٤٧ - مُحَمَّد
47 - Muhammad (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
13
Tafseer
الرازي
تفسير : لما ضرب الله تعالى لهم مثلاً بقوله {أية : أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ } تفسير : [محمد: 10] ولم ينفعهم مع ما تقدم من الدلائل ضرب للنبي عليه السلام مثلاً تسلية له فقال: {وَكَأَيّن مّن قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مّن قَرْيَتِكَ ٱلَّتِى أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَـٰهُمْ } وكانوا أشد من أهل مكة كذلك نفعل بهم، فاصبر كما صبر رسلهم، وقوله {فَلاَ نَـٰصِرَ لَهُمْ } قال الزمخشري كيف قوله {فَلاَ نَـٰصِرَ لَهُمْ } مع أن الإهلاك ماض، وقوله {فَلاَ نَـٰصِرَ لَهُمْ } للحال والاستقبال؟ والجواب أنه محمول على الحكاية والحكاية كالحال الحاضر، ويحتمل أن يقال أهلكناهم في الدنيا فلا ناصر لهم ينصرهم ويخلصهم من العذاب الذي هم فيه، ويحتمل أن يقال قوله {فَلاَ نَـٰصِرَ لَهُمْ } عائد إلى أهل قرية محمد عليه السلام كأنه قال أهلكنا من تقدم أهل قريتك ولا ناصر لأهل قريتك ينصرهم ويخلصهم مما جرى على الأولين.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى:{وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ} تقدّم الكلام في «كَأَيِّنْ» في (آل عمران). وهي هاهنا بمعنى كم؛ أي وكم من قرية. وأنشد الأخفش قول لبيد:شعر : وكائن رأينا من ملوك وسُوقة ومفتاحِ قَيْد للأسير المكبل تفسير : فيكون معناه: وكم من أهل قرية. {هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِّن قَرْيَتِكَ ٱلَّتِيۤ أَخْرَجَتْكَ} أي أخرجك أهلها. {أَهْلَكْنَاهُمْ فَلاَ نَاصِرَ لَهُمْ} قال قتادة وابن عباس: حديث : لما خرج النبيّ صلى الله عليه وسلم من مكة إلى الغار التفت إلى مكة وقال: «اللَّهُمّ أنتِ أحبّ البلاد إلى الله وأنت أحبّ البلاد إليّ ولولا المشركون أَهْلُكِ أخرجوني لما خرجت منك»تفسير : . (فنزلت الآية)؛ ذكره الثعلبي، وهو حديث صحيح.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَكَأَيِّن } وكم {مِن قَرْيَةٍ } أريد بها أهلها {هِىَ أَشَدُّ قُوَّةً مّن قَرْيَتِكَ } مكة أي أهلها {ٱلَّتِى أَخْرَجَتْكَ } روعي لفظ قرية {أَهْلَكْنَٰهُمْ } روعي معنى قرية الأولى {فَلاَ نَاصِرَ لَهُمْ } من إهلاكنا.
الشوكاني
تفسير : خوّف سبحانه الكفار؛ بأنه قد أهلك من هو أشدّ منهم فقال: {وَكَأَيّن مّن قَرْيَةٍ هِىَ أَشَدُّ قُوَّةً مّن قَرْيَتِكَ ٱلَّتِى أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَـٰهُمْ } قد قدّمنا أن "كأين" مركبة من الكاف وأيّ، وأنها بمعنى كم الخبرية أي: وكم من قرية، وأنشد الأخفش قول لبيد:شعر : وكأين رأينا من ملوك وسوقة ومفتاح قيد للأسير المكبل تفسير : ومعنى الآية: وكم من أهل قرية هم أشدّ قوة من أهل قريتك التي أخرجوك منها أهلكناهم {فَلاَ نَـٰصِرَ لَهُمْ } فبالأولى من هو أضعف منهم، وهم قريش الذين هم أهل قرية النبي صلى الله عليه وسلم وهي مكة، فالكلام على حذف المضاف، كما في قوله: {أية : وَٱسْئَلِ ٱلْقَرْيَةَ } تفسير : [يوسف: 82] قال مقاتل: أي: أهلكناهم بالعذاب حين كذبوا رسولهم. ثم ذكر سبحانه الفرق بين حال المؤمن، وحال الكافر فقال: {أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيّنَةٍ مّن رَّبّهِ } والهمزة للإنكار، والفاء للعطف على مقدّر كنظائره، ومن مبتدأ، والخبر {كَمَن زُيّنَ لَهُ سُوء عَمَلِهِ } وأفرد في هذا باعتبار "لفظ" من، وجمع في قوله: {وَٱتَّبَعُواْ أَهْوَاءهُمْ } باعتبار معناها، والمعنى: أنه لا يستوي من كان على يقين من ربه، ولا يكون كمن زيّن له سوء عمله، وهو عبادة الأوثان، والإشراك بالله، والعمل بمعاصي الله، واتبعوا أهواءهم في عبادتها، وانهمكوا في أنواع الضلالات بلا شبهة توجب الشك فضلاً عن حجة نيرة. ثم لمّا بيّن سبحانه الفرق بين الفريقين في الاهتداء، والضلال بين الفرق في مرجعهما ومآلهما فقال: {مَّثَلُ ٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِى وُعِدَ ٱلْمُتَّقُونَ } والجملة مستأنفة لشرح محاسن الجنة، وبيان ما فيها؛ ومعنى {مَّثَلُ ٱلْجَنَّةِ }: وصفها العجيب الشأن، وهو مبتدأ، وخبره محذوف. قال النضر بن شميل: تقديره: ما يسمعون، وقدّره سيبويه: فيما يتلى عليكم مثل الجنة، قال: والمثل: هو الوصف، ومعناه: وصف الجنة، وجملة {فِيهَا أَنْهَارٌ مّن مَّاء غَيْرِ ءاسِنٍ } إلخ مفسرة للمثل. وقيل: إن {مثل} زائدة، وقيل: إن {مثل الجنة} مبتدأ، والخبر {فيها أنهار}، وقيل: خبره: {كمن هو خالد}، والآسن: المتغير، يقال: أسن الماء يأسن أسوناً: إذا تغيرت رائحته، ومثله الآجن، ومنه قول زهير:شعر : قد أترك القرن مصفراً أنامله يميد في الرمح ميد المالح الأسن تفسير : قرأ الجمهور {آسن} بالمدّ. وقرأ حميد، وابن كثير بالقصر، وهما لغتان كحاذر وحذر. وقال الأخفش: إن الممدود يراد به الاستقبال، والمقصود يراد به الحال، {وَأَنْهَارٌ مّن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ } أي: لم يحمض، كما تغير ألبان الدنيا؛ لأنها لم تخرج من ضروع الإبل والغنم والبقر {وَأَنْهَـٰرٌ مّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لّلشَّـٰرِبِينَ } أي: لذيذة لهم طيبة الشرب لا يكرهها الشاربون، يقال: شراب لذّ ولذيذ وفيه لذة بمعنى، ومثل هذه الآية قوله: {أية : بَيْضَاء لَذَّةٍ لّلشَّـٰرِبِينَ } تفسير : [الصافات: 46] قرأ الجمهور {لذة} بالجرّ صفة لـ {خمر}، وقرىء بالنصب على أنه مصدر، أو مفعول له. وقرىء بالرفع صفة لـ {أنهار} {وَأَنْهَـٰرٌ مّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى } أي: مصفى مما يخالطه من الشمع والقذى والعكر والكدر {وَلَهُمْ فِيهَا مِن كُلّ ٱلثَّمَرٰتِ } أي: لأهل الجنة في الجنة مع ما ذكر من الأشربة من كل الثمرات، أي: من كل صنف من أصنافها، و «من» زائدة للتوكيد {وَمَغْفِرَةٌ مّن رَّبّهِمْ } لذنوبهم، وتنكير مغفرة للتعظيم، أي: ولهم مغفرة عظيمة كائنة من ربهم {كَمَنْ هُوَ خَـٰلِدٌ فِى ٱلنَّارِ } هو خبر لمبتدأ محذوف، والتقدير: أم من هو في نعيم الجنة على هذه الصفة خالداً فيها كمن هو خالد في النار، أو خبر لقوله: {مثل الجنة} كما تقدّم، ورجح الأوّل الفراء، فقال: أراد أمن كان في هذا النعيم كمن هو خالد في النار؟ وقال الزجاج: أي: أفمن كان على بينة من ربه، وأعطي هذه الأشياء كمن زين له سوء عمله، وهو خالد في النار، فقوله: "كَمَنْ" بدل من قوله: {أفمن زيّن له سوء عمله} وقال ابن كيسان: ليس مثل الجنة التي فيها الثمار والأنهار، كمثل النار التي فيها الحميم والزقوم، وليس مثل أهل الجنة في النعيم، كمثل أهل النار في العذاب الأليم، وقوله: {وَسُقُواْ مَاء حَمِيماً } عطف على الصلة عطف جملة فعلية على اسمية لكنه راعى في الأولى لفظ "من"، وفي الثانية معناها، والحميم: الماء الحارّ الشديد الغليان، فإذا شربوه قطع أمعاءهم، وهو معنى قوله: {فَقَطَّعَ أَمْعَاءهُمْ } لفرط حرارته، والأمعاء جمع معًى، وهي ما في البطون من الحوايا. {وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ } أي: من هؤلاء الكفار الذين يتمتعون ويأكلون، كما تأكل الأنعام من يستمع إليك وهم المنافقون، أفرد الضمير باعتبار لفظ "من"، وجمع في قوله: {حَتَّىٰ إِذَا خَرَجُواْ مِنْ عِندِكَ } باعتبار معناها، والمعنى: أن المنافقين كانوا يحضرون مواقف وعظ رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومواطن خطبه التي يمليها على المسلمين حتى إذا خرجوا من عنده {قَالُواْ لِلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ } وهم علماء الصحابة، وقيل: عبد الله بن عباس، وقيل: عبد الله بن مسعود، وقيل: أبو الدرداء، والأوّل أولى، أي: سألوا أهل العلم فقالوا لهم: {مَاذَا قَالَ ءانِفاً } أي: ماذا قال النبيّ الساعة على طريقة الاستهزاء، والمعنى: أنا لم نلتفت إلى قوله، و{آنفاً} يراد به الساعة التي هي أقرب الأوقات، ومنه: أمر آنف، أي: مستأنف، وروضة أنف، أي: لم يرعها أحد، وانتصابه على الظرفية، أي: وقتاً مؤتنفاً، أو حال من الضمير في "قال". قال الزجاج: هو من استأنفت الشيء: إذا ابتدأته، وأصله مأخوذ من أنف الشيء لما تقدّم منه، مستعار من الجارحة، ومنه قول الشاعر:شعر : ويحرم سرّ جارتهم عليهم ويأكل جارهم أنف القصاع تفسير : والإشارة بقوله: {أُوْلَـٰئِكَ } إلى المذكورين من المنافقين {ٱلَّذِينَ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ } فلم يؤمنوا، ولا توجهت قلوبهم إلى شيء من الخير {وَٱتَّبَعُواْ أَهْوَاءهُمْ } في الكفر والعناد. ثم ذكر حال أضدادهم فقال: {وَٱلَّذِينَ ٱهْتَدَوْاْ زَادَهُمْ هُدًى } أي: والذين اهتدوا إلى طريق الخير، فآمنوا بالله، وعملوا بما أمرهم به زادهم هدًى بالتوفيق، وقيل: زادهم النبي صلى الله عليه وسلم، وقيل: زادهم القرآن. وقال الفراء: زادهم إعراض المنافقين واستهزاؤهم هدًى. وقيل: زادهم نزول الناسخ هدًى، وعلى كل تقدير، فالمراد: أنه زادهم إيماناً وعلماً وبصيرة في الدين {وآتاهم تقواهم} أي: ألهمهم إياها وأعانهم عليها، والتقوى قال الربيع: هي الخشية، وقال السديّ: هي ثواب الآخرة، وقال مقاتل: هي التوفيق للعمل الذي يرضاه، وقيل: العمل بالناسخ وترك المنسوخ، وقيل: ترك الرخص والأخذ بالعزائم {فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ ٱلسَّاعَةَ } أي: القيامة {أَن تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً } أي: فجأة، وفي هذا وعيد للكفار شديد، وقوله: {أَن تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً } بدل من {الساعة} بدل اشتمال. وقرأ أبو جعفر الرواسي (إن تأتهم) بإن الشرطية {فَقَدْ جَاء أَشْرَاطُهَا } أي: أماراتها وعلاماتها، وكانوا قد قرؤوا في كتبهم أن النبيّ صلى الله عليه وسلم آخر الأنبياء، فبعثته من أشراطها، قاله الحسن، والضحاك. والأشراط جمع شرط بسكون الراء وفتحها. وقيل: المراد بأشراطها هنا: أسبابها التي هي دون معظمها. وقيل: أراد بعلامات الساعة: انشقاق القمر والدخان، كذا قال الحسن. وقال الكلبي: كثرة المال، والتجارة، وشهادة الزور، وقطع الأرحام، وقلة الكرام، وكثرة اللئام، ومنه قول أبي زيد الأسود:شعر : فإن كنت قد أزمعت بالصرم بيننا فقد جعلت أشراط أوله تبدو تفسير : {فَأَنَّىٰ لَهُمْ إِذَا جَاءتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ } {ذكراهم} مبتدأ، وخبره {فأنى لهم}، أي: أنّى لهم التذكر إذا جاءتهم الساعة كقوله: {أية : يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ ٱلإِنسَـٰنُ وَأَنَّىٰ لَهُ ٱلذّكْرَىٰ }تفسير : [الفجر: 23] و{إذا جاءتهم} اعتراض بين المبتدأ والخبر. {فَٱعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلا ٱللَّه} أي: إذا علمت أن مدار الخير هو التوحيد والطاعة، ومدار الشرّ هو الشرك والعمل بمعاصي الله، فاعلم أنه لا إلٰه غيره، ولا ربّ سواه، والمعنى: اثبت على ذلك واستمر عليه؛ لأنه صلى الله عليه وسلم قد كان عالماً بأنه لا إلٰه إلاَّ الله قبل هذا، وقيل: ما علمته استدلالاً فاعلمه خبراً يقيناً. وقيل المعنى: فاذكر أنه لا إلٰه إلاَّ الله، فعبّر عن الذكر بالعلم {وَٱسْتَغْفِـرْ لِذَنبِكَ } أي: استغفر الله أن يقع منك ذنب، أو استغفر الله ليعصمك، أو استغفره مما ربما يصدر منك من ترك الأولى. وقيل: الخطاب له، والمراد: الأمة، ويأبى هذا قوله: {وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَـٰتِ } فإن المراد به: استغفاره لذنوب أمته بالدعاء لهم بالمغفرة عما فرط من ذنوبهم {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ } في أعمالكم {وَمَثْوَاكُمْ } في الدار الآخرة، وقيل: متقلبكم في أعمالكم نهاراً، ومثواكم في ليلكم نياماً. وقيل: متقلبكم في أصلاب الآباء إلى أرحام الأمهات، ومثواكم في الأرض، أي: مقامكم فيها. قال ابن كيسان: متقلبكم من ظهر إلى بطن في الدنيا، ومثواكم في القبور. وقد أخرج عبد بن حميد، وأبو يعلى، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن مردويه عن ابن عباس: أن النبيّ صلى الله عليه وسلم لما خرج من مكة إلى الغار التفت إلى مكة وقال:« حديث : أنت أحبّ بلاد الله إليّ، ولولا أنّ أهلك أخرجوني منك لم أخرج، فأعتى الأعداء من عتا على الله في حرمه، أو قتل غير قاتله، أو قتل بدخول الجاهلية»تفسير : فأنزل الله: {وَكَأَيّن مّن قَرْيَةٍ } الآية. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس {أنهار من ماء غير آسن} قال: متغير. وأخرج أحمد، والترمذي وصححه، وابن المنذر، وابن مردويه، والبيهقي في البعث عن معاوية بن حيدة، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : في الجنة بحر اللبن، وبحر الماء، وبحر العسل، وبحر الخمر، ثم تشقق الأنهار منها»تفسير : . وأخرج الحارث بن أبي أسامة في مسنده، والبيهقي عن كعب قال: نهر النيل نهر العسل في الجنة، ونهر دجلة نهر اللبن في الجنة، ونهر الفرات نهر الخمر في الجنة، ونهر سيحان نهر الماء في الجنة. وأخرج ابن جرير، والحاكم وصححه من طريق سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله: {حَتَّىٰ إِذَا خَرَجُواْ مِنْ عِندِكَ قَالُواْ لِلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ مَاذَا قَالَ ءانِفاً } قال: كنت فيمن يُسأل. وأخرج عبد بن حميد من وجه آخر عنه في الآية قال: أنا منهم. وفي هذا منقبة لابن عباس جليلة؛ لأنه كان إذ ذاك صبياً غير بالغ، فإن النبيّ صلى الله عليه وسلم مات وهو في سنّ البلوغ، فسؤال الناس له عن معاني القرآن في حياة النبيّ صلى الله عليه وسلم، ووصف الله سبحانه للمسؤولين بأنهم الذين أوتوا العلم وهو منهم، من أعظم الأدلة على سعة علمه، ومزيد فقهه في كتاب الله، وسنّة رسوله، مع كون أترابه وأهل سنه إذ ذاك يلعبون مع الصبيان. وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة قال: كانوا يدخلون على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا خرجوا من عنده قالوا لابن عباس: ماذا قال آنفاً؟ فيقول: كذا وكذا، وكان ابن عباس أصغر القوم، فأنزل الله الآية، فكان ابن عباس من الذين أوتوا العلم. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن عساكر عن ابن بريدة في الآية قال: هو عبد الله بن مسعود. وأخرج ابن عساكر من طريق الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس قال: هو عبد الله بن مسعود. وأخرج ابن جرير، وابن مردويه عن ابن عباس في قوله: {وَٱلَّذِينَ ٱهْتَدَوْاْ زَادَهُمْ هُدًى وَءاتَـٰهُمْ تَقُوَاهُمْ } قال: لما أنزل القرآن آمنوا به، فكان هدًى، فلما تبيّن الناسخ من المنسوخ زادهم هدًى. وأخرج ابن المنذر عنه: {فَقَدْ جَاء أَشْرَاطُهَا } قال: أوّل الساعات، وقد ثبت في الصحيحين، وغيرهما من حديث أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : بعثت أنا والساعة كهاتين»تفسير : ، وأشار بالوسطى والسبابة، ومثله عند البخاري من حديث سهل بن سعد. وفي الباب أحاديث كثيرة فيها بيان أشراط الساعة، وبيان ما قد وقع منها، وما لم يكن قد وقع، وهي تأتي في مصنف مستقل فلا نطيل بذكرها. وأخرج الطبراني، وابن مردويه، والديلمي عن عبد الله بن عمرو، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : أفضل الذكر لا إلٰه إلاّ الله، وأفضل الدعاء الاستغفار»تفسير : ثم قرأ: {فَٱعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلائَ ٱللَّهُ وَٱسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَـٰتِ }. وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، والترمذي وصححه، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والبيهقي في الشعب عن أبي هريرة في قوله: {وَٱسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَـٰتِ } قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إني لأستغفر الله في اليوم سبعين مرة»تفسير : . وأخرج أحمد، ومسلم، والترمذي، والنسائي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن مردويه عن عبد الله بن سرجس قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم، فأكلت معه من طعام، فقلت: غفر الله لك يا رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال:« ولك»، فقيل: أنستغفر لك يا رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال:« نعم ولكم » وقرأ: {وَٱسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَـٰتِ }. وقد ورد أحاديث في استغفاره صلى الله عليه وسلم لنفسه ولأمته، وترغيبه في الاستغفار. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ } في الدنيا {وَمَثْوَاكُمْ } في الآخرة.
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ هِىَ أَشَدُّ قُوَّةً مِّن قَرْيَتِكَ} يعني: مَكَّة {ٱلَّتِى أَخْرَجَتْكَ} معناه: وَقْتَ الهِجْرَةِ، ويقال: إنَّ هذه الآيةَ نزلَتْ إثْرَ خُرُوجِ النَّبِيِّ ـــ صلى الله عليه وسلم ـــ من مَكَّةَ، وقيل غَيْرُ هذا. وقوله سبحانه: {أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ كَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ...} الآية، توقيفٌ وتقريرٌ، وهي معادلةٌ بين هذَيْن الفريقَيْن، اللفظ عامٌّ لأهل هاتين الصفتين غابرَ الدَّهْرِ، و{عَلَىٰ بَيِّنَةٍ} أي: على يقين وطريق واضحةٍ وعقيدة نَيِّرَةٍ بَيِّنَةٍ. وقوله سبحانه: {مَّثَلُ ٱلْجَنَّةِ...} الآية، قال النَّضْرُ بن شُمَيْلٍ وغيره {مَثَلُ} معناه: صفةٌ؛ كأَنَّهُ قال: صفة الجنة: ما تسمَعُونَ فيها كذا وكذا. وقوله: {فِيهَا أَنْهَارٌ مِّن مَّاءٍ غَيْرِ ءَاسِنٍ} معناه: غيرُ مُتَغَيِّرٍ؛ قاله ابن عباس وقتادة، وسواءٌ أنتن أو لم يُنْتِنْ. وقوله في اللبن: {لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ}: نَفْيٌ لجميعِ وجوهِ الفَسَادِ فيه. وقوله: {لَذَّةٍ لِّلشَّـٰرِبِينَ} جمعتْ طِيبَ الطَّعْمِ وَزَوالَ الآفاتِ من الصُّدَاعِ وغيره، وتصفيةُ العَسَلِ مُذْهِبَةٌ لمومه وَضَرَره. * ت *: ورُوِّينَا في كتاب التِّرْمِذِيِّ عن حَكِيمِ بن مُعَاوِيَةَ عنِ أبيه عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إنَّ في الجَنَّةِ بَحْرَ المَاءِ، وَبَحْرَ الْعَسَلِ، وَبَحْرَ اللَّبَنِ، وَبَحْرَ الخَمْرِ، ثُمَّ تَشَقَّقُ الأَنْهَارُ بَعْدُ»تفسير : قال أبو عيسَىٰ: هذا حديث حسنٌ صحيحٌ، انتهى. وقوله: {وَلَهُمْ فِيهَا مِن كُلِّ ٱلثَّمَرٰتِ} أي: من هذه الأنواع لكنها بعيدة الشبه؛ تلك لا عَيْبَ فيها ولا تَعَبَ. وقوله: {وَمَغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ} معناه: وتنعيمٌ أعطته المغفرةُ وَسَّبَّبَتْهُ، وإلاَّ فالمغفرة إنَّما هي قبل دخول الجَنَّةِ. وقوله سبحانه: {كَمَنْ هُوَ خَـٰلِدٌ فِى ٱلنَّارِ...} الآية، قبله محذوفٌ، تقديره: أَسُكَّانُ هذه، أو تقديره: أهؤلاءِ المتقون كَمَنْ هو خالد في النار.
التستري
تفسير : قوله: {وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِّن قَرْيَتِكَ ٱلَّتِيۤ أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ فَلاَ نَاصِرَ لَهُمْ}[13] في الآية دليل على تفضيله على الكليم، لأنه لم يخرج خوفاً منهم، كما خرج موسى عليه السلام، ولكنه خرج كما قال الله تعالى: {أَخْرَجَتْكَ}[13] ولم يقل خرجت ولا جزعت، لأنه لله وبالله في جميع أوقاته، فلم يجز منه التفات إلى الغير بحال ما.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِّن قَرْيَتِكَ ٱلَّتِيۤ أَخْرَجَتْكَ} [الآية: 13]. قال بعضهم: لم يخرج النبى صلى الله عليه وسلم خوفاً منهم كما خرج موسى حين خرج ألا ترى الله يقول: أخرجتك ولم يقل خرجت ولا جزعت لأنه بالله ولله فى جميع أوقاته فلم يجز عليه التفات إلى الغير بحال ولم يجز عليه خطاب ذم.
القشيري
تفسير : {أَهْلَكْنَاهُمْ}: يعني بها مَنْ أهلكهم من القرون الماضية في الأعصر الخاليه.
اسماعيل حقي
تفسير : {وكأين} كلمة مركبة من الكاف واى بمعنى كم الخبرية (قال المولى الجامى) فى شرح الكافية انما بنى كأين لان كاف التشبيه دخلت على أى واى فى الاصل كان معربا لكنه انمحى عن الجزءين معناهما الافرادى فصار المجموع كاسم مفرد بمعنى كم الخبرية فصار كأنه اسم مبنى على السكون آخره نون ساكنة كما فى من لا تنوين تمكن ولهذا يكتب بعد الياء نون مع ان التنوين لا صورة له فى الخط انتهى ومحلها الرفع بالابتدآء {من قرية} تميز لها {هى اشد قوة من قريتك} صفة لقرية {التى اخرجتك} صفة لقريتك وهى مكة وقد حذف منهما المضاف واجرى احكامه عليهما كما يفصح عنه الخبر الذى هو قوله تعالى {اهلكناهم} اى وكم من أهل قرية هم اشد قوة من اهل قريتك الذين كانوا سببا لخروجك من بينهم ووصف القرية الاولى بشدة القوة للايذان باولوية الثانية منها بالاهلاك لضعف قوتها كما ان وصف الثانية باخراجه عليه السلام للايذان باولويتها به لقوة جنايتها {فلا ناصر لهم} بيان لعدم خلاصهم من العذاب بواسطة الاعوان والانصار اثر بيان عدم خلاصهم منه بأنفسهم والفاء لترتيب ذكر ما بالغير على ذكر ما بالذات وهو حكاية حال ماضية وقال ابن عباس وقتادة رضى الله عنهم حديث : لما خرج رسول الله عليه السلام من مكة الى الغار التفت الى مكة وقال "أنت أحب البلاد الى الله ولى ولولا المشركين اخرجونى ما خرجت منك" تفسير : فانزل الله هذه الآية فتكون الآية مكية وضعت بين الآيات المدنية وفى الاية اشارة الى الروح وقريته وهى الجسد فكم من قالب هو اقوى وأعظم من قالب قد اهلكه الله بالموت فلا ناصر لهم فى دفع الموت فاذا كان الروح خارجا من القالب القوى بالموت فاولى ان يخرج من القالب الضعيف كما قال تعالى {أية : اينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم فى بروج مشيدة} تفسير : اى فى اجسام ضخمة ممتلئة. سيل بى زنهاررا در زيل بل آرام نيست ما بغفلت زير طاق آسمان اسوده ايم
ابن عجيبة
تفسير : قلت: {كأيّن}: كلمة مركبة من الكاف و"أيّ"، بمعنى كم الخبرية، ومحلها: الرفع بالابتداء، وقوله: {هي أشد}: نعت لقرية، و {أهلكناهم}: خبر، وحذف المضاف، أي: أهل قرية، بدليل "أهكناهم". يقول الحق جلّ جلاله: {وكأيِّن من قريةٍ} أي: كثير من أهل قرية {هي أشدُّ قوةً من قريتك} مكة، {التي أخرجتك} أي: تسببوا في خروجك، أي: وكم من قوم هم أشدُّ قوةً من قومك الذين أخرجوك، {أهلكناهم} بأنواع العذاب، {فلا ناصرَ لهم} فلم يكن لهم مَن ينصرهم ويدفعُ العذابَ عنهم، فأنتم يا معشر قريش أهونُ منهم، وأولى بنزول ما حجل بهم. {أفمَن كان على بينة من ربه} أي: حُجةٍ واضحةٍ، وبرهانٍ قاطع، وهو القرآن المعجزُ، وسائر المعجزات، يعني: رسول الله صلى الله عليه وسلم، {كمن زُيِّن له سوءُ عمله} وهو أهل مكة، زين للشيطانُ شركَهم وعداوتَهم لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم {واتبَعوا أهوائهم} الزائغة، ونهمكوا في فنون الضلالات، من غير أن يكون لهم شُبهة توهم صحة ما هم عليه، فضلاً عن حُجةٍ تدل عليها. وقيل: المراد بمَن كان على بينة: المؤمنون فقط، المتمسكون بأدلة الدين. قال أبو السعود: وجعلُها عبارة عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن المؤمنين، لا يُساعد النظم الكريم، عى أن الموازاة بينه صلى الله عليه وسلم، وبين مَن زُيّنَ له سوءُ عمله مما يأباه مَنصِبُه الجليل. والتقدير: أليس الأمر كما ذُكِر؟ فمَن كان مستقرّاً على حُجةٍ ظاهرة، وبرهانٍ نيّر من مالكٍ أمره ومُربّيه، وهو القرآن، وسائر الحجج العقلية، {كمَن زُين له سوء عمله} من الشرك وسائر المعاصي، مع كونه في نفسه أقبح القبائح. هـ. الإشارة: في الآية تهديدٌ لمَن يُؤذي أولياءَ الله، ويُخرجهم من مواطنهم بالهلاك العاجل أو الآجل. وقوله تعالى: {أفمن كان على بينة من ربه} تقدّم في سورة هود الكلام عليها. وقال القشيري هنا، في تفسير البينة: هي الضياء والحُجة والاستبصار بواضح المحجة، فالعلماء في ضياء برهانهم، والعارفون في ضياء بيانهم، فهؤلاء بأحكام أدلة الأصول يُبصرون، وهؤلاء بحُكم الإلهام والوصول يستبصرون. هـ. ثم عَرَّف بالجنة، التي تقدمت في قوله: {عرّفها لهم} فقال: {مَّثَلُ ٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِي وُعِدَ ٱلْمُتَّقُونَ}.
اطفيش
تفسير : {وَكَأَيِّن} بمعنى كم التكثيرية بنيت لتضمنها معنى حرف التكثير كرب مبتدأ خبره أهلكناهم أو من باب الاشتغال وقرئ (كآين) بوزن ضارب لكن بالسكون* {مِّن قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِّن قَرْيَتِكَ} مكة {الَّتِي أَخْرَجَتْكَ} أي من أهل قرية أهلها أشد قوة من أهل قريتك التي أخرجك أهلها حقيقة كما مر {أَهْلَكْنَاهُمْ} بأنواع العذاب والمراد بالاخراج تسبب فيه {فَلاَ نَاصِرَ لَهُمْ} جار مجرى الحال المحكية لان اهلاكهم أمر مضى وكأنه قال فلا ينصرون. نزلت الآية لما خرج صلى الله عليه وسلم الى الغار والتفت الى مكة وقال "حديث : أنت أحب بلاد الله الى الله واليّ ولو لم يخرجوني لم أخرج"تفسير : . قيل في الآية دليل على تفضيله صلى الله عليه وسلم على موسى لانه لم يخرج خوفاً منهم كما خرج موسى ولم يقل خرجت ولا جزعت لكونه من الله وبالله في جميع أوقاته ولا يجوز عليه التفات الى الغير بحال
اطفيش
تفسير : {وكأيَّن} كم {من قريةٍ} تمييز، وقوله: {هي أشدُّ قَّوةً مِن قريتِكَ} نعت قرية، والمراد بقرية فى الموضعين أهلها على حذف مضاف أو على تسمية الحال باسم المحل، ومر كلام فى ذلك، وعلى الوجه الثانى أنت، وأفرد الضمير فى قوله تعالى: {أخرجَتْك} نظرا للفظ قرية والأصل إذ كان اسما لأهلها، أى يقال: الذين أخرجوك، كما جمع نظراً لمعناه فى قوله: {أهلكناهم} وهذا الجمع نظر المضاف المحذوف فى الوجه الأول، وهو حدى المضاف، واسناد الاخراج الى القرية على أنها اسم لأهلها حقيقة، وعلى تقدير مضاف مجاز من اسناد ما للحال الى المحل، وما للحال الذى هو سبب الى المحل، لأنهم عاملوه بالسوء فأذن الله تعالى له فى الخروج، والمراد بقريتك مكة. {فلا ناصر لَهُم} يدفع عنهم الاهلاك، روى الطبرى عن ابن عباس: أن النبى صلى الله عليه وسلم لما خرج من مكة الى الغار التفت الى مكة، فقال: "حديث : أنت أحب بلاد الله تعالى إلى الله، وأنت أحب بلاد الله تعالى إليَّ ولولا أنَّ أهلك أخرجوني منك لم أخرج منك" تفسير : فأعدى الأعداء من عدا على الله تعالى فى حرمه، أو قتل غير قاتل، فأنزل الله تعالى: {وكأين من قرية} الخ فالآية تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
الالوسي
تفسير : {وَكَأَيِّن } بمعنى كم الخبرية وهي مبتدأ، وقوله تعالى: {مِن قَرْيَةٍ } تمييز لها، وقوله سبحانه: {هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مّن قَرْيَتِكَ } صفة ـ لقرية ـ كما أن قوله عز وجل: {ٱلَّتِي أَخْرَجَتْكَ } صفة ـ لقريتك ـ، وقد حذف عنهما المضاف وأجري أحكامه عليهما كما يفصح عنه الخبر الذي هو قوله تعالى: {أَهْلَكْنَـٰهُمْ } أي وكم من أهل قرية هم أشد قوة من أهل قريتك الذين أخرجوك أهلكناهم بأنواع العذاب، وجوز أن لا يكون هناك حذف وإنما أطلق المحل وأريد الحال مجازاً. وإسناد الإخراج إلى أهل قريته صلى الله عليه وسلم وهي مكة المكرمة مجاز من باب الإسناد إلى السبب لأنهم عاملوه صلى الله عليه وسلم بما عاملوه فكانوا بذلك سبباً لإخراجه حين أذن الله تعالى له عليه الصلاة والسلام بالهجرة منها، ونظير ذلك أقدمني بلدك حق لي عليك. وأنت تعلم أنه على ما حققه الأجلة بحتمل أوجهاً ثلاثة: مجازاً في الإسناد إذا كان الإقدام مستعملاً في معناه الذي وضع له وإن كان موهوماً. ومجازاً في الطرف إذا كان مستعملاً في معنى الحمل على القدوم، واستعارة بالكناية إن كان الحق مستعملاً في المقدم، والشيخ يقول في مثل ذلك: إن الفعل المتعدي موهوم لا فاعل له ليصير الإسناد إليه حقيقة فلا إقدام مثلاً في قصد المتكلم وإنما هو تصوير القدوم بصورة الإقدام، وإسناده إلى الحق المصور بصورة المقدم مبالغة في كونه داعياً للقدوم، وارتضاه السيالكوتي في «حواشي شرح مختصر التلخيص» وذب عنه القال والقيل، وتمام الكلام هناك، والكلام في الآية على طرز ذاك. ووصف القرية الأولى بشدة القوة للإيذان بأولوية الثانية منها بالإهلاك لضعف قوتها كما أن وصف الثانية بإخراجه عليه الصلاة والسلام للإيذان بأولويتها به لقوة جنايتها، وعلى طريقته قول النابغة:شعر : كليب لعمري كان أكثر ناصراً وأيسر جرماً منك ضرح بالدم تفسير : / وقوله تعالى: {فَلاَ نَـٰصِرَ لَهُمْ } بيان لعدم خلاصهم بواسطة الأعوان والأنصار إثر بيان عدم خلاصهم منه بأنفسهم، والفاء لترتيب ذكر ما بالغير على ذكر ما بالذات وهو حكاية حال ماضية كما في قوله تعالى: {أية : فَأغْشَيْنَـٰهُمْ فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ } تفسير : [يسۤ: 9] ولا نسلم أن اسم الفاعل إذا لم يعمل حقيقة في الماضي. والآية تسلية له صلى الله عليه وسلم، فقد أخرج عبد بن حميد وأبو يعلى وابن جرير وابن أبـي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس أن النبـي صلى الله عليه وسلم لما خرج من مكة إلى الغار التفت إلى مكة وقال: «حديث : أنت أحب بلاد الله تعالى إلى الله وأنت أحب بلاد الله تعالى إلي ولولا أن أهلك أخرجوني منك لم أخرج منك»تفسير : فأعدى الأعداء من عدا على الله تعالى في حرمه أو قتل غير قاتله أو قتل بِذُحول أهل الجاهلية فأنزل الله سبحانه {وَكَأَيّن مّن قَرْيَةٍ} الخ، وقد تقدم ما يتعلق بذلك أول السورة فتذكر.
ابن عاشور
تفسير : عطف على جملة {أية : أفلم يسيروا في الأرض}تفسير : [محمد: 10]، وما بينهما استطراد اتصل بعضه ببعض. وكلمة {كأيّن} تدلّ على كثرة العدد، وتقدم في سورة آل عمران وفي سورة الحج. والمراد بالقرية: أهلها، بقرينة قوله: {أهلكناهم}، وإنما أجري الإخبار على القرية وضميرها لإفادة الإحاطة بجميع أهلها وجميع أحوالهم وليكون لإسناد إخراج الرسول إلى القرية كلها وقع من التبعة على جميع أهلها سواء منهم من تولى أسباب الخروج، ومن كان ينظر ولا ينهى قال تعالى: {أية : وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم}تفسير : [الممتحنة: 9]. وهذا إطناب في الوعيد لأن مقام التهديد والتوبيخ يقتضي الإطناب، فمفاد هذه الآية مؤكد لمفاد قوله: {أية : فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم دمرَّ الله عليهم وللكافرين أمثالها}تفسير : [محمد: 10]، فحصل توكيد ذلك بما هو مقارب له من إهلاك الأمم ذوات القُرى والمُدنِ بعد أن شمل قوله: {الذين من قبلهم} من كان من أهل القرى، وزاد هنا التصريح بأن الذين من قبلهم كانوا أشد قوة منهم ليفهموا أن إهلاك هؤلاء هيّن على الله، فإنه لما كان التهديد السابق تهديداً بعذاب السيف من قوله: {أية : فإذا لقيتم الذين كفروا فضربَ الرقاب}تفسير : [محمد: 4] الآيات، قد يُلقي في نفوسهم غروراً فتعذّر استئصالهم بالسيف وهم ما هم من المَنعة وأنهم تمنعهم قريتهم مكةُ وحرمتُها بين العرب فلا يقعدون عن نصرتهم، فربّما استخفَّوا بهذا الوعيد ولم يستكينوا لهذا التهديد، فأعلمهم الله أن قرى كثيرة كانت أشد قوة من قريتهم أهلكهم الله فلم يجدوا نصيرا. وبهذا يظهر الموقع البديع للتفريع في قوله: {فلا ناصر لهم} وزاد أيضاً إجراءُ الإضافة في قوله: {قريتك}، ووصفها بــ {التي أخرجتك} لما تفيده إضافة القرية إلى ضمير الرسول صلى الله عليه وسلم من تعبير أهلها بمذمة القطيعة ولما تؤذن به الصلة من تعليل إهلاكهم بسبب إخراجهم الرسول صلى الله عليه وسلم من قريته قال تعالى: {أية : وأخرجوهم من حيث أخرجوكم}تفسير : [البقرة: 191]. وإطلاق الإخراج على ما عامل به المشركون النبي صلى الله عليه وسلم من الجفاء والأذى ومقاومة نشر الدين إطلاق من قبيل الاستعارة لأن سوء معاملتهم إياه كان سبباً في خروجه من مكة وهي قريته، فشبه سبب الخروج بالإخراج ثم أطلق عليه فعل {أخرجتك}، وليس ذلك بإخراج وإنما هو خروج فإن المشركين لم يُلجِئوا النبي صلى الله عليه وسلم بالإخراج بل كانوا على العكس يرصدون أن يمنعوه من الخروج خشيَة اعتصامه بقبائل تنصره فلذلك أخفَى على الناس أمر هجرته إلا عن أبي بكر رضي الله عنه، فقوله: {أخرجتك} من باب قولك: أقدمني بلدك حقٌّ لي على فلان، وهو استعارة على التحقيق، وليس مجازاً عقلياً إذ ليس ثمة إخراج حتى يدعى أن سَببه بمنزلة فاعل الإخراج، ولا هو من الكناية وإن كان قد مثل به الشيخ في دلائل الإعجاز للمجاز العقلي، والمثالُ يكفي فيه الفرض والاحتمال. وفُرع على الإخبار بإهلاك الله إياهم الإخبارُ بانتفاء جنس الناصر لهم، أي المنقذ لهم من الإهلاك. والمقصود: التذكير بأن أمثال هؤلاء المشركين لم يجدوا دافعاً يدفع عنهم الإهلاك، وذلك تعريض بتأييس المشركين من إلفاء ناصر ينصرهم في حربهم للمسلمين قطعاً لما قد يخالج نفوس المشركين أنهم لا يغلبون لتظاهر قبائل العرب معهم، ولذلك حزبوا الأحزاب في وقعة الخندق. وضمير {لهم} عائد إلى {من قرية} لأن المراد بالقرى أهلها. والمعنى: أهلكناهم إهلاكاً لا بقاء معه لشيء منهم لأن بقاء شيء منهم نصر لذلك الباقي بنجاته من الإهلاك. واسم الفاعل في قوله: {فلا ناصر} مراد به الجنس لوقوعه بعد (لا) النافية للجنس فلذلك لا يقصد تضمنه لزمن مَّا لأنه غير مراد به معنى الفعل بل مجرد الاتصاف بالمصدر فتمحض للاسمية، ولا التفات فيه إلى زمن من الأزمنة الثلاثة، ولذا فمعنى {فلا ناصر لهم}: فلم ينصرهم أحد فيما مضى. ولا حاجة إلى إجراء ما حصل في الزمن الماضي مجرى زمن الحال، وقولهم اسم الفاعل حقيقة في الحال جرى على الغالب فيما إذا أريد به معنى الفعل. وقرأ الجمهور: {وكأيِّن} بهمزة بعد الكاف وبتشديد الياء. وقرأه ابن كثير بألف بعد الكاف وتخفيف الياء مكسورة وهي لغة.
الشنقيطي
تفسير : التي توضح معنى هذه الآية، هي المشار إليها في نفس الآية، التي ذكرنا قبلها. وما تضمنته هذه الآية الكريمة، من إخراج كفار مكة للنبي صلى الله عليه وسلم منها بينه في غير هذا الموضع، كقوله تعالى:{أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَآءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِٱلْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُواْ بِمَا جَآءَكُمْ مِّنَ ٱلْحَقِّ يُخْرِجُونَ ٱلرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ}تفسير : [الممتحنة: 1] الآية، وقوله تعالى {أية : وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ}تفسير : [الأنفال: 30]. وقد أخرجوه فعلاً بمكرهم المذكور، وبين جل وعلا أن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه الذين أخرجوا من ديارهم لا ذنب لهم يستوجبون به الإخراج إلا الإيمان بالله، كما قال تعالى: {أية : ٱلَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاَّ أَن يَقُولُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ}تفسير : [الحج: 40] وقال تعالى: {أية : يُخْرِجُونَ ٱلرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَن تُؤْمِنُواْ بِٱللَّهِ رَبِّكُمْ}تفسير : [الممتحنة: 1] أي يخرجون الرسول وإياكم لأجل إيمانكم بربكم. وقال تعالى في إخراجهم له{أية : أَلاَ تُقَاتِلُونَ قَوْماً نَّكَثُوۤاْ أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّواْ بِإِخْرَاجِ ٱلرَّسُولِ}تفسير : [التوبة: 13] الآية. إلى غير ذلك من الآيات. وقرأ هذا الحرف عامة السبعة غير ابن كثير بهمزة مفتوحة بعد الكاف وياء مشددة مكسورة ونون ساكنة. وقرأه ابن كثير وكآئن، بألف بعد الكاف، وهمزة مكسورة. وكلهم عند الوقف يقفون على النون الساكنة، كحال الصلة، إلا أبا عمرو فإنه يقف على الياء. وقد قدمنا أوجه القراءة في كأين ومعناها، وما فيها من اللغات، مع بعض الشواهد العربية في سورة الحج في الكلام على قوله تعالى:{أية : فَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ}تفسير : [الحج: 45] الآية.
د. أسعد حومد
تفسير : {وَكَأَيِّن} {أَهْلَكْنَاهُمْ} (13) - وَكَثيرٌ مِنَ البِلادِ السَّالِفَةِ كَانَ أهْلُها أشَدَّ بَأساً مِنْ أهْلِ مَكَّةَ الذِينَ أخْرَجُوكَ مِنْ بَيْنِ أظْهُرِهِم، وَأكْثرَ قُوَّةً، فَأهْلَكَهُمُ اللهُ، وَدَمَّرَ قُراهُم، فَلَمْ يَجِدوا لَهُمْ نَاصِراً يَنْصرُهُمْ مِنَ اللهِ، وَلا مُعِيناً يَدْفَعُ عَنْهمَ بأسَهُ وعَذابَه، فَاصْبِرْ يا مُحَمَّدُ كَما صَبَر أُولُو العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ، فَإِنَّ العَاقِبةَ سَتَكُونُ لَكَ وَللمُؤْمِنينَ. كَأيٍّ مِنْ قَريَةٍ - كَثيرٌ مِنَ القُرَى.
الثعلبي
تفسير : {وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِّن قَرْيَتِكَ ٱلَّتِيۤ أَخْرَجَتْكَ} أي أخرجك أهلها يدلّ عليه {أَهْلَكْنَاهُمْ} ولم يقل: أهلكناها {فَلاَ نَاصِرَ لَهُمْ} عن ابن عبّاس: حديث : لما خرج رسول الله عليه السلام من مكّة إلى الغار، التفت إلى مكّة، وقال: "أنت أحبّ بلاد الله إلى الله، وأحبّ بلاد الله إليّ، ولو أنّ المشركين لم يخرجوني لم أخرج منك"تفسير : . فأنزل الله تعالى هذه الآية. {أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ} وهو محمّد صلى الله عليه وسلم والمؤمنون {كَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوۤءُ عَمَلِهِ وَٱتَّبَعُوۤاْ أَهْوَاءَهُمْ} وهم أبو جهل والمشركون. {مَّثَلُ} شبه وصفة {ٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِي} وقرأ علي بن أبي طالب أمثال الجنّة التي {وُعِدَ ٱلْمُتَّقُونَ فِيهَآ أَنْهَارٌ مِّن مَّآءٍ غَيْرِ آسِنٍ} آجن متغيّر منتن، يقال: آسن الماء يأسن، وآجن يأجن، وأسن يأسن ويأُسن، وأجن يأجن، ويأُجن، أُسونا، وأُجوناً، إذا تغيّر، ويقال: أسِنَ الرجل: بكسر السين لا غير، إذا أصابته ريح منتنة، فغشى عليه قال زهير: شعر : يغادر القرنُ مصفراً أنامله يميد في الرمح ميل المائح الأسن تفسير : وقرأ العامّة آسن بالمد، وقرأ ابن كثير بالقصر وهما لغتان. {وَأَنْهَارٌ مِّن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ} لم تدنسها الأيدي، ولم تدنسها الأرجل، ونظير لذّ ولذيذ، طب وطبيب. {وَأَنْهَارٌ مِّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى} قال كعب الأحبار: نهر دجلة نهر ماء الجنّة، ونهر الفرات نهر لبنهم، ونهر مصر نهر خمرهم، ونهر سيحان نهر عسلهم، وهذه الأنهار الأربعة تخرج من نهر الكوثر. {وَلَهُمْ فِيهَا مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي ٱلنَّارِ} يعني المتّقين الّذين هم أهل الجنّة، كمن هو خالد في النّار، فاستغنى بدلالة للكلام عليه، وقال ابن كيسان: مَثَلُ الجنّة التي فيها هذه الأنهار، والثمار، كمَثَلُ النّار التي فيها الحميم، ومَثَلُ أهل الجنّة في النعيم المقيم، كمثل أهل النّار في العذاب الأليم. {وَسُقُواْ مَآءً حَمِيماً فَقَطَّعَ} إذا أُدنِي منهم شوى وجوههم، ووقعت فروة رؤوسهم، فإذا شربوه قطّع. {أَمْعَآءَهُمْ * وَمِنْهُمْ } يعني ومن هؤلاء الكفّار {مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ} وهم المنافقون يستمعون قولك، فلا يعونه، ولا يفهمونه تهاوناً منهم بذلك، وتغافلاً {حَتَّىٰ إِذَا خَرَجُواْ مِنْ عِندِكَ قَالُواْ لِلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ} من الصحابة {مَاذَا قَالَ آنِفاً} (الآن) وأصله الابتداء. قال مقاتل: وذلك أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم كان يخطب ويحث المنافقين، فسمع المنافقون قوله، فلمّا خرجوا من المسجد سألوا عبد الله بن مسعود عمّا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم استهزاءً وتهاوناً منهم بقوله. قال ابن عبّاس في قوله: {لِلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ}: أنا منهم وقد سئلت فيمن سئل. قال قتادة: هؤلاء المنافقون، دخل رجلان: رجل عقل عن الله تعالى وانتفع بما سمع، ورجل لم يعقل عن الله، فلم ينتفع بما سمع، وكان يقال: النّاس ثلاثة: سامع عاقل، وسامع عامل، وسامع غافل تارك. {أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ} فلم يؤمنوا. {وَٱتَّبَعُوۤاْ أَهْوَآءَهُمْ * وَٱلَّذِينَ ٱهْتَدَوْاْ} يعني المؤمنين. {زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ} وقرأ ابن مسعود والأعمش وأنطاهم وأعطاهم {تَقُوَاهُمْ} ألهمهم ذلك، ووفّقهم، وقال سعيد بن جبير: وآتاهم ثواب تقواهم. {فَهَلْ يَنظُرُونَ} ينتظرون. {إِلاَّ ٱلسَّاعَةَ أَن تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَآءَ أَشْرَاطُهَا} أماراتها وعلاماتها، وبعث (النبي) صلى الله عليه وسلم منها وقيل: أدلّتها وحجج كونها، واحدها شرط، وأصل الأشراط الإعلام، ومنه الشرط، لأنّهم جعلوا لأنفسهم علامة يعرفون بها، ومنه الشرط في البيع وغيره. ويقال: أشرط نفسه في عمل كذا، وأعلمها وجعلا له. قال أوس بن حجر يصف رجلاً وقد تدلّى بحبل من رأس جبل إلى نبعة ليقطعها ويتخذ منها قوساً: شعر : فأشرط فيها نفسه وهو معصم وألقى بأسباب له وتوكلا تفسير : {فَأَنَّىٰ لَهُمْ إِذَا جَآءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ} يعني فمن أين لهم التذكّر والاتعاظ والتوبة إذا جاءتهم السّاعة، نظيره قوله تعالى: {أية : آمَنَّا بِهِ وَأَنَّىٰ لَهُمُ ٱلتَّنَاوُشُ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ} تفسير : [سبأ: 52]. {فَٱعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ ٱللَّهُ} قال بعضهم: الخطاب للنبيّ صلى الله عليه وسلم والمراد به غيره وأخواتها كثيرة، وقيل: فاثبت عليه، وقال الحسين بن الفضل: فازدد علماً على علمك، وقال عبد العزيز ابن يحيى الكناني: هو أنّ النبي صلى الله عليه وسلم كان يضجر، ويضيق صدره من طعن الكافرين، والمنافقين فيه، فأنزل الله هذه الآية، يعني فاعلم إنّه لا كاشف يكشف ما بك إلاّ الله، فلا تعلق قلبك على أحد سواه. وقال أبو العالية وابن عيينة: هذا متصل بما قبله، معناه فاعلم إنّه لا ملجأ، ولا مفزع عند قيام السّاعة، إلاّ الله. سمعت أبا القاسم بن حبيب يقول: سمعت أبا بكر بن عدش يقول: معناه فاعلم إنّه لا قاضي في ذلك اليوم إلاّ الله، نظيره {أية : مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدِّينِ} تفسير : [الحمد: 4]. {وَٱسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ} لتستنّ أُمّتك بسنّتك، وقيل: واستغفر لذنبك من التقصير الواقع لك في معرفة الله. {وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ} أخبرني عقيل بن محمّد أنّ أبا الفرج القاضي أخبرهم، عن محمّد بن جرير، حدّثنا أبو كريب، حدّثنا عثمان بن سعيد، حدّثنا إبراهيم بن سليمان، عن عاصم الأحول، عن عبد الله بن سرحس، قال: حديث : دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: غفر الله لك يا رسول الله، فقال رجل من القوم: استغفر لك يا رسول الله؟ قال: "نعم ولك". ثمّ قرأ {وَٱسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ} . تفسير : أخبرنا ابن منجويه الدينوري، حدّثنا أحمد بن علي بن عمر بن حبش الرازي، حدّثنا أبو بكر محمّد بن عيّاش العتبي، حدّثنا أبو عثمان سعيد بن عنبسة الحراز، حدّثنا عبد الرّحمن بن محمّد، عن بكر بن حنيس، عن محمّد بن يحيى، عن يحيى بن وردان، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : من لم يكن عنده مال يتصدّق به، فليستغفر للمؤمنين والمؤمنات، فإنّها صدقة ". تفسير : {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ} قال عكرمة: يعني منقلبكم من أصلاب الآباء إلى أرحام الأُمّهات، ومثواكم: مقامكم في الأرض. ابن كيسان: متقلبكم من ظهر إلى بطن، ومثواكم: مقامكم في القبور. ابن عبّاس والضحّاك: منصرفكم ومنتشركم في أعمالكم في الدُّنيا، ومثواكم: مصيركم إلى الجنّة وإلى النّار. ابن جرير: متقلبكم: منصرفكم لأشغالكم بالنهار، ومثواكم: مضجعكم للنوم بالليل، لا يخفى عليه شيء من ذلك. {وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} اشتياقاً منهم إلى الوحي وحرصاً على الجهاد. {لَوْلاَ نُزِّلَتْ سُورَةٌ} تأمرنا بالجهاد. {فَإِذَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ مُّحْكَمَةٌ} بالأمر والنهي، قال قتادة: كلّ سورة ذكر فيها الجهاد، فهي محكمة، وهي أشدّ للقرآن على المنافقين. وفي حرف عبد الله (سورةٌ محدثة) {وَذُكِرَ فِيهَا ٱلْقِتَالُ رَأَيْتَ ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ} يعني المنافقين {يَنظُرُونَ إِلَيْكَ} شزراً، بتحديق شديد كراهة منهم للجهاد، وجبناً منهم على لقاء العدوّ {نَظَرَ} كنظر {ٱلْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ ٱلْمَوْتِ فَأَوْلَىٰ لَهُمْ} وعيد وتهديد، قال: {طَاعَةٌ} مجازه، ويقول هؤلاء المنافقون قبل نزول الآية المحكمة (طاعةٌ) رفع على الحكاية أي أمرنا طاعة أو منّا طاعة. {وَقَوْلٌ مَّعْرُوفٌ} حسن وقيل: هو متصل بالكلام الأوّل، (واللام) في قوله (لهم) بمعنى (الباء) مجازه فأولى بهم طاعة لله ورسوله {وَقَوْلٌ مَّعْرُوفٌ} بالإجابة والطاعة. {فَإِذَا عَزَمَ ٱلأَمْرُ} أي جدّ الأمر وعُزم عليه وأُمروا بالقتال. {فَلَوْ صَدَقُواْ ٱللَّهَ} في إظهار الإيمان والطاعة {لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ * فَهَلْ عَسَيْتُمْ} فلعلّكم {إِن تَوَلَّيْتُمْ} أعرضتم عن الإيمان، وعن القرآن، وفارقتم أحكامه. {تُفْسِدُواْ فِي ٱلأَرْضِ} بالمعصية، والبغي، وسفك الدماء، وتعودوا إلى ما كنتم عليه في الجاهلية من الفرقة، بعدما جمعكم الله تعالى بالإسلام، وأكرمكم بالألفة. قال قتادة: كيف رأيتم القوم حين تولّوا عن كتاب الله؟ ألم يسفكوا الدم الحرام، وقطعوا الأرحام، وعصوا الرّحمن؟، وقال بعضهم: هو من الآية. قال المسيب بن شريك والفراء: يقول: {فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ} إن ولّيتم أمر الناس {تُفْسِدُواْ فِي ٱلأَرْضِ} بالظلم، نزلت في بني أمية، ودليل هذا التأويل ما أخبرنا الحسين بن محمّد بن الحسين، حدّثنا هارون بن محمّد بن هارون، حدّثنا محمّد بن عبد العزيز، حدّثنا القاسم بن يونس الهلالي، عن سعيد بن الحكم الورّاق، عن ابن داود، عن عبدالله بن مغفل، قال: حديث : سمعت النبيّ صلى الله عليه وسلم صلى الله عليه وسلم يقرأ {فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُواْ فِي ٱلأَرْضِ} ثم قال: "هم هذا الحي من قريش أخذ الله عليهم إن وُلوا الناس ألاّ يفسدوا في الأرض ولا يقطّعوا أرحامهم" . تفسير : وقرأ علي بن أبي طالب {إن توليتم} بضمّ (التاء) و(الواو) وكسر (اللام)، يقول: إن وليتكم ولاة جائرة خرجتم معهم في الفتنة، وعاونتموهم. ومثله روى رويس عن يعقوب. {وَتُقَطِّعُوۤاْ أَرْحَامَكُمْ} قرأ يعقوب، وأبو حاتم، وسلام (وتقطعوا) خفيفة من القطع اعتباراً بقوله: {أية : وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ} تفسير : [البقرة: 27] وقرأ الحسن مفتوحة الحروف، اعتباراً بقوله: {أية : فَتَقَطَّعُوۤاْ أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ} تفسير : [المؤمنون: 53] . وقرأ غيرهم (وتقعطوا) بضم (التاء) مشدّداً من التقطيع على التكثير لأجل الأرحام. {أَوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ لَعَنَهُمُ ٱللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَىٰ أَبْصَارَهُمْ} عن الحقّ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : قوله تعالى: {وَكَأَيِّن ..} [محمد: 13] يعني: كثير من القرى {هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِّن قَرْيَتِكَ ٱلَّتِيۤ أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ فَلاَ نَاصِرَ لَهُمْ} [محمد: 13] المراد هنا مكة، فهي التي أخرجتْ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأين هي من القرى التي أهلكها الله وكانت أشد منها وأكثر عدداً وحضارة وعمارة. كما قال الحق سبحانه وتعالى عنهم: {أية : وَلَمْ يَسيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَانُوۤاْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُواْ ٱلأَرْضَ وَعَمَرُوهَآ ..}تفسير : [الروم: 9]. أين هم من عاد التي لم يُخلق مثلها في البلاد، وثمود الذين جابوا الصخر بالواد، وفرعون ذي الأوتاد، أين هم من هؤلاء المهلكين؟ {أَهْلَكْنَاهُمْ فَلاَ نَاصِرَ لَهُمْ} [محمد: 13] فلا مدافع عنهم يردُّ عنهم العذاب.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {فَلاَ نَاصِرَ لَهُمْ} معناه لا مانِعَ لَهم.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : أي: وكم من قرية من قرى المكذبين، هي أشد قوة من قريتك، في الأموال والأولاد والأعوان، والأبنية والآلات. { أهلكناهم } حين كذبوا رسلنا، ولم تفد فيهم المواعظ، فلا نجد لهم ناصرا، ولم تغن عنهم قوتهم من عذاب الله شيئا. فكيف حال هؤلاء الضعفاء، أهل قريتك، إذ أخرجوك عن وطنك وكذبوك، وعادوك، وأنت أفضل المرسلين، وخير الأولين والآخرين؟! أليسوا بأحق من غيرهم بالإهلاك والعقوبة، لولا أن الله تعالى بعث رسوله بالرحمة والتأني بكل كافر وجاحد؟
همام الصنعاني
تفسير : 2878- عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِّن قَرْيَتِكَ}: [الآية: 13]، قال: قريته مكة.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):