءهم البيوت، ودخلت عليهم الرمال حتى دفنتهم فيها، ونفس الريح التي طمرتهم هي التي كشفتْ عنهم وأظهرتْ جيَفهم ليعتبر الناسُ بها ثم أُلقُوا في البحر. {كَذَلِكَ ..} [الأحقاف: 25] أي: بمثل هذا {نَجْزِي ٱلْقَوْمَ ٱلْمُجْرِمِينَ} [الأحقاف: 25] فالجزاء ليس ظلماً ولا عدواناً، إنما جزاء من جنس العمل، فما استحقوا هذا العذاب إلا لأنهم مجرمون. أما الذين آمنوا بسيدنا هود وصدَّقوا دعوته فقد حصَّنهم من العذاب بأنْ خَطَّ حول مساكنهم خطاً، وكأن لسانَ حاله يقول: يا ربّ هؤلاء هم المؤمنون بدعوتي، فنجِّهم واحرسهم فنجّاهم الله. وقوله تعالى: {كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْقَوْمَ ٱلْمُجْرِمِينَ} [الأحقاف: 25] إنذار وتحذير لكفار قريش، يعني: يا كفار قريش خُذُوا عبرة ممَّنْ كذّب الرسل قبلكم، فهذا جزاء كلِّ كافر مخالف لمنهج الله مكذِّب لرسله، وهذه هي الصورة أمامكم. ثم يُوجِّه الخطاب إليهم: {وَلَقَدْ مَكَّنَاهُمْ فِيمَآ إِن مَّكَّنَّاكُمْ فِيهِ ...}.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):