Verse. 4541 (AR)

٤٦ - ٱلْأَحْقَاف

46 - Al-Ahqaf (AR)

يٰقَوْمَنَاۗ اَجِيْبُوْا دَاعِيَ اللہِ وَاٰمِنُوْا بِہٖ يَغْفِرْ لَكُمْ مِّنْ ذُنُوْبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِّنْ عَذَابٍ اَلِيْمٍ۝۳۱
Ya qawmana ajeeboo daAAiya Allahi waaminoo bihi yaghfir lakum min thunoobikum wayujirkum min AAathabin aleemin

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«يا قومنا أجيبوا داعي الله» محمدا صلى الله عليه وسلم إلى الإيمان «وآمنوا به يغفر» الله «لكم من ذنوبكم» أي بعضها لأن منها المظالم ولا تغفر إلا برضا أصاحبها «ويجركم من عذاب أليم» مؤلم.

31

Tafseer

المحلي و السيوطي

تفسير : { يٰقَوْمَنَا أَجِيبُواْ دَاعِىَ ٱللَّهِ } محمد صلى الله عليه وسلم إلى الإِيمان {وَءَامِنُواْ بِهِ يَغْفِرْ} الله {لَكُمْ مِّن ذُنُوبِكُمْ } أي بعضها لأن منها المظالم ولا تغفر إلا برضا أربابها {وَيُجِرْكُمْ مّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ } مؤلم.

ابو السعود

تفسير : {يٰقَوْمَنَا أَجِيبُواْ دَاعِىَ ٱللَّهِ وَءامِنُواْ بِهِ} أرادُوا به ما سمعُوه من الكتابِ وصفُوه بالدَّعوةِ إلى الله تعالى بعدَ ما وصفُوه بالهدايةِ إلى الحقِّ والصراطِ المستقيمِ لتلازمِهما، دَعَوهم إلى ذلكَ بعدَ بـيانِ حقِّيتِه واستقامتِه ترغيباً لهم في الإجابةِ ثم أكَّدُوه بقولِهم {يَغْفِرْ لَكُمْ مّن ذُنُوبِكُمْ} أي بعضَ ذنوبكم وهو ما كانَ في خالصِ حقِّ الله تعالى فإنَّ حقوقَ العبادِ لا تُغفرُ بالإيمانِ. {وَيُجِرْكُمْ مّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} معدَ للكفرةِ. واختُلفَ في أنَّ لهم أجراً غيرَ هذا أو لاَ والأظهرُ أنَّهم في حُكمِ بني آدمَ ثواباً وعقاباً. وقولُه تعالى: {وَمَن لاَّ يُجِبْ دَاعِىَ ٱللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِى ٱلأَرْضَ} إيجابٌ للإجابةِ بطريقِ الترهيبِ إثرَ إيجابِها بطريقِ الترغيبِ، وتحقيقٌ لكونهم منذرينَ. وإظهارُ دَاعي الله من غيرِ اكتفاءٍ بأحدِ الضميرينِ للمبالغةِ في الإيجابِ بزيادةِ التقريرِ وتربـيةِ المهابةِ وإدخالِ الرَّوعةِ، وتقيـيدُ الإعجازِ بكونِه في الأرضِ لتوسيعِ الدائرةِ أي فليسَ بمعجزٍ له تعالى بالهربِ وإن هربَ كلَّ مهربٍ من أقطارِها أو دخلَ في أعماقِها. وقولُه تعالى {وَلَيْسَ لَهُ مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء} بـيانٌ لاستحالةِ نجاتِه بواسطةِ الغيرِ إثرَ بـيانِ استحالةِ نجاتِه بنفسهِ. وجمعُ الأولياءِ باعتبارِ مَعْنى مَنْ فيكونُ من بابِ مقابلةِ الجمع بالجمعِ لانقسامِ الآحادِ إلى الآحادِ كما أنَّ الجمعَ في قولِه تعالى {أُوْلَـٰئِكَ} بذلكَ الاعتبارِ، أي أولئكَ الموصوفونَ بعدِ إجابةِ داعِي الله. {فِى ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ} أي ظاهرٌ كونَهُ ضلالاً بحيثُ لا يَخْفى على أحدٍ حيثُ أعرضُوا عن إجابةِ مَنْ هَذا شأنُه. {أَوَلَمْ يَرَوْاْ} الهمزةُ للإنكارِ، والواو للعطفِ على مقدرٍ يستدعيهِ المقامُ. والرؤيةُ قلبـيةٌ أيْ ألم يتفكَّروا ولم يعلمُوا علماً جازماً مُتاخِماً للمشاهدةِ والعيانِ {أَنَّ ٱللَّهَ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ} ابتداءً من غيرِ مثالٍ يحتذيهِ ولا قانونٍ ينتحيهِ. {وَلَمْ يَعْىَ بِخَلْقِهِنَّ} أي لم يتعبْ ولم ينصَبْ بذلك أصلاً أو لم يعجزْ عنهُ. يقالُ عيـيتُ بالأمرِ إذا لم يُعرفْ وجَههُ. وقولُه تعالى: {بِقَادِرٍ} في حيزِ الرفعِ لأنَّه خبرُ أنَّ كما ينبىءُ عنْهُ القراءةُ بغيرِ باءٍ، ووجُه دخولِها في القراءةِ الأُولى اشتمالُ النفيِّ الواردِ في صدرِ الآيةِ على أنَّ وَمَا في حيزِها كأنَّه قيلَ: أو ليسَ الله بقادرٍ. {عَلَىٰ أَن يُحْيِىَ ٱلْمَوْتَىٰ} ولذلكَ أجيبَ عنه بقولِه تعالى: {بَلَىٰ إِنَّهُ عَلَىٰ كُلّ شَىْء قَدِيرٌ} تقريراً للقدرةِ على وجهٍ عامَ يكونُ كالبرهانِ على المقصودِ.

التستري

تفسير : قوله: {يٰقَوْمَنَآ أَجِيبُواْ دَاعِيَ ٱللَّهِ}[31] قال: لا يجيب الداعي إلا من سمع النداء، فوفق للخيرات وأيقن، وإلا فمن يحسن إجابة الدعوة. وقال: إن في قلب كل مؤمن داعياً يدعوه إلى رشده، فالسعيد من سمع دعاء الداعي فاتبعه.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {يٰقَوْمَنَآ أَجِيبُواْ دَاعِيَ ٱللَّهِ} [الآية: 31]. قال سهل: لا يجيب الداعى إلا من أسمع النداء ووفق للجواب ولقن وإلا فمن يحصل على جواب هذه الدعوة وقال فى قلب كل مؤمن داع يدعوه إلى رشده والسعيد من سمع دعاء الداعى فاتبعه.

القشيري

تفسير : يقال الإجابة على ضربين: إجابةٌ لله، وإجابة للداعي؛ فإجابة الداعي بشهود الوساطة - وهو الرسول صلى الله عليه وسلم -. وإجابةُ الله بالجهْرِ إذا بَلَغَتْهُ الرسالةُ على لسان السفير، وبالسِّرِّ إذا حصلت التعريفاتُ من الواردات على القلب؛ فمستجيبٌ بنفسه ومستجيبٌ بقلبه ومستجيبٌ بروحه ومستجيبٌ بسرِّه. ومن توقف عن دعاء الداعي إيَّاه، ولم يبادرْ بالاستجابة هُجِرَ فيما كان يُخَاطب به.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {يٰقَوْمَنَآ أَجِيبُواْ دَاعِيَ ٱللَّهِ وَآمِنُواْ بِهِ} اخبر الله عن مقالة كبراء الجن وعلمائهم لمريدهم اى سمعتم باذان الارواح والاسرار مناداة الازل قبل الكون فاجيدها بنعت الطاعة على لسان حبيبه صلى الله عليه وسلم فانه مرشد الحق يهدى الى الحق ثم اتبع الاجابة بالايمان والتصديق فيما اخبر عن الحق سبحانه بقوله أمنوا به اى بكلامه وخطابه ورسوله يغفر لكم ذنوبكم هذا شرط بعد الايمان والاجابة والمتابعة اى يغفر لكم جهالتكم الاولية ويجركم من عذاب الحجاب قال سهل لا يجيب الداعى الا من اسمع اقتداء ووفق للجواب ولقن والا فمن يجسر على اجابة هذه الدعوة.

اسماعيل حقي

تفسير : {يا قومنا اجيبوا داعى الله} يعنى محمدا صلى الله عليه وسلم او أرادوا ما سمعوه من الكتاب فانه كما انه هاد كذلك هو داع الى الله تعالى {وآمنوا به يغفر لكم} اى الله تعالى {من ذنوبكم} اى بعض ذنوبكم وهو ما كان فى خالص حق الله فان حقوق العباد لا تغفر بالايمان بل برضى اربابها يعنى اذا أسلم الذمى لا يغفر عنه حقوق العباد بأسلامه وكذا لا تغفر عن الحربى اذا كان الحق ماليا قالوا ظلامة الكافر وخصومة الدابة اشد لان المسلم اما ان يحمل عليه ذنب خصمه بقدر حقه او يأخذ من حسناته والكافر لا يأخذ من الحسنات ولا ذنب للدابة ولا يؤهل لاخذ الحسنات فتعين العقاب {ويجركم من عذاب أليم} معد للكفرة وهو عذاب النار

الطوسي

تفسير : قرأ يعقوب {يقدر} بالياء جعله فعلا مستقبلا. الباقون - بالباء - اسم فاعل. لما حكى الله تعالى أن نفراً من الجن استمعوا القرآن وتدبروه ورجعوا به إلى قومهم مخوفين لهم من معاصي الله وأنهم قالوا إنا سمعنا كتاباً يعني القرآن انزل من بعد موسى مصدقاً لما بين يديه يعني التوراة يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم، حكى انهم قالوا ايضاً {يا قومنا أجيبوا داعي الله} يعنون محمداً صلى الله عليه وآله إذ دعاهم إلى توحيده وخلع الانداد دونه، وقال قوم: يجوز ان يكون المراد كل من دعا إلى الله تعالى. والاجابة موافقة الفعل للدعاء اليه بأنه عمل من أجله، ولهذا لا تكون موافقة الكافر - وإن كان إذا دعا به - إجابة له إذ لم يعمل من أجل دعائه اليه، وإنما عمل لأمر آخر. وعلى هذا قال بعضهم: إنه لا يجيب الله دعاء الكافر لان فيه إجلالا له كما لا يعمل شيئاً لأن فيه مفسدة. فان قيل: لو ان الكافر دعا إلى حق هل تلزم اجابته؟ قلنا: يجب العمل بما يدعو اليه، ولا تلزم إجابته، وإنما يجب العمل به، لانه حق. وقيل: يجوز إجابته إذا لم يكن فيه مفسدة. وقالوا لهم {آمنوا به} أي آمنوا بالله {يغفر لكم من ذنوبكم} (من) زائدة، والمعنى يغفر لكم ذنوبكم {ويجركم من عذاب أليم} فالاجارة من النار جعلهم فى جوار الأولياء المباعدين من النار. وفي الدعاء: اللهم أجرني من النار واللهم اعذنى منها. ثم قالوا ايضاً {ومن لا يجب داعي الله} تاركاً له إلى خلافه {فليس بمعجز} أي بفائت {في الأرض وليس له من دونه أولياء} ينصرونهم ويدفعون عنهم العذاب إذا نزل بهم، ويجوز ان يكون ذلك من كلام الله ابتداء. ثم قال {أولئك} يعني الذين لا يجيبون داعي الله {في ضلال} أي فى عدول عن الحق {مبين}. ثم قال تعالى منبهاً لهم على قدرته على الاعادة والبعث {أولم يروا} أي او لم يعلموا {أن الله الذي خلق السماوات والأرض} وانشأهما {ولم يعي بخلقهن} أي لم يصبه فى خلق ذلك إعياء ولا تعب {بقادر} فالباء زائدة وموضعه رفع بأنه خبر (أن) ودخول الباء فى خبر (ان) جائز إذا كان اول الكلام نفياً نحو ما ظننت أن زيداً بقائم ولو قلت: إن زيداً بقائم لا يجوز، لانه إثبات {على أن يحيي الموتى} ثم قال {بلى} هو قادر عليه {إنه على كل شيء قدير} ثم قال {ويوم يعرض الذين كفروا على النار أليس هذا بالحق} أي يقال لهم على وجه الاحتجاج عليهم أليس هذا الذي جزيتم به حق لا ظلم فيه لانكم شاهدتموه الآن {قالوا بلى وربنا} فيحلفون على ذلك، فيقال لهم عند ذلك {ذوقوا العذاب} جزاء {بما كنتم تكفرون} أي بما كنتم تجحدون من نعمه وتنكرون من وحدانيته ثم قال لنبيه صلى الله عليه وآله {فاصبر} يا محمد على أذى هؤلاء الكفار على ترك إجابتهم لك {كما صبر أولوا العزم من الرسل} قبلك على اممهم. وقال قوم: أولوا العزم هم الذين يثبتون على عقد القيام بالواجب وإجتناب المحارم، فعلى هذا الانبياء كلهم أولوا العزم، ومن قال ذلك جعل (من) ها هنا للتبيين لا للتبعيض. ومن قال: إن أولى العزم طائفة من الرسل وهم قوم مخصوصون قال (من) ها هنا للتبعيض وهو الظاهر فى روايات اصحابنا، وأقوال المفسرين، ويريدون بأولي العزم من أتى بشريعة مستأنفة نسخت شريعة من تقدم من الانبياء، قالوا وهم خمسة أولهم نوح ثم إبراهيم ثم موسى ثم عيسى ثم محمد صلى الله عليه وآله. ثم قال {ولا تستعجل لهم} العقاب {كأنهم يوم يرون ما يوعدون} من يوم القيامة لقرب مجيئه {لم يلبثوا إلا ساعة من نهار} من قلة لبثهم فى الدنيا. وقوله {بلاغ} قيل فى معناه قولان: احدهما - ذلك اللبث بلاغ. والآخر - هذا القرآن بلاغ. ثم قال {فهل يهلك} بهذا النوع من الاهلاك على وجه الاستحقاق {إلا القوم الفاسقون} الذين خرجوا من طاعة الله إلى معصيته ومن ولايته إلى عداوته.

الجنابذي

تفسير : {يٰقَوْمَنَآ أَجِيبُواْ دَاعِيَ ٱللَّهِ وَآمِنُواْ بِهِ يَغْفِرْ} الله او الدّاعى {لَكُمْ مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ وَمَن لاَّ يُجِبْ دَاعِيَ ٱللَّهِ} ابتداء كلام من الله تعالى او جزء كلام النّفر من الجنّ {فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي ٱلأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءُ أُوْلَـٰئِكَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ أَوَلَمْ يَرَوْاْ} هذا ايضاً امّا ابتداء كلام من الله او جزء كلام الجنّ {أَنَّ ٱللَّهَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَىٰ أَن يُحْيِـيَ ٱلْمَوْتَىٰ بَلَىٰ إِنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَيَوْمَ يُعْرَضُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ عَلَىٰ ٱلنَّارِ} عطف على اذ صرفنا عطف المفرد، او مقدّر باذكر، او متعلّق بيقال المقدّر، او بقالوا، وعطف نحو عطف الجملة {أَلَيْسَ هَـٰذَا بِٱلْحَقِّ} مقدّرٍ بالقول {قَالُواْ بَلَىٰ وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُواْ ٱلْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ} بالله او بالرّسول او بالآخرة او بالولاية فاذا كان أمر هؤلاء على ما ذكر.

اطفيش

تفسير : {يَا قَوْمَنَآ أَجِيبُواْ دَاعِيَ اللهِ} الى الاسلام محمداً صلى الله عليه وسلم واضافة داعي الله اضافة اسم فاعل لغير معموله وفي الآية دليل على انه بعث الى الانس والجن جميعاً زعموا من مقاتل انه لم يبعث اليهما قبله نبي {وَآمِنُواْ بِهِ} عطف خاص على عام لشرفه فان الايمان أهم أقسام المأمور به* {يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ}. قال الشيخ هود: (من) زائدة في الاثبات والتعريف أي (يغفر لكم ذنوبكم كلها) بايضاح ومن منع ذلك جعلها للتبعيض وليس بنافية {أية : إن الله يغفر الذنوب جميعاً} تفسير : لان الموجبة الجزئية انما تناقضها السالبة الكلية لا الموجبة الكلية وذاك البعض هو ما فعلوا قبل الاسلام وأما ما بعده فيؤخذون به في الدنيا ولو كالزنا أو ذلك لأن أحكامهم فيما بينهم مثلنا. وقال القاضي: هو ذنوبهم فيما بينهم وبين الله فان الظلم لا يغفر بالايمان والمذهب غفران الكل* {وَيُجِرْكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} يمنعكم منه ويدخلكم الجنة. قال ابن عباس والضحاك ومالك وابن أبي ليلى وهو مذهبنا وعليه الفخر وهو الصحيح. وقال أبو حنيفة والليث: ثوابهم أن يمنعوا من النار بدليل الآية. قال الليث وأبو الزناد: يرجع المؤمنون منهم تراباً اذا قضي بين الناس وحينئذ {أية : يقول الكافر يا ليتني كنت تراباً} تفسير : وقيل هم في صحارى الجنة. وعن عمر بن عبدالعزيز في رحاب حول الجنة لا فيها. قال ضمرة بن حبيب يدل على أن لهم ثواباً {أية : لم يطمثهن انس قبلهم ولا جان} تفسير : الانسيات للانس والجنيات للجن

اطفيش

تفسير : {يا قومنا} أعادوا النداء تأكيدا {أجيبُوا داعي الله} هو القرآن أو ما سمعوه منه، أو الرسول صلى الله عليه وسلم، سمعوا ذلك داعى الله، لأنه يدعو اليه، والإضافة بمعنى لام الملك أو الاستحقاق، وذلك كمؤذن السلطان، وقاضى السلطان {وآمنوا به} بالداعى أو بالله تعالى {يغْفِر لَكُم مِن ذُنُوبكم} أى يغفر ذنوبكم كلها، على أن من صلة عند الاخفش والكوفيين، والاسلام يجبّ ما قبله من حقوق الله وحقوق العباد، وقيل: من للتبعيض، والبعض الذى لا يغفر له حقوق العباد، وقد مر عن عطاء أن النفر كانوا قبل يهودا، وذلك تنزيلا لهم منزلة الموحد الفاسق، وقيل: تغفر ذنوب الحربى، ولو حقوق العباد إذا أسلم. وقد يقال: الذى لا يغفر ما حضر حال الاسلام كخميس زوجات، واستعباد مسلم، ووجود خمر عنده، ولا اشكال فى هذا، ومقام الكفر قبض لا بسط فلم يذكر المغفرة للكافر الا مبعضة غالباً، ومن غيره يغفر لهم ما قد سلف، فانه شامل لحقوق الخلق، وجاء البسط فى قوله تعالى: "أية : فقولا له قولاً ليناً" تفسير : [طه: 44] وقيل: البعض الآخر ما يفعله بعد اسلامه، فذكر من دفعا لتوهم اسقاطه بمجرد اسلامه، وقيل: جاء من، لأن الجن لم يعلموا أن الاسلام جبّ لما قبله كله. {ويُجركم مِن عَذابٍ أليمٍ} معد للكفرة، ومعلوم أن لا دار للمكلف بعد البعث إلا الجنة والنار، ومن لم يكن فى احداهن كان فى الآخرى فكما يجير الجن المؤمنين بالعذاب يثيبهم بالجنة، ولا فرق بينهم وبين الآدميين فى دخول الجنة، والتنعم بأكلها وشرابها وازواجها وغير ذلك، هذا مذهبنا، ومذهب مالك بن أنس، والحسن البصرى، والضحاك وغيرهم، وهو الحق، وعليه الأكثر واستدل له ضمرة بن حبيب بقوله تعالى: "أية : لم يطمثهن إنسٌ قبلهم ولا جان" تفسير : [الرحمن: 56] قال: الانسيات للانس، والجنيات للجن، وانما اقتصر فى الآية على ذكر العذاب، لأن المقام للانذار، نعم قيل: يكونون فى فيافى الجنة وأطرافها. وهو مروى عن مالك وطائفة. وقيل: هم أصحاب الأعراف، قيل: ونراهم فيها ولا يروننا. وزعم الليث أنه يجأرون من النار فيقال لهم: كونوا ترابا لقوله تعالى: {يغفر لكم من ذنوبكم ويجركم من عذاب أليم} وليس كذلك، ونسب لأبى حنيفة، وروى عنه الوقف، وعن عمر بن عبد العزيز: يكونون حول الجنة لا داخلها، وقيل يدخلون الجنة، ويلهمون التسبيح. ويلتذون به مكان الأكل والشرب وغيرهما، وهو قول الحارث المحاسبى، وفى اليواقيت: الخواص منهم يروننا فيها، كما أن الخواص منها يرونهم فى الدنيا، وقيل يروننا ونراهم لا كالدنيا، وعن أبى حنيفة يدخلون الجنة، ولا ثواب لهم فيها زائدة على دخولها، وعنه لا يكونون فى الجنة، ولا فى النار، ولكن فى معلوم الله تعالى، ومن زعم أن الله يرى فى الآخرة وذلك خطأ يقول: لا تراه الجن، كما لا تراه الملائكة إلا جبريل، فانه يراه مرة، وصححوا أن الجن تراه كما يراه الآدميون، والحق أن الله لا يراه أحد.

الالوسي

تفسير : {يٰقَوْمَنَا أَجِيبُواْ دَاعِيَ ٱللَّهِ } أرادوا به ما سمعوه من الكتاب ووصفوه بالدعوة إلى الله تعالى بعدما وصفوه بالهداية إلى الحق والطريق المستقيم لتلازمهما، وفي الجمع بينهما ترغيب لهم في الإجابة أي ترغيب، وجوز أن يكون أرادوا به الرسول صلى الله عليه وسلم {وَءامِنُواْ بِهِ } أي بداعي الله تعالى أو بالله عز وجل {يَغْفِرْ لَكُمْ مّن ذُنُوبِكُمْ } أي بعض ذنوبكم قيل: وهو ما كان خالص حقه عز وجل فإن حقوق العباد لا تغفر بالإيمان. وتعقبه ابن المنير بأن الحربـي إذا نهب الأموال وسفك الدماء ثم حسن إسلامه جَبَّ إسلامه إثم ما تقدم بلا إشكال ثم قال ويقال: إنه لم يرد وعد المغفرة للكافرين على تقدير الإيمان في كتاب الله تعالى إلا مبعضة وهذا منه فإن لم يكن لإطراده كذلك سر فما هو إلا أن مقام الكافرين قبض لا بسط فلذلك لم يبسط رجاؤه في مغفرة جملة الذنوب، وقد ورد في حق المؤمنين كثيراً، ورده صاحب «الإنصاف» بأن مقام ترغيب الكافر في الإسلام بسط لا قبض وقد أمر الله تعالى أن يقول لفرعون قولاً ليناً وقد قال تعالى: {أية : إِن يَنتَهُواْ يُغْفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ } تفسير : [الأنفال: 38] وهي غير مبعضة و {مَا } للعموم لا سيما وقد وقعت في الشرط. وقال بعض أجلة المحققين: إن الحربـي وإن كان إذا أسلم لا تبقى عليه تبعة أصلاً لكن الذمي إذا أسلم تبقى عليه حقوق الآدميين، والقوم ـ كما نقل عن عطاء ـ كانوا يهوداً فتبقى عليهم تبعاتهم فيما بينهم إذا أسلموا جميعاً من غير حرب فلما كان الخطاب معهم جيء بما يدل على التبعيض، وقيل: جيء به لعدم علم الجن بعد بأن الإسلام يجب إثم ما قبله مطلقاً وفيه توقف، وقد يقال: أرادوا بالبعض الذنوب السالفة ولو لم يقولوا ذلك لتوهم المخاطبون أنهم إن أجابوا داعي الله تعالى وآمنوا به يغفر لهم ما تقدم من ذنوبهم وما تأخر، وقيل: (من) زائدة أي يغفر لكم ذنوبكم. {وَيُجِرْكُمْ مّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ } معد للكفرة. وهذا ونحوه يدل على أن الجن / مكلفون، ولم ينص هٰهنا على ثوابهم إذا أطاعوا وعمومات الآيات تدل على الثواب، وعن ابن عباس لهم ثواب وعليهم عقاب يلتقون في الجنة ويزدحمون على أبوابها، ولعل الاقتصار هنا على ما ذكر لما فيه من التذكير بالذنوب والمقام الإنذار فلذا لم يذكر فيه شيء من الثواب، وقيل: لا ثواب لمطيعيهم إلا النجاة من النار فيقال لهم: كونوا تراباً فيكونون تراباً، وهذا مذهب ليث بن أبـي سليم وجماعة ونسب إلى الإمام أبـي حنيفة رضي الله تعالى عنه، وقال النسفي في «التيسير»: توقف أبو حنيفة في ثواب الجن في الجنة ونعيمهم لأنه لا استحقاق للعبد على الله تعالى ولم يقل بطريق الوعد في حقهم إلا المغفرة والإجارة من العذاب، وأما نعيم الجنة فموقوف على الدليل. وقال عمر بن عبد العزيز: إن مؤمني الجن حول الجنة في ربض وليسوا فيها، وقيل: يدخلون الجنة ويلهمون التسبيح والذكر فيصيبون من لذة ذلك ما يصيبه بنو آدم من لذائذهم، قال النووي في «شرح صحيح مسلم»: والصحيح أنهم يدخلونها ويتنعمون فيها بالأكل والشرب وغيرهما، وهذا مذهب الحسن البصري ومالك بن أنس والضحاك وابن أبـي ليلى وغيرهم.

الشنقيطي

تفسير : منطوق هذه الآية أن من أجاب داعي الله محمداً صلى الله عليه وسلم وآمن به، وبما جاء به، من الحق غفر الله له ذنوبه. وأجاره من العذاب الأليم، ومفهومها، أعني مفهوم مخالفتها، والمعروف بدليل الخطاب، أن من لم يجب داعي الله من الجن، ولم يؤمن به لم يغفر له، ولم يجره، من عذاب أليم، بل يعذبه ويدخله النار، وهذا المفهوم جاء مصرحاً به مبيناً في آيات أخر، كقوله تعالى:{أية : وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ}تفسير : [هود: 119] وقوله تعالى:{أية : وَلَـٰكِنْ حَقَّ ٱلْقَوْلُ مِنِّي لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ}تفسير : [السجدة: 13] وقوله تعالى: {أية : قَالَ ٱدْخُلُواْ فِيۤ أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ مِّن ٱلْجِنِّ وَٱلإِنْسِ فِي ٱلنَّارِ}تفسير : [الأعراف: 38]: وقوله تعالى{أية : فَكُبْكِبُواْ فِيهَا هُمْ وَٱلْغَاوُونَ وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ}تفسير : [الشعراء: 94-95] إلى غير ذلك من الآيات. أما دخول المؤمنين، المجيبين داعي الله من الجن، الجنة فلم تتعرض له الآية الكريمة بإثبات ولا نفي، وقد دلت آية أخرى على أن المؤمنين من الجن يدخلون الجنة، وهي قوله تعالى في سورة الرحمن: {أية : وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ}تفسير : [الرحمن: 46-47} وبه تعلم أن ما ذهب إليه بعض أهل العلم، قائلين إنه يفهم من هذه الآية، من أن المؤمنين من الجن لا يدخلون الجنة، وأن جزاء إيمانهم وإجابتهم داعي الله، هو الغفران وإجارتهم من العذاب الأليم فقط، كما هو نص الآية، كله خلاف التحقيق. وقد أوضحنا ذلك في كتابنا "دفع إيهام الاضطراب، عن آيات الكتاب" في الكلام على هذه الآية، من سورة الأحقاف فقلنا فيه ما نصه: هذه الآية، يفهم من ظاهرها، أن جزاء المطيع من الجن غفران ذنوبه، وإجارته من عذاب أليم، لا دخوله الجنة. وقد تمسك جماعة من العلماء منهم الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى، بظاهر هذه الآية، فقالوا إن المؤمنين المطيعين من الجن لا يدخلون الجنة، مع أنه جاء في آية أخرى، ما يدل على أن مؤمنيهم في الجنة وهي قوله تعالى:{أية : وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ}تفسير : [الرحمن: 46]، لأنه تعالى بين شموله للجن والإنس، بقوله {أية : فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ}تفسير : [الرحمن: 47]. ويستأنس لهذا بقوله تعالى:{أية : لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلاَ جَآنٌّ}تفسير : [الرحمن: 56] فإنه يشير إلى أن في الجنة جناً يطمثون النساء كالإنس. والجواب عن هذا، أن آية الأحقاف، نص فيها على الغفران، والإجارة من العذاب، ولم يتعرض فيها لدخول الجنة، بنفي ولا إثبات، وآية الرحمن نص فيها على دخولهم الجنة، لأنه تعالى قال فيها:{أية : وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ}تفسير : [الرحمن: 46]. وقد تقرر في الأصول أن الموصولات من صيغ العموم، فقوله: {وَلِمَنْ خَافَ}، يعم كل خائف مقام ربه، ثم صرح بشمول ذلك الجن والإنس معاً بقوله:{أية : فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ}تفسير : [الرحمن: 13-16-18-21-23]. فبين أن الوعد بالجنتين لمن خاف مقام ربه من آلائه، أي نعمه على الإنس والجن، فلا تعارض بين الآيتين، لأن إحداهما بينت ما لم تعرض له الأخرى. ولو سلمنا أن قوله: {يَغْفِرْ لَكُمْ مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ}، يفهم منه عدم دخولهم الجنة، فإنه إنما يدل عليه بالمفهوم، وقوله:{أية : وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ}تفسير : [الرحمن:46]{أية : فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ}تفسير : [الرحمن: 13] يدل على دخولهم الجنة بعموم المنطوق. والمنطوق مقدم على المفهوم كما تقرر في الأصول. ولا يخفى أنا إذا أردنا تحقيق هذا المفهوم المدعي وجدناه معدوماً من أصله للإجماع على أن قسمة المفهوم ثنائية، إما أن يكون مفهوم موافقة أو مخالفة ولا ثالث. ولا يدخل هذا المفهوم المدعي في شيء من أقسام المفهومين. أما عدم دخوله في مفهوم الموافقة بقسميه فواضح. وأما عدم دخوله في شيء من أنواع مفهوم المخالفة، فلأن عدم دخوله في مفهوم الحصر أو الغاية أو العدد أو الصفة أو الظرف واضح. فلم يبق من أنواع مفهوم المخالفة يتوهم دخوله فيه إلا مفهوم الشرط أو اللقب، وليس داخلاً في واحد منهما. فظهر عدم دخوله فيه أصلاً. أما وجه توهم دخوله في مفهوم الشرط، فلأن قوله: {يَغْفِرْ لَكُمْ مِّن ذُنُوبِكُمٍ} فعل مضارع مجزوم بكونه جزاء الطلب. وجمهور علماء العربية على أن الفعل إذا كان كذلك فهو مجزوم بشرط مقدر، لا بالجملة قبله، كما قيل به. وعلى الصحيح الذي هو مذهب الجمهور، فتقرير المعنى: {أَجِيبُواْ دَاعِيَ ٱللَّهِ وَآمِنُواْ بِهِ} إن تفعلوا ذلك يغفر لكم، فيتوهم في الآية مفهوم هذا الشرط المقدر. والجواب عن هذا: أن مفهوم الشرط عند القائل به، إنما هو في فعل الشرط لا في جزائه، وهو معتبر هنا في فعل الشرط على عادته، فمفهوم أن تجيبوا داعي الله وتؤمنوا به يغفر لكم، أنهم إن لم يجيبوا داعي الله ولم يؤمنوا به لم يغفر لهم، وهو كذلك. أما جزاء الشرط فلا مفهوم له لاحتمال أن تترتب على الشرط الواحد مشروطات كثيرة، فيذكر بعضها جزاء له فلا يدل على نفي غيره. كما لو قلت لشخص مثلاً: إن تسرق يجب عليك غرم ما سرقت. فهذا الكلام حق ولا يدل على نفي غير الغرم كالقطع، لأن قطع اليد مرتب أيضاً على السرقة كالغرم. وكذلك الغفران، والإجارة من العذاب ودخول الجنة كلها مرتبة على إجابة داعي الله والإيمان به. فذكر في الآية بعضها وسكت فيها عن بعض، ثم بين في موضع آخر، وهذا لا إشكال فيه. وأما وجه توهم دخوله في مفهوم اللقب، فلأن اللقب في اصطلاح الأصوليين هو ما لم يمكن انتظام الكلام العربي دونه، أعني المسند إليه سواء كان لقباً أو كنية أو اسماً او اسم جنس أو غير ذلك. وقد أوضحنا اللقب غاية في المائدة. والجواب عن عدم دخوله في مفهوم اللقب، أن الغفران والإجارة من العذاب المدعي بالفرض أنهما لقبان لجنس مصدريهما، وأن تخصيصهما بالذكر يدل على نفي غيرهما في الآية سندان لا مسند إليهما بدليل أن المصدر فيهما كامن في الفعل ولا يستند إلى الفعل إجماعاً ما لم يرد مجرد لفظه على سبيل الحكاية. ومفهوم اللقب عند القائل به إنما هو فيما إذا كان اللقب مسنداً إليه، لأن تخصيصه بالذكر عند القائل به يدل على اختصاص الحكم به دون غيره، وإلا لما كان للتخصيص بالذكر فائدة كما عللوا به مفهوم الصفة. وأجيب من جهة الجمهور: بأن اللقب ذكر ليمكن الحكم لا لتخصيصه بالحكم، إذ لا يمكن الإسناد بدون مسند إليه. ومما يوضح ذلك أن مفهوم الصفة الذي حمل عليه اللقب عند القائل به إنما هو المسند إليه لا في المسند، لأن المسند إليه هو الذي تراعى أفراده وصفاتها، فيقصد بعضها بالذكر دون بعض فيختص الحكم بالمذكور. أما المسند فإنه لا يراعى فيه شيء من الأفراد والأوصاف أصلاً، وإنما يراعى فيه مجرد الماهية التي هي الحقيقة الذهنية. ولو حكمت مثلاً على الإنسان بأنه حيوان، فإن المسند إليه الذي هو الإنسان في هذا المثال يقصد به جميع أفراده، لأن كل فرد منها حيوان بخلاف المسند الذي هو الحيوان في هذا المثال فلا يقصد به إلا مطلق ماهيته، وحقيقته الذهنية من غير مراعاة الأفراد، لأنه لو روعيت أفراده لاستلزم الحكم على الإنسان بأنه فرد آخر من أفراد الحيوان كالفرس مثلاً. والحكم بالمباين على المباين باطل، إذا كان إيجابياً باتفاق العقلاء. وعامة النظار على أن موضوع القضية إذا كانت غير طبيعية يراعى فيه ما يصدق عليه عنوانها من الأفراد باعتبار الوجود الخارجي، إن كانت خارجية أو الذهني إن كانت حقيقية. وأما المحمول من حيث هو فلا تراعى فيه الأفراد البتة. وإنما يراعى فيه مطلق الماهية، ولو سلمنا تسليماً جدلياً أن مثل هذه الآية يدخل في مفهوم اللقب، فجماهير العلماء على أن مفهوم اللقب لا عبرة به، وربما كان اعتباره كفراً كما لو اعتبر معتبر مفهوم اللقب في قوله تعالى:{أية : مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ ٱللَّهِ}تفسير : [الفتح: 29] فقال: يفهم من مفهوم لقبه أن غير محمد صلى الله عليه وسلم لم يكن رسول الله، فهذا كفر بإجماع المسلمين. فالتحقيق أن اعتبار مفهوم اللقب لا دليل عليه شرعاً ولا لغة ولا عقلاً، سواء كان اسم جنس، أو اسم عين، أو اسم جمع أو غير ذلك. فقولك جاء زيد لا يفهم منه عدم مجيء عمرو. وقولك: رأيت أسداً، لا يفهم منه عدم رؤيتك لغير الأسد. والقول بالفرق، بين اسم الجنس، فيعتبر، واسم العين فلا يعتبر، لا يظهر. فلا عبرة بقول الصيرفي وأبي بكر الدقاق وغيرهما من الشافعية. ولا يقول ابن خويز منداد وابن القصار من المالكية ولا يقول بعض الحنابلة باعتبار مفهوم اللقب، لأنه لا دليل على اعتباره عند القائل به، إلا أنه يقول: لو لم يكن اللقب مختصاً بالحكم لما كان لتخصيصه بالذكر فائدة، كما علل به مفهوم الصفة لأن الجمهور يقولون: ذكر اللقب ليسند إليه وهو واضح لا إشكال فيه. وأشار صاحب مراقي السعود إلى تعريف اللقب بالاصطلاح الأصولي وأنه أضعف المفاهيم بقوله: شعر : أضعفها اللقب وهو ما أبى من دونه نظم الكلام العرب تفسير : وحاصل فقه هذه المسألة أن الجن مكلفون، على لسان نبينا صلى الله عليه وسلم بدلالة الكتاب والسنة، وإجماع المسلمين وأن كافرهم في الجنة بإجماع المسلمين، وهو صريح قوله تعالى: {أية : لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ}تفسير : [هود: 119] وقوله تعالى: {أية : فَكُبْكِبُواْ فِيهَا هُمْ وَٱلْغَاوُونَ وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ}تفسير : [الشعراء: 94-95] وقوله تعالى:{أية : قَالَ ٱدْخُلُواْ فِيۤ أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ مِّن ٱلْجِنِّ وَٱلإِنْسِ فِي ٱلنَّارِ}تفسير : [الأعراف: 38] إلى غير ذلك من الآيات. وأن مؤمنيهم اختلف في دخولهم الجنة ومنشأ الخلاف الاختلاف في فهم الآيتين المذكورتين. والظاهر دخولهم الجنة كما بينا، والعلم عند الله تعالى. اهـ. منه بلفظه.

د. أسعد حومد

تفسير : {يٰقَوْمَنَآ} {وَآمِنُواْ} (31) - وَتَابَعَ النَّفَرُ مِنَ الجِنِّ نُصْحَهُمْ لِقَومِهِمْ فَقَالُوا: يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا رَسُولَ اللهِ مُحَمَّداً الذِي يَدْعُوكُم إِلى الإِيمَانِ بِرَبِّكُمْ، والإِخْلاَصِ في طَاعَتِه، وَصَدِّقُوه فِيما جَاءَ بِهِ مِنْ أَمْرٍ وَنَهْيٍ، يَغْفِرْ لَكُمْ رَبًُّكُمْ مَا سَلَفَ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيَقِكُمْ مِنْ عَذَابِهِ الأَلِيمِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : معنى {دَاعِيَ ٱللَّهِ ..} [الأحقاف: 31] الأصل فيه رسول الله ثم المبلّغ عنه منهج الله للقوم {وَآمِنُواْ بِهِ ..} [الأحقاف: 31] أي: بما جاء به {يَغْفِرْ لَكُمْ مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} [الأحقاف: 31] قال: {مِّن ذُنُوبِكُمْ ..} [الأحقاف: 31] فأفادت (من) التبعيض. يعني: يغفر لكم بعض الذنوب، وهذه المغفرة ثمرة الإيمان. ولم يقل كل الذنوب، لأن الحق سبحانه يغفر بعضها ويترك بعضها للتوبة والإنابة إليه، فمثلاً من الذنوب ما تغفرها الصلاة إلى الصلاة، أو الجمعة إلى الجمعة، أو رمضان إلى رمضان. لكن هناك ذنوب لا بُدَّ لها من توبة، ويكون لمغفرتها شروط أخرى كما لو كانت في حَقِّ العباد، وهناك مظالم ومتعلقات لا بُدَّ أنْ تُردَّ إلى أصحابها {وَيُجِرْكُمْ مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} [الأحقاف: 31] إذن: الذنوب ينشأ عنها العقاب في النار، وإذا غفر الذنوب أجار صاحبها من النار، وهذه قاعدة التخلية قبل التحلية كما ذكرنا. لكن لم يقُلْ هنا أنهم يدخلون الجنة، وهذا يفرض علينا سؤالاً: هل يدخل الجنُّ المؤمن الجنة؟ البعض يرى أنهم بعد الحساب سيتحوَّلون إلى تراب وتنتهي المسألة، بدليل أنه لم يُقلْ هنا أنهم يدخلون الجنة بعد أنْ يُجيرهم من النار. لكن ما داموا مكلّفين مثلنا، ومنهم المؤمن والكافر، إذن: لا بُدَّ من الجزاء بالجنة أو بالنار، فإنْ وقفت عند مسألة أنهم خُلِقوا من النار، فكيف يُعذَّبون بها؟ هذا أمر بعيد في أذهاننا نحن، لكنه يسير على الخالق سبحانه، فله قوانين أخرى. وسبق أنْ قلنا: أنت مخلوق من طين، فهل معنى ذلك أنك إذا نزلتَ البحر مثلاً (تبوش) ثم اقرأ إنْ شئتَ: {أية : إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِيۤ أَصْلِ ٱلْجَحِيمِ}تفسير : [الصافات: 64] فكيف تنبت شجرة في إصل الجحيم؟ إذن: لا تتكلم في هذه المسألة والله أعلم بخلقه. وقوله سبحانه: {وَمَن لاَّ يُجِبْ دَاعِيَ ٱللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي ٱلأَرْضِ ..} [الأحقاف: 32] معجز يعني: يُعجز غيره. والعجز ضعف لا يُمكنك من الفعل تقول: أعجز فلانٌ فلاناً يعني: سبَّب له ما يعجز عنه، ومنه قولنا: القرآن مُعجز يعني: أعجز العربَ عن الإتيان بمثله. فؤلاء الذين عصوْا الداعي إلى الله وكفروا به لن يُعجزونا، ولن يجدوا لهم مهرباً من عقابنا ولا مفرّاً منه. {وَلَيْسَ لَهُ مِن دُونِهِ ..} [الأحقاف: 32] من دون الله {أَوْلِيَآءُ ..} [الأحقاف: 32] يعني: يتولونهم ويدافعون عنهم أو يشفعون لهم، ولا قوة تمنع عنهم عذاب الله {أُوْلَـٰئِكَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} [الأحقاف: 32] يعني: هؤلاء الأولياء ضَلُّوا عنهم، تاهوا فلا وجود لهم. {مُّبِينٍ} [الأحقاف: 32] محيط، كما يفعل التائه الذي ضلَّ طريقه، فيذهب إلى هنا ويذهب إلى هناك، فلا يهتدي للغاية التي يريدها. ثم يعود السياق ويلفتهم إلى الآيات الكونية لعلهم يتدبرونها، لأنهم جحدوا وأنكروا ولم يستفيدوا بما خلقه اللهُ فيهم من وسائل الإدراك من سمع وبصر وتعقُّل، والحديث مرة أخرى عن الآيات الكونية وإظهارها لهم من باب تلوين العظات.