Verse. 4545 (AR)

٤٦ - ٱلْأَحْقَاف

46 - Al-Ahqaf (AR)

فَاصْبِرْ كَـمَا صَبَرَ اُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَّہُمْ۝۰ۭ كَاَنَّہُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوْعَدُوْنَ۝۰ۙ لَمْ يَلْبَثُوْۗا اِلَّا سَاعَۃً مِّنْ نَّہَارٍ۝۰ۭ بَلٰغٌ۝۰ۚ فَہَلْ يُہْلَكُ اِلَّا الْقَوْمُ الْفٰسِقُوْنَ۝۳۵ۧ
Faisbir kama sabara oloo alAAazmi mina alrrusuli wala tastaAAjil lahum kaannahum yawma yarawna ma yooAAadoona lam yalbathoo illa saAAatan min naharin balaghun fahal yuhlaku illa alqawmu alfasiqoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

(فاصبر) على أذى قومك (كما صبر أولو العزم) ذوو الثبات والصبر على الشدائد (من الرسل) قبلك فتكون ذا عزم، ومن للبيان فكلهم ذوو عزم وقيل للتبعيض فليس منهم آدم لقوله تعالى "" ولم نجد له عزما "" ولا يونس لقوله تعالى "" ولا تكن كصاحب الحوت "" (ولا تستعجل لهم) لقومك نزول العذاب بهم، قيل كأنه ضجر منهم فأحب نزول العذاب بهم، فأمر بالصبر وترك الاستعجال للعذاب فإنه نازل لا محالة (كأنهم يوم يرون ما يوعدون) من العذاب في الآخرة لطوله (لم يلبثوا) في الدنيا في ظنهم (إلا ساعة من نهار) هذا القرآن (بلاغ) تبليغ من الله إليكم (فهل) أي لا (يهلك) عند رؤية العذاب (إلا القوم الفاسقون) أي الكافرون.

35

Tafseer

الرازي

تفسير : واعلم أنه تعالى لما قرر المطالب الثلاثة وهي التوحيد والنبوة والمعاد، وأجاب عن الشبهات أردفه بما يجري مجرى الوعظ والنصيحة للرسول صلى الله عليه وسلم، وذلك لأن الكفار كانوا يؤذونه ويوجسون صدره، فقال تعالى: {فَٱصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ ٱلْعَزْمِ مِنَ ٱلرُّسُلِ } أي أولو الجد والصبر والثبات، وفي الآية قولان. الأول: أن تكون كلمة {مِنَ } للتبعيض ويراد بأولو العزم بعض الأنبياء قيل هم نوح صبر على أذى قومه وكانوا يضربونه حتى يغشى عليه، وإبراهيم على النار وذبح الولد، وإسحاق على الذبح، ويعقوب على فقدان الولد وذهاب البصر، ويوسف على الجب والسجن، وأيوب على الضر وموسى قال له قومه {أية : إِنَّا لَمُدْرَكُونَ * قالَ كَلاَّ إِنَّ مَعِىَ رَبّى سَيَهْدِينِ } تفسير : [الشعراء: 61، 62] وداود بكى على زلته أربعين سنة، وعيسى لم يضع لبنة على لبنة وقال: إنها معبرة فاعبروها ولا تعمروها، وقال الله تعالى في آدم {أية : وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً } تفسير : [طه: 115] وفي يونس {أية : وَلاَ تَكُن كَصَـٰحِبِ ٱلْحُوتِ } تفسير : [القلم: 48]. والقول الثاني: أن كل الرسل أولو عزم ولم يبعث الله رسولاً إلا كان ذا عزم وحزم، ورأي وكمال وعقل، ولفظة من في قوله {مَّنَ ٱلرُّسُلِ } تبيين لا تبعيض كما يقال كسيته من الخز وكأنه قيل اصبر كما صبر الرسل من قبلك على أذى قومهم، ووصفهم بالعزم لصبرهم وثباتهم. ثم قال: {وَلاَ تَسْتَعْجِل لَّهُمْ } ومفعول الاستعجال محذوف، والتقدير لا تستعجل لهم بالعذاب، قيل إن النبي صلى الله عليه وسلم ضجر من قومه بعض الضجر، وأحب أن ينزل الله العذاب بمن أبى من قومه فأمر بالصبر وترك الاستعجال، ثم أخبر أن ذلك العذاب منهم قريب، وأنه نازل بهم لا محالة وإن تأخر، وعند نزول ذلك العذاب بهم يستقصرون مدة لبثهم في الدنيا، حتى يحسبونها ساعة من نهار، والمعنى أنهم إذا عاينوا العذاب صار طول لبثهم في الدنيا والبرزخ، كأنه ساعة من النهار، أو كأن لم يكن لهول ما عاينوا، أو لأن الشيء إذا مضى صار كأنه لم يكن، وإن كان طويلاً قال الشاعر:شعر : كأن شيئاً لم يكن إذا مضى كأن شيئاً لم يزل إذا أنى تفسير : واعلم أنه تم الكلام ههنا، ثم قال تعالى: {بلاغ} أي هذا بلاغ، ونظيره قوله تعالى: {أية : هَـٰذَا بَلَـٰغٌ لّلنَّاسِ } تفسير : [إبراهيم: 52] أي هذا الذي وعظتم به فيه كفاية في الموعظة أو هذا تبليغ من الرسل، فهل يهلك إلا الخارجون عن الاتعاظ به والعمل بموجبه، والله أعلم. قال المصنف رحمه الله تعالى: تم تفسير هذه السورة يوم الأربعاء العشرين من ذي الحجة سنة ثلاث وستمائة والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وأصحابه وأزواجه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {فَٱصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ ٱلْعَزْمِ مِنَ ٱلرُّسُلِ} قال ابن عباس: ذوو الحزم والصبر؛ قال مجاهد: هم خمسة: نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ومحمد عليهم الصلاة والسلام. وهم أصحاب الشرائع. وقال أبو العالية: إن أولي العزم: نوح، وهود، وإبراهيم. فأمر الله عز وجل نبيّه عليه الصلاة والسلام أن يكون رابعهم. وقال السدّي: هم ستة: إبراهيم، وموسى، وداود، وسليمان، وعيسى، ومحمد؛ صلوات الله عليهم أجمعين. وقيل: نوح، وهود، وصالح، وشعيب، ولوط، وموسى؛ وهم المذكورون على النسق في سورة «الأعراف والشعراء». وقال مقاتل: هم ستة: نوح صبر على أذى قومه مدّة. وإبراهيم صبر على النار. وإسحاق صبر على الذبح. ويعقوب صبر على فقد الولد وذهاب البصر. ويوسف صبر على البئر والسجن. وأيوب صبر على الضرّ. وقال ابن جُريج: إن منهم إسماعيل ويعقوب وأيوب، وليس منهم يونس ولا سليمان ولا آدم. وقال الشعبيّ والكلبيّ ومجاهد أيضاً: هم الذين أمِروا بالقتال فأظهروا المكاشفة وجاهدوا الكفرة. وقيل: هم نجباء الرسل المذكورون في سورة «الأنعام» وهم ثمانية عشر: إبراهيم، وإسحاق، ويعقوب، ونوح، وداود، وسليمان، وأيوب، ويوسف، وموسى، وهارون، وزكرياء، ويحيى، وعيسى، وإلياس؛ وإسماعيل، واليسع، ويونس، ولوط. واختاره الحسن بن الفضل لقوله في عقبه: {أية : أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ ٱقْتَدِهْ}تفسير : [الأنعام:90]. وقال ابن عباس أيضاً: كل الرسل كانوا أولي عزم. واختاره عليّ بن مهدي الطبريّ، قال: وإنما دخلت «من» للتجنيس لا للتبعيض؛ كما تقول: اشتريت أردية من البَزّ وأكسية من الخز. أي اصبر كما صبر الرسل. وقيل: كل الأنبياء أولو عَزْم إلا يونس بن متى؛ ألا ترى أن النبيّ صلى الله عليه وسلم نهى أن يكون مثله؛ لخفة وعجلة ظهرت منه حين ولّى مُغاضِباً لقومه، فابتلاه الله بثلاث: سلّط عليه العمالقة حتى أغاروا على أهله وماله، وسلّط الذئب على ولده فأكله، وسلط عليه الحوت فابتلعه؛ قاله أبو القاسم الحكيم. وقال بعض العلماء: أولو العزم اثنا عشر نبيّاً أرسلوا إلى بني إسرائيل بالشام فعصوهم، فأوحى الله إلى الأنبياء أني مرسل عذابي إلى عصاة بني إسرائيل؛ فشق ذلك على المرسلين فأوحى الله إليهم اختاروا لأنفسكم، إن شئتم أنزلت بكم العذاب وأنجيت بني إسرائيل، وإن شئتم نجيتكم وأنزلت العذاب ببني إسرائيل؛ فتشاوروا بينهم فاجتمع رأيهم على أن ينزل بهم العذاب وينجي الله بني إسرائيل؛ فأنجى الله بني إسرائيل وأنزل بأولئك العذاب. وذلك أنه سلط عليهم ملوك الأرض؛ فمنهم من نُشر بالمناشير، ومنهم من سلخ جلدة رأسه ووجهه، ومنهم من صُلب على الخشب حتى مات، ومنهم من حُرّق بالنار. والله أعلم. وقال الحسن: أولو العزم أربعة: إبراهيم، وموسى، وداود، وعيسى؛ فأما إبراهيم فقيل له: {أية : أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} تفسير : [البقرة: 131] ثم ٱبتلِيَ في ماله وولده ووطنه ونفسه، فوجد صادقاً وافياً في جميع ما ابتلي به. وأما موسى فعزمه حين قال له قومه: {أية : قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَآئِكُمُ ٱلأَوَّلِينَ }تفسير : [الشعراء: 26]. وأما داود فأخطأ خطيئته فنُبّه عليها، فأقام يبكي أربعين سنة حتى نبتت من دموعه شجرة، فقعد تحت ظلها. وأما عيسى فعزمه أنه لم يضع لَبِنة على لَبِنة وقال: إنها مَعْبرة فٱعبروها ولا تعمروها. فكأن الله تعالى يقول لرسوله صلى الله عليه وسلم: اصبر؛ أي كن صادقاً فيما ابتليت به مثل صدق إبراهيم؛ واثقاً بنُصرة مولاك مثل ثقة موسى، مهتمًّا بما سلف من هفواتك مثل اهتمام داود، زاهداً في الدنيا مثل زهد عيسى. ثم قيل هي: منسوخة بآية السيف. وقيل: محكمة؛ والأظهر أنها منسوخة؛ لأن السورة مكية. وذكر مقاتل: أن هذه الآية نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أُحُد؛ فأمره الله عز وجل أن يصبر على ما أصابه كما صبر أولو العزم من الرسل، تسهيلاً عليه وتثبيتاً له. والله أعلم. {وَلاَ تَسْتَعْجِل لَّهُمْ} قال مقاتل: بالدعاء عليهم. وقيل: في إحلال العذاب بهم، فإن أبعد غاياتهم يوم القيامة. ومفعول الاستعجال محذوف، وهو العذاب. {كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ} قال يحيى: من العذاب. النقاش: من الآخرة. {لَمْ يَلْبَثُوۤاْ} أي في الدنيا حتى جاءهم العذاب، وهو مقتضى قول يحيى. وقال النقاش: في قبورهم حتى بعثوا للحساب. {إِلاَّ سَاعَةً مِّن نَّهَارٍ} يعني في جنب يوم القيامة. وقيل: نسَّاهم هَوْل ما عاينوا من العذاب طول لبثهم في الدنيا. ثم قال: {بَلاَغٌ} أي هذا القرآن بلاغ؛ قاله الحسن. فـ «ـبلاغ» رفع على إضمار مبتدأ؛ دليله قوله تعالى: {أية : هَـٰذَا بَلاَغٌ لِّلنَّاسِ وَلِيُنذَرُواْ بِهِ}تفسير : [إبراهيم:2 5]، وقوله: {أية : إِنَّ فِي هَـٰذَا لَبَلاَغاً لِّقَوْمٍ عَابِدِينَ } تفسير : [الأنبياء:06 1]. والبلاغ بمعنى التبليغ. وقيل: أي إن ذلك اللبث بلاغ؛ قاله ٱبن عيسى، فيوقف على هذا على «بلاغ» وعلى «نَهَارٍ». وذكر أبو حاتم أن بعضهم وقف على «وَلاَ تَسْتَعْجِلْ» ثم ابتدأ «لَهُمْ» على معنى لهم بلاغ. قال ابن الأنباريّ: وهذا خطأ؛ لأنك قد فصلت بين البلاغ وبين اللام، ـ وهي رافعة ـ بشيء ليس منهما. ويجوز في العربية: بلاغاً وبلاغٍ؛ النصب على معنى إلا ساعة بلاغاً؛ على المصدر أو على النعت للساعة. والخفض على معنى من نهارٍ بلاغ. وبالنصب قرأ عيسى بن عمر والحسن. وروي عن بعض القرّاء «بَلِّغ» على الأمر؛ فعلى هذه القراءة يكون الوقف على «مِنْ نَهَارٍ» ثم يبتدىء «بلغ». {فَهَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ ٱلْقَوْمُ ٱلْفَاسِقُونَ} أي الخارجون عن أمر الله؛ قاله ٱبن عباس وغيره. وقرأ ٱبن محيصن «فَهَلْ يَهْلِكُ إلاَّ الْقَوْمُ» على إسناد الفعل إلى القوم. وقال ٱبن عباس: إذا عسر على المرأة وَلَدُها تكتب هاتين الآيتين والكلمتين في صحيفة ثم تغسل وتسقى منها؛ وهي: بسم الله الرحمٰن الرحيم لا إلٰه إلا الله العظيم الحليم الكريم، سبحان الله رب السموات ورب الأرض ورب العرش العظيم {أية : كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوۤاْ إِلاَّ عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا} تفسير : [النازعات:6 4]. {كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوۤاْ إِلاَّ سَاعَةً مِّن نَّهَارٍ بَلاَغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ ٱلْقَوْمُ ٱلْفَاسِقُونَ}. صدق الله العظيم. وعن قتادة: لا يهلك إلا هالك ومشرك. وقيل: هذه أقوى آية في الرجاء. والله أعلم.

المحلي و السيوطي

تفسير : {فَٱصْبِرْ } على أذى قومك {كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ ٱلْعَزْمِ } ذوو الثبات والصبر على الشدائد {مَّنَ ٱلرُّسُلِ } قبلك فتكون ذا عزم، و من للبيان فكلهم ذوو عزم وقيل للتبعيض فليس منهم آدم لقوله تعالى { أية : وَلَمْ نَجِدْ له عزماً } تفسير : [115:20] ولا يونس لقوله تعالى { أية : وَلاَ تَكُنْ كَصِاحِبِ الْحُوتِ } تفسير : [48:68] {وَلاَ تَسْتَعْجِل لَّهُمْ } لقومك نزول العذاب بهم، قيل: كأنه ضجر منهم فأحب نزول العذاب بهم فأمر بالصبر وترك الاستعجال للعذاب فإنه نازل بهم لا محالة {كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ } من العذاب في الآخرة لطوله {لَّمْ يَلْبَثُواْ } في الدنيا في ظنهم {إِلاَّ سَاعَةً مّن نَّهَارٍ } هذا القرآن {بَلاَغٌ } تبليغ من الله إليكم {فَهَلْ } أي لا {يُهْلَكُ } عند رؤية العذاب {إِلاَّ ٱلْقَوْمُ ٱلْفَٰسِقُونَ } أي الكافرون.

ابن عبد السلام

تفسير : {أُوْلُواْ الْعَزْمِ} الذين أمروا بالقتال، أو العرب من الأنبياء، أو من لم تصبه منهم فتنة، أو من أصابه بلاء بغير ذنب أو أولو العزم الذين صبروا على أذى قومهم فلم يجزعوا أو جميع الأنبياء أولو العزم أُمِر أن يصبر كما صبروا أو نوح وهود وأبراهيم أمر الرسول صلى الله عليه وسلم أن يكون رابعهم، أو نوح وهود وإبراهيم وشعيب وموسى، أو إبراهيم وموسى وداود وسليمان وعيسى ومحمد أو منهم إسماعيل ويعقوب أيوب وليس منهم يونس ولا سليمان لا آدم {وَلا تَسْتَعْجِل} بالدعاء عليهم، أو بالعذاب {مَا يُوعَدُونَ} من العذاب، أو الآخرة {لَمْ يَلْبَثُواْ} في الدنيا، أو القبور {بَلاغٌ} هذا اللبث بلاغ أو هذا القرآن بلاغ، أو ما وصفه من هلاك الدنيا، أو عذاب الآخرة بلاغ {فَهَلْ يُهْلَكُ} بعد هذا البلاغ {إِلا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ} أي المشركون قيل نزلت هذه الآية بأُحد فأمر الرسول صلى الله عليه وسلم أن يصبر على ما أصابه كما صبر أولو العزم.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن أبي حاتم والديلمي عن عائشة رضي الله عنها قالت: "حديث : ظل رسول الله صلى الله عليه وسلم صائماً، ثم طوى، ثم ظل صائماً ثم طوى، ثم ظل صائماً، قال: "يا عائشة إن الدنيا لا تنبغي لمحمد ولا لآل محمد. يا عائشة إن الله لم يرض من أولي العزم من الرسل إلا بالصبر على مكروهها والصبر عن محبوبها، ثم لم يرض مني إلا أن يكلفني ما كلفهم، فقال: {فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل}، وإني والله لأصبرنَّ كما صبروا جهدي ولا قوة إلا بالله ". تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس قال: أولوا العزم من الرسل النبي صلى الله عليه وسلم ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى. وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ والبيهقي في شعب الإِيمان وابن عساكر عن أبي العالية {فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل} قال: نوح وهود وإبراهيم فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يصبر كما صبروا وكانوا ثلاثة ورسول الله صلى الله عليه وسلم رابعهم قال نوح:{أية : يا قوم إن كان كبر عليكم مقامي وتذكيري بآيات الله}تفسير : [يونس: 71] إلى آخرها فظهر لهم المفارقة وقال هود حين{أية : قالوا: إن نقول الا اعتراك بعض آلهتنا بسوء قال إني أشهد الله واشهدوا أني بريء مما تشركون من دونه}تفسير : [هود: 53] فأظهر لهم المفارقة قال لإِبراهيم{أية : قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم}تفسير : [الممتحنة: 4] إلى آخر الآية فأظهر لهم المفارقة وقال يا محمد:{أية : قل إني نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون الله}تفسير : [الأنعام: 56] فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم عند الكعبة فقرأها على المشركين فأظهر لهم المفارقة. وأخرج ابن عساكر عن قتادة في قوله {أولوا العزم} قال: هم نوح وهود وإبراهيم وشعيب وموسى. وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج قال: {أولوا العزم} إسماعيل ويعقوب وأيوب، وليس آدم منهم ولا يونس ولا سليمان. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة قال: {أولوا العزم} نوح وإبراهيم وموسى وعيسى. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس {فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل} قال: هم الذين أمروا بالقتال حتى مضوا على ذلك نوح وهود وصالح وموسى وداود وسليمان. وأخرج ابن مردويه عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: بلغني أن أولي العزم من الرسل كانوا ثلثمائة وثلاثة عشر. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه في قوله {فهل يهلك إلا القوم الفاسقون} قال: تعلموا والله ما يهلك على الله إلا هالك مشرك ولى الإِسلام ظهره أو منافق صدق بلسانه وخالف بقلبه. وأخرج الطبراني في الدعاء عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"حديث : إذا طلبت وأحببت أن تنجح فقل: لا إله إلا إله وحده لا شريك له العلي العظيم لا إله إلا الله وحده لا شريك له رب السموات والأرض، ورب العرش العظيم الحمد لله، رب العالمين كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عيشة أو ضحاها كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار بلاغ فهل يهلك إلا القوم الفاسقون، اللهم إني أسألك موجبات رحمتك وعزائم مغفرتك والسلامة من كل إثم والغنيمة من كل بر، والفوز بالجنة والنجاة من النار اللهم لا تدع لي ذنباً إلا غفرته ولا همّاً إلا فرجته ولا حاجة هي لك رضاً إلا قضيتها يا أرحم الراحمين والحمد لله رب العالمين ".

التستري

تفسير : قوله تعالى: {فَٱصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ ٱلْعَزْمِ مِنَ ٱلرُّسُلِ}[35] قال: يعني اصبر صبر أهل المعرفة، كما صبر أولو العزم من الرسل الذين كانوا قبلك رضى وتسليماً من غير شكوى ولا جزع. وقال: أولو العزم من الرسل إبراهيم صلوات الله عليه، ابتلي بالنار وذبح الولد فرضي وسلم؛ وأيوب عليه السلام بالبلاء؛ وإسماعيل بالذبح فرضي؛ ونوح بالتكذيب فصبر؛ ويونس ببطن الحوت فدعا والتجأ؛ ويوسف صلوات الله عليه بالسجن والجب فلم يتغير؛ ويعقوب بذهاب البصر وفقدان الولد، فشكا بثه إلى الله، ولم يشك إلى غيره، وهم اثنا عشر نبياً صلوات الله عليهم، صبروا على ما أصابهم، فهم أولو العزم من الرسل، والله سبحانه وتعالى أعلم.

السلمي

تفسير : {فَٱصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ ٱلْعَزْمِ مِنَ ٱلرُّسُلِ} [الآية: 35]. قال سهل: اصبر صبر أهل المعرفة كما صبر من كان قبلك من الرسل ابتلى إبراهيم بالنار وذبح الولد فرضى وأسلم، وأيوب بالبلاء فصبر، وإسماعيل بالذبح فرضى، ونوح بالتعذيب فصبر، ويونس ببطن الحوت فدعا والتجأ، ويوسف بالسجن والجب فلم يتغير، ويعقوب بذهاب البصر وفقد الولد فصبر وشكا بثه إلى الله ولم يشكُ إلى غيره وهم اثنى عشر نبياً صبروا على ما أصابهم وهم أولو العزم من الرسل. قال الواسطى فى قوله: {أُوْلُواْ ٱلْعَزْمِ} أولو الجد منهم، ذلك بأن المقادير تجرى على خلاف المشيئة والتدابير وأن الدنيا أسست على المحن وليس للمحن دواء إلاَّ الصبر. قوله تعالى: {كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوۤاْ إِلاَّ سَاعَةً مِّن نَّهَارٍ} [الآية: 35]. قال الواسطى: لما جعل الأذى كساعة من نهار، فأين يقع ما فى ساعة من نهار من طاعة ومعصية من كرمه.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {فَٱصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ ٱلْعَزْمِ مِنَ ٱلرُّسُلِ} ادّب حبيبه صلى الله عليه وسلم بأداب اكابر الانبياء الذين هم اهل عزائم بذلك الموجود لله وفى الله بعد ان عاينوه وعرفوه واحبوه وصبروا له وفيه اى انت فى بحر بلائى امتحنك بعظايم الامتحان التى لا يثبت بازائها الصخور اصم واعظم البلاء كشف جمال قدس لك الذى يفنى فيه من العرش الى الثرى فاصبر به فى مشاهدتى ولا تفش سرى بينى عند الخلق فان بدا منه ذرة الخلقة تضمحل الاكوان والحدثان الى ميادين الوحدانية وتطير باجنحة المعرفة فى هواء القدم والبقاء الذى لا نهاية له اذا----الدهار اقل من لمحة فى زمانها فيه فاصبر فيما عزمت فانك يفنى فى كل لمحة منك فى سطوات الوهيته كما صبر اولوا العزم فى اسفار الديمومية وادراك وحقائق الازلية والابدية صبروا فى تقلبهم فى لطمات بحار القدمية حين استغفروا فى قاموس الكبرياء وما وجدوا نهايتها فكادوا ان يفروا ويخرجوا منها فاغرقتهم امواجها فاستغاثوا منه اليه فالبسهم قوى الربانية فسبحوا فيها بالحق وذهبت بهم بحار الربوبية الى معادن الاولية فلما بلغوا قضى عليات همهم وظنوا انهم وصلوا فلما رأوا انفسهم انهم فى اوائل اسفار الغيب كادوا ان يفنوا فصبروا بالله فى الله وايسوا من الوصول الى كنه القدم ولم يتقطعوا من اسفارهم وايضا فاصبر فانك فى تلك الاسفار ولا يصح حين لم تجد هنالك نفار الخروج منها فان من عرفنى غرق فى بحر كبريائى وعظمتى ابدا الابدين الا ترى كيف قال {وَلاَ تَسْتَعْجِل} اى ولا تستعجل فان لا تدرك بحلاوة العقول ولا يدركنى غوص الفهوم ولا لباب القلوب ولا الدهر الدهار ولا يقلب الافكار فان جميع الازمنة والدهور مقصورة عند اوليتى وأخريتى الا ترى كيف وصف الهالكين فى بحار قهره بقوله {لَّهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوۤاْ إِلاَّ سَاعَةً مِّن نَّهَارٍ} اى ما مضى من بدو الوجود الى زمان الفناء فى ايام القدم المنزه عن الادهار والاعصار كلا شئ فى شئ ثم بين ان هذه الاسرار والحقائق المكشوف ذلك {بَلاَغٌ} اى منى اليك الى العالمين ثم بيّن ان عند معاينة سطوات القهريات لا بهلك فيها لا الخارجون من نعوت استعداد معرفتى حين يحتجبون بظلمات ظنونهم بقوله {فَهَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ ٱلْقَوْمُ ٱلْفَاسِقُونَ} الخارجون بالدعاوى والباطلة قال سهل فى قوله اولوا العزم من الرسل ابراهيم ابتلى بالنار وذبح الولد فرضى واسلم وايوب بالبلاء فصبروا واسماعيل بالذبح قرضى ونوح بالتكذيب فصبر ويونس ببطن الحوت فدعاء التجأ يوسف بالجب والسجن فلم يتغير ويعقوب بذهاب البصر وفقدان اللود فشكايته الى الله ولم يشك الى غيره وهم اثنا عرش نبيا صبروا على ما اصابهم وهم اولوا العزم من الرسل وقال الواسطى فى قوله لانهم يوم يرون الى قوله من نهار لما جعل الازل والابد كساعة من نهار فاين تقع فى ما ساعة من نهار من طاعة فى معصيته من كرمه.

اسماعيل حقي

تفسير : {فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل} الفاء جواب شرط محذوف والعزم فى اللغة الجد والفصد مع القطع اى اذا كان عاقبة امر الكفرة ما ذكر فاصبر على ما يصيبك من جهتهم كما صبر أولوا الثبات والحزم من الرسل فانك من جملتهم بل من عليتهم ومن للتبيين فيكون الرسل كلهم اولى عزم وجد فى امر الله قال فى التكملة وهذا لا يصح لابطال معنى تخصص الآية وقيل من للتبعيض على انهم صنفان اولوا عزم وغير اولى عزم والمراد باولى العزم اصحاب الشرآئع الذين اجتهدوا فى تأسيسها وتقريرها وصبروا على تحمل مشاقها ومعاداة الطاعنين فيها ومشاهيرهم نوح وابراهيم وموسى وعيسى عليهم السلام وقد نظمهم بعضهم بقوله شعر : اولوا العزم نوح والخليل بن آزر وموسى وعيسى والحبيب محمد تفسير : قال فى الأسئلة المقحمة هذا القول هو الصحيح وقيل هم الصابرون على بلاء الله كنوح صبر على اذية قومه كانوا يضربونه حتى يغشى عليه وابراهيم صبر على النار وعلى ذبح ولده والذبيح على الذبح ويعقوب على فقد الولد ويوسف على الجب والسجن وايوب على الضر وموسى قال قومه انا لمدركون قال كلا ان معى ربى سيهدين ويونس على بطن الحوت وداود بكى على خطيئته اربعين سنة وعيسى لم يضع لبنة على لبنة وقال انها معبرة فاعبروها ولا تعمروها صلوات الله عليهم اجمعين وقال قوم الانبياء كلهم اولو العزم الا يونس لعجلة كانت منه الا يرى انه قيل للنبى عليه السلام {أية : ولا تكن كصاحب الحوت} تفسير : ولا آدم لقوله تعالى {أية : ولقد عهدنا الى آدم من قبل فنسى ولم نجد له عزما} تفسير : قال فى حواشى ابن الشيخ ليس بصحيح لان معنى قوله ولم نجد له عزما قصدا الى الخلاف ويونس لم يكن خروجه بترك الصبر لكن توقيا عن نزول العذاب انتهى وفيه ما فيه كما لا يخفى على الفقيه قال بعضهم اولوا العزم اثنا عشر نبيا ارسلوا الى بنى اسرآئيل بالشام فعصوهم فاوحى الله الى الانبياء انى مرسل عذابى على عصاة بنى اسرآئيل فشق ذلك على الانبياء فاوحى الله اليهم اختاروا لانفسكم ان شئتم انزلت بكم العذاب وانجيت بنى اسرآئيل وان شئتم انجيتكم وانزلت العذاب ببنى اسرآئيل فتشاوروا بينهم فاجتمع رأيهم على ان ينزل بهم العذاب وينجى بنى اسرآئيل فسلط الله عليهم ملوك الارض فمنهم من نشر بالمنشار ومنهم من سلخ جلدة راسه ووجهه ومنهم من صلب على الخشب حتى مات ومنهم من احرق بالنار وقيل غير ذلك والله تعالى اعلم واحكم. يقول الفقير لا شك ان الله تعالى فضل أهل الوحى بعضهم على بعض ببعض الخصائص وان كانوا متساوين فى اصل الوحى والنبوة كما قال تعالى {أية : تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض} تفسير : وكذا باين بينهم فى مراتب الابتلاء وان كان كل منهم لا يخلو عن الابتلاء من حيث ان امر الدعوة مبنى عليه فأولوا العزم من هم فوق غيرهم من الرسل وكذا الرسل فوق الانبياء واما نبينا عليه السلام فأعلى اولوا العزم دل عليه قوله تعالى {أية : وانك لعلى خلق عظيم} تفسير : فان كونه على خلق عظيم يستدعى شدة البلاء وقد قال "حديث : ما اوذى نبى مثل ما اوذيت" تفسير : ففرق بين عزم وعزم وقوله تعالى {أية : ولا تكن كصاحب الحوت} تفسير : مع قوله {أية : اذ ذهب مغاضبا} تفسير : دل على ان يونس عليه السلام قد صدر منه الضجرة وقول يوسف عليه السلام {أية : فاساله ما بال النسوة} تفسير : دل على انه صدر منه التزكية وقول لوط عليه السلام {أية : لو أن لى بكم قوة او آوى الى ركن شديد} تفسير : دل على انه ذهل عن ان الله تعالى كان ركنه الشديد وقس على هذا المذكور قول عزيز {أية : أنى يحيى هذه الله بعد موتها} تفسير : ونحو ذلك فظهر أن الانبياء عليهم السلام متفاوتون فى درجات المعارف ومراتب الابتلاء وطبقات العزم قال بعضهم اولوا العزم من لا يكون فى عزمه فسخ ولا فى طلبه نسخ كما قيل بعضهم بم وجدت ما وجدت قال بعزيمة كعزيمة الرجال اى الرجال البالغين مرتبة الكمال {ولا تستعجل لهم} اى لكفار مكة بالعذاب فانه على شرف النزول بهم ومهلهم ليستعدوا بالتمتعات الحيوانية للعذاب العظيم فانى امهلهم رويدا كأنه ضجر بعض الضجر فأحب ان ينزل العذاب بمن أبى منهم فأمر بالصبر وترك الاستعجال {كأنهم يوم يرون ما يوعدون} من العذاب {لم يلبثوا} اى لم يمكثوا فى الدنيا والتمتع بنعيمها {الا ساعة} يسيرة وزمانا قليلا {من نهار} لما يشاهدون من شدة العذاب وطول مدته يعنى ان هول ما ينزل بهم ينسيهم مدة اللبث وايضا ان ما مضى وان كان دهرا طويلا لكنه يظن زمانا قليلا بل يكون كأن لم يكن فغاية التنعم الجسمانى هو العذاب الروحانى كما فى البرزخ والعذاب الجسمانى ايضا كما فى يوم القيامة. غبار قافله عمرجون نمايان نيست دواسبه رفتن ليل ونهار را درياب {بلاغ} خبر مبتدأ محذوف اى هذا الذى وعظتم به كفاية فى الموعظة او تبليغ من الرسول فالعبد يضرب بالعصا والحر يكفيه الاشارة {فهل يهلك} اى ما يهلك وبالفارسية بس آيا هلاك كرده خواهند شد بعذاب واقع كه نازل شود يعنى نخوا هندشد {الا القوم الفاسقون} اى الخارجون عن الاتعاظ به او عن الطاعة وقال بعض أهل التأويل اى الخارجون من عزم طلبه الى طلب ما سواه وفى هذه الالفاظ وعيد محض وانذار بين وفى الفردوس قال ابن عباس رضى الله عنهما قال النبى عليه السلام "حديث : اذا عسر على المرأة ولادتها اخذ اناء نظيف وكتب عليه (كأنهم يوم يرون ما يوعدون) الخ (وكأنهم يوم يرونها) الخ (ولقد كان فى قصصهم عبرة لاولى الالباب) الخ ثم يغسل وتسقى منه المرأة وينضح على بطنها وفرجها" تفسير : كما فى بحر العلوم وقال فى عين المعانى قال ابن عباس رضى الله عنهما اذا عسر على المرأة الولادة فليكتب هاتان الآيتان فى صحيفة ثم تسقى وهى هذه بسم الله الرحمن الرحيم لا اله الا الله الحكيم الكريم لا اله الا الله العلى العظيم سبحان الله رب السموات السبع ورب العرش العظيم كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا الا ساعة من نهار بلاغ فهل يهلك الا القوم الفاسقون {أية : كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا الا عشية او ضحاها} تفسير : وفى شرعة الاسلام المرأة التى عسرت عليها الولادة يكتب لها فى جام وهو طبق ابيض من زجاج او فضة ويغسل ويسقى ماؤه بسم الله الذى لا اله الا هو العليم الحكيم سبحان الله رب العرش العظيم الحمد لله رب العالمين كأنهم يوم يرون الخ ومر عيسى بن مريم ببقرة اعترض ولدها فى بطنها فقالت يا كلمة الله ادعو الله ان يخلصنى فقال عيسى يا خالق النفس من النفس خلصها فألقت ما فى بطنها فاذا عسرت على المرأة الولادة فليكتب لها هذا وكذا اذا عسرت على الفرس والبقر وغيرهما قال فى آكام المرجان يجوز ان يكتب للمصاب وغيره من المرضى شئ من كتاب الله وذكره بالمداد المباح ويغسل ويسقى كما نص على ذلك الامام احمد وغيره انتهى واحترز بكتاب الله وذكره عما لا يعرف معناه من لغات الملل المختلفة فانه يحتمل ان يكون فيه كفر واحترز بالمداد المباح عن الدم ونحوه من النجاساة فانه حرام بل كفر وكذا تقليب حروف القرءآن وتعكيسها نعوذ بالله ثم من لطائف القرءآن الجليل ختم السورة الشريفة بالعذاب القاطع لدابر الكافرين والحمد لله حمدا كثيرا الى يوم الدين والى ابد الآبدين تمت سورة الاحقاف بعون ذى الالطاف فى عاشر شوال المنتظم فى سلك شهور سنة ثلاث عشرة بعد المائة ويليها سورة محمد صلى الله عليه وسلم.

ابن عجيبة

تفسير : قلت: {لهم} متعلق بتستعجل، وأما تعليقه ببلاغ فضعيف، لا يليق بإعجاز التنزيل، خلافاً لوقف الهبطي، {وبلاغ} خبر عن مضمر، أي: هذا بلاغ. يقول الحق جلّ جلاله: {فاصبر} يا محمد على ما يُصيبك من جهة الكفرة {كما صبر أُولوا العزم} أي: الثبات والحزم {من الرسل} فإنك مِن جملتهم، بل من أكملهم وأفضلهم، و"من" للتبعيض، واختلف في تعيينهم، فقيل: هم المذكورون في الأحزاب {أية : وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّنَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنكَ وَمِن نُّوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيمَ}تفسير : [الأحزاب: 7] وهم أهل الشرائع، الذين اجتهدوا في تأسيسها وتقريرها، وصبروا على تحمُّل مشاقها، وسياسة مَن تمسّك بها، ومعاداة الطاعنين فيها. وقيل: هم الصابرون على بلاء الله تعالى، كنوح صَبَر على إذاية قومه، كانوا يضربونه حتى يُغشى عليه، وإبراهيم صبر على النار، وذَبْحِِ ولده، ومفارقة وطنه، وترك ولده ببلد خالية من العمران، ويعقوب على فقد ولده، وذهَاب بصره، ويوسف على الجُب والسجن، وأيوب على الضُر، وموسى قال له قومه:{أية : إِنَّا لَمُدْرَكُونَ قَالَ كَلاَّ إِنَّ مَعِىَ رَبِّى سَيَهْدِينِ }تفسير : [الشعراء: 61، 62] وعلى مكابدة التيه مع قومه، وداود بكى على خطيئته أربعين سنة، وعيسى لم يضع لبنة على لبنة. وقيل: هم اثنا عشر نبياً، أُرسلوا إلى بني إسرائيل، فعصوهم، فأوحى الله إلى الأنبياء: إني مرسل عذابي على عصاة بني إسرائيل، فشقَّ عليهم، فأوحى الله إليهم: أن اختاروا لأنفسكم، إن شئتم أنزلتُ بكم العذاب، وأنجيت بني إسرائيل، وإن شئتم أنجيتكم وأنزلت ببني إسرائيل، فتشاوروا بينهم، فاجتمع رأيهم على أن ينزل بهم العذاب ويُنجي بني إسرائيل، فسلّط عليهم ملوك الأرض، فمنهم مَن نُشر بالمناشير، ومنهم مَن سُلخ جلدة رأسه ووجهه، ومنهم مَن رُفع على الخشب، ومنهم مَن أُحرق بالنار. نسأل الله العافية، فإنهم أقوياء ونحن ضعفاء. وقيل: "من" للتبيين، كقولك: اشتريت ثياباً من الخز، فكلهم أولو العزم، وقيل: إلا يونس، لقوله:{أية : وَلاَ تَكُن كَصَاحِبِ الْحُوتِ}تفسير : [القلم: 48] وآدم لقوله:{أية : وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً}تفسير : [طه: 115] ثم قال تعالى: {ولا تستعجلْ لهم} أي: لكفار مكة نزول العذاب، فإنه نازل بهم، {كأنهم يوم يَرَوْن ما يُوعدون} من العذاب {لم يلبثوا} في الدنيا {إِلا ساعةً} يسيرة {من نهارٍ} لما يُشاهدونه من شدة العذاب وطول مدته. وقال الثعالبي: وإذا علمت أيها الأخ أن الدنيا أضغاث أحلام، كان من الحزم اشتغالك الآن بتحصيل الزاد للمعاد، وحفظ الحواس، ومراعاة الأنفاس، ومراقبة مولاك، فاتخذه صاحباً، ودعْ الناس جانباً، ثم نقل عن الغزالي ما يهيج النفس إلى النهوض إلى الله، والفرار مما سواه، فانظره. هذا {بلاغٌ} أي: هذا الذي وُعظتم به كفاية في الموعظة، أو تبليغ من الرسول، أو مني إليك، ومنك إلى العالمين. {فهلْ يُهلك إِلا القوم الفاسقون} أي: ما يُهلك إلا الخارجون عن هذا الاتعاظ، أو عن هذه المواعظ، أو عن الطاعة، أو: فلا يهلك مع هذه المواعظ البالغة، والأدلة القاطعة إلا مَن هلك عن بينة، أو: فلا يهلك مع رحمة الله وتفضُّله إلا الهالكون، ونظير ما ختم به هنا ما ختم به سورة الأنبياء:{أية : إِنَّ فِى هَذَا لَبَلاَغاً لِّقَوْمٍ عَابِدينَ }تفسير : [الأنبياء: 106] الآية. فائدة: قال ابن عباس: إذا عسر على المرأة ولدها، فليكتب هاتين الآيتين الكريمتين في صحيفة، ثم تغسل وجهها منها، وتُسقى منها: بسم الله الرحمن الرحيم، لا إله إلا الله، العظيم الحليم، سبحان الله رب السموات والأرض، ورب العرش العظيم، كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها، {كأنهم يوم يرون ما يُوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار} صدق الله العظيم. هـ. الإشارة: أولو العزم من الأولياء هم أولو الجد والتشمير، قد خلّصهم البلاء وشحّرهم، فهم جلاليون الظاهر، جماليون الباطن، قد أسّسوا منار الطريق، وأظهروا معالم التحقيق، قاسوا شدائد المجاهدة، وأفضوا إلى دوام المشاهدة، عالجوا سياسة الخلق، حتى هدى الله على أيديهم الجم الغفير، فهم خلفاء الرسل في تجديد الشرائع، وإحياء الدين، جعلنا الله منهم بمنِّه وكرمه. فيُقال لكل وليّ من أولي العزم: فاصبر كما صبر أولو العزم من الأولياء قبلك. قال القشيري: والصبرُ هو الوقوفُ لحكم الله تعالى، والثبات من غير بَثّ الاستكراه. هـ. أي: من غير إظهار الشكوى والتكرُّه. قلت: وأعظم مواطن الصبر عند ورود الفاقات، وتوالي الأزمات، وصيانة الوجه عن ذلك المخلوقات، ولله در القائل: شعر : اِرض بِأدْنَى الْعَيْشِ وَاشْكر عَلَيْهِ شُكْرَ مَن الْقلُّ كَثيرٌ لَدَيْهِ وجَانِب الْحرص الَّذِي لَمْ يَزَل يَحُطُّ قَدْرَ الْمتَراقِي إِلَيهِ وحَامِ عَنْ عِرْضِكَ وَاسْتَبقهِ كَمَا يُحامي اللَّيْثُ عَنْ لُبْدَتَيْهِ وَاصْبِرْ علَى ما نَابَ مِن نوبٍ صَبْرَ أُولِي الْعَزْمِ، وَاغْمِضْ عَلَيْهِ تفسير : ولبدتي الأسد: جانبا كتفيْه. ويُقال لأُولي العزم، حين يُؤذون من جهة الخلق: {ولا تستعجل لهم...} الآية. وقوله تعالى: {كأنهم يوم يرون...} الآية، قال القشيري: مُدةُ الخلق من مبتدأ خلقتهم إلى مُنتهى آجالهم، بالإضافة إلى الأزلية، كلحظةٍ، بل هي أقلُّ، إذ الأول لا ابتداء له ولا انتهاء، وأيّ خَطَرٍ لما حصل في لحظةٍ.. خيراً كان أو شرّاً؟ هـ. قال الورتجبي، ثم بيَّن أن عند معاينة سطوات القهريات، لا يهلك فيها إلا الخارجون من نعوت استعداد معرفتي، حين يحتجبون بظلمات نعوتهم بقوله: {فهل يهلك إلا القوم الفاسقون} الخارجون بالدعاوى الباطلة. هـ. وبالله التوفيق، وصلّى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلّم.

الجنابذي

تفسير : {فَٱصْبِرْ} ولا تجزع على أذاهم ولا تستعجل عذابهم {كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ ٱلْعَزْمِ مِنَ ٱلرُّسُلِ} المشهور من اخبارنا انّ اولى العزم من الرّسل خمسة، نوح وابراهيم وموسى وعيسى (ع) ومحمّد (ص) وسمّوا اولى العزم لانّ شريعتهم كانت ناسخةً لما سبق من الشّرائع وكانت حتماً على كلّ الخلائق بخلاف سائر الانبياء (ع) فانّ شريعتهم كانت شريعة من سبقهم، وكانت فى قومٍ دون قومٍ، وعلى هذا يكون من فى قوله تعالى من الرّسل للتّبعيض، وقيل: جميع الرّسل كانوا اولى العزم فانّهم لم يكونوا على تردّدٍ من امرهم فيكون من للتّبيين، وقيل: اولو العزم كانوا ستّةً، نوح صبر على اذى قومه، وابراهيم صبر على النّار، واسحاق صبر على الذّبح، ويعقوب صبر على فقد الولد وذهاب البصر، ويوسف صبر فى البئر والسّجن، وايّوب صبر على الضّرّ والبلوى، وقيل: هم الّذين امروا بالجهاد والقتال واظهروا المكاشفة وجاهدوا فى الدّين، وقيل: هم ابراهيم وهود ونوح (ع) ورابعهم محمّد (ص) {وَلاَ تَسْتَعْجِل لَّهُمْ} العذاب فانّه كائن لا محالة عن قريبٍ {كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ} من العذاب {لَمْ يَلْبَثُوۤاْ} فى التّنعّم والدّنيا {إِلاَّ سَاعَةً مِّن نَّهَارٍ} يعنى انّ المكث فى الدّنيا وان كان اطول زمانٍ ليس الاّ كساعة فمالك تستعجل العذاب الوارد عليهم عن قريبٍ {بَلاَغٌ} خبر مبتدءٍ محذوفٍ والجملة صفة ساعة، او جوابٌ لسؤالٍ مقدّرٍ اى هذه السّاعة ليست لتمتّعهم بل هى بلاغ لهم الى يوم يرونه فهو تسليةٌ اخرى له (ص) وعلّة اخرى لنهيه عن الاستعجال، او هذا اللّبث بلاغ لهم الى هذا اليوم، او مبتدء خبرٍ محذوفٍ اى لهم بلاغ سيبلغون الى هذا اليوم فلا تستعجل، او لهم بلاغ الى هذا اليوم الآن فانظر حتّى ترى فانّ الكلّ بوجهٍ فى نظر البصيرة فى القيامة والحساب، او المعنى هذا القرآن، او هذه المواعظ والتّهديدات، او ولاية علىٍّ (ع) تبليغ منك لرسالتك فلا تكترث بهم قبلوا او ردّوا {فَهَلْ يُهْلَكُ} عن الحياة الانسانيّة {إِلاَّ ٱلْقَوْمُ ٱلْفَاسِقُونَ} الخارجون عن طاعة ولاة الامر فلا تحزن على الهالكين، قيل: ما جاء فى الرّجاء شيءٌ اقوى من هذه الآية.

اطفيش

تفسير : {فَاصْبِرْ} على أذى قومك* {كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ} أصحاب {الْعَزْمِ} الجد والثبات والصبر والحزم* {مِنَ الرُّسُلِ} على أذى قومهم (ومن) للبيان فأولو العزم هم الرسل جميعاً. هذا قول ابن زيد من علماء الاندلس وعليه الرازي وعن بعض الأنبياء كلهم أولو العزم الا يونس لعجلة كانت فيه قال {أية : ولا تكن كصاحب الحوت} تفسير : ولا آدم بقوله تعالى {أية : ولم نجد له عزماً} تفسير : ويجوز أن تكون (من) للتبعيض فأولو العزم بعض الرسل فقط فقيل أصحاب الشرائع اجتهدوا في تأسيسها وتقريرها وصبروا على تحمل مشاقها ومعاداة الطاغين فيها ومشاهيرهم نوح وابراهيم وموسى وعيسى. وقال الكلبي: هم الذين جمروا بالجهاد وأظهروا العداوة للأعداء وقيل ثمانية عشر في قوله{أية : وتلك حجتنا آتيناها ابراهيم} تفسير : الخ {أية : فبهداهم اقتده} تفسير : وقيل ستة ذكرت نسقاً في الاعراف والشعراء نوح وهود وصالح ولوط وشعيب وموسى وقيل خمسة نوح وابراهيم وموسى وعيسى ومحمد عليهم الصلاة والسلام. قلت لا يصح هذا تفسيراً في الآية لانه قال {فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ الْعَزْمِ} وانما يعد سيدنا محمد منهم خارج الآية لأنه كان كما أمره الله ولهذا فسر قتادة وابن عباس الأية بالأربعة فقط وقرنهم بمحمد في {أية : ومنك ومن نوح} تفسير : الخ وفي {أية : شرع لكم} تفسير : الخ وقال مقاتل ستة صابرون عل البلاء نوح صبر على بلاء قومه يضربونه بالحجارة حتى يغشى عليه وابراهيم على النار وذبح ولده واسحاق على الذبح ويعقوب على فقد ولده وبصره ويوسف على الجب والسجن وأيوب على الضر. وزاد الزمخشري موسى قال له قومه {أية : انا لمدركون قال كلا ان معي ربي سيهدينِ} تفسير : وداود بكى على خطيئته أربعين سنة وعيسى لم يضع لبنة على لبنة وقال انها معبرة فاعبروها ولا تعمروها. قال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : يا عائشة ان الدنيا لا تنبغي لمحمد ولا لآل محمد، يا عائشة ان الله لم يرض من أولي العزم الا الصبر على مكروهها والصبر على محبوبها ولم يرض الا أن كلفني ما كلفهم فقال {فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل} واني والله لا بد لي من طاعته والله لأصبرن كما صبروا ولأجتهدن ولا قوة الا بالله" تفسير : وقوله ولا قوة الا بالله استثناء ليمنه* {وَلاَ تَسْتَعْجِلْ لَّهُمْ} لكفار قريش بالعذاب فانه نازل بهم في وقته لا محالة كأنه ضجر بعض الضجر فأحب نزول العذاب فقيل له ذلك* {كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ} من العذاب وذلك يوم القيامة* {لَمْ يَلْبَثُواْ} في الدنيا* {إِلاَّ سَاعَةً مِّن نَّهَارٍ} وذلك لطول عذاب الآخرة وشدته حتى صار عمرهم والبرزخ كساعة استقصروا ذلك حتى يحسبوه ساعة والمنقضي من الزمان عدم وعذاب الآخرة دائم. قال الغزالي: (اعلم ان صاحبك الذي لا تفارقه في حضرك وسفرك ونومك ويقظتك وحياتك وموتك هو ربك ومولاك وسيدك وخالقك ومهما ذكرته فهو جليسك اذا قال أنا جليس من ذكرني ومهما انكسر قلبك حزناً على تقصيرك في حق دينك فهو صاحبك وملازمك اذ قال أنا عند المنكسرة قلوبهم من أجلي فلو عرفته يا أخى حق معرفته لاتخذته صاحباً وتركت الناس جانباً فان لم تقدر على ذلك في جميع أوقاتك فاياك أن تخلي ليلك ونهارك عن وقت تخلو فيه بمولاك وتتلذذ بمناجاته وعند ذلك فعليك بأدب الصحبة مع الله وأدبها اطراق الطرف وجمع الهم ودوام الصمت وسكون الجوارح ومبادرة الأمر واجتناب النهي وقلة الاعتراض على القدر ودوام الذكر باللسان وملازمة الفكر وايثار الحق والياس من الخلق والخضوع تحت لهبه والانكسار تحت الحيا والسكون عن حبل الكسب ثقة بالضمان والتوكل على فضل معرفة يحسن اختياره وهذا كله ينبغي أن يكون شعارك في جميع ليلك ونهارك فانه آداب الصحبة مع صاحب لا يفارقك والخلق يفارقك في بعض أوقاتك)* {بَلاَغٌ} أي في ذلك الاخبار بلاغ فالمحذوف الخبر وذلك الذي وعظتم به بلاغ والقرآن بلاغ فالمحذوف المبتدأ وكذا ان قيل السورة بلاغ وقيل بلاغ مبتدأ وخبره لهم وما بينهما اعتراض والمعنى عليه لهم وقت يبلغون اليه كأنهم اذا بلغوه ورأوا ما فيه استقصروا مدة عمرهم وعلى ما أقبله البلاغ الكفاية أو التبليغ من الرسول ويؤيده انه قرئ (بلغ) على الامر متصلاً بما بعده وقرئ (بلاغاً) أي بلغ بلاغاً. وقرأ الحسن بجره نعتا لنهار وتقدير ابن هشام في الرفع {أية : هذا بلاغ} تفسير : قال وقد صرح به في {أية : هذا بلاغ للناس} تفسير : *{فَهَلْ} أي ما* {يُهْلِكُ إِلاَّ الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ} وقرئ بفتح الياء واللام من هلك بالكسر وبفتحها وكسر اللام من هلك بالفتح وعليهما فالقوم فاعل وقرئ بالنون مضمومة وكسر اللام ونصب القوم ونعته وفي الآية وعيد محض وانذار بين لأن الحسنة بعشر والسيئة بمثلها وغفر الصغائر باجتناب الكبائر ووعد الغفران على التوبة فلن يهلك مع فضله وسعة رحمته الا فاسق وفي الحديث (الا هالك) ولذا قال ثعلب هذه أرجى آية في كتاب الله. اللهم ببركة هذه السورة وسيدنا محمد اخز النصارى وغلب الموحدين والمسلمين عليهم واكسر شوكة النصارى اللهم صلِّ وسلم على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم كثيراً.

اطفيش

تفسير : {فاصْبر} اذا رسخ ما ذكر من عقاب الكفرة، وقدرة الله فى قلبك يا محمد فاصبر على ما يصيبك من الكفرة من الضر {كَما صَبر أولُوا العَزم من الرُّسل} على ما أصابهم من ضر الكفرة، والعزم الاجتهاد فى الشىء والصبر عليه، ومن للبيان أى وهم الرسل، فالرسل كلهم أو العزم، لأنهم كلهم اجتهدوا فى التبليغ والجد والقوة فى الدين، والصبر على الأذى والمصائب، وقضاء الله تعالى، والجمهور على أن من للتبعيض، فأولو العزم بعضهم، قال الحسن بن الفضل: ثمانية عشر ذكروا فى سورة الأنعام، ذكرهم الله تعالى وقال: "أية : فبهداهم اقتده" تفسير : [الأنعام: 90]. وقيل: نوح صبر على أذى قومه ألف سنة إلا خمسين، وابراهيم ألقى فى النار، واسماعيل صبر على الذبح، ويعقوب على فقد ولده يوسف، ويوسف على البئر والسجن، وأيوب على بلائه، وموسى إذ قال: "أية : إنا لمدركون" تفسير : [الشعراء: 61] وداود بكى على خطيئته أربعين سنة، وعيسى على فقره واعراضه عن الدنيا بالكلية، وقال: انها معبر فاعبروها ولا تعمروها. وقيل: سبعة: آدم، ونوح، وابراهيم، وموسى، وداود، وسليمان، وعيسى، وقيل: ستة: نوح، وهود، وصالح، وداود، وموسى، وسليمان، وهو رواية عن ابن عباس، وقيل: نوح، وابراهيم، وإسحاق، ويعقوب، ويوسف، وأيوب، وقيل: المذكورون على نسق فى سورة الأعراف والشعراء، لمكاثرتهم على أعداء الله عز وجل، ونوح، وهود، وصالح، ولوط، وشعيب، وموسى، أمروا بالجهاد وهو قول الكلبى، وعن قتادة: نوح، وهود، وابراهيم، وشعيب، وموسى، وقيل الأنبياء كلهم أولو العزم إلا يونس لعجلته، وقوله تعالى: "أية : ولا تكن كصاحب الحوت" تفسير : [القلم: 48] وقال عبد الرزاق: نوح، وابراهيم، وموسى، وعيسى، قيل: وهو أصح الأقوال، وصحح السيوطى أنهم الأربعة، وسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وعليهم. شعر : أولو العزم نوح والخليل كلاهما وموسى وعيسى والنبى محمد تفسير : وفى لفظ: شعر : أولو العزم نوح والخليل الممجد وموسى وعيسى والحبيب محمد تفسير : لما أمر الله تعالى سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم أن يصبر كما صبر أولو العزم صبر، وكان فى عدادهم، وأولو العزم فى الآية غيره، ثم التحق بهم، وهم المخصوصون بعد تعميم فى قوله تعالى: "أية : وإذْ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم" تفسير : [الأحزاب: 7] وتلك الأقوال كلها على الآية، ويزداد على ما فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم. وروى البيهقى: أنهم: نوح، وهود، وابراهيم، ورابعهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وشهر حديث: ان الأنبياء مائة ألف وأربعة وعشرون ألفا" وروى مائتا ألف وأربعة وعشرون ألفا، واعترض اليهود والنصارى على المسلمين فى هذه الكثرة، زعموا أن عددهم لا يجاوز خمسين، ويرد عليه بأنه لا حجر على الله فى تكثيرهم، وله تعالى أن يجعلهم ألوفاً من الملايين، وله أن يجعل ذلك رسلا، فكيف بالأنبياء. وفى فتوحات ابن العربى: فى كل عصر من الأمة المحمدية مائة ألف ولى لله تعالى واربعة وعشرون ألف ولى، عدد الأنبياء، والله أعلم بصحة ذلك. ولعل اليهود والنصارى، المنكرين لكثرة الأنبياء توهموا أنهم رسل وأخطأوا، ولا حجر على الله تعالى، زعموا أن كثرتهم من عجائب دين الاسلام، وزعم بعض النصارى أنه قال بعض المسلمين: ان الأنبياء ألف ألف وأكثر، وهو كذب لا قائل بذلك، وان قيل لم يقبل، وقال اللقانى فى شرح الجوهرة الأولى أن لا يعترض لحصرهم لقوله تعالى: "أية : ومنهم من لم نقصص" تفسير : [غافر: 78] وفيه أن عدم القص لا ينافى الايحاء بعددهم، قال: وحديث مئة ألف وأربعة وعشرون ألفا الخ فى بعض سنده ضعف. {ولا تَسْتَعجل} بالدعاء أو التمنى {لَهُم} لكفار مكة عذابا، فإنه قريب منهم {كأنَّهُم يوم يَرونَ ما يُوعَدونَ} من العذاب، ويوم حال من الهاء، ولو كان أصلها مبتدأ لوجود معنى الحدث بكان، وهو التشبيه، وأجيز تعليقها بكان، مع أنها حرف لذلك {لَم يَلْبثُوا} فى الدنيا {إلاَّ ساعة} يسيرة {مِن نَهارٍ} قصير لشدة العذاب وطوله {بلاغ} هذا الذى وعظوا به بلاغ وهو كلام من الله تعالى، أو يقدر قل لهم: هذا الذى وعظتم به بلاغ، والبلاغ الكافية أو اسم مصدر هو التبليغ، أى تبليغ عظيم لا عذر لكم معه، ويدل له قراءة بلغ بشد اللام مكسورة، واسكان الغين، وقراءة بلغ بفتح الكل، وشد اللام، وقيل: الاشارة الى القرآن أو ما ذكر من السورة، ويجوز أن تكون الاشارة المقدرة الى اللبث، أى هذا اللبث الذى لبثتم بلاغ، أى شىء قليل، كما قال: "متاع قليل" {فَهَل يُهْلَك إلاَّ القَوم الفاسِقُون} الخالون عن الاتعاظ والطاعة. قال أنس: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إذا طلبت حاجة وأحبب أن تنجح فقل الله لا إله إلا الله وحده لا شريك له العلي العظيم لا إله إلا الله وحده لا شريك له الحليم الكريم، باسم الله الذي لا إله إلا هو الحي الحليم، سبحان رب العرش العظيم، الحمد لله رب العالمين، كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها، كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار بلاغ فهل يهلك إلا القوم الفاسقون، اللهم إني أسألك موجبات رحمتك، وعزائم مغفرتك، والسلامة من كل إثم، والغنيمة من كل بر، والفوز بالجنة، والنجاة من النار، اللهم لا تدع لي ذنبا الا غفرته، ولا هما إلا فرجته، ولا دينا إلا قضيته، ولا حاجة من حوائج الدنيا والآخرة إلا قضيتها يا أرحم الراحمين" تفسير : يعنى يذكر بعد ذلك حاجته أو يقصدها فيما يصلح لها من ألفاظ هذا الدعاء، مثل أن يقصدها عند قوله: ولا حاجة من حوائج الدنيا والآخرة إلا قضيتها.

الالوسي

تفسير : والفاء في قوله تعالى: {فَٱصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ ٱلْعَزْمِ مِنَ ٱلرُّسُلِ } واقعة في جواب شرط مقدر أي إذا كان عاقبة أمر الكفرة ما ذكر فاصبر على ما يصيبك من جهتهم أو إذا كان الأمر على ما تحققته من قدرته تعالى الباهرة فاصبر، وجوز غير واحد كونها عاطفة لهذه الجملة على ما تقدم، والسببية فيها ظاهرة واقتصر في «البحر» على كونها لعطف هذه الجملة على أخبار الكفار في الآخرة؛ وقال: ((المعنى بينهما مرتبط كأنه قيل: هذه حالهم فلا تستعجل أنت واصبر ولا تخف إلا الله عز وجل))، والعزم يطلق على الجد والاجتهاد في الشيء وعلى الصبر عليه، و{مِنْ } بيانية كما في {أية : فَٱجْتَنِبُواْ ٱلرّجْسَ مِنَ ٱلأَوْثَـٰنِ } تفسير : [الحج: 30] والجار والمجرور في موضع الحال من {ٱلرُّسُلَ } فيكون أولوا العزم صفة جميعهم، وإليه ذهب ابن زيد والجبائي وجماعة أي فاصبر كما صبر الرسل المجدون المجتهدون في تبليغ الوحي الذين لا يصرفهم عنه صارف ولا يعطفهم عنه عاطف والصابرون على أمر الله تعالى فيما عهده سبحانه إليهم أو قضاه وقدره عز وجل عليهم بواسطة أو بدونها. وعن عطاء الخراساني والحسن بن الفضل والكلبـي ومقاتل وقتادة وأبـي العالية وابن جريج، وإليه ذهب أكثر المفسرين أن {مِنْ } للتبعيض فأولوا العزم بعض الرسل عليهم السلام، واختلف في عدتهم وتعيينهم على أقوال، فقال الحسن بن الفضل: ثمانية عشر وهم المذكورون في سورة [الأنعام: 90] لأنه سبحانه قال بعد ذكرهم: {أية : فَبِهُدَاهُمُ ٱقْتَدِهْ }تفسير : وقيل: تسعة نوح عليه السلام صبر على أذى قومه طويلاً، وإبراهيم عليه السلام صبر على الإلقاء في النار، والذبيح عليه السلام صبر على ما أريد / به من الذبح، ويعقوب عليه السلام صبر على فقد ولده، ويوسف عليه السلام صبر على البئر والسجن وأيوب عليه السلام صبر على البلاء، وموسى عليه السلام قال له قومه: {أية : إِنَّا لَمُدْرَكُونَ } تفسير : [الشعراء: 61] فقال: {أية : إِنَّ مَعِيَ رَبّي سَيَهْدِينِ } تفسير : [الشعراء: 62] وداود عليه السلام بكى على خطيئته أربعين سنة وعيسى عليه السلام لم يضع لبنة على لبنة وقال: إنها يعني الدنيا معبرة فاعبروها ولا تعمروها، وقيل: سبعة آدم ونوح وإبراهيم وموسى وداود وسليمان وعيسى عليهم السلام، وقيل: ستة وهم الذين أمروا بالقتال وهم نوح وهود وصالح وموسى وداود وسليمان، وأخرجه ابن مردويه عن ابن عباس، وعن مقاتل أنهم ستة ولم يذكر حديث الأمر بالقتال وقال: هم نوح وإبراهيم وإسحٰق ويعقوب ويوسف وأيوب. وأخرج ابن عساكر عن قتادة أنهم نوح وهود وإبراهيم وشعيب وموسى عليهم السلام. وظاهره القول بأنهم خمسة، وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عنه أنهم نوح وإبراهيم وموسى وعيسى وظاهره القول بأنهم أربعة وهذا أصح الأقوال. وقول الجلال السيوطي: إن أصحها القول بأنهم خمسة هؤلاء الأربعة ونبينا صلى الله عليه وسلم وعليهم أجمعين وأخرج ذلك ابن أبـي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس وهو المروي عن أبـي جعفر وأبـي عبد الله من أئمة أهل البيت رضي الله تعالى عنهم ونظمهم بعض الأجلة فقال:شعر : أولو العزم نوح والخليل الممجد وموسى وعيسى والحبيب محمد تفسير : مبني على أنهم كذلك بعد نزول الآية وتأسي نبينا عليه الصلاة والسلام بمن أمر بالتأسي به ولم يرد أن أصح الأقوال أن المراد بهم في الآية أولئك الخمسة صلى الله تعالى عليهم وسلم إذ يلزم عليه أمره عليه الصلاة والسلام أن يصبر كصبره نفسه ولا يكاد يصح ذلك، وعلى هذا قول أبـي العالية فيما أخرجه عبد بن حميد وأبو الشيخ والبيهقي في «شعب الإيمان» وابن عساكر عنه أنهم ثلاثة نوح وإبراهيم وهود ورسول الله صلى الله عليه وسلم رابع لهم، ولعل الأولى في الآية القول الأول وإن صار أولوا العزم بعد مختصاً بأولئك الخمسة عليهم الصلاة والسلام عند الإطلاق لاشتهارهم بذلك كما في الأعلام الغالبة فكأنه قيل: فاصبر على الدعوة إلى الحق ومكابدة الشدائد مطلقاً كما صبر إخوانك الرسل قبلك. {وَلاَ تَسْتَعْجِل لَّهُمْ } أي لكفار مكة بالعذاب أي لا تدع بتعجيله فإنه على شرف النزول بهم {كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ } من العذاب {لَّمْ يَلْبَثُواْ } في الدنيا {إِلاَّ سَاعَةً } يسيرة {مّن نَّهَارٍ } لما يشاهدون من شدة العذاب وطول مدته. وقرأ أبـي {مّنَ ٱلنَّهَارِ } وقوله تعالى: {بَلاَغٌ } خبر مبتدأ محذوف أي هذا الذي وعظتم به كفاية في الموعظة أو تبليغ من الرسول، وجعل بعضهم الإشارة إلى القرآن أو ما ذكر من السورة. وأيد تفسير {بَلاَغٌ } بتبليغ بقراءة أبـي مجلز وأبـي سراج الهذلي {بَلِّغَ } بصيغة الأمر له صلى الله عليه وسلم، وبقراءة أبـي مجاز أيضاً في رواية {بلغ } بصيغة الماضي من التفعيل، واستظهر أبو حيان كون الإشارة إلى ما ذكر من المدة التي لبثوا فيها كأنه قيل: تلك الساعة بلاغهم كما قال تعالى: {أية : مَتَـٰعٌ قَلِيلٌ } تفسير : [آل عمران: 197] وقال أبو مجلز: {بَلاَغٌ } مبتدأ خبره قوله تعالى: {لَهُمْ } السابق فيوقف على {وَلاَ تَسْتَعْجِل } ويبتدأ بقوله تعالى: {لَهُمْ } وتكون الجملة التشبيهية معترضة بين المبتدأ والخبر؛ والمعنى لهم انتهاء وبلوغ إلى وقت فينزل بهم العذاب؛ وهو ضعيف جداً لما فيه من الفصل ومخالفة الظاهر إذ الظاهر تعلق {لَهُمْ } بتستعجل. وقرأ الحسن وزيد بن علي وعيسى {بلاغاً } بالنصب بتقدير بلغ بلاغاً أو بلغنا بلاغاً أو نحو ذلك. وقرأ الحسن أيضاً {بلاغ} بالجر على أنه نعت لنهار. {فَهَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ ٱلْقَوْمُ ٱلْفَـٰسِقُونَ } الخارجون عن الاتعاظ أو عن الطاعة، وفي الآية من الوعيد والإنذار / ما فيها. وقرأ ابن محيصن فيما حكى عنه ابن خالويه {يهلك } بفتح الياء وكسر اللام، وعنه أيضاً {يهلك } بفتح الياء واللام وماضيه هلك بكسر اللام وهي لغة، وقال أبو الفتح: هي مرغوب عنها. وقرأ زيد بن ثابت {نهلك } بنون العظمة من الإهلاك {القوم الفاسقين} بالنصب. وهذه الآية أعني في قوله تعالى: {كَأَنَّهُمْ } إلى الآخر جاء في بعض الآثار ما يشعر بأن لها خاصية من بين آي هذه السورة. أخرج الطبراني في «الدعاء» عن أنس عن النبـي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إذا طلبت حاجة وأحببت أن تنجح فقل: لا إله إلا الله وحده لا شريك له العلي العظيم لا إله إلا الله وحده لا شريك له الحليم الكريم بسم الله الذي لا إله إلا هو الحي الحليم سبحان الله رب العرش العظيم الحمد لله رب العالمين {كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوۤاْ إِلاَّ عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا} [النازعات: 46] {كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوۤاْ إِلاَّ سَاعَةً مِّن نَّهَارٍ بَلاَغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ ٱلْقَوْمُ ٱلْفَاسِقُونَ} اللهم إني أسألك موجبات رحمتك وعزائم مغفرتك والسلامة من كل اثم والغنيمة من كل بر والفوز بالجنة والنجاة من النار اللهم لا تدع لي ذنباً إلا غفرته ولا هماً إلا فرجته ولا دينا إلا قضيته ولا حاجة من حوائج الدنيا والآخرة إلا قضيتها برحمتك يا أرحم الراحمين. »

ابن عاشور

تفسير : تفريع على ما سبق في هذه السورة من تكذيب المشركين رسالة محمد صلى الله عليه وسلم بجعلهم القرآن مفترى واستهزائهم به وبما جاء به من البعث ابتداء من قوله: {أية : وإذا تُتْلَى عليهم آياتنا بيّنات قال الذين كفروا للحق لما جاءهم هذا سحر مبين}تفسير : [الأحقاف: 7]، وما اتصل به من ضَرْب المَثل لهم بعاد. فأمر الرسول صلى الله عليه وسلم بالصبر على ما لقيه منهم من أذى، وضرب له المثل بالرسل أولي العزم. ويجوز أن تكون الفاء فصيحة. والتقدير: فإذا علمت ما كان من الأمم السابقة وعلمت كيف انتقمنا منهم وانتصرنا برسلنا فاصبر كما صبروا. وأولوا العزم: أصحاب العزم، أي المتصفون به. والعزم: نية محققة على عمل أو قول دون تردد. قال تعالى: {أية : فإذا عزمت فتوكّل على الله}تفسير : [آل عمران: 159] وقال: {أية : ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله}تفسير : [البقرة: 235]. وقال سعد بن ناشب من شعراء الحماسة يعني نفسه:شعر : إذا هَمَّ ألقَى بين عينيه عزمه ونكَّب عن ذكر العواقب جانباً تفسير : والعزم المحمود في الدين: العزم على ما فيه تزكية النفس وصلاح الأمة، وقوامه الصبر على المكروه وباعث التقوى، وقوته شدة المراقبة بأن لا يتهاون المؤمن عن محاسبته نفسه قال تعالى: {أية : وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور}تفسير : [آل عمران: 186] وقال: {أية : ولقد عهدنا إلى آدم من قبلُ فنسي ولم نجد له عزماً}تفسير : [طه: 115]. وهذا قبل هبوط آدم إلى عالم التكليف، وعلى هذا تكون {مِن} في قوله: {من الرسل} تبعيضية. وعن ابن عباس أنه قال: كل الرسل أولو عزم، وعليه تكون {مِن} بيانية. وهذه الآية اقتضت أن محمداً صلى الله عليه وسلم من أولي العزم لأن تشبيه الصبر الذي أمر به بصبر أولي العزم من الرسل يقتضي أنه مثلهم لأنه ممتثل أمر ربه، فصبره مثيل لصبرهم، ومَن صَبَرَ صَبْرَهم كان منهم لا محالة. وأعقبَ أمره بالصبر بنهيه عن الاستعجال للمشركين، أي الاستعجال لهم بالعذاب، أي لا تطلب منا تعجيله لهم وذلك لأن الاستعجال ينافي العزم ولأن في تأخير العذاب تطويلاً لمدة صبر الرسول صلى الله عليه وسلم بكسب عزمه قوة. ومفعول {تستعجل} محذوف دل عليه المقام، تقديره: العذاب أو الهلاك. واللام في {لهم} لام تعدية فعل الاستعجال إلى المفعول لأجله، أي لا تستعجل لأجلهم، والكلام على حذف مضاف إذ التقدير: لا تستعجل لهلاكهم. وجملة {كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار} تعليل للنهي عن الاستعجال لهم بالعذاب بأن العذاب واقع بهم فلا يؤثر في وقوعه تطويل أجله ولا تعجيله، قال مرة بن عداء الفقعسي، ولعله أخذ قولَه من هذه الآية:شعر : كأنك لم تُسبق من الدّهر ليلةً إذا أنت أدركت الذي كنت تطلب تفسير : وهم عند حلوله منذ طول المدة يشبه حالهم حال عدم المهلة إلا ساعة قليلة. و {من نهار} وصف الساعة، وتخصيصها بهذا الوصف لأن ساعة النهار تبدو للناس قصيرة لما للناس في النهار من الشواغل بخلاف ساعة الليل تطول إذ لا يجد الساهر شيئاً يشغله. فالتنكير للتقليل كما في حديث الجمعة قوله صلى الله عليه وسلم «حديث : وفيه ساعة يُستجاب فيها الدعاء»تفسير : ، وأشار بيده يقللها، والساعة جزء من الزمن. {بلاغ}. فذلكة لما تقدم بأنه بلاغ للناس مؤمِنهم وكافِرهم ليعلم كلٌّ حَظّه من ذلك، فقوله: {بلاغ} خبر مبتدإ محذوف تقديره: هذا بلاغ، على طريقة العنوان والطالع نحوَ ما يُكتب في أعلى الظهير: «ظهير من أمير المؤمنين»، أو ما يكتب في أعلى الصكوك نحو: «إيداع وصية»، أو ما يكتب في التآليف نحو ما في «الموطأ» «وقوت الصلاة». ومنه ما يكتب في أعالي المنشورات القضائية والتجارية كلمة: «إعلان». وقد يظهر اسم الإشارة كما في قوله تعالى: {أية : هذا بلاغ للناس}تفسير : [إبراهيم: 52]، وقول سيبويه: «هذا باب علم ما الكلم من العربية»، وقال تعالى: {أية : إن في هذا لبلاغاً لقوم عابدين}تفسير : [الأنبياء: 106]. والجملة مستأنفة استئنافاً ابتدائياً على طريقة الفذلكة والتحصيل مثل جملة {أية : تلك عشرة كاملة}تفسير : [البقرة: 196]، {أية : تلك أمة قد خلت}تفسير : [البقرة: 134]. {فَهَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ ٱلْقَوْمُ الفاسقون}. فرع على جملة {كأنهم يوم يرون ما يُوعدون} إلى {من نهار}، أي فلا يصيبُ العذاب إلا المشركين أمثالهم. والاستفهام مستعمل في النفي، ولذلك صحّ الاستثناء منه كقوله تعالى: {أية : ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلاّ من سفه نفسه}تفسير : [البقرة: 130]. ومعنى التفريع أنه قد اتضح مما سمعت أنه لا يهلك إلا القوم الفاسقون، وذلك من قوله: {أية : قل ما كنتُ بِدْعاً من الرسل}تفسير : [الأحقاف: 9]، وقوله: {أية : لتنذر الذين ظلموا وبشرى للمحسنين}تفسير : [الأحقاف: 12] إلى قوله: {أية : ولا هم يحزنون}تفسير : [الأحقاف: 13]، وقوله: {أية : ولقد أهلكنا ما حولكم من القرى}تفسير : [الأحقاف: 27] الآية. والإهلاك مستعمل في معنييه الحقيقي والمجازي، فإن ما حكي فيما مضى بعضه إهلاك حقيقي مثل ما في قصة عاد، وما في قوله: {ولقد أهلكنا ما حولكم من القرى}، وبعضه مجازي وهو سوء الحال، أي عذاب الآخرة: وذلك فيما حكي من عذاب الفاسقين. وتعريف {القوم} تعريف الجنس، وهو مفيد العموم، أي كل القوم الفاسقين فيعم مشركي مكة الذين عناهم القرآن فكان لهذا التفريع معنى التذييل. والتعبير بالمضارع في قوله: {فهل يُهلَك} على هذا الوجه لتغليب إهلاك المشركين الذي لمّا يقَعْ على إهلاك الأمم الذين قبلهم. ولك أن تجعل التعريف تعريف العهد، أي القوم المتحدث عنهم في قوله: {كأنهم يوم يرون ما يوعدون} الآية، فيكون إظهاراً في مقام الإضمار للإيماء إلى سبب إهلاكهم أنه الإشراك. والمراد بالفسق هنا الفسق عن الإيمان وهو فسق الإشراك. وأفاد الاستثناء أن غيرهم لا يهلكون هذا الهلاك، أو هم الذين آمنوا وعملوا الصالحات.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {فَٱصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ ٱلْعَزْمِ مِنَ ٱلرُّسُل}. اختلف العلماء في المراد بأولي العزم من الرسل في هذه الآية الكريمة اختلافاً كثيراً. وأشهر الأقوال في ذلك أنهم خمسة، وهم الذين قدمنا ذكرهم في الأحزاب والشورى، وهم نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد عليه الصلاة والسلام. وعلى هذا القول فالرسل الذين أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يصبر كما صبروا أربعة فصار هو صلى الله عليه وسلم خامسهم. واعلم أن القول بأن المراد بأولي العزم جميع الرسل عليهم الصلاة والسلام، وأن لفظة من، في قوله: من الرسل بيانية يظهر أنه خلاف التحقيق، كما دل على ذلك بعض الآيات القرآنية كقوله تعالى: {أية : فَٱصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلاَ تَكُن كَصَاحِبِ ٱلْحُوتِ}تفسير : [القلم: 48] الآية، فأمر الله جل وعلا نبيه في آية القلم هذه بالصبر، ونهاه عن أن يكون مثل يونس، لأنه هو صاحب الحوت وكقوله:{أية : وَلَقَدْ عَهِدْنَآ إِلَىٰ ءَادَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً}تفسير : [طه: 115] فآية القلم، وآية طه المذكورتان كلتاهما تدل على أن أولي العزم من الرسل الذين أمر النبي صلى الله عليه وسلم بأن يصبر كصبرهم ليسوا جميع الرسل والعلم عند الله تعالى. قوله تعالى: {وَلاَ تَسْتَعْجِل لَّهُمْ}. نهى الله نبيه صلى الله عليه وسلم في هذه الآية الكريمة، أن يستعجل لقومه، أي يدعو الله عليهم بتعجيله لهم، فمفعول تستعجل محذوف تقديره العذاب، كما قاله القرطبي، وهو الظاهر. وما تضمنته هذه الآية الكريمة من النهي عن طلب تعجيل العذاب لهم جاء موضحاً في آيات أخر كقوله تعالى:{أية : وَذَرْنِي وَٱلْمُكَذِّبِينَ أُوْلِي ٱلنَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلاً}تفسير : [المزمل: 11]. وقوله تعالى{أية : فَمَهِّلِ ٱلْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً}تفسير : [الطارق: 17]. فإن قوله {وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلاً}، وقوله:{أية : فَمَهِّلِ ٱلْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً}تفسير : [الطارق: 17] موضح لمعنى قوله {وَلاَ تَسْتَعْجِل لَّهُمْ}. والمراد بالآيات، نهيه صلى الله عليه وسلم عن طلب تعجيل العذاب لهم، لأنهم معذبون، لا محالة عند انتهاء المدة المحددة للإمهال، كما يوضحه قوله تعالى{أية : فَلاَ تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدّاً}تفسير : [مريم: 84] وقوله تعالى{أية : نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلاً ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَىٰ عَذَابٍ غَلِيظٍ}تفسير : [لقمان: 24] وقوله تعالى{أية : قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلنَّارِ}تفسير : [البقرة: 126] الآية. وقوله تعالى:{أية : لاَ يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي ٱلْبِلاَدِ مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ}تفسير : [آل عمران: 196-197] وقوله تعالى:{أية : قُلْ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ مَتَاعٌ فِي ٱلدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ ٱلْعَذَابَ ٱلشَّدِيدَ بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ}تفسير : [يونس: 69-70] إلى غير ذلك من الآيات. قوله تعالى: {كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوۤاْ إِلاَّ سَاعَةً مِّن نَّهَارٍ}. قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة يونس في الكلام على قوله تعالى {أية : وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَن لَّمْ يَلْبَثُوۤاْ إِلاَّ سَاعَةً مِّنَ ٱلنَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ}تفسير : [يونس: 45] وفي سورة قد أفلح المؤمنون في الكلام على قوله تعالى:{أية : قَالُواْ لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ ٱلْعَآدِّينَ}تفسير : [المؤمنون: 113]. وبينا في الكلام على آية قد أفلح المؤمنون وجه إزالة إشكال معروف في الآيات المذكورة. قوله تعالى: {بَلاَغٌ}. التحقيق إن شاء الله أن أصوب القولين في قوله: {بَلاَغٌ} أنه خبر مبتدأ محذوف تقديره، هذا بلاغ، أي هذا القرآن بلاغ من الله إلى خلقه. ويدل لهذا قوله تعالى في سورة إبراهيم {أية : هَـٰذَا بَلاَغٌ لِّلنَّاسِ وَلِيُنذَرُواْ بِهِ}تفسير : [إبراهيم: 52]، وقوله في الأنبياء {أية : إِنَّ فِي هَـٰذَا لَبَلاَغاً لِّقَوْمٍ عَابِدِينَ}تفسير : [الأنبياء: 106]، وخير ما يفسر به القرآن القرآن. والبلاغ اسم مصدر، بمعنى التبليغ، وقد علم باستقراء اللغة العربية، أن الفعال يأتي كثيراً، بمعنى التفعيل، كبلغه بلاغاً: أي تبليغاً، وكلمه كلاماً، أي تكليماً، وطلقها طلاقاً، وسرحها سراحاً، وبينه بياناً. كل ذلك بمعنى التفعيل، لأن فعل مضعفة العين، غير معتلة اللام ولا مهموزته قياس مصدرها التفعيل. وما جاء منه على خلاف ذلك، يحفظ ولا يقاس عليه، كما هو معلوم في محله. أما القول بأن المعنى وذلك اللبث بلاغ، فهو خلاف الظاهر كما ترى، والعلم عند الله تعالى.

د. أسعد حومد

تفسير : {أُوْلُواْ} {بَلاَغٌ} {ٱلْفَاسِقُونَ} (35) - فَاصْبِرْ يَا مُحَمَّدُ عَلى مَا تُلاقِيهِ مِنْ تَكْذِيبِ قَومِكَ لَكَ، كَمَا صَبَرَ أَصْحَابُ القُوَّةِ والثَّبَاتِ، مِنَ الرُّسُلِ الذِينَ سَبَقُوكَ، عَلَى تَكْذِيبِ أَقْوامِهِمْ لَهُمْ حِينَما أَبْلَغُوهُمْ دَعْوَةَ اللهِ إِلى الإِيمَانِ بِهِ. وَلا تَسْتَعْجِلْ بِسُؤَالِ رَبِّكَ أَنْ يُنزِلَ بِهِم العَذَابَ، فَهُوَ واقعٌ بِهِمْ لا مَحَالَةَ. وَإِنَّهُمْ حِينَما يَنْزِلُ بِهِم العَذَابُ يَومَ القِيَامَةََ يَرَوْنَ أَنَّ مُدَّةَ لَبِثِهِمْ في الدُّنيا (أَوْ في قُبُورِهِمْ) كَانَتْ قَصِيرةً، حَتَّى لَيَحْسَبُوها سَاعَةً مِنْ نَهارٍ. وَهذا الذِي وُعِظْتُم بِهِ لكَافٍ في المَوعِظةِ، وَلاَ يَهلِكُ بالعَذابِ إِلا الكَافِرُونَ الخَارِجُونَ عَنْ طَاعَةِ اللهِ وَأَمْرِهِ، لأَنَّ اللهَ لا يُعَذِّبُ إِلا مَنْ يَسْتَحِقُّ العَذَابَ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : الخطاب هنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، الحق سبحانه يُسلِّيه ويثبته ليتحمل الإيذاء من الكافرين، فليس هو بدعاً في ذلك، فقد سبقه كثير من إخوانه الرسل، فليصبر محمد كما صبروا. تعرفون أن سيدنا رسول الله تعرَّض لكثير من أذى قومه، آذوه بالقول فقالوا: ساحر وشاعر ومجنون وكاهن وكذاب. ثم تعدّى الإيذاء إلى الإيذاء بالفعل، فاعتدوا عليه في الطائف حتى أدموا قدميْه، وكُسرت رباعيته في أُحد، ورموا على ظهره سلى البعير وهو يصلي. آذوه في نفسه، وآذوه في أهله وفيمن آمن معه، بل تآمروا على قتله، وضيَّقوا عليه حتى اضطروه لترك مكة والهجرة إلى المدينة، والنبي صلى الله عليه وسلم يتحمل ذلك كله لكنه بشر ويشقّ عليه ذلك. فأراد الحق سبحانه أنْ يضع أمامه أسوة ونموذجاً لمَنْ صبر من الرسل السابقين {فَٱصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ ٱلْعَزْمِ مِنَ ٱلرُّسُلِ ..} [الأحقاف: 35]. فسيدنا إبراهيم عليه السلام وصل الأمر به إلى أنْ أُلقِيَ في النار، ومع ذلك لم يُفقده الموقف ثقته بربه، بدليل أن جبريل عليه السلام لما عرض عليه أنْ يطفىء هذه النار قال له: أما إليك فلا فجاء الأمر من السماء {أية : يٰنَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلَٰماً عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ}تفسير : [الأنبياء: 69]. في صِغَره ابتُلي في نفسه، وفي كبره ابتُلي بذبح ولده الوحيد، وصبر على الابتلاء ففدى الله الذبيح إسماعيل، وزاده على ذلك بولد آخر هو سيدنا إسحاق ومن بعده سيدنا يعقوب، وكلهم كانوا أنبياء. وجاء هذا العطاء نتيجة التسليم لله في قضائه وقدره والرضا به. ولنا في أبي الأنبياء أُسوة في الرضا بالقضاء، وأنْ نربي أجيالنا على ذلك، لأن التسليم والرضا بقضاء الله أول أسباب رفع القضاء، فلا يُرفع قضاء حتى يرضى صاحبه به، وإلا ظلَّ البلاء نازلاً به. والذين يطول عليهم قضاء الله هم سبب ذلك، لأنهم في الواقع معترضون، ولو رضُوا لرفعه الله عنهم، مثل الأب الذي يضرب ولده على خطأ ارتكبه، فإنْ خضع وانصاع لوالده تركه، بل ويحنو عليه ويرضيه. فإن اعترض زاده ضرباً. إذن: الله تعالى يريد أنْ يُربي عبده بالابتلاء، لذلك ورد في الحديث القدسي: "حديث : مَنْ رضي بقدري أعطيته على قَدْري ". تفسير : كذلك من أولي العزم سيدنا نوح عليه السلام وظل يدعو قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً، ومع ذلك ما آمن معه إلا قليل وكانوا يضربونه حتى يُغمى عليه. انظر إلى الابتلاءات التي مر بها سيدنا يوسف، ففي صِغَره أُلقيَ في الجُبِّ، وبيع رقيقاً، وفي كبره ابتُليَ بامرأة العزيز وألقي في السجن، لكنه صبر فمكَّن الله له {أية : وَكَذٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي ٱلأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَآءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَن نَشَآءُ ..}تفسير : [يوسف: 56]. وسبق أنْ بيَّنا أن الأقدار لا تخلو من حكمة، وأن الحدث لا ينفصل عن فاعله، فقبل أنْ تعترض انظر من الفاعل. والنبي صلى الله عليه وسلم حين يتأمل مواكب إخوانه من الرسل السابقين وما تعرضوا له يهون عليه إيذاء قومه، ويكون ذلك تسلية له. وقوله تعالى: {وَلاَ تَسْتَعْجِل لَّهُمْ ..} [الأحقاف: 35] يعني: لا تستعجل عذابهم، خاصة وأنهم كانوا يستعجلون العذاب جهلاً وعناداً منهم، لذلك خاطبه ربه بقوله: {أية : فَـإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ ٱلَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ}تفسير : [غافر: 77] يعني: إنْ مُت يا محمد قبل أنْ ترى انتقام الله منهم فموعدهم الآخرة. وقوله: {كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ ..} [الأحاقف: 35] يعني: يوم القيامة {لَمْ يَلْبَثُوۤاْ إِلاَّ سَاعَةً مِّن نَّهَارٍ ..} [الأحقاف: 35] يعني: تمر مرحلة البرزخ كأنها ساعة من نهار، فمنذ مات سيدنا آدم وإلى أنْ تقوم الساعة وهو لا يشعر بهذا الوقت، وما هو بالنسبة له إلا ساعة من نهار، لأن الوقت كما قلنا فرعُ الحدث، فإذا لم يوجد الحدث لا يوجد الوقت، كما عند النائم مثلاً. وهذا رأيناه في قصة أهل الكهف، فقد ألقى اللهُ عليهم النوم فناموا {أية : ثَلاثَ مِاْئَةٍ سِنِينَ وَٱزْدَادُواْ تِسْعاً }تفسير : [الكهف: 25] ومع ذلك لمَّا قاموا قالوا: {أية : لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ ..}تفسير : [الكهف: 19] لماذا لانعدام الأحداث التي تشعر بالزمن، إذن: لا تستعجل لهم العذاب لأنها مجردُ ساعة مهما طال الزمنُ. وتعرفون قصة العُزير {أية : أَوْ كَٱلَّذِي مَرَّ عَلَىٰ قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّىٰ يُحْيِـي هَـٰذِهِ ٱللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ ٱللَّهُ مِئَةَ عَامٍ ..}تفسير : [البقرة: 259]. وقوله سبحانه: {بَلاَغٌ ..} [الأحقاف: 35] البلاغ: هو الوصول للغاية يقول تعالى: {أية : هَـٰذَا بَلاَغٌ لِّلنَّاسِ وَلِيُنذَرُواْ بِهِ ..}تفسير : [إبراهيم: 52] يعني: نهاية ما يمكن أن أعظكم به. وما دام قال سبحانه (هذا) إذن: لا بد أن يحدث ولا يمنعه شيء لأنه إله واحد لا شريك له ولا معارض {فَهَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ ٱلْقَوْمُ ٱلْفَاسِقُونَ} [الأحقاف: 35]. الفسق: الخروج عن الطاعة، وهو سبب الهلاك في الآخرة أو حتى في الدنيا.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {فَٱصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ ٱلْعَزْمِ مِنَ ٱلرُّسُلِ} معناه أُولوا العَزمِ أربعةٌ، نوحٌ، وإبراهيمُ، وهودٌ، ومحمدٌ عليهم السّلامُ. وقيلَ كَانَ لُوطٌ، وشُعيبُ، وهودٌ.

همام الصنعاني

تفسير : 2862- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {فَٱصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ ٱلْعَزْمِ مِنَ ٱلرُّسُلِ}: [الآية: 35]، قال: نوح، وإبراهيم، ومُوسَى، وعيسى صلوات الله عَلَيْهِم.