٤٦ - ٱلْأَحْقَاف
46 - Al-Ahqaf (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
28
Tafseer
القرطبي
تفسير : قوله تعالى:{فَلَوْلاَ نَصَرَهُمُ} «لَوْلاَ» بمعنى هلاّ؛ أي هلاّ نصرهم آلهتهم التي تقرّبوا بها بزعمهم إلى الله لتشفع لهم حيث قالوا: {أية : هَـٰؤُلاۤءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ} تفسير : [يونس:8 1] ومنعتهم من الهلاك الواقع بهم. قال الكِسائيّ: القُرْبان كل ما يُتقرّب به إلى الله تعالى من طاعة ونَسيكة؛ والجمع قرابين؛ كالرهبان والرهابين. وأحد مفعولي اتخذ الراجع إلى الذين المحذوف، والثاني «آلِهةً». و «قُرْبَاناً» حال، ولا يصح أن يكون «قُرْبَاناً» مفعولاً ثانياً. و «آلِهَةً» بدل منه لفساد المعنى؛ قاله الزمخشريّ. وقرىء «قُرُبَاناً» بضم الراء. {بَلْ ضَلُّواْ عَنْهُمْ} أي هلكوا عنهم. وقيل: «بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ» أي ضلت عنهم آلهتهم لأنها لم يصبها ما أصابهم؛ إذ هي جماد. وقيل: «ضَلُّوا عَنْهُمْ»؛ أي تركوا الأصنام وتبرءوا منها. {وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ} أي والآلهة التي ضلّت عنهم هي إفكهم في قولهم: إنها تقرّبهم إلى الله زلفى. وقراءة العامة «إِفْكُهُمْ» بكسر الهمزة وسكون الفاء؛ أي كذبهم. والإفك: الكذب، وكذلك الأفِيكة، والجمع الأفائك. ورجل أفّاك أي كذاب. وقرأ ابن عباس ومجاهد وابن الزبير «وَذَلِكَ أَفَكَهُمْ» بفتح الهمزة والفاء والكاف، على الفعل؛ أي ذلك القول صرفهم عن التوحيد. والأَفْكُ (بالفتح) مصدر قولك: أَفكَه يَأفِكه أَفْكاً؛ أي قلبه وصرفه عن الشيء. وقرأ عكرمة «أَفَّكهم» بتشديد الفاء على التأكيد والتكثير. قال أبو حاتم: يعني قلبهم عما كانوا عليه من النعيم. وذكر المهدوِيّ عن ابن عباس أيضاً «آفِكهم» بالمد وكسر الفاء؛ بمعنى صارفهم. وعن عبد الله بن الزبير باختلاف عنه «آفكهم» بالمدّ؛ فجاز أن يكون أفعلهم، أي أصارهم إلى الإفك. وجاز أن يكون فاعلهم كخَادعهم. ودليل قراءة العامة «إِفْكُهُمْ» قوله: {وَمَا كَانُواْ يَفْتَرُونَ} أي يكذبون. وقيل «أفْكُهم» مثلُ «أفَكَهُم». الإفْك والأَفَك كالحِذْر والحذَرَ؛ قاله المهدوِيّ.
البيضاوي
تفسير : {فَلَوْلاَ نَصَرَهُمُ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ قُرْبَاناً ءالِهَةَ } فهلا منعتهم من الهلاك آلهتهم الذين يتقربون بهم إلى الله تعالى حيث قالوا: هؤلاء شفعاؤنا عند الله، وأول مفعولي {ٱتَّخَذُواْ } الراجع إلى الموصول محذوف، وثانيهما {قُرْبَاناً } و {ءالِهَةً } بدل أو عطف بيان، أو {ءالِهَةً } و {قُرْبَاناً } حال أو مفعول له على أنه بمعنى التقرب. وقرىء « قُربَاناً» بضم الراء. {بَلْ ضَلُّواْ عَنْهُمْ } غابوا عن نصرهم وامتنع أن يستمدوا بهم امتناع الاستمداد بالضال. {وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ } وذلك الاتخاذ الذي هذا أثره صرفهم عن الحق، وقرىء«إِفْكِهِمْ» بالتشديد للمبالغة، و «آفكهم» أي جعلهم آفكين و «آفكهم» أي قولهم الآفك أي ذو الإِفك. {وَمَا كَانُواْ يَفْتَرُونَ }. {وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَراً مّنَ ٱلْجِنّ } أملناهم إليك والنفر دون العشرة وجمعه أنفار. {يَسْتَمِعُونَ ٱلْقُرْءانَ } حَال محمولة على المعنى. {فَلَمَّا حَضَرُوهُ } أي القرآن أو الرسول. {قَالُواْ أَنصِتُواْ } قالُوا بعضهم لبعض اسكتوا لنسمعه. {فَلَمَّا قُضِىَ } أتم وفرغ من قراءته، وقرىء على بناء الفاعل وهو ضمير الرسول عليه الصلاة والسلام. {وَلَّوْاْ إِلَىٰ قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ } أي منذرين إياهم بما سمعوا. روي أنهم وافوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بوادي النخلة عند منصرفه من الطائف يقرأ في تهجده. {قَالُواْ يَا قَوْمُنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَـٰباً أُنزِلَ مِن بَعْدِ مُوسَىٰ } قيل إنما قالوا ذلك لأنهم كانوا يهودا أو ما سمعوا بأمر عيسى عليه الصلاة والسلام. {مُصَدّقاً لّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ إِلَى ٱلْحَقّ } من العقائد. {وَإِلَىٰ طَرِيقٍ مُّسْتَقِيمٍ } من الشرائع. {يٰقَوْمَنَا أَجِيبُواْ دَاعِىَ ٱللَّهِ وَءامِنُواْ بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مّنْ ذُنُوبِكُمْ} بعض ذنوبكم، وهو ما يكون في خالص حق الله فإن المظالم لا تغفر بالإِيمان. {وَيُجِرْكُمْ مّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ } هو معد للكفار، واحتج أبو حنيفة رضي الله عنه باقتصارهم على المغفرة والإِجارة على أن لا ثواب لهم، والأظهر أنهم في توابع التكليف كبني آدم. {وَمَن لاَّ يُجِبْ دَاعِىَ ٱللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِى ٱلأَرْضَ } إذ لا ينجي منه مهرب. {وَلَيْسَ لَهُ مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ} يمنعونه منه. {أُوْلَـئِكَ فِى ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ } حيث أعرضوا عن إجابة من هذا شأنه. {أَوَ لَمْ يَرَوْاْ أَنَّ ٱللَّهَ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَلَمْ يَعْىَ بِخَلْقِهِنَّ} ولم يتعب ولم يعجز، والمعنى أن قدرته واجبة لا تنقص ولا تنقطع بالإِيجاد أبد الأباد. {بِقَادِرٍ عَلَىٰ أَن يُحْيِىِ ٱلْمَوْتَىٰ} أي قادر، ويدل عليه قراءة يعقوب «يقدر»، والباء مزيدة لتأكيد النفي فإنه مشتمل على {أن} وما في حيزها ولذلك أجاب عنه بقوله: {بَلَىٰ إِنَّهُ عَلَىٰ كُلّ شَىْءٍ قَدِيرٍ} تقرير للقدرة على وجه عام يكون كالبرهان على المقصود، كأنه صَدَّرَ السورة بتحقيق المبدأ أراد ختمها بإثبات المعاد. {وَيَوْمَ يُعْرَضُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ عَلَى ٱلنَّارِ } منصوب بقول مضمر مقوله: {أَلَيْسَ هَـٰذَا بِٱلْحَقّ } والإِشارة إلى العذاب. {قَالُواْ بَلَىٰ وَرَبّنَا قَالَ فَذُوقُواْ ٱلعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ } بكفركم في الدنيا، ومعنى الأمر هو الإِهانة بهم والتوبيخ لهم. {فَٱصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُو ٱلْعَزْمِ مِنَ ٱلرُّسُلِ} أولو الثبات والجد منهم فإنك من جملتهم، و {مِنْ} للتبيين، وقيل للتبعيض، و {أُوْلُو ٱلْعَزْمِ} منهم أصحاب الشرائع اجتهدوا في تأسيسها وتقريرها وصبروا على تحمل مشاقها ومعاداة الطاعنين فيها، ومشاهيرهم: نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى عليهم السلام. وقيل الصابرون على بلاء الله كنوح صبر على أذى قومه كانوا يضربونه حتى يغشى عليه، وإبراهيم على النار وذبح ولده والذبيح على الذبح، ويعقوب على فقد الولد والبصر، ويوسف على الجب والسجن، وأيوب على الضر، وموسى قال له قومه {أية : إِنَّا لَمُدْرَكُونَ قَالَ كَلاَّ إِنَّ مَعِىَ رَبّى سَيَهْدِينِ }تفسير : [الشعراء: 61-62] وداود بكى على خطيئته أربعين سنة، وعيسى لم يضع لبنة على لبنة. {وَلاَ تَسْتَعْجِل لَّهُمْ } لكفار قريش بالعذاب فإنه نازل بهم في وقته لا محالة. {كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُواْ إِلاَّ سَاعَةً مّن نَّهَارٍ} استقصروا من هوله مدة لبثهم في الدنيا حتى يحسبونها ساعة. {بَلاَغٌ } هذا الذي وعظتم به أو هذه السورة بلاغ أي كفاية، أو تبليغ من الرسول عليه الصلاة والسلام ويؤيده أنه قرىء «بلغ»، وقيل {بَلاَغٌ } مبتدأ خبره {لَهُمْ } و {مَا} بينهما اعتراض أي لهم وقت يبلغون إليه كأنهم إذا بلغوه ورأوا ما فيه استقصروا مدة عمرهم، وقرىء بالنصب أي بلغوا بلاغاً. {فَهَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ ٱلْقَوْمُ ٱلْفَـٰسِقُونَ } الخارجون عن الاتعاظ أو الطاعة، وقرىء يهلك بفتح اللام وكسرها من هلك وهلك، ونهلك بالنون ونصب القوم. عن النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : من قرأ سورة الأحقاف كتب له عشر حسنات بعدد كل رملة في الدنيا».
المحلي و السيوطي
تفسير : {فَلَوْلا } هلا {نَصَرَهُمُ } بدفع العذاب عنهم {ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ } أي غيره {قُرْبَاناً } متقرباً بهم إلى الله {ءَالِهَةً } معه وهم الأصنام ومفعول اتخذ الأول ضمير محذوف يعود على الموصول أي هم و قربانا الثاني و آلهة بدل منه {بَلْ ضَلُّواْ } غابوا {عَنْهُمْ } عند نزول العذاب {وَذَٰلِكَ } أي اتخاذهم الأصنام آلهة قربانا {إِفْكُهُمْ } كذبهم {وَمَا كَانُواْ يَفْتَرُونَ } يكذبون، و ما مصدرية أو موصولة والعائد محذوف أي فيه.
اسماعيل حقي
تفسير : {فلولا نصرهم الذين اتخذوا من دون الله قربانا آلهة} القربان ما يتقرب به الى الله تعالى وأحده مفعولى اتخذوا ضمير المفعول المحذوف والثانى آلهة وقربانا حال والتقدير فهلا نصرهم وخلصهم من العذاب الذين اتخذوهم آلهة حال كونها متقربا بها الى الله تعالى حيث كانوا يقولون ما نعبدهم الا ليقربونا الى الله زلفى وهؤلاء شفعاؤنا عند الله وفيه تهكم بهم {بل ضلوا عنهم} اى غابوا عنهم وفيه تهكم آخر بهم كأن عدم نصرتهم لغيبتهم او ضاعوا عنهم اى ظهر ضياعهم عنهم بالكلية {وذلك} اى ضياع آلهتهم عنهم وامتناع نصرتهم {افكهم} اى اثر افكهم الذى هو اتخاذهم اياها آلهة ونتيجة شركهم {وما كانوا يفترون} عطف على افكهم اى واثر افترآئهم على الله او اثر ما كانوا يفترونه عليه تعالى. روزى از توهركه تافت دكر آب رو نيافت. وفى لآية اشارة الى ان الاسباب والوسائل نوعان احدهما ما اذن الله تعالى فى ان يتوسل العبد به اليه كالانبياء والاولياء وما جاؤ به من الوحى والالهام فهذه اسباب الهدى كما قال تعالى {أية : وابتغوا اليه الوسيلة} تفسير : وكونوا مع الصادقين والثانى ما لم يأذن فيه الله كعبادة الاصنام ونحوها فهذه اسباب الهوى كما نطقت بها الآيات ثم ان الله تعالى انما يفعل عند الاسباب لا بالاسباب ليعلم العبد ان التأثير من الله تعالى فيستأنس بالله لا بالاسباب. حق تعالى موسى را فرمودكاى موسى جون مرغ باش كه ازسر درختان مى خورد وآب صافى بكارمى بدد وجون شب درآمد در شكافى مأوى مىسازد وبامن انس ميكيرد واز خلق مستوحش ميكرد واى موسى هركه بغير من اميد دارد هرآينه اميد اوقطع كنم وهركه باغير من تكيه كند بشت اوراشكسته كنم وهركه باغير من انس كيرد وحشت اودراز كردانم وهركه غير مرا دوست دارد هرآينه ازوى اعراض نمايم. وفى الآية ايضا تهديد وتخويف حتى لا يغفل المرء عن الله ولا يتكل على غيره بل يتأمل العاقبة ويقتل اله عوة. حق تعالى به بنى اسرآئيل خطاب فرمودكه شمارا بآخرت ترغيب كرديم رغبت نكرديد ودردنيا بزهد فرموديم زاهد نشديد وبا آنش ترسانيديم ترس دردل نكرفتيد وبه بهشت تشويق كرديم آرزومند نشديد برشما نوحه كردن داديم نكرستيد بشارت باد كشتكا نرا كه حق تعالى شمشير بست كه در نيام نيامد وان دار جهنم است
اطفيش
تفسير : {فَلَوْلاَ} حرف تحضيض* {نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُواْ مِن دُونِ اللهِ قُرْبَاناً آلِهَةً} هلا منعتهم آلهتهم من الاهلاك الذين يتقربون بهم الى الله {أية : ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله} تفسير : وأول مفعولي (اتخذ) محذوف رابط للصلة أي (اتخذوهم) وثانيهما قرباناً وآلهة بدل أو بيان أو ثانيهما آلهة وقرباناً حال أو مفعول لاجله على انه بمعنى التقرب قاله القاضي وقال الزمخشري: لا يصح كون {قُرْبَاناً} مفعولاً ثانياً (وآلهة) بدلاً لفساد المعنى قيل أي لأن الآلهة لا تتخذ قرباناً بل يتقرب اليها وقال ابن هشام لانهم اذا ذموا على اتخاذهم قرباناً من دون الله اقتضى مفهومه الحث على أن يتخذوا الله قرباناً دون الآلهة كما انك اذا قلت لا تتخذ فلاناً معلماً من دوني كنت آمراً له أن يتخذك معلماً دونه والله يتقرب اليه بغيره لا الى غيره وقرئ بكسر القاف والقربان كل ما يتقرب به الى الله* {بَلْ ضَلُّواْ} أي غابت الالهة* {عَنْهُمْ} عند نزول العذاب والمراد عدم النفع لهم كانهم لم يحضروا* {وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ} كذبهم والاشارة الى الإتخاذ أي وذلك الاتخاذ أثر افكهم وقرئ (افكهم) بالفعل أي (جعلهم افكين وصرفهم عن الحق) وبالفعل مشدداً للمبالغة* {وَمَا كَانُواْ يَفْتَرُونَ} أو وكونهم يفترون وأجاز بعض كون ما بمعنى الذي والرابط محذوف أي يفترون فيه أو يفترونه
اطفيش
تفسير : {فَلولا} تحضيض على النصرة بسبيل الاعجاز {نَصَرهُم} منعهم من الهلاك {الَّذين اتَّخذوا مِن دون الله قُربانا آلهةً} الذين واقع على الأصنام، لأنها عندهم بمنزلة العقلاء، والروابط محذوف، أى اتخذوهم، وهذه الهاء المقدرة عائدة للأصنام، وهى مفعول أول وواو اتخذوا للكفار العابدين لها، وآلهة مفعول ثان وقربانا حال بمعنى متقربا بها، كما قالوا: "أية : ما نعبدهم إلاَّ ليقربونا إلى الله زُلفى" تفسير : [الزمر: 3] و "أية : هؤلاء شفعاؤنا عند الله" تفسير : [يونس: 18] وأولى من ذلك أن يجعل قربانا مفعولا من أجله لسلامته من كون الحال مصدرا مأولا، ويجوز أن يجعل قربانا مفعولا به ثانيا، وآلهة بدلا منه، وفيه تأويل قربانا بمتقربا به، أو يقدر مضاف اولا، أى اتخذوا عبادتهم تقربا، ومن دون الله على هذا حال من آلهة، وانما قلت ذلك لأنه لا يتصور اتخاذهم الله قربانا اليه ولا الى غيره سبحانه وتعالى، بل يتقرب بغيره اليه، واذا علقنا من دون الله باتخذوا أو بمحذوف حالا من قربانا أَوْهَمَ أنه يتصور اتخاذ الله قربانا اليه أو الى غيره فنفى، اللهم الا أن يعتبر جواز التقرب بالله الى الله بمعنى التوسل به اليه، أو بعبادته، فحينئذ يعاب عليهم أنهم تقربوا الى الله بغيره، والواجب أن يتقربوا اليه به. {بل ضلوا عنْهُم} ضل عنهم الأصنام الذين عبدوهم، أى غابوا وفيهم تهكم ثان بأنهم لو لم يغيبوا لنصروهم، والأول فى قوله تعالى: "فلولا نصرهم" الخ بأنهم ممن يمكن منهم النصر لكن لا يقرون على رد أمر الله عز وجل، أو ضلوا ضاعوا عنهم إذ كانوا يؤمنون نصرهم فلم يجدوه كمن ضاع منه آلة عمله {وذلك} الضلال منهم {إفْكُهم} إثر كذبهم إذ زعموا أنها آلهة تشفع، ولولا اتخاذها آلهة شافعة لم يفتضحوا بضلالهم عنهم، وبطلانها، بل يجدون الله منجيا، ولا يتكلون عليها، لأنهم أعرضوا عنها، لأنه لا تنفع. {وما كانُوا يفْتَرون} ما مصدرية، والعطف على افكهم، أى وأثر كونه يكذبون على الله لا بعث ولا رسالة، أو افكهم صرف الشياطين وأنفسهم لهم عن الحق، باتخاذ لآلهة، وافتراؤهم كذبهم على الله، أو ما اسم أى والذى كانوا يفترون. روى أنه صلى الله عليه وسلم لما اشتد عليه تكذيب قومه له، عمد الى رؤساء الطائف عبد ياليل، ومسعود، وحبيب اخوة ثلاثة أبوهم عمير، ودعاهم فقال أحدهم: ان كان الله أرسلك، والآخر ما وجد الله من يرسل غيرك، والثالث لا أكلمك ان كنت رسولا من الله تعالى فأنت أعظم من أن أرد عليك، والا فلست أهلا للخطاب، فقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : اكتموا عليَّ " تفسير : خوفا من جرأة قريش عليه، فلم يفعلوا، بل صاحوا عليه، وأغروا عليه السفهاء ورجموه حتى التجأ الى شجرة عنب فى حائط شيبة وعتبه ابنى ربيعة، فقال: "حديث : اللهم أشكو إليك ضعف قوتي، وقلة حيلتي وهواني على الناس، فأنت رءوف، وأنت أرحم الراحمين، وأنت رب المستضعفين، وأنت ربي، إلى من تكلني؟ إلى بعيد يتجهمني، أو إلى عدو ملكته أمري، إنْ لم يكن لك علي غضبٌ فلا أبالي، ولكن عافيتك أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة، من أنْ ينزل علي غضبك، أو يحل علي سخطك، لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلاَّ بك ". تفسير : وتحركت له رحم عتبة وشيبة، وأرسلا اليه عنبا فى طبق مع عداس، غلام نصرانى، فقال بسم الله وأكل، فنظر الى وجهه فقال: والله ما يقول أهل هذه البلاد هذا الكلام، فقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : "من أي بلد أنت وما دينك" فقال نصراني من نينوى، فقال: "من بلد الرجل الصالح يونس ابن متى؟" فقال: ما أدراك به، فقال: "هو أخي نبي وأنا نبي""تفسير : ، فقبل رأسه وقدميه ويديه، فقالا له، ويلك مالك؟ فقال: هو نبى أخبرنى بأمر لا يعرفه إلا نبى، فقالا: دينك أفضل من دينه، فقال: بل دينه أفضل، وانصرف آيسا من خير ثقيف، حتى اذا كان ببطن نخلة قام من جوف الليل يصلى فمر به نفر من جن نصيبين قاصدين اليمن، إذ منعوا من استراق السمع، كما قال الله عز وجل: {وإذ} اذكر إذ، ولا مانع من عطفه على أخا عاد {صَرفنا إليْك} وجهنا اليك {نفراً مِن الجن} هم هنا سبعة أو تسعة عشر، أو تسعة أو اثنا عشر ألفا روايات، ولعل صرف الجن وقع مرارا بحسب هذا العدد، تارة سبعة، وتارة تسعة، وتارة تسعة عشر، وتارة اثنى عشر ألفا، وشهر أن النفر ما بين الثلاثة والعشرة من النفير، وهم من يسرع عاجلا الى مهم دعوا اليه، ويسهل وجودهم، وذلك على الغالب، وقد يستعمل فى غيره، فانه يطلق على العشرة فى الفصيح، وذكر بعض اللغويين: أنه يستعمل الى الأربعين، وفى كلام الشعبى حدثنا بضع عشرة نفرا أى رجلا، ولا يختص بالرجال، ولا ببنى آدم، كما أطلق فى الآية على الجن، فنقول: حقيقة فيهم لا مجاز، كما هو حقيقة فى الناس. قيل: الجن ثلاثة: صنف بأجنحة يطيرون، وصنف على صورة الحيات والكلاب، وصنف يحلون ويرحلون، وبقى قسم رابع يسكنون مع الناس فى بيوتهم وديارهم، وفى البيوت الخالية، فالأصناف أربعة، وفيه الثلاث والسبعون فرقة التى فى بنى آدم، وقد قيل: المصروفون فى الآية يهود، وأنهم أسلموا، وهم عند مشاهدتهم لا يتحولون، فاذا مال بصركم عنهم تحولوا الى صورة أخرى ان شاءوا، وذلك بقدرة الله تعالى من الجن نعت نفر، ومن للتبعيض، أو متعلق بصرفنا، ومن للإبتداء. {يسْتَمعُون القرآن} حال مقدرة من نفرا على نعته بقوله: {من الجن}على جواز كون التقدير من غير صاحب الحال، فان النفر حين الصرف غير مقدرين الاستماع، وهو مشكل، أو حال من فاعل صرف، فان الله عز وجل هو الصارف مقدر استماعهم، وهو مشكل أيضا لأنه ليس فاعلا للاستماع، فلعل الجملة نعت لنفرا، أى نفرا يستمعون القرآن، عاب الله عز وجل قريشا بأنهم كفروا بمن هو آدمى مثلهم، ومن نسبهم، وشرفه شرف لهم، وآمن به الجن، وهم بخلاف ذلك، وأما اللغة، فالجن كغيرهم فى لغة العرب، ويوصفون بالقوة كعاد، وقصة عاد تضمنت ذكر الريح، وهذه القصة تضمنت ذكر الجن، فتناسبت القصتان، وذكرتا لغرابتهما، وهؤلاء النفر من جن نصيبين من ديار بكر قريبة من الشام، وقيل من نينوى، وهى من ديار بكر لكن قريبة من الموصل، ويقال: انهم من الشيطان، وهم أكثر الجن عددا، وعامة جنود ابليس منهم، والقرآن الذى يستمعون هو سورة: "أية : اقرأ باسم ربك" تفسير : [العلق: 1] قرأها عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعن جابر بن عبد الله، وابن عمر أنها سورة الرحمن، كلما قرأ صلى الله عليه وسلم "أية : فبأي آلاء ربكما تكذبان" تفسير : [الرحمن: 16] قالوا لا بشىء من آيات ربنا نكذب، ربنا لك الحمد، وبعض القرآن يسمى قرآنا أى قراءة أو مقروء. {فلمَّا حَضَروه} أى حضروا القرآن لذكره فى قوله: {يستمعون القرآن} أى حضروا عند تلاوته، وهو الظاهر، ولا مجاز فيه تقول: حضرت القرآن عند فلان، كما تقول حضرت فلانا، وقيل الهاء لرسول الله صلى الله عليه وسلم، لذكره بقوله: "إليك" الا أنه هنا بالخطاب بالغيبة على طريق الالتفات، ويدل له قراءة قضى بفتح القاف والضاد {قالُوا} قال بعض لبعض {أنصِتُوا} اسكتوا لتسمعوا، وفيه تأدب عام لحال الاستماع مطلقا لأنهم حال القول، لم يعلموا أنه علم حتى تأدب مع العلم والارشاد الى كيفية تعلمه {فَلما قُضِىَ} فرغ صلى الله عليه وسلم من قراءة ما أراد قراءته، كما قرىء قضى بفتح القاف والضاد {ولَّوْا إلى قومِهِم} وهم الجن، أو المراد الجنس أى أقوامهم كل ذهب الى قومه من الجن. وكان الحضور بوادى نخلة على نحو ليلة من مكة المكرمة، انطلق النبى صلى الله عليه وسلم فى طائفة من أصحابه الى سوق عكاظ، وقد حيل بين الشياطين وخبر السماء، وأرسلت عليهم الشهب، فرجعت الشياطين الى قومهم فقالوا: مالكم؟ فقالوا: حيل بيننا وبين خبر السماء، وأرسلت علينا الشهب، قالوا: ما حيل بينكم وبين خبر السماء الا لشىء حدث، فاضربوا مشارق الأرض مغاربها، فانظروا، فتوجه نفر نحو تهامة، ووافوا النبى صلى الله عليه وسلم بنخلة يصلى بأصابه صلاة الفجر، فاستمعوا له فى صلاته، فلما سلم رجعوا الى قومم منذرين، وقد آمنوا وقالوا: هذا والله الذى حال بيننا وبين خبر السماء، فرجعوا الى قومهم منذرين، رواه البخارى ومسلم والترمذى، عن ابن عباس ثم رأيته للنسائى ايضا. وروى ابن المنذر: أنهم استمعوا حتى فرغ من الصلاة، فولوا مؤمنين منذرين، ولم يعلم صلى الله عليه وسلم بهم، حتى نزل "أية : قل أوحي إليَّ أنه استمع" تفسير : [الجن: 1] الخ وهذا السورة نزلت بعدها، وفى البخارى ومسلم، عن ابن مسعود رضى الله عنه: أنه أعلمته بهم شجرة، وقيل علم حال الاستماع، كما روى أنه صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : "إني أمرت أنْ أقرأ على الجن الليلة فأيكم يتبعني" كرر ذلك ثلاثا فلم يتبعه إلا ابن مسعود قال: لم يحضر أحد معى غيرك فانطلقنا حتى اذا كنا بأعلى مكة دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم شعب الجون, قال: "اجلس" وخط على خطا، وقال لا تخرج حتى أعود اليك، فافتح القرآن، فجعلت أرى أمثال النسور تهوى وسمعت لغطا شديداً حتى خفت عليه صلى الله عليه وسلم، وغشيه أسودة كثيرة حتى لا أراه ولا أسمع صوته، ثم رأيتهم يذهبون كالسحاب قطعا بعد فراغه مع الفجر فقال لى: "نمت؟" فقلت: لا والله يا رسول الله، وقد هممت أن أستغيث لك الناس، حتى سمعتك تقرعهم بالعصا، وتقول: اجلسوا، ثم قال: "لو خرجت لم آمن أن يخطفك أحدهم، وهل رأيت شيئا؟" قلت: رأيت رجالا سودا بيض الثياب، قال: "هم جن نصيبين سألونى الزاد فمتعتهم بالعظم والروث والبعر" فقالوا: ينجسهما الناس عينا، فنهى صلى الله عليه وسلم عن تنجيسهما، فلا يجدون عظما الا كان لهم كيوم أكل ولا روثا أو بعرة الا كان لهم كما كان حبا. فقلت: ما ذلك اللغط؟ قال: "تخاصموا في قتيل فقضيت بينهم""تفسير : ورأى شيخا شمطا فى الكوفة، فقال: هم أشبه بالجن الذين رأيتهم عند قراءته صلى الله عليه وسلم على الجن، وقال ابن عباس: هم سبعة، وهم من جن نصيبين، قاصدون اليمن لأجل معرفة سبب منع استراق السمع، وجن نصيبين أشراف وسادتهم، وقيل: أول من بعث إبليس فى ذلك جن نصيبين، بعثهم الى تهامة، وذكر زربن حبيش: ان من السبعة زوبعة، وعن مجاهد: ثلاثة من حران، وأربعة من نصيبين: حسى ومسى، وشاسر وماضر، والارد وانيان وسرق والأحقم بالميم، وقيل بالباء وذكر السهيلى، منشىء وناشىء بدل حسى ومسى، وذكر الطبرى والطبرانى عن ابن عباس: أنهم تسعة عشر من نصيبين، وأنه صلى الله عليه وسلم علم بهم، وأرسلهم الى قومهم. وعن ابن مسعود رضى الله عنه: ما صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم منا أحد ليلة الجن، كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة، ففقدناه فالتمسناه فى الأودية والشعاب، فقلنا: استطير أو اغتيل: فبتنا بشر ليلة بات بها قوم، فلما أصبحنا جاء من جهة حراء، فأخبرناه فقال: "حديث : أتاني داعي الجن فأتيتهم فقرأت عليهم القرآن"تفسير : فانطلق بنا فأرانا آثارهم وآثار نيرانهم رواه أحمد ومسلم والترمذى وأبو داود. وروى أحمد، عن ابن مسعود: حديث : قمت مع النبى صلى الله عليه وسلم ليلة الجن، وأخذت اداوة حتى اذا كنا بأعلى مكة، رأيت أسودة مجتمعة فخط لى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "أقم هنا حتى آتيك" ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم اليهم، فرأيتهم يتثورون اليه، فسمر معهم ليلا طويلا، حتى جاءنى مع الفجر فقال لى: "هل لك من وضوء؟" قلت: نعم، ففتحت الاداوة، فاذا هو نبيذ فقلت: ما كنت أحسبها إلا ماء، فقال صلى الله عليه وسلم: "ثمرة طيبة وماء طهور" فتوضأ منها ثم قام يصلى، فأدركه شخصان منهم بصفهما خلفه، ثم صلى بنا، فقلت: من هؤلاء يا رسول الله؟ فقال: "جن نصيبين"" تفسير : ويجمع بين الأحاديث بعتدد واقعة الجن. وذكر الطبرى، عن ابن عباس: أنه صرفت الجن الى النبى صلى الله عليه وسلم مرتين، وذكر أنه ست مرات، وعن كعب الأخبار: انصرف النفر التسعة من أهل نصيبين من بطن نخلة، وأنذروا قومهم، فجاء ثلاثمائة الى الحجون، فسلم الأحقب على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ان قومنا حضروا الحجون، فوعده لساعة من الليل بالحجون، وعن عكرمة فى الآية أنهم اثنا عشر ألفا من الموصل، وذلك فى ابتداء الوحى، وفى مسلم اختيار أنهم من جن الجزيرة.
الالوسي
تفسير : {فَلَوْلاَ نَصَرَهُمُ } فهلا منعهم من الهلاك الذي وقعوا فيه {ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ } أي آلهتهم الذين اتخذوهم. {مِن دُونِ ٱللَّهِ قُرْبَاناً ءالِهَةَ } والضمير الذي قدرناه عائداً هو المفعول الأول ـ لاتخذوا ـ و {ءالِهَةً } هو المفعول الثاني و {قُرْبَاناً } بمعنى متقرباً بها حال أي اتخذوهم آلهة من دون الله حال كونها متقرباً بها إلى الله عز وجل حيث كانوا يقولون: {أية : مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرّبُونَا إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَى } تفسير : [الزمر: 3] و {أية : هَـؤُلاء شُفَعَـٰؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ } تفسير : [يونس: 18] وفي الكلام تهكم بهم. وأجاز الحوفي كون {قُرْبَاناً } مفعولاً من أجله، وأجاز هو أيضاً وابن عطية ومكي وأبو البقاء كونه المفعول الثاني ـ لاتخذوا ـ وجعل {ءالِهَةً } بدلاً منه، وقال في «الكشاف»: لا يصح ذلك لفساد المعنى، ونقل عنه في بيانه أنه لا يصح أن يقال: تقربوا بها من دون الله لأن الله تعالى لا يتقرب به، وأراد كما في «الكشف» / أنه إذا جعل مفعولاً ثانياً يكون المعنى فلولا نصرهم الذين اتخذوهم قرباناً بدل الله تعالى أو متجاوزين عن أخذه تعالى قرباناً إليهم وهو معنى فاسد. واعترض عليه بجعل {دُونِ } بمعنى قدام كما قيل به في قوله تعالى: {أية : وَٱدْعُواْ شُهَدَاءكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ } تفسير : [البقرة: 23] وبأنه قد قيل: إن (قرباناً) مفعول له فهو غير مختص بالمتقرب به، وجاز أن يطلق على المتقرب إليه وحينئذ يلتئم الكلام. وأجيب عن الأول بأنه غير قادح لأنه مع نزارة استعمال دون بمعنى قدام لا يصلح ظرف الاتخاذ لأنه ليس بين يدي الله تعالى وإنما التقرب بين يديه تعالى ولأجله سبحانه، واتخاذهم قرباناً ليس التقرب به لأن معناه تعظيمهم بالعبادة ليشفعوا بين يدي الله عز وجل ويقربوهم إليه سبحانه، فزمان الاتخاذ ليس زمان التقرب البتة، وحينئذ إن كان مستقراً حالاً لزم ما لزم في الأول. ولا يجوز أن يكون معمول {قُرْبَاناً } لأنه اسم جامد بمعنى ما يتقرب به فلا يصلح عاملاً كالقارورة وإن كان فيها معنى القرار، وفيه نظر. وأجيب عن الثاني بأن الزمخشري بعد أن فسر القربان بما يتقرب به ذكر هذا الامتناع على أن قوله تعالى بعد {بَلْ ضَلُّواْ } الخ ينادي على فساد ذلك أرفع النداء. وقال بعضهم في امتناع كون {قُرْبَاناً } مفعولاً ثانياً و {ءالِهَةً } بدلاً منه: إن البدل وإن كان هو المقصود لكن لا بد في غير بدل الغلط من صحة المعنى بدونه ولا صحة لقولهم: اتخذوهم من دون الله قرباناً أي ما يتقرب به لأن الله تعالى لا يتقرب به بل يتقرب إليه فلا يصح أنهم اتخذوهم قرباناً متجاوزين الله تعالى في ذلك، وجنح بعضهم إلى أنه يصح أن يقال: الله تعالى يتقرب به أي برضاه تعالى والتوسل به جل وعلا. وقال الطيبـي: إن الزمخشري لم يرد بفساد المعنى إلا خلاف المعنى المقصود إذ لم يكن قصدهم في اتخاذهم الأصنام آلهة على زعمهم إلا أن يتقربوا بها إلى الله تعالى كما نطقت به الآيات فتأمل. وقرىء {قُرْبَاناً } بضم الراء. {بَلْ ضَلُّواْ عَنْهُمْ } أي غابوا عنهم، وفيه تهكم بهم أيضاً كأن عدم نصرهم لغيبتهم أو ضاعوا عنهم أي ظهر ضياعهم عنهم بالكلية وقد امتنع نصرهم الذي كانوا يؤملونه امتناع نصر الغائب عن المنصور. {وَذَلِكَ } أي ضلال آلهتهم عنهم {إِفْكُهُمْ} أي أثر إفكهم أي صرفهم عن الحق واتخاذهم إياها آلهة ونتيجة شركهم {وَمَا كَانُواْ يَفْتَرُونَ } أي وأثر افترائهم وكذبهم على الله تعالى أو أثر ما كانوا يفترونه على الله عز وجل، وقيل: {ذَلِكَ } إشارة إلى اتخاذ الأصنام آلهة أي ذلك الاتخاذ الذي أثره ضلال آلهتهم عنهم كذبهم وافتراؤهم أو والذي كانوا يفترونه وليس بذاك وإن لم يحوج إلى تقدير مضاف. وقرأ ابن عباس في رواية {أفكهم } بفتح الهمزة والإفك والأفك مصدران كالحذر والحذر. وقرأ ابن الزبير والصباح بن العلاء الأنصاري وأبو عياض وعكرمة وحنظلة بن النعمان بن مرة ومجاهد وهي رواية عن ابن عباس أيضاً {أفكهم } بثلاث فتحات على أن أفك فعل ماض وحينئذ الإشارة إلى الاتخاذ أي ذلك الاتخاذ صرفهم عن الحق، {وَمَا كَانُواْ } قيل عطف على ذلك أو على الضمير المستتر وحسن للفصل أو هو مبتدأ والخبر محذوف أي كذلك، والجملة حينئذ معطوفة على الجملة قبلها. وأبو عياض وعكرمة أيضاً كذلك إلا أنهما شددا الفاء للتكثير، وابن الزبير أيضاً وابن عباس فيما ذكر ابن خالويه {آفكهم } بالمد فاحتمل أن يكون فاعل فالهمزة أصلية وأن يكون أفعل والهمزة للتعدية أي جعلهم يأفكون؛ وجوز أن تكون للوجدان كأحمدته وأن يكون أفعل بمعنى فعل، وحكى في «البحر» أنه قرىء {أفكهم } بفتح الهمزة والفاء وضم الكاف وهي لغة في الإفك. وقرأ ابن عباس فيما روى قطرب وأبو الفضل الرازي {آفكهم } اسم فاعل من أفك أي وذلك الاتخاذ صارفهم عن الحق. وقرىء {وذلك إفك مما كانوا يفترون} والمعنى ذلك بعض / ما يفترون من الإفك أي بعض أكاذيبهم المفتريات فالإفك بمعنى الاختلاق فلا تغفل.
ابن عاشور
تفسير : تفريع على ما تقدم من الموعظة بعذاب عاد المفصَّل، وبعذاب أهل القرى المُجمل، فرع عليه توبيخ موجه إلى آلهتهم إذ قعدوا عن نصرهم وتخليصهم قدرة الله عليهم، والمقصود توجيه التوبيخ إلى الأمم المهلكة على طريقة توجيه النهي ونحوه لغير المنهي ليجتنب المنهيُّ أسبابَ المنهيِّ عنه كقولهم لا أعرفنك تفعل كذا، ولا أرينَّك هنا. والمقصود بهذا التوبيخ تخطئة الأمم الذين اتخذوا الأصنام للنِصرِ والدفع وذلك مستعمل تعريضاً بالسامعين المماثلين لهم في عبادة آلهة من دون الله استتماماً للموعظة والتوبيخِ بطريق التنظير وقياس التمثيل، ولذلك عقب بقوله: {بل ضلّوا عنهم} لأن التوبيخ آل إلى معنى نفي النصر. وحرف {لولا} إذا دخل على جملة فعلية كان أصله الدلالة على التحْضيض، أي تحْضيض فاعل الفعل الذي بعد {لولا} على تحصيل ذلك الفعل، فإذا كان الفاعل غير المخاطب بالكلام كانت {لولا} دالة على التوبيخ ونحو إذ لا طائل في تحضيض المخاطب على فعل غيره. والإتيان بالموصول لما في الصلة من التنبيه على الخطإ والغلط في عبادتهم الأصنام فلم تغن عنهم شيئاً، كقول عبدة بن الطّيب:شعر : إنَّ الذين تُرَوْنَهُم إخوانكم يَشفِي غَليل صدورهم أن تُصْرَعوا تفسير : وعوملت الأصنام معاملة العقلاء بإطلاق جمع العقلاء عليهم جرياً على الغالب في استعمال العرب كما تقدم غير مرة. و{قُرباناً} مصدر بوزن غُفران، منصوبٌ على المفعول لأجله حكاية لزعمهم المعروف المحكي في قوله تعالى: {أية : والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليُقربونا إلى الله زُلفَى}تفسير : [الزمر: 3]. وهذا المصدر معترض بين {اتخذوا} ومفعوله، و{من دون الله} يتعلق بـــ {اتخذوا}. و {دون} بمعنى المباعدة، أي متجاوزين الله في اتخاذ الأصنام آلهة وهو حكاية لحالهم لزيادة تشويهها وتشنيعها. و {بل} بمعنى لكن إضراباً واستدراكاً بعد التوبيخ لأنه في معنى النفي، أي ما نصرهم الذين اتخذوهم آلهة ولا قَربوهم إلى الله ليدفع عنهم العذاب، بل ضلُّوا عنهم، أي بل غابوا عنهم وقت حلول العذاب بهم. والضلال أصله: عدم الاهتداء للطريق واستعير لعدم النفع بالحضور استعارة تهكمية، أي غابوا عنهم ولو حضروا لنصروهم، وهذا نظير التهكم في قوله تعالى: {أية : وقيل ادعوا شركاءَكم فدَعوْهُم فلم يستجيبوا لهم} تفسير : في سورة القصص (64). وأما قوله: {وذلك إفكهم} فهو فذلكة لجملة {فلولا نصرهم الذين اتخذوا من دون الله} الخ وقرينة على الاستعارة التهكمية في قوله: {ضلوا عنهم}. والإشارة بــ {ذلك} إلى ما تضمنه قوله: {الذين اتخذوا من دون الله قرباناً آلهة} من زعم الأصنام آلهة وأنها تقربهم إلى الله، والإفك بكسر الهمزة. والافتراء: نوع من الكذب وهو ابتكار الأخبار الكاذبة ويرادف الاختلاق لأنه مشتق من فَرِي الجلد، فالافتراء الكذب الذي يقوله، فعطف {ما كانوا يفترون} على {إفكهم} عطف الأخص على الأعم، فإن زعمهم الأصنام شركاء لله كذب مروي من قبل فهو إفك. وأما زعمهم أنها تقرِّبهم إلى الله فذلك افتراء اخترعوه. وإقحام فعل {كانوا} للدلالة على أن افتراءهم راسخ فيهم. ومجيء {يفترون} بصيغة المضارع للدلالة على أن افتراءهم متكرر.
الشنقيطي
تفسير : قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الجاثية في الكلام على قوله تعالى:{أية : وَلاَ يُغْنِي عَنْهُم مَّا كَسَبُواْ شَيْئاً وَلاَ مَا ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَوْلِيَآءَ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ}تفسير : [الجاثية: 10].
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 28- فهلا منعهم من الهلاك الذين اتخذوهم من دون الله آلهة متقربين بهم إليه تعالى؟! بل غابت هذه الآلهة عنهم وهم أحوج ما كانوا إلى النصرة، وذلك الذى حل بهم من خذلان آلهتهم لهم وضلالهم عنهم هو عاقبة كذبهم وافترائهم. 29- واذكر - يا محمد - إذ وجهنا إليك جماعة من الجن يستمعون القرآن، فلما حضروا تلاوته قال بعضهم لبعض: أنصتوا - فلما تمت تلاوته رجعوا مسرعين إلى قومهم، محذرين من الكفر داعين إلى الإيمان. 30- قالوا: يا قومنا إنا سمعنا كتاباً عظيم الشأن، أنزل من بعد موسى، مصدقاً لما تقدمه من الكتب الإلهية، يرشد إلى الحق فى الاعتقاد، وإلى شريعة قويمة فى العمل. 31- يا قومنا: أجيبوا داعى الله الذى يهدى إلى الحق وإلى طريق مستقيم، وصدقوا بالله يغفر لكم ما سلف من ذنوبكم، ويمنعكم من عذاب شديد الألم. 32- ومن لا يجب داعى الله فليس بمستطيع أن يعجز الله عن أخذه وإن هرب فى الأرض كل مهرب. وليس له من دون الله نصراء يمنعونه من عذابه. أولئك الذين يعرضون عن إجابة الداعى إلى الله فى حيرة وبعد واضح عن الحق. 33- أَغَفلوا ولم يعلموا أن الله الذى خلق السموات والأرض ولم يعجز عن خلقهن قادر على إحياء الموتى؟ بل هو قادر على ذلك، لأنه - تعالى - على كل شئ تام القدرة.
د. أسعد حومد
تفسير : {آلِهَةَ} (28) - فَهَلاَّ نَصَرَهُمُ الأَرْبابُ الذِينَ اتَّخَذُوا عِبَادَتَهُمْ قُرْبَةً يَتَقَرَّبُونَ بِها إِلى اللهِ فِيما زَعَمُوا، حِينَما نَزَلَ بِهِمْ بَأسُ اللهِ وَأَمْرُهُ فَأَنْقَذُوهُمْ ممَّا نَزَلَ بِهِمْ؟ لَكِنَّ هؤُلاَءِ الأَرْبَابَ أَصْنَامٌ لاَ تَضُرُّ وَلاَ تَنْفَعُ وَقَدْ غَابُوا عَنْهُم، وَهُمْ أَحْوَجُ مَا يَكُونُونَ إِليهِمْ. وَعَجْزُ هؤُلاءِ الأَرْبَابِ عَنْ نُصْرَتِهِمْ أَثْبَتَ لَهُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ في اتِّخَاذِهِمْ آلهَةً، وَأَنَّهُم يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الكَذِبَ في زَعْمِهِمْ أَنَّهُم يُقَرِّبُونَهُم إِلى اللهِ زُلْفَى، وَيَشْفَعُونَ لَهُمْ عِنْدَ اللهِ تَعَالى. قُرْبَاناً آلهةً - مُتَقَرَّباً بِهِمْ إِلى اللهِ. إِفْكُهُمْ - أَثَرُ كَذِبِهِمْ في اتِخَاذِها آلهةً. يَفْتَرُونَ - يَخْتَلِقُونَ في قَوْلِهم إِنَّها آلهةٌ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : يعني: هذه الآلهة التي اتخذوها من دون الله {فَلَوْلاَ ..} [الأحقاف: 28] يعني: هلا، وهي تفيد الحضّ، وفي المعنى تهكّم بهم أي: هلاّ نصروهم ووقفوا إلى جوارهم في مصائبهم، ومعنى {قُرْبَاناً ..} [الأحقاف: 28] يعني: تقربهم إلى الله، وهذا كله لم يحدث لماذا؟ لأنها آلهة باطلة مُدَّعاة، لا تضر ولا تنفع. بل هي من صُنْع أيديهم، وباشروا صناعتها بأنفسهم فأقاموا الحجر وجعلوا له ذراعين ورِجْليْن وأنف وأذن، وإذا وقع رفعوه، وإذا كُسِر ذراعه أصلحوه، بالله هل هذه عقول؟ وقولهم {قُرْبَاناً ..} [الأحقاف: 28] كما قالوا في موضع آخر: {أية : مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ ..}تفسير : [الزمر: 3]. وعجيبٌ منهم هذا الكلام وهم أمة الفصاحة والبيان، ويعلمون جيداً معنى العبادة، فلو قالوا ما نحترمهم إلا ليُقرِّبونا إلى الله لكانَ معقولاً، لكن {أية : نَعْبُدُهُمْ ..}تفسير : [الزمر: 3] وأنتم تعرفون أن العبادة طاعة أمر المعبود في أمره ونهيه، وهل للآلهة هذه أوامر أو نوَاهٍ؟ لذلك يردُّ اللهُ عليهم {بَلْ ضَلُّواْ عَنْهُمْ ..} [الأحقاف: 28] يعني: تاهوا وغابوا عنهم، من قولنا: ضلّ فلان الطريق، ومنه قوله تعالى: {أية : وَإِذَا مَسَّكُمُ ٱلْضُّرُّ فِي ٱلْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ ..}تفسير : [الإسراء: 67] لماذا؟ لأن المسألة هلاك. والإنسان لا يخدع نفسه، ففي وقت الشدة يترك الآلهة المدعاة، ويلجأ إلى الإله الحق الذي يملك النفع ويملك الضر، ففي هذا الموقف لا يقول أبداً: يا هُبل، لأنه يعلم أن (هبل) لن ينقذه لكن يقول: يا الله. {وَذَلِكَ ..} [الأحقاف: 28] إشارة إلى اتخاذهم آلهةً من دون الله {إِفْكُهُمْ ..} [الأحقاف: 28] الإفك هو الكذب المتعمَّد، وهو أشد أنواع الكذب {وَمَا كَانُواْ يَفْتَرُونَ} [الأحقاف: 28] يختلقون من الكذب من قولهم أن هذه آلهة، فكأن المعنى العام للآية: أن عدم النصرة نتيجة الإفك والافتراء على الله باتخاذ آلهة من دونه.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):