٤٧ - مُحَمَّد
47 - Muhammad (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
1
Tafseer
الرازي
تفسير : أول هذه السورة مناسب لآخر السورة المتقدمة، فإن آخرها قوله تعالى: {أية : فَهَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ ٱلْقَوْمُ ٱلْفَـٰسِقُونَ } تفسير : [الأحقاف: 35] فإن قال قائل كيف يهلك الفاسق وله أعمال صالحة كإطعام الطعام وصلة الأرحام وغير ذلك؟ مما لا يخلو عنه الإنسان في طول عمره فيكون في إهلاكه إهدار عمله وقد قال تعالى: {أية : فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ } تفسير : [الزلزله: 7] وقال تعالى: {ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَـٰلَهُمْ } أي لم يبق لهم عمل ولم يوجد فلم يمتنع الإهلاك، وسنبين كيف إبطال الأعمال مع تحقيق القول فيه، وتعالى الله عن الظلم، وفي التفسير مسائل: المسألة الأولى: من المراد بقوله {ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ }؟ قلنا فيه وجوه الأول: هم الذين كانوا يطعمون الجيش يوم بدر منهم أبو جهل والحرث ابنا هشام وعتبة وشيبة ابنا ربيعة وغيرهم الثاني: كفار قريش الثالث: أهل الكتاب الرابع: هو عام يدخل فيه كل كافر. المسألة الثانية: في الصد وجهان أحدهما: صدوا أنفسهم معناه أنهم صدوا أنفسهم عن السبيل ومنعوا عقولهم من اتباع الدليل وثانيهما: صدوا غيرهم ومنعوهم كما قال تعالى عن المستضعفين {أية : يَقُولُ ٱلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُواْ لِلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُواْ لَوْلاَ أَنتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ } تفسير : [سبأ: 31] وعلى هذا بحث: وهو أن إضلال الأعمال مرتب على الكفر والصد، والمستضعفون لم يصدوا فلا يضل أعمالهم، فنقول التخصيص بالذكر لا يدل على نفي ما عداه، ولا سيما إذا كان المذكور أولى بالذكر من غيره وههنا الكافر الصاد أدخل في الفساد فصار هو أولى بالذكر أو نقول كل من كفر صار صاداً لغيره، أما المستكبر فظاهر، وأما المستضعف فلأنه بمتابعته أثبت للمستكبر ما يمنعه من اتباع الرسول فإنه بعد ما يكون متبوعاً يشق عليه بأن يصير تابعاً، ولأن كل من كفر صار صاداً لمن بعده لأن عادة الكفار اتباع المتقدم كما قال عنهم {أية : إِنَّا وَجَدْنَا ءابَاءنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ آثارهم مُهْتَدُونَ } تفسير : [الزخرف: 22] أو مقتدون، فإن قيل فعلى هذا كل كافر صاد فما الفائدة في ذكر الصد بعد الكفر نقول هو من باب ذكر السبب وعطف المسبب عليه تقول أكلت كثيراً وشبعت، والكفر على هذا سبب الصد، ثم إذا قلنا بأن المراد منه أنهم صدوا أنفسهم ففيه إشارة إلى أن ما في الأنفس من الفطرة كان داعياً إلى الإيمان، والامتناع لمانع وهو الصد لنفسه. المسألة الثالثة: في المصدود عنه وجوه الأول: عن الإنفاق على محمد عليه السلام وأصحابه الثاني: عن الجهاد الثالث: عن الإيمان الرابع: عن كل ما فيه طاعة الله تعالى وهو اتباع محمد عليه السلام، وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم على الصراط المستقيم هاد إليه، وهو صراط الله قال تعالى: {أية : وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَىٰ صِرٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ * صِرٰطِ ٱللَّهِ } تفسير : [الشورى: 52، 53] فمن منع من اتباع محمد عليه السلام فقد صد عن سبيل الله. المسألة الرابعة: في الإضلال وجوه الأول: المراد منه الإبطال، ووجهه هو أن المراد أنه أضله بحيث لا يجده، فالطالب إنما يطلبه في الوجود، وما لا يوجد في الوجود فهو معدوم. فإن قيل كيف يبطل الله حسنة أوجدها؟ نقول إن الابطال على وجوه أحدها: يوازن بسيئاتهم الحسنات التي صدرت منهم ويسقطها بالموازنة ويبقي لهم سيئات محضة، لأن الكفر يزيد على غير الإيمان من الحسنات والإيمان يترجح على غير الكفر من السيئات وثانيها: أبطلها لفقد شرط ثبوتها وإثباتها وهو الإيمان لأنه شرط قبول العمل قال تعالى: {أية : مَنْ عَمِلَ صَـٰلِحاً مّن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ } تفسير : [غافر: 40] وإذا لم يقبل الله العمل لا يكون له وجود لأن العمل لا بقاء له في نفسه بل هو يعدم عقيب ما يوجد في الحقيقة غير أن الله تعالى يكتب عنده بفضله أن فلاناً عمل صالحاً وعندي جزاؤه فيبقى حكماً، وهذا البقاء حكماً خير من البقاء الذي للأجسام التي هي محل الأعمال حقيقة، فإن الأجسام وإن بقيت غير أن مآلها إلى الفناء والعمل الصالح من الباقيات عند الله أبداً، وإذا ثبت هذا تبين أن الله بالقبول متفضل، وقد أخبر أني لا أقبل إلا من مؤمن فمن عمل وتعب من غير سبق الإيمان فهو المضيع تعبه لا الله تعالى وثالثها: لم يعمل الكافر عمله لوجه الله تعالى فلم يأت بخير فلا يرد علينا قوله {أية : فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ } تفسير : [الزلزلة: 7] وبيانه هو أن العمل لا يتميز إلا بمن له العمل لا بالعامل ولا بنفس العمل، وذلك لأن من قام ليقتل شخصاً ولم يتفق قتله، ثم قال ليكرمه ولم يتفق الإكرام ولا القتل، وأخبر عن نفسه أنه قام في اليوم الفلاني لقتله وفي اليوم الآخر لإكرامه يتميز القيامان لا بالنظر إلى القيام فإنه واحد ولا بالنظر إلى القائم فإنه حقيقة واحدة، وإنما يتميز بما كان لأجله القيام، وكذلك من قام وقصد بقيامه إكرام الملك وقام وقصد بقيامه إكرام بعض العوام يتميز أحدهما عن الآخر بمنزلة العمل لكن نسبة الله الكريم إلى الأصنام فوق نسبة الملوك إلى العوام فالعمل للأصنام ليس بخير ثم إن اتفق أن يقصد واحد بعمله وجه الله تعالى ومع ذلك يعبد الأوثان لا يكون عمله خيراً، لأن مثل ما أتى به لوجه الله أتى به للصنم المنحوت فلا تعظيم الوجه الثاني: الإضلال هو جعله مستهلكاً وحقيقته هو أنه إذا كفر وأتى للأحجار والأخشاب بالركوع والسجود فلم يبق لنفسه حرمة وفعله لا يبقى معتبراً بسبب كفره، وهذا كمن يخدم عند الحارس والسايس إذا قام فالسلطان لا يعمل قيامه تعظيماً لخسته كذلك الكافر، وأما المؤمن فبقدر ما يتكبر على غير الله يظهر تعظيمه لله، كالملك الذي لا ينقاد لأحد إذا انقاد في وقت لملك من الملوك يتبين به عظمته الوجه الثالث: {أضله} أي أهمله وتركه، كما يقال أضل بعيره إذا تركه مسيباً فضاع. ثم إن الله تعالى لما بيّن حال الكفار بيّن حال المؤمنين فقال:
القرطبي
تفسير : قال ٱبن عباس ومجاهد: هم أهل مكة كفروا بتوحيد الله، وصدّوا أنفسهم والمؤمنين عن دين الله وهو الإسلام بنهيهم عن الدخول فيه؛ وقاله السدّي. وقال الضحاك: «عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ» عن بيت الله بمنع قاصديه. ومعنى «أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ»: أبطل كيدهم ومكرهم بالنبيّ صلى الله عليه وسلم، وجعل الدائرة عليهم؛ قاله الضحاك. وقيل: أبطل ما عملوه في كفرهم بما كانوا يسمونه مكارم؛ من صلة الأرحام وفَكّ الأسارى وقِرَى الأضياف وحفظ الجوار. وقال ابن عباس: نزلت في المُطْعِمِين ببدر، وهم اثنا عشر رجلاً: أبو جهل، والحارث بن هشام، وعتبة وشيبة ابنا ربيعة، وأُبَيّ وأُمَيّة ابنا خلف، ومُنَبِّه ونُبَيْه ابنا الحجاج، وأبو البَخْتَريّ بن هشام، وزمعة بن الأسود، وحكيم بن حزام، والحارث بن عامر بن نوفل.
البيضاوي
تفسير : (وتسمىسورة القتال وهي مدنية وقيل مكية وآيها سبع أو ثمان وثلاثون أو أربعون آية بسم الله الرحمن الرحيم { ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ} امتنعوا عن الدخول في الإِسلام وسلوك طريقه، أو منعوا الناس عنه كالمطعمين يوم بدر، أو شياطين قريش أو المصريين من أهل الكتاب. أو عام في جميع من كفر وصد. {أَضَلَّ أَعْمَـٰلَهُمْ } جعل مكارمهم كصلة الرحم وفك الأسارى وحفظ الجوار ضالة أي ضائعة محيطة بالكفر، أو مغلوبة مغمورة فيه كما يضل الماء في اللبن، أو ضلال حيث لم يقصدوا به وجه الله، أو أبطل ما عملوه من الكيد لرسوله والصد عن سبيله بنصر رسوله وإظهار دينه على الدين كله. {وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَاتِ } يعم المهاجرين والأنصار والذين آمنوا من أهل الكتاب وغيرهم. {وَءَامَنُواْ بِمَا نُزّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ} تخصيص للمنزل عليه مما يجب الإيمان به تعظيماً له وإشعاراً بأن الإيمان لا يتم دونه، وأنه الأصل فيه ولذلك أكده بقوله: {وَهُوَ ٱلْحَقُّ مِن رَّبّهِمْ } اعتراضاً على طريقة الحصر. وقيل حقيقته بكونه ناسخاً لا ينسخ، وقرىء «نَزَّلَ» على البناء للفاعل و «أنزل» على البناءين و «نَزَلَ» بالتخفيف. {كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيّئَـٰتِهِمْ} سترها بالإِيمان وعملهم الصالح. {وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ} في الدين والدنيا بالتوفيق والتأييد. {ذٰلِكَ} إشارة إلى ما مر من الإِضلال والتكفير والإِصلاح وهو مبتدأ خبره. {بِأَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱتَّبَعُواْ ٱلْبَـٰطِلَ وَأَنَّ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ ٱتَّبَعُواْ ٱلْحَقَّ مِن رَّبِِّهِمْ} بسبب اتباع هؤلاء الباطل واتباع هؤلاء الحق، وهذا تصريح بما أشعر به ما قبلها ولذلك سمي تفسيراً. {كَذٰلِكَ } مثل ذلك الضرب. {يَضْرِبُ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ } يبين لهم. {أَمْثَـٰلَهُمْ } أحوال الفريقين أو أحوال الناس، أو يضرب أمثالهم بأن جعل اتباع الباطل مثلاً لعمل الكفار والإِضلال مثلاً لخيبتهم واتباع الحق مثلاً للمؤمنين، وتكفير السيئات مثلاً لفوزهم. {فَإِذَا لَقِيتُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } في المحاربة. {فَضَرْبَ ٱلرّقَابِ } أصله فاضربوا الرقاب ضرباً فحذف الفعل وقدم المصدر، وأنيب منابه مضافاً إلى المفعول ضماً إلى التأكيد والاختصار. والتعبير به عن القتل إشعاراً بأنه ينبغي أن يكون بضرب الرقاب حيث أمكن، وتصوير له بأشنع صورة. {حَتَّىٰ إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ } أكثرتم قتلهم وأغلظتموه من الثخين وهو الغليظ. {فَشُدُّواْ ٱلْوَثَاقَ } فأسروهم واحفظوهم، والوثاق بالفتح والكسر ما يوثق به. {فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً} أي فإما تمنون منا أو تفدون فداء، والمراد التخيير بعد الأسر بين المن والإِطلاق وبين أخذ الفداء، وهو ثابت عندنا فإن الذكر الحر المكلف إذا أسر تخير الإِمام بين القتل والمن والفداء، والاسترقاق منسوخ عند الحنفية أو مخصوص بحرب بدر فإنهم قالوا يتعين القتل أو الاسترقاق. وقرىء «فدا» كعصا. {حَتَّىٰ تَضَعَ ٱلْحَرْبُ أَوْزَارَهَا } آلاتها وأثقالها التي لا تقوم إلا بها كالسلاح والكراع، أي تنقضي الحرب ولم يبق إلا مسلم أو مسالم. وقيل آثامها والمعنى حتى يضع أهل الحرب شركهم ومعاصيهم، وهو غاية للضرب أو الشد أو للمن والفداء أو للمجموع بمعنى أن هذه الأحكام جارية فيهم حتى لا يكون حرب مع المشركين بزوال شوكتهم. وقيل بنزول عيسى عليه الصلاة والسلام {ذٰلِكَ } أي الأمر ذلك، أو افعلوا بهم ذلك. {وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لاَنْتَصَرَ مِنْهُمْ } لا نتقم منهم بالاستئصال. {وَلَـٰكِنِ لّيَبْلُوَاْ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ} ولكن أمركم بالقتال ليبلوا المؤمنين بالكافرين بأن يجاهدوهم فيستوجبوا الثواب العظيم والكافرين بالمؤمنين بأن يعاجلهم على أيديهم ببعض عذابهم كي يرتدع بعضهم عن الكفر. {وَٱلَّذِينَ قَاتِلُواْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ} أي جاهدوا، وقرأ البصريان وحفص «قَـتِلُواْ» أي استشهدوا. {فَلَن يُضِلَّ أَعْمَـٰلَهُمْ } فلن يضيعها، وقرىء «يُضِلَّ» من ضل ويضل على البناء للمفعول.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى: {ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} أي بآيات الله {وَصَدُّواْ} غيرهم {عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَـٰلَهُمْ} أي أبطلها وأذهبها، ولم يجعل لها ثواباً ولا جزاء؛ كقوله تعالى: {أية : وَقَدِمْنَآ إِلَىٰ مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَآءً مَّنثُوراً} تفسير : [الفرقان: 23] ثم قال جل وعلا: {وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَاتِ} أي آمنت قلوبهم وسرائرهم، وانقادت لشرع الله جوارحهم وبواطنهم وظواهرهم، {وَءَامَنُواْ بِمَا نُزِّلَ عَلَىٰ مُحَمَّدٍ} عطف خاص على عام، وهو دليل على أنه شرط في صحة الإيمان بعد بعثته صلى الله عليه وسلم. وقوله تبارك وتعالى: {وَهُوَ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ} جملة معترضة حسنة، ولهذا قال جل جلاله: {كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَـٰتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ} قال ابن عباس رضي الله عنهما: أي أمرهم. وقال مجاهد: شأنهم. وقال قتادة وابن زيد: حالهم. والكل متقارب. وقد جاء في حديث تشميت العاطس: «حديث : يهديكم الله ويصلح بالكم» تفسير : ثم قال عز وجل: {ذَلِكَ بِأَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱتَّبَعُواْ ٱلْبَـٰطِلَ} أي إنما أبطلنا أعمال الكفار. وتجاوزنا عن سيئات الأبرار، وأصلحنا شؤونهم؛ لأن الذين كفروا اتبعوا الباطل، أي اختاروا الباطل على الحق {وَأَنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّبَعُواْ ٱلْحَقَّ مِن رَّبِّهِمْ كَذَلِكَ يَضْرِبُ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثَـٰلَهُمْ} أي يبين لهم مآل أعمالهم، وما يصيرون إليه في معادهم، والله سبحانه وتعالى أعلم.
المحلي و السيوطي
تفسير : {ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } من أهل مكة {وَصَدُّواْ } غيرهم {عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ } أي الإِيمان {أَضَلَّ } أحبط {أَعْمَٰلَهُمْ } كإطعام الطعام وصلة الأرحام، فلا يرون لها في الآخرة ثواباً ويجزون بها في الدنيا من فضله تعالى.
الشوكاني
تفسير : قوله: {ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ } هم كفار قريش كفروا بالله، وصدّوا أنفسهم وغيرهم عن سبيل الله، وهو دين الإسلام بنهيهم عن الدخول فيه، كذا قال مجاهد، والسديّ. وقال الضحاك: معنى {عن سبيل الله}: عن بيت الله بمنع قاصديه. وقيل: هم أهل الكتاب، والموصول مبتدأ، وخبره {أَضَلَّ أَعْمَـٰلَهُمْ } أي: أبطلها وجعلها ضائعة. قال الضحاك: معنى {أَضَلَّ أَعْمَـٰلَهُمْ }: أبطل كيدهم ومكرهم بالنبيّ صلى الله عليه وسلم، وجعل الدائرة عليهم في كفرهم. وقيل: أبطل ما عملوه في الكفر مما كانوا يسمونه مكارم أخلاق: من صلة الأرحام، وفكّ الأسارى وقري الأضياف، وهذه وإن كانت باطلة من أصلها، لكن المعنى: أنه سبحانه حكم ببطلانها. ولما ذكر فريق الكافرين أتبعهم بذكر فريق المؤمنين، فقال: {وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ وَءامَنُواْ بِمَا نُزّلَ عَلَىٰ مُحَمَّدٍ } ظاهر هذا العموم، فيدخل تحته كل مؤمن من المؤمنين الذين يعملون الصالحات، ولا يمنع من ذلك خصوص سببها؛ فقد قيل: إنها نزلت في الأنصار، وقيل: في ناس من قريش، وقيل: في مؤمني أهل الكتاب، ولكن الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وخص سبحانه الإيمان بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم بالذكر مع اندراجه تحت مطلق الإيمان المذكور قبله تنبيهاً على شرفه وعلوّ مكانه، وجملة: {وَهُوَ ٱلْحَقُّ مِن رَّبّهِمْ } معترضة بين المبتدأ، وهو قوله: {وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ }، وبين خبره، وهو قوله: {كَفَّرَ عَنْهُمْ سيئاتهم} ومعنى كونه الحق: أنه الناسخ لما قبله،وقوله: {مّن رَّبّهِم} في محل نصب على الحال، ومعنى {كَفَّرَ عَنْهُمْ سيئاتهم} أي: السيئات التي عملوها فيما مضى فإنه غفرها لهم بالإيمان، والعمل الصالح {سَيّئَـٰتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ } أي: شأنهم وحالهم. قال مجاهد: شأنهم، وقال قتادة: حالهم. وقيل: أمرهم، والمعاني متقاربة. قال المبرد: البال: الحال ها هنا. قيل والمعنى: أنه عصمهم عن المعاصي في حياتهم، وأرشدهم إلى أعمال الخير، وليس المراد إصلاح حال دنياهم من إعطائهم المال، ونحو ذلك، وقال النقاش: إن المعنى: أصلح نياتهم، ومنه قول الشاعر:شعر : فإن تقبلي بالودّ أقبل بمثله وإن تدبري أذهب إلى حال باليا تفسير : والإشارة بقوله: {ذٰلِكَ } إشارة إلى ما مرّ مما أوعد به الكفار، ووعد به المؤمنين، وهو مبتدأ خبره ما بعده، وقيل: إنه خبر مبتدأ محذوف أي: الأمر ذلك بسبب إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱتَّبَعُواْ ٱلْبَـٰطِلَ وَأَنَّ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ ٱتَّبَعُواْ ٱلْحَقَّ مِن رَّبّهِمْ، فالباطل: الشرك، والحق: التوحيد والإيمان، والمعنى: أن ذلك الإضلال لأعمال الكافرين بسبب اتباعهم الباطل من الشرك بالله والعمل بمعاصيه، وذلك التكفير لسيئات المؤمنين وإصلاح بالهم، بسبب اتباعهم للحقّ الذي أمر الله باتباعه من التوحيد والإيمان، وعمل الطاعات {كَذَلِكَ يَضْرِبُ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثَـٰلَهُمْ } أي: مثل ذلك الضرب يبين للناس أمثالهم، أي: أحوال الفريقين الجارية مجرى الأمثال في الغرابة. قال الزجاج: {كذلك يضرب}: يبين الله للناس أمثال حسنات المؤمنين، وإضلال أعمال الكافرين، يعني: أن من كان كافراً أضلّ الله عمله، ومن كان مؤمناً كفر الله سيئاته. {فَإِذَا لَقِيتُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَضَرْبَ ٱلرّقَابِ } لما بيّن سبحانه حال الفريقين أمر بجهاد الكفار، والمراد بالذين كفروا: المشركين ومن لم يكن صاحب عهد من أهل الكتاب، وانتصاب {ضرب} على أنه مصدر لفعل محذوف. قال الزجاج: أي: فاضربوا الرقاب ضرباً، وخصّ الرقاب بالذكر؛ لأن القتل أكثر ما يكون بقطعها، وقيل: هو منصوب على الإغراء. قال أبو عبيدة: هو كقولهم: يا نفس صبراً، وقيل التقدير: اقصدوا ضرب الرقاب. وقيل: إنما خصّ ضرب الرقاب؛ لأن في التعبير عنه من الغلظة والشدّة ما ليس في نفس القتل، وهي حزّ العنق، وإطارة العضو الذي هو رأس البدن، علوّه وأحسن أعضائه {حَتَّىٰ إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ } أي: بالغتم في قتلهم، وأكثرتم القتل فيهم، وهذه غاية للأمر بضرب الرقاب، لا لبيان غاية القتل، وهو مأخوذ من الشيء الثخين، أي: الغليظ، وقد مضى تحقيق معناه في سورة الأنفال {فَشُدُّواْ ٱلْوَثَاقَ } الوثاق بالفتح ويجيء بالكسر: اسم الشيء الذي يوثق به كالرباط. قال الجوهري: وأوثقه في الوثاق أي: شدّه، قال: والوثاق بكسر الواو لغة فيه. قرأ الجمهور {فشدّوا} بضم الشين، وقرأ السلمي بكسرها. وإنما أمر سبحانه بشدّ الوثاق؛ لئلا ينفلتوا، والمعنى: إذا بالغتم في قتلهم فأسروهم، وأحيطوهم بالوثاق {فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاء } أي: فإما أن تمنوا عليهم بعد الأسر منا، أو تفدوا فداء، والمنّ: الإطلاق بغير عوض، والفداء: ما يفدي به الأسير نفسه من الأسر، ولم يذكر القتل هنا اكتفاءً بما تقدّم. قرأ الجمهور {فداءً} بالمد. وقرأ ابن كثير (فدى) بالقصر، وإنما قدّم المنّ على الفداء، لأنه من مكارم الأخلاق، ولهذا كانت العرب تفتخر به، كما قال شاعرهم:شعر : ولا نقتل الأسرى ولكن نفكهم إذا أثقل الأعناق حمل المغارم تفسير : ثم ذكر سبحانه الغاية لذلك، فقال: {حَتَّىٰ تَضَعَ ٱلْحَرْبُ أَوْزَارَهَا } أوزار الحرب التي لا تقوم إلاّ بها من السلاح والكراع، أسند الوضع إليها، وهو لأهلها على طريق المجاز، والمعنى: أن المسلمين مخيرون بين تلك الأمور إلى غاية هي أن لا يكون حرب مع الكفار. قال مجاهد: المعنى حتى لا يكون دين غير دين الإسلام، وبه قال الحسن، والكلبي. قال الكسائي: حتى يسلم الخلق. قال الفراء: حتى يؤمنوا ويذهب الكفر. وقيل المعنى: حتى يضع الأعداء المحاربون أوزارهم، وهو سلاحهم بالهزيمة، أو الموادعة. وروي عن الحسن، وعطاء أنهما قالا: في الآية تقديم وتأخير، والمعنى: فضرب الرقاب حتى تضع الحرب أوزارها، فإذا أثخنتموهم، فشدّوا الوثاق. وقد اختلف العلماء في هذه الآية هل هي محكمة، أو منسوخة؟ فقيل: إنها منسوخة في أهل الأوثان، وإنه لا يجوز أن يفادوا، ولا يمنّ عليهم، والناسخ لها قوله: {أية : فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ }تفسير : [التوبة: 5]، وقوله: {أية : فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِى ٱلْحَرْبِ فَشَرّدْ بِهِم مَّنْ خَلْفَهُمْ } تفسير : [الأنفال: 57]، وقوله: {أية : وَقَاتِلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ كَافَّةً } تفسير : [التوبة: 36] وبهذا قال قتادة، والضحاك، والسديّ، وابن جريج، وكثير من الكوفيين، قالوا: والمائدة آخر ما نزل، فوجب أن يقتل كل مشرك إلاّ من قامت الدلالة على تركه من النساء والصبيان، ومن تؤخذ منه الجزية، وهذا هو المشهور من مذهب أبي حنيفة، وقيل: إن هذه الآية ناسخة لقوله: {أية : فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ }تفسير : [التوبة: 5] روي ذلك عن عطاء وغيره. وقال كثير من العلماء: إن الآية محكمة، والإمام مخيّر بين القتل والأسر، وبعد الأسر مخير بين المنّ والفداء. وبه قال مالك، والشافعي، والثوري، والأوزاعي، وأبو عبيد وغيرهم. وهذا هو الراجح؛ لأن النبيّ صلى الله عليه وسلم، والخلفاء الراشدين من بعده فعلوا ذلك. وقال سعيد بن جبير: لا يكون فداء ولا أسر إلاّ بعد الإثخان والقتل بالسيف لقوله: {أية : مَا كَانَ لِنَبِىٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَىٰ حَتَّىٰ يُثْخِنَ فِي ٱلأرْضِ } تفسير : [الأنفال: 67] فإذا أسر بعد ذلك، فللإمام أن يحكم بما رآه من قتل أو غيره. {ذٰلِكَ وَلَوْ يَشَاء اللَّهُ لاَنْتَصَرَ مِنْهُمْ } محل ذلك الرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي: الأمر ذلك، وقيل: في محل نصب على المفعولية بتقدير فعل، أي: افعلوا ذلك، ويجوز أن يكون مبتدأ، وخبره محذوف يدلّ عليه ما تقدّم، أي: ذلك حكم الكفار، ومعنى {لَّوْ يَشَاء ٱللَّهُ لاَنْتَصَرَ مِنْهُمْ }، أي: قادر على الانتصار منهم بالانتقام منهم وإهلاكهم، وتعذيبهم بما شاء من أنواع العذاب {وَلَـٰكِنِ } أمركم بحربهم {لّيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ } أي: ليختبر بعضكم ببعض، فيعلم المجاهدين في سبيله، والصابرين على ابتلائه ويجزل ثوابهم، ويعذب الكفار بأيديهم. {وَٱلَّذِينَ قُتِلُواْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ } قرأ الجمهور: {قاتلوا} مبنياً للفاعل، وقرأ أبو عمرو، وحفص: {قتلوا} مبنياً للمفعول، وقرأ الحسن بالتشديد مبنياً للمفعول أيضاً. وقرأ الجحدري، وعيسى بن عمر، وأبو حيوة: {قتلوا} على البناء للفاعل مع التخفيف من غير ألف، والمعنى على القراءة الأولى، والرابعة: أن المجاهدين في سبيل الله ثوابهم غير ضائع، وعلى القراءة الثانية والثالثة: أن المقتولين في سبيل الله كذلك لا يضيع الله سبحانه أجرهم. قال قتادة: ذكر لنا أن هذه الآية نزلت يوم أحد. ثم ذكر سبحانه ما لهم عنده من جزيل الثواب فقال: {سَيَهْدِيهِمْ } أي: سيهديهم الله سبحانه إلى الرشد في الدنيا، ويعطيهم الثواب في الآخرة {وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ } أي: حالهم وشأنهم وأمرهم. قال أبو العالية: قد ترد الهداية، والمراد بها: إرشاد المؤمنين إلى مسالك الجنان، والطريق المفضية إليها، وقال ابن زياد: يهديهم إلى محاجة منكر ونكير {وَيُدْخِلُهُمُ ٱلْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ } أي: بيّنها لهم حتى عرفوها من غير استدلال، وذلك أنهم إذا دخلوا الجنة تفرّقوا إلى منازلهم. قال الواحدي: هذا قول عامة المفسرين. وقال الحسن: وصف الله لهم الجنة في الدنيا، فلما دخلوها عرفوها بصفتها. وقيل: فيه حذف، أي: عرفوا طرقها ومساكنها وبيوتها. وقيل: هذا التعريف بدليل يدلهم عليها، وهو الملك الموكل بالعبد يسير بين يديه حتى يدخله منزله، كذا قال مقاتل. وقيل: معنى {عَرَّفَهَا لَهُمْ }: طيبها بأنواع الملاذّ، مأخوذ من العرف، وهو الرائحة. ثم وعدهم سبحانه على نصر دينه بقوله: {يأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ إِن تَنصُرُواْ ٱللَّهَ يَنصُرْكُمْ } أي: إن تنصروا دين الله ينصركم على الكفار، ويفتح لكم، ومثله قوله: {أية : وَلَيَنصُرَنَّ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُ }تفسير : [الحج: 40]. قال قطرب: إن تنصروا نبيّ الله ينصركم {وَيُثَبّتْ أَقْدَامَكُمْ } أي: عند القتال، وتثبيت الأقدام عبارة عن النصر، والمعونة في مواطن الحرب، وقيل: على الإسلام، وقيل: على الصراط {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَتَعْساً لَّهُمْ } الموصول في محل رفع على أنه مبتدأ، وخبره محذوف، تقديره: فتعسوا بدليل ما بعده، ودخلت الفاء تشبيهاً للمبتدأ بالشرط، وانتصاب {تعساً} على المصدر للفعل المقدّر خبراً. قال الفراء: مثل سقياً لهم ورعياً، وأصل التعس: الانحطاط والعثار. قال ابن السكيت: التعس: أن يجرّ على وجهه، والنكس: أن يجر على رأسه، قال: والتعس أيضاً: الهلاك. قال الجوهري: وأصله الكبّ، وهو ضد الانتعاش، ومنه قول مجمع بن هلال:شعر : تقول وقد أفردتها من حليلها تعست كما أتعستني يا مجمع تفسير : قال المبرّد: أي: فمكروهاً لهم، قال ابن جريج: بعداً لهم، وقال السديّ: خزياً لهم. وقال ابن زيد: شقاءً لهم، وقال الحسن: شتماً لهم. وقال ثعلب: هلاكاً لهم، وقال الضحاك: خيبةً لهم، وقيل: قبحاً لهم، حكاه النقاش. وقال الضحاك: رغماً لهم. وقال ثعلب أيضاً: شرًّا لهم. وقال أبو العالية: شقوةً لهم. واللام في {لهم} للبيان، كما في قوله: {أية : هَيْتَ لَكَ } تفسير : [يوسف: 23] وقوله: {وَأَضَلَّ أَعْمَـٰلَهُمْ } معطوف على ما قبله داخل معه في خبرية الموصول. والإشارة بقوله: {ذٰلِكَ } إلى ما تقدّم مما ذكره الله من التعس والإضلال، أي: الأمر ذلك، أو ذلك الأمر {بِأَنَّهُمْ كَرِهُواْ مَا أَنزَلَ ٱللَّهُ } على رسوله من القرآن، أو ما أنزل على رسله من كتبه لاشتمالها على ما في القرآن من التوحيد والبعث {فَأَحْبَطَ } الله {أَعْمَـٰلَهُمْ } بذلك السبب، والمراد بالأعمال: ما كانوا عملوا من أعمال الخير في الصورة، وإن كانت باطلة من الأصل؛ لأن عمل الكافر لا يقبل قبل إسلامه. ثم خوّف سبحانه الكفار، وأرشدهم إلى الاعتبار بحال من قبلهم، فقال: {أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِى ٱلأرْضِ } أي: ألم يسيروا في أرض عاد، وثمود، وقوم لوط وغيرهم؛ ليعتبروا {فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ } أي: آخر أمر الكافرين قبلهم، فإن آثار العذاب في ديارهم باقية. ثم بيّن سبحانه ما صنع بمن قبلهم فقال: {دَمَّرَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ } والجملة مستأنفة جواب سؤال مقدّر، والتدمير: الإهلاك، أي: أهلكهم واستأصلهم، يقال: دمّره ودمر عليه بمعنى، ثم توعد مشركي مكة فقال: {وَلِلْكَـٰفِرِينَ أَمْثَـٰلُهَا } أي: لهؤلاء الكافرين أمثال عاقبة من قبلهم من الأمم الكافرة. قال الزجاج، وابن جرير: الضمير في {أمثالها} يرجع إلى {عاقبة الذين من قبلهم}، وإنما جمع لأن العواقب متعدّدة بحسب تعدّد الأمم المعذبة، وقيل: أمثال العقوبة، وقيل: الهلكة، وقيل: التدميرة، والأوّل أولى لرجوع الضمير إلى ما هو مذكور قبله، والإشارة بقوله: {ذٰلِكَ } إلى ما ذكر من أن للكافرين أمثالها {بِأَنَّ ٱللَّهَ مَوْلَى ٱلَّذِينَ آمنوا} أي: بسبب أن الله ناصرهم، {وَأَنَّ ٱلْكَـٰفِرِينَ لاَ مَوْلَىٰ لَهُمْ } أي: لا ناصر يدفع عنهم. وقرأ ابن مسعود (ذٰلك بأن الله وليّ الذين آمنوا) قال قتادة: نزلت يوم أحد. {إِنَّ ٱللَّهَ يُدْخِلُ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ جَنَـٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلأنْهَـٰرُ } قد تقدّم تفسير الآية في غير موضع، وتقدّم كيفية جري الأنهار من تحت الجنات، والجملة مسوقة لبيان ولاية الله للمؤمنين {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ ٱلأنْعَـٰمُ } أي: يتمتعون بمتاع الدنيا وينتفعون به؛ كأنهم أنعام ليس لهم همّة إلاّ بطونهم وفروجهم، ساهون عن العاقبة لاهون بما هم فيه {وَٱلنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ } أي: مقام يقيمون به، ومنزل ينزلونه ويستقرّون فيه، والجملة في محل نصب على الحال، أو مستأنفة. وقد أخرج الفريابي، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، وابن مردويه عن ابن عباس في قوله: {ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ } قال: هم أهل مكة قريش نزلت فيهم: {وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَاتِ } قال: هم أهل المدينة الأنصار {وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ } قال: أمرهم. وأخرج ابن المنذر عنه في قوله: {أَضَلَّ أَعْمَـٰلَهُمْ } قال: كانت لهم أعمال فاضلة لا يقبل الله مع الكفر عملاً. وأخرج النحاس عنه أيضاً في قوله: {فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاء } قال: فجعل الله النبيّ والمؤمنين بالخيار في الأسارى، إن شاءوا قتلوهم، وإن شاءوا استعبدوهم، وإن شاءوا فادوهم. وأخرج ابن جرير، وابن مردويه عنه أيضاً في الآية قال: هذا منسوخ نسختها: {أية : فَإِذَا ٱنسَلَخَ ٱلأشْهُرُ ٱلْحُرُمُ فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ } تفسير : [التوبة: 5]. وأخرج ابن جرير، وابن مردويه عن الحسن قال: أتى الحجاج بأسارى، فدفع إلى ابن عمر رجلاً يقتله، فقال ابن عمر: ليس بهذا أمرنا إنما قال الله: {حَتَّىٰ إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّواْ ٱلْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاء }. وأخرج عبد الرزاق في المصنف، وابن المنذر، وابن مردويه عن ليث قال: قلت لمجاهد: بلغني أن ابن عباس قال: لا يحلّ قتل الأسارى؛ لأن الله قال: {فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاء } فقال مجاهد: لا تعبأ بهذا شيئًا أدركت أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكلهم ينكر هذا، ويقول: هذه منسوخة إنما كانت في الهدنة التي كانت بين النبيّ صلى الله عليه وسلم وبين المشركين، فأما اليوم فلا، يقول الله: {أية : فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ } تفسير : [التوبة: 5] ويقول: {فَإِذَا لَقِيتُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَضَرْبَ ٱلرّقَابِ } فإن كان من مشركي العرب لم يقبل شيء منهم إلاّ الإسلام، فإن لم يسلموا فالقتل، وأما من سواهم فإنهم إذا أسروا، فالمسلمون فيهم بالخيار إن شاءوا قتلوهم، وإن شاءوا استحيوهم، وإن شاءوا فادوهم إذا لم يتحوّلوا عن دينهم، فإن أظهروا الإسلام لم يفادوا. ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتل الصغير، والمرأة، والشيخ الفاني. وأخرج عبد بن حميد، وابن أبي حاتم، وابن مردويه عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : يوشك من عاش منكم أن يلقى عيسى ابن مريم إماماً مهدياً وحكماً عدلاً، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، وتوضع الجزية، وتضع الحرب أوزارها»تفسير : . وأخرج ابن سعد، وأحمد، والنسائي، والبغوي، والطبراني، وابن مردويه عن سلمة بن نفيل، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم من حديث قال: «حديث : لا تضع الحرب أوزارها حتى يخرج يأجوج ومأجوج»تفسير : . وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس {وَلِلْكَـٰفِرِينَ أَمْثَـٰلُهَا } قال: لكفار قومك يا محمد مثل ما دمرت به القرى، فأهلكوا بالسيف.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {الَّذِينَ كَفَرُواْ} يعني كفروا بتوحيد الله. {وَصَدُّواْ عَن سَبيلِ اللَّهِ} فيه وجهان: أحدهما: عن الله وهو الإسلام بنهيهم عن الدخول فيه، قاله السدي. الثاني: عن بيت الله يمنع قاصديه إذا عرض رسول الله صلى الله عليه وسلم - عليهم الإسلام أن يدخلوا فيه، قاله الضحاك. {أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ} يحتمل ثلاثة أوجه: أحدها: أحبط ما فعلوه من الخير بما أقاموا عليه من الكفر. الثاني: أبطل ما أنفقوا ببدر لما نالهم من القتل. الثالث: أضلهم عن الهدى بما صرفهم عن التوفيق. وحكى مقاتل بن حيان أن هذه الآية نزلت في اثني عشر رجلاً من كفار مكة، ذكر النقاش أنهم أبو جهل وعتبة وشيبة ابنا ربيعة والوليد بن عقبة وعقبة بن أبي معيط وأمية بن خلف ومنبه ونبيه ابنا الحجاج وأبو البختري وزمعة بن الأسود وحكيم بن حزام والحارث بن عامر بن نوفل. قوله عز وجل: {وَالَّذِينَ ءَامَنواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ} فيهم قولان: أحدهما: أنهم الأنصار، قاله ابن عباس. الثاني: أنها نزلت خاصة في ناس من قريش، قاله مقاتل. وفي قوله: {وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ} فيه قولان: أحدهما: المواساة بمساكنهم وأموالهم، وهذا قول من زعم أنهم الأنصار. الثاني: الهجرة وهذا قول من زعم أنهم قريش. {وَءَامَنُواْ بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ} أي آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم وبما أنزل عليه من القرآن. {وَهُوَ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ} يحتمل وجهين: أحدهما: أن إيمانهم هو الحق من ربهم. الثاني: أن القرآن هو الحق من ربهم. {كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيّئَاتِهِمْ} فيه وجهان: أحدهما: سترها عليهم. الثاني: غفرها بإيمانهم. {وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ} فيه أربعة أوجه: أحدها: أصلح شأنهم، قاله مجاهد. الثاني: أصلح حالهم، قاله قتادة. الثالث: أصلح أمرهم، قاله ابن عباس، والثلاثة متقاربة وهي متأولة على إصلاح ما تعلق بدنياهم. الرابع: أصلح نياتهم. حكاه النقاش، ومنه قول الشاعر: شعر : فإن تقبلي بالود أقبل بمثله وإن تدبري أذهب إلى حال باليا تفسير : وهو على هذا التأويل محمول على إصلاح دينهم، والبال لا يجمع لأنه أبهم إخوانه من الشأن والحال والأمر. قوله عز وجل: {ذلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ اتَّبَعُواْ الْبَاطِلَ} فيه قولان: أحدهما: أن الباطل الشيطان، قاله مجاهد. الثاني: إبليس، قاله قتادة، وسُمِّي بالباطل لأنه يدعو إلى الباطل. ويحتمل ثالثاً: أنه الهوى. {وَأَنَّ الَّذِينَ ءَامَنُوا اتَّبعُواْ الْحَقَّ مِن رَّبِهِمْ} فيه وجهان: أحدهما: اتبعوا الرسول، لأنه دعاهم إلى الحق وهو الإسلام. الثاني: يعني القرآن سمي حقاً لمجيئه بالحق. {كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثَالَهُمْ} قال يحيى: صفات أعمالهم، وفي الناس هنا قولان: أحدهما: أنه محمد صلى الله عليه وسلم، قاله الكلبي. الثاني: جميع الناس، قاله مقاتل.
ابن عطية
تفسير : قوله تعالى: {الذين كفروا} الآية، إشارة إلى أهل مكة الذين أخرجوا رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقوله: {والذين آمنوا} الآية إشارة إلى الأنصار أهل المدينة الذين آووه، وفي الطائفتين نزلت الآيتان، قاله ابن عباس ومجاهد، ثم هي بعد تعم كل من دخل تحت ألفاظها. وقوله: {وصدوا} يحتمل أن يريد الفعل المجاوز، فيكون المعنى: {وصدوا} غيرهم، ويحتمل أن يكون الفعل غير متعد، فيكون المعنى: {وصدوا} أنفسهم. و: {سبيل الله} شرعه وطريقه الذي دعا إليه. وقوله: {أضل أعمالهم} أي أتلفها، لم يجعل لها غاية خير ولا نفعاً، وروي أن هذه الآية نزلت بعد بدر، وأن الإشارة بقوله: {أضل أعمالهم} هي إلى الإنفاق الذي أنفقوه في سفرتهم إلى بدر، وقيل المراد بالأعمال: أعمالهم البرة في الجاهلية من صلة رحم ونحوه، واللفظ يعم ذلك. وقرأ الناس: "نُزّل" بضم النون وشد الزاي. وقرأ الأعمش: "أنزل" معدى بالهمزة وقوله تعالى: {وأصلح بالهم} قال قتادة معناه: وأصلح حالهم. وقرأ ابن عباس "أمرهم". وقال مجاهد: شأنهم. وتحرير التفسير في اللفظة أنها بمعنى الفكر والموضع الذي فيه نظر الإنسان وهو القلب، فإذا صلح ذلك صلحت حاله، فكأن اللفظة مشيرة إلى صلاح عقيدتهم وغير ذلك من الحال تابع، فقولك: خطر في بالي كذا، وقولك: أصلح الله بالك: المراد بهما واحد، ذكره المبرد. والبال: مصدر كالحال والشأن، ولا يستعمل منها فعل، وكذلك عرفه أن لا يثنى ولا يجمع، وقد جاء مجموعاً لكنه شاذ، فإنهم قالوا بالات. وقوله تعالى: {ذلك بأن الذين كفروا} الإشارة إلى هذه الأفعال التي ذكر الله أنه فعلها بالكفار وبالمؤمنين. و: {الباطل} الشيطان وكل ما يأمر به، قاله مجاهد. و: {الحق} هنا هو الشرع ومحمد عليه السلام. وقوله: {كذلك} يبين أمر كل فرقة ويجعل لها ضربها من القول وصنفها. وضرب المثل مأخوذ من الضريب والضرب الذي هو بمعنى النوع.
ابن عبد السلام
تفسير : {كَفَرُواْ} بالتوحيد {سَبِيلِ اللَّهِ} الإسلام بنهيهم عن الدخول فيه، أو عن بيت الله بمنع قاصديه إذا عرض عليهم الرسول صلى الله عليه وسلم الدخول في الإسلام قيل نزلت في اثني عشر رجلاً من أهل مكة.
النسفي
تفسير : {ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ } أي أعرضوا وامتنعوا عن الدخول في الإسلام أوصدوا غيرهم عنه. قال الجوهري: صد عنه يصد صدوداً أعرض، وصده عن الأمر صداً منعه وصرفه عنه. وهم المطعمون يوم بدر أو أهل الكتاب أو عام في كل من كفر وصد {أَضَلَّ أَعْمَـٰلَهُمْ } أبطلها وأحبطها، وحقيقته جعلها ضالة ضائعة ليس لها من يتقبلها ويثيب عليها كالضالة من الإبل، وأعمالهم ما عملوه في كفرهم من صلة الأرحام وإطعام الطعام وعمارة المسجد الحرام، أو ما عملوه من الكيد لرسول الله صلى الله عليه وسلم والصد عن سبيل الله {وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَاتِ } هم ناس من قريش أو من الأنصار أو من أهل الكتاب أو عام {وَءَامَنُواْ بِمَا نُزِّلَ عَلَىٰ مُحَمَّدٍ } وهو القرآن، وتخصيص الإيمان بالمنزل على رسوله من بين ما يجب الإيمان به لتعظيم شأنه، وأكد ذلك بالجملة الاعتراضية وهي قوله {وَهُوَ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ } أي القرآن. وقيل: إن دين محمد هو الحق إذ لا يرد عليه النسخ وهو ناسخ لغيره {كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَـٰتِهِمْ } ستر بإيمانهم وعملهم الصالح ما كان منهم من الكفر والمعاصي لرجوعهم عنها وتوبتهم {وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ } أي حالهم وشأنهم بالتوفيق في أمور الدين وبالتسليط على الدنيا بما أعطاهم من النصرة والتأييد {ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱتَّبَعُواْ ٱلْبَـٰطِلَ وَأَنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّبَعُواْ ٱلْحَقَّ مِن رَّبِّهِمْ } {ذٰلِكَ } مبتدأ وما بعده خبره أي ذلك الأمر وهو إضلال أعمال أحد الفريقين وتكفير سيئات الثاني والإصلاح كائن بسبب اتباع هؤلاء الباطل وهو الشيطان وهؤلاء الحق وهو القرآن {كَذٰلِكَ } مثل ذلك الضرب {يَضْرِبُ ٱللَّهُ } أي يبين الله {لِلنَّاسِ أَمْثَـٰلَهُمْ } والضمير راجع إلى الناس أو إلى المذكورين من الفريقين على معنى أنه يضرب أمثالهم لأجل الناس ليعتبروا بهم، وقد جعل اتباع الباطل مثلاً لعمل الكافرين، واتباع الحق مثلاً لعمل المؤمنين، أو جعل الإضلال مثلاً لخيبة الكفار، وتكفير السيئات مثلاً لفوز الأبرار. {فَإِذَا لَقِيتُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } من اللقاء وهو الحرب {فَضَرْبَ ٱلرِّقَابِ } أصله فاضربوا الرقاب ضرباً فحذف الفعل وقدم المصدر فأنيب منابه مضافاً إلى المفعول، وفيه اختصار مع إعطاء معنى التوكيد لأنك تذكر المصدر وتدل على الفعل بالنصبة التي فيه {وَضَرَبَ ٱلرِّقَابِ } عبارة عن القتل لا أن الواجب أن تضرب الرقاب خاصة دون غيرها من الأعضاء، ولأن قتل الإنسان أكثر ما يكون بضرب رقبته فوقع عبارة عن القتل وإن ضرب غير رقبته {حَتَّىٰ إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ } أكثرتم فيهم القتل {فَشُدُّواْ ٱلْوَثَاقَ } فأسروهم والوثاق بالفتح والكسر اسم ما يوثق به، والمعنى فشدوا وثاق الأسارى حتى لا يفلتوا منكم {فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ } أي بعد أن تأسروهم {وَإِمَّآ فِدَاءً } {منَّا } و {فِدَاء } منصوبان بفعليهما مضمرين أي فإما تمنون مناً أو تفدون فداء، والمعنى التخيير بين الأمرين بعد الأسر بين أن يمنوا عليهم فيطلقوهم وبين أن يفادوهم، وحكم أسارى المشركين عندنا القتل أو الاسترقاق، والمن والفداء المذكوران في الآية منسوخ بقوله {أية : فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ }تفسير : [التوبة: 5] لأن سورة «براءة» من آخر ما نزل. وعن مجاهد: ليس اليوم منّ ولا فداء إنما هو الإسلام أو ضرب العنق. أو المراد بالمن أن يمن عليهم بترك القتل ويسترقوا، أو يمن عليهم فيخلوا لقبولهم الجزية وبالفداء أن يفادى بأسراهم أسارى المسلمين فقد رواه الطحاوي مذهباً عن أبي حنيفة رحمه الله وهو قولهما، والمشهور أنه لا يرى فداءهم لا بمال ولا بغيره لئلا يعودوا حرباً علينا، وعند الشافعي رحمه الله تعالى: للإمام أن يختار أحد الأمور الأربعة: القتل والاسترقاق والفداء بأسارى المسلمين والمن. {حَتَّىٰ تَضَعَ ٱلْحَرْبُ أَوْزَارَهَا } أثقالها وآلاتها التي لا تقوم إلا بها كالسلاح والكراع. وقيل: أوزارها آثامها يعني حتى يترك أهل الحرب وهم المشركون شركهم بأن يسلموا وحتى لا يخلو من أن يتعلق بالضرب والشد أو بالمن والفداء، فالمعنى على كلا المتعلقين ـ عند الشافعي رحمه الله ـ أنهم لا يزالون على ذلك أبداً إلى أن لا يكون حرب مع المشركين، وذلك إذا لم يبق لهم شوكة. وقيل: إذا نزل عيسى عليه السلام. وعند أبي حنيفة رحمه الله: إذا علق بالضرب والشد فالمعنى أنهم يقتلون ويؤسرون حتى تضع جنس الحرب الأوزار، وذلك حين لا تبقى شوكة للمشركين. وإذا علق بالمن والفداء فالمعنى أنه يمن عليهم ويفادون حتى تضع حرب بدر أوزارها إلا أن يتأول المن والفداء بما ذكرنا من التأويل {ذٰلِكَ } أي الأمر ذلك فهو مبتدأ وخبر أو افعلوا بهم ذلك فهو في محل النصب {وَلَوْ يَشَآءُ اللَّهُ لاَنْتَصَرَ مِنْهُمْ} لانتقم منهم بغير قتال ببعض أسباب الهلاك كالخسف أو الرجفة أو غير ذلك {وَلَـٰكِن} أمركم بالقتال {لِّيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ } أي المؤمنين بالكافرين تمحيصاً للمؤمنين وتمحيقاً للكافرين {وَٱلَّذِينَ قُتِلُواْ } بصري وحفص. {قَاتَلُواْ } غيرهم {فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ فَلَن يُضِلَّ أَعْمَـٰلَهُمْ سَيَهْدِيهِمْ } إلى طريق الجنة أو إلى الصواب في جواب منكر ونكير {وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ } يرضى خصماءهم ويقبل أعمالهم {وَيُدْخِلُهُمُ ٱلْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ } عن مجاهد: عرفهم مساكنهم فيها حتى لا يحتاجون أن يسألوا أو طيبها لهم من العرف وهو طيب الرائحة. {يأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ إِن تَنصُرُواْ ٱللَّهَ } أي دين الله ورسوله {يَنصُرْكُمْ} على عدوكم ويفتح لكم {وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ } في مواطن الحرب أو على محجة الإسلام {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } في موضع رفع بالابتداء والخبر {فَتَعْساً لَّهُمْ } وعطف قوله {وَأَضَلَّ أَعْمَـٰلَهُمْ } على الفعل الذي نصب {تعسا} لأن المعنى فقال تعساً لهم والتعس العثور. وعن ابن عباس رضي الله عنهما: يريد في الدنيا القتل وفي الآخرة التردي في النار. { ذٰلِكَ } أي التعس والضلال {بِأَنَّهُمْ كَرِهُواْ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ } أي القرآن {فَأَحْبَطَ أَعْمَـٰلَهُمْ أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِى ٱلأَرْضِ } يعني كفار أمتك {فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ دَمَّرَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ } أهلكهم هلاك استئصال {وَلِلْكَـٰفِرِينَ } مشركي قريش {أَمْثَـٰلُهَا } أمثال تلك الهلكة لأن التدمير يدل عليها {ذٰلِكَ } أي نصر المؤمنين وسوء عاقبة الكافرين {أَنَّ ٱللَّهَ مَوْلَى ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ } وليهم وناصرهم {وَأَنَّ ٱلْكَـٰفِرِينَ لاَ مَوْلَىٰ لَهُمْ } أي لا ناصر لهم فإن الله مولى العباد جميعاً من جهة الاختراع وملك التصرف فيهم، ومولى المؤمنين خاصة من جهة النصرة {إِنَّ ٱللَّهَ يُدْخِلُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ جَنَـٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَـٰرُ وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يَتَمَتَّعُونَ } ينتفعون بمتاع الحياة الدنيا أياماً قلائل {وَيَأْكُلُونَ } غافلين غير متفكرين في العاقبة {كَمَا تَأْكُلُ ٱلأَنْعَـٰمُ } في معالفها ومسارحها غافلة عما هي بصدده من النحر والذبح {وَٱلنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ } منزل ومقام. {وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ } أي وكم من قرية للتكثير وأراد بالقرية أهلها ولذلك قال {أَهْلَكْنَـٰهُمْ } {هِىَ أَشَدُّ قُوَّةً مّن قَرْيَتِكَ ٱلَّتِى أَخْرَجَتْكَ } أي وكم من قرية أشد قوة من قومك الذين أخرجوك أي كانوا سبب خروجك {أَهْلَكْنَـٰهُمْ فَلاَ نَـٰصِرَ لَهُمْ } أي فلم يكن لهم من ينصرهم ويدفع العذاب عنهم {أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبّهِ } أي على حجة من عنده وبرهان وهو القرآن المعجز وسائر المعجزات يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم {كَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ } هم أهل مكة الذين زين لهم الشيطان شركهم وعداوتهم لله ورسوله. وقال سوء عمله {وَٱتَّبَعُواْ أَهْوَآءَهُمْ } للحمل على لفظ من ومعناه {مَّثَلُ ٱلْجَنَّةِ } صفة الجنة العجيبة الشأن {ٱلَّتِى وُعِدَ ٱلْمُتَّقُونَ } عن الشرك {فِيهَآ أَنْهَارٌ } داخل في حكم الصلة كالتكرير لها ألا ترى إلى صحة قولك التي فيها أنهار، أو حال أي مستقرة فيها أنهار {مِّن مَّآءٍ غَيْرِ ءَاسِنٍ } غير متغير اللون والريح والطعم. يقال: أسن الماء إذا تغير طعمه وريحه {أسِن} مكي {وَأَنْهَارٌ مِّن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ } كما تتغير ألبان الدنيا إلى الحموضة وغيرها {وَأَنْهَـٰرٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ } تأنيث لذ وهو اللذيذ {لِّلشَّارِبِينَ } أي ما هو إلا التلذذ الخالص ليس معه ذهاب عقل ولا خمار ولا صداع ولا آفة من آفات الخمر {وَأَنْهَـٰرٌ مِّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى } لم يخرج من بطون النحل فيخالطه الشمع وغيره {وَلَهُمْ فِيهَا مِن كُلِّ ٱلثَّمَرٰتِ وَمَغْفِرَةٌ مّن رَّبِّهِمْ } {مَثَلُ } مبتدأ خبره {كَمَنْ هُوَ خَـٰلِدٌ فِى ٱلنَّارِ وَسُقُواْ مَآءً حَمِيماً } حاراً في النهاية {فَقَطَّعَ أَمْعَآءَهُمْ } والتقدير: أمثل الجنة كمثل جزاء من هو خالد في النار؟ وهو كلام في صورة الإثبات ومعناه النفي لانطوائه تحت حكم كلام مصدّر بحرف الإنكار ودخوله في حيزه وهو قوله: {أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيّنَةٍ مّن رَّبّهِ كَمَن زُيّنَ لَهُ سُوء عَمَلِهِ }. وفائدة حذف حرف الإنكار زيادة تصوير لمكابرة من يسوي بين المتمسك بالبينة والتابع لهواه وأنه بمنزلة من يثبت التسوية بين الجنة التي تجري فيها تلك الأنهار وبين النار التي يسقى أهلها الحميم. {وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّىٰ إِذَا خَرَجُواْ مِنْ عِندِكَ قَالُواْ لِلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ مَاذَا قَالَ ءَانِفاً } هم المنافقون كانوا يحضرون مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم فيسمعون كلامه ولا يعونه ولا يلقون له بالاً تهاوناً منهم، فإذا خرجوا قالوا لأولي العلم من الصحابة: ماذا قال الساعة على جهة الاستهزاء {أُوْلَـئِكَ ٱلَّذِينَ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ وَٱتَّبَعُواْ أَهْوَآءَهُمْ }.
الخازن
تفسير : قوله عز وجل: {الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله أضل أعمالهم} يعني أبطلها ولم يتقبلها منهم. وأراد بالأعمال: ما كانوا يفعلون من أعمال البر في إطعام الطعام، وصلة الأرحام وفك العاني وهو الأسير، وإجارة المستجير، ونحو ذلك. وقال بعضهم: أول هذه السورة متعلق بآخر سورة الأحقاف المتقدمة كأن قائلاً قال: كيف يهلك القوم الفاسقون ولهم أعمال صالحة كإطعام الطعام ونحوه من الأعمال والله لا يضيع لعامل عمله ولو كان مثقال ذرة من خير فأخبر بأن الفاسقين هم الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله أضل أعمالهم يعني أبطلها لأنها لم تكن لله ولا بأمره إنما فعلوها من عند أنفسهم ليقال عنهم ذلك فلهذا السبب أبطلها الله تعالى وقال الضحاك: أبطل كيدهم ومكرهم بالنبي صلى الله عليه وسلم وجعل الدائرة عليهم. قال بعضهم: المراد بقوله، {الذين كفروا} هم الذين كانوا يطعمون الجيش يوم بدر وهم رؤوس كفار قريش منهم أبو جهل، والحارث بن هشام، وعتبة وشيبة ابنا ربيعة وغيرهم. وقيل: هم جميع كفار قريش وقيل هم كفار أهل الكتاب وقيل هو عام فيدخل فيه كل كافر {وصدوا عن سبيل الله} يعني ومنعوا غيرهم عن الدخول في دين الله وهو الإسلام أو منعوا أنفسهم من الدخول في الإسلام {أضل أعمالهم} يعني أبطلها لأنها كانت لغير الله ومنه قوله تعالى: {أية : وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثوراً} تفسير : [الفرقان: 23] {والذين آمنوا وعملوا الصالحات} قال ابن عباس الذين كفروا مشركو قريش، والذين آمنوا هم الأنصار وقيل مؤمنو أهل الكتاب وقيل هو عام فيدخل فيه كل مؤمن آمن بالله ورسوله وهذا هو الأولى ليشمل جميع المؤمنين {وآمنوا بما نزل على محمد} يعني القرآن الذي أنزله الله على محمد وإنما ذكره بلفظ الاختصاص مع ما يجب من الإيمان بجميع ما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الله تعظيماً لشأن القرآن الكريم وتنبيهاً على أنه لا يتم الإيمان إلا به وأكد ذلك بقوله: {وهو الحق من ربهم} وقيل: معناه أن دين محمد صلى الله عليه وسلم هو الحق لأنه ناسخ للأديان كلها ولا يرد عليه نسخ وقال سفيان الثوري في قوله {وآمنوا بما نزل على محمد} يعني لم يخالفوه في شيء {كفر عنهم سيئاتهم} يعني ستر بأيمانهم وعملهم الصالح ما كان منهم من الكفر والمعاصي لرجوعهم وتوبتهم منها فغفر لهم بذلك ما كان منهم {وأصلح بالهم} يعني حالهم وشأنهم وأمرهم بالتوفيق في أمور الدين والتسليط على أمور الدنيا بما أعطاهم من النصر على أعدائهم. وقيل أصلح بالهم يعني قلوبهم لأن القلب إذا صلح صلح سائر الجسد وقال ابن عباس عصمهم أيام حياتهم يعني أن هذا الإصلاح يعود إلى إصلاح أعمالهم حتى لا يعصوا {ذلك بأن الذين كفروا اتبعوا الباطل} يعني الشيطان {وأن الذين آمنوا اتبعوا الحق من ربهم} يعني القرآن ومعنى الآية ذلك الأمر وهو إضلال أعمال الكفار وتكفير سيئات المؤمنين كائن بسبب إتباع الكفار الباطل وإتباع المؤمنين الحق من ربهم {كذلك يضرب الله للناس أمثالهم} الضمير في أمثالهم راجع إلى الناس على أنه تعالى يضرب للناس أمثال أنفسهم أو أنه راجع إلى الفريقين على معنى أنه تعالى ضرب أمثال الفريقين للناس ليعتبروا بها قال الزجاج كذلك يضرب الله أمثال حسنات المؤمنين وأمثال أعمال الكافرين للناس.
القمي النيسابوري
تفسير : القراءات: {والذين قتلوا} مبنياً للمفعول ثلاثياً: أبو عمرو وسهل ويعقوب وحفص. الباقون {قاتلوا} {ويثبت} من الإثبات: المفضل. الباقون: بالتشديد {أسن} بغير الألف كحذر: إبن كثير {أنفا} بدون الألف كما قلنا: ابن مجاهد وأبو عون عن قنبل. الوقوف: {أعمالهم} ه {بالهم} ه {من ربهم} ط {أمثالهم} ه {الرقاب} ط {الوثاق} لا للفاء ولتعلق {بعد} بما قبلها أي بعد ما شددتم الوثاق {أوزارها} ج {ذلك} ط أي ذلك كذلك، وقد يحسن اتصاله بما قبله لانقطاعه عن خبره أو عن المبتدأ أو الفعل أي الأمر ذلك، أو فعلوا ذلك {ببعض} ط {أعمالهم} ه {بالهم} ه ج للآية مع العطف واتحاد الكلام {لهم} ه {أقدامهم} ه {أعمالهم} ه ج {من قبلهم} ط لتناهي الاستخبار {عليهم} ج للابتداء بالتهديد مع الواو {أمثالها} ه {لهم} ه {الأنهار} ط {لهم} ه {أخرجتك} ج لاحتمال أن ما بعده صفة {قرية} أو ابتداء إخبار {لهم} ه {أهواءهم} ه {المتقون} ط للحذف أي صفة الجنة فيما نقص عليكم ثم شرع في قصتها. {آسن} ج {طعمه} ج {للشاربين} ه ج لتفصيل أنواع النعم مع العطف {مصفى} ج {من ربهم} ط لحذف المبتدأ والتقدير أفمن هذا حاله كمن هو خالد {أمعاءهم} ه {إليك} ج لاحتمال أن يكون حتى للانتهاء وللابتداء {آنفاً} ط {أهواءهم} ه {تقواهم} ه {بغتة} ه لتناهي الاستفهام مع مجيء الفاء بعده في الإخبار {أشراطها} ج لعكس ما مر {ذكراهم} ه. التفسير: قال أهل النظم: إن أول هذه السورة مناسب لآخر السورة كأنه قيل: كيف يهلك الفاسق إن كان له أعمال صالحة؟ فأجاب {الذين كفروا وصدوا} منعوا الناس عن الإيمان صداً أو امتنعوا عنه صدوداً {أضل} الله {أعمالهم} أي أبطل ثوابها وكانوا يصلون الأرحام ويطعمون الطعام ويعمرون المسجد الحرام. وعن ابن عباس أنها نزلت في المطعمين يوم بدر. وقيل: هم أهل الكتاب. والأظهر العموم. قال جار الله: حقيقة إضلال الأعمال جعلها ضالة ضائعة ليس لها من يثيب عليها كالضالة من الإبل لا رب لها يحفظها، أو أراد أنه يجعلها ضالة في كفرهم ومعاصيهم مغلوبة بها كما يضل الماء في اللبن. وقيل: أراد إبطال ما عملوه من الكيد للإسلام وذويه بأن نصر المسلمين عليهم وأظهر دينه على الدين كله. وحين بيّن حال الكفار بيّن حال المؤمنين قائلاً {والذين آمنوا وعملوا الصالحات} بالهجرة والنصرة وغير ذلك {وآمنوا بما نزل على محمد} يعني القرآن وهو تخصيص بعد تعميم، ولم يقتصر على هذا التخصيص الموجب للتفضيل ولكنه أكده بجملة اعتراضية هي قوله {وهو الحق من ربهم} ولأن الحق الثابت ففيه دليل على أن دين محمد صلى الله عليه وسلم لا يرد عليه النسخ أبداً. وتكفير السيئات من الكريم سترها بما هي خير منها فهو في معنى قوم {أية : فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات}تفسير : [الفرقان: 7] والبال الحال والشأن لا يثنى ولا يجمع. وقيل: هو بمعنى القلب أي يصلح أمر دينهم. والحاصل أن قوله {وآمنوا بما نزل على محمد} بإزاء قوله {وصدّوا عن سبيل الله} فأولئك امتنعوا عن اتباع سبيل محمد صلى الله عليه وسلم، وهؤلاء حثوا أنفسهم على إتباعه فلا جرم حصل لهؤلاء ضدّ ما حصل لأولئك فأضل الله حسنات أولئك وستر على سيئات هؤلاء، وقد أشير إلى هذا الحاصل بقوله {ذلك} الإضلال والتكفير بسبب اتباع أولئك الباطل الشيطان وحزبه وأولئك الحق محمداً والقرآن {كذلك} أي مثل ذلك الضرب {يضرب الله للناس} كلهم أمثال أنفسهم أو أمثال المذكورين من الفريقين على معنى إنه يضرب أمثالهم لأجل الناس ليعتبروا بهم. وضرب المثل في الآية هو أن جعل اتباع الباطل مثلاً لعمل الكفار واتباع الحق مثلاً لعمل المؤمنين، ولا ريب أن إخباره عن الفريقين بغير تصريح مثل لحالهما وهذا حقيقة ضرب المثل. وقيل: إن الإضلال مثل لخيبة الكفار، وتكفير السيئات مثل لفوز المؤمنين. وقيل: إن قوله {كذلك} لا يستدعي أن يكون هناك مثل مضروب، ولكنه لما بين حال الكافر وإضلال أعماله وحال المؤمن وتكفير سيئاته، وبين السبب فيهما كان ذلك نهاية الإيضاح فقال {كذلك} أي مثل ذلك البيان يضرب الله للناس أمثالهم ويبين أحوالهم. قال أصحاب النظم: لما بيّن أن عمل الكفار ضلال والإنسان حرمته باعتبار عمله نتج من ذلك قوله {فإذا لقيتم الذين كفروا} أي في دار الحرب أو في القتال {فضرب الرقاب} وأصله فأضربوا الرقاب ضرباً إلا أنه اختصر للتوكيد لأنه بذكر المصدر المنصوب دل على الفعل وكان كالحكم البرهاني. وليس ضرب الرقبة مقصوداً بالذات ولكنه وقع التعبير عن القتل به لأنه أغلب أنواع القتل، ولما في ذكره من التخويف والتغليظ. وفيه ردّ على من زعم أن القتل بل إيلام الحيوان قبيح مطلقاً لأنه تخريب البنيان، فبين الشرع أن أهل الكفر والطغيان يجب قتلهم لأن فيه صلاح نوع الإنسان كما أن الطبيب الحاذق يأمر بقطع العضو الفاسد إبقاء على سائر البدن {حتى إذا أثخنتموهم} أكثرتم قتلهم وأغلظتموه من الشيء الثخين، أو أثقلتموهم بالقتل والجراح حتى لا يمكنهم النهوض وقد مر في آخر "الأنفال". {فشدّوا الوثاق} وهو بالفتح والكسر اسم ما يوثق به والمراد فأسروهم وشدّوهم بالحبال والسيور. فإما تمنون مناً وإما تفدون فداء، وهذا مما يلزم فيه حذف فعل المفعول المطلق لأنه وقع المفعول تفصيلاَ لأثر مضمون جملة متقدمة. وقال الشافعي: للإمام أن يختار أحد أربعة أمور هي: القتل والاسترقاق والمنّ وهو الإطلاق من غير عوض والفداء بأسارى المسلمين أو بمال. لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم منّ على أبي عروة الجهني وعلى ابن أثال الحنفي، وفادى رجلاً برجلين من المشركين. وذهب بعض أصحاب الرأي أن الآية منسوخة. وأن المنّ والفداء إنما كان يوم بدر فقط وناسخها {أية : فاقتلوا المشركين}تفسير : [التوبة: 5] وليس للإمام إلا القتل أو الاسترقاق. وعن مجاهد: ليس اليوم منّ ولا فداء إنما هو الإسلام أو ضرب العنق. وقوله {حتى تضع} يتعلق بالضرب والشدّ أو بالمنّ والفداء. والمراد عند الشافعي أنهم لا يزالون على ذلك أبداً إلى أن لا يكون حرب مع المشركين وذلك إذا لم يبق لهم شوكة. وأوزار الحرب آلاتها وأثقالها التي لا تقوم الحرب إلا بها. قال الأعشى: شعر : وأعددت للحرب أوزارها رماحاً طوالاً وخيلاً ذكوراً تفسير : فإذا أنقضت الحرب فكأنها وضعت أسبابها. وقيل: أوزارها آثامها والمضاف محذوف أي حتى يترك أهل الحرب. وهم المشركون شركهم ومعاصيهم بأن يسلموا. وعلى هذا جاز أن يكون الحرب جمع حارب كالصحب جمع صاحب فلا يحتاج إلى تقدير المضاف. وفسر بعضهم وضع الحرب أوزارها بنزول عيسى عليه السلام. عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " حديث : يوشك من عاش منكم أن يلقى عيسى عليه السلام إماماً هادياً وحكماً عدلاً يكسر الصليب ويقتل الخنزير وتضع الحرب أوزارها حتى تدخل كلمة الإخلاص كل بيت من وبر ومدر" تفسير : وعند أبي حنيفة: إذا علق بالضرب والشدّ فالمعنى أنهم يقتلون ويؤسرون حتى تضع جنس الحرب الأوزار، وذلك إذا لم تبق شوكة للمشركين. وإذا علق بالمنّ والفداء فالحرب معهودة وهي حرب بدر. ثم بين أنه منزه في الانتقام من الكفار عن الاستعانة بأحد فقال {ذلك ولو يشاء الله لانتصر منهم} بغير قتال أو بتسليط الملائكة أو أضعف خلقه عليهم {ولكن} أمركم بقتالهم {ليبلو بعضكم ببعض} فيمتحن المؤمنين بالكافرين هل يجاهدون في سبيله حق الجهاد أم لا، ويبتلي الكافرين بالمؤمنين هل يذعنون للحق أم لا إلزاماً للحجة وقطعاً للمعاذير. ومعنى الابتلاء من الله سبحانه قد مر مراراً أنه مجاز أي يعاملهم معاملة المختبر، أو ليظهر الأمر لغيره من الملائكة أو الثقلين. ثم وعد الشهداء والمجاهدين بقوله {والذين قتلوا} أو قاتلوا على القراءتين {فلن يضل أعمالهم} خلاف الكفرة {سيهديهم} إلى الثواب ويثبتهم على الهداية {ويصلح بالهم} أمر معاشهم في المعاد أو في الدنيا، وكرر لأن الأوّل سبب النعيم، والثاني نفس النعيم {ويدخلهم الجنة عرّفها لهم} جعل كل واحد بحيث يعرف ماله في الجنة كأنهم كانوا سكانها منذ خلقوا. وعن مقاتل: يعرفها لهم الحفظة وعسى أنه عرفها بوصفها في القرآن. وقيل: طيبها لهم من العرف وهو طيب الرائحة. ثم حث على نصرة دين الله بقوله {يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله} أي دينه أو رسوله {ينصركم} على عدوّكم ويفتح لكم {ويثبت أقدامكم} في مواقف الحرب أو على جادّة الشريعة {والذين كفروا} حالهم بالضد. يقال: تعساً له في الدعاء عليه بالعثار والتردّي. عن ابن عباس: هو في الدنيا القتل، وفي الآخرة الهويّ في جهنم. وهو من المصادر التي يجب حذف فعلها سماعاً والتقدير: أتعسهم الله فتعسوا تعساً ولهذا عطف عليه قوله {وأضل أعمالهم} ثم بين سبب بقائهم على الكفر والضلال بقوله {ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله} من القرآن والتكاليف لألفهم بالإهمال وإطلاق العنان {فأحبط أعمالهم} التي لا استناد لها إلى القرآن أو السنة. ثم هدّدهم بحال الأقدمين وهو ظاهر. ودمر عليه ويقال دمره فالثاني الإهلاك مطلقاً، والأوّل إهلاك ما يختص به من نفسه وماله وولده وغيره {وللكافرين أمثالها} الضمير للعاقبة أو العقوبة. والأوّل مذكور، والثاني مفهوم بدلالة التدمير فإن كان المراد الدعاء عليهم فاللام للعهد وهم كفار قريش ومن ينخرط في سلكهم، وإن كان المراد الإخبار جاز أن يراد هؤلاء. والقتل والأسر نوع من التدمير وجاز أن يراد الكفار الأقدمون {ذلك} النصر والتعس {بأن الله مولى الذين آمنوا} أي وليهم وناصرهم {وأن الكافرين لا مولى لهم} بمعنى النصرة والعناية، وأما بمعنى الربوبية والمالكية فهو مولى الكل لقوله {أية : وردّوا إلى الله مولاهم الحق} تفسير : [يونس: 30] ثم برهن على الحكم المذكور وهو أن ولايته مختصة بالمؤمنين فقال {إن الله يدخل} الآية. فشبه الكافرين بالأنعام من جهة أن الكافر غرضه من الحياة التنعم والأكل وسائر الملاذ لا التقوى والتوسل بالغذاء إلى الطاعة وعمل الآخرة، ومن جهة أنه لا يستدل بالنعم على خالقها، ومن جهة غفلتهم عن مآل حالهم وأن النار مثوى لهم. ثم زاد في تهديد قريش بقوله {وكأين من قرية} أي أهل قرية هم {أشدّ قوّة من} أهل {قريتك التي أخرجتك} تسببوا لخروجك. وقوله {فلا ناصر لهم} حكاية تلك الحال كقوله {أية : وكلبهم باسط}تفسير : [الكهف: 18] ثم بين الفرق بين أهل الحق وحزب الشيطان بقوله على طريق الإنكار {أفمن كان على بينة} معجزة ظاهرة وحجة باهرة {من ربه} يريد محمداً وأمته قوله {وأتبعوا} محمول على معنى "من" وهو تأكيد للتزيين كما أن كون البينة من الرب تأكيد لها. وحين أثبت الفرق بين الفريقين أراد أن يبين الفرق بين جزائهما فقال {مثل الجنة} أي صفتها العجيبة الشأن. وفي إعرابه وجهان: أحدهما ما مر في الوقوف، والثاني قول الزمخشري في الكشاف أنه على حذف حرف الاستفهام، والتقدير: أمثل الجنة وأصحابها كمثل جزاء من هو خالد في النار، أو كمثل من هو خالد؟ وفائدة التعرية عن حروف الاستفهام زيادة تصوير مكابرة من يسوّي بين الفريقين. وقوله {فيها أنهار} كالبدل من الصلة أو حال. والآسن المتغير اللون أو الريح أو الطعم ومصدره الأسون والنعت آسن مقصوراً، واللذة صفة أو مصدر وصف به كما مر في "الصافات"، والباقي ظاهر. قال بعض علماء التأويل: لا شك أن الماء أعم نفعاً للخلائق من اللبن والخمر والعسل فهو بمنزلة العلوم الشرعية لعموم نفعها للمكلفين كلهم، وأما اللبن فهو ضروري للناس كلهم ولكن في أوّل التربية والنماء فهو بمنزلة العلوم الغريزية الفطرية، وأما الخمر والعسل فليسا من ضرورات التعيش فهما بمنزلة العلوم الحقيقية السببية إلا أن الخمر يمكن أن تخص بالعلوم الذوقية. والعسل بسائرها وقد يدور في الخلد أن هذه الأنهار الأربعة يمكن أن تحمل على المراتب الإنسانية الأربع. فالعقل الهيولاني بمنزلة الماء لشموله وقبوله الآثار، والعقل بالملكة بمنزلة اللبن لكونه ضرورياً في أوّل النشوء والتربية، والعقل بالفعل بمنزلة الخمر فإن حصوله ليس بضروري لجميع الإنسان إلا أنه إذا حصل وكان الشخص ذاهلاً عنه غير ملتفت إليه كان كالخمر الموجب للغفلة وعدم الحضور، والعقل المستفاد بمنزلة العسل من جهة لذته ومن جهة شفائه لمرض الجهل ومن قبل ثباته في المذاق للزوجته ودسومته والتصاقه والله تعالى أعلم بمراده. وقوله {ومغفرة من ربهم} إن قدر ولهم مغفرة من الله قبل ذلك فلا إشكال، وإن قدر لهم فيها مغفرة أمكن أن يقال: إنهم مغفورون قبل دخول الجنة فما معنى الغفران بعد ذلك؟ والجواب أن المراد رفع التكليف يأكلون من غير حساب ولا تبعة وآفة بخلاف الدنيا فإن حلالها حساب وحرامها عذاب. ثم ذكر نوعاً آخر من قبيح خصال الكافرين وقيل أراد المنافقين فقال {ومنهم من يستمع إليك} كانوا يحضرون مجلس النبي صلى الله عليه وسلم والجمعات ويسمعون كلامه ولا يعونه كما يعيه المسلم {حتى إذا خرجوا} انصرفوا وخرج المسلمون {من عندك} يا محمد قال المنافقون للعلماء وهم بعض الصحابة كابن عباس وابن مسعود وأبي الدرداء: أيّ شيء قال محمد {آنفاً} أي في ساعتنا هذه. وأنف كل شيء ما تقدمه ومنه فولهم "استأنفت الأمر" ابتدأته. ولا يستعمل منه فعل ثلاثي بهذا المعنى. وإنما توجه الذم عليهم لأن سؤالهم سؤال استهزاء وإعلام أنهم لم يلتفتوا إلى قوله، ولو كان سؤال بحث عما لم يفهموه لم يكن كذلك، على أن عدم الفهم دليل قلة الاكتراث بقوله. ثم مدح أهل الحق بقوله {والذين اهتدوا} بالإيمان {زادهم} الله {هدى} بالتوفيق والتثبيت وشرح الصدر ونور اليقين {وآتاهم تقواهم} أعانهم عليها أو أعطاهم جزاء تقواهم. وعن السدي: بين لهم ما يتقون. وقيل: الضمير في {زادهم} للاستهزاء أو لقول الرسول صلى الله عليه وسلم. ثم خوف أهل الكفر والنفاق باقتراب القيامة. وقوله {أن تأتيهم} بدل اشتمال من {الساعة} وأشراط الساعة إماراتها من انشقاق القمر وغيره. ومنه مبعث محمد صلى الله عليه وسلم فإنه نبي آخر الزمان ولهذا قال "حديث : بعثت أنا والساعة كهاتين" تفسير : وأشار بالسبابة والوسطى {فأنى لهم} من أين لهم {إذا جاءتهم} الساعة {ذكراهم} أي لا ينفعهم تذكرهم وإيمانهم حينئذ فالذكرى مبتدأ و {أنى لهم} الخبر. وقيل: فاعل {جاءتهم} ضمير يعود إلى "الذكرى". وجوّز أن يرتفع "الذكرى" بالفعل والمبتدأ مقدر أي من أين لهم التذكر إذا جاءتهم الذكرى؟ والقول هو الأول ولله المرجع والمآب وإليه المصير.
الثعالبي
تفسير : قوله عزَّ وجلَّ: {ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَـٰلَهُمْ} {ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ}: إشارةٌ إلَىٰ أَهْلِ مَكَّةَ الذين أَخْرَجُوا النبيَّ صلى الله عليه وسلم. وقوله: {وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَاتِ...} الآية: إشارةٌ إلى الأنصار الذين آووا، ونصروا، وفي الطائفتين نزلتِ الآيتان؛ قاله ابن عباس ومجاهد، ثم هي بَعْدُ تَعُمّ كُلَّ مَنْ دخل تحت ألفاظها. وقوله: {أَضَلَّ أَعْمَـٰلَهُمْ} أيْ: أَتْلَفَهَا، ولم يجعلْ لها نَفْعاً. * ت *: وقد ذكَرْنا في سورة «الصف» أنَّ اسم محمد صلى الله عليه وسلم لم يَتَسَمَّ به أحدٌ قبله إلاَّ قَوْمٌ قليلُونَ، رجاءَ أَنْ تكونَ النُّبُوَّةُ في أبنائهم، واللَّهُ أَعْلَمُ حيثُ يَجْعَلُ رسالاته، قال ابن القَطَّانِ: وعن خَلِيفَةَ وَالِدِ أَبِي سُوَيْدٍ قال: سألْتُ محمَّدَ بْنَ عَدِيِّ بن أبي رَبِيعَةَ: كيف سَمَّاكَ أبوك محمَّداً؟ قال: سأَلتُ أبي عَمَّا سَأَلْتَنِي عَنْهُ، فقال لي: كُنْتَ رَابِعَ أربعةٍ من بني غَنْمٍ أنا فيهم، وسفيانُ بْنُ مُجَاشِعِ بْنِ جَرِيرٍ، وأُمَامَةُ بْنُ هِنْدِ بْنِ خِنْدِف. ويزيدُ بنُ رَبِيعَةَ، فخرجْنا في سَفْرَةٍ نُرِيدُ ابنَ جَفْنَةَ مَلِكَ غَسَّانَ، فلما شارفنا الشام، نزلنا على غَدِيرٍ فيه شجراتٌ، وقُرْبَهُ شَخْصٌ نائمٌ، فتحدَّثْنَا فٱستمعَ كلاَمَنَا، فَأَشْرَفَ علَيْنَا، فقال: إنَّ هذه لُغَةٌ، ما هي لغة هذه البلاد، فقلنا: نَحْنُ قومٌ من مُضَرَ، فقال: مِنْ أَيَّ المُضَرِيِّينَ؟ قلنا: من خِنْدِف، قال: إنَّهُ يُبْعَثُ فيكم خاتَمُ النبيِّين، فَسَارِعُوا إلَيْه، وخُذُوا بحظِّكُمْ منه تَرْشُدُوا، قلنا: ما ٱسْمُه؟ قال: محمَّد، فَرَجَعْنَا، فَوُلِدَ لِكُلِّ واحدٍ مِنَّا ابْنٌ سَمَّاه محمَّداً، وذكره المدائنيُّ، انتهى. وقوله تعالى في المؤمنين: {وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ} قال قتادة: معناه: حالهم، وقال ابن عباس: شأنهم. وتحريرُ التفسيرِ في اللفظة أَنَّها بمعنى الفِكْرِ والموضعِ الذي فيه نظرُ الإنْسَانِ، وهو القلب، فإذا صَلُحَ ذلك منه، فقد صَلُحَ حالُهُ، فكأَنَّ اللفظة مُشِيرَةٌ إلى صلاح عقيدتهم، وغيرُ ذلك من الحال تَابِعٌ، فقولك: خَطَرَ في بالي كذا، وقولك: أصْلَحَ اللَّهُ بَالَكَ: المرادُ بهما واحدٌ؛ ذكره المُبَرِّدُ،، والبَالُ: مصدر كالحال والشأن، ولا يُسْتَعْمَلُ منه فِعْلٌ، وكذلك عُرْفُهُ لا يُثَنَّىٰ ولا يُجْمَعُ، وقد جاء مجموعاً شاذًّا في قولهم: «بَالاَت». و{ٱلْبَـٰطِلَ} هنا: الشيطانُ، وكُلُّ ما يأمر به؛ قاله مجاهد، و{ٱلْحَقَّ} هنا: الشَّرْعُ ومحمَّد ـــ عليه السلام ـــ. وقوله: {كَذٰلِكَ يَضْرِبُ ٱللَّهُ}: الإشارة إلى الأتباع المذكورينَ من الفريقَيْنِ.
ابن عادل
تفسير : وقوله تعالى: {ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ...} أول هذه السورة مناسب لآخر السورة المتقدمة. والمراد بالذين كفروا قيل: هم الذين كانوا يطعمون الجيش يوم بدر، منهم أبو جهل والحارث بن هشام، وعتبة وشيبة ابنا ربيعة وغيرهم. وقيل: كفار قريش. وقيل: أهل الكتاب. وقيل: كل كافر. ومعنى صَدِّهِمْ عن سبيل الله، قيل: صدوا أنفسهم عن السَّبيل، ومنعوا عقولهم من اتِّباع الدليل. وقيل: صدوا غيرهم وَمَنَعُوهُم. قوله: {ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} يجوز فيه الرفع على الابتداء والخبر الجملة من قوله: {أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ} ويجوز نصبه على الاشتغال بفعل مقدر يفسره "أضل" من حيث المعنى، أي خَيَّبَ الَّذينَ كَفَرُوا. قوله: {أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ} أي أبطلها فلم يقبلها وأراد بالأعمال ما فعلوا من إطعام الطعام، وصلةِ الأرحام, قال الضحاك: أبطل كيدهم ومكرهم بالنبيِّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ وجعل الدائرة عليهم. قوله: {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ} يجوز فيه الوجهان المتقدمان، وتقدير الفعل: "رَحِمَ الَّذِينَ آمَنُوا". قوله: {وَآمَنُواْ بِمَا نُزِّلَ عَلَىٰ مُحَمَّدٍ} والعامة على بناء الفعل نزل للمفعول مشدداً، وزيد بن علي وابنُ مِقْسِم نَزَّلَ مبنيًّا للفاعل وهو اللهُ، والأعمش أُنْزِلَ بهمزة التعدية مبنياً للمفعول. وقرىء: نَزَلَ ثلاثياً مبنياً للفاعل. قال سفيان الثوري: لم يخالفوه في شيء. قال ابن عباس: "الذين كفروا وصدوا" مشركُوا مكَّةَ والذين آمنوا وعملوا الصالحات الأَنْصَارُ. قوله: {وَهُوَ ٱلْحَقُّ} جملة معترضة بين المبتدأ والخبر المفسَّر والمفسِّر. قوله: {كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ} حالهم. وتقدم تفسير "البال" في طه. قال ابن عباس ـ (رضي الله عنه ـ): معنى: أصلح، أي عَصَمَهُمْ أيَّامَ حَيَاتِهِمْ يعني أن هذا الإصلاحَ يعود إلَى صلاح أعمالهم حتَّى لا يَعْصُوا. فصل قالت المعتزلة: تكفير السيئات مرتّب على الإيمان، والعمل الصالح، فمن آمن ولم يعمل صالحاً يبقى في العذاب خالداً. والجواب: لو كان كما ذكرتم لكان الإضلال مرتباً على الكفر والصّد، فمن يكفر لا ينبغي أن تضل أعماله. أو نقول: إن الله تعالى رتَّب أمرين فمن آمن كفر سيئاته، ومن عمل صالحاً أصلح باله. أو نقول: أي مؤمنٍ يتصور غير آت بالصالحات بحيث لا يصدر عنه صلاة ولا صيام ولا صدقة ولا طعام، وعلى هذا فقوله: "وعَملُوا" من عطف المسببِ على السبب كقول القائل: أَكَلْتُ كَثِيراً وشَبِعْتُ. فإن قيل: ما الحكمة في قوله: "وآمنوا بما نُزّل على محمد" مع أن قوله: "آمنوا وعملوا الصالحات" أفاد هذا المعنى؟. فالجواب: من وجوه: الأول: قوله: "الذين آمنوا" أي الله ورسوله، واليوم الآخر، وقوله: "آمَنُوا بِمَا نزل" أي بجميع الأشياء الواردة في كلام الله ورسوله تعميماً بعد أمور خاصة كقولنا: خلق الله السموات والأرض وكل شيء إما على معنى وكل شيء غير ما ذكرنا، وإما على العموم بعد ذكر الخصوص. والثاني: أن يكون المعنى آمنوا من قبل بما نزل على محمد "وهُوَ الحَقُّ" المعجز الفارق بين الكاذب والصادق يعني آمنوا أولاً بالمعجز، وأيقنوا أن القرآن لا يأتي به غير الله فآمنوا وعملوا الصالحات والواو للجمع المطلق. (و) يجوز أن يكون المتأخر ذكراً متقدماً وقوعاً، وهذا كقول القائل آمن به وكان الإيمان به واجباً ويكون بياناً لإيمانهم، كأنه قال: آمنوا وآمنوا بما نزل على محمد أي آمنوا وآمنوا بالحق كقول القائل: خرجتُ وخرجت مصيباً أي وكان خروجي جيداً، حيث نجوت من كذا أو ربحت كذا، فكذلك لما قال آمنوا بين أن إيمانهم كان بما أمر الله وأنزل الله لا بما كان باطلاً من عند غير الله. قوله: "ذلك" فيه وجهان: أظهرهما: أنه مبتدأ والخبر الجار بعده. الثاني: ـ قال الزمخشري ـ: أنه خبر مبتدأ مضمر، أي الأمر ذلك بسبب كذا. فالجار في محلِّ نصب قال أبو حيان: ولا حاجة إليه. قوله: {بِأَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱتَّبَعُواْ ٱلْبَاطِلَ} أي الشيطان. وقيل: قول كبرائهم، ودين آبائهم {ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّبَعُواْ ٱلْحَقَّ مِن رَّبِّهِمْ} يعني القرآن. وقيل: الحق هو الله تعالى: وعلى هذا فلا يكون قوله: "من ربهم" متعلقاً بالحق وإنما يتعلق بقوله تعالى: {ٱتَّبَعُواْ} أي اتبعوا من ربهم، أو من فضل الله أو هداية ربهم اتبعوا بالحق؛ وهو الله تعالى. ويحتمل أن يقال: قوله: {مِن رَّبِّهِمْ} عائد إلى الفريقين جميعاً، أي من ربهم اتبع هؤلاء الباطل، وهؤلاء الحق، وأي من حكم ربهم ومن عند ربهم. قوله: "كذلك يضرب" خرجه الزمخشري على مثل ذلك الضرب يضرب الله للناس أمثالهم (والضمير راجع إلى الفريقين أو إلى الناس على معنى أنه يضرب أمثالهم) لأجل الناس ليعتبروا (انتهى). فصل قال الزجاج: معناه كذلك بين الله أمثال حسنات المؤمنين وإضلال أعمال الكافرين. والمراد بالأمثال الأشكال. وقيل: بين كون الكافر متبعاً للباطل وكون المؤمن متبعاً للحق. والضمير في قوله {أَمْثَالَهُمْ} فيه وجهان: أحدهما: أنه يعود إلى الناس، كأنه تعالى قال: يضرب للناس أمثال أنْفُسِهِمْ. والثاني: يعود إلى الفريقين السابقين، والمعنى يضرب الله للناس أمثال الفريقين السَّابقين.
البقاعي
تفسير : فقال سبحانه وتعالى: {الذين كفروا} أي ستروا أنوار الأدلة فضلوا على علم {وصدوا} أي امتنعوا بأنفسهم ومنعوا غيرهم لعراقتهم في الكفر {عن سبيل الله} أي الطريق الرحب المستقيم الذي شرعه الملك الأعظم {أضل} أي أبطل إبطَّالاً عظيماً يزيل العين والأثر {أعمالهم *} التي هي أرواحهم المعنوية وهي كل شيء يقصدون به نفع أنفسهم من جلب نفع أو دفع ضر بعد أن وفر سيئاتهم وأفسد بالهم، ومن جملة أعمالهم ما يكيدونكم به لأنها إذا ضلت عما قصدوا بها بجعله سبحانه لها ضالة ضائعة هلكت من جهة أنها ذهبت في المهالك ومن جهة أنها ذهبت في غير الجهة التي قصدت لها فبطلت منفعتها المقصودة منها فصارت هي باطلة فأذهبوا أنتم أرواحهم الحسية بأن تبطلوا صورهم وأشباحهم بأن تقطعوا أوصالهم وأنتم في غاية الاجتراء عليهم، فإن ربهم الذي أوجدهم قد أبطلهم وأذن لكم في إبطالهم، فإنه قد علم أن لا صلاح لهم والمؤذي طبعاً يقتل شرعاً، فمن قدرتم على قتله فهو محكوم بكفره، محتوم بخيبته وخسره. وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: لما انبنت سورة الأحقاف على ما ذكر من مآل من كذب وافترى وكفر وفجر، وافتتحت السورة بإعراضهم، ختمت بما قد تكرر من تقريعهم وتوبيخهم، فقال تعالى: {أوَلَم يروا أن الله الذي خلق السماوات والأرض ولم يعي بخلقهن بقادر على أن يحيي الموتى} أي لو اعتبروا بالبداءة لتيسر عليهم أمر العودة، ثم ذكر عرضهم على النار إلى قوله {فهل يهلك إلا القوم الفاسقون} فلما ختم بذكر هلاكهم، افتتح السورة الأخرى بعاجل ذلك اللاحق لهم في دنياهم فقال تعالى: {فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق فإما منّاً بعد وإما فداء حتى تضع الحرب أوزارها} الآية بعد ابتداء السورة بقوله {الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله أضل أعمالهم} فنبه على أن أصل محنتهم إنما هو بما أراده تعالى بهم في سابق علمه ليعلم المؤمنون أن الهدى والضلال بيده، فنبه على الطريقين بقوله {أضل أعمالهم} وقوله في الآخر {كفر عنهم سيئاتهم وأصلح بالهم} ثم بين أنه تعالى لو شاء لانتصر منهم ولكن أمر المؤمنين بقتالهم ابتلاء واختباراً، ثم حض المؤمنين على ما أمرهم به من ذلك فقال: {إن تنصروا الله ينصركم} ثم التحمت الآي - انتهى. ولما ذكر أهل الكفر معبراً عنهم بأدنى طبقاتهم ليشمل من فوقهم، ذكر أضدادهم كذلك ليعم من كان منهم من جميع الفرق فقال تعالى: {والذين آمنوا} أي أقروا بالإيمان باللسان {وعملوا} تصديقاً لدعواهم ذلك {الصالحات} أي الأعمال الكاملة في الصلاة بتأسيسها على الإيمان. ولما كان هذا الوصف لا يخص أتباع محمد صلى الله عليه وسلم، خصهم بقوله تعالى: {وآمنوا} أي مع ذلك. ولما كان بعضهم كحيي بن أخطب ومن نحا نحوه قد طعن في القرآن بنزوله منجماً مع أن التوراة ما نزلت إلا كذلك، وليس أحد منهم يقدر أن ينكره قال: {بما نزل} أي ممن لا منزل إلا هو منجماً مفرقاً ليجددوا بعد الإيمان به إجمالاً الإيمان بكل نجم منه {على محمد} النبي الأمي العربي القرشي المكي ثم المدني الذي يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل صلى الله عليه وسلم، ولما كان هذا معلماً بأن كل إيمان لم يقترن بالإيمان به صلى الله عليه وسلم لم يعتد به، اعترض بين المبتدأ وجوابه بما يفهم علته حثاً عليه وتأكيداً له فقال تعالى: {وهو} أي هذا الذي نزل عليه صلى الله عليه وسلم مختص بأنه {الحق} أي الكامل في الحقية لأن ينسخ ولا ينسخ كائناً {من ربهم} المحسن إليهم بإرساله، أما إحسانه إلى أمته فواضح، وأما سائر الأمم فبكونه هو الشافع فيهم الشفاعة العظمى يوم القيامة، وأمته هي الشاهدة لهم. ولما ثبت بهذا أنهم أحق الناس بالحق، بين ما أثمر لهم ذلك دالاً على أنه لا يقدر أحد أن يقدر الله حق قدره، فلا يسع الخلق إلا العفو لأنهم وإن اجتهدوا في الإصلاح بدا لهم لنقصانهم من سيئات أو هفوات فقال تعالى: {كفَّر} أي غطى تغطية عظيمة {عنهم} في الدارين بتوبتهم وإيمانهم لأن التوبة تجب ما كان قبلها كالإيمان {سيئاتهم} أي الأعمال السيئة التي لحقتهم قبل ذلك بما يظهر لهم من المحاسن وهدى أعمالهم. ولما كان من يعمل سوءاً يخاف عاقبته فيتفرق فكره، إذ لا عشية لخائف قال تعالى: {وأصلح بالهم *} أي موضع سرهم وفكرهم بالأمن والتوفيق والسداد وقوة الفهم والرشاد لما يوفقهم له من محاسن الأعمال ويطيب به اسمهم في الدارين، قال ابن برجان: وإذا أصلح ذلك من العبد صلح ما يدخل إليه وما يخرج عنه وما يثبت فيه، وإذا فسد فبالضد من ذلك. ولذلك إذا اشتغل البال لم ينتفع من صفات الباطن بشيء، وقد علم أن الآية من الاحتباك: ذكر ضلال الكفار أولاً دليلاً على إرادة الهدى للمؤمنين ثانياً، وإصلاح البال ثانياً دليلاً على حذف إفساده أولاً. ولما كان الجزاء من جنس العمل، علل ما تقدم من فعله بالفريقين بقوله: {ذلك} أي الأمر العظيم الذي ذكر هنا من جزاء الطائفتين {بأن} أي بسبب أن {الذين كفروا} أي ستروا مرائي عقولهم {اتبعوا} أي بغاية جهدهم ومعالجتهم لما قادتهم إليه فطرهم الأولى {الباطل} من العمل الذي لا حقيقة له في الخارج يطابقه، وذلك هو الابتداع والميل مع الهوى إيثاراً للحظوظ فضلوا {وأن الذين آمنوا} أي ولو كانوا في أقل درجات الإيمان {اتبعوا} أي بغاية جهدهم متابعين لما تدعو إليه الفطرة الأولى مخالفين لنوازع الشهوات ودواعي الحظوظ على كثرتها وقوتها {الحق} أي الذي له واقع يطابقه وذلك هو الحكمة وهي العمل بموافقة العلم وهو معرفة المعلوم على ما هو عليه {من ربهم} الذي أحسن إليهم بإيجادهم وما سببه من حسن اعتقادهم فاهتدوا. ولما علم من هذا أن باطن حال الذين كفروا الباطل، وباطن حال الذين آمنوا الحق، وتقدم في البقرة أن المثل هو ما يتحصل في باطن الإدراك من حقائق الأشياء المحسوسة، فيكون ألطف من الشيء المحسوس، وأن ذلك هو وجه الشبه، علم أن مثل كل من الفريقين ماعلم من باطن حاله فمثل الأول الباطل ومثل الثاني الحق، فلذلك قال سبحانه استئنافاً جواباً لمن كأن قال لما أدركه من دهش العقل لما راعه من علو هذا المقال: هل يضرب مثل مثل هذا: {كذلك} أي مثل هذا الضرب العظيم الشأن {يضرب الله} أي الذي له الإحاطة بجميع صفات الكمال {للناس} أي كل من فيه قوة الاضطراب والحركة {أمثالهم *} أي أمثال أنفسهم وأمثال الفريقين المتقدمين أو أمثال جميع الأشياء التي يحتاجون إلى بيان أمثالها مبيناً لها مثل هذا البيان ليأخذ كل واحد من ذلك جزاء حاله، فقد علم من هذا المثل أن من اتبع الباطل أضل الله عمله ووفر سيئاته وأفسد باله، ومن اتبع الحق عمل به ضد ذلك كائناً من كان، وهو غاية الحث على طلب العلم في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم والعمل بهما.
السيوطي
تفسير : أخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه عن ابن عباس في قوله {الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله أضل أعمالهم} قال: هم أهل مكة قريش نزلت فيهم {والذين آمنوا وعملوا الصالحات} قال: هم أهل المدينة الأنصار {وأصلح بالهم} قال: أمرهم. وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله {أضل أعمالهم} قال: كانت لهم أعمال فاضلة لا يقبل الله مع الكفر عملاً. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة {وأصلح بالهم} قال: أصلح حالهم. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في قوله {وأصلح بالهم} قال: شأنهم. وفي قوله {وذلك بأن الذين كفروا اتبعوا الباطل} قال: الشيطان.
ابو السعود
تفسير : سورة محمد صلى الله عليه وسلم، وتسمى القتال مدنية وقيل مكية، وآيها تسع أو ثمان وثلاثون {ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ} أي أعرضُوا عن الإسلامِ وسلوكِ طريقةِ، منْ صَدَّ صُدوداً، أو منعُوا النَّاسَ عن ذلكَ مِنْ صدَّهُ صَدَّاً كالمُطعمينَ يومَ بدرٍ وقيلَ: هُم اثنا عشرَ رجُلاً من أهلِ الشركِ كانُوا يصدُّونَ الناسَ عن الإسلامِ ويأمرونَهُم بالكفرِ، وقيلَ أهلُ الكتابِ الذينَ كفرُوا وصدُّوا مَنْ أرادَ منْهم ومن غيرِهم أنْ يدخلَ في الإسلامِ، وقيلَ: هو عامٌّ في كلِّ مَن كفرَ وصدَّ {أَضَلَّ أَعْمَـٰلَهُمْ} أي أبطلَها وأحبطَها وجعلَها ضائعةً لا أثرَ لَها أصلاً، لكنْ لا بمعنى أنَّه أبطلَها وأحبطَها بعد أنْ لم تكُنْ كذلك بلْ بمَعْنى أنَّه حكَم ببطلانِها وضياعِها، فإنَّ ما كانُوا يعملونَ من أعمالِ البرِّ كصلةِ الأرحامِ وقِرَى الأضيافِ وفكِّ الأُسارَى وغيرِها من المكارمِ ليسَ لها أثرٌ منْ أصلِها لعدمِ مقارنتِها للإيمانِ أو أبطلَ ما عملوا من الكيدِ لرسولِ الله صلى الله عليه وسلم والصدِّ عن سبـيلِه بنصرِ رسوله وإظهارِ دينِه على الدِّينِ كُلِّه، وهُو الأوفقُ لما سيأتِي من قولِه تعالى: { أية : فَتَعْساً لَّهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَـٰلَهُمْ} تفسير : [سورة محمد، الآية 8]. وقولُه تعالى: {فَإِذَا لَقِيتُمُ} [سورة محمد، الآية 4] الخ. {وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَاتِ} قيلَ: هم ناسٌ من قُريشٍ وقيلَ: من الأنصارِ وقيلَ: هُم مُؤمنو أهلِ الكتابِ وقيلَ: عامٌّ للكُلِّ {وَءامَنُواْ بِمَا نُزِّلَ عَلَىٰ مُحَمَّدٍ} خُصَّ بالذكرِ الإيمانُ بذلكَ مع اندراجِه فيما قبلَهُ تنويهاً بشأنِه وتنبـيهاً على سُموِّ مكانِه منْ بـينِ سائرِ ما يجبُ الإيمانُ بهِ وأنه الأصلُ في الكُلِّ، ولذلكَ أُكِّدَ بقولِه تعالى {وَهُوَ ٱلْحَقُّ مِن رَّبّهِمْ} بطريقِ حصرِ الحقِّيةِ فيهِ، وقيلَ: حقِّيتُه بكونِه ناسخاً غيرَ منسوخٍ، فالحقُّ على هذا مقابلُ الزائلِ وعلى الأولِ مقابلُ الباطلِ، وأيَّاً ما كانَ فقولُه تعالى من ربِّهم حالٌ من ضميرِ الحقِّ. وقُرِىءَ نزَّلَ على البناءِ للفاعلِ، وأَنزلَ على البناءينِ، ونَزَلَ بالتخفيفِ {كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيّئَـٰتِهِمْ} أي سترَهَا بالإيمانِ والعملِ الصالحِ. {وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ} أي حالَهم في الدِّينِ والدُّنيا بالتأيـيدِ والتوفيقِ. {ذٰلِكَ} إشارةٌ إلى ما مرَّ من إضلالِ الأعمالِ وتكفيرِ السيئاتِ وإصلاحِ البالِ، وهو مبتدأٌ خبرُهُ قولُه تعالى: {بِأَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱتَّبَعُواْ ٱلْبَـٰطِلَ وَأَنَّ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ ٱتَّبَعُواْ ٱلْحَقَّ مِن رَّبِّهِمْ} أيْ ذلكَ كائنٌ بسببِ أنَّ الأولينَ اتَّبعُوا الشيطانَ كما قالَهُ مجاهدٌ ففعلُوا ما فعلُوا منَ الكفرِ والصدِّ، فبـيانُ سببـيةِ اتباعِه للإضلالِ المذكورِ متضمنٌ لبـيانِ سببـيتِهما له لكونِه أصلاً مُستتبعاً لهما قطعاً وبسببِ أنَّ الآخرينَ اتبعُوا الحقَّ الذي لا محيدَ عنه كائناً من ربِّهم ففعلُوا ما فعلُوا من الإيمانِ به وبكتابِه ومن الأعمالِ الصالحة فبـيانُ سببـيةِ اتِّباعِه لما ذُكرَ من التكفيرِ والإصلاحِ بعدَ الإشعارِ بسببـيةِ الإيمانِ والعملِ الصَّالحِ له متضمنٌ لبـيانِ سببـيتِهما له لكونِه مبدأً ومنشأً لهما حتماً فلا تدافُعَ بـينَ الإشعارِ والتصريحِ في شيءٍ من الموضعينِ ويجوزُ أن يُحملَ الباطلُ على ما يُقابلُ الحقَّ وهو الزائلُ الذاهبُ الذي لا أصلَ له أصلاً فالتَّصريحُ بسببـيةِ اتباعهِ لإضلالِ أعمالِهم وإبطالِها لبـيانِ أنَّ إبطالَها لبطلانِ مبناها وزوالِه، وأما حملُه على ما لا يُنتفعُ به فليسَ كَما ينبغِي لِما أنَّ الكفرَ والصدَّ أفحشُ منه فلا وجَه للتصريحِ بسببـيتِه لما ذُكر من إضلالِ أعمالِهم بطريقِ القصرِ بعدَ الإشعارِ بسببـيتِهما له فتدبر. ويجوزُ أنْ يرادَ بالباطلِ نفسُ الكفرِ والصدِّ وبالحقِّ نفسُ الإيمانِ والأعمالِ الصالحةِ، فيكونُ التنصيصُ على سببـيتِهما لما ذُكَرَ من الإضلالِ ومن التكفيرِ والإصلاحِ تصريحاً بالسببـيةِ المُشعرِ بَها في المَوقعينِ {كَذٰلِكَ} أي مثلَ ذلكَ الضربِ البديعِ {يَضْرِبُ ٱللَّهُ} أيْ يبـينُ {لِلنَّاسِ أَمْثَـٰلَهُمْ} أي أحوالَ الفريقينِ وأوصافَهما الجاريةَ في الغرابةِ مَجْرى الأمثالِ وهي اتباعُ الأولينِ الباطلَ وخيبتُهم وخُسرانُهم واتباعُ الآخرينَ الحقَّ وفوزُهم وفلاحُهم والفاءُ في قولِه تعالى {فَإِذَا لَقِيتُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} لترتيبِ مَا في حيزِها من الأمرِ على ما قبلها فإنَّ ضلالَ أعمالِ الكفرةِ وخيبتَهم وصلاحَ أحوالِ المؤمنينَ وفلاحَهم، ممَّا يُوجبُ أنْ يرتّب على كلَ من الجانبـينِ ما يليقُ به من الأحكامِ أيْ فإذَا كانَ الأمرُ كما ذُكِرَ فإذَا لقيتُموهم في المُحاربةِ {فَضَرْبَ ٱلرّقَابِ} أصلُه فاضربُوا الرقابَ ضرباً فحُذفَ الفعلُ وقُدِّمَ المصدرُ وأُنيبَ مُنابَهُ مُضافاً إلى المفعولِ، وفيِه اختصارٌ وتأكيدٌ بليغٌ، والتعبـيرُ به عن القتلِ تصويرٌ له بأشنعِ صورةٍ وتهويلٌ لأمرِه وإرشادٌ للغزاةِ إلى أيسرَ ما يكونُ منْهُ. {حَتَّىٰ إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ} أي أكثرتُم قتلَهم وأغلظتمُوه، من الشيءِ الثخينِ وهو الغليظُ أو أثقلتمُوهم بالقتلِ والجراحِ حتَّى أذهبتُم عنهُم النهوضَ. {فَشُدُّواْ ٱلْوَثَاقَ} فأْسِرُوهم واحفظُوهم، والوَثاقُ اسمٌ لما يُوثقُ بهِ وكذا الوثاقُ بالكسرِ، وقَدْ قُرِىءَ بذلكَ. {فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاء} أيْ فإمَّا تمنونَ منًّا بعد ذلكَ أو تفْدونَ فداءً. والمَعْنى التخيـيرُ بـين القتلِ والاسترقاقِ والمنِّ والفداءِ وهذا ثابتٌ عند الشافعيِّ رحمه الله تعالى وعندنَا منسوخٌ، قالُوا نزلَ ذلكَ يومَ بدرٍ، ثُمَّ نُسخَ والحكمُ إما القتلُ أو الاسترقاقُ. وعن مجاهدٍ ليسَ اليومَ منٌّ ولا فداءٌ إنما هُو الإسلامُ أو ضربُ العنقِ، وقُرِىءَ فداً كعَصَا. {حَتَّىٰ تَضَعَ ٱلْحَرْبُ أَوْزَارَهَا} أوزارُ الحربِ آلاتُها وأثقالُها التي لا تقومُ إلا بَها من السلاحِ والكُراعِ. وأُسندَ وضعُها إليها وهو لأهلِها إسناداً مجازياً، وحتَّى غايةٌ عندَ الشافعيِّ لأحدِ الأمورِ الأربعةِ أو للمجموعِ. والمَعْنى أنَّهم لا يزالونَ على ذلكَ أبداً إلى أنْ لا يكونَ مع المشركينَ حربٌ بأن لا تبقى لهم شوكةٌ، وقيلَ بأنْ ينزلَ عيسى عليه السلامُ وأما عند أبـي حنيفةَ رحمه الله تعالى فإنْ حُملَ الحربُ على حربِ بدرٍ فهي غايةٌ للمنِّ والفداءِ والمعنى يُمنُّ عليهم ويُفادون حتى تضعَ حربُ بدرٍ أوزارَها، وإنْ حُملتْ على الجنسِ فهي غايةٌ للضربِ والشدِّ والمَعْنى أنهم يُقتلون ويؤسرون حتَّى يضع جنسُ الحربِ أوزارَها بأنْ لا يبقى للمشركين شوكةٌ. وقيلَ أوزارُها آثامُها أي حتَّى يتركَ المشركونَ شركَهم ومعاصيَهم بأنْ أسلمُوا. {ذٰلِكَ} أي الأمرُ ذلك أو افعلُوا ذلك {وَلَوْ يَشَاء ٱللَّهُ لاَنْتَصَرَ مِنْهُمْ} لانتقمَ منُهم ببعضِ أسبابِ الهلكةِ والاستئصالِ {وَلَـٰكِنِ} لم يشأْ ذلك {لّيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ} فأمرَكم بالقتالِ وبلاكُم بالكافرينَ لتجاهدُوهم فتستوجبُوا الثوابَ العظيمَ بموجبِ الوعدِ والكافرين بكم ليعاجلَهم على أيديكُم ببعضِ عذابِهم كيْ يرتدعَ بعضُهم عن الكفرِ. {وَٱلَّذِينَ قُتِلُواْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ} أي استُشهدوا. وقُرِىءَ قاتلُوا أي جاهدُوا وقَتلُوا وقُتِلوا. {فَلَن يُضِلَّ أَعْمَـٰلَهُمْ} أي فلنْ يُضَيِّعَها. وقُرِىءَ يُضَلَّ أعمالُهم على البناءِ للمفعولِ. ويضِلَّ أعمالَهم من ضلَّ وعنْ قَتَادةَ أنَّها نزلتْ في يومِ أحدٍ.
التستري
تفسير : قوله تعالى: {ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ}[1] قال: أضلها في إطلاق القول بلا حقيقة معه.
السلمي
تفسير : قال سهل: كفروا بتوحيده وصدوا عن سبيل الإسلام بطل أعمالهم. قال بعضهم: من جحد نعم الله عليه عنده وسلك مسلك المدّعيين فى إطلاق القول بلا حقيقة ضل به عن سنن المتحققين.
القشيري
تفسير : { ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ}: امتنعوا، وصَدُّوا فَمُنِعُوا؛ فلأنهم امتنعوا عن سبيل الله استوجبوا الحَحْبَةَ والغيبة. {أَضَلَّ أَعْمَٰلَهُمْ}: أي أحبطها. {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ} بما نُزِّلَ على محمد، {وَهُوَ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ}. أصلح حالَهم، فالكفرُ للأعمالِ مُحْبِطٌ، والإيمان للتخليد مُسْقِط. ويقال: الذين اشتغلوا بطاعةِ اللَّهِ، ولم يعملوا شيئاً ما خَالَفَ اللَّهَ - فلا محالةَ - نقوم بكفاية اشتغالهم بالله.
البقلي
تفسير : ستر وانعم الله بنسبانهم عن ذكره وجهلهم بالمنعم وخاصموا اولياء الله وانكروا عليهم ابطل الله ما عملوا بالرياء وسمعة والنفاق قال سهل كفروا بتوحيد الله وصدوا من دين الاسلام بطل اعمالهم.
اسماعيل حقي
تفسير : {الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله} اى اعرضوا عن الاسلام وسلوك طريقه من صد صدودا فيكون كالتأكيد والتفسير لما قبله او منعوا الناس عن ذلك من صده صدا كالمطعمين يوم بدر فان مترفيهم اطعموا الجنود يستظهرون على عداوة النبى عليه السلام والمؤمنين فيكون مخصصا لعموم قوله الذين كفروا والظاهر انه عام فى كل من كفر وصد {اضل اعمالهم} اى ابطلها واحبطها وجعلها ضائعة لا اثر لها اصلا لا بمعنى انه بطلها واحبطها بعد أرلم تكن بذلك بل بمعنى انه حكم ببطلانها وضياعها فل ما كانوا يعملونه من اعمال البر كصلة لارحام وقرى لاصياف وفك الاسارى وغيرها من المكارم ليس لها اثر من اصلها لعدم مقارنتها للايمان وابطل ما عملوه من الكيد لرسول الله عليه السلام والصد عن سبيله بنصر رسوله واظهار دينه على الدين كله وهو الاوفق بقوله {أية : فتعسا لهم واضل اعمالهم} تفسير : وقوله تعالى {أية : فاذا لقيتم} تفسير : الخ
ابن عجيبة
تفسير : قلت: {الذين}: مبتدأ، و {أضل}: خبر، و {من ربهم}: من ضمير الحق، وجملة {وهو...} الخ: اعتراضية بين المبتدأ والخبر، و {ذلك}: مبتدأ، و {بأن}: خبر. يقول الحق جلّ جلاله: {الذين كفروا وصَدوا عن سبيل الله} أي: أعرضوا وامتنعوا عن الدخول في الإسلام، أو صدُّوا غيرهم عنه. قال الجوهري: صدّ عنه، يَصِدّ، صُدُوداً: أعْرَض، وصدَّهُ عن الأمر صَدّاً، مَنَعَه، وصَرَفه عنه. هـ. وهم المطعمون يوم بدر، أو: أهل الكتاب، كانوا يصدون مَن أراد الدخول في الإسلام، منهم ومن غيرهم، أو عام في كل مَن كفر وصدّ، فهؤلاء {أضلَّ أعمالهم} أي: أحبطها وأبطلها، أي: جعلها ضالة ضائعة، ليس لها مَن يتقبلها ويُثيب عليها، كضالة الإبل. وليس المعنى أنه أبطلها بعد أن لم تكن كذلك، بل بمعنى: أنه حكم ببطلانها وضياعها، فإنَّ ما كانوا يعملونه من أعمال البر، كصِلة الأرحام، وقِرى الضيف، وفك الأسارى، وغيرها من المكارم، ليس لها أثر من أصلها؛ لعدم الإيمان، أو: أبطل ما عملوا من الكيد برسول الله صلى الله عليه وسلم، والصد عن سبيله، بنصر رسوله، وإظهار دينه على الدين كله، وهو الأوفق بقوله:{أية : فَتَعْساً لَّهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ}تفسير : [محمد: 8]. {والذين آمنوا وعملوا الصالحات} قيل: هم ناس من قريش، وقيل: من الأنصار، وقيل: مَن آمن مِن أهل الكتاب، والمختار أنه عام، {وآمَنوا بما نُزِّل على محمد} صلى الله عليه وسلم، وهو القرآن، وخُصّ بالذكر من بين ما يجب الإيمان به؛ تنويهاً بشأنه، وتنبيهاً على سُمو مكانه من بين ما يجب الإيمان به، وأنه الأصل في الكل؛ ولذلك أكّده بقوله: {وهو الحق من ربهم} أي: القرآن: لكونه ناسخاً لغيره من الكتب، وقيل: دين محمد صلى الله عليه وسلم؛ إذ لا يرد عليه النسخ، وهو ناسخ لسائر الأديان، {كفَّر عنهم سيئاتهم} أي: ستر بالإيمان والعمل الصالح ما كان منهم من الكفر والمعاصي؛ لرجوعهم عنها بالتوبة {وأصلح بالهم} أي: حالهم وشانهم، بالتوفيق لأمور الدين، وبالتسليط على الدنيا، بما أعطاهم الله من النصرة والعزة والتمكين في البلاد. {ذلك بأن الذين كفروا اتَّبعوا الباطلَ وأنَّ الذين آمنوا اتَّبعوا الحق من ربهم} أي: ذلك الأمر، وهو إضلال أعمال أهل الكفر، وتفكير سيئات أهل الإيمان، وإصلاح شأنهم؛ كائن بسبب اتباع هؤلاء الباطلَ؛ وهو الشيطان، حيث فعلوا ما فعلوا من الكفر والصد، واتباع هؤلاء الحق، وهو القرآن، أو ما جاء به صلى الله عليه وسلم، أو يراد بالباطل: الزائل الذاهب من الدّين الفاسد، وبالحق: الدين الثابت، أو يراد بالباطل: نفس الكفر والصد، وبالحق: نفس الإيمان والأعمال الصالحة. {كذلك} أي: مثل الضرب البديع {يضرب اللّهُ} أي: يُبين {للناس أمثالهم} أي: أحوال الفريقين، وأوصافهما، الجارية في الغرابة مجرى الأمثال، وهو اتباع الأولين الباطلَ، وخيبتهم وخسرانهم، واتباع الآخرين الحقَّ، وفوزهم وفلاحهم، والضمير راجع إل الناس، أو إلى المذكورين من الفريقين، على معنى: أنه يضربُ أمثالهم لأجل الناس ليعتبروا بهم، وقد جعل اتباع الباطل مثلاً لعمل الكافرين، واتباع الحق مثلاً لعمل المؤمنين، أو جعل الإضلال مثلاً لخيبة الكفار، وتكفير السيئات مثلاً لفوز الأبرار. الإشارة: الذين كفروا بوجود الخصوصية، وصدُّوا الناسَ عنها؛ أبطل سيرهم إليه، فكلما ساروا رجعوا، والذين آمنوا الإيمان الكامل واتعبوا السنّة النبوية، ستر مساوئهم، وأصلح شأنهم، حتى صلحوا لحضرته. قال القشيري: الذين كفروا: امتنعوا، وصدُّوا: مَنَعوا، فلامتناعهم عن الله استوجبوا العقوبة، ولمنعهم الخلق عن الله استوجبوا الحَجْبَةَ. ثم قال في قوله: {وأصلح بالهم} فالكفر للأعمال مُحْبطٌ، والإيمان للخلود مُسْقِط، ويقال: الذين اشتغلوا بطاعة الله، ولم يعملوا شيئاً مما خالف اللّهَ - فلا محالة - يقوم الله بكفاية أشغالهم. هـ. وقوله تعالى: {ذلك بأنَّ الذين كفروا اتبعوا الباطل...} الآية، قال الورتجبي: اتبع الكفرة ما وقع في مخايلهم، من هواجس النفس، ووساوس الشيطان، ولا يقبلون طرائق الرشد من حيث الوحي والإلهام، وأنَّ الذين صدقوا في دين الله، وشاهدوا الله بالله، واتبعوا سنّة رسوله وخطابه، وما يقع في أسرارهم من النور والبيان، والإلهام والكلام، بنعت الإخلاص في طاعته، والأدب في خدمته والإعراض عن غيره، قال ابن عطاء: اتباع الباطل: ارتكاب الشهوات وأمالي النفس، واتباع الحق: اتباع الأوامر والسنن. هـ. قال القشيري: اتباع الحق بموافقة السنة، ومتابعة الجد في رعاية الحق وإيثار رضاه، والقيام بالطاعة، واتباع الباطل: الابتداع والعمل بالهوى، وإيثار الحظوظ وارتكاب المعصية. هـ. ثم أقرَّ بجهاد مَن كفر وصَدَّ، فقال: {فَإِذَا لَقِيتُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَضَرْبَ ٱلرِّقَابِ}.
الطوسي
تفسير : خمس آيات كوفي وست في ما عداه. قرأ اهل البصرة وحفص عن عاصم {والذين قتلوا} على ما لم يسم فاعله بضم القاف وكسر التاء. الباقون {قاتلوا} بألف من المفاعلة. وقرىء شاذاً {قتلوا} بفتح القاف وتشديد التاء. من قرأ بألف كان أعم فائدة، لأنه يدخل فيه من قتل. ومن قرأ بغير الف لم يدخل فى قراءته القاتل الذى لم يقتل وكلاهما لم يضل الله أعمالهم، فهو اكثر فائدة. ومن قرأ بغير الف خص هذه الآية بمن قتل. وقال: علم أن الله لم يضل اعمال من قاتل بدليل آخر ولأن من قاتل لم يضل عمله بشرط ألا يحبط عند من قال بالاحباط، وليس من قتل كذلك، لانه لا يضل الله أعمالهم على وجه بلا شرط، ولأنه لا يقتل إلا وقد قاتل فصار معناهما واحد. قال مجاهد عن ابن عباس إن قوله {الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله} نزلت فى أهله مكة. وقوله {والذين آمنوا وعملوا الصالحات} فى الانصار. يقول الله تعالى مخبراً بأن الذين جحدوا توحيد الله وعبدوا معه غيره وكذبوا محمداً نبيه صلى الله عليه وآله فى الذي جاء به وصدوا من أراد عبادة الله والاقرار بتوحيده وتصديق نبيه عن الدين، ومنعوه من الاسلام {أظل أعمالهم} ومعناه حكم الله على أعمالهم بالضلال عن الحق والعدول من الاستقامة وسماها بذلك لأنها عملت على غير هدى وغير رشاد. والصد عن سبيل الله هو الصرف عن سبيل الله بالنهي عنه والمنع منه. والترغيب في خلافه، وكل ذلك صد، فهؤلاء كفروا فى أنفسهم ودعوا غيرهم إلى مثل كفرهم، والضلال الاهلاك حتى يصير بمنزلة ما لم يعمل، وليس في الآية ما يدل على القول بصحة الاحباط إذا حملناها على ما قلناه. ومن قال بالتحابط بين المستحقين لا بد ان يترك ظاهر الآية. ثم قال {والذين آمنوا وعملوا الصالحات} يعني صدقوا بتوحيد الله والاقرار بنبوة نبيه واضافوا إلى ذلك الاعمال الصالحات {وآمنوا بما نزل على محمد} من القرآن والعبادات وغيرها {وهو الحق من ربهم} الذي لا مرية فيه {كفر الله عنهم سيئاتهم} وقوله {وهو الحق} يعني القرآن - على ما قاله قوم - وقال آخرون إيمانهم بالله وبالنبي صلى الله عليه وآله {هو الحق من ربهم} أي بلطفه لهم فيه وحثه عليه وأمره به. ومعنى تكفير السيئات هو الحكم باسقاط المستحق عليها من العقاب، فاخبر تعالى انه متى فعل المكلف الايمان بالله والتصديق لنبيه أسقط عقاب معاصيه حتى يصير بمنزلة ما لم يفعل. وقوله {وأصلح بالهم} قال قتادة: معناه وأصلح حالهم في معائشهم وأمر دنياهم. وقال مجاهد: واصلح شأنهم، والبال لا يجمع، لأنه ابهم أخواته من الحال والشأن. ثم بين تعالى لم فعل ذلك ولم قسمهم هذين القسمين فقال {ذلك بأن الذين كفروا} فعلنا ذلك بهم وحكمنا بابطال أعمالهم جزاء على انهم {اتبعوا الباطل} والمعاصي، وفعلنا بالمؤمنين من تكفير سيئاتهم لانهم {اتبعوا الحق} الذي أمر الله باتباعه. وقيل الباطل هو الشيطان - هٰهنا - والحق هو القرآن، ويجوز ان يكون التقدير الامر ذلك، وحذف الابتداء. ثم قال تعالى {كذلك يضرب الله للناس أمثالهم} أي هؤلاء الذين حكمنا بهلاكهم وضلالهم بمنزلة من دعاه الباطل فاتبعه، والمؤمن بمنزلة من دعاه الحق من الله فاتبعه ويكون التقدير يضرب الله للناس صفات أعمالهم بأن بينها وبين ما يستحق عليها من ثواب وعقاب. ثم خاطب تعالى المؤمنين فقال {فإذا لقيتم} معاشر المؤمنين {الذين كفروا} بالله وجحدوا ربوبيته من أهل دار الحرب {فضرب الرقاب} ومعناه اضربوهم على الرقاب، وهي الاعناق {حتى إذا أثخنتموهم} أي اثقلتموهم بالجراح وظفرتم بهم {فشدوا الوثاق} ومعناه احكموا وثاقهم فى الأمر. ثم قال {فإما مناً بعد وإما فداء حتى تضع الحرب أوزارها} ومعناه اثقالها. وقوله {فإما مناً بعد} نصب على المصدر والتقدير إما أن تمنوا مناً وإما أن تفدوا فداء، وقال قتادة وابن جريج: الآية منسوخة بقوله {أية : فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم} تفسير : وقوله {أية : فإما تثقفنهم في الحرب فشرد بهم من خلفهم} تفسير : وقال ابن عباس والضحاك: الفداء منسوخ. وقال ابن عمر والحسن وعطا وعمر ابن عبد العزيز: ليست منسوخة. وقال الحسن يكره أن يفادى بالمال، ويقال يفادي الرجل بالرجل، وقال قوم: ليست منسوخة، والامام مخير بين الفداء والمن والقتل بدلالة الآيات الاخر {حتى تضع الحرب أوزارها} أي اثقالها، وقال قتادة: حتى لا يكون مشرك. وقال الحسن: إن شاء الامام أن يستفد الاسير من المشركين، فله ذلك بالسنة، والذي رواه اصحابنا ان الاسير إن اخذ قبل انقضاء الحرب والقتال بأن تكون الحرب قائمة والقتال باق، فالامام مخير بين أن يقتلهم أو يقطع ايديهم وأرجلهم من خلاف ويتركهم حتى ينزفوا، وليس له المن ولا الفداء. وإن كان أخذ بعد وضع الحرب أوزارها وانقضاء الحرب والقتال كان مخيراً بين المن والمفادات. إما بالمال او النفس، وبين الاسترقاق، وضرب الرقاب، فان أسلموا فى الحالين سقط جميع ذلك وصار حكمه حكم المسلم. وقوله {ذلك} أي الذي حكمنا به هو الحق الذي يجب عليكم إتباعه {ولو يشاء الله لانتصر منهم} وأهلكهم بانزال العذاب عليهم {ولكن ليبلوا بعضكم ببعض} ويختبرهم ويتعبدهم بقتالهم إن لم يؤمنوا. ثم اخبر تعالى أن {الذين قتلوا في سبيل الله فلن يضل أعمالهم} قال قتادة هم الذين قتلوا يوم احد. ومن قرأ {قاتلوا} أراد قاتلوا سواء قتلوا او لم يقتلوا لن يهلك الله أعمالهم ولا يحكم بضلالهم وعدولهم عن الحق. ثم قال {سيهديهم} يعني إلى طريق الجنة {ويصلح بالهم} أي شأنهم او حالهم، وليس فى ذلك تكرار البال، لان المعنى يختلف، لان المراد بالاول انه يصلح حالهم فى الدين والدنيا وبالثاني يصلح حالهم فى النعيم، فالاول سبب النعيم، والثاني نفس النعيم.
الجنابذي
تفسير : {ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ} اعلم، انّ هذه السّورة ذكر فيها حال المؤمنين بعلىٍّ (ع) والجاحدين لولايته وان كانت الآيات بظواهر عامّة لكنّ المنظور منها ذلك كما نشير اليه فى مواقعه؛ فقوله الّذين كفروا ظاهره اعمّ من الكفر بالله او بالرّسول (ص) او بالآخرة او بعلىٍّ (ع) وولايته، لكنّ المقصود الكفر بالولاية بقرينة قوله صدّوا عن سبيل الله فانّ سبيل الله ليس الاّ الولاية سواءٌ جعل صدّوا بمعنى اعرضوا او منعوا {أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ} الّتى عملوها فى الاسلام، القمّى قال: نزلت فى اصحاب رسول الله (ص) الّذين ارتدّوا بعد رسول الله (ص) وغصبوا اهل بيته حقّهم، وصدّوا عن امير المؤمنين (ع) وعن ولاية الائمّة (ع).
الأعقم
تفسير : قيل: نزل قوله: {الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله} في المطعمين ببدر وكانوا عشرة، وقيل: هو عام في جميع الكفار، وقيل: الذين كفروا أهل مكة والذين آمنوا الأنصار {الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله} أعرضوا، وقيل: صدوا غيرهم عن دينه المؤدي إلى رضاه {والذين آمنوا وعملوا الصالحات وآمنوا بما نزل على محمد} من القرآن والشرائع فلم يخالفوه في شيء {وهو الحق من ربهم كفّر عنهم سيئاتهم} يعني كما أبطل أعمال الكفار كفر معاصي المؤمنين {وأصلح بالهم}، قيل: حالهم، وقيل: شأنهم، أي أصلح حالهم في الدارين {ذلك بأن الذين كفروا} أي فعلنا لكل واحد من الفريقين لأجل فعلهم جزاء لهم، والكافرون {اتبعوا الباطل} قيل الشيطان، وقيل: هو كل باطل من قول وعمل {والذين آمنوا اتبعوا الحق من ربهم} وهو القرآن {كذلك يضرب الله للناس أمثالهم} أي يريد بضرب الأمثال بياناً ووضوحاً، يعني أهل الحرب المصرّين على الحرب لأن أهل الذمة لا يجوز قتالهم وقتلهم، وكذلك من جاء مسترشداً وتائباً لا يجوز قتله.
الهواري
تفسير : تفسير سورة محمد صلى الله عليه وسلم، وهي مدنية كلها. {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ}. قوله عز وجل: {الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ} أي: سبيل الهدى، [يعني الإسلام] {أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ} أي: أحبط أعمالهم في الآخرة، أي: ما عملوا من حسن. قال: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ} أي: صدقوا بما نزّل على محمد، يعني القرآن {وَهُوَ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ} أي: غفرها لهم {وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ} أي: حالهم في الدنيا، جعلهم على الحق، يصلح به حالهم في الآخرة، أي: يدخلهم الجنة. قال: {ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْبَاطِلَ} أي: إبليس، اتبعو وساوسه بالذي دعاهم إليه من عبادة الأوثان. {وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِن رَّبِّهِمْ} أي: القرآن الذي جاء به محمد عليه السلام {كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ} أي يبيّن للناس {أَمْثَالَهُمْ} أي: صفات أعمالهم. قوله: {فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ}. ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث سرية إلى حي فأصابوهم، فصعد رجل منهم شجرة ملتفّة أغصانها. قال الذي حضر: قطعناها فلا شيء، ورميناها فلا شيء. قال: فجاءوا بنار فأضرموا بها تلك الشجرة، فخر الرجل ميتاً. فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم [فتغيّر وجهه تغيراً شديداً] ثم قال: حديث : إني لم أبعث لأعذب بعذاب الله، ولكني بعثت بضرب الأعناق وشدّ الوثاق . تفسير : ذكر الحسن عن معاذ بن جبل قال: حديث : بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إن أمكنك الله من فلان فأحرقه بالنار. قال: فلما وليت قال: ردوه علي. فرجعت، فقال: أمرتك أن أمكنك الله من فلان أن تحرقه بالنار؟ قلت: نعم. قال: إني قلته وأنا غضبان، إنه ليس لأحد أن يعذب بعذاب الله، فإن قدرت فاضرب عنقه . تفسير : قوله: عز وجل: {فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاء حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا} فيها تقديم، يقول: فإذا لقيتم الذين كفَروا فضرب الرّقاب حتى تضع الحرب أوزارها، أي حتى ينزل عيسى بن مريم فيقتل الدّجّال، ويكسر الصّليب ويقتل الخنزير، وتضع الحرب أوزارها. ذكروا عن معاوية قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: حديث : من يرد الله به خيراً يفقّهه في الدين. ولا تزال عصابة من المسلمين يقاتلون على الحق من ناوأهم إلى يوم القيامة . تفسير : وتفسير الحسن: {حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا} أي: ذنوبها، أي: شركها. يريد قوله: (أية : وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ) تفسير : [البقرة:193] اي: حتى لا يكون شرك. هذا في مشركي العرب. وأما أهل الكتاب فإذا أقرّوا بالجزية قُبِلت منهم وكُفَّ عنهم القتال. كذلك جميع المشركين إلا مشركي العرب، إلا من كان دخل في أهل الكتاب منهم قبل أن يؤمر بقتال أهل الكتاب، حتى يسلموا أو يقرّوا بالجزية. قال: {حَتَّى إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ} وهذا في الأسرى. {فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاء}. لم يكن لهم حين نزلت هذه الآية إذا أخذوا أسيراً إلا أن يفادُوه أو يُمنّوا عليه فيرسلوه. وهي منسوخة؛ نسختها: {فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِم مَّنْ خَلْفَهُمْ} أي: عظ بهم من سواهم (أية : لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ) تفسير : [الأنفال:57]. فإن شاء الإمام قتل الأسارى، وإن شاء جعلهم غنيمة، وإن شاء أفدى، وأما المنّ بغير فداء فليس له ذلك. قال بعضهم: لا ينتقم منهم له. قال: {ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاء اللَّهُ لاَنتَصَرَ مِنْهُمْ} يعني بغير قتال؛ يبتلى به المؤمنين والنبي عليه السلام. قال: {وَلَكِن لِّيَبْلُوَ بَعْضَكُم بِبَعْضٍ} أي: يبتلي بعضكم ببعض. قال: {وَالَّذِينَ قَتَلُوا} وهي تقرأ على وجه آخر: (قُتِلُوا) {فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَن يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ} أي: فلن يحبط أعمالهم. {سَيَهْدِيهِمْ} تفسير الحسن: يحقق لهم الهدى {وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ} وهي مثل الأولى. {وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ}. تفسير مجاهد: إنهم يعرفون منازلهم في الجنة إذا جاءوا إلى الجنة. وتفسير الحسن: يعرفون الجنة بالصفة التي وصفها الله لهم في الدنيا.
اطفيش
تفسير : بسم الله الرحمن الرحيم {الَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ} أعرضوا بأنفسهم أو صدوا غيرهم* {عَن سَبِيلِ اللهِ} عن الايمان والعمل به وهم كفار مكة* {أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ} جعلها ضالة وهي كيدهم للنبي صلى الله عليه وسلم أبطله وجعل الدائرة عليهم فهو مغمور بكيد الله غائب فيه كما يضل الماء في اللبن وعليه الضحاك وقال مقاتل اثنا عشر رجلاً من المشركين يصدون الناس وقيل الذين يطعمون الجيش يوم بدر رؤساء قريش أبو جهل والحارث بن هشام وعتبة وشيبة ابنا ربيعة وغيرهم. وعليه ابن عباس وقيل أهل الكتاب وقيل كل مشرك وقيل أعمالهم مثل الاطعام وصلة الارحام وفك الاسير واجارة المستجير و{أَضَلَّ} الله {أََعْمَالَهُمْ) لم يتقبلها وجعلها غائبة في كفرهم مغمورة به ولا تنفع مع الكفر وقيل لريائهم بها والصحيح لكفرهم أوله ولريائهم وقيل أول السورة متعلق بآخر السورة قبلها أي الفاسقون هم الذين كفروا أبطل أعمالهم لريائهم بها
اطفيش
تفسير : {الذين كَفَروا} بالقرآن عموما، وبرسول الله صلى الله عليه وسلم {وصَدوا} من الصدود، وهو لازم ومعناه العارض أى أعرضوا {عَن سَبِيل الله} لم يعلموا بما أمروا بعمله، ولم ينتهوا عما نهوا عنه من الأقوال والأفعال، ويدل على أنه من الصدود وهو لازم قوله تعالى: "أية : قل هذه سبيلي أدعو إلى الله" تفسير : [يوسف: 108] أى فأجيبونى اليها، أى لا تعرضوا عنها، مع قوله تعالى: "أية : والذين آمنوا وعملوا الصالحات"تفسير : [محمد: 2] أى لم يعرضوا فآمنوا وعملوا الصالحات، مقابل عن سبيل الله، وآمنوا بما نزل على محمد مقابل الذين كفروا، ويجوز أن يكون متعديا من الصد فحذف المفعول لعموم، أى صدوا كل من وجدوا، أى دعوه الى الاعراض عن سبيل الله، سواء طاوعهم أو لم يطاوعهم. ويدل على التعدى قول الضحاك: سبيل الله، بيت الله، كانوا يصدون من قصد بيت الله عنه ممن كرهوا، وأرادوا أخذ شىء عنه، فاذا أعطاهم خلوا بينه وبين البيت، والأولى العموم لا خصوص البيت، والآية عامة لكل من اتصف بالكفر والصد عن سبيل الله، هم اثنا عشر رجلا يصدون الناس عن الاسلام، وقول بعضهم: انهم شياطين من الجن من أهل الكتاب، صدوا عن الاسلام من أراده من الجن وغيرهم، وأما الاطعام يوم بدر الكبرى تقوية للمشركين، فلا يقوى التعدية كما توهم بعض المحققين وابن عباس، فسر الذين كفروا وصدوا بالمطعمين يومئذ، وقيل: اليهود، وقيل: كفار قريش، والأولى عموم من كفر وصدوا، لم يكن الاطعام مقويا للتعدى لأن الذين أكلوا من ذلك الطعام كافرون من قبل الاطعام يستمرون على الكفر، ولو لم يطعموا، نعم المطعمون أشد كفرا وصدا وصدودا من غيرهم. ويجاب بأن تعميم الآية فيمن أطعم ومن لم يطعم أعظم فائدة. بل لو فسرت بالصدود بلا اطعام، أو بالصد بدونه لدخل المطعم بالأولى، فلا يخفى أن الضال بنفسه دون الضال المضل، والضال المضل دون الضال المطعم، لأنه يضل الناس بنفسه وماله، وفيه أنه لا إضلال فى الاطعام كما مر، إلا أن يراد بالاضلال فى جانبهم التجسير على السفر لغزوة بدر، واول من أطعم أبو جهل، أطعم المشركين يوم خرجوا من مكة الى بدر نحو عشرا من الابل، ثم صفوان بن أمية تسعا بعسفان، ثم سهل بن عمر وبقديد عشرا، ثم شيبة بن ربيعة، وقد تاهوا تسعا، ثم عتبة بن ربيعة عشرا، ثم مقيس الجمحى بالأبواء تسعا، ثم العباس عشرا قبل اسلامه، أو بعد اسلامه، ومن أسلم قبل نسخ الهجرة ولم يهاجر فاسق، وقيل: مشرك، كأنه خرج وأطعم بصورة القهر، ولا يقدر، وكأنه فعل ليشفع فيه صلى الله عليه وسلم ان كان مغلوبا. وفى رواية أنه صلى الله عليه وسلم وصى به أن لا يقتل، وأنه خرج مغلوبا، وأنه لم يطعم، والحارث بن عمرو تسعا، أبو البحترى على ماء بدر عشرا، ومقيس تسعا، ثم شغلتهم الحرب فأكلوا من أزوادهم، وقيل: المطعمون ستة: نبيه ومنبه ابنا الحجاج، وعتبة وشيبة ابنا ربيعة، وأبو جهل والحارث ابنا هشام، وزاد مقاتل ستة: عامر بن نوفل، وحكيم بن حزام، وزمعة بن الأسود، والعباس، وصفوان بن أمية، وأبو سفيان كل يطعم يوما. {أضلَّ} أبطل، "أية : وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباءً منثوراً" تفسير : [الفرقان: 23] أو جعل أعمالهم ضلالا غير هدى، أو جعلها ضالة أى غير مهتدية على التجوز فى الاسناد {أعمالهم} من الكيد لرسول الله صلى الله عليه وسلم، بهذا الاطعام، فلم يؤثر بل قتلوا وأسروا، ومن العمل الصالح لم ينجوا بها من ذلك فى الدنيا، ولا يثابوا عليها يوم القيامة، كصلة الرحم، وقرى الضيف، وفك الأسير، وإجارة المستجير، واطعام اليتيم، والهدى، وغير ذلك من المكارم.
الالوسي
تفسير : {ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ } أي أعرضوا عن الإسلام وسلوك طريقه أو منعوا غيرهم عن ذلك، على أن صد لازم أو متعد، قال في «الكشف»: والأول أظهر لأن الصد عن سبيل الله هو الإعراض عما أتى به محمد صلى الله عليه وسلم لقوله تعالى: {أية : قُلْ هَـٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَىٰ ٱللَّهِ } تفسير : [يوسف: 108] فيطابق قوله تعالى: {أية : وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَاتِ وَءامَنُواْ بِمَا نُزّلَ عَلَىٰ مُحَمَّدٍ } تفسير : [محمد: 2] وكثير من الآثار تؤيد الثاني. وفسر الضحاك {سَبِيلِ ٱللَّهِ } ببيت الله عز وجل، وقال: صدهم عنه منعهم قاصديه وليس بذلك / والآية عامة لكل من اتصف بعنوان الصلة. وقال ابن عباس: هم أي {ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّوا} على الوجه الثاني في {صَدُّوا} المطعمون يوم بدر الكبرى، وكأنه عنى من يدخل في العموم دخولاً أولياً، فإن أولئك كانوا صادين بأموالهم وأنفسهم فصدهم أعظم من صد غيرهم ممن كفر وصد عن السبيل. وأول من أطعم منهم ـ على ما نقل عن «سيرة ابن سيد الناس» ـ أبو جهل عليه اللعنة نحر لكفار قريش حين خرجوا من مكة عشراً من الإبل، ثم صفوان بن أمية نحر تسعاً بعسفان، ثم سهل بن عمرو نحر بقديد عشراً ثم شيبة بن ربيعة وقد ضلوا الطريق نحر تسعاً ثم عتبة بن ربيعة نحر عشراً، ثم مقيس الجمحي بالأبواء نحر تسعاً، ثم العباس نحر عشراً، والحرث بن عامر نحر تسعاً، وأبو البختري على ماء بدر نحر عشراً، ومقيس تسعاً؛ ثم شغلتهم الحرب فأكلوا من أزوادهم، وقيل: كانوا ستة نفر نبيه ومنبه ابنا الحجاج وعتبة وشيبة ابنا ربيعة وأبو جهل والحرث ابنا هشام، وضم مقاتل إليهم ستة أخرى وهم عامر بن نوفل وحكيم بن حزام وزمعة بن الأسود والعباس بن عبد المطلب وصفوان بن أمية وأبو سفيان بن حرب أطعم كل واحد منهم يوماً الاحابيش والجنود يستظهرون بهم على حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا ينافي عد أبـي سفيان إن صحت الرواية من أولئك كونه مع العير لأن المراد بيوم بدر زمن وقعتها فيشمل من أطعم في الطريق وفي مدتها حتى انقضت، وقال مقاتل: هم اثنا عشر رجلاً من أهل الشرك كانوا يصدون الناس عن الإسلام ويأمرونهم بالكفر، وقيل: هم شياطين من أهل الكتاب صدوا من أراد منهم أو من غيرهم عن الدخول في الإسلام. والموصول مبتدأ خبره قوله تعالى: {أَضَلَّ أَعْمَـٰلَهُمْ } أي أبطلها وأحبطها وجعلها ضائعة لا أثر لها ولا نفع أصلاً لا بمعنى أنه سبحانه أبطلها وأحبطها بعد أن لم تكن كذلك بل بمعنى أنه عز وجل حكم ببطلانها وضياعها، وأريد بها ما كانوا يعملونه من أعمال البر كصلة الأرحام وقرى الأضياف وفك الأسارى وغيرها من المكارم. وجوز أن يكون المعنى جعلها ضلالاً أي غير هدى حيث لم يوفقهم سبحانه لأن يقصدوا بها وجهه سبحانه أو جعلها ضالة أي غير مهتدية على الإسناد المجازي، ومن قال الآية في المطعمين وأضرابهم قال: المعنى أبطل جل وعلا ما عملوه من الكيد لرسول الله صلى الله عليه وسلم كالإنفاق الذي أنفقوه في سفرهم إلى محاربته عليه الصلاة والسلام وغيره بنصر رسوله صلى الله عليه وسلم وإظهار دينه على الدين كله، ولعله أوفق بما بعده، وكذا بما قيل إن الآية نزلت ببدر.
سيد قطب
تفسير : هذه السورة مدنية، ولها اسم آخر. اسمها سورة القتال. وهو اسم حقيقي لها. فالقتال هو موضوعها. والقتال هو العنصر البارز فيها. والقتال في صورها وظلالها. والقتال في جرسها وإيقاعها. القتال موضوعها. فهي تبدأ ببيان حقيقة الذين كفروا وحقيقية الذين آمنوا في صيغة هجوم أدبي على الذين كفروا، وتمجيد كذلك للذين آمنوا، مع إيحاء بأن الله عدو للأولين وليٌّ للآخرين، وأن هذه حقيقة ثابتة في تقدير الله سبحانه. فهو إذن إعلان حرب منه تعالى على أعدائه وأعداء دينه منذ اللفظ الأول في السورة: {الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله أضل أعمالهم والذين آمنوا وعملوا الصالحات وآمنوا بما نُزِّل على محمد ـ وهو الحق من ربهم ـ كفَّر عنهم سيئاتهم وأصلح بالهم. ذلك بأن الذين كفروا اتبعوا الباطل وأن الذين آمنوا اتبعوا الحق من ربهم. كذلك يضرب الله للناس أمثالهم}. وعقب إعلان هذه الحرب من الله على الذين كفروا، أمر صريح للذين آمنوا بخوض الحرب ضدهم. في صيغة رنانة قوية، مع بيان لحكم الأسرى بعد الإثخان في المعركة والتقتيل العنيف: {فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق، فإما مّناً بعد وإما فداء، حتى تضع الحرب أوزارها} ومع هذا الأمر بيان لحكمة القتال، وتشجيع عليه، وتكريم للاستشهاد فيه، ووعد من الله بإكرام الشهداء، وبالنصر لمن يخوض المعركة انتصاراً لله، وبهلاك الكافرين وإحباط أعمالهم: {ذلك ولو يشاء الله لانتصر منهم، ولكن ليبلو بعضكم ببعض، والذين قتلوا في سبيل الله فلن يضل أعمالهم. سيهديهم ويصلح بالهم ويدخلهم الجنة عرفها لهم. يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم. والذين كفروا فتعساً لهم وأضل أعمالهم. ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله فأحبط أعمالهم}.. ومعه كذلك تهديد عنيف للكافرين، وإعلان لولاية الله ونصرته للمؤمنين، وضياع الكافرين وخذلانهم وضعفهم وتركهم بلا ناصر ولا معين: {أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم؟ دمر الله عليهم، وللكافرين أمثالها. ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا وأن الكافرين لا مولى لهم}.. كذلك تهديد آخر للقرية التي أخرجت الرسول صلى الله عليه وسلم: {وكأين من قرية هي أشد قوة من قريتك التي أخرجتك أهلكناهم فلا ناصر لهم} ثم تمضي السورة بعد هذا الهجوم العنيف السافر في ألوان من الحديث حول الكفر والإيمان، وحال المؤمنين وحال الكافرين في الدنيا والآخرة. فتفرق بين متاع المؤمن بالطيبات؛ وتمتع الكافرين بلذائذ الأرض كالحيوان: {إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار. والذين كفروا يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام والنار مثوى لهم}.. كما تصف متاع المؤمنين في الجنة بشتى الأشربة الشهية من ماء غير آسن، ولبن لم يتغير طعمه، وخمر لذة للشاربين، وعسل مصفى، في وفر وفيض.. في صورة أنهار جارية.. ذلك مع شتى الثمرات، ومع المغفرة والرضوان. ثم سؤال: أهؤلاء {كمن هو خالد في النار وسقوا ماء حميماً فقطع أمعاءهم؟}.. فإذا انقضت هذه الجولة الأولى في المعركة السافرة المباشرة بين المؤمنين والكافرين. أعقبها في السورة جولة مع المنافقين، الذين كانوا هم واليهود بالمدينة يؤلفون خطراً على الجماعة الإسلامية الناشئة لا يقل عن خطر المشركين الذين يحاربونها من مكة وما حولها من القبائل في تلك الفترة، التي يبدو من الوقائع التي تشير إليها السورة أنها كانت بعد غزوة بدر، وقبل غزوة الأحزاب وما تلاها من خضد شوكة اليهود، وضعف مركز المنافقين (كما ذكرنا في تفسير سورة الأحزاب). والحديث عن المنافقين في هذه السورة يحمل ظلالها. ظلال الهجوم والقتال، منذ أول إشارة. فهو يصور تلهيهم عن حديث رسول الله. وغيبة وعيهم واهتمامهم في مجلسه؛ ويعقب عليه بما يدمغهم بالضلال والهوى:{أية : ومنهم من يستمع إليك حتى إذا خرجوا من عندك قالوا للذين أوتوا العلم: ماذا قال آنفاً؟ أولـئك الذين طبع الله على قلوبهم واتبعوا أهواءهم }.. تفسير : ويهددهم بالساعة يوم لا يستطيعون الصحو ولا يملكون التذكر:{أية : فهل ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتة؟ فقد جاء أشراطها. فأنى لهم إذا جاءتهم ذكراهم؟ }.. تفسير : ثم يصور هلعهم وجبنهم وتهافتهم إذا ووجهوا بالقرآن يكلفهم القتال - وهم يتظاهرون بالإيمان - والفارق بينهم يومئذ وبين المؤمنين الصادقين: {أية : ويقول الذين آمنوا: لولا نزلت سورة! فإذا أنزلت سورة محكمة وذكر فيها القتال رأيت الذين في قلوبهم مرض ينظرون إليك نظر المغشي عليه من الموت! }. تفسير : ويحثهم على الطاعة والصدق والثبات. ويرذل اتجاهاتهم، ويعلن عليهم الحرب والطرد واللعن:{أية : فأولى لهم طاعة وقول معروف. فإذا عزم الأمر فلو صدقوا الله لكان خيراً لهم. فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم؟ أولـئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم }.. تفسير : ويفضحهم في توليهم للشيطان، وفي تآمرهم مع اليهود، ويهددهم بالعذاب عند الموت بالفضيحة التي تكشف أشخاصهم فرداً فرداً في المجتمع الإسلامي، الذي يدمجون أنفسهم فيه، وهم ليسوا منه، وهم يكيدون له: {أية : إن الذين ارتدوا على أدبارهم من بعد ما تبين لهم الهدى, الشيطان سول لهم وأملى لهم. ذلك بأنهم قالوا للذين كرهوا ما نزل الله: سنطيعكم في بعض الأمر والله يعلم إسرارهم. فكيف إذا توفتهم الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم؟ ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه فأحبط أعمالهم. أم حسب الذين في قلوبهم مرض أن لن يخرج الله أضغانهم. ولو نشآء لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم، ولتعرفنهم في لحن القول والله يعلم أعمالكم، ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلو أخباركم } تفسير : وفي الجولة الثالثة والأخيرة في السورة عودة إلى الذين كفروا من قريش ومن اليهود وهجوم عليهم:{أية : إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله وشآقوا الرسول ـ من بعد ما تبين لهم الهدى ـ لن يضروا الله شيئاً وسيحبط أعمالهم } تفسير : وتحذير للذين آمنوا أن يصيبهم مثل ما أصاب أعداءهم: {أية : يأيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول، ولا تبطلوا أعمالكم. إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله ثم ماتوا وهم كفار. فلن يغفر الله لهم } تفسير : وتحضيض لهم على الثبات عند القتال: {أية : فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم الأعلون والله معكم ولن يتركم أعمالكم } تفسير : وتهوين من شأن الحياة الدنيا وأعراضها. وحض على البذل الذي يسره الله، ولم يجعله استئصالاً للمال كله، رأفة بهم، وهو يعرف شح نفوسهم البشرية، وتبرمها وضيقها لو أحفاهم في السؤال: {أية : إنما الحياة الدنيا لعب ولهو وإن تؤمنوا وتتقوا يؤتكم أجوركم ولا يسألكم أموالكم. إن يسألكموها فيُحِفكم تبخلوا ويُخرج أضغانكم }.. تفسير : وتختم السورة بما يشبه التهديد للمسلمين إن هم بخلوا بإنفاق المال، وبالبذل في القتال: {أية : ها أنتم هـؤلاء تدعون لتنفقوا في سبيل الله فمنكم من يبخل, ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه والله الغني وأنتم الفقراء, وإن تتولوا يستبدل قوماً غيركم، ثم لا يكونوا أمثالكم }.. تفسير : إنها معركة مستمرة من بدء السورة إلى ختامها؛ يظللها جو القتال، وتتسم بطابعه في كل فقراتها. وجرس الفاصلة وإيقاعها منذ البدء كأنه القذائف الثقيلة: "أعمالهم. بالهم. أمثالهم. أهواءهم. أمعاءهم.." وحتى حين تخف فإنها تشبه تلويح السيوف في الهواء: "أوزارها. أمثالها. أقفالها...". وهناك شدة في الصور كالشدة في جرس الألفاظ المعبرة عنها.. فالقتال أو القتل يقول عنه: {فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب}.. والتقتيل والأسر يصوره بشدة: {حتى إذآ أثخنتموهم فشدوا الوثاق}.. والدعاء على الكافرين يجيء في لفظ قاس: {فتعساً لهم وأضل أعمالهم}.. وهلاك الغابرين يرسم في صورة مدوية ظلاً ولفظاً: {دمر الله عليهم وللكافرين أمثالها}.. وصورة العذاب في النار تجيء في هذا المشهد: { وسقوا ماء حميماً فقطع أمعاءهم}.. وحالة الجبن والفزع عند المنافقين تجيء في مشهد كذلك عنيف: {أية : ينظرون إليك نظر المغشي عليه من الموت!}.. تفسير : حتى تحذير المؤمنين من التولي يجيء في تهديد نهائي حاسم: {أية : وإن تتولوا يستبدل قوماً غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم } تفسير : وهكذا يتناسق الموضوع والصور والظلال والإيقاع في سورة القتال.. {الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله أضل أعمالهم. والذين آمنوا وعملوا الصالحات وآمنوا بما نزل على محمد ـ وهو الحق من ربهم ـ كفَّر عنهم سيئاتهم وأصلح بالهم. ذلك بأن الذين كفروا اتبعوا الباطل؛ وأن الذين آمنوا اتبعوا الحق من ربهم. كذلك يضرب الله للناس أمثالهم}.. افتتاح يمثل الهجوم بلا مقدمة ولا تمهيد! وإضلال الأعمال الذي يواجه به الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله. سواء صدوا هم أم صدوا وصدوا غيرهم - يفيد ضياع هذه الأعمال وبطلانها. ولكن هذا المعنى يتثمل في حركة. فإذا بنا نرى هذه الأعمال شاردة ضالة، ونلمح عاقبة هذا الشرود والضلال، فإذا هي الهلاك والضياع. وهي حركة تخلع ظل الحياة على الأعمال، فكأنما هي شخوص حية أضلت وأهلكت. وتعمق المعنى وتلقي ظلاله. ظلال معركة تشرد فيها الأعمال عن القوم، والقوم عن الأعمال. حتى تنتهي إلى الضلال والهلاك! وهذه الأعمال التي أضلت ربما كان المقصود منها بصفة خاصة الأعمال التي يأملون من ورائها الخير. والتي يبدو على ظاهرها الصلاح. فلا قيمة لعمل صالح من غير إيمان. فهذا الصلاح شكلي لا يعبر عن حقيقة وراءه. والعبرة بالباعث الذي يصدر عنه العمل لا بشكل العمل. قد يكون الباعث طيباً. ولكنه حين لا يقوم على الإيمان يكون فلتة عارضة أو نزوة طارئة. لا يتصل بمنهج ثابت واضح في الضمير، متصل بخط سير الحياة العريض، ولا بناموس الوجود الأصيل. فلا بد من الإيمان ليشد النفس إلى أصل تصدر عنه في كل اتجاهاتها، وتتأثر به في كل انفعالاتها. وحينئذ يكون للعمل الصالح معناه. ويكون له هدفه ويكون له اطراده وتكون له آثاره وفق المنهج الإلهي الذي يربط أجزاء هذا الكون كله في الناموس؛ ويجعل لكل عمل ولكل حركة وظيفة وأثراً في كيان هذا الوجود، وفي قيامه بدوره، وانتهائه إلى غايته. وفي الجانب الآخر: {والذين آمنوا وعملوا الصالحات وآمنوا بما نزل على محمد وهو الحق من ربهم}.. والإيمان الأول يشمل الإيمان بما نزل على محمد. ولكن السياق يبرزه ويظهره ليصفه بصفته: {وهو الحق من ربهم} ويؤكد هذا المعنى ويقرره. وإلى جوار الإيمان المستكن في الضمير، العمل الظاهر في الحياة. وهو ثمرة الإيمان الدالة على وجوده وحيويته وانبعاثه. وهؤلاء {كفَّر عنهم سيئاتهم}.. في مقابل إبطال أعمال الذين كفروا ولو كانت حسنات في شكلها وظاهرها. وبينما يبطل العمل ولو كان صالحاً من الكافرين، فإن السيئة تغفر للمؤمنين. وهو تقابل تام مطلق ويبرز قيمة الإيمان وقدره عند الله، وفي حقيقة الحياة.. {وأصلح بالهم}.. وإصلاح البال نعمة كبرى تلي نعمة الإيمان في القدر والقيمة والأثر. والتعبير يلقي ظلال الطمأنينة والراحة والثقة والرضى والسلام. ومتى صلح البال، استقام الشعور والتفكير، واطمأن القلب والضمير، وارتاحت المشاعر والأعصاب، ورضيت النفس واستمتعت بالأمن والسلام.. وماذا بعد هذا من نعمة أو متاع؟ ألا إنه الأفق المشرق الوضيء الرفاف. ولم كان هذا وكان ذاك؟ إنها ليست المحاباة. وليست المصادفة. وليس الجزاف. إنما هو أمر له أصله الثابت، المرتبط بالناموس الأصيل الذي قام عليه الوجود يوم خلق الله السماوات والأرض بالحق، وجعل الحق هو الأساس: {ذلك بأن الذين كفروا اتبعوا الباطل؛ وأن الذين آمنوا اتبعوا الحق من ربهم}.. والباطل ليست له جذور ضاربة في كيان هذا الوجود؛ ومن ثم فهو ذاهب هالك؛ وكل من يتبعه وكل ما يصدر عنه ذاهب هالك كذلك. ولما كان الذين كفروا اتبعوا الباطل فقد ضلت أعمالهم، ولم يبق لهم منها شيء ذو غناء. والحق ثابت تقوم عليه السماوات والأرض، وتضرب جذوره في أعماق هذا الكون. ومن ثم يبقى كل ما يتصل به ويقوم عليه. ولما كان الذين آمنوا اتبعوا الحق من ربهم، فلا جرم كفر عنهم سيئاتهم وأصلح بالهم. فهو أمر واضح مقرر يقوم على أصوله الثابتة، ويرجع إلى أسبابه الأصيلة. وما هو فلتة ولا مصادفة ولا جزاف {كذلك يضرب الله للناس أمثالهم}. وكذلك يضع لهم القواعد التي يقيسون إليها أنفسهم وأعمالهم. فيعلمون المثل الذي ينتمون إليه ويقاسون عليه. ولا يحتارون في الوزن والقياس! ذلك الأصل الذي قررته الآية الأولى في السورة، يرتب عليه توجيه المؤمنين لقتال الكافرين. فهم على الحق الثابت الذي ينبغي أن يتقرر في الأرض، ويستعلي ويهيمن على أقدار الناس والحياة ليصل الناس بالحق وليقيم الحياة على أساسه. والذين كفروا على الباطل الذي ينبغي أن يبطل وتذهب آثاره من الحياة: {فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب. حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق. فإما منّاً بعد وإما فداء. حتى تضع الحرب أوزارها }.. واللقاء المقصود في الآية هنا هو اللقاء للحرب والقتال لا مجرد اللقاء. فحتى نزول هذه السورة كان المشركون في الجزيرة منهم المحارب ومنهم المعاهد؛ ولم تكن بعد قد نزلت سورة "براءة" التي تنهي عهود المشركين المحددة الأجل إلى أجلها، والمطلقة الأجل إلى أربعة أشهر؛ وتأمر بقتل المشركين بعد ذلك أنى وجدوا في أنحاء الجزيرة - قاعدة الإسلام - أو يسلموا. كي تخلص القاعدة للإسلام. وضرب الرقاب المأمور به عند اللقاء يجيء بعد عرض الإسلام عليهم وإبائهم له طبعاً. وهو تصوير لعملية القتل بصورتها الحسية المباشرة، وبالحركة التي تمثلها، تمشياً مع جو السورة وظلالها. {حتى إذآ أثخنتموهم فشدوا الوثاق}.. والإثخان شدة التقتيل، حتى تتحطم قوة العدو وتتهاوى، فلا تعود به قدرة على هجوم أو دفاع. وعندئذ - لا قبله - يؤسر من استأسر ويشد وثاقه. فأما والعدو ما يزال قوياً فالإثخان والتقتيل يكون الهدف لتحطيم ذلك الخطر. وعلى هذا لا يكون هناك اختلاف - كما رأى معظم المفسرين - بين مدلول هذه الآية، ومدلول آية الأنفال التي عاتب الله فيها الرسول - صلى الله عليه وسلم - والمسلمين لاستكثارهم من الأسرى في غزوة بدر. والتقتيل كان أولى. وذلك حيث يقول تعالى: {أية : ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض, تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة, والله عزيز حكيم. لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم} تفسير : فالإثخان أولاً لتحطيم قوة العدو وكسر شوكته؛ وبعد ذلك يكون الأسر. والحكمة ظاهرة، لأن إزالة القوة المعتدية المعادية للإسلام هي الهدف الأول من القتال. وبخاصة حين كانت القوة العددية للأمة المسلمة قليلة محدودة. وكانت الكثرة للمشركين. وكان قتل محارب يساوي شيئاً كبيراً في ميزان القوى حينذاك. والحكم ما يزال سارياً في عمومه في كل زمان بالصورة التي تكفل تحطيم قوة العدو، وتعجيزه عن الهجوم والدفاع. فأما الحكم في الأسرى بعد ذلك، فتحدده هذه الآية. وهي النص القرآني الوحيد المتضمن حكم الأسرى: {فإما منّاً بعد وإما فداء}.. أي إما أن يطلق سراحهم بعد ذلك بلا مقابل من مال أو من فداء لأسرى المسلمين. وإما أن يطلق مقابل فدية من مال أو عمل في نظير إطلاق سراح المسلمين المأسورين. وليس في الآية حالة ثالثة. كالاسترقاق أو القتل. بالنسبة لأسرى المشركين. ولكن الذي حدث فعلاً أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والخلفاء من بعده استرقوا بعض الأسرى- وهو الغالب - وقتلوا بعضهم في حالات معينة. ونحن ننقل هنا ما ورد حول هذه الآية في كتاب (أحكام القرآن للإمام الجصاص الحنفي) ونعلق على ما نرى التعليق عليه في ثناياه. قبل أن نقرر الحكم الذي نراه: * قال الله تعالى: {فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب} قال أبو بكر قد اقتضى ظاهره وجوب القتل لا غير إلا بعد الإثخان. وهو نظير قوله تعالى: {أية : ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض }.. تفسير : (وهذا صحيح فليس بين النصين خلاف). * حدثنا محمد بن جعفر بن محمد بن الحكم قال: حدثنا جعفر بن محمد بن اليمان. قال: حدثنا أبو عبيد قال: حدثنا عبد الله بن صالح، عن معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة. عن ابن عباس في قوله تعالى: {أية : ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض}.تفسير : قال: ذلك يوم بدر والمسلمون يومئذ قليل، فلما كثروا واشتد سلطانهم أنزل الله تعالى بعد هذا في الأسارى: {فإما منّاً بعد وإما فداء}.. فجعل الله النبي والمؤمنين في الأسارى بالخيار. إن شاءوا قتلوهم، وإن شاءوا استعبدوهم، وإن شاءوا فادوهم. شك أبو عبيد في.. وإن شاءوا استعبدوهم.. (والاستعباد مشكوك في صدور القول به عن ابن عباس فنتركه. وأما جواز القتل فلا نرى له سنداً في الآية وإنما نصها المن أو الفداء). * وحدثنا جعفر بن محمد قال: حدثنا أبو عبيد، قال: حدثنا أبو مهدي وحجاج، كلاهما عن سفيان. قال: سمعت السدي يقول في قوله: {فإما منّاً بعد وإما فداء}.. قال: هي منسوخة، نسخها قوله:{أية : فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم}تفسير : قال أبو بكر: أما قوله: {فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب}.. وقوله: {أية : ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض}تفسير : ..وقوله: {أية : فإما تثقفنَّهم في الحرب فشرد بهم من خلفهم}.. تفسير : فإنه جائز أن يكون حكماً ثابتاً غير منسوخ. وذلك لأن الله تعالى أمر نبيه - صلى الله عليه وسلم - بالإثخان في القتل وحظر عليه الأسر - إلا بعد إذلال المشركين وقمعهم - وكان ذلك وقت قلة عدد المسلمين وكثرة عدد عدوهم من المشركين، فمتى أثخن المشركون وأذلوا بالقتل والتشريد جاز الاستبقاء. فالواجب أن يكون هذا حكماً ثابتاً إذا وجد مثل الحال التي كان عليها المسلمون في أول الإسلام. (ونقول: إن الأمر بقتل المشركين حيث وجدوا خاص بمشركي الجزيرة. بينما النص في سورة محمد عام. فمتى تحقق الإثخان في الأرض جاز أخذ الأسارى. وهذا ما جرى عليه الخلفاء بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبعد نزول سورة براءة بطبيعة الحال، ولم يقتلوهم إلا في حالات معينة سيأتي بيانها).. * وأما قوله: {فإما منّاً بعد وإما فداء}.. ظاهره يقتضي أحد شيئين: من أو فداء. وذلك ينفي جواز القتل. وقد اختلف السلف في ذلك. حدثنا حجاج عن مبارك بن فضالة عن الحسن أنه كره قتل الأسير، وقال: منّ عليه أو فاده. وحدثنا جعفر قال: حدثنا أبو عبيد قال: أخبرنا هشيم. قال: أخبرنا أشعث قال: سألت عطاء عن قتل الأسير فقال: منّ عليه أو فاده قال: وسألت الحسن. قال: يصنع به ما صنع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأسارى بدر، يمن عليه أو يفادي به. وروي عن ابن عمر أنه دفع إليه عظيم من عظماء اصطخر ليقتله، فأبى أن يقتله، وتلا قوله: {فإما منّاً بعد وإما فداء}.. وروي أيضاً عن مجاهد ومحمد بن سيرين كراهة قتل الأسير. وقد روينا عن السدي أن قوله: {فإما منّاً بعد وإما فداء} منسوخ بقوله: {أية : فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم}. تفسير : وروي مثله عن ابن جريج. حدثنا جعفر قال: حدثنا أبو عبيد قال: حدثنا حجاج، عن ابن جريج، قال: هي منسوخة. وقال: قتل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عقبة ابن أبي معيط يوم بدر صبراً، قال أبو بكر: اتفق فقهاء الأمصار على جواز قتل الأسير لا نعلم بينهم خلافاً فيه، وقد تواترت الأخبار عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في قتله الأسير، منها قتله عقبة بن أبي معيط، والنضر بن الحارث بعد الأسر يوم بدر. وقتل يوم أحد أبا عزة الشاعر بعدما أسر. وقتل بني قريظة بعد نزولهم على حكم سعد بن معاذ، فحكم فيهم بالقتل وسبي الذرية. ومنَّ على الزبير بن باطا من بينهم، وفتح خيبر بعضها صلحاً وبعضها عنوة، وشرط على ابن أبي الحقيق ألا يكتم شيئاً، فلما ظهر على خيانته وكتمانه قتله. وفتح مكة وأمر بقتل هلال بن خطل، ومقيس بن حبابة، وعبد الله بن أبي سرح، وآخرين، وقال: "حديث : اقتلوهم وإن جدتموهم متعلقين بأستار الكعبة" تفسير : ومنَّ على أهل مكة ولم يغنم أموالهم. وروي عن صالح ابن كيسان عن محمد بن عبد الرحمن عن أبيه عبد الرحمن بن عوف، أنه سمع أبا بكر الصديق يقول: "وددت أني يوم أتيت بالفجاءة لم أكن أحرقته، وكنت قتلته سريحاً، أو أطلقته نجيحاً". وعن أبي موسى أنه قتل دهقان السوس بعدما أعطاه الأمان على قوم سماهم ونسي نفسه فلم يدخلها في الأمان فقتله. فهذه آثار متواترة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وعن الصحابة في جواز قتل الأسير وفي استبقائه. واتفق فقهاء الأمصار على ذلك. (وجواز القتل لا يؤخذ من الآية، ولكن يؤخذ من عمل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبعض الصحابة. وتتبع الحالات التي وقع فيها القتل يعطي أنها حالات خاصة، وراءها أسباب معينة غير مجرد التعرض للقتال والأسر. فالنضر بن حارث وعقبة بن أبي معيط كلاهما كان له موقف خاص في إيذاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإيذاء دعوته. وكذلك أبو عزة الشاعر، ولبني قريظة كذلك موقف خاص بارتضائهم حكم سعد بن معاذ سلفاً. وهكذا نجد في جميع الحالات أسباباً معينة تفرد هذه الحالات من الحكم العام للأسرى الذي تقرره الآية: {فإما منّاً بعد وإما فداء}).. * وإنما اختلفوا في فدائه، فقال أصحابنا جميعاً (يعني الحنفية): لا يفادى الأسير بالمال، ولا يباع السبي من أهل الحرب فيردوا حرباً. وقال أبو حنيفة: لا يفادون بأسرى المسلمين أيضاً، ولا يردون حرباً أبداً. وقال أبو يوسف ومحمد: لا بأس أن يفادى أسرى المسلمين بأسرى المشركين. وهو قول الثوري والأوزاعي، وقال الأوزاعي: لا بأس ببيع السبي من أهل الحرب، ولا يباع الرجال إلا أن يفادى بهم المسلمون. وقال المزني عن الشافعي: للإمام أن يمن على الرجال الذين ظهر عليهم أو يفادي بهم، فأما المجيزون للفداء بأسرى المسلمين وبالمال فإنهم احتجوا بقوله: {فإما منّاً بعد وإما فداء} وظاهره يقتضي جوازه بالمال وبالمسلمين؛ وبأن النبي - صلى الله عليه وسلم - فدى أسارى بدر بالمال. ويحتجون للفداء بالمسلمين بما روى ابن المبارك، عن معمر، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أبي المهلب، عن عمران ابن حصين. قال: "حديث : أسرت ثقيف رجلين من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - وأسر أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - رجلاً من بني عامر ابن صعصعة؛ فمر به النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو موثق، فناداه، فأقبل إليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: علام أحبس؟ قال: "بجريرة حلفائك". فقال الأسير: إني مسلم، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لو قلتها وأنت تملك أمرك لأفلحت كل الفلاح". ثم مضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فناداه أيضاً، فأقبل، فقال: إني جائع فأطعمني. فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "هذه حاجتك". ثم إن النبي - صلى الله عليه وسلم - فداه بالرجلين اللذين كانت ثقيف أسرتهما"تفسير : .. (وحجة القائلين بالفداء أرجح في تقديرنا من حجة أصحاب الإمام الجصاص على الاختلاف في الفداء بالمال أو بأسرى المسلمين). * وقد ختم الإمام الجصاص القول في المسألة بترجيح رأي أصحابه الحنفية قال: وأما ما في الآية من ذكر المن والفداء، وما روي في أسارى بدر فإن ذلك منسوخ بقوله:{أية : فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم}.. تفسير : وقد روينا ذلك عن السدي وابن جريج. وقوله تعالى: {أية : قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر}تفسير : إلى قوله: {أية : حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون}تفسير : فتضمنت الآيتان وجوب القتال للكفار حتى يسلموا أو يؤدوا الجزية. والفداء بالمال أو بغيره ينافي ذلك. ولم يختلف أهل التفسير ونقلة الآثار أن سورة "براءة" بعد سورة "محمد" - صلى الله عليه وسلم - فوجب أن يكون الحكم المذكور فيها ناسخاً للفداء المذكور في غيرها..(وقد سبق القول بأن هذا القتل للمشركين - أو الإسلام - مقصود به مشركو الجزيرة فهو حكم خاص بهم. أما غيرهم خارجها فتقبل منهم الجزية كما تقبل من أهل الكتاب. وقبول الجزية عند التسليم لا ينفي أن يقع الأسرى في أيدي المسلمين من قبل التسليم. فهؤلاء الأسرى ما الحكم فيهم؟ نقول: إنه يجوز المن عليهم إذا رأى الإمام المصلحة، أو الفداء بهم بالمال أو بالمسلمين، إذا ظل قومهم قوة لم تستسلم بعد ولم تقبل الجزية. فأما عند الاستسلام للجزية فالأمر منته بطبيعته وهذه حالة أخرى، فحكم الأسرى يظل سارياً في الحالة التي لم تنته بالجزية). والخلاصة التي ننتهي إليها أن هذا النص هو الوحيد المتضمن حكم الأسرى. وسائر النصوص تتضمن حالات أخرى غير حالة الأسر. وأنه هو الأصل الدائم للمسألة. وما وقع بالفعل خارجاً عنه كان لمواجهة حالات خاصة وأوضاع وقتية. فقتل بعض الأسرى كان في حالات فردية يمكن أن يكون لها دائماً نظائر؛ وقد أخذوا بأعمال سابقة على الأسر، لا بمجرد خروجهم للقتال. ومثال ذلك أن يقع جاسوس أسيراً فيحاكم على الجاسوسية لا على أنه أسير. وإنما كان الأسر وسيلة للقبض عليه. ويبقى الاسترقاق. وقد سبق لنا في مواضع مختلفة من هذه الظلال القول بأنه كان لمواجهة أوضاع عالمية قائمة، وتقاليد في الحرب عامة. ولم يكن ممكناً أن يطبق الإسلام في جميع الحالات النص العام: {فإما منَّا بعد وإما فداء}.. في الوقت الذي يسترق أعداء الإسلام من يأسرونهم من المسلمين. ومن ثم طبقه الرسول - صلى الله عليه وسلم - في بعض الحالات فأطلق بعض الأسارى مناً. وفادى ببعضهم أسرى المسلمين، وفادى بعضهم بالمال. وفي حالات أخرى وقع الاسترقاق لمواجهة حالات قائمة لا تعالج بغير هذا الإجراء. فإذا حدث أن اتفقت المعسكرات كلها على عدم استرقاق الأسرى، فإن الإسلام يرجع حينئذ إلى قاعدته الإيجابية الوحيدة وهي: {فإما منَّا بعد وإما فداء} لانقضاء الأوضاع التي كانت تقضي بالاسترقاق. فليس الاسترقاق حتمياً، وليس قاعدة من قواعد معاملة الأسرى في الإسلام. وهذا هو الرأي الذي نستوحيه من النص القرآني الحاسم. ومن دراسة الأحوال والأوضاع والأحداث.. والله الموفق للصواب. ويحسن أن يكون مفهوماً أنني أجنح إلى هذا الرأي لأن النصوص القرآنية واستقراء الحوادث وظروفها يؤيده، لا لأنه يهجس في خاطري أن استرقاق الأسرى تهمة أحاول أن أبرىء الإسلام منها! إن مثل هذا الخاطر لا يهجس في نفسي أبداً، فلو كان الإسلام رأى هذا لكان هو الخير، لأنه ما من إنسان يعرف شيئاً من الأدب يملك أن يقول: إنه يرى خيراً مما يرى الله. إنما أنا أسير مع نص القرآن وروحه فأجنح إلى ذلك الرأي بإيحاء النص واتجاهه. وذلك.. - أي القتال وضرب الرقاب وشد الوثاق واتباع هذه القاعدة في الأسرى - {حتى تضع الحرب أوزارها}.. أي حتى تنتهي الحرب بين الإسلام وأعدائه المناوئين له. فهي القاعدة الكلية الدائمة. ذلك أن "حديث : الجهاد ماض إلى يوم القيامة"تفسير : كما يقول الرسول الله صلى الله عليه وسلم - حتى تكون كلمة الله هي العليا. والله لا يكلف الذين آمنوا هذا الأمر، ولا يفرض عليهم هذا الجهاد، لأنه يستعين بهم - حاشاه - على الذين كفروا. فهو سبحانه قادر على أن يقضي عليهم قضاء مباشراً؛ وإنما هو ابتلاء الله لعباده بعضهم ببعض؛ الابتلاء الذي تقدر به منازلهم: {ذلك ولو يشاء الله لانتصر منهم، ولـكن ليبلو بعضكم ببعض. والذين قتلوا في سبيل الله فلن يضل أعمالهم. سيهديهم ويصلح بالهم, ويدخلهم الجنة عرفها لهم}.. إن هؤلاء الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله، وأمثالهم في الأرض كلها في كل زمان من البغاة الطغاة المفسدين، الذين يظهرون في ثوب البطش والاستكبار، ويتراءون لأنفسهم وللضالين من أتباعهم قادرين أقوياء. إن هؤلاء جميعاً حفنة من الخلق. تعيش على ظهر هذه الهباءة الصغيرة المسماة بالأرض، بين هذه الكواكب والنجوم والمجموعات الفلكية والمجرات والعوالم التي لا يعلم عددها ولا مداها إلا الله في هذا الفضاء الذي تبدوا فيه هذه المجرات والعوالم نقطاً متناثرة، تكاد تكون ضائعة، لا يمسكها ولا يجمعها ولا ينسقها إلا الله. فلا يبلغ هؤلاء ومن ورائهم من الأتباع، بل لا يبلغ أهل هذه الأرض كلها، إن يكونوا نمالاً صغيرة. لا بل إنهم لا يبلغون أن يكونوا هباء تتقاذفه النسمات. لا بل إنهم لا يبلغون شيئاً أصلاً حين يقفون أمام قوة الله. إنما يتخذ الله المؤمنين - حين يأمرهم بضرب رقاب الكفار وشد وثاقهم بعد إثخانهم - إنما يتخذهم سبحانه ستاراً لقدرته. ولو شاء لانتصر من الكافرين جهرة. كما انتصر من بعضهم بالطوفان والصيحة والريح العقيم. بل لانتصر منهم من غير هذه الأسباب كلها، ولكنه إنما يريد لعباده المؤمنين الخير. وهو يبتليهم، ويربيهم، ويصلحهم، وييسر لهم أسباب الحسنات الكبار. يريد ليبتليهم. وفي هذا الابتلاء يستجيش في نفوس المؤمنين أكرم ما في النفس البشرية من طاقات واتجاهات. فليس أكرم في النفس من أن يعز عليها الحق الذي تؤمن به، حتى تجاهد في سبيله، فتقتل وتقتل، ولا تسلم في هذا الحق الذي تعيش له وبه، ولا تستطيع الحياة بدونه، ولا تحب هذه الحياة في غير ظله. ويريد ليربيهم. فيظل يخرج من نفوسهم كل هوى وكل رغبة في أعراض هذه الأرض الفانية مما يعز عليهم أن يتخلوا عنه. ويظل يقوي في نفوسهم كل ضعف ويكمل كل نقص، وينفي كل زغل ودخل، حتى تصبح رغائبهم كلها في كفة وفي الكفة الأخرى تلبية دعوة الله للجهاد، والتطلع إلى وجه الله ورضاه. فترجح هذه وتشيل تلك. ويعلم الله من هذه النفوس أنها خيرت فاختارت، وأنها تربت فعرفت، وأنها لا تندفع بلا وعي، ولكنها تقدر وتختار. ويريد ليصلحهم. ففي معاناة الجهاد في سبيل الله، والتعرض للموت في كل جولة، ما يعود النفس الاستهانة بهذا الخطر المخوف، الذي يكلف الناس الكثير من نفوسهم وأخلاقهم وموازينهم وقيمهم ليتقوه. وهو هين هين عند من يعتاد ملاقاته. سواء سلم منه أو لاقاه. والتوجه به لله في كل مرة يفعل في النفس لحظات الخطر شيئاً يقربه للتصور فعل الكهرباء بالأجسام! وكأنه صياغة جديدة للقلوب والأرواح على صفاء ونقاء وصلاح. ثم هي الأسباب الظاهرة لإصلاح الجماعة البشرية كلها، عن طريق قيادتها بأيدي المجاهدين الذين فرغت نفوسهم من كل أعراض الدنيا وكل زخارفها؛ وهانت عليهم الحياة وهم يخوضون غمار الموت في سبيل الله. ولم يعد في قلوبهم ما يشغلهم عن الله والتطلع إلى رضاه.. وحين تكون القيادة في مثل هذه الأيدي تصلح الأرض كلها ويصلح العباد. ويصبح عزيزاً على هذه الأيدي أن تسلم في راية القيادة للكفر والضلال والفساد؛ وهي قد اشترتها بالدماء والأرواح وكل عزيز وغال أرخصته لتتسلم هذه الراية لا لنفسها ولكن لله! ثم هو بعد ذلك كله تيسير الوسيلة لمن يريد الله بهم الحسنى لينالوا رضاه وجزاءه بغير حساب. وتيسير الوسيلة لمن يريد الله بهم السوءى ليكسبوا ما يستحقون عليه غضبه وعذابه. وكل ميسر لما خلق له. وفق ما يعلمه الله من سره ودخيلته. ومن ثم يكشف عن مصير الذين يقتلون في سبيل الله: {والذين قتلوا في سبيل الله فلن يضل أعمالهم. سيهديهم, ويصلح بالهم، ويدخلهم الجنة عرفها لهم}.. لن يضل أعمالهم.. في مقابل ما جاء عن الذين كفروا أنه أضل أعمالهم. فهي أعمال مهتدية واصلة مربوطة إلى الحق الثابت الذي صدرت عنه، وانبعثت حماية له، واتجاهاً إليه. وهي باقية من ثم لأن الحق باق لا يهدر ولا يضيع. ثم نقف أمام هذه الحقيقة الهائلة.. حقيقة حياة الشهداء في سبيل الله.. فهي حقيقة مقررة من قبل في قوله تعالى: {أية : ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات بل أحياء ولكن لا تشعرون}.. تفسير : ولكنها تعرض هنا عرضاً جديداً. تعرض في حالة امتداد ونماء في طريقها الذي غادرت الحياة الدنيا وهي تسلكه وتتوخاه. طريق الطاعة والهداية والتجرد والنقاء: {سيهديهم ويصلح بالهم}.. فالله ربهم الذي قتلوا في سبيله، يظل يتعهدهم بالهداية - بعد الاستشهاد - ويتعهدهم بإصلاح البال، وتصفية الروح من بقية أوشاب الأرض؛ أو يزيدها صفاء لتتناسق مع صفاء الملأ الأعلى الذي صعدت إليه، وإشراقه وسناه. فهي حياة مستمرة في طريقها لم تنقطع إلا فيما يرى أهل الأرض المحجوبون. وهي حياة يتعهدها الله ربها في الملأ الأعلى. وزيدها هدى. ويزيدها صفاء، ويزيدها إشراقاً. وهي حياة نامية في ظلال الله. وأخيراً يحقق لهم ما وعدهم: {ويدخلهم الجنة عرفها لهم}.. وقد ورد حديث عن تعريف الله الجنة للشهداء رواه الإمام أحمد في مسنده قال: حدثنا زيد بن نمر الدمشقي، حدثنا ابن ثوبان، عن أبيه، عن مكحول، عن كثير بن مرة، عن قيس الجذامي - رجل كانت له صحبة - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "حديث : يعطى الشهيد ست خصال: عند أول قطرة من دمه، تكفر عنه كل خطيئة؛ ويرى مقعده من الجنة، ويزوج من الحور العين، ويأمن من الفزع الأكبر ومن عذاب القبر، ويحلى حلة الإيمان"تفسير : .. تفرد به أحمد. وقد روى حديثاً آخر قريباً من هذا المعنى. وفيه النص على رؤية الشهيد لمقعده من الجنة. أخرجه الترمذي وصححه ابن ماجه. فهذا تعريف الله الجنة للشهداء في سبيله. وهذه هي نهاية الهداية الممتدة، وإصلاح البال المستأنف بعد مغادرتهم لهذه الأرض. ونماء حياتهم وهداهم وصلاحهم هناك عند الله. وفي ظل هذه الكرامة للذين قتلوا في سبيل الله. وفي ظل ذلك الرضى، وتلك الرعاية، وبلوغ ذلك المقام. يحرض الله المؤمنين على التجرد لله، والاتجاه إلى نصرة نهجه في الحياة؛ ويعدهم على هذا النصر والتثبيت في المعركة؛ والتعس والضلال لأعدائهم وأعدائه: {يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم. والذين كفروا فتعساً لهم وأضل أعمالهم. ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله فأحبط أعمالهم}.. وكيف ينصر المؤمنون الله، حتى يقوموا بالشرط وينالوا ما شرط لهم من النصر والتثبيت؟ إن لله في نفوسهم أن تتجرد له، وألا تشرك به شيئاً، شركاً ظاهراً أو خفياً، وألا تستبقي فيها معه أحداً ولا شيئاً، وأن يكون الله أحب إليها من ذاتها ومن كل ما تحب وتهوى، وأن تحكمه في رغباتها ونزواتها وحركاتها وسكناتها، وسرها وعلانيتها، ونشاطها كله وخلجاتها.. فهذا نصر الله في ذوات النفوس. وإن لله شريعة ومنهاجاً للحياة، تقوم على قواعد وموازين وقيم وتصور خاص للوجود كله وللحياة. ونصر الله يتحقق بنصرة شريعته ومنهاجه، ومحاولة تحكيمها في الحياة كلها بدون استثناء، فهذا نصر الله في واقع الحياة. ونقف لحظة أمام قوله تعالى: {والذين قتلوا في سبيل الله}.. وقوله: {إن تنصروا الله}.. وفي كلتا الحالتين. حالة القتل. وحالة النصرة. يشترط أن يكون هذا لله وفي سبيل الله. وهي لفتة بديهية، ولكن كثيراً من الغبش يغطي عليها عندما تنحرف العقيدة في بعض الأجيال. وعندما تمتهن كلمات الشهادة والشهداء والجهاد وترخص، وتنحرف عن معناها الوحيد القويم. إنه لا جهاد، ولا شهادة، ولا جنة، إلا حين يكون الجهاد في سبيل الله وحده، والموت في سبيله وحده، والنصرة له وحده، في ذات النفس وفي منهج الحياة. لا جهاد ولا شهادة ولا جنة إلا حين يكون الهدف هو أن تكون كلمة الله هي العليا. وأن تهيمن شريعته ومنهاجه في ضمائر الناس وأخلاقهم وسلوكهم، وفي أوضاعهم وتشريعهم ونظامهم على السواء. عن أبي موسى - رضي الله عنه - قال: "حديث : سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم- عن الرجل يقاتل شجاعة، ويقاتل حمية، ويقاتل رياء. أي ذلك في سبيل الله؟ فقال: من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله ". تفسير : وليس هنالك من راية أخرى، أو هدف آخر، يجاهد في سبيله من يجاهد، ويستشهد دونه من يستشهد، فيحق له وعد الله بالجنة. إلا تلك الراية وإلا هذا الهدف. من كل ما يروج في الأجيال المنحرفة التصور من رايات وأسماء وغايات! ويحسن أن يدرك أصحاب الدعوة هذه اللفتة البديهية، وأن يخلصوها في نفوسهم من الشوائب التي تعلق بها من منطق البيئة وتصور الأجيال المنحرفة، وألا يلبسوا برايتهم راية، ولا يخلطوا بتصورهم تصوراً غريباً على طبيعة العقيدة. لا جهاد إلا لتكون كلمة الله هي العليا. العليا في النفس والضمير. والعليا في الخلق والسلوك. والعليا في الأوضاع والنظم. والعليا في العلاقات والارتباطات في كل أنحاء الحياة. وما عدا هذا فليس لله. ولكن للشيطان. وفيما عدا هذا ليست هناك شهادة ولا استشهاد. وفيما عدا هذا ليس هنالك جنة ولا نصر من عند الله ولا تثبيت للأقدام. وإنما هو الغبش وسوء التصور والانحراف. وإذا عز على غير أصحاب الدعوة لله أن يتخلصوا من هذا الغبش وسوء التصور والانحراف، فلا أقل من أن يخلص الدعاة إلى الله أنفسهم ومشاعرهم وتصورهم من منطق البيئة الذي لا يتفق مع البديهية الأولى في شرط الله.. وبعد فهذا شرط الله على الذين آمنوا. فأما شرطه لهم فهو النصر وتثبيت الأقدام. وعد الله لا يخلفه. فإذا تخلف فترة؛ فهو أجل مقدر لحكمة أخرى تتحقق مع تحقق النصر والتثبيت. وذلك حين يصح أن المؤمنين وفوا بالشرط ثم تخلف عنهم - فترة - نصر الله. ثم نقف لحظة أمام لفتة خاصة في التعبير: {ينصركم. ويثبت أقدامكم}.. إن الظن يذهب لأول وهلة أن تثبيت الأقدام يسبق النصر، ويكون سبباً فيه. وهذا صحيح. ولكن تأخير ذكره في العبارة يوحي بأن المقصود معنى آخر من معاني التثبيت. معنى التثبيت على النصر وتكاليفه. فالنصر ليس نهاية المعركة بين الكفر والإيمان، وبين الحق والضلال. فللنصر تكاليفه في ذات النفس وفي واقع الحياة. للنصر تكاليفه في عدم الزهو به والبطر. وفي عدم التراخي بعده والتهاون. وكثير من النفوس يثبت على المحنة والبلاء. ولكن القليل هو الذي يثبت على النصر والنعماء. وصلاح القلوب وثباتها على الحق بعد النصر منزلة أخرى وراء النصر. ولعل هذا هو ما تشير إليه عبارة القرآن. والعلم لله. {والذين كفروا فتعساً لهم وأضل أعمالهم}.. وذلك عكس النصر وتثبيت الأقدام. فالدعاء بالتعس قضاء من الله سبحانه بالتعاسة والخيبة والخذلان وإضلال الأعمال ضياع بعد ذلك وفناء.. {ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله فأحبط أعمالهم}.. وهو تصوير لما يعتمل في قلوبهم ويختلج في نفوسهم من الكراهية لما أنزل الله من قرآن وشريعة ومنهج واتجاه. وهذا هو الذي يدفع بهم إلى الكفر والعناد والخصومة والملاحاة. وهي حالة كثير من النفوس الفاسدة التي تكره بطبعها ذلك النهج السليم القويم، وتصادمه من داخلها، بحكم مغايرة طبيعتها لطبيعته. وهي نفوس يلتقي بها الإنسان كثيراً في كل زمان وفي كل مكان، ويحسن منها النفرة والكراهية لهذا الدين وما يتصل به؛ حتى إنها لتفزع من مجرد ذكره كما لو كانت قد لذعتها العقارب! وتتجنب أن يجيء ذكره أو الإشارة إليه فيما تسمع حولها من حديث! ولعلنا نشاهد في هذه الأيام حالة من هذا الطراز لا تخفى على الملاحظة! وكان جزاء هذه الكراهية لما أنزل الله، أن أحبط الله أعمالهم. وإحباط الأعمال تعبير تصوري على طريقة القرآن الكريم في التعبير بالتصوير. فالحبوط انتفاخ بطون الماشية عند أكلها نوعاً من المرعى سام. ينتهي بها إلى الموت والهلاك. وكذلك انتفخت أعمالهم وورمت وانبعجت.. ثم انتهت إلى الهلاك والضياع! إنها صورة وحركة، ونهاية مطابقة لحال من كرهوا ما أنزل الله ثم تعاجبوا بالأعمال الضخام. المنتفخة كبطون الأنعام، حين ترعى من ذلك النبت السام! ثم يلوي أعناقهم إلى مصارع الغابرين قبلهم في شدة وعنف: {أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم؟ دمر الله عليهم. وللكافرين أمثالها}.. وهي لفتة عنيفة مروعة، فيها ضجة وفرقعة. وفيها مشهد للذين من قبلهم يدمر عليهم كل ما حولهم، وكل مالهم، فإذا هو أنقاض متراكمة، وإذا هم تحت هذه الأنقاض المتراكمة. وذلك المشهد الذي يرسمه التعبير مقصود بصورته هذه وحركته، والتعبير يحمل في إيقاعه وجرسه صورة هذا المشهد وفرقعته في انقضاضه وتحطمه! وعلى المشهد التدمير والتحطيم والردم، يلوح للحاضرين من الكافرين، ولكل من يتصف بهذه الصفة بعد، بأنها في انتظارهم. هذه الوقعة المدمرة التي تدمر عليهم كل شيء وتدفنهم بين الأنقاض: {وللكافرين أمثالها}! وتفسير هذا الأمر الهائل المروع الذي يدمر على الكافرين وينصر المؤمنين هو القاعدة الأصيلة الدائمة: {ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا, وأن الكافرين لا مولى لهم}.. ومن كان الله مولاه وناصره فحسبه، وفيه الكفاية والغناء؛ وكل ما قد يصيبه إنما هو ابتلاء وراءه الخير، لا تخلياً من الله عن ولايته له، ولا تخلفاً لوعد الله بنصر من يتولاهم من عباده. ومن لم يكن الله مولاه فلا مولى له، ولو اتخذ الإنس والجن كلهم أولياء. فهو في النهاية مضيع عاجز؛ ولو تجمعت له كل أسباب الحماية وكل أسباب القوة التي يعرفها الناس! ثم يوازن بين نصيب الذين آمنوا ونصيب الذين كفروا من المتاع بعدما بيّن نصيب هؤلاء وهؤلاء فيما يشتجر بينهم من قتال ونزال. مع بيان الفارق الأصيل بين متاع ومتاع: {إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار. والذين كفروا يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام، والنار مثوى لهم}.. والذين آمنوا وعملوا الصالحات يتمتعون في الأرض أحياناً من أطيب المتاع؛ ولكن الموازنة هنا إنما تقوم بين النصيب الحقيقي الضخم للمؤمنين - وهو نصيبهم في الجنة - والنصيب الكلي للكافرين الذي لا نصيب لهم سواه. ونصيب المؤمنين يتلقونه من يد الله في جنات تجري من تحتها الأنهار. فالله هو الذي يدخلهم. وهو إذن نصيب كريم علوي رفيع. وهم ينالونه من بين يدي الله في علاه جزاء على الإيمان والصلاح، متناسقاً في رفعته وكرامته مع الارتفاع المنطلق من الإيمان والصلاح. ونصيب الذين كفروا متاع وأكل {كما تأكل الأنعام}.. وهو تصوير زري، يذهب بكل سمات الإنسان ومعالمه؛ ويلقي ظلال الأكل الحيواني الشره، والمتاع الحيواني الغليظ. بلا تذوق، وبلا تعفف عن جميل أو قبيح.. إنه المتاع الذي لا ضابط له من إرادة، ولا من اختيار، ولا حارس عليه من تقوى، ولا رادع عنه من ضمير. والحيوانية تتحقق في المتاع والأكل، ولو كان هناك ذوق مرهف للطعوم، وحس مدرب في اختيار صنوف المتاع، كما يتفق هذا لكثير من الناشئين في بيوت النعمة والثراء. وليس هذا هو المقصود. إنما المقصود هو حساسية الإنسان الذي يملك نفسه وإرادته، والذي له قيم خاصة للحياة؛ فهو يختار الطيب عند الله. عن إرادة لا يخضعها ضغط الشهوة، ولا يضعفها هتاف اللذة. ولا تحسب الحياة كلها مائدة طعام، وفرصة متاع؛ بلا هدف بعد ذلك ولا تقوى فيما يباح وما لا يباح! إن الفارق الرئيسي بين الإنسان والحيوان: أن للإنسان إرادة وهدفاً وتصوراً خاصاً للحياة يقوم على أصولها الصحيحة، المتلقاة من الله خالق الحياة. فإذا فقد هذا كله فقد أهم خصائص الإنسان المميزة لجنسه، وأهم المزايا التي من أجلها كرمه الله. وتعترض سلسلة الموازنات بين الذين آمنوا والذين كفروا لفتة إلى القرية التي أخرجت الرسول - صلى الله عليه وسلم - وموازنة بينها وبين القرى الهالكة وكانت أشد قوة منها: {وكأين من قرية هي أشد قوة من قريتك التي أخرجتك أهلكناهم فلا ناصر لهم}.. وهي آية يروى أنها نزلت في الطريق بين مكة والمدينة في أثناء رحلة الخروج والهجرة، تسلية للرسول- صلى الله عليه وسلم - وتسرية عنه؛ وتهويناً من شأن المشركين الجبارين الذين وقفوا في وجه الدعوة، وآذوا أصحابها، حتى هاجروا من أرضهم وأهلهم وأموالهم فراراً بعقيدتهم. ثم يمضي في الموازنة بين حال الفريقين؛ ويعلل لم كان الله ولي المؤمنين يدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار في الآخرة، بعد النصر والكرامة في الدنيا؟ ولم كان الذين كفروا لا مولى لهم معرضين للهلاك في الدنيا - بعد حياة حيوانية هابطة - وللعذاب في الآخرة والثوي في النار والإقامة: {أفمن كان على بينة من ربه، كمن زين له سوء عمله، واتبعوا أهواءهم؟}.. فهو فارق أصيل في الحالة التي عليها الفريقان، وفي المنهج والسلوك سواء. فالذين آمنوا على بينة من ربهم.. رأوا الحق وعرفوه، واستيقنوا من مصدره واتصلوا بربهم فتلقوا عنه، وهم على يقين مما يتلقون. غير مخدوعين ولا مضللين. والذين كفروا زين لهم سوء عملهم، فرأوه حسناً وهو سِّيىء؛ ولم يروا ولم يستيقنوا، {واتبعوا أهواءهم}. بلا ضابط يرجعون إليه، ولا أصل يقيسون عليه، ولا نور يكشف لهم الحق من الباطل. أهؤلاء كهؤلاء؟ إنهم يختلفون حالاً ومنهجاً واتجاهاً. فلا يمكن أن يتفقوا ميزاناً ولا جزاء ولا مصيراً! وهذه صورة من صور التفرقة بين هؤلاء وهؤلاء في المصير: {مثل الجنة التي وعد المتقون فيهآ أنهار من مآء غير آسن، وأنهار من لبن لم يتغير طعمه، وأنهار من خمر لذة للشاربين، وأنهار من عسل مصفى؛ ولهم فيها من كل الثمرات ومغفرة من ربهم. كمن هو خالد في النار، وسقوا مآء حميماً فقطع أمعاءهم؟}.. إن هذه الصورة الحسية من النعيم والعذاب ترد في مواضع من القرآن. وقد تجيء معها صور معنوية أو تجيء مجردة. كما أن صور النعيم والعذاب المجردة عن الحسيات تجيء في مواضع أخرى. والله الذي خلق البشر، أعلم بمن خلق، وأعرف بما يؤثر في قلوبهم، وما يصلح لتربيتهم. ثم ما يصلح لنعيمهم ولعذابهم. والبشر صنوف، والنفوس ألوان، والطبائع شتى. تلتقي كلها في فطرة الإنسان، ثم تختلف وتتنوع بحسب كل إنسان. ومن ثم فصل الله ألوان النعيم والعذاب، وصنوف المتاع والآلام. وفق علمه المطلق بالعباد.. هنالك ناس يصلح لتربيتهم، ولاستجاشة همتهم للعمل كما يصلح لجزائهم ويرضي نفوسهم أن يكون لهم أنهار من ماء غير آسن، أو أنهار من لبن لم يتغير طعمه، أو أنهار من عسل مصفى، أو أنهار من خمر لذة للشاربين. أو صنوف من كل الثمرات. مع مغفرة من ربهم تكفل لهم النجاة من النار والمتاع بالجنات.. فلهؤلاء ما يصلح لتربيتهم، وما يليق لجزائهم. وهنالك ناس يعبدون الله لأنهم يشكرونه على نعمه التي لا يحصونها. أو لأنهم يحبونه ويتقربون إليه بالطاعات تقرب الحبيب للحبيب. أو لأنهم يستحيون أن يراهم الله على حالة لا يحبها. ولا ينظرون وراء ذلك إلى جنة أو إلى نار، ولا إلى نعيم أو عذاب على الإطلاق، وهؤلاء يصلح لهم تربية ويصلح لهم جزاء أن يقول الله لهم:{أية : إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمـن ودا}تفسير : أو أن يعلموا أنهم سيكونون: {أية : في مقعد صدق عند مليك مقتدر } تفسير : ولقد روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "حديث : أنه كان يصلي حتى تنفر رجلاه. فقالت له عائشة ـ رضي الله عنها - يا رسول الله أتصنع هذا وقد غفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فقال - صلى الله عليه وسلم -: يا عائشة أفلا أكون عبداً شكوراً؟ ".. تفسير : وتقول رابعة العدوية: "أو لو لم تكن جنة ولا نار لم يعبد الله أحد، ولم يخشه أحد؟". وتجيب سفيان الثوري وقد سألها: ما حقيقة إيمانك؟ تقول: ما عبدته خوفاً من ناره، ولا حباً لجنته، فأكون كالأجير السوء. عبدته شوقاً إليه".. وبين هذا اللون وذلك ألوان من النفوس والمشاعر والطباع.. وكلها تجد - فيما جعله الله من نعيم وعذاب، ومن ألوان الجزاء - ما يصلح للتربية في الأرض؛ وما يناسب للجزاء عند الله. والملاحظ عموماً أن صور النعيم والعذاب ترق وتشف كلما ترقى السامعون في مراقي التربية والتهذيب على مدى نزول القرآن. وحسب أنواع المخاطبين، والحالات المتنوعة التي كانت تخاطب بالآيات. وهي حالات ونماذج تتكرر في البشرية في جميع الأعصار. وهنا نوعان من الجزاء: هذه الأنهار مع كل الثمرات مع المغفرة من الله. والنوع الآخر: {كمن هو خالد في النار وسقوا ماء حميماً فقطع أمعاءهم}.. وهي صورة حسية عنيفة من العذاب، تناسب جو سورة القتال، وتتناسب مع غلظ طبيعة القوم. وهم يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام. فالجو جو متاع غليظ وأكل غليظ. والجزاء ماء حميم ساخن وتقطيع للأمعاء، التي كانت تحش وتلتهم الأكل كالأنعام! ولن يكن هؤلاء كهؤلاء في الجزاء، كما أنهم في الحال والمنهج ليسوا سواء.. بهذا يختم الجولة الأولى التي بدأت بالهجوم عند افتتاح السورة، واستمرت في معركة متصلة، عنيفة، حتى الختام..
ابن عاشور
تفسير : صُدّر التحريض على القتال بتوطئة لبيان غضب الله على الكافرين لكفرهم وصدهم الناس عن دين الله وتحقير أمرهم عند الله ليكون ذلك مثيراً في نفوس المسلمين حنقاً عليهم وكراهية فتثور فيهم همة الإقدام على قتال الكافرين، وعدم الاكتراث بما هم فيه من قوة، حين يعلمون الله يخذل المشركين وينصر المؤمنين، فهذا تمهيد لقوله: {أية : فإذا لقيتم الذين كفروا}تفسير : [محمد: 4]. وفي الابتداء بالموصول والصلة المتضمنة كُفر الذين كفروا ومناواتهم لدين الله تشويق لما يرد بعده من الحكم المناسب للصلة، وإيماء بالموصول وصلته إلى علة الحكم عليه بالخبر أي لأجل كفرهم وصدهم، وبراعة استهلال للغرض المقصود. والكفُر: الإشراك بالله كما هو مصطلح القرآن حيثما أطلق الكفر مجرداً عن قرينة إرادة غير المشركين. وقد اشتملت هذه الجملة على ثلاثة أوصاف للمشركين. وهي: الكفر، والصد عن سبيل الله، وضلال الأعمال الناشىء عن إضلال الله إياهم. والصدّ عن سبيل: هو صرف الناس عن متابعة دين الإسلام، وصرفُهم أنفسهم عن سماع دعوة الإسلام بطريق الأوْلى. وأضيف (السبيل) إلى {الله} لأنه الدين الذي ارتضاه الله لعباده {أية : إن الدين عند الله الإسلام}تفسير : [آل عمران: 19]. واستعير اسم السبيل للدين لأن الدين يوصل إلى رضى الله كما يوصل السبيل السائرَ فيه إلى بُغيته. ومن الصد عن سبيل الله صدهم المسلمين عن المسجد الحرام قال تعالى: {أية : ويصدون عن سبيل الله والمسجد الحرام}تفسير : [الحج: 25]. ومن الصد عن المسجد الحرام: إخراجهم الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين من مكة، وصدهم عن العُمرة عام الحديبية. ومن الصد عن سبيل الله: إطعامهم الناس يوم بدر ليثبتوا معهم ويكثروا حولهم، فلذلك قيل: إن الآية نزلت في المطعِمين يوم بدر وكانوا اثني عشر رجلاً من سادة المشركين من قريش. وهم: أبو جهل، وعتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وأبيٌّ بن خلَف، وأمية بن خلَف، ونُبَيْه بن الحجاج، ومُنَبِّه بنُ الحجاج، وأبو البَخْتَرِي بنُ هشام، والحارث بن هشام، وزَمعة بن الأسود، والحارث بن عامر بن نَوفل، وحَكيم بن حِزام، وهذا الأخير أسلم من بعد وصار من خيرة الصحابة. وعدّ منهم صفوان بن أمية، وسهل بن عمرو، ومِقْيَس الجُمحي، والعباس بن عبد المطلب، وأبو سفيان بن حرب وهذان أسلما وحَسن إسلامهما وفي الثلاثة الآخَرين خلاف. ومن الصد عن سبيل الله صدهم الناس عن سماع القرآن {أية : وقال الذين كفروا لا تَسمعوا لهذا القرآن والغَوا فيه لعلكم تغلبون}تفسير : [فصلت: 26]. والإضلال: الإبطال والإضاعة، وهو يرجع إلى الضلال. وأصله الخطأ للطريق المسلوك للوصول إلى مكان يُراد وهو يستلزم المعاني الأخر. وهذا اللفظ رشيق الموقع هنا لأنه الله أبطل أعمالهم التي تبدو حسنة، فلم يثبهم عليها من صلة رحم، وإطعام جائع، ونحوهما، ولأن من إضلال أعمالهم أن كان غالب أعمالهم عبثاً وسيئاً ولأن من إضلال أعمالهم أن الله خَيَّبَ سعيهم فلم يحصلوا منه على طائل فانهزموا يوم بدر وذهب إطعامُهم الجيْش باطلاً، وأفسد تدبيرهم وكيدهم للرسول صلى الله عليه وسلم فلم يشفُوا غليلهم يوم أحد، ثم توالت انهزاماتهم في المواقع كلها قال تعالى: {أية : إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدّوا عن سبيل الله فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ثم يغلبون}تفسير : [الأنفال: 36].
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى في هذه الآية الكريمة: وصدوا عن سبيل الله، قال بعضهم: هو من الصدود، لأن صد في الآية لازمة. وقال بعضهم: هو من الصد لأن صد في الآية متعدية. وعليه فالمفعول محذوف أي صدوا غيرهم عن سبيل الله، أي عن الدخول في الإسلام. وهذا القول الأخير هو الصواب، لأنه على القول بأن صد لازمة، فإن ذلك يكون تكراراً مع قوله {كَفَرُوا} لأن الكفر هو أعظم أنواع الصدود عن سبيل الله. وأما على القول: بأن صد متعدية فلا تكرار لأن المعنى أنهم ضالون في أنفسهم، مضلون لغيرهم بصدهم إياهم عن سبيل الله، وقد قدمنا في سورة النحل في الكلام على قوله تعالى:{أية : فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم}تفسير : [النحل: 97] الآية، أن اللفظ إذا دار بين التأكيد والتأسيس وجب حمله على التأسيس، إلا بدليل يجب الرجوع إليه. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: {أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ} أي أبطل ثوابها، فما عمله الكافر من حسن في الدنيا، كقري الضيف، وبر الوالدين، وحمي الجار، وصلة الرحمن، والتنفيس عن المكروب، يبطل يوم القيامة، ويضمحل ويكون لا أثر له، كما قال تعالى:{أية : وَقَدِمْنَآ إِلَىٰ مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَآءً مَّنثُوراً}تفسير : [الفرقان: 23]، وهذا هو الصواب في معنى الآية. وقيل: أضل أعمالهم أي أبطل كيدهم، الذي أرادوا أن يكيدوا به النبي صلى الله عليه وسلم. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ وَآمَنُواْ بِمَا نُزِّلَ عَلَىٰ مُحَمَّدٍ وَهُوَ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ} أي غفر لهم ذنوبهم وتجاوز لهم عن أعمالهم السيئة {وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ} أي أصلح لهم شأنهم وحالهم إصلاحاً لا فساد معه، وما ذكره جل وعلا هنا في أول هذه السورة الكريمة، من أن يبطل أعمال الكافرين، ويبقي أعمال المؤمنين جاء موضحاً في آيات كثيرة كقوله تعالى:{أية : مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ إِلاَّ ٱلنَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ}تفسير : [هود: 15-16]. وقوله تعالى:{أية : مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي ٱلآخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ}تفسير : [الشورى: 20] وقوله تعالى:{أية : أَصْحَابُ ٱلْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرّاً وَأَحْسَنُ مَقِيلاً}تفسير : [الفرقان: 24]. وقد قدمنا الآيات الموضحة لهذا مع بعض الأحاديث الصحيحة فيه، مع زيادة إيضاح مهمة في سورة بني إسرائيل في الكلام على قوله تعالى:{أية : وَمَنْ أَرَادَ ٱلآخِرَةَ وَسَعَىٰ لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُوراً}تفسير : [الإسراء: 19]. وفي سورة النحل في الكلام على قوله تعالى:{أية : مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ}تفسير : [النحل: 97] الآية. وذكرنا طرفاً منه في سورة الأحقاف في الكلام على قوله تعالى:{أية : أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ ٱلدُّنْيَا وَٱسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا}تفسير : [الأحقاف: 20] الآية. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: {أَضَلَّ أَعْمَالَهُم} أصله من الضلال بمعنى الغيبة، والاضمحلال. لا من الضالة كما زعمه الزمخشري فهو كقوله:{أية : وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ}تفسير : [الأنعام: 24]. وقد قدمنا معاني الضلال في القرآن واللغة، في سورة الشعراء في الكلام على قوله:{أية : قَالَ فَعَلْتُهَآ إِذاً وَأَنَاْ مِنَ ٱلضَّالِّينَ}تفسير : [الشعراء: 20]، وفي آخر الكهف في الكلام على قوله تعالى: {أية : ٱلَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا}تفسير : [الكهف: 104] الآية، وفي غير ذلك من المواضع. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: {وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ} قد قدمنا إيضاحه في أول سورة الكهف في الكلام على قوله تعالى {أية : وَيُبَشِّرَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلصَّالِحَاتِ}تفسير : [الكهف: 2] الآية، وفي سورة النحل في الكلام على قوله تعالى{أية : مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ}تفسير : [النحل: 97] الآية. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: {وَآمَنُواْ بِمَا نُزِّلَ عَلَىٰ مُحَمَّد}. قال فيه ابن كثير: هو عطف خاص على عام، وهو دليل على أنه شرط في صحة الإيمان، بعد بعثته صلى الله عليه وسلم اهـ منه. ويدل لذلك قوله تعالى:{أية : وَمَن يَكْفُرْ بِهِ مِنَ ٱلأَحْزَابِ فَٱلنَّارُ مَوْعِدُهُ فَلاَ تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِّنْهُ إِنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ}تفسير : [هود: 17]. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة {وَهُوَ الْحَقُّ} جملة اعتراضية تتضمن شهادة الله بأن هذا القرآن المنزل على هذا النبي الكريم، صلى الله عليه وسلم هو الحق من الله، كما قال تعالى: {أية : وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ ٱلْحَقُّ}تفسير : [الأنعام: 66]، قال تعالى: {أية : وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ وَإِنَّهُ لَحَقُّ ٱلْيَقِينِ}تفسير : [الحاقة: 50-51] وقال تعالى:{أية : قُلْ يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدْ جَآءَكُمُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَنُ ٱهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ}تفسير : [يونس: 108] الآية وقال تعالى:{أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدْ جَآءَكُمُ ٱلرَّسُولُ بِٱلْحَقِّ مِن رَّبِّكُمْ}تفسير : [النساء: 170] الآية، والآيات بمثل ذلك كثيرة معلومة. وقوله تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱتَّبَعُواْ ٱلْبَاطِلَ وَأَنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّبَعُواْ ٱلْحَقَّ مِن رَّبِّهِمْ} أي ذلك المذكور من إضلال أعمال الكفار أي إبطالها واضمحلالها، وبقاء ثواب أعمال المؤمنين، وتكفير سيئاتهم وإصلاح حالهم، كله واقع بسبب أن الكفار اتبعوا الباطل، ومن اتبع الباطل فعمله باطل. والزائل المضمحل تسميه العرب باطلاً وضده الحق. وبسبب أن الذين آمنوا اتبعوا الحق، ومتبع الحق أعماله حق، فهي ثابتة باقية، لا زائلة مضمحلة. وما تضمنته هذه الآية الكريمة، من أن اختلاف الأعمال، يستلزم اختلاف الثواب، لا يتوهم استواءهما إلا الكافر الجاهل، الذي يستوجب الإنكار عليه، جاء موضحاً في آيات أخر، كقوله تعالى:{أية : أَفَنَجْعَلُ ٱلْمُسْلِمِينَ كَٱلْمُجْرِمِينَ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ}تفسير : [القلم: 35-36]. وقوله تعالى: {أية : أفَنَجْعَلُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ كَٱلْمُفْسِدِينَ فِي ٱلأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ ٱلْمُتَّقِينَ كَٱلْفُجَّارِ}تفسير : [ص: 28]. وقوله تعالى:{أية : أَمْ حَسِبَ ٱلَّذِينَ ٱجْتَرَحُواْ ٱلسَّيِّئَاتِ أَن نَّجْعَلَهُمْ كَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ سَوَآءً مَّحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ}تفسير : [الجاثية: 21]. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: {كَذَلِكَ يَضْرِبُ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثَالَهُمْ}. قال فيه الزمخشري: فإن قلت: أين ضرب الأمثال؟ قلت: في جعل اتباع الباطل مثلاً لعمل الكفار. واتباع الحق مثلاً لعمل المؤمنين. أو في أن جعل الإضلال مثلاً لخيبة الكفار، وتكفير السيئات مثلاً لفوز المؤمنين اهـ. منه. وأصل ضرب الأمثال يراد منه بيان الشيء بذكر نظيره الذي هو مثل له.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 1- الذين كفروا بالله ورسوله وصدُّوا غيرهم عن الدخول فى الإسلام أبطل الله كل ما عملوه. 2- والذين آمنوا وعملوا الصالحات وصدَّقوا بما أنزل على محمد وهو الحق من ربهم، محا عنهم سيئاتهم، وأصلح حالهم فى الدين والدنيا. 3- ذلك بأن الذين كفروا سلكوا طريق الباطل، وأن الذين آمنوا اتبعوا طريق الحق من ربهم، مثل ذلك البيان الواضح يُبَيِّن الله للناس أحوالهم ليعتبروا.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله: أي كفروا بتوحيد الله ولقائه وبآياته ورسوله وصدوا غيرهم عن الدخول في الإِسلام. أضل أعمالهم: أي أحبط أعمالهم الخيرية كإِطعام الطعام وصلة الأرحام فلا يرى لها أَثَرُ يوم القيامة. والذين آمنوا وعملوا الصالحات: أي آمنوا بالله وآياته ورسوله ولقائه وأدوا الفرائض واجتنبوا النواهي. وآمنوا بما نزل على محمد: أي بالقرآن الكريم. كفر عن سيئاتهم: أي محا عنهم ذنوبهم وغفرها لهم. وأصلح بالهم: أي شأنهم وحالهم فهم لا يعصون الله تعالى. ذلك: أي إضلال أعمال الكافرين وتكفير سيئات المؤمنين. بأن الذين كفروا اتبعوا الباطل: أي الشيطان في كل ما يمليه عليهم ويزينه لهم من الكفر والشرك والمعاصي. وأن الذين آمنوا اتبعوا الحق من ربهم: أي التوحيد والعمل الصالح. كذلك يضرب الله للناس أمثالهم: أي كما بيّن تعالى حال الكافرين، وحال المؤمنين في هذه الآية يبين للناس أمثالهم ليعتبروا. معنى الآيات: قوله تعالى {ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَٰلَهُمْ} هذه جملة خبريّة أخبر تعالى فيها عن حال من كفر بالله ورسوله وصد عن سبيل الله أي الإِسلام غيره من الناس أضل الله عمله فأحبطه فلم يحصل له ثواب في الآخرة، ولازمه أنه هالك في النار، وتكون هذه الجملة كأنها جواب لسؤال نشأ عن قوله تعالى في خاتمة سورة الأحقاف قبل هذه السورة وهي فهل يُهلك إلاّ القوم الفاسقون أي ما يهلك إلاّ القوم الفاسقون فقال قائل من هم القوم الفاسقون؟ فكان الجواب الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله وهو وجه ارتباط بين السورتين حسن. هذا وقوله تعالى {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ} أي بالله ورسوله وآياته ولقائه وعملوا الصالحات أي أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وصاموا رمضان وحجوا البيت الحرام ووصلوا الأرحام وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر، ولو بالاستعداد للقيام بذلك إذ بعض هذه الصالحات لم يشرع بعد وآمنا بما نزل على محمد صلى الله عليه وسلم وهو القرآن الكريم والسنة الصحيحة لأنها وحي إلهي يتلقاه رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي صحيح الحديث [ألا وإني أُوتيت القرآن ومثله معه] وقوله تعالى {وَهُوَ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ} أي القرآن لأنه ناسخ للكتب قبله ولا ينسخ بكتاب بعده. فهو الحق الثابت الباقي إلى نهاية الحياة. وقوله {كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ} أي محا عنهم ذنوبهم وأصلح بالهم أي شأنهم وحالهم فلم يفسدوا بعد بشرك ولا كفر هذ جزاؤهم على إيمانهم وصالح أعمالهم. وقوله تعالى {ذَلِكَ بِأَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱتَّبَعُواْ ٱلْبَاطِلَ} وهو الشيطان وما يزينه من أعمال الشرك والشر والفساد، {وَأَنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّبَعُواْ ٱلْحَقَّ مِن رَّبِّهِمْ} وهو القرآن وما جاء به ودعا إليه من العقائد الصحيحة والعبادات المزكية للنفس المهذبة للأرواح. أي ذلك الجزاء للذين كفروا والذين آمنوا بسبب أن الذين كفروا اتبعوا الباطل وأن الذين آمنوا اتبعوا الحق من ربهم. وقوله تعالى {كَذَلِكَ يَضْرِبُ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثَالَهُمْ} أي مثل هذا التبيين لحال الكافرين وحال المؤمنين في هذه الآيات يبّين الله للناس أمثالهم أي أحوالهم بالخسران والنجاح ليعتبروا فيسلكوا سبيل النجاح، ويتجنبوا سبيل الخسران، فضلا منه تعالى. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- بيان طريقي الفلاح والخسران فطريق الفلاح الإِيمان والعمل الصالح وطريق الخسران الشرك والمعاصي. 2- بيان أن أعمال البر مع الكفر والشرك لا تنفع صاحبها يوم القيامة ولا تشفع له وقد يثاب عليها في الدنيا فيبارك له في ماله وولده. 3- بيان الحكمة في ضرب الأمثال وهي هداية الناس إلى ما يُفلحون به، فينجون من النار ويدخلون الجنة.
القطان
تفسير : صدوا عن سبيل الله: صرفوا الناس عن الاسلام. أضلّ اعمالهم: أبطلها. اصلح بالَهم: أصلح حالهم، والبال معناه القلب والخاطر. والبال: الامل، ويقال: فلان رضيّ البال وناعم البال: موفور العيش هادئ النفس. فضرب الرقاب: فاضربوا رقابهم ضرباً واقتلوهم. أثخنتموهم: اكثرتم فيهم القتل. فشدّوا الوثاق: فأسِروهم واربطوهم. الوثاق بفتح الواو وكسرها ما يوثق به. فإما منّاً بعدُ واما فداء: فاما ان تطلقوا سراحهم بدون فداء، واما ان يفدوا أنفسهم بشيء من المال. حتى تضع الحرب أوزارها: حتى تنتهي الحرب، الأوزار: اثقال الحرب من سلاح وغيره. قسم الله الناس فريقين: أهلَ الكفر الذين صدّوا الناسَ عن دين الله، وبيّن ان هؤلاء قد أبطلَ اعمالهم، وأهل الايمان الذين آمنوا بالله ورسوله وعملوا الصالحات، وقد محا عنهم سيئاتهم، وأصلح حالهم في الدين والدنيا. ثم علل ذلك بان اعمال الفريقين جرت على ما سنَّه الله في الخليقة، بأن الحق منصور، والباطل مخذول، {كَذَلِكَ يَضْرِبُ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثَالَهُمْ}، وهكذا شأن القرآن يوضح الأمور التي فيها عظة وذكرى بضرب الامثال للناس ليعتبروا. ثم بعد ذلك ذكر الله تعالى هنا وجوبَ القتال وأذِن به بعد ان استقر المؤمنون في المدينة، وبدأوا في تأسيس الدولة الاسلامية. وتبين هذه الآياتُ مشروعيةَ القتال للدفاع عن العقيدة والوطن. فإذا لقيتم الذين كفروا في الحرب فاضرِبوا رقابَهم، حتى إذا أضعفتموهم بكثرة القتل فيهم فأحكِموا قيد الأسرى، وبعد ذلك لكم الخيار: إما ان تُطلقوا الأسرى او بعضَهم بغير فداء وتمنُّوا عليهم بذلك، وإما ان تأخذوا منهم الفدية، او تبادلوا بهم بالمسلمين ممن يقع في الأسر. وليكن هذا شأنكم مع الكافرين حتى تنتهي الحرب وتضع أوزارها. ثم بين الله تعالى ان هذه هي السنّة التي أرادها من حرب المشركين، ولو شاء لانتقم منهم بلا حرب ولا قتال، ولكنه ليختبر المؤمنين بالكافرين شرع الجهاد. واما الشهداء الذين يُقتلون في سبيل الله فلن يُبطل أعمالهم، بل {سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ وَيُدْخِلُهُمُ ٱلْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ} وفيها كل ما لذ وطاب، وهم يعرفون منازلهم فيها كما يعرفون منازلهم في الدنيا. قراءات: قرأ أهل البصرة وحفص: والذين قُتلوا. بضم القاف وكسر التاء. والباقون والذين قاتلوا.
د. أسعد حومد
تفسير : {أَعْمَالَهُمْ} (1) - الذِينَ كَفَرُوا بِاللهِ، وبِآيَاتِهِ، وبِكُتُبِه، وَرُسُلِهِ، وَعَبَدُوا غَيْرَهُ، وَصَدُّوا النَّاسَ عَنِ الدُّخُولِ في دِينِ الإِسْلاَمِ، أَبْطَلَ اللهُ أَعْمَالَهُمْ، وَأهْلَكَها وَجَعَلَها تَسِيرُ عَلَى غَيْرِ هُدًى. (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّ هذِه الآيةَ نَزَلَتْ في المُطْعِمِينَ مِنْ قُرَيشٍ بِبَدرٍ وهُم اثْنا عَشَرَ رَجُلاً). أضَلَّ أَعْمَالَهُمْ - أبْطَلَها وَأحْبَطَها.
الثعلبي
تفسير : {ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ} أي أبطلها فلم يقبلها، وقال الضحّاك: أبطل كيدهم ومكرهم بالنبي صلى الله عليه وسلم وجعل الديرة عليهم. {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ وَآمَنُواْ بِمَا نُزِّلَ عَلَىٰ مُحَمَّدٍ وَهُوَ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ} حالهم، وجمعُهُ بالات. قال سفيان الثوري: {وَآمَنُواْ بِمَا نُزِّلَ عَلَىٰ مُحَمَّدٍ} لم يخالفوه في شيء. قال ابن عبّاس: {ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ} أهل مكّة. {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ} الأنصار. {ذَلِكَ بِأَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱتَّبَعُواْ ٱلْبَاطِلَ} يعني الشياطين. {وَأَنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّبَعُواْ ٱلْحَقَّ مِن رَّبِّهِمْ} يعني القرآن. {كَذَلِكَ يَضْرِبُ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ} يبيّن الله للنّاس. {أَمْثَالَهُمْ} أشكالهم. {فَإِذَا لَقِيتُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} من أهل الحرب. {فَضَرْبَ} نصب على الإغراء {ٱلرِّقَابِ} الأعناق، واحدتها رقبة. {حَتَّىٰ إِذَآ أَثْخَنتُمُوهُمْ} أي غلبتموهم، وقهرتموهم، وصاروا أسرى في أيديكم. {فَشُدُّواْ ٱلْوَثَاقَ} كي لا يفلتوا منكم، فيهربوا. {فَإِمَّا مَنًّا} عليهم {بَعْدُ} الأسر، بإطلاقكم إيّاهم من غير عوض، ولا فدية. {وَإِمَّا فِدَآءً} (و) نصبا بإضمار الفعل، مجازه: فإمّا أن تمنّوا عليهم منّاً، وإمّا أن تفادوهم، واختلف العلماء في حكم هذه الآية، فقال قوم: هي منسوخة بقوله: {أية : فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي ٱلْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِم} تفسير : [الأنفال: 57] ... الآية. وقوله: {أية : فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ} تفسير : [التوبة: 5]، وإلى هذا القول ذهب قتادة، والضحاك، والسدي، وابن جريج، وهي رواية العوفي، عن ابن عبّاس. أخبرنا عقيل بن محمّد أنّ أبا الفرج البغدادي أخبرهم، عن محمّد بن جرير، حدّثنا ابن عبد الأعلى، حدّثنا ابن ثور، عن معمر، عن عبد الكريم الجزري، قال: كُتب إلى أبي بكر رضي الله عنه في أسير أُسر، فذكر أنّهم التمسوه بفداء كذا، وكذا، فقال أبو بكر: اقتلوه، لَقتل رجل من المشركين أحبّ إليَّ من كذا، وكذا. وقال آخرون: هي مُحكمة والإمام مخيّر بين القتل، والمنّ، والفداء. وإليه ذهب ابن عمر، والحسن، وعطاء، وهو الاختيار؛ لأنّ النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين كلّ ذلك فعلوا، فقتل رسول الله عقبة بن أبي معيط، والنضر بن الحارث، يوم بدر صبراً فادى سائر أسارى بدر. وقيل: بني قريظة، وقد نزلوا على حكم سعد، وصاروا في يده سلماً ومنّ على أمامة بن أثال الحنفي وهو أسير في يده. أخبرنا عقيل أنّ أبا الفرج القاضي البغدادي أخبرهم، عن محمّد بن جرير، حدّثنا ابن عبد الأعلى، حدّثنا ابن ثور، عن معمر، عن رجل من أهل الشام ممّن كان يحرس عمر بن عبد العزيز، قال: ما رأيت عمر قتل أسيراً إلاّ واحداً من الترك، كان جيء بأسارى من الترك، فأمر بهم أن يسترقوا، فقال رجل ممّن جاء بهم: يا أمير المؤمنين لو كنت رأيت هذا لأحدهم وهو يقتل المسلمين، لكثر بكاؤك عليهم فقال عمر: قد فدك، فاقتله، فقام إليه فقتله. {حَتَّىٰ تَضَعَ ٱلْحَرْبُ أَوْزَارَهَا} [محمد: 4] أثقالها وأحمالها فلا تكون حرب، وقيل: حتّى تضع الحرب آثامها، وأجرامها، فيرتفع، وينقطع، لأنّ الحرب لا تخلو من الإثم في أحد الجانبين والفريقين. وقيل: معناه حتّى يضع أهل الحرب آلتها وعدّتها أو آلتهم وأسلحتهم فيمسكوا عن الحرب. والحرب القوم المحاربون كالشرب والركب، وقيل حتّى يضع الأعداء المتحاربون أوزارها وآثامها بأن يتوبوا من كفرهم ويؤمنوا بالله ورسوله. ويقال للكراع: أوزار، قال الأعشى: شعر : وأعددت للحرب أوزارها رماحاً طوالاً وخيلاً ذكورا تفسير : ومعنى الآية أثخنوا المشركين بالقتل، والأسر حتّى يظهر الإسلام على الأديان كلّها، ويدخل فيه أهل كلّ ملّة طوعاً أو كرهاً {أية : وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لله} تفسير : [الأنفال: 39] فلا نحتاج إلى قتال وجهاد، وذلك عند نزول عيسى (عليه السلام). وقال الحسن: معناه حتّى لا يُعبد إلاّ الله. الكلبي: حتّى يسلموا أو يسالموا. {ذَلِكَ} الذي ذكرت وبيّنت من حكم الكفّار {وَلَوْ يَشَآءُ اللَّهُ لاَنْتَصَرَ مِنْهُمْ} فأهلكهم وكفاكم أمرهم بغير قتال. {وَلَـٰكِن لِّيَبْلُوَاْ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ} من حكم الكفّار ونعلم المجاهدين منكم والصابرين {وَٱلَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} قرأ الحسن بضم (القاف) وكسر (التاء) مشدّداً من غير (ألف)، وقرأ أبو عمرو ويعقوب وحفص بضمّ (القاف) وكسر (التاء) مخفّفاً من غير (ألف)، واختاره أبو حاتم يعني الشهداء، وقرأ عاصم الحجدري (قُتِلُوا) بفتح (القاف) و(التاء) من غير (ألف)، يعني والذين قتلوا المشركين. وقرأ الباقون (قاتلوا) (بالألف) من المقاتلة، وهم المجاهدون، واختاره أبو عبيد. {فَلَن يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ} قال قتادة:حديث : ذُكر لنا إنّ هذه الآية أُنزلت يوم أحُد ورسول الله صلى الله عليه وسلم في الشعب وقد فشت فيهم الجراحات والقتل، وقد نادى المشركون: أعلُ هُبل، فنادى المسلمون: الله أعلى وأجلّ. فنادى المشركون: يوم بيوم والحرب سجال، لنا عزّى ولا عزّى لكم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "قولوا: الله مولانا ولا مولى لكم، إنّ القتال مختلفة، أمّا قتلانا فأحياء عند ربّهم يرزقون، وأمّا قتلاكم ففي النّار يُعذّبون" . تفسير : {سَيَهْدِيهِمْ} في الدُّنيا إلى الطاعة وفي العقبى إلى الدرجات. {وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ} يرضي خصماءهم، ويقبل أعمالهم {وَيُدْخِلُهُمُ ٱلْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ} أي بيّن لهم منازلهم فيها حتّى يهتدوا إلى مساكنهم، ودرجاتهم التي قسم الله لهم، لا يخطئون، ولا يستدلّون عليها أَحد، كأنّهم سكّانها منذ خُلقوا، وإنّ الرجل ليأتي منزله منها إذ دخلها كما كان يأتي منزله في الدُّنيا، لا يشكل ذلك عليه. وإنّه أهدى إلى درجته وزوجته وخدمه ونعمه منه إلى أهله ومنزله في الدُّنيا. هذا قول أكثر المفسِّرين، وقال المؤرّخ: يعني طيبها، والعرف: الريح الطيّبة، تقول العرب: عرّفت المرقة إذا طيّبتها بالملح والأبازير، قال الشاعر: شعر : وتدخل أيد في حناجر أقنعت لعادتها من الحزير المعرّف تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِن تَنصُرُواْ ٱللَّهَ} أي رسوله ودينه. {يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ} على الإسلام، وفي القتال {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَتَعْساً لَّهُمْ} قال ابن عبّاس: بُعداً لهم، وقال أبو العالية: سقوطاً، وقال الضحّاك: خيبة، وقال ابن زيد: شقاً، وقال ابن جرير: حزناً، وقال الفراء: هو نصب على المصدر على سبيل الدعاء، وأصل التعس في النّاس الدواب، وهو أن يقال للعاثر: تعساً، إذا لم يريدوا قيامه، ويقال: أتعسه الله، فتعس وهو متعس، وضدّه لعاء إذا أرادوا قيامه، وقد جمعها الأعمش في بيت واحد يصف ناقته: شعر : بذات لوث غفرناه إذا عثرت فالتعس أدنى لها من أن أقول لعا تفسير : {وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ} لأنّها كانت في طاعة الشيطان خالية عن الإيمان. {ذَلِكَ} الإضلال، والإبعاد. {بِأَنَّهُمْ كَرِهُواْ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ * أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ دَمَّرَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ} أي أهلكهم ودمّر عليهم منازلهم، ثمّ توعّد مشركي قريش. {وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا} إن لم يؤمنوا {ذَلِكَ} الذي ذكرت، وفعلت {بِأَنَّ ٱللَّهَ مَوْلَى ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} وليّهم، وناصرهم، وحافظهم، وفي حرف ابن مسعود ذلك بأنّ الله ولي الّذين آمنوا. {وَأَنَّ ٱلْكَافِرِينَ لاَ مَوْلَىٰ لَهُمْ * إِنَّ ٱللَّهَ يُدْخِلُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} محلّه رفع على الابتداء {يَتَمَتَّعُونَ} في الدُّنيا {وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ ٱلأَنْعَامُ} ليس لهم همّة إلاّ بطونهم، وفروجهم، وهم لاهون ساهون عمّا في غدهم، وقيل: المؤمن في الدُّنيا يتزوّد، والمنافق يتزيّن، والكافر يتمتّع. {وَٱلنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ}.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : تأمل هنا ما أحسن التقاء وتناسب نهاية السورة مع بداية الأخرى، ففي نهاية الأحقاف: {أية : فَهَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ ٱلْقَوْمُ ٱلْفَاسِقُونَ}تفسير : [الأحقاف: 35] وهنا {ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَٰلَهُمْ} [محمد: 1] فكأن الفاسقين هم الذين كفروا وصدّوا عن سبيل الله. عرَّفنا الكفر أنه الستر سَتْر الحقيقة، أو ستر آثار الحقيقة، فكلمة (كفر) تقتضي بمدلولها وجود مستور، والكفر ماذا يستر؟ يستر نقيضه وهو الإيمان، إذن: وُجد الإيمان أولاً، ثم جاء الكفر ليَستره. فكلمة الكفر أول دليل من أدلة الإيمان، لأن الإيمان أمر فطريّ، وغريزة في النفس البشرية وهي ما تزال في عالم الذر لما أخذ الله عليها العهد {أية : أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ..}تفسير : [الأعراف: 172]. وقد لا يستر الكفر الشيء، إنما يستر آثاره، كما في قوله تعالى: {أية : وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ ٱللَّهِ ..}تفسير : [النحل: 112]. إذن: كفرت بالله شيء، وكفرت بأنعم الله شيء آخر. والكفر بالنعمة يكون من عدة وجوه، فمن كُفر النعمة الغفلة عنها وعدم البحث عن أسبابها، وعدم استنباطها في الكون بما فيه من أسباب: الماء والهواء والأرض. اقرأ مثلاً: {أية : قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِٱلَّذِي خَلَقَ ٱلأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَاداً ذَلِكَ رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ * وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَآ أَقْوَاتَهَا ..}تفسير : [فصلت: 9-10]. إذن: ربنا أعطانا الأسباب وأمرنا بالبحث فيها واستنباطها، وعدم التكاسل عن استخراج ما في الطبيعة من خيرات، فبعد أنْ أعطاك الله أسباب النعمة فلا تتهاون في شأنها وتعيش شحاذاً عالة على غيرك. وقد يبحث الإنسان عن النعمة ويستنبطها لكن يسترها عن مستحقيها ويكنزها عنهم، وهؤلاء قال الله فيهم: {أية : وَٱلَّذِينَ يَكْنِزُونَ ٱلذَّهَبَ وَٱلْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * يَوْمَ يُحْمَىٰ عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَىٰ بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَـٰذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُواْ مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ}تفسير : [التوبة: 34-35]. إذن: الكفر إما كفر بالله بإنكار وجوده سبحانه، أو كفر بنعمه والآئه. وقوله تعالى {وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ ..} [محمد: 1] يعني: منعوا الناس أنْ يؤمنوا بالله، أو منعوا آذانهم أنْ تسمع إنذار الدعوة إلى الله، وصدُّوا أبصارهم ومنعوها أنْ ترى آيات الله في الكون وأنْ تتخذ منها دليلاً على الخالق سبحانه، وصدُّوا قلوبهم عن الإيمان بالله وقبول اليقين. فهذه كلها مفعولات لصدُّوا، إذن: هؤلاء كفروا ولم يقتنعوا بكفر أنفسهم، بل حاولوا أنْ يجرُّوا غيرهم إلى ساحتهم. لذلك وقف المستشرقون عند هذه المسألة يقولون: أنتم تقولون آيات محكمة، ثم بعد ذلك نجد فيها شبهة التناقض، مثل قوله تعالى: {أية : وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ ..}تفسير : [الزمر: 7]. ويقول في موضع آخر: {أية : لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ ٱلَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ ..}تفسير : [النحل: 25] الواقع أنه لا تناقضَ بين الآيتين، لأن الحدث مختلف، لأنهم لما ضلوا في أنفسهم حملوا أوزارهم، ولما أضلوا غيرهم حملوا وزر ضلالهم، ووزر إضلالهم للغير. ومعنى: {أَضَلَّ أَعْمَٰلَهُمْ} [محمد: 1] أبطلها وجعلها غير ذات فائدة، لأن معنى الضلال عدم الاهتداء إلى الطريق الموصّل للغاية وهؤلاء عملوا أعمالاً لا تعود عليهم بالنفع، وما النفع في الكفر وصدّ الناس عن الإيمان؟ حتى الذين يفعلون الخير وهم خارج ساحة الإيمان لا يُقبل منهم ولا يشفع لهم هذا الخير في الآخرة، لأنهم ما فعلوه من منطلق الإيمان، إنما فعلوه من منطلق الشهرة والسمعة والحضارة وخدمة البشرية إلى آخر هذه الشعارات. لذلك يقول تعالى: {أية : وَقَدِمْنَآ إِلَىٰ مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَآءً مَّنثُوراً}تفسير : [الفرقان: 23]. ويقول: {أية : وَٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ ٱلظَّمْآنُ مَآءً حَتَّىٰ إِذَا جَآءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ ٱللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّـٰهُ حِسَابَهُ وَٱللَّهُ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ}تفسير : [النور: 39] فهؤلاء هم الذين يُقال لهم يوم القيامة: {أية : أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَـٰتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ ٱلدُّنْيَا وَٱسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا ..}تفسير : [الأحقاف: 20]. وفى المقابل يقول سبحانه: {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ ...}.
الصابوني
تفسير : اللغَة: {كَفَّرَ} أزال ومحا {أَثْخَنتُمُوهُمْ} أكثرتم فيهم القتل والجراح والأسر قال في المصباح: أثخن في الأرض إِثخاناً، سار إِلى العدو وأوسعهم قتلاً، وأثخنته الجراحة أوهنته وأضعفته {ٱلْوَثَاقَ} القيد والحبل الذي يربط به {مَنًّا} إِطلاق الأسير من غير فدية {أَوْزَارَهَا} آلاتها وأثقالها وهي الأسلحة والعتاد يقال: وضعت الحرب أوزارها أي انقضت الحرب وانتهت، وأصل الأوزار الأثقال من السلاح والخيل قال الشاعر: شعر : وأعددتُ للحرب أوزارها رماحاً طوالاً وخيلاً ذكوراً تفسير : {تَعْساً} شقاءً وهلاكاً {آسِنٍ} متغيّر ومنتن {حَمِيماً} حاراً شديد الحرارة {آنِفاً} الآن، من قولهم، استأنف الأمر إِذا ابتدأ به {أَشْرَاطُ} أمارات وعلامات. التفسِير: {ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ} هذا إِعلان حربٍ من الله تعالى على أعدائه وأعداء دينه والمعنى الذين جحدوا بآيات الله وأعرضوا عن الإِسلام، ومنعوا الناس عن الدخول فيه {أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ} أي أبطلها وأحبطها وجعلها ضائعة لا ثواب لها لأنها لم تكن لله فبطلت، والمراد أعمالهم الصالحة كإِطعام الطعام، وصلة الأرحام، وقرى الضيف قال الزمخشري: وحقيقة إِضلال الأعمال جعلُها ضالةً ضائعة، ليس لها من يتقبلها ويثيب عليها كالضالة من الإِبل، التي لا ربَّ لها يحفظها ويعتني بأمرها، والمراد أعمالهم التي عملوها في كفرهم بما كانوا يسمونه "مكارم الأخلاق"، من صلة الأرحام، وفك الأسارى، وقرى الأضياف، وحفظ الجوار {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ} أي جمعوا بين الإِيمان الصادق، والعمل الصالح {وَآمَنُواْ بِمَا نُزِّلَ عَلَىٰ مُحَمَّدٍ} أي صدَّقوا بما أنزل الله على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم تصديقاً جازماً لا يخالجه شك ولا ارتياب وهو عطف خاص على عام، والنكتةُ فيه تعظيم أمره والاعتناء بشأنه، إشارةً إِلى أن الإِيمان لا يتمُّ بدونه، ولذا أكَّده بقوله {وَهُوَ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ} أي وهو الثابت المؤكد المقطوع بأنه كلام الله ووحيهُ المنزَّل من عند الله، والجملة اعتراضية لتأكيد السابق {كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ} أي أزال ومحا عنهم ما مضى من الذنوب والأوزار {وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ} أي أصلح شأنهم وحالهم، في دينهم ودنياهم، ثم بيَّن تعالى سبب ضلال الكفار، واهتداء المؤمنين فقال {ذَلِكَ بِأَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱتَّبَعُواْ ٱلْبَاطِلَ} أي ذلك الإِضلال لأعمال الكفار بسبب أنهم سلكوا طريق الضلال، واختاروا الباطل على الحق {وَأَنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّبَعُواْ ٱلْحَقَّ مِن رَّبِّهِمْ} أي وأن المؤمنين سلكوا طريق الهدى، وتمسَّكوا بالحق والإِيمان المنزل من عند الرحمن {كَذَلِكَ يَضْرِبُ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثَالَهُمْ} أي مثل ذلك البيان الواضح، بيَّن الله أمر كلٍ من الفريقين - المؤمنين والكافرين - بأوضح بيانٍ وأجلى برهان ليعتبر الناس ويتعظوا.. وبعد إِعلان هذه الحرب السافرة على الكافرين أمر تعالى المؤمنين بجهادهم فقال {فَإِذَا لَقِيتُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَضَرْبَ ٱلرِّقَابِ} أي فإِذا أدركتم الكفار في الحرب فاحصدوهم حصْداً بالسيوف قال في التسهيل: وأصله فاضربوا الرقاب ضرباً ثم حذف الفعل وأقام المصدر مقامه والمراد: اقتلوهم، ولكنْ عبَّر عنه بضرب الرقاب لأنه الغالب في صفة القتل {حَتَّىٰ إِذَآ أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّواْ ٱلْوَثَاقَ} أي حتى إِذا هزمتموهم وأكثرتم فيهم القتل والجراحات ولم تبق لهم قوة للمقاومة فأْسروهم وكفُّوا عن قتلهم قال الزمخشري: وفي هذه العبارة {فَضَرْبَ ٱلرِّقَابِ} من الغلظة والشدة ما ليس في لفظ القتل، لما فيها من تصوير القتل بأشنع صورة، وهو حزُّ العنق وإِطارة رأس البدن، ولقد زاد في هذه الغلظة في قوله {أية : فَٱضْرِبُواْ فَوْقَ ٱلأَعْنَاقِ وَٱضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ} تفسير : [الأنفال: 12] ومعنى {أَثْخَنتُمُوهُمْ} أكثرتم قتلهم وأغلظتموه {فَشُدُّواْ ٱلْوَثَاقَ} أي فأسروهم، والوثاقَ اسم لما يربط من حبلٍ وغيره {فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَآءً} أي ثم أنتم مخيَّرون بعد أسرهم إِمَّا أن تمنُّوا عليهم وتطلقوا سراحهم بلا مقابل من مال، أو تأخذوا منهم مالاً فداءً لأنفسهم، ولكنْ بعد أن تكونوا قد كسرتم شوكتهم، وأعجزتموهم بكثرة القتل والجراح {حَتَّىٰ تَضَعَ ٱلْحَرْبُ أَوْزَارَهَا} أي حتى تنقضي الحرب وتنتهي بوضع آلاتها وأثقالها، وتنتهي الحرب بين المسلمين والمناوئين له، وذلك بعزة الإِسلام واندحار المشركين {ذَلِكَ وَلَوْ يَشَآءُ اللَّهُ لاَنْتَصَرَ مِنْهُمْ} أي الأمر فيهم ما ذُكر، ولو أراد الله لانتصر منهم وأهلكهم بقدرته، دون أن يكلفكم - أيها المؤمنون - إلى قتالهم قال ابن كثير: أي لو شاء الله لانتقم من الكافرين بعقوبةٍ ونكالٍ من عنده {وَلَـٰكِن لِّيَبْلُوَاْ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ} أي ولكنَّه أمركم بجهادهم ليختبر إِيمانكم وثباتكم، فيظهر حال الصادق في الإِيمان من غيره كما قال تعالى {أية : وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّىٰ نَعْلَمَ ٱلْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَٱلصَّابِرِينَ}تفسير : [محمد: 31] وليبتلي المؤمنين بالكافرين والكافرين بالمؤمنين، فيصير من قُتل من المؤمنين إلى الجنة، ومن قتل من الكافرين إلى النار ولهذا قال {وَٱلَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَلَن يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ} أي والذين استشهدوا في سبيل الله فلن يُبطل الله عملهم، بل يكثّره ويضاعفه وينميّه {سَيَهْدِيهِمْ} أي سيهديهم إلى ما ينفعهم في الدنيا والآخرة، بتوفيقهم إلى العمل الصالح وإِرشادهم إلى الجنة دار الأبرار {وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ} أي ويُصلح حالهم وشأنهم {وَيُدْخِلُهُمُ ٱلْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ} أي ويدخلهم الجنة دار النعيم بيَّنها لهم بحيث يعلم كل واحدٍ منزله ويهتدي إِليه قال مجاهد: يهتدي أهلُها إلى بيوتهم ومساكنهم لا يخطئون كأنهم ساكنوها منذ خُلقوا وفي الحديث "حديث : والذي نفسي بيده إِن أحدهم بمنزله في الجنة أهدى منه بمنزله الذي كان في الدنيا"تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِن تَنصُرُواْ ٱللَّهَ يَنصُرْكُمْ} أي إِن تنصروا دينه ينصركم على أعدائكم {وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ} أي ويثبتكم في مواطن الحرب {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَتَعْساً لَّهُمْ} أي والذين كفروا بالله وآياته فهلاكاً وشقاءً لهم، وهو دعاءٌ عليهم بالتعاسة والخيبة والخذلان {وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ} أي أبطلها وأحبطها لأنها كانت في طاعة الشيطان {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُواْ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ} أي ذلك التعس والإِضلال بسبب أنهم كرهوا ما أنزل الله من الكتب والشرائع قال الزمخشري: أي كرهوا القرآن وما أنزل الله فيه من التكاليف والأحكام، لأنهم قد ألفوا الإِهمال وإِطلاق العَنان في الشهوات والملاذِّ فشقَّ عليهم ذلك وتعاظمهم {فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ} أي أذهبها وأضاعها لأن الإِيمان شرط لقبول الأعمال، والشرك محبطٌ للعمل، ثم خوَّفهم تعالى عاقبة الكفر فقال {أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} أي أفلم يسافر هؤلاء ليروا ما حلَّ بمن سبقهم من الأمم الطاغية كعاد وثمود وقوم لوط وغيرهم من المجرمين، كيف كان مآلهم؟ وماذا حلَّ بهم من العذاب؟ فإِنَّ آثار ديارهم تنبىء عن أخبارهم {دَمَّرَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ} أي أهلكهم الله، واستأصل كل ما يخصهم من مالٍ وبنين ومتاع، فإِذا هو أنقاض متراكمة وإِذا هم تحت هذه الأنقاض "ودمَّر عليهم" أبلغ من دمَّرهم لأن معناها أهلكهم مع أموالهم ودورهم وأولادهم وأطبق عليهم الهلاك إِطباقاً فلم يبق شيء إلا شمله الدمار {وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا} أي ولكفار مكة أمثال تلك العاقبة الوخيمة والعذاب المدمّر {ذَلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ مَوْلَى ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} أي وليُّهم وناصرهم {وَأَنَّ ٱلْكَافِرِينَ لاَ مَوْلَىٰ لَهُمْ} أي لا ناصر لهم ولا معين ولا مغيث، ثم بيَّن تعالى مآل كلٍ من الفريقين - المؤمنين والكافرين - في الآخرة فقال {إِنَّ ٱللَّهَ يُدْخِلُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ} أي يدخل المؤمنين جناتِ النعيم، التي فيها ما لا عينٌ رأتْ، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ ٱلأَنْعَامُ} أي والكافرون في الدنيا ينتفعون بشهواتها ولذائذها، ويأكلون كما تأكل البهائم، ليس لهم همٌّ إِلا بطونهم وفروجهم {وَٱلنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ} أي وجهنم مقامهم ومنزلهم في الآخرة قال الزمخشري: المراد أنهم ينتفعون بمتاع الدنيا أياماً قلائل، ويأكلون غافلين غير مفكرين في العاقبة كما تأكل الأنعام في مسارحها ومعالفها غافلةً عما هي بصدده من النحر والذبح، والنار منزل ومقام لهم في الآخرة.. ثم سلَّى تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم فقال {وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِّن قَرْيَتِكَ ٱلَّتِيۤ أَخْرَجَتْكَ} أي وكم من أهل قرية عاتية ظالمة كانوا أقوى من أهل مكة الذين أخرجوك منها {أَهْلَكْنَاهُمْ فَلاَ نَاصِرَ لَهُمْ} أي أهلكناهم بأنواع العذاب فلم ينصرهم أحد فكذلك نفعل بهؤلاء قال ابن عباس: حديث : لما خرج النبي صلى الله عليه وسلم من مكة واختفى بالغار ثم خرج مهاجراً إِلى المدينة، التفت إِلى مكة ثم قال "إِنك لأحبُّ البلاد إِلى الله، وأحبُّ البلاد إِليَّ، ولولا أنَّ قومك أخرجوني منك ما خرجت" تفسير : فنزلت الآية {أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ} أي هل من كان على حجة وبصيرة، وثباتٍ ويقين من أمر دينه {كَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوۤءُ عَمَلِهِ}؟ أي كمن زُيّن له عمله القبيح فرآه حسناً؟ {وَٱتَّبَعُوۤاْ أَهْوَاءَهُمْ} أي انهمكوا في الضلال حتى عبدوا الهوى؟ ليس هذا كهذا، وإِنما جاء بصيغة الجمع مراعاةً للمعنى قال المفسرون: يريد بـ {مَن كَانَ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ} رسول الله صلى الله عليه وسلم وبمن {زُيِّنَ لَهُ سُوۤءُ عَمَلِهِ} أبا جهل وكفار قريش.. واللفظ أعمُّ لأن الغرض المباينة بين من يعبد الله، وبين من يعبد هواه، ولذلك مثَّل بعده بالفارق الكبير بين الجنة والنار فقال {مَّثَلُ ٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِي وُعِدَ ٱلْمُتَّقُونَ} أي صفة الجنة الغريبة العجيبة الشأن، التي وعد الله بها عباده الأبرار وأعدَّها للمتقين الأخيار {فِيهَآ أَنْهَارٌ مِّن مَّآءٍ غَيْرِ آسِنٍ} أي فيها أنهار جاريات من ماءٍ غير متغير الراحة قال ابن مسعود: أنهار الجنة تفجَّر من جبلٍ من مسكٍ {وَأَنْهَارٌ مِّن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ} أي وأنهار جاريات من حليبٍ في غاية البياض والحلاوة والدسامة، لم يحمض بطول المقام ولم يفسد كما تفسد ألبان الدنيا وفي حديث مرفوع "لم يخرج من ضروع الماشية" {وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ} أي وأنهار جاريات من خمرٍ لذيذة الطعم يتلذذ بها الشاربون لأنه {أية : لاَ فِيهَا غَوْلٌ وَلاَ هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ}تفسير : [الصافات: 47] وإِنما قيَّدها بأنها لذة للشاربين، لأن الخمر كريهة الطعم في الدنيا لا يلتذ بها إِلاَّ فاسد المزاج، وأما خمر الآخرة فهي طيبة الطعم والرائحة، يشربها أهل الجنة لمجرد الالتذاذ {وَأَنْهَارٌ مِّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى} أي وأنهارٌ جارياتٌ من عسل في غاية الصفاء وحسن اللون والريح، لم يخرج من بطون النحل قال أبو السعود: {عَسَلٍ مُّصَفًّى} أي لم يخالطه الشمع وفضلات النحل {وَلَهُمْ فِيهَا مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَاتِ} أي ولهم في الجنة أنواعٌ متعددة من جميع أصناف الفواكه والثمار قال في حاشية البيضاوي: وفي ذكر الثمرات بعد المشروب إشارة إِلى أنَّ مأكول أهل الجنة للَّذَّة لا للحاجة {وَمَغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ} أي ولهم فوق ذلك النعيم الحسن نعيمٌ روحي وهو المغفرة من الله مع الرحمة والرضوان وفي الحديث "حديث : أُحلُّ عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبداً"تفسير : قال الصاوي: في الجنة ترفع عنهم التكاليف فيما يأكلونه ويشربونه، بخلاف الدنيا فإِن مأكولها ومشروبها يترتب عليه الحساب والعقاب، ونعيم الآخرة لا حساب عليه ولا عقاب فيه {كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي ٱلنَّارِ} أي كمن هو مخلَّدٌ في الجحيم؟ والاستفهام للإِنكار أي لا يستوي من هو في ذلك النعيم المقيم، بمن هو خالد في الجحيم؟ {وَسُقُواْ مَآءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعَآءَهُمْ} أي وسُقوا مكان تلك الأشربة ماءً حاراً شديد الغليان، فقطَّع أحشاءهم من فرط حرارته؟ قال المفسرون: بلغ الماء الغاية في الحرارة، إِذا دنا منهم شوى وجوههم، ووقعت فروة رءوسهم، فإِذا شربوه قطَّع أمعاءهم وأخرجها من دبورهم ولما بيَّن تعالى حال الكافرين، ذكر حال المنافقين فقال: {وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ} أي ومن هؤلاء المنافقين جماعة يستمعون إِلى حديثك يا محمد {حَتَّىٰ إِذَا خَرَجُواْ مِنْ عِندِكَ} أي حتى إِذا خرجوا من مجلسك {قَالُواْ لِلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفاً} أي قالوا لعلماء الصحابة - كابن عباس وابن مسعود - ماذا قال محمدٌ قريباً في تلك الساعة؟ قال ابن كثير: أخبر تعالى عن المنافقين في بلادتهم وقلة فهمهم، حيث كانوا يجلسون إِلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ويستمعون كلامه، فلا يفهمون منه شيئاً، فإِذا خرجوا من عنده قالوا لأهل العلم من الصحابة: ماذا قال محمد {آنِفاً} أي الساعة، لا يعقلون ما قال ولا يكترثون به {أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ} أي ختم على قلوبهم بالكفر {وَٱتَّبَعُوۤاْ أَهْوَآءَهُمْ} أي ساروا وراء أهوائهم الباطلة {وَٱلَّذِينَ ٱهْتَدَوْاْ زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ} أي وأما المؤمنون المتقون فقد زادهم الله هدى وألهمهم رشدهم قال الإِمام الفخر: لما بيَّن تعالى أن المنافق يستمع ولا ينتفع، ويستعيد ولا يستفيد، بيَّن أن حال المؤمن المهتدي بخلافه، فإِنه يستمع فيفهم، ويعمل بما يعلم، وفيه فائدة وهو قطع عذر المنافق، فإِنه لو قال ما فهمت كلامه لغموضه، يُردُّ عليه بأن المؤمن فهم واستنبط، فذلك لعماء القلوب لا لخفاء المطلوب {فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ ٱلسَّاعَةَ أَن تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً} أي فهل ينتظرون إِلا قيام الساعة فجأةً فتبغتهم وهم سادرون غارون غافلون؟ {فَقَدْ جَآءَ أَشْرَاطُهَا} أي فقد جاءت أماراتها وعلاماتها، ومنها بعثة خاتم الرسل صلى لله عليه وسلم {فَأَنَّىٰ لَهُمْ إِذَا جَآءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ} أي فمن أين لهم التذكر إِذا جاءتهم الساعة، حيث لا ينفع ندم ولا توبة؟ {فَٱعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ ٱللَّهُ} أي فدم يا محمد على ما أنت عليه من العلم بوحدانية الله {وَٱسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ} أي اطلب من الله المغفرة لك وللمؤمنين والمؤمنات {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ} أي يعلم تصرفكم في الدنيا، ومصيركم في الآخرة، فأعدوا الزاد ليوم المعاد.
زيد بن علي
تفسير : حدّثنا أبو جعفر. قال: حدّثنا علي بن أحمد. قال: حدّثنا عطاء بن السائب عن أبي خالد عن زيد بن علي عليهما السّلامُ في قولهِ تعالى: {أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ} معناه لا يَقبَلُ مع الكُفرِ عَملاً. وقد كانتْ لَهُم أعمالٌ فأضلَها يومَ القِيامةِ، فلا يَقدِرون على شيءٍ مما كَسِبوا.
الأندلسي
تفسير : {بِسمِ ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ * ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَٰلَهُمْ} قال ابن عباس: هذه السورة مدنية إلا آية منها نزلت بمكة بعد حجة الوداع حين خرج من مكة وجعل ينظر إلى البيت وهي وكائن من قرية الآية، ومناسبتها أولها لآخر ما قبلها واضحة جداً وصدوا عن سبيل الله أي أعرضوا عن الدخول في الإِسلام أو صدوا غيرهم عنه وهم أهل مكة الذين أخرجوا رسول الله. قال ابن عباس: وهم المطعمون يوم بدر أضل أعمالهم أي أتلفها حيث لم ينشأ عنها خير ولا نفع بل ضرر محض. {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ} هم الأنصار واللفظ عام يشمل كل مؤمن وكافر. {وَآمَنُواْ بِمَا نُزِّلَ عَلَىٰ مُحَمَّدٍ} تخصيصه من بين ما يجب الإِيمان به تعظيم لشأنه صلى الله عليه وسلم وإعلام أنه لا يصح الإِيمان ولا يتم إلا به وأكد ذلك بالجملة الاعتراضية التي هي وهو الحق من ربهم كفر عنهم سيئاتهم خبر الذين. {وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ} أي شأنهم. {ذَلِكَ} إشارة إلى ما فعل بالكفار من إضلال أعمالهم وبالمؤمنين من تكفير سيئاتهم وإصلاح بالهم وذلك مبتدأ وما بعده خبر أي كائن بسبب اتباع هؤلاء الباطل وهؤلاء الحق. {كَذَلِكَ} أي مثل ذلك. {يَضْرِبُ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثَالَهُمْ} والضمير راجع إلى الناس أو إلى المذكورين من الفريقين على معنى أنه يضرب أمثالهم لأجل الناس ليعتبروا بهم. {فَإِذَا لَقِيتُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} أي في أي زمان لقيتموهم فاقتلوهم وفي قوله: {أية : فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ} تفسير : [التوبة: 5]. أي في أي مكان فعم في الزمان وفي المكان. {فَضَرْبَ ٱلرِّقَابِ} هذا من المصدر النائب فناب فعل الأمر وهو مطرد فيه وضرب الرقاب عبارة عن القتل ولما كان القتل للإِنسان أكثر ما يكون بضرب رقبته عبر بذلك عن القتل ولا يراد خصوصية الرقاب فإِنه لا يكاد يتأتى حالة الحرب ان تضرب الرقاب وإنما يتأتى القتل في أي موضع كان من الأعضاء. {حَتَّىٰ إِذَآ أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّواْ ٱلْوَثَاقَ} أكثرتم القتل فيهم وهذه غاية للضرب فإِذا وقع الاثخان وتمكنوا من أخذ من لم يقتل وشدوا وثاق الاسراء. {فَإِمَّا مَنًّا} بالإِطلاق. {وَإِمَّا فِدَآءً} فالنصب على إضمار فعل تقديره فاما تمنون منا واما تفادون فداء. {حَتَّىٰ تَضَعَ ٱلْحَرْبُ أَوْزَارَهَا} وحتى غاية لما تقدم أي أثقالها وآلاتها ومنه قول عمرو بن معدي كرب. وأعددت للحرب أوزارها رماحاً طوالاً وخيلاً ذكوراً والظاهر أن ضرب الرقاب وهو القتل معنياً بشد الوثاق وقت حصول الاثخان وأن قوله: {فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ} أي بعد الشد وأما فداء حالتان لمأسور أما أن يمن عليه بالإِطلاق كما منَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم على ثمامة بن اثال الحنفي بإِطلاقه واما أن يفدي كما روي عنه عليه السلام أنه فودي منه رجلان من الكفار برجل واحد مسلم. قال الزمخشري: كما من على أبي عروة الحجبي وعلي بن أثال الحنفي "انتهى". صوابه على ثمامة وعلي أبي عروة الحجبي فغير الكنية والإِسم ولعل ذلك من الناسخ لا في أصل التصنيف وهذه الآية ظاهرها معارض لقوله تعالى: {أية : فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ}تفسير : [التوبة: 5] فذهب ابن عباس وجماعة إلى أنها منسوخة بقوله: {أية : فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ}تفسير : [التوبة: 5] الآية وان الأسر والمن والفداء مرتفع فإِن وقع أسير قتل ولا بد إلا أن أسلم وروي نحوه عن أبي بكر الصديق وذهب جماعة إلى أن هذه مخصصة لعموم تلك والمنُّ والفداء ثابت. {ذَلِكَ} أي الأمر ذلك. {لاَنْتَصَرَ مِنْهُمْ} أي لأنتقم منهم ببعض أسباب الهلاك من خسف وغير ذلك. {وَلَـٰكِن لِّيَبْلُوَاْ} أي ليختبركم. {سَيَهْدِيهِمْ} أي إلى طريق الجنة. {عَرَّفَهَا لَهُمْ} أي بينها لهم من التعريف أو علاها من الاعراف وهي الجبال أو طيبها من العرف وهو الطيب. {إِن تَنصُرُواْ ٱللَّهَ} أي دينه. {يَنصُرْكُمْ} على أعدائكم. {وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ} أي في مواطن الحرب. {فَتَعْساً لَّهُمْ} قال ابن عباس: بعداً لهم والذين مبتدأ ضمن معنى الشرط والخبر فتعساً لهم وهو على إضمار فعل أي فأتعسهم تعساً. {كَرِهُواْ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ} عام في كل ما نزل. {فَأَحْبَطَ أَعْمَٰلَهُمْ} أي جعلها من الأعمال التي لا تزكوا لا يعتد بها. {دَمَّرَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ} أي أفسد عليهم ما اختصوا به من أنفسهم وأولادهم أي أمثال تلك التدمير والإِشارة بذلك إلى الهلاك. {إِنَّ ٱللَّهَ يُدْخِلُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ} الآية والكاف في كما في موضع نعت لمصدر محذوف تقديره أكلاً كما تأكل الانعام يتمتعون أي ينتفعون بمتاع الدنيا أياماً قلائل ويأكلون غافلين غير مفكرين في العاقبة كما تأكل الانعام في مسارحها ومعالفها غافلة عما هي بصدده من النحر والذبح. {وَٱلنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ} أي موضع إقامة. {وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ} على حذف مضاف تقديره من أهل قرية ولذلك عاد الضمير في أهلكناهم على ذلك المحذوف. {مِّن قَرْيَتِكَ} هي مكة. {ٱلَّتِيۤ أَخْرَجَتْكَ} أخرجك أهلها نسب الإِخراج إليها مجازاً. قال ابن عطية: ونسب الإِخراج إلى القرية حملاً على اللفظ وقال أهلكناهم حملاً على المعنى انتهى ظاهر هذا الكلام لا يصح لأن الضمير في أهلكناهم ليس عائداً على المضاف إلى القرية التي أسند إليها الإِخراج بل إلى أهل القرية في قوله وكأين من قرية فإِن كان أراد بقوله حملاً على المعنى أي معنى القرية في قوله وكأين من قرية فهو صحيح لكن ظاهر قوله حملاً على اللفظ وحملاً على المعنى أن يكون في مدلول واحد وعلى هذا يبقى كأين فولتا غير محدّث عنه بشىء إلا أن تخيل إن هي أشد خبر عن كأين والظاهر أنه في موضع الصفة. {أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ} إستفهام توقيف وتقرير على شىء متفق عليه وهي معادلة بين هذين الفريقين والإِشارة إلى الرسول عليه السلام وإلى كفار قريش واللفظ عام لأهل الصنفين ومعنى على بينة أي على حجة واضحة وهو القرآن. {كَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوۤءُ عَمَلِهِ} وهو الشرك. {وَٱتَّبَعُوۤاْ أَهْوَاءَهُمْ} أي شهوات أنفسهم والضمير في واتبعوا عائد على معنى من لا على لفظه. {مَّثَلُ ٱلْجَنَّةِ} أي صفة الجنة وهو مرفوع بالابتداء قال النضر بن شميل: كأنه قال صفة الجنة ما تسمعون "انتهى". فما تسمعون هو الخبر وفيها أنهار تفسير لتلك الصفات فهو استئناف أخبار عن تلك الصفة. وقال سيبويه فيما يتلى عليكم مثل الجنة يقدر الخبر المحذوف متقدماً ثم فسر ذلك الذي يتلى. {غَيْرِ آسِنٍ} أي غير متغير يقال أسن الماء إذا تغير. {لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ} نفي لجميع وجوه الفساد في اللبن. {لَّذَّةٍ} جمعت طيب المطعم وزوال الآفات من الصداع وغيره ولذة تأنيث لذا وهو اللذيذ أو مصدر نعت به فالجمهور بالجر على أنه صفة لخمر وبالرفع صفة لأنهار وبالنصب أي لأجل لذة فهو مفعول له. {مِّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى} قال ابن عباس: لم يخرج من بطون النحل فيخالطه الشمع وغيره ووصفه بمصفى لأن الغالب على العسل التذكير وهو مما يذكر ويؤنث وبدىء من هذه الأنهار بالماء وهو الذي لا يستغني عنه في المشروبات ثم باللبن إذا كان يجري مجرى المطعوم في كثير من أقوات العرب وغيرهم ثم بالخمر لأنه إذا حصل الري والمطعوم تشوقت النفس إلى ما تلتذ به ثم بالعسل لأن فيه الشفاء في الدنيا مما يعرض من المشروب والمطعوم فهو تأخر في الرتبة. {وَلَهُمْ فِيهَا مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَاتِ} لما ذكر المشروب وذكر من المأكول ما يتفكه به قيل ومن زائدة أي ولهم فيها كل الثمرات وقيل المبتدأ محذوف أي أنواع من كل الثمرات. {وَمَغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ} هو معطوف على ما قبله لا يقيد فيها أي ولهم مغفرة من ربهم لأن المغفرة قبل دخول الجنة أو على حذف أي تنعيم مغفرة لأن المغفرة سبب التنعيم. {وَسُقُواْ} عائد على معنى من وكمن قبله محذوف يقابله تقديره أهؤلاء المنعمون كمن هو خالد في النار جاء هو خالد على اللفظ وكذلك خرجوا عاد على معنى من يستمع كان المنافقون يحضرون عند الرسول صلى الله عليه وسلم ويستمعون كلامه وتلاوته فإِذا خرجوا قالوا للذين أوتوا العلم وهم السامعون كلام الرسول حقيقة الواعون له ماذا قال آنفاً أي الساعة وذلك على سبيل الهزء والاستخفاف أي لم نفهم ما يقول ولا ندري ما نفع ذلك وممن سألوه ابن مسعود وآنفاً حال أي مبتدأ أي ما القول الذي ائتنفه الآن قبل انفصالنا عنه. قال الزمخشري: وآنفاً نصب على الظرف "انتهى". قال ذلك لأنه فسره بالساعة. وقال الزمخشري والمفسرون يقولون آنفاً معناه الساعة الماضية القريبة منا وهذا تفسير بالمعنى "انتهى". الصحيح أنه ليس بظرف ولا نعلم أحداً من النحاة عده في الظروف. {فَقَدْ جَآءَ أَشْرَاطُهَا} أي علاماتها واحدها شرط بفتح الراء وجزمها فينبغي الاستعداد ومن أشراطها مبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ هو خاتم الأنبياء روي عنه عليه السلام أنه قال حديث : انا من اشراط الساعة تفسير : وقال حديث : بعثت أنا والساعة كفرسي رهان . تفسير : {فَأَنَّىٰ لَهُمْ} الظاهر أن المعنى فكيف لهم الذكرى أي والعمل بها إذا جاءتهم الساعة أي قد فاتهم ذلك ثم أضرب عن ذكر المنافقين وقال. {فَٱعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ ٱللَّهُ} والمعنى دم على عملك بتوحيد الله تعالى واستغفاره عليه السلام لأهل الإِيمان رحمة لهم. {وَلِلْمُؤْمِنِينَ} أي ولذنوب المؤمنين وأحواله صلى الله عليه وسلم ثلاثة مع الله بالتوحيد ومع نفسه بالاستغفار ومع غيره بالاستغفار لهم. {مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ} هو على العموم في كل متقلب وفي كل إقامة. {وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لَوْلاَ نُزِّلَتْ سُورَةٌ} الآية مدح الله تعالى المؤمنين بطلبهم إنزال سورة والمعنى تتضمن أمرنا بمجاهدة العدو وفضح أمر المنافقين والظاهر أن طالبي ذلك هم خلص في إيمانهم ولذلك قال. بعد رأيت الذين في قلوبهم مرض ينظرون إليك أي تشخص أبصارهم جبناً وهلعاً. {نَظَرَ ٱلْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ ٱلْمَوْتِ} أي نظراً كما ينظر من اصابته الغشية من أجل حلول الموت. {فَأَوْلَىٰ لَهُمْ} قال الجوهري: تقول العرب أولى لك تهديد ووعيد واختلفوا أهو إسم أو فعل فذهب الأصمعي إلى أنه فعل بمعنى قاربه ما يهلكه أي نزل به فعلى قوله: انه اسم يكون مبتدأ والخبر لهم وقيل أولى مبتدأ ولهم من صلته وطاعة خبر وكان اللام بمعنى الباء كأنه قيل بهم طاعة. {فَإِذَا عَزَمَ ٱلأَمْرُ} أي جد والعزم الجد وهؤلاء أصحاب الأمور واستعير للأمر كما قال تعالى {أية : لَمِنْ عَزْمِ ٱلأُمُورِ} تفسير : [الشورى: 43] وقال الراجز قد جرت الحرب بكم فجدوا. والظاهر أن جواب إذا قوله فلو صدقوا كما تقول إذا جاء الشتاء فلو جئتني لكسوتك. {فَلَوْ صَدَقُواْ ٱللَّهَ} أي فيما زعموا من حرصهم على الجهاد.
الجيلاني
تفسير : {ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} بالله وتوحيده، وأنكروا على نبوة حبيبه صلى الله عليه وسلم ورسالته عناداً ومكابرة {وَ} مع كفرهم وانصرافهم بأنفسهم عن الهداية {صَدُّواْ} وصرفوا سائر الناس {عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ} وطريق توحيده الذي هدي إليه صلى الله عليه وسلم وبعث لتبيينه، وإرشاد عمود عباد الله نحوه منه حسداً عليه صلى الله عليه وسلم وعلى من تبعه {أَضَلَّ} أحبط وأضاع سبحانه {أَعْمَٰلَهُمْ} [محمد: 1] أي: صوالح أعمالهم التي أتوا بها طمعاً للكرامة والمثوبة من لدنه سبحانه بعدما كفروا به سبحانه وبرسوله صلى الله عليه وسلم؛ إذ لا تثمر الأعمال الصالحة إلا بالإيمن والتصديق بالله وبرسوله. {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ} بالله وبرسوله {وَ} مع ذلك {عَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ} المقربة لهم إلى الله {وَآمَنُواْ بِمَا نُزِّلَ عَلَىٰ مُحَمَّدٍ} أي: بجميع ما نزل عليه {وَ} صدقوا أن جميع ما نزل به {هُوَ ٱلْحَقُّ} الصدق المطابق للواقع، النازل {مِن رَّبِّهِمْ} بلا شك وتردد {كَفَّرَ} وأزال {عَنْهُمْ} سبحانه {سَيِّئَاتِهِمْ} أي: وبالها وعذابها {وَأَصْلَحَ} اللاحق المستتبع إياها بها {بَالَهُمْ} [محمد: 2] أي: أحسن حالهم في الدين والدنيا بحسب النشأة الأولى والأخرى، ويجازيهم أحسن الجزاء. {ذَلِكَ} أي: إضلال الكفرة وإصلاح المؤمنين {بِأَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱتَّبَعُواْ ٱلْبَاطِلَ} وتركوا الحق الحقيق بالاتباع {وَأَنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّبَعُواْ ٱلْحَقَّ} النازل {مِن رَّبِّهِمْ} لإصلاح حالهم في النشأتين ويرشدهم إلى ما هو خير لهم {كَذَلِكَ} أي: مثل ذلك الذي سمعت من الإضلال والإصلاح بالنسبة إلى كلا الفريقين {يَضْرِبُ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثَالَهُمْ} [محمد: 3] وبين لهم أحوالهم المتواردة عليهم في أولاهم وأخراهم. وبعدما سمعتم أيها المؤمنون وخامة عاقبة الكفرة وضياع أعمالهم وإحباطها {فَإِذَا لَقِيتُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} على أي وجه وأي حال {فَضَرْبَ ٱلرِّقَابِ} أي: فعليكم أن تضربوا رقابهم مهما أمكن، وأن تقتلوهم بلا مبالاة وبدمائهم {حَتَّىٰ إِذَآ أَثْخَنتُمُوهُمْ} أي: أغلظتم وبالغتم في قتلهم، فأسروا بقاياهم {فَشُدُّواْ ٱلْوَثَاقَ} والنكال على أسرائهم، واحفظوهم مقيدين موثقين {فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَآءً} أي: تمنون عليهم منّاً فتطلقونهم، أو تفدون منهم فداءً على إطلاقهم وتخلون سبيلهم، وبالجملة: افعلوا أيها المؤمنون مع المشركين كذلك {حَتَّىٰ تَضَعَ ٱلْحَرْبُ أَوْزَارَهَا} أي: تضع أهل الحرب من كلا الجانبين آلات الحراب والقتال، وذلك لا يحصل إلا بالمؤاخاة والاتئلاف التام، وتدين الجميع بدين الإسلام {ذَلِكَ} أي: الأمر من الله ذلك، فافعلوا معهم كذلك. {وَلَوْ يَشَآءُ اللَّهُ} القادر المقتدر على أنواع الانتقام {لاَنْتَصَرَ} وانتقم {مِنْهُمْ} أي: من المشركين بلا اقتتالكم وحرابكم {وَلَـٰكِن} إنما يأمركم سبحانه بالقتال {لِّيَبْلُوَاْ} ويختبر {بَعْضَكُمْ} أيها الناس المؤمنون {بِبَعْضٍ} أي: بقتال بعض منكم، وهو الكافرون؛ لينال المؤمنون بقتالهم وجهادهم الثواب الجزيل والأجر الجميل، ويستوجب الكافر بمعاداة المؤمن بالعقاب العظيم والعذاب الأليم، كل بتقدير العليم الحكيم، ثم قال سبحانه تبشيراً للمؤمنين الذين استشهدوا في سبيل الله: {وَ} اعلموا أيها المؤمنون أن {ٱلَّذِينَ قُتِلُواْ} منكم {فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} باذلين مهجهم في ترويج دينه {فَلَن يُضِلَّ} ويضيع {أَعْمَالَهُمْ} [محمد: 4] التي أتوا بها طلباً لمرضاة الله، وتثبيتاً لقلوبهم على الإيمان بما نزل من عنده. بل {سَيَهْدِيهِمْ} ربهم ويرشدهم سبحانه بعدما استشهدوا إلى زلال هدايتهم {وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ} [محمد: 5] بإيصالهم إلى غاية ما جبلوا لأجله. {وَيُدْخِلُهُمُ ٱلْجَنَّةَ} التي {عَرَّفَهَا لَهُمْ} [محمد: 6] حين أمرهم بالجهاد، ألا وهي الحياة الأزلية الأبدية الإلهية الموعودة للشهداء من عنده سبحانه بقوله: {أية : وَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أَمْوَاتاً}تفسير : [آل عمران: 169]. {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِن تَنصُرُواْ ٱللَّهَ} يعني: دينه ورسوله {يَنصُرْكُمْ} على أعدائكم {وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ} [محمد: 7] في جادة توحيده وصراط تحقيقهز {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} بالله، وأعرضوا عن نصرة دينه ورسوله {فَتَعْساً} أي: زلقاً وعثوراً وانحطاطاً {لَّهُمْ} عن رتبة الإنسانية وعن جادة العدالة الإلهية {وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ} [محمد: 8] وأضاعها بحيث لا تفيدهم شيئاً أصلاً. {ذَلِكَ} العثور والانحطاط لهم {بِأَنَّهُمْ كَرِهُواْ} أي: أنكروا واستكرهوا {مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ} المدبر المصلح لأحوال عباده في كتابه من الأوامر والنواهي المهذبة لظواهرهم وبواطنهم {فَأَحْبَطَ أَعْمَٰلَهُمْ} [محمد: 9] بسبب كفرهم وكراهتهم. {أَفَ} ينكرون قدرة الله على الإحباط والإضلال {لَمْ يَسِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ} التي هي محل الاختبارات الإلهية وانتقامه {فَيَنظُرُواْ} بنظر العبرة والاستبصار؛ ليصبروا {كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ} المجرمين {ٱلَّذِينَ} مضوا {مِن قَبْلِهِمْ} مع أنهم ذوو ثروة كبيرة، ورئاسة عظيمة، ووجاهة كاملة، كيف {دَمَّرَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ} واستأصلهم بحيث لم يبق منهم على وجه الأرض أحد {وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا} [محمد: 10] أي: سيؤول ويعود عاقبة هؤلاء الكفرة المعاندين معك يا أكمل الرسل إليها وإلى أمثالها، بل أفظع وأشد منها ألبتة. كل {ذَلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ} المطلع على ضمائر عباده {مَوْلَى ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} بوحدة الحق وتحققوا في مقر توحديه، لذلك يواليهم وينصرهم على أعاديهم، ويحفظهز عما لا يعنيهم {وَأَنَّ ٱلْكَافِرِينَ} المصرين على الكفر والعناد {لاَ مَوْلَىٰ لَهُمْ} [محمد: 11] لينصرهم ويدفع عنهم ما يرديهم.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : { ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ} [محمد: 1]، يشير إلى كفر النفوس المجبولة عليه وضد القلوب المجبولة على طلب الحق عن السير في سبيل الله، بالهواجس النفسانية ودواعي البشرية والشهوات الحيوانية {أَضَلَّ أَعْمَٰلَهُمْ} [محمد: 1]؛ أي: أضل الله أعمالهم ليكون في طلب الحق تعالى، ويجعلها في إتباع الهوى وطلب الدنيا وزينتها وشهواتها. {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ} [محمد: 2] بالله، {وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ} [محمد: 2] في طلب الله، {وَآمَنُواْ بِمَا نُزِّلَ عَلَىٰ مُحَمَّدٍ} [محمد: 2] من بيان السير إلى الله والدلالات إلى الحق، {وَهُوَ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ} [محمد: 2]؛ أي: أمنوا بأنه الحق وعملوا به في طلب الحق، {كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ} [محمد: 2]؛ أي: محا وصقل عن مرآة قلوبهم صدأ الكفر والإنكار، {وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ} [محمد: 2]؛ أي: أصلح قلبهم؛ ليكون قابلاً للفيض بلا واسطة. {ذَلِكَ بِأَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱتَّبَعُواْ ٱلْبَاطِلَ} [محمد: 3] وهو الهوى والدنيا، {وَأَنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّبَعُواْ ٱلْحَقَّ مِن رَّبِّهِمْ} [محمد: 3]، وهو صدق الطلب بجهاد النفس ومخالفة الهوى بجذبة الحق تعالى، {كَذَلِكَ يَضْرِبُ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثَالَهُمْ} [محمد: 3]؛ ليهتدوا بالمثال المطابق في الصورة إلى حقائق عالم المعالي. وبقوله: {فَإِذَا لَقِيتُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَضَرْبَ ٱلرِّقَابِ} [محمد: 4]، يشير إلى كافر النفس حيثما وجدتموه، وهو يمد رأسه إلى مشرب من مشارب الدنيا ونعيمها، فضرب الرقاب؛ أي: فاضربوا عن ذلك الرأس، وادفعوه عن ذلك المشرب، {حَتَّىٰ إِذَآ أَثْخَنتُمُوهُمْ} [محمد: 4]؛ أي: غلبتموهم وسخرتموهم، {فَشُدُّواْ ٱلْوَثَاقَ} [محمد: 4]؛ أي: شدوهم بوثاق أركان الشريعة وآداب الطريقة، فإن بهذين الجناحين يطير صاحب الهمم العلية إلى عالم الحقيقة، {فَإِمَّا مَنًّا} [محمد: 4] على النفوس { بَعْدُ} [محمد: 4] الوصول بترك المجاهدة، {وَإِمَّا فِدَآءً} [محمد: 4] بكثرة العبادة؛ عوضاً عن ترك بعد الظفر بالنفوس؛ ولتأمل النفوس بسيف المخالفة، فإن في مذهب أرباب الطلب يجوز كل ذلك بحسب نظر كل مجتهد، فإن كل مجتهد منهم نصيب {حَتَّىٰ تَضَعَ ٱلْحَرْبُ أَوْزَارَهَا} [محمد: 4] إلى أن يقصد القاصد المقصود، ويجد الطالب المطلوب، ويصل العاشق المعشوق، فإن جرى على النفس بعد الظفر بها مسامحة في إعفاء ساعة وإفطار يوم؛ ترويحاً للنفس من الكد وإحماءها للحواس، قوةً لها على الجهد فيما يستقبل من الأمر، فذلك على ما يحصل به الاستصواب من شيخ المريد، أو فتوى لسان القوم أو فراسة صاحب الوقت، {ذَلِكَ} [محمد: 4] الذي ذكرت من طرف العبد، {وَلَوْ يَشَآءُ اللَّهُ لاَنْتَصَرَ مِنْهُمْ} [محمد: 4]؛ يعني: بقهر النفس يتجلى صفات الجلال بغير سعي المجاهدة في القتال، {وَلَـٰكِن لِّيَبْلُوَاْ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَٱلَّذِينَ قُتِلُواْ} [محمد: 4]؛ يعني: في النفوس {فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} [محمد: 4] في طلب الحق تعالى، {فَلَن يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ} [محمد: 4] من بذل الوجود في طلب المعبود.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : هذه الآيات مشتملات على ذكر ثواب المؤمنين وعقاب العاصين، والسبب في ذلك، ودعوة الخلق إلى الاعتبار بذلك، فقال: { الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ } وهؤلاء رؤساء الكفر، وأئمة الضلال، الذين جمعوا بين الكفر بالله وآياته، والصد لأنفسهم وغيرهم عن سبيل الله، التي هي الإيمان بما دعت إليه الرسل واتباعه. فهؤلاء { أَضَلَّ } الله { أَعْمَالَهُمْ } أي: أبطلها وأشقاهم بسببها، وهذا يشمل أعمالهم التي عملوها ليكيدوا بها الحق وأولياء الله، أن الله جعل كيدهم في نحورهم، فلم يدركوا مما قصدوا شيئا، وأعمالهم التي يرجون أن يثابوا عليها، أن الله سيحبطها عليهم، والسبب في ذلك أنهم اتبعوا الباطل، وهو كل غاية لا يراد بها وجه الله من عبادة الأصنام والأوثان، والأعمال التي في نصر الباطل لما كانت باطلة، كانت الأعمال لأجلها باطلة. وأما { وَالَّذِينَ آمَنُوا } بما أنزل الله على رسله عموما، وعلى محمد صلى الله عليه وسلم خصوصا، { وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ } بأن قاموا بما عليهم من حقوق الله، وحقوق العباد الواجبة والمستحبة. { كَفَّرَ } الله { عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ } صغارها وكبارها، وإذا كفرت سيئاتهم، نجوا من عذاب الدنيا والآخرة. { وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ } أي: أصلح دينهم ودنياهم، وقلوبهم وأعمالهم، وأصلح ثوابهم، بتنميته وتزكيته، وأصلح جميع أحوالهم، والسبب في ذلك أنهم: { اتبعوا الْحَقُّ } الذي هو الصدق واليقين، وما اشتمل عليه هذا القرآن العظيم، الصادر { مِنْ رَبِّهِمْ } الذي رباهم بنعمته، ودبرهم بلطفه فرباهم تعالى بالحق فاتبعوه، فصلحت أمورهم، فلما كانت الغاية المقصودة لهم، متعلقة بالحق المنسوب إلى الله الباقي الحق المبين، كانت الوسيلة صالحة باقية، باقيا ثوابها. { كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثَالَهُمْ } حيث بين لهم تعالى أهل الخير وأهل الشر، وذكر لكل منهم صفة يعرفون بها ويتميزون {أية : ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حي عن بينة }.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):