Verse. 4543 (AR)

٤٦ - ٱلْأَحْقَاف

46 - Al-Ahqaf (AR)

اَوَلَمْ يَرَوْا اَنَّ اللہَ الَّذِيْ خَلَقَ السَّمٰوٰتِ وَالْاَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِہِنَّ بِقٰدِرٍ عَلٰۗي اَنْ يُّـحْيِۦ الْمَوْتٰى۝۰ۭ بَلٰۗي اِنَّہٗ عَلٰي كُلِّ شَيْءٍ قَدِيْرٌ۝۳۳
Awalam yaraw anna Allaha allathee khalaqa alssamawati waalarda walam yaAAya bikhalqihinna biqadirin AAala an yuhyiya almawta bala innahu AAala kulli shayin qadeerun

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«أولم يروْا» يعلموا، أي منكرو البعث «أن الله الذي خلق السماوات والأرض ولم يَعْيَ بخلقهن» لم يعجز عنه «بقادر» خبر أن وزيدت الباء فيه لأن الكلام في قوة أليس الله بقادر «على أن يحيي الموتى بلى» هو قادر على إحياء الموتى «إنه على كل شيءٍ قدير».

33

Tafseer

الرازي

تفسير : في الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أنه تعالى ذكر في أول السورة ما يدل على وجود الإلٰه القادر الحكيم المختار، ثم فرع عليه فرعين: الأول: إبطال قول عبدة الأصنام والثاني: إثبات النبوّة وذكر شبهاتهم في الطعن في النبوة، وأجاب عنها، ولما كان أكثر إعراض كفار مكة عن قبول الدلائل بسبب اغترارهم بالدنيا واستغراقهم في استيفاء طيباتهم وشهواتها، وبسبب أنه كان يثقل عليهم الانقياد لمحمد والاعتراف بتقدمه عليهم ضرب لذلك مثلاً وهم قوم عاد فإنهم كانوا أكمل في منافع الدنيا من قوم محمد فلما أصروا على الكفر أبادهم الله وأهلكهم، فكان ذلك تخويفاً لأهل مكة بإصرارهم على إنكار نبوّة محمد عليه الصلاة والسلام، ثم لما قرر نبوته على الإنس أردفه بإثبات نبوته في الجن، وإلى ههنا قد تم الكلام في التوحيد وفي النبوة، ثم ذكر عقيبهما تقرير مسألة المعاد ومن تأمل في هذا البيان الذي ذكرناه علم أن المقصود من كل القرآن تقرير التوحيد والنبوّة والمعاد، وأما القصص فالمراد من ذكرها ما يجري مجرى ضرب الأمثال في تقرير هذه الأصول. المسألة الثانية: المقصود من هذه الآية إقامة الدلالة على كونه تعالى قادراً على البعث، والدليل عليه أنه تعالى أقام الدلائل في أول هذه السورة على أنه {هُوَ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ } ولا شك أن خلقها أعظم وأفخم من إعادة هذا الشخص حياً بعد أن صار ميتاً، والقادر على الأقوى الأكمل لا بد وأن يكون قادراً على الأقل والأضعف، ثم ختم الآية بقوله {إِنَّهُ عَلَىٰ كُلّ شَىْء قَدِيرٌ } والمقصود منه أن تعلق الروح بالجسد أمر ممكن إذ لو لم يكن ممكناً في نفسه لما وقع أولاً، والله تعالى قادر على كل الممكنات، فوجب كونه قادراً على تلك الإعادة، وهذه الدلائل يقينية ظاهرة. المسألة الثالثة: في قوله تعالى: {بِقَادِرٍ } إدخاله الباء على خبر إن، وإنما جاز ذلك لدخول حرف النفي على أن وما يتعلق بها، فكأنه قيل أليس الله بقادر، قال الزجاج لو قلت ما ظننت أن زيداً بقائم جاز، ولا يجوز ظننت أن زيداً بقائم، والله أعلم. المسألة الرابعة: يقال عييت بالأمر إذا لم تعرف وجهه ومنه {أية : أَفَعَيِينَا بِٱلْخَلْقِ ٱلأَوَّلِ } تفسير : [ق: 15]. واعلم أنه تعالى لما أقام الدلالة على صحة القول بالحشر والنشر ذكر بعض أحوال الكفار فقال: {وَيَوْمَ يُعْرَضُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ عَلَىٰ ٱلنَّارِ أَلَيْسَ هَـٰذَا بِٱلْحَقّ قَالُواْ بَلَىٰ وَرَبّنَا قَالَ فَذُوقُواْ ٱلْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ } فقوله {أَلَيْسَ هَـٰذَا بِٱلْحَقّ } التقدير يقال لهم أليس هذا بالحق والمقصود التهكم بهم والتوبيخ على استهزائهم بوعد الله ووعيده، وقولهم {أية : وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ } تفسير : [الصافات: 59].

القرطبي

تفسير : قوله تعالى:{أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّ ٱللَّهَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} الرؤية هنا بمعنى العلم. و «أنّ» وٱسمها وخبرها سدّت مسدّ مفعولي الرؤية. {وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَىٰ أَن يُحْيِـيَ ٱلْمَوْتَىٰ} احتجاج على منكري البعث. ومعنى «لَمْ يَعْيَ» يَعْجِز ويَضْعُف عن إبداعهنّ. يقال: عَيَّ بأمره وعَيِيَ إذا لم يهتد لوجهه؛ والإدغام أكثر. وتقول في الجمع عَيُوا، مخففاً، وعَيّوا أيضاً بالتشديد. قال:شعر : عَيُّوا بِأمرهمُ كما عَيّتْ ببيضتها الحمامهْ تفسير : وعيِيت بأمري إذا لم تهتد لوجهه. وأعياني هو. وقرأ الحسن «وَلَمْ يَعِي» بكسر العين وإسكان الياء؛ وهو قليل شاذّ، لم يأت إعلال العين وتصحيح اللام إلا في أسماء قليلة؛ نحو غاية وآية. ولم يأت في الفعل سوى بيت أنشده الفرّاء؛ وهو قول الشاعر:شعر : فكأنها بين النساء سَبِيكَةٌ تمشِي بِسُدّة بَيْتها فتُعِيّ تفسير : {بِقَادِرٍ} قال أبو عبيدة والأخفش: الباء زائدة للتوكيد كالباء في قوله: {وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيداً}، وقوله: {أية : تَنبُتُ بِٱلدُّهْنِ} تفسير : [المؤمنون:0 2]. وقال الكسائيّ والفرّاء والزجاج: الباء فيه خَلَف الاستفهام والجحد في أوّل الكلام. قال الزجاج: والعرب تدخلها مع الجحد تقول: ما ظننت أن زيداً بقائم. ولا تقول: ظننت أن زيداً بقائم. وهو لدخول «ما» ودخول «أنّ» للتوكيد. والتقدير: أليس الله بقادر، كقوله تعالى: {أية : أَوَلَـيْسَ ٱلَذِي خَلَقَ ٱلسَّمَاواتِ وَٱلأَرْضَ بِقَادِرٍ} تفسير : [يۤس: 81]. وقرأ ابن مسعود والأعرج والجحدرِيّ وابن أبي إسحاق ويعقوب «يَقدر» واختاره أبو حاتم؛ لأن دخول الباء في خبر «أنّ» قبيح. واختار أبو عبيد قراءة العامة؛ لأنها في قراءة عبد الله «خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ قَادِرٌ» بغير باء. والله أعلم.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى: {أَوَلَمْ يَرَوْاْ} أي: هؤلاء المنكرون للبعث يوم القيامة المستبعدون لقيام الأجساد يوم المعاد {ٱللَّهَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ} أي ولم يكرثه خلقهن، بل قال لها: كوني، فكانت بلا ممانعة ولا مخالفة، بل طائعة مجيبة خائفة وجلة، أفليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى؟ كما قال عز وجل في الآية الأخرى: {أية : لَخَلْقُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ أَكْـبَرُ مِنْ خَلْقِ ٱلنَّاسِ وَلَـٰكِنَّ أَكْـثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} تفسير : [غافر: 57] ولهذا قال تعالى: {بَلَىٰ إِنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}. ثم قال جل جلاله متهدداً ومتوعداً لمن كفر به: {وَيَوْمَ يُعْرَضُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ عَلَىٰ ٱلنَّارِ أَلَيْسَ هَـٰذَا بِٱلْحَقِّ} أي يقال لهم: أما هذا حق؟ أفسحر هذا أم أنتم لا تبصرون؟ {قَالُواْ بَلَىٰ وَرَبِّنَا} أي لا يسعهم إلا الاعتراف {قَالَ فَذُوقُواْ ٱلْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ} ثم قال تبارك وتعالى آمراً رسوله صلى الله عليه وسلم بالصبر على تكذيب من كذبه من قومه: {فَٱصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ ٱلْعَزْمِ مِنَ ٱلرُّسُلِ} أي على تكذيب قومهم لهم. وقد اختلفوا في تعداد أولي العزم على أقوال وأشهرها أنهم نوح وإبراهيم وموسى وعيسى وخاتم الأنبياء محمد صلى الله عليه وسلم، قد نص الله تعالى على أسمائهم من بين الأنبياء في آيتين من سورتي الأحزاب والشورى، وقد يحتمل أن يكون المراد بأولي العزم جميع الرسل، فتكون {مِّنَ} في قوله: من الرسل لبيان الجنس، والله أعلم. وقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن الحجاج الحضرمي، حدثنا السري بن حيان، حدثنا عباد بن عباد، حدثنا مجالد بن سعيد عن الشعبي عن مسروق قال: قالت لي عائشة رضي الله عنها: ظل رسول الله صلى الله عليه وسلم صائماً ثم طواه، ثم ظل صائماً ثم طواه، ثم ظل صائماً ثم قال: «حديث : يا عائشة إن الدنيا لا تنبغي لمحمد، ولا لآل محمد، يا عائشة إن الله تعالى لم يرض من أولي العزم من الرسل إلا بالصبر على مكروهها والصبر عن محبوبها، ثم لم يرض مني إلا أن يكلفني ما كلفهم، فقال: {فَٱصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ ٱلْعَزْمِ مِنَ ٱلرُّسُلِ} وإني والله لأصبرن كما صبروا جهدي، ولا قوة إلا بالله» تفسير : {وَلاَ تَسْتَعْجِل لَّهُمْ} أي لا تستعجل لهم حلول العقوبة بهم؛ كقوله تبارك وتعالى: {أية : وَذَرْنِى وَٱلْمُكَذِّبِينَ أُوْلِى ٱلنَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلاً} تفسير : [المزمل: 11] وكقوله تعالى: {أية : فَمَهِّلِ ٱلْكَـٰفِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً}تفسير : [الطارق: 17] {كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوۤاْ إِلاَّ سَاعَةً مِّن نَّهَارٍ} كقوله جل وعلا: {أية : كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوۤاْ إِلاَّ عَشِيَّةً أَوْ ضُحَـٰهَا} تفسير : [النازعات: 46] وكقوله عز وجل: {أية : وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَن لَّمْ يَلْبَثُوۤاْ إِلاَّ سَاعَةً مِّنَ ٱلنَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ} تفسير : [يونس: 45] الآية. وقوله جل وعلا: {بَلَـٰغٌ}. قال ابن جرير: يحتمل معنيين: أحدهما أن يكون تقديره: وذلك لبثّ بلاغ، والآخر أن يكون تقديره: هذا القرآن بلاغ. وقوله تعالى: {فَهَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ ٱلْقَوْمُ ٱلْفَـٰسِقُونَ} أي لا يهلك على الله إلا هالك، وهذا من عدله عز وجل؛ أنه لا يعذب إلا من يستحق العذاب، والله أعلم. آخر تفسير سورة الأحقاف، ولله الحمد والمنّة، وبه التوفيق والعصمة.

المحلي و السيوطي

تفسير : {أَوَ لَمْ يَرَوْاْ } يعلموا، أي منكرو البعث {أَنَّ ٱللَّهَ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَلَمْ يَعْىَ بِخَلْقِهِنَّ } لم يعجز عنه {بِقَادِرٍ } خبر أنَّ وزيدت الباء فيه لأن الكلام في قوة أليس الله بقادر؟ {عَلَىٰ أَن يُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰ بَلَىٰ }؟ هو قادر على إحياء الموتى {إِنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ }.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {فَاصْبِر كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِن الرُّسُلِ} فيهم ستة أوجه: أحدها: أن أولي العزم من الرسل الذين أمروا بالقتال من الأنبياء، قاله السدي والكلبي. الثاني: أنهم العرب من الأنبياء، قاله مجاهد والشعبي. الثالث: من لم تصبه فتنة من الأنبياء، قاله الحسن. الرابع: من أصابه منهم بلاء بغير ذنب، قاله ابن جريج. الخامس: أنهم أولوا العزم، حكاه يحيى. السادس: أنهم أولوا الصبر الذين صبروا على أذى قومهم فلم يجزعوا. وروت عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إن الله عز وجل لم يرض عن أولي العزم من الرسل إلا بالصبر على مكروهها والصبر على مخبوئها ". تفسير : وفي أولي العزم منهم ستة أقاويل: أحدها: أن جميع الأنبياء أولوا العزم، ولم يبعث الله رسولاً إلا كان من أولي العزم. فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يصبر كما صبروا، قاله ابن زيد. الثاني: أن أولي العزم منهم نوح وهود وإبراهيم، فأمر الله رسوله أن يكون رابعهم، قاله أبو العالية. الثالث: أنهم نوح وإبراهيم وموسى وعيسى، قاله ابن عباس. الرابع: أنهم نوح وهود وإبراهيم وشعيب وموسى، قاله عبد العزيز. الخامس: أنهم إبراهيم وموسى وداود وسليمان وعيسى ومحمد صلوات الله عليهم، قاله السدي. السادس: أن منهم إسماعيل ويعقوب وأيوب، وليس منهم يونس ولا سليمان ولا آدم، قاله ابن جريج. {وَلاَ تَسْتَعْجِلَ لَّهُمْ} فيه وجهان: أحدهما: بالدعاء عليهم، قاله مقاتل. الثاني: بالعذاب وهذا وعيد. {كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ} فيه وجهان: أحدهما: من العذاب، قاله يحيى. الثاني: من الآخرة، قاله النقاش. {لَمْ يَلْبَثُواْ إِلاَّ سَاعَةً مِن نَّهَارٍ} فيه وجهان: أحدهما: في الدنيا حتى جاءهم العذاب، وهو مقتضى قول يحيى. الثاني: في قبورهم حتى بعثوا للحساب، وهو مقتضى قول النقاش. {بَلاَغٌ} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أن ذلك اللبث بلاغ، قاله ابن عيسى. الثاني: أن هذا القرآن بلاغ، قاله الحسن. الثالث: أن هذا الذي وصفه الله بلاغ، وهو حلول ما وعده إما من الهلاك في الدنيا أو العذاب في الآخرة على ما تقدم من الوجهين: {فَهَلْ يُهْلَكُ} يعني بعد هذا البلاغ. {إِلاَّ الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ} قال يحيى: المشركون. وذكر مقاتل أن هذه الآية نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد، فأمره الله أن يصبر على ما أصابه كما صبر أولوا العزم من الرسل تسهيلاً عليه وتثبيتاً له، والله أعلم.

البقاعي

تفسير : ولما أتم سبحانه وتعالى ما اقتضاه مقصود هذه السورة من أصول الدين وفروعه والتحذير من سطواته بذكر بعض مثلاته، وختم بضلال من لم يجب الداعي، نبه على أن أوضح الأدلة على إحاطته بالجلال والجمال وقدرته على الأجل المسمى الذي خلق الخلق لأجله ما جلى به مطلع السورة من إبداع الخافقين وما فيهما من الآيات الظاهرة للأذن والعين، فقال مبكتاً لهم على ضلالهم عن إجابة الداعي ومنكراً عليهم وموبخاً لهم مرشداً بالعطف على غير مذكور إلى أن التقدير: ألم ير هؤلاء الضلال ما نصبنا في هذه السورة من أعلام الدلائل وواضح الرسائل في المقاصد والوسائل، عاطفاً عليه قوله تعالى رداً لمقطع السورة بتقرير المعاد على مطلعها المقرر للبدء بخلق الكونين بالحق: {أو لم يروا} أي يعلموا علماً هو في الوضوح كالرؤية {أن الله} ودل على هذا الاسم الأعظم بقوله: {الذي خلق السماوات} على ما احتوت عليه مما يعجز الوصف من العبر {والأرض} على ما اشتملت عليه من الآيات المدركة بالعيان والخبر {ولم يعي} أي يعجز، يقال: عيي بالأمر - إذ لم يهتد لوجه مراده أو عجز عنه ولم يطق إحكامه، قال الزجاج: يقال: عييت بالأمر - إذ لم تعرف وجهه، وأعييت: تعبت، وفي القاموس: وأعيى بالأمر: كل {بخلقهن} أي بسببه فإنه لو حصل له شيء من ذلك لأدى إلى نقصان فيهما أو في إحدهما، وأكد الإنكار المتضمن للنفي بزيادة الجار في حيز "أن" فقال تعالى: {بقادر} أي قدرة عظيمة تامة بليغة {على أن يحيي} أي على سبيل التجديد مستمراً {الموتى} والأمر فيهم لكونه إعادة ولكونهم جزاء يسيراً منها ذكر اختراعه أصغر شأناً وأسهل صنعاً. ولما كان هذا الاستفهام الإنكاري في معنى النفي، أجابه بقوله تعالى {بلى} قد علموا أنه قادر على ذلك علماً هو في إتقانه كالرؤية بالبصر لأنهم يعلمون أنه المخترع لذلك، وأن الإعادة أهون من الابتداء في مجاري عاداتهم، ولكنهم عن ذلك، غافلون لأنهم عنه معرضون، ولما كانوا مع هذه الأدلة الواضحة التي هي أعظم من المشاهدة بالبصر ينكرون ما دلت عليه هذه الصنعة من إحاطة القدرة، علل ذلك مؤكداً له بقوله مقرراً للقدرة على وجه عام يدخل فيه البعث الذي ذكر أول السورة أنه ما خلق هذا الخلق إلا لأجله ليختم بما بدأ به {إنه على كل شيء} أي هو أهل لأن تتعلق القدرة به {قدير *}. ولما ثبت البعث بما قام من الدلائل ذكر ببعض ما يحصل في يومه من الأهوال تحذيراً منه، فقال عاطفاً على ما تقديره: اذكر لهم هذا القياس الناطق بالمراد وما مضى في هذه السورة من الزواجر {ويوم} أي واذكر يوم {يعرض} بأيسر أمر من أوامرنا {الذين كفروا} أي ستروا بغفلتهم وتماديهم عليه هذه الأدلة الظاهرة {على النار} عرض الجند على الملك فيسمعوا من تغيظها وزفيرها ويروا من لهيبها واضطرامها وسعيرها ما لو قدر أن أحداً يموت من ذلك لماتوا من معاينته وهائل رؤيته. ولما كان كأنه قيل: ماذا يصنع بهم في حال عرضهم؟ قيل: يقال على سبيل التبكيت والتقريع والتوبيخ: {أليس هذا} أي الأمر العظيم الذي كنتم به توعدون ولرسلنا في أخبارهم تكذبون {بالحق} أي الأمر الثابت الذي يطابقه الواقع، فلا قدرة لكم على صليه أمر هو خيال وسحر، فلا تبالون بوروده. ولما اشتد تشوف السامع العالم بما كانوا يبدون من الشماخة والعتو إلى جوابهم، قال في جوابه مستأنفاً: {قالوا} أي مصدقين حيث لا ينفع التصديق: {بلى} وما كفاهم البدار إلى تكذيب أنفسهم حتى أقسموا عليه لأن حالهم كان مباعداً للإقرار، وذكروا صفة الإحسان زيادة في الخضوع والإذعان {وربنا} أي إنه لحق هو من أثبت الأشياء، وليس فيه شيء مما يقارب السحر، ثم استأنف جواب من سأل عن جوابه لهم بقوله تعالى: {قال} مبكتاً لهم بياناً لذلهم موضع كبرهم الذي كان في الدنيا مسبباً عن تصديقهم هذا الذي أوقعوه في غير موضعه وجعلوه في دار العمل التي مبناها على الإيمان بالغيب تكذيباً معبراً بما يفهم غاية الاستهانة لهم: {فذوقوا العذاب} أي باشروه مباشرة الذائق باللسان، ثم صرح بالسبب فقال: {بما كنتم} أي خلقاً وخلقاً مستمراً دائماً أبداً {تكفرون *} في دار العمل. ولما علم بما قام من الأدلة وانتصب من القواطع أن هذا مآلهم، سبب عنه قوله رداً على ما بعد خلق الخافقين في مطلعها من أمر الرسول صلى الله عليه وسلم ونسبتهم له إلى الافتراء وما بعده: {فاصبر} أي على مشاق ما ترى في تبليغ الرسالة، قال القشيري: والصبر هو الوقوف بحكمِ الله والثبات من غير بث ولا استكراه. {كما صبر أولوا العزم} أي الجد في الأمر والحزم في الجد والإرادة المقطوع بها والثبات الذي لا محيد عنه، الذين مضوا في أمر الله مضياً كأنهم أقسموا عليه فصاروا كالأسد في جبلته والرجل الشديد الشجاع المحفوف بقبيلته، قال الرازي في اللوامع: فارقت نفوسهم الشهوات والمنى فبذلوا نفوسهم لله صدقاً لاتفاق النفس القلب على البذل. ولما تشوف السامع إلى بيانهم قال: {من الرسل} عليهم الصلاة والسلام، وقيل وهو ظاهر جداً: أن "من" للتبعيض، والمراد بهم أصحاب الشرائع الذين اجتهدوا في تأسيس قواعدها وتثبيت معاقدها، ومشاهيرهم نوح وإبراهيم وموسى وعيسى صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين وقد نظمهم بعضهم في قوله: شعر : أولو العزم نوح والخليل بن آزر وموسى وعيسى والحبيب محمد تفسير : والخلاف في تعيينهم كثير منتشر هذا القول أشهر ما فيه، وكله مبني على أن "من" للتبعيض وهو الظاهر، والقول بأنهم جميع الرسل - قال ابن الجوزي - قاله ابن زيد واختاره ابن الأنباري وقال: "من" للتجنيس لا للتبعيض، وفي قول أنهم جميع الأنبياء إلا يونس عليه الصلاة والسلام - قال ابن الجوزي: حكاه الثعلبي. ولما أمره بالصبر الذي من أعلى الفضائل، نهاه عن العجلة التي هي من أمهات الرذائل، ليصح التحلي بفضيلة الصبر الضامنة للفوز والنصر فقال: {ولا تستعجل لهم} أي تطلب العجلة وتوجدها بأن تفعل شيئاً مما يسوءهم في غير حينه الأليق به. ولما كان ما أمر به ونهى عنه في غاية الصعوبة، سهله بقوله مستأنفاً: {كأنهم يوم يرون} أي في الدنيا عند الموت مثلاً أو في الآخرة وقت العرض والحساب والهول الأعظم الأكبر الذي تقدمت الإشارة إليه جداً والتحذير منه لأهل المعاصي والبشارة فيه لأهل الطاعة، فأما هذه الطائفة فإذا رأوا {ما يوعدون} من ظهور الدين في الدنيا والبعث في الآخرة، وبناه للمفعول لأن المنكىء هو الإيعاد لا كونه من معين {لم يلبثوا} أي في الدنيا حيث كانوا عالين {إلا ساعة}. ولما كانت الساعة قد يراد بها الجنس وقد تطلق على الزمن الطويل، حقق أمرها وحقرها بقوله: {من نهار} ولما تكفل ما ذكر في هذه السورة من الحجج الظاهرة والبراهين الباهرة ببيان ما هو مقصودها بحيث لم يبق فيه لبس، وكان مقصودها آئلاً إلى سورة إبراهيم عليه الصلاة والسلام، وهو التوحيد اللازم منه إحاطة العلم بكل شيء وشمول القدرة لكل شيء ختمت بما ختمت به إبراهيم إلا أن لحواميم لباباً، حذف المبتدأ ومتعلق الخبر وقيل: {بلاغ} أي هذا الذي ذكر هنا هو من الظهور وانتشار النور بحيث يرد المنذرين ويوصلهم إلى رضى العزيز الحكيم الكافل بالنور الدائم والنعيم المقيم، ومن لم يوصله فذلك الذي حكم العزيز بشقائه فلا حيلة لغيره في شفائه من عظيم دائه، ولذلك سبب عن كونه بلاغاً قوله زيادة على ختام إبراهيم ما يناسب مطلعها: {فهل يهلك} بني للمفعول من أهلك، لأن المحذور الهلاك وإن لم يعين المهلك، وللدلالة على أن إهلاكهم عليه سبحانه وتعالى يسير جداً {إلا القوم} الذين فيهم أهلية القيام بما يحاولونه من اللدد {الفاسقون *} أي العريقون في إدامة الخروج من محيط ما يدعو إليه هادي العقل والفطرة الأولى من الطاعة الآتي بها النقل إلى مضل المعصية الناهي عنها والعقل، وأما الذين فسقوا والذين يفسقون فإن هادي هذه السورة يردهم ويوصلهم إلى المقصود، فهذا الآخر نتيجة قوله أولها {والذين كفروا عما أنذروا معرضون} وذكر اليوم الموعود هو الأجل الذي أوجد الخافقان لأجله وبسببه والدلالة على القدرة بخلقهما من غير إعياء هو ذكره أولهما أنهما ما خلقا إلا بالحق، وذكر البلاغ هو تنزيل الكتاب من الله وحكمه على العريق بالفسق بالهلاك مع الهادي الشفيق ولغيره بالنجاة بعد انسيابه في الفسق مع التكرر هو من ثمرات العزة والحكمة، فقد التحم هذا الآخر بذاك الأول أيّ التحام، واتصل بمعناه اتصال الجوهر النفيس في متين النظام، والتأم بأول التي تليها أحسن التئام فسبحان من جعله أشرف الكلام، لكونه صفة الملك العلام، منزلاً على خاتم الرسل الكرام، ورسول - الملك العلام - صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأهل بيته الكرام وسلم تسليماً كثيراً.

القشيري

تفسير : الرؤيةُ هنا بمعنى العلم. {وَلَمْ يَعْيَ} أي ولم يعجز ولم يَضْعفُ. قوله جلّ ذكره: {وَيَوْمَ يُعْرَضُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ عَلَىٰ ٱلنَّارِ}. ثم يقال لهم على سبيل تأكيد إلزام الحجة: قوله جلّ ذكره: {أَلَيْسَ هَـٰذَا بِٱلْحَقِّ قَالُواْ بَلَىٰ وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُواْ ٱلْعَذَابَ}. جزاءً لكم على كُفْركم. قوله جل ذكره: {فَٱصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ ٱلْعَزْمِ مِنَ ٱلرُّسُلِ}. أولو الجد والصبر والحزم. وجاء في التفسير أنهم: نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ومحمد صلى الله عليه سلم. وقيل: هود وصالح وشعيب ومحمد عليهم السلام. وقيل: منهم يعقوب وأيوب ويونس. والصبرُ هو الوقوفُ لحُكْمِ الله، والثباتُ من غير بثٍ ولا استكراهٍ. قوله جلّ ذكره: {كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوۤاْ إِلاَّ سَاعَةً مِّن نَّهَارٍ}. ويقال مُدّةُ الخلْقِ: من مبتدأ وقتهم إلى مُنتَهى آجالهم بالإضافة إلى الأزليّة كلحظةٍ بل هي أقلُّ؛ إذ الأزلُ لا ابتداء له ولا انتهاء.. وأي خَطَرٍ لما حصل في لحظةٍ... خيراً كان أو شَرَّاً؟!

اسماعيل حقي

تفسير : {اولم يروا} الهمزة للانكار والواو للعطف على مقدر يستدعيه المقام والرؤية القلبية اى ألم يتفكروا ولم يعلموا علما جازما فى حكم المشاهدة والعيان {ان الله الذى خلق السموات والارض} ابتدآء من غير مثال {ولم يعى بخلقهن} اى لم يتعب ولم ينصب بذلك اصلا او لم يعجز عنه يقال عييت بالامر اذا لم تعرف وجهه واعييت تعبت وفى القاموس اعيى الماشى كل وفى تاج المصادر العى بكسر العين اندرماندن والماضى عيى وعى والنعت عيى على فعل بالفتح والاعياء درماندن ومانده شدن ودررفتن ومانده كردن واعيى عليه الامر انتهى وحكى فى سبب تعلم الكسائى النحو على كبره انه مشى يوما حتى اعيى ثم جلس الى قوم ليستريح فقال قد عييت بالتشديد بغير همزة فقالوا له لا تجالسنا وانت تلحن قال الكسائى وكيف قالوا ان اردت من التعب فقل اعييت وان اردت من انقطاع الحيلة والتعجيز فى الامر فقل عييت مخففا فقام من فوره وسأل عمن يعلم النحو فأرشدوه الى معاذ فلزمه حتى نفد ما عنده ثم خرج الى البصرة الى الخليل ابن احمد. يقول الفقير الظاهر ان المراد بالعى هنا اللغوب الواقع فى قوله {أية : ولقد خلقنا السموات والارض وما بينهما فى ستة ايام وما مسنا من لغوب} تفسير : والقرءآن يفسر بعضه بعضا فالاعياء مرفوع محال لانه لو كان لاقتضى ضعفا واقتضى فسادا {بقادر} خبر أن ووجه دخول الباء اشتمال النفى الوارد فى صدر الآية على ان وما فى حيزها كأنه قيل او ليس الله بقادر {على ان يحيى الموتى} ولذا اجيب عنه بقوله {بلى انه على كل شئ قدير} تقريرا للقدرة على وجه عام يكون كالبرهان على المقصود يعنى ان الله تعالى اذا كان قادرا على كل شئ كان قادرا على احياء الموتى لانه من جملة الاشياء وقدرته تعالى لا تختص بمقدور دون مقدور فبلى يختض بالنفى ويفيد ابطاله على ما هو المشهور وان حكى الرضى عن بعضهم انه جازا استعمالها فى الايجاب

ابن عجيبة

تفسير : قلت: {ولم يَعْيَ} حال من فاعل "خلق"، يُقال: عَي، كرضَى، وَعِيَ بالإدغام، وهو أكثر. قاله في الصحاح. وفي القاموس: عَيَّ بالأمر وعَيِيَ كرَضِيَى، وتَعايا واسْتَعيا وتَعَيَّا: لم يهتدِ لوجه مُراده، أو عَجَزَ عنه ولم يُطِقْ إحْكَامه. هـ. و {بقادر} خبر "أن"، ودخلت الباء لاشتمال النفي الذي في صدر الآية على "أنّ" وما في حيّزها، قال الزجاج: لو قلت: ما ظنت أنَّ زيداً بقائم، جاز. يقول الحق جلّ جلاله: {أَوَ لَمْ يَرَوا} أي: ألم يتكّفروا ولم يعلموا علماً جازماً {أنَّ الله الذي خلق السماوات والأرض} ابتداء من غير مثال يحتويه، ولا قانون يحتذيه، {و} الحال أنه { لم يَعْيَ بخلقهن} أي: لم يتعب ولم ينصب بذلك أصلاً، ولم يعجز عنه، أليس مَن فعل ذلك {بقادرٍ على أن يحيي الموتى بلى} جواب النفي، أي: بلى هو قادر على ذلك، {إِنه على كل شيء قديرٌ} تقرير للقدرة على وجه عام، ليكون كالبرهان على المقصود. ثم ذكر عقاب مَن أنكر البعث المبرهن عليه، فقال: {و} اذكر {يوم يُعرض الذين كفروا على النار} فيقال لهم: {أليس هذا بالحق} فالإشارة إلى ما يُشاهدونه من فظيع العذاب، وفيه تهكُّم بهم، وتوبيخ لهم، على استهزائهم بوعد الله تعالى ووعيده، ونفيه بقوله: "وما نحن بمعذبين"، {قالوا} في جواب الملائكة: {بلى وربَّنا} إنه لحق، أكدوا جوابهم بالقسم كأنهم يطمعون في الخلاص بالاعتراف بحقيقتهما كما في الدنيا، وأنَّى لهم ذلك؟ {قال} تعالى لهم: {فذُوقوا العذابَ بما كنتم تكفرون} بها في الدنيا، ومعنى الأمر: الإهانة بهم والتوبيخ لهم، نعوذ بالله من موارد الهوان. الإشارة: تربية اليقين تطلب في أمرين، حتى يكونا كرأي العين: وجود الحق أو شهوده، وإيتان الساعة وقربها، حتى تكون نُصب العين، وتقدّم حديث حارثة شاهداً على إيمانه، حيث قال:"حديث : وكأني أنظر إلى أهل الجنة يتزاورون..."تفسير : الحديث. ثم أمر بالصبر على ما يسمع من الكفرة، في إمكان البعث وغيره، فقال: {فَٱصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ ٱلْعَزْمِ}.

اطفيش

تفسير : {أَوَ لَمْ يَرَوْاْ} أو لم يعلم منكرو البعث. {أَنَّ اللهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ} والعياء يطلق على فشل الأعضاء تعالى الله عنه وعنها وعلى عدم معرفة وجه الشيء تعالى الله عن ذلك. وفي ذلك رد على اليهود قبحهم الله اذ زعموا انه عيي بخلقهن فاستلقى فوضع احدى رجليه على الأخرى فاستراح* {بِقَادِرٍ} الباء زائدة لتأكيد النفي في خبر ان لتقدم النفي كأنه قيل (أليس بقادر) قاله ابن هشام وقرأ ابن مسعود ويعقوب باسقاطها وهو دليل الزيادة. قال الزجاج: (لو قلت ما ظننت أن زيداً بقائم لجاز). قال ابن هشام: والذي سهل ذلك تباعد ما بينهما ولهذا لم تدخل في {أية : أَو لم يروا ان الله الذي خلق السموات والأرض قادر على أن يخلق مثلهم} تفسير : {عَلَى أَن يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى} ايجاب للمنفي أي قدرته وواجبة لا تنقضى ولا تنقطع بالايجاد لم يعجزه خلق السموات والأرض العظام وابداعها فكيف باحياء الموتى بل الكل في قدرته سواء* {إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} وقرئ بقدر وهذا تقديره للقدرة العامة الشاملة لتلك الخاصة

اطفيش

تفسير : {أو لم يَروا} ألم يتفكروا ولم يروا، أو الاستفهام انكار وتوبيخ، وهذا كلام مستأنف من الله عز وجل، والرؤية عملية أى أو لم يعلموا {أنَّ الله الَّذى خَلق السَّماوات والأرض ولَم يَعْي بَخلْقهنَّ} مع أنهن سبع غلاظ واسعات جدا، لم يصبه عياء، اى فتور وتعب {بقادرٍ} الباء صلة للتأكيد لتقدم النفى بلم، كما تزاد فى خبر ما النافية وخبر ليس، وهو مقصور على السماع، وأجازه الزجاج قياسا فى باب ظن نحو: ما ظننت أحدا بقائم، أى قائما كأنه قيل: أليس الله بقادر {عَلى أَنْ يُحْيِىَ الموتى} ولذلك أجيب عنه بقوله تعالى: {بَلى إنَّه على كل شىءٍ قديرٌ} تقريرا للقدرة على وجه عام كالبرهان، كأنه قيل من الشكل الأول احياء الموتى شىء، وكل شىء مقدور له فإحياؤهم مقدور له، فهو قادر.

الالوسي

تفسير : { أَوَ لَمْ يَرَوْاْ} الهمزة للإنكار والواو على أحد القولين عطف على مقدر دخله الاستفهام يستدعيه المقام. والرؤية قلبية أي ألم يتفكروا ولم يعلموا {أَنَّ ٱللَّهَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ} أي لم يتعب بذلك أصلاً من عيي كفعل بكسر العين، ويجوز فيه الإدغام بمعنى تعب كأعيا، وقال الكسائي: أعييت من التعب وعييت من انقطاع الحيلة والعجز والتحير في الأمر؛ وأنشدوا:شعر : عيوا بأمرهم كما عيت ببيضتها الحمامة تفسير : أي لم يعجز عن خلقهن ولم يتحير فيه، واختار بعضهم عدم الفرق. وقرأ الحسن {ولم يعي} بكسر العين وسكون الياء، ووجهه أنه في الماضي فتح عين الكلمة كما قالوا في بقي بقى بفتح القاف وألف بعدها وهي لغة طيء، ولما بنى الماضي على فعل مفتوح العين بني مضارعه على يفعل مكسورها فجاء يعيى فلما دخل الجازم حذف الياء فبقي يعي بنقل حركة الياء إلى العين فسكنت الياء. وقوله تعالى: {بِقَادِرٍ } في حيز الرفع لأنه خبر أنْ / والباء زائدة فيه، وحسن زيادتها كون ما قبلها في حيز النفي، وقد أجاز الزجاج ما ظننت أن أحداً بقائم قياساً على هذا، قال أبو حيان: والصحيح قصر ذلك على السماع فكأنه قيل هنا: أو ليس الله بقادر {عَلَىٰ أَن يُحْيِيَ ٱلْمَوْتَىٰ } ولذلك أجيب عنه بقوله تعالى: {بَلَىٰ إِنَّهُ عَلَىٰ كُلّ شَيْء قَدِيرٌ } تقريراً للقدرة على وجه عام يكون كالبرهان على المقصود، ولذا قيل: إن هذا مشير إلى كبرى لصغرى سهلة الحصول فكأنه قيل: إحياء الموتى شيء وكل شيء مقدور له فينتج أن إحياء الموتى مقدور له، ويلزمه أنه تعالى قادر على أن يحيي الموتى. وقرأ الجحدري وزيد بن علي وعمرو بن عبيد وعيسى والأعرج بخلاف عنه ويعقوب {يقدر } بدل {بِقَادِرٍ } بصيغة المضارع الدال على الاستمرار وهذه القراءة على ما قيل موافقة أيضاً للرسم العثماني.

ابن عاشور

تفسير : عود إلى الاستدلال على إمكان البعث فهو متصل بقوله: {أية : والذي قال لوالديه أفَ لكما أتَعِدَانِني أن أُخرج وقد خلت القرون من قبلي}تفسير : [الأحقاف: 17] إلى قوله: {أية : أولئك الذين حق عليهم القول في أمم قد خلت من قبلهم من الجن والإنس إنهم كانوا خاسرين}تفسير : [الأحقاف: 18] فهو انتقال من الموعظة بمصير أمثالهم من الأمم إلى الاستدلال على إبطال ضلالهم في شركهم وهو الضلال الذي جرّأهم على إحالة البعث، بعد أن أطيل في إبطال تعدد الآلهة وفي إبطال تكذيبهم بالقرآن وتكذيبهم النبي صلى الله عليه وسلم. وهذا عود على بدء فقد ابتدئت السورة بالاحتجاج على البعث بقوله تعالى: {أية : ما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق}تفسير : [الأحقاف: 3] الآية ويتصل بقوله: {أية : والذي قال لوالديه أفَ لكما أتِعَدَانني أن أخرج}تفسير : [الاحقاف: 17] إلى قوله: {أية : أساطير الأولين}تفسير : [الأحقاف: 17]. والواو عاطفة جملة الاستفهام، وهو استفهام إنكاري، والرؤية عِلمية. واختير هذا الفعل من بين أفعال العلم هنا لأن هذا العلم عليه حجة بينة مشاهدة، وهي دلالة خلق السماوات والأرض من عدم، وذلك من شأنه أن يفرض بالعقل إلى أن الله كامل القدرة على ما هو دون ذلك من إحياء الأموات. ووقعت {أنّ} مع اسمها وخبرها سادّة مسدّ مفعولي {يروا}. ودخلت الباء الزائدة على خبر {أنّ} وهو مثبت وموكَّد، وشأن الباء الزائدة أن تدخل على الخبر المنفي، لأن {أن} وقعت في خبر المنفي وهو {أولم يروا}. ووقع {بلى} جواباً عن الاستفهام الإنكاري. ولا يريبك في هذا ما شاع على ألسنة المعربين أن الاستفهام الإنكاري في تأويل النفي، وهو هنا اتصل بفعل منفي بــ (لم) فيصير نفي النفي إثباتاً، فكان الشأن أن يكون جوابه بحرف (نعم) دون {بلى}، لأن كلام المعربين أرادوا به أنه في قوة منفي عند المستفهم به، ولم يريدوا أنه يعامل معاملة النفي في الأحكام. وكون الشيء بمعنى شيء لا يقتضي أن يعطَى جميع أحكامه. ومحل التعجيب هو خبر {أنّ} وأما ما قبله فالمشركون لا ينكرونه فلا تعجيب في شأنه. ووقوع الباء في خبر {أنّ} وهو {بقادر} باعتبار أنه في حيّز النفي لأن العامل فيه وهو حرف {أنّ} وقع في موضع مفعولي فِعل {يروا} الذي هو منفي فسرى النفي للعامل ومعموله، فقرن بالباء لأجل ذلك، وفي «الكشاف» «قال الزجاج لو قلت: ما ظننت أن زيداً بقائم جاز، كأنه قيل: أليس الله بقادر» اهــ. وقال أبو عبيدة والأخفش: الباء زائدة للتوكيد كالباء في قوله: {أية : وكفى بالله شهيداً}تفسير : [النساء: 79] يريدان أنها زائدة في الإثبات على وجه الندور. وأما موقع الجواب بحرف {بلى} فهو جواب لمحذوف دل عليه التعجيب من ظنهم أن الله غيرُ قادر على أن يحيــي الموتى، فإن ذلك يتضمن حكاية عنهم أن الله لا يحيــي الموتى، فأجيب بقوله: {بلى} تعليماً للمسلمين وتلقيناً لما يجيبونهم به. وحرف {بلى} لما كان جواباً كان قائماً مقام جملة تقديرها: هو قادر على أن يحيــي الموتى. وجملة {ولم يَعْيَ بخلقهن} عطف على جملة {الذي خلق السماوات والأرض}. وقوله: {لم يعيَ} مضارع عَيِـيَ من باب رضي، ومصدره العِيّ بكسر العين وهو العجز عن العمل أو عن الكلام، ومنه العيّ في الكلام، أي عسر الإبَانِة. وتعديته بالباء هنا بلاغة ليفيد انتفاء عجزه عن صنعها وانتفاء عجزه في تدبير مقاديرها ومناسباتها، فكانت باء الملابسة صالحة لتعليق الخلق بالعي بمعنييه. وكثير من أيمة اللغة يرون أن العِيّ يطلق على التعب وعن عجز الرأي وعجز الحيلة. وعن الكسائي والأصمعي: العِيُّ خاص بالعجز في الحيلة والرأي. وأما الإعياء فهو التعب من المشي ونحوه، وفعله أعيا، وهذا ما درج عليه الراغب وصاحب «القاموس». وظاهر الأساس: أن أعيا لا يكون إلا متعدياً، أي همزته همزة تعدية فهذا قول ثالث. وزعم أبو حيان أن مثله مقصور على السماع. قلت: وهو راجع إلى تنازع العاملين. وعلى هذا الرأي يكون قوله تعالى هنا {ولم يَعْي} دالاً على سَعة علمه تعالى بدقائق ما يقتضيه نظام السماوات والأرض ليوجدهما وافيين به. وتكون دلالته على أنه قدير على إيجادهما بدلالة الفحوى أو يكون إيكال أمر قدرته على خلقهما إلى علم المخاطبين، لأنهم لم ينكروا ذلك، وإنما قصد تنبيههم إلى ما في نظام خلقهما من الدقائق والحِكم ومن جملتها لزوم الجزاء على عمل الصالحات والسيئات. وعليه أيضاً تكون تعدية فعل {يَعْيَ} بالباء متعينة. وقرأ الجمهور {بقادر} بالموحدة بصيغة اسم الفاعل. وقرأه يعقوب {يقدر} بتحتية في أوله على أنه مضارع من القدرة، وتكون جملة {يقدر} في محل خبر {أنَّ}. وجملة {إنه على كل شيء قدير} تذييل لجملة {بلى} لأن هذه تفيد القدرة على خلق السماوات والأرض وإحياء الموتى وغير ذلك من الموجودات الخارجة عن السماوات والأرض. وتأكيد الكلام بحرف (أنَّ) لرد إنكارهم أن يمكن إحياء الله الموتى، لأنهم لما أحالوا ذلك فقد أنكروا عموم قدرته تعالى على كل شيء. ولهذه النكتة جيء في القدرة على إحياء الموتى بوصف {قادر}، وفي القدرة على كل شيء بوصف {قدير} الذي هو أكثر دلالة على القدرة من وصف {قادر}.

الشنقيطي

تفسير : قد قدمنا الآيات الموضحة لهذه الآية، وأنها من الآيات الدالة على البعث في البقرة والنحل والجاثية، وغير ذلك من المواضع وأحلنا على ذلك مراراً، والباء في قوله {بقادر} يسوغه أن النفي متناول لأن فما بعدها، فهو في معنى أليس الله بقادر؟ ويوضح ذلك قوله بعد: بلى. مقرراً لقردته على البعث وغيره.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: ولم يعي بخلقهن: أي لم يتعب ولم ينصب لخلق السماوات والأرض. بقادر على أن يحييى الموتى بلى: أي إنه قادر على إحياء الموتى وإخراجهم من قبورهم للحشر. ويوم يعرض الذين كفروا على النار: أي ليعذبوا فيها. أليس هذا بالحق: أي يقال له تقريعاً: أليس هذا أي العذاب بحق؟. قالوا بلى وربنا: أي إنه لحق وربنا حلفوا بالله تأكيداً لخبرهم. فاصبر: أي يا رسولنا محمد على أذى قومك. أولوا العزم: أي أصحاب الحزم والصبر والعزم وهم نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد صلى الله عليهم أجمعين وسلم وهم أصحاب الشرائع. ولا تستعجل لهم: أي ولا تستعجل نزول العذاب لأجلهم. كأنهم يوم يرون العذاب: أي في الآخرة. لم يلبثوا إلا ساعة: أي لم يقيموا في الدنيا إلا ساعة من نهار وذلك لطول العذاب. بلاغ: أي هذا القرآن بلاغ للناس أي تبليغ لهم. هل يهلك إلا القوم الفاسقون: أي ما يهلك إلا القوم التاركون لأمر الله المعرضون عنه الخارجون عن طاعته. معنى الآيات: ما زال السياق في مطلب هداية قريش الكافرة بالتوحيد المكذبة بالبعث والنبوة فقال تعالى {أَوَلَمْ يَرَوْاْ} أي أعمُوا {أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّ ٱللَّهَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ} إنشاءًا وإِبداعا من غير مثال سابق {وَلَمْ يَعْيَ} أي ينصب ويتعب {بِخَلْقِهِنَّ} أي السماوات والأرض بقادر على أن يحييى الموتى لحشرهم إليه ومحاسبتهم ومجازاتهم بحسب أعمالهم في الدنيا الحسنة بعشر أمثالها والسيئة بمثلها {بَلَىٰ إِنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} وقوله تعالى {وَيَوْمَ يُعْرَضُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ عَلَىٰ ٱلنَّارِ} لما أثبت البعث وقرره ذكر بعض ما يكون فيه فقال ويوم يعرض الذين كفروا على النار أي تعرضهم الزبانية على النار فيقولون لهم تقريعاً وتوبيخاً {أَلَيْسَ هَـٰذَا بِٱلْحَقِّ} أي أليس هذا التعذيب بحق؟ فيقولون مقسمين على ثبوته بما أخبر تعالى عنهم في قوله: {قَالُواْ بَلَىٰ وَرَبِّنَا} فلما اعترفوا قيل لهم {فَذُوقُواْ ٱلْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ} أي بسبب كفركم أي جحودكم لتوحيد الله ولقائه. ثم أمر تعالى رسوله أن يتدرَّع بالصبر وأن يتمثل صبر أولي العزم ليكون أقوى منهم صبراً كما هو أعلى منهم درجة فقال له فاصبر يا رسولنا على ما تلاقي من أذى قومك من تكذيب وأذى فاثبت لذلك كما ثبت أولوا العزم من قبلك، والظاهر أنهم المذكورون في قوله تعالى في سورة الأحزاب {أية : وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ ٱلنَّبِيِّيْنَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِن نُّوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَى ٱبْنِ مَرْيَمَ}تفسير : [الآية: 7]، ومن الجائز أن يكون عدد أولي العزم أكثر مما ذُكر وقوله تعالى {وَلاَ تَسْتَعْجِل لَّهُمْ} لما أمره بالصبر نهاه عن استعجال العذاب لقومه فقال فاصبر ولا تستعجل العذاب لهم. {كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوۤاْ إِلاَّ سَاعَةً مِّن نَّهَارٍ} تعليل لعدم استعجال العذاب لأنه قريب جداً حتى إنهم يوم ينزل بهم ويرونه كأنهم لم يلبثوا في الدنيا على طول الحياة فيها إلا ساعة من نهار وقوله تعالى {بَلاَغٌ} أي هذا القرآن وما حواه من تعليم وبيان للهدى تبليغ للناس وقوله {فَهَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ ٱلْقَوْمُ ٱلْفَاسِقُونَ} ينفي تعالى هلاك غير الفاسقين عن أوامره الخارجين عن طاعته وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- تقرير عقيدة البعث والجزاء. 2- الكفر هو الموجب للناس والكفر هو تكذيب بوجود الله تعالى وهو الإِلحاد أو تكذيب بلقائه تعالى أو بآياته أو رسله، أو شرائعه بعضا أو كُلاًّ. 3- وجوب الصبر على الطاعات فعلا، وعن المعاصي تركا، وعلى البلاء بعدم التّضجُّر والسّخط. 4- إطلاق الفسق على الكفر باعتباره خروجا عن طاعة الله فيما يأمر به من العقائد والعبادات وينهى عنه من الشرك والمعاصي.

القطان

تفسير : لم يعيَ: لم يعجز. اولو العزم: اصحاب الجد والصبر والثبات. بلاغ: كفاية في الموعظة. يبين الله تعالى هنا ان الذي خلق هذا الكونَ العجيب بمفرده ولم يُعجِزه خلْقُه وما فيه، يقدر على إعادة الموتى وإحيائهم من جديد، {بَلَىٰ إِنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}. ويوم يوقَف الذين كفروا ويُعرضون على النار، يقول الله لهم: أليست النارُ حقيقةً واقعة؟. فيقولون: بلى واللهِ انها الحق. فيقال لهم: ذوقوا عذابَ النار الذي كنتم به تكذِّبون. فاصبر ايها الرسول على ما أصابك من اذى وتكذيب، كما صبر أولو العزم من الرسُل قبلك، ولا تستعجل لهم العذابَ فهو واقعٌ بهم لا محالة، كأنّهم يومَ يشاهدون هولَه يظنّون أنّهم ما أقاموا في هذه الدنيا الا ساعةً من نهار. إن هذا القرآن بلاغٌ لهم، فيه الكفاية لمن طلب الرشد والهداية. ثم بعد ذلك أوعد وأنذر فقال: {فَهَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ ٱلْقَوْمُ ٱلْفَاسِقُونَ}. قراءات: قرأ يعقوب: يقدر. والباقون: بقادر. وهكذا تنتهي هذه السورة الكريمة بالوعيد للفاسقين، وما الله يريد ظلماً للعباد.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلسَّمَاوَاتِ} {بِقَادِرٍ} {يُحْيِـيَ} (33) - أَوَ لَمْ يَعْلَمْ هؤلاءِ المُنْكِرُونَ لِلبَعْثِ، المُسْتَبْعِدُونَ إِحْيَاءَ الأَمْواتِ يَوْمَ القِيامةِ، وَإِخْرَاجَهُمْ مِنْ قُبُورِهِمْ، أَنَّ اللهَ هُوَ الذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالأَرضَ وَمَا فِيهِما خَلْقاً مُبْتَدأً، وَلم يُعْجِزْهُ خَلْقُهُما، وَلَم يَضِقْ بِهِ، لِيَعْلَمُوا أَنَّ الذِي خَلَقَ السَّماوَاتِ والأَرْضَ لاَ يُعجزُهُ أَنْ يُعِيدَ بَعْثَ الأَمْواتِ مِنَ القُبُورِ بَعْدَ أَنْ صَارَتْ أَجسَادُهُم وَعِظَامُهُم رَميماً بالياً. فَاللهُ تَعَالى إِذا أَرادَ شَيئاً فِإِنَّما يَقُولُ لَهُ: كُنْ، فَيَكُونُ الشَّيءُ لِسَاعَتِهِ. بَلَى إِنَّ الذِي خَلَقَ الأَكْوَانَ لَذُو قُدْرَةٍ عَلَى كُلِّ شَيءٍ، وَلاَ يُعْجِزُهُ إِعَادَةُ بَعْثِ الأَمْواتِ مِنَ القُبُورِ يَوْمَ القِيَامَةِ. لَم يَعْيَ - لَم يَتْعَبْ، أَوْ لَمْ يُعْجِزْهُ. بَلى - إِنَّهُ قَادِرٌ عَلَى إِحيَاءِ المَوتَى.

الثعلبي

تفسير : {أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّ ٱللَّهَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ} لم يضعف عن إبداعهن، ولم يعجز عن اختراعهن. {بِقَادِرٍ} قراءة العامة (بالباء) و(الألف) على الاسم واختلفوا في وجه دخول (الباء) فيه، فقال أبو عبيدة والأخفش: هي صلة، كقوله: {أية : تَنبُتُ بِٱلدُّهْنِ} تفسير : [المؤمنون: 20] وقال الحارث بن حلزة: شعر : قيل ما اليوم بيّضت بعيون النّاس فيها تغيّظ وإباء تفسير : أراد بيضت عيون النّاس. وقال الكسائي والفراء: (الباء) فيه جلبت الاستفهام والجحد في أوّل الكلام، كقوله: {أية : أَوَلَـيْسَ ٱلَذِي خَلَقَ ٱلسَّمَاواتِ وَٱلأَرْضَ بِقَادِرٍ} تفسير : [يس: 81] . والعرب تدخلها في الجحود، إذا كانت رافعة لما قبلها، كقول الشاعر: شعر : فما رجعتْ بخائبة ركاب حكيم بن المسيّب منتهاها تفسير : وقرأ الأعرج وعاصم الجحدري وابن أبي إسحاق ويعقوب بن إسحاق {يقدر} (بالياء) من غير (ألف) على الفعل، واختار أبو عبيد قراءة العامّة لأنّها في قراءة عبد الله {خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ} بغير (باء). {عَلَىٰ أَن يُحْيِـيَ ٱلْمَوْتَىٰ بَلَىٰ إِنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * وَيَوْمَ يُعْرَضُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ عَلَىٰ ٱلنَّارِ} فيقال لهم: {أَلَيْسَ هَـٰذَا بِٱلْحَقِّ قَالُواْ بَلَىٰ وَرَبِّنَا قَالَ} لهم المقرّر بذلك {فَذُوقُواْ ٱلْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ * فَٱصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ ٱلْعَزْمِ مِنَ ٱلرُّسُل} قال ابن عبّاس: ذوو الحزم. ضحّاك: ذوو الجدّ والصّبر. القرظي: ذوو الرأي والصواب. واختلفوا فيهم، فقال ابن زيد: كلّ الرسل كانوا أُولي عزم، ولم يتّخذ الله رسولاً، إلاّ كان ذا عزم، وهو اختيار علي بن مهدي الطبري، قال: وإنّما دخلت {مِنَ} للتجنيس لا للتبعيض، كما يقال: اشتريت أكسية من الخزّ، وأردية من البز. حكاها شيخنا أبو القاسم بن حبيب عنه. وقال بعضهم: كلّ الأنبياء (عليهم السلام) أُولوا عزم، إلاّ يونس، ألا ترى إنّ نبيّنا صلى الله عليه وسلم نهى عن أن يكون مثله، لخفّة وعجلة ظهرت منه حين ولّى من قومه مغاضباً، فابتلاه الله بثلاث: سلّط عليه العمالقة حتى أغاروا على أهله وماله، وسلّط الذئب على ولْدِهِ فأكلهم، وسلّط الحوت عليه حتّى ابتلعه. سمعت أبا منصور الجمشاذي يحكيها، عن أبي بكر الرازي، عن أبي القاسم الحكيم. وقيل: هم نجباء الرّسل المذكورون في سورة الأنعام وهم ثمانية عشر، وهو اختيار الحسين بن الفضل، قال: لقوله في عقبه: {أية : أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ ٱقْتَدِهْ} تفسير : [الأنعام: 90]. وقال الكلبي: هم الّذين أُمروا بالقتال، فأظهروا المكاشفة، وجاهدوا الكفرة بالبراءة، وجاهدوهم. أخبرنا ابن منجويه الدينوري، عن أبي علي حبش المقري، قال: قال بعض أهل العلم: أولو العزم اثنا عشر نبيّاً أُرسلوا إلى بني إسرائيل بالشام فعصوهم، فأوحى الله تعالى إلى الأنبياء (عليهم السلام): «إنّي مرسل عذابي على عصاة بني إسرائيل»، فشقَّ ذلك عليهم، فأوحى الله تعالى إليهم أن اختاروا لأنفسكم، إن شئتم أنزلت بكم العذاب وأنجيت بني إسرائيل، وإن شئتم أنجيتكم وأنزلت ببني إسرائيل. فتشاوروا بينهم، فاجتمع رأيهم على أن ينزل بهم العذاب وينجي بني إسرائيل، فأنجى الله بني إسرائيل وأنزل بأولئك العذاب، وذلك إنّه سلّط عليهم ملوك الأرض، فمنهم من نشر بالمناشير، ومنهم من سُلخ جلد رأسه ووجهه، ومنهم من رُفع على الخشب، ومنهم من أُحرق بالنّار، وقيل هم ستّة: نوح، وهود، وصالح، ولوط، وشعيب، وموسى. وهم المذكورون على النسق في سورة الأعراب والشعراء. وقيل أصحاب الشرائع، وهم خمسة: نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ومحمّد صلى الله عليه وسلم. وقال مقاتل: أولو العزم ستّة: نوح صبر على أذى قومه فكانوا يضربونه حتّى يغشى عليه، وإبراهيم صبر على النّار، وإسحاق صبر على الذبح، ويعقوب صبر على فقد ولده وذهاب بصره، ويوسف صبر في البئر وفي السجن، وأيّوب صبر على ضرّه. وقال الحسن البصري: هم أربعة: إبراهيم، وموسى، وداود، وعيسى. فقال: إبراهيم فعزمه قيل له: أسلم، قال: أسلمت لربّ العالمين. ثمّ ابتلي في ماله، وولده، ووطنه، ونفسه، فَوجِدَ صادقاً وافياً في جميع ما أُبتلي به، وأمّا موسى، فعزمه قوله حين قال له قومه: {أية : إِنَّا لَمُدْرَكُونَ} تفسير : [الشعراء: 61] قال: {أية : كَلاَّ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ} تفسير : [الشعراء: 62]. وأمّا داود، فعزمه أنّه أخطأ خطيئة، فنُبّه عليها، فبلي أربعين سنة على خطيئته حتّى نبتت من دموعه شجرة، وقعد تحت ظلّها، وأمّا عيسى فعزمه أنّه لم يضع في الدُّنيا لبنة على لبنة، وقال: إنّها معبر فاعبروها، ولا تعمروها. فكان الله تعالى يقول لرسوله صلى الله عليه وسلم {فَٱصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ ٱلْعَزْمِ مِنَ ٱلرُّسُلِ} أي كن صادقاً فيما ابتليت به مثل صدق إبراهيم، واثقاً بنصرة مولاك مثل ثقة موسى، مهتمّاً لما سلف من هفواتك مثل اهتمام داود، زاهداً في الدنيا مثل زهد عيسى (عليه السلام). حدّثنا الإمام أبو منصور محمّد بن عبد الله الجمشاذي لفظاً، أخبرنا أبو عمرو محمد بن محمّد بن أحمد القاضي، أخبرنا أبو عبد الرحمن، أخبرنا ابن أبي الربيع، أخبرنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله تعالى: {فَٱصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ ٱلْعَزْمِ مِنَ ٱلرُّسُلِ}، قال: نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى (عليهم السلام). أخبرنا أبو منصور الجمشاذي، أخبرنا أبو عبد الله محمّد بن يوسف الدقّاق، أخبرنا الحسن ابن محمّد بن جابر، حدّثنا عبد الله بن هاشم، حدّثنا وكيع، عن أبي جعفر الرازي، عن الربيع ابن أنس، عن أبي العالية في قوله: {فَٱصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ ٱلْعَزْمِ مِنَ ٱلرُّسُلِ}، قال: كانوا ثلاثة: نوح، وإبراهيم، وهود، ومحمّد رابعهم، أُمر أن يصبر كما صبروا. أخبرني أبو عبد الله بن منجويه، حدّثنا محمّد بن عبد الله بن برزة، حدّثنا الحارث بن أبي أُسامة، حدّثنا داود بن المخبر، حدّثنا سليمان بن الحكم، عن الأحوص بن حكيم بن كعب الحبر، قال: في جنّة عدن مدينة من لؤلؤ بيضاء، تكلّ عنها الأبصار، لم يرها نبي مرسل ولا ملك مُقرَّب، أعدّها الله سبحانه وتعالى لأُولي العزم من الرُّسل والشهداء والمجاهدين، لأنّهم فضّلوا الناس عقلاً وحلماً وإنابة ولبّاً. {وَلاَ تَسْتَعْجِل لَّهُمْ} العذاب. {لَهُمْ} فإنّه نازل بهم لا محالة. {كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ} من العذاب في الآخرة {لَمْ يَلْبَثُوۤاْ} في الدُّنيا {إِلاَّ سَاعَةً مِّن نَّهَارٍ} يعني في جنب يوم القيامة، وقيل: لأنّه ينسيهم هول ما عاينوا قدر مكثهم في الدُّنيا. ثمّ قال: {بَلاَغٌ} أي هذا القرآن وما ذكر فيه من البيان بلاغ بلغكم محمّد صلى الله عليه وسلم عن الله تعالى، دليله ونظيره في سورة إبراهيم. (عليه السلام) {فَهَلْ يُهْلَكُ} بالعذاب إذا نزل {إِلاَّ ٱلْقَوْمُ ٱلْفَاسِقُونَ} الخارجون عن أمر الله تعالى. أخبرنا الحسين بن محمّد الحديثي، حدّثنا سعد بن محمّد بن إسحاق الصيرفي، حدّثنا محمّد بن عثمان بن أبي شنبه، حدّثنا منجاب بن الحارث، حدّثنا علي بن مهير، حدّثنا ابن أبي ليلى، عن الحكيم عن سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس، قال: إذا عسر على المرأة ولدها، فلتكتب هاتين الآيتين والكلمتين في صحيفة، ثمّ تُغسّل، ثمّ تسقى منها: بسم الله الرّحمن الرّحيم لا إله إلاّ الله الحليم الكريم سبحان الله {أية : مَن رَّبُّ ٱلسَّمَاوَاتِ ٱلسَّبْعِ وَرَبُّ ٱلْعَرْشِ ٱلْعَظِيمِ} تفسير : [المؤمنون: 86]. {كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوۤاْ إِلاَّ سَاعَةً مِّن نَّهَارٍ بَلاَغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ ٱلْقَوْمُ ٱلْفَاسِقُونَ}.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : الحق سبحانه هنا ذكر آية من أعظم آيات الخَلْق، وهي {خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ ..} [الأحقاف: 33] لذلك قال في موضع آخر: {أية : لَخَلْقُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ أَكْـبَرُ مِنْ خَلْقِ ٱلنَّاسِ ..}تفسير : [غافر: 57]. فأتى بخَلْق السماوات والأرض ولم يذكر خَلْق الإنسان لأنها الآية الأكبر، وأين عمر الإنسان الذي يعيش عدة سنوات، أو حتى مائة سنة من عمر السماوات والأرض. {وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ ..} [الأحقاف: 33] لم يتعب تعالى اللهُ عن ذلك، كما قال في آية أخرى: {أية : وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ}تفسير : [ق: 38] فمَنْ كانت هذه صفاته، وهذه آيات خلْقه، أليس بقادر على أنْ يُحيي الموتى؟ ويأتي الجواب (بلى) يعني: نعم قادر، وجاءت (بلى) هنا لإفادة الإثبات، لأن السؤال سؤالٌ منفيّ، والقاعدة أن نفيَ النفي إثباتٌ {إِنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [الأحقاف: 33] تذييل يؤكد قدرة الله لا على إحياء الموتى فحسب، إنما قدرته تعالى على كل شيء.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ} معناه لم يَجهَلْ.

الجيلاني

تفسير : ثم أشار سبحانه إلى توبيخ منكري الحشر والنشر وإعادة الموتى أحياء وتقريعهم، فقال مستفهماً على سبيل التبكيت والإلزام: {أَوَلَمْ يَرَوْاْ} يعني: أيشكون ويترددون أولئك الشاكون المترددون في قدرة الله على إعادة المعدوم ونشر الأموات أحياء من قبورهم وحشرهم إلى المحشر للحساب والجزاء، ولم يعلموا {أَنَّ ٱللَّهَ} العليم الحكيم القادر المقتدر {ٱلَّذِي خَلَقَ} أظهر وأوجد {ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ} أي: العلويات السفليات خلقاً إبداعياً من كتم العدم {وَ} مع ذلك {لَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ} أي: لم يفتر ولم يضعف بإظهارهن ابتداء مع غاية عظمتهن وسعتهن {بِقَادِرٍ} يعني: أليس القادر المقتدر على الإبداع والإبداء بقادر {عَلَىٰ أَن يُحْيِـيَ ٱلْمَوْتَىٰ} ويعيدهم أحياء بعدما أماتهم {بَلَىٰ} أنه سبحانه {عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ} دخل في حيطة علمه وإرادته {قَدِيرٌ} [الأحقاف: 33] بلا فتور ولا قصور. {وَ} اذكر يا أكمل الرسل لمنكري الحشر {يَوْمَ يُعْرَضُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} بالبعث والجزاء {عَلَىٰ ٱلنَّارِ} المعدة لهم، فيقال لهم حينئذ تفضيحاً وتهويلاً وتوبيخاً وتقريعاً: {أَلَيْسَ هَـٰذَا} العذاب الذي أنتم فيه الآن، وكذبتم به من قبل في نشأة الاختبار {بِٱلْحَقِّ قَالُواْ} متأسفين متحسرين: {بَلَىٰ} هو الحق {وَ} حق {رَبِّنَا} الذي ربانا على فطرة الإسلام، وأنذرنا عن إتيان هذا العذاب في هذه الأيام، فكفرنا به ظلماً وزوراً، وأنكرنا عليه عناداً واستكباراً، وبعدما اعترفوا وندموا في وقت لا ينفعهم الندم والاعتراف {قَالَ} قائل من قبل الحق: {فَذُوقُواْ ٱلْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ} [الأحقاف: 34] إذا لم يفدكم اعترافكم هذا، بعدما انقضى نشأة التدارك والتلافي. وبعدما سمعت يا أكمل الرسل مآل حال الكفرة المصرين على العتو والعناد {فَٱصْبِرْ} يا أكمل الرسل على تحمل أعباء الرسالة ومتاعب التبليغ وأذيات أصحاب الزيغ والضلال {كَمَا صَبَرَ} عليها {أُوْلُواْ ٱلْعَزْمِ مِنَ ٱلرُّسُلِ} العازمين عليها وعلى تبليغها بالعزيمة الخالصة والثبات التام؛ ليبينوا للناس طريق التوحيد ويرشدهم إلى سبيل الاستقامة والرشاد {وَلاَ تَسْتَعْجِل لَّهُمْ} أي: للمعاندين من قريش بحلول العذاب الموعود عليهم، فإنه سينزل عليهم حتماً عند حلول وقته {كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ} من العذاب من نهاية شدته وهوله وغاية طوله، تذكروا أنهم {لَمْ يَلْبَثُوۤاْ} في الدنيا {إِلاَّ سَاعَةً} واحدة {مِّن نَّهَارٍ} يعني: استقصروا مدة لبثهم في الدنيا وقاسوا بالنسبة إلى طول يوم القيامة بساعة بل أقصرها منها. هذا الذي ذكر من المواعظ والتذكيرات في هذه السورة {بَلاَغٌ} كافٍ لأهل الهداية والإرشاد إلى أن اتعظوا بها، ويتذكروا منها، وإن لم يتعظوا بها، هلكوا في تيه الجهل والغواية مثل سائر الهالكين {فَهَلْ يُهْلَكُ} وما يستأصل بالقهر الإلهي {إِلاَّ ٱلْقَوْمُ ٱلْفَاسِقُونَ} [الأحقاف: 35] الخارجون عن مقتضى الحدود الإلهية النازلة من عنده سبحانه على أنبيائه ورسله، المبعوثين إلى الهداية والتكميل. جعلنا الله ممن تذكر بما في كتابه من المواعظ والتذكير، وامتثل بما فيه من الأوامر والنواهي. خاتمة السورة عليك أيها العازم على سلوك طريق التوحيد: أن تقصد نحوه بالعزيمة الخالصة الصافية عن كدر الرياء ورعونات الهوى، وتتصبر على مشاق التكاليف ومتاعب الطاعات والرياضاتت القالعة لمقتضيات القوى البشرية بجملتها ومشتهيات القوى البهيمية برمتها، فلك أن تقتدي في سلوكك هذا أثر أولى العزائم من الرسل الكرام والأنبياء العظام والكمل من الأولياء الذين هم ورثة الأنبياء؛ لتفوز بالدرجة القصوى والمرتبة العليا.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : هذا استدلال منه تعالى على الإعادة بعد الموت بما هو أبلغ منها، وهو أنه الذي خلق السماوات والأرض على عظمهما وسعتهما وإتقان خلقهما من دون أن يكترث بذلك ولم يعي بخلقهن فكيف تعجزه إعادتكم بعد موتكم وهو على كل شيء قدير؟!!