٤٧ - مُحَمَّد
47 - Muhammad (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
17
Tafseer
الرازي
تفسير : لما بيّن الله تعالى أن المنافق يستمع ولا ينتفع، ويستعيد ولا يستفيد، بين أن حال المؤمن المهتدي بخلافه، فإنه يستمع فيفهم، ويعمل بما يعلم، والمنافق يستعيد، والمهتدي يفسر ويعيد، وفيه فائدتان إحداهما: ما ذكرنا من بيان التباين بين الفريقين وثانيهما: قطع عذر المنافق وإيضاح كونه مذموم الطريقة، فإنه لو قال ما فهمته لغموضه وكونه معمى، يرد عليه ويقول ليس كذلك، فإن المهتدي فهم واستنبط لوازمه وتوابعه، فذلك لعماء القلوب، لا لخفاء المطلوب وفيه مسائل: المسألة الأولى: ما الفاعل للزيادة في قوله {زَادَهُمْ }؟ نقول فيه وجوه الأول: المسموع من النبي عليه الصلاة والسلام من كلام الله وكلام الرسول يدل عليه قوله {أية : وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ } تفسير : [محمد: 16] فإنه يدل على مسموع، والمقصود بيان التباين بين الفريقين، فكأنه قال: هم لم يفهموه، وهؤلاء فهموه والثاني: أن الله تعالى زادهم ويدل عليه قوله تعالى: {أية : أُولَـئِكَ ٱلَّذِينَ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ } تفسير : [محمد: 16] وكأنه تعالى طبع على قلوبهم فزادهم عمى، والمهتدين زاده هدىً والثالث: استهزاء المنافق زاد المهتدي هدى، ووجهه أنه تعالى لما قال: {وَٱتَّبَعُواْ أَهْوَاءهُمْ } قال: {وَٱلَّذِينَ ٱهْتَدَوْاْ زَادَهُمْ } اتباعهم الهدى هدى، فإنهم استقبحوا فعلهم فاجتنبوه. المسألة الثانية: ما معنى قوله {وآتاهم تقواهم }؟ نقول فيه وجوه منقولة ومستنبطة، أما المنقولة فنقول: قيل فيه إن المراد آتاهم ثواب تقواهم، وقيل آتاهم نفس تقواهم من غير إضمار، يعني بيّن لهم التقوى، وقيل آتاهم توفيق العمل بما علموا. وأما المستنبط فنقول: يحتمل أن يكون المراد به بيان حال المستمعين للقرآن الفاهمين لمعانيه المفسرين له بياناً لغاية الخلاف بين المنافق، فإنه استمع ولم يفهمه، وستعاد ولم يعلمه، والمهتدي فإنه علمه وبينه لغيره، ويدل عليه قوله تعالى: {زَادَهُمْ هُدىً } ولم يقل اهتداء، والهدى مصدر من هدى، قال الله تعالى: {أية : فَبِهُدَاهُمُ ٱقْتَدِهْ } تفسير : [الأنعام: 90] أي خذ بما هدوا واهتد كما هدوا، وعلى هذا فقوله تعالى: {وآتاهم تقواهم } معناه جنبهم عن القول في القرآن بغير برهان، وحملهم على الاتقاء من التفسير بالرأي، وعلى هذا فقوله {زَادَهُمْ هُدىً } معناه كانوا مهتدين فزادهم على الاهتداء هدى حتى ارتقوا من درجة المهتدين إلى درجة الهادين ويحتمل أن يقال قوله {زَادَهُمْ هُدىً } إشارة إلى العلم {وآتاهم تقواهم } إشارة إلى الأخذ بالاحتياط فيما لم يعلموه، وهو مستنبط من قوله تعالى: {أية : فَبَشّرْ عِبَادِ * ٱلَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ ٱلْقَوْلَ فَيَـتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ } تفسير : [الزمر: 17، 18] وقوله {أية : وَٱلرسِخُونَ فِي ٱلْعِلْمِ يَقُولُونَ ءامَنَّا بِهِ } تفسير : [آل عمران: 7]. المعنى الثالث: يحتمل أن يكون المراد بيان أن المخلص على خطر فهو أخشى من غيره، وتحقيقه هو أنه لما قال: {زَادَهُمْ هُدىً } أفاد أنهم ازداد علمهم، وقال تعالى: {أية : إِنَّمَا يَخْشَى ٱللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ٱلْعُلَمَاء } تفسير : [فاطر: 28] فقال آتاهم خشيتهم التي يفيدها العلم. والمعنى الرابع: تقواهم من يوم القيامة كما قال تعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمْ وَٱخْشَوْاْ يَوْماً لاَّ يَجْزِى وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ } تفسير : [لقمان: 33] ويدل عليه قوله تعالى: {أية : فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ ٱلسَّاعَةَ أَن تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً } تفسير : [محمد: 18] كأن ذكر الساعة عقيب التقوى يدل عليه. المعنى الخامس: آتاهم تقواهم، التقوى التي تليق بالمؤمن، وهي التقوى التي لا يخاف معها لومة لائم. ثم قال تعالى: {أية : ٱلَّذِينَ يُبَلّغُونَ رِسَالـٰتِ ٱللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلاَ يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلاَّ ٱللَّهَ } تفسير : [الأحزاب: 39] وكذلك قوله تعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِىّ ٱتَّقِ ٱللَّهَ وَلاَ تُطِعِ ٱلْكَـٰفِرِينَ وَٱلْمُنَـٰفِقِينَ } تفسير : [الأحزاب: 1] وهذا الوجه مناسب لأن الآية لبيان تباين الفريقين، وهذا يحقق ذلك، من حيث إن المنافق كان يخشى الناس وهم الفريقان، المؤمنون والكافرون فكان يتردد بينهما ويرضي الفريقين ويسخط الله فقال الله تعالى المؤمن المهتدي بخلاف المنافق حيث علم ذاك ولم يعلم ذلك واتقى الله لا غير، واتقى ذلك غير الله.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَٱلَّذِينَ ٱهْتَدَوْاْ } وهم المؤمنون {زَادَهُمْ } الله {هُدًى وَءاتَٰهُمْ تَقُوَاهُمْ } ألهمهم ما يتقون به النار.
ابن عطية
تفسير : لما ذكر تعالى المنافقين بما هم أهله من قوله: {أية : أولئك الذين طبع الله على قلوبهم واتبعوا أهواءهم} تفسير : [محمد: 16] عقب ذلك بذكر المؤمنين ليبين الفرق، وشرفهم بإسناد فعل الاهتداء إليهم وهي إشارة إلى تكسبهم. وقوله تعالى: {زادهم هدى} يحتمل أن يكون الفاعل في {زادهم} الله تعالى، والزيادة في هذا المعنى تكون إما بزيادة التفهيم والأدلة، وإما بورود الشرائع والنواهي والأخبار فيزيد الاهتداء لتزيد علم ذلك كله والإيمان به وذلك بفضل الله تعالى، ويحتمل أن يكون الفاعل في: {زادهم} قول المنافقين واضطرابهم، لأن ذلك مما يتعجب المؤمن منه ويحمد الله على إيمانه، ويتزيد بصيرة في دينه، فكأنه قال: المهتدون والمؤمنون زادهم فعل هؤلاء المنافقين هدى، أي كانت الزيادة بسببه، فأسند الفعل إليه، وقالت فرقة: إن هذه الآية نزلت في قوم من النصارى، آمنوا بمحمد فالفاعل في: {زادهم} محمد عليه السلام كان سبب الزيادة فأسند الفعل إليه. وقوله على هذا القول: {اهتدوا} يريد في إيمانهم بعيسى عليه السلام ثم {زادهم} محمد {هدى} حين آمنوا به. والفاعل في {آتاهم} يتصرف بحسب التأويلات المذكورة، وأقواها أن الفاعل الله تعالى. {وآتاهم} معناه: أعطاهم، أي جعلهم متقين له، فالتقدير: تقواهم إياه. وقرأ الأعمش: "وأنطاهم تقواهم"، وهي بمعنى أعطاهم، ورواها محمد بن طلحة عن أبيه. وهي في مصحف عبد الله. وقوله تعالى: {فهل ينظرون} يريد المنافقين، والمعنى: {فهل ينظرون} أي هكذا هو الأمر في نفسه وإن كانوا هم في أنفسهم ينتظرون غير ذلك، فإن ما في أنفسهم غير مراعى، لأنه باطل. وقرأ جمهور الناس: "أن تأتيهم" فـ {أن} بدل من {الساعة}. وقوله تعالى على هذه القراءة. {فقد جاء أشراطها} إخبار مستأنف والفاء عاطفة جملة من الكلام على جملة. وقرأ أهل مكة فيما روى الرؤاسي "إن تأتهم" بكسر الألف وجزم الفعل على الشرط، والفاء في قوله: {فقد جاء أشراطها} جواب الشرط وليست بعاطفة على القراءة الأولى فثم نحو من معنى الشرط، و. {بغتة} معناه: فجأة، وروي عن أبي عمرو "بغَتّة" بفتح الغين وشد التاء. وقوله: {فقد جاء أشراطها} على القراءتين معناه: فينبغي أن يقع الاستعداد والخوف منها لمن جزم ونظر لنفسه. والذي جاء من أشراط الساعة محمد عليه السلام لأنه آخر الأنبياء، فقد بان من أمر الساعة قدر ما، وفي الحديث عنه عليه السلام أنه قال: "حديث : أنا من أشراط الساعة وقد بعثت أنا والساعة كهاتين وكفرسي رهان". تفسير : ويقال شرط وشرط: بسكون الراء وتخفيفها، وأشرط الرجل نفسه: ألزمها أموراً. وقال أوس بن حجر: [الطويل] شعر : فأشرط فيها نفسه وهو معصم وألقى باسباب له وتوكلا تفسير : وقوله تعالى: {فأنى لهم} الآية، يحتمل أن يكون المعنى: {فأنى لهم} الخلاص أو النجاة {إذ جاءتهم} الذكرى بما كانوا يخبرون به في الدنيا فيكذبون به وجاءهم العذاب مع ذلك. ويحتمل أن يكون المعنى: فأنى لهم ذكراهم وعملهم بحسبها إذا جاءتهم الساعة، وهذا تأويل قتادة، نظيره: {أية : وأنى لهم التناوش من مكان بعيد} تفسير : [سبإ: 52]. وقوله تعالى: {فاعلم أنه لا إله إلا الله} الآية إضراب عن أمر هؤلاء المنافقين وذكر الأهم، والمعنى: دم على علمك، وهذا هو القانون في كل أمر بشيء هو متلبس به، وهذا خطاب للنبي عليه السلام، وكل واحد من الأمة داخل معه فيه. واحتج بهذه الآية من قال من أهل السنة: إن العلم والنظر قبل القول، والإقرار في مسألة أول الواجبات. وبوب البخاري رحمه الله العلم قبل القول والعمل لقوله تعالى: {فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك} الآية، وواجب على كل مؤمن أن يستغفر للمؤمنين والمؤمنات، فإنها صدقة. وقال الطبري وغيره: {متقلبكم} تصرفكم في يقظتكم. {ومثواكم} منامكم. وقال ابن عباس: {متقلبكم} تصرفكم في حياتكم الدنيا. {ومثواكم} في قبوركم وفي آخرتكم.
ابن عبد السلام
تفسير : {زَادَهُمْ} الاستهزاء هدى، أو زادهم القرآن، أو الناسخ والمنسوخ {هُدىً} علماً، أو نصرة في الدين وتصديقاً للرسول صلى الله عليه وسلم، أو شرحاً لصدورهم، أو عملاً بما علموا مما سمعوا {تَقْوَاهُمْ} الخشية، أو ثواب التقوى، أو وفقهم للعمل بما فرض عليهم، أو بين لهم ما يتقون، أو ترك المنسوخ والعمل بالناسخ.
النسفي
تفسير : {وَٱلَّذِينَ ٱهْتَدَوْاْ } بالإيمان واستماع القرآن {زَادَهُمْ } الله {هُدًى } أي بصيرة وعلماً أو شرح صدورهم {وَءَاتَٰهُمْ تَقْوَٰهُمْ} أعانهم عليها أو آتاهم جزاء تقواهم أو بين لهم ما يتقون {فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ ٱلسَّاعَةَ } أي ينتظرون {أَن تَأْتِيهُم} أي إتيانها فهو بدل اشتمال من {ٱلسَّاعَةَ } {بَغْتَةً } فجأة {فَقَدْ جَآءَ أَشْرَاطُهَا } علاماتها وهو مبعث محمد صلى الله عليه وسلم وإنشقاق القمر والدخان. وقيل: قطع الأرحام وقلة الكرام وكثرة اللئام {فَأَنَّىٰ لَهُمْ إِذَا جَآءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ } قال الأخفش: التقدير فأنى لهم ذكراهم إذا جاءتهم {فَٱعْلَمْ أَنَّهُ } أن الشأن {لآ إِلَـٰهَ إِلاَّ ٱللَّهُ وَٱسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَـٰتِ } والمعنى فاثبت على ما أنت عليه من العلم بوحدانية الله وعلى التواضع وهضم النفس باستغفار ذنبك وذنوب من على دينك. وفي شرح التأويلات جاز أن يكون له ذنب فأمره بالاستغفار له ولكنا لا نعلمه، غير أن ذنب الأنبياء ترك الأفضل دون مباشرة القبيح، وذنوبنا مباشرة القبائح من الصغائر والكبائر. وقيل: الفاآت في هذه الآيات لعطف جملة على جملة بينهما اتصال {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ } في معايشكم ومتاجركم {وَمَثْوَاكُمْ } ويعلم حيث تستقرون من منازلكم أو متقلبكم في حياتكم ومثوا كم في القبور، أو متقلبكم في أعمالكم ومثوا كم في الجنة والنار، ومثله حقيق بأن يتقى ويخشى وأن يستغفره وسئل سفيان ابن عيينة عن فضل العلم فقال: ألم تسمع قوله {أية : فَٱعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلائَ ٱللَّهُ وَٱسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ }تفسير : فأمر بالعمل بعد العلم. {وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَوْلاَ نُزِّلَتْ سُورَةٌ } فيها ذكر الجهاد {فَإِذَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ } في معنى الجهاد {مُّحْكَمَةٌ } مبينة غير متشابهة لا تحتمل وجهاً إلا وجوب القتال. وعن قتادة: كل سورة فيها ذكر القتال فهي محكمة لأن النسخ لا يرد عليها من قبل أن القتال نسخ ما كان من الصفح والمهادنة وهو غير منسوخ إلى يوم القيامة {وَذُكِرَ فِيهَا ٱلْقِتَالُ } أي أمر فيها بالجهاد {رَأَيْتَ ٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ } نفاق أي رأيت المنافقين فيما بينهم يضجرون منها {يَنظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ ٱلْمَغْشِىِّ عَلَيْهِ مِنَ ٱلْمَوْتِ } أي تشخص أبصارهم جبناً وجزعاً كما ينظر من أصابته الغشية عند الموت {فَأَوْلَىٰ لَهُمْ } وعيد بمعنى فويل لهم وهو أفعل من الولى وهو القرب ومعناه الدعاء عليهم بأن يليهم المكروه {طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَّعْرُوفٌ } كلام مستأنف أي طاعة وقول معروف خير لهم {فَإِذَا عَزَمَ ٱلأَمْرُ } فإذا جد الأمر ولزمهم فرض القتال {فَلَوْ صَدَقُواْ ٱللَّهَ } في الإيمان والطاعة {لَكَانَ } الصدق {خَيْراً لَّهُمْ } من كراهة الجهاد. ثم التفت من الغيبة إلى الخطاب بضرب من التوبيخ والإرهاب فقال: {فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُواْ فِى ٱلأَرْضِ وَتُقَطِّعُواْ أَرْحَامَكُمْ } أي فلعلكم إن أعرضتم عن دين رسول الله صلى الله عليه وسلم وسنته أن ترجعوا إلى ما كنتم عليه في الجاهلية من الإفساد في الأرض بالتغاور والتناهب وقطع الأرحام بمقاتلة بعض الأقارب بعضاً ووأد البنات. وخبر عسى {أَن تُفْسِدُواْ } والشرط اعتراض بين الاسم والخبر والتقدير: فهل عسيتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم إن توليتم {أُوْلَـٰئِكَ } إشارة إلى المذكورين {ٱلَّذِينَ لَعَنَهُمُ ٱللَّهُ } أبعدهم عن رحمته {فَأَصَمَّهُمْ } عن استماع الموعظة {وَأَعْمَىٰ أَبْصَـٰرَهُمْ } عن إبصارهم طريق الهدى. {أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْءَانَ } فيعرفوا ما فيه من المواعظ والزواجر ووعيد العصاة حتى لا يجسروا على المعاصي. و «أم» في {أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا } بمعنى بل وهمزة التقرير للتسجيل عليهم بأن قلوبهم مقفلة لا يتوصل إليها ذكره. ونكرت القلوب لأن المراد على قلوب قاسية مبهم أمرها في ذلك، والمراد بعض القلوب وهي قلوب المنافقين، وأضيفت الأقفال إلى القلوب لأن المراد الأقفال المختصة بها وهي أقفال الكفر التي استغلقت فلا تنفتح نحو الرين والختم والطبع. {إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱرْتَدُّواْ عَلَىٰ أَدْبَـٰرِهِمْ مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ ٱلْهُدَى } أي المنافقون رجعوا إلى الكفر سراً بعد وضوح الحق لهم {ٱلشَّيْطَـٰنُ سَوَّلَ } زين {لَهُمْ } جملة من مبتدأ وخبر وقعت خبراً لـ «إن» نحو: إن زيداً عمرو مر به {وَأَمْلَىٰ لَهُمْ } ومدّ لهم في الآمال والأماني {وَأُمْلِىَ} أبو عمرو أي امهلوا ومد في عمرهم {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لِلَّذِينَ كَرِهُواْ مَا نَزَّلَ ٱللَّهُ } أي المنافقون قالوا لليهود {سَنُطِيعُكُمْ فِى بَعْضِ ٱلأَمْرِ } أي عدواة محمد والقعود عن نصرته {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ } على المصدر من أسر: حمزة وعلي وحفص. {أسْرَارَهُمْ } غيرهم جمع سر {فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ ٱلْمَلَـٰئِكَةُ } أي فكيف يعملون وما حيلتهم حينئذ {يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَـٰرَهُمْ } عن ابن عباس رضي الله عنهما: لا يتوفى أحد على معصية إلا يضرب من الملائكة في وجهه ودبره {ذٰلِكَ } إشارة إلى التوفي الموصوف {بِأَنَّهُمْ } بسبب أنهم {ٱتَّبَعُواْ مَا أَسْخَطَ ٱللَّهَ } من معاونة الكافرين {وَكَرِهُواْ رِضْوَانَهُ } من نصرة المؤمنين {فَأَحْبَطَ أَعْمَـٰلَهُمْ أَمْ حَسِبَ ٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ أَن لَّن يُخْرِجَ ٱللَّهُ أَضْغَـٰنَهُمْ } أحقادهم. والمعنى أظن المنافقون أن الله تعالى لا يبرز بغضهم وعداوتهم للمؤمنين {وَلَوْ نَشَآءُ لأَرَيْنَـٰكَهُمْ } لعرّفناكهم ودللناك عليهم {فَلَعَرَفْتَهُم بِسِيمَـٰهُمْ } بعلامتهم وهو أن يسمهم الله بعلامة يعلمون بها وعن أنس رضي الله عنه: ما خفي على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هذه الآية أحد من المنافقين كان يعرفهم بسيماهم {وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِى لَحْنِ ٱلْقَوْلِ } في نحوه وأسلوبه الحسن من فحوى كلامهم لأنهم كانوا لا يقدرون على كتمان ما في أنفسهم. واللام في {فَلَعَرَفْتَهُم } داخلة في جواب «لو» كالتي في {لأرَيْنَـٰكَهُمْ } كررت في المعطوف، وأما اللام في {وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ } فواقعة مع النون في جواب قسم محذوف {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَـٰلَكُمْ } فيميز خيرها من شرها. {وَلَنَبْلُوَنَّكُم } بالقتال إعلاماً لا استعلاماً أو نعاملكم معاملة المختبر ليكون أبلغ في إظهار العدل {حَتَّىٰ نَعْلَمَ ٱلْمُجَـٰهِدِينَ مِنكُمْ وَٱلصَّـٰبِرِينَ } على الجهاد أي نعلم كائناً ما علمناه أنه سيكون {وَنَبْلُوَ أَخْبَـٰرَكُمْ } أسراركم وليبلونكم حتى يعلم. {ويبلو} أبو بكر وعن الفضيل أنه كان إذا قرأها بكى وقال: اللهم لا تبلنا فإنك إن بلوتنا فضحتنا وهتكت أستارنا وعذبتنا {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَشَآقُّواْ ٱلرَّسُولَ} وعادوه يعني المطعمين يوم بدر وقد مر {مّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ ٱلْهُدَى } من بعد ما ظهر لهم أنه الحق وعرفوا الرسول {لَن يَضُرُّواْ ٱللَّهَ شَيْئاً وَسَيُحْبِطُ أَعْمَـٰلَهُمْ } التي عملوها في مشاقة الرسول أي سيبطلها فلا يصلون منها إلى أغراضهم.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ ٱهْتَدَوْاْ زَادَهُمْ هُدًى} [الآية: 17]. قال ابن عطاء: الذين تحققوا فى طلب الهداية أوصلناهم إلى مقام الهداية وزدناهم هدى بالوصول إلى الهادى.
القشيري
تفسير : {ٱهْتَدَوْاْ}: بأنواع المجاهدات، "فزادهم هدًى": بأنوار المشاهدات. {ٱهْتَدَوْاْ}: بتأمل البرهان، "فزادهم هدى" بَرْوح البيان. {ٱهْتَدَوْاْ}: بعلم اليقين، "فزادهم هدًى": بحقِّ اليقين. {ٱهْتَدَوْاْ}: بآداب المناجاة، "فزادهم هدًى": بالنجاة ورَفْعِ الدرجات. {ٱهْتَدَوْاْ}: إلى ما فيه من الحقِّ ولم يختلفوا في أنه الحق، "فزادهم هدًى" بالاستقامة على طرق الحق.
البقلي
تفسير : اى الذين اهتدوا بنور الله سبل الوصول الى المشاهدة الله وطلبوا عرفان بنية صادقة وقلوب شائقة رساخة وعقول صافية واسرار طاهرة زادهم الله هدى بانه يعرّفهم طرق معارف صفاته وشهودهم ومشاهد جلال ذاته وأناهم وقاية منه بحيث جعلهم متصفين بصفاته ثم معصمهم بها عن حجب الكدورات ونكايات الخطرات قال ابن عطا الذين تحققوا فى طلب الهداية اوصلناهم الى مقام الهداية وزدناهم هدى بالوصول الهادى.
اسماعيل حقي
تفسير : {والذين اهتدوا} الى طريق الحق وهم المؤمنون {زادهم} اى الله تعالى {هدى} بالتوفيق والالهام {وآتاهم تقواهم} اى خلق التقوى فيهم او بين لهم ما يتقون منه قال ابن عطاء قدس سره الذين تحققوا فى طلب الهداية اوصلناهم الى مقام الهداية وزدناهم هدى بالوصول الى الهادى
فرات الكوفي
تفسير : قال: حدثني جعفر بن محمد الفزاري قال: حدثنا محمد [بن. أ، ب] الحسين بن علي بن [محمد بن. أ، ر] الفضيل!: عن خيثمة الجعفي قال: دخلت على أبي جعفر عليه السلام فقال لي: يا خيثمة إن شيعتنا أهل البيت يقذف في قلوبهم الحب لنا أهل البيت ويلهمون حبنا أهل البيت، ألا أن الرجل يحبنا ويحتمل ما يأتيه من فضلنا ولم يرنا ولم يسمع كلامنا لما يريد الله به من الخير وهو قول الله: {والذين اهتدوا زادهم هدىً وآتاهم تقواهم} يعني من لقينا وسمع كلامنا زاده الله هدى على هداه [ر: هداية].
اطفيش
تفسير : {وَالَّذِينَ اهْتَدَواْ} وهم المؤمنون ينتفعون بما يسمعون* {زَادَهُمْ} الله أو كلام رسوله أو استهزاء المنافقين {هُدًى} بالتوفيق والالهام مع هدايتهم* {وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ} أي يبين لهم ما يتقون وأعانهم على اتقائه وقيل ما يتقون به النار وأعطاهم جزاء تقواهم وعليه سعيد بن جبير وعلى الاول السدي
اطفيش
تفسير : {والذين اهْتَدوا} بالاستماع والرعاية {زادهُم} متلوك {هُدًى} عظيما مفعول ثان، ومما غفلوا فيه أن يجعل الذين من باب الاشتغال بلا دليل ولا داع اليه {وآتاهم تقواهم} الماء مفعول ثان مقدم، وتقوى مفعول تأول مؤخر، لأنه الفاعل فى المعنى أى صير التقوى آتية بخلاف أعطاهم تقواهم، فان الهاء مفعول أول لأنه الفاعل فى المعنى، أى صيرهم عاطين التقوى أى آخذيها، والتقوى حذر الانسان مثلا مخالفة الله تعالى فى أمره ونهيه، وايتاءها خلقها فيه كسائر أفعال العباد، فانها مخلوقة لله تعالى، بأن خلق فيهم قدرة عليها مؤثرة فيها، وهذا التأثير مخلوق لله، وصدورها منه مخلوق لله تعالى، ولفاعل التقوى اختيار إذا لا إجبار. قال بعض الأشعرية: ايتاء التقوى خلقها فيها، وبعض الأشعرية ايتاء التقوى خلق القدرة عليها، والقولان أيضاً فى ايتاء الأفعال، استغلال العبد فى شىء، فان كل شىء مستأنف من الله تعالى، أو معنى ايتاء التقوى توفيقهم وإعانتهم، وأما مجرد البيان، فلا يختصر بالمؤمنين، أو يقدر مضاف أى جزاء تقواهم، أو تقواهم مجازا عن لازمها ومسببها، وهو الجزاء وايتاء التقوى مقابل لاتبعوا أهواءهُم، زيادة التقوى مقابل للطبع.
الالوسي
تفسير : {وَٱلَّذِينَ ٱهْتَدَوْاْ } إلى طريق الحق {زَادَهُمْ } أي الله عز وجل {هُدىً } بالتوفيق والإلهام. والموصول يحتمل الرفع على الابتداء والنصب بفعل محذوف يفسره المذكور و {هُدىً } مفعول ثان لأن زاد قد يتعدى لمفعولين، ويحتمل أن يكون تمييزاً والأول هو الظاهر. وتنوينه للتعظيم أي هدى عظيماً {وَءاتَـٰهُمْ تَقُوَاهُمْ } أي أعطاهم تقواهم إياه جل شأنه بأن خلقها فيهم بناءً على ما يقوله الأشاعرة في أفعال العباد أو بأن خلق فيهم قدرة عليها مؤثرة في فعلها بإذنه سبحانه على ما نسبه الكوراني إلى الأشعري، وسائر المحققين في أفعال العباد من أنها بقدرة خلقها الله تعالى فيهم مؤثرة بإذنه تعالى، وقول بعضهم: بأن جعلهم جل شأنه متقين له سبحانه يمكن تطبيقه على كل من القولين، وقال البيضاوي: أي بين لهم ما يتقون أو أعانهم على تقواهم أو أعطاهم جزاءها فالإيتاء عنده مجاز عن البيان أو الإعانة أو هو على حقيقته والتقوى مجاز عن جزائها لأنها سببه أو فيه مضاف مقدر وليس في شيء من ذلك ما يأباه مذهب أهل الحق، وذكر الزمخشري الثاني والثالث من ذلك، واختار الطيبـي الأول من هذين الاثنين وقال: هو أوفق لتأليف النظم الكريم لأن أغلب آيات هذه السورة الكريمة روعي فيها التقابل فقوبل {أية : أُولَـئِكَ ٱلَّذِينَ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ } تفسير : [محمد: 16] بقوله سبحانه: {وَٱلَّذِينَ ٱهْتَدَوْاْ زَادَهُمْ هُدىً} لأن الطبع يحصل من تزايد الرين وترادف ما يزيد في الكفر، وقوله تعالى: {أية : وَٱتَّبَعُواْ أَهْوَاءهُمْ } تفسير : [محمد: 16] بقوله جل وعلا: {وَءاتَـٰهُمْ تَقُوَاهُمْ} فيحمل على كمال التقوى وهو أن يتنزه العارف عما يشغل سره عن الحق ويتبتل إليه سبحانه بشراشره وهو التقوى الحقيقية المعنية بقوله تعالى: {أية : ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ } تفسير : [آل عمران: 102] فإن المزيد على مزيد الهدى مزيد لا مزيد عليه، وفي الترفع عن متابعة الهوى النزوع إلى المولى والعزوب عن شهوات الحياة الدنيا. ثم في إسناد إيتاء التقوى إليه تعالى وإسناد متابعة الهوى إليهم إيماء إلى معنى قوله تعالى حكاية: {أية : وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ } تفسير : [الشعراء: 80] وتلويح إلى أن متابعة الهوى مرض روحاني وملازمة التقوى دواء إلهي انتهى. وما ذكره من التقابل جار فيما ذكرناه أيضاً، وكذا يجري التقابل على تفسير إيتاء التقوى ببيان ما يتقون لإشعار الكلام عليه بأن ما هم فيه ليس من ارتكاب الهوى والتشهي بل هو أمر حق مبني على أساس قوي. وتفسير ذلك بإعطاء جزاء التقوى مروي عن سعيد بن جبير وذهب إليه الجبائي، والكلام عليه أفيد وأبعد عن التأكيد من غير حاجة إلى حمل التقوى على أعلى مراتبها، وأمر التقابل هين فإنه قد يقال: إن قوله تعالى: {ٱهْتَدَوْاْ } في مقابلة {ٱتَّبَعُواْ أَهْوَاءهُمْ } وقوله سبحانه: {زَادَهُمْ هُدىً } في مقابلة {طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ } فليتدبر. وقيل: فاعل {زَادَهُمْ } ضمير قوله صلى الله عليه وسلم المفهوم من قوله تعالى: {أية : وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ } تفسير : [محمد: 16] وقوله سبحانه: {أية : مَاذَا قَالَ ءانِفاً } تفسير : [محمد: 16] وكذا فاعل {ءاتَـٰهُمُ } أي أعانهم أو بين لهم، والإسناد مجازي، ولا يخفى أنه خلاف الظاهر، وأيضاً إذا كان قوله تعالى: {زَادَهُمْ هُدىً } في مقابلة قوله سبحانه: {طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ } فالأولى أن يتحد فاعله مع فاعله ويجري نحو ذلك على ما قاله الطيبـي لئلا يلزم التفكيك، وجوز أن يكون ضميراً عائداً على قول المنافقين فإن ذلك مما يعجب منه المؤمن فيحمد الله تعالى على إيمانه ويزيد بصيرة في دينه، وهو بعيد جداً بل لا يكاد يلتفت إليه. {فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ ٱلسَّاعَةَ } أي القيامة، وقوله تعالى: {أَن تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً } أي تباغتهم بغتة وهي المفاجأة بدل / اشتمال من (الساعة) أي لا يتذكرون بأحوال الأمم الخالية ولا بالأخبار بإتيان الساعة وما فيها من عظائم الأحوال فما ينتظرون للتذكر إلا إتيان الساعة نفسها. وقوله تعالى: {فَقَدْ جَاء أَشْرَاطُهَا } أي علاماتها وأماراتها كما في قوله أبـي الأسود الدؤلي:شعر : فإن كنتِ قد أزمعتِ بالصرمِ بيننا فقد جَعَلَت أشراط أوله تبدو تفسير : وهي جمع شرط بالتحريك. ((تعليل لمفاجأتها على معنى أنه لم يبق من الأمور الموجبة للتذكر أمر مترقب ينتظرونه سوى إتيان نفس الساعة إذ قد جاء أشراطها فلم يرفعوا لها رأساً ولم يعدوها من مبادىء إتيانها فيكون إتيانها بطريق المفاجأة لا محالة)) كذا في «إرشاد العقل السليم». وظاهر كلام «الكشاف» أنه تعليل للإتيان مطلقاً أي ما ينتظرون إلا إتيان الساعة لأنه قد جاء أشراطها وبعد مجيئها لا بد من وقوع الساعة، وتعليل المقيد دون قيده لا يخلو عن بعد، قيل: ويقربه هنا أن انتظارهم ليس إلا لإتيان الساعة وتقييده ببغتة ليس إلا لبيان الواقع، وقال بعض المحققين: هو تعليل لانتظار الساعة لأن ظهور أمارات الشيء سبب لانتظاره، وفي جعله تعليلاً للمفاجأة خفاء لأنها لا تناسب مجىء الأشراط إلا بتأويل. وأنت تعلم أن البدل هو المقصود فالانتظار لإتيان الساعة بغتة فالتعليل المذكور تعليل للمقيد دون قيده أيضاً فكان ما في «الإرشاد» متعين وإن كان فيه نوع تأويل. وقوله تعالى: {فَأَنَّىٰ لَهُمْ إِذَا جَاءتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ} على ما أفاده بعض الأجلة تعجيب من نفع الذكرى عند مجىء الساعة وإنكار لعدم تشمرهم لها ولانتظارهم إياها هزؤاً وجحوداً. وفي «الإرشاد» ((وقوله تعالى: {فَأَنَّىٰ لَهُمْ إِذَا جَاءتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ} حكم بخطئهم وفساد رأيهم في تأخير التذكر إلى إتيانها ببيان استحالة نفع التذكر حينئذٍ كقوله سبحانه: {أية : يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ ٱلإِنسَـٰنُ وَأَنَّىٰ لَهُ ٱلذّكْرَىٰ } تفسير : [الفجر: 23] أي فكيف لهم ذكراهم على أن {أَنَّىٰ} خبر مقدم و {ذِكْرَاهُمْ } مبتدأ و {إِذَا جَاءتْهُمُ } اعتراض وسط بينهما رمزاً إلى غاية سرعة مجيئها، وإطلاق المجىء عن قيد البغتة لما أن مدار استحالة نفع التذكر كونه عند مجيئها مطلقاً لا مقيداً بقيد البغتة))، وقيل: {أَنَّىٰ} خبر مقدم لمبتدأ محذوف أي فأنى لهم الخلاص إذا جاءتهم الذكرى بما يخبرون به فينكرونه منوطة بالعذاب ولا يخفى حاله. وقرأ أبو جعفر الرؤاسي عن أهل مكة {إِن تَأْتِهِم } على أنه شرط مستأنف جزاؤه {فَأَنَّىٰ لَهُمْ } الخ أي إن تأتهم الساعة بغتة إذ قد جاء أشراطها فأنى تنفعهم الذكرى وقت مجيئها. {وَإِنْ } هنا بمعنى إذا لأن إتيان الساعة متيقن، ولعل الإتيان بها للتعريض بهم وأنهم في ريب منها أو لأنها لعدم تعيين زمانها أشبهت المشكوك فيه وإذا جاءتهم باعتبار الواقع فلا تعارض بينهما كما يتوهم في النظرة الحمقاء. وفي «الكشف» {إِذَا } على هذه القراءة لمجرد الظرفية لئلا يلزم التمانع بين {إِذَا جَاءتْهُمُ } و {إِن تَأْتِهِم} وفي الإتيان بإن مع الجزم بالوقوع تقوية أمر التوبيخ والإنكار كما لا يخفى انتهى، وعلى ما ذكرنا لا يحتاج إلى جعل (إذا) لمجرد الظرفية. وقرأ الجعفي وهارون عن أبـي عمرو {بغتة } بفتح الغين وشد التاء، قال صاحب «اللوامح»: وهي صفة وانتصابها على الحال ولا نظير لها في المصادر ولا في الصفات بل في الأسماء نحو الجَرَبَّة وهي القطيع من حمر الوحش، وقد يسمى الأقوياء من الناس إذا كانوا جماعة متساوين جَرَبَّة، والشَرَبَّة وهي اسم موضع وكذا قال أبو العباس بن الحاج من أصحاب أبـي علي الشلوبين في كتابه «المصادر». وقال الزمخشري: وما أخوفني أن تكون غلطة من الراوي عن أبـي عمرو وأن يكون الصواب بغتة بفتح الغين من غير تشديد كقراءة الحسن فيما تقدم. وتعقبه أبو حيان بأن هذا على عادته في تغليط الرواة. والظاهر أن المراد بأشراط الساعة هنا علاماتها التي كانت واقعة / إذ ذاك وأخبروا أنها علامات لها كبعثة نبينا صلى الله عليه وسلم، فقد أخرج أحمد والبخاري ومسلم والترمذي عن أنس قال: «حديث : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثت أنا والساعة كهاتين وأشار بالسبابة والوسطى» تفسير : وأراد عليه الصلاة والسلام مزيد القرب بين مبعثه والساعة فإن السبابة تقرب من الوسطى طولاً فينا وهكذا فيه صلى الله عليه وسلم. وَزَعْمُ بعضهم أن أمر الطول والقصر في وسطاه وسبابته عليه الصلاة والسلام على عكس ما فينا خطأ لا يلتفت إليه إلا أن يكون أراد ذلك في أصابع رجليه الشريفة صلى الله عليه وسلم. «حديث : وأخرج أحمد عن بريدة رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول بعثت أنا والساعة جميعاً وإن كادت لتسبقني»تفسير : وهذا أبلغ في إفادة القرب. وعدوا منها انشقاق القمر الذي وقع له صلى الله عليه وسلم والدخان الذي وقع لأهل مكة وأما أشراطها مطلقاً فكثيرة ألفت فيها كتب مختصرة ومطولة وهي تنقسم إلى مضيقة لا تبقى الدنيا بعد وقوعها إلا أيسر يسير كخروج المهدي رضي الله تعالى عنه - على ما يقول أهل السنة دون ما يقوله الشيعة القائلون بالرجعة فإن الدنيا عندهم بعد ظهوره تبقى مدة معتداً بها - وكنزول عيسى عليه السلام وخروج الدجال وطلوع الشمس من مغربها وخروج الدابة وغير ذلك، وغير مضيقة وهي أكثر الأشراط ككون الحفاة الرعاة رؤوس الناس وتطاولهم في البنيان وفشو الغيبة وأكل الربا وشرب الخمر وتعظيم رب المال وقلة الكرام وكثرة اللئام وتباهي الناس في المساجد واتخاذها طرقاً وسوء الجوار وقطيعة الأرحام وقلة العلم وأن يوسد الأمر إلى غير أهله وأن يكون أسعد الناس بالدنيا لكع بن لكع إلى ما يطول ذكره. ومن وقف على الكتب المؤلفة في هذا الشأن واطلع على أحوال الأزمان رأى أن أكثر هذه العلامات قد برزت للعيان وامتلأت منها البلدان، ومع هذا كله أمر الساعة مجهول ورداء الخفاء عليه مسدول، وقصارى ما ينبغي أن يقال: إن ما بقي من عمر الدنيا أقل قليل بالنسبة إلى ما مضى، وفي بعض الآثار أنه عليه الصلاة والسلام خطب أصحابه بعد العصر حين كادت الشمس تغرب ولم يبق منها إلا أسف ـ أي شيء ـ فقال: «حديث : والذي نفس محمد بيده ما مثل ما مضى من الدنيا فيما بقي منها إلا مثل ما مضى من يومكم هذا فيما بقي منه وما بقي منه إلا اليسير»تفسير : ولا ينبغي أن يقال: إن الألف الثانية بعد الهجرة وهي الألف التي نحن فيها هي ألف مخضرمة أي نصفها من الدنيا ونصفها الآخر من الآخرة. وقال الجلال السيوطي في رسالة سماها «الكشف عن مجاوزة هذه الأمة الألف»: الذي دلت عليه الآثار أن مدة هذه الأمة تزيد على ألف سنة ولا تبلغ الزيادة عليها ألف سنة وبنى الأمر على ما ورد من أن مدة الدنيا سبعة آلاف سنة وأن النبـي صلى الله عليه وسلم بعث في آخر الألف السادسة وأن الدجال يخرج على رأس مائة وينزل عيسى عليه السلام فيقتله ثم يمكث في الأرض أربعين سنة وأن الناس يمكثون بعد طلوع الشمس من مغربها مائة وعشرين سنة وأن بين النفختين أربعين سنة، وذكر الأحاديث والأخبار في ذلك. وفي «بهجة الناظرين وآيات المستدلين» قد احتج كثير من العلماء على تعيين قرب زمانها بأحاديث لا تخلو عن نظر فمنهم من قال: بقي منها كذا، ومنهم من قال: يخرج الدجال على رأس كذا وتطلع الشمس على رأس كذا، وأفرد الحافظ السيوطي رسالة لذلك كله وقال: تقوم الساعة في نحو الألف والخمسمائة، وكل ذلك مردود وليس للمتكلمين في ذلك إلا ظن وحسبان لا يقوم عليه من الوحي برهان انتهى، ونقله السفاريني في «البحور الزاخرة في علوم الآخرة». وذكر السيوطي عدة أخبار في كون مدة الدنيا سبعة آلاف سنة، أولها ما أخرجه الحكيم الترمذي / في «نوادر الأصول» بسنده عن أبـي هريرة قال: «حديث : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما الشفاعة يوم القيامة لمن عمل الكبائر من أمتي ثم ماتوا عليها فهم في الباب الأول من جهنم» تفسير : وساق بقية الحديث، وفيه «حديث : وأطولهم مكثاً فيه من يمكث فيها مثل الدنيا منذ خلقت إلى يوم أفنيت وذلك سبعة آلاف سنة»تفسير : الحديث وتعقبه السفاريني بقوله: ذكر الحافظ ابن رجب في كتابه «صفة النار» أن هذا الحديث خرجه ابن أبـي حاتم وغيره، وخرجه الإسماعيلي مطولاً، وقال الدارقطني في كتاب «المختلف»: هو حديث منكر وذكر علله. ومما ذكره السيوطي في ذلك ما نقل هو ضعف إسناد رفعه. وقد يرد عليه بأنه قد مضى من زمن البعثة إلى يومنا هذا ألف ومئتان وثماني وستون سنة وإذا ضم إليها ما ذكره من سني مكث عيسى عليه السلام وبقاء الدنيا بعد طلوع الشمس من مغربها وما بين النفختين وهي مائتا سنة تصير ألفاً وأربعمائة وثماني وسبعين فيبقى من المدة التي ذكرها اثنتان وعشرون سنة وإلى الآن لم تطلع الشمس من مغربها ولا خرج الدجال الذي خروجه قبل طلوعها من مغربها بعدة سنين ولا ظهر المهدي الذي ظهوره قبل الدجال بسبع سنين ولا وقعت الأشراط التي قبل ظهور المهدي، ولا يكاد يقال: إنه يظهر بعد خمس عشرة سنة ويظهر الدجال بعدها بسبع سنين على رأس المائة الثالثة من الألف الثانية لأن قبل ذلك مقدمات تكون في سنين كثيرة، فالحق أنه لا يَعْلَمُ ما بقي من مدة الدنيا إلا الله عز وجل وأنه وإن طال أقصر قصير وما متاع الحياة الدنيا إلا قليل، وكذا فيما أرى مبدأ خلقها لا يعلمه إلا الله تعالى وما يذكرونه في المبدأ لو صح فإنما هو في مبدأ خلق الخليفة آدم عليه السلام لا مبدأ خلق السماء والأرض والجبال ونحوها. وحكى الشيخ محي الدين قدس سره عن إدريس عليه السلام وقد اجتمع معه اجتماعاً روحانياً وسأله عن العالم أنه قال: نحن معاشر الأنبياء نعلم أن العالم حادث ولا نعلم متى حدث. والفلاسفة على المشهور يزعمون أن من العالم ما هو قديم بالشخص وما هو قديم بالنوع مع قولهم بالحدوث الذاتي ولا يدثر عندهم. وذهب الملا صدر الشيرازي أنهم لا يقولون إلا بقدم العقول المجردة دون عالم الأجسام مطلقاً بل هم قائلون بحدوثها ودثورها وأطال الكلام على ذلك في «الأسفار» وأتى بنصوص أجلتهم كأرسطو وغيره. وحكى البعض عنهم أنه خلق هذا العالم الذي نحن فيه وهو عالم الكون والفساد والطالع السنبلة ويدثر عند مضي ثمانية وسبعين ألف سنة وذلك عند مضي مدة سلطان كل من البروج الاثني عشر ووصول الأمر إلى برج الميزان وزعموا أن مدة سلطان الحمل اثنا عشر ألف سنة ومدة سلطان الثور أقل بألف وهكذا إلى الحوت. ونقل البكري عن هرمس أنه زعم أنه لم يكن في سلطان الحمل والثور والجوزاء على الأرض حيوان فلما كان سلطان الأسد تكونت دواب الماء وهوام الأرض فلما كان سلطان الأسد تكونت الدواب ذوات الأربع فلما كان سلطان السنبلة تولد الإنسانان الأولان ادمانوس وحوانوس. وزعم بعضهم أن مدة العالم مقدار قطع الكواكب الثابتة لدرج الفلك التي هي ثلثمائة وستون درجة وقطعها لكل درجة على قول كثير منهم في مائة سنة فتكون مدته ستاً وثلاثين ألف سنة وكل ذلك خبط لا دليل عليه. ومن أعجب ما رأيت ما زعمه بعض الإسلاميين من أن الساعة تقوم بعد ألف وأربعمائة وسبع سنين أخذاً من قوله تعالى: {فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ ٱلسَّاعَةَ أَن تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً } وقوله سبحانه: {أية : لاَ تَأْتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً } تفسير : [الأعراف: 187] بناءً على أن عدة حروف {بَغْتَةً } بالجُمَّل الكبير ألف وأربعمائة وسبع ويوشك أن يقول قائل: هي ألف وثمانمائة واثنان وبحسب تاء التأنيث أربعمائة لا خمسة فإنه رأى بعض أهل الحساب كما في «فتاوى خير الدين الرملي» ويجىء آخر ويقول: هي أكثر من ذلك أيضاً ويعتبر بسط الحروف على / نحو ما قالوا في اسم محمد صلى الله عليه وسلم إنه متضمن عدة المرسلين عليه السلام، وأنت تعلم أن مثل ذلك مما لا ينبغي لعاقل أن يعول عليه أو يلتفت إليه، والحزم الجزم بأنه لا يعلم ذلك إلا اللطيف الخبير.
ابن عاشور
تفسير : جملة معترضة بين جملة {أية : ومنهم من يستمع إليك}تفسير : [الأنعام: 25] وما فيهم عنها من قوله: {أية : فهل ينظرون إلا الساعة}تفسير : [الزخرف: 66] والواو اعتراضية. والمقصود من هذا الاعتراض: مقابلة فريق الضلالة بفريق الهداية على الأسلوب الذي أقيمت عليه هذه السورة كما تقدم في أولها. فهذا أسلوب مستمر وإن اختلفت مواقع جمله. والمعنى: والذين شرح الله صدرهم للإيمان فاهتدوا لطَفَ الله بهم فزادهم هدى وأرسخ الإيمان في قلوبهم ووفقهم للتقوى، فاتقوا وغالبوا أهواءهم. وإيتاء التقوى مستعار لتيسير أسبابها إذ التقوى معنى نفساني، والإيتاء يتعدى حقيقة للذوات. وإضافة التقوَى إلى ضمير {الذين اهتدوا} إيماء إلى أنهم عرفوا بها واختصت بهم.
د. أسعد حومد
تفسير : {آتَاهُمْ} {تَقُوَاهُم} (17) - وَالذِينَ قَصَدُوا الاهْتِداءَ بِمَا جَاءَ بهِ الرَّسُولُ، وَالانْتِفَاعَ بِمَا جَاءَ في القُرآنِ، فَإِنَّ اللهَ تَعَالى يُوفِّقُهم إِلى ذلِكَ، ويُثِيبُهُمْ عَليه، وَيَشْرَحُ صُدُورَهُم لَهُ، وَيُلْهِمُهُمْ رُشْدَهُمْ، وَيُعيِنُهُمْ عَلَى تَقْواهُ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : قوله تعالى: {زَادَهُمْ هُدًى ..} [محمد: 17] أي: بالتوفيق وبالمعونة على الطاعة {وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ} [محمد: 17] فكأن التقوى هي التي تأتي إليهم لا يذهبون هم إليها، يسَّرها لهم وحبَّبها إليهم، في حين أن البعض يظن أن التكليف مشقة على النفس وقيْد يقيدها لكن أبداً؟ المتأمل يجد في التكليف راحة وطمأنينة للنفس والبال، التكليف عصمة للنفس ووقاية لها من المعاطب، لذلك أقرأ مثلاً: {أية : أُوْلَـٰئِكَ عَلَىٰ هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ ..}تفسير : [البقرة: 5]. ومعنى {أية : عَلَىٰ هُدًى ..}تفسير : [البقرة: 5] أن الهدى مطيَّتهم إلى الغاية التي يقصدونها، فهو ليس عبئاً على العبد لأن الخالق سبحانه لم يكلفنا أبداً ما لا نطيق، وما استعبدنا إلا لمصلحتنا نحن في استقامة الدنيا وسلامة الآخرة. لذلك قلنا: إن العبودية لغير الله ذل وهوان، والعبودية لله عزّ وشرف، فالعبودية للبشر تعطي السيد خير عبده لكن العبودية لله تعطيك خير الله. حين يفهم العبدُ العبادةَ بهذا المعنى يحبها ويتشوَّق إليها ويجد فيها لذة لا تُدانيها لذة، لذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم لبلال مؤذنه: "حديث : أرحنا بها يا بلال"تفسير : أي: بالصلاة، فكم هي سهلة خفيفة على قلب المؤمن، وكم هي ثقيلة على قلب المنافق. إذن: من الهدى أنْ تصلي كما يصلي عامة الناس، ومن زيادة الهدى أنْ تتشوق للصلاة وتنتظرها وتجد فيها راحتك، لأنك في حضرة ربك عز وجل، والله غيْب ويصلح عبده أيضاً بالغيب، فالصلاة تصلحك وتصلح حالك من حيث لا تدري. ومن ثمرات التقوى قوله تعالى: {أية : يِٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوۤاْ إِن تَتَّقُواْ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَٱللَّهُ ذُو ٱلْفَضْلِ ٱلْعَظِيمِ}تفسير : [الأنفال: 29]. فمنْ يتقي الله بموجب الفرقان الذي جاءه من الله وهو القرآن يزيده، بأنْ يجعل له هو فرقاناً آخر خاصاً به، فرقاناً يهديه وينير له الطريق ويُميز به بين الأشياء. إذن: ما عليك في مسألة التقوى إلا أنْ تسير إليها تقصدها لتفعل وتطيع، ثم ستجدها هي التي تسعى إليك وتطلبك.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ} معناه ثَوابُهُمْ فِي الآخرةِ ويقال: بيَّنَ لَهُم ما يَتَّقون.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):