Verse. 4536 (AR)

٤٦ - ٱلْأَحْقَاف

46 - Al-Ahqaf (AR)

وَلَقَدْ مَكَّنّٰہُمْ فِيْمَاۗ اِنْ مَّكَّنّٰكُمْ فِيْہِ وَجَعَلْنَا لَہُمْ سَمْعًا وَّاَبْصَارًا وَّاَفْـــِٕدَۃً۝۰ۡۖ فَمَاۗ اَغْنٰى عَنْہُمْ سَمْعُہُمْ وَلَاۗ اَبْصَارُہُمْ وَلَاۗ اَفْــِٕدَتُہُمْ مِّنْ شَيْءٍ اِذْ كَانُوْا يَجْـحَدُوْنَ۝۰ۙ بِاٰيٰتِ اللہِ وَحَاقَ بِہِمْ مَّا كَانُوْا بِہٖ يَسْتَہْزِءُوْنَ۝۲۶ۧ
Walaqad makkannahum feema in makkannakum feehi wajaAAalna lahum samAAan waabsaran waafidatan fama aghna AAanhum samAAuhum wala absaruhum wala afidatuhum min shayin ith kanoo yajhadoona biayati Allahi wahaqa bihim ma kanoo bihi yastahzioona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ولقد مكناهم فيما» في الذي «إن» نافية أو زائدة «مكناكم» يا أهل مكة «فيه» من القوة والمال «وجعلنا لهم سمعا» بمعنى أسماعا «وأبصارا وأفئدة» قلوبا «فما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شيء» أي شيئا من الإغناء ومن زائدة «إذ» معمولة لأغنى وأشربت معنى التعليل «كانوا يجحدون بآيات الله» بحججه البينة «وحاق» نزل «بهم ما كانوا به يستهزءُون» أي العذاب.

26

Tafseer

القرطبي

تفسير : قوله تعالى:{وَلَقَدْ مَكَّنَاهُمْ فِيمَآ إِن مَّكَّنَّاكُمْ فِيهِ} قيل: إن «إنْ» زائدة؛ تقديره ولقد مكناكم فيما مكناكم فيه. وهذا قول القتبيّ. وأنشد الأخفش:شعر : يُرَجِّي المرءُ ما إن لا يراه وتعرِض دون أدناه الخطوب تفسير : وقال آخر:شعر : فما إنْ طِبُّنَا جُبْنَ ولكن منايانا ودَوْلَةُ آخرينا تفسير : وقيل: إن «ما» بمعنى الذي. و «إن» بمعنى ما؛ والتقدير ولقد مكناهم في الذي ما مكناكم فيه؛ قاله المبرّد. وقيل: شرطية وجوابها مضمر محذوف؛ والتقدير ولقد مكناهم في ما إن مكناكم فيه كان بغيكم أكثر وعنادكم أشدّ؛ وتم الكلام، ثم ابتدأ فقال: {وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعاً وَأَبْصَاراً وَأَفْئِدَةً} يعني قلوباً يفقهون بها. {فَمَآ أَغْنَىٰ عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلاَ أَبْصَارُهُمْ وَلاَ أَفْئِدَتُهُمْ مِّن شَيْءٍ} من عذاب الله. {إِذْ كَانُواْ يَجْحَدُونَ} يكفرون. {بِآيَاتِ ٱللَّهِ وَحَاقَ بِه} أحاط بهم. {مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ}.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى: ولقد مكنا الأمم السالفة في الدنيا من الأموال والأولاد، وأعطيناهم منها مالم نعطكم مثله ولا قريباً منه {وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعاً وَأَبْصَـٰراً وَأَفْئِدَةً فَمَآ أَغْنَىٰ عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلاَ أَبْصَـٰرُهُمْ وَلاَ أَفْئِدَتُهُمْ مِّن شَيْءٍ إِذْ كَانُواْ يَجْحَدُونَ بِـآيَـٰتِ ٱللَّهِ وَحَاقَ بِهم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ} أي وأحاط بهم العذاب والنكال الذي كانوا يكذبون به ويستبعدون وقوعه، أي فاحذروا أيها المخاطبون أن تكونوا مثلهم، فيصيبكم مثل ما أصابهم من العذاب في الدنيا والآخرة. وقوله تعالى: {وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِّنَ ٱلْقُرَىٰ} يعني: أهل مكة، وقد أهلك الله الأمم المكذبة بالرسل مما حولها كعاد، وكانوا بالأحقاف بحضرموت عند اليمن، وثمود، وكانت منازلهم بينهم وبين الشام، وكذلك سبأ وهم أهل اليمن، ومدين وكانت في طريقهم وممرهم إِلى غزة، وكذلك بحيرة قوم لوط كانوا يمرون بها أيضاً، وقوله عز وجل: {وَصَرَّفْنَا ٱلآيَـٰتِ} أي بيناها وأوضحناها { لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ فَلَوْلاَ نَصَرَهُمُ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ قُرْبَاناً ءَالِهَةَ} أي فهل نصروهم عند احتياجهم إِليهم؟ {بَلْ ضَلُّواْ عَنْهُمْ} أي بل ذهبوا عنهم أحوج ما كانوا إِليهم {وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ} أي: كذبهم {وَمَا كَانُواْ يَفْتَرُونَ} أي وافتراؤهم في اتخاذهم إِياهم آلهة، وقد خابوا وخسروا في عبادتهم لها واعتمادهم عليها، والله أعلم.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَلَقَدْ مَكَّنَّٰهُمْ فِيمآ } في الذي {إِن } نافية أو زائدة {مَكَّنَّٰكُمْ } يا أهل مكة {فِيهِ } من القوة والمال {وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعاً } بمعنى أسماعاً {وَأَبْصَٰراً وَأَفْئِدَةً } قلوبا {فَمَآ أَغْنَىٰ عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلاَ أَبْصَٰرُهُمْ وَلاَ أَفْئِدَتُهُمْ مِّن شَىْءٍ } أي شيئاً من الإِغناء و «من» زائدة {إِذْ } معموله لأغنى وأشربت معنى التعليل {كَانُواْ يَجْحَدُونَ بِئَايَٰتِ ٱللَّهِ } بحججه البينة {وَحَاقَ } نزل {بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ } أي العذاب.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {وَلَقَدْ مََّكنَّاهُمْ فِيمَآ إِن مَّكنَّاكُمْ فِيهِ} فيه وجهان: أحدهما: فيما لم نمكنكم فيه، قاله ابن عباس. الثاني: فيما مكناكم فيه وإن هنا صلة زائدة. ويحتمل ثالثاً: وهو أن تكون ثابتة غير زائدة ويكون جوابها مضمراً محذوفاً ويكون تقديره: ولقد مكناهم فيما إن مكناكم فيه كان بغيكم أكثر وعنادكم أشد. ثم ابتدأ فقال: {وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعاً وَأبْصَاراً وَأَفْئِدَةً} الآية. يحتمل وجهين: أحدهما: أننا جعلنا لهم من حواس الهداية ما لم يهتدوا به. الثاني: معناه جعلنا لهم أسباب الدفع ما لم يدفعوا به عن أنفسهم.

ابن عبد السلام

تفسير : فيما لم نمكنكم فيه "ع"، أو فيما مكناكم فيه وإن صلة زائدة.

الخازن

تفسير : {ولقد مكنّاهم فيما إن مكناكم فيه} الخطاب لأهل مكة يعني مكناهم فيما لم نمكنكم فيه من قوة الأبدان وطول الأعمار وكثرة الأموال {وجعلنا لهم سمعاً وأبصاراً وأفئدة} يعني إنا أعطيناهم هذه الحواس ليستعملوها فيما ينفعهم في أمر الدين فما استعملوها إلا في طلب الدنيا ولذاتها فلا جرم {فما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شيء} يعني أنه لما أنزل بهم العذاب ما أغنى ذلك عنهم شيئاً {إذ كانوا يجحدون بآيات الله وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون} يعني ونزل بهم العذاب الذي كانوا يطلبونه على سبيل الاستهزاء {ولقد أهلكنا ما حولكم من القرى} الخطاب لأهل مكة يعني أهلكنا قرى ديار ثمود وهي الحجر وسدوم وهي قرى قوم لوط بالشام وقرى قوم عاد باليمن يخوف أهل مكة بذلك {وصرفنا الآيات} يعني وبينا لهم الحجج والدلائل الدالة على التوحيد {لعلهم يرجعون} يعني عن كفرهم فلم يرجعوا فأهلكناهم بسبب كفرهم وتماديهم في الكفر {فلولا} يعني فهلا {نصرهم الذين اتخذوا من دون الله قرباناً آلهة} يعني أنهم اتخذوا الأغنام آلهة يتقربون بعبادتها إلى الله تعالى والقربان كل ما يتقرب به إلى الله تعالى: {بل ضلوا عنهم} يعني بل ضلت الآلهة عنهم فلم تنفعهم عند نزول العذاب بهم {وذلك إفكهم} يعني كذبهم الذي كانوا يقولون إنها تقربهم إلى الله تعالى وتشفع لهم عنده {وما كانوا يفترون} يعني يكذبون بقولهم إنها آلهة وإنها تشفع لهم.

البقاعي

تفسير : ولما كان هذا محلاً يتوقع فيه الإخبار عن حال مكنتهم ليعلم هل تركوا الدفع لمانع فيهم أو لأن ما أتاهم بحيث لا يمكن لأحد دفاعه، قال ذاكراً حرف التوقع مخوفاً للعرب مقسماً لأن قريشاً قد قال قائلهم: إنهم يدفعون العذاب بدفع الزبانية، ونحوها: {ولقد} أي فعل بهم ذلك والحال أنا وعزتنا قد {مكناهم} تمكيناً تظهر به عظمتنا {فيما إن} أي الذي ما {مكناكم فيه} من قوة الأبدان وكثرة الأموال وغيرها، وجعل النافي "أن" لأنها أبلغ من "ما" لأن "ما" تنفي تمام الفوت لتركبها من الميم والألف التي حقيقة إدراكها فوت تمام الإدراك و "أن" تنفي أدنى مظاهر مدخولها فكيف بما وراءه من تمامه لأن الهمزة أول مظهر لفوت الألف والنون لمطلق الإظهار - هذا إلى ما في ذلك من عذوبة اللفظ وصونه عن ثقل التكرار إلى غير ذلك من بدائع الأسرار. ولما كانت قريش تفتخر بعقولها فربما ظنت أنها في العقل ومقدماته من الحواس أمكن منهم، وأنهم ما أتى عليهم إلا من عدم فهمهم، قال تعالى: {وجعلنا} أي جعلاً يليق بما "زدناهم عليكم" من المكنة على ما اقتضته عظمتنا {لهم سمعاً} بدأ به لأن المقام للإنذار المنبه بحاسة السمع على ما في الآيات المرئيات من المواعظ، فهو أنفع لأنه أوضح، ووحده لقلة التفاوت فيه {وأبصاراً} أي منبهة على ما في الآيات المرئيات من مطابقة واقعها لأخبار السمع، وجمع لكثرة التفاوت في أنوار الأبصار، وكذا في قوله: {وأفئدة} أي قلوباً ليعرفوا بها الحق فيتبعوه والباطل فيجتنبوه ويشكروا من وهبها لهم، وختم بها لأنها الغاية التي ليس بعد الإدراك منتهى ولا وراءها مرمى، وعبر بما هو من التفود وهو التجرد إشارة إلى أنها في غاية الذكاء {فما أغنى عنهم} في حال إرسالنا إليهم الرحمة على لسان نبينا هود عليه الصلاة والسلام ثم النقمة بيد الريح {سمعهم} وأكد النفي بتكرير النافي فقال: {ولا أبصارهم} وكذا في قوله: {ولا أفئدتهم} أي لما أردنا إهلاكهم، وأكد بإثبات الجار فقال: {من شيء} أي من الإغناء، وإن قلّ لا في دفع العذاب، ولا في معرفة الصواب، بل صرفوا ما وهبنا لهم من القوى فيما لا ينبعي تعليق الهمم به من أمور الدنيا حتى فاقوا في ذلك الأمم وعملوا أعمال من تخلد كما قيل: شعر : والخلد قد حاولت عاد فما خلدوا تفسير : ولما ذكر نفي الإغناء، ذكر ظرفه على وجه يفهم التعليل، فإنه إذا ذكر الانتقام في وقت فعل الشيء علم أن علته فعل ذلك الشيء فقال: {إذ كانوا} أي طبعاً لهم وخلقاً {يجحدون} أي يكررون على مر الزمان الجحد {بآيات الله} أي الإنكار لما يعرف من دلائل الملك الأعظم {وحاق} أي أحاط على جهة الإحراق والعظم بأمور لا يدري وجه المخلص منها {بهم ما} أي عقاب الذي {كانوا} على جهة الدوام لكونه خلقاً لهم {به يستهزءون *} أي يوجدونه على سبيل الاستمرار إيجاد من هو طالب له عاشق فيه. ولما تم المراد من الإخبار بهلاكهم على ما لهم من المكنة العظيمة ليتعظ بهم من سمع أمرهم، أتبعهم من كان مشاركاً لهم في التكذيب فشاركهم في الهلاك، فقال مكرراً لتخويفهم دالاً على إحاطة قدرته بإحاطة علمه: {ولقد أهلكنا} بما لنا من العظمة والقدرة المحيطتين الماضيتين بكل ما نريد {ما حولكم} أي يا أهل مكة {من القرى} كأهل الحجر وسبا ومدين والأيكة وقوم لوط وفرعون وأصحاب الرس وثمود وغيرهم ممن فيهم معتبر. ولما كان الموعوظ به الإهلاك ذكر مقدماً، فتشوف السامع إلى السؤال عن حالهم في الآيات، فقال عاطفاً بالواو التي لا يمنع معطوفها التقدم على ما عطف عليه: {وصرفنا الآيات} أي حولنا الحجج البينات وكررناها موصلة مفصلة مزينة محسنة على وجوه شتى من الدلالات، خالصة عن كل شبهة. ولما كان تصريف الآيات لا يخص أحداً بعينه، بل هو لكل من رآه أو سمع به لم يقيدها بهم وذكر العلة الشاملة لغيرهم فقال: {لعلهم} أي الكفار {يرجعون *} أي ليكونوا عند من يعرف حالهم في رؤية الآيات حال من يرجع عن الغي الذي كان يركبه لتقليد أو شبهة كشفته الآيات وفضحته الدلالات فلم يرجعوا، فكان عدم رجوعهم سبب إهلاكنا لهم. ولما كانوا قد جعلوا محط حالهم في الشركاء أنهم سبب التواصل بينهم والتفاوت، وادعوا أنهم يشفعون فيهم فيقربونهم إلى الله زلفى ويمنعونهم من العذاب في الآخرة، وكان أدنى الأمور التسوية بينه وبين عذاب الدنيا، سبب عن أخباره عن إهلاك الأمم الماضية قوله مقدماً للعلة التي جعلها محط نظرهم منكراً عليهم موبخاً لهم: {فلولا} أي فهل لا ولم لا {نصرهم} أي هؤلاء المهلكين {الذين اتخذوا} أي اجتهدوا في صرف أنفسهم عن دواعي العقل والفطر الأولى حتى أخذوا، وأشار إلى قلة عقولهم ببيان سفولهم فقال: {من دون الله} أي الملك الذي هو أعظم من كل عظيم {قرباناً} أي لأجل القربة التقريب العظيم يتقربون إليها ويزعمون أنها تقربهم إلى الله {آلهة} أشركوهم مع الملك الأعظم لأجل ذلك - قاتلهم الله وأخزاهم. ولما كان التخصيص يفهم أنهم ما نصروهم، أضرب عنه فقال: {بل ضلوا} أي غابوا وعموا عن الطريق الأقوم وبعدوا {عنهم} وقت بروك النقمة وقروع المثلة حساً ومعنى. ولما كان التقدير: فذلك الاتخاذ الذي أدتهم إليه عقولهم السافل جداً البعيد من الصواب كان الموصل إلى مآلهم هذا، عطف عليه قوله: {وذلك} أي الضلال البعيد من السداد الذي تحصل من هذه القصة من إخلاف ما كانوا يقولون: إن أوثانهم آلهة، وإنها تضر وتنفع وتقربهم إلى الله وتشفع لهم عنده {إفكهم} أي صرفهم الأمور عن وجهها إلى أقفائها، ويجوز أن تكون الإشارة إلى العذاب، أي وهذا العذاب جزاؤهم في مقابلة إفكهم {وما كانوا} أي على وجه الدوام لكونه في طباعهم {يفترون *} أي يتعمدون كذبه لأن إصرارهم عليه بعد مجيء الآيات لا يكون إلا لذلك لأن من نظر فيها مجرداً نفسه عن الهوى اهتدى. ولما كان ما ذكر من البعد من الإيمان مع تصريف العظات والعبر والآيات يكاد أن يؤنس السامع من إيمان هؤلاء المدعوين، قربه دلالة على عزته وحكمته بالتذكير بالإيمان من هم أعلى منهم عتواً وأشد نفرة وأبعد إجابة وأخفى شخصاً، فقال جواباً عما وقع له صلى الله عليه وسلم في عرض نفسه الشريفة على القبائل وإبعادهم عنه لا سيما أهل الطائف، دالاً على تمام القدرة بشارة للمنزل عليه صلى الله عليه وسلم وتوبيخاً لما تأخر عن إجابته من قومه عاطفاً على ما تقديره: اذكر هذه الأخبار: {وإذ} أي واذكر حين {صرفنا إليك} أي وجهنا توجيهاً خالصاً حسناً متقناً فيه ميل إليك وإقبال عليك، وإعراض عن غيرك، بوادي نخلة عند انصرافك من الطائف حين عرضت نفسك الشريفة عليهم بعد موت النصيرين فردوك رداً تكاد تنشق منه المرائر، وتسل من تذكاره النواظر. ولما كان استعطاف من جبل على النفرة وإظهار من بني على الاجتنان أعظم في النعمة، عبر بما يدل على ذلك فقال: {نفراً} وهو اسم يطلق على ما دون العشرة، وهو المراد هنا، ويطلق على الناس كلهم، وحسن التعبير به أن هؤلاء لما خصوا بشرف السبق وحسن المتابعة كانوا كأنهم هم النفر لا غيرهم {من الجن} من أهل نصيبين من الناحية التي منها عداس الذي جبرناك به في الطائف بما شهد به لسيديه عتبة وشيبة ابني ربيعة أنك خير أهل الأرض مع أنه ليس لهؤلاء النفر من جبلاتهم إلا النفرة والاجتنان وهو الاختفاء والستر فجعلناهم ألفين لك ظاهرين عندك لتبلغهم ما أرسلناك به فإنا أرسلناك إلى جميع الخلائق، وهذا جبر لك وبشارة بإيمان النافرين من الإنس كما أيدناك منهم بعد نفرة أهل الطائف بعداس، ثم وصفهم بقوله: {يستمعون القرآن} أي يطلبون سماع الذكر الجامع لكل خير، الفارق بين كل ملبس وأنت في صلاة الفجر في نخلة تصلي بأصحابك، ودل على قرب زمن الصرف من زمن الحضور بتعبيره سبحانه بالفاء في قوله تعالى مفصلاً لحالهم: {فلما حضروه} أي صاروا بحيث يسمعونه {قالوا} أي قال بعضهم ورضي الآخرون: {أنصتوا} أي اسكتوا وميلوا بكلياتكم واستمعوا حفظاً للأدب على بساط الخدمة، وفيه تأدب مع العلم في تعلمه وأيضاً مع معلمه، قال القشيري: فأهل الحضور صفتهم الذبول والسكون والهيبة والوقار، والثوران والانزعاج يدل على غيبة أو قلة تيفظ ونقصان من الاطلاع، ودل على أن ما استمعوه كان يسيراً وزمنه قصيراً، وعلى تفصيل حالهم بعد انقضائه بالفاء في قوله تعالى: {فلما} أي فأنصتوا فحين {قضي} أي حصل الفراغ من قراءته الدالة على عظمته من أيّ قارئ كان {ولوا} أي أوقعوا التولية - أي القرب - بتوجيه الوجوه والهمم والعزائم {إلى قومهم} الذين فيهم قوة القيام بما يحاولونه، ودل على حسن تقبلهم لما سمعوه ورسوخهم في اعتقاده بقوله تعالى: {منذرين *} أي مخوفين لهم ومحذرين عواقب الضلال بأمر من رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال ابن عباس رضي الله عنهما: جعلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم رسلاً إلى قومهم.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {ولقد مكناهم فيما إن مكناكم فيه} يقول: لم نمكنكم فيه. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {ولقد مكناهم} الآية قال: عاد مكنوا في الأرض أفضل ما مكنت فيه هذه الأمة وكانوا أشد قوة وأكثر أولاداً وأطول أعماراً. وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله {ولقد أهلكنا ما حولكم من القرى} ههنا وههنا شيئاً باليمن واليمامة والشام. وأخرج سعيد بن منصور عن ابن الزبير رضي الله عنه أنه قرأ "وتلك إفكهم". وأخرج ابن جرير عن ابن عباس أنه كان يقرأها "وذلك أفكهم" يعني بفتح الألف والكاف. وقال: أصلهم.

السلمي

تفسير : قوله عز وعلا: {وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعاً وَأَبْصَاراً وَأَفْئِدَةً فَمَآ أَغْنَىٰ عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلاَ أَبْصَارُهُمْ} [الآية: 26]. قال الحسين: خلق الله القلوب والأبصار وجعل عليها أغطية وستوراً وأكنة وأقفالاً فيهتك الستور بالنور ويرفع الحجب بالذكر ويفتح الأقفال بالقرب ويخرج من الأكنة بمشاهدة الآيات.

القشيري

تفسير : فلم يُغْنِ عنهم ما آتيناهم.. وانظروا كيف أهلكناهم.

اسماعيل حقي

تفسير : {ولقد مكناهم} لتمكين دست دادن و جاى دادن. والمعنى اقدرنا عادا وملكناهم وبالفارسية ايشان را قدرت وقوت داديم {فيما} اى فى الذى {ان} نافية اى ما {مكناكم} اى يا أهل مكة {فيه} من السعة والبسطة وطول الاعمار وسائر مبادى التصرفات ومما يحسن موقع ان دون ما ههنا التفصى عن تكرار لفظة ما وهو الداعى الى قلب الفها هاه فى مهما وجعلها زآئدة او شرطة على ان يكون الجواب كان بغيكم اكثر مما لا يليق بالمقام {وجعلنا لهم سمعا وابصارا وافئدة} ليستعملوها فيما خلقت له ويعرفوا بكل منها ما نيطت به معرفته من فنون النعم ويستدلوا بها على شؤون منعمها عز وجل ويدوموا على شكرها ولعل توحيد السمع لانه لا يدرك به الا الصوت وما يتبعه بخلاف البصر حيث يدرك به اشياء كثيرة بعضها بالذات وبعضها بالواسطة والفؤآد يعم ادراك كل شئ والفؤاد من القلب كالقلب من الصدر سمى به لتفؤده اى لتوقده تحرقه {فما} نافية {اغنى عنهم سمعهم} حيث لم يستعملوه فى استماع الوحى ومواعظ الرسل يقال اغنى عنه كذا اذأ كفاه قال فى تاج المصادر الاغناء بى نياز كردانيدن وواداشتن كسى را ازكسى {ولا ابصارهم} حيث لم يجتلوا بها الايات التكوينية المنصوية فى صحائف العالم {ولا افئدتهم} حيث لم يستعملوها فى معرفة الله سبحانه {من شئ} اى شيئا من الاغناء ومن مزيدة للتأكيد (قال الكاشفى) همين كه عذاب فرود آيد بش دفع نكرد از ايشان كوش و ديدها و دلهاى ايشان جيزبرا ازعذاب خداى {اذ كانوا} ازروى تقليد وتعصب {يجحدون بآيات الله} قوله اذ متعلق بما اغنى وهو ظرف جرى مجرى التعليل من حيث ان الحكم مرتب على ما اضيف اليه فان قولك اكرمته اذا كرمنى فى قوة قولك اكرمته لاكرامه لانك اذا اكرمته وقت اكرامه فانما اكرمته فيه لوجودا كرامه فيه وكذا الحال فى حيث {وحاق بهم} نزل واحاط {ما كانوا به يستهزئون} من العذاب الذى كانوا يستعجلونه بطريق الاستهزآء فيقولون فائتنا بما تعدنا ان كنت من الصادقين وفى الآية تخويف لاهل مكة ليعتبروا (وفى المثنوى) بس سباس اوراكه مارا درجهان كرد بيدازابس بيشينيان تاشنيديم ازسياستهاى حق برقرون ماضيه اندرسبق استخوان وبشم آن كركان عيان بنكريد وبند كيريد اى مهان عاقل ازسر بنهد اين هستى وباد جون شنيد انجام فرعونان وعاد ورنه بنهد ديكران از حال او عبرتى كيرند از اضلال او. وفى الآية اشارة الى ان هذه الآلات التى هى السمع والبصر والفؤاد أسباب تحصيل التوحيد وبدأ بالسمع لان جميع التكليف الوارد على القلب انما يوجد من قبل السمع وثنى بالبصر لانه أعظم شاهد بتصديق المسموع منه وبه حصول ما به التفكر والاعتبار غالبا تنبيها على عظمة ذلك وان كان المبصر هو القلب ثم رجع الى الفؤاد الذى هو العمدة فى ذلك فتقديمها على جهة التعظيم له كما يقال الجناب والمجلس وهما المبلغان اليه وعنه وانما شاركه هذان فى الذكر تنبيها على عظم مشاركتهما اياه فى الوزارة ولولاهما لما امكن ان يبلغ قلب فى القالب قلبا فى هذا العالم ما يريد ابلاغه اليه فالسمع والبصر مع الفؤاد فى عالم التكليف كالجسد والنفس مع الروح فى عالم الخلافة ولا يتم لاحدهما ذلك الا بالآخرين والا نقص بقدره والمراد فى جميع التكليف سلامة القلب والخطاب اليه من جهة كل عضو فعلى العاقل سماع الحق والتخلق بما يسمع والمبادرة الى الانقياد للتكليفات فى جميع الاعضاء وفعل ما قدر عليه من المندوبات واجتناب ما سمع من المنهى عنه من المحرمات والتعفف عن المكروهات وترك فضلات المباحات فان الاشتغال بفضول المباحات يحرم العبد من لذة المناجاة وفكر القلب فى المباحات يحدث له ظلمة فكيف تدبير الحرام اذا غير المسك الماء منع الوضوء منه فكيف ولوغ الكلب وكل عضو يسأل عنه يوم القيامة فليحاسب العبد نفسه قبل وقت المحاسبة حديث : وروى ان رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا الى القصاص من نفسه فى خدش خدشه اعرابيا لم يتعمده فاتى جبرآئيل فقال يا محمد ان الله لم يبعثك جبارا ولا متكبرا فدعا النبى عليه السلام الاعرابى فقال "اقتص منى" فقال الاعرابى قد احللتك بابى انت وامى وما كنت لأفعل ذلك ابدا ولو أتيت على نفسى فدعا له بخير تفسير : فكما يجب ترك الظلم باليد ونحوها فكذا ترك معاونة الظلمة. وطلب بعض الامرآء من بعض العلماء المحبوسين عنده ان يناوله طينا ليختم به الكتاب فقال ناولنى الكتاب اولا حتى انظر ما فيه فهكذا كانو يحترزون عن معاونة الظلمة فمن اقر بآيات الله الناطقة بالحلال والحرام كيف يجترئ على ترك العمل فيكون من المستهزئين بها فالتوحيد والاقرار اصل الاصول ولكن قال تعالى {أية : اليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه} تفسير : ولا كلام فى شرف العلم والعمل خصوصا الذكر قال موسى عليه السلام يا رب اقريب أنت فأناجيك ام بعيد فاناديك فقال انا جليس من ذكرنى قال فانا نكون على حال نجلك ان نذكرك عليها كالجنابة والغائط فقال اذكرنى على اى حال قال الحسن البصرى اذا عطس على قضاء الحاجة يحمد الله فى نفسه كما فى احياء العلوم

ابن عجيبة

تفسير : قلت: {فيما} موصولة، أو موصوفة، ومفعول {اتخذوا} الأول: محذوف، و {آلهة} مفعول ثان، أي: اتخذوهم آلهة، و {قرباناً} حال، ولا يصح أن يكون مفعولاً ثايناً لـ"اتخذوا"، و"آلهة": بدل، لفساد المعنى، وأجازه ابن عطية، ووجه فساده: أن اتخاذهم آلهة منافٍ لاتخاذهم قرباناً؛ لأن القربان مقصود لغيره، والآلهة مقصود بنفسها، فتأمله، و"إن" نافية، والأصل: فيما ما مكنكم فيه، ولمّا كان التكرار مستثقلاً جيء بأن، كما قالوا في مهما، والأصل: مَا مَا، فلبشاعة التكرار قلبوا الألف هاء، وقيل: "إن" صلة، أي: في مثل ما مكنكم فيه، والأول أحسن. يقول الحق جلّ جلاله: {ولقد مكَّنَّاهم} أي: قررنا عاد ومكناهم في التصرُّف {فيما} أي: في الذي، أو في شيء ما {مكناكم} يا معشر قريش {فيه} من السعة والبسطة، وطول الأعمار، وسائر مبادئ التصرفات، فما إغنى عنهم شيء من ذلك، حين نزل بهم الهلاك، وهذا كقوله تعالى: {أية : كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ مَّكَّنَّاهُمْ فِى الأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّن لَكُمْ}تفسير : [الأنعام: 6] أو: ولقد مكنهم في مثل ما مكنكم فيه، فما جرى عليهم يجري عليكم، حيث خالفتم نبيكم، والأول أوفق بقوله:{أية : كَانُواْ هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَءَاثَاراً فِى الأَرْضِ}تفسير : [غافر: 21] وقوله:{أية : هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثاً وَرِءْياً}تفسير : [مريم: 74]. {وجعلنا لهم سمعاً وأبصاراً وأفئدةً} أي: آلات الإدراك والفهم، ليعرفوا بكل واحدة منها ما خلقتْ له، وما نيطت به معرفته، من فنون النعم، ويستدلوا بها شؤون منعمها، ويداوموا على شكرها، ويوحدوا خالقها،، {فما أغنى عنهم سمعُهم} حيث لم يستعملوه في استماع الوحي ومواعظ الرسل، {ولا أبصارهم} حيث لم يُبصروا ما نصب من الآيات الدالة على وحدانيته تعالى ووجوب وجوده، {ولا أفئدتهم} حيث لم يتفكّروا بها في عظمة الله تعالى وأسباب معرفته، فما أغنت عنهم {من شيء} أي: شيئاً من الإغناء. و {من} زائدة؛ للتأكيد، وقوله: {إِذ كانوا يجحدون بآيات الله} ظرف لقوله: {فما أغنى} جارٍ مجرى التعليل، لاستواء مؤدّي التعليل والظرف في قولك: ضربته إذ أساء، أو: لإساءته، لأنك إذا ضربته وقت إساءته فإنما ضربته فيه لوجود إساءته فيه، وكذلك الحال في "حيث" دون سائر الظروف غالباً، أي: فما أغنت عنهم آلات الإدراك لأجل جحودهم بآيات الله. {وحاق} أي: نزل {بهم ما كانوا به يستهزؤون} من العذاب الذي كانوا يستعجلونه بطريق الاستهزاء، ويقولون: {فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين}. {ولقد أهلكنا ما حولَكم من القرى} يا أهل مكة، كحِجر ثمود، وقرى لوط، والمراد: أهل القرى، ولذلك قال: {وصرَّفنا الآياتِ} كرّرناه، {ولعلهم يرجعون} أي: كرّرنا عليهم الحجج وأنواع العِبر لعلهم يرجعون من الطغيان إلى الإيمان، فلم يرجعوا فأنزلنا عليه العذاب. {فلولا نَصَرَهم الذين اتخذوا من دون الله قُرباناً آلهةً} أي: فهلاّ منعهم وخلصهم من العذاب الأصنام الذين اتخذوهم آلهة من دون الله، حال كونها متقرباً بها إلى الله، حيث كانوا يقولون:{أية : مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى اللَّهِ زُلْفَى}تفسير : [الزمر: 3] و {أية : هَؤُلآءِ شُفَعَآؤُنَا عِندَ اللَّهِ}تفسير : [يونس: 18] {بل ضلوا عنهم} أي: غابوا عن نصرتهم، {وذلك إِفكهم وما كانوا يفترون} الإشارة إلى امتناع نصرة آلهتهم وضلالهم، أي: وذلك أثر إفكهم الذي هو اتخاذها آلهة، وثمرة شركهم، وفترائهم على الله الكذب. وقرأ ابن عباس وابن الزبير: {أَفَكَهم} أي: صرفهم عن التوحيد. وقُرئ: بتشديد الفاء، للتكثير. الإشارة: التمكُّن من كثرة الحس لا يزيد إلا ضعفاً في المعنى، وبُعداً من الحق، ولذلك يقول الصوفية: كل من زاد في الحس نقص في المعنى، وكل ما نقص في الحس زاد في المعنى، والمراد بالمعنى: كشف أسرار الذات وأنوار الصفات، وما مكّن اللّهُ تعالى عبدَه من الحواس الخمس إلا ليستعملها فيما يقربه إليه، ويوصله إلى معرفته، فإذا صرفها في غير ذلك، عُوقب عليها. وبالله التوفيق. ثم ذكر حال مَن أغنى عنه سمعه ونَفَعَه، حيث استعمله فيما وصله إلى ربه، فقال: {وَإِذْ صَرَفْنَآ إِلَيْكَ نَفَراً مِّنَ ٱلْجِنِّ}.

الطوسي

تفسير : يقول الله تعالى على وجه القسم فى خبره أنه مكن هؤلاء الكفار الذين اخبر عنهم بأنه اهلكهم انه مكنهم من الطاعات ومن جميع ما أمرهم به من انه جعلهم قادرين متمكنين بنصب الدلالة على توحيده، ومكنهم من النظر فيها، ورغبهم فى ذلك بما ضمن لهم من الثواب وزجرهم عما يستحق به العقاب، ولطف لهم وازاح عللهم فى جميع ذلك، لان التمكين عبارة عن فعل جميع ما لا يتم الفعل إلا معه، ثم قال {وجعلنا لهم سمعاً} يسمعون به الادلة {وأبصاراً} يشاهدون بها الآيات {وأفئدة} يفكرون بها ويعتبرون بالنظر فيها {فما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شيء} أي لم ينفعهم جميع ذلك، لانهم لم يعتبروا بها ولا فكروا فيها {إذ كانوا يجحدون بآيات الله} وأدلته {وحاق بهم} أي حل بهم عذاب {ما كانوا به يستهزؤن} ويسخرون منه. وقوله {ما إن مكناكم فيه} قال ابن عباس وقتادة: معناه في ما لم نمكنكم فيه. وقال المبرد: (ما) الاولى بمعنى (الذي) و (إن) بمعنى (ما) وتقديره فى الذي ما مكناكم، والمراد بالآية وعيد كفار قريش وتهديدهم وأن الله قد مكن قوم عاد بما لم يمكن هؤلاء منه، من عظيم القوة وشدة البطش والقدرة على جميع ما يطلبونه، وأنهم مع تمكينهم لم ينفعهم ذلك لما نزل بهم عذاب الله حين كفروا به وجحدوا ربوبيته ولم يغنهم جميع ذلك. ثم قال {ولقد أهلكنا ما حولكم من القرى} يعني قوم هود وصالح، لأنهم كانوا مجاورين لبلاد العرب وبلادهم حول بلادهم، فاذا أهلكهم الله بكفرهم كان ينبغي أن يعتبروا بهم {وصرفنا الآيات} وتصريف الآيات تصييرها فى الجهات وتصريف الشيء تصييره فى الجهات، وتصريف المعنى تصييره تارة مع هذا الشيء وتارة مع ذلك، وتصريف الآيات تصييرها تارة فى الاعجاز وتارة فى الاهلاك، وتارة فى التذكير بالنعم وتارة فى وصف الابرار، وتارة في وصف الفجار، ليجتنب مثل فعلهم {لعلهم يرجعون} أي لكي يرجعوا إلى طاعته. ثم قال {فلولا نصرهم الذين اتخذوا من دون الله قرباناً آلهة} ومعناه فهلا نصرهم الذين اتخذوا آلهة من دون الله من الاصنام، توبيخاً لهم على فعلهم واعلاماً بأن من لا يقدر على نصرة أوليائه كيف تصح عبادته {قرباناً آلهة} أي يقربون اليهم قرباناً وسموها آلهة. ثم قال لم ينصرونهم {بل ضلوا عنهم} واخبر أن {ذلك إفكهم وما كانوا يفترون} أي كذبهم الذي كذبوه، والذي كانوا يفترونه، ويخترعونه. ثم قال لنبيه صلى الله عليه وآله واذكر يامحمد {إذ صرفنا إليك نفراً من الجن يستمعون القرآن فلما حضروه} يعني القرآن او النبي {قالوا} بعضهم لبعض {أنصتوا فلما قضي} أي حين فرغ من تلاوته {ولوا إلى قومهم منذرين} لهم مخوفين من معاصي الله. وقال قوم: إن الله تعالى أمر نبيه ان يقرأ القرآن على الجن، وأمره بأن يدعوهم إلى عبادته. وقال قوم: هم يسمعون من قبل نفوسهم لقراءة القرآن فلما رجعوا {قالوا} لقومهم {يا قومنا إنا سمعنا كتاباً أنزل من بعد موسى مصدقاً لما بين يديه} يعني التوراة {يهدي إلى الحق} أي يرشد اليه {ويهدي إلى طريق مستقيم} من توحيد الله ومعرفة نبيه المؤدي إلى الجنة. وقال ابن عباس وسعيد ابن جبير: صرفوا اليه بالرجم بالشهب، فقالوا عند ذلك إن هذا الأمر كبير. وقال قتادة: صرفوا اليه من جهة. وفي رواية عن ابن عباس من نصيبين. وقيل: ان نصيبين من أرض اليمن. وقال رزين بن حبيش: كانوا تسعة نفر، وقال ابن عباس: كانوا سبعة نفر. وقال قوم: صرفوا اليه بالتوفيق.

الجنابذي

تفسير : {وَلَقَدْ مَكَّنَاهُمْ فِيمَآ إِن مَّكَّنَّاكُمْ فِيهِ} ان نافية او شرطيّة محذوفة الجواب {وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعاً وَأَبْصَاراً وَأَفْئِدَةً} كما جعلنا لكم ذلك {فَمَآ أَغْنَىٰ عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلاَ أَبْصَارُهُمْ وَلاَ أَفْئِدَتُهُمْ مِّن شَيْءٍ} من عذاب الله او من شيءٍ من الاغناء فلا تغترّوا انتم بسمعكم وابصاركم وافئدتكم ودقّة تدبيركم بها {إِذْ كَانُواْ يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ} كما كنتم تجحدون بها {وَحَاقَ بِه مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} اى وزر القول والعمل الّذى كانوا به يستهزؤن او العذاب الّذى كانوا به يستهزؤن.

الهواري

تفسير : قال: {وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِن مَّكَّنَّاكُمْ فِيهِ} أي: فيما لم نمكنكم فيه، يعني مشركي العرب، كقوله: (أية : كَانُواْ أَشَدَّ مِنكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالاً وَأَوْلاَدًا) تفسير : [التوبة:69]. قال: {وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلاَ أَبْصَارُهُمْ وَلاَ أَفْئِدَتُهُم مِّن شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِم} أي: ونزل بهم {مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُون}. أي: نزل بهم عقوبة استهزائهم، يعني ما عذبهم به. قوله: {وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُم مِّنَ الْقُرَى} يقوله لأهل مكة، وهي أم القرى، منها دحيت الأرض، وما حولها البلاد كلها. أخبر بهلاك من أهلك. قال: {وَصَرَّفْنَا الآيَاتِ} أي: أخبرناكم كيف أهلكناهم. قال: {لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} أي: لعل من بعدهم يرجعون إلى الإيمان، يحذرهم بذلك، كقوله: (أية : وَكُلاًّ ضَرَبْنَا لَهُ الأَمْثَالَ وَكُلاًّ تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا) تفسير : [الفرقان:39]، وكقوله: (أية : وَسَكَنتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الأَمْثَالَ) تفسير : [إبراهيم:45] يعني ما أهلك به من قبلهم من الكفّار، يحذّرهم بهذا كله. {فَلَوْلاَ} أي: فهلا {نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا آلِهَةً} يعني آلهتهم التي عبدوها من دون الله والتي يزعمون أنها تقربهم إلى الله زلفى ليصلح لهم معايشهم في الدنيا، ولم يكونوا يقرّون بالآخرة. قال: فهلاّ نصروهم إذ جاءهم العذاب. {بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ } أي: كذبهم {وَمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ}. ذكروا عن عبد الله بن كثير المكّيّ أنه كان يقرأها: {وَذَلِكَ أَفْكَهُمْ} أي: صَدَّهم عن الهدى.

اطفيش

تفسير : {وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ} أي قوم هود* {فِيمَآ} ما اسم موصول أو نكرة موصوفة واقعة على الصحة وطول القامة والعمر وكثرة المال* {إِن} نافية ولو نفي بما لتكرر لفظ ما. كما قاله ابن هشام وهو مستبشع كقول أبي الطيب: شعر : لعمرك ما بان منك بضايرى ما شيء رب تفسير : ولا شباع قلب الألف هاء في مهما والاصل ما وقيل بسيطة ولا قلب فيها ويجوز أن تكون {إِن} شرطية حذف جوابها أي في ما ان* {مَّكَّنَّاكُمْ فِيهِ} طغيتم أو كان بغيكم أكثر أو زائدة كقوله: شعر : يرجِّئ المرء ما إن لا يراه وتعرِص دون أدناه خطوب تفسير : أي أدنى شيء يتأمله وأجاز بعض كونها مخففة والأول أوجه لموافقته {أية : هم أحسن أثاثاً ورئياً} {أية : كانوا أكثر منهم وأشد قوة وآثاراً}.تفسير : قال ابن هشام ويؤيد النفي قوله تعالى {أية : مكناهم في الارض ما لم نمكن لكم} تفسير : وقيل بمعنى (قد) هو أدخل في التوبيخ وفي الحث على الاعتبار* {وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعاً وَأَبْصَاراً وَأَفْئِدَةً} ليعرفوا معطى تلك النعم ويشكروه {فَمَآ} ما نافية فمن زائدة وقيل للتقرير فمن للبيان أو زايدة في الايجاب وهذا هلى مذهب مجيز زيادتها فيه* {أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلآَ أَبْصَارُهُمْ وَلآَ أَفْئِدَتُهُم} جمع فؤاد* {مِّن شَيْءٍ} من مكروه أو من غنى* {إِذْ كَانُواْ يَجْحَدُونَ} اذ حرف تعليل وقيل ظرف متعلق بأغنى أو بما النافية والتعليل مستفاد من ترتيب الحكم على ما أضيف اليه على هذا كقولك (أضربته اذا ساء قيل: غلبت (اذ) (وحيث) في ذلك دون سائر الظروف والظاهر ان غيرهما مثلهما* {بِآيَاتِ اللهِ وَحَاقَ بِهِم} نزل* {مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} من العذاب

اطفيش

تفسير : {ولقَد مكناهم} أثبتناهم اثباتا شديدا {فيما} فى الأموال وقوات الأبدان وطولها وعرضها، وطول الأعمار التى {إن مكَّناكم فيه} لم نمكنكم فيه يا معشر قريش، فما اسم موصول، وان حرف نفى، ولم لا تدخل على الماضى، ولا النافية، لا تدخل فى الاخبار على الماضى بلا تكرير، ولو نفى بما لثقل اللفظ بتكرر لفظ ما، وقد كان أصل مهما ما، ما أبدلت ألف ما الأولى هاء دفعا للتكرير، وذلك لكونه أبلغ فى التوبيخ والحث على الاعتبار. ودلالة مواضع من القرآن عليه كقوله تعالى: "أية : مكناهم فس الأرض ما لم نمكن لكم" تفسير : [الأنعام: 6] أولى من جعل أن شرطية محذوفة الجواب، تقديره طغيتم أو زدتم طغيانا، وأجيز كون أن صلة، وفيه بُعد لأن قريشا لم يمكنوا تمكين عاد لا قوة ولا عددا ولا مالا، ولو قدر مضاف، أى فى مثل ما مكناكم فيه لانتفاء المقاربة، اللهم الا أن يريد المماثل فى جنس القوة والعدد والمال، ولو تفاوت ذلك جدا، وفى الأول السلامة من الحذف والزيادة، وفي الموافقة للآى الأخر، فهو أولى وأصح. {وجَعَلنا لهم سَمْعاً} أفرده لأنه مصدر صالح للقليل والكثير، ولاتحاد المسموع من الرسل وهو التوحيد وتوابعه، وما لا يختلف فى الأمم، ولاتحاد مدرك السمع وهو الأصوات {وأبْصاراً} عيونا {وأفئدة} ليستعملوا ذلك فيما خلق لأجله من الادراك والاعتبار والتفكر والاستدلال علىالله تعالى، وشكر نعمه. {فما} نافية {أغْنى عَنْهم سَمْعُهم} من الرسل ونوابهم، إذ لم يؤمنوا بما سمعوا من وجوب وتحريم وغيرهما، ووعظ فلم يعملوا، ومثلهم من آمن ولم يعمل {ولا أبصارهم} اذ لم يتأثروا بعنوان الأشياء التى أبصروها {ولا أفئدتُهُم} إذ لم يؤمنوا، بها، ولم يستعلموها بالفكر، ولم يقل فما أغنت من شىء بضمير مفرد مؤنث بتأويل الجماعة عائدا الى السمع والأبصار والافئدة، لتأكيد الأمر {مِن شىء} من صلة للتأكيد وشىء مفعول مطلق، أى شيئا من الاغناء كأنه قيل اغناء ما، واجيز أن يكون غير صلة، بل تبعيضية أى بعض اغناء، وأن تكون ما استفهامية انكارية، والاستفهام كالنفى تجوز زيادة من بعده {إذْ} متعلق بما النافية تعليل للنفى المستفاد منها، واذا التعليلية حرف تعليل عند بعض، والواضح أنها ظرف، والتعليل مستفاد بما بعدها، كتعليق الحكم بالمشتق المؤذن بالعلية، وكتعليقه بالصلة نحو: أكرم من يأتيك أى لإتيانه، وأكرم زيدا اذا جاءك أى لمجيئه. فهنا انتفى الاغناء عنهم وقت جحودهم أى للجحود الواقع فى الوقت، وعلى هذا فليست اذ موضوعة للتعليل، وهى على حقيقتها لا مجاز ولا كناية، كما قيل بهما {كانُوا يَجحدون بآيات الله} الباء صلة فى مفعول يجحد من قوله تعالى: {يجحدون} أو غير صلة على تضمين يجحد معنى يكفر، والمراد الآيات المتلوة وجحودها نفى أن تكون من الله عز وجل، ويبعد أن يراد الآيات التكوينية من سائر العالم بمعنى جحود أن تكون أدلة عليه تعالى، أو مع المتلوة {وحاق بِهِم ما كانُوا به يستهزئون} العقاب الذى استحقوه باستهزائهم واستعجالهم به فى قولهم: "أية : فَأْتِنا بما تعدنا إنْ كنت من الصادقين" تفسير : [الأحقاف: 22].

الالوسي

تفسير : {وَلَقَدْ مَكَّنَّـٰهُمْ } أي قررنا عاداً وأقدرناهم. و {مَا } في قوله تعالى: {فِيمَا إِن مَّكَّنَّـٰهُمْ فِيهِ } موصولة أو موصوفة و {إِن} نافية أي في الذي أو في شيء ما مكناكم فيه من السعة والبسطة وطول الأعمار وسائر مبادي التصرفات كما في قوله تعالى: {أية : كَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ قَبْلِهِم مّن قَرْنٍ مَّكَّنَّـٰهُمْ فِي ٱلأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكّن لَّكُمْ } تفسير : [الأنعام: 6] ولم يكن النفي بلفظ {مَا } كراهة لتكرير اللفظ وإن اختلف المعنى، ولذا قال من ذهب إلى أن أصل مهما ماما على أن ما الشرطية مكررة للتأكيد قلبت الألف الأولى هاء فراراً من كراهة التكرار، وعابوا على المتنبـي قوله:شعر : لعمرك ماما بان منك لضارب بأقتل مما بان منك لعائب تفسير : أي ما الذي بان الخ، يريد لسانه لا يتقاعد عن سنانه، هذا للعائب وذلك للضارب، وكان يسعه أن يقول: إن مابان، وإدخال الباء للنفي لا للعمل على أن إعمال إن قد جاء عن المبرد، قيل: {إِن} شرطية محذوفة / الجواب والتقدير إن مكناكم فيه طغيتم، وقيل: إنها صلة بعد (ما) الموصولة تشبيهاً بما النافية و(ما) التوقيتية، فهي في الآية مثلها في قوله:شعر : يرجى المرء ما ان لا يراه وتعرض دون أدناه الخطوب تفسير : أي مكناهم في مثل الذي مكناكم فيه، وكونها نافية هو الوجه لأن القرآن العظيم يدل عليه في مواضع وهو أبلغ في التوبيخ وأدخل في الحث على الاعتبار. {وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعاً وَأَبْصَـٰراً وَأَفْئِدَةً} ليستعملوها فيما خلقت له ويعرفوا بكل منها ما نيطت به معرفته من فنون النعم ويستدلوا بها على شؤون منعمها عز وجل ويداوموا على شكره جل شأنه. {فَمَا أَغْنَىٰ عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ } حيث لم يستعملوه في استماع الوحي ومواعظ الرسل {وَلاَ أَبْصَـٰرُهُمْ } حيث لم يجتلوا بها الآيات التكوينية المرسومة في صحائف العالم {وَلاَ أَفْئِدَتُهُمْ } حيث لم يستعملوها في معرفة الله تعالى {مِنْ شَيْء } أي شيئاً من الإغناء، و {مِنْ } مزيدة للتوكيد والتنوين للتقليل. وجوز أن تكون تبعيضية أي ما أغنى بعض الإغناء وهو القليل، و {مَا } في {مَا أَغْنَىٰ } نافية وجوز كونها استفهامية. وتعقبه أبو حيان بأنه يلزم عليه زيادة {مِنْ } في الواجب وهو لا يجوز على الصحيح. ورد بأنهم قالوا: تزاد في غير الموجب وفسروه بالنفي والنهي والاستفهام. وإفراد السمع في النظم الجليل وجمع غيره لاتحاد المدرك به وهو الأصوات وتعدد مدركات غيره أو لأنه في الأصل مصدر، وأيضاً مسموعهم من الرسل متحد. {إِذْ كَانُواْ يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ} ظرف متعلق بالنفي الصريح أو الضمني في قوله تعالى: {مَا أَغْنَىٰ } وهو ظرف أريد به التعليل كناية أو مجازاً لاستواء مؤدى الظرف والتعليل في قولك: ضربته لإساءته وضربته إذ أساء لأنك إنما ضربته في ذلك الوقت لوجود الإساءة فيه، وهذا مما غلب في إذ وحيث من بين سائر الظروف حتى كاد يلحق بمعانيهما الوضعية. {وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءونَ } من العذاب الذي كانوا يستعجلونه بطريق الاستهزاء ويقولون: {أية : فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِن ٱلصَّـٰدِقِينَ } تفسير : [الأحقاف: 22].

ابن عاشور

تفسير : هذا استخلاص لموعظة المشركين بمَثَل عاد، ليعلموا أن الذي قدَر على إهلاك عاد قادر على إهلاك مَن هم دونهم في القوة والعدد، وليعلموا أن القوم كانوا مثلهم مستجمعين قوى العقل والحسّ وأنهم أهملوا الانتفاع بقواهم فجحدوا بآيات الله واستهزؤوا بها وبوعيده فحاق بهم ما كانوا يستهزئون به، وقريش يعلمون أن حالهم مثل الحال المحكيّة عن أولئك فليتهيّأوا لما سيحلّ بهم. ولإفادة هذا الاستخلاص غُيّر أسلوب الكلام إلى خطاب المشركين من أهل مكة، فالجملة في موضع الحال من واو الجماعة في {أية : قالوا أجئتنا}تفسير : [الأحقاف: 22] والخبر مستعمل في التعجيب من عدم انتفاعهم بمواهب عقولهم. وتأكيد هذا الخبر بلام القسم مع أن مفاده لا شك فيه مصروف إلى المبالغة في التعجيب. والتمكين: إعطاء المَكِنة (بفتح الميم وكسر الكاف) وهي القدرة والقوة. يقال: مكُن من كذا وتمكن منه، إذا قدر عليه. ويقال: مكَّنه في كذا، إذا جعل له القدرة على مدخول حرف الظرفية فيفسر بما يليق بذلك الظرف قال تعالى: {أية : مكنّاهم في الأرض ما لم نمكن لكم} تفسير : في سورة الأنعام (6). فالمعنى: جعلنا لهم القدرة في الذي لم نمكنكم فيه، أي من كل ما يمكّن فيه الأقوام والأمم، وتقدم عند قوله تعالى: {أية : ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن مكَّنَّاهم في الأرض}تفسير : في أول الأنعام (6) فضمّ إليه ما هنا. و (ما) من قوله فيما} موصولة. و {إن} نافية، أي في الذي ما مَكَّناكم فيه. ومعنى مكناكم فيه: مكناكم في مثله أو في نوعه فإن الأجناس والأنواع من الذوات حقائق معنوية لا تتغير مواهبها وإنما تختلف بوجودها في الجزئيات، فلذلك حسن تعدية فعل {مكناكم} بحرف الظرفية إلى ضمير اسم الموصول الصادق على الأمور التي مُكنت منها عاد. ومن بديع النظم أن جاء النفي هنا بحرف {إنْ} النافية مع أنَّ النفي بها أقل استعمالا من النفي بــ (ما) النافية قصداً هنا لدفع الكراهة من توالي مثلين في النطق وهما (ما) الموصولة و (ما) النافية وإن كان معناهما مختلفاً، ألا ترى أن العرب عوضوا الهاء عن الألف في (مهما)، فإن أصلها: (ما ما) مركبة من (ما) الظرفية و (ما) الزائدة لإفادة الشرط مثل (أينما). قال في «الكشاف»: ولقد أغَثَّ أبو الطيب في قوله:شعر : لعمرك مَا مَا بَان منك لِضَاربٍ تفسير : وأقول ولم يتعقب ابن جنّي ولا غيره ممّن شرح الديوان من قبل على المتنبي وقد وقع مثله في ضرورات شعر المتقدمين كقول خطام المجاشعي:شعر : وَصَاليات كَكَمَا يُؤثفَيْنْ تفسير : ولا يغتفر مثله للمولدين. فأما إذا كانت (ما) نافية وأراد المتكلم تأكيدها تأكيداً لفظياً، فالإتيان بحرف (إنْ) بعد (ما) أحرى كما في قول النابغة:شعر : رماد ككحل العين ما إنْ أبينُه ونؤيٌ كجذم الحوض أثلم خاشع تفسير : وفائدة قوله: {وجعلنا لهم سمعاً وأبصاراً وأفئدة} أنهم لم ينقصهم شيء من شأنه أي يخلّ بإدراكهم الحق لولا العناد، وهذا تعريض بمشركي قريش، أي أنكم حرمتم أنفسكم الانتفاع بسمعكم وأبصاركم وعقولكم كما حُرموه، والحالة متحدة والسبب متّحد فيوشك أن يكون الجزاء كذلك. وإفراد السمع دون الأبصار والأفئدة للوجه الذي تقدم في قوله: {أية : قل أرأيتم إن أخذ الله سمعكم وأبصاركم}تفسير : في سورة الأنعام (46) وقوله: {أية : أمَّن يملك السمع والأبصار} تفسير : في سورة يونس (31). و {مِن} في قوله: {من شيء} زائدة للتنصيص على انتفاء الجنس فلذلك يكون {شيء} المجرور بــ {من} الزائدة نائباً عن المفعول المطلق لأن المراد بشيء من الإغناء، وحق {شيء} النصب وإنما جُرّ بدخول حرف الجر الزائد. و {إذْ} ظرف، أي مدة جحودهم وهو مستعمل في التعليل لاستواء مؤدى الظرف ومؤدى التعليل لأنه لما جعل الشيء من الإغناء معلقاً نفيُه بزمان جحدهم بآيات الله كما يستفاد من إضافة {إذْ} إلى الجملة بعدها، عُلم أن لذلك الزمان تأثيراً في نفي الإغناء. وآيات الله دلائل إرادته من معجزات رسولهم ومن البراهين الدالة على صدق ما دعاهم إليه. وقد انطبق مثالهم على حال المشركين فإنهم جحدوا بآيات الله وهي آيات القرآن لأنها جَمَعت حقيقة الآيات بالمعنيين. وحاق بهم: أحاط بهم {وما كانوا به يستهزئون} العذاب، عدل عن اسمه الصريح إلى الموصول للتنبيه على ضلالهم وسوء نظرهم.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {وَلَقَدْ مَكَّنَاهُمْ فِيمَآ إِن مَّكَّنَّاكُمْ فِيهِ}. لفظة {إن} في هذه الآية الكريمة فيها للمفسرين ثلاثة أوجه، يدل استقراء القرآن، على أن واحداً منها هو الحق، دون الاثنين الآخرين. قال بعض العلماء: إن شرطية وجزاء الشرط محذوف، والتقدير إن مكناكم فيه طغيتم وبغيتم. وقال بعضهم: إن زائدة بعد ما الموصولة حملا لما الموصولة على ما النافية لأن ما النافية تزاد بعدها لفظة إن كما هو معلوم. كقول قتيلة بنت الحرث والنضر العبدرية: شعر : أبلغ بها ميتاً بأن تحية ما إن نزل بها النجائب تخفق تفسير : وقول دريد بن الصمة في الخنساء: شعر : ما إن رأيت ولا سمعت به كاليوم طالى أينق جرب تفسير : فإن زائدة بعد ما النافية في البيتين وهو كثير، وقد حملوا على ذلك ما الموصولة فقالوا: تزاد بعدها إن كآية الأحقاف هذه. وأنشد لذلك الأخفش: شعر : يرجى المرء ما إن لا يراه وتعرض دون أدناه الخطوب تفسير : أي يرجى المرء الشيء الذي لا يراه، وإن زائدة، وهذان هما الوجهان اللذان لا تظهر صحة واحد منهما. لأن الأول منها فيه حذف وتقدير. والثاني منهما فيه زيادة كلمة. وكل ذلك لا يصار إليه إلا بدليل يجب الرجوع إليه. أما الوجه الثالث الذي هو الصواب إن شاء الله، فهو أن لفظة إن نافية بعد ما الموصولة أي وقد مكناهم في الذي ما مكناكم فيه من القوة في الأجسام، وكثرة الأموال والأولاد، والعدد. وإنما قلنا: إن القرآن يشهد لهذا القول لكثرة الآيات الدالة عليه، فإن الله جل وعلا في آيات كثيرة من كتابه يهدد كفار مكة بأن الأمم الماضية كانت أشد منهم بطشاً وقوة، وأكثر منهم عدداً، وأموالاً، وأولاداً، فلما كذبوا الرسل، أهلكهم الله ليخافوا من تكذيب النبي صلى الله عليه وسلم أن يهلكهم الله بسببه، كما أهلك الأمم التي هي أقوى منهم، كقوله تعالى في المؤمن{أية : أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَانُوۤاْ أَكْـثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَاراً فِي ٱلأَرْضِ فَمَآ أَغْنَىٰ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ}تفسير : [غافر: 82]. وقوله فيها أيضاً:{أية : أَوَلَمْ يَسِيروُاْ فِي ٱلأَرْضِ فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلَّذِينَ كَانُواْ مِن قَبْلِهِمْ كَانُواْ هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَاراً فِي ٱلأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ}تفسير : [غافر: 21] الآية. وقوله تعالى في الروم:{أية : أَوَلَمْ يَسيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَانُوۤاْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُواْ ٱلأَرْضَ وَعَمَرُوهَآ أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا}تفسير : [الروم: 9] الآية. وقد قدمنا الآيات الموضحة لهذا في سورة الزخرف في الكلام على قوله تعالى:{أية : فَأَهْلَكْنَآ أَشَدَّ مِنْهُم بَطْشاً وَمَضَىٰ مَثَلُ ٱلأَوَّلِينَ}تفسير : [الزخرف: 8].

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: ولقد مكناهم فيما إن مكناكم فيه: أي ولقد مكنا قوم عاد من القوة التي لم نمكنكم أنتم من مثلها. وجعلنا لهم سمعا وأبصاراً: وجعلنا لهم أسماعاً وأبصاراً. فما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شيء: أي من الإِغناء. إذ كانوا يجحدون بآيات الله: أي لعلة هي أنهم كانوا يجحدون بآيات الله وهي حججه البيّنة. وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون: أي نزل بهم العذاب الذي كانوا يستهزئون به. ولقد أهلكنا ما حولكم من القرى: أي من أهل القرى كعاد وثمود وقوم لوط وأصحاب مدين. وصرفنا الآيات لعلهم يرجعون: أي كررنا الحجج وضربنا الأمثال ونوعنا الأساليب لعلهم يرجععون إلى الحق فيؤمنون ويوحدون. فلولا نصرهم الذين اتخذوا من دون الله قربانا آلهة: أي فهلا نصرهم بدفع العذاب عنهم الذين اتخذوهم من دون الله آلهة يتقربون بهم إلى الله في زعمهم. بل ضلوا عنهم: أي غابوا عنهم عند نزول العذاب. وذلك إفكهم وما كانوا يفترون: أي خذلان آلهتهم لهم وعدم نصرتهم لهم بل غيابهم عنهم هو إفكهم وافتراؤهم الذي كانوا يفترونه. معنى الآيات: ما زال السياق في مطلب هداية قريش إنه لما قص تعالى عليهم قصة عاد وتجلت فيها عظات كثيرة وعبرة كبيرة قال لهم {وَلَقَدْ مَكَّنَاهُمْ} أي قوم عاد مكناهم في الأرض فأعطيناهم من مظاهر القوة المادية {فِيمَآ إِن مَّكَّنَّاكُمْ فِيهِ} أنتم يا معشر كفار قريش وجعلنا لهم سمعاً وأبصاراً وأفئدة أي قلوباً فيما أغنى عنهم سمعهم أي أسماعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شيء من الإِغناء إذ كانوا يجحدون بآيات الله أي بحججه وبيّناته الدالة على وجوب توحيده وحاق أي نزل بهم العذاب الذي كانوا إذا خوفوا به وأنذروا استهزأوا وسخروا وقوله تعالى {وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِّنَ ٱلْقُرَىٰ} كعاد وثمود وقوم لوط وأصحاب مدين قوله {وَصَرَّفْنَا ٱلآيَاتِ} أي وكررنا الحجج وضربنا الأمثال ونوعنا العظات والعبر لعلهم يرجعون إلى الحق الذي انصرفوا عنه وهو التوحيد والاستقامة فأبوا إلاّ الإِصرار على الشرك والباطل فأهلكناهم. فلولا أي فهلا نصرهم الذين اتخذوهم من دون الله قرباناً آلهة يتقربون بها إلى الله في زعمهم والجواب ما نصروهم بل ضلوا عنهم أي غابوا فلم يعثروا عليهم بالكلية. قال تعالى {وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُواْ يَفْتَرُونَ} أي ذلك الذي تم لهم من الخذلان والعذاب هو إفكهم أي كذبهم وافتراؤهم الذي كانوا يعيشون عليه قبل هلاكهم. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- بيان أن الإِعراض عن دين الله والإِصرار على الفسق عن أمر الله، والاستمرار على الخروج على طاعته إذا استوجب صاحبه العذاب ونزل به لم يغن عنه ذكاؤه ولا دهاؤه ولا علمه وحضارته ولا علوه وتطاوله. 2- بيان أن الآيات والحجج وضرب الأمثال وسوق العبر والعظات لا تنفع في هداية العبد، إذا لم يرد الله هدايته {أية : فَإِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي مَن يُضِلُّ} تفسير : [النحل: 37] ويحيق به العذاب ويهلكه جزاء تكذيبه وكفره وإعراضه وفسقه. 3- بيان غياب الشركاء من الأنداد التي كانت تعبد عن عابديها فضلا عن نصرتها لهم وذلك الخذلان هو جزاء كذبهم وافترائهم في الحياة الدنيا.

د. أسعد حومد

تفسير : {مَكَّنَاهُمْ} {مَّكَّنَّاكُمْ} {أَبْصَاراً} {أَبْصَارُهُمْ} {بِآيَاتِ} {يَسْتَهْزِئُونَ} (26) - وَقَدْ مَكنَّا لِقَومِ عَادٍ في الدُّنيا فِيمَا لمْ نُمَكِّنْكُمْ فيهِ، وَأَعْطَينَاهُمْ مَا لَمْ نُعْطِكُم مِثْلَهُ، وَلاَ قَريباً مِنْهُ، مِنَ الأَمْوالِ الكَثِيرَة، وَالأَولادِ، وَبَسْطَةِ الأَجْسَامِ، وَقُوَّةِ الأَبدَانِ، وَجَعَلْنا لَهُمْ أَسْماعاً وَأَبْصَاراً، فَلَم يَسْتَعْمِلُوا شَيئاً مِنْ أَسْماعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وأَفْئِدَتِهِمْ فِيما خُلِقَتْ لَهُ، وَلَمْ يَنْتَفِعُوا بِها في الاهتداء إلى وُجودِ الخالِق وَوحْدَانِيتهِ، وَقُدْرَتِهِ العَظِيمَةِ عَلَى الخَلْقِ، لأَنَّهُمْ كَانُوا يُكَذِّبُونَ رُسُلَ اللهِ، وَيُنْكِرُونَ آياتِهِ فَأَنزَلَ اللهُ تَعَالى بَأْسَهُ وَعَذَابَهُ عَلَيهِم، وَأَحَاطَ بِهِم العَذَابُ الذِي كَانُوا يَسْتَهِزِئُونَ بِهِ، وَيَسْتَبْعِدُونَ وُقُوعَهُ بِهِمْ، فَاستَعْجَلُوهُ. فَلْيَحْذَرْ مُشْرِكُو مَكَّةَ أَنْ يَنْزِلَ بِهِمْ مَا نَزَلَ بِقَوْمِ عَادٍ، إِذا استَمَرُوا عَلَى كُفْرِهِمْ وَتَكْذِيبهِمْ. مَكَّنَّاهُمْ - أَقْدَرنَاهُمْ وَبَسَطْنا لَهُمْ. فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ - فَمَا دَفَعَ عَنْهُمْ. حَاقَ بِهِمْ - أَحَاطَ وَنَزَلَ بِهِمْ.

الثعلبي

تفسير : {وَلَقَدْ مَكَّنَاهُمْ فِيمَآ إِن مَّكَّنَّاكُمْ فِيهِ} أي فيما لا يمكنكم فيه من بسطة الأجسام، وقوّة الأبدان، وطول العمر، وكثرة المال. {وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعاً وَأَبْصَاراً وَأَفْئِدَةً فَمَآ أَغْنَىٰ عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلاَ أَبْصَارُهُمْ وَلاَ أَفْئِدَتُهُمْ مِّن شَيْءٍ إِذْ كَانُواْ يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ وَحَاقَ بِهم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ * وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ} يا أهل مكّة. {مِّنَ ٱلْقُرَىٰ} كحجر ثمود، وأرض سدوم ونحوهما. {وَصَرَّفْنَا ٱلآيَاتِ} الحجج والبيّنات وأنواع العبر والعظات {لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} عن كفرهم، فلم يرجعوا، فأهلكناهم، يخوّف مشركي قريش. {فَلَوْلاَ نَصَرَهُمُ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ قُرْبَاناً آلِهَةَ} يعني الأوثان، قال الكسائي: القربان كلّ ما يُتقرّب به إلى الله تعالى من طاعة، ونسكة، والجمع قرابين، كالرهبان والرهابين. {بَلْ ضَلُّواْ عَنْهُمْ وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ} أي كذبهم الذي كانوا يقولون: إنّها تقرّبهم إلى الله تعالى، وتشفع لهم عنده. وقرأ ابن عبّاس وابن الزبير {وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ} بفتح (الألف) و(الفاء) على الفعل، أي ذلك القول صرفهم عن التوحيد. وقرأ عكرمة {إِفْكُهُمْ} بتشديد (الفاء) على التأكيد والتفسير. قال أبو حاتم: يعني قلبهم عمّا كانوا عليه من النعيم. ودليل قراءة العامّة قوله: {وَمَا كَانُواْ يَفْتَرُونَ}. {وَإِذْ صَرَفْنَآ إِلَيْكَ نَفَراً مِّنَ ٱلْجِنِّ} الآية. قال المفسِّرون: لمّا مات أبو طالب خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وحده إلى الطائف يلتمس ثقيف النصرة، والمنعة له من قومه، فروى محمّد بن أحمد عن يزيد بن زياد عن محمّد بن كعب القرظي، قال: حديث : لمّا انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم وحده إلى الطائف، عمد إلى نفر من ثقيف، هم يومئذ سادة ثقيف وأشرافهم وهم اخوة ثلاثة: عبد ياليل، ومسعود، وحبيب، بنو عمر بن عمير، عندهم امرأة من قريش من بني جمح، فجلس إليهم، فدعاهم إلى الله تعالى وكلّمهم بما جاءهم له من نصرته على الإسلام، والقيام معه على من خالفه من قومه. فقال أحدهم، هو يمرط ثياب الكعبة إن كان الله تعالى أرسلك، وقال الآخر: أما وجد الله أحد يرسله غيرك؟ وقال الثالث: والله لا أُكلّمك كلمة أبداً لئن كنت رسولاً من الله كما تقول، لأنت أعظم خطراً من أن أردّ عليك الكلام، ولئن كنت تكذب على الله ما ينبغي لي أن أُكلّمك. فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم من عندهم وقد يئس من خير ثقيف، وقال لهم: "إذا فعلتم ما فعلتم فاكتموه". وكره رسول الله أن يبلغ قومه عنه فيديرهم عليه ذلك، فلم يفعلوا وأغروا به سفهاءهم، وعبيدهم يسبّونه، ويصيحون به، حتّى اجتمع عليه الناس وألجؤوه إلى حائط لعتبة، وشيبة ابني ربيعة، هما فيه، ورجع عنه سفهاء ثقيف. ولقد لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك المرأة من بني جمح، فقال لها: "ماذا لقينا من أحمائك؟". فلمّا اطمئن رسول الله، قال: "اللَّهم إنّي أشكو إليك ضعف قوّتي، وقلّة حيلتي، وهواني على النّاس، يا أرحم الراحمين أنت ربّ المستضعفين، وأنت ربّي، إلى من تكلني، إلى بعيد يتجهمني أو إلى عدوَ ملّكته أمري. إن لم يكن بك عليَّ غضب، فلا أُبالي، ولكن عافيتك هي أوسع، وأعوذ بنور وجهك من أن ينزل بي غضبك، ويحلّ عليَّ سخطك، لك العتبى حتّى ترضى، لا حول، ولا قوّة إلاّ بك". فلمّا رأى أبناء ربيعة ما لقي تحرّكت له رحمهما، فدعوا غلاماً لهما نصرانياً، يقال له: عداس. فقالا له: خذ قطفاً من هذا العنب وضعه في ذلك الطبق، ثمّ اذهب به إلى ذلك الرجل فقل له يأكل منه، ففعل عداس ثمّ أقبل به حتّى وضعه بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فلمّا وضع رسول الله يده، قال: "بسم الله". ثمّ أكل، فنظر عداس إلى وجهه، ثمّ قال: والله إنّ هذا الكلام ما يقوله أهل هذه البلدة. قال له رسول الله: "ومن أي أهل البلاد أنت يا عداس؟ وما دينك؟". قال: أنا نصراني وأنا رجل من أهل نينوى. فقال له رسول الله: "من قرية الرجل الصالح يونس بن متّى". قال له: وما يدريك ما يونس بن متّى؟ قال له رسول الله: "ذاك أخي، كان نبيّاً وأنا نبيّ". فأكبّ عداس على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقبّل رأسه، ويديه، ورجليه. قال: فيقول أبناء ربيعة أحدهما لصاحبه، أما غلامك فقد أفسده عليك. فلمّا جاءهم عداس، قالا له: ويلك يا عداس ما لكَ تقبّل رأس هذا الرجل، ويديه، ورجليه؟ قال: يا سيّدي ما في الأرض خيرٌ من هذا، لقد خبّرني بأمر ما يعلمه إلاّ نبي. فقال: ويحك يا عداس لا يصرفنّك عن دينك، فإنّ دينك خيرٌ من دينه. ثمّ إنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم انصرف من الطائف راجعاً إلى مكّة حتّى يئس من خير ثقيف، حتّى إذا كان بنخلة، قام من جوف الليل يصلّي، فمرّ به نفر من جنّ أهل نصيبين اليمن، وكان سبب ذلك أنّ الجنّ كانت تسترق السمع، فلمّا حرست السماء ورجموا بالشهب. قال إبليس: إنّ هذا الذي حدث في السماء لشيء في الأرض، فبعث سراياه لتعرف الخبر، فكان أوّل بعث بُعث ركب من أهل نصيبين وهم أشراف الجنّ وساداتهم، فبعثهم إلى تهامة، فاندفعوا حتّى بلغوا وادي نخلة، فوجدوا رسول الله صلّى الله عليه يصلّي صلاة الغداة، ببطن نخلة ويتلو القرآن، فاستمعوا إليه، وقالوا: أنصتوا. هذا معنى قول سعيد بن جبير وجماعة من أئمّة الخبر، ورواية العوفي عن ابن عباس، وقال آخرون: بل أُمر رسول الله أن ينذر الجنّ ويدعوهم إلى الله تعالى، ويقرأ عليهم القرآن، فصرف الله إليه نفراً من الجنّ من نينوى وجمعهم له، فقال رسول الله: "إنّي أُمرت أن أقرأ على الجنّ الليلة فأيّكم يتبعني؟" فأطرقوا ثمّ استتبعهم فأطرقوا، ثمّ استتبعهم الثالثة، فاتبعه عبدالله بن مسعود، قال عبدالله: ولم يحضر معه أحد غيري، فانطلقنا حتّى إذا كنّا بأعلى مكّة دخل نبيّ الله صلى الله عليه وسلم شعباً يقال له: شعب الحجون وخط إليَّ خطّاً، ثمّ أمرني أن أجلس فيه. قال: "لا تخرج منه حتّى أعود إليك". ثمّ انطلق حتّى قام وافتتح القرآن فجعلت أرى أمثال النسور تهوي تمشي في رفوفها، وسمعت لغطاً شديداً، حتّى خفت على نبي الله، وغشيته أسورة كثيرة حالت بيني وبينه، حتّى ما أسمع صوته، ثمّ طفقوا ينقطعون مثل قطع السحاب داهنين، ففزغ رسول الله صلى الله عليه وسلم مع الفجر، ثمّ انطلق إليَّ، وقال: "أنمت؟" فقلت: لا والله لقد هممت مراراً أن أستغيث بالناس حتّى سمعتك تقرعهم بعصاك. تقول: "اجلسوا". قال: "لو خرجت لم آمن أن يتخطّفك بعضهم". ثمّ قال: "هل رأيت شيئاً؟". قلت: نعم رأيت رجالاً سوداً مسفري ثياب بيض. فقال: "أولئك جنّ نصيبين سألوني المتاع" والمتاع الزاد "فمتعتهم بكلّ عظم حائل وبعرة وروثة". فقالوا: يا رسول الله يقذرها الناس علينا. فنهى النبيّ صلى الله عليه وسلم أن يُستنجى بالعظم والروث. قال: فقلت: يا رسول الله وما يعني ذلك عنهم؟ قال: "إنّهم لا يجدون عظماً إلاّ وجدوا عليه لحمة يوم أُكل، ولا روثة إلاّ وجدوا فيها حبّها يوم أُكلت". فقلت: يا رسول الله، لغطاً شديداً. فقال: "إنّ الجنّ يدارك في قتيل قتل بينهم" وقيل: قتل "فتحاكموا إليَّ، فقضيت بينهم بالحقّ". قال: ثمّ تبرّز رسول الله صلى الله عليه وسلم ثمّ أتاني فقال: "هل معك ماء؟ ". قلت: يا رسول الله معي أداوة فيها شيء من نبيذ التمر، فاستدعاه فصببت على يديه فتوضّأ. وقال: "تمرة طيبة وماء طهور"تفسير : . قال قتادة: فذكر لنا ابن مسعود لمّا قدم الكوفة رأى شيوخاً شمُطاً من الزط، فأفزعوه حين رآهم. وقال: اظهروا. فقيل له: إنّ هؤلاء قوم من الزط، فقال: ما أشبههم بالنفر الذين صرفوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد الجنّ. قال: أخبرنيه ابن منجويه، حدّثنا ابن حنش المقري، حدّثنا ابن زنجويه، حدّثنا سلمة، حدّثنا عبد الرزاق، حدّثنا معمر، عن قتادة بمثل معناه إلاَّ إنّه لم يذكر قصة نبيذ التمر. أخبرنا الحسين بن محمّد الحديثي، حدّثنا محمّد بن الحسن الصوفي، حدّثنا أبو جعفر محمّد بن صالح بن ذريح، حدّثنا مسروق بن المرزبان، حدّثنا ابن أبي زائدة، حدّثنا داود بن أبي هند، حديث : عن علقمة، قال: سألت عبد الله بن مسعود، هل كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أحد من الجنّ؟. فقال: لا لم يصحبه منّا أحدٌ. ولكنّا فقدناهُ ذات ليلة، فقلنا استطير أو اغتيل، فتفرّقنا في الشعاب والأودية نلتمسه، فلمّا أصبحنا رأيناه مقبلاً من نحو حراء. فقلنا:يا رسول الله، بتنا بشرِّ ليلة بات بها قوم، نقول: استطير أو اغتيل. فقال: "إنّه أتاني داع من الجنّ، فذهبت أُقرئهم القرآن". قال: وأراني آثارهم وآثار نيرانهم. قال: "فسألوه ليلتيئذ الزاد". فقال: "فكلّ عظم لم يذكر اسم الله عليه يقع في أيديكم أوفر ما كان لحماً، والبعر لدوابكم". فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لا تستنجوا بالعظام ولا بالبعر فإنّه زاد إخوانكم من الجنّ" . تفسير : أخبرنا أبو عبد الله بن منجويه، حدّثنا أبو بكر بن خرجه، حدّثنا محمّد بن أيّوب، أخبرنا سلمان بن داود الشاذكوي، عن خالد بن عبد الله الواسطي، عن خالد الحذّاء، عن أبي معشر، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله، قال: لم أكن مع النبيّ صلى الله عليه وسلم ليلة الجنّ وودت أنّي كنت معه. أخبرنا ابن منجويه، حدّثنا موسى بن محمّد بن علي، حدّثنا يوسف بن يعقوب القاضي، حدّثنا سليمان بن حرب، حدّثنا شعبة، عن عمرو بن مرة، قال: سألت أبا عبيدة بن عبد الله، أكان عبد الله مع النبيّ صلى الله عليه وسلم ليلة الجنّ؟ قال: لا. قال: وسألت إبراهيم. فقال: ليت صاحبنا كان ذاك. قوله تعالى: {وَإِذْ صَرَفْنَآ إِلَيْكَ نَفَراً مِّنَ ٱلْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ ٱلْقُرْآنَ} اختلفوا في مبلغ عددهم، فقال ابن عبّاس: كانوا سبعة نفر من جنّ نصيبين فجعلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم رُسلاً إلى قومهم. أخبرنا ابن منجويه، حدّثنا طلحة بن محمّد بن جعفر، وعبيدالله بن أحمد بن يعقوب، قالا: أخبرنا أبو بكر بن مجاهد، حدّثني أحمد بن حرب، حدّثنا سنيد، حدّثنا حجاج، قال: قال ابن جريح: أخبرني وهب بن سلَمان، عن شعيب الحماني. إنّ أسماء الجنّ الّذين صرفهم الله تعالى إلى رسوله شاصر، وماصر، ومنشي، وماشي، والأحقب وقال آخرون: كانوا تسعة. أخبرني أبو علي السراج، أخبرنا أبو بكر القطان، حدّثنا أحمد بن يوسف السّلمي، حدّثنا محمّد بن يوسف الفريابي، قال: ذكر سفيان، عن عاصم، عن زر بن حبيش، قال: كان زوبعة من التسعة الّذين استمعوا القرآن من النبي صلّى الله عليه وسلّم. {فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوۤاْ أَنصِتُواْ} قالوا: صه. وبإسناده عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن ثابت بن قطبة الثقفي، قال: جاء أُناسٌ إلى عبدالله بن مسعود، قالوا: كنّا في سفر فرأينا حيّة متشحّطة في دمها مقتولة، فأخذها رجل منّا، فواريناها، فلمّا ولّوا جاءهم ناس، فقالوا: إنّكم دفنتم عمراً، فقالوا ومَنْ عمر؟ قالوا: الحيّة التي دفنتم في مكان كذا وكذا. أمّا إنّه كان من النفر الّذين استمعوا القرآن من النبي (عليه السلام) وكان بين حيّتين من الجنّ من المسلمين وغيرهم، فزال، فقتل. أخبرنا ابن منجويه، حدّثنا عمر بن الخطّاب، حدّثنا عبدالله بن الفضل، حدّثنا سهل بن حمزة، حدّثنا عبد الله بن صالح، حدّثني معاوية بن صالح، عن أبي الزاهرية، عن جبير بن نفير، عن أبي ثعلبة الحشي إنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : الجنّ على ثلاثة أصناف: صنف لهم أجنحة يطيرون في الهواء وصنف حيات وكلاب، وصنف يحلّون ويظعنون ". تفسير : فلمّا حضروه، قالوا: قال: بعضهم لبعض أنصتوا، فأنصتوا واستمعوا القرآن، حتّى كاد يقع بعضهم على بعض من شدّة حرصهم، نظيرما في سورة الجنّ. {فَلَمَّا قُضِيَ} فرغ من تلاوة القرآن واستماع الجان. وقرأ لاحق بن حميد (قَضَى) بفتح (القاف) و(الضاد)، يعني النبيّ صلى الله عليه وسلم . {وَلَّوْاْ إِلَىٰ قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ} مخوّفين داعين بأمر النبي صلى الله عليه وسلم {قَالُواْ يٰقَوْمَنَآ إِنَّا سَمِعْنَا كِتَاباً أُنزِلَ مِن بَعْدِ مُوسَىٰ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِيۤ إِلَى ٱلْحَقِّ وَإِلَىٰ طَرِيقٍ مُّسْتَقِيمٍ * يٰقَوْمَنَآ أَجِيبُواْ دَاعِيَ ٱللَّهِ} يعني محمّد صلى الله عليه وسلم {وَآمِنُواْ بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} قال ابن عبّاس: فاستجاب لهم من فوقهم نحو من سبعين رجلاً من الجنّ فرجعوا إلى رسول الله فوافقوه بالبطحاء. فقرأ عليهم القرآن وأمرهم ونهاهم. واختلف العلماء في حكم مؤمني الجنّ، فقال قوم: ليس لمؤمني الجنّ ثواب إلاّ نجاتهم من النار، وتأوّلوا قوله تعالى: {يَغْفِرْ لَكُمْ مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} وإلى هذا القول ذهب أبو حنيفة. أخبرنا الحسين بن محمّد بن منجويه، حدّثنا عبد الله بن يوسف، حدّثنا الحسن بن نجيويه، حدّثنا عمرو بن ثور، وإبراهيم بن أبي سفيان، قالا: حدّثنا محمّد بن يوسف الفرباني، حدّثنا سفيان، عن ليث، قال: الجنّ ثوابهم أن يجاروا من النار، ثمّ يقال لهم: كونوا تراباً مثل البهائم. وقال آخرون: إن كان عليهم العقاب في الإساءة وجب أن يكون لهم الثواب في الإحسان مثل الإنس. وإليه ذهب مالك وابن أبي ليلى. أخبرنا أبو عبد الله الثقفي الدينوري، حدّثنا أبو علي بن حبش المقري، حدّثنا محمّد بن عمران، حدّثنا ابن المقري وأبو عبيد الله. قالا: حدّثنا العبدي، عن سفيان، عن جويبر، عن الضحّاك، قال: الجنّ يدخلون الجنّة ويأكلون ويشربون. {وَمَن لاَّ يُجِبْ دَاعِيَ ٱللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي ٱلأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءُ أُوْلَـٰئِكَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ}.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : هذا خطاب لقريش ولَفْتٌ لهم أن هؤلاء المعذّبين من قوم عاد كانوا أقوى منكم وأحسن أثاثاً ورئياً، وأكثر منكم أموالاً، وأثاروا الأرض وعمروها، ولهم حضارة من أعظم حضارات الدنيا. {أية : أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ ٱلْعِمَادِ * ٱلَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي ٱلْبِلاَدِ}تفسير : [الفجر: 6-8]. ومع ذلك كان هذا مصيرهم فلم تُغنْ عنهم قوتهم، ولم تدفع عنهم الحضارة شيئاً من عذاب الله وأنتم لستُم أقوى منهم، فاحذروا ما وقعوا فيه من تكذيب الرسول، واحذروا أنْ يُصيبكم ما أصابهم. فقوله تعالى: {وَلَقَدْ مَكَّنَاهُمْ ..} [الأحقاف: 26] يعني: مكنَّا قوم عاد. والتمكين يعني: أعطيناهم القوة والاستطاعة، وبسْطنا لهم في أسباب الدنيا حتى عملوا ما لم يعمله غيرهم من الأمم. {فِيمَآ إِن مَّكَّنَّاكُمْ فِيهِ ..} [الأحقاف: 26] إن هنا نافية كما في قوله تعالى: {أية : مَّا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلاَّ ٱللاَّئِي وَلَدْنَهُمْ ..}تفسير : [المجادلة: 2] ما أمهاتهم إلا اللائي ولدْنَهم، وهنا مكنَّا لهم ما لم نُمكِّن لكم، وبسطنا لهم ما لم نبسط لكم من الأسباب. ثم {وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعاً وَأَبْصَاراً وَأَفْئِدَةً فَمَآ أَغْنَىٰ عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلاَ أَبْصَارُهُمْ وَلاَ أَفْئِدَتُهُمْ مِّن شَيْءٍ ..} [الأحقاف: 26]. السمع والأبصار والأفئدة هي وسائل الإدراك الرئيسية في الإنسان، وقد وردتْ في كُلِّ مواضعها في القرآن بهذه الصيغة: السمع مفرد، والأبصار والأفئدة جمع. وهذه من دقائق التعبير في القرآن، فالسمع لا تُجمع لأن الصوت يسمعه الجميع كأننا في السماع واحد، ترى مصدر الصوت أو لا تراه لكن تسمعه. أما البصر فيختلف من شخص لآخر، فواحد يرى والآخر لا يرى، واحد نظره حَادّ، وآخر نظره كليل، وآخر أعور. إذن: الأبصار مختلفة، كذلك تختلف الأفئدة في استقبال الأشياء. وقد ثبت في علم وظائف الأعضاء أن الأذن هي أول جهاز يعمل في الطفل بعد ولادته مباشرة، أما العين فترى بعد ثلاثة إلى عشرة أيام، ثم بعد ذلك تعمل الأفئدة. إذن: هذا هو الترتيب الطبيعي لعمل الجوارح التي هي وسائل الإدراك، ولأهمية السمع جعله اللهُ أول هذه الجوارح عملاً، فهو أول ما يستقبل من مُدركات بعد الولادة، وهو الحاسَّة التي لا تنتهي مهمتها حتى في النوم. فالعين مثلاً لا ترى أثناء النوم، أما الأذن فتسمع لأنها وسيلةُ الاستدعاء للنائم، فلا بدّ أنْ تكون مستعدة دائماً للتلقَّي والسماع. وهذه المسألة رأيناها في قصة أهل الكهف في قوله تعالى: {أية : فَضَرَبْنَا عَلَىٰ آذَانِهِمْ فِي ٱلْكَهْفِ سِنِينَ عَدَداً}تفسير : [الكهف: 11] لأن الكهف في صحراء يكثر بها الأصوات المزعجة ليلاً بالإضافة إلى أصوات الرعد والبرق والريح، فلو كانت الأذنُ على طبيعتها لأزعجتْهم هذه الأصواتُ، لكن ضرب الله عليها حتى لا تسمع. ولأن السمع هو وسيلة التلقِّي واستقبال البلاغ عن الله جعلها الله سبحانه أول هذه المدارك عملاً، لذلك سَنَّ لنا سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنْ نُؤذِّن في أذن الطفل بمجرد أنْ يُولد. ولو كانت الأذن لا تعمل في هذا الوقت كان التكليف عبثاً، فإذا قلت مثلاً: وهل يفهم الطفل هذا؟ نقول: نعم يفهم بما فيه من العهد الذي أُخذ على آدم ونحن في مرحلة الذر. إذن: أول ما يجب أنْ يُعنى به الوالدان أنْ يُسمعا الطفل هذا النداء: الله أكبر الله أكبر من كل شيء آخر، وهذه هي الخميرة الإيمانية التي تدور حولها كل خمائر الإيمان. ما زلتم تذكرون حديثنا عن قوله تعالى: {أية : وَٱلَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَّكُمَآ ..}تفسير : [الأحقاف: 17] فماذ يشغل هذين الوالدين في هذه المرحلة من عمر الابن؟ لم ينشغلا بالقبول ثم الثانوية ثم الجامعة، أبداً إنما بالأمر الأحق والأهم، وهو مسألة الدين والعقيدة، فهذه أوْلى بالاهتمام في الصِّغَر حتى يشبّ عليها. لذلك نستقبل المولود بألفاظ الأذان لنغرسها فيه وفي تكوينه وهو صافي الذهن نقي القلب، فترسخ عنده، وتتمكن منه ولا تفارقه، على حَدِّ قول القائل: شعر : أتَانِي هَوَاهَا قَبْلَ أنْ أعرِفَ الهَوَى فَصَادفَ قَلْباً خَالياً فَتمكنَّا تفسير : قلنا: إن السمع مُقدّم على البصر، هذا في الدنيا، أما في الآخرة قالوا: {أية : أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا ..}تفسير : [السجدة: 12] فقدَّم البصر على السمع؛ لأنه حين تقوم القيامة يُفاجأ الإنسان بمنظر رهيب، فيرى قبل أن يسمع. ثم يقول تعالى في وصف قوم عاد: {فَمَآ أَغْنَىٰ عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلاَ أَبْصَارُهُمْ وَلاَ أَفْئِدَتُهُمْ مِّن شَيْءٍ ..} [الأحقاف: 26] إذن: سمعوا وكأنهم ما سمعوا، وأبصروا وكأنهم ما أبصروا لم يستفيدوا من هذا، كما قال تعالى: {أية : وَجَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِيۤ ءَاذَانِهِمْ وَقْراً ..}تفسير : [الإسراء: 46]. وبالتالي أصبحت أفئدتهم خالية، كما قال سبحانه: {أية : وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَآءٌ}تفسير : [إبراهيم: 43]. وقال: {أية : وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِّنَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَآ أُوْلَـٰئِكَ كَٱلأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْغَافِلُونَ}تفسير : [الأعراف: 179]. لكن، ما العلاقة بين السمع والبصر والفؤاد أي القلب؟ ولماذا جمع بينهم؟ قالوا: لأن السمع يدرك المسموع، والبصر يدرك المرئي، ومن هذه الإدراكات يُكوِّن الإنسان الفكر ثم يعرضه على العقل ليختار منه ويفاضل بين مكوِّناته، فيأخذ الطبيب ويترك الخبيث، يأخذ الصواب ويترك الخطأ، يأخذ ما وافق الشرع ويترك ما خالفه. فإذا استقر على أمر ألقاه إلى القلب ليثبت فيه، ويكون عقيدة راسخة لا تتزحزح، وإيمان لا يتذبذب ولا يطفو إلى العقل ليُناقش مرة أخرى، فالقلب إذن هو محلُّ العقائد. لذلك قال عنه سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدتْ فسد الجسد كله، ألا وهي القلب ". تفسير : لأنه الوعاء الذي حمل سائل الحياة ويضخه لجميع أجزاء الجسم، وحين يمتلىء بالإيمان يضخ هذا الإيمان مع الدم إلى جميع أجزاء الجسم، فتأتي التصرفات والأفعال على وفق هذا الإيمان، وتؤدي كل حاسة مهمتها بدقة. وهكذا تجد أن واهب الحياة لك لا يعطيك ما يُعوِّقك عنه، ولا ما يعطل عندك أداء منهجه. لذلك اقرأ: {أية : وَإِذَا سَمِعُواْ ٱللَّغْوَ أَعْرَضُواْ عَنْهُ وَقَالُواْ لَنَآ أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ لاَ نَبْتَغِي ٱلْجَاهِلِينَ}تفسير : [القصص: 55] . وقال: {أية : وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي ٱلْكِتَٰبِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ ٱللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِّثْلُهُمْ إِنَّ ٱللَّهَ جَامِعُ ٱلْمُنَٰفِقِينَ وَٱلْكَٰفِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً}تفسير : [النساء: 140]. إذن: إذا تمكَّن الإيمان من قلب العبد لا يصدر منه إلا ما يوافق مقتضيات الإيمان قولاً وعملاً، وانطبعت كُلُّ حركاته في الحياة بهذا الطابع. أما قوم عاد الذين نتحدث عنهم فلم ينتفعوا بما سمعوا من رسولهم، ولا بما رأوا من آيات الكون، ولم يذوقوا إذن طعم الإيمان بالله. {إِذْ كَانُواْ يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ ..} [الأحقاف: 26] وينكرونها وينصرفون عنها، ولو آمنوا لشرح اللهُ صدروهم، لكن ختم الله على قلوبهم، وعلى سمعهم، وعلى أبصارهم، لأنهم اختاروا الكفر وأحبُّوه فأعانهم الله عليه، لأنه رَبٌّ يعطي عبده ما يريد. لذلك قلنا للمرأة التي تبالغ في الحزن على فَقْد عزيز عليها: أحذري من ذلك، واخرجي من دائرة الحزن ولا تألفيه، وانظري لا إلى ما أُخِذ بل إلى ما أبقى، وإلا أدام الله عليك الحزن وأخذ منك الباقي. وهنا درس مهم، وهو إذا أصابك مكروه في شيء عزيز عليك فلا تنظر إلى ما أخذتْ المصيبة، لكن انظر فيما أبقتْ لك، حتى تهون وحتى لا تدخل من باب الجزع واليأس، وسوف تجد أن ما بقي أكثر، وأن مصيبتك أهون من غيرك. لذلك حكيم الصين لما جاءه الناس يشكُون إليه متاعب الحياة وهمومها، قال لهم: فليكتب كلُّ واحد منكم همومه ومتاعبه في ورقة، ثم يلقي بها في هذا الصندوق وليأتني بعد أسبوع، وبعد أسبوع جاء الشاكون فقال للأول: مدّ يدك وخُذْ ورقة مما في الصندوق فأخذ ورقة. ولما نظر فيها قال: لا أريد ورقتي، لماذا؟ لأنه وجد مصيبته أهون من مصيبة غيره. وقد ترجم العامة هذا المعنى فقالوا (اللي يشوف بلاوي الناس تهون عليه بلوته). ويُرْوَى أن سيدنا عروة بن الزبير سافر إلى الخليفة الأموي في الشام، وفي الطريق جُرحت رجْله ولم يجد مَنْ يداويها حتى وصل إلى دمشق فوجدوها قد قاحتْ ولم يجدوا حلاً إلا قطعها، فبحثوا له عن مُرقِّد يعنى (بنج) قال: لا فأنا لا أحب أنْ أغفلَ عن ربي طرفة عين، لكن اتركوني حتى أدخل في الصلاة. فلما دخل في صلاته قطعوا رِجْله فلم يشعر بها، ثم أخذوها وكفَّنوها فقال لهم: أعطوني إياها، فأمسك بها وقال: اللهم إنْ كنتَ قد ابتليتَ في عضو فقد عافيتَ في أعضاء. نعم، وهل الذي يغيب في معيَّة الله يشعر بألم، ويجب أنْ نصدق بهذه الأخبار ولا نستبعدها، لأنه من أسرار الأذن أنك إذا أحكمتَ سدَّها لا تشعر بالألم، فإن حاولتَ وشعرت بشيء من الألم فاعلم أنك لم تُحِكم سدَّها تماماً. ونداء الله أكبر هو الذي يُخرجك من عمل الدنيا ويُوقِفك بين يدي الله، وهو تكبيرة الإحرام للدخول في الصلاة، سبق أنْ بيَّنا أن معنى الله أكبر أن العمل والسعي يعتبر كبيراً، لكن الله أكبر، فلا يُستهان أبداً بعمل الدنيا والسَّعي فيها واستنباط خيراتها، فالدنيا أهم من أنْ تُنسى، ولكنها أحقر من أنْ تكون غاية. والمتتبع لقصة قوم عاد يجد أنها وردتْ في عدة سُور، وردت هنا على وجه الإجمال والإيجاز، وجاء تفصيل هذه القصة في سورة هود. وفي سورة الحاقة فصَّل لقطة العذاب التي جاءت هنا، فقال سبحانه: {أية : وَأَمَا عَادٌ فَأُهْلِكُواْ بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ * سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً فَتَرَى ٱلْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَىٰ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ * فَهَلْ تَرَىٰ لَهُم مِّن بَاقِيَةٍ}تفسير : [الحاقة: 6-8]. فالريح التي أهلكتهم ريح صرصر. يعني: شديدة لها صوتٌ مزعج تأيتهم من أعلى في سبع ليالٍ وثمانية أيام حسوماً، والحسوم جمع حاسم فهي حاسمة يعني: حسمتْ الموقف وأنهتْ المسألة، فلم تُبْق لهم على شيء. فإنْ قلتَ: فلماذا قال: {أية : سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ ..}تفسير : [الحاقة: 7] مع أن العادة في التشريع أن الليالي تسبق الأيام، والزمن يدخل بليله لا بنهاره، بدليل أننا في رمضان نثبت دخوله بليله، فقبل أنْ نصوم نصلي القيام. لذلك جعلوها لغزاً فقهياً: ما السّنة التي تسبق الفرض؟ ويبدو أن العذاب نزل بهم في الصبح فاستقبل النهار وانتهى عند المغرب، وبذلك استمر سبع ليالٍ وثمانية أيام. وقد وقف المستشرقون عند هذه الآية يعترضون على طريقة القرآن في تأنيث العدد مع المذكر، وتذكيره مع المؤنث {أية : سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ ..}تفسير : [الحاقة: 7] وقالوا: متى يلبس الذُّكران قلائد النسوان؟ ومتى تبرز ربَّات الحجال في عمائم الرجال؟ والقاعدة في علم النحو أن تأتي الأعداد من الثلاثة إلى التسعة على خلاف المعدود من حيث التذكير والتأنيث، ولهذا علة، فالأصل في الكلمة التذكير تقول (كاتب)، أما المؤنث فيحتاج إلى علامة تميزه فوضعوا له تاء التأنيث نقول (كاتبة). فالتأنيث فرع التذكير، لذلك احتاج إلى ما يُميزه، أما ألفاظ الأعداد من الثلاثة إلى التسعة فهي أصلاً موضوعة على التأنيث نقول: ثلاثة أربعة خمسة. فلما جاء مع المذكر جاء على أصله، ومع المؤنث احتاج إلى علامة، فبدل أنْ يأتوا بعلامة أخرى قالوا بحذف العلامة الموجودة في المؤنث. وهكذا أتى العدد مُخالفاً للمعدود في التذكير والتأنيث، فقال تعالى: {أية : سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ ..}تفسير : [الحاقة: 7]. ثم إن اليوم عند الفلكيين يُحسب من الوقت إلى مثله من اليوم التالي، لذلك نراهم عند الساعة الواحدة بعد الظهر يقولون: الواحدة مساءً. ونحن ما نزال في وسط النهار، وكذلك في الواحدة بعد منتصف الليل يقولون: الواحدة صباحاً ونحن ما نزال في الليل. أما اليوم في التشريع، فمن طلوع الشمس إلى غروبها، والليل من غروب الشمس إلى طلوعها. نلاحظ أن هذه السورة جاءت ببعض اللقطات من القصة، لكن لها تفصيل في سورة سُمِّيتْ باسمه، هي سورة (هود) تعرضتْ لكثير من اللقطات التي لم ترد هنا. ففي هذه السورة ركز السياق على ثلاث لقطات أو مسائل، هي: الدعوة إلى عبادة الله وحده، ثم التحذير من عبادة غيره، لأنهم إنْ عبدوا غير الله عرَّضُوا أنفسهم للعقاب، وهو أخوهم وحريص على نجاتهم، ثم ردُّوا عليه {أية : أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ آلِهَتِنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّادِقِينَ}تفسير : [الأحقاف: 22]. أما سورة (هود) فقد زادتْ على ذلك لقطات أخرى، فقال تعالى هناك: {أية : وَإِلَىٰ عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً قَالَ يٰقَوْمِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ ..}تفسير : [هود: 50] وهذه متفقة مع التي معنا، وقال هنا: {أية : أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ}تفسير : [الأعراف: 59] وهناك قال: {أية : إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ مُفْتَرُونَ}تفسير : [هود: 50] والافتراء ينشأ عنه العذاب العظيم. إذن: تكلَّم هنا عن المسبِّب وهناك عن السبب، فالعذاب العظيم سببه أنكم افتريتم على الله بأن اتخذتم له شركاء. ثم ذكر زيادة أخرى في هود هي قوله تعالى: {أية : يٰقَوْمِ لاۤ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى ٱلَّذِي فَطَرَنِيۤ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ}تفسير : [هود: 51]. فكأن المسألة في العقل وبقانون المبادلات أنني أستحق أجراً على دعوتي لكم، لكن أنا لا أريد منكم أجراً فأنتم لا تقدرون عليه لأنه عظيم وفوق قدرتكم، لذلك لا أطلبه إلا من الله الذي أرسلني وانتدبني لهذا الأمر. وقوله: {أية : ٱلَّذِي فَطَرَنِيۤ ..}تفسير : [هود: 51] أي: خلقني وأنشأني، ولم يقل الذي أرسلنى، فالمراد أنه تعالى خلقني لأكونَ رسولاً وأصلح لأنْ أحمل دعوته سبحانه، وأكون سفيراً له إلى خَلْقه. حتى اسمه جاء موافقاً لهذه المهمة، فكلمة (هود) من هَادَ يعني: رجع وتاب وأناب إلى ربه، ومنه قوله تعالى: {أية : إِنَّا هُدْنَـآ إِلَيْكَ ..}تفسير : [الأعراف: 156] يعني: تُبْنا ورجعنا إلى الله. ثم في (هود) يأمرهم بالاستغفار والتوبة: {أية : وَيٰقَوْمِ ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوۤاْ إِلَيْهِ ..}تفسير : [هود: 52] والاستغفار للذنب الذي مضى، أما التوبة فهي عدم الرجوع إلى الذنب مرة أخرى فهي للمستقبل، ثم يُبيِّن لهم ثمرة ذلك: {أية : يُرْسِلِ ٱلسَّمَآءَ عَلَيْكُمْ مِّدْرَاراً وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَىٰ قُوَّتِكُمْ وَلاَ تَتَوَلَّوْاْ مُجْرِمِينَ}تفسير : [هود: 52] وهذه لم تأت في الأحقاف. ومن التفاصيل التي وردت في (هود) ولم تأت هنا قولهم: {أية : إِن نَّقُولُ إِلاَّ ٱعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوۤءٍ قَالَ إِنِّيۤ أُشْهِدُ ٱللَّهَ وَٱشْهَدُوۤاْ أَنِّي بَرِيۤءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ}تفسير : [هود: 54]. وهنا نلاحظ أنه لم يرد الدعوى عن نفسه، إنما ردها عن الله فيتبرأ من هذا القول، ثم يقول لهم: {أية : إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى ٱللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَآ إِنَّ رَبِّي عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ}تفسير : [هود: 56]. فيظهر في حديثه هنا ثقة المؤمن بربه، فيقول متحدياً لهم: افعلوا ما شئتم فما جئتكم من نفسي ولا أواجهكم بجاهي ولا قوتي ولا عزوتي، إنما أواجهكم بالله الذي أرسلني وعليه توكلتُ في دعوتي. وهنا درس عقدي مهم إذا نزل بك بلاءٌ فلا تيأس ولا تغضب وعُدْ إلى رصيد الإيمان في نفسك، فإنْ توقفتْ قوانينك فقوانينُ الله لا تتوقف، وإنْ خذلتْكَ الأسبابُ فالمسبِّب موجود فارجع إليه. وفي (هود) يعطينا لقطة لنجاة المؤمنين به لم تُذكر هنا {أية : وَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُوداً وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَنَجَّيْنَاهُمْ مِّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ}تفسير : [هود: 58] هذه آية كونية خرقتْ النواميس كلها {أية : وَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا ..}تفسير : [هود: 58] أي: بهلاكهم وبالعذاب الذي كانوا يستعجلونه نجيَّنا هوداً والذين آمنوا معه، بماذا؟ {بِرَحْمَةٍ مِّنَّا ..} [هود: 58] فقط رحمة الله هي التي تداركتهم، لأن ما حدث كان ثورة طبيعية وغضبة للطبيعة على المخالفين لخالق هذه الطبيعة، الريح هي الريح عاصفة مدمرة مزعجة صرصر عاتية، ومع ذلك خالفتْ كُلَّ نواميس التكوين البيئي، فأهلكت هؤلاء وتركت هؤلاء.

الجيلاني

تفسير : ثم أشار سبحانه إلى توبيخ مشركي مكة ومجرميهم على وجه التأكيد والمبالغة، فقال سبحانه مقسماً: {وَ} الله يا أهل مكة {لَقَدْ مَكَّنَاهُمْ} أي: عاداً {فِيمَآ} أي: في الأمور التي أن {مَّكَّنَّاكُمْ فِيهِ} أي: ما مكناكم وأقدرناكم فيه من كثرة الأموال والأولاد والحصون والقلاع والقصور الرفيعة والمنازل الوسيعة {وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعاً} ليسمعوا به آياتنا الدالة على وحدة ذاتنا {وَأَبْصَاراً} ليشهدوا بها آثار قدرتنا ومتانة حكمتنا الدالة على كمال علمنا {وَأَفْئِدَةً} ولينكشفوا بها على وحدة ذاتنا ويتفطنوا بها باستقلالنا في تدبيراتنا وتصرفاتنا، ومع ذلك {فَمَآ أَغْنَىٰ } ودفع {عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلاَ أَبْصَارُهُمْ وَلاَ أَفْئِدَتُهُمْ مِّن شَيْءٍ} أي: شيئاً من الإغناء، أي: ما أفاد لهم هذه الآلات العجيبة الشأن شيئاً من الفائدة التي هي إنقاذهم عن الجهل بالله، وعم الضلال في طريق توحيده؛ إذ {كَانُواْ يَجْحَدُونَ} وينكرون بمقتضى جهلهلم المركب في جبلتهم أمثالكم أيها الجاحدون بآيَاتِ اللهِ ودلائل توحيده، ويستهزئون بها وبمن أنزلت إليه من الرسل {وَ} لذلك {حَاقَ} وأحاط {بِهم} وبال {مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} [الأحقاف: 26] عاجلاً، وسيلحقهم وينزل عليهم وعليكم أيضاً أيها المسرفون آجلا بأضعافه وآلافه. {وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا} وخربنا {مَا حَوْلَكُمْ مِّنَ ٱلْقُرَىٰ} الهالكة كعاد وثمود؛ لتعتبروا منها، وتتعظوا بما لحق بأهلها من أنواع البليات {وَصَرَّفْنَا ٱلآيَاتِ} الدالة على كمال قدرتنا واختيارنا وكررناها مراراً {لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [الأحقاف: 27] إلينا منخلعين عن مقتضى وجوداتهم الباطلة وهياتهم العاطلة، مع ذلك لم يرجعوا، ولم ينخلعوا. {فَلَوْلاَ نَصَرَهُمُ} أي: هلا نصرهم ومنعهم عن الهلاك والإهلاك شفعاؤهم {ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ} الفرد الصمد، وقربوا لهم {قُرْبَاناً} لأنهم اتخذوهم {آلِهَةَ} شركاء مع الله في الألوهية والربوبية، لذلك تقربوا إليهم، وتوجهوا نحوهم في عموم الملمات، مع أنه ما ينفعهم لدى الحاجة إليهم وإلى تصرفهم {بَلْ ضَلُّواْ} وغلبوا {عَنْهُمْ} فأنى ينصرهم ويدفع عنهم ما يضرهم {وَذَلِكَ} الذي اعتقدوا في شأنهم {إِفْكُهُمْ} أي: صرفهم عن الحق وإعراضهم عنه وميلهم إلى الباطل وإصرارهم فيه {وَمَا كَانُواْ يَفْتَرُونَ} [الأحقاف: 28] أي: افتراؤهم على الله بإثبات الشريك له، والمشاركة معهم.