٤٦ - ٱلْأَحْقَاف
46 - Al-Ahqaf (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
34
Tafseer
القرطبي
تفسير : قوله تعالى:{وَيَوْمَ يُعْرَضُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ عَلَىٰ ٱلنَّارِ} أي ذكّرهم يوم يعرضون فيقال لهم: {أَلَيْسَ هَـٰذَا بِٱلْحَقِّ قَالُواْ بَلَىٰ وَرَبِّنَا} فيقول لهم المقرّر: {فَذُوقُواْ ٱلْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ} أي بكفركم.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَيَوْمَ يُعْرَضُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ عَلَى ٱلنَّارِ } بأن يعذبوا بها يقال لهم {أَلَيْسَ هَٰذَا } التعذيب {بِٱلْحَقِّ قَالُواْ بَلَىٰ وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُواْ ٱلعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ }.
ابن عطية
تفسير : المعنى: واذكر يوم، وهذا وعيد للكفار من قريش وسواهم. والعرض في هذه الآية، عرض مباشرة، كما تقولون عرضت الجاني على السوط. والمعنى يقال لهم أليس هذا العذاب حقاً وقد كنتم تكذبون به؟ فيجيبون: {بلى وربنا}، وذلك تصديق حيث لا ينفع، وروي عن الحسن أنه قال: إنهم ليعذبون في النار وهم راضون بذلك لأنفسهم يعترفون أنه العدل، فيقول لهم المحاور من الملائكة عند ذلك {فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون} أي بسبب كفركم. وقوله تعالى: {فاصبر} الفاء عاطفة هذه الجملة من الوصاة على هذه الجملة من الإخبار عن حال الكفرة في الآخرة، والمعنى بينهما مرتبط، أي هذه حالهم مع الله، فلا تستعجل أنت فيما حملته واصبر له ولا تخف في الله أحداً. وقوله: {من الرسل} {من} للتبعيض، والمراد من حفظت له مع قومه شدة ومجاهدة كنوح وإبراهيم وموسى وعيسى وغيرهم صلى الله عليهم، هذا قول عطاء الخراساني وغيره. وقال ابن زيد ما معناه: إن {من} لبيان الجنس. قال: والرسل كلهم {أولو العزم}، ولكن قوله: {كما صبر أولو العزم} يتضمن رسلاً وغيرهم، فبين بعد ذلك جنس الرسل خاصة تعظيماً لهم، ولتكون القدوة المضروبة لمحمد عليه السلام أشرف، وذكر الثعلبي هذا القول عن علي بن مهدي الطبري. وحكي عن أبي القاسم الحكيم أنه قال: الرسل كلهم أولو عزم إلا يونس عليه السلام وقال الحسن بن الفضل: هم الثمانية عشر المذكورين في سورة الأنعام، لأنه قال بعقب ذكرهم {أية : أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده} تفسير : [الأنعام: 90]. وقال مقاتل هم ستة: نوح صبر على أذى قومه طويلاً، وإبراهيم صبر للناس، وإسحاق صبر نفسه للذبح، ويعقوب صبر على الفقد لولده وعمي بصره وقال: {أية : فصبر جميل} تفسير : [يوسف: 83]، ويوسف على السجن وفي البئر، وأيوب صبر على البلاء. قال القاضي أبو محمد: وانظر أن النبي عليه السلام قال في موسى: "حديث : يرحم الله موسى، أوذي بأكثر من هذا فصبر"، تفسير : ولا محالة أن لكل نبي ورسول عزماً وصبراً. وقوله: {ولا تستعجل لهم} معناه لا تستعجل لهم عذاباً، فإنهم إليه صائرون، ولا تستطل تعميرهم في هذه النعمة، فإنهم يوم يرون العذاب كأنهم لم يلبثوا في الدنيا إلا ساعة لاحتقارهم ذلك، لأن المنقضي من الزمان إنما يصير عدماً، فكثيره الذي ساءت عاقبته كالقليل. وقرأ أبي بن كعب "ساعة من النهار". وقرأ جمهور القراء والناس: "بلاغٌ" وذلك يحتمل معاني، أحدها: أن يكون خبر ابتداء، المعنى: هذا بلاغ، وتكون الإشارة بهذا إلى القرآن والشرع، أي هذا إنذار وتبليغ، وإما إلى المدة التي تكون كساعة كأنه قال: {لم يلبثوا إلا ساعة} كانت بلاغهم، وهذا كما تقول: متاع قليل ونحوه من المعنى. والثاني: أن يكون ابتداء والخبر محذوف. والثالث: ما قاله أبو مجلز فإنه كان يقف على قوله: {ولا تستعجل} ويقول: "بلاغٌ" ابتداء وخبره متقدم في قوله: {لهم} وقدح الناس في هذا القول بكثرة الحائل. وقرأ الحسن بن أبي الحسن، وعيسى: "بلاغاً"، وهي قراءة تحتمل المعنيين اللذين في قراءة الرفع، وليس يدخلها قول أبي مجلز ونصبها بفعل مضمر. وقرأ أبو مجلز وأبو سراج الهذلي: "بلِّغ"، على الأمر. وقرأ الحسن بن أبي الحسن: "بلاغٍ" بالخفض نعتاً لـ {نهار}. وقرأ جمهور الناس: "فهل يُهلَك" على بناء الفعل للمفعول. وقرأ بعضهم فيما حكى هارون: "فهل يَهلِك" ببناء الفعل للفاعل وكسر اللام، وحكاها أبو عمرو عن الحسن وابن محيصن: "يَهلَك" بفتح الياء واللام. قال أبو الفتح: وهي مرغوب عنها. وروى زيد بن ثابت عن النبي عليه السلام: "فهل يُهلِك" بضم الياء وكسر اللام "إلا القوم الفاسقين" بالنصب. وفي هذه الألفاظ وعيد محض وإنذار بين، وذلك أن الله تعالى جعل الحسنة بعشر امثالها والسيئة بمثلها، وأمر بالطاعة ووعد عليها بالجنة، ونهى عن الكفر وأوعد عليه بالنار، فلن يهلك على الله إلا هالك كما قال صلى الله عليه وسلم. قال الثعلبي: يقال إن قوله: {فهل يهلك إلا القوم الفاسقون} أرجى آية في كتاب الله تعالى للمؤمنين.
الخازن
تفسير : {ويوم يعرض الذين كفروا على النار} فيه إضمار تقديره فيقال لهم {أليس هذا بالحق} يعني هذا العذاب هو الذي وعدكم به الرسل وهو الحق {قالوا بلى وربنا} هذا اعتراف منهم على أنفسهم بعد ما كانوا منكرين لذلك وفيه توبيخ وتقريع لهم فعند ذلك {قال} لهم {فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون} قوله عز وجل: {فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل} الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم أمره الله تعالى بالاقتداء بأولي العزم من الرسل في الصبر على أذى قومه قال ابن عباس ذوو الحزم وقال الضحاك ذوو الجد والصبر. واختلفوا في أولي العزم من الرسل من هم فقال ابن زيد: كل الرسل كانوا أولي عزم لم يبعث الله نبياً إلا كان ذا عزم وحزم ورأي وكمال عقل. وهذا القول هو اختيار الإمام فخر الدين الرازي. قال: لأن لفظة من في قوله {من الرسل} للتبين لا للتبعيض كما تقول: ثوب من خز كأنه قيل له اصبر كما صبر الرسل من قبلك على أذى قومهم وصفهم بالعزم لقوة صبرهم وثباتهم وقال بعضهم: الأنبياء كلهم أولو العزم إلا يونس لعجلة كانت فيه ألا ترى أنه قيل للنبي صلى الله عليه وسلم: {أية : ولا تكن كصاحب الحوت} تفسير : [القلم: 48] وقال قوم: أولي العزم هم نجباء الرسل المذكورون في سورة الأنعام وهم ثمانية عشر نبياً لقوله بعد ذكرهم {أية : أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده} تفسير : [الأَتعام: 90] وقال الكلبي: هم الذين أمروا بالجهاد وأظهروا المكاشرة لأعداء الله. وقيل: هم ستة: نوح،وهود، وصالح، ولوط، وشعيب، وموسى، وهم المذكورون على النسق في سورة الأعراف والشعراء. وقال مقاتل: هم ستة: نوح صبر على أذى قومه، وإبراهيم صبر على النار، وإسحاق صبر على الذبح، في قول، ويعقوب صبر على فقد ولده وذهاب بصره، ويوسف صبر على الجب والسجن، وأيوب صبر على الضر. وقال ابن عباس وقتادة: هم: نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، أصحاب الشرائع فهم مع محمد صلى الله عليه وسلم وعليهم أجمعين وخمسة قد ذكرهم الله على التخصيص والتعيين في قوله {أية : وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم}تفسير : [الأَحزاب: 7] وفي قوله: {أية : شرع لكم من الدين ما وصى به نوحاً} تفسير : [الشورىٰ: 13] الآية روى البغوي بسنده عن عائشة قالت: "حديث : قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم يا عائشة إن الدنيا لا تنبغي لمحمد ولا لآل محمد يا عائشة إن الله لم يرض من أولي العزم إلا بالصبر على مكروهها والصبر عن محبوبها ولم يرض إلا أن كلفني ما كلفهم فقال: {فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل} وإني والله لا بد لي من طاعته والله لأصبرن كما صبروا ولأجهدن كما جهدوا ولا قوة إلا بالله ". تفسير : قوله تعالى: {ولا تستعجل لهم} يعني اصبر على أذاهم لا تستعجل بنزول العذاب عليهم فإنه نازل بهم لا محالة كأنه صلى الله عليه وسلم ضجر بعض الضجر فأحب أن ينزل العذاب بمن أبى منهم فأمره الله تعالى بالصبر وترك الاستعجال ثم أخبر بقرب العذاب فقال تعالى: {كأنهم يوم يرون ما يوعدون} يعني من العذاب في الآخرة {لم يلبثوا} يعني في الدنيا {إلا ساعة من نهار} يعني أنهم إذا عاينوا العذاب صار طول لبثهم في الدنيا والبرزخ كأنه قدر ساعة من نهار لأن ما مضى وإن كان طويلاً فهو يسير إلى ما يدوم عليهم من العذاب وهو أبد الآبدين بلا انقطاع ولا فناء وتم الكلام عند قوله ساعة من نهار ثم ابتدأ فقال تعالى: {بلاغ} أي هذا القرآن وما فيه من البينات والهدى بلاغ من الله إليكم. والبلاغ: بمعنى التبليغ {فهل يهلك} بالعذاب إذا نزل {إلا القوم الفاسقين} يعنى الخارجين عن الإيمان بالله وطاعته قال الزجاج: تأويله لا يهلك من رحمة الله وفضله إلا القوم الفاسقون ولهذا قال قوم ما في الرجاء لرحمة الله آية أقوى من هذه الآية والله أعلم.
الثعالبي
تفسير : وقوله تعالى: {وَيَوْمَ يُعْرَضُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ عَلَى ٱلنَّارِ} المعنى: واذكرْ يومَ، وهذا وعيدٌ لكفَّار قريشٍ وغيرهم، وهذا عَرْضُ مباشرةٍ. وقوله: {أَلَيْسَ هَـٰذَا بِٱلْحَقِّ} أي: يقال لهم: أليس هذا بالحق؟ {قَالُواْ بَلَىٰ وَرَبِّنَا} فصدَّقوا بذلك حيث لا ينفعهم التصديقُ، فَرُوِيَ عن الحَسَنِ؛ أنه قال: إنَّهم لَيُعَذَّبُونَ في النارِ، وهم راضون بذلك لأنفسهم يعترفون أَنَّهُ العَدْل. واخْتُلِفَ في تعيين أُولى الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ، ولا محالةَ أَنَّ لكل نبيٍّ ورسولٍ عَزْماً وصَبْراً. وقوله: {وَلاَ تَسْتَعْجِل لَّهُمْ} معناه: ولا تستعجلْ لهم عذاباً؛ فإنَّهم إليه صائرون، ولا تَسْتَطِلْ تعميرَهُمْ في هذه النِّعْمَةِ؛ فَإنَّهم يوم يَرَوْنَ العذاب كأنهم لَم يَلْبَثُوا في الدنيا إلاَّ ساعةً لاِحتقارهم ذلك؛ لأَنَّ المنقضيَ من الزمان يصير عَدَماً. * ت *: وإذا علمتَ ـــ أَيُّها الأخُ ـــ أَنَّ الدنيا أضغاثُ أحْلاَم، كان من الحزم اشتغالُكَ الآنَ بتَحْصِيلِ الزادِ لِلْمَعَاد، وحِفْظِ الحَواسِّ، ومراعاةِ الأنفاس، ومراقبة مَوْلاَك، فَآتَّخِذْهُ صاحباً، وذَرِ الناس جانباً؛ قال أبو حامد الغَزَّالِيُّ ـــ رحمه اللَّه ـــ: اعلم أَنَّ صاحبك الذي لا تفارقُهُ في حَضَرِكَ وسَفَرِكَ، ونَوْمِكَ ويَقَظَتِكَ، بل في حياتك، وموتك ـــ هو رَبُّك، ومولاك، وسَيِّدُك، وخالقك، ومهما ذكرتَهُ فهو جَلِيسُكَ؛ إذ قال تعالى: «حديث : أَنَا جَلِيسُ مَنْ ذَكَرَنِي» تفسير : ، ومهما ٱنْكَسَرَ قلبُكَ حُزْناً علَىٰ تَقْصِيرِكَ في حق دِينِكَ، فهو صَاحِبُكَ ومُلاَزِمُكَ؛ إذْ قال: «أَنَا عِنْدَ الْمُنْكَسِرَةِ قُلُوبهمْ مِنْ أَجْلِي» فلو عرفته يا أخي حَقَّ معرفتِهِ لاَتَّخذْتَهُ صَاحِباً، وتركْتَ الناَّسَ جانباً، فإنْ لم تَقْدِرْ عَلَىٰ ذلك في جميع أوقاتك، فَإيَّاكَ أنْ تُخْلِيَ ليلَكَ ونهارَكَ عَنْ وَقْتٍ تخلُو فيه بموْلاَكَ، وتَلذَّذُ بمناجاتِهِ، وعند ذلك فعليكَ بآدَابِ الصُّحْبَةِ مع اللَّه تعالَىٰ، وآدابُهَا: إطراقُ الطَّرْفِ، وجَمْعُ الهَمِّ، ودَوَامُ الصَّمْتِ، وسُكُونُ الجَوَارِحِ، ومُبَادَرَةُ الأَمْرِ، واجتنابُ النَّهْي، وقِلَّةُ الاِعتراضِ عَلَى الْقَدَرِ، ودَوَامُ الذِّكْرِ باللسان، ومُلاَزَمَةُ الفِكْر، وإيثارُ الحَقِّ، واليَأْسُ من الخَلْقِ، والخضوعُ تحْتَ الهيبَةِ، والانْكِسَارُ تحت الحياء، والسُّكُونُ عن حِيَلِ الكَسْب ثِقَةً بالضَّمَان، والتَوَكُّلُ علَىٰ فَضْل اللَّه معرفةً بحسن اختياره؛ وهذا كله ينبغي أنْ يكون شعارَكَ، في جميع لَيْلِكَ ونَهَارِك، فإنَّهُ آداب الصحبة مع صاحب لا يفارقك، والخلق كُلُّهم يفارقُونَكَ في بَعْضِ أوقاتك،، انتهى من «بداية الهداية». وقوله: {بَلاَغٌ} يحتمل معانيَ: أحدُهَا: أَنْ يكون خبر مبتدإ محذوفٍ، أي: هذا إنذارٌ وتبليغٌ. ويحتمل أنْ يريد: كأنْ لم يلبثوا إلاَّ ساعةً كانَتْ بلاغَهُمْ، وهذا كما تَقُولُ: متاعٌ قليلٌ، وقيل غَيْرُ هذا، وقرأ أبو مِجْلَزٍ وغَيره: {بَلَغٌ} على الأمر، وقرأ الحسنُ بْنُ أبي الحَسَنِ: {بَلاَغٌ} بالخفْضِ نعتاً لـ{نَّهَارٍ}. وقوله سبحانه: {فَهَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ ٱلْقَوْمُ ٱلْفَـٰسِقُونَ} وقُرِىءَ شَاذاً: {فَهَلْ يُهْلَكُ} ببناء الفعل للفاعل، وفي هذه الآية وعيدٌ مَحْضٌ، وإنذارٌ بَيِّنٌ؛ وذلك أَنَّ اللَّه عز وجل جعل الحسنة بعشر أمثالها والسيئةَ بمثلها، وغفر الصغائر باجتنابِ الكبائرِ، ووعد الغفرانَ على التوبة، فلن يهلك على اللَّه إلاَّ هالَكَ؛ كما قال صلى الله عليه وسلم قال الثعلبيُّ: يقال: إن قوله تعالى: {فَهَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ ٱلْقَوْمُ ٱلْفَـٰسِقُونَ} أَرْجَىٰ آية في كتاب اللَّه عزَّ وجلَّ للمؤمنين.
ابو السعود
تفسير : {وَيَوْمَ يُعْرَضُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ عَلَى ٱلنَّارِ} ظرفٌ عاملُه قولٌ مضمرٌ، مقولُه {أَلَيْسَ هَـٰذَا بِٱلْحَقّ} على أنَّ الإشارةَ إلى ما يشاهدونَهُ حينئذٍ من حيثُ هو من غيرِ أنْ يخطرَ بالبالِ لفظٌ يدلُّ عليهِ فضلاً عن تذكيرِه وتأنيثِه إذ هُو اللائق بتهويلهِ وتفخيمِه وقد مرَّ في سورةِ الأحزابِ، وقيل: هيَ إلى العذابِ وفيه تهكمٌ بهم وتوبـيخٌ لهم على استهزائِهم بوعدِ الله ووعيدِه وقولِهم وما نحنُ بمعذبـينَ {قَالُواْ بَلَىٰ وَرَبّنَا} أكَّدُوا جوابَهُم بالقسمِ كأنَّهم يطمعونَ في الخلاصِ بالاعترافِ بحقِّيتها كما في الدُّنيا وأنَّى لهُم ذلكَ. {قَالَ فَذُوقُواْ ٱلعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ} بها في الدُّنيا ومَعْنى الأمرِ الإهانةُ بهم والتوبـيخُ لهم. والفاءُ في قولِه تعالى: {فَٱصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ ٱلْعَزْمِ مِنَ ٱلرُّسُلِ} جوابُ شرطٍ محذوفٍ أيْ إذا كان عاقبةُ أمرِ الكفرةِ ما ذُكِرَ فاصبرْ على ما يصيبكَ من جهتِهم كما صبرَ أولُو الثباتِ والحزمِ من الرسلِ فإنكَ من جُمْلتِهم بل من علْيتِهم ومِنْ للتبـيـينِ، وقيل: للتبعيضِ، والمرادُ بأُولي العزمِ أصحابُ الشرائعِ الذينَ اجتهدُوا في تأسيسِها وتقريرِها وصبرُوا على تحملِ مشاقِّها ومعاداةِ الطاعنينَ فيَها، ومشاهيرُهُم نوحٌ وإبراهيمُ وموسى وعِيْسَى عليهم الصَّلاةُ والسَّلامُ، وقيلَ: هم الصابرونَ على بلاءِ الله كنوحٍ صبرَ على أذيةِ قومِه، كانُوا يضربونَهُ حتى يُغشَى عليهِ، وإبراهيمُ صبرَ على النَّارِ وعلى ذبحِ ولدِه، والذبـيحُ على الذبحِ، ويعقوبُ على فقدِ الولدِ والبصرِ، ويوسفُ على الجُبِّ والسجنِ، وأيوبُ على الضُرِّ، ومُوسى قال له قومُه: { أية : إِنَّا لَمُدْرَكُونَ قَالَ كَلاَّ إِنَّ مَعِىَ رَبّى سَيَهْدِينِ} تفسير : [سورة الشعراء، الآية 61]، وداودُ بكى على خطيئتِه أربعينَ سنةً، وعيْسَى لم يضع لبنةً على لبنةٍ صلواتُ الله تعالَى وسلامُه عليهم أجمعينَ. {وَلاَ تَسْتَعْجِل لَّهُمْ} أي لكُفَّارِ مكةَ بالعذابِ فإنَّه على شرفِ النزولِ بهم {كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ} من العذابِ {لَّمْ يَلْبَثُواْ} في الدُّنيا {إِلاَّ سَاعَةً} يسيرةً {مّن نَّهَارٍ} لما يشاهدونَ من شدةِ العذابِ وطولِ مدتهِ. وقولُه تعالى {بَلاَغٌ} خبرٌ مبتدأٍ محذوفٍ، أي هَذا الذي وُعظتم بهِ كفايةٌ في الموعظةِ أو تبليغٌ من الرسولِ ويُؤيدُه أنَّه قُرِىءَ بلغ، وقُرِىءَ بلاغاً أي بلغُوا بلاغاً {فَهَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ ٱلْقَوْمُ ٱلْفَـٰسِقُونَ} أي الخارجونَ عن الاتِّعاظِ أو عن الطاعةِ. وقُرِىءَ بفتحِ الياءِ وكسرِ اللامِ، وبفتحِهما، منْ هَلِكَ وهَلَكَ، وبنونِ العظيمةِ من الإهلاكِ ونصبِ القومِ ووصفِه. عنِ النبـيِّ صلى الله عليه وسلم: " حديث : مَنْ قرأَ سورةَ الأحقافِ كُتبَ له عشرُ حسناتٍ بعددِ كلِّ رملةٍ في الدُّنيا".
اسماعيل حقي
تفسير : {ويوم يعرض الذين كفروا على النار} اى يعذبون بها كما سبق فى هذه السورة ويوم ظرف عامله قول مضمر اى يقال لهم يومئذ {أليس هذا} العذاب الذى ترونه {بالحق} اى حقا وكنتم تكذبون به وفيه تهكم بهم وتوبيخ لهم على استهزآئهم بوعد الله ووعيده وقولهم وما نحن بمعذبين {قالوا بلى} اى انه الحق {وربنا} وهو الله تعالى اكدوا جوابهم بالقسم لانه يطمعون فى الخلاص بالاعتراف بحقيته كما فى الدنيا وأنى لهم ذلك {قال} الله تعالى او خازن النار {فذوقوا العذاب} اى احسوا به احساس الذائق المطعوم {بما كنتم تكفرون} به فى الدنيا والباء للسببية ومعنى الامر الاهانة بهم والتوبيخ لهم على ما كان فى الدنيا من الكفر والانكار لوعد الله ووعيده. قال ابن الشيخ الظاهر ان صيغة الامر لا مدخل لها فى التوبيخ وانما هو مستفاد من قوله بما كنتم تكفرون وفى الآية اشارة الى انهم كانوا فى الدنيا معذبين بعذاب البعد والقطيعة وافساد الاستعداد الاصلى لقبول الكمالات وبلوغ القربات ولكن ما كانوا يذوقون مرارة ذلك العذاب وحرقته لغلبة الحواس الظاهرة وكلالة الحواس الباطنة كما ان النائم لا يحس قرص النملة وعض البرغوث وهنا ورد الناس نيام فاذا ماتوا تيقظوا. واعلم كما ان الموت حق واقع لا يستريبه احد فكذا الحياة بعد الموت ولا عبرة بانكار المنكر فانه من الجهل والا فقد ضرب الله له مثلا بالتيقظ بعد النوم ولذا ورد النوم اخو الموت ثم ان الحياة على انواع حياة فى الارحام بنفخ الله الروح وحياة فى القبور بنفخ اسرافيل فى الصور وحياة للقلوب بالفيض الروحانى وحياة الارواح بالسر الربانى ولن يتخلص احد من العذاب الروحانى والجسمانى الا بدخول جنة الوصل الالهى الربانى وهو انما يحصل بمقاساة الرياضات والمجاهدات فان الجنة حفت بالمكاره. نقلست كه يكروز حسن بصرى ومالك بن دينار وشقيق بلخى نزد رابعه عدويه شدند واو رنجور بود حسن كفت ليس بصادق فى دعواه من لم يصبر على ضرب مولاه شقيق كفت ليس بصادق فى دعواه من لم يشكر على ضرب مولاه كفت ليس بصادق فى دعواه من لم يتلذذ بضرب مولاه رابعه را كفتند توبكو كفت ليس بصادق فى دعواه من لم ينس الضرب فى مشاهدة مولاه وابن عجب نبودكه زنان مصر در مشاهده مخلوق درد زخم نيافتند اكركسى درمشاهده خالق بدين صفت بود عجب نبود فعلم من هذا ان المرء اذا كان صادقا فى دعوة طلب الحق فانه لا يتأذى من شئ مما يجرى على رأسه ولا يريد من الله الا ما يريد الله منه. عاشقانرا كردر آتش مىنشاند قهردوست تنك جشمم كرنظر درجشمه كوثر كنم. وان الصادق لا يخلو من تعذيب النفس فى الدنيا بنار المجاهدة ثم من احراقها بالكلية بالنار الكبرى التى هى العشق والمحبة فاذا لم يبق فى الوجود ما يتعلق بالاحراق كيف يعرض على النار يوم القيامة لتخليص الجوهر ونفسه مؤمنة مطمئنة ومن الله العون والامداد
اطفيش
تفسير : {وَيَوْمَ} أي ويقال للذين كفروا يوم* {يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُواْ عَلَى النَّارِ} يقال لهم ذلك وهم في النار والاعراض التعذيب. صدر السورة بتحقيق المبدأ وذكر في خواتمها اثبات المعاد وذلك وعيد لقريش وقيل (يوم) مفعول أذكر فيقدر لقوله* {أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ} هذا القول والاشارة للعذاب والمراد توبيخهم والتهكم عليهم لاستهزائهم بالوعد والوعيد {أية : وما نحن بمعذبين} تفسير : {قَالُواْ بَلَى} هو حق* {وَرَبِّنَا} انه الحق اعتراض على أنفسهم بعد الانكار وتصديق حيث لا ينفع. وعن الحسن: (انهم ليعذبون في النار وهم راضون يعرفون انه العدل)* {قَالَ فَذُوقُواْ الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ} دليل على ان الاشارة للعذاب. قال القاضي: ما مصدرية والأمر للاهانة والتوبيخ وأقول قول الزمخشري والمعني للتهكم الخ عائد الى أليس هذا بالحق وكان القاضي أرجعه الى (ذوقوا العذاب) ثم ظهر لي انه يصح هذا أيضاً ويصح عوده للكل
اطفيش
تفسير : {ويَوم يُعْرض الَّذين كَفروا عَلى النَّار} متعلق بقول محذوف ناصب لقوله تعالى: {أليْس هَذا بالحقِّ} يقال يوم يعرض الذين كفروا على النار: أليس هذا العرض سائر ما شاهدتم من أحوال البعث والموقف، أو أليس هذا لعذاب بشىء ثابت قد أنكرتموه {قالُوا بَلى وربنا} إنه لحق فحذف جواب القسم، أكدوا الإقرار بالقسم لوما لأنفسهم، وتشديدا للعتاب عليها حتى قيل عن الحسن: انهم ليعذرون فى النار وهم راضون بذلك لأنفسهم، لاعترافهم أنه العدل، أو أكدوا لذلك، والطمع فى الخلاص، ولا ينفعهم ذلك كما قال الله عز وجل: {قال فَذوقُوا العَذاب بما كنْتُم تكْفرُون} بسبب كونكم تكفرون، عطف على محذوف أى أصررتم على الكفر فذوقوا الخ، عطف انشاء على اخبار، والأمر للاهانة والتهكم، او على ظاهره من الذوق بعد الذوق، أو ايجاد عذاب آخر غير ما هم فيه.
الالوسي
تفسير : {وَيَوْمَ يُعْرَضُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ عَلَى ٱلنَّارِ } ظرف عامله قول مضمر مقوله: {أَلَيْسَ هَـٰذَا بِٱلْحَقّ } أي ويقال يوم يعرض الخ، والظاهر أن الجملة معترضة، وقيل: هي حال، والتقدير وقد قيل، وفيه نظر، وقد مر آنفاً الكلام في العرض بطوله. والإشارة إلى ما يشاهدونه حين العرض من حيث هو من غير أن يخطر بالبال لفظ يدل عليه فضلاً عن تذكيره وتأنيثه إذ هو اللائق بتهويله وتفخيمه، وقيل: هي إلى العذاب بقرينة التصريح به بعد، وفيه تهكم بهم وتوبيخ لهم على استهزائهم بوعد الله تعالى ووعيده وقولهم: {أية : وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ } تفسير : [الشعراء: 138]. {قَالُواْ بَلَىٰ وَرَبّنَا } تصديق بحقيته؛ وأكدوا بالقسم كأنهم يطمعون في الخلاص بالاعتراف بحقية ذلك كما في الدنيا وأنى لهم. وعن الحسن أنهم ليعذبون في النار وهم راضون بذلك لأنفسهم يعترفون أنه العدل. {قَالَ فَذُوقُواْ ٱلعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ } بسبب استمراركم على الكفر في الدنيا، ومعنى الأمر الإهانة بهم فهو تهكم وتوبيخ وإلا لكان تحصيلاً للحاصل، وقيل: هو أمر تكويني؛ والمراد إيجاب عذاب غير ما هم فيه وليس بذاك.
ابن عاشور
تفسير : موقع هذا الكلام أن عرض المشركين على النار من آثار الجزاء الواقع بعد البعث، فلما ذكر في الآية التي قبلها الاستدلال على إمكان البعث أعقب بما يحصل لهم يوم البعث جمعاً بين الاستدلال والإنذار، وذكر من ذلك ما يقال لهم مما لا ممندوحة لهم عن الاعتراف بخطئهم جمعاً بين ما رُدّ به في الدنيا من قوله: {أية : بلى}تفسير : [الأحقاف: 33] وما يُردون في علم أنفسهم يوم الجزاء بقولهم: {بلى وربنا}. والجملة عطف على جملة {أية : أو لم يروا أن الله الذي خلق السماوات والأرض}تفسير : [الأحقاف: 33] الخ. وأول الجملة المعطوفة قوله: {أليسَ هذا بالحق} لأنه مقول فعل قول محذوف تقديره: ويُقال للذين كفروا يوم يعرضون على النار. وتقديم الظرف على عامله للاهتمام بذكر ذلك اليوممِ لزيادة تقريره في الأذهان. وذِكر {الذين كفروا} إظهار في مقام الإضمار للإيماء بالموصول إلى علة بناء الخبر، أي يقال لهم ذلك لأنهم كفروا. والإشارة إلى عذاب النار بدليل قوله بعده {قال فذوقوا العذاب}. والحق: الثابت. والاستفهام تقريري وتنديمٌ على ما كانوا يزعمون أن الجزاء باطل وكَذب، وقالوا {أية : وما نحن بمعذبين}تفسير : [الصافات: 59]، وإنما أقسموا على كلامهم بقسم {وربّنا} قسماً مستعملاً في الندامة والتغليظ لأنفسهم وجعلوا المقسم به بعنوان الرب تَحَنُّناً وتخضُّعاً. وفرع على إقرارهم {فذوقوا العذاب}. والذوق مجاز في الإحساس. والأمر مستعمل في الإهانة.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 34- ويوم يوقف الذين كفروا على النار يقال لهم تقريعاً: أليس هذا العذاب بالأمر الحق المطابق لما أنذرناكم فى الدنيا؟ قالوا: بلى وربنا هو الحق، قال: فذوقوا ألوان العذاب الشديد بإصراركم على الكفر والتكذيب. 35- فاصبر - يا محمد - على الكافرين كما صبر أصحاب القوة والثبات من الرسل فى الشدائد، ولا تستعجل لهم العذاب، فهو واقع بهم - لا محالة - وإن طال الأمد. كأنهم يوم يشاهدون هوله يحسبون مدة لبثهم قبله ساعة من نهار. هذا الذى وعظتم به كاف فى الموعظة، فلن يهلك بعذاب الله إلا الخارجون عن طاعته.
د. أسعد حومد
تفسير : (34) - وَفِي يَوْمِ القِيَامَةِ يُوقَفُ هؤُلاءِ الكَافِرُونَ المُكَذِّبُونَ بِالبَعْثِ والنُّشُورِ عَلَى نَارِ جَهَنَّمَ، وَيُقَالُ لَهُمْ عَلَى سَبِيلِ التَّقْرِيعِ والتَّأنِيبِ: أَلَيْسَ هذا الذِي تَرَوْنَهُ، مِنْ بَعْثٍ وَحَشْرٍ وَحِسَابٍ وَجَزَاءٍ عَلى الأَعْمَالِ، وَنَارٍ وَقُودُها النَّاسُ وَالحِجَارَةُ... حَقّاً؟ وَكُنْتُم تُكَذِّبُونَ بهِ في الحَيَاةِ الدُّنيا؟ فَيَقُولُونَ: بَلى وَرَبِّنا إِنَّهُ لَحَقٌّ. فَيُقَالُ لَهُمْ: ذُوقُوا الآنَ العَذَابَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ، جَزَاءً لَكُمْ عَلَى كُفْرِكُمْ، وَتَكْذِيبِكُمْ بِالحَقِّ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : هذه لقطة أخرى لمسألة العرض على النار والعياذ بالله، فقبل هذه قال سبحانه: {أية : وَيَوْمَ يُعْرَضُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ عَلَى ٱلنَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَـٰتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ ٱلدُّنْيَا وَٱسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا ..}تفسير : [الأحقاف: 20] فذكر لهم علة عَرْضهم على النار، وهي استنفاد الطيبات كلها في الدنيا، بحيث لم يبق لهم شيء في الآخرة. لذلك قلنا: إن النعمة التى تشغل صاحبها عن المنعم هي في الحقيقة نقمة عليه ووبال، والنعمة حقيقة هي التي تُذكِّرك بالمنعم، لذلك علَّمنا سيدنا رسول الله حينما نرى نعمة عندنا أو عند غيرنا أن نقول: ما شاء الله لا قوة إلا بالله. فترد الفضل إلى صاحبه وتبرىء نفسك من الغرور، ونسبة النعمة إلى نفسك، وأنها جاءت بفضل مهارتك وشطارتك، كما حصل من قارون فقال: {أية : إِنَّمَآ أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِيۤ ..}تفسير : [القصص: 78]. فكانت النتيجة: {أية : فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ ٱلأَرْضَ ..}تفسير : [القصص: 81] وكأن الحق سبحانه يقول له: ما دُمْتَ أوتيته على علم عندك فاحرسه بعلم من عندك أيضاً. حديث : يُرْوى أن سيدنا عمر رضي الله عنه دخل على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوجده ينام على حصير قد أثَّر في جنبه، ولم يجد عنده شيئاً يلفت نظره من متاع الدنيا، فتألم لحال رسول الله ولم يستطع إخفاءَ ما في نفسه. فقال: يا رسول الله ادع الله أنْ يُوسِّع على أمتك كما وسّع على فارس والروم، فنظر إليه رسول الله وقال: "أفِي شَكّ أنت يا بن الخطاب؟ هؤلاء قوم عجلتْ لهم طيباتهم فى حياتهم الدنيا" ". تفسير : وذكرنا قول عمر بن عبد العزيز: والله لو شئتُ أنْ أكون أطيبكم طعاماً، وأحسنكم لباساً لفعلتُ، ولكني أستبقي، لذلك قال تعالى: {أية : كُلُواْ وَٱشْرَبُواْ هَنِيئَاً بِمَآ أَسْلَفْتُمْ فِي ٱلأَيَّامِ ٱلْخَالِيَةِ}تفسير : [الحاقة: 24]. إذن: من ذكر الجزاء واستحضر نعيم الآخرة هانتْ عليه مشقةٌ الطاعة في الدنيا، كالتلميذ الذي يذاكر ويسهر ويحرم نفسه لذة الراحة شَوْقا إلى لذَّةٍ أعظم هي لذة النجاح. قوله تعالى: {وَيَوْمَ يُعْرَضُ ..} [الأحقاف: 34] الخطاب هنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم. و(يوم) ظرف زمان يعني: اذكر يوم يُعرض الذين كفروا على النار وذكِّرهم به. وقُلْ لهم: {أَلَيْسَ هَـٰذَا بِٱلْحَقِّ ..} [الأحقاف: 34] أي: الحق الذي كنتم تُكذِّبونه ها هو أصبح واقعاً. وسبق أنْ بيَّنا أن العلم ثلاث مراحل: علم اليقين، وعين اليقين، وحق اليقين، فالإخبار عن الآخرة وما فيها من ثواب وعقاب علم يقين، ثم حين نرى هذا الجزاء يصير عين اليقين، ثم حين نباشره ويدخل أهلُ الجنة الجنةَ وأهلُ النار النار يصير حقّ اليقين. وهذه المراحل ذُكرتْ في موضعين في قوله تعالى: {أية : أَلْهَاكُمُ ٱلتَّكَّاثُرُ * حَتَّىٰ زُرْتُمُ ٱلْمَقَابِرَ * كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ * كَلاَّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ ٱلْيَقِينِ * لَتَرَوُنَّ ٱلْجَحِيمَ * ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ ٱلْيَقِينِ * ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ ٱلنَّعِيمِ}تفسير : [التكاثر: 1-8]. أما حق اليقين فذُكِر في قوله تعالى: {أية : وَأَمَّآ إِن كَانَ مِنَ ٱلْمُكَذِّبِينَ ٱلضَّآلِّينَ * فَنُزُلٌ مِّنْ حَمِيمٍ * وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ * إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ حَقُّ ٱلْيَقِينِ * فَسَبِّحْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلْعَظِيمِ}تفسير : [الواقعة: 92-96]. وقوله: {قَالُواْ بَلَىٰ وَرَبِّنَا ..} [الأحقاف: 34] هذا جوابهم على السؤال {أَلَيْسَ هَـٰذَا بِٱلْحَقِّ ..} [الأحقاف: 34] والجواب بـ (بَلَى) هنا يعني نعم، لأن نفي النفي إثبات، نعم هذا هو الحق الذي كُنَّا نكذبه ولا يكفيهم الإقرارُ به، بل ويُقسمون أيضاً لتأكيد المسألة. {بَلَىٰ وَرَبِّنَا ..} [الأحقاف: 34] لأنهم عاينوه وباشروه، ثم يأتي الحكم النهائي {فَذُوقُواْ ٱلْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ} [الأحقاف: 34] أي: بسبب كفركم.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يخبر تعالى عن حال الكفار الفظيعة عند عرضهم على النار التي كانوا يكذبون بها وأنهم يوبخون ويقال لهم: { أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ } فقد حضرتموه وشاهدتموه عيانا؟ { قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا } فاعترفوا بذنبهم وتبين كذبهم { قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ } أي: عذابا لازما دائما كما كان كفركم صفة لازمة. ثم أمر تعالى رسوله أن يصبر على أذية المكذبين المعادين له وأن لا يزال داعيا لهم إلى الله وأن يقتدي بصبر أولي العزم من المرسلين سادات الخلق أولي العزائم والهمم العالية الذين عظم صبرهم، وتم يقينهم، فهم أحق الخلق بالأسوة بهم والقفو لآثارهم والاهتداء بمنارهم. فامتثل صلى الله عليه وسلم لأمر ربه فصبر صبرا لم يصبره نبي قبله حتى رماه المعادون له عن قوس واحدة، وقاموا جميعا بصده عن الدعوة إلى الله وفعلوا ما يمكنهم من المعاداة والمحاربة، وهو صلى الله عليه وسلم لم يزل صادعا بأمر الله مقيما على جهاد أعداء الله صابرا على ما يناله من الأذى، حتى مكن الله له في الأرض وأظهر دينه على سائر الأديان وأمته على الأمم، فصلى الله عليه وسلم تسليما. وقوله: { وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ } أي: لهؤلاء المكذبين المستعجلين للعذاب فإن هذا من جهلهم وحمقهم فلا يستخفنك بجهلهم ولا يحملك ما ترى من استعجالهم على أن تدعو الله عليهم بذلك فإن كل ما هو آت قريب، و { كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا } في الدنيا { إِلا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ } فلا يحزنك تمتعهم القليل وهم صائرون إلى العذاب الوبيل. { بَلاغٌ } أي: هذه الدنيا متاعها وشهوتها ولذاتها بلغة منغصة ودفع وقت حاضر قليل. أو هذا القرآن العظيم الذي بينا لكم فيه البيان التام بلاغ لكم، وزاد إلى الدار الآخرة، ونعم الزاد والبلغة زاد يوصل إلى دار النعيم ويعصم من العذاب الأليم، فهو أفضل زاد يتزوده الخلائق وأجل نعمة أنعم الله بها عليهم. { فَهَلْ يُهْلَكُ } بالعقوبات { إِلا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ } أي: الذين لا خير فيهم وقد خرجوا عن طاعة ربهم ولم يقبلوا الحق الذي جاءتهم به الرسل. وأعذر الله لهم وأنذرهم فبعد ذلك إذ يستمرون على تكذيبهم وكفرهم نسأل الله العصمة. آخر تفسير سورة الأحقاف، والحمد لله رب العالمين
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):