٤٦ - ٱلْأَحْقَاف
46 - Al-Ahqaf (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
29
Tafseer
الرازي
تفسير : في الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أنه تعالى لما بيّن أن في الإنس من آمن وفيهم من كفر، بيّن أيضاً أن الجن فيهم من آمن وفيهم من كفر، وأن مؤمنهم معرض للثواب، وكافرهم معرض للعقاب، وفي كيفية هذه الواقعة قولان الأول: قال سعيد بن جبير: كانت الجن تستمع فلما رجموا قالوا: هذا الذي حدث في السماء إنما حدث لشيء في الأرض فذهبوا يطلبون السبب، وكان قد اتفق أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أيس من أهل مكة أن يجيبوه خرج إلى الطائف ليدعوهم إلى الإسلام، فلما انصرف إلى مكة، وكان ببطن نخل قام يقرأ القرآن في صلاة الفجر، فمرّ به نفر من أشراف جن نصيبين، لأن إبليس بعثهم ليعرفوا السبب الذي أوجب حراسة السماء بالرجم، فسمعوا القرآن وعرفوا أن ذلك هو السبب والقول الثاني: أن الله تعالى أمر رسوله أن ينذر الجن ويدعوهم إلى الله تعالى ويقرأ عليهم القرآن، فصرف الله إليه نفراً من الجن ليستمعوا منه القرآن وينذروا قومهم. ويتفرع على ما ذكرناه فروع الأول: نقل عن القاضي في تفسيره الجن أنه قال: إنهم كانوا يهوداً، لأن في الجن مللاً كما في الإنس من اليهود والنصارى والمجوس وعبدة الأصنام، وأطبق المحققون على أن الجن مكلفون، سئل ابن عباس: هل للجن ثواب؟ فقال نعم لهم ثواب وعليهم عقاب، يلتقون في الجنة ويزدحمون على أبوابها الفرع الثاني: قال صاحب «الكشاف»: النفر دون العشرة ويجمع على أنفار، ثم روى محمد بن جرير الطبري عن ابن عباس: أن أولئك الجن كانوا سبعة نفر من أهل نصيبين، فجعلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم رسلاً إلى قومهم، وعن زر ابن حبيش كانوا تسعة أحدهم ذوبعة، وعن قتادة ذكر لنا أنهم صرفوا إليه من ساوة الفرع الثالث: اختلفوا في أنه هل كان عبد الله بن مسعود مع النبي صلى الله عليه وسلم ليلة الجن؟ والروايات فيه مختلفة ومشهورة الفرع الرابع: روى القاضي في «تفسيره» عن أنس قال: « كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في جبال مكة إذ أقبل شيخ متوكىء على عكازة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم حديث : مشية جني ونغمته، تفسير : فقال أجل، فقال حديث : من أي الجن أنت؟ تفسير : فقال أنا هامة بن هيم بن لاقيس بن إبليس، فقال حديث : لا أرى بينك وبين إبليس إلا أبوين فكم أتى عليك؟ تفسير : فقال أكلت عمر الدنيا إلا أقلها، وكنت وقت قتل قابيل هابيل أمشي بين الآكام، وذكر كثيراً مما مرّ به، وذكر في جملته أن قال: قال لي عيسى بن مريم إن لقيت محمداً فأقرئه مني السلام، وقد بلغت سلامه وآمنت بك، فقال عليه السلام، حديث : وعلى عيسى السلام، وعليك يا هامة ما حاجتك؟ تفسير : فقال إن موسى عليه السلام علمني التوراة، وعيسى علمني الإنجيل، فعلمني القرآن، فعلمه عشر سور، وقبض صلى الله عليه وسلم ولم ينعه» قال عمر بن الخطاب ولا أراه إلا حياً واعلم أن تمام الكلام في قصة الجن مذكور في سورة الجن. المسألة الثانية: اختلفوا في تفسير قوله {وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَراً مّنَ ٱلْجِنّ } فقال بعضهم: لما لم يقصد الرسول صلى الله عليه وسلم قراءة القرآن عليهم، فهو تعالى ألقى في قلوبهم ميلا وداعية إلى استماع القرآن، فلهذا السبب قال: {وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَراً مّنَ ٱلْجِنّ }. ثم قال تعالى: {فَلَمَّا حَضَرُوهُ } الضمير للقرآن أو لرسول الله {قَالُواْ } أي قال بعضهم لبعض {أَنصِتُواْ } أي اسكتوا مستمعين، يقال أنصت لكذا واستنصت له، فلما فرغ من القراءة {وَلَّوْاْ إِلَىٰ قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ } ينذرونهم، وذلك لا يكون إلا بعد إيمانهم، لأنهم لا يدعون غيرهم إلى استماع القرآن والتصديق به إلا وقد آمنوا، فعنده {قَالُواْ يا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَـٰباً أُنزِلَ مِن بَعْدِ مُوسَىٰ } ووصفوه بوصفين الأول: كونه {مُصَدِّقاً لّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ } أي مصدقاً لكتب الأنبياء، والمعنى أن كتب سائر الأنبياء كانت مشتملة على الدعوة إلى التوحيد والنبوّة والمعاد والأمر بتطهير الأخلاق فكذلك هذا الكتاب مشتمل على هذه المعاني الثاني: قوله {يَهْدِي إِلَى ٱلْحَقِّ وَإِلَىٰ طَرِيقٍ مُّسْتَقِيمٍ }. واعلم أن الوصف الأول يفيد أن هذا الكتاب يماثل سائر الكتب الإلٰهية في الدعوة إلى هذه المطالب العالية الشريفة، والوصف الثاني يفيد أن هذه المطالب التي اشتمل القرآن عليها مطلب حقة صدق في أنفسها، يعلم كل أحد بصريح عقله كونها كذلك، سواء وردت الكتب الإلٰهية قبل ذلك بها أو لم ترد، فإن قالوا كيف قالوا {مِن بَعْدِ مُوسَىٰ }؟ قلنا قد نقلنا عن الحسن إنه قال إنهم كانوا على اليهودية، وعن ابن عباس أن الجن ما سمعت أمر عيسى فلذلك قالوا من بعد موسى، ثم إن الجن لما وصفوا القرآن بهذه الصفات الفاضلة قالوا {يٰقَوْمَنَا أَجِيبُواْ دَاعِيَ ٱللَّهِ } واختلفوا في أنه هل المراد بداعي الله الرسول أو الواسطة التي تبلغ عنه؟ والأقرب أنه هو الرسول لأنه هو الذي يطلق عليه هذا الوصف. واعلم أن قوله {أَجِيبُواْ دَاعِيَ ٱللَّهِ } فيه مسألتان: المسألة الأولى: هذه الآية تدل على أنه صلى الله عليه وسلم كان مبعوثاً إلى الجن كما كان مبعوثاً إلى الإنس قال مقاتل، ولم يبعث الله نبياً إلى الإنس والجن قبله. المسألة الثانية: قوله {أَجِيبُواْ دَاعِيَ ٱللَّهِ } أمر بإجابته في كل ما أمر به، فيدخل فيه الأمر بالإيمان إلا أنه أعاد ذكر الإيمان على التعيين، لأجل أنه أهم الأقسام وأشرفها، وقد جرت عادة القرآن بأنه يذكر اللفظ العام، ثم يعطف عليه أشرف أنواعه كقوله {أية : وَمَلـٰئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ } تفسير : [البقرة: 98] وقوله {أية : وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ ٱلنَّبِيّيْنَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِن نُّوحٍ } تفسير : [الأحزاب: 7] ولما أمر بالإيمان به ذكر فائدة ذلك الإيمان وهي قوله {يَغْفِرْ لَكُمْ مّن ذُنُوبِكُمْ } وفيه مسألتان: المسألة الأولى: قال بعضهم كلمة {مِنْ } ههنا زائدة والتقدير: يغفر لكم ذنوبكم، وقيل بل الفائدة فيه أن كلمة {مِنْ } ههنا لابتداء الغاية، فكان المعنى أنه يقع ابتداء الغفران بالذنوب، ثم ينتهي إلى غفران ما صدر عنكم من ترك الأولى والأكمل. المسألة الثانية: اختلفوا في أن الجن هل لهم ثواب أم لا؟ فقيل لا ثواب لهم إلا النجاة من النار، ثم يقال لهم كونوا تراباً مثل البهائم، واحتجوا على صحة هذا المذهب بقوله تعالى: {أية : وَيُجِرْكُمْ مّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ } تفسير : [الأحقاف: 31] وهو قول أبي حنيفة، والصحيح أنهم في حكم بني آدم فيستحقون الثواب على الطاعة والعقاب على المعصية، وهذا القول قول ابن أبي ليلى ومالك، وجرت بينه وبين أبي حنيفة في هذا الباب مناظرة، قال الضحاك يدخلون الجنة ويأكلون ويشربون، والدليل على صحة هذا القول أن كل دليل على أن البشر يستحقون الثواب على الطاعة فهو بعينه قائم في حق الجن، والفرق بين البابين بعيد جداً. واعلم أن ذلك الجني لما أمر قومه بإجابة الرسول والإيمان به حذرهم من تلك الإجابة فقال: {وَمَن لاَّ يُجِبْ دَاعِيَ ٱللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي ٱلأَرْضِ } أي لا ينجي منه مهرب ولا يسبق قضاءه سابق، ونظيره قوله تعالى: {أية : وَأَنَّا ظَنَنَّا أَن لَّن نُّعْجِزَ ٱللَّهَ فِي ٱلأَرْضِ وَلَن نُّعْجِزَهُ هَرَباً } تفسير : [الجن: 12] ولا نجد له أيضاً ولياً ولا نصيراً، ولا دافعاً من دون الله ثم بيّن أنهم في ضلال مبين.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى:{وَإِذْ صَرَفْنَآ إِلَيْكَ نَفَراً مِّنَ ٱلْجِنِّ} هذا توبيخ لمشركي قريش؛ أي إن الجنّ سمعوا القرآن فآمنوا به وعلموا أنه من عند الله وأنتم معرضون مصرون على الكفر. ومعنى: «صَرَفْنَا» وجهنا إليك وبعثنا. وذلك أنهم صُرفوا عن استراق السمع من السماء برجوم الشُّهُب ـ على ما يأتي ـ ولم يكونوا بعد عيسى قد صُرِفوا عنه إلا عند مبعث النبيّ صلى الله عليه وسلم. قال المفسرون ابن عباس وسعيد بن جبير ومجاهد وغيرهم: حديث : لما مات أبو طالب خرج النبيّ صلى الله عليه وسلم وحده إلى الطائف يلتمس من ثَقيف النصرة فقصد عبْدَيالِيل ومسعوداً وحبيباً وهم إخوة ـ بنو عمرو بن عمير ـ وعندهم امرأة من قريش من بني جُمَح؛ فدعاهم إلى الإيمان وسألهم أن ينصروه على قومه فقال أحدهم: هو يَمْرُط ثياب الكعبة إن كان الله أرسلك! وقال الآخر: ما وجد الله أحداً يرسله غيرك! وقال الثالث: والله لا أكلمك كلمة أبداً؛ إن كان الله أرسلك كما تقول فأنت أعظم خطراً من أن أردّ عليك الكلام، وإن كنت تكذب فما ينبغي لي أن أكلمك. ثم أغرَوْا به سفهاءهم وعبيدهم يسبُّونه ويضحكون به، حتى اجتمع عليه الناس وألجأوه إلى حائط لعتبة وشيبة ابني ربيعة. فقال لِلْجُمَحِيّة: «ماذا لقِينا من أحمائك»؟ ثم قال: «اللهم إني أشكو إليك ضَعْف قوّتي وقِلّة حِيلتي وهواني على الناس، يا أرحم الراحمين، أنت رب المستضعفين، وأنت ربي؛ لِمن تَكِلُني! إلى عبد يَتَجَهَّمُني، أو إلى عدوّ ملكته أمري! إن لم يكن بك غضب عليّ فلا أبالي، ولكن عافيتك هي أوسع لي، أعوذ بنور وجهك من أن ينزل بي غضبك، أو يحلّ عليّ سخطك، لك العُتْبَى حتى ترضى، ولا حول ولا قوّة إلا بك». فرحمه ٱبنا ربيعة وقالا لغلام لهما نصرانيّ يقال له عدّاس: خذ قِطْفاً من العنب وضعْه في هذا الطبق ثم ضعْه بين يدي هذا الرجل؛ فلما وضعه بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم قال النبيّ صلى الله عليه وسلم «بٱسم الله» ثم أكل؛ فنظر عدّاس إلى وجهه ثم قال: والله إن هذا الكلام ما يقوله أهل هذه البلدة! فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «مِن أيّ البلاد أنت يا عدّاس وما دينك»؟ قال: أنا نصراني من أهل نِينَوَى. فقال له النبيّ صلى الله عليه وسلم:«أمِن قرية الرجل الصالح يونس بن مَتَّى»؟ فقال: وما يدريك ما يونس بن متى؟ قال: «ذاك أخي كان نبيًّا وأنا نبيّ» تفسير : فانكبّ عدّاس حتى قبّل رأس النبي صلى الله عليه وسلم ويديه ورجليه. فقال له ابنا ربيعة: لمَ فعلت هكذاٰ؟ فقال: يا سَيِّدِي ما في الأرض خير من هذا، أخبرني بأمر ما يعلمه إلا نبيّ. ثم ٱنصرف النبيّ صلى الله عليه وسلم حين يئس من خير ثَقيف، حتى إذا كان ببطن نَخْلة قام من الليل يصلّي فمرّ به نفر من جنّ أهل نَصِيبِين. وكان سبب ذلك أن الجنّ كانوا يسترِقون السمع، فلما حُرست السماء ورُمُوا بالشّهب قال إبليس: إن هذا الذي حدث في السماء لِشيء حدث في الأرض؛ فبعث سراياه ليعرف الخبر، أوّلهم رَكْب نَصِيبين وهم أشراف الجنّ إلى تِهامة، فلما بلغوا بَطْن نخلة سمعوا النبيّ صلى الله عليه وسلم يصلّي صلاة الغداة ببطن نخلة ويتلو القرآن، فاستمعوا له وقالوا: أنصتوا. وقالت طائفة: بل أمِر النبي صلى الله عليه وسلم أن ينذر الجنّ ويدعوهم إلى الله تعالى ويقرأ عليهم القرآن؛ فصرف الله عز وجل إليه نفراً من الجنّ من نِينَوى وجمعهم له؛ فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: حديث : «إني أريد أن أقرأ القرآن على الجنّ الليلة فأيكم يتبعني»؟ فأطرقوا، ثم قال الثانية فأطرقوا، ثم قال الثالثة فأطرقوا؛ فقال ٱبن مسعود: أنا يا رسول الله؛ قال ٱبن مسعود: ولم يحضر معه أحد غيري؛ فانطلقنا حتى إذا كنا بأعلى مكة دخل النبيّ صلى الله عليه وسلم شِعْباً يقال له «شِعْب الْحَجُون» وخطَّ لي خطًّا وأمرني أن أجلس فيه وقال: «لا تخرج منه حتى أعود إليك». ثم انطلق حتى قام فافتتح القرآن، فجعلت أرى أمثال النسور تهوي وتمشي في رفرفها، وسمعت لَغَطاً وغَمْغَمَةً حتى خِفْت على النبيّ صلى الله عليه وسلم، وغَشِيته أسْوِدة كثيرة حالت بيني وبينه حتى ما أسمع صوته، ثم طفِقوا يتقطعون مثل قطع السحاب ذاهبين، ففرغ النبيّ صلى الله عليه وسلم مع الفجر فقال: «أنمت»؟ قلت: لا والله، ولقد هممت مراراً أن أستغيث بالناس حتى سمعتك تقرعهم بعصاك تقول اجلسوا؛ فقال: «لو خرجت لم آمن عليك أن يخطفك بعضهم» ثم قال: «هل رأيت شيئاً»؟ قلت: نعم يا رسول الله، رأيت رجالاً سوداً مُستَثْفِرِي ثياباً بيضاً؛ فقال: «أولئك جِنّ نَصِيبين سألوني المتاع والزاد فمتَّعتهم بكل عظم حائل ورَوْثة وبعرة». فقالوا: يا رسول الله يَقْذَرها الناس علينا. فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يُسْتَنْجى بالعظم والرَّوْث. قلت: يا نبيّ الله، وما يُغني ذلك عنهمٰ قال: «إنهم لا يجدون عظماً إلا وجدوا عليه لحمه يوم أكِل، ولا رَوْثة إلا وجدوا فيها حَيَّها يوم أكِل»فقلت: يا رسول الله، لقد سمعت لغطاً شديداً؟ فقال: «إن الجِنّ تدارأت في قتيل بينهم فتحاكموا إليّ فقضيت بينهم بالحق». ثم تبرَّز النبيّ صلى الله عليه وسلم ثم أتاني فقال: «هل معك ماء»؟ فقلت يا نبيّ الله، معي إداوة فيها شيء من نبيذ التمر فصببت على يديه فتوضأ فقال: «تمرة طيّبة وماء طهور»تفسير : . روى معناه معمر عن قتادة وشُعبة أيضاً عن ٱبن مسعود. وليس في حديث معمر ذكر نبيذ التمر. روي عن أبي عثمان النَّهْدِيّ أن ابن مسعود أبصر زُطًّا فقال: ما هؤلاء؟ قال: هؤلاء الزُّطّ. قال: ما رأيت شبههم إلا الجنّ ليلة الجنّ فكانوا مستفزّين يتبع بعضهم بعضاً. وذكر الدَّرَاقُطْنيّ عن عبد الله بن لَهِيعة حدّثني قيس بن الحجاج عن حنش عن ابن عباس حديث : عن ابن مسعود أنه وضّأ النبي صلى الله عليه وسلم ليلة الجنّ بنبيذ فتوضأ به وقال: «شراب وطهور»تفسير : . ابن لَهِيعة لا يحتج به. وبهذا السند حديث : عن ابن مسعود: أنه خرج مع النبي صلى الله عليه وسلم ليلة الجنّ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم:«أمعك ماء يابن مسعود»؟ فقال: معي نبيذ في إداوة؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «صُبّ عليّ منه». فتوضأ وقال: «هو شراب وطهور»تفسير : تفرّد به ابن لَهِيعة وهو ضعيف الحديث. قال الدَّرَاقُطْنِي: وقيل إن ابن مسعود لم يشهد مع النبيّ صلى الله عليه وسلم ليلة الجنّ. كذلك رواه علقمة بن قيس وأبو عبيدة بن عبد الله وغيرهما عنه أنه قال: ما شهدت ليلة الجنّ. حدّثنا أبو محمد بن صاعد حدّثنا أبو الأشعث حدّثنا بشر بن الفضل حدثنا داود بن أبي هند عن عامر عن علقمة بن قيس قال: قلت لعبد الله بن مسعود: أشهد رسولَ الله صلى الله عليه وسلم أحد منكم ليلة أتاه داعي الجنّ؟ قال لا. قال الدَّرَاقُطْنِيّ: هذا إسناد صحيح لا يختلف في عدالة راويه. وعن عمرو بن مُرّة قال قلت لأبي عبيدة: حضر عبد الله بن مسعود ليلة الجنّ؟ فقال لا. قال ابن عباس: كان الجنّ سبعة نفر من جنّ نَصِيبين فجعلهم النبيّ صلى الله عليه وسلم رسلاً إلى قومهم. وقال زِرّ بن حُبيش: كانوا تسعة أحدهم زَوْبعة. وقال قتادة: إنهم من أهل نِينَوَى. وقال مجاهد: من أهل حران. وقال عكرمة: من جزيرة الموصل. وقيل: إنهم كانوا سبعة، ثلاثة من أهل نجران وأربعة من أهل نَصِيبِين. حديث : وروى ابن أبي الدنيا أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال في هذا الحديث وذكر فيه نَصِيبين فقال: «رفعت إليّ حتى رأيتها فدعوت الله أن يكثر مطرها وينضر شجرها وأن يُغْزر نهرها»تفسير : . وقال السهيلي: ويقال كانوا سبعة، وكانوا يهوداً فأسلموا؛ ولذلك قالوا: «أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى». وقيل في أسمائهم: شاصر وماصر ومنشى وماشى والأحقب؛ ذكر هؤلاء الخمسة ابن دريد. ومنهم عمرو بن جابر؛ ذكره ابن سلام من طريق أبي إسحاق السَّبِيعي عن أشياخه عن ابن مسعود أنه كان في نفر من أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم يمشون فرفع لهم إعصار ثم جاء إعصار أعظم منه فإذا حَيّة قتيل، فعمد رجل منا إلى ردائه فشقّه وكفن الحية ببعضه ودفنها، فلما جنّ الليل إذا امرأتان تسألان: أيكم دفن عمرو بن جابر؟ فقلنا: ما ندري من عمرو بن جابر! فقالتا: إن كنتم ابتغيتم الأجر فقد وجدتموه، إن فَسَقة الجنّ اقتتلوا مع المؤمنين فقُتل عمرو؛ وهو الحيّة التي رأيتم، وهو من النفر الذين استمعوا القرآن من محمد صلى الله عليه وسلم ثم وَلّوْا إلى قومهم منذرين. وذكر ابن سلام رواية أخرى: أن الذي كفّنه هو صفوان بن المُعَطَّل. قلت: وذكر هذا الخبر الثعلبي بنحوه فقال: وقال ثابت بن قُطْبة جاء أناس إلى ٱبن مسعود فقالوا: إنا كنا في سفر فرأينا حيّة متشحّطة في دمائها، فأخذها رجل منا فواريناها؛ فجاء أناس فقالوا: أيكم دفن عَمْراً؟ قلناٰ وما عمرو! قالوا الحية التي دفنتم في مكان كذا؛ أمَا إنه كان من النفر الذين سمعوا القرآن من النبيّ صلى الله عليه وسلم وكان بين حَيّيْن من الجنّ مسلمين وكافرين قتال فقُتل. ففي هذا الخبر أن ٱبن مسعود لم يكن في سفر ولا حَضَرَ الدفن؛ والله أعلم. وذكر ابن أبي الدنيا عن رجل من التابعين سَمّاه: أن حية دخلت عليه في خِبائه تلهث عطشاً فسقاها ثم أنها ماتت فدفنها، فأتِي من الليل فسلم عليه وشكر؛ وأخبر أن تلك الحيّة كانت رجلاً من جنّ نَصِيبِين اسمه زوبعة. قال السُّهَيْليّ: وبلغنا في فضائل عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه مما حدّثنا به أبو بكر بن طاهر الأشبيلي حديث : أن عمر بن عبد العزيز كان يمشي بأرض فلاة، فإذا حية ميّتة فكفنها بفضلة من ردائه ودفنها؛ فإذا قائل يقول: يا سرق، أشهد لسمعتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ستموت بأرض فلاة فيكفنك رجل صالح». فقال: ومن أنت يرحمك اللهٰ فقال: رجل من الجنّ الذين استمعوا القرآن من رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يبقَ منهم إلا أنا وسرق؛ وهذا سرق قد ماتتفسير : . وقد قتلت عائشة رضي الله عنها حية رأتها في حجرتها تستمع وعائشة تقرأ؛ فأتيت في المنام فقيل لها: إنك قتلت رجلاً مؤمناً من الجنّ الذين قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فقالت: لو كان مؤمناً ما دخل على حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فقيل لها: ما دخل عليك إلا وأنت متقنعة، وما جاء إلا ليستمع الذكر. فأصبحت عائشة فزعة، وٱشترت رقاباً فأعتقتهم. قال السهيلي: وقد ذكرنا من أسماء هؤلاء الجنّ ما حضرنا؛ فإن كانوا سبعة فالأحقب منهم وَصْفٌ لأحدهم، وليس باسم علم؛ فإن الأسماء التي ذكرناها آنفاً ثمانية بالأحقب. والله أعلم. قلت: وقد ذكر الحافظ ٱبن عساكر في تاريخه: هامة بن الْهَيْم بن الأقيس بن إبليس؛ قيل: إنه من مؤمني الجنّ وممن لقي النبيّ صلى الله عليه وسلم وعلمه سورة {إِذَا وَقَعَتِ ٱلْوَاقِعَةُ} و {المُرْسَلاَتِ} و {عَمَّ يَتَسَآءَلُونَ} و {إِذَا ٱلشَّمْسُ كُوِّرَتْ} و {ٱلْحَمْدُ} و «الْمُعَوِّذَتَيْنِ». وذكر أنه حضر قتل هابيل وشَرِك في دمه وهو غلام ابن أعوام، وأنه لقي نُوحاً وتاب على يديه، وهوداً وصالحاً ويعقوب ويوسف وإلياس وموسى بن عمران وعيسى ابن مريم عليهم السلام. وقد ذكر الماورديّ أسماءهم عن مجاهد فقال: حسى ومسى ومنشى وشاصر وماصر والأرد وأنيان والأحقم. وذكرها أبو عمرو عثمان بن أحمد المعروف بابن السماك قال: حدّثنا محمد بن البراء قال حدّثنا الزبير بن بكار قال: كان حمزة بن عتبة بن أبي لهب يُسَمِّي جِنّ نَصِيبِين الذين قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقول: حسى ومسى وشاصر وماصر والأفخر والأرد وأنيال. قوله تعالى: {فَلَمَّا حَضَرُوهُ} أي حضروا النبيّ صلى الله عليه وسلم، وهو من باب تلوين الخطاب. وقيل: لما حضروا القرآن واستماعه. {قَالُوۤاْ أَنصِتُواْ} أي قال بعضهم لبعض اسكتوا لاْستماع القرآن. قال ٱبن مسعود: هبطوا على النبيّ صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ القرآن ببطن نَخْلة، فلما سمعوه «قَالُوا أَنْصِتُوا» قالوا صه. وكانوا سبعة: أحدهم زوبعة؛ فأنزل الله تعالى: {وَإِذْ صَرَفْنَآ إِلَيْكَ نَفَراً مِّنَ ٱلْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ ٱلْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوۤاْ أَنصِتُواْ} الآية إلى قوله: {فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ}. وقيل: «أَنْصِتُوا» لسماع قول رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ والمعنى متقارب. {فَلَمَّا قُضِيَ} وقرأ لاحق بن حُميد وخُبيب بن عبد الله بن الزبير «فَلَمَّا قَضَى» بفتح القاف والضاد؛ يعني النبيّ صلى الله عليه وسلم قبل الصلاة. وذلك أنهم خرجوا حين حُرست السماء من استراق السمع ليستخبروا ما أوجب ذلك؟ فجاءوا وادي نخلة والنبيّ صلى الله عليه وسلم يقرأ في صلاة الفجر، وكانوا سبعة، فسمعوه وانصرفوا إلى قومهم منذرين، ولم يعلم بهم النبيّ صلى الله عليه وسلم. وقيل: بل أمِر النبيّ صلى الله عليه وسلم أن ينذر الجنّ ويقرأ عليهم القرآن، فصرف الله إليه نفراً من الجنّ ليستمعوا منه وينذروا قومهم؛ فلما تلا عليهم القرآن وفرغ انصرفوا بأمره قاصدين مَن وراءهم من قومهم من الجنّ، منذرين لهم مخالفة القرآن ومحذِّرين إياهم بأس الله إن لم يؤمنوا. وهذا يدلّ على أنهم آمنوا بالنبيّ صلى الله عليه وسلم، وأنه أرسلهم. ويدل على هذا قولهم: «يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ» ولولا ذلك لما أنذَروا قومهم. وقد تقدّم عن ٱبن عباس أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم جعلهم رسلاً إلى قومهم؛ فعلى هذا ليلةُ الجنّ ليلتان، وقد تقدّم هذا المعنى مستوفًى. وفي صحيح مسلم ما يدل على ذلك على ما يأتي بيانه في {أية : قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ}تفسير : [الجن: 1]. وفي صحيح مسلم عن مَعْن قال: سمعت أبي قال سألت مسروقاً: من آذن النبيّ صلى الله عليه وسلم بالجنّ ليلة استمعوا القرآن؟ فقال: حدّثني أبوك ـ يعني ٱبن مسعود ـ أنه آذنته بهم شجرة.
ابن كثير
تفسير : قال الإمام أحمد: حدثنا سفيان، حدثنا عمرو، سمعت عكرمة عن الزبير: {وَإِذْ صَرَفْنَآ إِلَيْكَ نَفَراً مِّنَ ٱلْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ ٱلْقُرْءَانَ} قال: بنخلة، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي العشاء الآخرة {أية : كَادُواْ يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً} تفسير : [الجن: 19] قال سفيان: ألبد بعضهم على بعض كاللبد بعضه على بعض، تفرد به أحمد، وسيأتي من رواية ابن جرير عن عكرمة، عن ابن عباس: أنهم سبعة من جن نصيبين. وقال الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا أبو عوانة "ح" وقال الإمام الشهير الحافظ أبو بكر البيهقي في كتابه دلائل النبوة: أخبرنا أبو الحسن علي بن أحمد بن عبدان، أخبرنا أحمد بن عبيد الصفار، حدثنا إِسماعيل القاضي، أخبرنا مسدد، حدثنا أبو عوانة عن أبي بشر عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ما قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم على الجن ولا رآهم، انطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم في طائفة من أصحابه عامدين إِلى سوق عكاظ، وقد حيل بين الشياطين وبين خبر السماء، وأرسلت عليهم الشهب، فرجعت الشياطين إِلى قومهم، فقالوا: مالكم؟ فقالوا: حيل بيننا وبين خبر السماء، وأرسلت علينا الشهب، قالوا: ما حال بينكم وبين خبر السماء إلا شيء حدث، فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها، وأنظروا ما هذا الذي حال بينكم وبين خبر السماء فانطلقوا يضربون مشارق الأرض ومغاربها يبتغون ما هذا الذي حال بينهم وبين خبر السماء. فانصرف أولئك النفر الذين توجهوا نحو تهامة إِلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بنخلة عامداً إِلى سوق عكاظ وهو يصلي بأصحابه صلاة الفجر، فلما سمعوا القرآن استمعوا له، فقالوا: هذا والله الذي حال بينكم وبين خبر السماء، فهنالك حين رجعوا إِلى قومهم: {أية : فَقَالُوۤاْ إِنَّا سَمِعْنَا قُرْءَانَاً عَجَباً يَهْدِيۤ إِلَى ٱلرُّشْدِ فَـآمَنَّا بِهِ وَلَن نُّشرِكَ بِرَبِّنَآ أَحَداً } تفسير : [الجن: 1 ــــ 2] وأنزل الله على نبيه صلى الله عليه وسلم {أية : قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ ٱسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ} تفسير : [الجن: 1] وإِنما أوحي إليه قول الجن. رواه البخاري عن مسدد بنحوه، وأخرجه مسلم عن شيبان بن فروخ عن أبي عوانة به، ورواه الترمذي والنسائي في التفسير من حديث أبي عوانة، وقال الإمام أحمد أيضاً: حدثنا أبو أحمد، حدثنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان الجن يستمعون الوحي، فيسمعون الكلمة، فيزيدون فيها عشراً، فيكون ما سمعوا حقاً وما زادوا باطلاً، وكانت النجوم لا يرمى بها قبل ذلك، فلما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أحدهم لا يأتي مقعده، إلا رمي بشهاب يحرق ما أصاب، فشكوا ذلك إلى إبليس فقال: ما هذا إلا من أمر قد حدث، فبث جنوده، فإذا بالنبي صلى الله عليه وسلم يصلي بين جبلي نخلة، فأتوه فأخبروه فقال: هذا الحدث الذي حدث في الأرض، ورواه الترمذي والنسائي في كتابي التفسير من سننيهما من حديث إسرائيل به، وقال الترمذي: حسن صحيح، وهكذا رواه أيوب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما، وكذا رواه العوفي عن ابن عباس رضي الله عنهما أيضاً بمثل هذا السياق بطوله، وهكذا قال الحسن البصري: إنه صلى الله عليه وسلم ما شعر بأمرهم حتى أنزل الله تعالى عليه بخبرهم، وذكر محمد بن إسحاق عن يزيد بن رومان عن محمد بن كعب القرظي قصة خروج النبي صلى الله عليه وسلم إلى الطائف، ودعائه إياهم إلى الله عز وجل، وإبائهم عليه، فذكر القصة بطولها، وأورد ذلك الدعاء الحسن: «حديث : اللهم إليك أشكو ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس، يا أرحم الراحمين أنت أرحم الراحمين، وأنت رب المستضعفين، وأنت ربي إلى من تكلني؟ إلى عدو بعيد يتجهمني أم إلى صديق قريب ملكته أمري، إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي غير أن عافيتك أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة أن ينزل بي غضبك، أو يحل بي سخطك، ولك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك»تفسير : قال: فلما انصرف عنهم بات بنخلة فقرأ تلك الليلة من القرآن، فاستمعه الجن من أهل نصيبين، وهذا صحيح، ولكن قوله: إن الجن كان استماعهم تلك الليلة فيه نظر، فإن الجن كان استماعهم في ابتداء الإيحاء؛ كما دل عليه حديث ابن عباس رضي الله عنهما المذكور، وخروجه صلى الله عليه وسلم إلى الطائف كان بعد موت عمه، وذلك قبل الهجرة بسنة أو سنتين كما قرره ابن إسحاق وغيره، والله أعلم، وقال أبو بكر بن أبي شيبة: حدثنا أبو أحمد الزبيري، حدثنا سفيان عن عاصم عن زر عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: هبطوا على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ القرآن ببطن النخلة، فلما سمعوه قَالُوۤاْ: أَنصِتُواْ قال: صه، وكانوا تسعة، أحدهم زوبعة، فأنزل الله عز وجل: { وَإِذْ صَرَفْنَآ إِلَيْكَ نَفَراً مِّنَ ٱلْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ ٱلْقُرْءَانَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوۤاْ أَنصِتُواْ فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْاْ إِلَىٰ قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ قَالُواْ يٰقَوْمَنَآ إِنَّا سَمِعْنَا كِتَـٰباً أُنزِلَ مِن بَعْدِ مُوسَىٰ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِيۤ إِلَى ٱلْحَقِّ وَإِلَىٰ طَرِيقٍ مُّسْتَقِيمٍ يٰقَوْمَنَآ أَجِيبُواْ دَاعِيَ ٱللَّهِ وَءَامِنُواْ بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ وَمَن لاَّ يُجِبْ دَاعِيَ ٱللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي ٱلأَرْضَ وَلَيْسَ لَهُ مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءُ أُوْلَـٰئِكَ فِي ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ } فهذا مع الأول من رواية ابن عباس رضي الله عنهما يقتضي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يشعر بحضورهم في هذه المرة، وإنما استمعوا قراءته ثم رجعوا إلى قومهم، ثم بعد ذلك وفدوا إليه أرسالاً، قوماً بعد قوم، وفوجاً بعد فوج؛ كما ستأتي بذلك الأخبار في موضعها والآثار مما سنوردها هاهنا إن شاء الله تعالى، وبه الثقة. فأما ما رواه البخاري ومسلم جميعاً عن أبي قدامة عبيد الله بن سعيد السرخسي، عن أبي أسامة حماد بن أسامة عن مسعر بن كدام، عن معن بن عبد الرحمن قال: سمعت أبي يقول: سألت مسروقاً: من آذن النبي صلى الله عليه وسلم ليلة استمعوا القرآن؟ فقال: حدثني أبوك، يعني: ابن مسعود رضي الله عنه: أنه آذنته بهم شجرة، فيحتمل أن يكون هذا في المرة الأولى، ويكون إثباتاً مقدماً على نفي ابن عباس رضي الله عنهما، ويحتمل أن يكون في المرة الأولى، ولكن لم يشعر بهم حال استماعهم حتى آذنته بهم الشجرة، أي أعلمته باجتماعهم، والله أعلم. ويحتمل أن يكون هذا في بعض المرات المتأخرات، والله أعلم. قال الحافظ البيهقي: وهذا الذي حكاه ابن عباس رضي الله عنهما إنما هو أول ما سمعت الجن قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلمت حاله، وفي ذلك الوقت لم يقرأ عليهم ولم يرهم، ثم بعد ذلك أتاه داعي الجن فقرأ عليهم القرآن، ودعاهم إلى الله عز وجل كما رواه عبد الله بن مسعود رضي الله عنه. ذكر الرواية عنه بذلك قال الإمام أحمد: حدثنا إِسماعيل بن إبراهيم، حدثنا داود عن الشعبي، وابن أبي زائدة أخبرنا داود عن الشعبي عن علقمة قال: قلت لعبد الله بن مسعود رضي الله عنه: هل صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الجن منكم أحد؟ فقال: ما صحبه منا أحد، ولكنا فقدناه ذات ليلة بمكة، فقلنا: اغتيل؟ استطير؟ ما فعل؟ قال: فبتنا بشر ليلة بات بها قوم، فلما كان في وجه الصبح ــــ أو قال ــــ في السحر، إذا نحن به يجيء من قبل حراء، فقلنا: يا رسول الله فذكروا له الذي كانوا فيه، فقال: «حديث : إنه أتاني داعي الجن، فأتيتهم فقرأت عليهم» تفسير : قال: فانطلق، فأرانا آثارهم وآثار نيرانهم. قال: قال الشعبي: سألوه الزاد، قال عامر: سألوه بمكة، وكانوا من جن الجزيرة، فقال: «حديث : كل عظم ذكر اسم الله عليه أن يقع في أيديكم أوفر ما يكون لحماً، وكل بعرة أو روثة علف لدوابكم ــــ قال ــــ فلا تستنجوا بهما؛ فإنهما زاد إخوانكم من الجن» تفسير : وهكذا رواه مسلم في صحيحه عن علي بن حجر عن إسماعيل بن علية به نحوه. وقال مسلم أيضاً: حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا عبد الأعلى، حدثنا داود وهو ابن أبي هند عن عامر قال: سألت علقمة: هل كان ابن مسعود رضي الله عنه شهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الجن؟ قال: فقال علقمة: أنا سألت ابن مسعود رضي الله عنه، فقلت: هل شهد أحد منكم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الجن؟ قال: لا، ولكنا كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة، ففقدناه، فالتمسناه في الأودية والشعاب، فقيل: استطير؟ اغتيل؟ قال: فبتنا بشر ليلة بات بها قوم، فلما أصبحنا، إذا هو جاء من قبل حراء، قال: فقلنا: يا رسول الله فقدناك فطلبناك فلم نجدك، فبتنا بشر ليلة بات بها قوم، فقال: «حديث : أتاني داعي الجن، فذهبت معهم فقرأت عليهم القرآن»تفسير : . قال: فانطلق بنا فأرانا آثارهم وآثار نيرانهم، وسألوه الزاد فقال: «حديث : كل عظم ذكر اسم الله عليه يقع في أيديكم أوفر ما يكون لحماً، وكل بعرة أو روثة علف لدوابكم» تفسير : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : فلا تستنجوا بهما فإنهما طعام إخوانكم»تفسير : [طريق أخرى] عن ابن مسعود رضي الله عنه. قال أبو جعفر بن جرير: حدثني أحمد بن عبد الرحمن، حدثني عمي، حدثني يونس عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله قال: إن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : بت الليلة أقرأ على الجن واقفاً بالحجون»تفسير : [طريق أخرى] فيها أنه كان معه ليلة الجن. قال ابن جرير رحمه الله: حدثني أحمد بن عبد الرحمن ابن وهب، حدثنا عمي عبد الله بن وهب، أخبرني يونس عن ابن شهاب عن أبي عثمان بن سنة الخزاعي، وكان من أهل الشام قال: إن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه وهو بمكة: «حديث : من أحب منكم أن يحضر أمر الجن الليلة فليفعل» تفسير : فلم يحضر منهم أحد غيري، قال: فانطلقنا حتى إذا كنا بأعلى مكة، خطّ لي برجله خطّاً، ثم أمرني أن أجلس فيه، ثم انطلق حتى قام، فافتتح القرآن، فغشيته أسودة كثيرة حالت بيني وبينه حتى ما أسمع صوته، ثم طفقوا يتقطعون مثل قطع السحاب ذاهبين، حتى بقي منهم رهط، ففرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم مع الفجر فانطلق فتبرز ثم أتاني فقال: "حديث : ما فعل الرهط؟"تفسير : قلت هم أولئك يا رسول الله، فأعطاهم عظماً وروثاً زاداً، ثم نهى أن يستطيب أحد بروث أو عظم. ورواه ابن جرير عن محمد بن عبد الله بن عبد الحكم عن أبي زرعة وهب بن راشد عن يونس بن يزيد الأيلي به. ورواه البيهقي في الدلائل من حديث عبد الله بن صالح كاتب الليث عن يونس به، وقد روى إسحاق بن راهويه عن جرير عن قابوس ابن أبي ظبيان عن أبيه عن ابن مسعود رضي الله عنه، فذكر نحو ما تقدم. ورواه الحافظ أبو نعيم من طريق موسى بن عبيدة عن سعيد بن الحارث عن أبي المعلى عن ابن مسعود رضي الله عنه، فذكر نحوه أيضاً. [طريق أخرى] قال أبو نعيم: حدثنا أبو مالك، حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدثني أبي قال: حدثنا عفان وعكرمة قالا: حدثنا معتمر قال: قال أبي: حدثني أبو تميمة عن عمرو، ولعله قد يكون قال: البكالي يحدثه عمرو عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: استتبعني رسول الله صلى الله عليه وسلم فانطلقنا حتى أتينا مكان كذا وكذا، فخط لي خطاً فقال: «حديث : كن بين ظهر هذه لا تخرج منها فإنك إن خرجت منها هلكت» تفسير : فذكر الحديث بطوله وفيه غرابة شديدة. [طريق أخرى] قال ابن جرير: حدثنا ابن عبد الأعلى، حدثنا ابن ثور عن معمر عن يحيى بن أبي كثير، عن عبد الله بن عمرو بن غيلان الثقفي أنه قال لابن مسعود رضي الله عنه: حدثت أنك كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة وفد الجن. قال: أجل، قال: فكيف كان؟ فذكر الحديث وذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم خط عليه خطاً وقال: «حديث : لا تبرح منها» تفسير : فذكر مثل العجاجة السوداء فغشيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فذعر ثلاث مرات، حتى إذا كان قريباً من الصبح، أتاني النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «حديث : أنمت؟» تفسير : فقلت: لا والله، ولقد هممت مراراً أن أستغيث بالناس حتى سمعتك تقرعهم بعصاك تقول: «اجلسوا» فقال صلى الله عليه وسلم: «حديث : لو خرجت لم آمن أن يتخطفك بعضهم» تفسير : ثم قال صلى الله عليه وسلم: «حديث : هل رأيت شيئاً؟» تفسير : قلت: نعم، رأيت رجالاً سوداً مستشعرين ثياباً بياضاً، قال صلى الله عليه وسلم: «حديث : أولئك جن نصيبين، سألوني المتاع ــــ والمتاع الزاد ــــ فمتعتهم بكل عظم حائل أو بعرة أو روثة» تفسير : فقلت: يا رسول الله وما يغني ذلك عنهم؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إنهم لا يجدون عظماً إلا وجدوا عليه لحمه يوم أكل، ولا روثاً إلا وجدوا فيها حبها يوم أكلت، فلا يستنقين أحد منكم إذا خرج من الخلاء بعظم ولا بعرة ولا روثة»تفسير : [طريق أخرى] قال الحافظ أبو بكر البيهقي: أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي وأبو نصر بن قتادة قال: أخبرنا أبو محمد بن يحيى بن منصور القاضي، حدثنا أبو عبد الله محمد بن إبراهيم البوشنجي، حدثنا روح بن صلاح، حدثنا موسى بن علي بن رباح عن أبيه عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: استتبعني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «حديث : إن نفراً من الجن خمسة عشر بني إخوة وبني عم يأتوني الليلة أقرأ عليهم القرآن» تفسير : فانطلقت معه إلى المكان الذي أراد، فخط لي خطاً، وأجلسني فيه، وقال لي: «حديث : لا تخرج من هذا» تفسير : فبت فيه حتى أتاني رسول الله صلى الله عليه وسلم مع السحر في يده عظم حائل وروثة وحمة، فقال: «حديث : إذا ذهبت إلى الخلاء فلا تستنج بشيء من هؤلاء» تفسير : قال: فلما أصبحت، قلت: لأعلمن حيث كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فذهبت فرأيت موضع مبرك ستين بعيراً. [طريق أخرى] قال البيهقي: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرنا أبو العباس الأصم، حدثنا العباس بن محمد الدوري، حدثنا عثمان بن عمر عن المستمر بن الريان عن أبي الجوزاء عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: انطلقت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الجن حتى أتى الحجون، فخطّ لي خطاً، ثم تقدم إليهم، فازدحموا عليه، فقال سيد لهم يقال له وزدان: أنا أرحلهم عنك. فقال: إني لن يجيرني من الله أحد. [طريق أخرى] قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا سفيان ابن أبي فزارة العبسي، حدثنا أبو زيد مولى عمرو بن حريث عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: لما كانت ليلة الجن، قال لي النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : أمعك ماء؟» تفسير : قلت: ليس معي ماء، ولكن معي إِداوة فيها نبيذ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : تمرة طيبة وماء طهور» تفسير : رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه من حديث أبي زيد به. [طريق أخرى] قال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن إسحاق، أخبرنا ابن لهيعة عن قيس بن الحجاج عن حنش الصنعاني عن ابن عباس عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنهم قال: إنه كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الجن، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : يا عبد الله أمعك ماء؟» تفسير : قال: معي نبيذ في إداوة. قال صلى الله عليه وسلم: «حديث : اصبب عليَّ» تفسير : فتوضأ. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : يا عبد الله شراب وطهور» تفسير : تفرد به أحمد من هذا الوجه، وقد أورده الدارقطني من طريق آخر عن ابن مسعود رضي الله عنه به. [طريق أخرى] قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، أخبرني أبي عن ميناء عن عبد الله رضي الله عنه قال: كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة وفد الجن، فلما انصرف، تنفس، فقلت: ما شأنك؟ قال: «حديث : نعيت إلي نفسي ياابن مسعود» تفسير : هكذا رأيته في المسند مختصراً، وقد رواه الحافظ أبو نعيم في كتابه "دلائل النبوة"، فقال: حدثنا سليمان ابن أحمد بن أيوب، حدثنا إسحاق بن إبراهيم، وحدثنا أبو بكر بن مالك حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدثنا أبي قال: حدثنا عبد الرزاق عن أبيه عن ميناء عن ابن مسعود قال: كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة وفد الجن، فتنفس فقلت: ما لك يا رسول الله، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : نعيت إلي نفسي يابن مسعود» تفسير : قلت: استخلف. قال: «حديث : من؟» تفسير : قلت: أبا بكر. قال: فسكت، ثم مضى ساعة فتنفس، فقلت: ما شأنك بأبي أنت وأمي يا رسول الله؟ قال: «حديث : نعيت إلي نفسي يابن مسعود» تفسير : قلت: استخلف. قال: «حديث : من؟» تفسير : قلت: عمر. فسكت ثم مضى ساعة ثم تنفس، فقلت: ما شأنك؟ قال: «حديث : نعيت إلي نفسي» تفسير : قلت: فاستخلف. قال صلى الله عليه وسلم:«حديث : من؟» تفسير : قلت: علي بن أبي طالب رضي الله عنه. قال صلى الله عليه وسلم: «حديث : أما والذي نفسي بيده لئن أطاعوه ليدخلن الجنة أجمعين أكتعين» تفسير : وهو حديث غريب جداً، وأحرى به أن لا يكون محفوظاً! وبتقدير صحته، فالظاهر أن هذا بعد وفودهم إليه بالمدينة على ما سنورده إن شاء الله تعالى، فإن في ذلك الوقت كان في آخر الأمر لما فتحت مكة ودخل الناس والجان أيضاً في دين الله أفواجاً نزلت سورة: {أية : إِذَا جَآءَ نَصْرُ ٱللَّهِ وَٱلْفَتْحُ وَرَأَيْتَ ٱلنَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ ٱللَّهِ أَفْوَٰجاً فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَٱسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوِٰبَا } تفسير : [النصر: 1 ــــ 3] وهي السورة التي نعيت نفسه الكريمة فيها إليه؛ كما نص على ذلك ابن عباس رضي الله عنهما، ووافقه عمر بن الخطاب رضي الله عنه عليه، وقد ورد في ذلك حديث سنورده إن شاء الله تعالى عند تفسيرها، والله أعلم. وقد رواه أبو نعيم أيضاً عن الطبراني عن محمد بن عبد الله الحضرمي عن علي بن الحسين بن أبي بردة، عن يحيى بن سعيد الأسلمي، عن حرب بن صبيح عن سعيد بن سلمة عن أبي مرة الصنعاني، عن أبي عبد الله الجدلي عن ابن مسعود رضي الله عنه فذكره وذكر فيه قصة الاستخلاف، وهذا إسناد غريب وسياق عجيب. [طريق أخرى] قال الإمام أحمد: حدثنا أبو سعيد، حدثنا حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن أبي رافع عن ابن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خط حوله، فكان أحدهم مثل سواد النخل، وقال: «حديث : لا تبرح مكانك فأقرئهم كتاب الله» تفسير : فلما رأى المرعى قال: كأنهم هؤلاء. وقال النبي صلى الله عليه وسلم:«حديث : أمعك ماء؟» تفسير : قلت: لا. قال: «حديث : أمعك نبيذ؟» تفسير : قلت: نعم، فتوضأ به. [طريق أخرى مرسلة] قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو عبد الله الطَّهْراني، أخبرنا حفص بن عمر العدني، حدثنا الحكم بن أبان عن عكرمة في قوله تعالى: {وَإِذْ صَرَفْنَآ إِلَيْكَ نَفَراً مِّنَ ٱلْجِنِّ} قال: هم اثنا عشر ألفاً جاؤوا من جزيرة الموصل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لابن مسعود رضي الله عنه: «حديث : أنظرني حتى آتيك» تفسير : وخط عليه خطاً، وقال: «حديث : لا تبرح حتى آتيك» تفسير : فلما خشيهم ابن مسعود رضي الله عنه كاد أن يذهب، فذكر قول رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يبرح، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : لو ذهبت ما التقينا إلى يوم القيامة»تفسير : [طريق أخرى مرسلة أيضاً]: قال سعيد بن أبي عروبة عن قتادة في قوله تعالى: {وَإِذْ صَرَفْنَآ إِلَيْكَ نَفَراً مِّنَ ٱلْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ ٱلْقُرْءَانَ} قال: ذكر لنا أنهم صرفوا إليه من نينوى، وأن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إني أمرت أن أقرأ على الجن فأيكم يتبعني؟» تفسير : فأطرقوا، ثم استتبعهم فأطرقوا، ثم استتبعهم الثالثة فقال رجل: يا رسول الله إن ذاك لذو ندبة، فأتبعه ابن مسعود رضي الله عنه أخو هذيل، قال: فدخل النبي صلى الله عليه وسلم شعباً يقال له شعب الحجون وخط عليه، وخط على ابن مسعود رضي الله عنه خطاً ليثبته بذلك، قال: فجعلت أهال وأرى أمثال النسور تمشي في دفوفها، وسمعت لغطاً شديداً حتى خفت على نبي الله صلى الله عليه وسلم، ثم تلا القرآن، فلما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت: يا رسول الله ما اللغط الذي سمعت؟ قال صلى الله عليه وسلم: «حديث : اختصموا في قتيل، فقضي بينهم بالحق» تفسير : رواه ابن جرير وابن أبي حاتم. فهذه الطرق كلها تدل على أنه صلى الله عليه وسلم ذهب إلى الجن قصداً، فتلا عليهم القرآن ودعاهم إلى الله عز وجل، وشرع الله تعالى لهم على لسانه ماهم محتاجون إليه في ذلك الوقت، وقد يحتمل أن أول مرة سمعوه يقرأ القرآن لم يشعر بهم، كما قاله ابن عباس رضي الله عنهما. ثم بعد ذلك وفدوا إليه كما رواه ابن مسعود رضي الله عنه، وأما ابن مسعود رضي الله عنه فإنه لم يكن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حال مخاطبته للجن ودعائه إياهم، وإنما كان بعيداً منه، ولم يخرج مع النبي صلى الله عليه وسلم أحد سواه، ومع هذا لم يشهد حال المخاطبة، هذه طريقة البيهقي. وقد يحتمل أن يكون أول مرة خرج إليهم لم يكن معه صلى الله عليه وسلم ابن مسعود رضي الله عنه ولا غيره، كما هو ظاهر سياق الرواية الأولى من طريق الإِمام أحمد، وهي عند مسلم، ثم بعد ذلك خرج معه ليلة أخرى، والله أعلم، كما روى ابن أبي حاتم في تفسير: {قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ} من حديث ابن جريج قال: قال عبد العزيز بن عمر: أما الجن الذي لقوه بنخلة فجن نينوى، وأما الجن الذين لقوه بمكة فجن نصيبين، وتأوله البيهقي على أنه يقول: فبتنا بشر ليلة بات بها قوم على غير ابن مسعود رضي الله عنه ممن لم يعلم بخروجه صلى الله عليه وسلم إلى الجن، وهو محتمل على بعد، والله أعلم. وقد قال الحافظ أبو بكر البيهقي،: أخبرنا أبو عمرو محمد بن عبد الله الأديب، حدثنا أبو بكر الإسماعيلي، أخبرنا الحسن بن سفيان، حدثنا سويد بن سعيد، حدثنا عمرو بن يحيى عن جده سعيد بن عمرو قال: كان أبو هريرة رضي الله عنه يتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم بإداوة لوضوئه وحاجته، فأدركه يوماً فقال: «حديث : من هذا؟» تفسير : قال: أنا أبو هريرة. قال صلى الله عليه وسلمحديث : ائتني بأحجار أستنج بها ولا تأتني بعظم ولا روثةتفسير : ، فأتيته بأحجار في ثوبي، فوضعتها إلى جنبه، حتى إذا فرغ وقام، اتبعته فقلت: يا رسول الله ما بال العظم والروثة؟ قال صلى الله عليه وسلم: «حديث : أتاني وفد جن نصيبين فسألوني الزاد، فدعوت الله تعالى لهم أن لا يمروا بروثة ولا عظم إلا وجدوه طعاماً» تفسير : أخرجه البخاري في صحيحه عن موسى بن إسماعيل عن عمرو بن يحيى بإسناده قريباً منه، فهذا يدل على ما تقدم على أنهم وفدوا عليه بعد ذلك، وسنذكر إن شاء الله تعالى ما يدل على تكرار ذلك. وقد روي عن ابن عباس غير ما روي عنه أولاً من وجه جيد، فقال ابن جرير: حدثنا أبو كريب، حدثنا عبد الحميد الحماني، حدثنا النضر بن عربي عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: {وَإِذْ صَرَفْنَآ إِلَيْكَ نَفَراً مِّنَ ٱلْجِنِّ} الآية. قال: كانوا سبعة نفر من أهل نصيبين، فجعلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم رسلاً إلى قومهم. فهذا يدل على أنه روى القصتين. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا سويد بن عبد العزيز، حدثنا رجل سماه عن ابن جريج عن مجاهد: {وَإِذْ صَرَفْنَآ إِلَيْكَ نَفَراً مِّنَ ٱلْجِنِّ} الآية، قال: كانوا سبعة نفر: ثلاثة من أهل حران، وأربعة من أهل نصيبين، وكانت أسماؤهم: حيي وحسي ومسى وشاصر وناصر والأردوإبيان والأحقم، وذكر أبو حمزة الثمالي أن هذا الحي من الجن كان يقال لهم: بنو الشيصبان، وكانوا أكثر الجن عدداً وأشرفهم نسباً، وهم كانوا عامة جنود إبليس. وقال سفيان الثوري عن عاصم عن ذر عن ابن مسعود رضي الله عنه: كانوا تسعة، أحدهم زوبعة، أتوه من أصل نخلة، وتقدم عنهم أنهم كانوا خمسة عشر، وفي رواية أنهم كانوا على ستين راحلة، وتقدم عنه أن اسم سيدهم وردان، وقيل: كانوا ثلثمائة، وتقدم عن عكرمة على أنهم كانوا اثني عشر ألفاً، فلعل هذا الاختلاف دليل على تكرار وفادتهم عليه صلى الله عليه وسلم ومما يدل على ذلك ما قاله البخاري في صحيحه: حدثنا يحيى بن سليمان، حدثني ابن وهب، حدثني عمر هو ابن محمد قال: إن سالماً حدثه عن عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما قال: ما سمعت عمر رضي الله عنه يقول لشيء قط: إني لأظنه هكذا، إلا كان كما يظن. بينما عمر بن الخطاب رضي الله عنه جالس، إذ مر به رجل جميل، فقال: لقد أخطأ ظني، أو أن هذا على دينه في الجاهلية، أو لقد كان كاهنهم، علي بالرجل، فدعي له، فقال له ذلك، فقال: ما رأيت كاليوم استقبل به رجل مسلم، قال: فإني أعزم عليك إلا ما أخبرتني قال: كنت كاهنهم في الجاهلية، قال: فما أعجب ما جاءتك به جنيتك قال: بينما أنا يوماً في السوق، جاءتني أعرف فيها الفزع فقالت:شعر : ألم تر الجن وإِبلاسها ويأسها من بعد إنكاسها ولحوقها بالقلاص وأحلاسها تفسير : قال عمر رضي الله عنه: صدق، بينما أنا نائم عند آلهتهم، إذ جاء رجل بعجل، فذبحه فصرخ به صارخ، لم أسمع صارخاً قط أشد صوتاً منه يقول: ياجليح، أمر نجيح رجل فصيح، يقول: لا إله إلا الله، قال: فوثب القوم فقلت: لا أبرح حتى أعلم ماوراء هذا، ثم نادى: ياجليح أمر نجيح رجل فصيح يقول: لا إله إلا الله، فقمت، فما نشبنا أن قيل: هذا نبي. هذا سياق البخاري، وقد رواه البيهقي من حديث ابن وهب بنحوه، ثم قال: وظاهر هذه الرواية يوهم أن عمر رضي الله عنه بنفسه سمع الصارخ يصرخ من العجل الذي ذبح، وكذلك هو صريح في رواية ضعيفه عن عمر رضي الله عنه، وسائر الروايات تدل على أن هذا الكاهن هو الذي أخبر بذلك عن رؤيته وسماعه، والله أعلم، وهذا الذي قاله البيهقي هو المتجه، وهذا الرجل هو سواد بن قارب، وقد ذكرت هذا مستقصى في سيرة عمر رضي الله عنه، فمن أراد فليأخذه من ثم، ولله الحمد والمنة. وقال البيهقي: حديث سواد بن قارب، ويشبه أن يكون هذا هو الكاهن الذي لم يذكر اسمه في الحديث الصحيح، أخبرنا أبو القاسم الحسن بن محمد بن حبيب المفسر من أصل سماعه، أخبرنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الصفار الأصبهاني قراءة عليه، حدثنا أبو جعفر أحمد بن موسى الحمار الكوفي بالكوفة، حدثنا زياد بن يزيد بن بادويه، حدثنا أبو بكر القصري حدثنا محمد بن النواس الكوفي، حدثنا أبو بكر بن عياش عن أبي إسحاق عن البراء رضي الله عنه قال: بينما عمر بن الخطاب رضي الله عنه يخطب الناس على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ قال: أيها الناس أفيكم سواد بن قارب؟ قال: فلم يجبه أحد تلك السنة. فلما كانت السنة المقبلة، قال: أيها الناس أفيكم سواد بن قارب؟ قال: فقلت: يا أمير المؤمنين وما سواد بن قارب؟ قال: فقال له عمر رضي الله عنه: إن سواد بن قارب كان بدء إسلامه شيئاً عجيباً، قال: فبينما نحن كذلك، إذ طلع سواد ابن قارب، قال: فقال له عمر رضي الله عنه: يا سواد حدثنا ببدء إسلامك كيف كان؟ قال سواد رضي الله عنه: فإني كنت نازلاً بالهند، وكان لي رئي من الجن، قال: فبينما أنا ذات ليلة نائم، إذ جاءني في منامي ذلك، قال: قم فافهم واعقل إن كنت تعقل، قد بعث رسول من لؤي بن غالب، ثم أنشأ يقول:شعر : عَجِبْتُ للجنِّ وأنجاسها وشَدِّها العِيْسَ بأَحْلاسِها تَهْوي إلى مَكَّة تَبْغي الهُدى ما مؤمنو الجن كأرجاسها فانهضْ إلى الصَّفْوَةِ من هاشمٍ واسمُ بِعَيْنَيكَ إلى راسِها تفسير : قال: ثم أنبهني فأفزعني، وقال: يا سواد بن قارب إن الله عز وجل بعث نبياً، فانهض إليه تهتد وترشد، فلما كان من الليلة الثانية، أتاني فأنبهني، ثم أنشأ يقول:شعر : عَجِبْتُ للجِنِّ وَتَطْلابِها وشَدِّها العيْسَ بأَقْتابِها تَهْوي إلى مَكَّةَ تَبْغِي الهُدى لَيْس قداماها كأذنابِها فانهضْ إلى الصَّفْوَةِ من هاشمٍ واسمُ بِعَيْنَيْكَ إلى نابها تفسير : فلما كان في الليلة الثالثة، أتاني فأنبهني ثم قال:شعر : عَجِبْتُ للجِنِّ وتَخْبارِها وشَدِّها العيْسَ بأَكْوارِها تَهْوي إلى مَكَّةَ تَبْغِي الهُدى لَيْس ذَوو الشَّرِّ كأخيارِها فانهضْ إلى الصَّفْوةِ من هاشمِ ما مُؤْمِنو الجِنِّ كَكُفَّارِها تفسير : قال: فلما سمعته تكرر ليلة بعد ليلة، وقع في قلبي حب الإسلام من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ما شاء الله، قال: فانطلقت إلى رحلي، فشددته على راحلتي، فما حللت نسعة ولا عقدت أخرى حتى أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا هو بالمدينة يعني: مكة، والناس عليه كعرف الفرس، فلما رآني النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : مرحباً بك يا سواد بن قارب قد علمنا ما جاء بك» تفسير : قال: قلت: يا رسول الله قد قلت شعراً، فاسمعه مني قال صلى الله عليه وسلم: «حديث : قل يا سواد» تفسير : فقلت:شعر : أَتاني رِئِيٌّ بعدَ ليلٍ وهَجْعَةٍ ولم يَكُ فيما قَدْ بلوتُ بكاذبِ ثلاثَ ليالٍ قولُه كلَّ ليلةٍ: أتاكَ رسولٌ من لؤيِّ بنِ غالبٍ فشَمَّرْتُ عن ساقِي الإزارَ ووسطتْ بي الدعلبُ الوَجْناءُ بين السباسِب فأشهدُ أنَّ اللّهَ لا ربَّ غيرُه وأنكَ مأمونٌ على كلِّ غائبِ وأنَّكَ أدنى المرسلين شفاعةً إلى الله يابنَ الأكرمينَ الأطايبِ فَمُرْنا بما يأتيكَ يا خيرَ مُرْسَلٍ وإن كان فيما جاءَ شيبُ الذوائبِ وكنْ لي شفيعاً يومَ لا ذو شفاعةٍ سواك بِمُغْنٍ عن سوادِ بنِ قاربِ تفسير : قال: فضحك النبي صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه، وقال لي: «حديث : أفلحت يا سواد» تفسير : . فقال عمر رضي الله عنه: هل يأتيك رئيك الآن؟ فقال: منذ قرأت القرآن لم يأتني، ونعم العوض كتاب الله عز وجل من الجن. ثم أسنده البيهقي من وجهين آخرين. ومما يدل على وفادتهم إليه صلى الله عليه وسلم بعدما هاجر إلى المدينة، الحديث الذي رواه الحافظ أبو نعيم في كتاب "دلائل النبوة": حدثنا سليمان ابن أحمد، حدثنا محمد بن عبدة المصيصي، حدثنا أبو توبة الربيع بن نافع حدثنا معاوية بن سلام عن زيد بن أسلم: أنه سمع أبا سلام يقول: حدثني من حدثه عمرو بن غيلان الثقفي قال: أتيت عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، فقلت له: حدثت أنك كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة وفد الجن، قال: أجل، قلت: حدثني كيف كان شأنه؟ فقال: إن أهل الصفة أخذ كل رجل منهم رجل يعشيه، وتركت، فلم يأخذني أحد منهم، فمر بي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «حديث : من هذا؟» تفسير : فقلت: أنا ابن مسعود، فقال صلى الله عليه وسلم «حديث : ما أخذك أحد يعشيك؟» تفسير : فقلت: لا، قال صلى الله عليه وسلم: «حديث : فانطلق لعلي أجد لك شيئاً»تفسير : قال: فانطلقنا حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم حجرة أم سلمة رضي الله عنها، فتركني قائماً ودخل إلى أهله، ثم خرجت الجارية فقالت: يا ابن مسعود إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يجد لك عشاء، فارجع إلى مضجعك، قال: فرجعت إلى المسجد، فجمعت حصباء المسجد فتوسدته، والتففت بثوبي، فلم ألبث إلا قليلاً حتى جاءت الجارية فقالت: أجب رسول الله. فاتبعتها وأنا أرجو العشاء، حتى إذا بلغت مقامي، خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي يده عسيب من نخل، فعرض به على صدري فقال صلى الله عليه وسلم «حديث : انطلق أنت معي حيث انطلقت» تفسير : قلت: ما شاء الله، فأعادها علي ثلاث مرات، كل ذلك أقول: ما شاء الله، فانطلق، وانطلقت معه حتى أتينا بقيع الغرقد، فخط صلى الله عليه وسلم بعصاه خطاً، ثم قال: «حديث : اجلس فيها ولا تبرح حتى آتيك» تفسير : ثم انطلق يمشي، وأنا أنظر إليه خلال النخل، حتى إذا كان من حيث لا أراه، ثارت قبله العجاجة السوداء، ففرقت فقلت: ألحق برسول الله صلى الله عليه وسلم فإني أظن أن هوازن مكروا برسول الله صلى الله عليه وسلم ليقتلوه، فأسعى إلى البيوت فأستغيث الناس، فذكرت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أوصاني أن لا أبرح مكاني الذي أنا فيه، فسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرعهم بعصاه ويقول: «حديث : اجلسوا» تفسير : فجلسوا حتى كاد ينشق عمود الصبح، ثم ثاروا وذهبوا، فأتاني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «حديث : أنمت بعدي؟» تفسير : فقلت: لا، ولقد فزعت الفزعة الأولى حتى رأيت أن آتي البيوت، فأستغيث الناس، حتى سمعتك تقرعهم بعصاك، وكنت أظنها هوازن مكروا برسول الله صلى الله عليه وسلم ليقتلوه، فقال: «حديث : لو أنك خرجت من هذه الحلقة ما أمنت عليك أن يختطفك بعضهم، فهل رأيت من شيء منهم؟»تفسير : فقلت: رأيت رجالاً سوداً مستشعرين بثياب بيض، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : أولئك وفد جن نصيبين أتوني فسألوني الزاد والمتاع فمتعتهم بكل عظم حائل أو روثة أو بعرة» تفسير : قلت: فما يغني عنهم ذلك؟ قال صلى الله عليه وسلم «حديث : إنهم لا يجدون عظماً إلا وجدوا عليه لحمه الذي كان عليه يوم أكل، ولا روثة إلا وجدوا فيها حبها الذي كان فيها يوم أكلت، فلا يستنقي أحد منكم بعظم ولا بعرة» تفسير : وهذا إسناد غريب جداً، ولكن فيه رجل مبهم لم يسم، والله تعالى أعلم. وقد روى الحافظ أبو نعيم من حديث بقية بن الوليد: حدثني نمير بن زيد القنبر، حدثنا أبي، حدثنا قحافة بن ربيعة، حدثني الزبير بن العوام رضي الله عنه قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الصبح في مسجد المدينة، فلما انصرف قال: «حديث : أيكم يتبعني إلى وفد الجن الليلة؟» تفسير : فأسكت القوم ثلاثاً، فمر بي فأخذ بيدي فجعلت أمشي معه حتى حبست عنا جبال المدينة كلها، وأفضينا إلى أرض براز، فإذا برجال طوال كأنهم الرماح مستشعرين بثيابهم من بين أرجلهم، فلما رأيتهم غشيتني رعدة شديدة، ثم ذكر نحو حديث ابن مسعود المتقدم، وهذا حديث غريب، والله أعلم. ومما يتعلق بوفود الجن ما رواه الحافظ أبو نعيم: حدثنا أبو محمد بن حبان، حدثنا أبو الطيب أحمد بن روح، حدثنا يعقوب الدورقي، حدثنا الوليد بن بكير التميمي، حدثنا حصين بن عمر، أخبرني عبيد المكتب عن إبراهيم قال: خرج نفر من أصحاب عبد الله يريدون الحج، حتى إذا كانوا في بعض الطريق، إذا هم بحية تنثني على الطريق أبيض، ينفح منه ريح المسك، فقلت لأصحابي: امضوا فلست ببارح حتى أنظر إلى ما يصير إليه أمر هذه الحية. قال: فما لبثت أن ماتت، فعمدت إلى خرقة بيضاء، فلففتها فيها ثم نحيتها عن الطريق، فدفنتها وأدركت أصحابي في المتعشى. قال: فوالله إنا لقعود، إذ أقبل أربع نسوة من قبل المغرب، فقالت واحدة منهن: أيكم دفن عمراً. قلنا: ومن عمرو؟ قالت: أيكم دفن الحية؟ قال: فقلت: أنا، قالت: أما والله لقد دفنت صواماً قواماً، يأمر بما أنزل الله تعالى، ولقد آمن بنبيكم، وسمع صفته من السماء قبل أن يبعث بأربعمائة عام. قال الرجل: فحمدنا الله تعالى، ثم قضينا حجتنا، ثم مررت بعمر بن الخطاب رضي الله عنه بالمدينة، فأنبأته بأمر الحية، فقال: صدقت، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : لقد آمن بي قبل أن أبعث بأربعمائة سنة» تفسير : وهذا حديث غريب جداً، والله أعلم. قال أبو نعيم: وقد روى الثوري عن أبي إسحاق عن الشعبي عن رجل من ثقيف بنحوه، وروى عبد الله بن أحمد والظهراني عن صفوان بن المعطل: هو الذي نزل ودفن تلك الحية من بين الصحابة، وأنهم قالوا: إنه آخر التسعة موتاً الذين أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يستمعون القرآن، وروى أبو نعيم من حديث الليث بن سعد عن عبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون عن عمه، عن معاذ بن عبيد الله بن معمر قال: كنت جالساً عند عثمان بن عفان رضي الله عنه، فجاء رجل فقال: يا أمير المؤمنين إني كنت بفلاة من الأرض، فذكر أنه رأى ثعبانين اقتتلا، ثم قتل أحدهما الآخر، قال: فذهبت إلى المعترك، فوجدت حيات كثيرة مقتولة، وإذ ينفح من بعضها ريح المسك، فجعلت أشمها واحدة واحدة، حتى وجدت ذلك من حية صفراء رقيقة، فلففتها في عمامتي ودفنتها، فبينا أنا أمشي، إذ ناداني مناد: يا عبد الله لقد هديت، هذان حيان من الجن: بنو شعيبان، وبنو أقيش، التقوا فكان من القتلى ما رأيت، واستشهد الذي دفنته، وكان من الذين سمعوا الوحي من رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فقال عثمان لذلك الرجل: إن كنت صادقاً فقد رأيت عجباً، وإن كنت كاذباً، فعليك كذبك. وقوله تبارك وتعالى: {وَإِذْ صَرَفْنَآ إِلَيْكَ نَفَراً مِّنَ ٱلْجِنِّ} أي طائفة من الجن {يَسْتَمِعُونَ ٱلْقُرْءَانَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوۤاْ أَنصِتُواْ} أي استمعوا، وهذا أدب منهم. وقد قال الحافظ البيهقي: حدثنا الإمام أبو الطيب سهل بن محمد بن سليمان، أخبرنا أبو الحسن محمد بن عبد الله الدقاق، حدثنا محمد بن إبراهيم البوشنجي، حدثنا هشام بن عمار الدمشقي، حدثنا الوليد بن مسلم عن زهير بن محمد عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: حديث : قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم سورة الرحمن حتى ختمها، ثم قال: ما لي أراكم سكوتاً؟ للجن كانوا أحسن منكم رداً، ما قرأت عليهم هذه الآية من مرة: { فَبِأَىِّ ءَالاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} إلا قالوا: ولا بشيء من آلائك ونعمك ربنا نكذب، فلك الحمد»تفسير : . ورواه الترمذي في التفسير عن أبي مسلم عبد الرحمن بن واقد عن الوليد بن مسلم به قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم على أصحابه، فقرأ عليهم سورة الرحمن، فذكره، ثم قال الترمذي: غريب، لا نعرفه إلا من حديث الوليد عن زهير كذا قال، وقد رواه البيهقي من حديث مروان بن محمد الطاهري عن زهير بن محمد به مثله. وقوله عز وجل: {فَلَمَّا قُضِيَ} أي: فرغ؛ كقوله تعالى: {أية : فَإِذَا قُضِيَتِ ٱلصَّلَوٰةُ} تفسير : [الجمعة: 10] {أية : فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَـٰوَٰتٍ فِي يَوْمَيْنِ} تفسير : [فصلت: 12] {أية : فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَـٰسِكَكُمْ} تفسير : [البقرة: 200] {وَلَّوْاْ إِلَىٰ قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ} أي رجعوا إلى قومهم، فأنذروهم ما سمعوه من رسول الله صلى الله عليه وسلم كقوله جل وعلا: {أية : لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي ٱلدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوۤاْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} تفسير : [التوبة: 122] وقد استدل بهذه الآية على أنه في الجن نذر، وليس فيهم رسل، ولا شك أن الجن لم يبعث الله تعالى منهم رسولاً لقوله تعالى: {أية : وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِىۤ إِلَيْهِمْ مِّنْ أَهْلِ ٱلْقُرَىٰ} تفسير : [يوسف: 109]. وقال عز وجل: {أية : وَمَآ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ إِلاَّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ ٱلطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِى ٱلأَسْوَاقِ} تفسير : [الفرقان: 20]. وقال عن إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام: {أية : وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ ٱلنُّبُوَّةَ وَٱلْكِتَـٰبَ} تفسير : [العنكبوت: 27] فكل نبي بعثه الله تعالى بعد إبراهيم فمن ذريته وسلالته. فأما قوله تبارك وتعالى في الأنعام: {أية : يَـٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنْكُمْ} تفسير : [الأنعام: 130]؟ فالمراد هنا مجموع الجنسين، فيصدق على أحدهما، وهو الإنس كقوله: {أية : يَخْرُجُ مِنْهُمَا الُّلؤْلُؤُ وَالمَرْجَانُ}تفسير : [الرحمن: 22] أي أحدهما، ثم إنه تعالى فسر إنذار الجن لقومهم فقال مخبراً عنهم: {قَالُواْ يٰقَوْمَنَآ إِنَّا سَمِعْنَا كِتَـٰباً أُنزِلَ مِن بَعْدِ مُوسَىٰ} ولم يذكروا عيسى لأن عيسى عليه السلام أنزل عليه الإنجيل فيه مواعظ وترقيقات، وقليل من التحليل والتحريم، وهو في الحقيقة كالمتمم لشريعة التوراة فالعمدة هو التوراة، فلهذا قالوا: أنزل من بعد موسى، وهكذا قال ورقة بن نوفل حين أخبره النبي صلى الله عليه وسلم بقصة نزول جبريل عليه الصلاة والسلام أول مرة، فقال: بخ بخ! هذا الناموس الذي كان يأتي موسى، يا ليتني أكون فيه جذعاً. {مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ} أي في الكتب المنزلة على الأنبياء قبله، وقوله: {يَهْدِيۤ إِلَى ٱلْحَقِّ} أي في الاعتقاد والإخبار {وَإِلَىٰ طَرِيقٍ مُّسْتَقِيمٍ} في الأعمال؛ فإن القرآن مشتمل على شيئين: خبر وطلب، فخبره صدق، وطلبه عدل؛ كما قال تعالى: {أية : وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً} تفسير : [الأنعام: 115]. وقال سبحانه وتعالى: {أية : هُوَ ٱلَّذِيۤ أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِٱلْهُدَىٰ وَدِينِ ٱلْحَقِّ} تفسير : [التوبة: 33] فالهدى هو العلم النافع، ودين الحق هو العمل الصالح، وهكذا قالت الجن: {يَهْدِيۤ إِلَى ٱلْحَقِّ} في الاعتقادات، {وَإِلَىٰ طَرِيقٍ مُّسْتَقِيمٍ} أي في العمليات {يٰقَوْمَنَآ أَجِيبُواْ دَاعِيَ ٱللَّهِ} فيه دلالة على أنه تعالى أرسل محمداً صلى الله عليه وسلم إلى الثقلين: الجن والإنس، حيث دعاهم إلى الله تعالى، وقرأ عليهم السورة التي فيها خطاب الفريقين وتكليفهم ووعيدهم، وهي سورة الرحمن، ولهذا قال: {أَجِيبُواْ دَاعِيَ ٱللَّهِ وَءَامِنُواْ بِهِ} وقوله تعالى: {يَغْفِرْ لَكُمْ مِّن ذُنُوبِكُمْ} قيل: إن {مِّن} ههنا زائدة، وفيه نظر؛ لأن زيادتها في الإثبات قليل، وقيل: إنها على بابها للتبعيض، {وَيُجِرْكُمْ مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} أي ويقيكم من عذابه الأليم، وقد استدل بهذه الآية من ذهب من العلماء إلى أن الجن المؤمنين لا يدخلون الجنة، وإنما جزاء صالحيهم أن يجاروا من عذاب النار يوم القيامة، ولهذا قالوا هذا في هذا المقام، وهو مقام تبجح ومبالغة، فلو كان لهم جزاء على الإيمان أعلى من هذا، لأوشك أن يذكروه. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي قال: حدثت عن جرير عن ليث عن مجاهد عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لا يدخل مؤمنو الجن الجنة لأنهم من ذرية إبليس، ولا تدخل ذرية إبليس الجنة، والحق أن مؤمنيهم كمؤمني الإنس يدخلون الجنة؛ كما هو مذهب جماعة من السلف، وقد استدل بعضهم لهذا بقوله عز وجل: {أية : لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلاَ جَآنٌّ} تفسير : [الرحمن: 74] وفي هذا الاستدلال نظر، وأحسن منه قوله جل وعلا: {أية : وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ فَبِأَيِّ ءَالاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ } تفسير : [الرحمن: 46 ــــ 47] فقد امتن تعالى على الثقلين بأن جعل جزاء محسنهم الجنة، وقد قابلت الجن هذه الآية بالشكر القولي أبلغ من الإنس، فقالوا: ولا بشيء من آلائك ربنا نكذب، فلك الحمد، فلم يكن تعالى ليمتن عليهم جزاء لا يحصل لهم، وأيضاً فإنه إذا كان يجازي كافرهم بالنار، وهو مقام عدل، فلأن يجازي مؤمنهم بالجنة، وهو مقام فضل بطريق الأولى والأحرى. ومما يدل أيضاً على ذلك عموم قوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّـٰتُ ٱلْفِرْدَوْسِ نُزُلاً} تفسير : [الكهف: 107] وما أشبه ذلك من الآيات. وقد أفردت هذه المسألة في جزء على حدة، ولله الحمد والمنة، وهذه الجنة لا يزال فيها فضل ينشىء الله تعالى لها خلقاً أفلا يسكنها من آمن به وعمل صالحاً؟ وما ذكروه ههنا من الجزاء على الإيمان من تكفير الذنوب والإجارة من العذاب الأليم، هو يستلزم دخول الجنة؛ لأنه ليس في الآخرة إلا الجنة والنار، فمن أجير من النار دخل الجنة لا محالة، ولم يرد معنا نص صريح ولا ظاهر عن الشرع أن مؤمني الجن لا يدخلون الجنة، وإن أجيروا من النار، ولو صح لقلنا به، والله أعلم. وهذا نوح عليه الصلاة والسلام يقول لقومه: {أية : لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَىۤ أَجَلٍ مُّسَـمًّـى}تفسير : [إبراهيم:10] ولا خلاف أن مؤمني قومه في الجنة، فكذلك هؤلاء. وقد حكي فيهم أقوال غريبة. فعن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه: أنهم لا يدخلون بحبوحة الجنة، وإنما يكونون في ربضها وحولها وفي أرجائها، ومن الناس من زعم أنهم في الجنة، يراهم بنو آدم، ولا يرون بني آدم، بعكس ما كانوا عليه في الدار الدنيا. ومن الناس من قال: لا يأكلون في الجنة ولا يشربون وإنما يلهمون التسبيح والتحميد والتقديس عوضاً عن الطعام والشراب كالملائكة؛ لأنهم من جنسهم، وكل هذه الأقوال فيها نظر، ولا دليل عليها، ثم قال مخبراً عنهم: {وَمَن لاَّ يُجِبْ دَاعِيَ ٱللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي ٱلأَرْضَ} أي بل قدرة الله شاملة له، ومحيطة به {وَلَيْسَ لَهُ مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءُ} أي لا يجيرهم منه أحد {أُوْلَـٰئِكَ فِي ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ} وهذا مقام تهديد وترهيب، فدعوا قومهم بالترغيب والترهيب، ولهذا نجع في كثير منهم، وجاؤوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وفوداً؛ كما تقدم بيانه، ولله الحمد والمنة، والله أعلم.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَ} اذكر {إِذْ صَرَفْنَا } أَمَلَنا {إِلَيْكَ نَفَراً مّنَ ٱلْجِنّ } جن نصيبين من اليمن، أو جن نينوى وكانوا سبعة أو تسعة، (وكان صلى الله عليه وسلم ببطن نخل يصلي بأصحابه الفجر) رواه الشيخان {يَسْتَمِعُونَ ٱلْقُرْءَانَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُواْ } أي قال بعضهم لبعض {أَنصِتُواْ } أصغوا لاستماعه {فَلَمَّا قُضِىَ } فرغ من قراءته {وَلَّوْاْ } رجعوا {إِلَىٰ قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ } مخوّفين قومهم العذاب إن لم يؤمنوا وكانوا يهوداً وقد أسلموا.
الشوكاني
تفسير : لما بيّن سبحانه أن في الإنس من آمن، وفيهم من كفر، بيّن أيضاً أن في الجنّ كذلك، فقال: {وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَراً مّنَ ٱلْجِنّ } العامل في الظرف مقدّر، أي: واذكر إذ صرفنا. أي: وجهنا إليك نفراً من الجنّ، وبعثناهم إليك، وقوله: {يَسْتَمِعُونَ ٱلْقُرْءانَ } في محل نصب صفة ثانية لـ {نفراً} أو حال؛ لأن النكرة قد تخصصت بالصفة الأولى {فَلَمَّا حَضَرُوهُ } أي: حضروا القرآن عند تلاوته، وقيل: حضروا النبيّ صلى الله عليه وسلم، ويكون في الكلام التفات من الخطاب إلى الغيبة، والأول أولى {قَالُواْ أَنصِتُواْ } أي: قال بعضهم لبعض: اسكتوا، أمروا بعضهم بعضاً بذلك؛ لأجل أن يسمعوا {فَلَمَّا قُضِىَ } قرأ الجمهور {قضي} مبنياً للمفعول، أي: فرغ من تلاوته. وقرأ حبيب بن عبيد الله بن الزبير، ولاحق بن حميد، وأبو مجلز على البناء للفاعل، أي: فرغ النبيّ صلى الله عليه وسلم من تلاوته، والقراءة الأولى تؤيد أن الضمير في {حَضَرُوهُ } للقرآن، والقراءة الثانية تؤيد أنه للنبيّ صلى الله عليه وسلم {وَلَّوْاْ إِلَىٰ قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ } أي: انصرفوا قاصدين إلى من وراءهم من قومهم منذرين لهم عن مخالفة القرآن، ومحذرين لهم، وانتصاب: {منذرين} على الحال المقدّرة، أي: مقدّرين الإنذار، وهذا يدل على أنهم آمنوا بالنبيّ، وسيأتي في آخر البحث بيان ذلك. {قَالُواْ يا قَوْمُنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَـٰباً أُنزِلَ مِن بَعْدِ مُوسَىٰ } يعنون: القرآن؛ وفي الكلام حذف، والتقدير: فوصلوا إلى قومهم فقالوا: يا قومنا. قال عطاء: كانوا يهوداً فأسلموا {مُصَدّقاً لّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ } أي: لما قبله من الكتب المنزّلة {يَهْدِى إِلَى ٱلْحَقّ } أي: إلى الدين الحقّ {وَإِلَىٰ طَرِيقٍ مُّسْتَقِيمٍ } أي: إلى طريق الله القويم. قال مقاتل: لم يبعث الله نبياً إلى الجنّ والإنس قبل محمد صلى الله عليه وسلم. {يٰقَوْمَنَا أَجِيبُواْ دَاعِىَ ٱللَّهِ وَءامِنُواْ به} يعنون: محمداً صلى الله عليه وسلم، أو القرآن {يَغْفِرْ لَكُمْ مّن ذُنُوبِكُمْ } أي: بعضها، وهو ما عدا حقّ العباد، وقيل: "إن" من هنا لابتداء الغاية. والمعنى: أنه يقع ابتداء الغفران من الذنوب، ثم ينتهي إلى غفران ترك ما هو الأولى، وقيل: هي زائدة {وَيُجِرْكُمْ مّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ } وهو عذاب النار، وفي هذه الآية دليل على أن حكم الجنّ حكم الإنس في الثواب والعقاب، والتعبد بالأوامر والنواهي. وقال الحسن: ليس لمؤمني الجنّ ثواب غير نجاتهم من النار، وبه قال أبو حنيفة. والأوّل أولى، وبه قال مالك، والشافعي، وابن أبي ليلى. وعلى القول الأوّل، فقال القائلون به: أنهم بعد نجاتهم من النار يقال لهم: كونوا تراباً، كما يقال للبهائم والثاني أرجح. وقد قال الله سبحانه في مخاطبة الجنّ والإنس: {أية : وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبّهِ جَنَّتَانِ * فَبِأَىّ ءالاء رَبّكُمَا تُكَذّبَانِ }تفسير : [الرحمٰن: 46، 47] فامتنّ سبحانه على الثقلين بأن جعل جزاء محسنهم الجنة، ولا ينافي هذا الاقتصار ها هنا على ذكر إجارتهم من عذاب أليم، ومما يؤيد هذا أن الله سبحانه قد جازى كافرهم بالنار، وهو مقام عدل، فكيف لا يجازي محسنهم بالجنة، وهو مقام فضل، ومما يؤيد هذا أيضاً ما في القرآن الكريم في غير موضع أن جزاء المؤمنين الجنة، وجزاء من عمل الصالحات الجنة، وجزاء من قال لا إلٰه إلاّ الله الجنة، وغير ذلك مما هو كثير في الكتاب والسنة. وقد اختلف أهل العلم هل أرسل الله إلى الجن رسلاً منهم أم لا؟ وظاهر الآيات القرآنية أن الرسل من الإنس فقط، كما في قوله: {أية : وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِى إِلَيْهِمْ مّنْ أَهْلِ ٱلْقُرَىٰ } تفسير : [يوسف: 109]. وقال: {أية : وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ إِلاَّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ ٱلطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِى ٱلأسْوَاقِ } تفسير : [الفرقان: 20] وقال سبحانه في إبراهيم الخليل: {أية : وَجَعَلْنَا فِى ذُرّيَّتِهِ ٱلنُّبُوَّةَ وَٱلْكِتَـٰبَ }تفسير : [العنكبوت: 27]، فكل نبيّ بعثه الله بعد إبراهيم، فهو من ذرّيته، وأما قوله تعالى في سورة الأنعام: {أية : يَـٰمَعْشَرَ ٱلْجِنّ وَٱلإنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مّنْكُمْ} تفسير : [الأنعام: 130] فقيل: المراد من مجموع الجنسين، وصدق على أحدهما، وهم الإنس: كقوله: {أية : يَخْرُجُ مِنْهُمَا الُّلؤْلُؤُ وَالمَرْجَانُ }تفسير : [الرحمٰن: 22] أي: من أحدهما. {وَمَن لاَّ يُجِبْ دَاعِىَ ٱللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِى ٱلأرْض} أي: لا يفوت الله، ولا يسبقه، ولا يقدر على الهرب منه؛ لأنه وإن هرب كل مهرب، فهو في الأرض لا سبيل له إلى الخروج منها، وفي هذا ترهيب شديد {وَلَيْسَ لَهُ مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء } أي: أنصار يمنعونه من عذاب الله. بيّن سبحانه بعد استحالة نجاته بنفسه استحالة نجاته بواسطة غيره، والإشارة بقوله: {أُوْلَـٰئِكَ } إلى من لا يجب داعي الله، وأخبر أنهم {فِى ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ } أي: ظاهر واضح، ثم ذكر سبحانه دليلاً على البعث، فقال: {أَوَ لَمْ يَرَوْاْ أَنَّ ٱللَّهَ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلاْرْضَ } الرؤية هنا هي القلبية التي بمعنى العلم، والهمزة للإنكار، والواو للعطف على مقدّر، أي: ألم يتفكروا، ولم يعلموا أن الذي خلق هذه الأجرام العظام من السمٰوات والأرض ابتداءً {وَلَمْ يَعْىَ بِخَلْقِهِنَّ } أي: لم يعجز عن ذلك ولا ضعف عنه، يقال عيّ بالأمر وعيي: إذا لم يهتد لوجهه، ومنه قول الشاعر:شعر : عيوا بأمرهم كما عيت ببيضها الحمامه تفسير : قرأ الجمهور {ولم يعي} بسكون العين، وفتح الياء مضارع عيي. وقرأ الحسن بكسر العين وسكون الياء. {بِقَادِرٍ عَلَىٰ أَن يُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰ }. قال أبو عبيدة، والأخفش: الباء زائدة للتوكيد، كما في قوله: {أية : وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيداً }تفسير : [النساء: 166]. قال الكسائي، والفراء، والزجاج: العرب تدخل الباء مع الجحد والاستفهام، فتقول: ما أظنك بقائم، والجار والمجرور في محل رفع على أنهما خبر لأن، وقرأ ابن مسعود، وعيسى بن عمر، والأعرج، والجحدري، وابن أبي إسحاق، ويعقوب، وزيد بن عليّ: (يقدر) على صيغة المضارع، واختار أبو عبيد القراءة الأولى، واختار أبو حاتم القراءة الثانية قال: لأن دخول الباء في خبر أنّ قبيح {بَلَىٰ إِنَّهُ عَلَىٰ كُلّ شَىْء قَدِيرٌ } لا يعجزه شيء. {وَيَوْمَ يُعْرَضُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ عَلَى ٱلنَّارِ } الظرف متعلق بقول مقدّر، أي: يقال ذلك اليوم للذين كفروا {أَلَيْسَ هَـٰذَا بِٱلْحَقّ } وهذه الجملة هي المحكية بالقول، والإشارة بهذا إلى ما هو مشاهد لهم يوم عرضهم على النار، وفي الاكتفاء بمجرّد الإشارة من التهويل للمشار إليه، والتفخيم لشأنه ما لا يخفى؛ كأنه أمر لا يمكن التعبير عنه بلفظ يدلّ عليه {قَالُواْ بَلَىٰ وَرَبّنَا } اعترفوا حين لا ينفعهم الاعتراف، وأكدوا هذا الاعتراف بالقسم؛ لأن المشاهدة هي حق اليقين الذي لا يمكن جحده ولا إنكاره {قَالَ فَذُوقُواْ ٱلعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ } أي: بسبب كفركم بهذا في الدنيا، وإنكاركم له، وفي هذا الأمر لهم بذوق العذاب توبيخ بالغ، وتهكم عظيم. لما قرّر سبحانه الأدلة على النبوّة والتوحيد والمعاد أمر رسوله بالصبر فقال: {فَٱصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ ٱلْعَزْمِ مِنَ ٱلرُّسُلِ } والفاء جواب شرط محذوف، أي: إذا عرفت ذلك، وقامت عليه البراهين، ولم ينجع في الكافرين، فاصبر كما صبر أولوا العزم، أي: أرباب الثبات والحزم، فإنك منهم. قال مجاهد: أولوا العزم من الرسل خمسة: نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ومحمد، وهم أصحاب الشرائع. وقال أبو العالية: هم نوح، وهود، وإبراهيم، فأمر الله رسوله أن يكون رابعهم. وقال السديّ: هم ستة إبراهيم، وموسى، وداود، وسليمان، وعيسى، ومحمد صلى الله عليه وسلم، وقيل: نوح، وهود، وصالح، وشعيب، ولوط، وموسى. وقال ابن جريج: إن منهم إسماعيل، ويعقوب، وأيوب، وليس منهم يونس. وقال الشعبي، والكلبي: هم الذين أمروا بالقتال، فأظهروا المكاشفة وجاهدوا الكفرة، وقيل: هم نجباء الرّسل المذكورون في سورة الأنعام وهم ثمانية عشر: إبراهيم، وإسحاق، ويعقوب، ونوح، وداود، وسليمان، وأيوب، ويوسف، وموسى، وهارون، وزكريا، ويحيى، وعيسى، وإلياس، وإسماعيل، واليسع، ويونس، ولوط. واختار هذا الحسين بن الفضل لقوله بعد ذكرهم: {أية : أُوْلَـئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ ٱقْتَدِهْ }تفسير : [الأنعام: 90] وقيل: إن الرسل كلهم أولوا عزم، وقيل: هم اثنا عشر نبياً أرسلوا إلى بني إسرائيل. وقال الحسن: هم أربعة: إبراهيم، وموسى، وداود، وعيسى {وَلاَ تَسْتَعْجِل لَّهُمْ } أي: لا تستعجل العذاب يا محمد للكفار. لما أمره سبحانه بالصبر، ونهاه عن استعجال العذاب لقومه رجاء أن يؤمنوا قال: {كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ } من العذاب {لَمْ يَلْبَثُواْ إِلاَّ سَاعَةً مّن نَّهَارٍ } أي: كأنهم يوم يشاهدونه في الآخرة لم يلبثوا في الدنيا إلاّ قدر ساعة من ساعات الأيام لما يشاهدونه من الهول العظيم والبلاء المقيم. قرأ الجمهور: {بلاغ} بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي: هذا الذي وعظتهم به بلاغ، أو تلك الساعة بلاغ، أو هذا القرآن بلاغ، أو هو مبتدأ، والخبر لهم الواقع بعد قوله: {وَلاَ تَسْتَعْجِل } أي: لهم بلاغ. وقرأ الحسن، وعيسى بن عمر، وزيد بن عليّ "بلاغاً" بالنصب على المصدر، أي: بلغ بلاغاً. وقرأ أبو مجلز: (بلغ) بصيغة الأمر. وقرىء (بلغ) بصيغة الماضي {فَهَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ ٱلْقَوْمُ ٱلْفَـٰسِقُونَ } قرأ الجمهور: {فهل يهلك} على البناء للمفعول. وقرأ ابن محيصن على البناء للفاعل، والمعنى: أنه لا يهلك بعذاب الله إلاّ القوم الخارجون عن الطاعة، الواقعون في معاصي الله. قال قتادة: لا يهلك على الله إلاّ هالك مشرك. قيل: وهذه الآية أقوى آية في الرجاء. قال الزجاج: تأويله لا يهلك مع رحمة الله وفضله إلاّ القوم الفاسقون. وقد أخرج ابن أبي شيبة، وابن منيع، والحاكم وصححه، وابن مردويه، وأبو نعيم، والبيهقي كلاهما في الدلائل عن ابن مسعود قال: هبطوا، يعني: الجن على النبيّ صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ القرآن ببطن نخلة، فلما سمعوه قالوا: أنصتوا، قالوا: صه، وكانوا تسعة أحدهم زوبعة، فأنزل الله: {وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَراً مّنَ ٱلْجِنّ } إلى قوله: {ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ }. وأخرج أحمد، وابن جرير، وابن مردويه عن الزبير {وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَراً مّنَ ٱلْجِنّ يَسْتَمِعُونَ ٱلْقُرْءانَ } قال: بنخلة ورسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي العشاء الآخرة {أية : كَادُواْ يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً } تفسير : [الجن: 17]. وأخرج ابن جرير، والطبراني، وابن مردويه {وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَراً مّنَ ٱلْجِنّ } الآية، قال: كانوا تسعة نفر من أهل نصيبين، فجعلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم رسلاً إلى قومهم. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن مردويه، وأبو نعيم عنه نحوه وقال: أتوه ببطن نخلة. وأخرج الطبراني في الأوسط، وابن مردويه عنه أيضاً قال: صرفت الجنّ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مرّتين، وكانوا أشراف الجنّ بنصيبين. وأخرج البخاري، ومسلم، وغيرهما عن مسروق قال: سألت ابن مسعود من آذن النبيّ بالجنّ ليلة استمعوا القرآن؟ قال: آذنته بهم شجرة. وأخرج عبد بن حميد، وأحمد، ومسلم، والترمذي عن علقمة قال: قلت لابن مسعود: هل صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم منكم أحداً ليلة الجنّ؟ قال: ما صحبه منا أحد، ولكنا فقدناه ذات ليلة، فقلنا: اغتيل، استطير ما فعل؟ قال: فبتنا بشرّ ليلة بات بها قوم، فلما كان في وجه الصبح إذا نحن به يجيء من قبل حراء، فأخبرناه فقال: "إنه أتاني داعي الجنّ، فأتيتهم فقرأت عليهم القرآن، فانطلق، فأرانا آثارهم وآثار نيرانهم". وأخرج أحمد عن ابن مسعود قال: كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الجنّ. وقد روي نحو هذا من طرق. والجمع بين الروايات بالحمل على قصتين وقعت منه صلى الله عليه وسلم مع الجنّ حضر إحداهما ابن مسعود، ولم يحضر في الأخرى. وقد وردت أحاديث كثيرة أن الجنّ بعد هذا وفدت على رسول الله صلى الله عليه وسلم مرّة بعد مرّة، وأخذوا عنه الشرائع. وأخرج ابن أبي حاتم، وابن مردويه عن ابن عباس قال: أُوْلُواْ ٱلْعَزْمِ مِنَ ٱلرُّسُلِ: النبيّ صلى الله عليه وسلم، ونوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى. وأخرج ابن مردويه عنه قال: هم الذين أمروا بالقتال حتى مضوا على ذلك نوح، وهود، وصالح، وموسى، وداود، وسليمان. وأخرج ابن مردويه عن جابر بن عبد الله قال: بلغني أن أولي العزم من الرسل كانوا ثلاثمائة وثلاثة عشر. وأخرج ابن أبي حاتم، والديلمي عن عائشة قالت: ظلّ رسول الله صلى الله عليه وسلم صائماً ثم طوى، ثم ظلّ صائماً ثم طوى، ثم ظلّ صائماً، قال: «حديث : يا عائشة، إن الدين لا ينبغي لمحمد، ولا لآل محمد، يا عائشة إن الله لم يرض من أولي العزم من الرسل إلاّ بالصبر على مكروهها، والصبر عن محبوبها، ثم لم يرض مني إلاّ أن يكلفني ما كلفهم، فقال: {ٱصْبِر كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ ٱلْعَزْمِ مِنَ ٱلرُّسُلِ } وإني والله لأصبرنّ كما صبروا جهدي، ولا قوّة إلاّ بالله».
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {وَإذ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ القُرْءَانَ} فيه قولان: أحدهما: أنهم صرفوا عن استراق سمع السماء برجوم الشهب ولم يكونوا بعد عيسى صرفوا عنه إلا عند مبعث النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا: ما هذا الذي حدث في الأرض؟ فضربوا في الأَرض حتى وقفوا على النبي صلى الله عليه وسلم ببطن نخلة عائداً إلى عكاظ وهو يصلي الفجر، فاستمعوا القرآن ونظروا كيف يصلي ويقتدي به أصحابه، فرجعوا إلى قومهم فقالوا إنا سمعنا قرآنا عجباً، قاله ابن عباس. وحكى عكرم أن السورة التي كان يقرأها ببطن نخلة {أية : اقرأْ بِاسِمِ رَبِّكَ} تفسير : [العلق: 1] وحكى ابن عباس كان يقرأ في العشاء {كَادوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً}. الثاني: أنهم صرفوا عن بلادهم بالتوفيق هداية من الله لهم حتى أتوا نبي الله ببطن نخلة. وفيهم أربعة أقاويل: أحدها: أنهم جن من أهل نصيبين، قاله ابن عباس. الثاني: أنهم من أهل نينوى، قاله قتادة. الثالث: أنهم من جزيرة الموصل، قاله عكرمة. الرابع: من أهل نجران، قاله مجاهد. واختلف في عددهم على ثلاثة أقاويل: أحدها: أنهم كانوا اثني عشر ألفاً من جزيرة الموصل، قاله عكرمة. الثاني: أنهم كانوا تسعة أحدهم زوبعة، قاله زر بن حبيش. الثالث: أنهم كانوا سبعة: ثلاثة من أهل نجران وأربعة من أهل نصيبين، وكانت أسماؤهم حسى ومسى وشاصر وناصر والأردن وأنيان الأحقم، قاله مجاهد. واختلف في علم النبي صلى الله عليه وسلم على قولين: أحدهما: أنه ما شعر بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أوحى الله إليه فيهم وأخبره عنهم، قاله ابن عباس، والحسن. الثاني: أن الله قد كان أعلمه بهم قبل مجيئهم. روى شعبة عن قتادة أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إِنِّي أمِرْتُ أَنْ أَقْرَأَ عَلَى الْجِنِّ فَأَيُّكُمْ يَتْبَعُنِي"تفسير : ؟فأطرقوا فاتبعه ابن مسعود فدخل نبي الله صلى الله عليه وسلم شعباً يقال له شعب الحجون وخط عليه وخط على ابن مسعود ليثبته بذلك، قال عكرمة: وقال لابن مسعود: "حديث : لاَ تَبْرَحْ حَتَّى آتِيكَ" تفسير : فلما خشيهم ابن مسعود كاد أن يذهب فذكر قول النبي صلى الله عليه وسلم فلم يبرح، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : لَوْ ذَهَبْتَ مَا التَقَيْنَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ " تفسير : ولما توجه رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم تلا عليهم القرآن وقضى بينهم في قتيل منهم. وروى قتادة عن ابن مسعود أنهم سألوه الزاد فقال: "حديث : كُلُّ عَظْمٍ لَكُم عِرْقٌ، وَكُلٌّ رَوَثَةٍ لَكُم خَضِرَةٌ" تفسير : فقالوا يا رسول الله يقذرها الناس علينا، فنهى سول الله صلى الله عليه وسلم أن يستنجى بأحدهما. روى عبد الله بن عمرو بن غيلان عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إِنَّ وَفْدَ الجِنَّ سَأَلُونِي المَتَاع، - وَالمَتَاعُ: الزَّادُ - فَمَتَّعْتُهُم بِكُلِّ عَظْمٍ حَائِلٍ وَبَعْرَةٍ أَوْ رَوَثَةٍ" تفسير : فقلت: يا رسول الله وما يغني عن ذلك عنهم؟ فقال: "حديث : إنهم لا يجدون عظماً إلا وجدوا عليه لحمه يوم أكل، ولا روثة ولا بعرة إلا وجدوا فيها حبها يوم أكلت، فلا يستنجين أحدكم إذا خرج من الخلاء بعظم ولا بعرة ولا روثة ". تفسير : {فَلَمَّا حَضَرُوه قَالُواْ أنصِتُواْ} يحتمل وجهين: أحدهما: فلما حضروا قراءة القرآن قال بعضهم لبعض أنصتوا لسماع القرآن. الثاني: لما حضروا رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا أنصتوا لسماع قوله. {فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْاْ إِلَى قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ} فيه وجهان: أحدهما: فلما فرغ من الصلاة ولوا إلى قومهم منذرين برسول الله صلى الله عليه وسلم، قال الكلبي: مخوفين: قاله الضحاك. الثاني: فلما فرغ من قرءاة القرآن ولوا إلى قومهم منذرين، حكاه عبد الرحمن بن أبي حاتم. قوله عز وجل: {يَا قَوْمَنَا أَجِيبُواْ دَاعِيَ اللَّهِ} أي نبي الله يعني محمداً صلى الله عليه وسلم. {وَمَن لاَّ يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ} أي نبي الله يعني محمداً صلى الله عليه وسلم. {فَليسَ بِمُعْجِزٍ فِي الأَرْضِ} أي سابق لله فيفوته هرباً.
ابن عبد السلام
تفسير : {صَرَفْنَآ} صرفوا عن استراق السمع لما بعث الرسول صلى الله عليه وسلم فقالوا ما هذا الذي حدث في الأرض ضربوا في الأرض حتى وقفوا على الرسول صلى الله عليه وسلم ببطن نخلة عامداً إلى عكاظ وهو يصلي الفجر فنظروا إلى صلاته واقتداء أصاحبه به وسمعوا القرآن فرجعوا إلى قومهم فقالوا {أية : إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباً}تفسير : [الجن: 1] "ع"، وكانت السورة التي قرأها ببطن نخلة {أية : سَبِّحِ ٱسْمَ رَبِّكَ ٱلأَعْلَىٰ} تفسير : [الأعلى: 1] "ع"، أو صرفوا عن بلادهم بتوفيق الله ـ تعالى ـ هداية لهم حتى وقفوا على الرسول صلى الله عليه وسلم ببطن نخلة وكانوا من جن نصيبين "ع" أو نينوى، أو جزيرة الموصل، أو حَران اثنا عشر ألفا من جزيرة الموصل، أو تسعة أحدهم زوبعة، أو سبعة ثلاثة من أهل نجران وأربعة نصيبين ولم يشعر بهم الرسول صلى الله عليه وسلم حتى أوحي إليه أمرهم وأخبر به "ع" أو أعلمه الله ـ تعالى ـ بهم قبل مجيئهم فأتاهم وقرأ عليهم القرآن وقضى بينهم في قتيل منهم {فَلَمَّا قُضِىَ} فرغ من الصلاة {وَلَّوْاْ إِلَى قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ} بالرسول صلى الله عليه وسلم مخوفين به، أو فلما فرغ من القراءة ولوا إلى قومهم مؤمنين.
الخازن
تفسير : قوله عز وجل: {وإذ صرفنا إليك نفراً من الجن} الآية. (ذكر القصة في ذلك) قال المفسرون: لما مات أبو طالب عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان في حياته يحوطه وينصره ويمنعه ممن يؤذيه، فلما مات وجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وحشة من قومه، فخرج إلى الطائف يلتمس من ثقيف النصرة له والمنعة من قومه فروى محمد بن إسحاق عن زيد بن زياد عن محمد بن كعب القرظي قال: لما انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الطائف عمد إلى نفر من ثقيف، وهم يومئذ سادة ثقيف وأشرافهم، وهم إخوة ثلاثة: عبد ياليل، ومسعود، وحبيب بنو عمير. وعندهم امرأة من قريش من بني جمح، فجلس إليهم، فدعاهم إلى الله وكلمهم بما جاء له من نصرته على الإسلام والقيام معه على من خالفه من قومه فقال له أحدهم: هو يمرط ثياب الكعبة إن كان الله أرسلك. وقال الآخر: ما وجد الله أحداً يرسله غيرك وقال الثالث: لا أكلمك كلمة أبداً لئن كنت رسولاً من الله كما تقول لأنت أعظم خطراً من أن أرد عليك الكلام وإن كنت تكذب على الله فما ينبغي لي أن أكلمك فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم من عندهم وقد يئس من خير ثقيف فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذ فعلتم ما فعلتم فاكتموا علي وكره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبلغ قومه فيزيد ذلك في تجرئهم عليه فلم يفعلوا وأغروا به سفهاءهم وعبيدهم فجعلوا يسبونه ويصيحون به حتى اجتمع إليه الناس وألجؤوه إلى حائط لعتبة وشيبة ابني ربيعة وهما فيه، فرجع عنه سفهاء ثقيف ومن كان تبعه منهم، فعمد إلى ظل حبلة من عنب فجلس فيه وابنا ربيعة ينظران إليه ويريان ما لقي من سفهاء ثقيف وقد لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك المرأة التي من بني جمح فقال لها: ماذا لقينا من أحمائك؟ فلما اطمأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : اللهم إني أشكو إليك ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس، فأنت رؤوف وأنت أرحم الراحمين، وأنت رب المستضعفين، وأنت ربي إلى من تكلني إلى بعيد يتجهمني، أو إلى عدو ملكته أمري إن لم يكن بك علي غضب فلا أبالي ولكن عافيتك أوسع لي. أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة من أن ينزل بي غضبك أو يحل عليّ سخطك لك العتبى حتى ترضى لا حول ولا قوة إلا بك" تفسير : فلما رأى ابنا ربيعة ما لقي تحركت له رحمهما فدعوا غلاماً لهما نصرانياً يقال له عداس فقالا له: خذ قطفاً من هذا العنب وضعه في ذلك الطبق ثم اذهب به إلى ذلك الرجل وقل له يأكل منه. ففعل عداس ذلك ثم أقبل بالطبق حتى وضعه بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال له: كل. فلما رفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده قال: بسم الله ثم أكل فنظر عداس إلى وجهه ثم قال والله إن هذا الكلام ما يقوله أهل هذه البلدة فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أي البلاد أنت يا عداس وما دينك؟ فقال: أنا نصراني وأنا رجل من أهل نينوى. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أمن قرية الرجل الصالح يونس بن متى؟ فقال له عداس: وما يدريك ما يونس بن متى؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ذاك أخي كان نبياً وأنا نبي. فأكبَّ عداس على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقبل رأسه ويديه وقدميه قال فقال أحد ابني ربيعة: أما غلامك، فقد أفسده عليك. فلما جاءهم عداس قال له: ويلك يا عداس ما لك تقبل رأس هذا الرجل ويديه وقدميه؟ قال: يا سيدي ما في الأرض خير من هذا الرجل. لقد أخبرني بأمرٍ ما يعلمه إلا نبي. فقال له: ويحك يا عداس لا يصرفك عن دينك فإن دينك خير من دينه ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم انصرف من الطائف راجعاً إلى مكة حين يئس من خير ثقيف حتى إذا كان ببطن نخلة قام من جوف الليل يصلي فمر به نفر من جن نصيبين كانوا قاصدين اليمن وذلك حين منعوا من استراق السمع من السماء ورموا بالشهب فاستمعوا له فلما فرغ من صلاته ولوا إلى قومهم منذرين وقد آمنوا به وأجابوا لما سمعوا القرآن فقص الله خبرهم عليه فقال تعالى: {وإذا صرفنا إليك نفراً من الجن} وفي الآية قول آخر وسيأتي في سورة الجن وهو حديث مخرج في الصحيحين من حديث ابن عباس. وروي أن الجن لما رجموا بالشهب بعث إبليس سراياه ليعرف الخبر فكان أول بعث بعث من أهل نصيبين وهم أشراف الجن وساداتهم فبعثهم إلى تهامة. وقال أبو حمزة: بلغنا أنهم من بني الشيصبان وهم أكثر الجن عدداً وهم عامة جنود إبليس فلما رجعوا إلى قومهم قالوا إنا سمعنا قرآنا عجباً وقال جماعة: بل أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينذر الجن ويدعوهم إلى الله ويقرأ عليهم القرآن فصرف الله عز وجل إليه نفراً من الجن وهم من أهل نينوى وجمعهم له فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: إني أمرت أن أقرأ على الجن الليلة فأيكم يتبعني فأطرقوا ثم استتبعهم فأطرقوا ثم استتبعهم فأطرقوا ثم استتبعهم الثالثة فتبعه عبد الله بن مسعود قال عبد الله بن مسعود لم يحضر معه أحد غيري قال: فانطلقنا حتى إذا كنا بأعلى مكة دخل نبي الله صلى الله عليه وسلم شعباً يقال له شعب الحجون وخط لي خطاً ثم أمرني أن أجلس فيه وقال: لا تخرج منه حتى أعود إليك فانطلق حتى قام عليهم فافتتح القرآن فجعلت أرى مثال النسور تهوي وسمعت لغطاً شديداً حتى خفت على نبي الله صلى الله عليه وسلم وغشيته أسودة كثيرة حالت بيني وبينه حتى لا أسمع صوته ثم طفقوا يتقطعون مثل قطع السحاب ذاهبين ففرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم مع الفجر فانطلق إليّ فقال لي نمت فقلت: لا والله يا رسول الله لقد هممت مراراً أن أستغيث بالناس حتى سمعتك تقرعهم بعصاك تقول لهم اجلسوا فقال: لو خرجت لم آمن عليك أن يتخطفك بعضهم ثم قال: هل رأيت شيئاً؟ قلت: نعم رأيت رجالاً سوداً عليهم ثياب بيض قال أولئك جن نصيبين سألوني المتاع والمتاع الزاد فمتعتهم بكل عظم حائل وروثة وبعرة فقالوا يا رسول الله يقذرها الناس علينا فنهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يستنجي بالعظم والروث قال: فقلت يا رسول الله وما يغني ذلك عنهم؟ فقال: إنهم لا يجدون عظماً إلا وجدوا عليه لحمه يوم أكل ولا روثة إلا وجدوا فيها حبها يوم أكلت فقلت: يا رسول الله سمعت لغطاً شديداً فقال إن الجن تدارأت في قتيل قتل بينهم فتحاكموا إليّ فقضيت بينهم بالحق قال ثم تبرز رسول الله صلى الله عليه وسلم وأتاني فقال لهم معك ماء؟ قلت: يا رسول الله معي أداوة فيها شيء من نبيذ التمر فاستدعاه فصببت على يديه فتوضأ وقال: تمرة طيبة وماء طهور. قال قتادة: ذكر لنا أن ابن مسعود لما قدم الكوفة رأى شيوخاً شمطاً من الزط فأفزعوه حين رآهم ثم قال اظهروا؟ فقيل له: إن هؤلاء قوم من الزط. فقال: ما أشبههم بالنفر. الذين صرفوا إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الجن قلت حديث التوضؤ بنبيذ التمر ضعيف ذكره البيهقي في كتابه الخلافيات بأسانيده وأجاب عنها كلها. والذي صح عن علقمة قال: قلت لابن مسعود: هل صحب النبي صلى الله عليه وسلم ليلة الجن منكم أحد؟ قال: ما صحبه منا أحد ولكنا كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة ففقدناه فالتمسناه في الأودية والشعاب فقلنا استطير أو اغتيل فبتنا بشر ليلة بات بها قوم فلما أصبحنا إذا هو جاء من قبل حراء فقلنا يا رسول الله فقدناك فطلبناك فلم نجدك فبتنا ليلة بات قوم قال أتاني داعي الجن فذهبت معه فقرأت عليهم القرآن قال: فانطلق بنا فأرنا آثارهم وآثار نيرانهم وسألوه الزاد فقال لكم كل عظم ذكر اسم الله عليه يقع في أيديكم أوفر ما يكون لحماً وكل بعرة علف لدوابكم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا تستنجوا بهما فإنهما طعام إخوانكم الجن. زاد في رواية قال الشعبي: وكانوا من جن الجزيرة أخرجه مسلم في صحيحه وأما تفسير الآية: فقوله تعالى: وإذ صرفنا إليك الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم يعني واذكر إذ بعثنا إليك يا محمد نفراً من الجن. واختلفوا في عدد أولئك النفر فقال ابن عباس: كانوا سبعة من جن نصيبين فجعلهم رسول الله رسلاً إلى قومهم. وقال آخرون: كانوا تسعة. وروي عن زر بن حبيش قال: كان زوبعة من التسعة الذين استمعوا القرآن. وروي أن الجن ثلاثة أصناف: صنف منهم لهم أجنحة يطيرون بها في الهواء وصنف على صور الحيات والكلاب وصنف يحلون ويظعنون ونقل بعضهم أن أولئك الجن كانوا يهوداً فأسلموا. قالوا في الجن ملل كثيرة مثل الإنس ففهم اليهود والنصارى والمجوس وعبدة الأصنام وفي مسلمهم مبتدعة ومن يقول بالقدر وخلق القرآن ونحو ذلك من المذاهب والبدع وأطبق المحققون من العلماء على أن الكل مكلفون. سئل ابن عباس هل للجن ثواب؟ فقال: نعم وعليهم عقاب {يستمعون القرآن فلما حضروه} الضمير يعود إلى القرآن يعني: فلما حضروا القرآن وقيل يحتمل أنه يعود على الرسول صلى الله عليه وسلم. ويكون المعنى: فلما حضروا رسول الله صلى الله عليه وسلم لأجل استماع القرآن {قالوا أنصتوا} يعني قال بعضهم لبعض اسكتوا لنسمع قراءته ولا يحول بيننا وبين سماعه شيء فأنصتوا واستمعوا القرآن حتى كاد يقع بعضهم على بعض من شدة حرصهم على سماعه {فلما قضي} أي فرغ من قراءته {ولوا} أي رجعوا {إلى قومهم منذرين} يعني داعين لهم إلى الإيمان مخوفين لهم من المخالفة ذلك بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم وذلك بعد إيمانهم لأنهم لا يدعون غيرهم إلى سماع القرآن والتصديق إلا بعد إيمانهم به وتصديقهم له.
الثعالبي
تفسير : وقوله تعالى: {وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَراً مِّنَ ٱلْجِنِّ...} ابتداءُ، ابتداءُ وَصْفِ قِصَّةِ الجِنِّ ووفادتهم على النبيِّ صلى الله عليه وسلم، وقد ٱختلفتِ الرُّوَاةُ هِنَا: هَلْ هذا الجِنُّ هُمُ الوَفْدُ أوِ المُتَجَسِّسُونَ؟ واختلفتِ الرواياتُ أيضاً عنِ ابنِ مَسْعُودٍ وغيرهِ في هذا الباب. والتحرير في هذا أَنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم جاءه نَفَرٌ من الجِنِّ دون أَنْ يَشْعُرَ بهم، وهم المتجسِّسون المتفرِّقون من أَجْلِ رَجْمِ الشُّهُبِ الذي حَلَّ بِهِمْ، وهؤلاءِ هُمُ المرادُ بقوله تعالَىٰ: {أية : قُلْ أُوحِىَ إِلَىَّ... }تفسير : [الجن:1] ثم بعد ذلك وفد عليه وَفْدُهُمْ؛ حَسْبَمَا وَرَدَ في ذلك من الآثار. وقوله: {نَفَراً} يقتضي أَنَّ المصروفين كانوا رجالاً لا أنثى فيهم، والنَّفَرُ والرَّهْطُ هم: القوم الذين لا أُنْثَىٰ فيهم. وقوله تعالى: {فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُواْ أَنصِتُواْ} فيه تَأَدُّبٌ مع العلم، وتعليم كيف يُتَعَلَّمُ {فَلَمَّا قُضِىَ} أي: فرغ من تلاوة القرآنِ واستماع الجن، قال جابر بن عبد اللَّه وغيرُه: إنَّ النبي صلى الله عليه وسلم لَمَّا قَرَأَعليهم سورة «الرحمٰن» فكان إذَا قال: {أية : فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ }تفسير : [الرحمن:13] قالوا: لا بشَيْءٍ مِنْ آلائك نُكَذِّبُ، رَبَّنَا لَكَ الحَمْدُ، ولَمَّا وَلَّتْ هذه الجملةُ تفرَّقَتْ على البلاد مُنْذِرَةً لِلْجِنِّ، وقولهم: {إِنَّا سَمِعْنَا كِتَـٰباً} يَعْنُونَ: القرآن. * ت *: وقولهم: {مِن بَعْدِ مُوسَىٰ} يحتمل أَنَّهُمْ لم يعلموا بِعِيسَى؛ قاله ابن عباس، أوْ أَنَّهم على دِينِ اليهودِ، قاله عطاء؛ نقل هذا الثعلبيُّ، ويحتمل ما تَقَدَّم ذِكْرَه في غير هذا، وأَنَّهم ذكروا المُتَّفَقَ عليه، انتهى. {مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ} وهي التوراة والإنجيل، وداعي اللَّه هو محمَّدٌ صلى الله عليه وسلم {وَآمِنُواْ بِهِ} أي: باللَّه {يَغْفِرْ لَكُمْ مِّن ذُنُوبِكُمْ...} الآية. * ت *: وذكر الثعلبيُّ خلافاً في مُؤمني الجِنِّ، هل يُثَابُونَ على الطاعةِ ويدخُلُونَ الجَنَّة، أو يُجَارُونَ من النار فقطْ؟ اللَّه أعلم بذلك، قال الفخر: والصحيحُ أَنَّهم في حُكْمِ بني آدم يستحِقُّون الثوابَ على الطاعة، والعقابَ على المعصية، وهو قول مالك، وابن أبي لَيْلَىٰ؛ قال الضَّحَّاكُ: يدخلون الجنة، ويأكلون ويشربون، انتهى، وقد تَقَدَّمَ ما نقلناه عن البخاريِّ في سورة الأنعام؛ أَنَّهُمْ يُثَابُونَ. وقوله سبحانه: {وَمَن لاَّ يُجِبْ دَاعِىَ ٱللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ...} الآية: يحتملُ أَنْ يكون مِنْ تمامِ كلام المُنْذِرِين، ويحتمل أَنْ يكونَ من كلام اللَّه عزَّ وجلَّ، و«المُعْجِزُ»: الذاهبُ في الأَرض الذي يُعْجَزُ طالِبَهُ؛ فلا يَقْدِرُ عليه. وقوله سبحانه: {أَوَلَمْ يَرَوْاْ} الضمير لقريش؛ وذلك أَنَّهم أنكروا البعث وعَوْدَ الأجساد، وهُمْ مع ذلك معترِفُونَ بأَنَّ اللَّه تعالى خَلَقَ السَّمٰوَاتِ والأَرْضَ، فَأُقِيمَتْ عليهم الحُجَّةُ مِنْ أقوالهم * ص *: قال أبو حَيَّان: والباء في قوله: {بِقَادِرٍ} زائدةٌ،، انتهى.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {وَإِذْ صَرَفْنَآ إِلَيْكَ نَفَراً مِّنَ ٱلْجِنِّ...} الآية لما بين أن في الإنس مَنْ آمَنَ، ومنهم من كفر، بين أيضاً أن في الجن من آمن ومنهم من كفر، وأن مؤمنهم مُعَرّض للثواب، وأن كافرهم معرض للعقاب. قوله: {وَإِذْ صَرَفْنَآ} منصوب باذْكُرْ مقدراً. وقرىء: صَرفنا بالتشديد للتكثير "مِنْ الْجِنِّ" صفة لـ "نَفَراً" ويجوز أن يتعلق بـ "صَرْفَنا" و"مِنْ" لابتداء الغاية. قوله: "يسمعون" صفة أيضاً لنفراً، أو حال، لتخصصه بالصفة إن قلنا: إن "مِنَ الْجِنِّ" صفة له وراعى معنى النفر فأعاد عليه الضمير جمعاً، ولو راعى لفظه فقال: يستمع لجاز. قوله: {فَلَمَّا حَضَرُوهُ} يجوز أن تكون الهاء للقرآن وهو الظاهر، وأن تكون للرسول ـ صلى الله عليه وسلم وحينئذ يكون في الكلام التفات من قوله: "إلَيْكَ" إلى الغيبة في قوله "حَضَرُوهُ". قوله: {فَلَمَّا قُضِيَ} العامة على بنائه للمفعول، أي فرغ من قراءة القرآن وهو يؤيد عود "هاء" حضروه على القرآن. وأبو مِجْلزٍ وحبيب بن عبد الله قَضَى مبنياً للفاعل، أي أتم الرسول قراءته وهي تؤيد عودها على الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ. فصل ذكروا في كيفية هذه الواقعة قولين: الأول: قال سعيد بن جبير: كانت الجن تَسْتَمع، فلما رجموا قالوا: هذا الذي حدث في السماء إما حدث لشيء في الأرض؟ فذهبوا يطلبون السّبب. وكان قد اتفق أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لما أَيِسَ من أهله مكة أن يُجِيبُوه خرج إلى الطائف، ليَدْعُوَهُمْ إلى الإسلام فلما انصرف إلى مكة وكان ببطن مكة نخلة قام يقرأ القرآن، فمر به نفرٌ من أشراف (جِنِّ) نَصِيبِينَ، كان إبليس بعثهم ليعرف السبب الذي أوجب حراسة السماء بالرجم فسمعوا القرآن، فعرفوا أن ذلك هو السبب. والقول الثاني: أن الله تعالى أمر رسوله أن يُنْذِرَ الجنَّ ويدعوهم إلى الله تعالى ويقرأ عليهم القرآن فصرف إليه نفراً من الجن ليَسْتَمِعُوا منه القرآن، ويُنْذِرُوا قومهم (انتهى). فصل نقل القاضي في تفسيره أن الجنَّ كانوا يهوداً؛ لأن في الجن مِلَلاً كما في الإنس من اليهود والنَّصارَى والمجوس وعبدة الأوثان، وأطبق المحقِّقون على أن الجنة مكلفون. سئل ابن عباس: هل للجن ثواب؟. قال: نعم: لهم ثواب وعليهم عقاب يلتقون في أبواب الجنة ويزدَحِمُونَ على أبوابها. فصل قال الزمخشري: النَّفَرُ دون العَشَرَةِ ويجمع على "أَنْفَارٍ" روى الطبري عن ابن عباس أن أولئك الجنَّ كانوا سبعة نفر من أهل نصِيبِين، فجعلهم رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ رسلاً إلى قومهم. وعن زِرِّ بن حبيش كانوا تسعة، أحدهم زوبعة. وعن قتادة: ذكر لنا أنهم صرفوا إليه من نِينَوَى. واختلفت الروايات في أنه هل كان عبد الله بن مسعود مع النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ليلة الجن؟. فصل روى القاضي في تفسيره حديث : عن أنس قال:كنت مع النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهو بظاهر المدينة إذْ أَقْبَلَ شيخ يَتَوَّكأ علىعُكَّازِهِ فقال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنها لمشية جنِّيِّ،ـ ثم أتَى فسلم على النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ إنها لنغمةُ جِنِّيّ، فقال الشيخ: أَجَلْ يا رسول الله فقال له النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ من أَيِّ الجن أنت؟ قال يا رسول الله: أنا هَامُ بن هِيم بن لاقيس بن إبليس فقال له النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ: لا أدري بينك وبين إبليس إلا أبوين قال: أجل يا رسول الله. قال كم أتى عليك مِنَ العُمر. قال: أكلت عُمر الدنيا إلا القليل كنت حين قَتَلَ قابيلُ هابيلَ غلاماً ابن أعوام فكنت أَتَشَوفُ على الآكام، وأصْطََادُ الهَامَ وأُوْرِشُ بين الأنَام. فقال النبي ـ صلى الله عليه وسلم بئس العملُ قال يا رسول الله دعني من العتب، فإني ممن آمن مع نوحٍ ـ عليه الصلاة والسلام ـ وعاتبته في دعوته فبكا وأبكاني وقال: إني والله لَمِنَ النّادمين، وأعوذ بالله أن أكون من الجاهلين. ولَقِيتُ إبراهيم وآمنت به، وكنت بينه وبين الأرض إذ رُمِيَ به في المَنْجَنِيق، كنت معه في النار إذْ أُلْقِيَ فيها وكنت مع يوسف إذ أُلقِيَ في الجُبِّ فسبقته إلى قصره ولَقِيتُ موسى بْنَ عِمْرَان بالمكان الأثير. وكنت مع عيسى ابن مَرْيَمَ فقال لي: إن لَقِيتَ مُحَمَّداً فاقرأ عليه السلام (فـ) ـقال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وعليك يا هام ما حاجَتُكَ؟ قال: إن موسى ـ عليه الصلاة والسلام ـ علّمني التوراة وإن عيسى علمني الإنجيل، فعلّمني القرآن. قال أنس: فعَلَّمَهُ النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ عَشْرَ سُوَرٍ، وقُبِضَ رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ولم يَنْعِهِ إليناتفسير : . قال عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ ولا أراه إلا حيًّا. وروي أنه علمه سورة الواقعة، و{أية : عَمَّ يَتَسَآءَلُونَ}تفسير : [النبأ:1], و{أية : إِذَا ٱلشَّمْسُ كُوِّرَتْ}تفسير : [التكوير:1] و{أية : قُلْ يٰأَيُّهَا ٱلْكَافِرُونَ}تفسير : [الكافرون:1] وسورة الإخلاص والمُعَوِّذَتَين. فصل اختلفوا في عدد النفر، فقال ابن عباس ـ (رضي الله عنهما) ـ كانوا سبعة وقد تقدم، وقيل: كانوا تسعةً. وروى عاصم عن زِرِّ بن حُبَيْش كان زوبعة من التسعة الذين استمعوا القرآن، فلما حضروه قالوا أنصتوا أي قال بعضهم لبعض أنصتوا أي اسْكُتُوا مستمعين يقال: أَنْصَتَ لِكَذَا، واسْتَنْصَتُّ لَهُ. روي في الحديث أن الجنة ثلاثة أصناف، صنف لهم أجنحة يطيرون في الهواء، وصنف حيَّاتٍ وكِلاَب، وصنف يحلّون ويظْعَنُون. ثم إنهم لما استمعوا القرآن حتى فرغ من تلاوته {وَلَّوْاْ إِلَىٰ قَوْمِهِم} انصرفوا إليهم "مُنْذِرِينَ" مخوفين داعين بأمر رسول الله ـ صلى لله عليه وسلم ـ وذلك لا يكون إلا بعد إيمانهم، لأنهم لا يَدْعُونَ غيرهم إلى سماع القرآن، والتصديق به، إلا وقد آمنوا. وعند ذلك {قَالُواْ يٰقَوْمَنَآ إِنَّا سَمِعْنَا كِتَاباً أُنزِلَ مِن بَعْدِ مُوسَىٰ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ} أي لكتب الأنبياء، وذلك أن كتب سائر الأنبياء كانت مشتملةً على الدعوة إلى التوحيد والدعوة إلى النبوة والمَعَاد وتطهير الأخلاق، وكذلك هذا الكتاب مشتمل على هذه المعاني وهو معنى قوله {يَهْدِيۤ إِلَى ٱلْحَقِّ وَإِلَىٰ طَرِيقٍ مُّسْتَقِيمٍ}. فإنْ قيل: كيف قالوا: من بعد موسى، ولم يقولوا: من بعد عيسى؟. فالجواب: أنه روي عن عطاءٍ والحسن أنه كان دينهم اليهودية فلذلك قالوا: إنا سمعنا كتاباً أنزل بعد موسى. وعن ابن عباس ـ (رضي الله عنهما) ـ أن الجنَّ ما سمعت أمر عيسى فلذلك قالوا: من بعد موسى ثم إن الجن لما وصفوا القرآن بهذه الصفات الفاضلة قالوا "يا قومنا أجيبوا دَاعِيَ الله" يعني محمَّداً ـ صلى الله عليه وسلم ـ. فصل دلت هذه الآية على أنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان مبعوثاً إلى الجِنِّ كما كان مبعوثاً إلى الإنْسِ. قال مقاتل: لم يبعث الله نبياً إلى الإنس وإلى الجن قبله. فإن قيل: قوله {أَجِيبُواْ دَاعِيَ ٱللَّهِ} أمر بإجابته في كل ما أمر به فيدخل فيه الأمر بالإيمان فكيف قال: "وآمنوا به"؟. فالجواب: أفاد ذكر الإيمان على التعيين، لأنه أهم الأقسام وِأشرفها وقد جرت عادة القرآن الكريم بأنه يذكر اللفظ العام ثم يعطف عليه أشرف أنواعه، كقوله: {أية : وَمَلاۤئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ}تفسير : [البقرة:98] وقوله {أية : وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ ٱلنَّبِيِّيْنَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِن نُّوحٍ}تفسير : [الأحزاب:7] ولما أمر بالإيمان به ذكر فائدة ذلك الإيمان فقال: {يَغْفِرْ لَكُمْ مِّن ذُنُوبِكُمْ} قال بعضهم: كلمة "من" هنا زائدة والتقدير: يغفر لكم ذُنُوبَكُمْ، وقيل: بل فائدته أن كلمة "من" هنا لابتداء الغاية والمعنى أنه يقع ابتداء الغفران بالذنوب ثم ينتهي إلى عَفْوِ ما صدر عنكم من ترك الأَوْلَى والأكمل. ويجوز أن تكون تبعيضيةً. قوله: {وَيُجِرْكُمْ مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} قال ابن عباس ـ (رضي الله عنهما) ـ فاستجاب لهم من قومهم نحو سبعينَ بَعْلاً من الجن فَرَجَعُوا إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فوافقوه في البَطْحَاء فقرأ عليهم القُرْآنَ وأمرهم ونَهَاهُمْ. فصل اختلفوا في أن الجن هل لهم ثواب أم لا؟ فقيل: لا ثَوَابَ لهم إلا النجاة من النار، ثم يقال لهم: كُونُوا تراباً مثلَ البهائم. واحتجوا على ذلك بقوله: (ويُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ) وقو قول أبي حنيفة والصحيح أن حكمهم حكم بني آدم يستحقون الثواب على الطاعة والعقاب على المعصية. وهو قولُ ابن أَبِي لَيْلَى ومَالِكٍ وتقدم عن ابن عباس أيضاً نحوُ ذلِكَ. قال الضحاك: يدخلون الجنة، ويأكلون ويشربون، لأن كل دليل دل على أن البشر يستحقون الثواب على الطاعة فهو بعينه قائم في حقِّ الجنِّ. والفرق بينهما بَعيداً جِدًّا، وذكر النقاش في تفسيره حديثاً أنهم يدخلون الجنة. فقيل: هل يصيبون من نعيمها؟ قال: يُلْهِمُهُم اللهُ تسبيحهُ وذِكْرَه فيصيبهم من لذته ما يصيب بني آدم من نعيم الجنة. وقال أَرطَأَةُ بْنُ المُنْذِر: سألت ضمرةَ بن حبيب هل للجن ثواب؟ ققال: نعم وقرأ: {أية : لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلاَ جَآنٌّ}تفسير : [الرحمن:56]. وقال عمر بن العزيز: إن مؤمني الجنِّ حول الجنة في رَبَض وَرِحابٍ ولُبْسٍ فيها. قوله: ومن لا يجب داعي الله فليس بمعجز في الأرض أي لا يعجز الله فيفوته {وَلَيْسَ لَهُ مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءُ} أنصار يمنعونه من الله {أُوْلَـٰئِكَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ}. قوله تعالى: {أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّ ٱللَّهَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ..} اعلم أنه تعالى قرر من أول سورة إلى ههنا أمر التوحيد والنبوة. ثم ذكر ههنا تقرير القادر من تأمل في ذلك علم أن المقصود من القرآن كله تقرير هذه الأصول الثلاثة. واعلم أن المقصود من هذه الآية الدلالة على كونه تعالى قادراً على البعث، لأنه تعالى أمام الدليل على خلق السموات والأرض وخلقها أعظم من أعادة هذا الشّخص حيًّا بعد أن كان ميِّتاً، والقادر على الأكمل لا بدّ وأن يكون قادراً على ما دونه. قوله: {وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ} العامة على سكون العين وفتح الياء مضارع "عَيِيَ" بالكسر يَعْيَا ـ بالفتح ـ فلما دخل الجازم حذف الألف. وقرأ الحسن يَعِي بكسر العين وسكون الياء. قالوا: وأصلها عَيِيَ بالكسر فجعل الكسر فتحة، على لغة طَيِّىء فَصَار "عَيَا"، كما قالوا في بَقِي: بَقَا. ولما بنى الماضي على "فَعَلَ" بالفتح جاء مضارعه على يَفْعِلُ بالكسر فصار يَعْيي مثل يَرْمِي، فلما دخل الجَازم حذف الياء الثانية فصار: لَمْ يَعْيِ بعين ساكنة وياءٍ مكسورة، ثم نقل حركة الياء إلى العين فصار اللفظ كما تَرَى. وقد تقدم أن عَيِيَ وحَيِيَ فيها لغتان، الفَكّ والإدغام. فأما حَيِيَ فتقدَّمَ في الأنفال و (أما) عَيِيَ فكقوله: شعر : 4460ـ عَيّوا بأمْرِهِمْ كمَا عَيْـ ـيَتْ ببيضَتِهَا الحَمَامَهْ تفسير : والعي عدم الاهتداء إلى جهةٍ. ومنه العَيُّ في الكلام، وعَيِيَ بالأَمر إذا لم يهتد لوجهه. قوله: "بِقَادِرٍ" الباء زائدة وحَسَّنَ زيادتَها كَوْنُ الكلام في قوة "أَلَيْسَ اللهُِ بِقَادرٍ". قال أبو عبيدة، والأخفش: الباء زائدة للتوكيد، كقوله: {أية : تَنبُتُ بِٱلدُّهْنِ}تفسير : [المؤمنون:20] وقاس الزجاج "مَا ظَنَنْتُ أَنَّ أحداً بِقَائِمٍ" عَلَيْهَا. والصحيح التوقف. وقال الكسائي والفراء العرب تدخل الباء في الاستفهام فتقول: ما أظُنُّكَ بقائمٍ. وقرأ عيسى، وزيد بن علي "قَادِرٌ" بغير ياء. قوله: "بلى" إيجاب لما تضمنه الكلام من النفي في قوله: {أَوَلَمْ يَرَوْاْ}. قوله تعالى: {وَيَوْمَ يُعْرَضُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ عَلَىٰ ٱلنَّارِ} فيقال لهم: أَلْيسَ هَذا بالْحَقِّ قَالُوا بَلَى فقوله: أليس هذا معمول لقول مضمر هو حال كما تقدم في نظيره. والمقصود من هذا الاستفهام التهكم والتوبيخ على استهزائهم بوعد الله تعالى ووعيده. فيقال لهم {فَذُوقُواْ ٱلْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ}. قوله تعالى: {فَٱصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ ٱلْعَزْمِ مِنَ ٱلرُّسُلِ} الفاء في قوله "فَاصْبِر" عاطفة هذه الجملة على ما تقدم، والسببية فيها ظاهرة. واعلم أنه تعالى لما قرر المَطَالِبَ الثَّلاثَة وهي التوحيد والنبوة وأجاب عن الشبهات أردفه بما يجري مجرى الوعظ والنصيحة للرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ وذلك لأن كانوا يؤذونه ويُوجِسُون صدره فقال تعالى: {فَٱصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ ٱلْعَزْمِ} أي أُولو الجِدِّ والصَّبْر والثَّبَات وقال ابن عباس ـ (رضي الله عنهما) ـ أولو الحَزْم. قوله: {مِنَ ٱلرُّسُلِ} يجوز أن تكون من تبعيضية، وعلى هذا فالرُّسُلُ أَولُو عَزْم وَغيرُ أُولِي عَزْمٍ. ويجوز أن يكون للبيان فكلهم على هذا أُولو عَزْم. قال ابن زيد: كُلّ الرُّسُلِ كانوا أولى عزم ولم يبعث الله نبياً إلا كان ذَا عَزْم وحَزْمٍ، ورأي وكمال عقل. وإنما دخلت مِنْ للتَّجْنِيس لا للتبعيض كما يقال اشتريت (أكسية) من الخَزِّ وأَرْدِيَةً من البزّ. وقيل: الأنبياء كلهم أولو العزم إلا يُونُسَ لعجلة كانت منه، ألا ترى أنه قيل للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ: {أية : وَلاَ تَكُن كَصَاحِبِ ٱلْحُوتِ}تفسير : [القلم:48] وقيل هم نُجَبَاء الرسل، وهم المذكورون في سورة الأنعام، وهم ثَمَانِيَةَ عَشَرَ لقوله بعد ذكرهم: {أية : أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ ٱقْتَدِهْ} تفسير : [الأنعام:90]. وقال الكلبي: هم الذين أمروا بالجهاد، وأظهروا المكاشفة مع أعداء الدين وقيل: هم ستة: نوحٌ, وهودٌ، وصالحٌ، ولوطٌ، وشعيبٌ، ومُوسَى، وهم المذكورون على النَّسقِ في سورة الأعْراف والشُّعَرَاءِ. وقال مقاتل: هم ستة، نوح صبر على أذى قومه، كانوا يضربونه حتى يُغْشَى عَلَيْه، وإبراهيم صَبَرَ على النار وذبْح الوَلَد، وإسحاق صبر على الذبح، ويعقوب، صبر على فَقْد ولده، وذَهَابِ بصره، ويوسفُ صبر في الجُبِّ والسِّجْن، وأيوبُ صبر على الضُرِّ. وقال ابن عباس وقتادة: هم نوح، وإبراهيم، وموسى وعيسى أصحاب الشرائع، فهم مع مُحَمَّد خمسة. قال البغوي: ذكرهم الله على التخصيص في قوله: {أية : وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ ٱلنَّبِيِّيْنَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِن نُّوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَى ٱبْنِ مَرْيَمَ}تفسير : [الأحزاب:7] وفي قوله: {أية : شَرَعَ لَكُم مِّنَ ٱلدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحاً}تفسير : [الشورى:13] الآية روي أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال لعائشة: يا عائشةُ إن الله لم يرض لأولي العزم إلا بالصّبر على مكروهها، والصبر على محبوبها لم يرضَ إلا ان كلفني ما كلفهم قال: {فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل}، وإني والله لا بدّ لي من طاعة، والله لأصبرنَّ كما صَبَرُوا وأَجْهَدَنَّ ولا قوة إلا بالله. قوله: {وَلاَ تَسْتَعْجِل لَّهُمْ} العذاب فإنه نازل بهم. قيل: إن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ضجر من قومه بعضَ الضَّجَر، وأحبَّ أن ينزل الله العذاب بمن أبى من قومه، فأمر بالصبر، وترك الاستعجال. ثم أخبر أن ذلك العذاب إذ أنزل بهم يستقصرون مدة لبثهم في الدنيا حتى يحسبونها ساعة من نهار فقال: {كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ} من العذاب {لَمْ يَلْبَثُوۤاْ إِلاَّ سَاعَةً مِّن نَّهَارٍ} إذا عاينوا العذاب صار طُول لَبْثهِمْ في الدنيا والبْرزَخ كأنه ساعةٌ من النهار، أو كان لم يكن لهول ما عاينوا، لأن ما مضى وإن كان طويلاً صار كأنه لم يكن، قال الشاعر: شعر : 4461ـ كَأَنَّ شَيْئاً لَمْ يَكُنْ إذَا مَضَى كَأَنَّ شَيْئاً لَمْ يَكُنْ إذَا أَتَى تفسير : واعلم أنه تم الكلام ههنا. قوله: "بلاغ" العامة على رفعه. وفيه وجْهَان: أحدهما: أنه خبر مبتدأ محذوف، فقدره بعضهم: تلكَ الساعةُ بلاغٌ، لدلالة قوله: {إِلاَّ سَاعَةً مِّن نَّهَارٍ}. وقيل: تقديره هذا أي القرآن والشرع بلاغٌ من الله إليكم. والثاني: أنه مبتدأ والخبر قوله "لَهُمْ" الواقع بعد قوله {وَلاَ تَسْتَعْجِل} أي لهم بلاغ فيوقف على "ولا تستعجل". وهو ضعيف جداً، للفصل بالجملة التشبيهية، ولأن الظاهر تَعَلُّق "لهم" بالاسْتِعْجَالِ فهو يشبه الهيئة والقطع. وقرأ زيد بن علي والحسن وعيسى "بلاغاً" نصباً على المصدر أي بلِّغ بلاغاً. ويؤيده قراءة ابن مِجْلَزِ "بَلِّغْ" أمراً. وقرأ أيضاً "بَلَّغَ" فعلاً ماضياً. ويؤخذ من كلام مَكِّيٍّ أنه يجوز نصبه نعتاً "لِسَاعَةِ" فإنه قال: "ولو قرىء بلاغاً بالنصب على المصدر، أو على النعت لساعة جاز". وكأنه لم يطلع على ذلك قراءة. وقرأ الحسن أيضاً: بَلاَغٍ بالجر، ويُخَرِّج على الوصف لـ "نَهَار" على حذف مضاف أي من نهارٍ ذي بلاغ، أو وصف الزمان بالبلاغ مبالغةً. والبلاغ بمعنى التَّبلْيغ. قوله: "فهل يهلك" العام على بنائه للمفعول. وابن محيصن يَهْلِكُ ـ بفتح الياء وكسر اللام ـ مبنياً للفاعل. وعنه أيضاً فتح اللام وهي لغةٌ والماضي هَلِكَ، بالكسر. قال ابن جني: "كُلٌّ مَرْغُوبٌ عَنْهَا". وزيد بن ثابت: بضم الياء وكسر اللام، فالفاعل هو الله تعالى. "القَوْمَ الفَاسِقِينَ". نصباً على المفعول به. وقرىء: "نَهْلِكُ" بالنو وكسر اللام ونصب "الْقَوْم". فصل المعنى فهل يهلك بالعذاب إذا نزل إلاّ القَوْم الفاسقون الخارجون عن أمر الله قال الزجاج: تأويله لا يَهْلِكُ مع رحمة الله وفضْلِهِ إلاَّ القَوْم الفاسقون، ولهذا قال قومٌ: مَا فِي الرَّجَاءِ لِرَحْمَةِ الله أقْوَى مِنْ هذه الآية. روى أبيّ بن كعب (ـ رضي الله عنه) ـ قال: قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: "حديث : مَنْ قَرَأَ سُورَة الأَحْقَافِ أُعْطِيَ مِنَ الأَجْرِ بِعَدَدِ كُلِّ رَمْلٍ فِي الدُّنْيَا عَشْرَ حَسَنَاتٍ ومُحِيَ عَنْهُ عَشْرُ سَيِّئاتٍ ورُفِعَ لَهُ عَشْرُ دَرَجَاتٍ"تفسير : . (اللَّهُمَّ تَوفَّنَا مُسْلِمِينَ).
السيوطي
تفسير : أخرج أحمد وابن أبي حاتم وابن مردويه عن الزبير {وإذ صرفنا إليك نفراً من الجن يستمعون القرآن} قال: بنخلة، قال: ورسوله صلى الله عليه وسلم يصلي العشاء الآخرة كادوا يكونون عليه لبداً. وأخرج ابن أبي شيبة وابن منيع والحاكم وصححه، وابن مردويه وأبو نعيم والبيهقي معاً في الدلائل عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: هبطوا على النبي صلى الله عليه وسلم، وهو يقرأ القرآن ببطن نخلة، فلما سمعوه قالوا: أنصتوا قالوا: صه، وكانوا تسعة أحدهم زوبعة، فأنزل الله {وإذ صرفنا إليك نفراً من الجن} إلى قوله {ضلال مبين} . وأخرج ابن جرير والطبراني وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما {وإذ صرفنا إليك نفراً من الجن يستمعون القرآن} الآية قال: كانوا تسعة عشر من أهل نصيبين فجعلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم رسلاً إلى قومهم. وأخرج الطبراني في الأوسط وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: صُرِفَتِ الجن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مرتين، وكان أشراف الجن بنصيبين. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وأبو نعيم في الدلائل عن ابن عباس رضي الله عنهما {وإذ صرفنا إليك نفراً من الجن} قال: كانوا من أهل نصيبين أتوه ببطن نخلة. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وأبو الشيخ في العظمة عن ابن مسعود رضي الله عنه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم:"حديث : بت الليلة أقرأ على الجن رفقاً بالحجون ". تفسير : وأخرج البخاري ومسلم وابن مردويه عن مسروق قال: سألت ابن مسعود من آذن النبي صلى الله عليه وسلم بالجن ليلة استمعوا القرآن قال: آذنته بهم شجرة. وأخرج ابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه سئل أين قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم على الجن فقال: قرأ عليهم بشعب يقال له الحجون. وأخرج عبد بن حميد وأحمد ومسلم والترمذي عن علقمة قال: قلت لابن مسعود رضي الله عنه: هل صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الجن منكم أحد؟ قال: ما صحبه منا أحد، ولكنا فقدناه ذات ليلة فقلنا اغتيل استطير ما فعل، قال: فبتنا بشر ليلة بات بها قوم فلما كان في وجه الصبح إذا نحن به يجيء من قبل حرا، فأخبرناه فقال: إنه أتاني داعي الجن فأتيتهم فقرأت عليهم القرآن فانطلق فأرانا آثارهم وآثار نيرانهم. وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة في قوله {وإذ صرفنا إليك نفراً من الجن} قال: هم اثنا عشر ألفاً من جزيرة الموصل. وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله {وإذ صرفنا إليك نفراً من الجن} قال: كانوا سبعة ثلاثة من أهل حران وأربعة من نصيبين، وكانت أسماؤهم حسى ومسى وشاصر وماصر والارد واينان والأقحم وسرق. وأخرج الطبراني والحاكم وابن مردويه عن صفوان بن المعطل قال: خرجنا حجاجاً فلما كنا بالعرج إذا نحن بحية تضطرب فما لبث أن ماتت فلفها رجل في خرقة ودفنها، ثم قدمنا مكة فإنا لبالمسجد الحرام إذ وقف علينا شخص فقال: أيكم صاحب عمرو؟ قلنا: ما نعرف عمراً. قال: أيكم صاحب الجان؟ قالوا: هذا. قال: أما أنه آخر التسعة موتاً الذين أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يستمعون القرآن. وأخرج أبو نعيم في الدلائل والواقدي عن أبي جفعر رضي الله عنه قال: قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم الجن في ربيع الأول سنة إحدى عشر من النبوة. وأخرج الواقدي وأبو نعيم عن كعب الأحبار رضي الله عنه قال: لما انصرف النفر التسعة من أهل نصيبين من بطن نخلة وهم فلان وفلان وفلان والأرد واينان والأحقب جاؤوا قومهم منذرين فخرجوا بعد وافدين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم ثلثمائة فانتهوا إلى الحجون، فجاء الأحقب فسلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: إن قومنا قد حضروا الحجون يلقونك فواعده رسول الله صلى الله عليه وسلم لساعة من الليل بالحجون والله أعلم.
ابو السعود
تفسير : {وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَراً مّنَ ٱلْجِنّ} أمَلْناهم إليكَ وأقبلنا بهم نحوَكَ. وقُرِىءَ صرَّفَنا بالتشديدِ للتكثيرِ، لأنَّهم جماعةٌ، وهُو السرُّ في جمعِ الضميرِ في قولِه تعالى {يَسْتَمِعُونَ ٱلْقُرْءانَ} وما بعدَهُ، وهو حالٌ مقدرةٌ من نفراً لتخصصِه بالصفةِ، أو صفةٌ أُخرى لَه أي واذكُرْ لقومِكَ وقتَ صَرَفنا إليكَ نفراً كائناً من الجنِّ مقدَّراً استماعَهم القُرانَ. {فَلَمَّا حَضَرُوهُ} أي القرآنَ عند تلاوتهِ أو الرسولَ عند تلاوتِه له على الالتفاتِ والأولُ هو الأظهرُ. {قَالُواْ} أي قالَ بعضُهم لبعضٍ {أَنصِتُواْ} أي اسكتُوا لنسمعهُ {فَلَمَّا قُضِىَ} أُتمَّ وفُرغَ عن تلاوتِه، وقُرِىءَ على البناءِ للفاعلِ وهو ضميرُ الرسولِ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ وهذا يؤيدُ عودَ ضميرِ حضروه إليهِ عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامِ. {وَلَّوْاْ إِلَىٰ قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ} مقدِّرينَ إنذارَهُم عند رجوعِهم إليهم. رُويَ أنَّ الجِنَّ كانتْ تسترق السمعَ فلما حُرستِ السماءُ ورُجموا بالشهبِ قالُوا ما هَذا إلا لنبأٍ حدثَ فنهضَ سبعةُ نفرٍ أو ستةُ نفرٍ من أشرافِ جنِّ نصيبـينَ أو نِينَوى، منُهم زوبعةُ فضربُوا حتى بلغوا تِهامةَ ثم اندفعُوا إلى وادِي نخلةَ فوافَوا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم وهو قائمٌ في جوفِ الليلِ يُصلِّي أو في صلاةِ الفجرِ فاستمعُوا لقراءتِه وذلكَ عند منصرفِه من الطائفِ. و « حديث : عن سعيدِ بنِ جُبـيرٍ: ما قرأَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم على الجِنِّ ولا رآهُم وإنَّما كان يتلُو في صلاتِه فمرُّوا به فوقفُوا مستمعينَ وهو لا يشعرُ بهم فأنبأهُ الله تعالَى باستماعِهم. وقيلَ: بلْ أمرَهُ الله تعالى أنْ ينذرَ الجنَّ ويقرأَ عليهمِ فصرفَ إليه نَفَراً منهم جمعَهُم له فقالَ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ: "إنِّي أُمرتُ أنْ أقرأَ على الجنِّ الليلةَ فمن يتبعُني قالَها ثلاثاً" فأطرقُوا إلا عبدَ اللَّهِ بنَ مسعودٍ رضيَ الله عنْهُ قالَ فانطلقنَا حتَّى إذَا كُنَّا بأعلى مكةَ في شِعب الجحونِ خطَّ لي خطَّاً، فقالَ: "لا تخرجْ منه حتَّى أعودَ إليكَ" ثم افتتحَ القرآنَ وسمعتُ لغطاً شديداً حتَّى خفتُ على رسولِ الله صلى الله عليه وسلم وغشيْتُه أسودةٌ كثيرة حالتْ بـيني وبـينَهُ حتى ما أسمعُ صوتَهُ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ ثم انقطعُوا كقطعِ السحابِ فقالَ لي رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "هلْ رأيتَ شيئاً" قلتُ نعم رجالاً سُوداً مستشعرِي ثيابٍ بـيضٍ فقالَ: "أولئكَ جنُّ نَصيبـينَ وكانُوا اثني عشرَ ألفاً » تفسير : والسورةُ التي قرأَها عليهم اقرأْ باسمِ ربِّك. {قَالُواْ} أي عندَ رجوعِهم إلى قومِهم {يٰقَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَـٰباً أُنزِلَ مِن بَعْدِ مُوسَىٰ} قيلَ: قالُوه لأنَّهم كانُوا على اليهوديةِ. وعنِ ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهُمَا: إنَّ الجنَّ لم تكُن سمعت بأمرِ عِيْسَى عليه السَّلامُ. {مُصَدّقاً لّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ} أرادُوا به التوراةَ {يَهْدِى إِلَى ٱلْحَقّ} من العقائدِ الصحيحةِ {وَإِلَىٰ طَرِيقٍ مُّسْتَقِيمٍ} مُوصلٍ إليهِ وهُو الشَّرائعُ والأعمالُ الصالحةُ.
السلمي
تفسير : قال تعالى: {فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوۤاْ أَنصِتُواْ} [الآية: 29]. سمعت الشيخ أبا سهل رضى الله عنه يقول: ليس فى الحضرة إلا الذبول والخمود والسكوت تحت موارد الهيبة قال الله تعالى: {فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوۤاْ أَنصِتُواْ}. سمعت النصرآباذى يقول: هيبة المشاهدة إذا طالعت السرائر بحق يقيناً لخرست الألسن من النطق فى ذلك المشهد كالجن لما حضرت النبى صلى الله عليه وسلم فأراد أن يقرأ عليهم أوصى بعضهم بعضاً بالإنصات {فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوۤاْ أَنصِتُواْ}. قال الواسطى رحمة الله عليه: لما شاهدوا عز الربوبية ظاهراً فى أوصاف الربوبية أخرسهم المشهد لشدة الهيبة. قال الحسين: أعلى ما أشار إليه الخلق العرش ثم انقطعت الإشارة والعبارة لأنه وراء الإشارة والعبارة قال الله تعالى: {فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوۤاْ أَنصِتُواْ} أى انقطعوا عن العبارات التى يعود إليكم أولها وآخرها، وحارسةُ نظر إلى العرض فأخبر ولو نظر إلى رب العرش لخرس لقوله: {أَنصِتُواْ} لأنه مباين لكل ما خلق لا يسعه غيره ولا يحجبه سواه.
القشيري
تفسير : كان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم مبعوثاً إلى الجنِّ كما كان مبعوثاً إلى الإنس. وإن قوماً أتوه ليلة الجن وآمنوا به، ورجعوا إلى قومهم فأخبروهم، وآمن قومٌ منهم، فاليومَ في الجن مؤمنون، وفيهم كافرون. {فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوۤاْ أَنصِتُواْ} الصيحةُ على الباب وفوق البساط غيبةٌ؛ ولهذا لما حضر الجنُّ بساطَ خدمته - صلى الله عليه وسلم - تواصوا فيما بينهم بحفظ الأدب، وقالوا لما حضروا بساطَه: {أَنصِتُواْ}، فأهلُ الحضور صفتُهم الذبولُ والسكونُ، والهيبة والوقار. والثورانُ أو الإنزعاجُ يدل على غيبة أو قِلّةِ تيقُّظِ أو نقصان اطلاع. {فَلَمَّا قُضِيَ} يعني الوحي {وَلَّوْاْ إِلَىٰ قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ} وأخبروهم بما رأوه وسمعوه.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوۤاْ أَنصِتُواْ} ان وصف الله اهل معرفته من الجن كيف حبست السنتهم هيبة الخطاب وحشمة المشاهدة وهكذا من البس انوار الهيبة والعظمة يخرس لسانه عن الانبساط والمخاطبة وافشاء السر وهذا بعد شهود القلوب انوار الغيوب بنعت اصفاء الاسرار الى وقوع الخطاب وكشف النقاب قال محمد بن سليمان ليس فى مقام الحضرة الا الخمول والذبول والسكون تحت موارد الهيبة قال الله فلما حضروه قالوا انصتوا قال النصر ابادى هيبة المشاهدة اذا طلعت السرائر بحقايقها اخرست الالسن عن المنطق فى ذلك المشهد كالجن لما حضروا النبى صلى الله عليه وسلم فاراد ان يقرأ عليهم اوصى بعضهم بعضا بالانصاف فلما حضروه قالوا انصتوا وقال الواسطى شاهدوا اعز الربوبية ظاهر فى اوصاف البشرية اخرسهم المشبه لشدة الهيبة.
اسماعيل حقي
تفسير : {واذ صرفنا اليك نفرا من الجن} املناهم اليك واقبلنا بهم نحوك والنفر دون العشرة وجمعه انفار قال الراغب النفر عدة رجال يمكنهم النفر اى الى الحرب ونحوها والجن بعض الروحانيين وذلك ان الروحانين ثلاثة اخيار وهم الملائكة واشرار وهم الشياطين واوساط فيهم اخيار واشرار وهم الجن قال سعيد بن المسيب الملائكة ليسوا بذكور ولا اناث ولا يتوالدون ولا يأكلون ولا يشربون والشياطين ذكور واناث يتوالدون ولا يموتون بل يخلدون فى الدنيا كما خلد ابليس والجن يتوالدون وفيهم ذكور واناث ويموتون. يقول الفقير يؤيده ما ثبت ان فى الجن مذاهب مختلفة كالانس حتى الرافضى ونحوه وان بينهم حروبا وقتالا ولكن يشكل قولهم ابليس هو ابو الجن فانه يقتضى ان لا يكون بينهم وبين الشياطين فرق الا بالايمان والكفر فاعرف {يستمعون القرءَان} حال مقدرة من نفرا لتخصيصه بالصفة او صفة اخرى له اى واذكر لقومك وقت صرفنا اليك نفرا كائنا من الجن مقدرا استماعهم القرءآن {فلما حضروه} اى القرءآن عند تلاوته {قالوا} اى قال بعضهم لبعض {انصتوا} الانصات هو الاستماع الى الصوت مع ترك الكلام اى اسكتوا لسمعه وفيه اشارة الى ان من شأنهم فضول الكلام واللغط كالانس ورمز الى الحرص المقبول قال بعض العارفين هيبة الخطاب وحشمة المشاهدة حبست السنتهم فانه ليس فى مقام الحضرة الا الخمول والذبول {فلما قضى} اتم وفرغ من تلاوته {ولوا الى قومهم منذرين} انصرفوا الى قومهم مقدرين انذارهم عند رجوعهم اليه يعنى آمنوا به واجابوا الى ما سمعوا ورجعوا الى قومهم منذرين ولا يلزم من رجوعهم بهذه الصفة ان يكونوا رسل رسول الله عليه السلام اذ يجوز ان يكون الرجل نذيرا ولا يكون نبيا او رسولا من جانب احد فالنذارة فى الجن من غير نبوة وقد سبق بقية الكلام فى سورة الانعام عند قوله تعالى {أية : يا معشر الجن والانس} تفسير : الآية روى ان الجن كانت تسترق السمع فلما حرست السماء ورجموا بالشهب قالوا ما هذا الا لنباء حدث فنهض سبعة نفر او ستة نفر من اشراف جن نصيبين ورؤسائهم ونصيبين بلد قاعدة ديار ربيعة كما فى القاموس وقال فى انسان العيون هى مدينة بالشام وقيل باليمن اثنى عليها رسول الله عليه السلام بقوله "حديث : رفعت الى نصيبين حتى رأيتها فدعوت الله ان يعذب نهرها وينضر شجرها ويكثر مطرها" تفسير : وقيل كانوا من ملوك جن نينوى بالموصل واسماؤهم على ما فى عين المعانى شاصر ناصر دس مس از دادنان احقم وكفته اندنه عدد بود وهشتم عمرو ونهم سرق وزوبعة بفتح الزاى المعجمة والباء الموحدة از ايشان بوده واوبسر ابليس است وقال فى القاموس الزوبعة اسم شيطان او رئيس الجن فتكون الاسماء عشرة لكن الاحقم بالميم او الاحقب بالباء وصف لواحد منهم لا علم وقال ابن عباس رضى الله عنهما تسعة سليط شاصر ماصر حاصر حسا مسا عليم ارقم ادرس فضربوا فى الارض حتى بلغوا تهامة وهى بالكسر مكة شرفها الله تعالى وارض معروفة لا بلد كما فى القاموس ثم اندفعوا الى وادى نخلة عند سوق عكاظ ونخلة محلة بين مكة والطائف ونخلة الشامية واليمانية واديان على ليلة من مكة وعكاظ كغراب سوق بصحرآء بين نخلة والطائف كانت تقوم هلال ذى القعدة وتستمر عشرين يوما تجتمع قبائل العرب فيتعاكظون اى يتفاخرون ويتناشدون ومنه الاديم العكاظى فوافوا اى نفر الجن رسول الله صلى الله عليه وسلم اى صادفوه ووجدوه وهو قائم فى جوف الليل يصلى اى فى وسطه وكان وحده او معه مولاه زيد بن حارثة رضى الله عنه وفى رواية يصلى صلاة الفجر اذ كان اذ ذاك مأمورا بركعتين بالغداة وبركعتين بالعشى فهى غير صلاة الفجر التى هى احدى الخمس المفترضة ليلة الاسرآء اذ الحيلولة بين الجن وبين خبر السماء بالشهب كانت فى اوآئل الوحى وليلة الاسرآء كانت بعد ذلك بسنين عديدة فاستمعوا القراءته عليه السلام وكان يقرا طه وذلك عند منصرفه من الطائف حين خرج اليهم يستنصرهم على الاسلام والقيام على من خالفه من قومه فلم يجيبوه الى مطلوبه واغروا به سفهاءهم فآذوه عليه السلام اذى شديدا ودقوا رجليه بالحجارة حتى ادموها كما سبق نبذة منه فى آخر التوبة وكان اقام بالطائف يدعوهم عشرة ايام وشهرا واقام بنخلة اياما فلما اراد الدخول الى مكة حديث : قال له زيد كيف تدخل عليهم يعنى قريشا وهم قد اخرجوك اى كانوا سببا لخروجك وخرجت لتستنصرهم فلم تنصر فقال "يا زيد ان الله جاعل لما ترى فرجا ومخرجا وان الله ناصر دينه ومظهر نبيه" تفسير : فسار عليه السلام الى جبل حرآء وبعث الى مطعم بن عدى وقد مات كافرا قبل بدر بنحو سبعة اشهر يقول له انى داخل مكة فى جوارك فأجابه الى ذلك فدخل عليه السلام مكة ثم تسلح مطعم وبنوه وهم ستة او سبعة وخرجوا حتى اتوا المسجد الحرام فقام مطعم على راحلته فنادى يا معشر قريش انى قد اجرت محمدا فلا يؤذيه احد منكم ثم بعث الى رسول الله عليه السلام ان ادخل فدخل وطاف بالبيت وصلى عنده ثم انصرف الى منزله ومطعم وولده مطيفون به وكان من عادة العرب حفظ الجوار ولذا قال ابو سفيان لمطعم اجرنا من اجرت ثم ان مرور الجن به عليه السلام فى هذه القصة ووقوفهم مستمعين لم يشعر به عليه السلام ولكن انبأه الله باستماعهم وذكر اجتماعهم به عليه السلام فى مكة مرار فمن ذلك ما حديث : روى ان النفر السبعة من الجن لما انصرفوا من بطن نخلة جاؤوا الى قومهم منذرين ثم جاؤا مع قومهم وافدين الى رسول الله عليه السلام وهو بمكة وهم ثلاثمائة او اثنا عشر ألفا فانتهوا الى الحجون وهو موضع فيه مقابر مكة فجاء واحد من اولئك النفر الى رسول الله فعال ان قومنا قد حضروا بالحجون يلقونك فوعده عليه السلام ساعة من الليل ثم قال لاصحابه "انى امرت ان أقرأ على الجن الليلة وانذرهم فمن يتبعنى" قالها ثلاثا فأطرقوا الا عبد الله بن مسعود رضى الله عنه فقام معه قال فانطلقنا حتى اذا كنا بأعلى مكة فى شعب الحجون خط لى خطا برجله وقال لى "لا تخرج منه حتى اعود اليك فانك ان خرجت لن ترانى الى يوم القيامة" تفسير : وفى رواية "حديث : لم آمن عليك ان يخطفك بعضهم" ثم جلس وقرأ عليهم اقرأ باسم ربك او سورة الرحمن وسمعت لغطا شديدا حتى خفت على رسول الله واللغط بالغين المعجمة والطاء المهملة اختلاط اصوات الكلام حتى لا يفهم وغشيته عليه السلام ثم انقطعوا كقطع السحاب فقال لى عليه السلام "هل رأيت شيئا" قلت نعم رجالا سودا كأنهم رجال الزط وهم طائفة من السودان الواحد منهم زطى فقال "اولئك جن نصيبين" قلت سمعت منهم لغطا شديدا حتى خفت عليك الى ان سمعتك تفرعهم بعصاك وتقول "اجلسوا" اى فما سببه فقال "ان الجن تداعت فى قتيل قتل بينهم فتحاكموا الى فحكمت بينهم بالحق" وقال ابو الليث فلما رجع اليه قال يا نبى الله سمعت هدتين اى صوتين قال عليه السلام "اما احداهما فانى سلمت عليهم وردوا على السلام واما الثانية فانهم سألوا الرزق فأعطيتهم عظما واعطيتهم روثا رزقا لدوابهم" تفسير : اى ان المؤمنين منهم لا يجدون عظما ذكر اسم الله عليه الا وجدوا عليه لحمه يوم اكل ولا ورثة الا وجد فيها حبها يوم أكلت او يعود البعر خضرا لدوابهم ولهذا نهى عليه السلام عن الاستنجاه بالعظم والروث واما الكافرون منهم فيجدون اللحم على العظم الذى لم يذكر اسم الله عليه وعن قتادة لما اهبط ابليس قال اى رب قد لعنته فما علمه قال السحر قال فما قرآءته قال الشعر. درقيامت نرسد شعر بفرياد كسى. كر سراسر سخنش حكمت يونان كردد. قال فما كتابته قال الوشم وهو غرز الابر فى البدن وذر النيلج عليه قال فما طعامه قال كل ميتة وما لم يذكر اسم الله عليه اى من طعام الانس يأخذه سرقة قال فما شرابه قال كل مسكر قال فاين مسكنه قال الحمام قال فاين محله قال فى الاسواق قال فما صوته قال المزمار قال فما مصايده قال النساء فالحمام اكثر محل اقامته والسوق محل تردده فى بعض الاوقات والظاهر ان كل من لم يؤمن من الجن مثل ابليس فيما ذكر قال فى انسان العيون فى أكل الجان ثلاثة اقوال يأكلون بالمضغ والبلع ويشربون بالازدراد اى الابتلاع والثانى لا يأكلون ولا يشربون بل يتغذون بالشم والثالث انهم صنفان صنف يأكل ويشرب وصنف لا يأكل ولا يشرب وانما يتغذون بالشم وهو خلاصتهم وفى اكام المرجان ان العمومات تقتضى ان الكل يأكلون ويشربون وكون الرقيق رقيقا واللطيف لطيفا لا يمنع عن الاكل والشرب واما الملائكة فهم اجسام لطيفة لكنهم لا يأكلون ولا يشربون لاجماع أهل الصلاة على ذلك وللاخبار المروية فى ذلك قال العلماء انه عليه السلام بعث الى الجن قطعا وهم مكلفون وفيهم العصاة والطائعون وقد اعلمنا لله ان نفرا من الجن رأوه عليه السلام وآمنوا به وسمعوا القرءآن فهم صحابة فضلاء من حيث رؤيتهم وصحبتهم وحيئنذ ينعين ذكر من عرف منهم فى الصحابة رضى الله عنهم كذا فى شرح النخبة لعلى القارى
ابن عجيبة
تفسير : قلت: "النفر" بالفتح: الجماعة من ثلاثة إلى عشرة، وقيل: إلى سبعة ولا يُقال نفر فيما زاد على عشرة، والرهط والقوم والعشيرة والعشر معناهم الجمع، ولا واحد لهم من لفظه، وهو للرجال دون النساء. قاله في المصباح. و {من الجن} نعت للنفر، وكذا {يستمعون}. يقول الحق جلّ جلاله: {و} اذكر {إِذ صرفنا إِليك نفراً من الجن} أي: أملناهم إليك، وقبلنا بهم نحوك، وهم جن نصيبين، أو جن نينوى، قال في القاموس: "نِينوى" بكسر أوله، موضع بالكوفة، وقرية بالموصل ليونس عليه السلام. هـ. {يستمعون القرآن} منه عليه السلام {فلما حضروه} أي: الرسول صلى الله عليه وسلم، أو القرآن، أي: كانوا منه حيث تمّ وفرغ من تلاوته، {وَلَّوا إِلى قومهم منذرين} مقدّرين إنذارهم عند رجوعهم إليهم. رُوي: أن الجنَّ كانت تسترق السمع، فلما حُرست السماء، ورُموا بالشُهب، قالوا: ماهذا إلا لأمر حديث، فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها، لتعرفوا ما هذا، فنهض سبعة أو تسعة من أشراف جن نصيبين أو نينوى، منهم: "زوبعة" فمضوا نحو تهامة، ثم انتهوا إلى وادي نخلة، فوافقوا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم وهو قائم يصلي صلاة الفجر، فستمعوا القرآن، وذلك عند منصرفه من الطائف، حين ذهب يدعوهم إلى الله، فكذّبوه، وردُّوا عليه، وأغروا به سفاءهم، فمضى على وجهه، حتى وصل إلى نخل، فصلّى بها الغداة، فوافاه نفر الجن يصلي، فاستمعوا لقراءته، ولم يشعُر بهم، فأخبره الله تعالى باستماعهم. وقيل: أمره اللّهُ تعالى أن يُنذر الجن، ويقرأ عليهم، فصرف الله إليه نفراً منهم، وجمعهم له، فقال صلى الله عليه وسلم:"حديث : إني أُمرت أن أقرأ على الجن، فمَن يتبعني؟" قالها ثلاثاً، فأطرقوا إلا عبد الله بن مسعود، قال: فانطلقنا حتى إذا كنا بأعلى مكة، في شعب الجحون، فخطّ خطّاً، فقال: لا تخرج عنه حتى أعود إليك، ثم افتتح القرآن، وسمعت لغطاً شديداً، حتى خفت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعلت أرى أمثال النسور تهوي وتمشي، وغشيته أسوِدة كثيرة حالت بيني وبينه، حتى ما أسمع صوته، ثم تتقطع كقطع الحساب، ذاهبين، ففرغ صلى الله عليه وسلم مع الفجر، فقال: أنمتَ؟ فقلت: لا والله، ولقد هممت مراراً أن أستغيث بالناس حتى سمعتك تقرعهم بعصاك، تقول: اجلسوا، فقال: لو خرجت لم آمن عليك أن يتخطفك بعضهم، ثم قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "هل رأيت شيئاً؟" قلت: نعم، رجالاً سوداً، في ثياب بيض، قال: "أولئك جن نصيبين"تفسير : وكانوا اثني عشر ألفاً، والسورة التي قرأ عليهم: {اقرأ باسم ربك}. فلمَّا رجعوا إلى قومهم {قالوا يا قومنا إِنا سمعنا كتاباً أُنزل من بعد موسى} قيل: قالوا ذلك لأنهم كاناو على اليهودية، وعن ابن عباس: إن الجن لم تكن سمعت بأمر عيسى عليه السلام وهو بعيد. حال كون الكتاب {مُصدّقاً لما بين يديه يهدي إِلى الحق} من العقائد الصحيحة، أو إلى الله، {وإِلى صراطٍ مستقيم} يُوصل إلى الله، وهو الشرائع والأعمال الصالحة. {يا قومنا أجيبوا دَاعِيَ الله} وهو محمد صلى الله عليه وسلم، {وآمِنوا به} أي: بالرسول أو القرآن، وصفوه بالدعوة إلى الله تعالى بعدما وصفوه بالهداية إلى الحق والطريق المستقيم؛ لتلازمهما، دعوهم إلى ذلك بعد بيان حقيقته واستقامته، ترغيباً في الإجابة، ثم أكدوه بقولهم: {يغفر لكم من ذنوبكم} أي: بعض ذنوبكم، وهو ما كان في حق خالصٍ لله تعالى، فإنّ حقوق العباد لا تُغفر بالإيمان، وقيل: تغفر. {ويُجركمْ من عذابٍ أليم} موجع. واختلف في مؤمني الجن، هل يُثابون على الطاعون، ويدخلون الجنة، أو يُجارون من النار فقط؟ قال الفخر: والصحيح أنهم في حكم بني آدم، يستحقون الثواب على الطاعة، والعقاب على المعصية، وهو قول مالك، وابن أبي ليلى، وقال الضحاك: يدخلون الجنة ويأكلون ويشربون. هـ. ويؤده قوله تعالى: {وَلِكُلِّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا} كما تقدّم في الأنعام. {ومَن لا يُجِبْ داعيَ الله فليس بمعجزٍ في الأرض} أي: لا ينجي منه مهرب، وإظهار "داعي الله" من غير اكتفاء بضميره، للمبالغة في الإيجاب، بزيادة المهابة والتقرير وتربيته، وإدخال الروعة. وتقييد الإعجاز بكونه في الأرض؛ لتوسيع الدائرة، أي: فليس بمعجز له تعالى وإن هرب في أقطار الأرض ودخل في أعمالقها. {وليس له من دونه أولياءُ} ينصرونه من عذاب الله، وهو بيان لاستحالة نجاته بواسطة، إثر بيان استحالة نجاته بنفسه، وجمع "الأولياء" مبالغة، إذا كان لا ينفعه أولياء، فأولى واحد. {أولئك} الموصوفون بعدم إجابة داعي الله {في ضلال مبين} أي: ظاهر: بحيث لا تخفى ضلالته على أحد، حيث أعرضوا عن إجابة مَن هذا شأنه، وجمع الإشارة باعتبار معنى "من"، وأفرادَ أولاً باعتبار لفظها. الإشارة: قد استعملت الجن الأدب بين يديه صلى الله عليه وسلم حيث قالوا: أنصتوا، فالجلوس مع الأكابر يحتاج إلى أدب كبير، كالصمت، والوقار، والهيبة، والخضوع، كما كانت حالة الصحابة رضي الله عنهم مع الرسول صلى الله عليه وسلم إذا تكلم أنصتوا كأنما على رؤوسهم الطير. قال الشيخ أبو الحسن رضي لله عنه: "إذا جالست الكبراء فدع ما تعرف إلى ما لا تعرف، لتفوز بالسر المكنون" فإذا انقضى مجلس التذكير رجع كل واحد منذراً وداعياً إلى الله كلَّ مَن لقيه، وقد كان صلى الله عليه وسلم يقول لأصحابه:"حديث : ليبلغ الشاهد الغائب"تفسير : فمَن بلغه ذلك واستجاب ربح وغنم، ومَن لا يجب داعي الله خاب وخسر، والاستجابة أقسام، قال القشيري: فمستجيبٌ بنفسه، ومستجيبٌ بقلبه، ومستجيبٌ بروحه، ومستجيبٌ بسرِّه، ومَن توقف عند دعاء الداعي إليه، ولم يُبادر إلى الاستجابة هُجِرَ فيما كان يُخَاطب به. هـ. قلت: المستجيب بنفسه هو المستجيب بالقيام بوظائف الإسلام، والمستجيب بقلبه القائم بوظائف الإيمان، والمستجيب بروحه القائم بوظائف الإحسان، والمستجيب بسره هو المتمكن من دوام الشهود والعيان، وقول: هجر فيما يُخاطب به، أي: كان يُخاطب بملاحظة الإحسان، فإذا لم يبادر قِيد بسلاسل الامتحان. والله تعالى أعلم. ثم بَرْهن على قوله، فليس بمعجزة في الأرض، فقال: {أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّ ٱللَّهَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ}.
الجنابذي
تفسير : {وَإِذْ صَرَفْنَآ} واذكروا وذكّر قومك اذ صرفنا {إِلَيْكَ نَفَراً مِّنَ ٱلْجِنِّ} والمعنى صرّفناهم اليك من محالّهم بالتّوفيق، وقيل: صرّفناهم اليك عن استراق السّمع من السّماء برجوم الشّهب ولم يكونوا بعد عيسى قد صرفوا منه فقالوا: ما هذا الّذى حدث فى السّماء الاّ من اجل شيءٍ قد حدث فى الارض فضربوا فى الارض حتّى وقفوا على النّبىّ (ص) وهو يصلّى الفجر فاستمعوا القرآن {يَسْتَمِعُونَ ٱلْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ} اى النّبىّ (ص) او القرآن {قَالُوۤاْ} بعضهم لبعضٍ {أَنصِتُواْ} نستمع قراءته بلا مانعٍ {فَلَمَّا قُضِيَ} فرغ منه {وَلَّوْاْ إِلَىٰ قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ قَالُواْ} بدل من منذرين او حالٌ او مستأنفٌ جوابٌ لسؤالٍ مقدّرٍ {يٰقَوْمَنَآ إِنَّا سَمِعْنَا كِتَاباً أُنزِلَ مِن بَعْدِ مُوسَىٰ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ} من الكتب {يَهْدِيۤ إِلَى ٱلْحَقِّ وَإِلَىٰ طَرِيقٍ مُّسْتَقِيمٍ} المراد بالحقّ احكام الملّة وبالطّريق المستقيم الولاية او بالعكس، او المراد بهما هى الولاية من قبيل عطف اوصافٍ متعدّدةٍ لشيءٍ واحدٍ. نقل انّه لمّا توفّى ابو طالبٍ اشتدّ البلاء على رسول الله (ص) فعمد ليقف بالطّائف رجاء ان يؤووه فوجد ثلاثة نفرٍ منهم هم سادة وهم اخوة فعرض عليهم نفسه، فقال احدهم: انا اسرق ثياب الكعبة ان كان الله بعثك بشيءٍ قطّ، وقال الآخر: اعجز على الله ان يرسل غيرك؟ - وقال الآخر: والله لا اكلّمك بعد مجلسك هذا ابداً، فلئن كنت رسولاً كما تقول فأنت اعظم خطراً من ان يُردّ عليك الكلام وان تكذب على الله فما ينبغى لى ان اكلّمك، وتهزؤا به وافشوا فى قومه ما راجعوه به، فقعدوا له صفّين على طريقه، فلمّا مرّ رسول الله (ص) بين صفّيهم جعلوا لا يرفع رجليه ولا يضعهما الاّ رضخوهما بالحجارة حتّى ادموا رجليه، فخلص منهم وهما يسيلان دماً الى حائط من حوائطهم واستظلّ فى ظلٍّ منه وهو مكروبٌ موجع تسيل رجلاه دماً، فاذا فى الحائط عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة فلمّا رآهما كره مكانهما لما يعلم من عداوتهما لله ولرسوله، فلمّا رأياه ارسلا اليه غلاماً لهما يُدعى عداس معه عنبٌ وهو نصرانىّ من اهل نينوى فلمّا جاءه قال له رسول الله (ص): "حديث : من اى ارضٍ انت؟ - قال: من اهل نينوى، قال: من مدينة العبد الصّالح يونس بن متّى؟ - فقال له عداس: وما يدريك من يونس بن متّى؟ - فقال: انا رسول الله (ص)، والله تعالى اخبرنى خبر يونس بن متّىتفسير : ، فلمّا اخبره بما أوحى الله اليه من شأن يونس خرّ عداس ساجداً لرسول الله (ص) وجعل يقبّل قدميه وهما يسيلان الدّماء، فلمّا بَصر عتبة وشيبة ما يصنع غلامهما سكتا فلمّا أتاهما قالا: ما شأنك سجدت لمحمّدٍ (ص) وقبّلت قدميه؟ - ولم تُرَك فعلت ذلك باحدٍ منّا؟ - قال: هذا رجل صالح اخبرنى بشيءٍ عرفته من شأن رسولٍ بعثه الله الينا يُدعى يونس بن متّى فضحكا وقالا: لا يفتننّك عن نصرانيّتك فانّه رجل خدّاع، فرجع رسول الله (ص) الى مكّة حتّى اذا كان بنحلة قام فى جوف اللّيل يصلّى فمرّ به نفرٌ من جنّ اهل نصيبين من اليمن، فوجدوه يصلّى صلاة الغداء ويتلو القرآن فاستمعوا له، وروى غير ذلك فى قصّة صرف الجنّ اليه، من اراد فليرجع الى المفصّلات.
الهواري
تفسير : قوله عز وجل: {وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِّنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنصِتُوا} أي: يقوله بعضهم لبعض {فَلَمَّا قُضِيَ} أي: فلما قرأه عليهم النبي عليه السلام وأسلموا {وَلَّوْا} أي: رجعوا {إِلَى قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ} وهم أهل نصيبين. ذكر بعضهم أن جن نصيبين أتوا النبي عليه السلام فقرأ عليهم القرآن؛ فقالوا: يا رسول الله زوّدنا، فقال: حديث : كل روثة لكم خضرة، وكل عظم لكم عرق تفسير : . فقالوا: يا رسول الله: إن أمتك ينجسونه علينا. فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يستنجى بعظم أو روثة. ذكروا عن صالح مولى التوأمة عن ابن عباس وعن ابن مسعود أن جن نصيبين لما قرأ عليهم النبي عليه السلام القرآن فأرادوا أن يرجعوا زودهم الروث والعظام، لا يأتون على شيء منه إلا وجدوه لحماً وتمراً. ذكروا عن عون بن عبد الله بن عتبة عن عبد الله بن مسعود قال: خرجنا حاجين ومعتمرين، حتى إذا كنا بالطريق هاجت ريح فارتفعت عجاجة من الأرض حتى إذا كانت على رؤوسنا انكشفت عن حية بيضاء، فنزلنا، وتخلف صفوان بن المعطل فأبصرها. فصب عليها من مطهرته، وأخرج خرقة من عيبته فكفّنها فيه، ثم دفنها، ثم اتّبعنا، فإذا بنسوة قد جئن عند العشاء، فسلمن ثم قلن: أيكم دفن عمرو بن جابر، فقلنا: والله ما نعرف عمرو بن جابر. فقال صفوان بن المعطل: أبصرت جاناً أبيض فدفنته. قلن: ذلك والله عمرو بن جابر، بقية من استمع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قراءة القرآن من الجن؛ التقى الزحفان من الجن، زحف من المسلمين وزحف من الكفار، فاستشهد رحمه الله. ذكروا أن قوماً نفروا إلى عبد الله بن مسعود فقالوا: بينما نحن نسير في طريق الشام إذ رفع إلينا إعصار. فلما انتهينا إليه إذا حية قتيل فنزل بعض القوم فكفّنها في عمامة له ثم دفنها. فلما نزلنا وجنّ علينا الليل إذا بامرأتين قد جاءتا، فسلمتا علينا، ثم قالتا: أيكم دفن عمراً اليوم؟ قلنا: ما دفنا رجلاً. قالتا: بلى، الحية القتيل. قلنا: نعم. قالتا: فإن كنتم إنما نويتم الآخرة والأجر فقد أصبتم. إن فسقة الجن ومسلميهم اقتتلوا اليوم فقتل فيهم، والله إنه لأحد النفر الذين استمعوا القرآن عند محمد صلى الله عليه وسلم. قوله: (مُنْذِرِينَ) أي: أنذروا قومهم.
اطفيش
تفسير : {وَإِذْ صَرَفْنَآ إِلَيْكَ نَفَراً مِّنَ الْجِنِّ} {وَإِذْ} مفعول (أذكر) وصرفنا أرسلنا والنفر اسم جمع ويجمع على النفر وفي حديث أبي ذر لو كان ههنا أحد من أنفارنا والنفر يطلق على التسعة وما دونها الى الثلاثة وعن بعضهم النفر القوم لا أنثى فيهم وكان ذلك الجن ذكوراً لا أنثى فيهم وقرئ (صرفنا) بالتشديد للتأكيد لانه صرف اليه سبعة من جن نصيبين شامر وماصر وحسى ومسى والأفخر والأرد وأنيان وقيل: والأحقب فجعلهم النبي صلى الله عليه وسلم رسلاً الى قومهم. هذا قول ابن عباس وقيل تسعة بالمثناة أو لا وقيل وكان زوبعة من هذه التسعة. قال عطاء: كان النفر يهود ثم أسلموا وفي الخبر فرق الشرك والتوحيد كلها والحق انهم مكلفون مثابون معاقبون وقال أبو حنيفة: لا ثواب لهم الا النجاة من النار صنف يطير وصنف كالحية والكلب وصنف يرحل ويظعن والكل ممن أرسل اليه نبينا صلى الله عليه وسلم ولما مات أبو طالب ناصره وخرج الى ثقيف يستنصرهم وعمد الى سادتهم عبد ياليل ومسعود وحبيب (وهو اخوة بنو عمرو بن عمير) وعندهم قريشية جمحية فدعاهم الى الله فقال أحدهم وهو يمرط ثياب الكعبة ان أرسلك الله. والآخر: ما وجد أحدا يرسله غيرك والآخر: لا أقول شيئاً ان أرسلك الله فأنت أعظم من أن أرد عليك بالكلام وان كذبت فما ينبغي أن أكلمك فقام آيساً من خير ثقيف قائلا اكتموا اذ فعلتم كره أن يتجرأ قومه عليه وأغروا به سفهاءهم وعبيدهم يسبونه ويصيحون حتى اجتمع عليه الناس وألجأوه الى حائط عتبة وشيبة ابني ربيعة فرجعوا وقعد تحت عنبة وهما فيه يريان ما فعلوا به فقال "حديث : اللهم أشكو اليك ضعف قوتي وقلة حيلتي وهوانى على الناس وأنت أرحم الراحمين وأنت رب المستضعفين أنت ربي الى من تكلني الى بعيد يتجهمني أو الى عدو ملكته أمري ان لم يكن لك عليّ غضب فلا أبالي ولكن عافيتك أوسع اني أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة من أن ينزل بي غضبك أو يحل عليّ سخطك لك العتبى حتى ترضى لا حول ولا قوة الا بك" تفسير : فرحمه ابنا ربيعة فقالا لعداس وهو غلام نصراني لهما ناوله عنباً في ذلك الطبق فناوله له فقال (بسم الله) فنظر عداس الى وجهه وقال والله ما يقول أهل البلدة هذا الكلام فقال: من أي البلاد أنت يا عداس؟ وما دينك؟ فقال: نصراني من نينوي فقال: أمن قرية الرجل الصالح يونس ابن متى؟ فقال عداس: ما يدريك به؟ قال: ذاك أخي نبي وأنا نبي فقبل عداس رأسه ويديه وقدميه فقال أحدهما أفسد غلامك ولما جاءهما قالا ويلك مالك تقبله فقال ما في الارض خير منه أخبرني بأمر انما يعلمه نبي فقالا ويحك لا تترك دينك فانه خير. ونظر سحابة فناداه جبريل منها سمع الله كلامك وقد أمر ملك الجبال فمره بما شئت فسلم عليه ملك الجبال وسماه يا محمد وقال مرني بما شئت ان شئت أطبقت عليهم الأخشبين فقال بل أرجو أن يخرج منهم من يعبد الله. وقد لقي تلك القريشية فقال: ماذا لقيت من احمائك فرجع الى مكة فصلى بنخلة ليلاً فمر به النفر من جن نصيبين قاصدين اليمن حين منعوا من الاستراق بالشهب فاستمعوا له كما قال* {يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ} حال مقدرة أي مقدراً لهم الاسماع* {فَلَمَّا حَضَرُوهُ} أي القرآن فلا التفات ويقويه {فَلَمَّا قُضِيَ} بالبناء للمفعول وقيل الضمير للرسول ففيه التفات ويقويه قراءة بعض {فَلَمَّا قُضِيَ} بالبناء للفاعل* {قَالُواْ أَنصِتُواْ}. قال بعضهم لبعض اصغوا لقراءته وحرصوا حتى كاد بعضهم يقع على بعض* {فَلَمَّا قُضِيَ} فرغ من القراءة وقرئ ببنائه للفاعل على أن الضمير له صلى الله عليه وسلم. {وَلَّوْاْ إِلَى قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ} مقدرين الانذار لقومهم بما سمعوا وذلك لايمانهم والا لم ينذروا قومهم
الالوسي
تفسير : {وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَراً مّنَ ٱلْجِنّ } أي أملناهم إليك ووجهناهم لك. والنفر على المشهور ما بين الثلاثة والعشرة من الرجال لأنه من النفير والرجال هم الذين إذا حزبهم أمر نفروا لكفايته، والحق أن هذا باعتبار الأغلب فإنه يطلق على ما فوق العشرة في الفصيح، وقد ذكر ذلك جمع من أهل اللغة، وفي «المجمل» الرهط والنفر يستعمل إلى الأربعين، وفي كلام الشعبـي حدثني بضعة عشر نفراً، وسيأتي إن شاء الله تعالى تفسيره هنا بما زاد على العشرة ولا يختص بالرجال، والأخذ من النفير لا يدل على الاختصاص بهم بل ولا بالناس لإطلاقه على الجن هنا. والجار والمجرور صفة {نَفَراً } وقوله تعالى: {يَسْتَمِعُونَ ٱلْقُرْءانَ } حال مقدرة منه لتخصصه بالصفة أو صفة له أخرى وضمير الجمع لأنه اسم جمع فهو في المعنى جمع، ولذا قرىء {صرفنا } بالتشديد للتكثير، و {إِذْ } معمولة لمقدر لا عطف على {أية : أَخَا عَادٍ } تفسير : [الأحقاف: 21] أي واذكر لقومك وقت صرفنا إليك نفراً من الجن مقدراً استماعهم القرآن لعلهم يتنبهون لجهلهم وغلطهم وقبح ما هم عليه من الكفر بالقرآن والإعراض عنه حيث انهم كفروا به وجهلوا أنه من عند الله تعالى وهم أهل اللسان الذي نزل به ومن جنس الرسول الذي جاء به وأولئك استمعوه وعلموا أنه من عنده تعالى وآمنوا به وليسوا من أهل لسانه ولا من جنس رسوله ففي ذكر هذه القصة توبيخ لكفار قريش والعرب، ووقوعها إثر قصة هود وقومه وإهلاك من أهلك من أهل القرى لأن أولئك كانوا ذوي شدة وقوة كما حكى عنهم في غير آية والجن توصف بذلك أيضاً كما قال تعالى: {أية : قَالَ عِفْرِيتٌ مّن ٱلْجِنّ أَنَاْ ءاتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ وَإِنّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ } تفسير : [النمل: 39] ووصفهم بذلك معروف بين العرب فناسبت ما قبلها لذلك مع ما قيل إن قصة عاد متضمنة ذكر الريح وهذه متضمنة ذكر الجن وكلاهما من العالم الذي لا يشاهد، وسيأتي الكلام في حقيقتهم. {فَلَمَّا حَضَرُوهُ } أي القرآن عند تلاوته، وهو الظاهر وإن كان فيه تجوز، وقيل: الرسول صلى الله عليه وسلم عند تلاوته له ففيه التفات {قَالُواْ } أي قال بعضهم لبعض {أَنصِتُواْ } اسكتوا لنسمعه، وفيه تأدب مع العلم وكيف يتعلم {فَلَمَّا قُضِيَ} أتم وفرغ عن تلاوته. وقرأ أبو مجلز وحبيب بن عبد الله {قَضى } بالبناء للفاعل وهو ضمير الرسول صلى الله عليه وسلم، وأيد بذلك عود ضمير {حَضَرُوهُ } إليه عليه الصلاة والسلام. {وَلَّوْاْ إِلَىٰ قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ } مقدرين إنذارهم عند وصولهم إليهم. قيل: إنهم تفرقوا في البلاد فأنذروا من رأوه من الجن، وكان هؤلاء كما جاء في عدة روايات من جن نصيبين وهي من ديار بكر قريبة من الشام، وقيل: من نينوى وهي أيضاً من ديار بكر لكنها قريبة من المَوْصل، وذكر أنهم كانوا من الشيصبان وهم أكثر الجن عدداً وعامة جنود إبليس منهم، وكان الحضور بوادي نخلة على نحو ليلة مِنْ مكة المكرمة. فقد أخرج أحمد وعبد بن حميد والشيخان والترمذي والنسائي وجماعة عن ابن عباس قال: «انطلق النبـي صلى الله عليه وسلم في طائفة من أصحابه إلى سوق عكاظ وقد حيل بين الشياطين وبين خبر السماء وأرسلت عليهم الشهب فرجعت الشياطين إلى قومهم فقالوا ما لكم؟ فقالوا: حيل بيننا وبين خبر السماء وأرسلت علينا الشهب قالوا ما حال بينكم وبين خبر السماء إلا شيء حدث فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها فانظروا ما هذا الذي حال بينكم وبين خبر السماء فانصرف أولئك الذين توجهوا نحو تهامة إلى النبـي صلى الله عليه وسلم وهو أصحابه بنخلة عامدين إلى سوق عكاظ وهو عليه الصلاة والسلام يصلي بأصحابه صلاة الفجر فلما سمعوا القرآن استمعوا / له فقالوا: هذا والله الذي حال بينكم وبين خبر السماء فهناك حين رجعوا إلى قومهم». وفي رواية ابن المنذر عن عبد الملك أنهم لما حضروه قالوا: أنصتوا فلما قضي وفرغ صلى الله عليه وسلم من صلاة الصبح ولوا إلى قومهم منذرين مؤمنين لم يشعر بهم حتى نزل {أية : قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ ٱسْتَمَعَ نَفَرٌ مّنَ ٱلْجِنّ } تفسير : [الجن: 1]. وفي «الصحيحين» عن مسروق عن ابن مسعود أنه آذنته صلى الله عليه وسلم بهم شجرة. وكانوا على ما روي عن ابن عباس سبعة وكذا قال زر وذكر منهم زوبعة، وأخرج ابن أبـي حاتم عن مجاهد أنهم كانوا سبعة: ثلاثة من أهل حران وأربعة من نصيبين وكانت أسماؤهم حسي ومسي وشاصر وماصر والأردوانيان وسرق والأحقم بميم آخره، وفي رواية عن كعب الأحقب بالباء، وذكر صاحب «الروض» بدل حسي ومسي منشيء وناشيء. وأخرج ابن جرير والطبراني وابن مردويه عن ابن عباس أنه قال في هؤلاء النفر: كانوا تسعة عشر من أهل نصيبين فجعلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم رسلاً إلى قومهم. والخبر السابق يدل على أنه صلى الله عليه وسلم كان حين حضر الجن مع طائفة من أصحابه، وأخرج عبد بن حميد وأحمد ومسلم والترمذي وأبو داود حديث : عن علقمة قال «قلت لابن مسعود: هل صحب النبـي صلى الله عليه وسلم ليلة الجن منكم أحد؟ قال: ما صحبه منا أحد ولكنا كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة ففقدناه فالتمسناه في الأودية والشعاب فقلنا: استطير أو اغتيل فبتنا بشر ليلة بات بها قوم فلما أصبحنا إذا هو جاء من قبل حراء فأخبرناه فقال أتاني داعي الجن فأتيتهم فقرأت عليهم القرآن فانطلق بنا فأرانا آثارهم وآثار نيرانهم» تفسير : فهذا يدل على أنه عليه الصلاة والسلام لم يكن معه أحد من أصحابه ولم يشعر به أحد منهم. وأخرج أحمد عن ابن مسعود أنه قال: «حديث : قمت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الجن وأخذت إداوة ولا أحسبها إلا ماء حتى إذا كنا بأعلى مكة رأيت أسودة مجتمعة قال: فخط لي رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: قم هٰهنا حتى آتيك ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم فرأيتهم يتثورون إليه فسمر معهم ليلاً طويلاً حتى جاءني مع الفجر فقال لي: هل معك من وضوء قلت: نعم ففتحت الإداوة فإذا هو نبيذ فقلت: ما كنت أحسبها إلا ماء فإذا هو نبيذ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ثمرة طيبة وماء طهور فتوضأ منها ثم قام يصلي فأدركه شخصان منهم فصفهما خلفه ثم صلى بنا فقلت: من هؤلاء يا رسول الله؟ قال: جن نصيبين»تفسير : فهذا يدل على خلاف ما تقدم والجمع بتعدد واقعة الجن. وقد أخرج الطبراني في «الأوسط» وابن مردويه عن الحبر أنه قال: صرفت الجن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مرتين، وذكر الخفاجي أنه قد دلت الأحاديث على أن وفادة الجن كانت ست مرات ويجمع بذلك اختلاف الروايات في عددهم وفي غير ذلك، فقد أخرج أبو نعيم والواقدي عن كعب الأحبار قال: انصرف النفر التسعة من أهل نصيبين من بطن نخلة وهم فلان وفلان وفلان والأردوانيان والأحقب جاءوا قومهم منذرين فخرجوا بعد وافدين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم ثلاثمائة فانتهوا إلى الحجون فجاء الأحقب فسلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إن قومنا قد حضروا الحجون يلقونك فواعده رسول الله صلى الله عليه وسلم لساعة من الليل بالحجون. وأخرج ابن أبـي حاتم عن عكرمة أنه قال في الآية: هم اثنا عشر ألفاً من جزيرة الموصل، وفي «الكشاف» حكاية هذا العدد أيضاً وأن السورة التي قرأها صلى الله عليه وسلم عليهم {أية : ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبّكَ } تفسير : [العلق: 1]، ونقل في / «البحر» عن ابن عمر وجابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهم أنه عليه الصلاة والسلام قرأ عليهم سورة الرحمن فكان إذا قال: {أية : فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} تفسير : [الرحمن: 13] قالوا: لا بشيء من آيات ربنا نكذب ربنا لك الحمد. وأخرج أبو نعيم في «الدلائل». والواقدي عن أبـي جعفر قال: قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم الجن في ربيع الأول سنة إحدى عشرة من النبوة وفي معناه ما قيل: كانت القصة قبل الهجرة بثلاث سنين بناء على ما صح عن ابن عباس أنه صلى الله عليه وسلم مكث بمكة يوحى إليه ثلاث عشرة سنة وفي المسألة خلاف والمشهور ما ذكر. وقيل: كان استماع الجن في ابتداء الإيحاء.
سيد قطب
تفسير : هذا الشوط الأخير جولة جديدة في مجال القضية التى تعالجها السورة؛ فسياقة قصة النفر من الجن الذين استمعوا لهذا القرآن، فتنادوا بالإنصات، واطمأنت قلوبهم إلى الإيمان، وانصرفوا إلى قومهم منذرين يدعونهم إلى الله ويبشرونهم بالغفران والنجاة، ويحذرونهم الإعراض والضلال. سياقة الخبر في هذا المجال، بهذه الصورة، وتصوير مس القرآن لقلوب الجن هذا المس الذي يتمثل في قولهم: {أنصتوا} عندما طرق أسماعهم يتمثل فيما حكوه لقومهم عنه، وفيما دعوهم إليه. كل هذا من شأنه أن يحرك قلوب البشر، الذين جاء القرآن لهم في الأصل. وهو إيقاع مؤثر ولا شك، يلفت هذه القلوب لفتة عنيفة عميقة. وفي الوقت ذاته تجيء الإشارة إلى الصلة بين كتاب موسى وهذا القرآن على لسان الجن، فتعلن هذه الحقيقة التي يدركها الجن ويغفل عنها البشر. ولا يخفى ما في هذه اللفتة من إيحاء عميق متفق مع ما جاء في السورة. كذلك ما يرد فى كلام الجن من الإشارة إلى كتاب الكون المفتوح، ودلالته على قدرة الله الظاهرة في خلق السماوات والأرض، الشاهدة بقدرته على الإحياء والبعث. وهي القضية التى يجادل فيها البشر وبها يجحدون. وبمناسبة البعث يعرض مشهداً من مشاهد القيامة {ويوم يعرض الذين كفروا على النار}.. وفي الختام تجيء الوصية للرسول - صلى الله عليه وسلم - بالصبر عليهم وعدم الاستعجال لهم. وتركهم للأجل المرسوم. وهو قريب قريب كأنه ساعة من نهار.. للبلاغ.. قبل الهلاك! {وإذ صرفنا إليك نفراً من الجن يستمعون القرآن، فلما حضروه قالوا: أنصتوا. فلما قضي ولوا إلى قومهم منذرين. قالوا: يا قومنا إنا سمعنا كتاباً أنزل من بعد موسى، مصدقاً لما بين يديه، يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم. يا قومنا أجيبوا داعي الله وآمنوا به يغفر لكم من ذنوبكم ويجركم من عذاب أليم. ومن لا يجب داعي الله فليس بمعجز في الأرض، وليس له من دونه أولياء، أولئك في ضلال مبين. أو لم يروا أن الله الذى خلق السماوات والأرض ولم يعي بخلقهن بقادر على أن يحيي الموتى؟ بلى إنه على كل شئ قدير}.. ومقالة النفر من الجن - مع خشوعهم عند سماع القرآن - تتضمن أسس الاعتقاد الكامل: تصديق الوحي. ووحدة العقيدة بين التوراة والقرآن. والاعتراف بالحق الذى يهدي إليه. والإيمان بالآخرة وما ينتهي إلى المغفرة وما ينتهي إلى العذاب من الأعمال. والإقرار بقوة الله وقدرته على الخلق وولايته وحده للعباد. والربط بين خلق الكون وإحياء الموتى.. وهي الأسس التى تتضمنها السورة كلها، والقضايا التى تعالجها في سائر أشواطها.. كلها جاءت على لسان النفر من الجن. من عالم آخر غير عالم الإنسان. ويحسن قبل أن نستعرض هذه المقالة أن نقول كلمة عن الجن وعن الحادثة.. إن ذكر القرآن لحادث صرف نفر من الجن ليستمعوا القرآن من النبي - صلى الله عليه وسلم - وحكاية ما قالوا وما فعلوا.. هذا وحده كاف بذاته لتقرير وجود الجن, ولتقرير وقوع الحادث. ولتقرير أن الجن هؤلاء يستطيعون أن يستمعوا للقرآن بلفظه العربي المنطوق كما يلفظه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولتقرير أن الجن خلق قابلون للإيمان وللكفران، مستعدون للهدى وللضلال.. وليس هنالك من حاجة إلى زيادة تثبيت أو توكيد لهذه الحقيقة؛ فما يملك إنسان أن يزيد الحقيقة التي يقررها الله - سبحانه - ثبوتاً. ولكنا نحاول إيضاح هذه الحقيقة فى التصور الإنساني. إن هذا الكون من حولنا حافل بالأسرار، حافل بالقوى والخلائق المجهولة لنا كنهاً وصفة وأثراً. ونحن نعيش في أحضان هذه القوى والأسرار. نعرف منها القليل، ونجهل منها الكثير. وفي كل يوم نكشف بعض هذه الأسرار، وندرك بعض هذه القوى، ونتعرف إلى بعض هذه الخلائق تارة بذواتها. وتارة بصفاتها. وتارة بمجرد آثارها في الوجود من حولنا. ونحن ما نزال فى أول الطريق. طريق المعرفة لهذا الكون، الذي نعيش نحن وآباؤنا وأجدادنا ويعيش أبناؤنا وأحفادنا، على ذرة من ذراته الصغيرة الصغيرة.. هذا الكوكب الأرضي الذي لا يبلغ أن يكون شيئاً يذكر في حجم الكون أو وزنه! وما عرفناه اليوم - ونحن في أول الطريق - يعد بالقياس إلى معارف البشرية قبل خمسة قرون فقط عجائب أضخم من عجيبة الجن. ولو قال قائل للناس قبل خمسة قرون عن شيء من أسرار الذرة التي نتحدث عنها اليوم لظنوه مجنوناً، أو لظنوه يتحدث عما هو أشد غرابة من الجن قطعاً! ونحن نعرف ونكشف في حدود طاقتنا البشرية، المعدة للخلافة في هذه الأرض، ووفق مقتضيات هذه الخلافة، وفي دائرة ما سخره الله لنا ليكشف لنا عن أسراره، وليكون لنا ذلولاً، كيما نقوم بواجب الخلافة في الأرض.. ولا تتعدى معرفتنا وكشوفنا في طبيعتها وفي مداها - مهما امتد بنا الأجل - أي بالبشرية - ومهما سخر لنا من قوى الكون وكشف لنا من أسراره - لا تتعدى تلك الدائرة. دائرة ما نحتاجه للخلافة في هذه الأرض. وفق حكمة الله وتقديره. وسنكشف كثيراً، وسنعرف كثيراً، وستتفتح لنا عجائب من أسرار هذا الكون وطاقاته، مما قد تعتبر أسرار الذرة بالقياس إليه لعبة أطفال! ولكننا سنظل في حدود الدائرة المرسومة للبشر في المعرفة. وفي حدود قول الله - سبحانه -{أية : وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً}تفسير : قليلاً بالقياس إلى ما في هذا الوجود من أسرار وغيوب لا يعلمها إلا خالقه وقيومه. وفي حدود تمثيله لعلمه غير المحدود، ووسائل المعرفة البشرية المحدودة بقوله:{أية : ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله } تفسير : فليس لنا - والحالة هذه - أن نجزم بوجود شيء أو نفيه. وبتصوره أو عدم تصوره. من عالم الغيب المجهول، ومن أسرار هذا الوجود وقواه، لمجرد أنه خارج عن مألوفنا العقلي أو تجاربنا المشهودة. ونحن لم ندرك بعد كل أسرار أجسامنا وأجهزتها وطاقاتها، فضلاً على إدراك أسرار عقولنا وأرواحنا! وقد تكون هنالك أسرار ليست داخلة في برنامج ما يكشف لنا عنه أصلاً. وأسرار ليست داخلة في برنامج ما يكشف لنا عن كنهه، فلا يكشف لنا إلا عن صفته أو أثره أو مجرد وجوده، لأن هذا لا يفيدنا في وظيفة الخلافة في الأرض. فإذا كشف الله لنا عن القدر المقسوم لنا من هذه الأسرار والقوى، عن طريق كلامه - لا عن طريق تجاربنا ومعارفنا الصادرة من طاقتنا الموهوبة لنا من لدنه أيضاً - فسبيلنا في هذه الحالة أن نتلقى هذه الهبة بالقبول والشكر والتسليم. نتلقاها كما هي فلا نزيد عليها ولا ننقص منها. لأن المصدر الوحيد الذي نتلقى عنه مثل هذه المعرفة لم يمنحنا إلا هذا القدر بلا زيادة. وليس هنالك مصدر آخر نتلقى عنه مثل هذه الأسرار! ومن هذا النص القرآني، ومن نصوص سورة الجن، والأرجح أنها تعبير عن الحادث نفسه، ومن النصوص الأخرى المتناثرة في القرآن عن الجن، ومن الآثار النبوية الصحيحة عن هذا الحادث، نستطيع أن ندرك بعض الحقائق عن الجن.. ولا زيادة.. هذه الحقائق تتلخص في أن هنالك خلقاً اسمه الجن. مخلوق من النار. لقول إبليس في الحديث عن آدم:{أية : أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين}تفسير : .. وإبليس من الجن لقول الله تعالى:{أية : إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه}تفسير : .. فأصله من أصل الجن. وأن هذا الخلق له خصائص غير خصائص البشر. منها خلقته من نار، ومنها أنه يرى الناس ولا يراه الناس، لقوله تعالى عن إبليس - وهو من الجن -:{أية : إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم }.. تفسير : وأن له تجمعات معينة تشبه تجمعات البشر في قبائل وأجناس. للقول السابق:{أية : إنه يراكم هو وقبيله... } تفسير : وأن له قدرة على الحياة في هذا الكوكب الأرضي - لا ندري أين - لقوله تعالى: لآدم وإبليس معاً: {أية : اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين } تفسير : والجن الذين سخروا لسليمان عليه السلام كانوا يقومون له بأعمال في الأرض تقتضي أن يكونوا مزودين بالقدرة على الحياة فيها. وأن له قدرة كذلك على الحياة خارج هذا الكوكب لقول الله تعالى حكاية عن الجن:{أية : وأنا لمسنا السماء فوجدناها ملئت حرساً شديداً وشهباً، وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع، فمن يستمع الآن يجد له شهاباً رصداً }.. تفسير : وأنه يملك التأثير في إدراك البشر وهو مأذون في توجيه الضالين منهم - غيرعباد الله - للنصوص السابقة، ولقوله تعالى في حكاية حوار إبليس اللعين: { أية : قال: فبعزتك لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين}.. تفسير : وغير هذا من النصوص المماثلة. ولكنا لا نعرف كيف يوسوس ويوجه وبأي أداة. وأنه يستطيع أن يسمع صوت الإنسان ويفهم لغته، بدلالة استماع نفر من الجن للقرآن وفهمه والتأثر به. وأنه قابل للهدى وللضلال بدلالة قول هذا النفر في سورة الجن: {أية : وأنا منا المسلمون ومنا القاسطون. فمن أسلم فأولئك تحروا رشداً، وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطباً}..تفسير : وبدليل ذهابهم إلى قومهم منذرين يدعونهم إلى الإيمان، بعدما وجدوه في نفوسهم، وعلموا أن قومهم لم يجدوه بعد. وهذا هو القدر المستيقن في أمر الجن، وهو حسبنا، بلا زيادة عليه ليس عليها من دليل. فأما الحادث الذي تشير إليه هذه الآيات، كما تشير إليه سورة الجن كلها على الأرجح، فقد وردت فيه روايات متعددة نثبت أصحها: أخرج البخاري - بإسناده - عن مسدد، ومسلم عن شيبان بن فروخ عن أبي عوانة. وروى الإمام أحمد في مسنده قال: حدثنا عفان، حدثنا أبو عوانة وقال الإمام الحافظ أبو بكر البيهقي في كتابه دلائل النبوة: أخبرنا أبو الحسن علي بن أحمد بن عبدان، أخبرنا أحمد بن عبيد الصفار، حدثنا إسماعيل القاضي، أخبرنا مسدد، حدثنا أبو عوانة عن أبي بشر عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: "حديث : ما قرأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على الجن ولا رآهم. انطلق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في طائفة من أصحابه عامدين إلى سوق عكاظ. وقد حيل بين الشياطين وبين خبر السماء، وأرسلت عليهم الشهب، فرجعت الشياطين إلى قومهم. فقالوا: ما لكم؟ فقالوا: حيل بيننا وبين خبر السماء وأرسلت علينا الشهب. قالوا: ما حال بينكم وبين خبر السماء إلا شيء حدث، فاضربوا في مشارق الأرض ومغاربها، وانظروا ما هذا الذي حال بينكم وبين خبر السماء. فانطلقوا يضربون في مشارق الأرض ومغاربها، يبتغون ما هذا الذي حال بينهم وبين خبر السماء. فانصرف أولئك النفر الذين توجهوا نحو تهامة إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو بنخلة عامداً إلى سوق عكاظ، وهو يصلي بأصحابه صلاة الفجر. فلما سمعوا القرآن استمعوا له، فقالوا: هذا والله الذي حال بينكم وبين خبر السماء. فهنالك حين رجعوا إلى قومهم: وقالوا: يا قومنا {إنا سمعنا قرآناً عجباً يهدي إلى الرشد فآمنا به، ولن نشرك بربنا أحداً}.. وأنزل الله على نبيه - صلى الله عليه وسلم -: {قل: أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن} وإنما أوحي إليه قول الجن ". تفسير : وأخرج مسلم وأبو داود والترمذي - بإسناده - "حديث : عن علقمة، قال: قلت لابن مسعود - رضي الله عنه - هل صحب النبي - صلى الله عليه وسلم - منكم أحد ليلة الجن؟ قال: ما صحبه أحد منا ولكنا كنا معه ذات ليلة، ففقدناه فالتمسناه في الأودية والشعاب. فقلنا: استطير، أو اغتيل. فبتنا بشر ليلة بات بها قوم. فلما أصبحنا فإذا هو جاء من قبل حراء. فقلنا: يا رسول الله فقدناك فطلبناك فلم نجدك فبتنا بشر ليلة بات بها قوم. فقال: "أتاني داعي الجن فذهبت معه، فقرأت عليهم القرآن". قال: فانطلق بنا فأرانا آثارهم وآثار نيرانهم. وسألوه الزاد فقال: "كم كل عظم ذكر اسم الله تعالى عليه، يقع في أيديكم أوفر ما يكون لحماً، وكل بعرة أو روثة علف لدوابكم". فقال - صلى الله عليه وسلم - فلا تستنجوا بهما فإنهما طعام إخوانكم ".. تفسير : وقال: ساق ابن إسحاق - فيما رواه ابن هشام في السيرة - خبر النفر من الجن بعد خبر خروج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى الطائف يلتمس النصرة من ثقيف، بعد موت عمه أبي طالب، واشتداد الأذى عليه وعلى المسلمين في مكة. ورد ثقيف له رداً قبيحاً، وإغرائهم السفهاء والأطفال به، حتى أدموا قدميه - صلى الله عليه وسلم - بالحجارة. فتوجه إلى ربه بذلك الابتهال المؤثر العميق الكريم:"حديث : اللهم إليك أشكو ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس. يا أرحم الراحمين، أنت رب المستضعفين وأنت ربي. إلى من تكلني؟ إلى بعيد يتجهمني؟ أم إلى عدو ملكته أمري؟ إن لم يكن بك علي غضب فلا أبالي، ولكن عافيتك أوسع لي. أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة، من أن تنزل بي غضبك، أو يحل علي سخطك. لك العتبى حتى ترضى. ولا حول ولا قوة إلا بك ". تفسير : قال: ثم إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - انصرف من الطائف راجعاً إلى مكة، حين يئس من خير ثقيف. حتى إذا كان بنخلة قام من جوف الليل يصلي، فمر به النفر من الجن الذين ذكرهم الله تبارك وتعالى. وهم - فيما ذكر لي - سبعة نفر من جن نصيبين. فاستمعوا له. فلما فرغ من صلاته ولو إلى قومهم منذرين. قد آمنوا وأجابوا إلى ما سمعوا. فقص الله خبرهم عليه - صلى الله عليه وسلم - قال الله عز وجل: {وإذ صرفنا إليك نفراً من الجن يستمعون القرآن} إلى قوله تعالى: {ويجركم من عذاب أليم}.. وقال تعالى:{أية : قل: أوحي إليَّ أنه استمع نفر من الجن}تفسير : إلى آخر القصة من خبرهم في هذه السورة. ويعقب ابن كثير في التفسير على رواية ابن إسحاق بقوله: "وهذا صحيح. ولكن قوله: إن الجن كان استماعهم تلك الليلة فيه نظر. فإن الجن كان استماعهم في ابتداء الإيحاء، كما دل عليه حديث ابن عباس - رضي الله عنهما - المذكور، وخروجه - صلى الله عليه وسلم - إلى الطائف كان بعد موت عمه. وذلك قبل الهجرة بسنة أو سنتين كما قرره ابن إسحاق وغيره. والله أعلم". وهناك روايات أخرى كثيرة. ونحن نعتمد من جميع هذه الروايات الرواية الأولى عن ابن عباس - رضي الله عنهما - لأنها هي التي تتفق تماماً مع النصوص القرآنية:{أية : قل: أوحي إليَّ أنه استمع نفر من الجن}..تفسير : وهي قاطعة في أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - إنما علم بالحادث عن طريق الوحي، وأنه لم ير الجن ولم يشعر بهم. ثم إن هذه الرواية هي الأقوى من ناحية الإسناد والتخريج. وتتفق معها في هذه النقطة رواية ابن إسحاق. كما يقويها ما عرفناه من القرآن من صفة الجن:{أية : إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم }.. تفسير : وفي هذا غناء في تحقيق الحادث. {وإذ صرفنا إليك نفراً من الجن يستمعون القرآن، فلما حضروه قالوا: أنصتوا. فلما قضي ولو إلى قومهم منذرين}.. لقد كان إذن تدبيراً من الله أن يصرف هؤلاء النفر من الجن إلى استماع القرآن، لا مصادفة عابرة. وكان في تقدير الله أن تعرف الجن نبأ الرسالة الأخيرة كما عرفت من قبل رسالة موسى؛ وأن يؤمن فريق منهم وينجو من النار المعدة لشياطين الجن كما هي معدة لشياطين الإنس. ويرسم النص مشهد هذا النفر - وهم ما بين ثلاثة وعشرة - وهم يستمعون إلى هذا القرآن، ويصور لنا ما وقع في حسهم منه، من الروعة والتأثر والرهبة والخشوع. {فلما حضروه قالوا: أنصتوا}.. وتلقي هذه الكلمة ظلال الموقف كله طوال مدة الاستماع. {فلما قضي ولوا إلى قومهم منذرين}.. وهذه كتلك تصور الأثر الذي انطبع في قلوبهم من الإنصات للقرآن. فقد استمعوا صامتين منتبهين حتى النهاية. فلما انتهت التلاوة لم يلبثوا أن سارعوا إلى قومهم، وقد حملت نفوسهم ومشاعرهم منه ما لا تطيق السكوت عليه، أو التلكؤ في إبلاغه والإنذار به. وهي حالة من امتلأ حسه بشيء جديد، وحفلت مشاعره بمؤثر قاهر غلاب، يدفعه دفعاً إلى الحركة به والاحتفال بشأنه، وإبلاغه للآخرين في جد واهتمام: {قالوا: يا قومنا إنا سمعنا كتاباً أنزل من بعد موسى، مصدقاً لما بين يديه، يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم}.. ولوا إلى قومهم مسارعين يقولون لهم: إنا سمعنا كتاباً جديداً أنزل من بعد موسى، يصدق كتاب موسى في أصوله. فهم إذن كانوا يعرفون كتاب موسى. فأدركوا الصلة بين الكتابين بمجرد سماع آيات من هذا القرآن، قد لا يكون فيها ذكر لموسى ولا لكتابه، ولكن طبيعتها تشي بأنها من ذلك النبع الذى نبع منه كتاب موسى. وشهادة هؤلاء الجن البعيدين - نسبياً - عن مؤثرات الحياة البشرية، بمجرد تذوقهم لآيات من القرآن، ذات دلالة وذات إيحاء عميق. ثم عبروا عما خالج مشاعرهم منه، وما أحست ضمائرهم فيه، فقالوا عنه: {يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم}.. ووقع الحق والهدى في هذا القرآن هائل ضخم، لا يقف له قلب غير مطموس؛ ولا تصمد له روح غير معاندة ولا مستكبرة ولا مشدودة بالهوى الجامع اللئيم. ومن ثم لمس هذه القلوب لأول وهلة، فإذا هي تنطق بهذه الشهادة، وتعبر عما مسها منه هذا التعبير. ثم مضوا في نذارتهم لقومهم في حماسة المقتنع المندفع، الذي يحس أن عليه واجباً في النذارة لا بد أن يؤديه: {يا قومنا أجيبوا داعي الله وآمنوا به، يغفر لكم من ذنوبكم، ويجركم من عذاب أليم}.. فقد اعتبروا نزول هذا الكتاب إلى الأرض دعوة من الله لكل من بلغته من إنس وجن؛ واعتبروا محمداً - صلى الله عليه وسلم - داعياً لهم إلى الله بمجرد تلاوته لهذا القرآن واستماع الثقلين له: فنادوا قومهم: {يا قومنا أجيبوا داعي الله وآمنوا به}.. وآمنوا كذلك بالآخرة، وعرفوا أن الإيمان والاستجابة لله يكون معهما غفران الذنب والإجارة من العذاب. فبشروا وأنذروا بهذا الذي عرفوه. ويروي ابن إسحاق أن مقالة الجن انتهت عند هذه الآية. ولكن السياق يوحي بأن الآيتين التاليتين هما من مقولات النفر أيضاً. ونحن نرجح هذا وبخاصة الآية التالية: {ومن لا يجب داعي الله فليس بمعجز في الأرض، وليس له من دونه أولياء. أولئك في ضلال مبين}. فهي تكملة طبيعية لنذارة النفر لقومهم فقد دعوهم إلى الاستجابة والإيمان. فالاحتمال قوي وراجح أن يبينوا لهم أن عدم الاستجابة وخيم العاقبة. وأن الذي لا يستجيب لا يعجز الله أن يأتي به ويوقع عليه الجزاء. ويذيقه العذاب الأليم؛ فلا يجد له من دون الله أولياء ينصرونه أو يعينونه. وأن هؤلاء المعرضين ضالون ضلالاً بيناً عن الصراط المستقيم. وكذلك الآية التي بعدها يحتمل كثيراً أن تكون من كلامهم، تعجيباً من أولئك الذين لا يستجيبون لله؛ حاسبين أنهم سيفلتون، أو أنه ليس هناك حساب ولا جزاء: {أو لم يروا أن الله الذى خلق السماوات والأرض ولم يعيَ بخلقهن بقادر على أن يحيي الموتى؟ بلى. إنه على كل شئ قدير}.. وهي لفتة إلى كتاب الكون المنظور، الذي ورد ذكره في أول السورة. وكثيراً ما يتضمن السياق القرآني مثل هذا التناسق بين قول مباشر في السورة، وقول مثله يجيء في قصة، فيتم التطابق بين مصدرين على الحقيقة الواحدة. وكتاب الكون يشهد بالقدرة المبدعة ابتداء لهذا الخلق الهائل: السماوات والأرض. ويوحي للحس البشري بيسر الإحياء بعد الموت. وهذا الإحياء هو المقصود. وصياغة القضية في أسلوب الاستفهام والجواب أقوى وآكد في تقرير هذه الحقيقة. ثم يجيء التعقيب الشامل: {إنه على كل شيء قدير}.. فتضم الإحياء وغيره في نطاق هذه القدرة الشاملة لكل شيء كان أو يكون. وعند ذكر الإحياء يرتسم مشهد الحساب كأنه شاخص للعيون: {ويوم يعرض الذين كفروا على النار. أليس هذا بالحق؟ قالوا: بلى وربنا. قال: فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون}.. يبدأ المشهد حكاية أو مقدمة لحكاية: {ويوم يعرض الذين كفروا على النار}.. وبينما السامع في انتظار وصف ما سيكون، إذا المشهد يشخص بذاته. وإذا الحوار قائم في المشهد المعروض: {أليس هذا بالحق؟}.. ويا له من سؤال؟ بل يا لها من قارعة للذين كانوا يكذبون ويستهزئون ويستعجلون، واليوم تتلوى أعناقهم على الحق الذي كانوا ينكرون. والجواب في خزي وفي مذلة وفي ارتياع: {بلى. وربنا}.. هكذا هم يقسمون: {وربنا}.. ربهم الذي كانوا لا يستجيبون لداعيه، ولا يستمعون لنبيه ولا يعترفون له بربوبية. ثم هم اليوم يقسمون به على الحق الذي أنكروه! عندئذ يبلغ السؤال غاية من الترذيل والتقريع، ويقضى الأمر، وينتهي الحوار: {قال: فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون}.. "كلمة ورد غطاها".. كما يقال! الجريمة ظاهرة. الجاني معترف. فإلى الجحيم! وسرعة المشهد هنا مقصودة. فالمواجهة حاسمة، ولا مجال لأخذ ولا رد. لقد كانوا ينكرون فالآن يعترفون. والآن يذوقون! وعلى هذا المشهد الحاسم في مصير الذين كفروا، وعلى مشهد الإيمان من أبناء عالم آخر. وفي ختام السورة التي عرضت مقولات الكافرين عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - وعن القرآن الكريم.. يجيء الإيقاع الأخير. توجيهاً للرسول - صلى الله عليه وسلم - أن يصبر عليهم، ولا يستعجل لهم، فقد رأى ما ينتظرهم، وهو منهم قريب: {فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل، ولا تستعجل لهم، كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار. بلاغ. فهل يهلك إلا القوم الفاسقون}.. وكل كلمة في الآية ذات رصيد ضخم؛ وكل عبارة وراءها عالم من الصور والظلال، والمعاني والإيحاءات، والقضايا والقيم. {فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل. ولا تستعجل لهم}.. توجيه يقال لمحمد - صلى الله عليه وسلم - وهو الذي احتمل ما احتمل، وعانى من قومه ما عانى. وهو الذي نشأ يتيماً، وجرد من الولي والحامي ومن كل أسباب الأرض واحداً بعد واحد. الأب. الأم. والجد. والعم. والزوج الوفية الحنون. وخلص لله ولدعوته مجرداً من كل شاغل. كما هو مجرد من كل سند أو ظهير. وهو الذي لقي من أقاربه من المشركين أشد مما لاقى من الأبعدين. وهو الذي خرج مرة ومرة ومرة يستنصر القبائل والأفراد فرد في كل مرة بلا نصرة. وفي بعض المرات باستهزاء السفهاء ورجمهم له بالحجارة حتى تدمى قدماه الطاهرتان، فما يزيد على أن يتوجه إلى ربه بذلك الابتهال الخاشع النبيل. وبعد ذلك كله يحتاج إلى توجيه ربه: {فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل ولا تستعجل لهم}.. ألا إنه لطريق شاق طريق هذه الدعوة. وطريق مرير. حتى لتحتاج نفس كنفس محمد - صلى الله عليه وسلم - في تجردها وانقطاعها للدعوة، وفي ثباتها وصلابتها، وفي صفائها وشفافيتها. تحتاج إلى التوجيه الرباني بالصبر وعدم الاستعجال على خصوم الدعوة المتعنتين. نعم. وإن مشقة هذا الطريق لتحتاج إلى مواساة. وإن صعوبته لتحتاج إلى صبر. وإن مرارته لتحتاج إلى جرعة حلوة من رحيق العطف الإلهي المختوم. {فاصبر. كما صبر أولو العزم من الرسل ولا تستعجل لهم}.. تشجيع وتصبير وتأسية وتسلية.. ثم تطمين: {كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار}.. إنه أمد قصير. ساعة من نهار. وإنها حياة خاطفة تلك التي يمكثونها قبيل الآخرة. وإنها لتافهة لا تترك وراءها من الوقع والأثر في النفوس إلا مثلما تتركه ساعة من نهار.. ثم يلاقون المصير المحتوم. ثم يلبثون في الأبد الذي يدوم. وما كانت تلك الساعة إلا بلاغاً قبل أن يحق الهلاك والعذاب الأليم: {بلاغ. فهل يهلك إلا القوم الفاسقون}.. لا. وما الله يريد ظلماً للعباد. لا. وليصبر الداعية على ما يلقاه. فما هي إلا ساعة من نهار. ثم يكون ما يكون...
ابن عاشور
تفسير : هذا تأييد للنبي صلى الله عليه وسلم بأن سخر الله الجن للإيمان به وبالقرآن فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم مصدّقاً عند الثقلين ومعظَّماً في العالَمَيْن وذلك ما لم يحصل لرسول قبله. والمقصود من نزول القرآن بخبر الجن توبيخ المشركين بأن الجن وهم من عالم آخر عَلِموا القرآن وأيقنوا بأنه من عند الله والمشركون وهم من عالم الإنس ومن جنس الرسول صلى الله عليه وسلم المبعوث بالقرآن وممن يتكلم بلغة القرآن لم يزالوا في ريب منه وتكذيب وإصرار، فهذا موعظة للمشركين بطريق المضادة لأحوالهم بعد أن جرت موعظتهم بحال مماثليهم في الكفر من جنسهم. ومناسبة ذكر إيمان الجن ما تقدم من قوله تعالى: {أية : أولئك الذين حق عليهم القول في أمم قد خلت من قبلهم من الجن والإنس إنهم كانوا خاسرين}تفسير : [الأحقاف: 18]. فالجملة معطوفة على جملة {أية : واذكر أخا عاد}تفسير : [الأحقاف: 21] عطف القصة على القصة ويتعلق قوله هنا {إذْ صرفنا} بفعل يدل عليه قوله: {واذكر أخا عاد} والتقدير: واذكر إذ صرفنا إليك نفراً من الجن. وأمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم بذكر هذا للمشركين وإن كانوا لا يصدقونه لتسجيل بلوغ ذلك إليهم لينتفع به من يهتدي ولتكتب تبعته على الذين لا يهتدون. وليس في هذه الآية ما يقتضي أن الله أرسل محمداً صلى الله عليه وسلم إلى الجن واختلف المفسرون لِهذه الآية في أن الجن حضروا بعلم من النبي صلى الله عليه وسلم أو بدون علمه. ففي «جامع الترمذي» عن ابن عباس قال: «ما قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم على الجن ولا رآهم، انطلق رسول الله في طائفة من أصحابه عامدين إلى سوق عكاظ فلما كانوا بنخْلة، (اسم موضع) وهو يصلي بأصحابه صلاة الفجر وكان نفر من الجن فيه فلما سمعوا القرآن رجعوا إلى قومهم، فقالوا: إنا سمعنا قرآناً عجباً». وفي «الصحيح» عن ابن مسعود «افتقدْنا النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة وهو بمكة فقلنا ما فَعل به اغتيل أو واستطيرَ فبتنا بشرِّ ليلة حتى إذا أصبحنا إذا نحن به من قِبَل حِراء فقال «حديث : أتاني دَاعي الجن فأتيتهم فقرأت عليهم القرآن»تفسير : . وأيًّا مَّا كان فهذا الحادث خارق عادة وهو معجزة للنبي صلى الله عليه وسلم وقد تقدم قوله تعالى: {أية : يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي} تفسير : في سورة الأنعام (130). والصرف: البعث. والنفر: عدد من الناس دون العشرين. وإطلاقه على الجن لتنزيلهم منزلة الإنس وبيانه بقوله: {من الجن}. وجملة {يستمعون القرآن} في موضع الحال من الجن وحيث كانت الحال قيداً لعاملها وهو {صرفنا} كان التقدير: يستمعون منك إذا حضروا لديك فصار ذلك مؤديا مؤدَّى المفعول لأجله. فالمعنى: صرفناهم إليك ليستمعوا القرآن. وضمير {حضروه} عائد إلى القرآن، وتعدية فعل حضروا إلى ضمير القرآن تعدية مجازية لأنهم إنما حضروا قارىء القرآن وهو الرسول صلى الله عليه وسلم. و{أنصتوا} أمر بتوجيه الأسماع إلى الكلام اهتماماً به لئلا يفوت منه شيء. وفي حديث جابر بن عبد الله في حجة الوداع أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: «استنصت الناس»، أي قبل أن يبدأ في خطبته. وفي الحديث: «حديث : إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة أنْصِت والإمام يخطب فقد لغوت»تفسير : ، أي قالوا كلُّهم: أنصتوا، كل واحد يقولها للبقية حرصاً على الوعي فنطق بها جميعهم. و{قُضِي} مِبني للنائب. والضمير للقرآن بتقدير مضاف، أي قضيت قراءته، أي انتهى النبي صلى الله عليه وسلم من القراءة حين حضروا وبانتهائه من القراءة تمّ مراد الله من صرف الجن ليستمعوا القرآن فـــ(ولَّوا)، أي انصرفوا من مكان الاستماع ورجعوا إلى حيث يكون جنسهم وهو المعبر عنه بــ{قومهم} على طريقة المجاز، نزل منزلة الإنس لأجل هذه الحالة الشبيهة بحالة الناس، فإطلاق القوم على أمة الجن نظير إطلاق النفر على الفريق من الجن المصروف إلى سماع القرآن. والمنذر: المخبر بخبر مخيف. ومعنى {ولوا إلى قومهم منذرين} رجعوا إلى بني جنسهم بعد أن كانوا في حضرة النبي صلى الله عليه وسلم يتسمعون القرآن فأبلغوهم ما سمعوا من القرآن مما فيه التخويف من بأس الله تعالى لمن لا يؤمن بالقرآن. والتبشير لمن عمِل بما جاء به القرآن. ولا شك أن الله يسّر لهم حضورهم لقراءة سورة جامعة لما جاء به القرآن كفاتحة الكتاب وسورة الإخلاص. وجملة {قالوا يا قومنا} إلى آخرها مبينة لقوله: {منذرين}. وحكاية تخاطب الجن بهذا الكلام الذي هو من كلام عربي حكاية بالمعنى إذ لا يعرف أن للجن معرفة بكلام الإنس، وكذلك فعل {قالوا} مجاز عن الإفادة، أي أفادوا جنسهم بما فهموا منه بطرق الاستفادة عندهم معانيَ ما حكي بالقول في هذه الآية كما في قوله تعالى: {أية : قالت نملة يأيها النمل ادخلوا مساكنكم}تفسير : [النمل: 18]. وابتدأوا إفادتهم بأنهم سمعوا كتاباً تمهيداً للغرض من الموعظة بذكر الكتاب ووصفه ليستشرفَ المخاطبون لما بعد ذلك. ووصْف الكتاب بأنه {أنزل من بعد موسى} دون: أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم لأن «التوراة» آخر كتاب من كتب الشرائع نزل قبل القرآن، وأما ما جاء بعده فكتب مكملة للتوراة ومبينة لها مثل «زبور داود» و«إنجيل عيسى»، فكأنه لم ينزل شيء جديد بعد «التوراة» فلما نَزل القرآن جاء بهدي مستقل غير مقصود منه بيان التوراة ولكنه مصدق للتوراة وهادٍ إلى أزيد مما هدت إليه «التوراة». و {ما بين يديه}: ما سبقه من الأديان الحق. ومعنى {يهدي إلى الحق}: يهدي إلى الاعتقاد الحق ضد الباطل من التوحيد وما يجب لله تعالى من الصفات وما يستحيل وصفه به. والمراد بالطريق المستقيم: ما يسلك من الأعمال والمعاملة. وما يترتب على ذلك من الجزاء، شبه ذلك بالطريق المستقيم الذي لا يضل سالكه عن القصد من سيره. ويجوز أن يراد بــ {الحق} ما يشمل الاعتقاد والأعمال الصالحة ويراد بالطريق المستقيم الدلائل الدالة على الحق وتزييف الباطل فإنها كالصراط المستقيم في إبلاغ متبعها إلى معرفة الحق. وإعادتهم نداءَ قومهم للاهتمام بما بعد النداء وهو {أجيبوا داعي الله} إلى آخره لأنه المقصود من توجيه الخطاب إلى قومهم وليس المقصود إعلام قومهم بما لقوا من عجيب الحوادث وإنما كان ذلك توطئة لهذا، ولأن اختلاف الأغراض وتجدّد الغرض مما يقتضي إعادة مثل هذا النداء كما يعيد الخطيب قوله: «أيها الناس» كما وقع في خطبة حجة الوداع. واستعير {أجيبوا} لمعنى: اعملوا وتقلدوا تشبيهاً للعمل بما في كلام المتكلم بإجابة نداء المنادي كما في الآية: {أية : إلا أن دعوتُكم فاستَجَبْتُم لي}تفسير : [إبراهيم: 22] أي إلا أن أمرتكم فأطعتموني لأن قومهم لم يدعهم داع إلى شيء، أي أطيعوا ما طلب منكم أن تعملوه. وداعي الله يجوز أن يكون القرآن لأنه سبق في قولهم: {إنا سمعنا كتاباً أنزل من بعد موسى}. وأطلق على القرآن {داعي الله} مجازاً لأنه يشتمل على طلب الاهتداء بهدي الله، فشبه ذلك بدعاء إلى الله واشتق منه وصف للقرآن بأنه {داعي الله} على طريقة التّبعيّة وهي تابعة لاستعارة الإجابة لمعنى العمل. ويجوز أن يكون {داعي الله} محمداً صلى الله عليه وسلم لأنه يدعو إلى الله بالقرآن. وعطف {وآمنوا به} على {أجيبوا داعي الله} عطف خاص على عام. وضمير {به} عائد إلى {الله}، أي وآمنوا بالله، وهو المناسب لتناسق الضمائر مع {يغفر لكم ويُجرْكم من عذاب أليم} أو عائد إلى داعي الله، أي آمنوا بما فيه أو آمنوا بما جاء به، وعلى الاحتمالين الأخيرين يقتضي أن هؤلاء الجن مأمورون بالإسلام. و {مِن} في قوله: {من ذنوبكم} الأظهر أنها للتعليل فتتعلق بفعل {أجيبوا} باعتبار أنه مجاب بفعل {يغفر}، ويجوز أن تكون تبعيضية، أي يغفر لكم بعض ذنوبكم فيكون ذلك احترازاً في الوعد لأنهم لم يتحققوا تفصيل ما يغفر من الذنوب وما لا يغفر إذ كانوا قد سمعوا بعض القرآن ولم يحيطوا بما فيه. ويجوز أن تكون زائدة للتوكيد على رأي جماعة ممن يرون زيادة {من} في الإثبات كما تزاد في النفي. وأما {مِن} التي في قوله: {ويُجِرْكُم من عذاب أليم} فهي لتعدية فعل {يجركم} لأنه يقال: أجاره من ظلم فلان، بمعنى منعه وأبعده. وحكاية الله هذا عن الجن تقرير لما قالوه فيدل على أن للجن إدراكاً للمعاني وعلى أن ما تدل عليه أدلة العقل من الإلٰهيات واجب على الجن اعتقاده لأن مناط التكليف بالإلٰهيات العقلية هو الإدراك، وأنه يجب اعتقاد المدركات إذا توجهت مداركهم إليها أو إذا نبهوا إليها كما دلت عليه قصة إبليس. وهؤلاء قد نبهوا إليها بصَرْفهم إلى استماع القرآن وهم قد نبَّهوا قومهم إليها بإبلاغ ما سمعوه من القرآن وعلى حسب هذا المعنى يترتب الجزاء بالعقاب كما قال تعالى: {أية : لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين}تفسير : [السجدة: 13]، وقال في خطاب الشيطان {أية : لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين}تفسير : [ص: 85]، فأما فروع الشريعة فغير لائقة بجنس الجنّ. وظاهر الآية أن هؤلاء الذين بلغتهم دعوة القرآن مؤاخذون إذا لم يعملوا بها وأنهم يعذبون. واختلفوا في جزاء الجن على الإحسان فقال أبو حنيفة: ليس للجن ثواب إلا أن يُجَاروا من عذاب النار ثم يقال لهم كونوا تراباً مثل البهائم، وقال مالك والشافعي وابن أبي ليلى والضحاك: كما يجازَون على الإساءة يجازون على الإحسان فيدخلون الجنة. وحكى الفخر أن مناظرة جرت في هذه المسألة بين أبي حنيفة ومالك ولم أرَه لغيره. وهذه مسألة لا جدوى لها ولا يجب على المسلم اعتقاد شيء منها سوى أن العالِم إذا مرّت بها الآيات يتعيّن عليه فهمها. ومعنى {فليس بمُعْجِزِ في الأرض} أنه لا ينجو من عقاب الله على عدم إجابته داعيه، فمفعول {معجز} مقدر دلّ عليه المضاف إليه في قوله: {داعي الله} أي فليس بمعجز الله، وقال في سورة الجن (12) {أية : أن لن نُعْجِز الله في الأرض ولن نُعْجِزه هرباً}تفسير : وهو نفي لأن يكون يعجز طالبه، أي ناجياً من قدرة الله عليه. والكلام كناية عن المؤاخذة بالعقاب. والمقصود من قوله: {في الأرض} تعميم الجهات فجرى على أسلوب استعمال الكلام العربي وإلا فإن مكان الجن غير معيّن. و {ليس له من دونه أولياء}، أي لا نَصير ينصره على الله ويحميه منه، فهو نفي أن يكون له سبيل إلى النجاة بالاستعصام بمكان لا تبلغ إليه قدرة الله، ولا بالاحتماء بمن يستطيع حمايته من عقاب الله. وذكر هذا تعريض للمشركين. واسم الإشارة في {أولئك في ضلال مبين} للتنبيه على أن مَن هذه حالهم جديرون بما يرد بعد اسم الإشارة من الحكم لتسبب ما قبل اسم الإشارة فيه كما في قوله: {أية : أولئك على هدى من ربهم}تفسير : [لقمان: 5]. والظرفية المستفادة من {في ضلال مبين} مجازية لإفادة قوة تلبسهم بالضلال حتى كأنهم في وعاء هو الضلال. والمبين: الواضح، لأنه ضلال قامت الحجج والأدلة على أنه باطل.
الشنقيطي
تفسير : ذكر الله جل وعلا في هذه الآية الكريمة من سورة الأحقاف، أنه صرف إلى النبي صلى الله عليه وسلم {نَفَراً مِّنَ الْجِنِّ} والنفر دون العشرة {يَسْتَمِعُونَ الْقُرْءَانَ} وأنهم لما حضروه، قال بعضهم لبعض {أَنصِتُواْ} أي اسكتوا مستمعين، وأنه لما قضى. أي انتهى النبي صلى الله عليه وسلم من قراءته {وَلَّوْاْ} أي رجعوا إلى قومهم من الجن في حال كونهم منذرين أي مخوفين لهم من عذاب الله إن لم يؤمنوا بالله، ويجيبوا داعيه محمداً صلى الله عليه وسلم. وأخبروا قومهم، أن هذا الكتاب الذي سمعوه يتلى، المنزل من بعد موسى يهدي إلى الحق، وهو ضد الباطل، وإلى طريق مستقيم، أي لا اعوجاج فيه. وقد دل القرآن العظيم أن استماع هؤلاء النفر من الجن، وقولهم ما قالوا عن القرآن كله وقع ولم يعلم به النبي صلى الله عليه وسلم، حتى أوحى الله ذلك إليه، كما قال تعالى في القصة بعينها، مع بيانها وبسطها، بتفصيل الأقوال التي قالتها الجن، بعد استماعهم القرآن العظيم: {أية : قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ ٱسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ فَقَالُوۤاْ إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباً يَهْدِيۤ إِلَى ٱلرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَن نُّشرِكَ بِرَبِّنَآ أَحَداً}تفسير : [الجن: 1-2] إلى آخر الآيات.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: وإذ صرفنا إليك نفراً من الجن: أي واذكر إذ أملنا إليك نفراً من الجن جن نصيبين أو نينوي. فلما حضروه قالوا أنصتوا: أي حضروا سماع القرآن قالوا أي بعضهم لبعض أصغوا لاستماع القرآن. فلما قضي ولّوا إلى قومهم منذرين: أي فرغ من قراءته رجعوا إلى قومهم مخوفين لهم من العذاب. مصدقا لما بين يديه: أي من الكتب السابقة كالتوراة والانجيل والزبور وغيرها. يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم: أي من العقائد في الشرائع والإِسلام. ويجركم من عذاب أليم: أي ويحفظكم هو عذاب يوم القيامة. فليس بمعجز في الأرض: أي فليس بمعجز الله هرباً منه فيفوته. أولئك في ضلال مبين: أي الذين لم يجيبوا داعي الله وهو محمد صلى الله عليه وسلم إلى الإِيمان، أي في ضلال عن طريق الإِسعاد والكمال ظاهر بيّن. معنى الآيات: ما زال السياق في طلب هداية قوم النبي صلى الله عليه وسلم إنه بعد أن ذكرهم بعاد وما أصابها من دمار وهلاك نتيجة شركها وكفرها وإصرارها على ذلك فقال تعالى {وَٱذْكُرْ أَخَا عَادٍ} إلى آخر الآيات ذكرهم هنا بما هو تقريع لهم وتوبيخ إذ أراهم أن الجن خير منهم لسرعة استجابتهم للدعوة والقيام بتبليغها فقال تعالى {وَإِذْ صَرَفْنَآ إِلَيْكَ نَفَراً مِّنَ ٱلْجِنِّ} أي اذكر لقومك من كفار مكة وغيرها إذ صرفنا إليك نفراً من الجن وهم عدد ما بين السبعة إلى التسعة من جن نصيبين وكانوا من أشراف الجن وسادتهم صرفناهم إليك أي أملناهم إليك وأنت تقرأ في صلاة الصبح ببطن نخلة بين مكة والطائف صرفناهم إليك يستمعون القرآن فلما حضروه قالوا أنصتوا أي أصغوا واستمعوا ولا تشوشوا، قاله بعضهم لبعض، فلما قضي أي القرآن فرغ منه، ولّوا إلى قومهم أي رجعوا إلى قومهم من الجن بنصيبين ونينوي منذرين إياهم أي مخوفينهم من عذاب الله إذا استمروا على الشرك والمعاصي فماذا قالوا لهم قالوا ما أخبر تعالى به عنهم قالوا يا قومنا إنا سمعنا كتابا أُنزل من بعد موسى وهو القرآن مصدقا لما بين يديه أي من الكتب الإِلهية التي سبق نزولها كصحف إبراهيم والتوراة والزبور والإِنجيل، ووصفوا القرآن بما يلي يهدي إلى الحق والصواب في كل شيء اختلف فيه الناس من العقائد والديانات والأحكام، ويهدي إلى صراط مستقيم أي طريق قاصد غير جور ألا وهو الإِسلام دين الأنبياء عامة. وقالوا مبلغين منذرين {يٰقَوْمَنَآ أَجِيبُواْ دَاعِيَ ٱللَّهِ} وهو محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم {وَآمِنُواْ بِهِ} أجيبوه إلى ما يدعو إليه من توحيد الله وطاعته وآمنوا بعموم رسالته وبكل ما جاء به من الهدى ودين الحق ويكون جزاؤكم على ذلك أن {يَغْفِرْ لَكُمْ مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} أي يغفر لكم الذنوب التي بينكم وبين الله تعالى بسترها عليكم ولا يؤاخذكم بها، وأما الذنوب التي بينكم وبين بعضكم بعضاً فإِنها لا تغفر إلا من قِبل المظلوم نفسه باستسماحه أو ردِّ الحق إليه، وقوله ويجركم من عذاب أليم أي ويحفظكم منقذاً لكم من عذاب أليم أي ذي ألمٍ موجع وهو عذاب النار، ثم قالوا: {وَمَن لاَّ يُجِبْ دَاعِيَ ٱللَّهِ} أي لم يستجب لنداء محمد فيؤمن به ويوحد الله تعالى فليس بمعجز في الأرض أي لله بل الله غالب على أمره ومهما حاول الهرب فإِن الله مدركه لا محالة {وَلَيْسَ لَهُ مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءُ} يتولون أمره ولا أنصار ينصرونه. قال تعالى {أُوْلَـٰئِكَ} أي المذكورون في هذا السياق ممن لم يجيبوا داعي الله محمد صلى الله عليه وسلم {فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} أي في عمى وغواية بين أمرهم واضح لا يستره شيء. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- إثبات عالم الجن وتقريره في هذا السياق ولذا كان إنكار الجن كإِنكار الملائكة كفراً. 2- وجوب التأدب عند تلاوة القرآن بالإِصغاء التام. 3- وجوب البلاغ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي الحديث حديث : بلغو عني ولو آية . تفسير : 4- الإِعراض عن دين الله يوجب الخذلان والحرمان.
القطان
تفسير : صرَفَنا اليك: وجّهنا اليك. النفر: ما بين الثلاثة والعشرة. قُضِيَ: فرغ من تلاوته. ولّوا: رجعوا. من يجِرْكم: من ينقذكم. داعي الله: رسول الله صلى الله عليه وسلم. بعد ان ذكر اللهُ ان في الانسِ من آمنَ ومنهم من كفر، بيّن هنا ان الجنّ كذلك، وأنهم عالَمٌ مستقلّ بذاته. ويجب ان نعلم ان عالَم الملائكة وعالَم الجن يختلفان عنا تمامَ الاختلاف ولا نعلم عنهما شيئا الا من الاخبار التي جاءت بها الرسُل الكرام. ونحن نؤمن بوجودهما، وان النبيّ عليه الصلاة والسلام بلّغ الجنَّ رسالته كما ورد هنا وفي عدد من السور. أخرج مسلم وأحمد والترمذي عن علقمة قال: قلت لعبدِ الله بن مسعود، هل صحبَ رسولَ الله منكم احد ليلة الجنّ؟ قال ما صحبه منا أحد، ولكنّا افتقدناه ذات ليلة، فبتنا بشرِّ ليلة باتَ بها قوم. فلمّا كان وجه الصبح إذا نحن به يجيء من قِبَل حِراء، فقال: اتاني داعي الجن فأتيتُهم فقرأتُ عليهم القرآن. فانطلق فأرانا آثارهم... الحديث. وخلاصة معنى هذه الآيات: لقد وجّهنا إليك أيها الرسول مجموعةُ من الجن ليستمعوا القرآن، فلما سمعوه قالوا: أنصِتوا. فلما فرغ من قراءته رجعوا الى قومهم فأنذروهم، وقالوا لهم: يا قومنا، لقد سمعنا آياتٍ من كتاب انزله الله من بعد موسى مصدِّقاً لما تقدَّمه من الكتب الالهية، يهدي الى الحق، والى شريعة قويمة، وحياة كريمة، فآمِنوا به يغفرْ لكم من ذنوبكم. يا قومنا أَجيبوا داعي الله الذي يهدي الى الحق، ومن لم يجب الداعي فإن الله سيهلكه، ولن يستطيع أحد أن يحميَه، ان الذين لا يطيعون الله ورسوله في ضلال مبين.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلْقُرْآنَ} (29) - يَقُصُّ اللهُ تَعَالى عَلى رَسُولِهِ الكَرِيمِ قِصَّةَ نَفَرٍ مِنَ الجِنِّ وَجَّهَهُمُ اللهُ تَعَالى إِلى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ يَقرَأُ القُرآنَ، فَاسْتَمَعُوا إِليهِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: أَنصِتُوا واستَمِعُوا لهذا القُرآنِ. فَلَمَّا فَرَغَ الرَّسُولُ مِنْ تِلاوَتِهِ انْصَرَفُوا إِلى جَمَاعَتِهم يُخْبِرونَهم بما سَمِعُوا، وَيُحَذِّرُونَهم مِنَ الكُفْرِ، وَيَدْعُونَهم إِلى الإِيمانِ باللهِ، وَبِما أَنْزَلَ عَلَى رُسُلهِ. صَرَفْنا إِلَيكَ - وَجَّهْنَا نَحْوَك. أَنصِتُوا - اسْتَمِعُوا وَاسْكُتُوا. قُضِيَ - أُتِمَّ وَفُرِغَ مِنْ قِراءَتِهِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : ينتقل السياق بنا إلى مجال آخر من مجالات الدعوة، فبعد أنْ حدَّثنا عن موقف الإنس وما كان منهم من تصديق لرسول الله أو تكذيب يُحدِّثنا عن الجن، وهم الجنس المقابل للإنس في الدعوة. حيث أُرسل سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الثقلين الإنس والجن، إذن: الجن جنس مكلّف مثلنا، لكنه غيب عنا فلا نراه {أية : إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ ..}تفسير : [الأعراف: 27]. والجن له خِفَّة في الحركة وتغلغل في الأشياء لطبيعته النارية، لذلك لو أشعلت النار خلف هذا الجدار بعد لحظات تُحس بها هنا. إذن: صدِّق أنه من نار، وأنه يتغلغل خلال الأشياء، وأن له طبيعة غير طبيعة الآدمي. الحق سبحانه يريد أنْ يُبيِّن لنا أن الجن وإنْ كان غائباً عنَّا إلا أنه مثلنا في التكليف وأنه مثلنا مُخاطب بالقرآن، ومنه المؤمن والكافر والطائع والعاصي. ونحن نعلم قصة الصراع بين الجن والإنسان، منذ خلق آدم عليه السلام وأمر إبليس بالسجود له فأبى واستكبر، وكانت حجته أنه خُلِق من نار، وآدم خُلِق من طين، فكيف يسجد له وهو أفضل منه على حَدِّ قوله: {أية : خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ}تفسير : [الاعراف: 12]. صحيح أن آدم هو أيضاً وقع في المعصية، لكن فرْقٌ كبير بين معصية آدم ومعصية إبليس، آدم عصى ربه حين أكل من الشجرة التي نهاه الله عن الأكل منها، عصى عن غفلة وتغلب النفس ووسوسة الشيطان. ثم لما عرف معصيته اعترف بها وتاب عنها واعترف بأنه أخطأ في حَقِّ ربه وظلم نفسه {أية : قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلْخَاسِرِينَ}تفسير : [الأعراف: 23] وقال في البقرة: {أية : فَتَلَقَّىٰ ءَادَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَٰتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ}تفسير : [البقرة: 37]. إذن: قُبلت توبة آدم لأنه لم يرد حكم الله، أما إبليس فردّ الحكم ولم يخضع له فطُرد من رحمة الله وأُبْعد، وفرْق بين أنْ تعصي الحكم وأنت معترف به، مُصدِّق بأنه من الله، وبين أنْ ترده. لذلك نقول هذا الكلام لمن يجادل مثلاً في مسائل من الدين الحكم فيها واضح، كالربا مثلاً أو إطلاق اللحية فيقول: التعامل بالربا الآن حلال، نقول لهذا: أنت بهذا القول ترد حكم الله في الربا، والأسلم لك أن تقول أنه حرام لكن ظروفي تجبرني عليه مثلاً. ثم لك أنْ تقتدي بأبيك آدم فتتوب، تستغفر لعل الله يغفر لك، بدل أنْ تعاند ربك في حكمه، وهذه لا تقدر عليها، وتذكَّر قول الشيطان {أية : وَلأَمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ ٱللَّهِ ..}تفسير : [النساء: 119]. فاحذر هذه المسألة، وأنت تعلم أن إبليس كان في يوم من الأيام (طاووس الملائكة) فلما عاند واستكبر وردَّ حكم الله جعله ملعوناً مطروداً من رحمة الله. ولنا ملحظ هام في أمر الله لآدم بعدم الأكل من الشجرة {أية : وَلاَ تَقْرَبَا هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ ..}تفسير : [البقرة: 35] فالنهي عن مجرد قربها، وهكذا كل أمر في ما حرَّمه الله {أية : تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا ..}تفسير : [البقرة: 187]. أما ما أحلَّ الله لك فقال فيه: {أية : تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا ..}تفسير : [البقرة: 229] يعني: لا تتعدوا ما أحلَّ الله، أما الحرام فلا تقربوه لأن مَنْ حام حول الحِمَى يوشك أنْ يقع فيه. وذرية إبليس تسير على نهجه في إغواء بني آدم، ونحن لا نراهم كما لا نرى الملائكة، مع الفارق بينهما، فالملائكة من نور، والشياطين من نار. وهنا ينقل الحديث في شأن رسالة محمد صلى الله عليه وسلم من الإنس إلى الجن، والإخبار بأن الجن مُكلف، وبأنه يستمع القرآن لم يأتِ به محمد صلى الله عليه وسلم من عند نفسه، إنما يحكي لنا ما أخبره الله به من أن الجن يستمعون القرآن. فقال في سورة الجن: {أية : قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ ٱسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ فَقَالُوۤاْ إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباً * يَهْدِيۤ إِلَى ٱلرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ ..}تفسير : [الجن: 1-2]. وكأن الحق سبحانه يقول لنبيه محمد: أنا لم أبعثك لتذهب إلى الجن وتخاطبهم لأنك لا تراهم، لذلك صرفتهم إليك، وأتيتُ بهم إليك ليستمعوا القرآن وأنت لا تشعر بهم، ولولا إخباري لك بذلك ما كنت تعلمه. وهنا يقول: {وَإِذْ صَرَفْنَآ إِلَيْكَ نَفَراً مِّنَ ٱلْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ ٱلْقُرْآنَ ..} [الأحقاف: 29] فأنت تقرأ وهم حولك يستمعون. وقولهم في سورة الجن {أية : يَهْدِيۤ إِلَى ٱلرُّشْدِ ..}تفسير : [الجن: 2] وهنا قالوا: {كِتَاباً أُنزِلَ مِن بَعْدِ مُوسَىٰ ..} [الأحقاف: 30] دلّ على أن للجن صلة بالأنبياء السابقين، وأنهم مكلفون مثلنا. وفي سورة الرحمن: {أية : سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ ٱلثَّقَلاَنِ}تفسير : [الرحمن: 31] يعني: نفرغ لحسابكم، فبعد أنْ تركناكم على راحتكم تفعلون ما تريدون، لا تظنوا أن هذه غفلة منا عنكم، إنما أمهلناكم لنؤكد أمر الاختيار الذي خلقناه فيكم ومنحناكم إيَاه. فالثقلان: الجن والإنس سواء في الحساب، كما هم سواء في التكليف. روُي عن سيدنا أنس رضي الله عنه أنه قال: كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في جبل من جبال مكة، فإذا رجل عجوز يُقبل علينا معه عكاز يتكىء عليه، فلما رآه رسول الله عرفه. وقال: كأنها مِشْية جِنِّي ونظمته، فقال الرجل: نعم أنا من الجن، فقال له رسول الله: من أنت؟ قال: أنا هامة بن هيم بن لاقيس بن إبليس، فقال له: بينك وبين أبيك إبليس أبوان اثنان؟ قال: نعم، ولقد أدركتُ من الزمن أكثره وبقى أقلُّه، ولقد شاهدتُ قابيل وهو يقتل هابيل. فهذه الرواية دليلٌ على طول أعمارهم، وأنهم يتشكلون بأشكال مختلفة، كما يتشكل الملَك، فنحن لا نرى الملَك على حقيقته، ولا نرى الجني على حقيقته، إلا إذا تشكَّل في صورة إنسي. وأنتم تعرفون حديث جبريل الطويل حديث : لما جاء مجلس النبي صلى الله عليه وسلم في صورة رجل غريب، لكن لا يُرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه من الجالسين أحد، حتى جلس بجوار رسول الله، وأخذ يسأله عن الإسلام والإيمان والإحسان والرسول يجيب، ثم انصرف فلما سأل الصحابة عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنه جبريل: جاء يُعلِّمكم أمور دينكم . تفسير : لذلك رأينا بعض أعداء الدعوة المحمدية يثيرون حولها بعض الإشكالات، ومنها قولهم أنْ يكون الرسول ملكاً وهذا إشكال مردود، فلو جاء الرسول ملَكاً لجاءهم في صورة رجل، وإلا كيف يُبلِّغهم وكيف يكون التلقي عنه؟ إذن: سيظل الإشكال قائما، ثم إن المَلك لا تصح الأسوة به، لأنهم لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، فكيف يكون أُسوةً لمَنْ في طبيعته الخطأ والغفلة والنسيان؟ إذن: شرط في النبي الرسول أنْ يكون من جنس مَنْ أُرسل إليهم لتقوم به الأُسوة. والحق سبحانه أعطانا صورة تفصيلية لحال الجن، وأن منهم المؤمن والكافر، فقال حكايةً عنهم: {أية : وَأَنَّا مِنَّا ٱلْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا ٱلْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُوْلَـٰئِكَ تَحَرَّوْاْ رَشَداً * وَأَمَّا ٱلْقَاسِطُونَ فَكَانُواْ لِجَهَنَّمَ حَطَباً}تفسير : [الجن: 14-15]. لذلك النبي صلى الله عليه وسلم قال: حديث : لقد قرأتُ سورة الرحمن على إخوانكم الجن، فكانوا أشدَّ استجابة منكم، كانوا إذا سمعوا {فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} ينطقون في نَفَس واحد: لا بشيء من نَعْمائك ربنا نكذبتفسير : ، فلك الحمد، يكررونها بتكرار الآية. واسمعهم يقولون: {أية : وَأَنَّهُ تَعَالَىٰ جَدُّ رَبِّنَا ..}تفسير : [الجن: 3] يعني: تعالتْ عظمته، ولهذه العظمة {أية : مَا ٱتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلاَ وَلَداً}تفسير : [الجن: 3] إذن: الجن يعلمون قضايا الإيمان وقضايا التوحيد، وربما كانوا أدقَّ منا في التعبير عنها، ويكفي أنهم حكموا على إبليس بالسَّفَه، فقالوا: {أية : وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى ٱللَّهِ شَطَطاً}تفسير : [الجن: 4]. نعود إلى ما كنا بصدده من قوله تعالى: {وَإِذْ صَرَفْنَآ إِلَيْكَ نَفَراً مِّنَ ٱلْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ ٱلْقُرْآنَ ..} [الأحقاف: 29] النفر: هم الجماعة من الثلاثة إلى الأربعين، صرفناهم إليك يعني: أتينا بهم إليك بدل أنْ تذهبَ أنتَ إليهم. {فَلَمَّا حَضَرُوهُ ..} [الأحقاف: 29] حضروا القراءة {قَالُوۤاْ أَنصِتُواْ ..} [الأحقاف: 29] استمعوا باهتمام وتدبُّر يعني: وصَّى بعضهم بعضاً بالإنصات {فَلَمَّا قُضِيَ ..} [الأحقاف: 29] انتهتْ القراءة {وَلَّوْاْ إِلَىٰ قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ} [الأحقاف: 29] ذهبوا إلى قومهم ينذروهم ويُبلِّغونهم ما سمعوه. {قَالُواْ يٰقَوْمَنَآ إِنَّا سَمِعْنَا كِتَاباً أُنزِلَ مِن بَعْدِ مُوسَىٰ ..} [الأحقاف: 30] أي: القرآن، وقولهم {مِن بَعْدِ مُوسَىٰ ..} [الأحقاف: 30] يدل على أنهم كانوا على صلة بالرسل السابقين، وأنهم كانوا مؤمنين بسيدنا موسى يعني: كانوا من اليهود. وذكروا موسى دون عيسى - عليهما السلام - لأن كتاب موسى هو المنهج الذي ينظم حركة الحياة وفيه شرائع وأحكام، أما كتاب عيسى فكان مجرد وجدانيات ووصايا، لذلك تنبهوا لهذه المسألة وجمعوا بين الإنجيل والتوراة في كتاب واحد مع وجود عصبية بينهما، وأسمَوْهُ الكتاب المقدس. ومعنى {مُصَدِّقاً ..} [الأحقاف: 30] أي: القرآن مُصدِّق {لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ ..} [الأحقاف: 30] لما قبله من الكتب السماوية، وما دام مُصدِّقاً لها إذن جاء بما جاءتْ به ولكن يزيد عليها أنه {يَهْدِيۤ إِلَى ٱلْحَقِّ وَإِلَىٰ طَرِيقٍ مُّسْتَقِيمٍ} [الأحقاف: 30] بما يناسب عالمية التدين. فكلّ رسول قبل محمد كان يأتي ليعالج أمراض مجتمعه في زمن محدود ومكان محدود، وقد يتعاصر الرسولان، كما رأينا في سيدنا إبراهيم، عاصره سيدنا لوط، وسيدنا موسى عاصر سيدنا شعيب. فالعالم في هذا الوقت كان في انعزال ووحدة، لم يكُنْ هناك الالتقاء الموجود الآن، والذي يجعل العالم كله كقرية صغيرة، فهذه الحياة المنعزلة تجعل كلَّ مجتمع لا يدري بغيره. لذلك كان لهم مفاسد خاصة تحتاج كلٌّ منها إلى رسول ليُصلحها ويأخذ بأيدي قومه إلى الله، فقوم عبدوا الأصنام من دون الله، وآخرون طفَّفوا المكيال والميزان، وآخرون انحرفوا جنسياً عن الطبيعة التي خلقها الله، وكل جماعة من هؤلاء تحتاج إلى رسول. لكن لما التقى العالم، ووُجدتْ بينه وسائل انتقال كان لا بُدَّ من رسول واحد، لأن المفاسد والآفاق ستتحد، لا بد من رسول واحد يصلح لكلِّ زمان ومكان، لذلك شرف كل زمان ومكان بالجامع للخير في كل زمان ومكان محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم. إذن: من الجن جماعة سمعوا وتحمَّلوا مهمة البلاغ، لذلك يقول سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : نضَّر الله أمرأ سمع مقالتي فوعاها، وأدَّاها إلى مَنْ لم يسمعها، فرُبَّ مُبلَّغ أوعى من سامع ". تفسير : نعم ومن يدريك لعل المبلَّغ يكون أحرصَ على التطبيق من السامع، وقد فطن الشاعر العربي إلى هذا المعنى فقال: شعر : فَخُذْ بِعلْمي وَلاَ تَنْظُرْ إلَى عَملِي وَاجْنِ الثِّمارَ وَخَلِّ العُودَ لِلنارِ تفسير : ثم يستمر هؤلاء الجماعة من الجن فى تبليغ قومهم وإنذارهم بما سمعوه: {يٰقَوْمَنَآ أَجِيبُواْ دَاعِيَ ٱللَّهِ ...}.
مجاهد بن جبر المخزومي
تفسير : أَنبا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: ثنا آدم قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح عن مجاهد: {وَإِذْ صَرَفْنَآ إِلَيْكَ نَفَراً مِّنَ ٱلْجِنِّ} [الآية: 29]. قال: لقيهم النبي، صلى الله عليه وسلم، ليلتئذ بنخلة.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {وَإِذْ صَرَفْنَآ إِلَيْكَ نَفَراً} قال الإِمام زيد بن علي عليهما السّلامُ: بَلغني أنهم كانوا تسعةً أحدُهم زوبعة أتوا النبي صلى الله عليه وَعَلة آلهِ وسلَّمَ ببطنِ نَخلةٍ وهو قائمٌ يُصلي فاستمعوا القُرآنَ. وقوله تعالى: {فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوۤاْ أَنصِتُواْ} معناه قالوا صه.
الجيلاني
تفسير : {وَ} اذكر لمن عاندك وكذلك إلزاماً لهم وتبكيتاً وقت {إِذْ صَرَفْنَآ} وأملنا {إِلَيْكَ} يا أكمل الرسل تأييداً لك ولشأنك {نَفَراً} جماعة {مِّنَ ٱلْجِنِّ} حال كونهم {يَسْتَمِعُونَ} منك {ٱلْقُرْآنَ} حين تلوته في صلاتك وتهجدك {فَلَمَّا حَضَرُوهُ} أي: القرآن وسمعوه، تعجبوا من حسن نظمه واتساقه، وكمال بلاغته وفصاحته {قَالُوۤاْ} أي: بعضهم لبعض: {أَنصِتُواْ} ولا تخالطوا أصواتكم حتى نسمع على وجهه؛ إذ هو كلام عجيب في أعلى مرتبة البلاغة {فَلَمَّا قُضِيَ} وتم قراءته وفهموا معناه وفحواه {وَلَّوْاْ} ورجعوا {إِلَىٰ قَوْمِهِم} حال كونهم {مُّنذِرِينَ} [الأحقاف: 29] بما يفهمون منه من الإنذارات والوعيدات القوم الذين بلغوا حد التكليف من إخوانهم ينذرونهم بها عن الضلال والانحراف عن طريق الحق. إذ: {قَالُواْ} أي: النفر المستمعون مبشرين لقومهم: {يٰقَوْمَنَآ إِنَّا سَمِعْنَا كِتَاباً} عجيباً سماوياً، وعربياً نظماً وأسلوباً {أُنزِلَ مِن بَعْدِ مُوسَىٰ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ} أي: جميع الكتب السالفة السماوية شأنه أنه {يَهْدِيۤ إِلَى} توحيد {ٱلْحَقِّ وَإِلَىٰ طَرِيقٍ مُّسْتَقِيمٍ} [الأحقاف: 30] موصل إليه بلا عوج وانحراف، وهذا الكتاب العجيب الشأن، الجلي البرهان، منزل إلى داع من العرب اسمه محمد صلى الله عليه وسلم يدعو قاطبة الأنام إلى دين الإسلام بوحي الله العليم العلام. {يٰقَوْمَنَآ أَجِيبُواْ دَاعِيَ ٱللَّهِ} يعني: محمداً صلى الله عليه وسلم واقبلوا منه دعوته إلى توحيد الحق ودين الإسلام {وَآمِنُواْ بِهِ} وبكتابه الذي أنزل إليه لتبيين دينه وتأييد أمره {يَغْفِرْ لَكُمْ} سبحانه {مِّن ذُنُوبِكُمْ} أي: من جميعها أن تبتم ورجعتم إليه مخلصين {وَيُجِرْكُمْ مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} [الأحقاف: 31] هو عذاب النار؛ إذ لا عذاب أشد منها وأفزع. {وَ} بالجملة: {مَن لاَّ يُجِبْ دَاعِيَ} ولا يؤمن به سبحانه، وبجميع ما جاء داعية من عنده، بل كذب الداعي وأنكر دعوته ولم يقبل منه {فَلَيْسَ} هو أي: المنكر {بِمُعْجِزٍ فِي ٱلأَرْضِ} حتى يهرب عن انتقامه سبحانه، ويفر من غضبه من مكان على مكان، أو يستر عنه سبحانه ويخفى نفسه في أقطار الأرض، بل له الإحاطة والاستيلاء بعموم الأمكنة والأنحاء {وَلَيْسَ لَهُ} أي: للمنكر المعاند {دُونِهِ} سبحانه {أَوْلِيَآءُ} يوالونه وينقذونه من غضب الله وعذابه بعدما نزل عليه، وبالجملة: {أُوْلَـٰئِكَ} المنكرون المكابرون الذين لا يجيبون داعي الله، ولا يقبلون منه دعوته عناداً ومكابرة {فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} [الأحقاف: 32] وغواية ظاهرة، يجازيهم سبحانه بمقتضى ما صدر عنهم من الغي والضلال.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : كان الله تعالى قد أرسل رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم إلى الخلق إنسهم وجنهم وكان لا بد من إبلاغ الجميع لدعوة النبوة والرسالة. فالإنس يمكنه عليه الصلاة والسلام دعوتهم وإنذارهم، وأما الجن فصرفهم الله إليه بقدرته وأرسل إليه { نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا } أي: وصى بعضهم بعضا بذلك، { فَلَمَّا قُضِي } وقد وعوه وأثر ذلك فيهم { وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ } نصحا منهم لهم وإقامة لحجة الله عليهم وقيضهم الله معونة لرسوله صلى الله عليه وسلم في نشر دعوته في الجن. { قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنزلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى } لأن كتاب موسى أصل للإنجيل وعمدة لبني إسرائيل في أحكام الشرع، وإنما الإنجيل متمم ومكمل ومغير لبعض الأحكام. { مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي } هذا الكتاب الذي سمعناه { إِلَى الْحَقِّ } وهو الصواب في كل مطلوب وخبر { وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ } موصل إلى الله وإلى جنته من العلم بالله وبأحكامه الدينية وأحكام الجزاء. فلما مدحوا القرآن وبينوا محله ومرتبته دعوهم إلى الإيمان به، فقالوا: { يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ } أي: الذي لا يدعو إلا إلى ربه لا يدعوكم إلى غرض من أغراضه ولا هوى وإنما يدعوكم إلى ربكم ليثيبكم ويزيل عنكم كل شر ومكروه، ولهذا قالوا: { يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ } وإذا أجارهم من العذاب الأليم فما ثم بعد ذلك إلا النعيم فهذا جزاء من أجاب داعي الله. { وَمَنْ لا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الأرْضِ } فإن الله على كل شيء قدير فلا يفوته هارب ولا يغالبه مغالب. { وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَولِيَاءُ أُولَئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ } وأي ضلال أبلغ من ضلال من نادته الرسل ووصلت إليه النذر بالآيات البينات، والحجج المتواترات فأعرض واستكبر؟!!
همام الصنعاني
تفسير : 2847- حدثنا عبد الرزاق، عن ابن عُيَيْنة، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: ليس في الجِنِّ رسالة، قال: إنما الرسالة في الإِنْسِ، والإِنذار في الجن، قال: {وَلَّوْاْ إِلَىٰ قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ}: [الآية: 29]. 2857- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن أيوب، عن سعيد بن جبير، في قوله تعالى: {وَإِذْ صَرَفْنَآ إِلَيْكَ نَفَراً مِّنَ ٱلْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ ٱلْقُرْآنَ}: [الآية: 29]، قال: لما بُعِثَ النبي صلى الله عليه وسلم حُرِسَت السَّمَاءُ، فقالت الشياطينُ: ما حُرِسَت إلا لأمرٍ حَدَثَ في الأرض، فبعث سراياه في الأرض، فوجدوا النبي صلى الله عليه وسلم قائماً يُصلِّي بأصحابه صلاة الفجر بِنَخْلَة وهو يقرأ فاسْتَمَعُوا، حتى إذا فَرَغَ، وَلّوا إلى قومهم منذرين {قَالُواْ يٰقَوْمَنَآ إِنَّا سَمِعْنَا كِتَاباً ...}: [الآية: 30]، حتى {مُّسْتَقِيمٍ}. 2858- حدثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن قتادة، حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم ذهب هو وابن مَسْعُود ليلة الجن، فخط النبي صلى الله عليه وسلم على ابن مسعود خطّاً، فقال: لا تخرج منه، ثم ذهب النبي صلى الله عليه وسلم فأتى الجنَّ فَقَرأَ عَلَيْهِم القُرْآنَ، ثم رجع النبي صلى الله عليه وسلم إلى ابن مسعود فقال له: هل رأيت شيئاً؟ فقال: سمعت لغطاً شديداً، قال: إن الجن تَدَارَأت في قتيل بينها فقضي بينهم بالحق، قال: وسألوا النبي صلى الله عليه وسلم الزَّادَ، فقال: "كُلُّ عَظْمٍ لكم عرق، وكل روثة لكم خضرة" قالوا: يا نبي الله، يقذرهما الناس علينا! فنهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يستنجي الناس بأحدهما، قال: فلمَّا قدم ابن مسعود الكوفة رأى الزُّط - وهم قوم طيال سود - فأفزعوه حين رآهم، فقال: أظهروا؟ فقيل له: إن هؤلاء قومٌ من الزط، فقالك ما أشبههم بالنَّفر الذين صرفوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم يريد الجن .
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):