٤٧ - مُحَمَّد
47 - Muhammad (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
12
Tafseer
الرازي
تفسير : لما بيّن الله تعالى حال المؤمنين والكافرين في الدنيا بيّن حالهم في الآخرة وقال إنه يدخل المؤمن الجنة والكافر النار وفيه مسائل: المسألة الأولى: كثيراً ما يقتصر الله على ذكر الأنهار في وصف الجنة لأن الأنهار يتبعها الأشجار والأشجار تتبعها الثمار ولأنه سبب حياة العالم، والنار سبب الإعدام، وللمؤمن الماء ينظر إليه وينتفع به، وللكافر النار يتقلب فيها ويتضرر بها. المسألة الثانية: ذكرنا مراراً أن من في قوله {مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَـٰرُ } يحتمل أن يكون صلة معناه تجري تحتها الأنهار، ويحتمل أن يكون المراد أن ماءها منها لا يجري إليها من موضع آخر، فيقال هذا النهر منبعه من أين؟ يقال من عين كذا من تحت جبل كذا. لمسألة الثالثة: قال: {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يَتَمَتَّعُونَ } خصهم بالذكر مع أن المؤمن أيضاً له التمتع بالدنيا وطيباتها، نقول من يكون له ملك عظيم ويملك شيئاً يسيراً أيضاً لا يذكر إلا بالملك العظيم، يقال في حق الملك العظيم صاحب الضيعة الفلانية ومن لا يملك إلا شيئاً يسيراً فلا يذكر إلا به، فالمؤمن له ملك الجنة فمتاع الدنيا لا يلتفت إليه في حقه والكافر ليس له إلا الدنيا، ووجه آخر: الدنيا للمؤمن سجن كيف كان، ومن يأكل في السجن لا يقال إنه يتمتع، فإن قيل كيف تكون الدنيا سجناً مع ما فيها من الطيبات؟ نقول للمؤمن في الآخرة طيبات معدة وإخوان مكرمون نسبتها ونسبتهم إلى الدنيا ومن فيها تتبين بمثال، وهو أن من يكون له بستان فيه من كل الثمرات الطيبة في غاية اللذة وأنهار جارية في غاية الصفاء ودور وغرف في غاية الرفعة وأولاده فيها، وهو قد غاب عنهم سنين ثم توجه إليهم وهم فيها، فلما قرب منهم عوق في أجمة فيها من بعض الثمار العفصة والمياه الكدرة، وفيها سباع وحشرات كثيرة، فهل يكون حاله فيها كحال مسجون في بئر مظلمة وفي بيت خراب أم لا؟ وهل يجوز أن يقال له اترك ما هو لك وتعلل بهذه الثمار وهذه الأنهار أم لا؟. كذلك حال المؤمن، وأما الكافر فحاله كحال من يقدم إلى القتل فيصبر عليه أياماً في مثل تلك الأجمة التي ذكرناها يكون في جنة، ونسبة الدنيا إلى الجنة والنار دون ما ذكرنا من المثال، لكنه ينبىء ذا البال، عن حقيقة الحال. وقوله تعالى: {كَمَا تَأْكُلُ ٱلأَنْعَـٰمُ } يحتمل وجوهاً أحدها: أن الأنعام يهمها الأكل لا غير والكافر كذلك والمؤمن يأكل ليعمل صالحاً ويقوى عليه وثانيها: الأنعام لا تستدل بالمأكول على خالقها والكافر كذلك وثالثها: الأنعام تعلف لتسمن وهي غافلة عن الأمر، لا تعلم أنها كلما كانت أسمن كانت أقرب إلى الذبح والهلاك، وكذلك الكافر ويناسب ذلك قوله تعالى: {وَٱلنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ }. المسألة الرابعة: قال في حق المؤمن {إِنَّ ٱللَّهَ يُدْخِلُ } بصيغة الوعد، وقال في حق الكافر {وَٱلنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ } بصيغة تنبىء عن الاستحقاق لما ذكرنا أن الإحسان لا يستدعي أن يكون عن استحقاق، فالمحسن إلى من لم يوجد منه ما يوجب الإحسان كريم، والمعذب من غير استحقاق ظالم.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى:{إِنَّ ٱللَّهَ يُدْخِلُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ} تقدّم في غير موضع. {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يَتَمَتَّعُونَ} في الدنيا كأنهم أنعام، ليس لهم همّة إلا بطونهم وفروجهم، ساهون عما في غدِهم. وقيل: المؤمن في الدنيا يتزوّد، والمنافق يتزين، والكافر يتمتع. {وَٱلنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ} أي مقام ومنزل.
المحلي و السيوطي
تفسير : {إِنَّ ٱللَّهَ يُدْخِلُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ جَنَّٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَٰرُ وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يَتَمَتَّعُونَ } في الدنيا {وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ ٱلأَنْعَٰمُ } أي ليس لهم همٌّ إلا بطونهم وفروجهم ولا يلتفتون إلى الآخرة {وَٱلنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ } أي مَنْزل ومقام ومصير.
السيوطي
تفسير : وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله {والذين كفروا يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام} قال: لا يلتفت إلى آخرته. قوله تعالى: {وكأين من قرية} الآيتين. أخرج عبد بن حميد وأبو يعلى وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما "حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم لما خرج من مكة إلى الغار التفت إلى مكة وقال: أنت أحب بلاد الله إلى الله وأنت أحب بلاد الله إلي، ولولا أن أهلك أخرجوني منك لم أخرج منك فأعتى الأعداء من عدا على الله في حرمه أو قتل غير قاتله أو قتل بذحول أهل الجاهلية"تفسير : فأنزل الله تعالى {وكأين من قرية هي أشد قوّة من قريتك التي أخرجتك أهلكناهم فلا ناصر لهم}. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه في قوله {وكأين من قرية هي أشد قوّة من قريتك} قال: قريته مكة وفي قوله {أفمن كان على بينة من ربه} قال: هو محمد صلى الله عليه وسلم {كمن زين له سوء عمله} قال: هم المشركون. وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه قال: كلُّ هوىً ضلالة. وأخرج ابن المنذر عن طاوس قال: ما ذكر الله هوى في القرآن إلا ذمه.
القشيري
تفسير : قوله جلّ ذكره: {إِنَّ ٱللَّهَ يُدْخِلُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ}. مضى الكلامُ في هذه الآية. {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ ٱلأَنْعَامُ وَٱلنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ}. الأنعامُ تأكل من أي موضع بلا تمييز، وكذلك الكافرُ لا تمييزَ له بين الحلال والحرام [كذلك الأنعام ليس لها وقت لأكلها؛ بل في كل وقت تقتات وتأكل، وكذلك الكافر، وفي الخبر: "حديث : إنه يأكل في سبعة أمعاء"تفسير : . أمَّا المؤمن فيكتفي بالقليل كما في الخبر: "حديث : إن كان ولا بُد فثُلُثٌ للطعام وثُلُثٌ للشراب وثلث للنفس" تفسير : و "حديث : ما ملأ ابن آدم وعاءً شرَّاً من بطنه "]. تفسير : ويقال: الأنعامُ تأكل على الغفله؛ فَمَنْ كان في حال أكله ناسياً ربَّه فأكْلُه كأكلِ الأنعام.
اسماعيل حقي
تفسير : {ان الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجرى من تحتها الانهار} بيان لحكم ولايته تعالى للمؤمنين وثمرتها الاخروية {والذين كفروا يتمتعون} اى ينتفعون فى الدنيا بمتاعها اياما قلائل ويعيشون {ويأكلون} حريصين غافلين عن عواقبهم {كما تأكل الانعام} فى مسارحها ومعالفها غافلة عما هى بصدده من النحر والذبح والانعام جمع نعم بفتحتين وهى الابل والبقر والضأن والمعز {والنار مثوى لهم} اى منزل ثواء واقامة والجملة اما حال مقدرة من واو يأكلون او استئناف فان قلت كيف التقابل بينه وبين قوله ان الله يدخل الخ قلت الآية والله أعلم من قبيل الاحتباك ذكر الاعمال الصالحة ودخول الجنة اولا دليلا على حذف الفاسدة ودخول النار ثانيا والتمتع والمثوى ثانيا دليلا على حذف التمتع والمأوى اولا قال القشيرى الانعام تأكل بلا تمييز من اى موضع وجد كذلك الكافر لا تمييز له أمن الحلال وجد ام من الحرام وكذلك الانعام ليس لها وقت بل فى كل وقت تقتات وتأكل كذلك الكافر أكول كما قال عليه السلام "حديث : الكافر يأكل فى سبعة امعاء والمؤمن يأكل فى معى واحد" تفسير : والانعام تأكل على الغفلة فمن كان فى حالة اكله ناسيا لربه فأكله كأكل الانعام. قال الحدادى الفرق بين أكل المؤمن والكافر ان المؤمن لا يخلو أكله عن ثلاث الورع عند الطلب واستعمال الادب والاكل للسبب والكافر يطلب للتهمة ويأكل للشهوة وعيشه فى غفلة وقيل المؤمن يتزود والمنافق يتزين ويتريد والكافر يتمتع ويتمنع وقيل من كانت همته ما يأكل فقيمته ما يخرج منه (قال الكاشفى) فى الآية يعنى همت ايشان مصرو فست بخوردن وعاقل بايدكه خرودن او براى زيستن باشد يعنى بجهت قوام بدن وتقويت قواى نفسانى طعام خورد ونظراوبرانكه بدن تحمل طاعت داشته باشد وقوتهاى نفسانى در استدلال بقدرت ربانى ممد ومعان بودنه آنكه عمر خود طفيل خوردن شناسد ودر مرعاى ذرهم يأكلوا ويتمتعوا مانند جهار بايان جز خوردن وخواب مطمح نظرش نباشد ونعم ما قيل خوردن براى زيستن وذكر دنست تو معتقدكه زيتن از بهر خوردنست. والحاصل ليس للذين كفروا هم الا بطونهم وفروجهم ولا يلتفتون الى جانب الآخرة فهم قد اضاعوا ايامهم بالكفر والآثام وأكلوا وشربوا فى الدنيا كالانعام واما المؤمنون فقد جاهدوا فى الله بالطاعات واشتغلوا بالرياضات والمجاهدات فلا جرم احسن الله اليهم بالجنات العاليات ومن هنا يظهر سر قوله عليه السلام "حديث : الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر" تفسير : فلما عرف المؤمن ان الدنيا سجن ونعيمها زآئل حبس نفسه على طاعة الله فكان عاقبته الجنات والنعيم الباقى ولما كان الكافر منكر الآخرة اشتغل فى الدنيا باللذات فلم يبق له فى الآخرة الا الحبس فى الجحيم واكل الزقوم وكان الكبار يقنعون بيسير من الغذآء كما حكى ان اويسا القرنى رضى الله عنه كان يقتات ويكتسى مما وجد فى المزابل فرأى يوما كلبا يهتر فقال كل ما يليك وانا اكل ما يلينى فان دخلت الجنة فانا خير منك وان دخلت النار فأنت خير منى قال عليه السلام "حديث : جاهدوا انفسكم بالجوع والعطش فان الاجر فى ذلك كأجر المجاهدة فى سبيل الله وانه ليس من عمل احب الى الله تعالى من جوع وعطش" تفسير : كما فى مختصر الاحياء (وفى المثنوى) زين خورشها اندك اندك بازبر زين غاى خربود نى آن حر تا غذاى اصل را قابل شوى لقمهاى نور را آكل شوى (وقال الجامى) جوع باشد غذاى اهل صفا محنت وابتلاى اهل هوا جوع تنوير خانه دل تست اكل تعمير حانه كل تست خانه دل كذاشتى بى نور خانه كل جه ميكنى معمور (وقال الشيخ سعدى) باندازه خورزاداكر مردمى جنين برشكم آدمى ياخمى درون جاى قوتست وذكر ونفس توبندارى از بهر نانس وبس ندارند تن بروران آكهى كه بر معده باشد زحكمت تهى. ومن اوصاف المريدين المجاهدة وهو حمل النفس على المكاره البدنية من الجوع والعطش والعرى ولا بد من مقاساة الموتات الاربع الموت الابيض وهو الجوع والموت الاحمر وهو مخالفة الهوى والموت الاسود وهو تحمل الاذى والموت الاخضر وهو طرح الرقاء بعضها على بعض اى لبس الخرقة المرقعة هضما للنفس ما لم تكن لباس شهرة فان النبى عليه السلام نهى عن الشهرتين فى اللباس اللين الارف والغليظ الاقوى لانه اشتهار بذلك وامتياز عن المسلمين له قد وقال عليه السلام "حديث : كن فى الناس كواحد من الناس" تفسير : قال ابراهيم بن ادهم قدس سره للقمة تتركها من عشائك مجاهدة لنفسك خير لك من قيام ليلة هذا اذا كان حلالا واما اذا كان حراما فلا خير فيه البتة فما ملئ وعاء شر من بطن ملئ بالحلال وبالجوع يحصل الصمت وقلة الكلام والذلة والانكسار من جميع الشهوات ويذهب الوساوس وكل آفة تطرأ عليك من نتائج الشبع وانت لا تدرى قديما كان او حديثا فان المعدة حوض البدن يسقى منه هذه الاعضاء التى هى مجموعة فالغذآء الجسمانى هو ماء حياة الجسم على التمام ولذلك قال سهل قدس سره ان سر الخلوة فى الماء وانت لا تشك ان صاحب الزراعة لو سقاها فوق حاجتها واطلق الماء عليها جملة واحدة هلكت ولو منعها الماء فوق الحاجة ايضا هلكت سوآء كان من الارض او من السماء وقس عليه الامتلاء من الطعام ولو كان حلالا نسأل الله الحماية والرعاية
اطفيش
تفسير : {إِنَّ اللهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ} في غير حدود وهي الماء والعسل واللبن والخمر وما شاءوا وهم في الدنيا معتنون بالله ولهم رزقهم كما ترزق الكفار وأقل وأكثر* {وَالَّذِينَ كَفَرُواْ يَتَمَتَّعُونَ} يتلذذون بشهوات الدنيا* {وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الأَنْعَامُ} غافلين عن العاقبة لا همة لهم الا بطونهم وفروجهم كما تأكل الانعام وهمتها ذلك غافلة عن العاقبة وعما اريد بها من النحر والذبح والخدمة الشديدة والموت. وفي الحديث: "حديث : لو تعلم ما علمتم من الموت لما أكلتم منها سميناً والدنيا بأجمعها سجن المؤمن" تفسير : بالنسبة لما له في الآخرة وجنة الكافر بالنسبة لما له من العذاب في الآخرة وهو كالبهيمة في عدم التمييز حتى عبد ما لا ينفع ولا يضر ويجوز أن يراد {كَمَا تَأْكُلُ الأَنْعَامُ} غافلة عن الآخرة ولا ضير لها* {وَالنَّارُ مَثْوىً} منزل ومقام ومصير* {لَّهُمْ} وفي الحديث "حديث : المؤمن يأكل في معي واحد والكافر يأكل في سبعة أمعاء" تفسير : فقيل المراد زهد المؤمن في الدنيا وحرص المشرك وقيل المؤمن يأكل الحلال والكافر يأكل الحلال والحرام والحلال قليل وقيل حض المؤمن على قلة الاكل اذا علم ان كثرته صفة المشرك فينفر عنها وقيل مؤمن ومشرك مخصوصان في الحديث وقيل المبالغة في كثرة الاكل لا حقيقة السبعة وقيل المؤمن التام يمنعه تفكيره وخوفه من استيفاء الاكل بخلاف المشرك وقيل يسمي فلا يأكل معه الشيطان والمشرك لا يسمي فيأكل معه فلا يكفيه القليل وقيل الحديث على ظاهره وقد يكون (معي) من أمعاء المشرك كمعي المؤمن وأصغر وأكبر (والمؤمن لا يأكل الا في معي واحد) من أمعائه السبعة فان لكل انسان سبعة أمعاء المعدة وبعدها ثلاثة متصلة بها رقاق البواب فالصائم فالرقيق وبعدهن ثلاثة غلاظ الاعور فالقولون فالمستقيم وقيل السبعة الحرص والشره وطول الامل والطمع والحسد وحب السمن ولعل السابعة سوء النية والواحد للمؤمن من سد الخلة وقيل المشرك يتبسط في الملبس والمطعم والمشرب والمنكح والمركب واقتناء الأموال والمؤمن يقتصر منها على قدر الحاجة وقيل يأكل قدر الشبع الشرعي وهو ثلث البطن وثلث للشرب وثلث للنفس ان لم يقدر على أقل وطعام الواحد يكفي اثنين فالثلث طعام الواحد اذا قسم بينهما كفي كل واحد السدس فالمؤمن يكفيه سدس بطنه وقيل للمؤمن معيّ وهو أكل الطبع وللكافر سبعة طبع وستة حرص ومن شأن المؤمن الكفاف بخلاف الكافر ولا تدخل الحكمة معدة ملئت طعاماً ومن قل طعامه قل شربه وخف نومه فتظهر بركة عمره وصلح بدنه ونفسه وقلبه ولا يقسو ولا يبطر والعكس لمن كثر طعامه وفي الحديث "حديث : أهل الشبع في الدنيا هم أهل الجوع غداً ". تفسير : وفي رواية "حديث : المؤمن يشرب في معي واحد والكافر يشرب في سبعة أمعاء " تفسير : والكافر كفر نفاق كالمشرك في غالب ذلك
الالوسي
تفسير : {إِنَّ ٱللَّهَ يُدْخِلُ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ جَنَـٰتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلاْنْهَـٰرُ } بيان لحكم ولايته تعالى لهم وثمرتها الأخروية {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يَتَمَتَّعُونَ } أي ينتفعون بمتاع الدنيا أياماً قلائل {وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ ٱلأَنْعَـٰمُ } الكاف في موضع نصب إما على الحال من ضمير المصدر كما / يقول سيبويه أي يأكلونه أي الأكل مشبهاً أكل الأنعام، وإما على أنه نعت لمصدر محذوف كما يقول أكثر المعربين أي أكلاً مثل أكل الأنعام، والمعنى أن أكلهم مجرد من الفكر والنظر كما تقول للجاهل تعيش كما تعيش البهيمة لا تريد التشبيه في مطلق العيش ولكن في خواصه ولوازمه، وحاصله أنهم يأكلون غافلين عن عواقبهم ومنتهى أمورهم. وقوله تعالى: {وَٱلنَّارُ مَثْوىً لَّهُمْ } أي موضع إقامة لهم، حال مقدر من واو {يَأْكُلُونَ }. وجوز أن يكون استئنافاً وكان قوله تعالى: {يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ } في مقابلة قوله سبحانه: {وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَاتِ } لما فيه من الإيماء إلى أنهم عرفوا أن نعيم الدنيا خيال باطل وظل زائل، فتركوا الشهوات وتفرغوا للصالحات، فكان عاقبتهم النعيم المقيم في مقام كريم وهؤلاء غفلوا عن ذلك فرتعوا في دمنهم كالبهائم حتى ساقهم الخذلان إلى مقرهم من درك النيران، وهذا ما ذكره العلامة الطيبـي في بيان التقابل بين الآيتين. وقال بعض الأجلة: في الكلام احتباك وذلك أنه ذكر الأعمال الصالحة ودخول الجنة أولاً دليلاً على حذف الأعمال الفاسدة ودخول النار ثانياً وذكر التمتع والمثوى ثانياً دليلاً على حذف التقلل والمأوى أولاً والأول أحسن وأدق. وأسند إدخال الجنة إلى الله تعالى ولم يسلك نحو هذا المسلك في قوله تعالى: {وَٱلنَّارُ مَثْوىً لَّهُمْ } وخولف بين الجملتين فعلية واسمية للإيذان بسبق الرحمة والإعلام بمصير المؤمنين والوعد بأن عاقبتهم أن الله سبحانه يدخلهم جنات وأن الكافرين مثواهم النار وهم الآن حاضرون فيها ولا يدرون وكالبهائم يأكلون.
ابن عاشور
تفسير : استئناف بياني جواب سؤال يخطر ببال سامع قولِه: {أية : بأن الله مولى الذين آمنوا وأن الكافرين لا مولى لهم}تفسير : [محمد: 11] عن حال المؤمنين في الآخرة وعن رزق الكافرين في الدنيا، فبيّن الله أن من ولايته المؤمنين أن يعطيهم النعيم الخالد بعد النصر في الدنيا، وأنّ ما أعطاه الكافرين في الدنيا لا عبرةَ به لأنهم مسلوبون من فهم الإيمان فحظهم من الدنيا أكل وتمتع كحظ الأنعام، وعاقبتهم في عالم الخلود العذاب، فقوله: {والنار مثوًى لهم} في معنى قوله في سورة آل عمران (196، 197){أية : لا يغرنك تقلُّب الذين كفروا في البلاد متاع قليل ثم مأواهم جهنم وبئس المهاد}تفسير : . وهذا الاستئناف وقع اعتراضاً بين جملة {أية : أفلم يسيروا في الأرض}تفسير : [محمد: 10] وجملة {أية : وكأين من قرية}تفسير : [محمد: 13] الآية. والمجرور من قوله: {كما تأكل الأنعام} في محل الحال من ضمير {يأكلون}، أو في محل الصفة لمصدر محذوف هو مفعول مطلق لــ {يأكلون} لبيان نوعه. والتمتع: الانتفاع القليل بالمتاع، وتقدم في قوله: {أية : متاع قليل} تفسير : في سورة آل عمران (197)، وقوله: {أية : ومتاع إلى حين} تفسير : في سورة الأعراف (24). والمثوى: مكان الثواء، والثواء: الاستقرار، وتقدم في قوله: {أية : قال النار مثواكم} تفسير : في الأنعام (128). وعدل عن الإضافة فقيل {مثوًى لهم} بالتعليق باللام التي شأنها أن تنون في الإضافة ليفاد بالتنوين معنى التمكّن من القرار في النار مثوى، أي مثوى قوياً لهم لأن الإخبار عن النار في هذه الآية حصل قبل مشاهدتها، فلذلك أضيفت في قوله: {قال النار مثواكم} لأنه إخبار عنها وهم يشاهدونها في المحشر.
د. أسعد حومد
تفسير : {آمَنُواْ} {ٱلصَّالِحَاتِ} {جَنَّاتٍ} {ٱلأَنْهَارُ} {ٱلأَنْعَامُ} (12) - وَفي يَوْمِ القِيَامةِ يُدخِلُ اللهُ تَعَالى الذِينَ آمَنُوا بهِ، وَبِكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَعَمِلُوا الأعْمَالَ الصَّالِحَاتِ، جَنَّاتٍ تَجرِي في أرْضِها الأنهَارُ جَزاءً لَهُم عَلَى إيمَانِهِمْ. أمَّا الكَافِرُونَ الذِين كَفَرُوا باللهِ وبِكُتُبهِ، وَكَذَّبُوا رُسُلَهُ، فَإنَّهُم يَتَمَتَّعُونَ بما في هذهِ الدُّنيا مِنْ مَتَاعٍ زَائِلٍ، وَيَأكُلُونَ فِيها كَالأنعَامِ، غَيرَ مُفَكِّرِينَ في عَواقِب أمُورِهِمْ، وَلا مُعْتَبِرِينَ بِما أقَامَهُ اللهُ لِلْعِبَادِ منَ الأدِلَّةِ على وُجُودِهِ ووَحْدَانِيَّتِهِ تَعَالى، وَسَيَصِيرُونَ في الآخِرَةِ إلى جَهَنَّمَ فَتَكُونُ مَسْكَنَهُمْ وَمَأوَاهُمْ. مَثْوىً - مَوضِعُ ثَواءٍ وَإِقَامَةٍ لَهُمْ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : الحق سبحانه وتعالى يحدثنا هنا عن عمل أهل الإيمان وعاقبته، وعمل أهل الكفر وعاقبته، فالمؤمن عمر قلبه بالإيمان، وعَمُرت جوارحه بالعمل الصالح، فكان العاقبة {جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ ..} [محمد: 12] حيث النعيم الدائم الذي لا ينفد أبداً. ومعنى {مِن تَحْتِهَا ..} [محمد: 12] أن ماءها ذاتي فيها متوفر لها لا يأتيها من بعيد ولا يخشى انقطاعه. أما الكافرون فيأكلون ويتمتعون بالطعام والشراب يملأون به بطونهم وقوالبهم، أما القلوب فهي خاوية خراب من المعاني ومن الإيمان. إذن: فهم يعيشون عيشة أشبه ما تكون بعيشة الحيوانات والبهائم، فعندهم تخمة في المادة، وعندهم فقر في المعاني والقيم، هذا حالهم في الدنيا، ثم تأتي العاقبة والجزاء الطبيعي {وَٱلنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ} [محمد: 12] يعني: مآلهم ومرجعهم ومستقرهم ومصيرهم.
الجيلاني
تفسير : وبالجملة: {إِنَّ ٱللَّهَ} العليم الحكيم {يُدْخِلُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ} منتزهات من المعارف والحقائق {تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ} الجارية من العلوم اللدنية، المنتشئة من منبع الوحدة الذاتية، تتلذذون بها تلذذاً معنوياً حقيقياً {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} بوحدة الحق وكمالاته المترتبة على شئونه وتجلياته {يَتَمَتَّعُونَ} بالحطام الدنيوية ويتلذذون باللذات البهيمية {وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ ٱلأَنْعَامُ} وتتلذذ بلا شعور لهم باللذة الأخروية {وَ} بالآخرة {ٱلنَّارُ} المعدة المسعرة صارت {مَثْوًى لَّهُمْ} [محمد: 12] ومحل قرارهم واستقرارهم. {وَكَأَيِّن} أي: كثيراً {مِّن قَرْيَةٍ} من القرى الهالكة {هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً} أي: أهلها، وأكثر أموالاً وأولاداً {مِّن} أهل {قَرْيَتِكَ ٱلَّتِيۤ أَخْرَجَتْكَ} أي: أهلها منها {أَهْلَكْنَاهُمْ} واستأصلناهم بسبب إخراجهم رسل الله من بينهم، وتكذيبهم والاستبكار عليهم {فَلاَ نَاصِرَ لَهُمْ} [محمد: 13] يظاهرهم ويدفع انتقاماً عنهم، فكذا ننتقم عن هؤلاء المشركين المستكبرين عليك يا أكمل الرسل، المخرجين لك وقومك من بينهم ظلماً وعداوناً؛ يعني: مشركي مكة - خذلهم الله - ونغلب المؤمنين عليهم، ونظهر دينك على الأديان كلها. وكيف لا ننصرك ونظهر دينك؟ {أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ} حجة واضحة، آتية له {مِّن رَّبِّهِ} مبينة له امر دينه {كَمَن زُيِّنَ} أي: حبب وحسن {لَهُ سُوۤءُ عَمَلِهِ} بلا مستند عقلي أو نقلي، بل {وَٱتَّبَعُوۤاْ أَهْوَاءَهُمْ} [محمد: 14] بمقتضى آرائهم الباطلة وأمانيهم الزائغة الزائلة. كلا وحاشا، بل {مَّثَلُ ٱلْجَنَّةِ} وشأنها العجيبة {ٱلَّتِي وُعِدَ ٱلْمُتَّقُونَ} بها، المجتنبون عن محارم الله، المتحرزون عن مساخطه على الوجه الذي بيَّنهم الكتب وبلغهم الرسل، الممتثلون بجميع ما أمروا من عنده سبحانه إيماناً واحتساباً عند ربهم، هكذا {فِيهَآ أَنْهَارٌ مِّن مَّآءٍ} هي: العلوم اللدنية المجيبة لهم بالحياة الأزلية الأبدية {غَيْرِ ءَاسِنٍ} أي: خالص صافٍ عن كدر التقليدات والتخمينات، الحادث عن مقتضيات القوى البشرية المنغمسة بالعلائق الجسمانية {وَأَنْهَارٌ مِّن لَّبَنٍ} من المحبة الذوقية الإلهية، المنتشئة من الفطرية الأصلية التي فطروا عليها في بدء ظهورهم {لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ} وذوقه بالميل إلى الهوى، ومن مزخرفات الدنيا {وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ} جذبة إلهية وشوق مفرط مسكر لهم، محير لعقولهم من غاية استغراقهم بمطالعة جمال الله وجلاله، بحيث لا يكتنه لهم وصفه بكونه من الأمور الذوقية {لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ} حسب تفاوت أذواقهم ومواجيدهم {وَأَنْهَارٌ مِّنْ عَسَلٍ} هي: اليقين الحقي الذي لا شيء أحلى منه وألذ عند العرف المتحقق به {مُّصَفًّى} من شوب الإثنينية اللازمة لمرتبتي اليقين العلمي والعيني. {وَ} بالجملة: {لَهُمْ فِيهَا مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَاتِ} المستلزمة لأنواع اللذات الروحانية، وأكبر من الكل أن لهم فيها {وَمَغْفِرَةٌ} ستر ومحو لأنانياتهم الباطلة ناشئة {مِّن رَّبِّهِمْ} الذي رباهم على الكرامة من عنده بعدما جذبهم تحت قباب عزه، ومكنهم من كنف جواره، هؤلاء المكرمون بهذه الكرامة العظمى {كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي ٱلنَّارِ} أي: كالكافر الطاغي الباغي، الذي خرج عن ربقة العبودية بمتابعة الأهوية الأمارة وأمانيها، وظهر على الحق وأهله بأنواع الإنكار والاستكبار، وبسبب هذا صار مخلداً في نار القطيعة، مؤبداً فيها لا نجاة له عنها {وَ} هم من شدة عطشهم وحرقة أكبادهم إذا استسقوا {سُقُواْ مَآءً حَمِيماً} حاراً في غاية الحرارة {فَقَطَّعَ أَمْعَآءَهُمْ} [محمد: 15] بعدما شربوا منه؛ وذلك لعدم الفهم واعتيادهم بالعلم اللدني وبرد اليقين العلمي والعيني والحقي. {وَمِنْهُمْ} أي: من المستوجبين بخلود النار أبد الآباد {مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ} يا أكمل الرسل حين دعوتك وتذكرك وجلسوا في مجلسك صامتين محبوسين {حَتَّىٰ إِذَا خَرَجُواْ مِنْ عِندِكَ} وانصرفوا عن مجلسك {قَالُواْ} من كمال غفلتهم وذهولهم عنك وعن كلامك وكمالاتك وعدم إدراكهم بما فيها وإصغائهم إليها {لِلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ} أي: أصحابك المتذكرين عن كلامك، الموفقين على التصديق والإذعان بك وبكتابك: {مَاذَا قَالَ} أي: أي شيء قال صاحبكم {آنِفاً} في هذا المجلس؟ مع أنهم معهم {أُوْلَـٰئِكَ} الأشقياء البعداء عن ساحة عز القبول هم {ٱلَّذِينَ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ} وختم على سمعهم وأبصارهم {وَ} لهذا {ٱتَّبَعُوۤاْ أَهْوَآءَهُمْ} [محمد: 16] وتركوا إهداءه صلى الله عليه وسلم ولم يقتبسوا النور من مشكاة النبوة، ولم يلتفتوا إلى هداية القرآن، بل استهزءوا معه ومع الرسول صلى الله عليه وسلم. {وَ} المؤمنون {ٱلَّذِينَ ٱهْتَدَوْاْ} بهدايته صلى الله عليه وسلم {زَادَهُمْ} استماع القرآن {هُدًى} على هدى {وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ} [محمد: 17] وبين لهم ما يعنيهم على سلوك طريق التوحيد ويجنبهم عما يغويهم عن منهج الحق وصراط التحقيق. وبالجملة: {فَهَلْ يَنظُرُونَ} وماينتظرون في عموم أوقاتهم وحالاتهم {إِلاَّ ٱلسَّاعَةَ} الموعودة أن {تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً} فجأة، وكيف لا تأتيهم الساعة {فَقَدْ جَآءَ} وظهر {أَشْرَاطُهَا} أي: بعض علاماتها وأماراتها التي من جملتها: بعثة الرسول الحضرة الختمية المحمدية؛ إذ ظهوره متمماً لمكارم الأخلاق، ومكملاً لأمر التشريع والإرشاد من دلائل انقضاء نشأة الكثرة، وطلوع شمس الوحدة الذاتية من آفاق ذرائر الكائنات، وكيف ينتظرون الساعة ولا يهيئون أسبابها قبل حلولها، وإن تأتهم بغتة {فَأَنَّىٰ لَهُمْ إِذَا جَآءَتْهُمْ ذِكْرَٰهُمْ} [محمد: 18] أي: كيف يفيدهم التذكر والاتعاض وقت إذ جاءت الساعة فجأة؟ ومن أين يحصل لهم التدارك والتلافي حيئنذ؟. وبعدما سمعتم حال الساعة وحلول الساعة بغتة {فَٱعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ ٱللَّهُ} المؤمنون} أي: فاثبت أنت يا أكمل الرسل على جادة التوحيد الذاتي، وتمكن على صراط الحق في عموم أوقاتك وحالاتك، واشهد ظهور شمس الذات على صفائح عموم الذرات، وشاهد انقهار جميع المظاهر والمجالي في وحدة ذاته، واهد جميع من تبعك من المؤمنين إلى هذا المشهد العظيم {وَٱسْتَغْفِرْ} في عموم أوقاتك {لِذَنبِكَ} الذي صدر عنك من الالتفات إلى ما سوى الحق والعكوس والإظلال {وَ} استغفر أيضاً {لِلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ} إذا أنت كفيلهم وهاديهم إلى طريق التوحيد {وَ} بالجملة: {ٱللَّهُ} المحيط بعموم أحوالكم ونشأتكم {يَعْلَمُ} بعمله الحضوري {مُتَقَلَّبَكُمْ} أي: موضع تقلبكم وانقلابكم في دار الاختبار ونشأة التلون والاعتبار {وَمَثْوَاكُمْ} [محمد: 19] أي: موضع إقامتكم وتمكنكم في دار الإقامة والقرار، فعليكم أن تستعدوا لأخراكم في أولاكم وتهيئوا أسباب عقباكم في دنياكم.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : {إِنَّ ٱللَّهَ يُدْخِلُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ} [محمد: 12]؛ إذ هو مولى لهم بنصرهم، {جَنَّاتٍ} [محمد: 12] وهي جنات القلوب، {تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ} [محمد: 12] والفضائل والمناقب والمواهب، {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} [محمد: 12]؛ أي: النفوس المتمردة {يَتَمَتَّعُونَ} [محمد: 12] بمتاع الدنيا، {وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ ٱلأَنْعَامُ} [محمد: 12]؛ للحظوظ النفسانية لا للحقوق الربانية، {وَٱلنَّارُ} [محمد: 12] نار القطيعة {مَثْوًى لَّهُمْ} [محمد: 12] مقام لهم. {وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِّن قَرْيَتِكَ ٱلَّتِيۤ أَخْرَجَتْكَ} [محمد: 13]، يشير به إلى روح الإنسان وقرية قالبه؛ أي: كم من قالب هو أقوى وأعظم من قالبك، الذي يخرج منه، {أَهْلَكْنَاهُمْ} [محمد: 13] بالموت، {فَلاَ نَاصِرَ لَهُمْ} [محمد: 13] في دفع الموت عنهم؛ فانتبه واعتبر. {أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ} [محمد: 14] بإراءته آياته في الآفاق وفي نفسه، عند تصفية مرآة قلبه عن صدأ أخلاقه الذميمة النفسانية، فيكاشفه شواهد الحق معانيه، {كَمَن زُيِّنَ لَهُ} [محمد: 14] بتسويلات النفس، وإلقاء الشيطان وتزينه {سُوۤءُ عَمَلِهِ} [محمد: 14] بالبدعة ومخالفة الشرع، {وَٱتَّبَعُوۤاْ أَهْوَاءَهُمْ} [محمد: 14] في العقائد القلبية والأعمال القالبية. وبقوله: {مَّثَلُ ٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِي وُعِدَ ٱلْمُتَّقُونَ فِيهَآ أَنْهَارٌ} [محمد: 15]، يشير إلى جنة قلوب أرباب الحقائق، الذين هم على بينة من ربهم، التي وعد من اتقى بربه عما سواه فيها أنهار {مِّن مَّآءٍ غَيْرِ ءَاسِنٍ} [محمد: 15]، وهو ماء حياة القلوب؛ فإنه لم يأسن بطول المكث، بل يزداد طيبه، {وَأَنْهَارٌ مِّن لَّبَنٍ} [محمد: 15]، وهو لبن الفطرة التي فطر الناس عليها، {لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ} [محمد: 15] بحموضة الأهواء والبدع، {وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ} [محمد: 15]، وهي خمر الشوق والمحبة، كما قال شاربها: شعر : شربت الحب كأساً بعد كأس فما نفد الشراب وما رويت تفسير : {وَأَنْهَارٌ مِّنْ عَسَلٍ} [محمد: 15]، وهو عسل الوصال {مُّصَفًّى} [محمد: 15]، عن كدر الملال بمشاهدة الجمال، منزهة عن المثل والمثال بلا زوال ولا انتقال، فمن الحس عسل اللقاء أنس على الدوام ببقائه، ولم يطلب مع بقائه شيئاً آخر لا من عطائه ولا من لقائه؛ لاستهلاكه في علائه عند سطوات كبريائه، {وَلَهُمْ فِيهَا} [محمد: 15] في جنة القلوب {مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَاتِ} [محمد: 15]، التي جنت أرباب الحقائق من شجرة الكلمة الطيبة، {وَمَغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ} [محمد: 15]، يغفر عنهم ذنب وجودهم، {كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي ٱلنَّارِ} [محمد: 15]؛ أي: مثل أرباب اللقاء - كما مر ذكرهم - كمثل أصحاب الشقاء وخلودهم في نار الجفاء، {وَسُقُواْ مَآءً حَمِيماً} [محمد: 15] من عين الهجران بكأس الخذلان {فَقَطَّعَ أَمْعَآءَهُمْ} [محمد: 15] من الحرمان.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : لما ذكر تعالى أنه ولي المؤمنين، ذكر ما يفعل بهم في الآخرة، من دخول الجنات، التي تجري من تحتها الأنهار، التي تسقي تلك البساتين الزاهرة، والأشجار الناظرة المثمرة، لكل زوج بهيج، وكل فاكهة لذيذة. ولما ذكر أن الكافرين لا مولى لهم، ذكر أنهم وُكِلُوا إلى أنفسهم، فلم يتصفوا بصفات المروءة، ولا الصفات الإنسانية، بل نزلوا عنها دركات، وصاروا كالأنعام، التي لا عقل لها ولا فضل، بل جل همهم ومقصدهم التمتع بلذات الدنيا وشهواتها، فترى حركاتهم الظاهرة والباطنة دائرة حولها، غير متعدية لها إلى ما فيه الخير والسعادة، ولهذا كانت النار مثوى لهم، أي: منزلا معدا، لا يخرجون منها، ولا يفتر عنهم من عذابها.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):