Verse. 4540 (AR)

٤٦ - ٱلْأَحْقَاف

46 - Al-Ahqaf (AR)

قَالُوْا يٰقَوْمَنَاۗ اِنَّا سَمِعْنَا كِتٰبًا اُنْزِلَ مِنْۢ بَعْدِ مُوْسٰى مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْہِ يَہْدِيْۗ اِلَى الْحَـقِّ وَاِلٰى طَرِيْقٍ مُّسْـتَقِيْمٍ۝۳۰
Qaloo ya qawmana inna samiAAna kitaban onzila min baAAdi moosa musaddiqan lima bayna yadayhi yahdee ila alhaqqi waila tareeqin mustaqeemin

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«قالوا يا قومنا إنا سمعنا كتابا» هو القرآن «أنزل من بعد موسى مصدقا لما بين يديه» أي تقدمه كالتوراة «يهدي إلى الحق» الإسلام «وإلى طريق مستقيم» أي طريقه.

30

Tafseer

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {قَالُواْ يٰقَوْمَنَآ إِنَّا سَمِعْنَا كِتَاباً أُنزِلَ مِن بَعْدِ مُوسَىٰ} أي القرآن؛ وكانوا مؤمنين بموسى. قال عطاء: كانوا يهوداً فأسلموا؛ ولذلك قالوا: «أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى». وعن ٱبن عباس: أن الجنّ لم تكن سمعت بأمر عيسى، فلذلك قالت: «أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى». {مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ} يعني ما قبله من التوراة. {يَهْدِيۤ إِلَى ٱلْحَقِّ} دين الحق. {وَإِلَىٰ طَرِيقٍ مُّسْتَقِيمٍ} دين الله القويم. {يٰقَوْمَنَآ أَجِيبُواْ دَاعِيَ ٱللَّهِ} يعني محمداً صلى الله عليه وسلم؛ وهذا يدلّ على أنه كان مبعوثاً إلى الجنّ والإنس. قال مقاتل: ولم يبعث الله نبيًّا إلى الجنّ والإنس قبل محمد صلى الله عليه وسلم. قلت: يدلّ على قوله ما في صحيح مسلم عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : أعطِيت خمساً لم يُعْطَهُنّ أحدٌ قبلي كان كلّ نبيّ يُبعث إلى قومه خاصّةً وبُعثت إلى كلّ أحمرَ وأسْوَدَ وأحِلّت لِيَ الغنائم ولم تُحَلّ لأحد قبلي وجُعلت لِيَ الأرض طيّبةً طهوراً ومسجداً فأيُّمَا رجلٍ أدركته الصلاة صلّى حيث كان ونُصِرْتُ بالرُّعْب بين يَدَيْ مسِيرةِ شَهْرٍ وأُعطِيتُ الشفاعةَ»تفسير : . قال مجاهد: الأحمر والأسود: الجنّ والإنس. وفي رواية من حديث أبي هريرة: «حديث : وبُعثت إلى الخلق كافة وخُتم بِيَ النَّبيّون»تفسير : . {وَآمِنُواْ بِهِ} أي بالداعي، وهو محمد صلى الله عليه وسلم. وقيل: «به» أي بالله؛ لقوله: {يَغْفِرْ لَكُمْ مِّن ذُنُوبِكُمْ}. قال ابن عباس: فاستجاب لهم من قومهم سبعون رجلاً؛ فرجعوا إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم فوافقوه بالبطحاء؛ فقرأ عليهم القرآن وأمرهم ونهاهم. مسألة ـ هذه الآية تدلّ على أن الجنّ كالإنس في الأمر والنهي والثواب والعقاب. وقال الحسن: ليس لمؤمني الجنّ ثواب غير نجاتهم من النار؛ يدلّ عليه قوله تعالى: {يَغْفِرْ لَكُمْ مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ }. وبه قال أبو حنيفة قال: ليس ثواب الجنّ إلا أن يجاروا من النار، ثم يقال لهم: كونوا تراباً مثل البهائم. وقال آخرون: إنهم كما يعاقبون في الإساءة يجازَوْن في الإحسان مثل الإنس. وإليه ذهب مالك والشافعيّ وابن أبي ليلى. وقد قال الضحاك: الجنّ يدخلون الجنة ويأكلون ويشربون. قال القشيريّ: والصحيح أن هذا مما لم يُقطع فيه بشيء، والعلم عند الله. قلت: قوله تعالى: {أية : وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِّمَّا عَمِلُواْ} تفسير : [الأحقاف: 19] يدلّ على أنهم يثابون ويدخلون الجنة؛ لأنه قال في آية أخرى: {أية : يَامَعْشَرَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي ـ إلى أن قال ـ وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِّمَّا عَمِلُواْ}تفسير : [الأنعام: 130-132]. والله أعلم؛ وسيأتي لهذا في سورة «الرحمٰن» مزيد بيان إن شاء الله تعالى.

المحلي و السيوطي

تفسير : {قَالُواْ يٰقَوْمُنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَٰباً } هو القرآن {أُنزِلَ مِن بَعْدِ مُوسَىٰ مُصَدِّقاً لّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ } أي تقدمه كالتوراة {يَهْدِى إِلَى ٱلْحَقِّ } الإِسلام {وَإِلَىٰ طَرِيقٍ مُّسْتَقِيمٍ } أي طريقه.

ابن عطية

تفسير : المعنى: قال هؤلاء المنذرون لما بلغوا قومهم {يا قومنا إنا سمعنا كتاباً} وهو القرآن العظيم، وخصصوا {موسى} عليه السلام لأحد أمرين: إما لأن هذه الطائفة كانت تدين بدين اليهود، وإما لأنهم كانوا يعرفون أن موسى قد ذكر محمداً وبشر به، فأشاروا إلى موسى من حيث كان هذا الأمر مذكوراً في توراته. قال ابن عباس في كتاب الثعلبي: لم يكونوا علموا أمر عيسى عليه السلام، فلذلك قالوا {من بعد موسى}. وقولهم: {مصدقاً لما بين يديه} يؤيد هذا. و: {ما بين يديه} هي التوراة والإنجيل. و {الحق} و "الطريق المستقيم" هنا بمعنى يتقارب لكن من حيث اختلف اللفظ، وربما كان {الحق} أعم، وكأن أحدهما قد يقع في مواضع لا يقع فيها الآخر حسن التكرار. و: {داعي الله} هو محمد عليه السلام، والضمير في: {به} عائد على الله تعالى. وقوله: {يغفر} معناه: يغفر الله. {ويجركم} معناه: يمنعكم ويجعل دونكم جوار حفظه حتى لا ينالكم عذاب. وقوله تعالى: {ومن لا يجب داعي الله فليس بمعجز} الآية، يحتمل أن يكون من كلام المنذرين، ويحتمل أن يكون من كلام الله تعالى لمحمد عليه السلام، والمراد بها إسماع الكفار وتعلق اللفظ إلى هذا المعنى من قول الجن: {أجيبوا داعي الله} فلما حكى ذلك قيل ومن لا يفعل هذا فهو بحال كذا، والمعجز الذاهب في الأرض الذي يبدي عجز طالبه ولا يقدر عليه، وروي عن ابن عامر: "وليس لهم من دونه" بزيادة ميم. وقوله تعالى: {أو لم يروا} الضمير لقريش، وهذه آية مثل واحتجاج، لأنهم قالوا إن الأجساد لا يمكن أن تبعث ولا تعاد، وهم مع ذلك معترفون بأن الله تعالى خلق السماوات والأرض فأقيمت عليهم الحجة من أقوالهم. والرؤية في قوله: {أو لم يروا} رؤية القلب. وقرأ جمهور الناس: "ولم يعْيَ" بسكون العين وفتح الياء الأخيرة. وقرأ الحسن بن أبي الحسن "يعِ" بكسر العين وسكون الياء وذلك على حذف. والباء في قوله: {بقادر} زائدة مؤكدة، ومن حيث تقدم نفي في صدر الكلام حسن التأكيد بالباء وإن لم يكن المنفي ما دخلت على عليه كما هي في قولك: ما زيد بقائم كان بدل {أو لم يروا} أوليس الذي خلق. وقرأ ابن عباس وجمهور الناس: "بقادر" وقرأ الجحدري والأعرج وعيسى وعمرو بن عبيد: "يقدر" بالياء على فعل مستقبل، ورجحها أبو حاتم وغلط قراءة الجمهور لقلق الباء عنده. وفي مصحف عبد الله بن مسعود "بخلقهن قادر". و: {بلى} جواب بعد النفي المتقدم، فهي إيجاب لما نفي، والمعنى: بلى رأوا ذلك أن لو نفعهم ووقع في قلوبهم، ثم استأنف اللفظ الإخبار المؤكد بقوله: {إنه على كل شيء قدير}.

الخازن

تفسير : {قالوا يا قومنا إنا سمعنا كتاباً أنزل من بعد موسى مصدقاً} قال عطاء: كان دينهم اليهودية ولذلك {قالوا إنا سمعنا كتاباً أنزل من بعد موسى مصدقاً لما بين يديه} يعني من الكتب الإلهية المنزلة من السماء وذلك أن كتب الأنبياء كانت مشتملة على الدعوة إلى التوحيد وتصديق الأنبياء والإيمان بالمعاد والحشر والنشر وجاء هذا الكتاب وهو القرآن المنزل على محمد صلى الله عليه وسلم كذلك فذلك هو تصديقه لما بين يديه من الكتب {يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم} يعني: يهدي إلى دين الحق وهو دين الإسلام ويهدي إلى طريق الجنة {يا قومنا أجيبوا داعي الله} يعني محمداً صلى الله عليه وسلم لأنه لا يوصف بهذا غيره وفي الآية دليل على أنه مبعوث إلى الإنس والجن جميعاً قال مقاتل لم يبعث الله نبياً إلى الإنس والجن قبله {وآمنوا به}. فإن قلت قوله تعالى {أجيبوا داعي الله} أمر بإجابته في كل ما أمر به فيدخل فيه الأمر بالإيمان فلم أعاد ذكره بلفظ التعيين. قلت: إنما أعاده لأن الإيمان أهم أقسام المأمور به وأشرفها فلذلك ذكره على التعيين فهو من باب ذكر العام ثم يعطف عليه أشرف أنواعه {يغفر لكم من ذنوبكم ويجركم من عذاب أليم} قال بعضهم: لفظة من هنا زائدة والتقدير يغفر لكم ذنوبكم وقيل: هي على أصلها وذلك أن الله يغفر من الذنوب ما كان قبل الإسلام فإذا أسلموا جرت عليهم أحكام الإسلام فمن أتى بذنب أخذ به ما لم يتب منه أو يبقى تحت خطر المشيئة إن شاء الله غفر له وإن شاء آخذه بذنبه واختلف العلماء في حكم مؤمني الجن، فقال قوم: ليس لهم ثواب إلا نجاتهم من النار. وتأولوا قوله: {يغفر لكم من ذنوبكم ويجركم من عذاب أليم}. وإليه ذهب أبو حنيفة. وحكي عن الليث قال: ثوابهم أن يجاروا من النار ثم يقال لهم: كونوا تراباً مثل البهائم. وعن أبي الزناد قال: إذا قضى بين الناس، قيل لمؤمني الجن: عودوا تراباً، فيعودون، تراباً. فعند ذلك يقول الكافر: يا ليتني كنت تراباً. وقال الآخرون: لهم الثواب في الإحسان كما يكون عليهم العقاب في الإساءة كالإنس وهذا هو الصحيح وهو قول ابن عباس وإليه ذهب مالك وابن أبي ليلى. قال الضحاك: الجن يدخلون الجنة ويأكلون ويشربون. وقال أرطأة بن المنذر: سألت ضمرة بن حبيب: هل للجن ثواب؟ قال: نعم وقرأ {أية : لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان}تفسير : [الرحمٰن: 74] قال: فالإنسيات للإنس والجنيات للجن وقال عمر بن عبد العزيز: إن مؤمني الجن حول الجنة في ربض ورحاب وليسوا فيها يعني في الجنة. وقوله تعالى: {ومن لا يجب داعي الله فليس بمعجز في الأرض} يعني لا يعجز الله فيفوته {وليس له من دونه أولياء} يعني أنصاراً يمنعونه من الله {أولئك} يعني الذين لم يجيبوا داعي الله {في ضلال مبين} قوله تعالى: {أولم يروا أن الله الذي خلق السموات والأرض ولم يعي بخلقهن} يعني أنه تعالى خلق هذا الخلق العظيم ولم يعجز عن إبداعه واختراعه وتكوينه {بقادر على أن يحيي الموتى} يعني أن إعادة الخلق وإحياءه بعد الموت أهون عليه من إبداعه وخلقه فالكل عليه هين إبداع الخلق وإعادته بعد الموت وهو قوله {بلى إنه على كل شيء قدير} يعني من إماتة الخلق وإحيائهم لأنه قادر على كل شيء.

البقاعي

تفسير : ولما كان كأنه قيل: ما قالوا لهم في إنذارهم؟ قيل: {قالوا} أي لقومهم حين أقبلوا عليهم: {يا قومنا} مترققين لهم ومشفقين بهم بذكر ما يدل على أنهم منهم يهمهم ما يهمهم ويكربهم ما يكربهم كما قيل: شعر : وإن أخاك الحق من كان معك ومن يضر نفسه لينفعك تفسير : ولما كانوا - بنزول ما في أسفار الأنبياء من بني إسرائيل والزبور والإنجيل خالية من الأحكام والحدود إلا يسيراً من ذلك في الإنجيل - قاطعين أو كالقاطعين بأنه لا ينزل كتاب يناظر التوراة في الأحكام والحدود وغيرها، فكان قومهم ربما توقفوا في الإخبار بإنزال ما هو أشرف من ذلك، أكدوا قولهم: {إنا سمعنا} أي بيننا وبين القارئ واسطة، وأشاروا إلى أنه لم ينزل بعد التوراة شيء جامع لجميع ما يراد منه، مغن عن جميع الكتب غير هذا، وبذلك عرفوا أنه ناسخ لجميع الشرائع فقالوا على سبيل التبيين لما سمعوا: {كتاباً} أي ذكراً جامعاً، لا كما نزل بعد التوراة على بني إسرائيل {أنزل} أي ممن لا منزل في الحقيقة غيره، وهو مالك الملك وملك الملوك لأن عليه من رونق الكتب الإلهية ما يوجب القطع لسامعه بأنه منها فكيف إذا انضم إلى ذلك الإعجاز، وعلموا قطعاً بعربيته أنه عربي وبأنهم كانوا يضربون مشارق الأرض ومغاربها ويسمعون قراءة الناس لما يحدثونه من الحكم والخطب والكهانة والرسائل والأشعار، وبأنه مباين لجميع ذلك أنه قريب العهد بالنزول من محل العظمة، فقالوا مثبتين للجار: {من بعد موسى} عليه الصلاة والسلام، فلم يعتدوا بما أنزل بين هذا الكتاب وبين التوراة من الإنجيل وما قبله، لأنه لا يساوي التوراة في الجمع، ولا يعشر هذا الكتاب في الأحكام والحكم واللطائف والمواعظ مع ما زاد به من الإعجاز وغيره. ولما أخبروا بأنه منزل، أتبعوه ما يشهد له بالصحة فقالوا: {مصدقاً لِمَا بين يديه} أي من جميع كتب بني إسرائيل الإنجيل وما قبله؛ ثم بينوا تصديقه بقولهم: {يهدي إلى الحق} أي الأمر الثابت الذي يطابقه الواقع فلا يقدر أحد على إزالة شيء مما يخبر به، الكامل في جميع ذلك {وإلى طريق} موصل إلى المقصود الأعظم وهو الإيمان بمنزله {مستقيم *} فهو يوصل بغاية ما يمكن من السرعة، لا يمكن أن يكون فيه عوج، فيقدر السالك فيه على أن يختصر طريقاً يكون وتراً لما تقوس منه. ولما أخبروهم بالكتاب وبينوا أنه من عند الله وأنه أقرب موصل إليه، فكان قومهم جديرين بأن يقولوا: فما الذي ينبغي أن نفعل؟ أجابوهم بقوله: {يا قومنا} الذين لهم قوة العلم والعمل {أجيبوا داعي الله} أي الملك الأعظم المحيط بصفات الجلال والجمال والكمال، فإن دعوة هذا الداعي عامة لجميع الخلق، فالإجابة واجبة على كل من بلغه أمره. ولما كنا المجيب قد يجيب في شيء دون شيء كما كان أبو طالب عم النبي صلى الله عليه وسلم، عطفوا في خطابهم لهم في الدعوة أن قالوا: {وآمنوا به} أي أوقعوا التصديق بسبب الداعي لا بسبب آخر، فإن المفعول معه مفعول مع من أرسله وهو الله الذي جلت قدرته وآمنوه من كل تكذيب، أو الضمير للمضاف إليه وهو الله بدليل قولهم: {يغفر لكم}: فإنه يستر ويسامح {من ذنوبكم} أي الشرك وما شابهه مما هو حق لله تعالى أي وذلك الستر لا يكون إلا إذا حصل منكم الإجابة التامة والتصديق التام وأدخلوا "من" إعلاماً بأن مظالم العباد لا تغفر إلا بإرضاء أهلها وكذا ما يجازى به صاحبه في الدنيا بالعقوبات والنكبات والهموم ونحوها مما أشار إيه قوله تعالى{أية : وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير}تفسير : [الشورى: 30] {ويجركم} أي يمنعكم "إذا أجبتم" منع الجار لجاره لكونكم بالتحيز إلى داعيه صرتم من حزبه {من عذاب أليم *} واقتصارهم على المغفرة تذكير بذنوبهم لأن مقصودهم الإنذار لا ينافي صريح قوله ي هذه السورة{أية : ولكل درجات مما عملوا}تفسير : [الأنعام: 132] في إثبات الثواب، ونقله أبو حيان عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لهم ثواب وعليهم عقاب يلتقون في الجنة ويزدحمون على أبوابها. ولما فرغوا من التعريف بالحق والدلالة عليه والدعاء إليه والإنذار بالرفق بما أفهم كلامهم من أنهم إن لم يجيبوا انتقم منهم بالعذاب الأليم، أتبعوه ما هو أغلظ إنذاراً منه فقالوا: {ومن لا يجب} أي لا يتجدد منه أن يجيب {داعي الله} أي الملك الأعظم المحيط بكل شيء الذي لا كفوء له ولا طاقة لأحد بسخطه فعم بدعوة هذا الرسول صلى الله عليه وسلم جميع الخلق. ولما دل الكتاب والسنة كما قدمته في سورتي الأنعام والفرقان على عموم الرسالة، وكان التارك لإجابة من عمت رسالته عاصياً مستحقاً للعذاب، عبر عن عذابه، بما دل على تحتمه فقال تعالى: {فليس بمعجز} أي لما يقضي به عليه {في الأرض} فإنه آية سلك فيها فهو في ملكه وملكه وقدرته محيطة به {وليس له من دونه} أي الله الذي لا يجير إلا هو {أولياء} يفعلون لأجله ما يفعل القريب مع قريبه من الذب عنه والاستشفاع له والافتداء والمناصبة لأجله. ولما انتفى عنه الخلاص من كل وجه، وكان ذلك لا يختلف سواء كان العاصي واحداً أو أكثر، أنتج قوله سبحانه وتعالى معبراً بالجمع لأنه أدل على القدرة ودلالة على أن العصاة كثيرة لملاءمة المعاصي لأكثر الطبائع: {أولٰئك} أي البعيدون من كل خير {في ضلال مبين *} أي ظاهر في نفسه أنه ضلال، مظهر لكل أحد قبح إحاطتهم به، قال القشيري: ويقال: الإجابة على ضربين: إجابة الله، وإجابة الداعي، فإجابة الداعي بشهود الواسطة وهو الرسول صلى الله عليه وسلم، وإجابة الله بالجهر إذا بلغت المدعو رسالته صلى الله عليه وسلم على لسان السفير، وبالسر إذا حصلت التعريفات من الواردات على القلب، فمستجيب بنفسه، ومستجيب بقلبه، و مستجيب بروحه، ومستجيب بسره، ومن توقف عن دعاء الداعي إياه هجر فما كان يخاطب به.

التستري

تفسير : قوله: {يَهْدِيۤ إِلَى ٱلْحَقِّ وَإِلَىٰ طَرِيقٍ مُّسْتَقِيمٍ}[30] قال: أي يدل على طريق الحق بالخروج عن المعاملات والرسومات والتحقيق بالحق، وهو الصراط المستقيم.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {يَهْدِيۤ إِلَى ٱلْحَقِّ وَإِلَىٰ طَرِيقٍ مُّسْتَقِيمٍ} [الآية: 30]. قال جعفر: يدل على طريق الحق بالخروج من المعلومات والمرسومات والتحقق بالحق وهو الصراط المستقيم. قال ابن عطاء يهدى الحق فى الباطن وإلى طريق مستقيم فى الظاهر. قال ابن الفرحى: يهدى إلى الحق ببركاته وإلى طريق مستقيم بما فيه باتباع العلم.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {يَهْدِيۤ إِلَى ٱلْحَقِّ وَإِلَىٰ طَرِيقٍ مُّسْتَقِيمٍ} يرشد الى مشاهدة الحق والى طريق معرفته بنعت الخروج عما دون الله القرأن صفة الحق وصفته يدل على ذاته ترشد ظواهره الى بواطنه وبواطنه الى مصادره الازلية الابدية.

اسماعيل حقي

تفسير : {قالوا} اى عند رجوعهم الى قومهم {يا قومنا انا سمعنا كتابا} فيه اطلاق الكتاب على بعض اجزآئه اذ لم يكن القرءآن كله منزلا حينئذ {انزل من بعد} كتاب {موسى} قيل قالوه لانهم كانوا على اليهودية واسلموا وقال سعدى المفتى فى حواشيه قلت الظاهر انه مثل قول ورقة بن نوفل هذا الناموس الذى نزل الله على موسى فقد قالوا فى وجهه انه ذكر موسى مع انه كان نصرانيا تحقيقا للرسالة لان نزوله على موسى متفق عليه بين اليهود والنصارى بخلاف عيسى فان اليهود ينكرون نبوته او لأن النصارى يتبعون احكام التوراة ويرجعون اليها وهذان الوجهان متاتيان هنا ايضا وعن ابن عباس رضى الله عنهما ان الجن لم تكن سمعت بأمر عيسى عليه السلام فلذا قالوا من بعد موسى قال سعدى المفتى لعله لا يصح عن ابن عباس فانه فى غاية البعد اذ النصارى امة عظيمة منتشرة فى مشارق الارض ومغاربها فكيف يجوز ان لا يسمعوا بأمر عيسى وقال فى انسان العيون قولهم من بعد موسى بناء على ان شريعة عيسى مقررة لشريعة موسى لا ناسخة انتهى. يقول الفقير قد صح ان التوراة اول كتاب اشتمل على الاحكام والشرآئع بخلاف ما قبله من الكتب فانها لم تشتمل على ذلك انما كانت مشتملة على الايمان بالله وتوحيده ومن ثمة قيل لها صحف واطلاق الكتب عليها مجاز كما صرح به فى السيرة الحلبية فلما كان القرءآن مشتملا على الاحكام او الشرآئع ايضا صارت الكتب الآلهية كلها فى حكم كتابين التوراة والقرءآن فلذا خصصوا موسى بالذكر وفيه بيان لشرف الكتابين وجلالتهما {مصدقا لما بين يديه} اى موافقا لما قبله من التوراة والكتب الآلهية فى الدعوة الى التوحيد والتصديق وحقية امر النبوة والمعاد وتطهير الاخلاق ونحو ذلك {يهدى الى الحق} من العقائد الصحيحة {والى طريق مستقيم} موصل اليه لا عوج فيه وهو الشرآئع والاعمال الصالحة قال ابن عطاء يهدى الى الحق فى الباطن والى طريق مستقيم فى الظاهر

الأعقم

تفسير : {قالوا يا قومنا إنا سمعنا كتاباً أنزل من بعد موسى} عن عطاء: إنهم كانوا على اليهوديَّة، وعن ابن عباس: الجن لم تكن سمعت بأمر عيسى فلذلك قالوا من بعد موسى {مصدقاً لما بين يديه} من الكتب، يعني يصدق أنها حق {يهدي إلى الحق} يدل عليه {وإلى طريق مستقيم} ثم بيَّن تمام خبر الجن فقال سبحانه حاكياً عنهم: {يا قومنا أجيبوا داعي الله} يعني محمداً (صلى الله عليه وآله وسلم) لأنه يدعو إليه كما أن الكفار يدعون إلى الأوثان، وقيل: هو عام في كل من يدعو إلى توحيد الله وعدله وصدق وعده ووعيده {وآمنوا به}، قيل: آمنوا بالله، وقيل: برسوله {يغفر لكم من ذنوبكم}، وقيل: من للتبعيض فيغفر ما يتم عنه {ويجركم من عذاب أليم}، قيل: استجاب لهم سبعون رجلاً من الجن، وقوله تعالى: {ومن لا يجب داعي الله فليس بمعجز في الأرض} أي لا يفوت على الله ولا يعجزه بالهرب {وليس له من دونه أولياء} أي من دون الله ناصر يدفع العذاب عنه {أولئك في ضلال مبين} أي ذهاب عن الحق ظاهر، ثم عاد إلى الرد على منكري البعث فقال سبحانه: {أولم يروا أن الله الذي خلق السماوات والأرض}.... عرشي {ولم يعي بخلقهن} لم يعجز عنه، وقيل: لم يصبه كلال ولا إعياء ولا ضعف {بقادر على أن يحيي الموتى} بعد تفرق أجسادهم لأن اختراع الشيء أعظم من إعادته {بلى} جواب الاستفهام، إذا قيل: ألم تعلم ذلك؟ فيقول: به فاعلموا إنه قادر على ذلك، ثم عقبه بذكر الوعد فقال سبحانه: {ويوم يعرض الذين كفروا على النار} قيل: يعرض عليهم النار مع شدة أهوالها، وقيل: يدخلون النار، ثم يقال لهم توبيخاً: {أليس هذا بالحق قالوا بلى وربنا}، قيل: أنهم يعترفون في وقت لا ينفعهم، بل يقال لهم: {فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون} {فاصبر} يا محمد على أذاهم وأداء الرسالة {كما صبر أولو العزم من الرسل}، قيل: من للتأكيد والبيان لا للتبعيض، جميع الرسل أولو العزم لأنهم عزموا على أداء الرسالة والصبر فيها وتحمل الشدائد وأداء ما أمروا به، وقيل: من للتبعيض، وأراد بعضهم قيل: هم المذكورون في سورة الأنعام، وقيل: الذين أمروا بالقتال وأظهروا المكاشفة وجاهدوا وقاسوا قومهم كإبراهيم وموسى وعيسى، وقيل: اثني عشر من أنبياء بني إسرائيل منهم من قتل ومنهم من نشر بالمناشير، ومنهم من سلخ جلده، وقيل: أربعة موسى وعيسى ورابعهم محمد، وقيل: نوح صبر على أذى قومه كانوا يضربونه حتى يغشى عليه، وإبراهيم على النار وذبح ولده، وإسحاق على الذبح، ويعقوب على فقد ولده وذهاب بصره، ويوسف على الجب والسجن، وأيوب على الضر، وموسى، وداوود {ولا تستعجل لهم كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلاَّ ساعة من نهار بلاغٌ} يعني أن هؤلاء وإن امتد تقادمهم فعند رؤية العذاب لم يكن ذلك إلاَّ قليلاً كساعة من نهار، أي هذا {بلاغ} الذي وعظتم به كفاية في الموعظة {فهل يهلك إلاَّ القوم الفاسقون} الخارجون عن الاتعاظ به والعمل بموجبه.

الهواري

تفسير : {قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنزِلَ مِن بَعْدِ مُوسَى} كانوا على اليهودية قبل أن يسلموا. {مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ} أي: من الكتاب {يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُّسْتَقِيمٍ} أي: إلى دين مستقيم، وهو الطريق المستقيم إلى الجنة. {يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ} يعنون النبي عليه السلام {وَآمِنُوا بِهِ} أي: وصدّقوا به {يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ} أي: ذنوبكم كلها {وَيُجِرْكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ}.

اطفيش

تفسير : {قَالُواْ يَا قَوْمَنَآ إِنَّا سَمِعْنَا كِتَاباً} هو القرآن* {أُنزِلَ مِن بَعْدِ مُوسَى} كانوا يهودا لم يسمعوا بأمر عيسى كما مر عن عطاء وقال ابن عباس لم تسمع الجن بأمر عيسى وأقول يحتمل انهم علموا به وذكروا المتفق عليه {مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ} تقدمه كالتوراة وغيرها من كتب الله فيه ما فيها من التوحيد والبعث ونحوهما* {يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ} أي الاسلام {وَإِلَى طَرِيقٍ مُّسْتَقِيمٍ} يوصل الى الجنة

اطفيش

تفسير : جليلا هو القرآن {أنزل من بَعْد مُوسَى} وبعد عيسى، وخصوا {قالُوا} عند رجوعهم الى قومهم {يا قَومَنا إنَّا سَمِعْنا كتاباً} موسى بالذكر لاتفاق أهل الكتاب عليه وعلى التوراة، ولكثرة أحكامها، ولأن عيسى يجرى بمعظم ما فيها، وقيل: بكلها، ويرده: "وليحكم أهل الانجيل" الخ، وعن عطاء أنهم يهود لم يذكروا عيسى لكفرهم به، ويحتاج الى نقل، ولا يصح عن ابن عباس أنهم لم يعرفوا عيسى، لأن أمر عيسى أشهر من أن يخفى، ولا سيما عن الجن {مُصدقاً لما بَينَ يَديْه} من التوراة، أو منها ومن غيرها من كتب الله عز وجل، على أنهم قد عرفوا غيرها أيضا {يَهْدي الى الحق} من العقائد الصحيحة، وهى الأصلية {وإلى طَريقٍ مُستقيمٍ} الأحكام الفرعية أو الأصول والفروع، فيكون عطف عام على خاص.

الالوسي

تفسير : {قَالُواْ } أي عند رجوعهم إلى قومهم {يٰقَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَـٰباً } جليل الشأن {أُنزِلَ مِن بَعْدِ مُوسَىٰ } ذكروه دون عيسى عليهما السلام لأنه متفق عليه عند أهل الكتابين ولأن الكتاب المنزل عليه أجل الكتب قبل القرآن وكان عيسى عليه السلام مأموراً بالعمل بمعظم ما فيه أو بكله، وقال عطاء: لأنهم كانوا على اليهودية ويحتاج إلى نقل صحيح، وعن ابن عباس أن الجن لم تكن سمعت بأمر عيسى عليه السلام فلذا قالوا ذلك، وفيه بعد فإن اشتهار أمر عيسى عليه السلام وانتشار أمر دينه أظهر من أن يخفى لا سيما على الجن، ومن هنا قال أبو حيان: إن هذا لا يصح عن ابن عباس {مُصَدّقاً لّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ } من التوراة أو جميع الكتب الإلٰهية السابقة {يَهْدِي إِلَى ٱلْحَقّ } من العقائد الصحيحة {وَإِلَىٰ طَرِيقٍ مُّسْتَقِيمٍ } من الأحكام الفرعية أو ما يعمها وغيرها من العقائد على أنه من ذكر العام بعد الخاص.

د. أسعد حومد

تفسير : {يٰقَوْمَنَآ} {كِتَاباً} (30) - وَقَالَ النَّفَرُ مِنَ الجِنِّ، الذِينَ اسْتَمَعُوا إِلى تِلاوَة الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم القُرآنَ لِقَومِهِمْ: يَا قَومَنَا إِنَّنا سَمِعْنَا كِتاباً أَنزَلَهُ اللهُ بَعْدَ التَّوراةِ، الذِي أَنزَلَه عَلَى مُوسى، يُصَدِّقُ مَا أَنْزَلَه اللهُ قَبلَه مِنَ الكُتُبِ عَلَى رُسُلِه، وَيُرْشِدُ إِلى سَبيلِ الحَقِّ والهُدى، وَإِلى الطَّريقِ القَوِيمِ الذِي يُوصِلُ إِلى رِضْوانِ اللهِ وَجَنَّتِه. (وَقَدْ خَصَّ اللهُ التَّوْراةَ بالذِّكْرِ لأَنَّهُ الكِتَابُ الإِمامُ لِبَنِي إِسْرائِيلَ، وَلأَنَّ الإِنْجِيلَ مُتَمِّمٌ لِشَرِيعَةِ التَّورَاةِ).