٤٧ - مُحَمَّد
47 - Muhammad (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
10
Tafseer
الرازي
تفسير : فيه مناسبة للوجه الثالث يعني فينظروا إلى حالهم ويعلموا أن الدنيا فانية. وقوله {دَمَّرَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ } أي أهلك عليهم متاع الدنيا من الأموال والأولاد والأزواج والأجساد. وقوله تعالى: {وَلِلْكَـٰفِرِينَ أَمْثَـٰلُهَا } يحتمل وجهين أحدهما: أن يكون المراد لهم أمثالها في الدنيا، وحينئذ يكون المراد من الكافرين هم الكافرون بمحمد عليه الصلاة والسلام وثانيهما: أن يكون المراد لهم أمثالها في الآخرة، فيكون المراد من تقدم كأنه يقول: دمر الله عليهم في الدنيا ولهم في الآخرة أمثالها، وفي العائد إليه ضمير المؤنث في قوله {أَمْثَـٰلُهَا } وجهان أحدهما: هو المذكور وهو العاقبة وثانيهما: هو المفهوم وهو العقوبة، لأن التدمير كان عقوبة لهم، فإن قيل على قولنا المراد للكافرين بمحمد عليه السلام أمثال ما كان لمن تقدمهم من العاقبة يرد سؤال، وهو أن الأولين أهلكوا بوقائع شديدة كالزلازل والنيران وغيرهما من الرياح والطوفان، ولا كذلك قوم محمد صلى الله عليه وسلم، نقول جاز أن يكون عذابهم أشد من عذاب الأولين لكون دين محمد أظهر بسبب تقدم الأنبياء عليهم السلام عليه وإخبارهم عنه وإنذارهم به على أنهم قتلوا وأسروا بأيديهم من كانوا يستخفونهم ويستضعفونهم والقتل بيد المثل آلم من الهلاك بسبب عام وسؤال آخر: إذا كان الضمير عائداً إلى العاقبة فكيف يكون لها أمثال؟ قلنا يجوز أن يقال المراد العذاب الذي هو مدلول العاقبة أو الألم الذي كانت العاقبة عليه
القرطبي
تفسير : بيّن أحوال المؤمن والكافر تنبيهاً على وجوب الإيمان، ثم وصل هذا بالنظر؛ أي ألم يَسِر هؤلاء في أرض عاد وثمود وقوم لوط وغيرهم ليعتبروا بهم {فَيَنظُرُواْ} بقلوبهم {كَيْفَ كَانَ} آخر أمر الكافرين قبلهم {دَمَّرَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ} أي أهلكهم واستأصلهم. يقال: دمّره تدميراً، ودمّر عليه بمعنًى. ثم تواعد مشركي مكة فقال: {وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا} أي أمثال هذه الفعلة؛ يعني التدمير. وقال الزجاج والطبري: الهاء تعود على العاقبة؛ أي وللكافرين من قريش أمثال عاقبة تكذيب الأمم السالفة إن لم يؤمنوا.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى: {أَفَلَمْ يَسِيرُواْ} يعني: المشركين بالله، المكذبين لرسوله {فِي ٱلأَرْضِ فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ دَمَّرَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ} أي عاقبهم بتكذيبهم وكفرهم، أي ونجى المؤمنين من بين أظهرهم، ولهذا قال تعالى: {وَلِلْكَـٰفِرِينَ أَمْثَـٰلُهَا}. ثم قال: { ذَلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ مَوْلَى ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَأَنَّ ٱلْكَـٰفِرِينَ لاَ مَوْلَىٰ لَهُمْ} ولهذا لما قال أبو سفيان صخر بن حرب رئيس المشركين يوم أحد، حين سأل عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، فلم يجب وقال: أما هؤلاء فقد هلكوا، وأجابه عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال: كذبت يا عدو الله بل أبقى الله تعالى لك ما يسوءك، وإن الذين عددت لأحياء؛ فقال أبو سفيان: يوم بيوم بدر، والحرب سجال، أما إنكم ستجدون مثلة لم آمر بها، ولم أنه عنها، ثم ذهب يرتجز ويقول: اعل هبل اعل هبل. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ألا تجيبوه؟» تفسير : فقالوا: يا رسول الله وما نقول؟ قال صلى الله عليه وسلم قولوا: «حديث : الله أعلى وأجل» تفسير : ثم قال أبو سفيان: لنا العزى ولا عزى لكم، فقال صلى الله عليه وسلم: «حديث : ألا تجيبوه؟» تفسير : قالوا: وما نقول يا رسول الله؟ قال: «حديث : قولوا: الله مولانا ولا مولى لكم»تفسير : ثم قال سبحانه وتعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ يُدْخِلُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ جَنَـٰتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَـٰرُ} أي يوم القيامة {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ ٱلأَنْعَـٰمُ} أي في دنياهم، يتمتعون بها ويأكلون منها كأكل الأنعام خضماً وقضماً، ليس لهم همة إلا في ذلك، ولهذا ثبت في الصحيح: «حديث : المؤمن يأكل في مِعي واحد، والكافر يأكل في سبعة أمعاء» تفسير : ثم قال تعالى: {وَٱلنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ} أي يوم جزائهم، وقوله عز وجل: {وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِّن قَرْيَتِكَ ٱلَّتِيۤ أَخْرَجَتْكَ} يعني: مكة {أَهْلَكْنَـٰهُمْ فَلاَ نَـٰصِرَ لَهُمْ} وهذا تهديد شديد ووعيد أكيد لأهل مكة في تكذيبهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو سيد الرسل وخاتم الأنبياء، فإذا كان الله عز وجل قد أهلك الأمم الذين كذبوا الرسل قبله بسببهم، وقد كانوا أشد قوة من هؤلاء، فماذا ظن هؤلاء أن يفعل الله بهم في الدنيا والأخرى؟ فإن رفع عن كثير منهم العقوبة في الدنيا؛ لبركة وجود الرسول نبي الرحمة، فإن العذاب يوفر على الكافرين به في معادهم {أية : يُضَاعَفُ لَهُمُ ٱلْعَذَابُ مَا كَانُواْ يَسْتَطِيعُونَ ٱلسَّمْعَ وَمَا كَانُواْ يُبْصِرُونَ} تفسير : [هود: 20]. وقوله تعالى: {مِّن قَرْيَتِكَ ٱلَّتِيۤ أَخْرَجَتْكَ} أي الذين أخرجوك من بين أظهرهم. وقال ابن أبي حاتم: ذكر أبي عن محمد بن عبد الأعلى عن المعتمر بن سليمان عن أبيه عن حنش، عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما خرج من مكة إلى الغار ــــ أراه قال: فالتفت إلى مكة وقال: «حديث : أنت أحب بلاد الله إلى الله، وأنت أحب بلاد الله إلي، ولولا أن المشركين أخرجوني لم أخرج منك» تفسير : فأعدى الأعداء من عدا على الله تعالى في حرمه، أو قتل غير قاتله، أو قتل بذحول الجاهلية، فأنزل الله تعالى على نبيه صلى الله عليه وسلم: { وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِّن قَرْيَتِكَ ٱلَّتِيۤ أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَـٰهُمْ فَلاَ نَـٰصِرَ لَهُمْ}.
المحلي و السيوطي
تفسير : {أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِى ٱلأَرْضِ فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ دَمَّرَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ } أهلك أنفسهم أولادهم وأموالهم {وَلِلْكَٰفِرِينَ أَمْثَٰلُهَا } أي أمثال عاقبة ما قبلهم.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {وَكَأيّن مِّن قَرْيَةٍ} أي وكم من قرية، وأنشد الأخفش للبيد: شعر : وكائن رأينا من ملوك وسوقة ومفتاح قيد للأسير المكبل تفسير : فيكون معناه: وكم من أهل قرية. {هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً} أي أهلها أشد قوة. {مِّن قَرْيَتِكَ} يعني مكة. {الَّتِي أَخْرَجَتْكَ} أي أخرجك أهلها عند هجرتك منها. {أَهْلكْنَاهُمْ} يعني بالعذاب. {فَلاَ نَاصِرَ لَهُمْ} يعني فلا مانع لهم منا، وهذا وعيد.
ابن عطية
تفسير : قوله تعالى: {أفلم يسيروا} توقيف لقريش وتوبيخ. و: {الذين من قبلهم} يريد: ثمود وقوم لوط وقوم شعيب وأهل السد وغيرهم. والدمار: الإفساد وهدم البناء وإذهاب العمران. وقوله: {دمر الله عليهم} من ذلك. والضمير في قوله: {أمثالها} يصح أن يعود على العاقبة المذكورة، ويصح أن يعود على الفعلة التي يتضمنها قوله: {دمر الله عليهم}. وقولهم: {ذلك بأن} ابتداء وخبر في "أن" وما عملت فيه. والمولى: الناصر الموالي، وفي مصحف عبد الله بن مسعود: "ذلك بأن الله ولي الذين آمنوا". وقال قتادة: إن هذه الآية نزلت يوم أحد ومنها انتزع رسول الله صلى الله عليه وسلم رده على أبي سفيان حين قال له: "حديث : قولوا الله مولانا ولا مولى لكم ". تفسير : وقوله تعالى: {ويأكلون كما تأكل الأنعام} أي أكلاً مجرداً من فكرة ونظر، فالتشبيه بالمعنى إنما وقع فيما عدا الأكل من قلة الفكر وعدم النظر، فقوله: {كما} في موضع الحال، وهذا كما تقول لجاهل: يعيش كما تعيش البهيمة، فأما بمقتضى اللفظ فالجاهل والعالم والبهيمة من حيث لهم عيش فهم سواء، ولكن معنى كلامك يعيش عديم النظر والفهم كما تعيش البهيمة. والمثوى: موضع الإقامة، وقد تقدم القول غير مرة في قوله: {وكأين}. وضرب الله تعالى لمكة مثلاً بالقرى المهلكة على عظمها، كقرية قوم عاد وغيرها. و: {أخرجتك} معناه: وقت الهجرة. ونسب الإخراج إلى القرية حملاً على اللفظ. وقال: {أهلكناهم} حملاً على المعنى. ويقال: إن هذه الآية نزلت إثر خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة في طريق المدينة. وقيل: نزلت بالمدينة. وقيل: نزلت بمكة عام دخلها رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد الحديبية. وقيل نزلت: عام الفتح وهو مقبل إليها. وهذا كله حكمه حكم المدني.
الثعالبي
تفسير : وقوله عز وجل: {أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِى ٱلأَرْضِ}: توقيف لقريش، وتوبيخٌ وَ{ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} يريدُ: ثمودَ وقَوْمَ شُعَيْبٍ وغيرهم، والدمار: الإفساد، وهَدْمُ البناء، وإذهابُ العُمْرَانِ، والضميرُ في قوله: {أَمْثَـٰلُهَا} يَصِحُّ أَنْ يعودَ على العَاقِبَةِ، ويَصِحُّ أَنْ يعود على الفَعْلَةِ التي يتضمَّنها قوله: {دَمَّرَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ}. وقوله تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ مَوْلَى ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ...} الآية، المَوْلَى: الناصِرُ المُوَالِي، قال قتادة: نزلَتْ هذه الآيةُ يَوْمَ أُحُدٍ، ومنها انتزع النبيُّ صلى الله عليه وسلم رَدَّهُ على أبي سُفْيَانَ حينَ قال: «قُولُوا: اللَّهُ مَوْلاَنَا، وَلاَ مَوْلَىٰ لَكُمْ». وقوله سبحانه: {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ ٱلأَنْعَـٰمُ} أي: أكلاً مجرَّداً عن الفِكْرِ والنظر، وهذا كما تقول: الجاهلُ يعيشُ كما تعيشُ البهيمةُ، والمعنى: يعيشُ عَدِيمَ الفَهْمِ والنَّظَرِ في العَوَاقِبِ.
ابن عادل
تفسير : ثم خوف الكفار فقال: {أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ دَمَّرَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ} أي أهلكهم. قوله: {دَمَّرَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ} يجوز أن يكون حذف مفعوله، أي أهلك الله بُيُوتَهُمْ، وخرّبها عليهم أو يضمن معنى "دمر" معنى سخط اله عليهم بالتدمير. وقوله: {أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ} مناسب للوجه الأخير، يعني فينظروا إلى حالهم، ويعلموا أن الدنيا فانيةً. قوله: {وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا} أي أمثال العاقبة المتقدمة. وقيل: أمثال العقوبة. وقيل: التدمير. وقيل: الهلكة. والأول أولى لتقدم ما يعود عليه الضمير صريحاً مع صحة معناه. فإن قيل: إذا عاد الضمير إلى العاقبة فكيف يكون لها أمثال؟. فالجواب: أن المراد هو العذاب الذي هو مدلول العاقبة، والألم الذي دلّت العاقبة عليه. فصل في المراد بقوله: {وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا} وجهان: أحدهما: أن المراد الكافرون بمحمد ـ عليه الصلاة والسلام ـ. والثَّانِي: أن المراد لهم أمثالها في الآخرة، فيكون المراد من الكافرين مَنْ تقدّم، كأنه يقول: دَمَرَ اللهُ عليهم في الدنيا ولهم في الآخرة أمثالها. فإن قيل: إذ كان المراد (من) الكافرين بمحمد ـ عليه الصلاة والسلام ـ فإنهم أمثال ما كان لمن تقدمهم من العاقبة، فالأولون أهلكوا بأمور شديدة كالزَّلاَزِلِ والنِّيران والرِّيَاحِ والطُّوفَانِ، ولا كذلك قوم محمد ـ عليه الصلاة والسلام ـ. فالجواب: يجوز أن يكون عذابهم أشد من عذاب الأولين، لكون دين محمد أظهر بسبب تقدم الأنبياء ـ عليهم الصلاة والسلام ـ عليه، وأخبارهم عنه، وإنذارهم على أنهم قتلوا وأُسِرُوا بأيدي مَنْ كانوا يَسْتَخِفُّونَهُمْ ويستضعفونهم والقتل بيد المِثل آلم من الهلاك بسبب عام. قوله: {ذَلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ مَوْلَى ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} تقدم الكلام على نظيره {وَأَنَّ ٱلْكَافِرِينَ لاَ مَوْلَىٰ لَهُمْ} والمراد بالمولى هنا الناصر. ثم ذكر ما للفريقين فقال: {إِنَّ ٱللَّهَ يُدْخِلُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ} لما بين حال المؤمنين والكافرين في الدنيا بين حالهم في الآخرة وقال: إنه يدخل المؤمن الجنة، والكافر النار. وقد تقدم أن مِنْ في قوله: "مِنْ تَحْتِهَا" تحتمل أن تكون صلة معناه تجري تحتها، ويحتمل أن يكون المراد (أن) ماءها منها لا يجري إليها من موضع آخر، يقال: هذا نهر مَنْبَعُهُ مِنْ أَيْنَ؟ يقال: من عين كذا من تحت جبل كذا. قوله: {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ ٱلأَنْعَامُ} أي ليس لهم هِمة إلا بطونهم وفروجهم وهم لاهون عما في غد. قيل: المؤمن في الدنيا يتزود، والكافر يتزين، والكافر يتمتع. قوله: {كَمَا تَأْكُلُ ٱلأَنْعَامُ} إما حال من ضمير المصدر، أي يأكلون الأكل مشبهاً أكل الأنعام وإما نعت لمصدر أي أكلاً مثل أكل الأنعام. قوله: {وَٱلنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ} يجوز أن تكون هذه الجملة استئنافاً. ويجوز أن تكون حالاً، ولكنها مقدرة أي يأكلون مقدار ثَوْيتهم في النار. وقال في حق المؤمن: {إِنَّ ٱللَّهَ يُدْخِلُ} بصيغة الوعد، وقال في حق الكافر: {النار مثوى لهم} بصغية تنبىء عن الاستحقاق، لأن الإحسان لا يستدعي استحقاقاً، فالمحسن إلى من يوجد منه ما يوجب الإحسان كريم. والمعذب من غير استحقاق ظالم. قوله: {وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ} يريد أهل، ولذلك راعى هذا المقدر في قوله: {أَهْلَكْنَاهُمْ فَلاَ نَاصِرَ لَهُمْ} بعدما راعى المضاف في قوله: {هِيَ أَشَدُّ} والجملة من هي ابتداء صفة لقرية. وقال ابن عطية: نسب الإخراج للقرية حملاً على اللفظ وقال: "أهلكناهم" حملاً على المعنى. قال أبو حيان: وظاهر هذا الكلام لا يَصِحّ لأن الضمير في "أهلكناهم" ليس عائداً على المضاف إلى القرية التي أسند إليها الإخراج بل على أهل القرية في قوله: {وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ} فإن كان أراد بقوله: "حملاً على المعنى"، أي معنى القرية في قوله: {وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ} فهو صحيح، لكن ظاهر قوله: حملاً على اللفظ، وحملاً على المعنى أن يكون في مدلول واحد. وكان على هذا يبقى كأين مفلتاً غير محدَّث عنه بشيء إلا أن يتخيَّل أن {هِيَ أَشَدُّ} خبر عنه والظاهر أنه صفة لقرية. قال شهاب الدين: وابنُ عطية إنما أراد لفظ القرية من حيث الجملة لا من حيث التفسير. فصل لما ضرب الله لهم مثلاً بقوله: {أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ}، ولم ينفعهم مع ما تقدم من الدلائل، ضرب للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ مثلاً تسلية له فقال: {وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِّن قَرْيَتِكَ ٱلَّتِيۤ أَخْرَجَتْكَ} أي أخرجك أهلها، قال ابن عباس: كان رجالهم أشد من أهل مكة، يدل عليه قوله: {أَهْلَكْنَاهُمْ} ولم يقل: "أهلكناها" فلا ناصر لهم كذلك يفعل بهم، فاصبر كما صبر رسلهم. وقوله: {فلا ناصر لهم} قال الزمخشري (كيف) قال {فَلاَ نَاصِرَ لَهُمْ} (مع) أن الإهلاك ماضٍ وقوله: {فَلاَ نَاصِرَ لَهُمْ} للحال والاستقبال محمول على الحكاية، والحكاية كالحال الحاضر، ويحتمل أن يقال: قوله: {فلا ناصر لهم} عائد على أهل قرية محمد ـ عليه الصلاة والسلام ـ كأنه قال: أهلكنا من تقدم من أهل دينك ولا ناصر لأهل قريتك ينصرهم ويُخلِّصهُمْ مِنْ مِثْلِ ما جرى على الأولين. فصل قال ابن عباس (رضي الله عنهما): لما خرج رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ من مكة إلى الغار التفت إلى مكة، وقال: أنت أحب بلاد الله إلى الله، وأحب بلاد الله إلَيَّ، ولو أن المشركين لم يخرجوني لم أخرج منك. فأنزل الله هذه الآية. قوله: {أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ} أفمن كان مبتدأ والخبر {كَمَن زُيِّنَ لَهُ} وحمل على لفظ "مَنْ" فأفرد في قوله: "سوء عمله"، وعلى المعنى فجمع في قوله: {وَٱتَّبَعُوۤاْ أَهْوَاءَهُمْ}. (والجملة من "اتبعوا أهواءهم" عطف على "زين"؛ فهو صلة. فصل معنى قوله: "أفمن كان على بينة من ربه" أي يقين من دينه، يريد محمداً والمؤمنين، كمن زين له سوء عمله واتبعوا أهواءهم) يعني عبدة الأوثان، يريد أبا جهل والمشركين.
البقاعي
تفسير : ولما كان لا يستهين بهذه القضايا ويجترئ مثل هذه البلايا إلا من أمن العقوبة، ولا يأمن العقوبة إلا من أعرض عن الله سبحانه وتعالى، وكان يكفي في الصد عن الأمرين وقائعه تعالى بالأمم الخالية لأجل تكذيب رسله ومناصبة أوليائه والاعتداء على حدوده، قال منكراً عليهم وموبخاً لهم تقدماً إليهم بالتحذير من بطشه وسطوته وشديد أخذه وعقوبته، مسبباً عن كراهيتهم المذكورة وما تأثر عنها من العداوة لأهل الله: {أفلم يسيروا} أي بسبب تصحيح أعمالهم وبنائها على أساس {في الأرض} أي التي فيها آثار الوقائع فإنها هي الأرض في الحقيقة لما لها من زيادة التعريف بالله {فينظروا} عقب سيرهم وبسبه. ولما كانت وقائعه خلعة للقلوب بما فيها من الأمور الباهرة الناطقة بها ألسنة الأحوال بعد التنبيه بالمقال، ساق ذلك بسوقه في أسلوب الاستفهام مساقاً منبهاً على أنه من العظمة بحيث يفرغ الزمان للعناية بالسؤال عنه فقال: {كيف كان عاقبة} أي آخر أمر {الذين} ولما كان يمكنهم معرفة ذلك من جميع المهلكين، نبه بإثبات الجار على أنهم بعضهم بل بعض المكذبين للرسل، وهم الذين سمعوا أخبارهم ورأوا ديارهم بعاد وثمود ومدين وسا وقوم لوط فقال تعالى: {من قبلهم} ولما كان كأنه قيل: ما لهم؟ قال: {دمر الله} أي أوقع الملك الأعظم الهلاك العظيم الداخل بغير إذن، الهاجم بغتة {عليهم} بما علم أهاليهم وأحوالهم وكل من رضي فعالهم أو مقالهم، وعدل عن أن يقول: "ولهؤلاء" إلى قوله: {وللكافرين} تعميماً وتعليقاً للحكم بالوصف وهو العراقة في الكفر، فكان فيه بشارة بأن بعضهم سينجيه الله تعالى من أسباب الهلاك لكونه ليس عريقاً في الكفر، لأنه لم يطبع عليه {أمثالها *} أي أمثال هذه العاقبة. ولما بين أن يعلي أولياءه ويذل أعداءه، بين علته فقال: {ذلك} أي الأمر العظيم الذي فعله بالفريقين {بأن الله} أي بسبب أن الملك الأعظم المحيط بصفات الكمال {مولى الذين آمنوا} أي القريب من المصدقين به المرضين له، فهو يفعل معهم بما له من الجلال والجمال ما يفعل القريب بقريبه الحبيب له، قال القشيري: ويصح أن يقال: أرجى آية في كتاب الله هذه الآية لأنه لم يقل: الزهاد والعباد وأصحاب الأوراد والاجتهاد. يعني بل ذكر أدنى أسنان أهل الإيمان. {وأن الكافرين} أي العريقين في هذا الوصف {لا مولى لهم *} بهذا المعنى، لأنهم بعيدون من الله الذي لا يعبد على الحقيقة إلا هو، فلا ينفعهم قرب قريب أصلاً وإن كان الله مولاهم بغير هذا المعنى بل بمعنى أنه سيدهم ومالكهم، وفيه إيماء إلى أنه سبحانه وتعالى ولي من لم يكن عريقاً في الكفر فيخرجه من الظلمات إلى النور. ولما تشوف السامع إلى تعرف تمام آثار الولاية، قال شافياً لعيّ سؤالهم مؤكداً لأجل كثرة المكذبين: {إن الله} أي الذي له جميع الكمال {يدخل الذين آمنوا} أي أوقعوا التصديق {وعملوا} تصديقاً لما ادعوا أنهم أوقعوه {الصالحات} فتمتعوا بما رزقهم الله من الملاذ لا على وجه أنها ملاذ بل على وجه أنها مأذون فيها، وهي بلاغ إلى الآخرة وأكلوا لا للترفه بل لتقوية البدن على ما أمروا به تقوتاً لا تمتعاً {جنات} أي بساتين عظيمة الشأن موصوفة بأنها {تجري} وبين قرب الماء من وجهها بقوله: {من تحتها الأنهار} أي فهي دائمة النمو والبهجة والنضارة والثمرة لأن أصول أشجارها ربى وهي بحيث متى أثرت بقعة مناه أدنى إثارة جرى منها نهر، فأنساهم دخولهم غصص ما كانوا فيه في الدنيا من نكد العيش ومعاناة الشدائد، وضموا نعيمها إلى ما كانوا فيه في الدنيا من نعيم الوصلة بالله ثم لا يحصل لهم كدر ما أصلاً، وهي مأواهم لا يبغون عنها حولاً، وهذا في نظير ما زوي عنهم من الدنيا وضيق فيها عيشهم نفاسة منهم عنها حتى فرغهم لخدمته وألزمهم حضرته حباً لهم وتشريفاً لمقاديرهم {والذين كفروا} أي غطوا ما دل عليه العقل فعملوا لأجل كفرهم الأعمال الفاسدة المبعدة عن جناب الله {يتمتعون} أي في الدنيا بالملاذ لكونها ملاذ كما تتمتع الأنعام، ناسين ما أمر الله معرضين عن لقائه بل عن الموت أصلاً بل يكون ذكر الموت حاثاً لهم على الانهماك في اللذات مسابقة له جهلاً منهم بالله {ويأكلون} على سبيل الاستمرار {كما تأكل الأنعام} أكل التذاذ ومرح من أيّ موضع كان وكيف كان الأكل في سبعة أمعاء، أي في جميع بطونهم من غير تمييز للحرام من غيره لأن الله تعالى أعطاهم الدنيا ووسع عليهم فيها وفرغهم لها حتى شغلهم عنه هواناً بهم وبغضاً لهم لأنه علم حالهم قبل أن يوجدهم فيدخلهم ناراً وقودها الناس والحجارة {والنار} أي والحال أن ذات الحرارة العظمى والإحراق الخارج عن الحد {مثوى} أي منزل ومقام {لهم *} تنسيهم أول انغماسهم فيها كل نعيم كانوا فيه ثم لا يصير لهم نعيم ما أصلاً، بل لا ينفك عنهم العذاب وقتاً ما، فالآية من الاحتباك، ذكر الأعمال الصالحة ودخول الجنات أولاً دليلاً على حذف الفاسدة ودخول النار ثانياً، والتمتع والمثوى ثانياً دليلاً على حذف التعلل والمأوى أولاً، فهو احتباك في احتباك واشتباك مقارن لاشتباك. ولما وعد سبحانه أنه ينصر من ينصره لأنه مولاه ويدخله دار نعمته، ويخذل من يعانده لأنه عاداه إلى أن يدخله دار شقوته، كان التقدير دليلاً على ذلك: فكأين من قوم هم أضعف من الذين اتبعوك نصرناهم على من كذبهم، فلا خاذل لهم، فعطف عليه قوله: {وكأين} ولما كانت قوة قريش في الحقيقة ببلدهم، وكان الإسناد إليها أدل على تمالؤ أهلها وشدة اتفاقهم حتى كأنهم كالشيء الواحد قال: {من قرية} أي كذبت رسولها {هي أشد قوة} وأكثر عدة {من قريتك} ولما كان إنزال هذه بعد الهجرة، عين فقال: {التي أخرجتك} أي أخرجك أهلها متفقين في أسباب الإخراج من أنواع الأذى على كلمة واحدة حتى كأن قلوبهم قلب واحد فكأنها هي المخرجة - وهي مكة - كذبوك وآذوك حتى أخرجناك من عندهم لننصرك عليهم بمن أيدناك بهم من قريتك هذه التي آوتك من الأنصار نصراً جارياً على ما تألفونه وتعتادونه {أهلكناهم} بعذاب الاستئصال كما اقتضت عظمتنا، وحكى حالهم الماضية بقوله: {فلا ناصر لهم *}. ولما كان هذا دليلاً شهودياً بعد الأدلة العقلية على ما تقدم الوعد به، سبب عنه الإنكار عليهم فقال: {أفمن كان} أي في جميع أحواله {على بينة} أي حالة ظاهرة البيان في أنها حق {من ربه} المربي المدبر له المحسن إليه بما يقيم من الأدلة التي تعجز الخلائق أجمع عن أن يأتوا بواحد منها فبصر سوء عمله وأريه على حقيقته فرآه سيئاً فاجتنبه مخالفاً لهواه، قال القشيري: العلماء في ضياء برهانهم والعارفون في ضياء بيانهم. {كمن زين له} بتزيين الشيطان بتسليطنا له عليه وخلقنا للآثار بأيسر أمر {سوء عمله} من شرك أو معصية دونه. ولما كان التقدير: فرآه حسناً فعمله ملازماً له، فكان على عمى وضلال، وكان قد أفرد الضمير لقبول "من" له من جهة لفظها، جمع رداً على معناها بتعميم القبح مثنى وفرادى، وإشارة إلى أن القبيح يكون أولاً قليلاً جداً، فمتى غفل عنه فلم تحسم مادته دب وانتشر فقال عاطفاً على ما قدرته: {واتبعوا أهواءهم *} فلا شبهة لهم في شيء من أعمالهم السيئة فضلاً عن دليل، والآية من الاحتباك ذكر البينة أولاً دليلاً على ضدها ثانياً، والتزيين واتباع الهوى ثانياً دليلاً على ضدهما أولاً، وسره أنه ذكر الأصل الجامع للخير ترغيباً والأصل الجامع للشر ترهيباً.
ابو السعود
تفسير : {أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِى ٱلأَرْضِ} أي أقَعدُوا في أماكنِهم فلم يسيرُوا فيها {فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} من الأممِ المكذبةِ فإنَّ آثارَ ديارِهم تنبىءُ عن أخبارِهم. وقولُه تعالى: {دَمَّرَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ} استئنافٌ مبنيٌّ على سؤالٍ نشأَ من الكلامِ كأنَّه قيلَ كيفَ كان عاقبتُهم فقيلَ استأصلَ الله تعالىَ عليهم ما اختصَّ بهم من أنفسِهم وأهليِهم وأموالِهم، يقالُ دمَّره أهلكَه ودمَّر عليهِ أهلكَ عليهِ ما يختصُّ بهِ. {وَلِلْكَـٰفِرِينَ}أي ولهؤلاءِ الكافرينَ السائرينَ بسيرتِهم {أَمْثَـٰلُهَا} أمثالُ عواقبِهم أو عقوباتِهم لكنْ لا على أنَّ لهؤلاءِ أمثالَ ما لأولئكَ وأضعافَهُ، بلْ مثلَه، وإنما جُمعَ باعتبارِ مماثلتِه لعواقبَ متعددةٍ حسبَ تعددِ الأممِ المُعذبةِ. وقيلَ يجوزُ أن يكونَ عذابُهم أشدَّ من عذابِ الأولينَ وقد قُتلوا وأُسروا بأيدِي من كانُوا يستخفّونهم ويستضعفونهم والقتلُ بـيد المثلِ أشدُّ ألماً من الهلاكِ بسببٍ عامٍ، وقيلَ المرادُ بالكافرينَ المتقدمونَ بطريقِ وضعِ الظاهرِ موضعَ الضميرِ، كأنَّه قيلَ دمَّر الله عليهم في الدُّنيا ولهُم في الآخرةِ أمثالُها. {ذٰلِكَ} إشارةٌ إلى ثبوتِ أمثالِ عقوبةِ الأممِ السَّالفةِ لهؤلاءِ {بِأَنَّ ٱللَّهَ مَوْلَى ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ} أي ناصرُهم على أعدائِهم. وقُرِىءَ وليُّ الذينَ {وَأَنَّ ٱلْكَـٰفِرِينَ لاَ مَوْلَىٰ لَهُمْ} فيدفعُ عنُهم ما حلَّ بهم من العقوبةِ والعذابِ ولا يُخالفُ هَذا قولَه تعالى: { أية : ثُمَّ رُدُّواْ إِلَىٰ ٱللَّهِ مَوْلَـٰهُمُ ٱلْحَقّ }تفسير : [سورة الأنعام، الآية 62] فإنَّ المَوْلَى هُناكَ بمعنى المالِك. إِنَّ ٱللَّهَ يُدْخِلُ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ جَنَـٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَـٰرُ} بـيانٌ لحكمِ ولايتِه تعالى لَهُم وثمرتِها الأُخرويةِ. {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يَتَمَتَّعُونَ} أيْ ينتفعونَ في الدُّنيا بمتاعِها {وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ ٱلأَنْعَـٰمُ} غافلينَ عنْ عواقِبهم {وَٱلنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ} أي منزلُ ثُواءٍ وإقامةٍ. والجملةُ إمَّا حالٌ مقدرةٌ منْ واوِ يأكُلونَ، أو استئنافٌ {وَكَأَيّن} كلمةٌ مركبةٌ من الكافِ، وأَيْ بمَعنى كَمِ الخبريةِ ومحلُّها الرفعُ بالابتداءِ. وقوله تعالى: {مِن قَرْيَةٍ} تميـيزٌ لها. وقولُه تعالى: {هِىَ أَشَدُّ قُوَّةً مّن قَرْيَتِكَ} صفةٌ لقريةٍ كما أنَّ قولَه تعالى: {ٱلَّتِى أَخْرَجَتْكَ} صفةٌ لقريتكَ، وقد حُذفَ عنهُمَا المضافُ وأُجريَ أحكامُه عليهمَا كما يُفصحُ عنه الخبرُ الذي هو قولُه تعالى: {أَهْلَكْنَـٰهُمْ} أي وكم منْ أهلِ قريةٍ هُم أشدُّ قوةً من أهلِ قريتكَ الذين كانُوا سبباً لخروجِكَ من بـينِهم. ووصفُ القريةِ الأولى بشدةِ القُوَّةِ للإيذانِ بأولويةِ الثانيةِ منها بالإهلاكِ لضعفِ قوَّتِها كما أنَّ وصفَ الثانيةِ بإخراجهِ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ للإيذانِ بأولويتِها به لقوةِ جنايتِها. وعلى طريقتِه قولُ النابغةِ: شعر : كُلَيبٌ لعَمْرِي كانَ أكثَر ناصرا وَأيسَر جُرماً منكَ ضُرِّجَ بالدَّمِ تفسير : وقولُه تعالى: {فَلاَ نَـٰصِرَ لَهُمْ} بـيانٌ لعدمِ خلاصِهم من العذابِ بواسطةِ الأعوانِ والأنصارِ إثرَ بـيانِ عدمِ خلاصِهم منْهُ بأنفسِهم. والفاءُ لترتيبِ ذكرِ ما بالغيرِ على ذكرِ ما بالذاتِ وهو حكايةُ حالٍ ماضيةٍ.
القشيري
تفسير : قوله جلّ ذكره: {أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ}. وكيف أهلكهم وأبادهم وأقماهم؟
اسماعيل حقي
تفسير : {افلم يسيروا} كفار العرب {فى الارض} اى أقعدوا فى اماكنهم ولم يسيروا فيها الى جانب الشام واليمن والعراق {فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم} من الامم المكذبة كعاد وثمود وأهل سبأ فان آثار ديارهم تنبئ عن اخبارهم {دمر الله عليهم} استئناف مبنى على سؤال نشأ من الكلام كأنه قيل كيف كان عاقبتهم فقيل استأصل الله عليهم ما اختص بهم من انفسهم واهليهم واموالهم يقال دمره اهلكه ودمر عليه اهلك عليه ما يختص به. قال الطيبى كأن فى دمر عليهم تضمين معنى اطبق فعدى بعلى فاذا اطبق عليهم دمارا لم يخلص مما يختص بهم احد. وفى حواشى سعدى المفتى دمر الله عليهم اى اوقع التدمير عليهم {وللكافرين} اى ولهؤلاء الكافرين السائرين بسيرتهم {امثالها} اى امثال عواقبهم او عقوباتهم لكن لا على ان لهؤلاء امثال ما لاولئك واضعافه بل مثله وانما جمع باعتبار مماثلته لعواقب متعددة حسب تعدد الامم المعذبة. وفى الآية اشارة الى ان النفوس السائرة لتلحق نعيم صفاتها الذميمة كرهوا ما انزل الله من موجبات مخالفات النفس والهوى وموافقات الشرع ومتعابعة الانبياء فأحبط اعمالهم لشوبها بالشرك والرياء والتصنع والهوى او لم يسلكوا فى ارض البشرية فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم من القلوب والارواح لما تابعوا الهوى وتلوثوا بحب الدنيا اهلكهم الله فى اودية الرياء وبوادى البدعة والضلال وللكافرين من النفوس اللئام فى طلب المرام امثالها من الضلال والهلاك
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {أفلم يسيروا} أي: أَقعدوا فلم يسيروا {في الأرض} يعني كفار مكة، {فينظروا كيف كان عاقبةُ الذين من قبلهم} من الأمم المكذبة؟ فإنّ آثار ديارهم تنبئ عن أخبارهم، فقد {دَمَّر اللَّهُ عليهم} فالجملة: استئناف مبني على سؤال، كأنه قيل: كيف كان عاقبتهم؟ فقيل: استأصل الله عليهم ما اختص بهم من أنفسهم وأهليهم وأموالهم، يُقال: دمّره؛ أهلَكه، ودمّر عليه: أهلك عليه ما يختص به، قاله أبو السعود. وفي الصحاح: الدمار: الهلاك، دمّره تدميراً، ودمَّر عليه، بمعنى. هـ. فظاهرة: أن معناهما واحد، وفسره في الأساس بالهلاك المستأصل، وقال الطيبي: في دمّر عليهم تضمينُ معنى أطبقَ، فعُدي بعلى، ولذلك استأصل. هـ. {وللكافرين} أي: ولهؤلاء الكافرين السائرين بسيرَتِهم {أمثالُها} أي: أمثال تلك الهلكة المفهومة من التدمير، أو أمثال عواقِبهمْ أو عُقوبَاتهم، لكن لا على أنّ لهؤلاء أمثال ما لأولئك وأضعافَه؛ بل مثله، وإنما جمع باعتبار مماثلته لعواقب متعددة، حسبما تعدّد الأمم المعذّبة، ويجوز أن يكون عذابُهم أشدّ من عذاب الأولين فقد قُتلوا وأُسروا بأيدي مَن كانوا يستخفونهم ويستضعفونهم، والقتل بيد المثل أشد ألماً من الهلاك بسبب عام، وقيل: دمَّر اللّهُ عليهم في الدنيا، ولهم في الآخرة أمثالُها. {ذلك} أي: نصرُ المؤمنين وهلاكُ الكافرين في الحال أو المآل {بأنَّ اللّهَ مولى الذين آمنوا} أي: ناصِرُهم ومعِزَّهُم {وأنَّ الكافرين لا مولى لهم} فيدفع عنهم ما حَلّ بهم من العقوبة، ولا يخالف هذا قوله:{أية : ثُمَّ رُدُّواْ إِلَى اللَّهِ مَوْلاَهُمُ الْحَقِّ}تفسير : [الأنعام: 62] لأن المولى هناك بمعنى المالك. {إِن الله يُدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناتِ تجري من تحتها الأنهارُ} وهذا بيان لحكم ولاية الله لهم وثمرتها الأخروية، {والذين كفروا يتمتعون} في الدنيا بمتاعِها أياماً قلائل، {ويأكلون} غافلين عن عَواقبهم، غير متفكرين فيها {كما تأكل الأنعامُ} في مسارحها، غافلة عما هي بصدده من النحر والذبح، فالتشبيهُ بالأنعام صادقٌ بالغفلةِ عن تدبير العاقبة، وعن شكر المنعِم، وبعدم التمييز للمُضر من غيره، كأكل الحرام وعدم تَوَقيه، وكذا كونُه غير مقصورٍ على الحاجة، ولا على وقتها، وسيأتي في الإشارة إن شاء الله. {والنارُ مثوىً لهم} أي: منزلُ ثوَاه وإقامته، والجملةُ إما حال مقدرةٌ من واو {يأكلون}، أو استئناف. الإشارة: تفكُّر الاعتبار يكون في أربعة، الأول: في سرعة ذهاب الدنيا وانقراضها، كأضغاث أحلام، وكيف غرَّت مَن انتشب بها، وأخذته في شبكتها، حتى قدِم على الله بلا زاد، وكيف دَمّر اللّهُ على أهل الطغيان، واستأصل شأفتهم، فيُنتج ذلك التشمير والتأهُّب ليوم الجزاء. الثاني: في دوام دار البقاء، ودوام نعيمها، فينتهز الفرصة في العمل الصالح،. الثالث: في النِعَم التي أنعم الله بها على عباده، الدنيوية والأخروية، الحسية والمعنوية، قال تعالى:{أية : وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا}تفسير : [إبراهيم: 34] فينْتِج ذلك الشكر، لتدوم عليه. الرابع: في نصب هذه العوالم، على ما هي عليه من الإبداع والإتقان، فيُثمر ذلك معرفةَ الصانع، وباهرِ قدرته وحكمته. وقوله تعالى: {ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا...} الخ، قال القشيري: المَوْلَى: المحِبُّ، فهو محب الذين آمنوا، والكافرين لا يُحبهم، ويصح أن يُقال: أرجى آيةٍ في القرآن هذه الآية، لم يقل مولى الزُهّاد والعُبّاد وأصحاب الأورادِ والاجتهاد: بل قال: {مولى الذين آمنوا} والمؤمن وإن كان عاصياً فهو من جملتهم. هـ. والمحبة تتفاوت بقدر زيادة الإيمان والإيقان حتى يصير محبوباً مقرباً. قوله تعالى: {والذين كفروا يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام} وكذلك الغافل، فالأنعام تأكل بلا تمييز، من أي موضع وجدت، كذلك الجاهل، لا تمييز له من الحلال أو من الحرام، والأنعام ليس لها وقت لأكلها، بل تأكل في كل وقت، وكذلك الغافل والكافر. فقد ورد "حديث : أن الكافر يأكل في سبعة أمعاء، والمؤمن يجتزئ بما تيسّر"تفسير : ، كما في الخبر:"حديث : ما ملأ آدميٌّ وعاءً شرّاً من بطنٍ"تفسير : . والأنعام تأكل على الغفلة، فمَن كان في أكله ناسياً لربه، فأكلُه كأكل الأنعام. انظر القشيري. ولما أمرهم بالنظر فلم يفعلوا، هددهم بالهلاك، فقال: {وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً}.
الهواري
تفسير : قوله عز وجل: {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ} أي: أهلكهم الله {وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا} يعني عاقبة الذين من قبلهم. أي الذين تقوم عليهم الساعة، كفار آخر هذه الأمة، يهلكون بالنفخة الأولى. قال الله عز وجل: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا} أي: وليّهم {وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لاَ مَوْلَى لَهُمْ} أي: لا ولي لهم إلا الشيطان، فإنه وليّهم. وأما قوله: (أية : ثُمَّ رُدُّواْ إِلَى اللّهِ مَوْلاَهُمُ الْحَقِّ) تفسير : [الأنعام:62] فمعناه مالكهم، وليس هو من باب ولاية الله للمؤمنين. وقال: (أية : اللّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ) تفسير : [البقرة:257]. قال: {إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ} أي: أنهار الجنة تجري في غير خدود: الماء والعسل واللبن والخمر، وهو أبيض كله؛ فطينة النهر مسك أذفر، ورضراضه الدر والياقوت، وحافاته قباب اللؤلؤ. قال: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ} أي: في الدنيا {وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الأَنْعَامُ} وهي غافلة عن الآخرة. قال: {وَالنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ} أي: منزل للذين كفروا. ذكروا عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: حديث : المؤمن يأكل في مِعًى واحد والكافر يأكل في سبعة أمعاء . تفسير : قوله عزّ وجلّ: {وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ} أي: وكم من قرية {هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً} أي: أهلها كانوا أشد قوة {مِّن قَرْيَتِكَ} أي: من أهل قريتك {الَّتِي أَخْرَجَتْكَ} يعني مكة، أخرجك أهلها {أَهْلَكْنَاهُمْ فَلَا نَاصِرَ لَهُمْ} أي: يمنعهم منا. قوله: {أَفَمَن كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ كَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءهُمْ}. وهذا المشرك، أي: ليسوا بسواء.
اطفيش
تفسير : {أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} كثمود وقوم شعيب {دَمَّرَ اللهُ عَلَيْهِمْ} دمره أهلككه ودمر عليه استأصل ما يختص به من نفس وأهل ومال وولد وعداه بعلى لتضمنه معنى غضب أو على التعليل والمفعول محذوف أي أهلكهم وأموالهم وأولادهم وأهلهم بسبب ذنوبهم {وَلِلْكَافِرِينَ} بك يا محمد والاصل ولهم فوضع الظاهر موضع المضمر تشنيعاً لهم بعنوان الكفر. وقال الشيخ هود المراد كفار آخر هذه الامة يهلكون بالنفخة الاولى {أَمْثَالُهَا} أي أمثال تلك العاقبة أو العقوبة أو الهلكة لان التدمير يدل عليهما أو للسنة لقوله {سنة الله في الذين خلوا} وقيل ذلك التضعيف في الآخرة فقط {ذَلِكَ} المذكور من نصر المؤمنين واهلاك المشركين* {بِأَنَّ} أي لان* {اللهََ مَوْلَى} أي (ولي) وبه قرأ ابن مسعود* {الَّذِينَ آمَنُواْ وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لاَ مَوْلَى لَهُمْ} أى لا مولى نصر لهم واما وردوا الى الله مولاهم الحق فالمولى فيه المالك. "حديث : قال قتادة: نزلت يوم أحد كثرت الجراح في المسلمين وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم في الشعب ونادى المشركون اعل هبل قيل نادى أبو سفيان فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم قولوا الله أعلى وأجل ونادى المشركون يوم بيوم والحرب سجال ان لنا عزاً ولا عز لكم فقال صلى الله عليه وسلم قولوا الله مولانا ولا مولى لكم ان القتلى مختلفة أما قتلانا فأحياء يرزقون وأما قتلاكم ففي النار يعذبون"
اطفيش
تفسير : {أفَلَم} الهمزة مما بعد العاطف فهى من جملة المعطوف، أو هى داخلة على جملة معطوف عليها، أى أقعدو فى أرضهم فلم {يسِيروا في الأرض} حتى يصلوا الى أرض الأمم المهلكة، أو أرض بعضهم وأل للجنس صالحة لذلك {فينْظُروا كيفَ كان عاقبة الَّذين من قَبْلهم} من الأمم المهلكة لتكذيبهم، فان خراب ديارهم بلا إجلاء سلطان، ولا قتل أحد، ولا قحط ولا شىء يوجد الاخبار عنه منبىء عن أخبارهم {دمَّر الله عَليْهم} كأنه قيل: ما عاقبتهم؟ فأجاب بقوله: {دمر الله عليهم} أى أهلك ما يختص بهم من النفس والأهل والمال، فهو أعم من دمرهم، أى أهلكهم، وهو متعد جعل مفعوله نسيا منسيا استغنى عنه بعلى، والأصل دمر الله أنفسهم وأهلهم وأموالهم عليهم، وحذفه مبالغة، كأنه قيل أهلكوا من كل وجه ممكن، وعلى معنى الاستعلاء عليهم بكل مضر، أو كأنه قيل شدد عليهم، وغضب عليهم على أنه لا مفعول له. {وللكافِرين} من سائر الأمم المهلكين بغير خراب ديارهم {أمْثالها} أمثال عاقبتهم أو عقوبتهم لدلالة ما سبق عليها، كما أهلك فرعون وقومه مع بقاء مصر، وجمع الأمثال للتعدد باعتبار وقائع متعددة بحسب تعدد الأمم المكذبة المعذبة، كل أمة عذبت بعذاب يشبه عذاب من عذبوا وخربت ديارهم، وليس المراد أن كل أمة اجتمع عليها أمثال عذاب هؤلاء الذين خربت ديارهم، إلا أن يقال: العذاب بأيدى من استحقوا به من القتل والأسر أشد عليهم من العذاب بسبب علم من الله عز وجل، ويجوز أن تكون أل للعهد، فهم الكافرون والمذكورون قبل، فالأصل ولهم أمثالها لتصريحه بالكفر الذى هو موجب العقاب، وليس فى سائر كتب الله عز وجل من كثرة تكرير الانذار جدا ما فى كتابه القرآن منها.
الالوسي
تفسير : {أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي ٱلأرْضِ } أي أقعدوا في أماكنهم فلم يسيروا فيها {فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ } من الأمم المكذبة فإن آثار ديارهم تنبىء عن أخبارهم. وقوله تعالى: {دَمَّرَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ } استئناف بياني كأنه قيل: كيف كانت عاقبتهم؟ فقيل: أهلك ما يختص بهم من النفس والأهل والمال يقال دمره أهلكه ودمر عليه أهلك ما يختص به فدمر عليه أبلغ من دمره، وجاءت المبالغة من حذف المفعول وجعله نسياً منسياً والإتيان بكلمة الاستعلاء وهي لتضمن التدمير معنى الإيقاع أو الهجوم أو نحوه. {وَلِلْكَـٰفِرِينَ } أي لهؤلاء الكافرين السائرين سيرتهم {أَمْثَـٰلُهَا } أمثال عاقبتهم أو عقوبتهم لدلالة ما سبق عليها لكن لا على أن لهؤلاء أمثال ما لأولئك وأضعافه بل مثله، وإنما جمع باعتبار مماثلته لعواقب متعددة حسب تعدد الأمم المعذبة، وقيل: يجوز أن يكون عذابهم أشد من عذاب الأولين وقد قتلوا وأسروا بأيدي من كانوا يستخفونهم ويستضعفونهم، والقتل بيد المثل أشد [ألماً] من الهلاك بسبب عام، وقيل: المراد بالكافرين المتقدمون بطريق وضع الظاهر موضع الضمير كأنه قيل: دمر الله تعالى عليهم في الدنيا ولهم في الآخرة أمثالها.
ابن عاشور
تفسير : تفريع على جملة {أية : والذين كفروا فتعساً لهم}تفسير : [محمد: 8] الآية، وتقدم القول في نظائر {أية : أولم يسيروا في الأرض}تفسير : في سورة الروم (9) وفي سورة غافر (21). والاستفهام تقريري، والمعنى: أليس تعس الذين كفروا مشهوداً عليه بآثاره من سوء عاقبة أمثالهم الذين كانوا قبلهم يدينون بمثل دينهم. وجملة {دمر الله عليهم} استئناف بياني، وهذا تعريض بالتهديد. والتدمير: الإهلاك والدمار وهو الهلك. وفعل {دمَّر} متعد إلى المدمَّر بنفسه، يقال: دمرهم الله، وإنما عدي في الآية بحرف الاستعلاء للمبالغة في قوة التدمير، فحذف مفعول {دمر} لقصد العموم، ثم جعل التدمير واقعاً عليهم فأفاد معنى {دمّر} كل ما يختصُّ بهم، وهو المفعول المحذوف، وأن التدمير واقع عليهم فهم من مشموله. وجملة {وللكافرين أمثالها} اعتراض بين جملة {أفلم يسيروا في الأرض} وبين جملة {أية : ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا}تفسير : [محمد: 11]. والمراد بالكافرين: كفار مكة. والمعنى: ولكفاركم أمثال عاقبة الذين من قبلهم من الدّمار وهذا تصريح بما وقع به التعريض للتأكيد بالتعميم ثم الخصوص. وأمثال: جمع مِثْل بكسر الميم وسكون الثاء، وجمع الأمثال لأن الله استأصل الكافرين مرات حتى استقر الإسلام فاستأصل صناديدهم يوم بدر بالسيف، ويوم حنين بالسيف أيضاً، وسلط عليهم الريح يوم الخندق فهزمهم وسلط عليهم الرعب والمذلة يوم فتح مكة، وكل ذلك مماثل لما سلطه على الأمم في الغاية منه وهو نصر الرسول صلى الله عليه وسلم ودينه، وقد جعل الله ما نصر به رسوله صلى الله عليه وسلم أعلى قيمة بكونه بيده وأيدي المؤمنين مباشرة بسيوفهم وذلك أنكى للعدو. وضمير {أمثالها} عائد إلى {عاقبة الذين من قبلهم} باعتبار أنها حالة سوء.
الشنقيطي
تفسير : قد قدمنا إيضاحه في سورة هود في الكلام على قوله تعالى:{أية : وَمَا هِيَ مِنَ ٱلظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ}تفسير : [هود: 83]، وأحلنا على الآيات الموضحة لذلك في سورة الروم في الكلام على قوله تعالى:{أية : أَوَلَمْ يَسيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَانُوۤاْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُواْ ٱلأَرْضَ}تفسير : [الروم: 9] الآية. وأوضحناها في الزخرف في الكلام على قوله: {أية : فَأَهْلَكْنَآ أَشَدَّ مِنْهُم بَطْشاً}تفسير : [الزخرف: 8] الآية وفي الأحقاف في الكلام على قوله تعالى: {أية : وَلَقَدْ مَكَّنَاهُمْ فِيمَآ إِن مَّكَّنَّاكُمْ فِيهِ}تفسير : [الأحقاف: 26] الآية، وفي غير ذلك من المواضع.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 10- أَقَعدوا عن طلب ما يعظهم، فلم يسيروا فى الأرض فينظروا فى أى حال كان عاقبة الذين كذَّبوا الرسل من قبلهم، أوقع الله عليهم الهلاك فى كل ما يختص بهم من نفس ومال وولد، وللكافرين بالله وبرسوله أمثال هذه العاقبة. 11- ذلك الجزاء من نصر المؤمنين وقهر الكافرين بأن الله مولى الذين آمنوا وناصرهم، وأن الكافرين لا مولى لهم ينصرهم ويمنع هلاكهم. 12- إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات عظيمة تجرى من تحتها الأنهار، والذين كفروا يتمتعون فى الدنيا قليلا، ويأكلون كما تأكل الأنعام، غافلين عن التفكير فى العاقبة، لا همَّ لهم سوى شهواتهم، والنار فى الآخرة مأوى لهم. 13- وكثير من أهل القرى السابقين هم أشد قوة من أهل قريتك - مكة - التى أخرجك أهلها - يا محمد - أهلكناهم بأنواع العذاب، فلا ناصر لهم يمنعهم منا. 14- أيستوى الفريقان فى الجزاء؟! أفمن كان منهما على معرفة بينة بخالقه ومربيه فأطاعه، كمن زُيِّن له سوء عمله، واتبعوا فيما يأتون ويذرون أهواءهم الباطلة؟.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: أفلم يسيروا في الأرض: أي أغفل هؤلاء المشركون فلم يسيروا في البلاد. فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم: أي كيف كانت نهاية الذين من قبلهم كعاد وثمود. دمر الله عليهم وللكافرين أمثالها: أي دمر عليهم مساكنهم فأهلكهم وأولادهم وأموالهم وللكافرين أمثال تلك العاقبة السيئة. وأن الكافرين لا مولى لهم: أي لا ناصر لهم. والذين كفروا يتمتعون ويأكلون: أي بمُتع الدنيا من مطاعم ومشارب وملابس ويأكلون. كما تأكل الأنعام والنار مثوى لهم: أي كأكل الأنعام بنهم وازدراد والنار مأواهم. وكأين من قرية هي أشد قوة: أي وكثير من أهل قرية هي أشد قوة. من قريتك التي أخرجتك: أي مكة إذ أخرج أهلها النبي صلى الله عليه وسلم. أفمن كان علي بينة من ربه: أي على حجة وبرهان من أمر دينه فهو يعبد الله على علم. كمن زين له سوء عمله: أي كمن زين الشيطان له سوء عمله. واتبعوا أهواءهم: أي واتبعوا أهواءهم في عبادة الأصنام والجواب ليسوا سواء ولا مماثلة بينهما أبدا. معنى الآيات: قوله تعالى {أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ} يوبخ تعالى المشركين المصرين على الشرك والكفر على إصرارهم على الشرك والعناد فيقول أغفلوا {أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ دَمَّرَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ} كعاد وثمود وقوم لوط إذ دمر تعالى عليهم بلادهم فأهلكم وأولادهم وأموالهم فيعتبروا بذلك، وقوله تعالى {وَلِلْكَافِرِينَ} أمثال تلك العاقبة المدمّرة، وعيد لكفار مكة بأن ينزل عليهم عقوبة كعقوبة الأولين إن لم يتوبوا من شركهم وإصرارهم عليه، وعنادهم فيه. وقوله {ذَلِكَ} أي نصر المؤمنين وقهر الكافرين بسبب أن الله مولى الذين آمنوا أي وليهم ومتولي أمرهم وناصرهم، وأن الكافرين لا مولى لهم لأن الله تعالى خاذلهم ومن يخذله الله فلا ناصر له، وقوله تعالى {إِنَّ ٱللَّهَ يُدْخِلُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ} هذا وعد من الله تعالى لأهل الإِيمان والعمل الصالح بأن يدخلهم يوم القيامة جنات أي بساتين تجري من تحت قصورها وأشجارها الأنهار وقوله {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يَتَمَتَّعُونَ} في الدنيا بملاذها وشهواتها، {وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ ٱلأَنْعَامُ} إذ ليس لهم هَمٌ إلا بطونهم وفروجهم، ولذا هم لا يلتفتون إلى الآخرة. {وَٱلنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ} أي مقام ومنزل ومصير، وهذا وعيد شديد للكافرين، وهذا هو الترغيب والترهيب الذي هو سمة بارزة في أسلوب القرآن في الهداية البشرية وقوله تعالى {وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِّن قَرْيَتِكَ ٱلَّتِيۤ أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ فَلاَ نَاصِرَ لَهُمْ} هذه الآية نزلت ساعة خروج الرسول صلى الله عليه وسلم من بيته إلى غار ثور مهاجراً فقد التفت إلى مكة وقال أنت أحب البلاد إلى الله وأحب بلاد الله إليَّ ولو أن المشركين لم يُخرجوني لم أخرج منك. ومعنى الآية الكريمة وكثير من القرى أهلها أشد قوة من أهل قريتك "مكة" التي أخرجك أهلها حيث حكموا بإِعدامه صلى الله عليه وسلم أهلكناهم أي أهل تلك القرى فلا ناصر وجد لهم عند إهلاكنا لهم. فكانت هذه الآية تحمل تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأي تسلية!! وقوله تعالى {أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ} أي على علم وبرهان من صحة معتقده وعبادته لله تعالى راجياً ثوابه خائفا من عقابه وهؤلاء هم المؤمنون، كمن زين له سوء أي قبيح عمله من الشرك والكفر فهو يعبد الأصنام، واتبعوا أهواءهم هم في ذلك فلم يتبعوا وحياً إلهياً ولا عقلا إنسانيا فهل حالهم كحال من ذُكروا قبلهم والجواب لا يتماثلان إذ بينهما من الفوارق كما بين الحياة والموت، والجنة والنار. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- تقرير قاعدة: العاقل من اعتبر بغيره. 2- تقرير ولاية الله لأهل الإِيمان والتقوى. 3- بيان الفرق بين الماديين وأهل الإِيمان والاستقامة على منهج الإِسلام. 4- تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم تخفيفا من آلامه التي يعانيها من إعراض المشركين وصدوفهم عن الإسلام.
د. أسعد حومد
تفسير : {عَاقِبَةُ} {لِلْكَافِرِينَ} {أَمْثَالُهَا} (10) - أفَلَم يَسِرْ هَؤُلاءِ المُكَذِّبونَ في الأرْضِ لِيَرَوا كَيْفَ عَاقَبَ اللهُ المُكَذِّبينَ مِنَ الأمَمِ السَّالِفَةِ، لَقَدْ دَمَّرَ اللهُ قُراهُمْ وَبُيُوتَهُمْ، وأهْلَكَ أولاَدَهُمْ وَأمْوَالَهُمْ، أفَلا يَعْتَبِرُ هَؤُلاءِ بِما نَزَلَ بِمَنْ سَبَقَهُمْ مِنَ المُكَذِّبينَ، وَيَنْتَهُونَ عَمَّا هُمْ فِيهِ مِنَ الكُفْرِ وَالغَيِّ والضِّلاَلَةِ؟ وَكَما أهْلَكَ اللهُ المُكَذِّبينَ السَّابِقِينَ، وَنجَّى المُؤْمِنينَ مِنْ بَيْنِ أظْهُرِهِمْ، كَذلِكَ يَفْعَلُ اللهُ بالكَافِرينَ، السَّائِرينَ سِيرَتَهُمْ. دَمَّرَ عَلَيهِمْ - أطْبَقَ الهَلاكَ عَلَيهِمْ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : قوله تعالى: {أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ ..} [محمد: 10] استفهام غرضه التعجب من صنيع الكافرين، كيف يكفرون بالله وهم أمة ترحال وأسفار، ويمرون في أسفارهم على بقايا ديار الأمم المكذّبة، ويرون ما نزل بها من العذاب وكيف أخذها الله، أفلم يأخذوا منها عبرة!!؟ قال تعالى في أية أخرى: {أية : وَإِنَّكُمْ لَّتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُّصْبِحِينَ * وَبِٱلَّيلِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ}تفسير : [الصافات: 137-138] وقال: {أية : أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَأْتِي ٱلأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا وَٱللَّهُ يَحْكُمُ لاَ مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ}تفسير : [الرعد: 41]. وفي آية أخرى: {أية : أَفَلاَ يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي ٱلأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَآ أَفَهُمُ ٱلْغَالِبُونَ}تفسير : [الأنبياء: 44] يعني: خذوا عبرة من واقع الحياة، أرأيتم رسولاً انهزم أمام خصومه؟ إذن: فليأخذوا عبرة من الأمم السابقة {فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ..} [محمد: 10] ماذا فعل الله بهم {دَمَّرَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ ..} [محمد: 10] دمرهم الله لها معنى. يعني: أهلكهم في أنفسهم، إنما دمَّر عليهم يعني: خرب عليهم وأطبق عليهم العذاب، فدمّرهم ودمَّر أموالهم ودمَّر أهلهم ولم يُبْق لهم على شيء. {وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا} [محمد: 10] يعني: هذا المصير ليس ببعيد عنكم يا كفار مكة فاحذروا، كما قال في آية أخرى: {أية : وَمَا هِيَ مِنَ ٱلظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ}تفسير : [هود: 83]. ثم يقول الحق سبحانه: {ذَلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ مَوْلَى ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ...}.
مجاهد بن جبر المخزومي
تفسير : أَنا عبد الرحمن، قال نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: عز وجل: {دَمَّرَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا} [الآية: 10]. يقول: للكافرين مثل ما دمرت به القرون الأُولى، عند أَمر الله لهم. أَنا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: نا آدم قال: نا ورقاء عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {فَأَوْلَىٰ لَهُمْ * طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَّعْرُوفٌ} قال: يقول: أَمر الله المتقين بذلك {فَإِذَا عَزَمَ ٱلأَمْرُ}. يقول: فاذا جد الأَمر [الآية: 20 ـ 21]. أَنا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {فَلاَ تَهِنُواْ} [الآية: 35]. يقول: فلا تضعفوا. أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن مجاهد: {وَأَنتُمُ ٱلأَعْلَوْنَ} [الآية: 35]. يعني الغالبين مثل يوم أُحد. أَي تكون عليهم الدائرة. أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: [نا آدم قال]: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {وَلَن يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ} [الآية: 35]. يقول: لن ينقصكم أعمالكم.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : أي: أفلا يسير هؤلاء المكذبون بالرسول صلى الله عليه وسلم، { فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ } فإنهم لا يجدون عاقبتهم إلا شر العواقب، فإنهم لا يلتفتون يمنة ولا يسرة إلا وجدوا ما حولهم، قد بادوا وهلكوا، واستأصلهم التكذيب والكفر، فخمدوا، ودمر الله عليهم أموالهم وديارهم، بل دمر أعمالهم ومكرهم، وللكافرين في كل زمان ومكان، أمثال هذه العواقب الوخيمة، والعقوبات الذميمة. وأما المؤمنون، فإن الله تعالى ينجيهم من العذاب، ويجزل لهم كثير الثواب. { ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا } فتولاهم برحمته، فأخرجهم من الظلمات إلى النور، وتولى جزاءهم ونصرهم، { وَأَنَّ الْكَافِرِينَ } بالله تعالى، حيث قطعوا عنهم ولاية الله، وسدوا على أنفسهم رحمته { لا مَوْلَى لَهُمْ } يهديهم إلى سبل السلام، ولا ينجيهم من عذاب الله وعقابه، بل أولياؤهم الطاغوت، يخرجونهم من النور إلى الظلمات، أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):