٤٧ - مُحَمَّد
47 - Muhammad (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
14
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أن هذا إشارة إلى الفرق بين النبي عليه السلام والكفار ليعلم أن إهلاك الكفار ونصرة النبي عليه السلام في الدنيا محقق، وأن الحال يناسب تعذيب الكافر وإثابة المؤمن، وقوله {عَلَىٰ بَيّنَةٍ } فرق فارق، وقوله {مّن رَّبّهِ } مكمل له، وذلك أن البينة إذا كانت نظرية تكون كافية للفرق بين المتمسك بها وبين القائل قولاً لا دليل عليه، فإذا كانت البينة منزلة من الله تعالى تكون أقوى وأظهر فتكون أعلى وأبهر، ويحتمل أن يقال قوله {مّن رَّبّهِ } ليس المراد إنزالها منه بل المراد كونها من الرب بمعنى قوله {أية : يَهْدِي مَن يَشَآء } تفسير : [المدثر: 31] وقولنا الهداية من الله، وكذلك قوله تعالى: {كَمَن زُيّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ } فرق فارق، وقوله {وَٱتَّبَعُواْ أَهْوَاءَهُمْ } تكملة وذلك أن من زين له سوء عمله وراجت الشبهة عليه في مقابلة من يتبين له البرهان وقبله، لكن من راجت الشبهة عليه قد يتفكر في الأمر ويرجع إلى الحق، فيكون أقرب إلى من هو على البرهان، وقد يتبع هواه ولا يتدبر في البرهان ولا يتفكر في البيان فيكون في غاية البعد، فإذن حصل النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمن مع الكافر في طرفي التضاد وغاية التباعد حتى مدهم بالبينة، والكافر له الشبهة وهو مع الله وأولئك مع الهوى وعلى قولنا {مّن رَّبّهِ } معناه الإضافة إلى الله، كقولنا الهداية من الله، فقوله {ٱتَّبَعُواْ أَهْوَاءهُمْ } مع ذلك القول يفيد معنى قوله تعالى: {أية : مَّا أَصَـٰبَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ ٱللَّهِ وَمَا أَصَـٰبَكَ مِن سَيّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ } تفسير : [النساء: 79] وقوله {كَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ } بصيغة التوحيد محمول على لفظة من، وقوله {وَٱتَّبَعُواْ أَهْوَاءهُمْ } محمول على معناه فإنها للجميع والعموم، وذلك لأن التزيين للكل على حد واحد فحمل على اللفظ لقربه منه في الحس والذكر، وعند اتباع الهوى كل أحد يتبع هوى نفسه، فظهر التعدد فحمل على المعنى.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى:{أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ} الألف ألف تقرير. ومعنى «على بينةٍ» أي على ثبات ويقين؛ قاله ابن عباس. أبو العالية: وهو محمد صلى الله عليه وسلم. والبينة: الوَحْيُ. {كَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوۤءُ عَمَلِهِ} أي عبادة الأصنام، وهو أبو جهل والكفار. {وَٱتَّبَعُوۤاْ أَهْوَاءَهُمْ} أي ما اشتهوا. وهذا التزيين من جهة الله خلقاً. ويجوز أن يكون من الشيطان دعاءً ووسوسة. ويجوز أن يكون من الكافر؛ أي زيّن لنفسه سوء عمله وأصرّ على الكفر. وقال: «سُوءُ» على لفظ «مَن» «وَاتَّبَعُوا» على معناه.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى: {أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ} أي على بصيرة ويقين من أمر الله ودينه بما أنزل في كتابه من الهدى والعلم، وبما جبله الله عليه من الفطرة المستقيمة {كَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوۤءُ عَمَلِهِ وَٱتَّبَعُوۤاْ أَهْوَاءَهُمْ} أي ليس هذا كهذا، كقوله تعالى: {أية : أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبِّكَ ٱلْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَىٰ} تفسير : [الرعد: 19] وكقوله تعالى: {أية : لاَ يَسْتَوِيۤ أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ وَأَصْحَـٰبُ ٱلْجَنَّةِ أَصْحَـٰبُ ٱلْجَنَّةِ هُمُ ٱلْفَآئِزُونَ} تفسير : [الحشر: 20] ثم قال عز وجل: {مَّثَلُ ٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِي وُعِدَ ٱلْمُتَّقُونَ} قال عكرمة: {مَّثَلُ ٱلْجَنَّةِ} أي نعتها {فِيهَآ أَنْهَارٌ مِّن مَّآءٍ غَيْرِ ءَاسِنٍ} قال ابن عباس رضي الله عنهما والحسن وقتادة: يعني: غير متغير. وقال قتادة والضحاك وعطاء الخراساني: غير منتن، والعرب تقول: أسن الماء إذا تغير ريحه، وفي حديث مرفوع أورده ابن أبي حاتم: «حديث : {غَيْرِ آسِنٍ} يعني: الصافي الذي لا كدر فيه» تفسير : وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا وكيع عن الأعمش عن عبد الله بن مرة، عن مسروق قال: قال عبد الله رضي الله عنه: أنهار الجنة تفجر من جبل من مسك {وَأَنْهَارٌ مِّن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ} أي بل في غاية البياض والحلاوة والدسومة، وفي حديث مرفوع: «حديث : لم يخرج من ضروع الماشية» تفسير : {وَأَنْهَـٰرٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّـٰرِبِينَ} أي ليست كريهة الطعم والرائحة كخمر الدنيا بل حسنة المنظر والطعم والرائحة والفعل {أية : لاَ فِيهَا غَوْلٌ وَلاَ هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ} تفسير : [الصافات: 47] {أية : لاَّ يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلاَ يُنزِفُونَ} تفسير : [الواقعة: 19] {أية : بَيْضَآءَ لَذَّةٍ لِّلشَّـٰرِبِينَ} تفسير : [الصافات: 46] وفي حديث مرفوع: «حديث : لم يعصرها الرجال بأقدامهم» تفسير : {وَأَنْهَـٰرٌ مِّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى} أي وهو في غاية الصفاء وحسن اللون والطعم والريح. وفي حديث مرفوع: «حديث : لم يخرج من بطون النحل»تفسير : وقال الإمام أحمد: حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا الجريري عن حكيم بن معاوية عن أبيه، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : في الجنة بحر اللبن وبحر الماء وبحر العسل وبحر الخمر، ثم تشقق الأنهار منها بعد» تفسير : ورواه الترمذي في صفة الجنة عن محمد بن بشار عن يزيد بن هارون، عن سعيد بن أبي إياس الجريري وقال: حسن صحيح. وقال أبو بكر بن مردويه: حدثنا أحمد بن محمد بن عاصم، حدثنا عبد الله بن محمد بن النعمان، حدثنا مسلم بن إبراهيم، حدثنا الحارث بن عبيد أبو قدامة الأيادي، حدثنا أبو عمران الجوني عن أبي بكر بن عبد الله بن قيس عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : هذه الأنهار تشخب من جنة عدن في جوبة ثم تصدع بعد أنهاراً» تفسير : وفي الصحيح: «حديث : إذا سألتم الله تعالى فاسألوه الفردوس فإنه أوسط الجنة، وأعلى الجنة، ومنه تفجر أنهار الجنة، وفوقه عرش الرحمن»تفسير : وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني: حدثنا مصعب بن إبراهيم بن حمزة الزبيري وعبد الله بن الصقر السكري قالا: حدثنا إبراهيم بن المنذر الحزامي، حدثنا عبد الرحمن بن المغيرة، حدثني عبد الرحمن بن عياش عن دلهم بن 0الأسود، قال دلهم: وحدثنيه أيضاً أبي الأسود عن عاصم بن لقيط قال: إن لقيط بن عامر خرج وافداً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت: يا رسول الله فعلام نطلع من الجنة؟ قال صلى الله عليه وسلم: «حديث : على أنهار عسل مصفى، وأنهار من خمر ما بها صداع ولا ندامة، وأنهار من لبن لم يتغير طعمه، وماء غير آسن، وفاكهة لعمر إلهك ما تعلمون، وخير من مثله، وأزواج مطهرة» تفسير : قلت: يا رسول الله أولنا فيها زوجات مصلحات؟ قال: «حديث : الصالحات للصالحين تلذونهن مثل لذاتكم في الدنيا ويلذونكم، غير أن لا توالد» تفسير : وقال أبو بكر عبد الله بن محمد بن أبي الدنيا: حدثنا يعقوب بن عبيدة عن يزيد بن هارون، أخبرني الجريري عن معاوية بن قرة عن أبيه عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: لعلكم تظنون أن أنهار الجنة تجري في أُخدود في الأرض والله إنها لتجري سائحة على وجه الأرض، حافاتها قباب اللؤلؤ، وطينها المسك الأذفر، وقد رواه أبو بكر بن مردويه من حديث مهدي بن حكيم عن يزيد بن هارون به مرفوعاً. وقوله تعالى: {وَلَهُمْ فِيهَا مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِ} كقوله عز وجل: {أية : يَدْعُونَ فِيهَا بِكلِّ فَـٰكِهَةٍ ءَامِنِينَ} تفسير : [الدخان: 55] وقوله تبارك وتعالى: {أية : فِيهِمَا مِن كُلِّ فَـٰكِهَةٍ زَوْجَانِ} تفسير : [الرحمن: 52] وقوله سبحانه وتعالى: {وَمَغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ} أي مع ذلك كله. وقوله سبحانه وتعالى: {كَمَنْ هُوَ خَـٰلِدٌ فِي ٱلنَّارِ} أي هؤلاء الذين ذكرنا منزلتهم من الجنة، كمن هو خالد في النار؟ ليس هؤلاء كهؤلاء، وليس من هو في الدرجات كمن هو في الدركات {وَسُقُواْ مَآءً حَمِيماً} أي حاراً شديد الحر لا يستطاع {فَقَطَّعَ أَمْعَآءَهُمْ} أي قطع ما في بطونهم من الأمعاء والأحشاء، عياذاً بالله تعالى من ذلك.
المحلي و السيوطي
تفسير : {أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيّنَةٍ } حجة وبرهان {مِّن رَّبِّهِ } وهم المؤمنون {كَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ } فرآه حسناً وهم كفار مكة {وَٱتَّبَعُواْ أَهْوَاءَهُمْ } في عبادة الأوثان؟ أي لا مماثلة بينهما.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {أَفَمَن كَان عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبّهِ} فيه أربعة أقاويل: أحدها: أنه القرآن، قاله ابن زيد. الثاني: أنه محمد صلى الله عليه وسلم، قاله أبو العالية، والبينة الوحي. الثالث: أنهم المؤمنون، قاله الحسن، والبينة معجزة الرسول. الرابع: أنه الدين، قاله الكلبي. {كَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ} فيه قولان: أحدهما: عبادتهم الأوثان، قاله الضحاك. الثاني: شركهم، قاله قتادة، وفيهم قولان: أحدهما: أنهم كافة المشركين. الثاني: أنهم الإثنا عشر رجلاً من قريش. وفيمن زينه لهم قولان: أحدهما: الشيطان. الثاني: أنفسهم. {وَاتَّبَعُواْ أَهْوَآءَهُم} فيه قولان: أحدهما: أنه نعت لمن زين له سوء عمله. الثاني: أنهم المنافقون، قاله ابن زيد.
ابن عطية
تفسير : قوله تعالى: {أفمن كان} الآية توقيف وتقرير على شيء متفق عليه وهي معادلة بين هذين الفريقين. وقال قتادة: الإشارة بهذه الآية إلى محمد عليه السلام في أنه الذي هو على بينة وإلى كفار قريش في أنهم الذين زين لهم سوء أعمالهم. قال القاضي أبو محمد: وبقي اللفظ عاماً لأهل هاتين الصفتين غابر الدهر وقوله: {على بينة} معناه على قصة واضحة وعقيدة نيرة بينة، ويحتمل أن يكون المعنى على أمر بين ودين بين، وألحق الهاء للمبالغة: كعلامة ونسابة. والذي يسند إليه قوله: {زين} الشيطان. واتباع الأهواء: طاعتها كأنها تذهب إلى ناحية والمرء يذهب معها. واختلف الناس في قوله تعالى: {مثل الجنة} الآية، فقال النضر بن شميل وغيره: {مثل} معناه صفة، كأنه قال صفة الجنة ما تسمعون فيها كذا وكذا، وقال سيبويه: المعنى فيما يتلى عليكم مثل الجنة. ثم فسر ذلك الذي يتلى بقوله: فيها كذا وكذا. قال القاضي أبو محمد: والذي ساق أن يجعل {مثل} بمثابة صفة هو أن الممثل به ليس في الآية، ويظهر أن القصد في التمثيل هو إلى الشيء الذي يتخيله المرء عند سماعه فيها كذا وكذا فإنه يتصور عند ذلك بقاعاً على هذه الصورة وذلك هي {مثل الجنة} ومثالها، وفي الكلام حذف يقتضيه الظاهر، كأنه يقول: {مثل الجنة} ظاهر في نفس من وعى هذه الأوصاف. وقرأ علي بن أبي طالب: "مثال الجنة". وقرأ علي بن أبي طالب أيضاً وابن عباس: "أمثال الجنة". وعلى هذه التأويلات كلها ففي قوله: {كمن هو خالد} حذف تقديره: أساكن هذه، أو تقديره: أهؤلاء إشارة إلى المتقين، ويحتمل عندي أيضاً أن يكون الحذف في صدر الآية. كأنه قال: أمثل أهل الجنة {كمن هو خالد}، ويكون قوله: {مثل} مستفهماً عنه بغير ألف الاستفهام، فالمعنى: أمثل أهل الجنة، وهي بهذه الأوصاف {كمن هو خالد في النار} فتكون الكاف في قوله: {كمن} مؤكدة في التشبيه، ويجيء قوله: {فيها أنهار} في موضع الحال على هذا التأويل. {وماء غير آسن} معناه غير متغير، قاله ابن عباس وقتادة، وسواء أنتن أو لم ينتن، يقال: أسَن الماء: بفتح السين، وأسِن بكسرها. وقرأ جمهور القراء: "آسِن" على وزن فاعل. وقرأ ابن كثير: "أسن"، على وزن فعل، وهي قراءة أهل مكة، والأسن أيضاً هو الذي يخشى عليه من ريح منتنة من ماء، ومنه قول الشاعر: شعر : التارك القرن مصراً أنامله يميل في الرمح ميل المائح الأسن تفسير : وقال الأخفش: {آسن} لغة: والمعنى الإخبار به عن الحال، ومن قال: "آسِن" على وزن فاعل، فهو يريد به أن يكون كذلك في المستقبل فنفى ذلك في الآية. وقرأت فرقة: "غير يسن"، بالياء. قال أبو علي: وذلك على تخفيف الهمزة، قال أبو حاتم عن عوف: كذلك كانت في المصحف: "يسن"، فغيرها الحجاج. وقوله: في اللبن {لم يتغير طعمه} نفي لجميع وجوه الفساد في اللبن وقوله: {لذة للشاربين} جمعت طيب المطعم وزوال الآفات من الصداع وغيره و {لذة} نعت على النسب، أي ذات لذة. وتصفية العسل مذهبة لمومه وضرره. وقوله: {من كل الثمرات} أي من هذه الأنواع، لكنها بعيدة الشبه، إذ تلك لا عيب فيها ولا تعب بوجه. وقوله: {ومغفرة من ربهم} معناه: وتنعيم أعطته المغفرة وسببته، فالمغفرة إنما هي قبل الجنة، وقوله: {وسقوا} الضمير عائد على "مَنْ" لأن المراد به جمع. وقوله تعالى: {ومنهم من يستمع إليك} يعني بذلك المنافقين من أهل المدينة، وذلك أنهم كانوا يحضرون عند النبي عليه السلام فيسمعون كلامه وتلاوته، فإذا خرجوا قال بعضهم لمن شاء من المؤمنين الذين عملوا وانتفعوا {ماذا قال آنفاً} فكان منهم من يقول هذا استخفافاً، أي ما معنى ما قال وما نفعه وما قدره؟ ومنهم من كان يقول ذلك جهالة ونسياناً، لأنه كان في وقت الكلام مقبلاً على فكرته في أمر دنياه وفي كفره، فكان القول يمر صفحاً، فإذا خرج قال: {ماذا قال آنفاً}، وهذا أيضاً فيه ضرب من الاستخفاف، لأنه كان يصرح أنه كان يقصد الإعراض وقت الكلام، ولو لم يكن ذلك بقصد لم يبعد أن يجري على بعض المؤمنين. وروي أن عبد الله بن مسعود وابن عباس ممن سئل هذا السؤال، حكاه الطبري عن ابن عباس. وقرأ الجمهور: "آنفاً" على وزن فاعل، وقرأ ابن كثير وحده: "أنفاً" على وزن فعل، وهما اسما فاعل من ائتنف، وجريا على غير فعلهما، وهذا كما جرى فقير على افتقر ولم يستعمل فقر، وهذا كثير، والمفسرون يقولون: "أنفاً" معناه: الساعة الماضية القريبة منا، وهذا تفسير بالمعنى. ثم أخبر تعالى أنه {طبع} على قلوب هؤلاء المنافقين الفاعلين لهذا، وهذا الطبع يحتمل أن يكون حقيقة، ويحتمل أن يكون استعارة وقد تقدم القول فيه.
ابن عبد السلام
تفسير : {أَفَمَن كَانَ} محمد والبينة: الوحي، أو المؤمنون والبينة معجزة الرسول صلى الله عليه وسلم، أو الدين، أو القرآن {كَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ} بالشرك، أو عبادة الأوثان عامة، أو في الأثنى عشر رجلاً من قريش زينها الشيطان، أو أنفسهم {وَاتَّبَعُواْ} يعني المنافقين، أو من زين له سوء عمله.
ابو السعود
تفسير : {أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيّنَةٍ مّن رَّبّهِ} تقريرٌ لتباينِ حَالَيْ فَريَقيْ المؤمنينَ والكافرينَ وكونِ الأولينَ في أعلى علّيـينَ والآخرينَ في أسفلِ سافلينَ وبـيانٌ لعلةِ ما لكلَ منهُمَا من الحالِ. والهمزةُ للإنكارِ، والفاءُ للعطفِ على مقدرٍ يقتضيهِ المقامُ، وقد قُرِىءَ بدونها. ومَنْ عبارةٌ عن المؤمنينَ المتمسكينَ بأدلةِ الدِّينِ، وجعلُها عبارةً عن النبـيِّ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ أو عنْهُ وعنِ المؤمنينَ لا يساعدُه النظمُ الكريمُ على أنَّ الموازنةَ بـينه عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وبـينَهم مما يأباهُ منصبُه الجليلُ. والتقديرُ أليسَ الأمرُ كما ذُكِرَ فمنْ كانَ مستقراً على حجةٍ ظاهرةٍ وبرهانٍ نيّرٍ من مالكِ أمرِه ومربّـيهِ وهو القرآنُ الكريمُ وسائرُ المعجزاتِ والحججِ العقليةِ. {كَمَن زُيّنَ لَهُ سُوء عَمَلِهِ} من الشركِ وسائرِ المعاصيِ مع كونِه في نفسِه أقبحَ القبائحِ {وَٱتَّبِعُـواْ} بسببِ ذلكَ التزيـينِ {أَهْوَاءهُمْ} الزائغةَ وانهمكُوا في فنونِ الضلالاتِ من غيرِ أنْ يكونَ لهم شبهةٌ توهمُ صحةَ ما هُم عليهِ فضلاً عن حجةٍ تدلُّ عليهِ. وجمعُ الضميرينِ الأخيرينِ باعتبارِ مَعْنى مَنْ، كما أنَّ إفرادَ الأولَينِ باعتبارِ لفظِها. {مَّثَلُ ٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِى وُعِدَ ٱلْمُتَّقُونَ} استئنافٌ مَسُوقٌ لشرحِ مَحَاسنِ الجنَّةِ الموعودةِ آنِفاً للمؤمنينَ، وبـيانِ كيفيةِ أنهارِها التي أُشيرَ إلى جريانِها من تحتِها، وعُبِّرَ عنهُم بالمتقينَ إيذاناً بأنَّ الإيمانَ والعملَ الصالَح من بابِ التقوى الذي هُو عبارةٌ عن فعلِ الواجباتِ بأسرِها وتركِ السيئاتِ عن آخرِها، ومَثَلُها: وصفُها العجيبُ الشأنِ. وهُو مبتدأٌ محذوفُ الخبرِ فقدَّرهُ النَّضْرُ بْنُ شُمَيلٍ: مثلُ الجنةِ ما تسمعونَ. وقولُه تعالى: {فِيهَا أَنْهَارٌ} إلخ مفسرٌ لَهُ وقدَّرهُ سيبويهِ فيما يُتلَى عليكُم مَثَلُ الجنةِ، والأولُ هو الأنسبُ لصدرِ النظمِ الكريمِ، وقيلَ المَثَلُ زائدةٌ كزيادةِ الاسمِ في قولِ مَنْ قالَ: شعر : إلى الحَوْلِ ثُمَّ اسْمُ السَّلامِ عليكما [ومَنْ يَبْكِ حولاً كاملاً فقدِ اعتذرْ] تفسير : والجنةُ مبتدأٌ خبرُهُ فيها أنهارٌ إلخ. {مّن مَّاء غَيْرِ ءاسِنٍ} أيْ غيرِ متغيرِ الطعمِ والرَّائحةِ. وقُرِىءَ غيرِ أَسِنٍ. {وَأَنْهَارٌ مّن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ} بأنْ صارَ قارِصاً وَلاَ خَازِراً كألبانِ الدُّنيا. {وَأَنْهَـٰرٌ مّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لّلشَّـٰرِبِينَ} لذيذةٍ ليسَ فيها كراهةُ طعمٍ وريحٍ ولا غائلةُ سُكرٍ ولا خُمارٌ، وإنما هيَ تلذذٌ محضٌ. ولذةٍ إمَّا تأنيثُ لذَ بمعنى لذيذٍ، أو مصدرٌ نُعتَ به مبالغةً. وقُرِىءَ لذةٌ بالرفعِ على أنَّها صفةُ أنهارٌ، وبالنصبِ على العلَّةِ أي لأجلِ لذةِ الشاربـينَ {وَأَنْهَـٰرٌ مّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى} لا يُخالطُه الشمعُ وفضلاتُ النحلِ وغيرُها. وفي هذا تمثيلٌ لما يَجْري مَجرى الأشربةِ في الجنةِ بأنواعِ ما يُستطابُ منها ويُستلذُّ في الدُّنيا بالتخليةِ عمَّا يُنغصها ويُنقصها والتحليةِ بما يُوجبُ غزارتُها ودوامَها. {وَلَهُمْ فِيهَا} مع ما ذُكَر من فنونِ الأنهارِ {مِن كُلّ ٱلثَّمَرٰتِ} أيْ صنفٌ من كلِّ الثمراتِ {وَمَغْفِرَةٌ} أي ولهم مغفرةٌ عظيمةٌ لا يُقادَرُ قَدرُها. وقولُه تعالى: {مّن رَّبّهِمُ} متعلقٌ بمحذوفٍ هو صفةٌ لمغفرةٌ مؤكدةٌ لما أفاده التنكيرُ من الفخامةِ الذاتيةِ بالفخامةِ الإضافيةِ أي كائنةٌ من ربِّهم. وقولُه تعالى: {كَمَنْ هُوَ خَـٰلِدٌ فِى ٱلنَّارِ} خبرٌ لمبتدأٍ محذوفٍ تقديرُهُ أمَّنْ هو خالدٌ في هذه الجنةِ حسبما جرى به الوعدُ كمن هو خالدٌ في النَّارِ كما نطقَ بهِ قولُه تعالى: والنَّارُ مَثْوىً لَهُم، وقيل هو خبرٌ لَمثَلُ الجنةِ على أنَّ في الكلامِ حذفاً، تقديرُهُ أمثلُ الجنةِ كمثلِ جزاءِ من هُو خالدٌ في النَّارِ أو أمثلُ أهلِ الجنةِ كمثلِ من هو خالدٌ في النارِ، فعُرّيَ عن حرفِ الإنكارِ وحُذفَ ما حذفَ تصويراً لمكابرةِ مَن يُسوي بـين المتمسكِ بالبـينةِ وبـين التابعِ للهوى بمكابرةِ من سوَّى بـين الجنةِ الموصوفةِ بما فُصِّلَ من الصفاتِ الجليلةِ وبـين النارِ. {وَسُقُواْ مَاء حَمِيماً} مكانَ تلك الأشربةِ {فَقَطَّعَ أَمْعَاءهُمْ} من فرْطِ الحرارةِ قيل إذا دنَا منهم شَوَى وجوهَهم وانمازتْ فروةُ رؤوسِهم فإذا شربوُه قطَّع أمعاءَهم.
التستري
تفسير : قوله: {أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ}[14] قال: المؤمن على بيان من ربه، ومن كان على بينة من ربه لزم الاقتداء بالسنن.
السلمي
تفسير : قوله عز وعلا: {أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ} [الآية: 14]. لزم الاقتداء بالسنن سمعت أبا عثمان المغربى رحمة الله عليه يقول: البينة هى النور التى يفرق به المرء بين الإلهام والوسوسة ولا تكون البينة إلاّ لأهل الحقائق فى الإيمان والبينة نور والمترجم عنها البرهان.
القشيري
تفسير : "البيِّنة": الضياء والحُجَّة، والاستبصار بواضح المحجة: فالعلماءُ في ضياء برهانهم، والعارفون في ضياءِ بيانهم؛ فهؤلاء بأحكام أدلة الأصول يُبْصِرون، وهؤلاء بحكم الإلهام والوصول يستبصرون.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ كَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوۤءُ عَمَلِهِ} اى على مشاهدة ويقين وبراهين واضحة ومتابعة على وفق ما وقع فى قلبه من طريق الخطاب والهام الذى وافق الكتاب والسنة فمن هذا وصفه لا يكون كمن يستحسن ما زين له نفسه وهواه وشيطان من حيث الجهل والغرور قال ابو عثمان البينة هى النور الذى يفرق بها المرء بين الالهام والوسواس ولا يكون البنية الا لاهل الحقائق فى الايمان والبينة نور والمترجم عنها لابرهان قال ابو سعيد الحراز البينات مختلفة منهم من كانت بينته الالهام ومنهم قلوب اقفلت عن ان يدخلها شئ فى المعرفة بنفسه ومنهم من كانت بينته المعرفة ببلاء الوقت وفتنته ومنهم من كانت بينته فى كشف ما كشف الله له من صحة الرجوع اليه واضح البينات ما يشهد له شاهد الحق ويتلوه شاهد منه قال الاستاذ البينة الضياء والحجة والاستبصار لواضح الحجة والعلماء فى ضياء برهانهم العارفون فى ضياء بيانهم.
اسماعيل حقي
تفسير : {أفمن كان} آياهركه باشد {على بينة من ربه} الفاء للعطف على مقدر يقضيه المقام ومن عبارة عن المؤمنين المتمسكين بادلة الدين اى أليس الامر كما ذكر فمن كان مستقرا على حجة ظاهرة وبرهان نير من مالك امره ومربيه وهو القرءآن وسائر المعجزات والحجج العقلية {كمن زين له سوء عمله} من الشر وسائر المعاصى مع كونه فى نفسه اقبح القبائح يعنى شيطان ونفس اورا آرايش كرده است. والمعنى لا مساواة بين المهتدى والضال {واتبعوا} بسبب ذلك التزيين {اهواءهم} الزائغة وانهمكوا فى فنون الضلالات من غير ان يكون لهم شبهة توهم صحة ما هم عليه فضلا عن حجة تدل عليها وجمع الضمير باعتبار معنى من كما ان افراد الاولين باعتبار لفظها وفى الآية اشارة الى اهل القلب وأهل النفس فان أهل القلب بسبب تصفية قلوبهم عن صدأ الاخلاق الذميمة رأوا شواهد الحق فكانوا على بصيرة من الامر واما أهل النفس فزين لهم البدع ومخالفات الشرع واتبعوا اهواءهم فى العقائد القلبية والاعمال القالبية فصاروا اضل من الحمير حيث لم يهتدوا لا الى الله تعالى ولا الى الجنة وقال ابو عثمان البينة هى النور الذى يفرق بين المرء بين الالهام والوسوسة ولا يكون الا لاهل الحقائق فى الايمان وأصل البينة للنبى عليه السلام كما قال تعالى {أية : لقد رأى من آيات ربه الكبرى} تفسير : وقال تعالى {أية : ما كذب الفؤاد ما رأى} تفسير : قال بعض الكبار انما لم يجمع لنبى من الانبياء عليهم السلام ما جمع لرسول الله صلى الله عليه وسلم من العلوم لان مظهره عليه السلام رحمانى والرحمن اول اسم صدر بعد الاسم العليم فالمعلومات كلها يحتوى عليها الاسم الرحمن ومن هنا تحريم زينة الدنيا عليه صلى الله عليه وسلم لكونها زائلة فمنع من التلبس بها لان مظهره الرحمانى ينافى الانقضاء ويلائم الابد. ازما مجوى زينت ظاهركه جون صدف ما اندرون خانه بكوهر كرفته ايم
اطفيش
تفسير : {أَفَمَن كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ} هي القرآن أو ما يعمله والحجج العقلية كالنبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين وقيل البينة من ربه اليقين من دينه وقرئ (أو من كان)* {كَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ} أي عمل السوء وهو الشرك والمعاصي أو ما هو سوء من جملة عمله فان منها سوءاً وغيره والمراد أبو جهل ومن معه وقيل كل مشرك* {وَاتَّبَعُواْ أَهْوَآءَهُم} مراعاة لمعنى من بعد مراعاة لفظها وان منع ذلك فالضميران لمن تقدم أي ما هم فيه من الشرك والمعاصي مجرد اتباع الهوى لا شبهة لهم فيه فضلاً عن الحجة
اطفيش
تفسير : {أفَمن كانَ} أيستوى الخير والشر، أو أيستوى الاحسان والاساءة، فمن كان {على بينَةٍ من ربِّه} من واقعة على النبى صلى الله عليه وسلم والمؤمنين والبيِّنة دلائل الدين من القرآن والمعجزات والعقليات {كَمن زُيِّن له سُوء عَملِه} من الاشراك واعتقاده وسائر المعاصى، ومنها اخراجك من مكة، ومن واقعة على المشركين، والمزين لهم الشيطان، ويجوز أن يراد بالآية الأنبياء كلهم وأتباعهم وحججهم، والمشركون لا خصوص هذه الأمة {واتَّبعُوا أهواءهُم} بلا حجة فى ذلك العمل، تسبب التزيين والجمع باعتبار معنى من، والإفراد فى كان وله، باعتبار لفظ ما.
الالوسي
تفسير : {أَفَمَنْ كَانَ عَلَىٰ بَيّنَةٍ مّن رَّبّهِ } تقرير لتباين حال الفريقين المؤمنين والكافرين وكون الأولين في أعلى عليين والآخرين في أسفل سافلين وبيان لعلة ما لكل منهما من الحال، والهمزة لإنكار استوائهما أو لإنكار كون الأمر ليس كما ذكر، والفاء للعطف على مقدر يقتضيه المقام وقد قرىء بدونها، و {مِنْ } عبارة عن المؤمنين المتمسكين بأدلة الدين كما أنها في قوله تعالى: {كَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ } عبارة عن أضدادهم من المشركين. وأخرج جماعة عن ابن عباس أن {مَن كَانَ عَلَىٰ بَيّنَةٍ مّن رَّبّهِ } هو رسول الله صلى الله عليه وسلم و {مَنْ زُيِّن لَهُ سُوء عَمَلِهِ } هم المشركون، وروي عن قتادة نحوه وإليه ذهب الزمخشري. وتعقب بأن التخصيص لا يساعده النظم الكريم ولا داعي إليه، وقيل: ومثله كون {مَنْ } الأولى عبارة عنه صلى الله عليه وسلم وعن المؤمنين، والمعنى أيستوي الفريقان أو أليس الأمر كما ذكر فمن كان ثابتاً على حجة ظاهرة وبرهان نير من مالك أمره ومربيه وهو القرآن العظيم وسائر المعجزات والحجج العقلية كمن زين له الشيطان عمله السيء من الشرك وسائر المعاصي كإخراجك من قريتك مع كون ذلك في نفسه أقبح القبائح {وَٱتَّبَعُـواْ } في ذلك العمل السيء، وقيل: بسبب ذلك التزيين {أَهْوَاءَهُمْ } الزائغة من غير أن يكون لهم شبهة توهم صحة ما هم عليه فضلاً عن حجة تدل عليها. وجمع الضميرين الأخيرين باعتبار معنى {مَنْ } كما أن إفراد الأولين باعتبار لفظها.
ابن عاشور
تفسير : تفريع على جملة {أية : أهلكناهم فلا ناصر لهم}تفسير : [محمد: 13] لتحقيق أنهم لا ناصر لهم تحقيقاً يرجع إلى ما في الكلام من المعنى التعريضي فهو شبيه بالاستئناف البياني جاء بأسلوب التفريع. ويجوز مع ذلك أن يكون مفرَّعاً على ما سبق من قوله: {أية : إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات}تفسير : [محمد: 12] الآية، فيكون له حكم الاعتراض لأنه تفريع على اعتراض. وهذا تفنن في تلوين الكلام لتجديد نشاط السامعين وهو من الأساليب التي ابتكرها القرآن في كلام العرب. والاستفهام مستعمل في إنكار المماثلة التي يقتضيها حرف التشبيه. والمقصود من إنكار المشابهة بين هؤلاء وهؤلاء هو تفضيل الفريق الأول، وإنكار زعم المشركين أنهم خير من المؤمنين كما ظهر ذلك عليهم في مواطن كثيرة كقولهم: {أية : لو كان خيراً ما سبقونا إليه}تفسير : [الأحقاف: 11] {أية : وإذا رأوهم قالوا إن هؤلاء لضالون}تفسير : [المطففين: 32] {أية : فاتخذتموهم سُخرياً حتى أنسوكم ذِكري وكنتم منهم تضحكون}تفسير : [المؤمنون: 110]. والمراد بالموصولين فريقان كما دل عليه قوله في أحدهما {واتبعوا أهواءهم}. والبينة: البرهان والحجة، أي حجة على أنه محق. و {مِن} ابتدائية، وفي التعبير بوصف الرب وإضافته إلى ضمير الفريق تنبيه على زلفى الفريق الذي تمسك بحجة الله. ومعنى وصف البينة بأنها من الله: أن الله أرشدهم إليها وحرّك أذهانهم فامتثلوا وأدركوا الحق، فالحجة حجة في نفسها وكونها من عند الله تزكية لها وكشف للتردّد فيها وإتمام لدلالتها، كما يظهر الفرق بين أخذ العلم عن متضلع فيه وأخذه عن مستضعف فيه وإن كان مصيباً. و (عَلى) للاستعلاء المجازي الذي هو بمعنى التمكن كما في قوله تعالى: {أية : أولئك على هدى من ربهم} تفسير : في سورة البقرة (5). وهذا الفريق هم المؤمنون وهم ثابتون على الدين واثقون بأنهم على الحق. فلا جرم يكون لهم الفوز في الدنيا لأن الله يسّر لهم أسبابه فإن قاتلوا كانوا على ثقة بأنهم على الحق وأنهم صائرون إلى إحدى الحسنيين فقويت شجاعتهم، وإن سالموا عُنوا بتدبير شأنه وما فيه نفع الأمة والدين فلم يَألوا جهداً في حسن أعمالهم، وذلك من آثار أن الله أصلح بالهم وهداهم. والفريق الذين زيّن له سوء عمله هم المشركون، فإنهم كانوا في أحوال السُوأى من عبادة الأصنام والظلم والعدوان وارتكاب الفواحش، فلما نبههم الله لفساد أعمالهم بأن أرسل إليهم رسولاً بين لهم صالح الأعمال وسيئاتها لم يدركوا ذلك ورأوا فسادهم صلاحاً فتزينت أعمالهم في أنظارهم ولم يستطيعوا الإقلاع عنها وغَلب إلفُهم وهواهم على رأيهم فلم يعبأوا باتباع ما هو صلاح لهم في العاجل والآجل، فذلك معنى قوله: {كمن زُيّن له سوء عمله واتبعوا أهواءهم} بإيجاز. وبني فعل {زُيّن} للمجهول ليشمل المزيّنين لهم من أيمة كفرهم، وما سولته لهم أيضاً عقولهم الآفنة من أفعالهم السيئة اغتراراً بالإلف أو اتباعاً للذات العاجلة أو لِجلب الرئاسة، أي زَيَّن له مُزيّنَ سوءَ عمله، وفي هذا البناء إلى المجهول تنبيه لهم أيضاً ليرجعوا إلى أنفسهم فيتأمّلوا فيمن زيّن لهم سوء أعمالهم. ولمّا كان تزيين أعمالهم لهم يبعثهم على الدأب عليها كان يتولد من ذلك إلفهم بها وولعهم بها فتصير لهم أهواء لا يستطيعون مفارقتها أعقب بقوله: {واتبعوا أهواءهم}. والفرق بين الفريقين بَيّن للعاقل المتأمل بحيث يحق أن يُسأل عن مماثلة الفريقين سُؤال من يعلم انتفاء المماثلة ويُنكِر على من عسى أن يزعمها. والمراد بانتفاء المماثلة الكناية عن التفاضل، والمقصود بالفضل ظاهر وهو الفريق الذي وقع الثناء عليه.
د. أسعد حومد
تفسير : (14) - أفَمنْ كَانَ عَلَى بَصِيرَةٍ برَبِّهِ وَخَالِقِهِ، وَبِما أَنْزَلَهُ في كِتَابِهِ مِنَ الهُدَى والعِلْمِ، فَهُوَ يُدْرِكُ أنَّ لَهُ ربّاً خَلَقَهُ وَرَعَاهُ، وأنَّهُ سَيُجَازِيهِ على أعْمالِهِ في الآخِرةِ بإدخَالِهِ الجَنَّةَ، كَمَنْ حَسَّنَ لَهُ الشَّيطَانُ عَمَلَهُ القَبيحَ، وَأراهُ إِيَّاهُ جَميلاً فَأَقَامَ عَلَيهِ، وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَشَهَواتِهِ فَانْغَمَسَ فِي المَعَاصِي غَيْرَ مُفَكِّرٍ فِي بَعْثٍ وَلاَ حِسَابٍ، وَلاَ فِي جَزَاءٍ عَلَى الأعمالِ، إِنَّهُ بِلا شَكٍّ لاَ يَتَساوَى المُؤْمِنُ الصَّالِحُ، مَعَ الكَافِرِ الفَاجِرِ، في الجَزَاءِ عِندَ اللهِ فِي الآخِرَةِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : الحق سبحانه وتعالى يريد أنْ يقرر هذه الحقيقة، لكن يأتي بالقضية على صورة سؤال: هل يستوي هذا وذاك {أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ ..} [محمد: 14] يعني: على هُدى وعلى حجة ونور من ربه. والرب هو الخالق وهو المربِّي، وما بالك بالتربية إنْ كانت من الله، لذلك قال صلى الله عليه وسلم في سياق بيان فضل ربه عليه: "حديث : أدَّبني ربي فأحسن تأديبي ". تفسير : ومعنى {عَلَىٰ بَيِّنَةٍ ..} [محمد: 14] على أمر واضح، ويقين ثابت، ومنهج مستقيم، يضمن له الخير في الدنيا والسلامة في الآخرة. هل يستوي هذا مع مَنْ زُيِّن له سوء عمله واتبع الشهوات والأهواء؟ لا بد أنك ستقول: لا يستويان. ومن أشدّ الفتن التي يقع فيها الإنسان أنْ يُزين له هواه سوء عمله فيراه حَسَناً، والهوى هو الميل والرغبة التي تميل بك عن الطريق المستقيم، لذلك قالوا: آفة الرأي الهوى، لذلك مدح الحق سبحانه نبيه صلى الله عليه وسلم بقوله: {أية : وَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱلْهَوَىٰ}تفسير : [النجم: 3]. ثم يعود السياق مرة أخرى إلى ضرب الأمثال، فيقول سبحانه: {مَّثَلُ ٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِي وُعِدَ ٱلْمُتَّقُونَ ...}.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : أي: لا يستوي من هو على بصيرة من أمر دينه، علما وعملا قد علم الحق واتبعه، ورجا ما وعده الله لأهل الحق، كمن هو أعمى القلب، قد رفض الحق وأضله، واتبع هواه بغير هدى من الله، ومع ذلك، يرى أن ما هو عليه من الحق، فما أبعد الفرق بين الفريقين! وما أعظم التفاوت بين الطائفتين، أهل الحق وأهل الغي!.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):