٤٧ - مُحَمَّد
47 - Muhammad (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
15
Tafseer
الرازي
تفسير : قوله تعالى: {مَّثَلُ ٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِى وُعِدَ ٱلْمُتَّقُونَ }. لما بيّن الفرق بين الفريقين في الاهتداء والضلال بيّن الفرق بينهما في مرجعهما ومآلهما، وكما قدم من على البينة في الذكر على من اتبع هواه، قدم حاله في مآله على حال من هو بخلاف حاله، وفي التفسير مسائل: المسألة الأولى: قوله تعالى: {مَّثَلُ ٱلْجَنَّةِ } يستدعي أمراً يمثل به فما هو؟ نقول فيه وجوه: الأول: قول سيبويه حيث قال المثل هو الوصف معناه وصف الجنة، وذلك لا يقتضي ممثلاً به، وعلى هذا ففيه احتمالان أحدهما: أن يكون الخبر محذوفاً ويكون {مَّثَلُ ٱلْجَنَّةِ } مبتدأ تقديره فيما قصصناه مثل الجنة، ثم يستأنف ويقول {فِيهَا أَنْهَارٌ }، وكذلك القول في سورة الرعد يكون قوله تعالى: {أية : تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلانْهَـٰرُ } تفسير : [الرعد: 35] ابتداء بيان والاحتمال الثاني: أن يكون فيها أنهار وقوله {تَجْرِى مِن تَحْتِهَا } خبراً كما يقال صف لي زيداً، فيقول القائل: زيد أحمر قصير، والقول الثاني: أن المثل زيادة والتقدير: الجنة التي وعد المتقون فيها أنهار. الوجه الثاني: ههنا الممثل به محذوف غير مذكور وهو يحتمل قولين أحدهما: قال الزجاج حيث قال: {مَّثَلُ ٱلْجَنَّةِ } جنة تجري {فِيهَا أَنْهَارٌ } كما يقال مثل زيد رجل طويل أسمر فيذكر عين صفات زيد في رجل منكر لا يكون هو في الحقيقة إلا زيداً الثاني: من القولين هو أن يقال معناه {مَّثَلُ ٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِى وُعِدَ ٱلْمُتَّقُونَ } مثل عجيب، أو شيء عظيم أو مثل ذلك، وعلى هذا يكون قوله {فِيهَا أَنْهَارٌ } كلاماً مستأنفاً محققاً لقولنا مثل عجيب الوجه الثالث: الممثل به مذكور وهو قول الزمخشري حيث قال: {كَمَنْ هُوَ خَـٰلِدٌ فِى ٱلنَّارِ } مشبه به على طريقة الإنكار، وحينئذ فهذا كقول القائل حركات زيد أو أخلاقه كعمرو، وكذلك على أحد التأويلين، إما على تأويل كحركات عمرو أو على تأويل زيد في حركاته كعمر، وكذلك على أحد التأويلين، إما على تأويل كحركات عمرو أو على تأويل زيد في حركاته كعمر، وكذلك ههنا كأنه تعالى قال: مثل الجنة كمن هو خالد في النار، وهذا أقصى ما يمكن أن يقرر به قول الزمخشري، وعلى هذا فقوله تعالى: {فِيهَا أَنْهَارٌ } وما بعد هذا جمل اعتراضية وقعت بين المبتدأ والخبر كما يقال نظير زيد فيه مروءة وعنده علم وله أصل عمرو. ثم قال تعالى: {فِيهَا أَنْهَارٌ مّن مَّاء غَيْرِ ءاسِنٍ وَأَنْهَارٌ مّن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَـٰرٌ مّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لّلشَّـٰرِبِينَ وَأَنْهَـٰرٌ مّنْ عَسَلٍ مُّصَفّىً}. اختار الأنهار من الأجناس الأربعة، وذلك لأن المشروب إما أن يشرب لطعمه، وإما أن يشرب لأمر غير عائد إلى الطعم، فإن كان للطعم فالطعوم تسعة: المر والمالح والحريف والحامض والعفص والقابض والتفه والحلو والدسم ألذها الحلو والدسم، لكن أحلى الأشياء العسل فذكره وأما أدسم الأشياء فالدهن، لكن الدسومة إذا تمحضت لا تطيب للأكل ولا للشرب، فإن الدهن لا يؤكل ولا يشرب كما هو في الغالب، وأما اللبن فيه الدسم الكائن في غيره وهو طيب للأكل وبه تغذية الحيوان أولاً فذكره الله تعالى، وأما ما يشرب لا لأمر عائد إلى الطعم فالماء والخمر فإن الخمر فيها أمر يشربها الشارب لأجله، هي كريهة الطعم باتفاق من يشربها وحصول التواتر به ثم عرى كل واحد من الأشياء الأربعة عن صفات النقص التي هي فيها وتتغير بها الدنيا فالماء يتغير يقال أسن الماء يأسن على وزن أمن يأمن فهو آسن وأسن اللبن إذا بقي زماناً تغير طعمه، والخمر يكرهه الشارب عند الشرب، والعسل يشوبه أجزاء من الشمع ومن النحل يموت فيه كثيراً، ثم إن الله تعالى خلط الجنسين فذكر الماء الذي يشرب لا للطعم وهو عام الشرب، وقرن به اللبن الذي يشرب لطعمه وهو عام الشرب إذ ما من أحد إلا وكان شربه اللبن، ثم ذكر الخمر الذي يشرب لا للطعم وهو قليل الشرب، وقرن به العسل الذي يشرب للطعم وهو قليل الشرب، فإن قيل العسل لا يشرب، نقول شراب الجلاب لم يكن إلا من العسل والسكر قريب الزمان، ألا ترى أن السكنجبين من «سركه وانكبين» وهو الخل والعسل بالفارسية كما أن استخراجه كان أولاً من الخل والعسل ولم يعرف السكر إلا في زمان متأخر، ولأن العسل اسم يطلق على غير عسل النحل حتى يقال عسل النحل للتمييز، والله أعلم. المسألة الثانية: قال في الخمر {لَّذَّةٍ لّلشَّـٰرِبِينَ } ولم يقل في اللبن لم يتغير طعمه للطاعمين ولا قال في العسل مصفى للناظرين لأن اللذة تختلف باختلاف الأشخاص فرب طعام يلتذ به شخص ويعافه الآخر، فقال: {لَّذَّةٍ لّلشَّـٰرِبِينَ } بأسرهم ولأن الخمر كريهة الطعم فقال: {لَذَّةٍ } أي لا يكون في خمر الآخرة كراهة الطعم، وأما الطعم واللون فلا يختلفان باختلاف الناس، فإن الحلو والحامض وغيرهما يدركه كل أحد كذلك، لكنه قد يعافه بعض الناس ويلتذ به البعض مع اتفاقهم على أن له طعماً واحداً وكذلك اللون فلم يكن إلى التصريح بالتعميم حاجة، وقوله {لَذَّةٍ } يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون تأنيث لذ يقال طعام لذ ولذيذ وأطعمة لذة ولذيذة وثانيهما: أن يكون ذلك وصفاً بنفس المعنى لا بالمشتق منه كما يقال للحليم هو حلم كله وللعاقل كله. ثم قال تعالى: {وَلَهُمْ فِيهَا مِن كُلّ ٱلثَّمَرٰتِ وَمَغْفِرَةٌ مّن رَّبّهِمْ }. بعد ذكر المشروب أشار إلى المأكول، ولما كان في الجنة الأكل للذة لا للحاجة ذكر الثمار فإنها تؤكل للذة بخلاف الخبز واللحم، وهذا كقوله تعالى في سورة الرعد {أية : مَّثَلُ ٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِى وُعِدَ ٱلْمُتَّقُونَ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلانْهَـٰرُ أُكُلُهَا دَائِمٌ وِظِلُّهَا } تفسير : [الرعد: 35] حيث أشار إلى المأكول والمشروب، وههنا لطيفة وهي أنه تعالى قال فيها {وِظِلُّهَا } ولم يقل ههنا ذلك، نقول قال ههنا {وَمَغْفِرَةٌ } والظل فيه معنى الستر والمغفرة كذلك، ولأن المغفور تحت نظر من رحمة الغافر يقال نحن تحت ظل الأمير، وظلها هو رحمة الله ومغفرته حيث لا يمسهم حر ولا برد. المسألة الثالثة: المتقي لا يدخل الجنة إلا بعد المغفرة فكيف يكون لهم فيها مغفرة؟ فنقول الجواب عنه من وجهين: الأول: ليس بلازم أن يكون المعنى لهم مغفرة من ربهم فيها، بل يكون عطفاً على قوله (لهم) كأنه تعالى قال لهم الثمرات فيها ولهم المغفرة قبل دخولها والثاني: هو أن يكون المعنى لهم فيها مغفرة أي رفع التكليف عنهم فيأكلون من غير حساب بخلاف الدنيا فإن الثمار فيها على حساب أو عقاب، ووجه آخر وهو أن الآكل في الدنيا لا يخلو عن استنتاج قبيح أو مكروه كمرض أو حاجة إلى تبرز، فقال: {وَلَهُمْ فِيهَا مِن كُلّ ٱلثَّمَرٰتِ وَمَغْفِرَةٌ } لا قبيح على الآكل بل مستور القبائح مغفور، وهذا استفدته من المعلمين في بلادنا فإنهم يعودون الصبيان بأن يقولون وقت حاجتهم إلى إراقة البول وغيره: يا معلم غفر الله لك، فيفهم المعلم أنهم يطلبون الإذن في الخروج لقضاء الحاجة فيأذن لهم، فقلت في نفسي معناه هو أن الله تعالى في الجنة غفر لمن أكل، وأما في الدنيا، فلأن للأكل توابع ولوازم لا بد منها فيفهم من قولهم حاجتهم. ثم قال تعالى: {كَمَنْ هُوَ خَـٰلِدٌ فِى ٱلنَّارِ وَسُقُواْ مَاء حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعَاءهُمْ } وفيه أيضاً مسائل: المسألة الأولى: على قول من قال: {مَّثَلُ ٱلْجَنَّةِ } معناه وصف الجنة فقوله {كَمَنْ هُوَ } بماذا يتعلق؟ نقول قوله {لَّهُمْ فِيهَا مِن كُلّ ٱلثَّمَرٰتِ } يتضمن كونهم فيها فكأنه قال هو فيها كمن هو خالد في النار، فالمشبه يكون محذوفاً مدلولاً عليه بما سبق، ويحتمل أن يقال ما قيل في تقرير قول الزمخشري أن المراد هذه الجنة التي مثلها ما ذكرنا كمقام من هو خالد في النار. المسألة الثانية: قال الزجاج قوله تعالى: {كَمَنْ هُوَ خَـٰلِدٌ فِى ٱلنَّارِ } راجع إلى ما تقدم كأنه تعالى قال: أفمن كان على بينة من ربه كمن زين له سوء عمله وهو خالد في النار فهل هو صحيح أم لا؟ نقول لنا نظر إلى اللفظ فيمكن تصحيحه بتعسف ونظر إلى المعنى لا يصح إلا بأن يعود إلى ما ذكرناه، أما التصحيح فبحذف كمن في المرة الثانية أو جعله بدلاً عن المتقدم أو بإضمار عاطف يعطف {كَمَنْ هُوَ خَـٰلِدٌ } على {كَمَن زُيّنَ لَهُ سُوء عَمَلِهِ } أو {كَمَنْ هُوَ خَـٰلِدٌ فِى ٱلنَّارِ }، وأما التعسف فبيّن نظراً إلى الحذف وإلى الإضمار مع الفاصل الطويل بين المشبه والمشبه به، وأما طريقة البدل ففاسدة وإلا لكان الاعتماد على الثاني فيكون كأنه قال: أفمن كان على بينة كمن هو خالد؟ وهو سمج في التشبيه تعالى كلام الله عن ذلك، والقول في إضمار العاطف كذلك لأن المعطوف أيضاً يصير مستقلاً في التشبيه، اللّهم إلا أن يقال المجموع بالمجموع كأنه يقول: أفمن كان على بينة من ربه، وهو في الجنة التي وعد المتقون فيها أنهار، كمن زين له سوء عمله وهو خالد في النار، وعلى هذا تقع المقابلة بين من هو على بينة من ربه، وبين من زين له سوء عمله، وبين من في الجنة وبين من هو خالد في النار، وقد ذكرناه فلا حاجة إلى خلط الآية بالآية، وكيف وعلى ما قاله تقع المقابلة بين من هو في النار وسقوا ماءً حميماً وبين من هو على بينة من ربه وأية مناسبة بينهما، بخلاف ما ذكرناه من الوجوه الأخر فإن المقابلة بين الجنة التي فيها الأنهار وبين النار التي فيها الماء الحميم وذلك تشبيه إنكار مناسب. المسألة الثالثة: قال: {كَمَنْ هُوَ خَـٰلِدٌ } حملاً على اللفظ الواحد وقال: {وَسُقُواْ مَاء حَمِيماً } على المعنى وهو جمع وكذلك قال من قبل {أية : كَمَن زُيّنَ لَهُ سُوء عَمَلِهِ } تفسير : [محمد: 14] على التوحيد والإفراد {وَٱتَّبَعُواْ أَهْوَاءهُمْ } على الجمع فما الوجه فيه؟ نقول المسند إلى من إذا كان متصلاً فرعاية اللفظ أولى لأنه هو المسموع، إذا كان مع انفصال فالعود إلى المعنى أولاً، لأن اللفظ لا يبقى في السمع، والمعنى يبقى في ذهن السامع فالحمل في الثاني على المعنى أولى وحمل الأول على اللفظ أولى، فإن قيل كيف قال في سائر المواضع {أية : مَنْ ءَامَنَ وَعَمِلَ صَـٰلِحاً } تفسير : [سبأ: 37] و {أية : فَمَن تَابَ... وَأَصْلَحَ } تفسير : [المائدة: 39]؟ نقول إذا كان المعطوف مفرداً أو شبيهاً بالمعطوف عليه في المعنى فالأولى أن يختلفا كما ذكرت فإنه عطف مفرد على مفرد وكذلك لو قال: كمن هو خالد في النار ومعذب فيها لأن المشابهة تنافي المخالفة، وأما إذا لم يكن كذلك كما في هذا الموضع، فإن قوله {سُقُواْ مَاء } جملة غير مشابهة لقوله {هُوَ خَـٰلِدٌ } وقوله تعالى: {وَسُقُواْ مَاء حَمِيماً } بيان لمخالفتهم في سائر أحوال أهل الجنة فلهم أنهار من ماء غير آسن، ولهم ماء حميم، فإن قيل المشابهة الإنكارية بالمخالفة على ما ثبت، وقد ذكرت البعض وقلت بأن قوله {عَلَىٰ بَيّنَةٍ } في مقابلة {زُيّنَ لَهُ سُوء عَمَلِهِ } و {مّن رَّبّهِ } في مقابلة قوله {وَٱتَّبَعُواْ أَهْوَاءهُمْ } والجنة في مقابلة النار في قوله {خَـٰلِدٌ فِى ٱلنَّارِ } والماء الحميم في مقابلة الأنهار، فأين ما يقابل قوله {وَلَهُمْ فِيهَا مِن كُلّ ٱلثَّمَرٰتِ وَمَغْفِرَةٌ } فنقول تقطع الأمعاء في مقابلة مغفرة لأنا بينا على أحد الوجوه أن المغفرة التي في الجنة هي تعرية أكل الثمرات عما يلزمه من قضاء الحاجة والأمراض وغيرها، كأنه قال: للمؤمن أكل وشرب مطهر طاهر لا يجتمع في جوفهم فيؤذيهم ويحوجهم إلى قضاء حاجة، وللكافر ماء حميم في أول ما يصل إلى جوفهم يقطع أمعاءهم ويشتهون خروجه من جوفهم، وأما الثمار فلم يذكر مقابلها، لأن في الجنة زيادة مذكورة فحققها بذكر أمر زايد. المسألة الرابعة: الماء الحار يقطع أمعاءهم لأمر آخر غير الحرارة، وهي الحدة التي تكون في السموم المدوفة، وإلا فمجرد الحرارة لا يقطع، فإن قيل قوله تعالى: {فَقَطَّعَ } بالفاء يقتضي أن يكون القطع بما ذكر، نقول نعم، لكنه لا يقتضي أن يقال: يقطع، لأنه ماء حميم فحسب، بل ماء حميم مخصوص يقطع.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى:{مَّثَلُ ٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِي وُعِدَ ٱلْمُتَّقُونَ} لما قال عز وجل: {إِنَّ ٱللَّهَ يُدْخِلُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ جَنَاتٍ} وصف تلك الجنات، أي صفة الجنة المعدّة للمتقين. وقد مضى الكلام في هذا في «الرعد». وقرأ علي بن أبي طالب «مِثَالُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ». {فِيهَآ أَنْهَارٌ مِّن مَّآءٍ غَيْرِ آسِنٍ} أي غير متغير الرائحة. والآسِن من الماء مثل الآجِن. وقد أسَن الماء يأسُن ويأسِن (أسْناً و) أُسُوناً إذا تغيّرت رائحته. وكذلك أجَن الماء يأجُن ويأجِن أجْناً وأُجُوناً. ويقال بالكسر فيهما: أجِن وأسِن يأسن ويأجن أسْناً وأجْناً؛ قاله اليزيدي. وأسِن الرجل أيضاً يأسَن (بالكسر لا غير) إذا دخل البئر فأصابته ريح منتِنة من ريح البئر أو غير ذلك فغشِي عليه أو دار رأسُه؛ قال زُهير:شعر : قد أترك القِرن مُصْفَرًّا أنامله يَميد في الرُّمح مَيد المائح الأسِن تفسير : ويروى «الوسن». وتأسّن الماء تغيّر. أبو زيد: تأسّن عليّ تأسّناً ٱعتلّ وأبطأ. أبو عمرو: تأسّن الرجل أباه أخذ أخلاقه. وقال الَّلحياني: إذا نزع إليه في الشَّبه. وقراءة العامة «آسن» بالمدّ. وقرأ ٱبن كثير وحُميد «أسن» بالقصر، وهما لغتان؛ مثل حاذر وحذر. وقال الأخفش: أسن للحال، وآسن (مثل فاعل) يراد به الاستقبال. {وَأَنْهَارٌ مِّن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ} أي لم يحمض بطول المقام كما تتغير ألبان الدنيا إلى الحموضة. {وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ} أي لم تدنسها الأرجل ولم تُرَنِّقْها الأيدي كخمر الدنيا؛ فهي لذيذة الطعم طيبة الشرب لا يتركها الشاربون. يقال: شراب لَذّ ولذيذ بمعنًى. وٱستلذّه عدّه لذيذاً. {وَأَنْهَارٌ مِّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى} العسل ما يسيل من لعاب النحل. «مُصَفًّى» أي من الشمع والقَذَى، خلقه الله كذلك لم يطبخ على نار ولا دنّسه النحل. وفي الترمذي عن حكيم بن معاوية عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«حديث : إن في الجنة بحر الماء وبحر العسل وبحر اللبن وبحر الخمر ثم تشقّق الأنهار بعدُ»تفسير : . قال: حديث حسن صحيح. وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : سَيْحان وجَيْحان والنيل والفُرات كلٌّ من أنهار الجنة»تفسير : . وقال كعب: نهر دجلة نهر ماء أهل الجنة، ونهر الفرات نهر لبنهم، ونهر مصر نهر خمرهم، ونهر سَيْحان نهر عسلهم. وهذه الأنهار الأربعة تخرج من نهر الكوثر. والعسل: يذكر ويؤنث. وقال ٱبن عباس: «مِن عَسَلٍ مُصَفًّى» أي لم يخرج من بطون النحل. {وَلَهُمْ فِيهَا مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَاتِ} «مِن» زائدة للتأكيد. {وَمَغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ} أي لذنوبهم. {كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي ٱلنَّارِ} قال الفرّاء: المعنى أفمن يخلد في هذا النعيم كمن يخلد في النار. وقال الزجاج: أي أفمن كان على بينة من ربه وأعطي هذه الأشياء كمن زُيِّن له سوء عمله وهو خالد في النار. فقوله: «كَمَنْ» بدل من قوله: {أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوۤءَ عَمَلِهِ}. وقال ابن كيسان: مثل هذه الجنة التي فيها الثمار والأنهار كمثل النار التي فيها الحميم والزقوم. ومثل أهل الجنة في النعيم المقيم كمثل أهل النار في العذاب المقيم. {وَسُقُواْ مَآءً حَمِيماً} أي حاراً شديد الغليان، إذا أُدْني منهم شوى وجوههم، ووقعت فروة رؤوسهم؛ فإذا شربوه قطع أمعاءهم وأخرجها من دبورهم. والأمعاء: جمع مِعًى، والتثنية مِعيان، وهو جميع ما في البطن من الحوايا.
المحلي و السيوطي
تفسير : {مَثَلُ } أي صفة {ٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِى وُعِدَ ٱلْمُتَّقُونَ } المشتركة بين داخليها مبتدأ خبره {فِيهَا أَنْهَارٌ مّن مَّاءٍ غَيْرِ ءَاسِنٍ } بالمدّ والقصر كضارب وحَذِر، أي غير متغير بخلاف ماء الدنيا فيتغير لعارض {وَأَنْهَارٌ مِّن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ } بخلاف لبن الدنيا لخروجه من الضروع {وَأَنْهَٰرٌ مّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ } لذيذة {لِلشَّارِبِينَ } بخلاف خمر الدنيا فإنها كريهة عند الشرب {وَأَنْهَٰرٌ مِّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى } بخلاف عسل الدنيا فإنه بخروجه من بطون النحل يخالط الشمع وغيره {وَلَهُمْ فِيهَا } أصناف {مِن كُلِّ ٱلثَّمَرٰتِ وَمَغْفِرَةٌ مّن رَّبّهِمْ } فهو راض عنهم مع إحسانه إليهم بما ذكر بخلاف سيد العبيد في الدنيا فإنه قد يكون مع إحسانه إليهم ساخطاً عليهم {كَمَنْ هُوَ خَٰلِدٌ فِى ٱلنَّارِ } خبر مبتدأ مقدّر، أي أمّن هو في هذا النعيم {وَسُقُواْ مَاءً حَمِيماً } أي شديد الحرارة {فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ } أي مصارينهم فخرجت من أدبارهم، وهو جمع مِعىً بالقصر وألفه عن ياء لقولهم معيان.
الخازن
تفسير : قوله عز وجل: {مثل الجنة التي وعد المتقون} لما بين الله عز وجل حال الفريقين في الاهتداء والضلال بيَّن في هذه الآية ما أعد لكل واحد من الفريقين فبين أولاً ما أعد للمؤمنين المتقين فقال تعالى: {مثل الجنة التي وعد المتقون} يعني صفة الجنة. قال سيبويه: المثل هو الوصف فمعناه وصف الجن وذلك لا يقتضي مشبهاً به. وقيل: الممثل به محذوف غير مذكور والمعنى مثل الجنة التي وعد المتقون مثل عجيب وشيء عظيم وقيل: الممثل به مذكور وهو قوله: {كمن هو خالد في النار} {فيها} يعني الجنة التي وعد المتقون {إنها من ماء غير آسن} يعني غير متغير ولا منتن. يقال: أسن الماء وأجن إذا تغير طعمه وريحه {وأنهار من لبن لم يتغير طعمه} يعني كما تتغير ألبان الدنيا فلا يعود حامضاً ولا قارصاً ولا ما يكره من الطعوم {وأنهار من خمر لذة للشاربين} يعني ليس فيها حموضة ولا عفوصة ولا مرارة ولم تدنسها الأرجل بالدوس ولا الأيدي بالعصر وليس من شرابها ذهاب عقل ولا صداع ولا خمار بل هي لمجرد الالتذاذ فقط {وأنهار من عسل مصفى} يعني ليس فيه شمع كعسل الدنيا ولم يخرج من بطون النحل حتى يموت فيه بعض نحله بل هو خالص صاف من جميع شوائب عسل الدنيا. عن حكيم بن معاوية عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إن في الجنة بحر الماء وبحر العسل وبحر اللبن وبحر الخمر ثم تشقق الأنهار بعد" تفسير : أخرجه الترمذي وقال حديث حسن صحيح (م) عن أبي هريرة قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : سيحان وجيحان والفرات والنيل كل من أنهار الجنة" تفسير : قال الشيح محيي الدين النووي في شرح مسلم: سيحان وجيحان غير سيحون وجيحون فأما سيحان جيحان المذكوران في الحديث اللذان هما من أنهار الجنة فهما في بلاد الأرمن فسيحان نهر أردنة وجيحان نهر المصيصة وهما نهران عظيمان جداً أكبرهما جيحان هذا هو الصواب في موضعهما ثم ذكر كلاماً بعد هذا طويلاً. ثم قال: فأما كون هذه الأنهار من ماء الجنة، ففيه تأويلان الثاني، وهو الصحيح، أنها على ظاهرها وأن لها مادة من الجنة. فالجنة مخلوقة موجودة اليوم هذا مذهب أهل السنة. وقال كعب الأحبار: نهر دجلة نهر ماء أهل الجنة، ونهر الفرات نهر لبنهم، ونهر مصر نهر خمرهم، ونهر سيحان نهر عسلهم، وهذه الأنهار الأربعة تخرج من نهر الكوثر هكذا نقله البغوي عنه. وقوله تعالى: {ولهم فيها من كل الثمرات} في ذكر الثمرات بعد المشروب إشارة إلى أن مأكول أهل الجنة للذة لا الحاجة فلهذا ذكر الثمار بعد المشروب لأنها للتفكه واللذة {ومغفرة من ربهم} فإن قلت: المؤمن المتقي لا يدخل الجنة إلا بعد المغفرة، فكيف يكون له فيها المغفرة. قلت ليس بلازم أن يكون المعنى ولهم مغفرة فيها لأن الواو لا تقتضي الترتيب فيكون المعنى ولهم فيها من كل الثمرات ولهم مغفرة قبل دخولهم إليها، وجواب آخر وهو أن المعنى ولهم مغفرة فيها برفع التكاليف عنهم فيما يأكلون ويشربون بخلاف الدنيا فإن مأكولها يترتب عليه حساب وعقاب ونعيم الجنة لا حساب عليه ولا عقاب فيه قوله تعالى: {كمن هو خالد في النار} يعني من هو في هذا النعيم المقيم الدائم كمن هو خالد في النار يتجرع من حميمها وهو قوله {وسقوا ماء حميماً} يعني شديد الحر قد استعرت عليه جهنم منذ خلقت، إذا دنا منهم شوى وجوههم، ووقعت فروة رؤوسهم {فـ} إذا شربوه (قطع أمعاءهم) يعني فخرجت من أدبارهم والأمعاء جمع معي وهو جميع ما في البطن من الحوايا. وقال الزجاج: قوله كمن هو خالد في النار راجع إلى ما تقدم كأنه تعالى قال: أفمن كان على بينة من ربه كمن زين له سوء عمله وهو خالد في النار وسقوا ماء حميماً فقطع أمعاءهم. عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إن الحميم ليصب على رؤوسهم فينفذ الحميم حتى يخلص إلى جوفه فيسلت ما في جوفه حتى يمرق من قدميه وهو الصهر ثم يعاد" تفسير : كما كان أخرجه الترمذي وقال: حديث غريب حسن صحيح. عن أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : في قوله يسقى من ماء صديد يتجرعه قال: يقرب إلى فيه فيكرهه فإذا دنا منه وجهه ووقعت فروة رأسه، فإذا شربه قطع أمعاءه حتى تخرج من دبره. قال الله تعالى: {ماء حميماً فقطع أمعاءهم} ويقول: وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه" تفسير : أخرجه الترمذي وقال حديث غريب. قوله تعالى: {ومنهم} يعني ومن هؤلاء الكفار {من يستمع إليك} وهم المنافقون يستمعون قولك فلا يعونه ولا يفهمونه تهاوناً به وتغافلاً عنه {حتى إذا خرجوا من عندك} يعني أن هؤلاء المنافقين الذين كانوا عندك يا محمد يستمعون كلامك فإذا خرجوا من عندك {قالوا} يعني المنافقين {للذين أوتوا العلم} يعني من الصحابة {ماذا قال آنفاً} يعني ما الذي قال محمد الآن وهو من الائتناف. يقال: ائتنفت الأمر أي ابتدأته قال مقاتل: وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخطب ويعيب المنافقين، فإذا خرجوا من المسجد سألوا عبد الله بن مسعود استهزاء ماذا قال محمد صلى الله عليه وسلم قال ابن عباس وقد سئلت فيمن سئل {أولئك} يعني المنافقين {الذين طبع الله على قلوبهم} يعني فلم يؤمنوا ولم ينتفعوا بما سمعوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم {واتبعوا أهواءهم} يعني في الكفر والنفاق والمعنى أنهم لما تركوا إتباع الحق أماتَ الله قلوبهم فلم تفهم ولم تعقل فعند ذلك اتبعوا أهواءهم في الباطل {والذين اهتدوا} يعني المؤمنين لما بين الله أن المنافق يسمع ولا ينتفع بل هو مصر على متابعة الهوى بين حال المؤمن المهتدي الذي ينتفع بما يستمع فقال تعالى: {والذين اهتدوا} يعني بهداية الله إياهم إلى الإيمان {زادهم هدى} يعني أنهم كلما سمعوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم مما جاء به عن الله عز وجل آمنوا بما سمعوا منه وصدقوه فيزيدهم ذلك هدى مع هدايتهم وإيماناً مع إيمانهم {وآتاهم تقواهم} يعني وفقهم للعمل بما أمرهم به وهو التقوى. وقال سعيد بن جبير: آتاهم ثواب تقواهم، وقيل: آتاهم نفس تقواهم، بمعنى أنه تعالى بيَّن لهم التقوى.
ابن عادل
تفسير : قوله: {مَّثَلُ ٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِي وُعِدَ ٱلْمُتَّقُونَ} لما بين الفرق بين الفريقين في الاهتداء والإضلال بين الفرق بينهما في مرجعهما ومآلهما. قوله: "مثل الجنة" فيها أوجه: أحدها: أنه مبتدأ وخبره مقدر، فقدره النضْرُ بنُ شُمَيْل: مثل الجنة ما يسمعون "فما يسمعون" خبر، و {فِيهَآ أَنْهَارٌ} مفسر له. وقدره سيبويه: فيما يتلى عليكم مثل الجنة. والجملة بعدها أيضاً مفسرة للمثل. قال سيبويه: المثل هو الوصف ومعناه وصف الجنة، وذلك لا يقتضي مشابهة. الثاني: أن مثل زائدة تقديره: الجنَّةُ التي وعد المتقون فيها أنهار. ونظير زيادة مثل هنا زيادة "اسم" في قوله: شعر : 4467ـ إلَى الْحَـوْلِ ثُـمَ اسْـمُ السَّـلاَم عَلَيْكُمَـا ............................ تفسير : الثالث: أن مثل الجنة مبتدأ، والخبر قوله: "فيها أنهار"، وهذا ينبغي أن يمتنع؛ إذ لا عائد من الجملة إلى المبتدأ، ولا ينفع كون الضمير عائداً على ما أضيف إليه المبتدأ. الرابع: أن مثل الجنة مبتدأ خبره {كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي ٱلنَّارِ} فقدره ابن عطية: أمثل أهل الجنة كمن هو خالد (في النار) (فقدر حرف الإنكار ومضافاً ليصحَّ. وقدره الزمخشري أمثل الجنة كمن جزاؤه من هو خالد) والجملة من قوله: {فِيهَآ أَنْهَارٌ} على هذا فيها ثلاثة أوجه: أحدها: هي حال من الجنة، أي مستقرة فيها أنهار. الثاني: أنها خبر لمبتدأ مضمر، أي هي فيها أنهار، كأن قائلاً قال: ما فيها؟ فقيل: فيها أنهار. الثالث: أن تكون تكريراً للصلة، لأنها في حكمها، ألا ترى إلى أنه يصح قولك: التي فيها أنهار. وإنما أعري قوله مثل الجنة تصوير المكابرة من أن يسوّي بين المستمسك بالبينة وبين التابع هواه، كمن يسوّي بين الجنة التي صفتها كيت وكيت وبين النار التي صفتها أن يسقي أهلُها الحَمِيم. ونظيره قوله القائل ـ رحمه الله ـ: شعر : 4468ـ أَفْـرَحُ أَنْ أُرْزَأَ الكِــرَامَ وَأَنْ أُورثَ ذَوْداً شَصَائِصـاً نُبْــلاً تفسير : هذا كلام منكر الفرح برزية الكرام ووراثة الذود مع تَعَرِّيه من حرف الإنكار. ذكر ذلك كله الزمخشري. وقرأ علي بن أبي طالب: مِثَالُ الجَنَّةِ. وعنه أيضاً وعن ابن عباس وابن مسعود: أَمْثَالُ بالجمع. قوله: {غَيْرِ آسِنٍ} قرأ ابن كثير: أًسِن بزنة حَذِرٍ، وهو اسم فاعل من أَسِنَ بالكسر يَأسنُ، فهو أَسِنٌ كَحَذر يحذر فهو حَذِر. الباقون آسِن بزنة ضَارِبٍ من: أَسَنَ بالفتح يأسن، يقال: أَسَنَ المَاءُ بالفتح يَأسِنُ ويَأسُنُ بالكسر والضم أُسُوناً. وكذا ذكره ثَعْلَبُ في فصيحة. فهما لغتان يقال: أسن الماء يأسن أسناً وأَجِن يَأجنُ، وأَسِنَ يَأسُنُ ويَأسِنُ، وأَجَن يَأجُنُ أُسُوناً وأُجُوناً. وقال اليَزِيدِيُّ يقال: أَسِنَ بالكسر يَأسَنُ بالفتح أَسَناً أي تغير طعمه، وأما أَسِنَ الرَّجُلُ إذا دخل بئراً فأصابه من ريحها ما جعل في رأسه دواراً فأَسِنَ بالكسر فقط قال الشاعر: شعر : 4469ـ قَـدْ أَتْـرُكَُ القِـرْنَ مُصْفَـرًّا أَنَامِلُــهُ يَمِيـدُ فِـي الرُّمْـحِ مَيْـدَ المَائِـحِ الأَسِـنِ تفسير : وقرىء يَسِنٍ بالباء بدل من الهمزة. قال أبو علي: هو تخفيف أسن وهو تخفيف غريب. قوله: {لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ} صفة لـ "لَبَنٍ". قوله: "لَذَّةٍ" يجوز أن يكون تأنيث "لَذٍّ" ولَذٌّ بمعنى لَذِيدٍ، ولا تأويلَ على هذا. ويجوز أن يكون مصدراً وصف به، ففيه التأويلات المشْهُورَة. قال ابن الخطيب: يحتمل أن يقال: ما ثَبَتَتْ لذَّتُهُ يقال: طعام لَذٌّ ولَذِيدٌ، وأَطْعِمَةٌ لَذَّة ولَذِيدَةٌ، ويحتمل أن يكون ذلك وصفاً بنفس المعنى لا بالمشتق منه كما يقال للحكيم: هو حَكِيمٌ كله، وللعاقل: هو عاقل كله. والعامة على جرِّ "لَذَّة" صفة لخمر. وقرىء بالنصب على المفعول له وهي تؤيد المصدرية في قراءة العامة. وبالرفع صفة "لأنهار". ولم تجمع، لأنها مصدر إن قيل به وإلا فلأنها صفة لجمع غير عاقل، وهو يعامل معاملة المؤنثة الواحدة. قوله: {مِّنْ عَسَلٍ} نقلوا في عسل التذكير والتأنيث، وجاء القرآن على التذكير في قوله: "مُصَفًّى" والْعَسَلاَنُ العدو، وأكثر استعماله في الذِّئْبِ، يقال: عَسَلَ الذّئبُ والثعلب. وأصله من عسلان الرمح وهو اهتزازه، فكأن العادي يَهُزّ أعضَاءَهُ ويُحركها، قال الشاعر: شعر : 4470ـ لَـدْنٌ بِهَـزِّ الكَـفِّ يَعْسِـلُ مَتْنُـهُ فِيـهِ كَمَـا عَسَـلَ الطَّرِيـقَ الثَّعْلَـبُ تفسير : وكنى بالعُسَيْلَة عن الجِمَاع، لما بينهما. قال ـ عليه الصلاة والسلام ـ: "حديث : حتى تَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ ويَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ ". تفسير : فصل قال ابن الخطيب: اختار هذه الأنهار من الأنهار الأربعة؛ لأن المشروب إما أن يُشْرَبَ لِطَعْمِهِ أو لغير طعمه، فإن كان للطعم فالمطعوم تسعة: المُرّ والمَالِح، والحريف، والحَامِض، والعَفِصُ والقَابضُ والتّفه، والحلو، والدَّسِم. وألذها الحُلو والدَّسِم، لكن أحلى الأشياء العسل فذكره وأما أدسَمُ الأشياء فالدهن لكن الدُّسُومَة إذا تَمَحَّضَتْ لا تطيب للأكل ولا للشرب، فإن الدّهن لا يأكل ولا يشرب في الغالب وأما اللبن ففيه الدسم الكائن في غيره وهو طيب للأكْل وبه تغذية الحيوان أولاً فذكره الله تعالى؛ وأمّا ما يشرب لغير الطَّعْم فالماء والخَمْر، فإن الخمر كريهة الطعم، لحصول التواتر بذلك، وإنما تشرب لأمر آخَر غير الطعام وأما الماء فلأن به بقاء الحيوان فذكره. فإن قيل: ما الحكمة في قوله في الخمر: {لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ} ولم يقل في اللبن: لم يخبر طعمه للطاعمين ولا قال في العسل مصفًّى للناظرين؟. فالجواب: قال ابن الخطيب: لأن اللذَّةَ تختلف باختلاف الأشخاص فربَّ طعام يلتذ به شخص ويَعَافُهُ الآخر فقال: لذة للشاربين بأَسْرِهِمْ، ولأن الخمر كريهة الطعم في الدنيا، فقال لذة، أي لا يكون في خمر الآخرة كراهة طعم وأما الطعم واللون فلا يختلف باختلاف الناس، فإن الحُلْوَ والحَامِضَ وغيرهما يدركه كل أحد قد يعافه بعض الناس ويلتذ به البعض مع اتفاقهم على أنَّ لهم طعماً واحداً وكذلك اللون فلم يكن للتصريح بالتعميم حاجةً. قوله: {مِنْ كُلِّ ٱلثَّمَرَاتِ} فيه وجهان: أحدهما: أن هذا الجار صفة لمقدر، وذلك المقدر مبتدأ وخبره الجار قبله وهو "لَهُمْ" و "فيها" متعلق بما تعلق به، والتقدير: ولهم فيها زَوْجَانِ من كل الثمرات، كأنه انتزعه من قوله تعالى: {أية : فِيهِمَا مِن كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ}تفسير : [الرحمن:52] وقدر بعضهم صِنْفٌ. والأول أليق. والثاني: أن "مِن" مزيدة في المبتدأ. قوله: {وَمَغْفِرَةٌ} فيه وجهان: أحدهما: أنه عطف على ذلك المقدر لا بِقِيْدِ كونه في الجنة، أي ولهم مغفرة؛ لأَنَّ المغفرة تكون قبل دخول الجنة؛ أو بقيد ذلك. ولا بدّ من حذف مضاف حينئذ أي وبِنَعِيمِ مَغْفِرَةٍ؛ لأنه ناشىءٌ عَنِ المغفرة وهو الجنة. والثاني: أن يجعل خبرها مقدراً على ولَهُمْ مغفرةٌ. والجملة مستأنفة، والفرق بين الوجهين أن الوجه الذي قبل هذا فيه الإخبار بـ "لَهُمْ" الملفوظ به عن شيئين، ذلك المحذوف ومغفرة. وفي الوجه الآخر الخبر جار آخر حذف للدَّلاَلَةِ عَلَيْهِ. قوله: {كَمَنْ هُوَ} قد تقدم أنه يجوز أن يكون خبراً عن: {مَّثَلُ ٱلْجَنَّةِ}، بالتأويلين المذكورين عن ابن عطيةَ والزمخشريِّ وأما إذا لم تجعله خبراً عن "مَثَلٍ" ففيه أربعة أوجه: أحدها: أنه خبر مبتدأ محذوف تقديره: حَالُ هؤلاء المتقين كحال مَنْ هُو خَالدٌ. وهذا تأويل صحيح. وذكر فيه أبو البقاء الأوجه الباقية فقال: وهو في موضع رفع أي حَالُهُمْ كحَالِ مَنْ هُوَ خَالدٌ فِي النَّار. وقيل: هو اسْتِهْزَاءٌ بهم. وقيل: هو على معنى الاستفهام أي أكمنْ هُوَ خالد، وقيل: في موضع نصب أي يُشْبِهُونَ (حال) مَنْ هُو خَالدٌ فِي النَّار. انتهى. ومعنى قوله: وقيل: هو استهزاء أي أن الإخبار بقولك: حالهم كَحَال مَنْ (هُوَ خَالِدٌ) على سبيل الاستهزاء والتهكم. قال البغوي: معناه أمن كان في هذا النعيم كمن هو خالد في النار؟. قوله: {وَسُقُواْ} عطف على الصلة عطف فعلية على اسمية، لكنه راعى في الأول لفظ "من" فأفرد وفي الثانية معناه فجمع. والأمعاء جمع مِعًى ـ بالقصر ـ وهو المُصْرَانُ التي في البطن. وقد وصف بالجمع في قوله: شعر : 4471ـ ........................................ ............. وَمِـعًــى جِـيَـــاعُ تفسير : على إرادة الجنس. فصل الماء الحميم هو الشديد الحَرِّ تسعر عليه النار منذ خلقت إذا أُدْنِيَ مِنْهم شَوَى وُجُوَهَهُمْ، ووقعت فَروة رُؤُوسِهم، فإذا شَرِبُوه قطَّع أمعاءهم فخرجت من أدبارهم جميع ما في البطن من الحَوَايَا، واحدها مِعًى. قوله: {وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ} يعنى الكفار منهم من يستمع إليك يعني المنافقون يستمعون إليك فلا يسمعونه، ولا يَفْهَمُونَه تهاوناً. والضمير في قوله: "وَمِنْهُمْ" يحتمل أن يرجع إلى معنى قوله: {هُوَ خَالِدٌ فِي ٱلنَّارِ وَسُقُواْ مَآءً حَمِيماً} يعني ومن الخالدين في النار قوم يستمعون إليك. قوله {حَتَّىٰ إِذَا خَرَجُواْ مِنْ عِندِكَ} قال المفسرون: حَتَّى للعطف. قالوا: والعطف بحتى لا يحسُنُ إلا إذا كان المعطوف جُزْءاً من المعطوف عَلَيْهِ إمَّا أعلاه وإما أدونه، كقولك: أَكْرمَنِي النَّاسُ حَتَّى المَلِكُ وجاء الحُجَّاجُ حَتَى المُشَاةُ. وفي الجملة ينبغي أن يكون المعطوف متعلّقاً بالمعطوف عليه من حيث المعنى. ولا يشترط بالعطف بالواو ذلك. فوجه التعلق ههنا هو أن قوله: {حَتَّىٰ إِذَا خَرَجُواْ مِنْ عِندِكَ} يفيد معنًى واحداً في الاستماع كأنه يقول: يستمعون استماعاً بالغاً جيداً لأنهم يستمعون وإذا خرجوا يستعيدون من العلماء كما يفعله المجتهد في التعلُّم الطالب للتفهم، يفعلون ذلك استهزاء كما قال تعالى عنهم: {أية : وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَىٰ شَيَاطِينِهِمْ قَالُوۤاْ إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ}تفسير : [البقرة:14]. ويحتمل أن يكون فعلهم ذلك لعدم فهمهم. والأول يؤيده قوله تعالى: {أية : كَذَلِكَ يَطْبَعُ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِ ٱلْكَافِرِينَ}تفسير : [الأعراف:101]، وقوله بعد ذلك {أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ وَٱتَّبَعُوۤاْ أَهْوَآءَهُمْ} أي تركوا اتّباعَ الحقِّ، إما لعدم الفهم أو لعدم الاستفادة. قوله: "آنِفاً" فيه وجهان: أحدهما: أنه منصوب على الحال فقدَّره أبو البقاء: ماذا قال مُوْتَنِفاً؟ وقدره غيره مبتدئاً أي ما القول الذي ائْتَنَفَهُ الآن قبل انْفصاله عنه؟. والثاني: أنه منصوب على الظرف أي ماذا قال الساعة. قاله الزمخشري. وأنكره أبو حيان قال: لأنا لم نعلم أحداً عده من الظروف. واختلفت عبارتهم في معناه؛ فظاهر عبارة الزمخشري أنه ظرف حالي كالآنَ، ولذلك فسّره بالسَّاعةِ. وقال ابن عطية: والمفسرون يقولون: آنفاً معناه الساعة الماضية القريبة منا وهذا تفسير بالمعنى. وقرأ البَزِّيُّ ـ بخلاف عنه ـ أنِفاً بالقصر. والباقون بالمدِّ، وهما لغتان بمعنًى واحدٍ. وهما اسما فاعل كَحذر وحَاذِر وأَسنٍ وآسنٍ؛ إلا أنه لم يستعمل لهما فعل مُجَرَّد، بل المستعمل ائْتَنَفَ يأتَنِفُ، واستأنف يَسْتَأنِفُ والأئْتناف والاسْئتِنَاف الابتداء. قال الزجاج: هو من اسْتَأنَفْتُ الشَّيْءَ أي ابْتَدَأتُهُ أي مذا قال في أول وقت يَقْرُبُ منَّا؟. فصل روى مقاتل ـ (رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) ـ أن النبي صلى الله عليه وسلم ـ كان يخطب ويعيب المنافقين فإذا خرجوا من المسجد سألوا عَبْدَ الله بن مسعود استهزاءاً ماذا قال محمد آنفاً؟ ثم قال تعالى: {أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ} فلم يؤمنوا واتَّبعوا أهواءهم في الكفر والنفاق. قوله: {وَٱلَّذِينَ ٱهْتَدَوْاْ} يجوز فيه الرفع بالابتداء والنَّصْب على الاشتغال و "تَقْوَاهُمْ" مصدر مضاف لفاعله. والضمير في "وَآتَاهُمْ" يعود على الله أو على (قَوْل) المنافقين؛ لأن قولهم ذلك مما يزيد المؤمنين تقوى. أو على الرسول والمعنى زادهم قول الرسول هُدًى وآتاهم (تقواهم أي وفقهم للعمل بما آمر به، أو زادهم الله هدى وآتاهم الله تقواهم أو زادهم استهزاء المنافقين وآتاهم) قول المنافقين تقواهم أي ثواب تقواهم يوم القيامة.
البقاعي
تفسير : ولما تكرر ذكر الجنة والنار في هذه السورة إلى أن ختم بهذه الآية التي قسم الناس فيها إلى أولياء مهتدين وأعداء ضالين معتدين، فهدى سياقها إلى أن التقدير: أفمن كان على بينة من ربه أحياه الحياة الطيبة في الدارين، ومن تبع هواه أراده فيها، أتبعه وصف الجنة التي هي دار أوليائه قادهم إليها الهدى، والنار التي هي دار أعدائه ساقهم إليها الضلال المحتم للردى، فقال: {مثل الجنة} أي البساتين العظيمة التي تستر داخلها من كثرة أشجارها. ولما تكرر وعده سبحانه للذين آمنوا بالجنة بالاسم الأعظم الجامع وبعضها بالضمير العائد إليه، صار الوعد بها في غاية التحقق فعبر عنه هنا بالماضي المبني للمفعول إشارة إلى أنه أمر قد تحقق بأسهل أمر، وفرغ منه إلى أن صار حاضراً لا مانع منه إلا الوصف الذي علق به الوعد ووصفها بصفات تفيد القطع بأنه لا يقدر عليها إلا الله فصار مجرد ذكرها والإخبار به عنها بصيغة المجهول أعلى لأمره فقال: {التي وعد المتقون} أي الذي حملتهم تقواهم بعد الوقوف عن كل فعل لم يدل عليه دليل على أن استمعوا منك فانتفعوا بما دللتهم عليه من أمور الدين حتى انقسم الناس إلى ثلاثة أقسام: مقبل عليه بكليته فهو متبع، ومعرض عنه جملة، ومستمع غير منتفع. ولما كان التقدير: مثل بستان عظيم لا يسقط ورقه ولا ينقطع ثمره ولا يتفطن نعيمه لما فيه من الأنهار المتنوعة، وكان ما هو بهذه الصفة إنما هو موهوم لنا لا معلوم، طواه وذكره ما دل عليه من صفة الجنة الموعودة المعلومة بوعد الصادق الذي ثبت صدقه بالمعجزات فقال استئنافاً: {فيها} أي الجنة الموعودة. ولما كان ما يعهدونه من الجنان لا يحتمل أكثر من ثلاثة أنهار، عبر بالجمع الذي يستعار للكثرة إذا دلت قرينة، وهي هنا المدح والامتنان، فقال: {أنهار من ماء} ولما كان ماء الدنيا مختلف الطعوم على ثلاثة: حلو وعذب وملح، مع اتحاد الأرض ببساطتها وشدة اتصالها للدلالة على أن فاعل ذلك قادر مختار، وقد يكون آسناً أي متغيراً عن الماء الذي يشرب بريح منتنة من أصل خلقه أو من عارض عرض له من منبعه أو مجراه قال: {غير آسن} أي ثابت له في وقت ما شيء من الطعم أو الريح أو اللون بوجه من الوجوه وإن طالت إقامته وإن أضيف إليه غيره فإنه لا يقبل التغير بوجه. ولما كان أكثر شرابهم بعد الماء اللبن، ثنى به فقال سبحانه: {وأنهار من لبن} ولما كان التغير غير محمود، وكانوا يعهدون في الدنيا أن اللبن كله على جميع أنواعه طيب حال نزوله من الضرع مع اختلاف ذوات الدر في الأشكال والأنواع والمقادير والأمزجة، ومع انفصال كل واحدة منها من الأخرى، وأنه إنما يتغير بعد حلبه، عبر بما ينفي التغير في الماضي فقال: {لم يتغير طعمه} أي بنفسه عن أصل خلقته وإن أقام مدى الدهر، وهذا يفهم أنهم لو أرادوا تغييره لشهوة اشتهوها تغير، وأنه مع طيبه على أنواع كثيرة كما كان في الدنيا متنوعاً. ولما كان أكثر ما بعد اللبن الخمر قال: {وأنهار من خمر} ولما كانت الخمر يكثر طعمها، وإنما يشربها شاربوها لأثرها، وأنه متى تغير طعمها زال اسمها، عرف أن كل ما في خمر الجنة في غاية الحسن غير متعرض لطعم فقال: {لذة} أي ثابتة لها اللذة ودائمة حال شربها وعبده {للشاربين *} في طيب الطعم وحسن العاقبة. ولما كان العسل أعزها وأقلها، أخره وإن كان أجلها فقال: {وأنهار من عسل} ولما كان عسل الدنيا لا يوجد إلا مخلوطاً بالشمع وغيره من القذى قال: {مصفى} أي هو صاف صفاء ما اجتهد في تصفيته من ذلك، وهذا الوصف ثابت له دائماً لا انفكاك له عنه في وقت ما، فقد حصل بهذا غاية التشويق إلى الجنة بالتمثيل بما يستلذ به من أشربة الدنيا لأنه غاية ما نعلم من ذلك مجرداً عما ينقصه أو ينغصه مع الوصف بالغزارة والاستمرار قال البغوي: قال كعب الأحبار: نهر دجلة نهر ماء أهل الجنة، ونهر الفرات نهر لبنهم، ونهر مصر نهر خمرهم، ونهر سبحان نهر عسلهم. وهذه الأنهار الأربعة تخرج من نهر الكوثر. وقال ابن عبد لحكم في فتوح مصر: حدثنا عثمان بن صالح ثنا ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب أن معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما سأل كعب الأحبار رضي الله عنه: هل تجد لهذا النيل في كتاب الله تعالى خبراً؟ قال: أي والذي فلق البحر لموسى، إني لأجده في يكتاب الله أن الله عز وجل يوحي إليه في كل عام مرتين، يوحي إليه عن جريه أن الله يأمرك أن تجري، فيجري ما كتب الله له ثم يوحي إليه بعد ذلك: يا نيل غر حميداً. حدثنا عبد الله بن صالح حدثنا الليث عن يزيد بن أبي حبيب عن أبي الخير عن كعب الأحبار أنه كان يقول: أربعة أنها من الجنة وضعها الله عز وجل في الدنيا. فالنيل نهر العسل في الجنة، والفرات نهر الخمر في الجنة. وسيحان نهر الماء في الجنة. وجيحان نهر اللبن في الجنة. حدثنا سعيد بن أبي مريم حدثنا الليث بن سعد وعبد الله بن لهيعة قالا حدثنا يزيد بن أبي حبيب عن أبي الخير عن أبي جنادة الكناني أنه سمع كعباً يقول: النيل في الآخرة عسلاً أغزر ما يكون من الأنهار التي سمى الله عز وجل، ودجلة في الآخرة لبناً أغزر ما يكون من الأنهار التي سمى الله عز وجل، والفرات خمراً أغزر ما يكون من الأنهار التي سمى الله عز وجل، وجيحان ماء أغزر ما يكون من الأنهار التي سمى الله وأصل هذا كله ما في الصحيح في صفة الجنة عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم:حديث : سيحان وجيحان والنيل والفرات من أنهار الجنةتفسير : : وقال أبو حيان في حكمة ترتيبها غير ما تقدم: إنه بدئ بالماء الذي لا يستغنى عنه في المشروبات، ثم باللبن إذ كان يجري مجرى المطعومات في كثير من أقوات العرب وغيرهم، ثم بالخمر لأنه إذا حصل الري والمطعوم تشوفت النفس إلى ما يتلذذ به، ثم بالعسل لأن فيه الشفاء في الدنيا مما يعرض من المطعوم والمشروب - انتهى. وأحسن منه أنه لما كان السياق للتعجب في ضرب المثل لأنه قول لا ينفك عن غرابة بدأ بأنهار الماء لغرابتها في بلادهم وشدة حاجتهم إليها، ولما كان خلوها عن تغير أغرب نفاه، ولما كان اللبن أقل فكان جريه أنهاراً أغرب، ثنى به، ولما كان الخمر أعز ثلث به، ولما كان العسل أشرفها وأقلها ختم به، ونبه - مع هذا التذكير بقدرته تعالى - على ما يريد بسبب وبغير سبب فإن هذه المشروبات الثلاثة التي وبعضها متمحض للشرابية كالخمر وبعضها في غذائية وهي فيه أغلب، وهو العسل، وبعضها ينزع إلى كل منهما وهو اللبن كلها من الماء مع تمايزها مذاقاً وأثراً في الغذاء والدواء وغير ذلك، فإن الماء أصل النبات، ومن النبات يكون اللبن والخمر والعسل بما لا يخفى من الأسباب، وأما الآخرة فغنية عن الأسباب لظهور اسمه الظاهر سبحانه هناك لأنه لا ابتلاء فيها، وبهذا فهم للترتيب سر آخر وهو أنه تعالى قدم الماء لأنه الأصل لها، وتلاه بأقرب الأشياء إليه في الشرابية والطبع: اللبن، ثم بما هو أقرب إلى اللبن من جهة أنه شراب فقط، ثم بالعسل لأنه أبعدها منه. ولما كانت الثمار ألذ مستطاب بعد سائغ الشراب قال تعالى: {ولهم فيها} ولما كان أهلها متفاوين في الدرجات فلا تجمع جنان أغلبهم جميع ما في الجنة من الثمار بعض فقال: {من كل الثمرات} أي جميع أصنافها على وجه لا حاجة معه من قلة ولا انقطاع. ولما كان العيش لا يطيب مع الإنصاف بما يوجب العتب، قال مشيراً إلى أنه لا يقدر أحد أن يقدر الله حق قدره، لأن الرتب متضائلة عن رتبته سبحانه: {ومغفرة من ربهم} أي المحسن إليهم بمحو ذنوبهم السالفة أعيانها وأثارها بحيث لا يخشون لها عاقبة بعقاب. لا عتاب وعدم بلوغهم إلى ما يحق له من الشكر سبحانه. ولما أرشد هذا السياق إلى أن التقدير: أفمن هو في هذا النعيم الأكبر المقيم، بنى عليه قوله: {كمن هو خالد} أي مقيم إقامة لا انقطاع معها، ووحده لأن الخلود يعم من فيها على حد سواء {في النار} أي التي لا يطفأ لهيبها، لا يفك أسيرها ولا يؤنس عريبها. ولما كان كل واحد من داخليها له سقي يخصه على حسب عمله ولا يظلم ربك أحداً. كان المؤثر لضرهم السقي على الكيفية التي تذكر لا كونه من ساق معين، بني للمجهول قوله مسنداً إلى ضمير الجمع قوله تعالى: {وسقوا} أي عوض ما ذكر من شراب أهل الجنة {ماء حميماً} أي في غاية الحرارة {فقطع أمعاءهم *} ويمكن أن تكون الآية من الاحتباك، وذلك أنه تعالى لما قدم أن المؤمنين في جنات تجري من تحتها الأنهار، وأن الكافرين مأواهم النار، وكان التقدير إنكاره على من لم يرتدع للزواجر تنبيهاً على أن عمله عمل من يسوي بين الجنة والنار لأن كون النار جزاء لمثله والجنة جزاء المؤمن صار في حد لا يسوغ إنكاره: أمثل الجنة الموصوفة كمثل النار، ومن هو خالد في الجنة كمن هو خالد في النار - والله الموفق للصواب.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {وأنهار من ماء غير آسن} قال: غير متغير. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه في قوله {من ماء غير آسن} قال: غير منتن. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن عكرمة رضي الله عنه {وأنهار من لبن لم يتغير طعمه} قال: قال ابن عباس رضي الله عنهما: لم يحلب. وأخرج ابن المنذر عن سعيد بن جبير رضي الله عنه في قوله {وأنهار من لبن لم يتغير طعمه} قال: لم يخرج من بين فرث ودم {وأنهار من خمر لذة للشاربين} قال: لم تدنسه الرجال بأرجلهم {وأنهار من عسل مصفى} قال: لم يخرج من بطون النحل. وأخرج أحمد والترمذي وصححه وابن المنذر وابن مردويه والبيهقي في البعث والنشور عن معاوية بن حيدة رضي الله الله عنه: "حديث : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في الجنة بحر اللبن وبحر الماء وبحر العسل وبحر الخمر ثم تشقق الأنهار منها بعد ". تفسير : وأخرج الحرث بن أبي أسامة في مسنده والبيهقي عن كعب رضي الله عنه قال: نهر النيل نهر العسل في الجنة، ونهر دجلة نهر اللبن في الجنة، ونهر الفرات نهر الخمر في الجنة؟ ونهر سيحان نهر الماء في الجنة. وأخرج ابن مردويه عن الكلبي رضي الله عنه في قوله: {مثل الجنة التي وعد المتقون فيها أنهار من ماء غير آسن} الآية قال: حدثني أبو صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"حديث : لما أسري بي فانطلق بي الملك فانتهى بي إلى نهر الخمر فإذا عليه إبراهيم عليه الصلاة والسلام، فقلت للملك: أيّ نهر هذا؟ فقال: هذا نهر دجلة. فقلت له: إنه ماء قال هو ماء في الدنيا يسقي الله به من يشاء، وهو في الآخرة خمر لأهل الجنة. قال: ثم انطلقت مع الملك إلى نهر الرب فقلت للملك: أي نهر هذا؟ قال: هو جيحون وهو الماء غير آسن، وهو في الدنيا ماء يسقي الله به من يشاء، وهو في الآخرة ماء غير آسن، ثم انطلق بي فأبلغني نهر اللبن الذي يلي القبلة، فقلت للملك: أيّ نهر هذا؟ قال: هذا نهر الفرات، فقلت: هو ماء قال: هو ماء يسقي الله به من يشاء في الدنيا، وهو لبن في الآخرة لذرية المؤمنين الذين رضي الله عنهم وعن آبائهم، ثم انطلق بي فأبلغني نهر العسل الذي يخرج من جانب المدينة، فقلت للملك الذي أرسل معي: أيّ نهر هذا؟ قال: هذا نهر مصر. قلت: هو ماء. قال: هو ماء يسقي الله به من يشاء في الدنيا وهو في الآخرة عسلٌ لأهل الجنة"تفسير : {ولهم فيها من كل الثمرات} يقول: في الجنة {ومغفرة من ربهم} يقول: لذنوبهم. وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي عن أبي وائل رضي الله عنه قال: جاء رجل يقال له نهيك بن سنان ألى ابن مسعود رضي الله عنه فقال: يا أبا عبد الرحمن كيف تقرأ هذا الحرف؟ أياء تجده أما الفا؟ من ماء غير ياسن أو من ماء غير آسن؟ فقال له عبد الله رضي الله عنه: وكل القرآن أحصيت غير هذا؟ فقال أني لأقرأ المفصل في ركعة. قال: هذا كهذا الشعر إن قوماً يقرأون القرآن لا يجاوز تراقيهم، ولكن القرآن إذا وقع في القلب فرسخ نفع، إني لأعرف النظائر التي كان يقرأ بهن رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأخرج ابن جرير عن سعد بن طريف رضي الله عنه قال: سألت أبا إسحق رضي الله عنه عن {ماء غير آسن} قال: سألت عنها الحارث فحدثني أن الماء الذي غير آسن تسنيم، قال: بلغني أنه لا تمسه يد وأنه يجيء الماء هكذا حتى يدخل فمه والله تعالى أعلم.
التستري
تفسير : قوله: {وَمَغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ}[15] قال: المغفرة من ربهم في الجنة ما يغشاهم عند النظر إلى الحق من أنواره.
القشيري
تفسير : قوله جلّ ذكره: {مَّثَلُ ٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِي وُعِدَ ٱلْمُتَّقُونَ فِيهَآ أَنْهَارٌ مِّن مَّآءٍ غَيْرِ ءَاسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِّن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ}. كذلك اليومَ شأنُ الأولياء، فهم شرابُ الوفاء، ثم شرابُ الصفاء، ثم شرابُ الولاء، ثم شرابٌ حالَ اللقاء. ولكلٍّ من هذه الأشربة عَمَلٌ، ولصاحبه سُكْرٌ وصحو؛ فَمَنْ تحسَّى شرابَ الوفاء لم ينظر إلى أحدٍ في أيام غيبته من أحبابه: شعر : وما سَرَّ صدري مُنْذ شطَّ بك النوى أنيسٌ ولا كأس ولا متصرف تفسير : ومَنْ شَرِبَ كأسَ الصفاء خَلُصَ له عن كل شَوْبٍ، فلا كدورةَ في عهده، وهو في كلِّ وقتٍ صافٍ عن نَفْسِه، خالٍ من مُطَالَباته، قائمٌ بلا شُغلٍ - في الدنيا والآخرة - ولا أرَبٍ. ومَنْ شَرِبَ كأسَ الولاء عَدِمَ فيه القرار، ولم يَغِبْ بِسرِّه لحظةً في ليلٍ أو نهار. ومَنْ شَرِبَ في حال اللقاء أَنِسَ على الدوام ببقائه؛ فلم يطلب - مع بقائه - شيئاً أخَرَ من عطائه؛ لاستهلاكه في علائه عند سطوات كبريائه.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {مَّثَلُ ٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِي وُعِدَ ٱلْمُتَّقُونَ فِيهَآ أَنْهَارٌ مِّن مَّآءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِّن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى} لاهل الحق فى هذا العالم جان فى قلوبهم وعقولهم وارواحهم واسرارهم فجنة القلوب روضة الاتقان وجنته العقول بستان العرفان وجنة الارواح حديقة البيان وجنة الاسرار فردوس العيان ولكل جنة منها نهر وشجر وثم وزهر فنهر جنة القلوب ماء حياة الازل الذى تجرى بنعت التجلى فيها من عيون الوحدانية وهو لا يتغير بكدورات البشرية يحيى القلوب بنور اليقين حتى لا تجرى عليها موت الجهالة واشجارها اشجار الايمان وثمرها انوار الايقان ونهر جنة العقول من البان القدرة يسقيها الحق منه ليريها الصفاء انوار قدرته التى يورث معرفتها بعزته وجلال قدرته واشجار الحكمة وازهارها الفطنة ونهر جنة الارواح نهر كشف الجمال الذى مورده بحر الجلال يسقيها الحق منه ليطيبها بلذة الجمال وروية الاجلال واشجارها المحبة وازهارها الشوق واثمارها العشق ونهر جنة الاسرار كشوف الذات المقدس عن انقطاع فيضه السرمد فيقويها الحق بشرية حتى استقامت فى وصلة فهناك اشجارها التوحيد وازهارها التفريد واثمارها التحقيق فاصحاب القلوب هم اهل الشهود واصحاب العقول هم اهل الكشوف واصحاب الارواح هم اهل السكر والوجود واصحاب الاسرار هم اهل المحو الصحو فاهل الشهود اصحاب المراقبات واهل الكشوف اهل المقامات واهل الوجود اهل الحالات واهل المحو والصحو اهل الاستقامة فطوبى لمن كان له مثل هذه الجنان فى دار الامتحان قال الاستاذ اليوم للاولياء لهم شراب الوفاء ثم شراب الصفة ثم شراب الولاء ثم شراب فى حال اللقاء ولك من هذه الاشربة عمل ولصاحبه سكر وصحو فمن شرب بكاس الوفاء لم ينظر فى غيبته الى غيره كما قيل شعر : وما سر صدرى منذ شطت لك النوى انيس ولا كاس ولا متصرف تفسير : ومن شرب بكاس الصفاء خلص له عن كل شرب وكدورة فى عهده فهو فى كل وقت صاف عن نفسه خال من مطالبته قائم به بلا شغل فى الدنيا والاخرة ولا رب ومن شرب بكاس الولاء عدم فيه القرار ولم يغب سره لحظة لا الليل ولا النهار ومن شرب فى حال اللقاء أنس على الدوام ببقائه فلم يطلب مع بقائه شيئا أخر لا من عطائه ولا من لقائه لاستهلاكه فى علان عند سطوات كبريائه.
اسماعيل حقي
تفسير : {مثل الجنة التى وعد المتقون} عبر عن المؤمنين بالمتقين ايذانا بان الايمان والعمل الصالح من باب التقوى الذى هو عبارة عن فعل الواجبات باسرها وترك السيئات عن آخرها ومثلها وصفها العجيب الشان وهو مبتدأ محذوف الخبر اى مثل الجنة الموعودة للمؤمنين وصفتها العجيبة الشان ما تسمعون فيما يتلى عليكم وقوله {فيها} اى فى الجنة الموعودة الى آخره مفسر له {انهار} جمع نهر بالسكون ويحرك مجرى الماء الفائض {من ماء غير آسن} من اسن الماء بالفتح من باب ضرب او نصر أو بالكسر اذا تغير طعمه وريحه تغيرا منكرا وفى عين المعانى من اسن غشى عليه من رآئحة البئر وفى القاموس الآسن من الماء الاجن اى المتغير الطعم واللون والمعنى من ماء غير متغير الطعم والرآئحة واللون وان طالت اقامته بخلاف ماء الدنيا فانه يتغير بطول المكث فى مناقعه وفى اوانيه مع انه مختلف الطعوم مع اتحاد الارض ببساطتها وشدة اتصالها وقد يكون متغيرا بريح منتنة من أصل خلقته او من عارض عرض له من منبعه او مجراه كذا فى المناسبات. يقول الفقير قد صح ان المياه كلها تجرى من تحت الصخرة فى المسجد الاقصى فهى ماء واحد فى الاصل عذب فرات سائغ للشاربين وانما يحصل التغير من المجارى فان طباعها ليست متساوية دل عليها قوله تعالى {أية : وفى الارض قطع متجاورات} تفسير : وتجاور اجزآئها لا يستلزم اتحادها فى نفس الامر بل هى متجاورة مختلفة ومثلها العلوم فانها اذا مرت بطبع غير مستقيم تتغير عن اصلها فتكون فى حكم الجهل ومن هذا القبيل علوم جميع أهل الهوى والبدع والضلال {وأنهار من لبن لم يتغير طعمه} بأن كان قارصا وهو الذى يقرص اللسان ويقبضه او حازرا بتقديم الزاى وهو الحامض او غير ذلك كألبان الدنيا والمعنى لم يتغير طعمه بنفسه عن أصل خلقته ولو أنهم ارادوا تغييره بشهوة اشتهوها تغير {وانهار من خمر} وهو ما اسكر من عصير العنب او عام اى لكل مسكر كما فى القاموس {لذة للشاربين} اما تأنيث لذ بمعنى لذيذ كطب وطبيب او مصدر نعت به اى لذيذة ليس فيها كراهة طعم وريح ولا غائلة سكر وخمار كما فى خمر الدنيا وانما هى تلذذ محض (قال الحافظ) مادر بياله عكس رخ يار ديده ايم اى بى خبرز لذت شرب مدام ما (يقول الفقير) باده جنت مثال كوثرست اى هوشيار نيست اندر طبع كوثر آفت سكر وخمار {وانهار من عسل} هو لعاب النحل وقيئه كما قال ظهير الفارابى بدان غرض دهن خوش كنى زغايت حرص نشسته مترصدكه فى كندزنبور. وعن على رضى الله عنه انه قال فى تحقير الدنيا أشرف لباس ابن آدم فيها لعاب دودة واشرف شرابه رجيع نحلة وظاهر هذا انه من غير الفم قال فى حياة الحيوان وبالجملة انه يخرج من بطون النحل ولا ندرى أمن فمها ام من غيره وقد سبق جملة النقل فى سورة النحل {مصفى} لا يخالطه الشمع وفضلات النحل وغيرها خلقه الله مصفى لا انه كان مختلطا فصفى قال بعضهم فى الفرق بين الخالص والصافى ان الخالص ما زال عنه شوبه بعد ان كان فيه والصافى قد يقال لما لا شوب فيه فقد حصل بهذا غاية التشويق الى الجنة بالتمثيل بما يستلذ من اشربة الدنيا لانه غاية ما نعلم من ذلك مجردا عما ينقصها او ينغصها مع الوصف بالغزارة والاستمرار وبدأ بأنهار الماء لغرابتها فى بلاد العرب وشدة حاجتهم اليها ولما كان خلوها عن تغير أغرب نفاه بقوله غير آسن ولما كان اللبن اقل فكان جريه انهارا اغرب ثنى به ولما كان الخمر اعز ثلث به ولما كان العسل اشرفها واقلها ختم به قال كعب الاحبار نهر دجلة نهر ماء أهل الجنة ونهر الفرات نهر لبنهم ونهر مصر نهر خمرهم ونهر سيحان نهر عسلهم وهذه الانهار الاربعة تخرج من نهر الكوثر قال ابن عباس رضى الله عنهما ليس هنا مما فى الجنة سوى الاسامى قال كعب قلت لرسول الله صلى الله عليه وسلم كيف انهار الجنة فقال "حديث : على حافاتها كراسى وقباب مضروبة وماؤها اصفى من الدمع واحلى من الشهد وألين من الزبد وألذ من كل شئ فيه حلاوة عرض كل نهر مسيرة خمسمائة عام تدور تحت القصور والحجال لا يرطب ثيابهم ولا يوجع بطونهم واكبر أنهارها نهر الكوثر طينه المسك الاذفر وحافتاه الدر والياقوت" تفسير : (قال الكاشفى) ارباب اشارات كفته اندكه جنانجه أنهار اربعه درزمين بهشت بزير شجره طوبى روانست جهار جوى نيزدر زيمن دل عارف درزير شجره طيبة اصلها ثابت وفرعها فى السماء جاريست ازمنبع قلب آب انابت وازينبوع صدر لبن صفوت وازخمخانه سر خمر محبت واذحجر روح عسل مودت (وفى المثنوى) آب صبرت جوى آب خلد شد جوى شير خلد مهر تست وود ذوق طاعت كشت جوى انكبين مستى وشوق توجوى خمربين آين سببها جون بفرمان توبود جارجوهم مرترا فرمان نمود ودر بحر الحقائق فرموده كه آب اشارت بحيات دل است ولبن بفطرت اصليه كه بحموضت هوى وتفاهت بدعت متغير نكشته وخمر جوشش محبت الها وعسل مصفى حلاوت قرب. يقول الفقير يفهم من هذا وجه آخر لترتيب الانهار وهو أن تحصل حياة القلب بالعلم اولا ثم تظهر صفوة الفطرة الاصلية ثم يترقى السالك من محبة الاكوان الى محبة الرحمن ثم يصل الى مقام القرب والجوار الالهى وقيل التجلى العلمى لا يقع الا فى اربع صور الماء واللبن والخمر والعسل فمن شرب الماء يعطى العلم اللدنى ومن شرب اللبن يعطى العلم بأمور الشريعة ومن شرب الخمر يعطى العلم بالكمال ومن شرب العسل يعطى العلم بطريق الوحى والعلم اذا حصل بقدر استعداد القابل اعطاه الله استعداد العلم الآخر فيحصل له عطش آخر ومن هذا قيل طالب العلم كشارب ماء البحر كلما ازداد شربا ازداد عطشا ومن هذا الباب ما نقل عن سيد العارفين ابى يزيد البسطامى قدس سره من انه قال شعر : شربت الحب كأسا بعد كأس فما نفد الشراب ولا رويت تفسير : واليه الاشارة بقوله تعالى {أية : وقل رب زدنى علما} تفسير : واما الرى فى العلم فأضافى لا حقيقى قال بعض العارفين من شرب بكأس الوفاء لم ينظر فى غيبته الى غيره ومن شرب بكأس الصفاء خلص من شوبه وكدورته ومن شرب بكأس الفناء عدم فيه القرار ومن شرب فى حال اللقاء انس على الدوام ببقائه فلم يطلب مع لقائه شيئا آخر لا من عطائه ولا من لقائه لاستهلاكه فى علائه عند سطوات جلاله وكبريائه ولما ذكر ما للشرب ذكر ما للاكل فقال {ولهم} اى للمتقين {فيها} اى فى الجنة الموعودة مع ما فيها من فنون الانهار {من كل الثمرات} اى صنف من كل الثمرات على وجه لا حاجة معه من قلة ولا انقطاع وقيل زوجان انتزاعا من قوله تعالى {أية : فيهما من كل فاكهة زوجان} تفسير : وهى جمع ثمرة وهى اسم لكل ما يطعم من احمال الشجر ويقال لكل نفع يصدر عن شيئ ثمرة كقولك ثمرة العلم العمل الصالح وثمرة العمل الصالح الجنة {ومغفرة} عظيمة كائنة {من ربهم} اى المحسن اليهم بمحو ذنوبهم السالفة اعيانها وآثارها بحيث لا يخشون لهما عاقبة بعقاب ولا عتاب والا لتنغص العيش عليهم يعنى ببوشد ذنوب ايشانرا نه بران معاقبه كندونه معاتبه نمايد. وفيه تأكيد لما افاده التنكير من الفخامة الذاتية بالفخامة الاضافية قال فى فتح الرحمن قوله ومغفرة عطف على الصنف المحذوف اى ونعيم اعطته المغفرة وسببته والا فالمغفرة انما هى قبل الجنة وفى الكواشى عطف على اصناف المقدرة للايذان بانه تعالى راض عنهم مع ما اعطاهم فان السيد قد يعطى مولاه مع ما سخطه عليه قال بعض العارفين الثمرات عبارة عن المكاشفات والمغفرة عن غفران ذنب الوجود كما قيل. وجودك ذنب لا يقاس به ذنب بندار وجود ماكناهيست عظيم لطفى كن واين كنه زما در كذران {كمن هو خالد فى النار} خبر لمبتدأ محذوف تقديره امن هو خالد فى هذه الجنة حسبما جرى به الوعد الكريم كمن هو خالد فى النار التى لا يطفأ لهيبها ولا يفك اسيرها ولا يؤنس غريبها كما نطق به قوله تعالى {أية : والنار مثوى لهم} تفسير : وبالفارسية آياهركه درجنين نعمتى باشد مانند كسى است كه اوجاودانست درآتش دوزخ {وسقوا} الجمع باعتبار معنى من اى سقوا بدل ما ذكر من اشربة أهل الجنة {ماء حميما} حارا غاية الحرارة {فقطع} بس باره باره ميكند آب از فرط حرارت {امعاءهم} رودهاى ايشانرا. جمع معى بالكسر والقصر وهو من اعفاج البطن اى ما ينتقل الطعام اليه بعد المعدة قبل اذا دنا منهم شوى وجوههم وانمازت فروة رؤسهم اى انعزلت وانفرزت فاذا شربوه قطع امعاءهم فخرجت من ادبارهم فانظر بالاعتبار ايها الغافل عن القهار هل يستوى الشراب العذب البارد والماء الحميم المر وانما ابتلاهم الله بذلك لان قلوبهم كانت خالية عن العلوم والمعارف الالهية ممتلئة بالجهل والغفلة ولا شك ان اللذة الصورة الاخروية انما تنشأ من اللذة المعنوية الدنيوية كما اشار اليه مالك بن دينار قدس سره بقوله خرج الناس من الدنيا ولم يذوقوا اطيب الاشياء قيل وما هو قال معرفة الله تعالى فبقدر هذا الذوق فى الدنيا يحصل الذوق فى الآخرة فمن كمل له الذوق كمل له النعيم قال ابو يزيد البسطامى قدس سره حلاوة المعرفة الآلهية خير من جنتة الفردوس واعلى عليين. واعلم ان الانسان لو حبس فى بيت حمام حار لا يتحمله بل يؤدى الى موته فكيف حاله اذا حبس فى دار جهنم التى حرارتها فوق كل حرارة لانها سجرت بغضب القهار وكيف حاله اذا سقى مثل ذلك الماء الحميم وقد كان فى الدنيا بحيث لا يدفع عطشه كل بارد فلا ينبغى الاغترار بنعيم الدنيا اذا كان عاقبته الجحيم والحميم وفى الخبر "حديث : ان مؤمنا وكافرا فى الزمان الاول انطلقا يصيدان السمك فجعل الكافر يذكر آلهته ويأخذ السمك حتى اخذ سمكا كثيرا وجعل المؤمن يذكر الله كثيرا فلا يجيئ شئ ثم أصاب سمكة عند الغروب فاضطربت ووقعت فى الماء فرجع المؤمن وليس معه شئ ورجع الكافر وقد امتلئت شبكته فأسف ملك المؤمن الموكل عليه فلما صعد الى السماء اراه الله مسكن المؤمن فى الجنة فقال والله ما يضره ما اصابه بعد أن يصير الى هذا واراه مسكن الكافر فى جهنم فقال والله ما يغنى عنه ما اصابه من الدنيا بعد ان يصير الى هذا " تفسير : نعيم هر دو جهان بيشان عاشقان بدودو كه آن متاع قليلست واين بهاى كثير
ابن عجيبة
تفسير : {مثل}: مبتدأ حُذف خبره، أي: صفة الجنة ما تسمعون، وقدَّره سيبويه: فيما يُتلى عليكم مثل الجنة، وقيل: المثل زائد، أي: الجنة فيها أنهار... الخ، و {كمَن هو خالد}: خبر لمحذوف، أي: أَمَن هو خالد في هذه الجنة، كمَن هو خالد في النار؟ يقول الحق جلّ جلاله: {مَثلُ الجنةِ} أي: صفتها العجيبة، العظيمة الشأن {التي وُعدَ المتقون} الشركَ والمعاصي، هو ما نذكره لكم، {فيها أنهار من ماء غيرِ آسنٍ} غير متغير الطعم واللون والرائحة، يقال: أسن الماء: إذا تغير، سواء أنتن أم لا، فهو آسن وأسِن، {وأنهار من لبن لم يتغيّر طعمُه} كما تتغير ألبان الدنيا بالحموضة وغيرها، وانظر إذا تمنّاه كذلك مربّباً أو مضروباً. والظاهر: أنه يعطَاه كذلك، إذ فيها ما تشتهيه الأنفس. {وأنهارٌ من خبرٍ لذةٍ للشاربين} أي: لذيذة، ليس فيها كراهة طعم وريح، ولا غائلة سُكْرٍ، وإنما هي تلذُّذ محضٌ. و"لذة": إما تأنيث "لذّ" بمعنى لذيذ، أو: مصدر نُعت به للمبالغة. {وأنهار من عسل مُصفى} لم يخرج من بطون النحل فيخالطه شمع أو غيره، وفي حديث الترمذي:{حديث : إنَّ في الجنة بحرَ الماء، وبحرَ اللبن، وبحرَ العسل، وبحرَ الخمر، ثم تُشَقَّقُ الأنهارُ بعدُ"تفسير : قال: حسن صحيح. وعن كعب: نهر دجلة من نهر ماء الجنة، والفرات نهر من لبنها، والنيل من نهر خمرها، وسَيْحان من نهر عسلها، والكل يخرج من الكوثر. قلت: ولعل الثالثة لمّا خرجوا إلى الدنيا تغيّر حالُهم، ليبقى الإيمان بالغيب. والله تعالى أعلم. قيل: بُدئ من هذه الأنهار بالماء؛ لأنه لا يُستغنى عنه قط، ثم باللبن؛ لأنه يجري مجرى المطعوم والمشروب في كثير من الأوقات، ثم بالخمر؛ لأنه إذا حصل الريّ المطعومُ تشوقت النفسُ إلى ما يلتذ به، ثم بالعسل؛ لأنه فيه الشفاء في الدنيا مما يعرض من المشروب والمطعوم؛ فهو متأخر في الرتبة. {ولهم فيها} مع ما ذكر من فنون الأنعام {من كل الثمراتٍ} أي: صنف من كل الثمرات. {و} لهم {مغفِرةٌ} عظيمة {من ربهم} أي: كائنة من ربهم، فهو متعلق أي: مغفرة عظيمة من ربهم. وعبّر بعنوان المغفرة دون الرحمة؛ إشعاراً بأن الميل إلى نعيم الأشباح نقص في الدارين يستوجب المغفرة. أيكون هذا {كمَن هو خالد في النار}؟ أو: مثل الجنة كمثل جزاء مَن هو خالد في النار؟ وهو كلام في صورة الإثبات، ومعناه: النفي، لانطوائه تحت حكم كلام مصدّر بحرف الإنكار، ودخوله في حيّزه، وهو قوله:{أية : أَفَمَن كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ كَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ}تفسير : [محمد: 14]، وفائدة حذف حرف الإنكار، زيادةُ تصويرٍ لمكابرة مَن يسوّي بين المتمسك بالبيّنة والتابع لهواه، وأنه بمنزلة مَن يُثبت التسوية بين الجنة، التي يجري فيها تلك الأنهار، وبين النار، التي يُسقى أهلها الحميم الحار، المُشار إليه بقوله: {وسُقوا ماءً حميماً} حارّاً في النهاية، إذا دنا منهم شوى وجوههم، ووقعت فروة رؤوسهم {فقَطَّع أمعاءهم} مصارينهم، التي هي مكان تلك الأشربة. نسأل الله العافية. الإشارة: مثل جنة المعارف، التي وُعدها المتقون كلَّ ما يشغل عن الله، فيها أنهار من ماء علوم الحقيقة، غير متغير صفاؤها، ولا متكدرة أنوارُها، وأنهار من لبن علوم الشريعة المؤيَّدة بالكتاب والسنّة، لم تتغير حلاوة معاملتها، ولا لذة مناجاتها، وأنهار من خمرة الشهود، لذة للشاربين لها، تذهل حلاوتها العقول، وتفوتُ عن مداركِ النقول، وأنها من عسل حلاوة المكالمة والمسارَرة والمناجاة، صافيات الأوقات، محفوظة من المكدرات، ولهم فيه من طُرف الحِكَم وفواكه العلوم، ما لا تحصيه الطروس، ولا تدركه محافل الدروس. قال القشيري: (مثل الجنة) أي: صفتها كذا، وللأولياء اليوم، لهم شراب الوفاء، ثم شراب الصفاء، ثم شراب الولاء، ثم شراب في حال اللقاء، ولكل من هذه الأشربة عملٌ، ولصاحبه سُكرٌ وصحوٌ، فمَن تحسّى شراب الوفاء لم ينظر إلى أحد من الخلق في أيام غيبته عن إحساسه، وأنشدوا: شعر : وَمَا سَرَّ صَدْرِي مُنْذُ شَطَّتْ بِكَ النَّوى أنيس وَلاَ كَأْسٌ ولاَ مُتطرف تفسير : ومَن شرب بكأس الصفا خلص له عن كل شوب بلا كدورة في عهده، فهو في كل وقت ظامئ عن نفسه، خالٍ عن مطالباته، قائم به، بلا شغل في الدنيا ولا في الآخرة، ومَن شرب كأس الولاء عدم فيه القرار، ولم يغب سيرُه لحظة، ليلاً ولا نهاراً، وَمن شرب في حال اللقاء أَنِسَ على الدوام ببقائه؛ فلم يطلب مع بقائه شيئاً آخر، لا من عطائه ولا من لقائه لاستهلاكه في علائه عند سطوات كبريائه. هـ. قلت: أما شراب الوفاء؛ فهو عَقد الإرادة مع الشيخ، أو عقد المحبة والخدمة مع الحق، فيجب الوفاء بكل منهما، وهو كشُرب العطشان من الماء العذب، وأما شراب الصفاء فهو صفاء العلم بالله، وهو كاللبن تتغذى به الأرواح في حال ترقيها إلى الحضرة، وأما شراب الولاء فهو شراب أهل التمكين من الولاية الكبرى، فيشربون من الخمرة الأزلية، فيسكرون، ثم يصحون، وفيها يقول الششتري رضي الله عنه: شعر : لا شراب الدوالِي، إنها أرضيه خمرُها دُون خمري، خمرتي أزليه تفسير : وأما شراب حال اللقاء؛ فالمراد به، أوقات رجوعهم إلى البقاء، فيتفنّنون في علوم الحكمة وحلاوة المعاملة. والله تعالى أعلم. ثم شفع بأضدادهم، فقال: {وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ}.
الجنابذي
تفسير : {مَّثَلُ ٱلْجَنَّةِ} جوابُ سؤالٍ مقدّرٍ كأنّه قيل: ما وصف الجنّة الموعودة للمؤمنين وحكايتها؟ - فقال: وصف الجنّة {ٱلَّتِي وُعِدَ ٱلْمُتَّقُونَ فِيهَآ أَنْهَارٌ مِّن مَّآءٍ غَيْرِ آسِنٍ} غير متغيّرٍ بحسب الطّعم والرّيح واللّون والجملة خبر المثل، واكتفى عن الرّابط بكونها عين المبتدأ {وَأَنْهَارٌ مِّن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ} مصدر بمعنى الوصف او وصف، وخمر الجنّة لا حرمة فيها ولا نجاسة ولا غائلة خمارٍ ولا نتن ريحٍ ولا مرارة طعمٍ ولذلك وصفها باللّذّة {وَأَنْهَارٌ مِّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى} ممّا يخالط العسل الدّنيوىّ {وَلَهُمْ فِيهَا مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَاتِ} الدّنيويّة والاُخرويّة من ثمرات العلوم والمشاهدات والتّسبيح والتّحميد {وَمَغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ} فوق الكلّ {كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي ٱلنَّارِ} خبر مبتدءٍ محذوفٍ اى امن كان فى الجنّة فى تلك النّعم كمن هو خالدٌ فى النّار {وَسُقُواْ مَآءً حَمِيماً} مسخّناً وقد يكون الحميم بمعنى الماء البارد ولكنّ المراد ههنا الاوّل {فَقَطَّعَ أَمْعَآءَهُمْ} من فرط حرارته، وهذا مقابل الانهار الّتى وعد المتّقون.
فرات الكوفي
تفسير : {مثل الجنة التي وعد المتقون 15 } قال: حدثنا أبو القاسم العلوي قال: حدثنا فرات بن إبراهيم الكوفي قال: حدثني جعفر بن محمد بن سعيد الأحمسي قال: حدثني أبو يحيى البصري قال: حدثنا أبو جابر عن طعمة الجعفي: عن المفضل بن عمر قال: سئل سيدي جعفر بن محمد عليهما السلام عن قول الله [تعالى. ر. في محكم كتابه. أ، ب]: {مثل الجنة التي وعد المتقون} قال: هي في علي وأولاده وشيعتهم هم المتقون وهم أهل الجنة والمغفرة.
الأعقم
تفسير : {مثل الجنة} قيل: شبه الجنة، وقيل: صفة الجنة {التي وعد المتقون} أي........ لمن اتقى معاصيه، ثم بيَّن تعالى صفة الجنة فقال سبحانه: {فيها أنهار}، قيل: أراد بالأنهار المعروفة، وقيل: أراد بالأنهار هذه الأشياء {من ماء غير آسنٍ} أي غير متغير {وأنهار من لبن لم يتغير طعمه} لأنه لم يخرج من ضرع {وأنهار من خمر لذة للشاربين}، قيل: يبقى طيبها في الحلق أربعين سنة ولا يخامر العقل ولا يصدع ويلتذون بها لطيب طعمها {وأنهار من عسل مصفى} أي خالصاً من كل شائب صمغ أو غيره {ولهم فيها من كل الثمرات} أي من أنواعها {ومغفرة من ربهم} لذنوبهم {كمن هو خالد في النار}، قيل: فيه حذف، أي من كان في هذه الجنة كمن هو خالد في النار {وسقوا ماءً حميماً} حار {فقطّع أمعاءهم}، قيل: إذا قربوه من وجوههم شوى وجوههم وإذا شربوه قطع أمعاءهم {ومنهم من يستمع إليك} عبد الله بن أبي وأصحابه {حتى إذا خرجوا من عندك} يعني المنافقين {قالوا للذين أوتوا العلم} مثل عبد الله بن مسعود كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إذا خطب الناس يعيب المنافقين فإذا خرجوا قالوا لابن مسعود: {ماذا قال آنفاً}، وعن ابن عباس: أنا منهم وقد سألت فيمن سئل آنفاً وهم المنافقون كانوا يحضرون مجلس رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يسمعون كلامه ولا يعونه فإذا خرجوا قالوا لأولي العلم من أصحابه: ماذا قال الساعة؟ على جهة الاستهزاء، والذين أوتوا العلم الذين استمعوا القرآن وقبلوه وعملوا به {ماذا قال آنفاً} يعني أي شيء كان يقول الرسول الساعة، وقيل: قالوا ذلك تبعيداً من الصواب وتحقيراً لقوله ولم يقل شيئاً فيه فائدة: {أولئك الذين طبع الله على قلوبهم} أي وسمهم بسمة الكفار، وقيل: خلا بينهم وبين اختيارهم {واتبعوا أهواءهم} أي اتبعوا الهوى دون الدليل {والذين اهتدوا} يعني المؤمنين اهتدوا بما سمعوا {زادهم هدىً}، وقيل: زادهم الله، وقيل: زادهم قراءة القرآن، وقيل: استهزاء المنافقين زاد هؤلاء المؤمنين قيل: أدلة شرح بها صدورهم، وقيل: زادهم ألطافاً، وقيل: زادهم استماع القرآن هدى {وآتاهم تقواهم}، قيل: آتاهم ثواب تقواهم {فهل ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتة} فجأة من غير أن يشعرون بها {فقد جاء أشراطها}، قيل: علاماتها، مبعث محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) خاتم الأنبياء منها، وانشقاق القمر والدخان، وعن الكلبي: كثرة المال والتجارة، وشهادة الزور، وقطع الأرحام، وقلة الكرام، وكثرة اللئام، وعن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): "حديث : بادروا بالأعمال الصالحة قبل طلوع الشمس من مغربها"تفسير : ، والدجال، والدخان، والدابة {فأنّى لهم إذا جاءتهم ذكراهم} يعني من أين لهم الذكرى والاتعاظ والتوبة إذا جاءتهم الساعة، والذكرى ما أمر الله به عباده أن يتذكروا به {فاعلم أنه لا إله إلا الله} الخطاب للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وقيل: فاعلم أيها السامع {واستغفر لذنبك}، وقيل: الخطاب لغيره، وقيل: ليبشر به أمته، وقيل: المراد به الانقطاع إلى الله تعالى {والله يعلم متقلّبكم ومثواكم}، قيل: متقلبكم في الأصلاب إلى الأرحام ومثواكم مقامكم في الأرض، وقيل: متقلبكم منصرفكم في الدنيا ومثواكم مصيركم إلى الجنة أو إلى النار عن ابن عباس: وقيل: متقلبكم منصرفكم في النهار ومثواكم مضجعكم بالليل، يعني لا يخفى عليه شيء من أحوالكم.
الهواري
تفسير : قوله عزّ وجلّ: {مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ} أي: مثل صفة الجنة {فِيهَا أَنْهَارٌ مِّن مَّاء غَيْرِ آسِنٍ} أي: غير متغيّر {وَأَنْهَارٌ مِن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ} أي: لم يخرج من ضروع المواشي فيتغيّر. {وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ} أي: لم يعصره الرجال بأقدامهم {لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى} أي: لم يخرج من بطون النحل. ذكروا عن كعب أنه قال: دجلة في الجنة لبن أغزر ما يكون من الأنهار التي سمّى الله، والفرات خمر أغزر ما يكون من الأنهار التي سمّى الله، والنيل عسل أغزر ما يكون من الأنهار التي سمّى الله، وجيحان ماء أغزر ما يكون من الأنهار التي سمّى الله. ذكروا أن أربعة أنهار من الجنة: سيحون وجيحون والنيل والفرات. ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر في حديث ليلة أسرِيَ به قال: حديث : ثم رفعت لنا سدرة المنتهى، فإذا ورقها مثل آذان الفيلة، ونبقها مثل قلال هجر. وإذا أربعة أنهار يخرجون من أصلها: نهران باطنان، ونهران ظاهران. قلت يا جبريل: ما هذه الأنهار؟ قال: أما الباطنان فنهران في الجنة، وأما الظاهران فالنيل والفرات . تفسير : قوله: {وَلَهُمْ فِيهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ} تفسير الحسن: ما يعرفونها في الدنيا وما لا يعرفون. وتفسير بعضهم في قوله: (أية : كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقاً قَالُواْ هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ) تفسير : [البقرة:25] أي: في الدنيا، يعرفونه باسمه. قال بعضهم: أهبط الله من الجنة إلى الأرض ثلاثين ثمرة؛ عشرة يؤكل داخلها ولا يؤكل خارجها، وعشرة يؤكل خارجها ولا يؤكل داخلها، وعشرة يؤكل داخلها وخارجها. قال: {وَمَغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا مَاء حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءهُمْ}. وهذا على الاستفهام. يقول: أهؤلاء المتّقون الذين وُعِدوا الجنة فيها ما وصف الله، كمن هو خالد في النار كما وصف الله، أي: ليسوا سواء.
اطفيش
تفسير : {مَّثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ} أي صفتها فلا يقتضي مشبهاً ومشبهاً به قاله سيبويه والنضر بن شميل وغيرهما وهو مبتدأ محذوف الخبر أي فيما قصصنا عليك صفتها العجبية وقيل تقدير مثل عجيب أو شيء عظيم فقيل كمن هو خالد أي مثل أهلها كمثل من هو خالد... الخ وهو كلام في صورة الاثبات ومعناه النفي لانخراطه في سلك الانكار في قوله (أفمن) وفائدة التعرية عن حرف الانكار زيادة تصوير لمكابرة من يسوي بين التمسك بالبينة واتباع الهوى وانه بمنزلة من يسوي بين الجنة التى تجري من تحتها الأنهار والنار التى يسقى أهلها الحميم وهذا من التسليم الذي هو في غاية الانكار وقوله* {فِيهَآ أَنْهَارٌ} معترض بين المبتدأ والخبر في حكم الملة فهو كالتكرير لها وكأنه قيل التي فيها أنهار أو حال أو خبر لمثل وقرئ على أمثال الجنة* {مِّن مَّآءٍ غَيْرِ آسِنٍ} أي غير متغير وقرأ ابن كثير (أسن) بالقصر وعلى القصر قول يزيد بن معاوية* شعر : لقد سقتنى رضاباً غير ذي أسن كالمسك فت على ماء العناقيد تفسير : وقيل المعنى غير متغير ولا منتن واما (أجِن) فمعناه تغير وأنتن مثله والاول عن ابن عباس وقتادة* {وَأَنْهَارٌ مِّن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ} بالقروصة والحموضة كلبن الدنيا وليس فيه ما يكره من الطعوم كما يكون في لبن الدنيا وذلك لخروجه من الضرع بخلاف لبن الجنة* {وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ} لا نتن فيها ولا مرارة ولا حموضة ولا اذهاب عقل ولا صداع لم تعصر بالايدي والارجل بل خلقت كذلك (ولذة) تأنيث (لذ) بمعنى (لذيذ) أو مصدر نعت به مبالغة أو بتقدير (ذات لذة) أو بتأويله بلذيذ وقرئ بالنصب على انه مفعول لاجله أي (تلذذاً) بناء على عدم شرط اتحاد الفاعل قال بعض أو حال وبالرفع على انه نعت (لأنهار) وفيه ما مر* {وَأَنْهَارٌ مِّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى} أي خلق صفياً خالياً عن الشمع وغيره لانه لم يخرج من النحل وفي ذلك تمثيل لشراب الجنة بأنواع تستلذ مجردة عن النقص وتوصف بالغزارة قال صلى الله عليه وسلم "حديث : ان في الجنة بحر الماء وبحر العسل وبحر اللبن وبحر الخمر ثم تشقق الأنهار بعد" تفسير : وقال صلى الله عليه وسلم "حديث : سيحان وجيحان والفرات والنيل لكل من أنهار الجنة"تفسير : . فسيحان نهر أذنة وجيحان نهر المصيصية وهما عظيمان وجيحان أكبر وليسا (سيحون وجيحون). قال كعب: (نهر دجلة نهر ماء أهل الجنة ونهر الفرات نهر لبنهم ونهر مصر نهر خمرهم ونهر سيحان نهر عسلهم وهذه الاربعة تخرج من نهر الكوثر) والأنهار التى في الآية قيل من أصل شجرة طوبى والورقة منها تغطي هذه الامة والنبق كقلل هجر وقيل يخرج من أصلها أربعة اثنان باطنان يفرغان في الجنة واثنان ظاهران هما النيل والفرات وصحح النووي ان كون تلك الأنهار من الجنة على ظاهره قال بعضهم أنهار الجنة تخرج من أصل واحد من قبة في أرض الذهب ثم تمر بالبحر المحيط وتشقه ولولا ذلك كانت أحلى من العسل وأطيب رائحة من الكافور وفي قلبي مثل هذا شيء فان ماء الجنة أعظم من أن يؤثر فيه البحر لشدة حلاوته الا أن يقال اثره الله فيه مع ذلك* {وَلَهُمْ فِيهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ} في تأخير الثمرات في الذكر عن الشراب اشارة الى أن شراب الجنة وأكلها للتلذذ لا لحاجة والمبتدأ محذوف بقي وصفه أي أصناف من كل الثمرات ولا عيب فيها من عيوب ثمار الدنيا قال الحسن ومنها ما يعرفونه في الدنيا وما لا يعرفون. قال بعضهم: أهبط الله الى الأرض من الجنة ثلاثين ثمرة عشر يؤكل داخلها وخارجها وعشرة خارجها فقط وعشر داخلها* {وَمَغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ} عطف على المبتدأ المحذوف أو مبتدأ محذوف الخبر أي لهم أم عطف على ضمير الاستقرار في (لهم) والمغفرة للذنوب وهي قبل دخول الجنة قالوا وتعطف السابق أو هي رفع التكليف عنهم فيها فهى تعطف اللاحق والله راض عنهم مع احسانه اليهم وسيد العبد في الدنيا قد يكون مع احسانه اليه ساخطاً عليه والله ساخط على أهل الشقاوة وهو محسن اليهم في الدنيا وراض ومحسن دنيا وأخرى على أهل السعادة* {كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ} خبر مثل كما مر أو خبر لمحذوف أي من هو في هذا النعيم أو بدل من قوله كمن زين والاعتراض بين المبتدأ والخبر أو البدل والمبدل منه لبيان ما به يمتاز من هو على بينة في الآخرة والذي عليه ابن هشام انه خبر لمحذوف* {وَسُقُواْ مَآءً حَمِيماً} شديد الحرارة أسعرت غليه النار منذ خلقت اذا دنا منهم أشوى وجوههم ورؤوسهم ووقعت جلدتها وهو بدل شراب الجنة واذا شربوه قطع أمعاءهم كما قال* {فَقَطَّعَ أَمْعَآءَهُمْ} جمع معي بالكسر والقصر والفه عن ياء لقولهم معيان وهي المصارين وعن بعضهم الحوايا وفي الحديث حديث : يصب الحميم على رؤوسهم فينفذ الى بطونهم فيسلت ما فيها ويخرج من أقدامهم ثم يعاد كما كان. تفسير : وفي رواية "حديث : يخرج من أدبارهم "
اطفيش
تفسير : {مَثَل الجنَّة الَّتي وعد المتَّقُون} صفتها العجيبة كبعض الأمثال الغريبة، وهو مبتدأ خبره محذوف، أى فيما يتلى عليكم مثل الجنة، أو فيما قصصنا عليك مثل الجنة، وقيل فيما يتلى عليكم ما تستمعون، وفسره بقوله عز وجل: {فيها أنهارٌ} وقدره بعض هكذا ظاهر فى نفس من وعى هذه الأوصاف، وقيل: الخبر هو قوله: {فيها أنهار} ولا تحتاج لرابط لأنها نفس المبتدأ فى المعنى أو الخبر، هذه المجملة، ومثل زائد أى الجنة فيها أنهار، وهو ضعيف، وقيل: الخبر {كمن هو خالد في النار} وانما لم يذكر الستفهام فى مثل الجنة لظهور أن من اشتبه عليه حال المتمسك بالبينة، وحال التابع لهواه، اشتبه عليه أن مثل الجنة الخ كمن هو خالد فى النار، وكأنه قيل: مثل ساكن الجنة، كمن هو خالد فى النار، كقوله: "أية : أجعلتم سقاية الحاج" تفسير : [التوبة: 19] الخ. {مِن ماءٍ غير آسِن} متغير الطعم أو الريح لنحو طول المكث، والفعل كنصر ينصر، وضرب يضرب، وعلم يعلم، وهو لازم، ومن متعلق بمحذوف نعت لأنهار للبيان أو للتبعيض، أو للابتداء وكذا فى قوله: {وأنهارٌ من لبنٍ لمْ يتغيَّر طَعْمه وأنهارٌ من خَمْر لذةٍ للشَّاربين وأنهارٌ من عَسلٍ مُصفَّى} فى معانى من معنى من، وكون ما بعد النكرة نعتا لها، وتغير الطعم فى اللبن بالحموضة، وتغير الريح لا يفارق تغير طعام، أو شراب لذ، ويجوز كونه هنا مصدرا للمبالغة، كأنها نفس الالتذاذ، واحترز به عن كراهة ريح خمر الدنيا، والسكر بها وحموضتها، ولا لذة فى نفس شرب خمر الدنيا، ولذلك قيدها بلذة، ومعنى وصف العسل بالتصفية خلوصه من شمع وفضلات النحل وغيرها، وذلك شرب، وما يجرى مجرى الشراب. وبدأ بالماء لأنه أفضل المشروبات لذة اذا احتيج اليه فى الدنيا، وتعالج به الأطعمة فيها، ولا يغنى عنه شراب، وهو يغنى عن سائر الأشربة، وأيضا هو مركب الطعام، وبه يسرى الطعام فى العروق، ثم باللبن لأنه يجرى مجرى الطعام، ولا سيما عند البدويين، ولأنه يتولد منه غيره كالزبد والسمن والأقط وغير ذلك، ثم بالخمر لأنه اذا حصل الرى والشبع تشوقت النفس إلى ما تلذ به، وأخر العسل لأنه شفاء، ولا مرض فى الجنة، وذلك الماء لم يمسه يد، ولا عالجت خروجه، بل يروى أنه يجىء الفم، وذلك البن لم يعالج بيد، ولا جرى من بين فرث ودم، وتلك الخمر لم تعصرها يد ولا رجل، ولا أصلها شىء عصر منه، وذلك العسل لم يجر من نحل، وكل ذلك خلقة من الله. ومما ذكر فى الأخبار ما روى عن الكلبى: ان نهر دجلة نهر الخمر فى الجنة، وأن عليه ابراهيم عليه السلام، وجيحون نهر الماء فيها، ويسمى نهر الرب، والفرات نهر اللبن لذرية المؤمنين، والنيل نهر العسل، وفى البيهقى عن كعب الأحبار: النيل نهر العسل، ودجلة نهر اللبن، والفرات نهر الخمر، وسيحان نهر الماء فى الجنة، وعن كعب الأحبار: نهر دجلة نهر ماء أهل الجنة، ونهر الفرات نهر لبنهم، ونهر مصر نهر خمرهم، ونهر سيحان نهر عسلهم، وهذه الأنهار تخرج من الكوثر كذا قيل، ولفظ مسلم عن أبى هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : سيحان وجيحان والفرات والنيل كلها من أنهار الجنة" تفسير : فيقال ذلك على حقيقته، وأن الجنة مخلوقة الآن، والمعنى أنها تصير فى الجنة ماء الجنة وخمرها ولبنها وعسلها، أو هى الآن فيها على تلك الأوصاف، ولما خرجت الى الدنيا تغيرت. وعنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن في الجنة بحر العسل وبحر الماء، وبحر الخمر، وبحر اللبن ثم تشقق الأنهار" تفسير : رواه الترمذى، وسيحان وجيحان من بلاد الأرمن نهران عظيمان جدا، سيحان فى أدرنة، وجيحان فى المصيصة، وأكبرهما جيحان، وهما غير سيحون وجيحون، والله أعلم بصحة ذلك، وعلى صحته يكثر الله ماء تلك الأنهار، ويفرقها على أهل الجنة، وينبعها من حيث شاء، ويعلى منها ما زاد، والله على كل شىء قدير. {ولَهُم فيها} مع الأنهار المذكورة {مِن كلِّ الثَّمرات} يتعلق بمحذوف نعت المبتدأ محذوف مخبر عنه بلهم، أى نوع ثابت من الثمرات، وقدر بعض زوجان من كل الثمرات لقوله تعالى: "أية : من كل فاكهة زوجان" تفسير : [الرحمن: 52] ومن للتبعيض، ومن أجاز زيادة من فى الايجاب والتصريف أجاز كون كل مبتدأ، ومما يقال: ولا مانع منه أن فيها كل تمرة ولو حامضة أو مرة أو قاتلة، أو لا يرغب فيها يصيرها الله غير حامضة، وغير قاتلة، وغير مرة، بل مرغوبا فيها ففيها الحنظل حلوا أو زنجبيلا، أو على سائر الأوصاف المحمودة {ومغفرة} عظيمة مبتدأ محذوف الخبر، أى ولهم مغفرة عاطفة سابق على لاحق، ولم أعطفه على المبتدأ المخبر عنه بلهم، لأنه مقيد بقوله: {فيها} والمغفرة قبل دخول الجنة، لا فى الجنة، وانظر هل يجوز عطفه عليها بدون قيده، أجازه بعض المحققين، اذ لو قيل: ولهم مغفرة قبلها لجاز، فليجز اثباتها هكذا، ولا مانع من أن تعطفه عليه بقيد آخر، أى ومغفر قبلها، ولو قلت: لزيد عند حبشى وأمة لم يلزم أن تكون حبشية، أو بقيد صالح فى الجنة كتقدير مضاف، أى ونعيم مغفرة، أو يراد أثرها وهو التنعم لا النعيم، لأنه مذكور بما قبل، إلا أن يراد تعميم فى النعم بعد تخصيص، أو يراد بها رضوان الله مجازا أو يراد بها أن لا تذكر لهم ذنوبهم لئلا يلحقهم وجع الحياء. {مِن ربِّهم} نعت مؤكد للمغفرة بعد توكيدها بالتنكير المفيد للتعظيم {كَمَن هُو خالدٌ في النَّار} خبر لمحذوف مقرون باستفهام محذوف للتقرير، أى أمن هو خالد فى تلك الجنة الموصوفة كمن هو خالد فى النار أو يقدر مؤخر النكتة، ويقدر الاستفهام فى الخبر، أى أكمن هو خالد فى النار من هو خالد فى تلك الجنة، ويبعد كونه بدل كل من قوله: "أية : كمن زين له سوء عمله" تفسير : [محمد: 14] وما بينهما اعتراض جىء به لبيان ما يمتاز به فى الآخرة من هو على بينة من ربه فى الدنيا تقريرا لانكار المساواة. {وسُقُوا ماءً حميماً} حارا مكان أشربة المؤمنين اللذيذة المذكورة، وفى تسمية ذلك سقيا بعد ذكر ما سقى به المؤمنون تهكم بهم، فان السقى موضوع لما هو لذيذ للشارب، واستعمل المطلق إلا ساعة، ولو مع كراهة، والجمع باعتبار معنى من، والجمله فعلية عطفت على اسمية هى قوله: {هو خالد فى النار} {فَقطَّع} شدد لمبالغة، كأنه قيل تفتت ثم ترجع باذن الله {أمْعاءَهُم} من شدة الحرارة، والمفرد مع بفتح الميم وكسرها، وهو ما ينتقل الطعام اليه بعد المعدة اذا أدني الى وجوههم ذلك الماء شوى وجوههم، حتى يسقط لحمها وجلدها، فيبقى العظم ثم يرد كما كان، فإذا شربوه قطع أمعاءهم. روى الترمذى، عن أبى هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن الحميم ليصب على رءوسهم فينفذ إلى الجوف فيسلت ما فيه حتى يخرج من قدميه، وهو الصهر، ثم يعاد كما كان" تفسير : وروى الترمذى، عن أبى أمامة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : يسقى من ماء صديد يتجرعه يقرب إلى فيه فيكرهه، فإذا أُدني منه شوى وجهه، وقعت فروة رأسه، فإذا شربه قطع أمعاءه حتى تخرج من دبره"تفسير : قال الله تعالى: {ماءً حميماً فقطع أمعاءهم} ويقول: "أية : وإنْ يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه" تفسير : [الكهف: 29] وقال: حديث غريب.
الالوسي
تفسير : {مَّثَلُ ٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِي وُعِدَ ٱلْمُتَّقُونَ} إلى آخره استئناف مسوق لشرح محاسن الجنة الموعودة آنفاً للمؤمنين وبيان كيفية أنهارها التي أشير إلى جريانها من تحتها وعبر عنهم بالمتقين إيذاناً بأن الإيمان والعمل الصالح من باب التقوى الذي هو عبارة عن فعل الواجبات وترك السيآت. والمَثَلُ الوصف العجيب الشأن وهو مبتدأ باتفاق المعربين، واختلف في خبره فقيل محذوف فقال النضر بن شميل: تقديره ما تسمعون، وقوله عز وجل: {فِيهَآ أَنْهَارٌ} إلى آخره مفسر له، وقال سيبويه: تقديره فيما يتلى عليكم أو فيما قصصنا عليك ويقدر مقدماً {وَفِيهَا أَنْهَارٌ } الخ بيان لذلك المثل، وقدره ابن عطية ظاهر في نفس من وعى هذه الأوصاف وليس بذاك، ولعل الأنسب بصدر النظم الكريم تقدير النضر، وقيل: هو مذكور فقيل هو قوله تعالى: {فِيهَآ أَنْهَارٌ} الخ على معنى مثل الجنة وصفتها مضمون هذا الكلام ولا يحتاج مثل هذا الخبر إلى رابط. وقيل هذه الجملة هي الخبر إلا أن لفظ {مَثَلُ } زائدة زيادة اسم في قول من قال:شعر : إلى الحول ثم اسم السلام عليكما تفسير : فالمبتدأ في الحقيقة هو المضاف إليه فكأنه قيل: الجنة فيها أنهار الخ وليس بشيء، وقيل: الخبر قوله تعالى الآتي: / {كَمَنْ هُوَ خَـٰلِدٌ فِي ٱلنَّارِ } وسيأتي إن شاء الله تعالى بسط الكلام فيه. وقرأ علي كرم الله تعالى وجهه وابن عباس وعبد الله والسلمي {أَمثال ٱلْجَنَّةِ } أي صفاتها، قال ابن جني: وهذا دليل على أن قراءة العامة بالتوحيد معناها الكثرة لما في {مَثَل} من معنى المصدرية ولذا جاز مررت برجل مثل رجلين وبرجلين مثل رجال وبامرأة مثل رجل، وعن علي كرم الله تعالى وجهه أيضاً أنه قرىء {مثال الجنة } ومثال الشيء في الأصل نظيره الذي يقابل به. {مِّن مَّآءٍ غَيْرِ آسِنٍ} أي غير متغير الطعم والريح لطول مكث ونحوه، وماضيه أَسَنَ بالفتح من باب ضرب ونصر وبالكسر من باب عَلِمَ حكى ذلك الخفاجي عن أهل اللغة. وفي «البحر» ((أسن الماء تغير ريحه يأسَن ويأسِن ذكره ثعلب في «الفصيح»، والمصدر أسون، وأسِن بسكر السين يأسَن بفتحها لغة أسنا قاله اليزيدي، وأسِن الرجل بالكسر لا غير إذا دخل البئر فأصابته ريح منتنة منها فغشي عليها أو دار رأسه ومنه قول الشاعر:شعر : قد أترك القرن مصفراً أنامله يميد في الريح ميد المائح الأسن)) تفسير : وقرأ ابن كثير وأهل مكة {أسن} على وزن حذر فهو صفة مشبهة أو صيغة مبالغة، وقرأ {يسن} بالياء قال أبو علي: وذلك على تخفيف الهمزة. {وَأَنْهَارٌ مّن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ } لم يحمض ولم يصر قارصاً ولا حازراً كألبان الدنيا وتغير الريح لا يفارق تغير الطعم {وَأَنْهَـٰرٌ مّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لّلشَّـٰرِبِينَ } أي لذيذة لهم ليس فيها كراهة طعم وريح ولا غائلة سكر وخمار كخمور الدنيا فإنها لا لذة في نفس شربها وفيها من المكاره والغوائل ما فيها وهي صفة مشبهة مؤنث لذ وصفت بها الخمر لأنها مؤنثة وقد تذكر أومصدر نعت به بتقدير مضاف أو بجعلها عين اللذة مبالغة على ما هو المعروف في أمثال ذلك؛ وقرئت بالرفع على أنها صفة {أَنْهَارٌ } وبالنصب على أنها مفعول له أي كائنة لأجل اللذة لا لشيء آخر من الصداع وسائر آفات خمور الدنيا. {وَأَنْهَـٰرٌ مّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى } مما يخالفه فلا يخالطه الشمع وفضلات النحل وغيرها، ووصفه بمصفى لأن الغالب على العسل التذكير وهو مما يذكر ويؤنث كما نص عليه أبو حيان وغيره. وهذا على ما قيل تمثيل لما يجري مجرى الأشربة في الجنة بأنواع ما يستطاب منها أو يستلذ في الدنيا بالتخلية عما ينقصها وينغصها والتحلية بما يوجب غزارتها ودوامها. وبدىء بالماء لأنه في الدنيا مما لا يستغنى عنه ثم باللبن إذ كان يجري مجرى المطعم لكثير من العرب في كثير من أوقاتهم ثم بالخمر لأنه إذا حصل الري والمطعوم تشوفت النفس إلى ما يلتذ به ثم بالعسل لأن فيه الشفاء في الدنيا مما يعرض من المشروب والمطعوم فهو متأخر بالرتبة، وجاء عن ابن عباس أن لبن تلك الأنهار لم يحلب، وقال سعيد بن جبير: إنه لم يخرج من بين فرث ودم وإن خمرها لم تدنسها الرجال بأرجلها وإن عسلها لم يخرج من بطون النحل. وأخرج ابن جرير عن سعد قال: سألت أبا إسحٰق عن قوله تعالى: {مّن مَّاء غَيْرِ ءاسِنٍ } فقال: سألت عنه الحرث فحدثني أن ذلك الماء تسنيم وقال: بلغني أنه لا تمسه يد وأنه يجيء الماء هكذا حتى يدخل الفم. وفي حديث أخرجه ابن مردويه عن الكلبـي أن نهر دجلة نهر الخمر في الجنة وأن عليه إبراهيم عليه السلام ونهر جيحون نهر الماء فيها ويقال له نهر الرب ونهر الفرات نهر اللبن وأنه لذرية المؤمنين ونهر النيل نهر العسل. وأخرج الحرث بن أبـي أسامة في «مسنده» والبيهقي عن كعب قال: نهر النيل نهر العسل ونهر دجلة نهر اللبن ونهر الفرات نهر الخمر ونهر سيحان نهر الماء في الجنة. وأنت تعلم أن المذكور في الآية لكل أنهار بالجمع والله تعالى أعلم بصحة هذه الأخبار ونحوها، ثم إنها إن صحت لا يبعد تأويلها وإن كانت القدرة الإلٰهية / لا يتعاصاها شيء. {وَلَهُمْ فِيهَا } مع ما ذكر من فنون الأنهار {مِن كُلّ ٱلثَّمَرٰتِ } أي أنواع من كل الثمرات فالجار والمجرور صفة مبتدأ مقدر وقدره بعضهم زوجان وكأنه انتزعه من قوله تعالى: {أية : فِيهِمَا مِن كُلّ فَـٰكِهَةٍ زَوْجَانِ } تفسير : [الرحمن: 52] وقيل: {مِنْ } زائدة أي ولهم فيها كل الثمرات {وَمَغْفِرَةٌ } مبتدأ خبره محذوف والجملة عطف على الجملة السابقة أي ولهم مغفرة، وجوز أن يكون عطفاً على المبتدأ قبل بدون قيد فيها لأن المغفرة قبل دخول الجنة أو بالقيد والكلام على حذف مضاف أي ونعيم مغفرة أو جعل المغفرة عبارة عن أثرها وهو النعيم أو مجازاً عن رضوان الله عز وجل، وقد يقال: المراد بالمغفرة هنا ستر ذنوبهم وعدم ذكرها لهم لئلا يستحيوا فتتنغص لذتهم والمغفرة السابقة ستر الذنوب وعدم المؤاخذة بها وحينئذٍ العطف على المبتدأ من غير ارتكاب شيء مما ذكر، وقد رأيت نحو هذا بعد كتابته للطبرسي مقتصراً عليه ولعله أولى مما قالوه، وتنوين {مَغْفِرَةً } للتعظيم أي مغفرة عظيمة لا يقادر قدرها، وقوله تعالى: {مّن رَّبّهِمُ } متعلق بمحذوف صفة لها مؤكدة لما أفاده التنكير من الفخامة الذاتية بالفخامة الإضافية أي كائنة من ربهم. وقوله عز وجل: {كَمَنْ هُوَ خَـٰلِدٌ فِي ٱلنَّارِ } خبر لمبتدأ محذوف تقديره أمن هو خالد في هذه الجنة حسبما جرى به الوعد كمن هو خالد في النار كما نطق به قوله تعالى: {أية : وَٱلنَّارُ مَثْوًى لهم} تفسير : [محمد: 12]، وجوز أن يكون بدلاً من قوله سبحانه: {أية : كَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوۤءُ عَمَلِهِ} تفسير : [محمد: 14] وما بينهما اعتراض لبيان ما يمتاز به من {عَلَىٰ بَيِّنَةٍ} في الآخرة تقريراً لإنكار المساواة وفيه بعد. وذهب جار الله إلى أنه خبر {مَّثَلُ ٱلْجَنَّةِ } وأن ذاك مرتب على الإنكار السابق أعني قوله تعالى: {أية : أَفَمَن كَانَ } تفسير : [محمد: 14] الخ، والمعنى أمثل الجنة كمثل جزاء من هو خالد في النار فالمضافان محذوفان الجزاء بقرينة مقابلة الجنة ولفظ المثل بقرينة تقدمه ومثله كثير. وفائدة التعرية عن حرف الإنكار أن من اشتبه عليه الأول أعني حال المتمسك بالبينة وحال التابع لهواه فالثاني مثله عنده وإذ ذاك لا يستحق الخطاب، ونظير ذلك قول حضرمي بن عامر:شعر : أفرح إن أرزأ الكرام وأن أورث ذوداً شصائصاً نبلاً تفسير : فإنه كلام منكر للفرح برزية الكرام ووراثة الذود مع تعريه من حرف الإنكار لانطوائه تحت حكم من قال له: أتفرح بموت أخيك وبوراثة إبله وذلك من التسليم الذي يقل تحته كل إنكار. وجَعَلَ قوله تعالى: {فِيهَا أَنْهَارٌ } كالتكرير للصلة أي صلة بعد صلة يتضمن تفصيلها لأنه كالتفصيل للموعود، ولهذا لم يتخلل العاطف بينهما، وجَوَّزَ أن يكون في موضع الحال على أن الظرف في موضع ذلك و {أَنْهَارٌ } فاعله لا على أنه مبتدأ والظرف خبر مقدم والجملة الاسمية حال لعدم الواو فيها، وقد صرحوا بأن الاكتفاء فيها بالضمير غير فصيح، واعتبارها فعلية بتقدير متعلق الظرف استقر لا يخفى حاله، وقيل: في الحال ضعف من حيث المعنى لمجيئه مجىء الفضلات وهي أم الإنكار، وأيضاً هو حال من الجنة لا من ضميرها في الصلة وفي العامل تكلف، ثم الحال غير مقيدة وجعلها مؤكدة وقد علم كونها كذلك من إخباره تعالى فيه أيضاً تكلف، وأن يكون خبر مبتدأ محذوف والجملة استئناف بياني، قال في «الكشف»: وهو الوجه، والتقدير هي فيها أنهار وكأنه قيل: أنى يكون صفة الجنة وهي كذا وكذا كصفة النار فالاستئناف هٰهنا بمنزلة قولك: وهي كذا وكذا اعتراضاً لما في لفظ المثل من الإشعار بالوصف العجيب، وليس خبر الجملة السابقة {وَهُوَ كَمَنْ هُوَ خَـٰلِدٌ فِي ٱلنَّارِ } مورد السؤال ليعترض بوقوع الاستئناف قبل مضيه. وأورد أنه لا حاجة إلى تقدير المبتدأ لأن {فِيهَا أَنْهَارٌ } جملة برأسها، والجواب أن التقدير مثلها فيها أنهار فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه فصار مرفوعاً ثم حذف ولهذا قال في السؤال كأن قائلاً قال: وما مثلها؟ ويجري ما قرر في قراءة الأمير كرم الله تعالى وجهه ومن معه {أمثال} بالجمع فيقال: التقدير أمثال الجنة كأمثال جزاء من هو خالد في النار، ويقدر المضاف الأول جمعاً للمطابقة، ولعمري لقد أبعد جار الله المغزى، وقد استحسن ما ذكره كثير من المحققين قال صاحب «الكشف» بعد تقرير جعل {كَمَنْ هُوَ خَـٰلِدٌ } خبر - لمثل الجنة -: هذا هو الوجه اللائح المناسب للمساق. وقال ابن المنير: في «الانتصاف» بعد نقله كم ذكر الناس في تأويل هذه الآية فلم أر أطلى ولا أحلى من هذه النكت التي ذكرها لا يعوزها إلا التنبيه على أن في الكلام محذوفاً ليتعادل، والتقدير مثل ساكن الجنة كمن هو خالد في النار، ومن هذا النمط قوله تعالى: {أية : أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ ٱلْحَاجّ وَعِمَارَةَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ كَمَنْ ءامَنَ بِٱللَّهِ } تفسير : [التوبة: 19] الخ. وما قدرناه لتحصيل التعادل أولى وإن كان فيه كثرة حذف فتأمل ذاك والله تعالى يتولى هداك. والضمير المفرد ـ أعني {هُوَ } - راجع إلى {مَنْ } باعتبار لفظها كما أن ضمير الجمع في قوله سبحانه: {وَسُقُواْ مَاءً حَمِيماً } راجع إليها باعتبار معناها، والمراد وسقوا ماءً حاراً مكان تلك الأشربة وفيه تهكم بهم {فَقَطَّعَ أَمْعَاءهُمْ } من فرط الحرارة. روي أنه إذا أدني منهم شوى وجوههم وامتازت فروة رؤوسهم فإذا شربوه قطع أمعاءهم. وهي جمع معى بالفتح والكسر ما ينتقل الطعام إليه بعد المعدة ويقال له عفاج وهو مذكر وقد يؤنث.
ابن عاشور
تفسير : استئناف بياني لأن ما جرى من ذكر الجنة في قوله: {أية : إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناتٍ تجري من تحتها الأنهار}تفسير : [محمد: 12] مما يستشرف السامعُ إلى تفصيل بعض صفاتها، وإذ قد ذكر أنها تجري من تحتها الأنهار مُوهم السامع أنها أنهار المياه لأن جري الأنهار أكمل محاسن الجنات المرغوب فيها، فلما فُرغ من توصيف حال فريقي الإيمان والكفر، ومما أعد لكليهما، ومن إعلان تباين حاليهما ثُني العنان إلى بيان ما في الجنة التي وعد المتقون، وخص من ذلك بيان أنواع الأنهار، ولما كان ذلك موقع الجملة كان قوله: {مثَل الجنة} مبتدأ محذوف الخبر. والتقدير: مَا سيوصف أو ما سيتلى عليكم، أو مما يتلى عليكم. وقوله: {كمن هو خالد في النار} كلام مستأنف مقدر فيه استفهام إنكاري دلّ عليه ما سبق من قوله: {أية : أفمن كان على بينة من ربه كمن زيّن له سوء عمله}تفسير : [محمد: 14]. والتقدير: أكَمَنْ هو خالد في النار. والإنكار متسلط على التشبيه الذي هو بمعنى التسوية. ويجوز أن تكون جملة {مثَل الجنة} بدلاً من جملة {أفمن كان على بينة من ربه} فهي داخلة في حيز الاستفهام الإنكاري. والخبر قوله: {كمن هو خالد في النار}، أي كحال من هو خالد في النار وذلك يستلزم اختلاف حال النار عن حال الجنة، فحصل نحو الاحتباك إذ دل {مَثَل الجنة} على مَثَل أصحابها ودلّ مثل من هو خالد في النار على مثل النار. والمقصود: بيان البَون بين حالي المسلمين والمشركين بذكر التفاوت بين حالي مصيرهما المقرر في قوله: {أية : إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناتٍ}تفسير : [الحج: 23] إلى آخره، ولذلك لم يترك ذكر أصحاب الجنّة وأصحاب النار في خلال ذكر الجنة والنار فقال: {مثل الجنة التي وُعد المتقون} وقال بعده {كمن هو خالد في النار}. ولقصد زيادة تصوير مكابرة من يُسَوِّي بين المتمسك ببينةِ ربه وبين التابع لهواه، أي هو أيضاً كالذي يسوي بين الجنّة ذات تلك الصفات وبين النار ذاتِ صفاتٍ ضدها. وفيه اطراد أساليب السورة إذ افتتحت بالمقابلة بين الذين كفروا والذين آمنوا، وأعقب باتباع الكافرين الباطل واتباع المؤمنين الحق، وثُلّثَ بقوله: {أفمن كان على بيّنة من ربّه} الخ. والمثل: الحال العجيب. وجملة {فيها أنهار} وما عطف عليها تفصيل للإجمال الذي في جملة {مَثل الجنة}، فهو استئناف، أو بدل مفصَّل من مجمل على رأي من يثبته في أنواع البدل. والأنهار: جمع نهْر، وهو الماء المستبحر الجاري في أخدود عظيم من الأرض، وتقدم في قوله تعالى: {أية : قال إن الله مبْتلِيكم بنهَر}تفسير : في سورة البقرة (249). فأما إطلاق الأنهار على أنهار الماء فهو حقيقة، وأما إطلاق الأنهار على ما هو من لبن وخَمر وعَسل فذلك على طريقة التشبيه البليغ، أي مماثلة للأنهار، فيجوز أن تكون المماثلة تامة في أنها كالأنهار مستبحرة في أخاديد من أرض الجنة فإن أحوال الآخرة خارقة للعادة المعروفة في الدنيا، فإن مرأى أنهار من هذه الأصناف مرأى مُبهج. ويجوز أن تكون مماثلة هذه الأصناف للأنهار في بعض صفات الأنهار وهي الاستبحار. وهذه الأصناف الخمسة المذكورة في الآية كانت من أفضل ما يتنافسون فيه ومن أعزّ ما يتيسر الحصول عليه، فكيف الكثير منها، فكيف إذا كان منها أنهار في الجنة. وتناولُ هذه الأصناف من التَفَكُّهِ الذي هو تنعم أهل اليسار والرفاهية. وقد ذكر هنا أربعة أشربة هي أجناس أشربتهم، فكانوا يستجيدون الماء الصافي لأن غالب مياههم من الغُدران والأحواض بالبادية تمتلىء من ماء المطر أو من مرور السيول فإذا استقرت أياماً أخذت تتغير بالطحلب وبما يدخل فيها من الأيدي والدلاء، وشرب الوحوش وقليلٌ البلاد التي تكون مجاورة الأنهار الجارية. وكذلك اللبن كانوا إذا حلبوا وشربوا أبقوا ما استفضلوه إلى وقت آخر لأنهم لا يحلبون إلا حَلْبة واحدة أو حلْبتين في اليوم فيقع في طعم اللبن تغيير. فأما الخمر فكانت قليلة عزيزة عندهم لقلة الأعناب في الحجاز إلا قليلاً في الطائف، فكانت الخمر تجتلب من بلاد الشام ومن بلاد اليمن، وكانت غالية الثمن وقد ينقطع جلبها زماناً في فصل الشتاء لعسر السير بها في الطرق وفي أوقات الحروب أيضاً خوف انتهابها. والعسل هو أيضاً من أشربتهم، قال تعالى في النحل (69) {أية : يَخرج من بطونها شَراب مختلف ألوانه}تفسير : والعرب يقولون: سقاه عسلاً، ويقولون: أطعمه عسلاً. وكان العسل مرغوباً فيه يجتلب من بلاد الجبال ذات النبات المستمر. فأما الثمرات فبعضها كثير عندهم كالتمر وبعضها قليل كالرمان. والآسِن: وصف من أسَن الماء من باب ضرب ونصر وفرح، إذا تغيّر لونه. وقرأه ابن كثير {أسِنٍ} بدون ألف بعد الهمزة على وزن فعل للمبالغة. والخمر: عصير العنب الذي يترك حتى يصيبه التخمر وهو الحموضة مثل خمير العجين. و {لَذَة} وصفٌ وليس باسم، وهو تأنيث اللذّ، أي اللذيذ قال بشار:شعر : ذكرت شبابي اللذّ غير قريب ومجلس لهو طاب بين شروب تفسير : واللّذاذة: انفعال نفساني فيه مسرة، وهي ضد الألم وأكثر حصوله من الطعوم والأشربة والملامس البدنية، فوصف خمر هنا بأنها {لذة} معناه يجد شاربها لذاذة في طعمها، أي بخلاف خمر الدنيا فإنها حريقة الطعم فلولا ترقب ما تفعله في الشارب من نشوة وطرب لما شربها لحُموضة طعمها. والعسل المصفى: الذي خُلِّص مما يخالط العسل من بقايا الشمع وبقايا أعضاء النحل التي قد تموت فيه، وتقدم الكلام على العسل وتربيته في سورة النحل. ومعنى {من كلّ الثمرات} أصناف من جميع أجناس الثمرات، فالتعريف في {الثمرات} للجنس، و {كُلّ} مستعملة في حقيقتها وهو الإحاطة، أي جميع ما خلق الله من الثمرات مما علموه في الدنيا وما لم يعلموه مما خلقه الله للجنة. و {مِن} تبعيضية، وهذا كقوله تعالى: {أية : فيهما من كل فاكهة زوجان}تفسير : [الرحمن: 52]. و {مغفرة} عطف على {أنهار} وما بعده، أي وفيها مغفرة لهم، أي تجاوز عنهم، أي إطلاق في أعمالهم لا تكليف عليهم كمغفرته لأهل بدر إذ بينت بأن يعملوا ما شاؤوا في الحديث «حديث : لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم» تفسير : وقد تكون المغفرة كناية عن الرضوان عليهم كما قال تعالى: {أية : ورضوان من الله أكبر}تفسير : [التوبة: 72]. وتقدير المضاف في {مثله} ظاهر للقرينة. وقوله: {وسُقوا ماءً حميماً} جيء به لمقابلة ما وصف من حال أهل الجنة الذي في قوله: {فيها أنهار من ماء غير آسن} إلى قوله: {من كل الثمرات}، أي أن أهل النار محرومون من جميع ما ذكر من المشروبات. وليسوا بذائقين إلا الماء الحميم الذي يقطع أمعاءهم بفور سقيه. ولذلك لم يعرج هنا على طعام أهل النار الذي ذكر في قوله تعالى: {أية : لآكلون من شجر من زقوم فمالئون منها البطون فشاربون عليه من الحميم}تفسير : [الواقعة: 52 ـــ 54] وقوله: {أية : أذلك خير نُزُلاً أم شجرة الزقوم}تفسير : [الصافات: 62] إلى قوله: {أية : فإنهم لآكلون منها فمالئون منها البطون ثم إن لهم عليها لشوبا من حميم}تفسير : [الصافات: 66 ـــ 67]. وضمير {سقوا} راجع إلى {من هو خالد في النار} باعتبار معنى (من) وهو الفريق من الكافرين بعد أن أعيد عليه ضمير المفرد في قوله: {هو خالد}. والأمعاء: جمع مِعًى مقصوراً وبفتح الميم وكسرها، وهو ما ينتقل الطعام إليه بعد نزوله من المعدة. ويسمى عَفِج بوَزن كَتِف.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {مَّثَلُ ٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِي وُعِدَ ٱلْمُتَّقُونَ فِيهَآ أَنْهَارٌ مِّن مَّآءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِّن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِين}. الآية. أنهار الماء، وأنهار الخمر التي ذكرها الله في هذه الآية بين بعض صفاتها، في آيات أخرى كقوله تعالى:{أية : تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ}تفسير : [البقرة: 25-266] في آيات كثيرة، وقوله {أية : وَمَآءٍ مَّسْكُوبٍ}تفسير : [الواقعة: 31]. وقوله:{أية : إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِي ظِلاَلٍ وَعُيُونٍ}تفسير : [المرسلات:41] وقوله{أية : فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ}تفسير : [الغاشية: 12]، وقد بين تعالى من صفات خمر الجنة أنها لا تسكر شاربها، ولا تسبب له الصداع الذي هو وجع الرأس في آيات من كتابه كقوله تعالى:{أية : لاَّ يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلاَ يُنزِفُونَ}تفسير : [الواقعة: 19]، وقوله {أية : لاَ فِيهَا غَوْلٌ وَلاَ هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ}تفسير : [الصافات: 47]. وقد قدمنا معنى هذه الآيات بإيضاح في سورة المائدة في الكلام على قوله تعالى {أية : إِنَّمَا ٱلْخَمْرُ وَٱلْمَيْسِرُ وَٱلأَنصَابُ وَٱلأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ ٱلشَّيْطَانِ فَٱجْتَنِبُوهُ}تفسير : [المائدة: 90] الآية. وقوله تعالى في الآية الكريمة {غَيْرِ آسِنٍ} أي غير متغير اللون ولا الطعم. والآسن والآجن معناهما واحد، ومنه قول ذي الرمة: شعر : ومنهل آجن قفر محاضره تذروا الرياح على جماته البعرا تفسير : وقول الراجز: شعر : ومنهل فيه الغراب ميت كأنه من الأجون زيت سقيت منها القوم واستقيت تفسير : وبما ذكرنا تعلم أن قوله: غير آسن كقوله: من لبن لم يتغير طعمه. قوله تعالى: {وَلَهُمْ فِيهَا مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَاتِ}. قد بين تعالى في سورة البقرة أن الثمار التي يرزقها أهل الجنة يشبه بعضها بعضاً في الجودة والحسن والكمال، ليس فيها شيء رديء، وذلك في قوله تعالى:{أية : كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقاً قَالُواْ هَـٰذَا ٱلَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَابِهاً}تفسير : [البقرة: 25]. قوله تعالى: {وَسُقُواْ مَآءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعَآءَهُم}. قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الحج، في الكلام على قوله تعالى:{أية : يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ ٱلْحَمِيمُ يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ}تفسير : [الحج: 19-20] الآية.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 15- صفة الجنة التى وعد الله بها المتقين: فيها أنهار من ماء غير متغير، وأنهار من لبن لم يفسد طعمه، وأنهار من خمر لذة للشاربين، وأنهار من عسل مصفى مما يخالطه. ولهم فيها أنواع من كل الثمرات، ومغفرة عظيمة من ربهم. أصفة جنة هؤلاء كصفة جزاء من هو في النار، وسقوا ماء مفرطاً في الحرارة فقطع أمعائهم. 16- ومن الكفار فريق يستمعون إليك - يا محمد - غير مؤمنين بك، ولا منتفعين بقولك، حتى إذا انصرفوا من مجلسك، قالوا استهزاء للذين أوتوا العلم: أَىَّ قول قال محمد الآن؟ أولئك الذين طبع الله على قلوبهم بالكفر، فانصرفوا عن الخير منقادين لشهواتهم. 17- والذين اهتدوا إلى طريق الحق زادهم الله هدى، وأعطاهم تقواهم التى يتقون بها النار. 18- لم يتعظ المكذبون بأحوال السابقين. فهل ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم فجأة؟ فقد ظهرت علاماتها ولم يعتبروا بمجيئها، فمن أين لهم التذكر إذا جاءتهم الساعة بغتة؟! 19- فاثبت على العلم بأنه لا معبود بحق إلا الله، واستغفر الله لذنبك ولذنوب المؤمنين والمؤمنات، والله يعلم كل منصرف لكم وكل إقامة.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: مثل الجنة التي وعد المتقون: أي صفة الجنة دار السلام التي وعد الله بها عباده المتقين له. من ماء غير آسن: أي غير متغيّر الريح والطعم لطول مكثه. وأنهار من عسل مصفى: أي من الشمع وفضلات النحل. وسقوا ماء حميما: أي حاراً شديد الحرارة. فقطع أمعاءهم: أي مصارينهم فخرجت من أدبارهم. معنى الآيات: قوله تعالى {مَّثَلُ ٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِي وُعِدَ ٱلْمُتَّقُونَ} هذه الآية الكريمة تضمنت شرحا وافيا لآنهار الجنة، وشراب أهل النار، كما اشتملت على مقارنة بين حال أهل الإِيمان والتقوى وما وعدوا به من مغفرة ذنوبهم وإدخالهم الجنة، وبين حال أهل النار وهم خالدون فيها وما وعدوا فيها من ألوان العذاب الشديد فقوله تعالى {مَّثَلُ ٱلْجَنَّةِ} أي صفتها الممثلة لها الشارحة لحالها التي وُعد المتقون أي التي وعد الله تعالى بها عباده المتقين له وهم أولياؤه الذين عبدوه ووحدوه فأطاعوه في الأمر والنهي فاتقوا بذلك الشرك والمعاصي. فيها أنهار من ماء غير آسن أي غير متغير الطعم ولا الريح بطول المكث وأنهار من لبن لم يتغير طعمه أي بحموضة ولم يصر قارصا ولذلك لم يتغير ريحه أيضا وأنهار من خمرة لذة للشاربين أي وفيها أنهار من خمر هي لذة لمن يشربها وسبب لذاذتها أنها غير كدرة ولا مسكرة ولا ريح غير طيبة لها، وأنهار من عسل مصفى أي وفيها أنهار من عسل مصفى أي من الشمع وفضلات النحل وقوله ولهم فيها من كل الثمرات أي من سائر أنواع الثمار من فواكه وغيرها. ومع ذلك مغفرة من ربهم لسائر ذنوبهم فهل يستوى من هذه حالهم بحال من هو خالد في النار لا يخرج منها وسقوا ماء حميما حارا شديد الحرارة فلما سقوه وشربوه قطع أمعاءهم أي مصارينهم فخرجت من أدبارهم والعياذ بالله من النار وحال أهل النار اللهم أجرنا من النار اللهم أجرنا من النار اللهم أجرنا من النار. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- التقوى هي السبب المورث للجنة هكذا جعلها الله عز وجل، والتقوى هي بعد الإِيمان فعل المأمورات وترك المنهيات من سائر أنواع الشرك والمعاصي. 2- بيان بعض نعيم الجنة من الشراب والفواكه. 3- بيان بعض عذاب النار وهو الخلود فيها وشرب الحميم. 4- تقرير البعث والجزاء، وأن لا مماثلة بين أهل السعادة وأهل الشقاء.
القطان
تفسير : مثل الجنة: صفتها. آسِن: متغير الطعم والريح، والفعل: أسَن يأسِن مثل ضرب يضرب وأسَن يأسُن مثل نصر ينصر، وأسِن يأسَن مثل علم يعلم. لذة للشاربين: لذيذ للشاربين. مصفى: قد اخذ منه الشّمع. حميماً: شديد الحرارة. آنفا: قريبا. وآتاهم تقواهم: الهمهم تقواهم، وفقهم اليها. أشراطها: علاماتها. فأنّى لهم: فكيف لهم. ذكراهم: تذكرهم. متقلَّبكم: تصرفكم في اعمالكم. مثواكم: مأواكم ومصيركم في الآخرة. صفة الجنة التي وعد الله بها عباده المؤمنين انها: فيها انهار من ماء عذب لم يتغير طعمه، فالماء الراكد المتغيّر ضارٌّ لما فيه من الجراثيم، وأنهارٌ من لبن لم يفسد طعمه، وانهار من خمر لذيذة للشاربين، وانهار من عسلٍ صافٍ من كل كَدَر. وفيها من جميع انواع الثمرات. وفوق كل هذه النعم يأتي رضى الله عنهم {وَمَغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ}. فهل صفةُ هذه الجنة وما فيها من خيرات ونعم مثل صفة الذين خُلِّدوا في النار، {وَسُقُواْ مَآءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعَآءَهُمْ}؟؟. وبعد بيان حال المشركين وسوء مصيرهم، وصفَ حال المنافقين الذين كانوا يحضرون مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم لكنهم ساعة يخرجون من عنده يقولون للواعين من الصحابة: ماذا قال محمد ونحن في مجلسه؟ فإننا لم نفهم منه شيئا. وهذا كله سخرية واستهزاء. {أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ وَٱتَّبَعُوۤاْ أَهْوَآءَهُمْ} فهم مشغولون بالخبث وحطام الدنيا. اما الذين اهتدوا الى طريق الحق فقد زادهم الله هدى، وألهمهم تقواهم وصلاحَهم. ثم عنّف الله اولئك المكذّبين، وأكد انهم لم يتّعظوا بأحوال السابقين، وعليهم ان يتوبوا قبل ان تأتيهم الساعة بغتة وقد بدت علاماتها بمبعث محمد صلى الله عليه وسلم. ففي البخاري ومسلم عن سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : بُعثت انا والساعة كهاتين"تفسير : ، واشار بإصبعيه السبّابة والتي تليها. ولا ينفعهم شيء اذا جاءتهم الساعة كما قال تعالى: {أية : يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ ٱلإِنسَانُ وَأَنَّىٰ لَهُ ٱلذِّكْرَىٰ} تفسير : [الفجر: 23]. وبعد أن بيّن أن الذِكرى لا تنفع يوم القيامة أمرَ رسولَه الكريم بالثبات على ما هو عليه من وحدانية الله واصلاح نفسه بالاستغفار من ذنبه، والدعاء للمؤمنين والمؤمنات. {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ} هو العليم بتصرفكم في الدنيا، ومصيركم في الآخرة. قراءات: قرأ ابن كثير: أسِن بفتح الهمزة بغير مد وكسر السين. والباقون: آسن: بمد الهمزة. وقرأ ابن كثير: أنفا بهمزة بغير مد على وزن حذر. والباقون: آنفا بمد الهمزة على وزن فاعل.
د. أسعد حومد
تفسير : {أَنْهَارٌ} {آسِنٍ} {لِّلشَّارِبِينَ} {ٱلثَّمَرَاتِ} {خَالِدٌ} (15) - يَصِفُ اللهُ تَعَالى الجَنَّةَ التي وَعَدَ المُتَّقينَ بإدخَالِهم إليها، فَيَقُولُ تَعَالى: إنَّها جَنَّةٌ تَجري فيها أنْهَارٌ مِنْ مِيَاهٍ غَيرِ مَتَغَيِّرةِ الطَعْمِ واللَّوِنِ والرَّائِحَةِ، لطُولِ مُكْثِها وَرُكُودِها، وَفيها أنْهَارٌ مِنْ لَبنٍ لم يَتَغيّرْ طَعْمُهُ وَلَمْ يَفْسُدْ، وَفِيها أنْهارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذِيذَةِ الطَّعْمِ وَالمَذَاقِ لِشَارِبيها، لاَ تَغْتَالُ العُقُولَ، وَلا يُنْكِرُهَا الشَّارِبُون، وَفِيها أَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ قَدْ صُفِّي مِنَ الشَّمْعِ والفَضَلاتِ. ولِلْمُتَّقِينَ فِي الجَنَّةِ مِنْ جَميعِ الفَوَاكهِ المُخْتَلِفَةِ الأَنْواعِ والطُّعُومِ وَالمَذَاقِ والرَّائِحَةِ. وَلَهُمْ فَوْقَ ذلكَ مَغْفِرَةٌ مِنَ اللهِ تَعَالى، فَهُو يَتَقَّبَلُ مَا قَدَّمُوه مِنْ عَمَلٍ، وَيَتَجَاوَزُ عَنْ هَفَواتِهِمِ التِي اقْتَرَفُوهَا في الدُّنيا. فَهَلْ يَتَسَاوى هَؤُلاءِ المُتَّقُونَ النَّاعِمُونَ في رِضْوانِ اللهِ، وَجَنَّاتِهِ، مَعَ الأشقِياءِ الذِين أدْخَلَهُمُ اللهُ النَّارَ لِيَبْقَوا فِيها خَالِدِينَ أبَداً، جَزاءً لَهُمْ عَلَى كُفْرِهِم وتكْذِيبهِمُ رُسُلَ رَبِّهم، وَأعْمَالِهم السَّيِّئَةِ؟ إِنَّهُمْ لاَ يَتَسَاوَوْنَ أبَداً. وَإذَا طَلَبَ هَؤُلاءِ الأشْقِيَاءُ، وَهُمْ يُعَذَّبُونَ في نَارِ جَهَنَّمَ، الماءَ لِيُطْفِئُوا ظَمَأهُم فَإنَّهُم يُسْقَوْنَ مَاءً شَدِيدَ الحَرَارةِ إذا شَرِبُوهُ قَطَّعَ أمْعَاءَهُمْ. مَثَلُ الجَنَّةِ - وَصْفُها. غَيرِ أسِنٍ - غَيْرِ مُنْتِنٍ وَلا مُتَغَيِّرِ الطَّعْمِ. مَاءً حَميماً - بَالِغاً الغَايَةَ في الحَرَارَةِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : كلمة {مَّثَلُ ..} [محمد: 15] تقال بكسر الميم، حينما تُشبِّه مفرداً بمفرد. تقول: هذا مِثل هذا، وبالفتح حينما تُشبِّه صورة لها أجزاء بصورة أخرى لها أجزاء، لذلك هنا يقول تعالى: {مَّثَلُ ٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِي وُعِدَ ٱلْمُتَّقُونَ ..} [محمد: 15] يفتح الميم، لأنها تمثل جمعاً وصورة كلية لها عناصر وأجزاء متعددة. اقرأ قوله تعالى: {أية : مَّثَلَ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا ..}تفسير : [الكهف: 45] أي: بما فيها من الميلاد إلى الموت {أية : كَمَآءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ ٱلسَّمَاءِ فَٱخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ ٱلأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ ٱلرِّياحُ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِراً}تفسير : [الكهف: 45]. والمثل تشبيه تلحق فيه مجهولاً لك بمعلوم عندك، لذلك سيدنا رسول الله لما سُئِلَ عن أوصاف سيدنا موسى وسيدنا عيسى عليهما السلام شبَّههما بما هو معلوم للصحابة، فقال: أما موسى فرجل طوال كأنه من رجال أزد شنوءة، وهي معروفة عندهم، وأما عيسى فكثير خيلان الوجه - يعني في وجهه حسنات كثيرة - يقطر وجهه ماءً كأنما خرج من ديماس يعني: من حمام، وأشبهه من أصحابي عروة بن مسعود الثقفي، إذن: شبَّه المجهول بما هو معلوم. كذلك ضرب رسول الله لنا الأمثال ليوضح لنا أمور الدين، فقال في حديثه: "حديث : أنما مثَلي ومثلكم كمثل رجل أوقد ناراً فجعل الجنادب والفراش يقعن فيها وهو يذبُّهن عنها وأنا آخذ بحجزكم عن النار وأنتم تفلَّتون من يدي ". تفسير : وكلمة {ٱلْجَنَّةِ ..} [محمد: 15] في أصلها تعني الشيء المستور ومنها الجن، وجنَّ الليل، حتى جنة الدنيا تحمل هذا المعنى، لأنها قطعة الأرض المليئة بالأشجار متشابكة الأغصان بحيث تستر وتُخفي ما فيها، أو تجنّ صاحبها يعني تستره وتمنعه من الخروج منها حيث توفر له كلَّ متطلبات حياته. والحق سبحانه ضرب المثل بها: {أية : كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِن لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ ..}تفسير : [البقرة: 265]. وقال: {أية : وَٱضْرِبْ لهُمْ مَّثَلاً رَّجُلَيْنِ جَعَلْنَا لأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ...}تفسير : [الكهف: 32]. والفرق بين الجنتين أن جنة الدنيا من صُنع البشر ومباشرة الأسباب في الحرث والزرع، أما جنة الآخرة التي وعدها الله المتقين فهي قائمة بلا أسباب، قائمة بقدرة المسبِّب، لذلك حدث اختلاف في الجنة التي دخلها سيدنا آدم عليه السلام: أهي جنة الدنيا، أم جنة الآخرة؟ حينما نقرأ هذه القصة في كتاب الله نعلم أنها جنةُ الله جنة الآخرة، بدليل أنه لم يحرث فيها ولم يزرع، ولم يباشر أسباباً، إنما أكل مما أعده اللهُ له، وكان في أمان ذاتي مدة إقامته على طاعة أمر الله في الأكل. فلما أغواه الشيطان أنْ يأكل من الشجرة التي نهاه الله عنها حدث له تغيُّر في الوضع الطبيعي الذي كان فيه، ورأى من نفسه مسألة الإخراج التي لم يألفها من قبل، وتنبه إلى عورته وراح يسترها بورق الأشجار هو وزوجه. وكانت هذه المسألة عملية تدريب لآدم على احترام المنهج وعدم الخروج عليه، ونحن نفهم أيضاً كذلك أنه لا تظهر عورة في المجتمع المسلم إلا حين يحدث انحراف عن المنهج، وآدم عليه السلام لم يكُنْ رجلاً عادياً، إنما كان نبياً رسولاً، فأراد الحق سبحانه أنْ يعلمه الدرس بصورة عملية. وقوله تعالى: {وُعِدَ ٱلْمُتَّقُونَ ..} [محمد: 15] أي: وعدهم الله بها ووَعْد الله حَقٌّ نافذ، لأنه إله واحد ليس معه شريك يعارضه، ولا توجد قوة تحول بينه سبحانه وبين إنفاذ ما وعد، كما يحدث مثلاً في وعد البشر بعضهم لبعض، لأن البشر يطرأ عليهم التغيير ويلحق بهم الموت. أما الحق سبحانه فهو الدائم الباقي وهو الحق. والجنة وَعْد الله لا يعد بها غيره، يعد مَنْ؟ يعد بها المتقين، والمتقي هو الذي يسير وفق منهج الله، وأنْ يَجعل بينه وبين عذاب الله وقاية، ولا يكون ذلك إلا باتباع المنهج وعدم اتباع الشيطان والهوى. قال تعالى: {أية : ٱلشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ ٱلْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِٱلْفَحْشَآءِ وَٱللَّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلاً وَٱللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ}تفسير : [البقرة: 268]. ووعَدْ الله وعد الصدق ووعد الحق قال تعالى: {أية : وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ ٱللَّهِ قِيلاً}تفسير : [النساء: 122]. قوله تعالى: {مَّثَلُ ٱلْجَنَّةِ ..} [محمد: 15] يعني: أن هذا الوصف ليس وَصْفاً للجنة، لكن مثل يُقربها للأذهان، لأنه لو أراد أن يعطينا وصفاً للجنة على حقيقتها لن يصل إلى ذلك إلا من خلال الألفاظ التي تعبر عن المعاني. ومعلوم في اللغة أن المعنى يُوجد أولاً، ثم نضع له اللفظ الدال عليه، والنبي صلى الله عليه وسلم لما وصف لنا الجنة قال: "حديث : فيها ما لا عين رأتْ، ولا أذن سمعتْ، ولا خطر على قلب بشر ". تفسير : أولاً: تأمل في الحديث هذا الترقي في الحواس والإدراكات، فالعين ترى ما كان في مجال الرؤية، أما الأذن فتسمع ما تراه أنت وما يراه غيرك، وأوسع من هذا كله ما يخطر بالبال أو القلب. فإذا كنا لا نصل بإدراكاتنا إلى ما في الجنة، ولا حتى يخطر لنا على بال، فكيف نصفه؟ وكيف نضع له الألفاظ المعبِّرة عنه؟ إذن: هذا ليس وصفاً لحقيقة الجنة، إنما مجرد مثل يقربها من أفهامنا، لذلك قال تعالى عن الجنة: {أية : فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّآ أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ ..}تفسير : [السجدة: 17]. إذن: فيها أشياء لا نعرفها، فكيف نضع لها أسماء؟ لذلك نقربها بمثَل مما نعرفه في الدنيا. ففيها كما في الدنيا ماء ولبن وخمر وعسل، لكنه مُشذّب، ومُصفّى من كل ما يشوبه، فلا يشبه نعيم الدنيا إلا في الأسماء {فِيهَآ أَنْهَارٌ مِّن مَّآءٍ غَيْرِ ءَاسِنٍ ..} [محمد: 15]. فماء الدنيا يأسن ويعطن وتتغير رائحته، أما ماء الجنة فماء غير آسن، وبدأ بالماء لأنه الأصل في الارتواء من العطش، وبه ينضج الطعام، وبه تتم نظافة الإنسان، بل هو عنصر أساسي في خلق كل كائن حي، قال تعالى: {أية : وَجَعَلْنَا مِنَ ٱلْمَآءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ ..}تفسير : [الإنبياء: 30]. وإذا كنا نعرف أن مصدر الماء العذب في الدنيا هو البحار، وبعملية البخر وتكوّن السحب يُنقّى من الملوحة فيصير عذباً صالحاً، فماء الجنة لا نعرف مصدره. قال الله عنه {أية : مَآءً طَهُوراً ..}تفسير : [الفرقان: 48] لا تشوبه شائبة، ولا تلحق به مُلوِّثات تفسده، إذن: نعمة لا يُنغِّصها شيء ولا تشوبها شائبة، لأنك في الدنيا تعيش بأسبابك التي خلقها الله لك. ومنا مَنْ يعكر صفو هذه الأسباب، أما في الآخرة فأنت تعيش بالمسبِّب سبحانه مباشرة، أنت تستضيء في الدنيا بالشمس نهاراً، وبالقمر والنجوم ليلاً، أما في الآخرة فلا شمسَ ولا قمر ولا نجوم، إنما تعيش بنور الله {أية : وَأَشْرَقَتِ ٱلأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا ..}تفسير : [الزمر: 69] يعني: بلا أسباب. كذلك الماء تأخذه في الدنيا بالأسباب، وفي الجنة بلا أسباب، واقرأ قوله تعالى عن الماء في الدنيا: {أية : وَأَرْسَلْنَا ٱلرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ ..}تفسير : [الحجر: 22]. وقال عن ما ء الجنة: {أية : وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَاباً طَهُوراً}تفسير : [الإنسان: 21]. وفرْق في المعنى بين (أسقى) و(سقى): أسقى: أوجد الماء الذي نستقي منه إنْ أردنا السُّقْيا. فينزل الماء من السحاب فنحجزه وراء السدود حتى نحتاج إليه، لكن (سقى) باشر السُّقيا بالفعل. ومن العجيب في أنهار الجنة أنها ليس لها شُطآن، وأنها متداخلة دون أنْ يختلط بعضُها ببعض، ولا تسأل هنا عن كيفية ذلك، لأن هذا النعيم لا يقوم بالأسباب التي نعرفها، بل بالمسبِّب سبحانه، فلا يحكم عليها حكمك على مثلها في الدنيا. وقوله: {فِيهَآ ..} [محمد: 15] أي: أنها ظرف لهذه الأنهار. {وَأَنْهَارٌ مِّن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ ..} [محمد: 15] ولبن الدنيا يتغير طعمه بمرور الوقت ويفسد {وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ ..} [محمد: 15] نعم أنهار من خمر مُعدَّة وجاهزة، ليس هناك عنب يُعصر، إنما بكُنْ فيكون. وإذا كانت خمر الدنيا مُحرَّمة، وتذهب بالعقل ولها رائحة كريهة، فخمر الآخرة لها لذة عند شربها ولا تذهب بالعقل، فليس لها من خمر الدنيا إلا اسمها. وليس في الدنيا أنهار من خمر لأن خمر الدنيا بالأسباب، فهو كميات قليلة بمقدار ما يُعصر من العنب أو غيره، والحق سبحانه لما تكلم عن خمر الدنيا قال: {أية : يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَٰفِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا ..}تفسير : [البقرة: 219]. فالمنافع لا قيمة لها إذا ما قورنت بالمضار والحرمة، صحيح هي تُشعرك بشيء من النشوة أو السعادة، وتضحك وتفرح وتنسي همومك، لكنها بعد ذلك تغتال عقلك وتسلبك وقارك. فإذا أضفتَ إلى ذلك أنها محرمة، وأنها من أكبر الكبائر بان لك ضررها. صحيح فيها ربح لمَنْ يتاجر فيها، لكنه ربح حرام، لذلك جعل الله خمر الدنيا قليلة، أما خمر الآخرة فأنهارٌ لأنها في الآخرة لذة للشاربين. {أية : لاَ فِيهَا غَوْلٌ وَلاَ هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ}تفسير : [الصافات: 47] يعني: لا تغتال العقل، ولا ينتج عن شُرْبها أضرار، والنزف هو إخراج شيء من شيء كمن يقيئ مثلاً بعد شربها، أو يصيبه دوار أو صداع. {وَأَنْهَارٌ مِّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى ..} [محمد: 15] إذن: ذكر الماء أولاً لأهميته بالدرجة الأولى ثم اللبن، لأنه يُحمل محمل الماء حتى يوجد الماء، وهو عنصر أساسي في الغذاء، ثم ذكر الخمر، لأن الإنسان بعد أنْ يأكل ويشرب يحتاج في كمال السعادة كأساً من هذه الخمر. أما العسل فيأتي في آخر هذه القائمة لأن الله تعالى قال فيه: {أية : فِيهِ شِفَآءٌ لِلنَّاسِ ..}تفسير : [النحل: 69] إذن: الميزة التي تُميّز العسل ليست في طعمه وحلاوته، بل في كونه شفاء، والجنة لا مرض فيها. إذن: يشرب في الجنة للذته وجمال طعمه. ومعنى: {مُّصَفًّى ..} [محمد: 15] ليفرِّق بينه وبين عسل الدنيا الذي لا يخلو من شوائب، لأن الإنسان يجمعه من الجبال، فهي أول مسارح النحل {أية : وَأَوْحَىٰ رَبُّكَ إِلَىٰ ٱلنَّحْلِ أَنِ ٱتَّخِذِي مِنَ ٱلْجِبَالِ بُيُوتاً وَمِنَ ٱلشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ}تفسير : [النحل: 68]. والعالم الأمريكي الباحث في حياة النحل وجد أن نحل الجبال هو أقدم أنواع النحل، وما دام من الجبال فلا يخلو من شوائب، أما عسل الجنة فمصفَّى بقدرة الذي أعدَّه سبحانه. ثم يقول سبحانه: {وَلَهُمْ فِيهَا مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَاتِ ..} [محمد: 15] بعد أنْ ذكر الحق سبحانه ما في الجنة من السوائل يذكر ما فيها من الثمرات دون أنْ يسميها لأننا لا نعرفها. لذلك قال في آية آخرى: {أية : وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَٰبِهاً ..}تفسير : [البقرة: 25] يعني: ثمار متشابهة، لكن مختلفة المذاق، حتى لما أعطانا مثالاً بالعنب والعموميات، فهي في الجنة غير الذي نعرفه في الدنيا. وإذا كانت الثمار عندنا لها بيئات تجود فيها ولها مواسم، فثمار الجنة موجودة في كلِّ الأوقات، فالبيئات في الدنيا من الأسباب، أما الآخرة فبالمسبِّب سبحانه. وقوله تعالى: {وَمَغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ ..} [محمد: 15] بعد أنْ أعطانا ربنا سبحانه لذة المادة والقالب في الجنة يعطينا لذة أعلى هي لذة نَيْل للمغفرة من الله كرماً وتفضلاً، لأنهم ما دخلوا الجنة إلا بالمغفرة، لكن قد يذكر أحدهم ذنبه فيقول له: أنت مغفور لك. وقد ورد في الحديث القدسي أنه بعد أنْ يدخل أهل الجنة الجنة يسألهم ربُّ العزة سبحانه: حديث : أرضيتم يا عبادي؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى يا رب، وقد أعطينا كذا وكذا فيقول: الآن أُحِلُّ عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبداً . تفسير : ثم يضعنا الحق سبحانه أمام هذه المقارنة بين أهل الجنة وأهل النار، فيقول: {كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي ٱلنَّارِ وَسُقُواْ مَآءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعَآءَهُمْ} [محمد: 15] يعني: أيهما أفضل، واحكم أنت وسنرتضي حكمك. هذه هي الجنة أو مثل لها: أتستوي مع مقابلها وهو الخالد في النار؟ {وَسُقُواْ مَآءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعَآءَهُمْ} [محمد: 15] فكما ذكر الماء أولاً في الجنة ذكره أيضاً أولاً في النار والعياذ بالله. وكلمة {وَسُقُواْ ..} [محمد: 15] ولم يقُلْ شربوا لأن الشرب طواعية واختيار، إنما {وَسُقُواْ ..} [محمد: 15] يعني: رغماً عنهم ودون إرادتهم، مثل ما تعطي الولد الصغير الدواء فتسقيه له على كُرْه منه. {مَآءً حَمِيماً ..} [محمد: 15] الماء معروف أنه يُشرب للارتواء ويُشرب بارداً، أما ماء جهنم والعياذ بالله فهو حميم يعني: تناهتْ حرارته، فكيف بهم وهم في النار ويريدون أنْ يُبردوا حرارة أجوافهم فيسقْون الحميم الذي يزيدهم حرارة فوق حرارة النار. لذلك قال تعالى في آية أخرى: {أية : وَإِن يَسْتَغِيثُواْ يُغَاثُواْ بِمَآءٍ كَٱلْمُهْلِ يَشْوِي ٱلْوجُوهَ ..}تفسير : [الكهف: 29]. ثم يبين أثر هذا الماء الحميم {فَقَطَّعَ أَمْعَآءَهُمْ} [محمد: 15] وليتها قطعتْ وانتهت المسألة، إنما هم في عذاب مقيم دائم لا يُفتَّر عنهم. {أية : كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَٰهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ ٱلْعَذَابَ ..}تفسير : [النساء: 56] والأمعاء جمع معى بكسر الميم، وقد ورد في الحديث الشريف قول سيدنا رسول الله: "حديث : المؤمن يأكل في مِعىً واحد، والكافر يأكل في سبعة أمعاء"تفسير : يعني: المؤمن يأكل على قدر حاجته أو في أكله وفي طعامه بركة، أما الكافر فيأكل حتى تمتلىء بطنه.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {مِّن مَّآءٍ غَيْرِ آسِنٍ} معناه غيرُ مُتغيرٍ ولا مُنتنٍ.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : أي: مثل الجنة التي أعدها الله لعباده، الذين اتقوا سخطه، واتبعوا رضوانه، أي: نعتها وصفتها الجميلة. { فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ } أي: غير متغير، لا بوخم ولا بريح منتنة، ولا بمرارة، ولا بكدورة، بل هو أعذب المياه وأصفاها، وأطيبها ريحا، وألذها شربا. { وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ } بحموضة ولا غيرها، { وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ } أي: يلتذ به شاربه لذة عظيمة، لا كخمر الدنيا الذي يكره مذاقه ويصدع الرأس، ويغول العقل. { وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى } من شمعه، وسائر أوساخه. { وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ } من نخيل، وعنب، وتفاح، ورمان، وأترج، وتين، وغير ذلك مما لا نظير له في الدنيا، فهذا المحبوب المطلوب قد حصل لهم. ثم قال: { وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ } يزول بها عنهم المرهوب، فأي هؤلاء خير أم من هو خالد في النار التي اشتد حرها، وتضاعف عذابها، { وَسُقُوا } فيها { مَاءً حَمِيمًا } أي: حارا جدا، { فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ } فسبحان من فاوت بين الدارين والجزاءين، والعاملين والعملين.
همام الصنعاني
تفسير : 2879- حدثنا عبد الرزاق قال: أنبأنا معمر عن قتادة في قوله: {مِّن مَّآءٍ غَيْرِ ءَاسِنٍ}: [الآية: 15]، قال: غير منتِن.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):