٤٧ - مُحَمَّد
47 - Muhammad (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
4
Tafseer
الرازي
تفسير : ثم قال تعالى: {فَإِذَا لَقِيتُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَضَرْبَ ٱلرّقَابِ حَتَّىٰ إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: الفاء في قوله {فَإِذَا لَقِيتُمُ } يستدعي متعلقاً يتعلق به ويترتب عليه، فما وجه التعلق بما قبله؟ نقول هو من وجوه: الأول: لما بيّن أن الذين كفروا أضل الله أعمالهم واعتبار الإنسان بالعمل، ومن لم يكن له عمل فهو همج فإن صار مع ذلك يؤذي حسن إعدامه {فَإِذَا لَقِيتُمُ } بعد ظهور أن لا حرمة لهم وبعد إبطال أعمالهم، فاضربوا أعناقهم الثاني: إذا تبين تباين الفريقين وتباعد الطريقين، وأن أحدهما يتبع الباطل وهو حزب الشيطان، والآخر يتبع الحق وهو حزب الرحمٰن حق القتال عند التحزب، فإذا لقيتموهم فاقتلوهم الثالث: أن من الناس من يقول لضعف قلبه وقصور نظره إيلام الحيوان من الظلم والطغيان، ولا سيما القتل الذي هو تخريب بنيان، فيقال رداً عليهم: لما كان اعتبار الأعمال باتباع الحق والباطل فمن يقتل في سبيل الله لتعظيم أمر الله لهم من الأجر ما للمصلي والصائم، فإذا لقيتم الذين كفروا فاقتلوهم ولا تأخذكم بهما رأفة فإن ذلك اتباع للحق والاعتبار به لا بصورة الفعل. المسألة الثانية: {فَضَرْبَ } منصوب على المصدر، أي فاضربوا ضرب الرقاب. المسألة الثالثة: ما الحكمة في اختيار ضرب الرقبة على غيرها من الأعضاء نقول فيه: لما بيّن أن المؤمن ليس يدافع إنما هو دافع، وذلك أن من يدفع الصائل لا ينبغي أن يقصد أولاً مقتله بل يتدرج ويضرب على غير المقتل، فإن اندفع فذاك ولا يترقى إلى درجة الإهلاك، فقال تعالى ليس المقصود إلا دفعهم عن وجه الأرض، وتطهير الأرض منهم، وكيف لا والأرض لكم مسجد، والمشركون نجس، والمسجد يطهر من النجاسة، فإذاً ينبغي أن يكون قصدكم أولاً إلى قتلهم بخلاف دفع الصائل، والرقبة أظهر المقاتل لأن قطع الحلقوم والأوداج مستلزم للموت لكن في الحرب لا يتهيأ ذلك، والرقبة ظاهرة في الحرب ففي ضربها حز العنق وهو مستلزم للموت بخلاف سائر المواضع، ولا سيما في الحرب، وفي قوله {لَقِيتُمُ } ما ينبىء عن مخالفتهم الصائل لأن قوله {لَقِيتُمُ } يدل على أن القصد من جانبهم بخلاف قولنا لقيكم، ولذلك قال في غير هذا الموضع {أية : وَٱقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ } تفسير : [البقرة: 191]. المسألة الرابعة: قال ههنا {ضَرب ٱلرِّقَابِ } بإظهار المصدر وترك الفعل، وقال في الأنفال {أية : فَٱضْرِبُواْ فَوْقَ ٱلأعْنَـٰقِ } تفسير : [الأنفال: 12] بإظهار الفعل، وترك المصدر، فهل فيه فائدة؟ نقول نعم ولنبينها بتقديم مقدمة، وهي أن المقصود أولاً في بعض السور قد يكون صدور الفعل من فاعل ويتبعه المصدر ضمناً، إذ لا يمكن أن يفعل فاعل إلا ويقع منه المصدر في الوجود، وقد يكون المقصود أولاً المصدر ولكنه لا يوجد إلا من فاعل فيطلب منه أن يفعل، مثاله من قال: إني حلفت أن أخرج من المدينة. فيقال له: فاخرج، صار المقصود منه صدور الفعل منه والخروج في نفسه غير مقصود الانتفاء، ولو أمكن أن يخرج من غير تحقق الخروج منه لما كان عليه إلا أن يخرج لكن من ضرورات الخروج أن يخرج، فإذا قال قائل ضاق بي المكان بسبب الأعداء فيقال له مثلاً الخروج يعني الخروج فاخرج فإن الخروج هو المطلوب حتى لو أمكن الخروج من غير فاعل لحصل الغرض لكنه محال فيتبعه الفعل، إذا عرفت هذا فنقول في الأنفال الحكاية عن الحرب الكائنة وهم كانوا فيها والملائكة أنزلوا لنصرة من حضر في صف القتال فصدور الفعل منه مطلوب، وههنا الأمر وارد وليس في وقت القتال بدليل قوله تعالى: {فَإِذَا لَقِيتُمُ } والمقصود بيان كون المصدر مطلوباً لتقدم المأمور على الفعل قال: {فَضَرْبَ ٱلرّقَابِ } وفيما ذكرنا تبيين فائدة أخرى وهي أن الله تعالى قال هناك {أية : وَٱضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ } تفسير : [الأنفال: 12] وذلك لأن الوقت وقت القتال فأرشدهم إلى المقتل وغيره إن لم يصيبوا المقتل، وههنا ليس وقت القتال فبيّن أن المقصود القتل وغرض المسلم ذلك. المسألة الخامسة: {حَتَّىٰ } لبيان غاية الأمر لا لبيان غاية القتل أي حتى إذا اثخنتموهم لا يبقى الأمر بالقتل، ويبقى الجواز ولو كان لبيان القتل لما جاز القتل، والقتل جائز إذا التحق المثخن بالشيخ الهرم، والمراد كما إذا قطعت يداه ورجلاه فنهى عن قتله. ثم قال تعالى: {فَشُدُّواْ ٱلْوَثَاقَ } أمر إرشاد. ثم قال تعالى: {فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً } وفيه مسائل: المسألة الأولى: (إما) وإنما للحصر وحالهم بعد الأسر غير منحصر في الأمرين، بل يجوز القتل والاسترقاق والمن والفداء، نقول هذا إرشاد فذكر الأمر العام الجائز في سائر الأجناس، والاسترقاق غير جائز في أسر العرب، فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان معهم فلم يذكر الاسترقاق، وأما القتل فلأن الظاهر في المثخن الإزمان، ولأن القتل ذكره بقوله {فَضَرْبَ ٱلرّقَابِ } فلم يبق إلا الأمران. المسألة الثانية: مناً وفداءً منصوبان لكونهما مصدرين تقديره: فإما تمنون مناً وإما تفدون فداءً وتقديم المن على الفداء إشارة إلى ترجيح حرمة النفس على طلب المال، والفداء يجوز أن يكون مالاً يكون وأن يكون غيره من الأسرى أو شرطاً يشرط عليهم أو عليه وحده. المسألة الثالثة: إذا قدرنا الفعل وهو تمنون أو تفدون على تقدير المفعول، حتى نقول إما تمنون عليهم منا أو تفدونهم فداء، نقول لا لأن المقصود المن والفداء لا عليهم وبهم كما يقول القائل: فلان يعطي ويمنع ولا يقال يعطي زيداً ويمنع عمراً لأن غرضه ذكر كونه فاعلاً لا بيان المفعول، وكذلك ههنا المقصود إرشاد المؤمنين إلى الفضل. ثم قال تعالى: {حَتَّىٰ تَضَعَ ٱلْحَرْبُ أَوْزَارَهَا }. وفي تعلق {حَتَّىٰ } وجهان أحدهما: تعلقها بالقتل أي اقتلوهم حتى تضع وثانيهما: بالمن والفداء، ويحتمل أن يقال متعلقة بشدوا الوثاق وتعلقها بالقتل أظهر وإن كان ذكره أبعد، وفي الأوزار وجهان أحدهما: السلاح والثاني: الآثام وفيه مسائل: المسألة الأولى: إن كان المراد الإثم، فكيف تضع الحرب الإثم والإثم على المحارب؟ وكذلك السؤال في السلاح لكنه على الأول أشد توجهاً، فيقول تضع الحرب الأوزار لا من نفسها، بل تضع الأوزار التي على المحاربين والسلاح الذي عليهم. المسألة الثانية: هل هذا كقوله تعالى: {أية : واسئل القرية } تفسير : [يوسف: 82] حتى يكون كأنه قال حتى تضع أمة الحرب أو فرقة الحرب أوزارها؟ نقول ذلك محتمل في النظر الأول، لكن إذا أمعنت في المعنى تجد بينهما فرقاً، وذلك لأن المقصود من قوله {حَتَّىٰ تَضَعَ ٱلْحَرْبُ أَوْزَارَهَا } الحرب بالكلية بحيث لا يبقى في الدنيا حزب من أحزاب الكفر يحارب حزباً من أحزاب الإسلام، ولو قلنا حتى تضع أمة الحرب جاز أن يضعوا الأسلحة ويتركوا الحرب وهي باقية بمادتها كما تقول خصومتي ما انفصلت ولكني تركتها في هذه الأيام، وإذا أسندنا الوضع إلى الحرب يكون معناه إن الحرب لم يبق. المسألة الثالثة: لو قال حتى لا يبقى حزب أو ينفر من الحرب هل يحصل معنى قوله {حَتَّىٰ تَضَعَ ٱلْحَرْبُ أَوْزَارَهَا } نقول لا والتفاوت بين العبارتين مع قطع النظر عن النظم، بل النظر إلى نفس المعنى كالتفاوت بين قولك انقرضت دولة بني أُمية، وقولك لم يبق من دولتهم أثر، ولا شك أن الثاني أبلغ، فكذلك ههنا قوله تعالى: {أَوْزَارَهَا } معناه آثارها فإن من أوزار الحرب آثارها. المسألة الرابعة: وقت وضع أوزار الحرب متى هو؟ نقول فيه أقوال حاصلها راجع إلى أن ذلك الوقت هو الوقت الذي لا يبقى فيه حزب من أحزاب الإسلام وحزب من أحزاب الكفر وقيل ذلك عند قتال الدجال ونزول عيسى عليه السلام. ثم قال تعالى: {ذٰلِكَ وَلَوْ يَشَاء اللَّهُ لاَنْتَصَرَ مِنْهُمْ }. في معنى ذلك وجهان أحدهما: الأمر ذلك والمبتدأ محذوف ويحتمل أن يقال ذلك واجب أو مقدم، كما يقول القائل إن فعلت فذاك أي فذاك مقصود ومطلوب، ثم بيّن أن قتالهم ليس طريقاً متعيناً بل الله لو أراد أهلكهم من غير جند. قوله تعالى: {وَلَـٰكِن لّيَبْلُوَا بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ }. أي ولكن ليكلفكم فيحصل لكم شرف باختياره إياكم لهذا الأمر. فإن قيل ما التحقيق في قولنا التكليف ابتلاء وامتحان والله يعلم السر وأخفى، وماذا يفهم من قوله {وَلَـٰكِن لّيَبْلُوَا بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ }؟ نقول فيه وجوه الأول: أن المراد منه يفعل ذلك فعل المبتلين أي كما يفعل المبتلى المختبر، ومنها أن الله تعالى يبلو ليظهر الأمر لغيره إما للملائكة وإما للناس، والتحقيق هو أن الابتلاء والامتحان والاختبار فعل يظهر بسببه أمر غيره متعين عند العقلاء بالنظر إليه قصداً إلى ظهوره، وقولنا فعل يظهر بسببه أمر ظاهر الدخول في مفهوم الابتداء، لأن ما لا يظهر بسببه شيء أصلاً لا يسمى ابتلاء، أما قولنا أمر غير متعين عند العقلاء، وذلك لأن من يضرب بسيفه على القثاء والخيار لا يقال إنه يمتحن، لأن الأمر الذي يظهر منه متعين وهو القطع والقد بقسمين، فإذا ضرب بسيفه سبعاً يقال يمتحن بسيفه ليدفع عن نفسه وقد يقده وقد لا يقده، وأما قولنا ليظهر منه ذلك فلأن من يضرب سبعاً بسيفه ليدفعه عن نفسه لا يقال إنه ممتحن لأن ضربه ليس لظهور أمر متعين، إذا علم هذا فنقول الله تعالى إذا أمرنا بفعل يظهر بسببه أمر غير متعين، وهو إما الطاعة أو المعصية في العقول ليظهر ذلك يكون ممتحناً، وإن كان عالماً به لكون عدم العلم مقارناً فينا لابتلائنا فإذا ابتلينا وعدم العلم فينا مستمر أمرنا وليس من ضرورات الابتلاء، فإن قيل الابتلاء فائدته حصول العلم عند المبتلى، فإذا كان الله تعالى عالماً فأية فائدة فيه؟ نقول ليس هذا سؤال يختص بالابتلاء، فإن قول القائل: لم ابتلى كقول القائل لم عاقب الكافر وهو مستغن، ولم خلق النار محرقة وهو قادر على أن يخلقها بحيث تنفع ولا تضر؟ وجوابه: لا يسأل عما يفعل، ونقول حينئذ ما قاله المتقدمون إنه لظهور الأمر المتعين لإلٰه، وبعد هذا فنقول: المبتلى لا حاجة له إلى الأمر الذي يظهر من الابتلاء، فإن الممتحن للسيف فيما ذكرنا من الصورة لا حاجة له إلى قطع ما يجرب السيف فيه حتى أنه لو كان محتاجاً، كما ضربنا من مثال دفع السبع بالسيف لا يقال إنه يمتحن وقوله {لّيَبْلُوَا بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ } إشارة إلى عدم الحاجة تقريراً لقوله {ذٰلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لاَنْتَصَرَ مِنْهُمْ }. ثم قال تعالى: {وَٱلَّذِينَ قُتِلُواْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ فَلَن يُضِلَّ أَعْمَـٰلَهُمْ }. قرىء قتلوا وقاتلوا والكل مناسب لما تقدم، أما من قرأ قتلوا فلأنه لما قال: {فَضَرْبَ ٱلرِّقَابِ } ومعناه فاقتلوهم بين ما للقاتل بقوله {وَٱلَّذِينَ قُتِلُواْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ فَلَن يُضِلَّ أَعْمَـٰلَهُمْ } رداً على من زعم أن القتل فساد محرم إذ هو إفناء من هو مكرم، فقال عملهم ليس كحسنة الكافر يبطل بل هو فوق حسنات الكافر أضل الله أعمال الكفار، ولن يضل القاتلين، فكيف يكون القتل سيئة، وأما من قرأ {قَاتَلُواْ } فهو أكثر فائدة وأعم تناولاً، لأنه يدخل فيه من سعى في القتل سواء قتل أو لم يقتل، وأما من قرأ {وَٱلَّذِينَ قُتِلُواْ } على البناء للمفعول فنقول هي مناسبة لما تقدم من وجوه أحدها: هو أنه تعالى لما قال: {فَضَرْبَ ٱلرِّقَابِ } أي اقتلوا والقتل لا يتأتى إلا بالإقدام وخوف أن يقتل المقدم يمنعه من الإقدام، فقال لا تخافوا القتل فإن من يقتل في سبيل الله له من الأجر والثواب ما لا يمنع المقاتل من القتال بل يحثه عليه وثانيها: هو أنه تعالى لما قال: {لّيَبْلُوَا بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ } والمبتلى بالشيء له على كل وجه من وجوه الأثر الظاهر بالابتلاء حال من الأحوال، فإن السيف الممتحن تزيد قيمته على تقدير أن يقطع وتنقص على تقدير أن لا يقطع فحال المبتلين ماذا فقال إن قتل فله أن لا يضل عمله ويهدى ويكرم ويدخل الجنة، وأما إن قتل فلا يخفى (أمره) عاجلاً وآجلاً، وترك بيانه على تقدير كونه قاتلاً لظهوره وبين حاله على تقدير كونه مقتولاً وثالثها: هو أنه تعالى لما قال: {لِيَبْلُوَكُمْ } ولا يبتلي الشيء النفيس بما يخاف منه هلاكه، فإن السيف المهند العضب الكبير القيمة لا يجرب بالشيء الصلب الذي يخاف عليه منه الانكسار، ولكن الآدمي مكرم كرمه الله وشرفه وعظمه، فلماذا ابتلاه بالقتال وهو يفضي إلى القتل والهلاك إفضاء غير نادر، فكيف يحسن هذا الابتلاء؟ فنقول القتل ليس بإهلاك بالنسبة إلى المؤمن فإنه يورث الحياة الأبدية فإذا ابتلاه بالقتال فهو على تقدير أن يقتل مكرم وعلى تقدير أن لا يقتل مكرم هذا إن قاتل وإن لم يقاتل، فالموت لا بد منه وقد فوت على نفسه الأجر الكبير. وأما قوله تعالى: {فَلَن يُضِلَّ أَعْمَـٰلَهُمْ } قد علم معنى الإضلال، بقي الفرق بين العبارتين في حق الكافر والضال قال {أية : أَضَلَّ } تفسير : [محمد: 1] وقال في حق المؤمن الداعي {لَنْ يُضِلَّ }، لأن المقاتل داع إلى الإيمان لأن قوله {حَتَّىٰ تَضَعَ ٱلْحَرْبُ أَوْزَارَهَا } قد ذكر أن معناه حتى لم يبق إثم بسبب حرب، وذلك حيث يسلم الكافر فالمقاتل يقول إما أن تسلم وإما أن تقتل، فهو داع والكافر صاد وبينهما تباين وتضاد فقال في حق الكافر أضل بصيغة الماضي، ولم يقل يضل إشارة إلى أن عمله حيث وجد عدم، وكأنه لم يوجد من أصله، وقال في حق المؤمن فلن يضل، ولم يقل ما أضل إشارة إلى أن عمله كلما ثبت عليه أثبت له، فلن يضل للتأبيد وبينهما غاية الخلاف، كما أن بين الداعي والصاد غاية التباين والتضاد، فإن قيل ما معنى الفاء في قوله {فَلَن يُضِلَّ }؟ جوابه لأن في قوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ قُتِلُواْ } معنى الشرط.
القرطبي
تفسير : فيه أربع مسائل: الأولى ـ قوله تعالى: {فَإِذَا لَقِيتُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَضَرْبَ ٱلرِّقَابِ} لما ميّز بين الفريقين أمر بجهاد الكفار. قال ابن عباس: الكفار المشركون عبدة الأوثان. وقيل: كل من خالف دين الإسلام من مشرك أو كتابي إذا لم يكن صاحب عهد ولا ذِمّة؛ ذكره الماورِدي. وٱختاره ابن العربي وقال: وهو الصحيح لعموم الآية فيه؛ «فَضَرْبَ الرِّقَابِ» مصدر. قال الزجاج: أي فٱضربوا الرقاب ضرباً. وخص الرقاب بالذكر لأن القتل أكثر ما يكون بها. وقيل: نصب على الإغراء. قال أبو عبيدة: هو كقولك يا نفس صبراً. وقيل: التقدير ٱقصدوا ضرب الرقاب. وقال: «فَضَرْبَ الرِّقَابِ» ولم يقل فٱقتلوهم؛ لأن في العبارة بضرب الرقاب من الغِلظة والشدة ما ليس في لفظ القتل؛ لما فيه من تصوير القتل بأشنع صوره؛ وهو حز العنق وإطارة العضو الذي هو رأس البدن وعُلوّه وأوْجَهُ أعضائه. الثانية ـ قوله تعالى: {حَتَّىٰ إِذَآ أَثْخَنتُمُوهُمْ} أي أكثرتم القتل. وقد مضى في «الأنفال» عند قوله تعالى: «حَتَّى يُثْخِنَ فِي اْلأَرْضِ». {فَشُدُّواْ ٱلْوَثَاقَ} أي إذا أسرتموهم. والوثاق ٱسم من الإيثاق، وقد يكون مصدراً؛ يقال: أوثقته إيثاقاً ووثاقاً. وأما الوِثاق (بالكسر) فهو ٱسم الشيء الذي يوثق به كالرباط؛ قاله القشيري. وقال الجوهرِيّ: وأوثقه في الوثاق أي شدّه، وقال تعالى: «فَشُدُّوا الْوَثَاقَ». والوِثاق (بكسر الواو) لغة فيه. وإنما أمر بشدّ الوثاق لئلا يفلِتوا. {فَإِمَّا مَنًّا} عليهم بالإطلاق من غيرِ فِدْية {وَإِمَّا فِدَآءً}. ولم يذكر القتل هاهنا ٱكتفاء بما تقدّم من القتل في صدر الكلام، و «مَنًّا» و «فِدَاءً» نصب بإضمار فعل. وقرىء «فَدًى» بالقصر مع فتح الفاء؛ أي فإما أن تمنُّوا عليهم مَنًّا، وإما أن تفادوهم فِداءً. روي عن بعضهم أنه قال: كنت واقفاً على رأس الحجاج حين أتِيَ بالأسرى من أصحاب عبد الرحمٰن بن الأشعث وهم أربعة آلاف وثمانمائة فقتل منهم نحو من ثلاثة آلاف حتى قدم إليه رجل مِن كِنْدة فقال: يا حجاج، لا جازاك الله عن السنة والكرم خيرا! قال: ولمَ ذلك؟ قال: لأن الله تعالى قال: {فَإِذَا لَقِيتُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَضَرْبَ ٱلرِّقَابِ حَتَّىٰ إِذَآ أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّواْ ٱلْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَآءً} في حق الذين كفروا؛ فوالله! ما مَنَنْتَ ولا فَدَيْتَ؟ وقد قال شاعركم فيما وصف به قومه من مكارم الأخلاق:شعر : ولا نقتل الأسرى ولكن نفكهم إذا أثقل الأعناقَ حِملُ المغارم تفسير : فقال الحجاج: أفٍّ لهذه الجِيَف! أمَا كان فيهم من يحسن مثل هذا الكلامٰ؟ خَلُّوا سبيل من بقي. فَخُلِّيَ يومئذ عن بقية الأسرى، وهم زهاء ألفين، بقول ذلك الرجل. الثالثة ـ واختلف العلماء في تأويل هذه الآية على خمسة أقوال: الأوّل ـ أنها منسوخة، وهي في أهل الأوثان، لا يجوز أن يفادوا ولا يُمَنّ عليهم. والناسخ لها عندهم قوله تعالى: {أية : فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ}تفسير : [التوبة: 5] وقوله: {أية : فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي ٱلْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِم مَّنْ خَلْفَهُمْ} تفسير : [الأنفال:7 5] وقوله: {أية : وَقَاتِلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً} تفسير : [التوبة:6 3] الآية؛ قاله قتادة والضحاك والسدّي وابن جُرَيج والعَوْفِي عن ابن عباس، وقاله كثير من الكوفيين. وقال عبد الكريم الجَوْزِيّ: كُتب إلى أبي بكر في أسير أسِر، فذكروا أنهم التمسوه بفداء كذا وكذا؛ فقال اقتلوه، لَقَتْلُ رجلٍ من المشركين أحبّ إليّ من كذا وكذا. الثاني ـ أنها في الكفار جميعاً. وهي منسوخة على قول جماعة من العلماء وأهل النظر، منهم قتادة ومجاهد. قالوا: إذا أسِر المشرك لم يجز أن يُمَنّ عليه، ولا أن يفادى به فيردّ إلى المشركين؛ ولا يجوز أن يفادى عندهم إلا بالمرأة؛ لأنها لا تُقتل. والناسخ لها: «فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ» إذ كانت براءة آخر ما نزلت بالتوقيف؛ فوجب أن يُقتل كل مشرك إلا من قامت الدلالة على تركه من النساء والصبيان ومن يؤخذ منه الجِزية. وهو المشهور من مذهب أبي حنيفة؛ خيفة أن يعودوا حَرْباً للمسلمين. ذكر عبد الرّزاق أخبرنا معمر عن قتادة «فَإمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإمَّا فِدَاءً» قال: نسخها «فَشَرِّدْ بِهِم مَنْ خَلْفَهُمْ». وقال مجاهد: نسخها {فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ}. وهو قول الحَكَم. الثالث ـ أنها ناسخة؛ قاله الضحاك وغيره. روى الثوري عن جُوَيْبِر عن الضحاك: {فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ} قال: نسخها «فَإمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإمَّا فِدَاءً». وقال ابن المبارك عن ابن جُرَيج عن عطاء: «فَإمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإمَّا فِدَاءً» فلا يُقتل المشرك ولكن يُمَنّ عليه ويُفادى؛ كما قال الله عز وجل. قال أشعث: كان الحسن يكره أن يقتل الأسير، ويتلو {فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَآءً}. وقال الحسن أيضاً: في الآية تقديم وتأخير؛ فكأنه قال: فضرب الرّقاب حتى تضع الحرب أوزارها. ثم قال: {حَتَّىٰ إِذَآ أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّواْ ٱلْوَثَاقَ}. وزعم أنه ليس للإمام إذا حصل الأسير في يديه أن يقتله؛ لكنه بالخيار في ثلاث منازل: إما أن يَمُنّ، أو يفادي، أو يسترق. الرابع ـ قول سعيد بن جُبَير: لا يكون فداء ولا أسر إلا بعد الإثخان والقتل بالسيف؛ لقوله تعالى: {أية : مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَىٰ حَتَّىٰ يُثْخِنَ فِي ٱلأَرْضِ} تفسير : [الأنفال:7 6]. فإذا أسِر بعد ذلك فللإمام أن يحكم بما رآه من قتل أو غيره. الخامس ـ أن الآية محكمة، والإمام مخيَّر في كل حال؛ رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، وقاله كثير من العلماء منهم ابن عمر والحسن وعطاء، وهو مذهب مالك والشافعي والثوري والأوزاعي وأبي عبيد وغيرهم. وهو الاختيار؛ لأن النبيّ صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين فعلوا كل ذلك؛ قَتل النبيّ صلى الله عليه وسلم عُقْبَة بن أبي مُعَيْط والنضر بن الحارث يوم بدر صَبْراً، وفادى سائر أسارى بدر، ومَنّ على ثُمامة بن أُثَال الحنفي وهو أسير في يده، وأخذ من سلمة بن الأكْوَع جارية ففدى بها أناساً من المسلمين، وهبط عليه عليه السلام قوم من أهل مكة فأخذهم النبيّ صلى الله عليه وسلم ومنّ عليهم، وقد منّ على سَبْيِ هوازن. وهذا كله ثابت في الصحيح، وقد مضى جميعه في (الأنفال) وغيرها. قال النحاس: وهذا على أن الآيتين محكمتان معمول بهما؛ وهو قول حسن، لأن النسخ إنما يكون لشيء قاطع، فإذا أمكن العمل بالآيتين فلا معنى للقول بالنسخ، إذا كان يجوز أن يقع التعبُّد إذا لقينا الذين كفروا قتلناهم، فإذا كان الأسر جاز القتل والاسترقاق والمفاداة والمنّ؛ على ما فيه الصلاح للمسلمين. وهذا القول يروى عن أهل المدينة والشافعي وأبي عبيد، وحكاه الطحاوي مذهباً عن أبي حنيفة، والمشهور عنه ما قدّمناه، وبالله عز وجل التوفيق. الرابعة ـ قوله تعالى: {حَتَّىٰ تَضَعَ ٱلْحَرْبُ أَوْزَارَهَا} قال مجاهد وابن جبير: هو خروج عيسى عليه السلام. وعن مجاهد أيضاً: أن المعنى حتى لا يكون دين إلا دين الإسلام؛ فَيُسْلِم كلّ يهوديّ ونصراني وصاحب مِلّة، وتأمن الشاة من الذئب. ونحوه عن الحسن والكلبي والفرّاء والكسائي. قال الكسائي: حتى يُسْلِم الخلق. وقال الفرّاء: حتى يؤمنوا ويذهب الكفر. وقال الكلبي: حتى يظهر الإسلام على الدِّين كله. وقال الحسن: حتى لا يعبدوا إلا الله. وقيل: معنى الأوزار السلاح؛ فالمعنى شدّوا الوثاق حتى تأمنوا وتضعوا السلاح. وقيل: معناه حتى تضع الحرب، أي الأعداء المحاربون أوزارهم، وهو سلاحهم بالهزيمة أو الموادعة. ويقال للكراع أوزار. قال الأعشى:شعر : وأعددت للحرب أوزارها رماحاً طوالاً وخيلاً ذكورا ومِن نَسْج داود يحدي بها على أثر الحيّ عِيراً فعِيرَا تفسير : وقيل: «حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا» أي أثقالها. والوِزر الثقل؛ ومنه وزير الملك لأنه يتحمل عنه الأثقال. وأثقالها السلاح لثقل حملها. قال ابن العربي: قال الحسن وعطاء: في الآية تقديم وتأخير؛ المعنى فضرب الرقاب حتى تضع الحرب أوزارها فإذا أثخنتموهم فشدّوا الوثاق؛ وليس للإمام أن يقتل الأسير. وقد روي عن الحجاج أنه دفع أسيراً إلى عبد الله بن عمر ليقتله فأبى وقال: ليس بهذا أمرنا الله؛ وقرأ «حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ». قلنا: قد قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم وفعله، وليس في تفسير الله للمنّ والفداء منع من غيره؛ فقد بيّن الله في الزنى حكم الجلد، وبيّن النبيّ صلى الله عليه وسلم حكم الرجم؛ ولعل ٱبن عمر كره ذلك من يد الحجاج فاعتذر بما قال، وربك أعلم. قوله تعالى: {ذَلِكَ وَلَوْ يَشَآءُ اللَّهُ لاَنْتَصَرَ مِنْهُمْ} «ذَلِكَ» في موضع رفع على ما تقدّم؛ أي الأمر ذلك الذي ذكرت وبينت. وقيل: هو منصوب على معنى افعلوا ذلك. ويجوز أن يكون مبتدأ؛ المعنى ذلك حكم الكفار. وهي كلمة يستعملها الفصيح عند الخروج من كلام إلى كلام؛ وهو كما قال تعالى: {أية : هَـٰذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ } تفسير : [صۤ: 55]. أي هذا حق وأنا أعرفكم أن للظالمين كذا. ومعنى: «لاَنْتَصَرَ مِنْهُمْ» أي أهلكهم بغير قتال. وقال ابن عباس: لأهلكهم بجند من الملائكة. {وَلَـٰكِن لِّيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ} أي أمركم بالحرب ليبلُوَ ويختبر بعضكم ببعض فيعلم المجاهِدِين والصابرين؛ كما في السورة نفسها. {وَٱلَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} يريد قتلى أُحُد من المؤمنين {فَلَن يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ} قراءة العامة «قاتلوا» وهي ٱختيار أبي عبيد. وقرأ أبو عمرو وحفص «قُتِلوا» بضم القاف وكسر التاء، وكذلك قرأ الحسن إلا أنه شدّد التاء على التكثير. وقرأ الجَحْدرِي وعيسى بن عمر وأبو حَيْوة «قَتَلُوا» بفتح القاف والتاء من غير ألف؛ يعني الذين قتلوا المشركين. قال قتادة: ذكر لنا أن حديث : هذه الآية نزلت يوم أُحُد ورسول الله صلى الله عليه وسلم في الشِّعب، وقد فَشَت فيهم الجراحات والقتل، وقد نادى المشركون: ٱعْلُ هُبَلُ. ونادى المسملون: الله أعلى وأجل. وقال المشركون: يومٌ بيوم بَدْر والحرب سِجال. فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم:«قولوا لا سواء. قتلانا أحياء عند ربهم يرزقون وقتلاكم في النار يعذَّبون»تفسير : . فقال المشركون: إن لنا العُزَّى ولا عُزَّى لكم. فقال المسلمون: الله مولانا ولا مولى لكم. وقد تقدّم ذكر ذلك في« آل عمران».
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى مرشداً للمؤمنين إلى ما يعتمدونه في حروبهم مع المشركين: {فَإِذَا لَقِيتُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَضَرْبَ ٱلرِّقَابِ} أي إذا واجهتموهم، فاحصدوهم حصداً بالسيوف {حَتَّىٰ إِذَآ أَثْخَنتُمُوهُمْ} أي أهلكتموهم قتلاً {فَشُدُّواْ ٱلْوَثَاقَ} الأسارى الذين تأسرونهم، ثم أنتم بعد انقضاء الحرب وانفصال المعركة مخيرون في أمرهم، إن شئتم مننتم عليهم، فأطلقتم أساراهم مجاناً، وإن شئتم فاديتموهم بمال تأخذونه منهم، وتشارطونهم عليه، والظاهر أن هذه الآية نزلت بعد وقعة بدر، فإن الله سبحانه وتعالى عاتب المؤمنين على الاستكثار من الأسارى يومئذ؛ ليأخذوا منهم الفداء، والتقليل من القتل يومئذ، فقال: {أية : مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَىٰ حَتَّىٰ يُثْخِنَ فِي ٱلأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ ٱلدُّنْيَا وَٱللَّهُ يُرِيدُ ٱلآخِرَةَ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ لَّوْلاَ كِتَـٰبٌ مِّنَ ٱللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَآ أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ } تفسير : [الأنفال: 67 ــــ 68] ثم قد ادعى بعض العلماء أن هذه الآية المخيرة بين مفاداة الأسير والمن عليه منسوخة بقوله تعالى: {أية : فَإِذَا ٱنسَلَخَ ٱلأَشْهُرُ ٱلْحُرُمُ فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ} تفسير : [التوبة: 5] الآية، رواه العوفي عن ابن عباس رضي الله عنهما. وقاله قتادة والضحاك والسدي وابن جريج. وقال الآخرون وهم الأكثرون: ليست بمنسوخة، ثم قال بعضهم: إنما الإمام مخير بين المن على الأسير ومفاداته فقط، ولا يجوز له قتله. وقال آخرون منهم: بل له أن يقتله إن شاء؛ لحديث قتل النبي صلى الله عليه وسلم النضر بن الحارث وعقبة بن أبي معيط من أسارى بدر. وقال ثمامة بن أثال لرسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال له: «حديث : ما عندك يا ثمامة؟» تفسير : فقال: إن تقتل، تقتل ذا دم، وإن تمنن تمنن على شاكر، وإن كنت تريد المال، فاسأل تعط منه ما شئت. وزاد الشافعي رحمة الله عليه فقال: الإمام مخير بين قتله أو المن عليه أو مفاداته أو استرقاقه أيضاً، وهذه المسألة محررة في علم الفروع، وقد دللنا على ذلك في كتابنا الأحكام، ولله سبحانه وتعالى الحمد والمنة. وقوله عز وجل: {حَتَّىٰ تَضَعَ ٱلْحَرْبُ أَوْزَارَهَا} قال مجاهد: حتى ينزل عيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام، وكأنه أخذه من قوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق حتى يقاتل آخرهم الدجال»تفسير : . وقال الإمام أحمد: حدثنا الحكم بن نافع، حدثنا إسماعيل بن عياش عن إبراهيم بن سليمان، عن الوليد ابن عبد الرحمن الجرشي عن جبير بن نفير قال: إن سلمة بن نفيل أخبرهم: أنه أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إني سيبت الخيل وألقيت السلاح، ووضعت الحرب أوزارها، وقلت: لا قتال، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : الآن جاء القتال، لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الناس، يزيغ الله تعالى قلوب أقوام، فيقاتلونهم، ويرزقهم الله منهم، حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك، ألا إن عُقْرَ دار المؤمنين بالشام، والخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة» تفسير : وهكذا رواه النسائي من طريقين عن جبير بن نفير عن سلمة بن نفيل السكوني به. وقال أبو القاسم البغوي: حدثنا داود بن رشيد، حدثنا الوليد بن مسلم عن محمد بن مهاجر، عن الوليد بن عبد الرحمن الجرشي عن جبير بن نفير عن النواس بن سمعان رضي الله عنه قال: لما فتح على رسول الله صلى الله عليه وسلم فتح فقالوا: يا رسول الله سيبت الخيل، ووضعت السلاح، ووضعت الحرب أوزارها، قالوا: لا قتال، قال: «حديث : كذبوا الآن جاء القتال، ولا يزال الله تعالى يزيغ قلوب قوم يقاتلونهم، فيرزقهم منهم حتى يأتي أمر الله، وهم على ذلك، وعقر دار المسلمين بالشام»تفسير : . وهكذا رواه الحافظ أبو يعلى الموصلي عن داود بن رشيد به، والمحفوظ أنه من رواية سلمة بن نفيل كما تقدم، وهذا يقوي القول بعدم النسخ؛ كأنه شرع هذا الحكم في الحرب إلى أن لا يبقى حرب. وقال قتادة: {حَتَّىٰ تَضَعَ ٱلْحَرْبُ أَوْزَارَهَا} حتى لا يبقى شرك، وهذا كقوله تعالى: {أية : وَقَـٰتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ ٱلدِّينُ للَّهِ} تفسير : [البقرة: 193]. ثم قال بعضهم: حتى تضع الحرب أوزارها، أي أوزار المحاربين، وهم المشركون بأن يتوبوا إلى الله عز وجل، وقيل: أوزار أهلها؛ بأن يبذلوا الوسع في طاعة الله تعالى. وقوله عز وجل: {ذَٰلِكَ وَلَوْ يَشَآءُ اللَّهُ لاَنْتَصَرَ مِنْهُمْ} أي هذا ولو شاء الله، لانتقم من الكافرين بعقوبة ونكال من عنده {وَلَـٰكِن لِّيَبْلُوَاْ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ} أي ولكن شرع لكم الجهاد وقتال الأعداء ليختبركم، ويبلو أخباركم؛ كما ذكر حكمته في شرعية الجهاد في سورتي آل عمران وبراءة في قوله تعالى: {أية : أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ جَـٰهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ ٱلصَّـٰبِرِينَ} تفسير : [آل عمران: 142]. وقال تبارك وتعالى في سورة براءة: {أية : قَـٰتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ ٱللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ ٱللَّهُ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ } تفسير : [التوبة: 14 ــــ 15] ثم لما كان من شأن القتال أن يقتل كثير من المؤمنين، قال: {وَٱلَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَلَن يُضِلَّ أَعْمَـٰلَهُمْ} أي لن يذهبها، بل يكثرها وينميها ويضاعفها، ومنهم من يجري عليه عمله طول برزخه؛ كما ورد بذلك الحديث الذي رواه الإمام أحمد في مسنده حيث قال: حدثنا زيد ابن يحيى الدمشقي، حدثنا ابن ثوبان عن أبيه عن مكحول عن كثير بن مرة عن قيس الجذامي ــــ رجل كانت له صحبة ــــ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : يعطى الشهيد ست خصال: عند أول قطرة من دمه تكفر عنه كل خطيئة، ويرى مقعده من الجنة، ويزوج من الحور العين، ويأمن من الفزع الأكبر، ومن عذاب القبر، ويحلى حلة الإيمان» تفسير : تفرد به أحمد رحمه الله. [حديث آخر] قال أحمد أيضاً: حدثنا الحكم بن نافع، حدثني إسماعيل بن عياش عن بحير بن سعيد عن خالد بن معدان عن المقدام بن معد يكرب الكندي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن للشهيد عند الله ست خصال: أن يغفر له في أول دفقة من دمه، ويرى مقعده من الجنة، ويحلى حلة الإيمان، ويزوج الحور العين، ويجار من عذاب القبر، ويأمن من الفزع الأكبر، ويوضع على رأسه تاج الوقار مرصع بالدر والياقوت، الياقوتة منه خير من الدنيا وما فيها، ويزوج اثنتين وسبعين زوجة من الحور العين، ويشفع في سبعين إنساناً من أقاربه»تفسير : . وقد أخرجه الترمذي وصححه وابن ماجه. وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما عن أبي قتادة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : يغفر للشهيد كل شيء إلا الدَّين» تفسير : وروي من حديث جماعة من الصحابة رضي الله عنهم، وقال أبو الدرداء رضي الله عنه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : يشفع الشهيد في سبعين من أهل بيته» تفسير : ورواه أبو داود. والأحاديث في فضل الشهيد كثيرة جداً. وقوله تبارك وتعالى: {سَيَهْدِيهِمْ} أي إلى الجنة؛ كقوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ ٱلأَنْهَـٰرُ فِي جَنَّـٰتِ ٱلنَّعِيمِ} تفسير : [يونس: 9]. وقوله عز وجل: {وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ} أي أمرهم وحالهم، { وَيُدْخِلُهُمُ ٱلْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ} أي عرفهم بها وهداهم إليها. قال مجاهد: يهتدي أهلها إلى بيوتهم ومساكنهم، وحيث قسم الله لهم منها، لا يخطئون كأنهم ساكنوها منذ خلقوا، لا يستدلون عليها أحداً، وروى مالك عن ابن زيد بن أسلم نحو هذا، وقال محمد بن كعب: يعرفون بيوتهم إذا دخلوا الجنة كما تعرفون بيوتكم إذا انصرفتم من الجمعة. وقال مقاتل بن حيان: بلغنا أن الملك الذي كان وكل بحفظ عمله في الدنيا يمشي بين يديه في الجنة، ويتبعه ابن آدم حتى يأتي أقصى منزل هو له، فيعرفه كل شيء أعطاه الله تعالى في الجنة، فإذا انتهى إلى أقصى منزله في الجنة، دخل إلى منزله وأزواجه، وانصرف الملك عنه، ذكره ابن أبي حاتم رحمه الله. وقد ورد الحديث الصحيح بذلك أيضاً رواه البخاري من حديث قتادة عن أبي المتوكل الناجي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إذا خلص المؤمنون من النار حبسوا بقنطرة بين الجنة والنار، يتقاضون مظالم كانت بينهم في الدنيا، حتى إذا هذبوا ونقوا، أذن لهم في دخول الجنة، والذي نفسي بيده إن أحدهم بمنزله في الجنة أهدى منه بمنزله الذي كان في الدنيا»تفسير : ثم قال تعالى: { يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوۤاْ إِن تَنصُرُواْ ٱللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ} كقوله عز وجل: {أية : وَلَيَنصُرَنَّ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُ} تفسير : [الحج: 40] فإن الجزاء من جنس العمل، ولهذا قال تعالى: {وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ} كما جاء في الحديث: «حديث : من بلغ ذا سلطان حاجة من لا يستطيع إبلاغها، ثبت الله تعالى قدميه على الصراط يوم القيامة» تفسير : ثم قال تبارك وتعالى: {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَتَعْساً لَّهُمْ} عكس تثبيت الأقدام للمؤمنين الناصرين لله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم وقد ثبت في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس عبد القطيفة، تعس وانتكس وإذا شيك فلا انتقش!» تفسير : أي فلا شفاه الله عز وجل. وقوله سبحانه وتعالى: {وَأَضَلَّ أَعْمَـٰلَهُمْ} أي أحبطها وأبطلها، ولهذا قال: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُواْ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ} أي لا يريدونه ولا يحبونه {فَأَحْبَطَ أَعْمَـٰلَهُمْ}.
المحلي و السيوطي
تفسير : {فَإِذَا لَقِيتُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَضَرْبَ ٱلرّقَابِ } مصدر بدل من اللفظ بفعله، أي فاضربوا رقابهم: أي اقتلوهم وعبر بضرب الرقاب أن الغالب في القتل أن يكون بضرب الرقبة {حَتَّىٰ إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ } أكثرتم فيهم القتل {فَشُدُّواْ } أي فأمسكوا عنهم وأسروهم وشدوا {ٱلْوَثَاقَ } ما يوثق به الأسرى {فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ } مصدر بدل من اللفظ بفعله،أي تمنون عليهم بإطلاقهم من غير شيء {وَإِمَّا فِدَاءً } أي تفادونهم بمال أو أسرى مسلمين {حَتَّىٰ تَضَعَ ٱلْحَرْبُ } أي أهلها {أَوْزَارَهَا } أثقالها من السلاح وغيره بأن يسلم الكفار أو يدخلوا في العهد وهذه غاية للقتل والأسر {ذٰلِكَ } خبر مبتدأ مقدر، أي الأمر فيهم ما ذكر {وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لاَنْتَصَرَ مِنْهُمْ } بغير قتال {وَلَٰكِنِ } أمركم به {لّيَبْلُوَاْ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ } منهم في القتال فيصير من قتل منكم إلى الجنة ومنهم إلى النار {وَٱلَّذِينَ قُتِلُواْ } وفي قراءة «قاتلوا» الآية نزلت يوم أُحد وقد فشا في المسلمين القتل والجراحات {فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ فَلَن يُضِلَّ } يحبط {أَعْمَٰلَهُمْ }.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {فَإذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ} فيهم هنا قولان: أحدهما: أنهم عبدة الأوثان، قاله ابن عباس. الثاني: كل من خالف دين الإسلام من مشرك أو كتابي إذا لم يكن صاحب عهد ولا ذمة. وفي قوله: {فَضَرْبَ الرِّقَابِ} وجهان: أحدهما: ضرب أعناقهم صبراً عند القدرة عليهم. الثاني: أنه قتلهم بالسلاح واليدين، قاله السدي. {حَتَّى إِذَآ أَثخَنُتُموهُمْ فَشُدُّواْ الْوَثَاقَ} يعني بالإثخان الظفر، وبشد الوثاق الأسر. {فَإِمَّا مَنّاً بَعْدُ وَإِمَّا فِدَآءً} في المَنِّ هنا قولان: أحدهما: أنه العفو والإطلاق كما من رسول الله صلى الله عليه على ثمامة بن أثال بعد أسره. الثاني: أنه العتق، قاله مقاتل. فأما الفداء ففيه وجهان: أحدهما: أنه المفاداة على مال يؤخذ من أسير يطلق، كما فادى رسول الله صلى الله عليه وسلم في بدر كل أسير بأربعة آلاف درهم، وفادى في بعض المواطن رجلاً برجلين. الثاني: أنه البيع، قاله مقاتل. {حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا} فيه خمسة أوجه: أحدها: أن أوزار الحرب أثقالها، والوزر الثقل ومنه وزير الملك لأنه يتحمل عنه الأثقال، وأثقالها السلاح. الثاني: هو [وضع] سلاحهم بالهزيمة أو الموادعة، قال الشاعر: شعر : وأعددت للحرب أوزارها رماحا طوالاً وخيلاً ذكوراً تفسير : الثالث: حتى تضع الحرب أوزار كفرهم بالإسلام، قاله الفراء. الرابع: حتى يظهر الإسلام على الدين كله، وهو قول الكلبي. الخامس: حتى ينزل عيسى ابن مريم، قاله مجاهد. ثم في هذه الآية قولان: أحدهما: أنها منسوخة بقوله: {أية : فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِم لَعَلَّهُمْ يَذَّكُرُونَ}، تفسير : [الأنفال: 57] قاله قتادة. الثاني: أنها ثابتة الحكم، وأن الإمام مخير في من أسره منهم بين أربعة أمور: أن يقتل لقوله تعالى: {فَضَرْبَ الرِّقَابِ}، أو يسترق لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم استرق العقيلي، أو يَمُنُّ كما مَنَّ على ثمامة، أو يفادي بمال أو أَسرى، فإذا أسلموا أسقط القتل عنهم وكان في الثلاثة الباقية، على خياره، وهذا قول الشافعي. {ذلِك وَلَوْ يَشَآءُ اللَّهُ لا نَتصَرَ مِنهُمْ} فيه وجهان: أحدهما: بالملائكة، قاله الكلبي. الثاني: بغير قتال، قاله الفراء. قوله عز وجل: {وَالَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} قراءة أبي عمرو وحفص، قال قتادة: هم قتلى أحد. وقرأ الباقون {قَاتَلُواْ}. {سَيَهْدِيهِمْ} فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: يحق لهم الهداية، قاله الحسن. الثاني: يهديهم إلى محاجة منكر ونكير في القبر، قاله زياد. الثالث: يهديهم إلى طريق الجنة، قاله ابن عيسى. قوله عز وجل: {وَيُدْخِلُهُمُ الجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ} فيه أربعة تأويلات: أحدها: عرفها بوصفها على ما يشوق إليها، حكاه ابن عيسى. الثاني: عرفهم ما لهم فيها من الكرامة، قاله مقاتل. الثالث: معنى عرفها أي طيبها بأنواع الملاذ، مأخوذ من العرف وهي الرائحة الطيبة، قاله بعض أهل اللغة. الرابع: عرفهم مساكنهم فيها حتى لا يسألون عنها، قاله مجاهد. قال الحسن: وصف الجنة لهم في الدنيا فلما دخلوها عرفوها بصفتها. ويحتمل خامساً: أنه عرف أهل السماء انها لهم إظهاراً لكرامتهم فيها. قوله عز وجل: {يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِن تَنصُرواْ اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ} فيه وجهان: أحدهما: إن تنصروا دين الله ينصركم الله. الثاني: إن تنصروا نبي الله ينصركم الله، قاله قطرب. {وَيُثَبِّتْ أَقْدَامكُمْ} يحتمل وجهين: أحدهما: ويثبت أقدامكم في نصره. الثاني: عند لقاء عدوه. ثم فيه وجهان: أحدهما: يعني تثبيت الأقدام بالنصر. الثاني: يريد تثبيت القلوب بالأمن. قوله عز وجل: {وَالَّذِينَ كَفَرُواْ فَتَعْساً لَّهُمْ} فيه تسعة تأويلات: أحدها: خزياً لهم، قاله السدي. الثاني: شقاء لهم، قاله ابن زيد. الثالث: شتماً لهم من الله، قاله الحسن. الرابع: هلاكاً لهم، قال ثعلب. الخامس: خيبة لهم، قاله ابن زياد. السادس: قبحاً لهم، حكاه النقاش. السابع: بعدائهم، قاله ابن جريج. الثامن: رغماً لهم، قاله الضحاك. التاسع: أن التعس الانحطاط والعثار، حكاه ابن عيسى.
ابن عطية
تفسير : قال ابن عباس وقتادة وابن جريج والسدي: إن هذه الآية منسوخة بآية السيف التي في براءة: {أية : فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم} تفسير : [التوبة: 5] وإن الأسر والمن والفداء مرتفع، فمتى وقع أسر فإنما معه القتل ولا بد، وروي نحوه عن أبي بكر الصديق. وقال ابن عمر وعمر بن عبد العزيز وعطاء ما معناه: إن هذه الآية محكمة مبينة لتلك، والمن والفداء ثابت، وقد منَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم على ثمامة بن أثال، وفادى أسرى بدر، وقاله الحسن، وقال: لا يقتل الأسير إلا في الحرب، يهيب بذلك على العدو. وكان عمر بن عبد العزيز يفادي رجلاً برجل، ومنع الحسن أن يفادوا بالمال. وقد أمر عمر بن عبد العزيز بقتل أسير من الترك ذكر له أنه قتل مسلمين. وقالت فرقة: هذه الآية خصصت من الأخرى أهل الكتاب فقط، ففيهم المن والفداء، وعباد الأوثان ليس فيهم إلا القتل. وعلى قول أكثر العلماء الآيتان محكمتان. وقوله هنا: {فضرب الرقاب} بمثابة قوله هناك: {أية : فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم} تفسير : [التوبة: 5] وصرح هنا بذكر المن والفداء، ولم يصرح به هنالك، وهو مراد متقرر، وهذا هو القول القوي. وقوله: {فضرب الرقاب} مصدر بمعنى الفعل، أي فاضربوا رقابهم وعين من أنواع القتل أشهره وأعرفه فذكره، والمراد: اقتلوهم بأي وجه أمكن، وقد زادت آية: {أية : واضربوا منهم كل بنان} تفسير : [الأنفال: 12] وهي من أنكى ضربات الحرب، لأنها تعطل من المضروب جميع جسده، إذ البنان أعظم آلة المقاتل وأصلها. و: {أثخنتموهم} معناه: بالقتل. والإثخان في القوم: أن يكثر فيهم القتلى والجرحى، والمعنى: فشدوا الوثاق بمن لم يقتل ولم يترتب عليه إلا الأسر. و: {مناً} و: {فداء} مصدران منصوبان بفعلين مضمرين. وقرأ جمهور الناس: "فداء". وقرأ شبل عن ابن كثير: "فدى" مقصوراً. وإمام المسلمين مخير في أسراه في خمسة أوجه: القتل، أو الاسترقاق، أو ضرب الجزية، أو الفداء، أو المن. ويترجح النظر في أسير أسر بحسب حاله من إذاية المسلمين أو ضد ذلك. وقوله تعالى: {حتى تضع الحرب أوزارها} معناه: حتى تذهب وتزول أثقالها. والأوزار: الأثقال فيها والآلات لها، ومنه قول الشاعر عمرو بن معد يكرب الزبيدي: [المتقارب] شعر : وأعددت للحرب أوزارها رماحاً طوالاً وخيلاً ذكورا تفسير : وقال الثعلبي: وقيل الأوزار في هذه الآية: الآثام، جمع وزر، لأن الحرب لا بد أن يكون فيها آثام في أحد الجانبين. واختلف المتأولون في الغاية التي عندها {تضع الحرب أوزارها}، فقال قتادة: حتى يسلم الجميع فتضع الحرب أوزارها. وقال حذاق أهل النظر: حتى تغلبوهم وتقتلوهم. وقال مجاهد حتى ينزل عيسى ابن مريم. قال القاضي أبو محمد: وظاهر الآية أنها استعارة يراد لها التزام الأمر أبداً، وذلك أن الحرب بين المؤمنين والكافرين لا تضع أوزارها، فجاء هذا كما تقول: أنا أفعل كذا إلى يوم القيامة، فإنما تريد: إنك تفعله دائماً. وقوله تعالى: {ذلك} تقديره: الأمر ذلك. ثم قال: {ولو يشاء الله لانتصر منهم} أي بعذاب من عنده يهلكهم به في حين واحد، ولكنه تعالى أراد اختبار المؤمنين وأن يبلو بعض الناس ببعض. وقرأ جمهور الناس: "قاتلوا" وقرأ عاصم الجحدري بخلاف عنه: "قَتَلوا" بفتح القاف والتاء. وقرأ أبو عمرو وحفص عن عاصم والأعرج وقتادة والأعمش: "قُتِلوا" بضم القاف وكسر التاء. وقرأ زيد بن ثابت والحسن والجحدري وأبو رجاء: "قُتِّلوا" بضم القاف وكسر التاء وشدها، والقراءة الأولى أعمها وأوضحها معنى. وقال قتادة: نزلت هذه الآية فيمن قتل يوم أحد من المؤمنين. وقوله تعالى: {سيهديهم} أي إلى طريق الجنة، وقد تقدم القول في إصلاح البال. وروى عباس بن المفضل عن أبي عمرو: "ويدخلهم" بسكون اللام. وفي سورة [التغابن] {أية : يوم يجمعكم} تفسير : [التغابن: 9] وفي سورة [الإنسان] {أية : إنما نطعمكم} تفسير : [الإنسان: 9] بسكون العين والميم. وقوله تعالى: {عرفها لهم} قال أبو سعيد الخدري وقتادة معناه: بينها لهم، أي جعلهم يعرفون منازلهم منها، وفي نحو هذا المعنى هو قول النبي عليه السلام: "حديث : لأحدكم بمنزله في الجنة أعرف منه بمنزله في الدنيا"تفسير : . وقالت فرقة معناه: سماها لهم ورسمها، كل منزل باسم صاحبه، فهذا نحو من التعريف. وقالت فرقة معناه: شرفها لهم ورفعها وعلاها، وهذا من الأعراف التي هي الجبال وما أشبهها، ومنه أعراف الخيل. وقال مؤرج وغيره معناه: طيبها مأخوذ من العرف، ومنه طعام معرف، أي مطيب. وعرفت القدر: طيبتها بالملح والتابل. وقوله تعالى: {إن تنصروا الله} فيه حذف مضاف، أي دين الله ورسوله، والمعنى: تنصروه بجدكم واتباعكم وإيمانكم {ينصركم} بخلق القوة لكم والجرأة وغير ذلك من المعاون. وقرأ جمهور الناس: "ويثبّت" بفتح التاء المثلثة وشد الباء. وقرأ المفضل عن عاصم: "ويثْبِت" بسكون الثاء وتخفيف الباء، وهذا التثبيت هو في مواطن الحرب على الإسلام، وقيل على الصراط في القيامة. وقوله تعالى: {فتعساً لهم} معناه: عثاراً وهلاكاً فيه، وهي لفظة تقال للعاثر إذا أريد به الشر، ومنه قول الشاعر: [المنسرح] شعر : يا سيدي إن عثرت خذ بيدي ولا تقل: لا، ولا تقل تعسا تفسير : وقال الأعشى: [البسيط] شعر : بذات لوت عفرناة إذا عثرت فالتعس أدنى لها من أن أقول لعا تفسير : ومنه قول أم مسطح لما عثرت في مرطها: تعس مسطح. قال ابن السكيت: التعس أن يخر على وجهه. و: {تعساً} مصدر نصبه فعل مضمر. وقوله تعالى: {كرهوا ما أنزل الله} يريد القرآن. وقوله: {فأحبط أعمالهم} يقتضي أن أعمالهم في كفرهم التي هي بر مقيدة محفوظة، ولا خلاف أن الكافر له حفظة يكتبون سيئاته. واختلف الناس في حسناتهم، فقالت فرقة: هي ملغاة يثابون عليها بنعم الدنيا فقط. وقالت فرقة: هي محصاة من أجل ثواب الدنيا، ومن أجل أنه قد يسلم فينضاف ذلك إلى حسناته في الإسلام، وهذا أحد التأويلين فيحديث : قول النبي عليه السلام لحكيم بن حزام: "أسلمت على ما سلف لك من خير".تفسير : فقوم قالوا تأويله: أسلمت على أن يعد لك ما سلف من خير، وهذا هو التأويل الذي أشرنا إليه. وقالت فرقة معناه: أسلمت على إسقاط ما سلف لك من خير، إذ قد ثوبت عليه بنعم دنياك. وذكر الطبري أن أعمالهم التي أخبر في هذه الآية بحبطها: عبادتهم الأصنام وكفرهم. ومعنى: {أحبط} جعلها من العمل الذي لا يزكو ولا يعتد به، فهي لذلك كالذي أحبط.
ابن عبد السلام
تفسير : {الَّذِينَ كَفَرُواْ} عبدة الأوثان، أو كل كافر من كتابي أو مشرك إذا لم يكن ذمة أو عهد. {فَضَرْبَ الرِّقَابِ} بالقتل صبراً عند القدرة، أو قتالهم بالسلاح واليدين. {أَثْخَنتُمُوهُمْ} ظفرتم بهم {فَشُدُّواْ الْوَثَاقَ} بالأسر {مَنّاً} بالعفوا والإطلاق {فِدَآءً} بمال، أو أسير، أو بالبيع {الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا} أثقالها من السلاح. الوزر الثقل، وزير الملك يحمل أثقاله، أو يضعون السلاح بالهزيمة، أو الموادعة، أو أوزار كفرهم بالإسلام، أو يظهر الإسلام على الدين كله، أو ينزل عيسى بن مريم. وهي منسوخة بقوله {أية : فَشَرِّدْ بِهِم مَّنْ خَلْفَهُمْ}تفسير : [الأنفال: 57] أو محكمة فتخير الإمام بين المن والفداء، والقتل والاسترقاق {لانتَصَرَ مِنْهُمْ} بالملائكة، أو بغير قتال {وَالَّذِينَ قُتِلُواْ} قيل قتلى أُحد.
الخازن
تفسير : قوله تعالى: {فإذا لقيتم الذين كفروا} من اللقاء وهو الحرب {فضرب الرقاب} يعني: فاضربوا رقابهم ضرباً. وضرب الرقاب، عبارة عن القتل، إلا أن المراد ضرب الرقاب فقط دون سائر الأعضاء وإنما خص الرقاب بالضرب، لأن قتل الإنسان أشنع ما يكون بضرب رقبته فلذلك خصت بالذكر في الأمر بالقتل ولأن الرأس من أشرف أعضاء البدن فإذا أبين عن بدنه كان أسرع إلى الموت والهلاك بخلاف غيره من الأعضاء {حتى إذا أثخنتموهم} يعني بالغنم في القتل وقهرتموهم مأخوذ من الشيء الثخين الغليظ. والمعنى: إذا اثقلتموهم بالقتل والجراح ومنعتموهم النهوض والحركة {فشدوا الوثاق} يعني في الاسرى والمعنى فأسروهم وشدوا وثاقهم حتى لا يفلتوا منكم والوثاق اسم لما يوثق به أي يشد به {فإما منّاً بعد وإما فداء} يعني بعد الأسر إما أن تمنوا عليهم منا بإطلاقهم من غير عوض وإما أن تفادوهم فداء. (فصل: في حكم الآية) اختلف العلماء في حكم هذه الآية فقال قوم هي منسوخة بقوله {أية : فإما تثقفنهم في الحرب فشرد بهم من خلفهم} تفسير : [الأَنفال: 57] وبقوله {أية : فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم} تفسير : [التوبة: 5] وهذا قول قتادة والضحاك والسدي وابن جريج وإليه ذهب الأوزاعي وأصحاب الرأي قالوا لا يجوز لمن على من وقع في الأسر من الكفار ولا الفداء بل إما القتل أو الاسترقاق أيهما رأى الإمام. ونقل صاحب الكشاف عن مجاهد قال ليس اليوم من ولا فداء إنما هو الإسلام أو ضرب العنق ويجوز أن يكون المراد أن يمن عليهم بترك القتل ويسترقوا أو يمن عليهم فيخلوا لقبول الجزية إن كانوا من أهل الذمة ويراد بالفداء أن يفادى بأسراهم أسرى المسلمين فقد رواه الطحاوي مذهباً عن أبي حنيفة والمشهور عنه أنه لا يرى فداءهم لا بمال ولا بغيره خيفة أن يعودوا حرباً للمسلمين وذهب أكثر العلماء إلى أن الآية محكمة والإمام بالخيار في الرجال البالغين من الكفار إذا أسروا بين أن يقتلهم أو يسترقهم أو يمن عليهم فيطلقهم بلا عوض أو يفاديهم بالمال أو بأسارى المسلمين وإليه ذهب ابن عمر وبه قال الحسن وعطاء وأكثر الصحابة والعلماء وهو قول الثوري والشافعي وأحمد وإسحاق. قال ابن عباس: لما كثر المسلمون واشتد سلطانهم أنزل الله عز وجل في الأسارى {فإما منا بعد وإما فداء} وهذا القول هو الصحيح ولأنه به عمل النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء بعده (ق) عن أبي هريرة قال: "حديث : بعث النبي صلى الله عليه وسلم خيلاً قبل نجد فجاءت برجل من بني حنيفة يقال له ثمامة بن أثال فربطوه في سارية من سواري المسجد فخرج إليه النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ما عندك يا ثمامة؟ فقال: عندي خير يا محمد إن تقتل تقتل ذا دم وإن تنعم تنعم على شاكر وإن كنت تريد المال فسل تعط منه ما شئت فتركه النبي صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان من الغد قال: ما عندك يا ثمامة؟ قال: ما قلت لك إن تنعم تنعم على شاكر وإن تقتل تقتل ذا دم وإن كنت تريد المال فسل تعط منه ما شئت فتركه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان من الغد قال: ما عندك يا ثمامة قال: عندي ما قلت لك إن تنعم تنعم على شاكر وإن تقتل تقتل ذا دم وإن كنت تريد المال فسل تعط منه ما شئت فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أطلقوا ثمامة. فانطلق إلى نخل قريب من المسجد فاغتسل ثم دخل المسجد فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله والله ما كان على الأرض أبغض إليّ من وجهك، فقد أصبح وجهك أحب الوجوه إلي. والله ما كان من دين أبغض من دينك فأصبح دينك أحب الدين كله إليّ والله ما كان من بلد أبغض إلي من بلدك فأصبح بلدك أحب البلاد كلها إليّ وإن خيلك أخذتني وأنا أريد العمرة فماذا ترى فبشره النبي صلى الله عليه وسلم وأمره أن يعتمر فلما قدم مكة قال له قائل: أصبوت؟ قال: لا ولكني أسلمت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا والله لا يأتيكم من اليمامة حبة حنطة حتى يأذن فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم" تفسير : لفظ مسلم بطوله واختصره البخاري عن عمران بن حصين قال "حديث : أسر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلاً من بني عقيل فأوثقوه وكانت ثقيف قد أسرت رجلين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ففداه رسول الله صلى الله عليه وسلم بالرجلين الذين أسرتهما ثقيف"تفسير : أخرجه الشافعي في مسنده وأخرجه مسلم وأبو داود بلفظ أطول من هذا. وقوله تعالى: {حتى تضع الحرب أوزارها} يعني أثقالها وأحمالها والمراد أهل الحرب يعني حتى يضعوا أسلحتهم ويمسكوا عن القتال وأصل الوزر: ما يحمله الإنسان فسمى الأسلحة وزراً لأنها تحمل. وقيل: الحرب هم المحاربون مثل الشرب والركب. وقيل: الأوزار الآثام. ومعناه: حتى يضع المحاربون أوزارهم بأن يتوبوا من كفرهم فيؤمنوا بالله ورسوله. وقيل: معناه حتى تضع حربكم وقتالكم أوزار المشركين وقبائح أعمالهم بأن يسلموا. ومعنى الآية: أثخنوا المشركين بالقتل والأسر حتى يدخل أهل الملل كلها في الإسلام ويكون الدين كله لله فلا يكون بعده جهاد ولا قتال وذلك عند نزول عيسى ابن مريم عليه السلام وجاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : الجهاد ماض منذ بعثني الله إلى أن يقاتل آخر أمتي الدجال" تفسير : هكذا ذكره البغوي بغير سند قال الكلبي معناه حتى يسلموا أو يسالموا. قال الفراء: حتى لا يبقى إلا مسلم أو مسالم {ذلك} يعني الذي ذكر وبين من حكم الكفار {ولو يشاء الله لانتصر منهم} يعني ولو شاء الله لأهلكهم بغير قتال وكفاكم أمرهم {ولكن} يعني ولكن أمركم بالقتال {ليبلوا بعضكم ببعض} يعني فيصير من قتل من المؤمنين إلى الثواب ومن قتل من الكافرين إلى العذاب {والذين قتلوا في سبيل الله} يعني الشهداء وقرىء قاتلوا وهم المجاهدون في سبيل الله {فلن يضل أعمالهم} يعني فلن يبطلها بأن يوفيهم ثواب أعمالهم التي عملوها لله تعالى قال قتادة ذكر لنا أن هذه الآية نزلت في يوم أحد وقد فشت في المسلمين الجراحات والقتل.
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {فَإِذَا لَقِيتُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَضَرْبَ ٱلرِّقَابِ...} الآية: قال أَكْثَرُ العلماءِ: إنَّ هذه الآية وآيةَ السَّيْفِ، وهي قوله تعالى: {أية : فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ}تفسير : [التوبة:5] مُحْكَمَتَانِ، فقوله هنا: {فَضَرْبَ ٱلرِّقَابِ} بمثابة قوله هنالك: {فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ}، وصرَّح هنا بذكر المَنِّ والفداء، ولم يُصَرِّحْ به هنالك، فهذه مُبَيِّنَةٌ لِتِلْكَ، وهذا هو القولُ القويُّ، وقوله: {فَضَرْبَ ٱلرِّقَابِ} مصدر بمعنى الفِعْل، أي: فاضربوا رقابهم وعَيَّنَ مِنْ أنواع القَتْلِ أَشْهَرَهُ، والمراد: ٱقتُلُوهُمْ بأَيِّ وجه أَمكَنَ؛ وفي صحيح مسلمٍ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : لا يَجْتَمِعُ كَافِرٌ وَقَاتِلهُ في النَّارِ أَبَداً»تفسير : . وفي «صحيح البخاري» عنه صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : مَا اغْبَرَّتْ قَدَمَا عَبْدٍ في سَبِيلِ اللَّهِ؛ فَتَمَسَّهُ النَّارُ»تفسير : انتهى. والإثخان في القوم أنْ يكثر فيهم القتلَىٰ والجرحَىٰ، ومعنى: {فَشُدُّواْ ٱلْوَثَاقَ} أي: بمن لم يُقْتَلْ، ولم يترتَّب فيه إلاَّ الأسْرُ، ومَنًّا وفِدَاءً: مصدران منصوبانِ بفعلَيْن مُضْمَرَيْنِ. وقوله: {حَتَّىٰ تَضَعَ ٱلْحَرْبُ أَوْزَارَهَا} معناه: حتى تذهبَ الحربُ وتزولَ أثقالُهَا، والأوزار: الأثقال؛ ومنه قول عَمْرِو بنِ مَعْدِ يكرِبَ: [من المتقارب] شعر : وَأَعْدَدْتُ لِلْحَرْبِ أَوْزَارَهَا رِمَاحاً طِوَالاً وَخَيْلاً ذُكُورَا تفسير : واختلف المتأولون في الغاية التي عندها تضع الحربُ أوزارها، فقال قتادة: حتى يُسَلِّمَ الجميعُ، وقال حُذَّاقُ أهل النظر: حتى تغلبوهم وتَقْتُلُوهُمْ، وقال مجاهد: حتى ينزلَ عيسى ابْنُ مَرْيَمَ، قال * ع*: وظاهر اللفظ أَنَّهُ استعارةٌ يُرَادُ بها التزامُ الأمْرِ أبداً؛ وذلك أَنَّ الحربَ بين المؤمنين والكافرين لا تضع أوزارها، فجاء هذا كما تقول: أنا أفعل كذا وكذا إلَىٰ يَوْمِ القيامةِ، وإنَّما تريد أَنَّك تفعله دائماً. {وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لاَنْتَصَرَ مِنْهُمْ} أي: بعذابٍ مِنْ عنده، ولكن أراد سبحانه ٱختبارَ المؤمنين، وأنْ يَبْلُوَ بعضَ الناس ببعضٍ، وقرأ الجمهور: {قَاتَلُواْ } وقرأ عاصم بخلاف عنه: {قَـٰتَلُواْ} ـــ بفتح القاف والتاء ـــ، وقرأ أبو عمرو وحَفْصٌ: {قُـٰتِلُواْ} ـــ بضم القاف وكسر التاء ـــ، قال قتادة: نزلَتْ هذه الآيةُ فيمَنْ قُتِلَ يوم أُحُدٍ من المؤمنين. وقوله سبحانه: {سَيَهْدِيهِمْ} أي: إلى طريقِ الجَنَّةِ. * ت *: ذكر الشيخ أبو نُعَيْمٍ الحافظُ أنَّ مَيْسَرَةَ الخادمَ قال: غزونا في بعض الغَزَوَاتِ، فإذا فتًى إلى جانِبي، وإذا هو مُقَنَّعٌ بالحديد، فَحَمَلَ على المَيْمَنَةِ، فَثَنَاها، ثُمَّ على المَيْسَرَةِ حتى ثَنَاهَا، وحَمَلَ عَلَى القَلْبِ حتى ثناه، ثم أنشأ يقول[الرجز] شعر : أَحْسِنْ بِمَوْلاَكَ سَعِيدُ ظَنَّا هَذا الَّذِي كُنْتَ لَهُ تَمَنَّىٰ تَنَحِّ يَا حُورَ الْجِنَانِ عَنَّا مَالَكِ قَاتَلْنَا وَلاَ قُتِلْنَا لَكِنْ إلَىٰ سَيِّدِكُنَّ ٱشْتَقْنَا قَدْ عَلِمَ السِّرَّ وَمَا أَعْلَنَّا تفسير : قال: فحمل، فقاتل، فَقَتَلَ منهم عدداً، ثم رَجَعَ إلى مَصَافِّهِ، فتكالَبَ عليه العَدُوُّ، فإذا هو ـــ رضي اللَّه تعالى عنه ـــ قد حمل على الناس، وأنشأ يقول: [الرجز] شعر : قَدْ كُنْتُ أَرْجُو وَرَجَائِي لَمْ يَخِبْ أَلاَّ يَضِيعَ الْيَوْمَ كَدِّي وَالطَّلَبْ يَا مَنْ مَلاَ تِلْكَ الْقُصُورَ باللُّعَبْ لَوْلاَكَ مَا طَابَتْ وَلا طَابَ الطَّرَبْ تفسير : ثم حَمَلَ ـــ رضي اللَّه عنه ـــ فقاتل، فَقَتَلَ منهم عَدَداً، ثم رجع إلى مَصَافِّه، فتكالَبَ عليه العَدُوُّ فحَمَلَ ـــ رضي اللَّه عنه ـــ في المرة الثالثة، وأنشأ يقول: [الرجز] شعر : يَا لُعْبَةَ الخُلْدِ قِفِي ثُمَّ ٱسْمَعِي مَالَكِ قَاتَلْنَا فَكُفِّي وَٱرْجِعِي ثُمَّ ٱرْجِعِي إلَى الْجِنَانِ وَٱسْرِعِي لاَ تَطْمَعِي لاَ تَطْمَعِي لاَ تَطْمَعِي تفسير : فقاتل ـــ رضي اللَّه عنه ـــ حتَّىٰ قُتِلَ،، انتهى من ابن عَبَّاد شارح «الحِكَم». وقوله تعالى: {عَرَّفَهَا لَهُمْ} قال أبو سعِيدٍ الْخُدْرِيُّ، وقتادة، ومجاهد: معناه: بَيَّنَهَا لهم، أي: جعلهم يعرفون منازلهم منها، وفي نحو هذا المعنى قولُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : لأَحَدُكُمْ بِمَنْزِلِهِ في الجَنَّة أَعْرَفُ مِنْهُ بِمَنْزِلِهِ في الدّنْيَا»تفسير : قال القرطبيُّ في «التذكرة»: وعلَىٰ هذا القولِ أكثرُ المفسِّرين قال: وقيل: إنَّ هذا التعريفَ إلى المنازِلِ هو بالدليلِ، وهو المَلَكُ المُوَكَّلُ بِعَمَلِ العَبْدِ، يمشي بين يَدَيْهِ،، انتهى، وقالت فرقة: معناه: سَمَّاها لهم، ورَسَمَهَا كُلُّ منزل باسم صاحبه، فهذا نحو من التعريف، وقالت فرقة: معناه شَرَّفَهَا لهم ورفعها وعلاَّها، وهذا من الأَعْرَافِ التي هي الجبال، ومنه أعرافُ الخَيْلِ، وقال مُؤَرِّجٌ وغيره: معناه: طَيَّبَهَا؛ مأخوذٌ من العَرْفِ، ومنه طَعَامٌ مُعَرَّفٌ، أي: مُطَيَّبٌ، وعَرَّفْتُ القِدْرَ: طَيَّبْتُها بالمِلْحِ والتَّابِلِ، قال أبو حيَّان: «وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ» البال: الفِكْرُ ولا يُثَنَّى ولا يُجْمَعُ، انتهى. وقوله سبحانه: {إِن تَنصُرُواْ ٱللَّهَ} أي: دينَ اللَّه {يَنصُرْكُمْ} بخلق القوَّةِ لكم وغَيْرِ ذلك من المعاون، {وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ} أي: في مواطن الحَرْبِ، وقيل: على الصراط في القيامة. وقوله: {فَتَعْساً لَّهُمْ} معناه: عِثَاراً وهَلاَكاً لهم، وهي لفظة تقالُ للعَاثِرِ، إذا أُرِيدَ به الشَّرُّ؛ قال ابن السِّكِّيتِ: التَّعْسُ: أنْ يَخِرَّ على وجهه. وقوله تعالى: {كَرِهُواْ مَا أَنزَلَ ٱللَّهُ} يريد: القرآن {فَأَحْبَطَ أَعْمَـٰلَهُمْ} قال * ع *: ولا خلافَ أَنَّ الكافر له حَفَظَةٌ يكتبون سَيِّئاتِهِ، واختلف الناسُ في حَسَنَاتِهِمْ، فقالت فرقة: هي مُلْغَاةٌ يثابُونَ عليها بِنِعَمِ الدنيا فقَطْ، وقالت فرقة: هي مُحْصَاةٌ من أجل ثواب الدنيا، ومن أجل أَنَّهُ قد يُسْلِمُ فينضافُ ذلك إلى حسناته في الإسلام، وهذا أحدُ التأويلَيْنِ في قوله صلى الله عليه وسلم لِحَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ: «حديث : أَسْلَمْتَ عَلَىٰ مَا سَلَفَ لَكَ مِنْ خَيْرٍ ».
ابن عادل
تفسير : قوله: {فَإِذَا لَقِيتُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} العامل في هذا الظرف فعل مقدر هو العامل في "ضَرْبَ الرِّقَابِ" تقديره فاضربوا الرقاب وقتَ مُلاَقَاتِكُمُ العَدُوَّ. ومنع أبو البقاء أن يكون المصدر نفسه عاملاً، قال: لأنه مؤكَّد وهذا أحد القولين في المصدر النائب عن الفعل، نحو: ضرباً زيداً، هل العمل منسوب إليه أم إلى عامله؟ ومنه (قول الشاعر): شعر : 4462ـ عَلَى حِينَ أَلْهَى النَّاسَ جُلُّ أُمُورِهِمْ فَنَدْلا زُرَيْقَ المَالَ نَذْلَ الثَّعَالِبِ تفسير : فالمال منصوب إما بـ "اندل" أو بـ "ندْلاً" والمصدر هنا أضيف إلى معموله. وبه استدل على أن العمل للمصدر، لإضافته إلى ما بعده ولو لم يكن عاملاً لَمَا أضيف إلى ما بعده. فصل قال ابن الخطيب: الفاء في قوله: "فإذا لقيتم" يستدعي متعلَّقاً تُعَلَّقُ به وتُرَتَّبُ عَلَيْه وفيه وجوه: الأول: لما بين أن الذين كفروا أضل أعمالهم، وأن اعتبار الإنسان بالعمل ومَنْ لا عمل له فهو هَمَج إعدامه خير من وجوده. {فإذا لقيتم الذين كفروا} بعد ظهور أن لا حرمة لهم بعد إبطال عملهم فاضربوا أعناقهم قال البغوي: فضرب الرقاب نَصْبٌ على الإغراء. الثاني: إذا تبين تباين الفريقين وتباعد الطريقين بأن أحدهما يتبع الباطل وهو حزب الشيطان والآخر يتبع الحق وهو حِزب الرحمن حق القتال (عند التَّحَزُّب) فإذا لَقِيتُمُوهُمْ فاقْتُلُوهُمْ. الثالث: أن من الناس من يقول لضعف قلبه وقُصُور نَظَرِه إيلام الحَيوان من الظُّلْم والطُّغْيَان ولا سيما القَتْلُ الذي هو تخريب بنيان. فيقال رَدًّا عليهم: لما كان اعتبار الأعمال باتباع الحق والباطل فلمن يُقْتَلْ في سبيل الله لتعظيم الله وبأمره له (من) الأجر ما للمصلي والصائم فإذا لقيتم الذين كفروا فاقتلوهم ولا تأْخُذْكُمْ بهم رأفة. فإن ذلك اتباع للحق والاعتبار به لا بصورة الفعل. فصل والحكمة في اختيار ضرب الرقبة دون غيرها من الأعضاء، لأن المؤمن هنا ليس بدافع، إنما هو مدافع وذلك لأن من يدفع الصائل لا ينبغي أن يقصد أولاً مقتله، بل يُتَدَرَّج ويُضْرَب غير المقتل فإن اندفع فذاك، ولا يرقى إلى درجة الإهلاك، فأخبر تعالى أنه ليس المقصود دفعهم عنكم بل المقصود دفعهم عن وجه الأرض بالكلية، وتطهير الأرض منهم وكيف لا والأرض لكم مسجِد، والمشركون نَجَسٌ، والمسجدُ يُطَهَّرُ من النجاسة؟ فإذاً ينبغي أن يكون قصدكم أولاً إلى قتلهم بخلاف دفع الصَّائل. والرقبة أظهر المقاتل، لأن قطع الحلقوم والأوداج مستلزم للموت، بخلاف سائر المواضع ولا سيما فِي الحرب. وفي قوله "لَقِيتُمْ" ما ينبىء عن مخالفتهم الصَّائل، لأن قوله: "لقيتم" يدل على أن القصد من جانبهم بخلاف قولنا "لقيكم"، ولذلك قال في غير هذا الموضع {أية : وَٱقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثِقِفْتُمُوهُمْ}تفسير : [النساء:91]. فإن قيل: ما الفائدة في قوله ههنا: {فَضَرْبَ ٱلرِّقَابِ} بإضمار الفعل وإظهار المصدر، وقال في الأنفال: {أية : فَٱضْرِبُواْ فَوْقَ ٱلأَعْنَاقِ}تفسير : [الأنفال:12] بإظهار الفعل وترك المصدر؟!. فالجواب مبني على تقديم مقدَّمة، وهي أن المقصود في بعض الصور قد يكون صدور الفعل من فاعل ويتبعه المصدر ضمناً؛ إذ لا يمكن أن يفعلَ فاعل إلا ويقع منه المصدر, ويدخل في الوجود, وقد يكون المقصود أولاً المصدرَ, ولكنه لا يوجد إلا فاعل، فيطلب منه أن يفعل مثاله من قال: أنِّي حَلَفْتُ أن أخْرُج مَن المدينة، فيقال له: فاخْرج صار المقصود صدور الفِعْل منه والخروج في نفسه غير مقصود الابتعاد ولو أمكن أن يخرج من غير تحقق الخروج منه لما كان عليه أن لا يَخْرُج لكن في ضرورة الخروج أن يخرج. فإذا قال قائل صادق: ضَاقَ بي المكانُ بسبب الأعداء فيقال مثلاً: الخروج يعني الخروج فاخرج فإن الخروج هو المطلوب، حتى لو أمكن الخروج من غير فعل منه، لحصل الغرض لكنه محال فيتبعه الفعل. وإذا عرف هذا فيقال: في الأنفال الحكاية عن الحرب الكائنة، وهم كانوا فيها والملائكة أنزلوا للنّصرة (و) من حضر في صفِّ القتالِ، فصدور الفعل منه مطلوب. وههنا الأمر وارد ليس في وقتِ القِتال، بدليل قوله تعالى: {فَإِذَا لَقِيتُمُ} والمقصود بيان كون المصدر مطلوباً لتقدم المأمُورِ على الفِعْل قال: {فَضَرْبَ ٱلرِّقَابِ}. وفي ذلك بيان فائدة أخرى، وهي أن الله تعالى قال هناك {أية : وَٱضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ}تفسير : [الأنفال:12] وذلِكَ لأن الوقت وقت القتال فأرشدهم إلى القتل وغيره إن لم يصيبوا المقتل وههنا ليس وقت القتال. فبين أن المقصود القتل وغرض المسلم ذلك. قوله: {حَتَّىٰ إِذَآ أَثْخَنتُمُوهُمْ} هذه غاية للأمر بضرْب الرِّقاب، لا لبيان غاية القتل. وقوله: {فَشُدُّواْ ٱلْوَثَاقَ} قرأ السُّلَمِيُّ: فَشِدُّوا ـ بكسر الشين وهي ضعيفة جِدًّا,. والوَثَاقُ ـ بالفتح وفيه الكسر ـ اسم ما يُوثَقُ به والمعنى حتى إذا أثْخَنْتُمُوهُمْ أي بالَغْتُم في القتل وقَهَرْتُمُوهُمْ فشدّوا الوثاق يعني في الأسر حتى لا يَفْلِتوا. والأسر يكون بعد المبالغة في القتل كقوله تعالى: {أية : مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَىٰ حَتَّىٰ يُثْخِنَ فِي ٱلأَرْضِ}تفسير : [الأنفال:67]. قوله: {فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَآءً}. فيهما وجهان: أشهرهما: أنهما منصوبان على المصدر بفعل لا يجوز إظهاره؛ لأن المصدر متَى سبق تفصيلاً لعاقبة جملة وجب نصبه بإِضمار فعل لا يجوز إظهاره، والتقدير: فَإِمَّا أنْ تَمُنُّوا وَإِمَّا أَنْ تُفَادُوا فِدَاءً ومثله: شعر : 4463ـ لأَجْهَـدَنَّ فَإِمَّـا دَرْءَ وَاقِعَـةٍ تُخْشَى وَإِمَّـا بُلُـوغَ السُّـؤْلِ وَالأَمَـلِ تفسير : والثاني: قال أبو البقاء: إنهما مفعولان بهما لعامل مقدر تقديره: أَوْلُوهُمْ مَنَّا واقْبَلُوا مِنْهُمْ فِدَاءً. قال أبو حيان: وليس بإعرابِ نَحْويًّ. وقرأ ابن كثير: فِدًى ـ بالقصر ـ قال أبو حاتم: لا يجوز، لأنه مصدر فَادَيته. ولا يُلْتَفَتُ إليه؛ لأن الفرّاء حكى فيه أربع لغات المشهور المدّ والإعراب: فِدَاءً لَكَ، وفَدَاءِ بالمد أيضاً والبناء على الكسر، والتنوين، وهو غريب جداً. وهذا يشبه قول بعضهم: هؤلاءٍ بالتنوين. وفِدًى بالكسر مع القصر، وفَدًا بالفتح مع القصر أيضاً. والأوزار هنا الأثقال. وهو مجاز. وقيل: هو من مجاز الحذف أي أهْل الحرب. والأوزار عبارة عن آلات الحرب قال (الشاعر في معنى ذلك رحمه الله): شعر : 4464ـ وَأَعْـدَدْتَ لِلْحَــرْبِ أَوزَارَهَــا رِمَاحـاً طُـوَالاً وَخَيْـلاً ذُكُــورا تفسير : وحتى الأولى غاية لضرب الرقاب، والثانية لـ "شُدُّوا" ويجوز أن يكونا غايتين لضَرْب الرِّقاب على أن الثانية توكيد وبدل. قال ابن الخطيب: وفي تعلق "حَتَّى" وجْهَانِ: أحدهما: تعلقها بالقتل أي اقْتُلُوهُمْ حَتَّى تَضَعَ. وثانيهما: بالْمَنِّ والفِداء. ويحتمل أن يقال متعلقة بقوله: "فشدوا الوثاق" وتعلقها بالقتل أظهر. فصل قدم المن على الفداء، لأن حرمة النفس راجحة على طلب المال. والفداء يجوز أن يكون مالاً ويجوز أن يكون غيره من الأشياء ويشرط بشرط عليهم، أوعليه وحده. فصل قال ابن الخطيب: الوزر الإثمُ أو السِّلاح، والإثم إنما هو على المحارب وكذلك السلاح ومعناه تضع الحرب الأوزار التي على المحاربين أو السلاح الذي عليهم، كقوله تعالى: {أية : وَسْأَلِ ٱلْقَرْيَةَ}تفسير : [يوسف:82] فكأنه قال: حتى تَضَع أمةُ الحرب، أو فِرقةُ الحرب أوزارها. والمراد انقضاء الحرب بالكلية بحيث لا يبقى في الدنيا حزب من أحزاب الكفر لا حزب من أحزاب الإسلام هذا إذا أمعنت النظر في المعنى. ولو قلنا: حتى تضع أمة الحرب جاز أن يضعوا الأسلحة ويتركوا الحرب وهي باقية، كقول القائل: خصومتي ما انْفَصَلَتْ، ولكني تركتها في هذه الأيام. وإذا أسندنا الوضع إلى الحرب يكون معناه إن الحرب لم تَبْقَ. واختلفوا في وقت وضع الأوزار على أقوال، يرجع حاصلها إلى الوقت الذي لا يبقى فيه حِزْبٌ من أحْزَاب الإسلام، ولا حزب من أحزاب الكفر. وقيل: ذلك عند قتال الدجال ونزول عيسى ـ عليه الصلاة والسلام ـ. فصل اختلف العلماء في حكم هذه الآية، فقال قوم: هي منسوخة بقوله: {أية : فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي ٱلْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِم مَّنْ خَلْفَهُمْ}تفسير : [الأنفال:57] وبقوله: {أية : فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ}تفسير : [التوبة:5] وإليه ذهب قتادة والضحاك، والسُّديُّ وابنُ جُرَيْجٍ، وهو قول الأوزاعي وأصحاب الرأي وقالوا: لا يجوز المنّ على من وقع في الأسر من الكفار ولا الفداء. وذهب آخرون إلى أن الآية محكمة، والإمام بالخيار في الرجال العاقلين من الكفار إذا أوقعوا في الأسر بين أن يقتلهم، أو يَسْتَرِقَّهُمْ أو يمُنَّ عليهم فيطلقهم بلا عوض أو يُفَادِيهم بالمال أو بأسارى المسلمين. وإليه ذهب ابنُ عمر. وبه قال الحسن وعطاء وأكثر الصحابة والعلماء. وهو قول الثَّوريِّ والشافعيِّ وأحمد وإسحاق. قال ابن عباس ـ (رضي الله عنهما) ـ لما كثر المسلمون واشتد سلطانهم أنزل الله في الأسارى {فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَآءً}، وهذا هو الأصح والاختيار، لأنه عمل به رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ والخلفاءُ بعده. روى البخاري عن أبي هريرةَ قال: بعث النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ خيلاً قبل نَجْد، فجاءت برجُل من بني حنيفة، يقال (له) ثُمَامَةُ بنُ أُثَالِ، فربطوه في سَارِيَةٍ من سواري المسجد فخرج إليه رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال: ما عندك يا ثمامة؟ فقال: عندي خيرٌ يا محمد، إن تَقْتُلْنِي تَقْتُلْ ذَا دَمٍ، وإن تُنْعِمْ تُنْعِمْ عَلَى شاكرٍ وإنْ كُنْتَ تريدُ المالَ فلك ما شئتَ، حتى كان الغَدُ لقال له: ما عندك يَا ثُمَامَةُ؟ فقال: عندي ما قلتُ لك: إن تُنْعِمْ تُنْعمْ عَلَى شكر. فتركه حتى إذا كان بعد الغد قال: ما عند يا ثمامةُ؟ قال: عندي ما قلتُ لك قال: أطْلِقُوا ثمامة، فانطلق إلى نخل قريبٍ من المسجد فاغتسل ثم دخل المسجد فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله والله ما كان على الأرض وجهٌ أبغضُ إليَّ مِنْ وَجْهِكَ فقد أصبح وجهك أحبَّ الوجوه إليَّ، واللهِ ما كان من دينٍ أبغَضَ إلَيَّ من دينكَ فأصبح دينُك أحبَّ الدِّين إلَيَّ. واللهِ ما كان من بَلَدٍ أبغضَ إلَيَّ من بلدِكَ فقد أصبح بلدكُ أحبَّ البلادِ إلَيَّ. وإن خَيْلكَ أخذتني وأنا أريدُ العُمْرَةَ فما ترى؟ فبشَّره رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأمره أن يعتمر فلما قدم مكة قال له قائل: صَبَوْتَ؟ قال: لا ولكن أسلمت مع محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ ولا واللهِ لا يأتيكُم من اليَمَامَةِ حَبَّةُ حِنْطَةٍ حتى يأذن فيها النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ. وعن عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قال: أسر أصحاب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ رجلاً من عَقِيل فأوثقوه، وكانت ثَقِيفٌ قد أسرت رجلين من أصحاب النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فَفَداهُ رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بالرجلين اللذين أَسَرَتْهُمَا ثَقِيفٌ. قوله: "ذَلك" يجوز أن يكون خبر مبتدأ مضمر، أي الأمر ذلك وأن ينتصب بإضمار "افْعَلُوا". قال ابن الخطيب: ويحتمل أن يقال: واجبٌ أو مقدمٌ كما يقول القائل: إنْ فعلت فذاك، أي فذاك مقصود ومطلوبٌ. فصل قال المفسرون: معناه "ذلك" الذي ذكرت وبيّنت من حكم الكفار، {وَلَوْ يَشَآءُ اللَّهُ لاَنْتَصَرَ مِنْهُمْ} فأهلكهم وكفاهم أمرهم بغير قتال، "ولكن" أمركم بالقتال {لِّيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ} فيصير من قتل من المؤمنين إلى الثواب، ومن قتل من الكافرين إلى العذاب. فإن قيل: ما التحقيق في قولنا: التكليف ابتلاء وامتحان والله يعلم السِّرَّ وأخْفَى؟. فالجواب من وجوه: الأوّل: أن المراد منه يفعل ذلك فعل المسلمين أي كما يقول المبتلى المُخْتَبَر. الثاني: أن الله تعالى يَبْلُو ليظهر الأمر لغيره، إما للملائكة، أو للناس والتحقيق هو أن الابتلاء والاختبار فعل يظهر بسببه أمر ظاهر. فإن قيل: فائدة الابتلاء حصول العلم عند المبتلي، فإذا كان الله عالماً فَأَيُّ فائدةٍ فيه؟. فالجواب: أن هذا السؤال كقول القائل لم عاقب الكافر وهو مُسْتَغْنٍ؟ ولم خلق النار مُحْرِقَةً وهو قادر على أن يخلقها بحيث تنفع ولا تضر؟ وجوابه: لاَ يُسْألُ عَمَّا يَفْعَلُ (وَهُمْ يُسْأَلُونَ)؟. قوله: {وَٱلَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} قرأ العامة قَاتَلُوا. وأبو عمرو وحفصٌ قُتِلُوا مبنياً للمفعول على معنى أنهم قُتِلُوا وماتوا؛ أصاب القتل بعضهم كقوله: {أية : قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ}تفسير : [آل عمران:146]. وقرأ الجَحْدَرِيّ: قَتَلُوا بفتح القاف والتاء خفيفة ومفعوله محذوف. وزيد بن ثابت والحسن وعيسى قُتِّلُوا، بتشديد التاء مبنياً للمفعول. قوله: {فلن يضل أعمالهم} قرأ على ـ رضي الله عنه ـ يُضَلَّ مبنياً للمفعول أَعْمَالُهُمْ بالرفع لقيامه مقام الفاعل. وقرىء: تَضِلَّ بفتح التاء أَعْمَالُهُمْ بالرفع فاعلاً. والفاء في قوله: "فَلَنْ يُضِلّ" جَزَائية؛ لأن قوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ قُتِلُواْ} فيه معنى الشرط. قال قتادة: ذكر لنا أن هذه الآية نزلت يوم أُحُدٍ، وقد فَشَتْ في المسلمين الجِرَاحَاتُ والقَتْلُ. قوله: {سَيَهْدِيهِمْ} أيام حياتهم في الدنيا إلى أرشد الأمور وفي الآخرة إلى الدرجات {وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ} برضى خصمائهم وتقبل أعمالهم. وقد تقدم تفسيره في قوله تعالى: {أصْلَحَ بَالَهُمْ} والماضي والمستقبل راجحٌ إلى أن هناك وعدهم ما وعدهم بسبب الإيمان، والعمل الصالح، وكان قد وقع منهم فأخبر عن الجزاء أيضاً بصيغة الوقوع. وههنا وعدهم بسببه القتل والقتال وكان في اللفظ ما يدل على الاستقبال، لأن قوله {فَإِذَا لَقِيتُمُ} يدل على الاستقبال فقال: {يُصْلِحُ بَالَهُمْ وَيُدْخِلُهُمُ ٱلْجَنَّةَ}. قوله: {عَرَّفَهَا لَهُمْ} يجوز فيها وجهان: أحدهما: أن تكون مستأنفة. والثاني: أن تكون حالاً. فيجوز أن تضمر "قد"، وأن لا تضمر، و "عَرَّفَهَا" من التعريف الذي هو ضد الجَهْل والمعنى أن كل أحد يعرف منزله في الجنة. وقيل: الملك الموكل بأعماله يهديه. وعن ابن عباس ـ (رضي الله عنهما) ـ أنه من العَرْفِ وهو الطيب أي طيِّبهَا لهم. وقال الزمخشري: يحتمل أن يقال: عرَّفَهَا لهم من عرَّفَ الدَّارَ وأَوْرَثَها أي حددها، وتحديدها في قوله تعالى: {أية : وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا ٱلسَّمَاوَاتُ وَٱلأَرْضُ}تفسير : [آل عمران:133]، ويحتمل أن يقال: المراد هو قوله تعالى لهم: {أية : وَتِلْكَ ٱلْجَنَّةُ ٱلَّتِيۤ أُورِثْتُمُوهَا}تفسير : [الزخرف:72] فيشير إليه معرفاً لهم بأنها هي تلك. وقيل: عرفها لهم وقت القتل، فإن الشهيد وقت وفاته يُعْرَضُ عليه منزله في الجنة فيشتاقُ إليه. وقرأ أبو عمرو ـ في رواية ـ ويِّدْخِلْهُمْ ـ بسكون اللام وكذا ميم ويُطْعِمُهُمْ وعين {أية : لَيَجْمَعَنَّكُمْ}تفسير : [النساء:87] كان يستثقل الحركات. وقد تقدم له قراءة بذلك في {أية : يُشْعِرُكُمْ}تفسير : [الأنعام:109] و {أية : يَنصُرْكُمْ}تفسير : [محمد:7] وبابه.
البقاعي
تفسير : ولما تحرر أن الكفار أحق الخلق بالعدم لأن الباطل مثلهم وحقيقة حالهم، سبب عنه قوله: {فإذا لقيتم} أي أيها المؤمنون {الذين كفروا} ولو بأدنى أنواع الكفر في أيّ مكان كان وأيّ زمان اتفق. ولما كان المراد القتل المجهر بغاية التحقق، عبر عنه مؤكداً له من الاختصار بذكر المصدر الدال على الفعل مصوراً له بأشنع صوره مع ما فيه من الغلظة على الكفار والاستهانة بهم فقال تعالى: {فضرب الرقاب} أي عقبوا لقيكم لهم من غير مهلة بأن تضربوا رقابهم ضرباً بالصدق في الضرب بما يزهق أرواحهم، فإن ذلك انتهاز للفرصة وعمل بالأحوط، وكذلك النفس التي هي أعدى العدو إذا ظفرت بها وجب عليك أن لا تدع لها بقية، قال القشيري: فالحية إذا بقيت منها بقية فوضعت عليها إصبع ثبت فيها سمها. ولما كان التقدير: ولا يزال ذلك فعلكم، غياه بقوله: {حتى} وبشرهم بالتعبير بأداة التحقق فقال تعالى: {إذا أثخنتموهم} أي أغلظتم القتل فيهم وأكثرتموه بحيث صاروا لا حراك بهم كالذي ثخن فأفرط ثخنه؛ فجعل ذلك شرطاً للأسر كما قال تعالى {أية : وما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض}تفسير : [الأنفال: 67] ثم قال تعالى مبيناً لما بعد الثخن: {فشدوا} أي لأنه لا مانع لكم الآن من الأسر {الوثاق} أي الرباط الذي يستوثق به من الأسر بالربط على أيديهم مجموعة إلى أعناقهم - مجاز عن الأسر بغاية الاستيلاء والقهر. ولما كان الإمام مخيراً في أسراهم بين أربعة أشياء: القتل والإطلاق مجاناً والإطلاق بالفدية وهي شيء يأخذه عوضاً عن رقابهم والاسترقاق، عبر عن ذلك بقوله مفصلاً: {فإما منّاً} أي أن ينعموا عليهم إنعاماً {بعد} أي في جميع أزمان ما بعد الأسر باستبقائهم ثم بعد الإنعام باستبقائهم إما أن يكون ذلك مع الاسترقاق أو مع الإطلاق ثم الإطلاق إما مجاناً {وإما فداء} بمال أو بأسرى من المسلمين ونحو ذلك، فأفهم التعبير بالمن الذي معناه الإنعام أن الإبقاء غير واجب بكل جائز، ودخل في الإبقاء ثلاث صور: الاسترقاق والإطلاق مجاناً وبالفداء فصرح سبحانه وتعالى بالفداء الذي معناه الأخذ على وجه أن قسيم للمن، فعلم أن المراد به الإبقاء مع عدم الأخذ فدخل فيه الإطلاق مجاناً وهو واضح والاسترقاق لأنه إنعام بالنسبة إلى القتل، وأفهم التعبير بالمن الذي معناه الإنعام من المنان الذي هو اسمه تعالى ومعناه المعطي ابتداء جواز القتل لأن الإنعام مخير فيه لا واجب لأنه لو كان واجباً كان حقاً لا نعمة، فقد دخلت السور الأربع في التعبير بهاتين الكلمتين - والله الهادي، وكل هذا على ما يراه الإمام أو نائبه مصلحة، قال القشيري: كذلك حال المجاهدة مع النفس إذا كان في إغفاء ساعة وإفطار يوم ترويح للنفس من الكد وقوة على الجهد فيما يستقبل من الأمر على ما يحصل به الاستصواب من شيخ المريد وفتوى لسان الوقت أو فراسة صاحب المجاهدة - انتهى. وقد أفهم هذا السياق أن هذا الحكم ثابت غير منسوخ والأمر بالقتل وحده في غيرها من الآيات عام غير مخصوص بما أفهمته الغاية من أن التقدير: والجهاد على هذه الصفة باق وماض مع كل أمير براً كان أو فاجراً، لا يزال طائفة من الأمة قائمين به ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله، وهو - والله أعلم - المراد بقوله تعالى: {حتى} أي افعلوا ما أمرتكم به على ما جددت لكم إلى أن {تضع الحرب أوزارها} وهي أثقالها أي الآلات التي تثقل القائمين بها من النفقات والسلاح والكراع ونحوه، وذلك لا يكون وفي الأرض كافر، وذلك على زمن عيسى عليه الصلاة والسلام حين تخرج الأرض بركاتها، وتكون الملة واحدة وهي الإسلام لله رب العالمين، فيتخذ الناس حديد السلاح سككاً ومناجل وفؤوساً ينتفعون بها في معاشهم كما ورد في الحديث:حديث : الجهاد ماض منذ بعثني الله إلى أن يقاتل آخر أمتي الدجالتفسير : - رواه في الفردوس عن أنس رضي الله عنهحديث : الجهاد واجب عليكم مع كل بر وفاجر تفسير : رواه أبو داود عن أبي هريرة رضي الله عنه. ولما كانت الحرب كريهة إلى النفوس شديدة المشقة، أكد أمرها بما معناه: إن هذا أمر قد فرغ منه، فقال تعالى: {ذلك} أي الأمر العظيم العالي الحسن النافع الموجب لكل خير. ولما كان هذا ربما أوهم أن التأكيد في هذا الأمر لكون الحال لا يمكن انتظامه إلا به، أتبعه ما يزيل هذا الإيهام فقال: {ولو} ولما كان لو عبر بالماضي أفاد أنه كان ولم يبق، عبر بالمضارع الدال على الحال وما بعده فقال: {يشاء الله} أي الملك الأعظم الذي له جميع صفات الكمال والقدرة على ما يمكن {لانتصر منهم} أي بنفسه من غير أحد انتصاراً عظيماً بأن لا يبقى منهم أحداً {ولكن} أوجب ذلك عليكم {ليبلوا}. ولما كان الابتلاء ليس خاصاً بفريق منهم بل عاماً للفريقين لأنه يكشف عن أهل المحاسن وأهل المساوئ من كل منهم، قال تعالى: {بعضكم} من الفرقة المؤمنين بالإنكار عليهم من الفرقة الطاغين حتى يكون لهم بذلك اليد البيضاء {ببعض} أي يفعل في ذلك فعل المختبر ليترتب عليه الجواء على حسب ما تألفونه من العوائد. ولما أفهم هذا أن الابتلاء بين فريقين بالجهاد، قال عاطفاً على ما تقديره: فالذين قاتلوا أو قتلوا في سبيل الشيطان أضل أعمالهم: {والذين قتلوا} وفي قراءة البصريين وحفص {قتلوا} وهي أكثر ترغيباً والأولى أعظم ترجية {في سبيل الله} أي لأجل تسهيل طريق الملك الأعظم المتصف بجميع صفات الكمال. ولما كان في سياق الترغيب، قرن الخبر بالفاء إعلاماً بأن أعمالهم سببه فقال تعالى: {فلن يضل} أي يضيع ويبطل {أعمالهم *} لكونها غير تابعة لدليل بل يبصرهكم بالأدلة ويوفقهم لاتباعها، وهو معنى قوله تعالى تعليلاً: {سيهديهم} أي في الدارين بوعد لا خلف فيه بعد المجاهدة إلى كل ما ينفعهم مجدداً ذلك على سبيل الاستمرار {ويصلح بالهم} أي موضع فكرهم فيجعله مهيأ لكل خير بعيداً عن كل شر آمناً من المخاوف مطمئناً بالإيمان بما فيه من السكينة، فإذا قتل أحد في سبيله تولى سبحانه وتعالى ورثته بأحسن من تولي المقتول لو كان حياً.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله {فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب} قال: مشركي العرب، يقول {فضرب الرقاب} قال: حتى يقولوا لا إله إلا الله. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن سعيد بن جبير في قوله {حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق} قال: لا تأسروهم ولا تفادوهم حتى تثخنوهم بالسيف. وأخرج النحاس عن ابن عباس في قوله {فإما منّاً بعد وإما فداء} قال: فجعل النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين بالخيار في الأسرى إن شاؤوا قتلوهم، وإن شاؤوا استعبدوهم، وإن شاؤوا فادوهم. وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس في قوله {فإما منّاً بعد وإما فداء} قال: هذا منسوخ نسختها {أية : فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين} تفسير : [التوبة: 5]. وأخرج عبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه في قوله {فإما منّاً بعدُ وإما فداء} قال: فرخص لهم أن يمنوا على من شاؤوا منهم، نسخ الله ذلك بعد في براءة فقال:{أية : فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم}تفسير : [التوبة: 51]. وأخرج عبد بن حميد وأبو داود في ناسخه وابن جرير وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه في قوله {فإما منّاً بعد وإما فداء} قال: كان المسلمون إذا لقوا المشركين قاتلوهم، فإذا أسروا منهم أسيراً فليس لهم إلا أن يفادوه أو يمنوا عليه، ثم نسخ ذلك بعد{أية : فإما تثقفنهم في الحرب فشرد بهم من خلفهم}تفسير : [الأنفال: 57]. وأخرج عبد الرزاق في المصنف وعبد بن حميد وابن جرير عن الضحاك ومجاهد في قوله {فإما منّاً} قالا: نسختها {فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم}. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن السدي مثله. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن عمران بن حصين رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم فادى رجلين من أصحابه برجلين من المشركين أسروا. وأخرج عبد بن حميد عن أشعث قال: سألت الحسن وعطاء عن قوله {فإما منّاً بعدُ وإما فداء} قال: أحدهما يمن عليه أولا يفادى وقال الآخر: يصنع كما يصنع رسول الله صلى الله عليه وسلم يمن عليه أولا يفادى. وأخرج ابن جرير ابن مردويه عن الحسن رضي الله عنه قال: أتى الحجاج بأسارى، فدفع إلى ابن عمر رضي الله عنهما رجلاً يقتله فقال ابن عمر: ليست بهذا أمرنا إنما قال الله {حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق فإما منّاً بعد وإما فداء} وأخرج ابن مردويه والبيهقي في سننه عن نافع أن ابن عمر رضي الله عنهما أعتق ولد زنية وقال: قد أمرنا الله ورسوله أن نمنَّ على من هو شر منه قال الله {فإما منّاً بعدُ وإما فداء} وأخرج عبد الرزاق في المصنف وابن المنذر وابن مردويه عن ليث رضي الله عنه قال: قلت لمجاهد: بلغنى أن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لا يحل قتل الأسارى لأن الله تعالى قال {فإما منّاً بعدُ وإما فداء} فقال مجاهد: لا تعبأ بهذا شيئاً أدركت أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكلهم ينكر هذا، ويقول: هذه منسوخة، إنما كانت في الهدنة التي كانت بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين المشركين، فأما اليوم فلا يقول الله {فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم} ويقول {فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب} فإن كانوا من مشركي العرب لم يقبل منهم شيء إلا الإِسلام فإن لم يسلموا فالقتل، وأما من سواهم فإنهم إذا أسروا فالمسلمون فيهم بالخيار إن شاؤوا قتلوهم وإن شاؤوا استحيوهم وإن شاؤوا فادوهم إذا لم يتحوّلوا عن دينهم فإن أظهروا الإِسلام لم يفادوا ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتل الصغير والمرأة والشيخ الفاني. وأخرج ابن أبي شيبة عن مجاهد رضي الله عنه قال: نسخت{أية : فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم}تفسير : [التوبة:5] ما كان قبل ذلك من فداء أو مَنّ. وأخرج عبد الرزاق في المصنف عن عطاء رضي الله عنه أنه كان يكره قتل أهل الشرك صبراً ويتلو {فشدوا الوثاق فإما منّاً بعدُ وإما فداء} ثم نسختها {فخذوهم واقتلوهم حيث وجدتموهم} ونزلت زعموا في العرب خاصة وقتل النبي صلى الله عليه وسلم عقبة بن أبي معيط يوم بدر صبراً. وأخرج عبد الرزاق عن أيوب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن قتل الوصفاء والعسفاء. وأخرج عبد الرزاق عن الضحاك بن مزاحم رضي الله عنه قال: نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن قتل النساء والولدان إلا من عدا منهم بالسيف. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير عن القاسم بن عبد الرحمن رضي الله عنه قال: حديث : بعث النبي صلى الله عليه وسلم سرية فطلبوا رجلاً فصعد شجرة فأحرقوها بالنار فلما قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم أخبروه بذلك فتغير وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: إني لم أبعث أعذب بعذاب الله، إنّما بضرب الرقاب وشد الوثاق ". تفسير : أما قوله تعالى: {حتى تضع الحرب أوزارها} . أخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه في قوله {حتى تضع الحرب أوزارها} قال: حتى لا يكون شرك. وأخرج ابن المنذر عن الحسن رضي الله عنه {حتى تضع الحرب أوزارها} قال: حتى يعبد الله ولا يشرك به. وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والبيهقي في سننه عن مجاهد رضي الله عنه في قوله {حتى تضع الحرب أوزارها} قال: حتى يخرج عيسى ابن مريم عليه السلام فيسلم كل يهودي ونصراني وصاحب ملة، وتأمن الشاة من الذئب ولا تقرض فأرة جراباً، وتذهب العداوة من الناس كلها، ذلك ظهور الإِسلام على الدين كله، وينعم الرجل المسلم حتى تقطر رجله دماً إذا وضعها. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم وابن مردويه عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"حديث : يوشك من عاش منكم أن يلقى عيسى ابن مريم إماماً مهدياً وحكماً عدلاً فيكسر الصليب ويقتل الخنزير وتوضع الجزية وتضع الحرب أوزارها ". تفسير : وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير رضي الله عنه {حتى تضع الحرب أوزارها} قال: خروج عيسى ابن مريم عليه السلام. وأخرج ابن سعد وأحمد والنسائي والبغوي والطبراني وابن مردويه حديث : عن سلمة بن نفيل رضي الله عنه قال: بينما أنا جالس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ جاءه رجل فقال يا رسول الله: إن الخيل قد سُيبت وَوُضِعَ السلاحُ وزعم أقوام أن لا قتال وأنْ قد وضعت الحرب أوزارها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كذبوا فالآن جاء القتال، ولا تزال طائفة من أمتي يقاتلون في سبيل الله لا يضرهم من خالفهم يزيغ الله قلوب قوم ليرزقهم منهم ويقاتلون حتى تقوم الساعة، ولا تزال الخيل معقوداً في نواصيها الخير، حتى تقوم الساعة، ولا تضع الحرب أوزارها حتى يخرج يأجوج ومأجوج ". تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم حديث : عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال: فتح لرسول الله صلى الله عليه وسلم فتح فقلت يا رسول الله اليوم ألقى الإِسلام بجرانه، ووضعت الحرب أوزارها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن دون أن تضع الحرب أوزارها خلالاً؟ ستاً أولهن موتي ثم فتح بيت المقدس ثم فئتان من أمتي دعواهم واحدة يقتل بعضهم بعضاً ويفيض المال حتى يعطي الرجل المائة دينار فيتسخط وموت يكون كقعاص الغنم، وغلام من بني الأصفر ينبت في اليوم كنبات الشهر وفي الشهر كنبات السنة، فيرغب فيه قومه فيملكونه يقولون نرجو أن يربك علينا ملكنا فيجمع جمعاً عظيماً ثم يسير حتى يكون فيما بين العريش وأنطاكية، وأميركم يومئذ نعم الأمير فيقول لأصحابه: ما ترون فيقولون نقاتلهم حتى يحكم الله بيننا وبينهم فيقول لا أرى ذلك نحرز ذرارينا وعيالنا ونخلي بينهم وبين الأرض ثم نغزوهم وقد أحرزنا ذرارينا فيسيرون فيخلون بينهم وبين أرضهم حتى يأتوا مدينتي هذه فيستهدون أهل الإِسلام فيهدونهم ثم يقول لا ينتدبن معي إلا من يهب نفسه لله حتى نلقاهم فنقاتل حتى يحكم الله بيني وبينهم فينتدب معه سبعون ألفاً ويزيدون على ذلك فيقول حسبي سبعون ألفاً لا تحملهم الأرض وفيهم عين لعدوّهم فيأتيهم فيخبرهم بالذي كان، فيسيرون إليهم حتى إذا التقوا سألوا أن يخلي بينهم وبين من كان بينهم وبينه نسب فيدعونهم فيقولون ما ترون فيما يقولون فيقول: ما أنتم بأحق بقتالهم ولا أبعد منهم، فيقول: فعندكم فأكسروا أغمادكم فيسل الله سيفه عليهم فيقتل منهم الثلثان، ويقر في السفن الثلث، وصاحبهم فيهم، حتى إذا تراءت لهم جبالهم بعث الله عليهم ريحاً فردتهم إلى مراسيهم من الشام فأخِذوا فَذُبِحوا عند أرجل سفنهم عند الساحل، فيومئذ تضع الحرب أوزارها ". تفسير : أما قوله تعالى: {ذلك ولو يشاء الله لانتصر منهم} . أخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه {ذلك ولو يشاء الله لانتصر منهم} قال: أي والله بجنوده الكثيرة كل خلقه له جند فلو سلط أضعف خلقه لكان له جنداً. وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله ذلك {ولو يشاء الله لانتصر منهم} قال: لأرسل عليهم ملكاً فدمر عليهم، وفي قوله {والذين قتلوا في سبيل الله فلن يضل أعمالهم} قال: نزلت فيمن قتل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يوم أُحد. وأخرج عبد بن حميد عن عاصم رضي الله عنه أنه قرأ "والذين قاتلوا" بالألف. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله {والذين قتلوا في سبيل الله فلن يضل أعمالهم} الآية. قال: ذكر لنا أن هذه الآية نزلت في يوم أُحد، ورسول الله صلى الله عليه وسلم في الشعب، وقد فشت فيهم الجراحات والقتل، وقد نادى المشركون يومئذ: أعلُ هُبَل، ونادى المسلمون الله أعلى وأجل، ففادى المشركون يوم بيوم بدر، وإن الحرب سجال لنا عُزّى ولا عُزّى لكم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"حديث : قولوا الله مولانا ولا مولى لكم إن القتلى مختلفة أما قتلانا فأحياء يرزقون، وأما قتلاكم ففي النار يعذبون ". تفسير : وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد رضي الله عنه {ويدخلهم الجنة عرفها لهم} قال: يهدي أهلها إلى بيوتهم ومساكنهم وحيث قسم الله لهم منها لا يخطئون كأنهم ساكنوها منذ خلقوا لا يستدلون عليها أحداً. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه {عرفها لهم} قال: عرفهم منازلهم فيها. وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل رضي الله عنه في قوله {ويدخلهم الجنة عرفها لهم} قال: بلغنا أن الملك الذي كان وُكّلَ بحفظ عمله في الدنيا يمشي بين يديه في الجنة ويتبعه ابن آدم حتى يأتي أقصى منزل هو له فيعرفه كل شيء أعطاه الله في الجنة فإذا انتهى إلى أقصى منزله في الجنة دخل إلى منزله وأزواجه وانصرف الملك عنه.
القشيري
تفسير : قوله جلّ ذكره: {فَإِذَا لَقِيتُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَضَرْبَ ٱلرِّقَابِ حَتَّىٰ إِذَآ أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّواْ ٱلْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَآءً حَتَّىٰ تَضَعَ ٱلْحَرْبُ أَوْزَارَهَا}. إذا حَصَلَ الظَّفَرُ بالعدوِّ فالعفُـو عنهم وتَرْكُ المبالغةِ في التشديد عليهم - للندم مُوجِبٌ، وللفرصةِ تضييعٌ؛ بل الواجبُ إزهاقُ نفوسِهم، واستئصالُ أصولِهم، واقتلاعُ شَجَرِهم من أصله. وكذلك العبدُ إذا ظفر بنفْسه فلا ينبغي أن يُبْقِيَ بعد انتفاش شوكها بقيةً من الحياة، فَمَنْ وضع عليها إصبعاً بَثَّتْ سُمَّها فيه. {فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَآءً} ذلك إذا رجا المسلمون في ذلك غبطةً أو فائدةً؛ مثل إفراج الكفَّارِ عن قومٍ من المسلمين، أو بسبب ما يؤخذ من الفِداء.. وأمثال هذا، فحينئذٍ ذلك مُسَلّمٌ على ما يراه الإمام. كذلك حال المجاهدة مع النَّفْس: حيث يكون في إغفاءِ ساعةٍ أو في إفطارِ يوم ترويحٌ للنفس من الكَدِّ، وتقويةٌ على الجهد فيما يستقبل من الأمر- فذلك مطلوبٌ حسبما يحصل به الاستصوابُ من شيخ المريد، أو فتوى لسانِ الوقت، أو فراسة صاحب المجاهدة. قوله جلّ ذكره: {قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَلَن يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ وَيُدْخِلُهُمُ ٱلْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ}. إذا قُتِل أحدٌ في سبيل الحقِّ تولّى وَرَثَة َالمقتولِ بأحسنَ مِنْ تولية المقتول. وكذلك يَرْفَعُ درجاتِه؛ فيُعْظِمُ ثوابَه، ويُكْرِمُ مآبه.
اسماعيل حقي
تفسير : {فاذا لقيتم الذين كفروا} اللقاء ديدن وكار زار كردن ورسيدن. قال الراغب اللقاء يقال فى الادراك بالحس بالبصر وبالبصيرة اى فاذا كان الامر كما ذكر من ضلال اعمال الكفرة وخيبتهم وصلاح احوال المؤمنين وفلاحهم فاذا لقيتموهم فى المحاربة يا معشر المسلمين {فضرب الرقاب} اصله فاضربوا الرقاب ضربا فحذف الفعل وقدم المصدر وانيب منابه مضافا الى المفعول والالف واللام بدل من الاضافة اى فاضربوا رقابهم بالسيف والمراد فاقتلوهم وانما عبر عن القتل بضرب الرقاب تصويرا له بأشنع صورة وهو جز الرقبة واطارة العضو الذى هو رأس البدن وعلوه واوجه اعضائه وارشادا للغزاة الى أيسر ما يكون منه وفى الحديث "حديث : انا لم ابعث لاعذب بعذاب الله وانما بعثت بضرب الرقاب وشد الوثاق" تفسير : {حتى اذا اثخنتموهم} قال فى الكشاف الاثخان كثرة القتل والمبالغة فيه من قولهم اثخنته الجراحات اذا اثبتته حتى تثقل عليه الحركة واثخنه المرض اذا اثقله من الثخانة التى هى الغلظ والكثافة وفى المفردات يقال ثخن الشئ فهو ثخين اذا غلظ ولم يستمر فى ذهابه ومنه استعير قولهم اثخنته ضربا واستخفافا والمعنى حتى اذا اكثرتم قتلهم واغلظتموه على حذف المضاف او اثقلتموهم بالقتل والجراح حتى اذهبتم عنهم النهوض {فشدوا الوثاق} الوثاق بالفتح والكسر اسم ما يوثق به ويشد من القيد قال فى الوسيط الوثاق اسم من الايثاق اوثقه ايثاقا ووثاقا اذا شد أسره كيلا يفلت فالمعنى فأسروهم واحفظوهم وبالفارسية بس استوار كنيد بندرا يعنى بكيريد ايشانرا باسيرى وبند كنيد محكم تابكريزند. وقال ابو الليث يعنى اذا قهرتموهم واسرتموهم فاستوثقوا ايديهم من خلفهم كيلا يفلتوا والاسر يكون بعد المبالغة فى القتل {فاما منا} اى تمنون منا وهو أن يترك الامير الاسير الكافر من غير ان يأخذ منه شيأ {بعد} اى بعد شد الوثاق {واما فدآء} اى تفدون فدآء هو ان يترك الامير الاسير الكافر ويأخذ مالا او اسيرا مسلما فى مقابلته يقال فداه يفديه فدى وفدآء وفداه وافتداه وفاداه اعطى شيأ فأنقذه والفدآء ذلك المعطى ويقصر كما فى القاموس وقال الراغب الفدى والفدآء حفظ الانسان عن النائبة بما يبذله عنه كما يقال فديته بمالى وفديته بنفسى وفاديته بكذا انتهى قال الشيخ الرضى المطلوب من شد الوثاق اما قتل او استرقاق او من أو فدآء فالامام يتخير فى الاسارى البالغين من الكفار بين هذه الخصال الاربع وهذا التخيير ثابت عند الشافعى ومنسوخ عندنا بقوله تعالى {أية : فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم} تفسير : قالوا نزل ذلك يوم بدر ثم نسخ والحكم اما القتل او الاسترقاق قال فى الدرر وحرم منهم فداؤهم وردهم الى دارهم لان رد الاسير الى دار الحرب تقوية لهم على المسلمين فى الحرب فيكره كما يكره بيع السلاح لهم وفى المن خلاف الشافعى واما الفدآء فقبل الفراغ من الحرب جاز بالمال لا بالاسير المسلم وبعده لا يجوز بالمال عند علمائنا وبالنفس عند ابى حنيفة ويجوز عند محمد وعن ابى يوسف روايتان وعن مجاهد ليس اليوم من ولا فدآء انما الاسلام او ضرب العنق وعن الصديق رضى الله عنه لا افادى رجلا من المشركين احب الى من كذا وكذا وقد قتل عليه السلام يوم فتح مكة ابن الاخطل وهو متعلق بأستار الكعبة بعدما وقع فى منعة المسلمين فهو كالاسير {حتى تضع الحرب اوزارها} اوزار الحرب آلاتها واثقالها التى لا تقوم الا بها من السلاح والكراع يعنى الخيل اسند وضعها اليها وهو لاهلها اسنادا مجازيا وأصل الوزر بالكسر الثقل وما يحمله الانسان فسمى الاسلحة اوزارا لانها تحمل فيكون جعل مثل الكراع من الاوزار من التغليب وحتى غاية عند الشافعى لاحد الامور الاربعة او للمجموع والمعنى انهم لا يتركون على ذلك ابدا الى ان لا يكون مع المشرين حرب بان لا يبقى لهم شوكة واما عند ابى حنيفة فانه حمل الحرب على حرب بدر فهى غاية للمن والفدآء والمعنى يمن عليهم ويفادون حتى تضع الحرب اوزارها وتنقضى وان حملت على الجنس فهى غاية للضرب والشد والمعنى انهم يقتلون ويؤسرون حتى يضع جنس الحرب اوزارها بان لا يبقى للمشركين شوكة (وقال الكاشفى) تابنهد اهل حرب سلاح حرب رايعنى دين اسلام بهمه جار سد وحكم قتال نماند وآن نزديك نزول عيسى عليه السلام خواهد بود جه در خبر آمده كه آخر قتال امت من بادجال است. فما دام الكفر فالحرب قائمة ابدا {ذلك} اى الامر ذلك او افعلوا ذلك {ولو يشاء الله} لو للمضى وان دخل على المستقبل {لانتصر منهم} لانتقم منهم بغير قتال بان يكون ببعض اسباب الهلكة والاستئصال من خسف او رجفة او حاصب او غرق او موت ذريع ونحو ذلك ويجوز أن يكون الانتقام بالملائكة بصيحتهم او بصرعهم او بقتالهم من حيث لا يراهم الكفار كما وقع فى بدر {ولكن} لم يشأ ذلك {ليبلو} تابيازمايد {بعضكم ببعض} فامركم بالقتال وبلاكم بالكافرين لتجاهدوهم فتستوجبوا الثواب العظيم بموجب الوعد والكافرين بكم ليعاجلهم على ايديكم ببعض عذابهم كى يرتدع بعضهم عن الكفر. وفى الآية اشارة الى كافر النفس حيثما وجدتموه وهو يمد رأسه الى مشرب من مشارب الدنيا ونعيمها فاضربوا عنق ذلك الرأس وادفعوه عن ذلك المشرب حتى اذا غلبتموهم اى النفوس وسخرتموهم فشدوهم بوثاق اركان الشريعة وآداب الطريقة فانه بهذين الجناحين يطير صاحب الهمم العلية الى عالم الحقيقة فاما منا على النفوس بعد الوصول بترك المجاهدة واما فداء بكثرة العبادة عوضا عن ترك المجاهدة بعد الظفر بالنفوس واما قتل النفوس بسيف المخالفة فانه فى مذهب ارباب الطلب يجوز كل ذلك بحسب نظر كل مجتهد فان كل مجتهد منهم مصيب وذلك الى ان يجد الطالب المطلوب ويصل العاشق الى المعشوق بأن جرى على النفس بعد الظفر بها مسامحة فى اغفاء ساعة وافطار يوم ترويحا للنفس من الكد واجماعا للحواس قوة لها على الباطل فيما يستقبل من الامر فذلك على ما يحصل به استصواب من شيخ المريد او فتوى لسان القوم او فراسة صاحب الوقت ولو شاء الله لقهر النفوس بتجلى صفات الجلال بغير سعى المجاهد فى القتال ولكن الخ {والذين قتلوا فى سبيل الله} اى استشهدوا يوم بدر ويوم احد وسائر الحروب {فلن يضل اعمالهم} اى فلن يضيعها بل يثيب عليها
ابن عجيبة
تفسير : قلت: {فضَرْب}: مصدر، نائب عن فعله، مضاف إلى مفعوله، و {مَنّاً} و {فِدَاءً}: مصدران لمحذوف، و {الذين كفروا}: مبتدأ حُذف خبره، وهو العامل في المصدر، أي: والذين كفروا فأتعسهم تعساً، و {أضل أعمالهم}: عطف على الخبر المحذوف. يقول الحق جلّ جلاله: {فإِذا لقيتم الذين كفروا} في المحاربة {فَضَرْبَ الرقابِ} أصله: فاضربوا الرقاب ضرباً، فحذف الفعل وناب عن مصدره؛ للاختصار، مع إعطاء معنى التوكيد، لدلالة نصبه على مؤكده، وضرب الرقاب عبارةٌ عن مطلق القتل، والتعبير به عن القتل تصوير له بأشنع صورة وتهويل لأمره، وإرشاد للغزاة إلى أيسر ما يكون، {حتى إِذا أَثخنتموهم} أكثرتم فيه القتل، وأغلظتموه، من: الشيء الثخين، وهو الغليظ، أو: أثقلتموهم بالجِراح وهزمتموهم، {فشُدُّوا الوَثاقَ} أي: فأسِروهم، وشُدوا وثاقهم، لئلا يتفلتوا، والوثاق بالفتح والكسر: ما يشد به. فإذا أسرتموهم فتخيّروا فيهم {وإِما فِدَاءً} أن تفدوا فداءً، والمعنى: التخيُّر بين الأمرين بعد الأسر، بين أن يَمُنُّوا عليهم فيطلقوهم، وبين أن يُفادوهم، ومذهب مالك: أن الإمام مُخَيَّر في الأسارى بين خمسة، وهي: المنّ، والفداء، والقتل، والاسترقاق، وضرب الجزية، وقيل: لا يجوز المَن ولا الفداء؛ لأن الآية منسوخة بقوله:{أية : فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ}تفسير : [التوبة: 5] فيتعين قتلهم، والصحيح أنها محكمة، ومَذْهَب الشافعي: أن الإمام مُخير بين أربعة: القتل، والاسترقاق، والفداء بأسارى المسلمين، والمنّ. ولعل الجزية عنده خاصة بأهل الكتاب. ومذهب أبي حنيفة: التخيير بين القتل والاسترقاق فقط، قال: والآية منسوخة؛ لأن سورة براءة آخر ما نزل. وعن مجاهد: ليس اليوم مَنّ ولا فداء، والمراد بالمنّ في الآية. أن يمنّ عليهم بترك القتل، فيسترقوا، أو يمنّ عليهم بإعطاء الجزية. هـ. والمشهور: مذهب مالك؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قتل عقبةَ بن أبي معيط، والنضر بن الحارث، يوم بدر صبراً، وفادى سائر الأسارى، ومَنَّ على ثمامة بن أثال الحنفي، وهو أسير، وارتق نساء بني قريظة، فابعهم، وضرب الجزية على نصارى نجران ومجوس هاجر. ثم ذكر غاية الحرب فقال: {حتى تضع الحربُ أوزارها} أي: اضربوا رقابهم حتى تضع الحرب أثقالها، وآلاتها، التي لا قوم إلا بها، كالسلاح والكراع، وذلك حيث لم يبقَ حرب، بأن تضع أهل الحرب عُدتها، وقيل: {أوزارها} آثامها، يعني: حتى يترك أهل الحرب المشركين شركهم، بأن يُسلموا جميعاً. والمختار: أن المعنى: أثخنوا المشركين بالقتل والأسر حتى يظهر الإسلام على سائر الأديان، ويؤمن أهل الكتاب، طوعاً أو كرهاً، ويكون الدين كله للّه، فلا يحتاج إلى قتال. وقال الحسن: معناه،: حتى لا يُعبد إلا الله. وقال ابن عطية: ظاهر اللفظ: أنها استعارة، يُراد بها التزام الأمر كذلك أبداً، كما تقول: أنا أفعل ذلك إلى يوم القيامة. هـ. فالغاية بـ"حتى" راجعة إلى الضرب والشد، وما ترتب عليه من المنّ والفداء. {ذلك} الأمر ذلك، أو افعلوا ذلك، {ولو يشاء اللّهُ لانتصرَ} لانتقم {منهم} بغير قتال؛ بأن ينزل بهم أسباب الهلاك والاستئصال، كالخسف أو الرجف أو غير ذلك، {ولكن} أمركم بالقتال {ليَبلُوا بعضَكم ببعض} أي: المؤمنين بالكافرين، فأمَرَهم بالجهاد ليستوجبوا الثواب العظيم، وليسلم مَن سبق إسلامه من الكافرين. {والذين قاتلوا في سبيل الله} لإعلاء كلمة التوحيد، لا لغرض آخر، {فلن يُضِلَّ أعمالَهم} فلن يضيعها. {سيهديهمْ} في الدنيا إلى طريق الرشد والصواب، وفي الآخرة إلى جزيل الثواب وقيل: يهديه إلى جواب منكر ونكير، {ويُصلحُ بالَهم} بأن يَقبل أعمالهم ويُرضي خصماءهم، {ويُدخلهم الجنةَ عَرَّفها لهم} . قال مجاهد: عرّفهم مساكنهم فيها؛ حتى لا يحتاجوا إلى دليل لها، أو: طَيَّبها، من: العَرف، وهو طيب الرائحة، ويمكن الجمع: بأن عَرْف المحل يهدي صاحبَه إلى جنته ومحله. {يا أيها الذين آمنوا إِن تنصروا اللهَ} بنصر دينه وإظهار شريعة نبيه {ينصركمْ} على عدوكم، ويفتح لكم، {ويُثبت أقدامكم} في مواطن الحرب ومواقفها، أو على محجة الإسلام، {والذين كفروا فتعساً لهم} أي: فيقال: تعساً لهم، والتعس: الهلاك، أو السقوط والانحطاط، أو العثار، أو البُعد. وقال ابن السكيت: التعس: أن يجر على وجهه. هـ. أي: أتعسهم الله تعساً، أي: أهلكهم وأبعدهم. وقال ابن عباس: "في الدنيا بالقتل والأسر، وفي الآخرة بالتردي في النار". والمراد بالذين كفروا عام، وقيل: المراد مَن يضاد الذين ينصرون دين الله، كأنه قيل: إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم، ومَن لم ينصره فتعساً له، فوضع {الذين كفروا} موضع مَن لم ينصره؛ تغليظاً، فهو وِفقٌ لأسلوب السورة من التقابل المعنوي، فهو عطف جملة على جملة شرطية مثلها، ولذلك دخلت الفاء في خبر الموصول، كما قرره الزجاج. انظر الطيّبي. هـ. من الحاشية. {وأضَلَّ أعمالَهم} أي: أحبطها وأبطلها. {ذلك} التعس والإضلال {بأنهم كَرِهوا ما أنزلَ اللّهُ} من القرآن؛ لما فيه من التوحيد؛ وسائر الأحكام، المخالفة لما ألفوه واشتهته أنفسهم الأمّارة بالسوء، {فأحْبَط} لأجل ذلك {أعمالَهم} التي كانوا عَمِلُوها، من صلة الأرحام وغيرها. الإشارة: نهايةُ الجهاد الأصغر: وضعُ الحرب أوزارَها بالإسلام أو السّلم، ونهاية الجهاد الأكبر: استسلامُ النفس وانقيادها لما يُراد منها، أو موتها بالغيبة عنها بالكلية. قال بعض العارفين: انتهى سير السائرين إلى الظفر بنفوسهم، فإن ظفروا بها وصلوا. هـ. فالإشارةُ بقوله: {إذا لقيتم الذين كفروا...} الخ إلى قتل الهوى والشطيان وسائر القواطع، حتى إذا أثخنتموهم فشُدُّوا وثاقهم، ولا تأمنوا غائلتهم. قال القشيري، بعد كلام: وكذلك العبد إذا ظفر بنفسه؛ فلا ينبغي أن يُبْقِيَ بعد انتقَاش شَوْكها بقيةً، ولا في قلع شجرها مستطاعاً وميسوراً؛ فالحيّة إن بقيت منها بقية من الحياة مَنْ وضع عليها إصبُعَه بَثَّتْ سُمَّها فيه. هـ. فإذا تمكنتم من معرفة الله، فإما أن تَمُنوا عليها بترك جِهادها الأكبر، وإما أن تفدوها بالغيبة عنها في حلاوة الشهود، حتى تضع الحرب أوزارها بالموت، ولو شاء اللّهُ لخلّصكم منها من غير جهاد، فالقدرة صالحة، ولكن ليختبركم، فيظهر السائرون من القاعدين مع حظوظهم "لولا ميادينُ النفوس ما تحقق سير السائرين". والذين قاتلوا نفوسَهم في سبيل الله وطلب معرفته، فلن يُضل أعمالَهم، سيهديهم إلى معرفته، ويُصلح بالهم بالاستغراق في شهوده، ويُدخلهم جنة المعارف، قد عرَّفها لهم، وبيَّنها على أيدي الوسائط من الشيوخ العارفين، أو طيّبها لهم، فيهتدون بنسيم واردات التوجه، إلى أنوار المواجهة. وقد أشار تعالى بقوله: {والذين قاتلوا في سبيل الله} إلى طلب الإخلاص، فلا يوصل الجهاد الأصغر ولا الأكبر إلى رضوان الله، أو معرفته، إلا بتحقُّق الإخلاص، من غير التفات لغرض نفساني، لا عاجلاً ولا آجلاً. ذكر الشيخ أبو نعيم الحافظ: أن ميْسرة الخادم، قال: غزونا في بعض الغزوات، فإذا بفتى جانبي، وهو مقنَّع بالحديد، فحمل على الميمنة، ثم الميسرة، ثم على القلب، ثم أنشأ يقول: شعر : أَحْسِنْ بمَولاكَ سَعيدُ ظنّاً هَذَا الذِي كُنتَ تَمَنَّى تَنَح يا حُورَ الْجنَانِ عَنَّا مَا فيك قَاتَلْنَا ولا قُتِلْنا لكِنْ إِلى سَيدكُنَّ اشْتَقْنَا قَدْ عَلِم السر وما أَعْلَنَّا تفسير : قال: فحمَل فقاتل، فقَتَل منهم عدداً، ثم رجع إلى موقفِه، فتكالب عليه العدو، فحملَ، وأنشأ يقول: شعر : قد كُنْتُ أَرْجُو وَرَجَائي لَمْ يَخِبْ أَلاَّ يَضيعَ الْيَومَ كَدِّي والطَّلَبْ يا مَن ملأ تِلْكَ الْقُصُورِ باللعب لَولاَكَ مَا طَابَتْ ولاَ طَابَ الطَّرَب ْ تفسير : ثم حمَلَ فقاتل، فقَتل عدداً كثيرا، ثم رجع إلى مصافه، فتكالب عليه العدو، فحملَ ثالثة، وأنشأ يقول: شعر : يَا لُعبةَ الْخُلْدِ قِفِي ثُمَّ اسْمَعِي ما لَكِ قَاتَلْنَا فَكُفّي وَارْجِعي ثُمَّ ارْجِعِي إلى الْجِنَانِ وأَسْرعي لاَ تَطْمعِي لاَ تَطْمعِي لاَ تَطْمعِي تفسير : فقاتل رضي الله عنه حتى قُتل - رحمه الله. هـ. قوله تعالى: {إِن تنصروا الله ينصركمْ ويُثبتْ أقدامكمْ} فيه ترغيب وتنشيط لأهل الوعظ والتذكير، الداعين إلى الله، الذين يسعون في أظهار الدين، وإرشاد عباد الله إلى محبة الله وطاعته. وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم:"حديث : والذي نفس محمد بيده، لئن شئتم لأقسمن لكم، أن أحب عباد الله إلى الله الذين يُحببون اللّهَ إلى عباده، ويُحببون عبادَ اللهَ إلى الله، ويمشون في الأرض بالنصيحة"تفسير : . وقال أيضاً:"حديث : الخلق عيال الله، وأحب الخلق إلى الله أنفعهم لعياله"تفسير : وأعظم النفع: إرشادهم إلى الله، الذي هو سبب سعادتهم السرمدية. وقال الورتجبي: نُصرةُ العبد لله: أن يجاهد نفسه وهواه وشيطانه، فإنهم أعداؤه، فإذا خاصمها يُقويه الله وينصره عليهم، بأن يدفع شرهم عنه، ويجعله مستقيماً في طاعة الله، ويجازيه بكشف جماله، حتى يَثْبُتَ في مقام العبودية، وانكشاف أنوار الربوبية. هـ. قال القشيري: ونصرةُ الله للعبد بإعلاء كلمته، وقمع أعدائه. ثم قال في قوله تعالى: {ويُثبت أقدامكم} هو إدامة التوفيق، لئلا ينهزم من صَوْلة أعداء الدين، ولا يَضعُف قلبُه في معاداتهم، ولا ينكسر باطنُه ثقةً بالله في إعزازِ دينه. هـ. ثم ذكر تعالى أضداد الداعين إلى الله، الناصرين لدينه، وهم المنتقدون عليهم، فقال: {والذين كفروا فتسعاً لهم} أي: خيبةً لهم، {وأضل أعمالهم} فلا يتوصلون بها إلى معرفته، لكونها معلولة. ثم أمر بالتفكُّر والنظر؛ لأنه أقرب الطرق إلى التخلُّص من غوائل الأعداء، فقال: {أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ فَيَنظُرُواْ}.
الجنابذي
تفسير : {فَإِذَا لَقِيتُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَضَرْبَ ٱلرِّقَابِ} فاضربوهم ضرب الرّقاب {حَتَّىٰ إِذَآ أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّواْ ٱلْوَثَاقَ} يعنى فاسروهم واحفظوهم بالوثاق، والوثاق بالكسر والفتح ما يوثق به {فَإِمَّا مَنًّا} اى تمنّون منّاً {بَعْدُ وَإِمَّا فِدَآءً} تخيير بين المنّ والفداء، او بيان لفائدة الحكم السّابق من دون تعرّضٍ لحكم المنّ والفداء {حَتَّىٰ تَضَعَ ٱلْحَرْبُ أَوْزَارَهَا} بيانٌ لغاية ضرب الرّقاب وشدّ الوثاق يعنى انّ ضرب الرّقاب واسر الرّجال ليس الاّ ما دام الحرب قائمة فاذا انقضت الحرب فلا تتعرّضوا لهم، او المعنى حتّى لا يبقى محاربٌ وحرب فى بلادكم فيكون رفع المحاربة من البين علّةً غائيّةً للمحاربة، عن الصّادق (ع) انّه قال: كان ابى يقول: انّ للحرب حكمين؛ اذا كانت الحرب قائمة لم تضع اوزارها ولم يثخن اهلها فكلّ اسيرٍ اخذ فى تلك الحال فانّ الامام فيه بالخيار، ان شاء ضرب عنقه وان شاء قطع يده ورجله من خلافٍ بغير حَسْمٍ وتركه يتشحّط فى دمه حتّى يموت وهو قول الله عزّ وجلّ: {أية : إِنَّمَا جَزَآءُ ٱلَّذِينَ يُحَارِبُونَ ٱللَّهَ} تفسير : [المائدة: 32] (الآية) قال والحكم الآخر اذا وضعت الحرب اوزارها وأثخن اهلها فكلّ اسيرٍ اخذ على تلك الحال فكان فى ايديهم فالامام فيه بالخيار ان شاء من عليّهم فأرسلهم، وان شاء فاداهم انفسهم، وان شاء استعبدهم فصاروا عبيداً {ذَلِكَ} اى الامر والسّنّة بحسب الاسباب ذلك، او ذلك حكم الله بحسب الاسباب، او خذوا ذلك والزموه بحسب الاسباب {وَ} لكن {لَوْ يَشَآءُ اللَّهُ لاَنْتَصَرَ مِنْهُمْ} من دون امركم بقتالهم {وَلَـٰكِن} يأمركم بقتالهم {لِّيَبْلُوَاْ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ} فانّ فى الجهاد تحصيل خصالٍ عظيمةٍ لا يمكن تحصيلها الاّ به، وتهديداً عظيماً للكفّار حتّى يرغبوا فى التّوبة قبل الاستيصال {وَٱلَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} قرئ قتلوا مجرّداً مبنيّاً للمفعول، وقرئ قاتلوا {فَلَن يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ سَيَهْدِيهِمْ} الى ما ينبغى ان يُهدوا اليه من الكمالات الانسانيّة ودرجات الجنان {وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ} حتّى لا يكون حين تلذّ ذاتهم الانسانيّة ما يغيّر حالهم.
الأعقم
تفسير : فإذا حاربتم الكفار {فضرب الرقاب} الأعناق وإنما عبر بذلك عن القتل لأنه لا يبقى حياة بعد ضرب الرقبة، وقيل: أمر بقتلهم من غير أسر ولا فداء {حتى إذا أثخنتموهم} أي قهرتموهم وعزرتموهم، وقيل: أكثرتم الجراح والقتل وقتلتم بعضهم وجرحتم البعض حتى ضعفوا {فشدّوا الوثاق} يعني شدو وثاق الأسارى، فأمر تعالى بالقتل والأسر لكيلا يقوى الكفر، وقيل: أراد كيلا يهربوا {فإمَّا منّا بعد وإمَّا فداءً} أي إما منَّا منكم عليهم بالإِطلاق بعد الأسر من عوض وأما فداءاً يعوض، وقيل: المن بالإِطلاق وبالإِسلام لأن أسير العرب إذا أمن يطلق وأسير العجم إذا سلم يستعبد {حتى تضع الحرب أوزارها} أثقالها قيل: أراد أن تضع أهل الحرب سلاحها حتى تزول الحرب وهم المحاربون، أوزارها آثامها بأن يتوبوا من كفرهم ويؤمنوا بالله، أي أثخنوا المشركين بالقتل والأسر حتى يظهر الحق والإِسلام على الأديان، وقيل: حتى ينقطع الحرب عند نزول عيسى فيسلم كل يهودي ونصراني وصاحب ملة وهي آخر أيام التكليف، وقيل: حتى يعبد الله ولا يشرك به شيئاً، وقيل: حتى لا يكون دين إلاَّ الإِسلام {ذلك}، قيل: الأمر بالجهاد، وقيل: ما ذكرناه من أحكام الكفر {ولو يشاء الله لانتصر منهم} لأهلكهم {ولكن ليبلو بعضكم ببعض} لو كان الغرض زوال الكفر فقط لأهلكهم لكن الغرض استحقاق الثواب وذلك لا يحصل إلا بالبعيد {والذين قتلوا في سبيل الله} أي في الجهاد في دين الله، وقيل: قتلوا يوم أحد، وقاتلوا معناه جاهدوا، وقرئ بهما جميعاً {فلن يضل أعمالهم} بل هي مقبولة يجازون عليها ثواباً {سيهديهم} الجنة وثوابها {ويصلح بالهم} أي حالهم في الدارين {ويدخلهم الجنة عرّفها لهم}، قيل: طيبها لهم، وقيل: بينها لهم وأعلمهم بوصفها، وقيل: عرفها لهم يوم القيامة حتى أنهم يعرفون منازلهم في الدنيا {يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم} أي تنصروا دين الله ونبيه ينصركم {ويثبّت أقدامكم} بالطاعة بتقوية قلوبكم، وقيل: ينصركم بالآخرة ويثبت أقدامكم عند الحساب وعلى الصراط، وقيل: ينصركم في الدنيا والآخرة ويثبت أقدامكم في الدارين {والذين كفروا فتعساً لهم} في الآخرة، وقيل: في الدارين، ومعنى تعساً بُعداً، والتعس الانحطاط للعثار، وفي حديث عائشة: تعس مسطح، أي أتعسه الله، ومعناه انكب وعثر، وقيل: بعداً لهم {وأضلّ أعمالهم} قيل: انحط ثوابها {ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله} من القرآن {فأحبط أعمالهم} {أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم دمّر الله عليهم} أي أهلكهم ودمر منازلهم، {وللكافرين أمثالها} أي ولهؤلاء الكافرين أمثال ما تقدم من العناد للعدى {ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا} يتولى نصرهم وحفظهم {وإن الكافرين لا مولى لهم} أي لا ناصر يدفع العذاب عنهم {إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار} أي من تحت أبنيتها وأشجارها {والذين كفروا يتمتعون} في هذه الدنيا وملاذها {ويأكلون كما تأكل الأنعام} وهم غافلون عن الآخرة {والنار مثوىً لهم} أي منزل وموضع إقامة {وكأين من قرية} أي كم من قرية {هي أشد قوة من قريتك التي أخرجتك} أعظم من قوة أهل قريتك، وقوله: {التي أخرجتك} ألجأتك إلى الخروج لأنه خرج بنفسه {أفمن كان على بيّنة من ربه} يعني من كان على دينه وما يعتقده من التوحيد والعدل والشرائع، قيل: محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) والمؤمنون، {كمن زيّن له سوء عمله}، قيل: زينه لنفسه، وقيل: زينه للشيطان، وقيل: زينه بعضهم لبعض {وسوء عمله} ما يدينون به من الكفر والمعاصي {واتبعوا أهواءهم} في ذلك معناه لا يستوي من يتبع الدليل ومن يتبع الهوى والآية عامة.
اطفيش
تفسير : {فَإِذَا لَقِيتُمُ} من اللقاء وهو الحرب أو لقيتم في المحاربة* {الَّذِينَ كَفَرُواْ فَضَرْبَ الرِّقَابِ} الاصل اضربوا الرقاب ضرباً فحذف الفعل وقدم المصدر وأنيب منابه مضافاً للمفعول مثل سبحان الله للاختصار وفيه التوكيد لان النصب دليل الفعل المحذوف ولو كان نائباً عنه وبدلا من اللفظ به وضرب الرقاب كناية عن القتل سواء كان بضربها أو بضرب غيرها كما يقال ضرب الامير رقبته وضرب عنقه وضرب ما فيه عيناه وضرب علاوته بكسر العين وهى الرأس ما دام في الرقبة وخص الرقاب لان القتل أكثر ما يكون بضربها ولتصوير القتل بأشنع صوره وهو ازالة العضو الذي هو رأس البدن وأعلاه وأوجهه ومشتمل على حواس ولا حياة مع زواله فما وجدتم القتل به فاقتلوا. "حديث : بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية الى حيّ فأصابوهم فقطعوا شجرة وأضرموها ناراً وألقوا فيها رجلا فمات فلما بلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم قال "لم أبعث لأعذب بعذاب الله ولكن بعثت بضرب الاعناق ". حديث : وبعث صلى الله عليه وسلم معاذ بن جبل فقال "ان أمكنك الله من فلان فاحرقه بالنار ثم قال ردوه فرجع فقال قلت ذلك وأنا غضبان لا يحل لأحد أن يعذب بعذاب الله فان قدرت فاضرب عنقه . تفسير : وفي الحديث "حديث : لا يجتمع كافر وقاتله في النار ". تفسير : وقال "حديث : ما أغبرت قدما عبد في سبيل الله فتمسه النار وقال غبار في سبيل الله ودخان جهنم لا يجتمعان في جوف عبد ولا يجتمع الشح والايمان في قلب عبد ". حديث : وقال: لغدوة في سبيل الله وروحة خير من الدنيا وما فيها ولموقف الرجل في الصف أفضل من عبادة ستين سنة حديث : وقال لابن رواحة وقد تخلف عن الخارجين للغزو في يوم الجمعة ليصلي الجمعة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لو أنفقت ما في الارض جميعاً ما أدركت فضل غدوتهم" تفسير : وغير ذلك* {حَتَّى إِذَآ أَثْخَنْثُمُوهُمْ} بالغنم في القتل وقهرتموهم مأخوذ من الشيء الثخين أي الغليظ أى أثقلتموهم بالقتل والجراح ومنعتموهم النهوض والحركة* {فَشُدُّواْ} أى احكموا* {الْوَثَاقَ} بفتح الواو وقرئ بالكسر وهو ما يوثق به أي احفظونهم لئلا يفلتوا منكم ولئلا يهربوا وذلك في الاسارى* {فإِمَّا مَنّاً بَعدُ وَإِمَّا فِدَآءً} مصدران مؤكدان حذف عاملهما أي فاما تمنون مَنّاً بعد الاسر واما تفدون فداء وقرئ (فدى) بالفتح والقصر خيرهم بين أن يمنوا بالاطلاق من غير شيء وأن يفادوهم بمال أو أسارى المسلمين والآية محكمة عند جمهور العلماء وقوله فاضربوا فوق الاعناق الخ ونحوهما كقوله فاما تثقفنهم ففي الحرب الخ وأجاز لهم أيضاً الاسترقاق والقتل فهذه مبينة لقوله {أية : فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم} تفسير : وهو الصحيح وهو مذهب الشافعية والحسن وعطاء وابن عمر والثوري والشافعي وأحمد واسحاق وابن عباس وحجتهم ان النبي صلى الله عليه وسلم عمل بذلك والخلفاء بعده وانه مَنّ على أبي عروة الجمحي قال الزمخشري وعلى أثال الحنفي وقال غيره ثمامة بن أثال الحنفي ذلك انه بعث صلى الله عليه وسلم خيلاً لجهة نجد فجاءت به فربطوه بسارية في المسجد فخرج صلى الله عليه وسلم اليه فقال ما عندك يا ثمامة فقال عندي خير يا محمد إن تقتل تقتل ذا ذم وإن تنعم تنعم على شاكر وان أردت المال فلك ما شئت وقال له ذلك في اليومين بعده فقال ما ذكر فقال اطلقوه فانطلق الى نخل قريب من المسجد فاغتسل ودخل المسجد وقال أشهد ان لا اله الا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله والله ما كان على الارض أبغض اليّ من وجهك وأنت الآن أحب الوجوه اليَّ والله ما كان دين أبغض اليَّ من دينك وأصبح أحب اليّ وبلدك أحب البلاد وان خيلك أخذتني وأنا أريد العمرة فماذا ترى؟ فبشره صلى الله عليه وسلم وأمره أن يعتمر فلما قدم مكة قيل له صبأت قال لا ولكني أسلمت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم والله لا يأتيكم من اليمامة حبة حنطة حتى يأذن فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأسرت الصحابة رجلاً من بني عقيل فأوثقوه وكانت ثقيف قد أسرت مسلمين ففاداه بهما. وقال أبو حنيفة وأصحابه إما القتل واما الاسترقاق وإما المن والفداء نزلا في يوم بدر ثم نسخا بالآيات السابقة أم نزلا مخصوصين ببدر وعليه قتادة والضحاك والسدي وابن جريج والاوزاعي وأصحاب الرأي لئلا يعودوا حرباً للمسلمين. وقال مجاهد: (إما الاسلام وإما القتل) وقال الزمخشري: ويجوز أن يراد بالمن أن يمن عليهم بترك القتل ويسترقوا أو يمن عليهم فيخلوا للجزية ان كانوا من أهل الذمة أو بالفداه أن يفادى بأساراهم أسارى المشركين. فقد رواه الطحاوي مذهباً عن أبي حنيفة والمشهور انه لا يرى فداؤهم لا بمال ولا بغيره ومذهبنا التخيير. "حديث : وكان أبو عروة الجمحى ممن أسر ببدر قال يا رسول الله مُنَّ عليّ فاني فقير ولي بنات فرقَّ النبي صلى الله عليه وسلم فخلى سبيله ولم يأخذ منه شيئاً فقدم مكة فهجا رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان شاعراً فلما خرج المشركون الى أحد قالوا أخرج معنا قال ان محمداً قد منّ عاماً أولا فخلى سبيلي فأنا أكره أن أقاتله فقال له أبو سفيان أنفق على عيالك فخرج معهم فلما قاتلوا أخذ أسيراً فأتوا به النبي صلى الله عليه وسلم فقال له النبي صلى الله عليه وسلم يا عدو الله ألم أمنّ عليك في العام الاول فرجعت الى مكة فهجوتنى فقال اني خرجت كرهاً يا محمد فمن عليّ هذه المرة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لا والله لا نمسح خديك فتقول سخرت بمحمد مرتين فاضربوا عنقه فقتل صبراً فقال النبي صلى الله عليه وسلم اما انه من جهد البلاء أن يقتل المرء صبراً " تفسير : {حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا} آلاتها وأثقالها التي لا تقوم الا بها كالسلاح والخيل وأنشد الزمخشري للأعشى* شعر : وأعددت للحرب أوزارها رماحاً طوالا وخيلاً ذكوراً تفسير : وقيل لعمرو بن معد يكرب وأصل (الوزر) ما يحمله الانسان والسلاح يحمل والخيل تجري وكأن الحرب حاملة لذلك لانها لا بد لها منه فاذا انقضت فكأنها وضعته والاضافة للملابسة والمراد حتى يمسك أهل الحرب عن القتال اسلاماً أو مسالمة وقيل الحرب جمع حارب أو اسم جمعه كصاحب وصحب وقال الحسن وقتادة (أوزارها) ذنوب أهلها من الشرك والمعاصي أي حتى سلموا وأضاف (الاوزار) اليها للملابسة أو يقدر مضاف وقيل حتى تضع حربكم أوزارهم أي شركهم ومعاصيهم بأن يسلموا وقال مجاهد حتى ينزل عيسى فيقتل الدجال ويكسر الصليب ويقتل الخنزير وتضع الجزية فلا تقبل من كتابي بل اما القتل أو الاسلام أو حتى تدخل الملل كلها في الاسلام فلا يبقى جهاد وذلك عند نزوله. وفي الحديث "حديث : الجهاد ماض منذ بعثني الله الى أن يقاتل آخر أمة الدجال وقال من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين ولا تزال عصابة من المسلمين يقاتلون على الحق من ناوأهم الى يوم القيامة" تفسير : ولا يقتل الا الذكر الحر المكلف و (حتى) غاية للضرب أو للشد أو للمنّ أو للفداء متعلقة باحدها ويقدر مثلها لغيره وان علق بالمن أو الفداء على قول أبي حنيفة فالمعنى (حتى تضع حرب بدر أوزارها)* {ذَلِكَ} خبر المحذوف أى الأمر فيهم ما ذكر أو مفعول أي افعلوا بهم ذلك* {وَلَوْ يَشَآءُ اللهُ لاَنتَصَرَ مِنْهُمْ} أي لانتقم منهم باستئصال ببعض أسباب الهلاك كالخسف والزلزلة والموت العام والغرق والملائكة وغير ذلك من جنود الله من غير القتال منكم* {وَلَكِنِ} أمركم بالقتال* {لِّيَبْلُوَاْ بَعْضَكُم بِبَعْضٍ} أيها الناس بأن يجاهد المسلمون ويصبروا فيجازوا ثواباً عظيماً ويعذب المشركين على أيديهم معاجلة لبعض ما أعد لهم من العذاب وليرتدع بعضهم عن الشرك* {وَالَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللهِ} أي جاهدوا وهذه قراءة الجمهور وقرأ عاصم في رواية (قتلوا) بالفتح واسقاط الالف وقرأ أبو عمرو وحفص وعاصم في رواية (قُتِلُوا) بالبناء للمفعول من الثلاثي وقرئ بتشديد التاء والبناء للفاعل أو (قَتَّلوا، قُتِّلوا) للمفعول. قال قتادة: (نزلت فيمن قتل من المؤمنين يوم أحد وقد فشى قتالهم وجرحاهم)* {فَلَن يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ} أي لن يضيعها ويحبطها وقرئ بالبناء للمفعول ورفع الاعمال وقرئ (يَضِل) بفتح الياء ورفع الاعمال وكان المسلمون يقولون لمن خرج غازياً انه كلما تباعدت عن أهلك ازددت من الله قرباً قاله الحسن
اطفيش
تفسير : {فإِذا لقِيتُم الَّذين كَفَروا} إذا كان صلاح المؤمنين وفوزهم، وضلال الكفرة وخسرانهم، مما يوجب ترتب الأحكام عليهم، كل بما يليق به، فاذا لقيتم الكفرة فى المحاربة الى قوله: {بعضكم ببعض} ورتب على الفريق الآخر قوله: {والذين قتلوا} الخ وبدأ بالذين كفروا، لأن التكليف يكون بمعالجتهم، وشأن الخلق، والدنيا التكليف، وباتباعه يحصل الدين والدنيا، والعبادة، ودون ذلك ما هو اخبار بالثواب على ذلك، فأخر ذكر الثواب، واللقاء والملاقاة، أو اللقاء المعبر عن الحرب. {فَضَرب الرقاب} فاضربوا الرقاب منهم أولهم، أو رقابهم ضربا، فحذف اضربوا، وأضيف ضرب للمفعول، ومثل هذا المصدر نائبا عن عامله، ولم يرد فائدة عليه، فليس فيه توكيد ولا بيان نوع باضافته إلا بحسب ظاهر اللفظ، لأنه ترجمة عن نصب المضاف اليه بالعامل المحذوف قبل الحذف، والتأخير خلافا لمن ادعى التأكيد، وضرب الرقاب كناية عن القتل مطلقا، وخصت الأعناق بالذكر لأنه أشنع قتله، وأسرع للموت، إذا أطير الرأس، أو بقى ملصقا بقليل، مائلا وكأنه غير صورة آدمى، وفى الرأس مجمع حواس الانسان، وهكذا ينبغى أن يكون القتل، وفيه تشجيع المؤمنين الى هذه القتلة بحسب الامكان. {حتَّى إذا أثْخنْتُموهم} أفشلتموهم بشدة القتل وكثرته افاشالا، كاثخان المائع عن الحركة بضبطه فى اناء، ومنعه عن الحركة، يقال ثخن المائع أى سكن عن الحركة {فشدُّوا الوثّاق} فاربطوا من بقى منهم فى الحبال، وجوامع الحديد، ربطا شديدا، والباقى إما مقبوض عليه وهو صحيح، أو ضعيف بالجروح، أو ملقى على الأرض لا يستطيع النهوض، والوثاق ما يربط به أو يحبس به من حبل أو جامعة {فإمَّا منّاً بعْدُ وإمَّا فداءً} إما تمنون منا عليهم بعد الشد، وإما تفادون فداء، والمفاداة هنا قبول الفداء أو طلبه، ولا قتل بعد الإثخان، بل يمن عليهم بالاطلاق أو بالاستعباد، وترك القتل، أو بالفداء، ثم نسخ ذلك بقوله تعالى فى سورة براءة، وهى آخر ما نزل فى هذا الشأن: "أية : فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم" تفسير : [التوبة: 5] وقوله تعالى: "أية : فإما تثقفنهم في الحرب فشرد بهم" تفسير : [الأنفال: 57] الآية، قال مجاهد: ليس اليوم مَن ولا فداء، لكن القتل أو الاسلام. وقيل: آية براءة فى غير الأسرى، بدليل أنه يجوز الاسترقاق، قيل: اما الاسلام واما القتل لا فداءَ، ولا أسر، وجاء الحديث بما يفيد أن جريح المشركين وهاربهم يتبع فيقتل، ولو لم يكن له ملجأ، ولا من يستعينون به، وان جريح الموحدين الذين حل قتالهم لا يقتل، وهاربهم لا يتبع، ان لم يكن له ملجأ، وقيل: المن والفداء فى أسرى بدر فقط، وان الآية فيهم، وأما غير بدر فلا فداء ولا أسر، بل القتل، وقيل: يجوز الفداء ويجوز القتل، وقيل بظاهر الآية اما فداء واما منّ لا نسخ فى ذلك، وبه قال الحسن وابن عمر. كما روى أن الحجاج أتى بأسرى فدفع لابن عمر واحدا يقتله، وقال: ما أمرنا بهذا وتلى الآية، ويدل لجواز القتل أنه صلى الله عليه وسلم قتل عقبه بن أبى معيط، وطعيمة بن عدى، والنضر بن الحارث بعد القبض عليهم، ومذهبنا جواز قتل الأسير وهو أولى لدفع شره واسترقاقه، ومفاداته لأن فيهما نفعا للاسلام، واطلاقه بحسب رأى الامام، وعليه الأكثرون، ومن المن أن يسترق، ومنه أن يترك على اعطاء الجزية ان كان كتابيا أو مجوسيا، والقول بالنسخ قول ابن عباس والضحاك، وقتادة ومجاهد، ويكاد يجمع عليه، ولكن ان أسلم الأسير أو الجريح لم يقتل، ويجوز أن يستعبد، لأن العبد اذا أسلم جاز بيعه وهو باق على العبودية، واذا جاز استعباده جاز مفاداته، يتخلص بها عن الاسترقاق إلا مشركى العرب، والمرتدين منهم، فاما أن يسلموا أو يقتلوا، ولا يقتل الرجل أسيره أو أسير غيره بلا إذن من الامام، والا عزره الامام ان وقع على خلاف مقصود الامام، لكن لا ضمان عليه، إلا إن قتله خوف أن يضره فلا ضمان ولا تعزير، ومن أسلم قبل الأسر خلى سبيله وهو حر مسلم. ومن الخطأ الفاحش الذى لا يخفى على العاقل ما نسب ليعقوب المنصور إذ منح الله عز وجل له النصر فى أندلس على أدفنوش وجنوده، وهزمهم الله هزيمة عظيمة وقتل منهم مائة ألف، وأسر أربعة وعشرين ألفا، وأطلقهم كلهم، وأدفنوش من الجلالقة، وهم المسمون الآن أسبنيول، ولا يفادى بالأسير مسلم فى رواية عن أبى حنيفة، لأن فى رد الأسير المشرك اليهم، فيكون حربا مضرة لجميع المسلمين، والصحيح الجواز، وهو رواية عنه، وهو قول محمد وأبى يوسف والشافعى ومالك وأحمد، لحرمة المسلم وتخليصه من أهل الشرك، وتمكينه من عبادة الله، ومضرة ذلك المشرك للمسلمين غير لازمة لعلها لا تقع، وأيضا فدى صلى الله عليه وسلم رجلين مسلمين بأسير كافر كما فى مسلم وأبى داود والترمذى وغيرهم، عن عمران بن حصين، وتجوز المفاداة بالنساء على الصحيح، كما روى أنه صلى الله عليه وسلم أمَّر الصديق رضى الله عنه على غزوة فأعطى من الغنيمة سلمة أمرأة، فسأله صلى الله عليه وسلم أن يهبها له، ولم يفعل وقال: إنها أعجبتنى يا رسول الله، ما كشفت لها ثوبا، ولقيه غدا فى السوق فقال: "هبنى امرأة" فقال: هى لك يا رسول الله والله ما كشفت لها ثوبا ففدى بها رجالا مسلمين من مكة، وفى المفاداة بالصبى قولان. ويجوز فداء مسلم بأسير مسلم ان طابت نفسه وأمن على ايمانه أن لا يرتد، وقيل: لا، ويجوز فداء مسلم بمال لعظم حرمته، ولا عبرة بما يتوقع من تقوى المشركين بذلك المال، ولا يحسن اطلاق الأسير المشرك الى أهله بلا عرض، ولا رجاء مصلحة فى ذلك للاسلام، وأطلق صلى الله عليه وسلم جماعة من أسرى بدر منهم: أبو العاصى بن أبى الربيع، وأجاز فداء بنته صلى الله عليه وسلم لأبى العاصى، وقد كان زوجها بقلادة أعطتها اياها خديجة رضى الله عنهما، وسألهم صلى الله عليه وسلم أن يطلقوه ويردوا لها قلادتها ففعلوا فرحين. وأطلق صلى الله عليه وسلم تمامة بن أثال بن النعمان، وأسلم بعد، كما فى مسلم، بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خيلا قبل نجد، فأتوا بتمامة وهو رجل من بنى حنيفة فربطوه فى المسجد على سارية، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : "ما عندك يا تمامة؟" فقال: خير إن تقتل تقتل ذا دم، وان تنعم تنعم على شاكر، وإن أردت المال فلك ما تريد، وقال له مثل ذلك من الغد، فأجاب بذلكن وكذا فى الثالث، وقال: "أطلقوا تمامة"" تفسير : فأطلقوه، وذهب الى نخل قريب من المسجد، فاغتسل وجاء فقال أشهد ان لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله، ولا وجه أحب إليَّ من وجهك، بعد أن كان أبغض الوجوه إليَّ، ولا دين أحبُّ إليَّ من دينك بعد أن كان أبغض الأديان إليَّ، ولا بلد أحب إليَّ من بلدك بعد أن كان أبغض البلاد إليَّ يا رسول الله أخذتني خيلك، وأنا أريد العمرة، فأمره أن يعتمر فقال له أهل مكة: أصبوت؟ فقال: لا بل أسلمت، والله لا يأتيكم حبة حنطة من اليمامة حتى يأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها، اسرت ثقيف مسلمين وفداهما صلى الله عليه بكافرين، وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : لو كان مطعم بن عدي حياً وسئلت إطلاقه لفعلت" تفسير : فهذه اجازة للاطلاق بلا عوض، ويجوز الفداء ولو بعد قسمة. {حتى تضَع الحربُ أوْزارها} حتى تنقضى الحرب، وحتى فيها غاية راجعة الى ضرب الرقاب، أو إلى الشد أو الى المن والفداء أو اليهما أو الى الكل بمعنى امتداد ضرب الرقاب وشد الوثاق والمن أو الفداء، أو إليهما أو الى الكل بمعنى امتداد ضرب الرقاب، وشد الوثاق، والمن والفداء، جاز حتى تزول شوكة المشركين، أو ينزل عيسى عليه السلام، ويخرج يأجوج ومأجوج، قال رجل: يا رسول الله ان الخيل سيبت، ووضع السلاح، وزعموا أن قد وضعت الحرب أوزارها، فقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : كذبوا فالآن جاء القتال ولا تزال طائفة من أمتي يقاتلون في سبيل الله، ولا يضرهم من ناوأهم حتى تقوم الساعة، ولا تزال الخيل معقوداً في نواصيها الخير حتى تقوم الساعة، ولا تضع الحرب أوزارها حتى يخرج يأجوج ومأجوج" تفسير : وأل للجنس، وان جعلنا الحرب حرب بدر فأل للعهد، وأوزار الحرب آلاتها من السلاح وغيره، وأصل الوزر الحمل أو الثقل استعير لآلات الحرب، أو شبه الحرب بانسان حامل لشىء ثقيل، ورمز لذلك باثبات ما هو ثقيل على التخييل أو ذلك استعارة تمثيلية، واضيفت الأوزار للحرب تجوزا فى النسبة الاضافية، وفى ذلك تغليب على حيوان الحرب كالخيل، وما يحتاج اليه فيها من الابل وغيرها، وقيل: حتى يضع أهل الحرب أوزارها أى أسلحتها. وقيل: الحرب اسم جمع مثل الركب، أى المحاربون المسلمون، وقيل المحاربون المشركون، وأوزارهم ذنوبهم، ووضعها تركها بالتوبة والايمان، وذلك ضعيف، يضعف ما قيل: ان الأوزار الشرك والمعاصى، وتضع بمعنى تترك، واسناد الترك اليها مجازا، ويقدر مضاف أى حتى يضع أهل الحرب أوزارها، والمعنى حتى تضع حربكم أوزار المشركين، بأن يسلموا أويسالموا، ووجه الضعف أنه لا يحسن اضافة الذنوب الى الحرب. {ذلَك} المذكور من ضرب الرقاب، وشد الوثاق، والمن والفداء الاثخان، خبر لمحذوف أى الأمر ذلك، أو مفعول أى ألزموا ذلك، فان الحكمة او المشيئة اقتضت تكليفهم به {ولو يشاء الله} الانتصار لكم بلا قتال {لانْتَصر} انتقم لكم {منْهُم} بخسف أو رجفة أو غرق أو موت جارف {ولكِن ليَبْلوا} أى أمركم بالقتال ليبلوا {بعضَكُم ببعضٍ} يبلو المؤمنين بجهاد الكافرين لنيل الأجر، والكافرين بالمؤمنين ليقتلهم انتقاماً بهم، وليتعظ بعض، ويرتدع آخرون. {والَّذين قُتلِوا في سَبِيل الله} الكفار أراد العموم، فالذين كاسم الشرط، ولذا قرن خبره بالفاء كما قال: {فَلَنْ يُضل أعمالهم} لن يضيعها، بل يثيبهم عليها، وهى قتالهم وسائر أعمالهم الصالحات، والمراد اعتبارها، وأن لا يتركها، وأما نفس الثواب فقد ذكره بعد، وذلك بالعموم أولا وبالذات، من نزلت فيهم إذ نزلت فى يوم أحد، ورسول الله صلى الله عليه وسلم فى الشعب، وقد فشت فيهم الجراحات والقتل، حتى: قيل: انه قتل من المسلمين سبعون، وأسر سبعون، كما فعل بهم المسلمون يوم بدر، ونادوا على هبل، ونادى المسلمون: الله أعلى وأجلّ، ونادوا: يوم بيوم بدر، والحرب سجال لنا عزّى ولا عزّ لكم، أرادوا بذكرها تغييظ المسلمين، والاشعار بالثبات على الكفر، والتلويح بأنها نصرتهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : الله مولانا ولا مولى لكم قتلانا أحياء مرزوقون وقتلاكم في النار يعذبون فالقتلى مختلفة" تفسير : رواه الطبرى وغيره.
الالوسي
تفسير : والفاء في قوله تعالى: {فَإِذَا لَقِيتُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } لترتيب ما في حيزها من الأمر على ما قبلها فإن ضلال أعمال الكفرة وخيبتهم / وصلاح أحوال المؤمنين وفلاحهم مما يوجب أن يترتب على كل من الجانبين ما يليق به من الأحكام أي إذا كان الأمر كذلك فإذا لقيتموهم في المحارب {فَضَرْبَ ٱلرّقَابِ } وقال الزمخشري:(({لَقِيتُمُ } من اللقاء وهو الحرب و {ضَرْبَ } نصب على المصدرية لفعل محذوف والأصل اضربوا الرقاب ضرباً فحذف الفعل وقدم المصدر وأنيب منابه مضافاً إلى المفعول)). وحذف الفعل الناصب في مثل ذلك مما أضيف إلى معموله واجب، وهو أحد مواضع يجب فيها الحذف ذكرت في مطولات كتب النحو، وليس منها نحو ضرباً زيداً على ما نص عليه ابن عصفور. وذكر غير واحد أن فيما ذكر اختصاراً وتأكيداً ولا كلام في الاختصار، وأما التأكيد فظاهر القول به أن المصدر بعد حذف عامله مؤكد، وقال الحمصي في «حواشي التصريح»: إن المصدر في ذلك مؤكد في الأصل وأما الآن فلا لأنه صار بمنزلة الفعل الذي سد هو مسده فلا يكون مؤكداً بل كل مصدر صار بدلاً من اللفظ بالفعل لا يكون مؤكداً ولا مبيناً لنوع ولا عدد. و {ضَرْبَ ٱلرّقَابِ } مجاز مرسل عن القتل، وعبر به عنه إشعاراً بأنه ينبغي أن يكون بضرب الرقبة حيث أمكن وتصويراً له بأشنع صورة لأن ضرب الرقبة فيه إطارة الرأس الذي هو أشرف أعضاء البدن ومجمع حواسه وبقاء البدن ملقى على هيئة منكرة والعياذ بالله تعالى، وذكر أن في التعبير المذكور تشجيع المؤمنين وأنهم منهم بحيث يتمكنون من القتل بضرب أعناقهم في الحرب. {حَتَّىٰ إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ } أي أوقعتم القتل بهم بشدة وكثرة على أن ذلك مستعار من ثخن المائعات لمنعه عن الحركة، والمراد حتى إذ أكثرتم قتلهم وتمكنتم من أخذ من لم يقتل {فَشُدُّواْ ٱلْوَثَاقَ } أي فأسروهم واحفظوهم، فالشد وكذا ما بعد في حق من أسر منهم بعد إثخانهم لا للمثخن إذ هو بالمعنى السابق لا يشد ولا يمن عليه ولا يفدى لأنه قد قتل أو المعنى حتى إذا أثقلتموهم بالجراح ونحوه بحيث لا يستطيعون النهوض فاسروهم واحفظوهم؛ فالشد وكذا ما بعد في حق المثخن لأنه بهذا المعنى هو الذي لم يصل إلى حد القتل لكن ثقل عن الحركة فصار كالشيء الثخين الذي لم يسل ولم يستمر في ذهابه، والإثخان عليه مجاز أيضاً. و {ٱلْوَثَاقَ } في الأصل مصدر كالخلاص وأريد به هنا ما يوثق به. وقرىء {ٱلْوِثَاقَ } بالكسر وهو اسم لذلك، ومجيء فعال اسم آلة كالحزام والركاب نادر على خلاف القياس، وظاهر كلام البعض أن كلاً من المفتوح والمكسور اسم لما يوثق به، ولعل المراد بيان المراد هنا. {فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاء } أي فإما تمنون مناً وإما تفدون فداء، والكلام تفصيل لعاقبة مضمون ما قبله من شد الوثاق، وحذف الفعل الناصب للمصدر في مثل ذلك واجب أيضاً، ومنه قوله:شعر : لأجهدن فإما درء واقعة ثخشى وإما بلوغ السؤال والأمل تفسير : وجوز أبو البقاء كون كل من {مَنَّاً } و {فِداء} مفعولاً به لمحذوف أي أولوهم مناً أو اقبلوا منهم فداء، وليس ـ كما قال أبو حيان ـ إعراب نحوي. وقرأ ابن كثير في رواية شبل {وإما فدى} بالفتح والقصر كعصا. وزعم أبو حاتم أنه لا يجوز قصره لأنه مصدر فاديته، قال الشهاب: ولا عبرة به فإن فيه أربع لغات الفتح والكسر مع المد والقصر ولغة خامسة البناء مع الكسر كما حكاه الثقات انتهى. وفي «الكشف» نقلاً عن «الصحاح» الفداء إذا كسر أوله يمد ويقصر وإذا فتح فهو مقصور. ومن العرب من يكسر الهمزة أي يبنيه على الكسر إذا جاور لام الجر خاصة لأنه اسم فعل بمعنى الدعاء، وأنشد الأصمعي بيت النابغة:شعر : مـهــلاً فــداء لــك تفسير : وهذا الكسر مع التنوين / كما صرح به في «البحر». وظاهر الآية ـ على ما ذكره السيوطي في «أحكام القرآن العظيم» ـ امتناع القتل بعد الأسر وبه قال الحسن. وأخرج ابن جرير وابن مردويه عنه أنه قال: أتي الحجاج بأسارى فدفع إلى ابن عمر رضي الله تعالى عنهما رجلاً يقتله فقال ابن عمر: ليس بهذا أمرنا إنما قال الله تعالى: {حَتَّىٰ إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّواْ ٱلْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاء } وفي حكم الأسارى خلاف فذهب الأكثرون إلى ((أن الإمام بالخيار إن شاء قتلهم إن لم يسلموا لأنه صلى الله عليه وسلم قتل صبراً عقبة بن أبـي معيط وطعيمة بن عدي والنضر بن الحرث التي قالت فيه أخته أبياتاً منها تخاطب النبـي صلى الله عليه وسلم:شعر : ما كان ضرك لو مننت وربما من الفتى وهو المغيظ المحنق تفسير : ولأَن في قتلهم حسم مادة فسادهم بالكلية. وليس لواحد من الغزاة أن يقتل أسيراً بنفسه فإن فعل بلا ملجىء كخوف شر الأسير كان للإمام أن يعزره إذا وقع على خلاف مقصوده ولكن لا يضمن شيئاً، وإن شاء استرقهم لأن فيه دفع شرهم مع وفور المصلحة لأهل الإسلام، وإن شاء تركهم أحراراً ذمة للمسلمين كما فعل عمر رضي الله تعالى عنه ذلك في أهل السواد إلا أسارى مشركي العرب والمرتدين فإنهم لا تقبل منهم جزية ولا يجوز استرقاقهم بل الحكم فيهم إما الإسلام أو السيف، وإن أسلم الأسارى بعد الأسر لا يقتلهم لاندفاع شرهم بالإسلام، ولكن يجوز استرقاقهم فإن الإسلام لا ينافي الرق جزاء على الكفر الأصلي وقد وجد بعد انعقاد سبب الملك وهو الاستيلاء على الحربـي غير المشرك من العرب، بخلاف ما لو أسلموا من قبل الأخذ فإنهم يكونون أحراراً لأنه إسلام قبل انعقاد سبب الملك فيهم. ولا يفادى بالاسارى في إحدى الروايتين عن الإمام أبـي حنيفة رضي الله تعالى عنه لما في ذلك من معونة الكفرة لأنه يعود الأسير الكافر حرباً علينا، ودفع شر حرابته خير من استنقاذ المسلم لأنه إذا بقي في أيديهم كان ابتلاء في حقه فقط، والضرر بدفع أسيرهم إليهم يعود على جماعة المسلمين. والرواية الأخرى عنه أنه يفادى وهو قول محمد وأبـي يوسف والإمام الشافعي ومالك وأحمد إلا بالنساء فإنه لا يجوز المفاداة بهن عندهم، ومنع أحمد المفاداة بصبيانهم، وهذه رواية «السير الكبير»، قيل: وهو أظهر الروايتين عن الإمام أبـي حنيفة، وقال أبو يوسف: تجوز المفاداة بالأسارى قبل القسمة لا بعدها، وعند محمد تجوز بكل حال. ووجه ما ذكره الأئمة من جواز المفاداة أن تخليص المسلم أولى من قتل الكافر للانتفاع به ولأن حرمته عظيمة وما ذكر من الضرر الذي يعود إلينا بدفعه إليهم يدفعه ظاهراً المسلم الذي يتخلص منهم لأنه ضرر شخص واحد فيقوم بدفعه واحد مثله ظاهراً فيتكافئان وتبقى فضيلة تخليص المسلم وتمكينه من عبادة الله تعالى فإن فيها زيادة ترجيح. ثم إنه قد ثبت ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. أخرج مسلم وأبو داود والترمذي وعبد بن حميد وابن جرير حديث : عن عمران بن حصين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فدى رجلين من المسلمين برجل من المشركين تفسير : ويحتج لمحمد بما أخرجه مسلم أيضاً «حديث : عن إياس بن سلمة عن أبيه سلمة قال: خرجنا مع أبـي بكر رضي الله تعالى عنه أَمَّره علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أن قال فلقيني رسول الله صلى الله عليه وسلم من الغد في السوق فقال: يا سلمة هب لي المرأة يعني التي نَفَّلَه أبو بكر إياها ـ فقلت: يا رسول الله لقد أعجبتني وما كشفت لها ثوباً، ثم لقيني رسول الله صلى الله عليه وسلم من الغد في السوق فقال: يا سلمة هب لي المرأة لله أبوك فقلت: هي لك يا رسول الله فوالله ما كشفت لها ثوباً فبعث بها رسول الله صلى الله عليه وسلم ففدى بها ناساً من المسلمين أسروا بمكة»تفسير : . ولا يفادى بالأسير إذا أسلم وهو / بأيدينا لأنه لا يفيد إلا إذا طابت نفسه وهو مأمون على إسلامه فيجوز لأنه يفيد تخليص مسلم من غير إضرار بمسلم آخر. وأما المفاداة بمال فلا تجوز في المشهور من مذهب الحنفية لما بين في المفاداة بالمسلمين من ردهم حرباً علينا. وفي «السير الكبير» أنه لا بأس به إذا كان بالمسلمين حاجة، قيل: استدلالاً بأسارى بدر فإنه لا شك في احتياج المسلمين بل في شدة حاجتهم إذ ذاك فليكن محمل المفاداة الكائنة في بدر بالمال. وأما المن على الأسارى وهو أن يطلقهم إلى دار الحرب من غير شيء فلا يجوز عند أبـي حنيفة ومالك وأحمد، وأجازه الإمام الشافعي لأنه صلى الله عليه وسلم منَّ على جماعة من أسرى بدر منهم أبو العاص بن أبـي الربيع على ما ذكره ابن إسحٰق بسنده وأبو داود من طريقه إلى عائشة لما بعث أهل مكة في فداء أسراهم بعثت زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في فداء أبـي العاص بمال وبعثت فيه بقلادة كانت خديجة أدخلتها بها على أبـي العاص حين بنائه عليها فلما رأى النبـي صلى الله عليه وسلم ذلك رق لها رقة شديدة وقال لأصحابه: «حديث : إن رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها وتردوا عليها الذي لها»تفسير : ففعلوا ذلك مغتبطين به، ورواه الحاكم وصححه وزاد «وكان النبـي صلى الله عليه وسلم قد أخذ عليه أن يخلي زينب إليه ففعل» ومنَّ صلى الله عليه وسلم على ثمامة بن أثال بن النعمان الحنفي سيد أهل اليمامة ثم أسلم وحسن إسلامه، وحديثه في «صحيح مسلم» عن أبـي هريرة، ويكفي ما ثبت في «صحيح البخاري» من قوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : لو كان المطعم بن عدي حياً ثم كلمني في هؤلاء النتنى ـ يعني أسارى بدر ـ لتركتهم له»تفسير : فإنه صلى الله عليه وسلم أخبر وهو الصادق المصدوق بأنه يطلقهم لو سأله المطعم، والإطلاق على ذلك التقدير لا يثبت إلا وهو جائز شرعاً لمكان العصمة، وكونه لم يقع لعدم وقوع ما علق عليه لا ينفي جوازه شرعاً. واسْتَدَلَّ أيضاً بالآية التي نحن فيها فإن الله تعالى خير فيها بين المن والفداء)). والظاهر أن المراد بالمن الإطلاق مجاناً؛ وكون المراد المن عليهم بترك القتل وإبقاءهم مسترقين أو تخليتهم لقبول الجزية وكونهم من أهل الذمة خلاف الظاهر، وبعض النفوس يجد طعم الإلاء أحلى من هذا المن. وأجاب بعض الحنفية بأن الآية منسوخة بقوله تعالى: {أية : فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ } تفسير : [التوبة: 5] من سورة براءة فإنه يقتضي عدم جواز المن وكذا عدم جواز الفداء وهي آخر سورة نزلت في هذا الشأن، وزعم أن ما وقع من المن والفداء إنما كان في قضية بدر وهي سابقة عليها وإن كان شيء من ذلك بعد بدر فهو أيضاً قبل السورة. والقول بالنسخ جاء عن ابن عباس وقتادة والضحاك ومجاهد في روايات ذكرها الجلال السيوطي في «الدر المنثور». وقال العلامة ابن الهمام: قد يقال إن ذلك ـ يعني ما في سورة براءة ـ في حق غير الأسارى بدليل جواز الاسترقاق فيهم فيعلم أن القتل المأمور به في حق غيرهم، وما ذكره في جواز الاسترقاق ليس على إطلاقه إذ لا يجوز كما علمت استرقاق مشركي العرب. {حَتَّىٰ تَضَعَ ٱلْحَرْبُ أَوْزَارَهَا } أي آلاتها وأثقالها من السلاح وغيره، قال الأعشى:شعر : وأعددت للحرب أوزارها رماحاً طوالاً وخيلاً ذكورا ومن نسج داود موضونة تساق إلى الحرب عيراً فعيرا تفسير : وهي في الأصل الأحمال فاستعيرت لما ذكر استعارة تصريحية، ويجوز أن يكون في {ٱلْحَرْبُ } استعارة مكنية بأن تشبه بإنسان يحمل حملاً على رأسه أو ظهره ويثبت لها ما أثبت تخييلاً، وكلام «الكشاف» أميل / إليه، وقيل: هي أحمال المحارب أضيفت للحرب تجوزاً في النسبة الإضافية وتغليباً لها على الكراع، وإسناد الوضع للحرب مجازي أيضاً وليس بذاك. وعد بعض الأماثل الكلام تمثيلاً. والمراد حتى تنقضي الحرب وقال: يجوز أن يكون إرادة ذلك من باب المجاز المتفرع على الكناية كما في قوله:شعر : فألقت عصاها واستقر بها النوى تفسير : فإنه كنى به عن انقضاء السفر والإقامة. وقيل: الأوزار جمع وزر بمعنى إثم وهو هنا الشرك والمعاصي، {وَتَضَعُ } بمعنى تترك مجازاً، وإسناده للحرب مجاز أو بتقدير مضاف، والمعنى حتى يضع أهل الحرب شركهم ومعاصيهم، وفيه أنه لا يستحسن إضافة الأوزار بمعنى الآثام إلى الحرب. و {حَتَّىٰ } - عند الشافعي عليه الرحمة ومن قال نحو قوله - غاية للضرب، والمعنى اضربوا أعناقهم حتى تنقضي الحرب، وليس هذا بدلاً من الأول ولا تأكيداً له بناء على ما قرروه من أن حتى الداخلة على إذا الشرطية ابتدائية أو غاية للشد أو للمن والفداء معاً أو للمجموع من قوله تعالى: {فَضَرْبَ ٱلرّقَابِ } الخ بمعنى أن هذه الأحكام جارية فيهم حتى لا يكون حرب مع المشركين بزوال شوكتهم، وقيل: بنزول عيسى عليه السلام، وروي ذلك عن سعيد بن جبير والحسن، وفي الحديث ما يؤيده. أخرج أحمد والنسائي وغيرهما عن سلمة بن نفيل قال: بينما أنا جالس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ جاء رجل فقال: يا رسول الله إن الخيل قد سيبت ووضع السلاح وزعم أقوام أن لا قتال وأن قد وضعت الحرب أوزارها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : كذبوا فالآن جاء القتال ولا تزال طائفة من أمتي يقاتلون في سبيل الله لا يضرهم من خالفهم يزيغ الله تعالى قلوب قوم ليرزقهم منهم وتقاتلون حتى تقوم الساعة ولاتزال الخيل معقوداً في نواصيها الخير حتى تقوم الساعة ولا تضع الحرب أوزارها حتى يخرج يأجوج ومأجوج»تفسير : وهي عند من يقول: لا من ولا فداء اليوم غاية للمن والفداء إن حمل على الحرب على حرب بدر بجعل تعريفه للعهد، والمعنى المن عليهم ويفادون حتى تضع حرب بدر أوزارها، وغاية للضرب والشد إن حملت على الجنس، والمعنى أنهم يقتلون ويؤسرون حتى تضع جنس الحرب أوزارها بأن لا يبقى للمشركين شوكة، ولا تجعل غاية للمن والفداء مع إرادة الجنس. وفي زعم جوازه والتزام النسخ كلام فتأمل. {ذٰلِكَ } أي الأمر ذلك أو افعلوا ذلك فهو في محل رفع خبر مبتدأ محذوف أو في محل نصب مفعول لفعل كذلك، والإشارة إلى ما دل عليه قوله تعالى: {فَضَرْبَ ٱلرّقَابِ } الخ لا إلى ما تقدم من أول السورة إلى هٰهنا لأن افعلوا لا يقع على جميع السالف وعلى الرفع ينفك النظم الجليل إن لم يحمل عليه لأن ما بعد كلام فيهم {وَلَوْ يَشَاء اللَّهُ لاَنْتَصَرَ مِنْهُمْ } لانتقم منهم ببعض أسباب الهلاك من خسف أو رجفة أو غرق أو موت جارف {وَلَـٰكِن لّيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ } ولكن أمركم سبحانه بالقتال ليبلو المؤمنين بالكافرين بأن يجاهدوهم فينالوا الثواب ويخلد في صحف الدهر ما لهم من الفضل الجسيم والكافرين بالمؤمنين بأن يعاجلهم عز وجل ببعض انتقامه سبحانه فيتعظ به بعض منهم ويكون سبباً لإسلامه. واللام متعلق بالفعل المقدر الذي ذكرناه. {وَٱلَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ } أي استشهدوا. وقرأ الجمهور {قَاتَلُواْ } أي جاهدوا، والجحدري بخلاف عنه {قتلوا} بفتح القاف والتاء بلا ألف، وزيد بن ثابت والحسن وأبو رجاء وعيسى والجحدري أيضاً {قتلوا} بالبناء للمفعول وشد التاء. / {فَلَن يُضِلَّ أَعْمَـٰلَهُمْ } فلن يضيعها سبحانه، وقرأ علي كرم الله تعالى وجهه {يضل } مبنياً للمفعول {أعمالهم} بالرفع على النيابة عن الفاعل. وقرىء {يضل} بفتح الياء من ضل {أعمالهم} بالرفع على الفاعلية. والآية قال قتادة: كما أخرجه عنه ابن جرير وابن أبـي حاتم ذكرنا لنا أنها نزلت في يوم أحد ورسول الله صلى الله عليه وسلم في الشعب وقد فشت فيهم الجراحات والقتل وقد نادى المشركون يومئذ اعل هبل ونادى المسلمون الله أعلى وأجل فنادى المشركون يوم بيوم بدر وإن الحرب سجال لنا عزى ولا عزى لكم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : الله مولانا ولا مولى لكم إن القتلى مختلفة أما قتلانا فأحياء مرزوقون وأما قتلاكم ففي النار يعذبون»تفسير : ومنه يعلم وجه قراءة {قَـٰتِلُواْ } بصيغة التفعيل.
ابن عاشور
تفسير : {فَإِذَا لَقِيتُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَضَرْبَ ٱلرِّقَابِ حَتَّىٰ إِذَآ أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّواْ ٱلْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَآءً حَتَّىٰ تَضَعَ الحربُ أَوزارها}. لا شك أن هذه الآية نزلت بعد وقعة بدر لأن فيها قوله: {حتى إذا أثخنتموهم فشُدُّوا الوثاق}. وهو الحكم الذي نزل فيه العقاب على ما وقع يوم بدر من فداء الأسرى التي في قوله تعالى: {أية : ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يُثْخِن في الأرض}تفسير : [الأنفال: 67] الآية إذ لم يكن حكم ذلك مقرراً يومئذٍ، وتقدم في سورة الأنفال. والفاء لتفريع هذا الكلام على ما قبله من إثارة نفوس المسلمين بتشنيع حال المشركين وظهور خيبة أعمالهم وتنويه حال المسلمين وتوفيق آرائهم. والمقصود: تهوين شأنهم في قلوب المسلمين وإغراؤهم بقطع دابرهم ليكون الدين كله لله، لأن ذلك أعظم من منافع فداء أسراهم بالمال ليعبد المسلمون ربهم آمنين. وذلك ناظر إلى آية سورة الأنفال وإلى ما يفيده التّعليل من قوله: {حتى تضع الحرب أوزارها}. و (إذ) ظرف للمستقبل مضمنة معنى الشرط، وذلك غالب استعمالها وجواب الشرط قوله: {فضَرْب الرقاب}. واللقاء في قوله: {فإذا لقِيتم الذين كفروا}: المقابلة، وهو إطلاق شهير للقاء، يقال: يوم اللقاء، فلا يفهم منه إلا لقاء الحرب، ويقال: إن لقيت فلاناً لقيت منه أسداً، وقال النابغة:شعر : تجنب بني حُنّ فإن لقاءهم كريهٌ وإن لم تلْق إلا بصائر تفسير : فليس المعنى: إذا لقيتم الكافرين في الطريق، أو نحو ذلك وبذلك لا يحتاج لذكر مخصص لفعل {لقيتم}. والمعنى: فإذا قاتلتم المشركين في المستقبل فأمعنوا في قتلهم حتى إذا رأيتم أن قد خضّدتم شوكتهم، فآسروا منهم أسرى. وضرب الرقاب: كناية مشهورة يعبر بها عن القتل سواء كان بالضرب أم بالطعن في القلوب بالرماح أو بالرمي بالسهام، وأوثرت على كلمة القتل لأن في استعمال الكناية بلاغة ولأن في خصوص هذا اللفظ غلظة وشدة تناسبان مقام التحريض. والضرب هنا بمعنى: القطع بالسيف، وهو أحد أحوال القتال عندهم لأنّه أدل على شجاعة المحارب لكونه مواجِهَ عدوه وجهاً لوجه. والمعنى: فاقتلوهم سواء كان القتَل بضرب السيف، أو طعن الرّماح، أو رشق النبال، لأن الغاية من ذلك هو الإثخان. والذين كفروا: هم المشركون لأنّ اصطلاح القرآن من تصاريف مادة الكفر، نحو: الكافرين، والكفار، والذين كفروا، هو الشرك. و {حتى} ابتدائية. ومعنى الغاية معها يؤول إلى معنى التفريع. والإثخان: الغلبة لأنها تترك المغلوب كالشيء المثخن وهو الثقيل الصُلب الذي لا يخف للحركة ويوصف به المائع الذي جمد أو قارب الجمود بحيث لا يسيل بسهولة، ووصف به الثوب والحبل إذا كثرت طاقاتهما بحيث يعسر تفككها. وغلب إطلاقه على التوهين بالقتل، وكلا المعنيين في هذه الآية، فإذا فسر بالغلبة كان المعنى حتى إذا غلبتم منهم من وقعوا في قبضتكم أسرى فشدوا وثاقهم وعليه فجواز المنّ والفداءِ غيرُ مقيّد. وإذا فسّر الإثخان بكثرة القتل فيهم كان المعنى حتى إذا لم يبق من الجيش إلا القليل فأسروا حينئذٍ، أي أبقوا الأسرى، وكلا الاحتمالين لا يخلو من تأويل في نظم الآية إلا أن الاحتمال الأول أظهر. وتقدم بيانه في سورة الأنفال في قوله: {حتى يُثخن في الأرض}. وانتصب {ضرب الرقاب} على المفعولية المطلقة على أنه بدل من فِعله ثم أضيف إلى مفعوله، والتقدير: فاضربوا الرقاب ضرباً، فلما حذف الفعل اختصاراً قدم المفعول المطلق على المفعول به وناب مناب الفعل في العمل في ذلك المفعول وأضيف إلى المفعول إضافة الأسماء إلى الأسماء لأن المصدر راجح في الاسمية. والشَدّ: قوة الربط، وقوة الإمساك. والوثاق بفتح الواو: الشيء الذي يوثق به، ويجوز فيه كسر الواو ولم يقرأ به. وهو هنا كناية عن الأسر لأن الأسر يستلزم الوضع في القيد يشد به الأسير. والمعنى: فاقتلوهم، فإن أثخنتم منهم فأسروا منهم. وتعريف {الرقاب} و {الوثاق} يجوز أن يكون للعهد الذهني، ويجوز أن يكون عوضاً عن المضاف إليه، أي فضربَ رقابِهم وشُدُّوا وثاقهم. والمنُّ: الإنعام. والمراد به: إطلاق الأسير واسترقاقه فإن الاسترقاق منٌّ عليه إذ لم يُقتل، والفداء: بكسر الفاء ممدوداً تخليص الأسير من الأسر بعوض من مال أو مبادلة بأسرى من المسلمين في يدي العدّو. وقدم المن على الفداء ترجيحاً له لأنه أعون على امتلاك ضمير الممنون عليه ليستعمل بذلك بغضه. وانتصب {منّا} و {فداء} على المفعولية المطلقة بدلاً من عامليهما، والتقدير: إما تمّنون وإما تُفدون. وقوله {بعْدُ} أي بعد الإثخان وهذا تقييد لإباحة المنّ والفداء. وذلك موكول إلى نظر أمير الجيش بحسب ما يراه من المصلحة في أحد الأمرين كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم بعد غزوة هوازن. وهذا هو ظاهر الآية والأصل عدم النسخ، وهذا رأي جمهور أيمة الفقه وأهل النظر. فقوله: {الذين كفروا} عام في كل كافر، أي مشرك يشمل الرجال وهم المعروف حَربهم ويشمل من حارَب معهم من النساء والصبيان والرهبان والأحبار. وهذه الآية لتحديد أحوال القتال وما بعده، لا لبيان وقت القتال ولا لبيان من هم الكافرون، لأن أوقات القتال مبينة في سورة براءة. ومعرفة الكافرين معلومة من اصطلاح القرآن بقوله: {أية : فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم}تفسير : [التوبة: 5]. ثم يظهر أن هذه الآية نزلت بعد آية {أية : ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض} تفسير : في سورة الأنفال (67). واختلف العلماء في حكم هذه الآية في القتل والمن والفداء والذي ذهب إليه مالك والشافعي والثوري والأوزاعي وهو أحدُ قولين عن أبي حنيفة رواه الطحاوي، ومِن السلف عبدُ الله بن عمر، وعطاءُ، وسعيدُ بن جبير: أن هذه الآية غير منسوخة، وأنها تقتضي التخيير في أسرى المشركين بين القتل أو المن أو الفداء، وأمير الجيش مخيّر في ذلك. ويشبه أن يكون أصحاب هذا القول يرون أن مورد الآية الإذنُ في المنّ أو الفداء فهي ناسخة أو مُنهية لحكم قوله تعالى: {أية : ما كانَ لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض}تفسير : إلى قوله: {أية : لمسَّكُم فيما أخذتم عذاب عظيم} تفسير : في سورة الأنفال (67، 68). وهذا أولى من جعلها ناسخة لقوله تعالى: فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم} لما علمت من أن مورد تلك هو تعيين أوقات المتاركة، وأوقات المحاربة، فلذلك لم يقل هؤلاء بحَظْر قتل الأسير في حين أن التخيير هنا وارد بين المنّ والفداء، ولم يذكر معهما القتل. وقد ثبت في «الصحيح» ثبوتاً مستفيضاً أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قَتل من أسرى بدر النضر بنَ الحارث وذلك قبل نزول هذه الآية، وعقبة بن أبي معيط وقتل أسرى قريظة الذين نزلوا على حكم سعد ابن معاذ، وقتل هلال بن خطل ومقيس بن حبابة يوم فتح مكة، وقتل بعد أحد أبا عزّة الجمعي الشاعر وذلك كله لا يعارض هذه الآية لأنها جعلت التخيير لولي الأمر. وأيضاً لم يذكر في هذه الآية جواز الاسترقاق، وهو الأصل في الأسرى، وهو يدخل في المنّ إذا اعتبر المن شاملاً لترك القتل، ولأن مقابلة المن بالفداء تقتضي أن الاسترقاق مشروع. وقد روى ابن القاسم وابن وهب عن مالك: أنَّ المنّ من العتق. وقال الحسن وعطاء: التخيير بين المنّ والفداء فقط دون قتل الأسير، فقتل الأسير يكون محظوراً. وظاهر هذه الآية يعضد ما ذهب إليه الحسن وعطاء. وذهب فريق من أهل العلم إلى أن هذه الآية منسوخة وأنه لا يجوز في الأسير المشرك إلا القتل بقوله تعالى: {أية : فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم}تفسير : [التوبة: 5]. وهذا قول مجاهد وقتادة والضحاك والسدّي وابن جريج، ورواه العَوفي عن ابن عباس وهو المشهور عن أبي حنيفة، وقال أبو يوسف ومحمد من أصحاب أبي حنيفة: لا بأس أن يُفادى أسرى المشركين الذين لم يسلموا بأسرى المسلمين الذين بيد المشركين. وروى الجصّاص أن النبي صلى الله عليه وسلم فدى أسيرين من المسلمين بأسير من المشركين في ثقيف. والغاية المستفادة من {حتى} في قوله: {حتى تضع الحرب أوزارها} للتعليل لا للتقييد، أي لأجل أن تضع الحرب أوزارها، أي ليكفّ المشركون عنها فتأمنوا من الحرب عليكم وليست غاية لحكم القتال. والمعنى يستمر هذا الحكم بهذا ليهِن العدوَّ فيتركوا حربكم، فلا مفهوم لهذه الغاية، فالتعليل متصل بقوله: {فضرب الرقاب} وما بينهما اعتراض. والتقدير: فضرب الرقاب، أي لا تتركوا القتل لأجل أن تضع الحرب أوزارها، فيكون وارداً مورد التعليم والموعظة، أي فلا تشتغلوا عند اللقاء لا بقتل الذين كفروا لتضع الحرب أوزارها فإذا غلبتموهم فاشتغلوا بالإبقاء على من تغلبونه بالأسر ليكون المنّ بعد ذلك أو الفداء. والأوزار: الأثقال، ووضع الأوزار تمثيل لانتهاء العمل فشبهت حالة انتهاء القتال بحالة وضع الحمّال أو المسافر أثقاله، وهذا من مبتكرات القرآن. وأخذ منه عبد ربه السُلمى، أو سُليم الحنفي قوله:شعر : فألقت عصاها واستقرّ بها النوَى كما قرّ عينا بالإياب المسافر تفسير : فشبه حالة المنتهي من كلفة بحالة السائر يلقي عصاه التي استصحبها في سيره. {ذَٰلِكَ وَلَوْ يَشَآءُ اللَّهُ لاَنْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَـٰكِن لِّيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ ببعض}. أعيد اسم الإشارة بعد قوله آنفاً: {أية : ذلك بأن الذين كفروا اتبعوا الباطل}تفسير : [محمد: 3] للنكتة التي تقدمت هنالك، وهو خبر لمبتدأ محذوف أو مبتدأ خبره محذوف. وتقدير المحذوف: الأمر ذلك، والمشار إليه ما تقدم من قوله: {فضرب الرقاب} إلى هنا، ويفيد اسم الإشارة تقرير الحكم ورسوخه في النفوس. والجملة من اسم الإشارة والمحذوف معترضة و{لو يشاء الله لانتصر منهم} في موضع الحال من الضمير المرفوع المقدر في المصدر من قوله: {فضَرْبَ الرقاب}، أي أمرتم بضرب رقابهم، والحال أن الله لو شاء لاستأصلهم ولم يكلفكم بقتالهم، ولكن الله ناط المسببات بأسبابها المعتادة وهي أن يبلو بعضكم ببعض. وتعدية (انتصر) بحرف (من) مع أن حقه أن يعدّى بحرف (على) لتضمينه معنى: انتقم. والاستدراك راجع إلى ما في معنى المشيئة من احتمال أن يكون الله ترك الانتقام منهم لسبب غير ما بعدَ الاستدراك. والبَلْوْ حقيقته: الاختبار والتجربة، وهو هنا مجاز في لازمه وهو ظهور ما أراده الله من رفع درجات المؤمنين ووقع بأسهم في قلوب أعدائهم ومن إهانة الكفار، وهو أن شأنهم بمرأى ومسمع من الناس. {وَٱلَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَلَن يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ وَيُدْخِلُهُمُ ٱلْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ} هذا من مظاهر بلوى بعضهم ببعض وهو مقابل ما في قوله: {فضرب الرقاب} إلى قوله: {وإما فداء}، فإن ذلك من مظاهر إهانة الذين كفروا فذُكر هنا ما هو من رفعة الذين قاتلوا في سبيل الله من المؤمنين بعناية الله بهم. وجملة {والذين قاتلوا في سبيل الله} الخ عطف على جملة {فإذا لَقِيتُمُ الذين كفروا فضرب الرقاب} الآية فإنه لما أمرهم بقتال المشركين أعقب الأمر بوعد الجزاء على فعله. وذكر {الذين قاتلوا في سبيل الله} إظهار في مقام الإضمار إذ كان مقتضى الظاهر أن يقال: فلن يُضل الله أعمالكم، وهكذا بأسلوب الخطاب، فعدل عن مقتضى الظاهر من الإضمار إلى الإظهار ليكون في تقديم المسند إليه على الخبر الفعلي إفادة تقوّي الخبر، وليكون ذريعة إلى الإتيان بالموصول للتنويه بصلته، وللإيماء إلى وجه بناء الخبر على الصلة بأن تلك الصلة هي علة ما ورد بعدها من الخبر. فجملة {فلن يضل أعمالهم} خبر عن الموصول، وقرنت بالفاء لإفادة السببية في ترتب ما بعد الفاء على صلة الموصول لأن الموصول كثيراً ما يشرب معنى الشرط فيقرن خبره بالفاء، وبذلك تكون صيغة الماضي في فعل {قاتلوا} منصرفة إلى الاستقبال لأن ذلك مقتضى الشرط. وجملة {سيهديهم} وما عطف عليها بيان لجملة {فلن يضل أعمالهم}. وتقدم الكلام آنفاً على معنى إضلال الأعمال وإصلاح البال. ومعنى {عَرَّفها لهم} أنه وصفها لهم في الدنيا فهم يعرفونها بصفاتها، فالجملة حال من الجنة، أو المعنى هداهم إلى طريقها في الآخرة فلا يترددون في أنهم داخلونها، وذلك من تعجيل الفرح بها. وقيل: {عرفها} جعل فيها عرْفاً، أي ريحاً طيباً، والتطييب من تمام حسن الضيافة. وقرأ الجمهور {قاتلوا} بصيغة المفاعلة، فهو وعد للمجاهدين أحيائهم وأمواتهم. وقرأه أبو عمرو وحفص عن عاصم {قُتِلوا} بالبناء للنائب، فعلى هذه القراءة يكون مضمون الآية جزاء الشهداء فهدايتهم وإصلاح بالهم كائنان في الآخرة.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {فَإِذَا لَقِيتُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَضَرْبَ ٱلرِّقَابِ حَتَّىٰ إِذَآ أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّواْ ٱلْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَآءً حَتَّىٰ تَضَعَ ٱلْحَرْبُ أَوْزَارَهَا}. قوله تعالى: فضرب الرقاب مصدر نائب عن فعله، وهو بمعنى فعل الأمر، ومعلوم أن صيغ الأمر في اللغة العربية أربع: وهي فعل الأمر كقوله تعالى:{أية : أَقِمِ ٱلصَّلاَةَ لِدُلُوكِ ٱلشَّمْسِ}تفسير : [الإسراء: 78] الآية. واسم فعل الأمر كقوله تعالى:{أية : عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ}تفسير : [المائدة: 105] الآية. والفعل المضارع المجزوم بلام الأمر كقوله تعالى: {أية : ثُمَّ لْيَقْضُواْ تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُواْ نُذُورَهُمْ}تفسير : [الحج: 29] الآية. والمصدر النائب عن فعله كقوله تعالى: {فَضَرْبَ ٱلرِّقَاب}، أي فاضربوا رقابهم، وقوله تعالى: {حَتَّىٰ إِذَآ أَثْخَنتُمُوهُم} أي أوجعتم فيهم قتلاً. فالإثخان هو الإكثار من قتل العدو حتى يضعف ويثقل عن النهوض. وقوله: فشدوا الوثاق، أي فأسروهم، والوثاق بالفتح والكسر اسم لما يؤسر به الأسير من قد ونحوه. وما تضمنته هذه الآية الكريمة، من الأمر بقتل الكفار حتى يثخنهم المسلمون، ثم بعد ذلك يأسرونهم جاء موضحاً في غير هذا الموضع، كقوله تعالى:{أية : مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَىٰ حَتَّىٰ يُثْخِنَ فِي ٱلأَرْض}تفسير : [الأنفال: 67]، الآية، وقد أمر تعالى بقتلهم في آيات أخر كقوله تعالى:{أية : فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُم}تفسير : [التوبة: 5] الآية. وقوله:{أية : فَٱضْرِبُواْ فَوْقَ ٱلأَعْنَاقِ وَٱضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ}تفسير : [الأنفال: 12]، وقوله تعالى:{أية : وَقَاتِلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً}تفسير : [التوبة: 36] الآية. وقوله:{أية : فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي ٱلْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِم مَّنْ خَلْفَهُمْ}تفسير : [الأنفال: 57] الآية، وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: {فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَآءً} أي فإما تمنون عليهم منا، أو تفادونهم فداء. ومعلوم أن المصدر إذا سيق لتفصيل وجب حذف عامله، كما قال في الخلاصة: شعر : وما لتفصيل كإما منا عامله يحذف حيث عنا تفسير : ومنه قول الشاعر: شعر : لأجهدن فإما درء واقعة تخشى وإما بلوغ السؤل والأمل تفسير : وقال بعض العلماء: هذه الآية منسوخة بالآيات التي ذكرنا قبلها وممن يروى عنه هذا القول، ابن عباس والسدي وقتادة والضحاك وابن جريج. وذكر ابن جرير عن أبي بكر رضي الله عنه ما يؤيده. ونسخ هذه الآية هو مذهب أبي حنيفة رحمه الله فإنه لا يجوز عنده المن ولا الفداء، لأن الآية المنسوخة عنده بل يخير عنده الإمام بين القتل والاسترقاق. ومعلوم أن آيات السيف النازلة في براءة نزلت بعد سورة القتال هذه. وأكثر أهل العلم يقولون: إن الآية ليست منسوخة، وإن جميع الآيات المذكورة، محكمة، فالإمام مخير وله أن يفعل ما رآه مصلحة للمسلمين من من وفداء وقتل واسترقاق. قالوا: قتل النبي صلى الله عليه وسلم عقبة بن أبي معيط، والنضر بن الحارث أسيرين يوم بدر، وأخذ فداء غيرهما من الأسارى. ومن على ثمامة بن أثال سيد بني حنيفة، وكان يسترق السبي من العرب وغيرهم. وقال الشوكاني في نيل الأوطار: والحاصل أنه قد ثبت في جنس أسارى الكفار جواز القتل والمن والفداء والاسترقاق، فمن ادعى أن بعض هذه الأمور تختص ببعض الكفار دون بعض لم يقبل منه ذلك إلا بدليل ناهض يخصص العمومات، والمجوز قائم فى مقام المنع، وقول علي وفعله عند بعض المانعين من استرقاق ذكور العرب حجة. وقد استرق بني ناجية ذكورهم وإناثهم وباعهم كما هو مشهور في كتب السير والتواريخ اهـ. محل الغرض منه. ومعلوم أن بني ناجية من العرب. قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: لم يختلف المسلمون في جواز الملك بالرق. ومعلوم أن سببه أسر المسلمين الكفار في الجهاد، والله تبارك وتعالى في كتابه يعبر عن الملك بالرق بعبارة هي أبلغ العبارات، في توكيد ثبوت ملك الرقيق، وهي ملك اليمين لأن ما ملكته يمين الإنسان، فهو مملوك له تماماً، وتحت تصرفه تماماً، كقوله تعالى: {أية : فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ}تفسير : [النساء: 3] وقوله:{أية : وَٱلَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلاَّ عَلَىٰ أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ}تفسير : [المؤمنون: 5-6] في سورة {أية : قَدْ أَفْلَحَ ٱلْمُؤْمِنُونَ}تفسير : [المؤمنون: 1] و {أية : سَأَلَ سَآئِلٌ}تفسير : [المعارج: 1] وقوله: {أية : وَٱلْمُحْصَنَاتُ مِنَ ٱلنِّسَآءِ إِلاَّ مَا مَلَكْتَ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ}تفسير : [النساء: 24] الآية. وقوله: {أية : وَٱلَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ}تفسير : [النور: 33] الآية. وقوله:{أية : وَٱلْجَارِ ذِي ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْجَارِ ٱلْجُنُبِ وَٱلصَّاحِبِ بِٱلجَنْبِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم}تفسير : [النساء: 36]. وقوله:{أية : لاَّ يَحِلُّ لَكَ ٱلنِّسَآءُ مِن بَعْدُ وَلاَ أَن تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلاَّ مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ}تفسير : [الأحزاب: 52] الآية. وقوله:{أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ إِنَّآ أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ ٱللاَّتِيۤ آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَيْكَ}تفسير : [الأحزاب: 50] الآية. وقوله: {أية : أَوْ نِسَآئِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ}تفسير : [النور: 31]. وقوله:{أية : وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً أَن يَنكِحَ ٱلْمُحْصَنَاتِ ٱلْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن فَتَيَاتِكُمُ ٱلْمُؤْمِنَاتِ}تفسير : [النساء: 25] وقوله:{أية : فَمَا ٱلَّذِينَ فُضِّلُواْ بِرَآدِّي رِزْقِهِمْ عَلَىٰ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُم}تفسير : [النحل: 71]. وقوله {أية : هَلْ لَّكُمْ مِّن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِّن شُرَكَآءَ}تفسير : [الروم: 28] الآية، فالمراد بملك اليمين في جميع هذه الآيات كلها الملك بالرق، والأحاديث والآيات بمثل ذلك يتعذر حصرها، وهي معلومة، فلا ينكر الرق في الإسلام، إلا مكابر أو ملحد أو من لا يؤمن بكتاب الله، ولا بسنة رسوله. وقد قدمنا حكمة الملك بالرق وإزالة الإشكال في ملك الرقيق المسلم في سورة بني إسرائيل في الكلام على قوله تعالى:{أية : إِنَّ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَم}تفسير : [الإسراء: 9]. ومن المعلوم أن كثيراً من أجلاء علماء المسلمين ومحدثيهم الكبار كانوا أرقاء مملوكين، أو أبناء أرقاء مملوكين. فهذا محمد بن سيرين كان أبوه سيرين عبداً لأنس بن مالك. وهذا مكحول كان عبداً لامرأة من هذيل فأعتقته. ومثل هذا أكثر من أن يحصى كما هو معلوم. واعلم أن ما يدعيه بعض من المتعصبين، لنفي الرق في الإسلام من أن آية القتال هذه دلت على نفي الرق من أصله، لأنها أوجبت واحداً من أمرين لا ثالث لهما، وهما المن والفداء فقط فهو استدلال ساقط من وجهين: أحدهما أن فيه استدلالاً بالآية، على شيء لم يدخل فيها، ولم تتناوله أصلا، والاستدلال إن كان كذلك فسقوطه كما ترى. وإيضاح ذلك أن هذه الآية التي فيها تقسيم حكم الأسارى، إلى من وفداء، لم تتناول قطعاً إلا الرجال المقاتلين من الكفار لأن قوله {فَضَرْبَ ٱلرِّقَابِ}، وقوله: {حَتَّىٰ إِذَآ أَثْخَنتُمُوهُمْ}. صريح في ذلك كما ترى. وعلى إثخان هؤلاء المقاتلينَ رتب بالفاء قوله: {فَشُدُّواْ ٱلْوَثَاق}الآية. فظهر أن الآية لم تتناول أنثى ولا صغيراً ألبتة. ويزيد ذلك إيضاحاً أن النهي عن قتل نساء الكفار وصبيانهم ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم، وأكثر أهل الرق في أقطار الدنيا إنما هو من النساء والصبيان. ولو كان الذي يدعي نفي الرق من أصله يعترف بأن الآية، لا يمكن أن يستدل بها على شيء غير الرجال المقاتلين، لقصر نفي الرق الذي زعمه على الرجال الذين أسروا، في حال كونهم مقاتلين، ولو قصره على هؤلاء، لم يمكنه أن يقول بنفي الرق من أًصله كما ترى. الوجه الثاني: هو ما قدمنا من الأدلة على ثبوت الرق في الإسلام. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: {حَتَّىٰ تَضَعَ ٱلْحَرْبُ أَوْزَارَهَا} أي إذا لقيتم الكفار فاضربوا أعناقهم {حَتَّىٰ إِذَآ أَثْخَنتُمُوهُمْ} قتلاً فأسروهم {حَتَّىٰ تَضَعَ ٱلْحَرْبُ أَوْزَارَهَا} أي حتى تنتهي الحرب. وأظهر الأقوال في معنى وضع الحرب أوزارها أنه وضع السلاح، والعرب تسمي السلاح وزراً، وتطلق العرب الأوزار على آلات الحرب وما يساعد فيها كالخيل، ومنه قول الأعشى: شعر : وأعددت للحرب أوزارها رماحاً طوالاً وخيلاً ذكورا تفسير : وفي معنى أوزار الحرب، أقوال أخر معروفة تركناها، لأن هذا أظهرها عندنا. والعلم عند الله تعالى.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 4، 5، 6- فإذا لقيتم الذين كفروا فى الحرب فاضربوا رقابهم، حتى إذا أضعفتموهم بكثرة القتل فيهم فاحكموا قيد الأسارى، فإما أن تمنوا بعد انتهاء المعركة مناً بإطلاقهم دون عوض، وإمَّا أن تفدوهم بالمال أو بالأسرى من المسلمين فتلقوهم بالعوض. وليكن هذا شأنكم مع الكافرين، حتى تضع الحرب أثقالها وينتهى، فهذا حكم الله فيهم، ولو شاء الله لانتصر منهم بغير قتال، وليختبر المؤمنين بالكافرين شرع الجهاد، والذين قتلوا فى سبيل الله فلن يُبطل أعمالهم، سيهديهم ويصلح قلوبهم، ويدخلهم الجنة عرَّفها لهم. 7- يا أيها الذين آمنوا: إن تنصروا دين الله ينصركم على عدوكم، ويوطد أمركم. 8- والذين كفروا فأشقاهم الله وأبطل أعمالهم. 9- أَمْرُهم ذلك بسبب أنهم كرهوا ما أنزل الله من القرآن والتكاليف، فأبطل أعمالهم. &
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: فإذا لقيتم الذين كفروا: أي إذا كان الأمر كما ذُكر فإِذا لقيتم الذين كفروا في ساحة المعركة فاضربوا رقابهم ضرباً شديداً تفصلون فيه الرقاب عن الأبدان. حتى إذا أثخنتموهم: أي أكثرتم فيهم القتل ولم يصبح لهم أمل في الانتصار عليكم. فشدوا الوثاق: أي فأسروهم بدل قتلهم وشدوا الوثاق أي ما يوثق به الأسير من إسار قِدّاً كان أو حبلا حتى لا يتفلتوا ويهربوا. فإِما مناً بعد وإما فداء: أي بعد أسركم لهم وشد وثاقهم فإِما أن تمنوا منّا أي تفكوهم من الأسر مجاناً، وإما تفادونهم بمال أو أسير مسلم، وهذا بعد نهاية المعركة. حتى تضع الحرب أوزارها: أي واصلوا القتال والأخذ والأسر إلى أن تضع الحرب أوزارها وهي آلاتها وذلك عند إسلام الكفار أو دخولهم في عهدكم فهذه غاية انتهاء الحرب حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله. ذلك: أي الأمر ذلك الذي علمتم من استمرار القتال إلى غاية إسلام الكفار أو دخولهم في عهدكم وذمتكم. ولو يشاء الله لانتصر منهم: أي بغير قتال منكم كأن يخسف بهم الأرض أو يصيبهم بوباء ونحوه. ولكن ليبلو بعضكم ببعض: ولكن أمركم بالقتال وشرعه لكم لحكمة هي أن يبلو بعضكم ببعض أي يختبركم من يقاتل منكم ومن لا يقاتل، والمؤمن يُقتل فيدخل الجنة والكافر يُقتل فيدخل النار. والذين قتلوا في سبيل الله: أي قتلهم العدو، وقرىء قاتلوا في سبيل الله. فلن يضل أعمالهم: أي لا يحبطها ولا يبطلها. سيهديهم ويصلح بالهم: أي سيوفقهم إلى ما فيه خيرهم وسعادتهم ويصلح شأنهم. ويدخلهم الجنة عرفها لهم: أي ويدخلهم يوم القيامة الجنة بينها لهم فعرفوها بما وصفها لهم في كتابه وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم. إن تنصروا الله: أي في دينه ورسوله وعباده المؤمنين. ينصركم ويثبت أقدامكم: أي على عدوكم ويثبت أقدامكم في المعارك. والذين كفروا فتعساً لهم: أي تعسوا تعسا أي هلاكا وخيبة لهم. وأضل أعمالهم: أي أحبطها وأبطلها فلم يحصلوا بها على طائل. ذلك: أي الضلال والتعس. بأنهم كرهوا ما أنزل الله: أي من القرآن المشتمل على أنواع الهدايات والاصلاحات. فأحبط أعمالهم: أي أبطلها وأضلها فلا ينتفعون بها لا في الدنيا ولا في الآخرة. معنى الآيات: لقد تقدم أن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله قد أضل أعمالهم وذلك لكفرهم وصدهم عن سبيل الله إذا كان الأمر كذلك فليقاتلوا لانهاء كل من المفسدتين كفرهم وصدهم غيرهم عن الإِسلام وهذا ما دل عليه قوله تعالى فإِذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب أي فاضربوا رقابهم ضربا يفصل الرأس عن الجسد وواصلوا قتالهم حتى إذا أثخنتموهم أي أكثرتم فيهم القتل، فشدوا الوثاق أي احكموا ربط الأسرى بوضع الوثاق وهو الحبل في أيديهم وأرجلهم حتى لا يتمكنوا من قتلكم ولا الهرب منكم وبعد ذلك أنتم وما يراه إمامكم من المصلحة العليا فإِن رأى المن فمنوا عليهم مجانا بلا مقابل، وإما تفادونهم فداء بمال، أو برجال، وستظل تلك حالكم قتل وأخذ وأسر ثم من وعفو مجاني، أو فداء بعوض ومقابل إلى أن تضع الحرب أوزارها أي أثقالها من عُدد وعتاد حربي، وذلك لوصولكم إلى الغاية من الحرب وهي أن يسلم الكافر، أو يدخل في ذمة المسلمين، وهو معنى قوله تعالى في سورة البقرة {أية : وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ ٱلدِّينُ للَّهِ}تفسير : [الآية: 193]. وقوله تعالى {ذَلِكَ} أي الأمر الذي علمتم من استمرار القتل والأسر إلى أن تضع الحرب أوزارها بالدخول في الإسلام أو في ذمة المسلمين وقوله ولو شاء الله لانتصر منهم أي بدون قتالٍ منكم ولكن بخسف أو وباء أو صواعق من السماء ولكن لم يفعل ذلك من أجل أن يَبْلُوَ بعضكم ببعض أي ليختبركم بهم. فيعلم المجاهدين منكم والصابرين، ويبلوهم بكم فيعاقب من شاء منهم بأيديكم، ويتوب على من يشاء منهم كذلك. إذ انتصاركم عليهم ووقوعهم تحت سلطانكم يساعدهم على التوبة إلى الله والرجوع إلى الحق فيسلموا فيفلحوا بالنجاة من النار ودخلو الجنة، وقوله تعالى (والذين قاتلوا في سبيل الله) وفي قراءة والذين قُتلوا في سبيل الله وهذه عامة في شهداء أُحد وغيرهم وإن نزلت الآية فيهم فإِن الله تعالى يخبر عن إنعامه عليهم بقوله فلن يضل أعمالهم سيهديهم في الدنيا ويوفقهم إلى كل خير ويصلح شأنهم، ويدخلهم في الآخرة الجنة عرفها لهم أي بينها لهم في كتابه ولسان رسوله وطيّبها لهم أيضا، وفي الآخرة يهديهم إلى منازلهم في الجنة كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم "حديث : فوالذي نفس محمد بيده لأحدهم أهدى بمنزله في الجنة من منزله الذي كان في الدنيا"تفسير : "البخاري"، وقوله تعالى {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِن تَنصُرُواْ ٱللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ} أي يا من آمنتم بالله ربا وبالإِسلام دينا وبمحمد رسولا إن تنصروا الله بنصر دينه ونبيّه وأوليائه بقتال أعدائه ينصركم الله ويجعل الغلبة لكم، ويثبت أقدامكم في كل معترك لقيتم فيه المشركين والكافرين. وهذا وعد من الله تعالى كم أنجزه لعباده المؤمنين في تاريخ الجهاد في سبيل الله، وقوله تعالى والذين كفروا فتعساً لهم أي تعسوا تعسا وهلكوا هلاكا وخابوا وخسروا، وأضل أعمالهم فلم يعثروا عليها ولم يروا لها أدنى فائدة ذلك الجزاء وتلك العقوبة بأنهم أي بسبب أنهم كرهوا ما أنزل الله أي من القرآن من آيات التوحيد والشرائع والأحكام فأحبط أي لذلك أعمالهم فخسروا في الحياتين. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- وجوب الجهاد على أمة الإِسلام ومواصلته كما بيّن تعالى في هذه الآيات إلى أن لا يبقى كافر يحارب بأن يدخلوا في الإِسلام أو يعاهدوا ويدخلوا في ذمة المسلمين ويقبلوا على إصلاح أنفسهم وإعدادها للخير والفلاح. 2- إمام المسلمين مخير في الأسرى بين المنّ والفداء، والقتل أيضاً لأدلة من السنة. 3- بشرى المجاهدين في سبيل الله بإكرام الله لهم وإنعامه عليهم في الدنيا والآخرة. 4- يظفر بالنصر الحقيقي من نصر الله تعالى في دينه وأوليائه. 5- إنذار الكافرين بالتعاسة والشقاء في الدنيا والآخرة.
د. أسعد حومد
تفسير : {لِّيَبْلُوَاْ} {أَعْمَالَهُمْ} (4) - يُرشِدُ اللهُ تَعَالى المُؤْمِنينَ إلى وُجُوب قِتَالِ المُشْرِكِينَ الذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللهِ، وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبيلهِ حَتَّى يَنْخَذِلَ الشِّرْكُ وَأهْلُهُ، وَيُبَيِّنُ لَهُمُ الأَسْلُوبَ الذِي يَعْتَمِدُونَهُ في قِتَالِهِمْ فَيَقُولُ تَعَالى: إذا لَقِيتُمُ المُشْرِكِين في سَاحَةِ الحَرب فَاحْصُدُوهُم حَصْداً بالسيُّوفِ، حَتَّى إذا تَمَّتْ لَكُمُ الغَلَبَةُ عَلَيهِم، وَقَهَرْتُم مَنْ تَبَقَّى مَنْهُمْ حَيّاً، وَصَارُوا أسْرى في أيدِيكم، شُدُّوا وِثَاقَهُمُ لِكَيلاَ يَعْمَدُوا إِلى الهَرَبِ، أوِ العَوْدةِ إِلى القِتَالِ، وَبَعْدَ انتِهَاءِ الحَرْبِ فَأنْتُم بالخِيارِ بَيْنَ المَنِّ عَلَيهِم وإِطْلاقِ سَرَاحِهِمْ بِدُونِ فِدَاء، وَبَيَنُ مُفَادَاتِهِمْ. وَقَدْ تَكُونُ المُفَادَاةُ بِمالٍ يُؤْخَذُ مِنْهُمْ لإِضْعَافِ شَوْكَتِهْم، وَقَدْ تَكُونُ بأسْرى مِنَ المُسْلِمينَ. وهذهِ هيَ السُّنَّةُ في قِتَالِ المُشْرِكِينَ والكُفَّارِ حَتَى تَنْتَهِيَ الحَرْبُ وَتَضَعَ أوْزَارَها. وَلَوْ شَاءَ اللهُ أَنْ يَنْتَقِمَ منهُمْ بِعُقُوبةٍ عَاجِلَةٍ لَفَعَلَ، وَلَكَفَاكُمْ أَمْرَهُمْ، وَلكِنَّهُ شَرَعَ الجِهَادَ، وَقتَالَ الأعداءِ، لِيَخْتَبِرَ المُؤمِنينَ وَصَبْرَهُمْ عَلَى القِتَالِ، وَيخْتَبِرَ المُشرِكِينَ، فَيُعَاقِبَ مَنْ شَاءَ مِنْهُمْ بأيدِي المُؤْمِنينَ، وَيَتَّعِظَ مِنْهُمْ مَنْ شَاءَ وَيَرْجِعَ إِلى الحَقِّ. واللهُ يَجْزِي الشَّهَداءَ الذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِهِ تَعَالى، وَيَتَجَاوزُ عَنْ سَيَّئَاتِهِمْ، وَيُثَمِّرُ لَهُمْ أعْمالَهُمْ وَيُنَمِّيها لَهُمْ. فَضَرْبَ الرِّقاب - فَاضرِبُوا الرِّقابَ ضَرْباً. أثْخَنْتُمُوهُمْ - أوْسَعْتُمُوهُمْ قَتْلاً وَجَرْحاً وَأسْراً. شُدُّوا الوَثَاقَ - أحْكِمُوا وَثَاقَ الأسْرَى. حَتَّى تَضَعَ الحَربُ أوْزَارَها - حَتّى تَنْتَهِيَ الحَرْبُ. مَنّاً - إطلاقَ سَراحِ الأسْرى بِغَيْرِ فِداءٍ. فِدَاءً - أوْ إطلاقَ سََرَاحِهِمْ مَعَ المُفَاداةِ بِمَالٍ أوْ بِأسْرى مِنَ المُسْلِمينَ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : قوله تعالى: {فَإِذَا لَقِيتُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ..} [محمد: 4] أي: في ساحة القتال، ودارتْ بينكما رحَى الحرب {فَضَرْبَ ٱلرِّقَابِ ..} [محمد: 4] المصدر ضرب بمعنى: اضربوا رقابهم. والمراد: القتل سواء بضرب الرقاب أو غيره، لكن ذكر ضرب الرقاب لأنه الآكد في القتل {حَتَّىٰ إِذَآ أَثْخَنتُمُوهُمْ ..} [محمد: 4] يعني: أذهبتم حركتهم وأضعفتموهم عن المقاومة، ومادة ثخن هي نفسها تخن، أي: تماسك وصار ثقيلاً لا يتحرك. نفهم هذا المعنى حينما نتأمل مثلاً ربة البيت وهي تطبح أرزاً باللبن أو بصارة أو تغلي العسل لتصنع منه المربى، فمع الغليان يتبخر الماء وتبقى مادة تخينة ثقيلة، لذلك لا تتحرك مع الغليان، وتكون حرارتها شديدة، نقول: ثخن الشيء أو تخن. {فَشُدُّواْ ٱلْوَثَاقَ ..} [محمد: 4] يعني: قيّدوهم واربطوهم بالسلاسل والحبال، وأحكموا قيدهم ليكونوا أسرى في أيديكم ولا يفروا. وهذا يعني أنك إذا تمكنتَ منه لا تتركه {فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَآءً ..} [محمد: 4]. إما أنْ تُطلقوهم وتُسرحوهم (مناً) بلا مقابل أو (فداءً) أي: تأخذون منهم الفدية. لكن متى؟ تطلقون سراحهم بلا مقابل في حالة ما إذا تركوا أسرانا عندهم بلا مقابل، وتأخذون الفدية إذا طلبوا هم أخْذ فدية لأسرانا عندهم. وهذه يسمونها المعاملة بالمثل، وهي ما انتهتْ إليه الأمم المتحدة الآن في مثل هذا الموقف. وقوله سبحانه: {حَتَّىٰ تَضَعَ ٱلْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ..} [محمد: 4] الحرب هنا مجاز عن أصحابها وأهلها المشتركين فيها، فالمعنى: افعلوا ذلك حتى تقف رَحَى الحرب، ومعنى {أَوْزَارَهَا ..} [محمد: 4] أي: يضعوا أثقال الحرب، فالحرب ثِقَل على أهلها ومشقة. لذلك قال الله فيها: {أية : كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ ..}تفسير : [البقرة: 216] نعم فأنت في الحرب مُعرَّض لأنْ تفقد مالك، ولأنْ تفقد أهلك، ولأن تفقد حياتك كلها إلى جانب ما فيها من متاعب ومشاق الكَرِّ والفَرِّ والضَّرْب والجَرْح .. إلخ. {وَلَوْ يَشَآءُ اللَّهُ لاَنْتَصَرَ مِنْهُمْ ..} [محمد: 4] غلبهم وانتقم منهم بقدرته ودون قتال منكم، فهذا أمر هيِّن على الله، كما وقع للأمم السابقة أهلكهم الله بعذاب من عنده وببأسه الذي لا يُردُّ عن القوم الكافرين، فهذه ليستْ عجيبة، بل واقع يشهد به التاريخ. واقرأ: {أية : فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنبِهِ فَمِنْهُم مَّن أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِباً وَمِنْهُمْ مَّنْ أَخَذَتْهُ ٱلصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ ٱلأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَّنْ أَغْرَقْنَا ..}تفسير : [العنكبوت: 40]. إذن: لماذا شُرع القتال وهو مكروه وفيه مشقة؟ قال تعالى: {أية : قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ ٱللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ}تفسير : [التوبة: 14]. فشرع القتال لإظهار قوة المؤمنين، ثم لاختبار إيمانهم وثباتهم على الحق، وتمييز المؤمنين من المنافقين {وَلَـٰكِن لِّيَبْلُوَاْ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ ..} [محمد: 4]. أي: يبلو المؤمنين بالكافرين والكافرين بالمؤمنين، ليمحص إيمان المؤمن لأنه صاحبُ رسالة وصاحبُ منهج، وسيحمل مسئولية الدعوة يسيح بها في كل أنحاء الأرض، فكان لابُدَّ من تمحيصه ليظهر الغَثَّ والثمين. مَنْ سيصبر على آلام الحرب ويصمد ولا يفر، مَنْ سيضحي بماله ونفسه، والله حين يختبر يختبر، لا ليعرف هو سبحانه، فهو يعلم بكل شيء لكن لنعرف نحن، لتظهر ميْزة هذه الأمة وميْزة هذه الرسالة، وعظمة هذا النبي الخاتم الذي بُعِثَ للناس كافّة في كل زمان وفي كل مكان. ولا بد أنْ يكون أتباعه على مستوى هذه المسئولية وأهلاً لتحمُّل أعباء الرسالة بعد سيدنا رسول الله صلى الله عليه سلم. ولذلك رُوي أن سيدنا مصعب بن عمير كان فتى قريش المدلل، وكان يغدو ويروح عدة مرات، كلَّ مرة بثوب جديد تفوح منه رائحة العطر ألواناً، فلما أسلم تغيَّر حاله، وأرسله رسول الله إلى المدينة ليعلم الناس، فارتدى الثياب الخشنة، وزهد فيما كان فيه من نعيم الدنيا. فلما علمتْ أمه بحاله حزنتْ عليه وأضربتْ عن الطعام وجلست في حَرِّ الشمس لتثني ابنها عما هو فيه وتعيده إلى دين الآباء والأجداد، فلما عَلِمَ مصعبٌ بصنيع أمه قال لهم قولوا لأمي: والله لو كان لها مائة نفس خرجتْ نفساً نفساً على أنْ أترك هذا الدين ما تركته، ودعوها فإنْ عضَّها الجوع أكلتْ، وإن أحرقتها حرارة الشمس استظلت. وأقام مصعب بالمدينة حتى جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فرآه يلبس جلد كبش، فقال: "حديث : انظروا ما فعل الإيمان بصاحبكم ". تفسير : إذن: الحرب في الإسلام لحكمة، فهي مثل النار التي تنفي خبث الذهب والحديد فيصير صلباً، لذلك أعدَّ الله هذه الأمة لتكون أمة قتال وشجاعة حتى قبل بعثته صلى الله عليه وسلم. فلما اضطر سيدنا رسول الله للحرب لم يدرب جنوداً، ولم يفتح كلية حربية، إنما وجد رجالاً متمرسين في فنون القتال، لأن الحروب التي كانت تنشب بين القبائل وتستمر زمناً يصل إلى أربعين سنة جعلتْ من هذه الأمة جيشاً على أُهْبة الاستعداد، فكانوا كلما سمعوا هيعة طاروا إليها. ثم إنها كانت أمة بدوية تعيش على الترحال، بيوتهم على ظهور الجمال يتبعون مساقط الأمطار ومنابت العُشْب، وكأن الله تعالى كان يُعدهم لحمل هذه الرسالة. {وَٱلَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَلَن يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ} [محمد: 4] الذين قُتِلوا في سبيل الله هم الشهداء {فَلَن يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ} [محمد: 4] لن يبطلها بل يُوفيهم أجورهم ويُثيبهم عليها، لأن الشهيد وهب حياته لله وضحى بأغلى ما يملك فى سبيل الله، لذلك يجازيه بما لا يخطر على باله من الإكرام والتفضيل. يجازيه بقاعدة {أية : وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَآ ..}تفسير : [النساء: 86] فلأنه جاد بنفسه في سبيل الله يُبرئه الله من الموت مرة أخرى إذن: حياته موصولة بحياة الآخرة، فالشهيد بعد أنْ يقتل في الدنيا يصير حياً عند الله إلى أنْ يُبعث بهذه الحياة في الآخرة. وهذا المعنى تنبه إليه الشاعر العربي وهو يمدح حمزة سيد الشهداء فقال: شعر : أحْمَزَةَ عَمّ المصْطَفى وسَيّد الشُّهَداء أَجمعهِم طُرّا وَحَسْبُكَ مِنْ تِلكَ الشَّهادةِ عصْمةٌ مِنَ الموت في وَصْل الحياتيْنِ بالأُخْرى تفسير : لذلك الذين يعترضون على حياة الشهيد ويقولون: هل لو فتحنا القبر على شهيد سنجده حياً؟ لا ستجده ميتاً، لكن هذه نظرة ضيقة لمسألة الحياة والموت، ولتريح نفسك اقرأ: {أية : وَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ}تفسير : [آل عمران: 169]. وتأمل كلمة {أية : عِندَ رَبِّهِمْ ..}تفسير : [آل عمران: 169] ولم يقل عندكم: إنما عند ربهم أحياء بحياة لا يعلمها إلا هو سبحانه، فهذه من الغيبيات التي يجب التسليم بها، فهو حَيٌّ عند ربه وإنْ كان ميتاً عندكم. ثم في قوله: {أية : يُرْزَقُونَ}تفسير : [آل عمران: 169] دليل آخر على حياته، لأن الرزق من أسباب استبقاء الحياة.
الصابوني
تفسير : [1] الحرب في الإسلام التحليل اللفظي {أَثْخَنتُمُوهُمْ}: أكثرتم فيهم القتل والجراح، يقال: أثخن العدو: إذا أكثر فيه الجراح، قال في "اللسان": والإثخان في كل شيء قوّته وشدّته، يقال: قد أثخنه المرض إذا اشتدت قوته عليه ووهَنه، وأثخنته الجراحة: أوهنته، وقوله تعالى: {أية : حَتَّىٰ يُثْخِنَ فِي ٱلأَرْضِ} تفسير : [الأنفال: 67] معناه حتى يبالغ في قتل أعدائه. {ٱلْوَثَاقَ}: الوَثاق: في الأصل مصدر كالخلاص، وأريد به هنا ما يوثق به أي ما يربط به كالحبل وغيره. قال في اللسان: والوَثاق اسم الإيثاق، تقول: أوثقته إيثاقاً ووَثاقاً، والحبل أو الشيء الذي يوثق به (وِثاق) والجمع الوُثُق بمنزلة الرّباط والرّبُط. وقال الجوهري: وأوثقه في الوَثَاق: أي شدّه، ومنه قوله تعالى {فَشُدُّواْ ٱلْوَثَاقَ} والوِثاق بكسر الواو لغة فيه. ا هـ. والمراد في الآية الكريمة: أسر الأعداء لئلا يفلتوا. {مَنًّا}: مصدر منّ ومعناه: أن يطلق سَراح الأسير بدون فداء، وبدون مقابل. قال الشاعر: شعر : ما كان ضرّك لو مَنَنْتَ وربما منّ الفتى وهو المَغيط المُحْنَقُ تفسير : {فِدَآءً}: مصدر فادى: والفداء أن يطلق الأسير مقابل مالٍ يأخذه منه. قال في اللسان: الفِداء بالكسر: فكاك الأسير، والعرب تقول: فاديت الأسير وتقول: فديته بمالي، وفديته بأبي وأمي، إذا لم يكن أسيراً، وإذا كان أسيراً مملوكاً قلتَ: فاديته، قال الشاعر: شعر : ولكنّني فاديتُ أمّي بعدما علا الرأسَ منها كَبْرةٌ ومشيبُ تفسير : {أَوْزَارَهَا}: الأوزار جمع وِزْر، وهو في الأصل: الإثم والذنب، ويطلق على الحمل الثقيل، والمراد به آلات الحرب وأثقالها من السلاح، والخيل، والعتاد، وسمي السلاح "أوزاراً" لأنه يُحمل لثقله، قال الأعشى: شعر : وأعددتُ للحرب أوزارها رماحاً طوالاً، وخيلاً ذكوراً تفسير : وإنما جاء الضمير مؤنثاً (أوزارها) لأن الحرب مؤنثة. ومعنى الآية: حتى تنتهي الحرب، وتضع سلاحها، فلا يكون قتال مع المشركين لضعف شوكتهم. {ذَٰلِكَ}: اسم الإشارة "ذلك" جيء به للفصل بين كلامين، وقد كثر في لغة العرب استعمال اسم الإشارة عند الفصل بين كلامين والانتقال من الكلام الأول للثاني، كأنه قيل: ذلك ما كنا نريد أن نقوله في هذا الشأن، ونقول بعده كذا.. وكذا. {لاَنْتَصَرَ مِنْهُمْ}: أي انتصر منهم بدون أن يكلِّفكم بحرب أو قتال، فالله سبحانه قادر على إهلاك الكفار بدون حرب المسلمين لهم، ولكنه ابتلاء من الله سبحانه: {أية : وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّىٰ نَعْلَمَ ٱلْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَٱلصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَاْ أَخْبَارَكُمْ} تفسير : [محمد: 31]. قال الألوسي: قوله تعالى: {وَلَوْ يَشَآءُ اللَّهُ لاَنْتَصَرَ مِنْهُمْ} أي لانتقم منهم ببعض أسباب الهلاك من خسفٍ، أو رجفةٍ، أو غرقٍ، أو موتٍ جارف. {لِّيَبْلُوَاْ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ}: أي أمركم سبحانه بالحرب {لِّيَبْلُوَاْ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ} فيثيب المؤمن ويُكرمه بالشهادة، ويُخزي الكافر بالقتل والعذاب، والابتلاء في اللغة: الامتحان والاختبار. {يُضِلَّ أَعْمَٰلَهُمْ}: أي فلن يضيع أعمالهم بل ستحفظ وتخلّد لهم، ويُجزون عليها الجزاء الأوفى يوم الدين. {عَرَّفَهَا لَهُمْ}: أي بيّنها لهم وأعلمهم منازلهم فيها فلا يخطئونها، أو عرّفها لهم في الدنيا بذكر أوصافها كما قال تعالى: {أية : مَّثَلُ ٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِي وُعِدَ ٱلْمُتَّقُونَ فِيهَآ أَنْهَارٌ مِّن مَّآءٍ غَيْرِ آسِنٍ...} تفسير : [محمد: 15] الآية. المعنى الإجمالي يأمر الله سبحانه المؤمنين عند لقاء الكفار في الحرب، ألاّ تأخذهم شفقة عليهم، بل ينبغي أن يُحَكِّموا السلاح في رقابهم، ويحصدوهم بسيوفهم حصداً، حتى إذا غلبوهم، وقهروهم، وكسروا شوكتهم، عند ذلك عليهم أن يشدوا الوثاق وهو كناية عن وقوعهم أسرى في أيدي المؤمنين، فإذا انتهت الحرب فالمؤمنون عند ذلك بالخيار، إمّا أن يمنّوا على الأسرى فيطلقوا سراحهم بدون عوض، وإمّا أن يأخذوا منهم الفداء ليستعين به المسلمون على مصالحهم، بعد أن تضعف عزائم المشركين وتكسر شوكتهم. ثم بيّن الله سبحانه الحكمة من مشروعية القتال مع قدرته تعالى أن ينتصر من أعدائه من غير أن تكون حرب بين المؤمنين والكافرين، وتلك الحكمة هي امتحان الناس، واختبار صبرهم على المكاره، واحتمالهم للشدائد في سبيل الله أية : أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ ٱلصَّابِرِينَ} تفسير : [آل عمران: 142]. ثم بيّن الله تعالى بعد ذلك أنّ الذين أكرمهم الله بالشهادة في سبيله، ستحفظ أعمالهم. وتخلّد لهم، ثم هم بعد ذلك في روضات الجنات يُحبرون وفي ذلك حضّ على الجهاد، وترغيب للخروج في سبيل الله لينال المؤمن إحدى الحسنَيْين: إما النصر والعزة في الدنيا، وإمّا الشهادة في سبيل الله. وجوه القراءات أولاً: قوله تعالى: {فَشُدُّواْ ٱلْوَثَاقَ} قرأ الجمهور {الوَثَاق} بفتح الواو، وقرئ (الوِثاق) بالكسر وهو اسم لما يوثق به. قال الألوسي: "ومجيء (فِعال) اسم آلة كالحِزام والركاب نادر على خلاف القياس، وظاهر كلام بعضهم أنّ كلاً من المفتوح والمكسور اسم بما يوثق به". ثانياً: قوله تعالى: {وَإِمَّا فِدَآءً} قرأ الجمهور بالمدّ، وقرأ ابن كثير {وإمّا فَدَى} بالفتح والقصر كعصا. قال أبو حاتم: لا يجوز قصره لأنه مصدر فاديته. قال الشهاب: ولا عبرة به فقد حكى الفراء فيه أربع لغات الفتح والكسر، مع المد والقصر. ثالثاً: قوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} قرأ الأعمش وحفص عن عاصم (قُتلوا) بتخفيف التاء مبنياً للمجهول، وقرأ الجمهور (قاتلوا) بألف مبنياً للمعلوم. رابعاً: قوله تعالى: {فَلَن يُضِلَّ أَعْمَٰلَهُمْ} قرأ عليّ كرم الله وجهه (يُضَل) مبنياً للمفعول، و(أعمالُهم) بالرفع نائب فاعل، وقرئ (يَضلّ) بفتح الياء من ضلّ وأعمالُهم فاعل. وقراءة الجمهور (يُضِلَّ أعمالَهم) أي لن يُضلّ الله أعمالهم بمعنى لن يضيِّعها. خامساً: قوله تعالى: {عَرَّفَهَا لَهُمْ} قرأ الجمهور بتشديد الراء، وقرأ أبو رجاء وابن محيصن {عَرَفها لهم} بتخفيف الراء. وجوه الإعراب أولاً: قوله تعالى: {فَضَرْبَ ٱلرِّقَابِ} منصوب على المصدرية، أي اضربوا ضرب فهو مفعول مطلق لفعل محذوف، وهو من إضافة المصدر للمفعول، والأصل: اضربوا الرقاب ضرباً، فحذف الفعل وقُدّم المصدر، وأنيب منابه مضافاً إلى المفعول، وحذف الفعل في مثله واجب كما نبّه عليه علماء النحو. ثانياً: قوله تعالى: {فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَآءً} مناً وفداء منصوبان على المصدر إمّا أن تمنوا عليهم مناً، أو تفادوهم فداءً، فهو كسابقه مفعول مطلق لفعل محذوف. وحذف الفعل الناصب للمصدر واجب كذلك ومنه قول الشاعر: شعر : لأجهدَنّ فإمّا درءَ واقعةٍ تُخشى وإمّا بلوغَ السُّؤل والأمل تفسير : وجوّز أبو البقاء كون كل من (منّاً) و(فداءً) مفعولاً به لمحذوف تقديره: تولوهم مناً، أو تقبلوا منهم فداءً، ولكنّ أبا حيان ردّ هذا بأنه ليس إعرابَ نحويّ. ثالثاً: قوله تعالى: {ذَلِكَ وَلَوْ يَشَآءُ اللَّهُ} ذلك، في موضع رفع لأنه خبر لمبتدأ محذوف وتقديره: الأمر ذلك أو الحكم ذلك. رابعاً: قوله تعالى: {وَيُدْخِلُهُمُ ٱلْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ} جملة {عَرَّفَهَا لَهُمْ} في موضع نصب على الحال، والتقدير ويدخلهم الجنة معرّفة لهم. لطائف التفسير اللطيفة الأولى: عبّر القرآن الكريم عن القتل بقوله تعالى: {فَضَرْبَ ٱلرِّقَابِ} والسرّ في ذلك أنّ في هذه العبارة من الغلظة والشدّة ما ليس في لفظ (القتل) لما فيه من تصوير القتل بأشنع صورة، وهو حزّ العنق وإطارة العضو الذي هو رأس البدن، وأشرف أعضائه، ومجمع حواسه، وبقاء البدن ملقى على هيئة منكرة والعياذ بالله تعالى، ولو قال: (فاقتلوهم) لَمَا كان هذا المعنى الدقيق. والتعبير أيضاً: يوحي بشجاعة المؤمنين وأنهم من الكفار كأنهم متمكنون من رقابهم، يعملون فيهم سيوفهم بضرب الأعناق، وهو (مجاز مرسل) علاقته السببيّة لأن ضرب الرقبة سبب الموت. اللطيفة الثانية: قوله تعالى: {فَشُدُّواْ ٱلْوَثَاقَ} كناية عن الأسر أي اجعلوهم أسرى واحفظوهم رهائن تحت أيديكم، حتى تروا فيهم رأيكم، ولما كانت العادة أن يربط الأسير لئلا يهرب جاء التعبير بقوله: {فَشُدُّواْ ٱلْوَثَاقَ} وفيه الإشارة إلى الكفّ عن القتل والاكتفاء بالأسر، لأنّ الشريعة الغراء تنهى عن الإجهاز على الجريح، وذلك من آداب الإسلام وتعاليمه الإنسانية الرشيدة. اللطيفة الثالثة: قوله تعالى: {فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَآءً} ذكر تعالى (المنّ والفداء) ولم يذكر القتل والاسترقاق، وفي ذلك إرشاد من الله تعالى إلى أن الغرض من الحرب كسر (شوكة المشركين)، لا إراقة الدماء والتشفي بإزهاق الأرواح، فإذا ضعفت شوكة المشركين ووهَنت قواهم فلا حاجة إلى القتل. وتقديم (المن) على (الفداء) في الآية الكريمة للإشارة إلى ترجيح حرمة النفس على طلب المال، فالمجاهد في سبيل الله يقاتل لإعلاء كلمة الله، لا للمغنم المادي والكسب الدنيوي. اللطيفة الرابعة: قوله تعالى: {حَتَّىٰ تَضَعَ ٱلْحَرْبُ أَوْزَارَهَا} في الآية الكريمة إشارة إلى أن الإسلام يكره الحرب ويمقتها، لأنها مخرّبة مدمّرة، والتعبير بـ {أَوْزَارَهَا} للإشارة إلى أنّ ما فيها من آثام إنما ترجع على الذين أشعلوها وهم الكفار، المحاربون لله ورسوله، فلولا كفرُهم وإفسادُهم في الأرض لما كانت هناك حرب. قال الإمام الفخر: "والمقصود من وضع الحرب أوزارها، انقراض الحرب بالكلية بحيث لا يبقى في الدنيا حزب من أحزاب الكفر، يحارب حزباً من أحزاب الإسلام، وإنما قال: {حَتَّىٰ تَضَعَ ٱلْحَرْبُ أَوْزَارَهَا} ولم يقل: حتى لا يبقى حرب، لأن التفاوت بين العبارتين كالتفاوت بين قولك: انقرضت دولة بني أمية، وقولك: لم يبق من دولتهم أثر، ولا شك أن الثاني أبلغ، فكذا هٰهنا". اللطيفة الخامسة: فإن قيل: لماذا لم يهلك الله الكافرين مع قدرته عليهم وأمرَ المؤمنين بالجهاد؟ فالجواب: أن الله عز وجلّ أراد بذلك أن يختبرعباده، فابتلى المؤمنين بالكافرين، ليختبر صبرهم على المكاره، واحتمالهم للشدائد، وابتلى الكافرين بالمؤمنين، ليطهّر الأرض من رجسهم، وينيل المؤمنين الشهادة في سبيله بسببهم، وهذا ما أشارت إليه الآية الكريمة: {وَلَـٰكِن لِّيَبْلُوَاْ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ}. فإن قيل: إن الله يعلم المؤمن من الكافر، والبَرّ من الفاجر، والمطيع من العاصي، فما هي فائدة هذا الابتلاء؟ فالجواب أن الابتلاء من الله تعالى ليس بقصد العلم والمعرفة، وإنما هو بقصد إثابة المؤمن، وتعذيب الكافر، بعد إقامة الحجة عليه، حتى يقطع العذر على الإنسان، أو نقول: إن الابتلاء غرضه الكشف للناس، أو للملائكة، ليظهر لهم الصادق من المنافق، والتقي من الشقي، وليس بالنسبة له تعالى، لأنه بكل شيء عليم. اللطيفة السادسة: أمر الله تعالى بالمنّ أو الفداء، وهذا من مكارم الأخلاق التي أرشد إليها الإسلام، روي أن الحجّاج حين أسر أصحاب (عبد الرحمٰن بن الأشعث) وكانوا قريباً من خمسة آلاف رجل، قتل منهم ثلاثة آلاف فجاءه رجل من (كِنْدة) فقال يا حجّاج: لا جزاك الله عن السُنَّة والكرم خيراً! قال: ولم ذاك؟ قال: لأن الله تعالى يقول: {فَإِذَا لَقِيتُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَضَرْبَ ٱلرِّقَابِ حَتَّىٰ إِذَآ أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّواْ ٱلْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَآءً} في حق الذين كفروا... فوالله ما مننتَ، ولا فديت؟ وقد قال شاعركم فيما وصف به قومه من مكارم الأخلاق: شعر : ولا نقتل الأسرى ولكن نفكّهم إذا أثقلَ الأعناق حملُ المغارم تفسير : فقال الحجاج: أفٍّ لهذه الجيف!! أما كان فيهم من يحسن مثل هذا الكلام!؟ خلّوا سبيل من بقي، فخُلّي يومئذٍ عن بقية الأسرى وهم زهاء ألفين، بقول ذلك الرجل. الأحكام الشرعية الحكم الأول: ما المراد بـ {ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} في الآية الكريمة؟ اختلف المفسرون في المراد من قوله تعالى: {ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} على قولين: 1 - القول الأول: أن المراد بهم المشركون الكفار عبدة الأوثان. وهذا مروي عن ابن عباس رضي الله عنهما. 2 - القول الثاني: أن المراد بهم كل من خالف دين الإسلام من مشركٍ، أو كتابي إذا لم يكن صاحب عهد ولا ذمة، فيدخل فيه كلّ الكفار بدون استثناء وهو ظاهر الآية، واختيار جمهور المفسرين. قال ابن العربي: وهو الصحيح لعموم الآية فيه، والتخصيصُ لا دليل عليه. الحكم الثاني: ما المراد من قوله تعالى: {فَضَرْبَ ٱلرِّقَابِ} في الآية الكريمة؟ ذهب (السّدي) وجمهور المفسرين إلى أن المراد منه القتل. وذهب بعض المفسرين إلى أن المراد منه (قتل الأسير صبراً). والراجح هو الأول: لأن الآية الكريمة وهي قوله تعالى: {فَضَرْبَ ٱلرِّقَابِ حَتَّىٰ إِذَآ أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّواْ ٱلْوَثَاقَ} قد جعلت (الإثخان) وهو الإضعاف لشوكة العدو غايةً لضرب الرقاب، فأين هو قتل الأسير صبراً؟ مع العلم بأنه إنما يقع في الأسر بعد إثخانه وضعفه، فيكون قول جمهور المفسرين هو الأرجحُ، بل هو الصحيح. الحكم الثالث: ما المراد من الفداء وما هي أنواعه؟ ذهب بعض المفسرين إلى أن المراد من المفاداة العتقُ أي عتق الأسير. وذهب جمهور المفسرين إلى أن المراد إطلاق سراح الأسير في مقابل ما يأخذه المسلمون منهم، وقد يكون المقابل (أسرى) من المسلمين عند الكفار بطريق التبادل. وقد يكون المقابل (مالاً) أو عتاداً يأخذه المسلمون في نظير إطلاق الأسرى. وقد يكون العوض (منفعة) كما كان في غزوة بدر، فقد كان من ليس عنده مال يفدي به نفسه أمره عليه الصلاة والسلام أن يعلّم عشرة من أولاد المسلمين القراءة والكتابة. فالمراد من الفداء كل ما يأخذه المسلمون من أعدائهم من مال، أو عتاد، أو منفعةٍ، أو مبادلة أسرى بأسرى وغير ذلك. الحكم الرابع: ما معنى قوله تعالى: {حَتَّىٰ تَضَعَ ٱلْحَرْبُ أَوْزَارَهَا}؟ اختلف المفسرون في معنى الآية الكريمة على عدة أقوال: أ - قال ابن عباس: حتى لا يبقى أحد من المشركين يقاتل. ب - وقال مجاهد: حتى لا يكون دين إلاّ دين الإسلام. جـ - وقال سعيد بن جبير: حتى ينزل المسيح بن مريم وحينئذٍ ينتهي القتال. والقول الأخير ضعيف، لأنّ نزول عيسى ابن مريم ليس في الآية ما يدل عليه، وإنما يؤخذ من الأحاديث الشريفة، فبنزوله يدخل الناس في الإسلام ولا يبقى على ظهر الأرض كافر، كما دلت عليه السنة المطهرة، ولكنّ الآية ليس فيها ما يشير إلى هذا المراد من قريب أو بعيد. ومما يدل على أن المراد بالآية الكريمة ظهور الإيمان، واندحار الكفر بحيث تكون كلمة الله هي العليا، وكلمة الذين كفروا هي السفلى قوله تعالى: في سورة الأنفال [39]: {أية : وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لله}. تفسير : الحكم الخامس: هل يجوز قتل الأسير؟ اتفق الفقهاء على جواز قتل الأسير، حتى قال: "الجصّاص" لا نعلم في ذلك خلافاً فيه، وقد تواترت الأخبار عن النبي صلى الله عليه وسلم في قتله لبعض الأسرى منها: أ - ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قتل (أبا عزة) الشاعر يوم أحد. ب - وقتل (عُقْبة بن أبي مُعَيط) صبراً، و(النضر بن الحارث) بعد الأسر في بدر. جـ - وقتل (بني قُرَيظة) بعد نزولهم على حكم (سعد بن معاذ) الذي حكم فيهم بالقتل، وسبي الذرية. د - وفتح صلى الله عليه وسلم خيبر بعضَها صُلحاً، وبعضَها عَنْوة، وشرط على (ابن أبي الحُقَيْق) ألا يكتم شيئاً، فلما ظهر على خيانته وكتمانه قتله عليه السلام. هـ - وفتح مكة وأمر بقتل (هلال بن خَطَل) و(عبد الله بن أبي سَرْح) و(مقيس بن حبابة) وقال: اقتلوهم وإن وجدتموهم متعلقين بأستار الكعبة. فكلُّ هذه الأخبار تدل على جواز قتل الأسير، ولأنّ في قتله حسمَ مادة الفساد في الأرض. قال الألوسي: "وليس لواحد من الغزاة أن يقتل أسيراً بنفسه، فإن فعل كان للإمام أن يعزّره، ولكنْ لا يضمن شيئاً، وإن أسلم الأسارى بعد الأسر لا يقتلهم، لاندفاع شرهم بالإسلام، ولكن يجوز استرقاقهم، فإنّ الإسلام لا ينافي الرق جزاءً على الكفر الأصلي، بخلاف ما لو اسلموا من قبل الأخذ فإنهم يكونون أحراراً، لأنه إسلام قبل انعقاد سبب الملك فيهم..". وقال القرطبي: "وقيل: ليس للإمام أن يقتل الأسير، وقد روي عن الحجّاج أنه دفع أسيراً إلى (عبد الله بن عمر) ليقتله فأبى وقال: ليس بهذا أمَرنا اللَّهُ، وقرأ {حَتَّىٰ إِذَآ أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّواْ ٱلْوَثَاقَ}. قلنا: قد قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم وفَعَله، وليس في تفسير الله للمنّ والفداء منع من غيره، ولعلّ ابن عمر كره ذلك من يد الحجّاج فاعتذر بما قال وربك أعلم". الحكم السادس: هل يجوز أخذ الفداء من الأسير؟ اختلف الفقهاء في أخذ الفداء من الأسير على أقوال: أولاً: مذهب الحنفية: أن الأسير لا يُفادى بالمال، ولا يباع لأهل الحرب، لأنه يرجع حرباً علينا، أمّا فداؤه بأسرى من المسلمين فجائز عند الصاحبين (أبي يوسف ومحمد) وقال: (أبو حنيفة): لا يُفادَوْن بأسرى المسلمين أيضاً. ثانياً: مذهب الجمهور (الشافعي ومالك وأحمد) جواز أخذ الفداء من الأسرى. دليل الحنفية: استدل الحنفية على عدم جواز الفداء بما يلي: أ - قالوا: إن الآية الكريمة: {فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَآءً} منسوخة بقوله تعالى: {أية : فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ} تفسير : [التوبة: 5] وبقوله تعالى: {أية : قَاتِلُواْ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَلاَ بِٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ}تفسير : [التوبة: 29] نُقل ذلك عن مجاهد. وروي عن (قتادة) أنه قال: نسختها آية الأنفال [57]: {أية : فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي ٱلْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِم مَّنْ خَلْفَهُمْ}. تفسير : ووجه الاستدلال: أنّ سورة براءة من آخر ما نزل، فوجب أن يُقتل كل مشرك، إلا من قامت الدلالة على تركه من النساء والصبيان، ومن يؤخذ منه الجزية، والمتأخر ينسخ المتقدم كما هو المعلوم من أصول الشريعة الغراء. ب - وقالوا: لا يجوز المنّ ولا الفداء، لأن فيه تقوية لأهل الشرك على أهل الإسلام، حيث يرجعون حرباً علينا، وقد أُمرنا بتطهير الأرض من الكفر ومن رجس المشركين. جـ - وقالوا: إنّ ما روي في (أسرى بدر) منسوخ أيضاً بما تلونا، سيّما وأنه قد نزل العتاب في قوله تعالى: {أية : مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَىٰ حَتَّىٰ يُثْخِنَ فِي ٱلأَرْضِ} تفسير : [الأنفال: 67]. فلا يجوز الاستدلال به على جواز أخذ الفداء. د - وقالوا: إنّ ما كان من النبي صلى الله عليه وسلم في صلح الحديبية: "أنّ من جاء منهم رددناه عليهم" إنما كان في بدء الدعوة، وقد نسخ ذلك، ونَهَى النبيُّ صلى الله عليه وسلم عن الإقامة بين أظهر المشركين وقال: "من أقام بين أظهر المشركين فقد برئت منه الذمة". أدلة الجمهور: واستدل الجمهور على جواز فداء الأسير بعدة أدلة نوجزها فيما يلي: أ - قوله تعالى: {فَشُدُّواْ ٱلْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَآءً} فقد أجازت الآية الكريمة الفداء مطلقاً بدون قيد ولا شرط، فللإمام أن يمنّ أو يفدي، أو يسترقَّ، عملاً بالآية الكريمة. ب - وقالوا: إنَّ الآية محكمة ولا نسخ فيها، لأن النسخ إنما يكون لشيء قاطع، فإذا أمكن العمل بالآيتين فلا معنى للقول بالنسخ، والجمعُ ممكن فإنّ آية براءة وهي قوله تعالى: {أية : فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ}تفسير : [التوبة: 5] أمرٌ لنا بقتل المشركين عند اللقاء، فإذا وقعوا في الأسر كففنا عن القتل إلى المنّ أو الفداء عملاً بقوله تعالى: {فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَآءً}. جـ - واستدلوا أيضاً بأن النبي صلى الله عليه وسلم فادى أسرى بدر بالمال، ومن لم يكن عنده مال منهم أمره عليه السلام بتعليم عشرة من أبناء المسلمين القراءة والكتابة، وهذا قد ثبت بفعله عليه الصلاة والسلام. د - واستدلوا بما روى ابن المبارك عن عمران بن حصين أنه قال: "أسرَتْ ثقيف رجلين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وأسر أصحابُ النبي صلى الله عليه وسلم رجلاً من بني عامر بن صعصعة فمر به النبي صلى الله عليه وسلم وهو في الأسر فقال الأسير: علام أُحبس؟ فقال: بجريرة حلفائك، فقال: إني مسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لو قلتها وأنت تملك أمرك لأفلحت كلّ الفلاح، ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم فناداه الأسير، فقال: إني جائع فأطعمني! فقال النبي صلى الله عليه وسلم نعم هذه حاجتك.. ثمّ فداه بالرجلين اللّذين كانت ثقيف أسرتهما". قالوا: فهذا دليل على جواز فداء المسلم بغيره من المشركين. هـ - واستدلُوا بما رواه مسلم عن عمران بن الحصين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فدى رجلين من المسلمين برجل من المشركين. و - واستدلوا بما رواه مسلم أيضاً عن (إياس بن سلمة) عن أبيه قال: "خرجنا مع أبي بكرِ رضي الله عنه، وأمّره علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أن قال: فلقيني رسول الله صلى الله عليه وسلم من الغد في السوق فقال يا سَلَمة: هبْ لي المرأة - يعني التي نفّله أبو بكر إيّاها - فقلت يا رسول الله: لقد أعجبتني وما كشفتُ لها ثوباً. ثم لقيني رسول الله صلى الله عليه وسلم من الغد في السوق، فقال يا سلمة: هب لي المرأة لله أبوك!! فقلت: هي لك يا رسول الله، فوالله ما كشفتُ لها ثوباً.. فبعث بها رسول الله صلى الله عليه وسلم ففدى بها ناساً من المسلمين أُسرُوا بمكة". ز - واستدلوا بالمعقول وهو: أن تخليص المسلم أولى من قتل الكافر، للانتفاع بالمسلم، لأنّ حرمته عظيمة، وأما الضرر الذي يعود إلينا بدفعه إلى المشركين، فيدفعه نفع المسلم الذي يتخلّص من فتنتهم وعذابهم، وضررُ واحد يقوم بدفعه واحد مثله فيتكافئان، وتبقى فضيلة تخليص المسلم وتمكينه من عبادة الله تعالى، وفيها زيادة ترجيح. هذه خلاصة أدلة الجمهور بالنسبة (للفداء) سواءً كان بالمال أو بالرجال على ما عرفت. وأمّا (المنّ) على الأسارى وهو أن يطلقهم إلى دار الحرب من غير شيء فلا يجوز (عند أبي حنيفة، ومالك، وأحمد) وأجازه الإمام الشافعي لما ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم منّ على (ثُمامة بن أُثال) سيّد أهل اليمامة ثم أسلم وحسن إسلامه، وقال صلى الله عليه وسلم: "لو كان المطعم بن عدي حيّاً ثمّ كلمني في هؤلاء النتنى - يعني أسارى بدر - لتركتهم له". فقوله صلى الله عليه وسلم ذلك دليل على جواز المنّ على الأسرى. الترجيح: وبعد استعراض هذه الأدلة من الفريقين نرى أنَّ الأرجح أن يفوّض أمر الحرب لأهل الاختصاص من ذوي الرأي والبصر، يفعلون ما تقضي به المصلحة العامة، فإن رأوا قتل الأسرى قتلوهم، وإن رأوا أخذ الفداء بالمال أو بالأسرى، فادْوهم، وإن رأوا إبقاءهم في الأسر تركوهم تحت أيدي المسلمين، فيترك لهم تقدير المصلحة حسب الظروف التي هم فيها، وهذه من (السياسة الحكيمة) التي ينبغي أن تتوفر في قادة المسلمين. والرسول صلى الله عليه وسلم قد فعل ذلك كلّه، فأسر من أسر، وقتل من قتل، وفادى من فادى منهم، وأطلق سراح من أطلق دون مالٍ ولا فداء. وما نزل من آيات العتاب في سورة الأنفال فإنما كان بتوجيهٍ إلٰهي حكيم - حسب المصلحة أيضاً - حيث نزلت هذه الآيات الكريمة في (غزوة بدر) وهي أول حرب يخوضها المسلمون مع أعدائهم، فكانت المصلحة تقضي بترجيح جانب الشدّة على جانب الرحمة، بالقتل، والإثخان، وإراقة الدماء، حتى لا يطمع المشركون بالإقدام على حرب المسلمين مرة أخرى، وحتى تُقَلَّم أظافر الكفر منذ اللحظة الأولى، فإذا علم المشركون أن لا رحمة في قلوب المسلمين عليهم، هابوهم وتخوّفوا من الإقدام على حربهم، وهذا ما كان قد أشار به الفاروق عمر رضي الله عنه على رسول الله صلى الله عليه وسلم ونزل القرآن موافقاً لرأيه. ولمّا كثر عدد المسلمين، وقويت شوكتهم، وأصبحت الدولة بأيديهم نزل القرآن الكريم بالمنّ والفداء على الأسرى، بعد أن توطّدت دعائم الدولة الإسلامية، وأصبح صرح الإسلام شامخاً عتيداً، فكان المنّ عن قوّة، لا عن ضعف، وعن عزة، لا عن ذلة واستكانة. فالمصلحة العامة هي التي ينبغي أن تراعى في مثل هذه الحالات، والحربُ مكر وخديعة، ولا عزة للضعفاء المستكينين. ما ترشد إليه الآيات الكريمة أولاً: المؤمن يقاتل في سبيل الله، لإعلاء كلمة الله، فينبغي أن يكون شجاعاً مقداماً. ثانياً: إثخان العدو بكثرة القتل فيهم والجروح، من أجل إضعاف شوكتهم وتوهين قوتهم. ثالثاً: الحرب في الإسلام حرب مقدسة، غرضها تطهير الأرض من رجس الكفرة المشركين. رابعاً: الاكتفاء بالأسر بعد إثخان العدو مظهر من مظاهر رحمة الإسلام بأعدائه. خامساً: إطلاق سراح الأسرى بدون عوض، أو أخذ الفداء منهم ينبغي أن تراعى فيه مصلحة المسلمين. سادساً: الجهاد في سبيل الله ماضٍ في هذه الأمة حتى لا يبقى على وجه الأرض مشرك. سابعاً: الله جل ثناؤه قادر على أن ينتقم من المشركين ولكنه أراد أن يُنيل المؤمنين أجر الاستشهاد في سبيله. ثامناً: الحياة ابتلاء للمؤمن والكافر، يبتلي بعضهم ببعض ليعذب الكافر ويثيب المؤمن. حكمة التشريع أقر الإسلام الحرب - مع علمه بما تجره على البلاد من ويلات ونكبات - لضرورة وقائية، وعلاج اضطراري، لا مناص منه لمجابهة الطغيان، ودفع الظلم والعدوان، وتطهير الأرض من رجس المشركين الغادرين، على حد قول القائل: شعر : إذا لم تكن إلاّ الأسنّة مركباً فلا بدّ للمضطر إلاّ ركوبُها تفسير : ولكنّ الإسلام في الوقت الذي يدعو فيه إلى الجهاد، ويحض على القتال، ويبيح الحرب كضرورة من الضرورات، تجده يأمر بالرحمة والشفقة في (معاملة الأسرى) الواقعين في أسر العبودية، فيحرّم تعذيبهم أو إيذاءهم كما يحرم التمثيل بالقتلى، أو الإجهاز على الجرحى، أو تقتيل النساء والصبيان. إن الغرض من الجهاد ليس إراقة الدماء، وسلب الأموال، وتخريب الديار، ولكنه غرض إنساني نبيل، هو حماية المستضعفين في الأرض، ودفع عدوان الظالمين، وتأمين الدعوة، والوقوف في وجه الاستعلاء والطغيان كما قال جل ثناؤه {أية : وَلَوْلاَ دَفْعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا ٱسمُ ٱللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنصُرَنَّ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ ٱللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ}تفسير : [الحج: 40]. ولقد كان من وصايا النبي الأكرم صلى الله عليه وسلم، للجند والجيش المجاهدين في سبيل الله، أن يأمرهم بطاعة الله، وعدم الغدر والخيانة حتى بالأعداء. فقد روى مسلم في صحيحه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا أمّر أميراً على جيش أو سرية، أوصاه في خاصة نفسه بتقوى الله، ومن معه من المسلمين خيراً، ثم قال: "حديث : أُغزوا باسم الله في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، أُغزوا ولا، تَغُلّوا، ولا تغدروا، ولا تمثّلوا، ولا تقتلوا وليداً ". تفسير : وكذلك فعل الخلفاء الراشدون، ففي وصية أبي بكر رضي الله عنه لأسامة بن زيد حين بعثه إلى الشام: "حديث : لا تخونوا، ولا تغلوا، ولا تغدروا، ولا تمثّلوا، ولا تقتلوا طفلاً صغيراً، ولا شيخاً كبيراً، ولا امرأة، ولا تعقروا نخلاً، ولا تحرّقوه، ولا تقطعوا شجرة مثمرة، ولا تذبحوا شاة ولا بقرة ولا بعيراً إلاّ لمأكلة، وسوف تمرّون بأقوام قد فرّغوا أنفسهم في الصوامع - يريد الرهبان - فدعوهم وما فرّغوا أنفسهم له ". تفسير : وهكذا كانت رحمة الإسلام في الحرب، ممثلة بمبادئه الإنسانية الرحيمة، فالإسلام حين يبيح الحرب يجعلها مقدرة بقدرها، فلا يقتل إلاّ من يقاتل في المعركة، وأمّا من تجنّب الحرب فلا يحل قتله أو الاعتداء عليه {أية : فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَٱعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ} تفسير : [البقرة: 194]. {أية : وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ} تفسير : [البقرة: 190]. لقد حرّم الإسلام قتل النساء، والشيوخ، والأطفال، وقتل المرضى والرهبان. وحرّم (المُثْلَة) والإجهاز على الجريح، وتتبّع الفارٍّ، وتحريق البيوت والأشجار. وذلك تمشياً مع نظرته الإنسانية المثلى، في حماية المستضعفين، ودفع الظلم والعدوان، ولأن الحرب كعملية جراحية، يجب ألاّ تتجاوز موضع المرض من جسم الإنسان. فلا عجب أن نرى هذه الرحمة ممثّلة في تعاليم القرآن، تدعو إلى الإحسان إلى الأسرى ثمّ إلى المنّ عليهم والفداء، حتى تنتهي المعركة لما فيه خير الإنسانية بانتصار الحق واندحار الباطل وصدق الله العظيم: {فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَآءً حَتَّىٰ تَضَعَ ٱلْحَرْبُ أَوْزَارَهَا}. فللَّه ما أرحم الإسلام! وما أسمى مبادئه وأحكامه!!
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يقول تعالى -مرشدا عباده إلى ما فيه صلاحهم، ونصرهم على أعدائهم-: { فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا } في الحرب والقتال، فاصدقوهم القتال، واضربوا منهم الأعناق، حَتَّى تثخنوهم وتكسروا شوكتهم وتبطلوا شرتهم، فإذا فعلتم ذلك، ورأيتم الأسر أولى وأصلح، { فَشُدُّوا الْوَثَاقَ } أي: الرباط، وهذا احتياط لأسرهم لئلا يهربوا، فإذا شد منهم الوثاق اطمأن المسلمون من هربهم ومن شرهم، فإذا كانوا تحت أسركم، فأنتم بالخيار بين المن عليهم، وإطلاقهم بلا مال ولا فداء، وإما أن تفدوهم بأن لا تطلقوهم حتى يشتروا أنفسهم، أو يشتريهم أصحابهم بمال، أو بأسير مسلم عندهم. وهذا الأمر مستمر { حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا } أي: حتى لا يبقى حرب، وتبقون في المسألة والمهادنة، فإن لكل مقام مقالا ولكل حال حكما، فالحال المتقدمة، إنما هي إذا كان قتال وحرب. فإذا كان في بعض الأوقات، لا حرب فيه لسبب من الأسباب، فلا قتل ولا أسر. { ذَلِكَ } الحكم المذكور في ابتلاء المؤمنين بالكافرين، ومداولة الأيام بينهم، وانتصار بعضهم على بعض { وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لانْتَصَرَ مِنْهُمْ } فإنه تعالى على كل شيء قدير، وقادر على أن لا ينتصر الكفار في موضع واحد أبدا، حتى يبيد المسلمون خضراءهم. { وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ } ليقوم سوق الجهاد، ويتبين بذلك أحوال العباد، الصادق من الكاذب، وليؤمن من آمن إيمانا صحيحا عن بصيرة، لا إيمانا مبنيا على متابعة أهل الغلبة، فإنه إيمان ضعيف جدا، لا يكاد يستمر لصاحبه عند المحن والبلايا. { وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ } لهم ثواب جزيل، وأجر جميل، وهم الذين قاتلوا من أمروا بقتالهم، لتكون كلمة الله هي العليا. فهؤلاء لن يضل الله أعمالهم، أي: لن يحبطها ويبطلها، بل يتقبلها وينميها لهم، ويظهر من أعمالهم نتائجها، في الدنيا والآخرة. { سَيَهْدِيهِمْ } إلى سلوك الطريق الموصلة إلى الجنة، { وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ } أي: حالهم وأمورهم، وثوابهم يكون صالحا كاملا لا نكد فيه، ولا تنغيص بوجه من الوجوه. { وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ } أي: عرفها أولا بأن شوقهم إليها، ونعتها لهم، وذكر لهم الأعمال الموصلة إليها، التي من جملتها القتل في سبيله، ووفقهم للقيام بما أمرهم به ورغبهم فيه، ثم إذا دخلوا الجنة، عرفهم منازلهم، وما احتوت عليه من النعيم المقيم، والعيش السليم.
همام الصنعاني
تفسير : 2864- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن عبد الكريم الجزري، في قوله تعالى: {فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَآءً}: [الآية: 4]، أنه كَتَبَ إلى أبي بكر في أسير أُسِر، فذكر أنهم التمسوه يقرأ كذا وكذا، فقال أبو بكر: اقتلوه، لَقَتْلُ رجلٍ مِنَ المشركينَ أَحَبُّ إلَيَّ من كَذا وكذا، قال: وَأُتِيَ أبو بكر برأس، فقال: قد بغيتم. 2865- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، قال: أخبرني رجل من أهل الشام، مِمَّن كانَ يَحْرُسُ عمر بن عبد العزيز، وهو من بني أسد قال: ما رأيت عمر قتل أسيراً إلا واحداً مِنَ التُرْكِ، كان جيء بأَسَارَى من الترك، فأمر بهم أن يُسْتَرَقُّوا، فقال رجل ممن جاء بهم: يا أمير المؤمنين، لو كنت رأيت هذا - لأحدهم - وهو يقتل المسلمين، لَكَثُرَ بكاؤك عَلَيْهم، فقال له عمر: فدونك فاقتله فقام إليه فقتله. 2866- قال عبد الرزاق، قال معمر: وكان الحسن يقول: لا يقتل الأَسَار إلا في الحرب، يهيب بهم العدوَّ. 2867- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن (أبي المهلب)، عن عمران بن الحصين، أن النبي صلى الله عليه وسلم فادَى رَجُلَيْن من أصحابه، برجل من المشركين أُسِر. 2868- قال عبد الرزاق: قال معمر: وكانَ عمر بن عبد العزيز يفاديهم أيضاً الرجل بالرجلين. 2869- قال عبد الرزاق، قال معمر: وكان الحسن يكره أن يُفَادَوْا بالمالِ. قال معمر: ولم أسمع أَحَداً يرخص في ذلك. 2870- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة في قوله تعالى: {فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَآءً}: [الآية: 4]، قال: نسخها قوله تعالى: {أية : فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي ٱلْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِم مَّنْ خَلْفَهُمْ}تفسير : : [الأنفال: 57]؟ 2871- قال عبد الرزاق، قال: سمعت أبا عثمان الثقفي يحدث معمراً قال: كنت مع مجاهد في غَزاة، فأبق أسير من رجل، فتبعه فقتله، فعَاب ذلكَ عليه مجاهد. 2872- حدثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن قتادة في قوله تعالى: {حَتَّىٰ تَضَعَ ٱلْحَرْبُ أَوْزَارَهَا}: [الآية: 4]، قال: حتى لا يكون شرك، والحرب من كان يقالته، سمّاهُم حرباً. 2873- حدثنا عبد الرزاق، قال أنبأنا معمر، عن قتادة: {وَٱلَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَلَن يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ}: [الآية: 4]، قال: الذين قُتِلُوا يوم أُحُدٍ.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):