٤٧ - مُحَمَّد
47 - Muhammad (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
18
Tafseer
الرازي
تفسير : يعني الكافرون والمنافقون لا ينظرون إلا الساعة، وذلك لأن البراهين قد صحت والأمور قد اتضحت وهم لم يؤمنوا فلا يتوقع منهم الإيمان إلا عند قيام الساعة وهو من قبيل بدل الاشتمال على تقدير لا ينظرون إلا الساعة إتيانها بغتة، وقرىء {فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ ٱلسَّاعَةَ أَن تَأْتِيَهُمْ } على الشرط وجزاؤه لا ينفعهم ذكراهم، يدل عليه قوله تعالى: {فَأَنَّىٰ لَهُمْ إِذَا جَاءتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ }، وقد ذكرنا أن القيامة سميت بالساعة لساعة الأمور الواقعة فيها من البعث والحشر والحساب. وقوله {فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا } يحتمل وجهين أحدهما: لبيان غاية عنادهم وتحقيقه هو أن الدلائل لما ظهرت ولم يؤمنوا لم يبق إلا إيمان اليأس وهو عند قيام الساعة لكن أشراطها بانت فكان ينبغي أن يؤمنوا ولم يؤمنوا فهم في لجة الفساد وغاية العناد ثانيهما: يكون لتسلية قلوب المؤمنين كأنه تعالى لما قال: {فَهَلْ يَنظُرُونَ } فهم منه تعذيبهم والساعة عند العوام مستبطأة فكأن قائلاً قال متى الساعة؟ فقد جاء أشراطها كقوله تعالى: {أية : ٱقْتَرَبَتِ ٱلسَّاعَةُ وَٱنشَقَّ ٱلْقَمَرُ } تفسير : [القمر: 1] والأشراط العلامات، قال المفسرون هي مثل انشقاق القمر ورسالة محمد عليه السلام، ويحتمل أن يقال معنى الأشراط البينات الموضحة لجواز الحشر، مثل خلق الإنسان ابتداء وخلق السمٰوات والأرض، كما قال تعالى: {أية : أَوَلَـيْسَ ٱلَذِي خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ بِقَـٰدِرٍ عَلَىٰ أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُم } تفسير : [يۤس: 81] والأول هو التفسير. ثم قال تعالى: {فَأَنَّىٰ لَهُمْ إِذَا جَاءتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ } يعني لا تنفعهم الذكرى إذ لا تقبل التوبة ولا يحسب الإيمان، والمراد فكيف لهم الحال إذا جاءتهم ذكراهم، ومعنى ذلك يحتمل أن يكون هو قوله تعالى: {أية : هَـٰذَا يَوْمُكُمُ ٱلَّذِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ } تفسير : [الأنبياء: 103] {أية : هَـٰذَا يَوْمُ ٱلْفَصْلِ ٱلَّذِي كُنتُمْ بِهِ تُكَذّبُونَ } تفسير : [الصافات: 21] فيذكرون به للتحسر، وكذلك قوله تعالى: {أية : ألم يأتكم رسل منكم يتلون عليكم آيات ربكم وينذرونكم لقاء يومكم هذا }تفسير : [الزمر: 71].
القرطبي
تفسير : قوله تعالى:{فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ ٱلسَّاعَةَ أَن تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً} أي فجأة. وهذا وعيد للكفار. {فَقَدْ جَآءَ أَشْرَاطُهَا} أي أماراتها وعلاماتها. وكانوا قد قرءوا في كتبهم أن محمداً صلى الله عليه وسلم آخر الأنبياء، فَبَعْثُه من أشراطها وأدلتها، قاله الضحاك والحسن. وفي الصحيح عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : بعثت أنا والساعة كهاتين»تفسير : وضمّ السبابة والوسطى، لفظ مسلم: وخرّجه البخاريّ والترمذيّ وابن ماجه. ويروى «حديث : بعثت والساعة كَفَرَسَيْ رِهان»تفسير : . وقيل: أشراط الساعة أسبابها التي هي دون معظمها. ومنه يقال للدُّون من الناس: الشَّرَط. وقيل: يعني علامات الساعة ٱنشقاق القمر والدخان، قاله الحسن أيضاً. وعن الكلبي: كثرة المال والتجارة وشهادة الزور وقطع الأرحام، وقلة الكرام وكثرة اللئام. وقد أتينا على هذا الباب في كتاب «التذكرة» مستوفًى والحمد لله. وواحد الأشراط شَرَط، وأصله الأعلام. ومنه قيل الشُّرَط، لأنهم جعلوا لأنفسهم علامة يعرفون بها. ومنه الشَّرْط في البيع وغيره. قال أبو الأسود:شعر : فإن كنتِ قد أزْمَعْتِ بالصُّرْمِ بيننا فقد جعلت أشراط أوّله تبدو تفسير : ويقال: أشرط فلان نفسه في عمل كذا أي أعلمها وجعلها له. قال أوس بن حَجر يصف رجلاً تدلّى بحبل من رأس جبل إلى نَبْعة يقطعها ليتّخذ منها قَوْساً:شعر : فأشْرَط نفسه فيها وهو مُعْصِمٌ وألقى بأسبابٍ له وَتَوَكَّلا تفسير : {أَن تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً} «أَنْ» بدل اشتمال من «الساعة»؛ نحو قوله: {أَن تَطَئُوهُمْ} من قوله: {أية : رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَآءٌ مُّؤْمِنَاتٌ} تفسير : [الفتح: 25]. وقرىء «بَغَتَّةً» بوزن جَرَبَّة، وهي غريبة لم ترد في المصادر أختها؛ وهي مَرْوِية عن أبي عمرو. الزمخشريّ: وما أخوفني أن تكون غلطة من الراوي عن أبي عمرو، وأن يكون الصواب «بَغَتة» بفتح الغين من غير تشديد؛ كقراءة الحسن. وروى أبو جعفر الرؤاسي وغيره من أهل مكة «إِنْ تَأْتِهِمْ بَغْتَةً». قال المهدويّ: ومن قرأ «إِنْ تَأْتِهِمْ بَغْتَةً» كان الوقف على «السَّاعَةَ» ثم استأنف الشرط. وما يحتمله الكلام من الشك مردود إلى الخلق؛ كأنه قال: إن شكُّوا في مجيئها «فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا». قوله تعالى: {فَأَنَّىٰ لَهُمْ إِذَا جَآءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ} «ذِكْرَاهُمْ» ابتداء و «أَنَّى لَهُمْ» الخبر. والضمير المرفوع في «جَاءَتْهُمْ» للساعة؛ التقدير: فمن أين لهم التذكر إذا جاءتهم الساعة؛ قال معناه قتادة وغيره. وقيل: فكيف لهم بالنجاة إذا جاءتهم الذكرى عند مجيء الساعة؛ قاله ابن زيد. وفي الذكرى وجهان: أحدهما ـ تذكيرهم بما عملوه من خير أو شر. الثاني ـ هو دعاؤهم بأسمائهم تبشيراً وتخويفاً؛ روى أبان عن أنس عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : أحسنوا أسماءكم فإنكم تدعون بها يوم القيامة يا فلان قم إلى نورك يا فلان قم لا نور لك»تفسير : ذكره المَاوَرْدِيّ.
المحلي و السيوطي
تفسير : {فَهَلْ يَنظُرُونَ } ما ينتظرون أي كفار مكة {إِلاَّ ٱلسَّاعَةَ أَن تَأْتِيَهُمْ } بدل اشتمال من الساعة أي ليس الأمر إلا أن تأتيهم {بَغْتَةً } فجأة {فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا } علاماتها: منها بعثة النبي صلى الله عليه وسلم، وانشقاق القمر والدخان {فَأَنَّىٰ لَهُمْ إِذَا جَاءتْهُمْ } الساعة {ذِكْرَاهُمْ } تذكرهم؟ أي لا ينفعهم.
ابن عبد السلام
تفسير : {أَشْرَاطُهَا} آياتها، أو انشقاق القمر على عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، أو الرسول صلى الله عليه وسلم لأنه آخر الرسل وأمته آخر الأمم. "حديث : بعثت والساعة كهاتين " تفسير : {فَأَنَّى لَهُمْ} كيف لهم بالنجاة {جَآءَتْهُمْ} الساعة، أو الذكرى عند مجيء الساعة {ذِكْرَاهُمْ} تذكيرهم بما عملوا من خير، أو شر، أو دعاؤهم بأسمائهم تبشيراً وتخويفاً. قال الرسول صلى الله عليه وسلم: "حديث : أحسنوا أسماءكم فإنكم تدعون بها يوم القيامة يا فلان قم إلى نورك. يا فلان قم فلا نور لك ".
الخازن
تفسير : قوله عز وجل: {فهل ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتة} يعني الكافرين والمنافقين الذين قعدوا عن الإيمان فلم يؤمنوا فالساعة بغتة تفجؤهم وهم على كفرهم ونفاقهم ففيه وعيد وتهديد والمعنى لا ينظرون إلى الساعة والساعة آتية لا محالة وسميت القيامة ساعة لسرعة قيامها. عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : بادروا بالأعمال سبعاً فهل تنتظرون إلا فقراً منسياً أو غنى مطغياً أو مرضاً مفسداً أو هرماً مقيداً أو موتاً مجهزاً أو الدجال فشر غائب ينتظر أو الساعة والساعة أدهى وأمر" تفسير : أخرجه الترمذي وقال: حديث حسن. وقوله تعالى: {فقد جاء أشراطها} أي أماراتها وعلاماتها واحدها شرط. ولما كان قيام الساعة أمراً مستبطأ في النفوس وقد قال الله تعالى: فهل ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتة فكأن قائلاً قال متى يكون قيام الساعة فقال تعالى: {فقد جاء أشراطها} قال المفسرون: من أشراط الساعة انشقاق القمر وبعثة رسول الله صلى الله عليه وسلم (ق). عن سهل بن سعد قال: "حديث : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال بأصبعه هكذا الوسطى والتي تلي الإبهام وقال: بعثت أنا والساعة كهاتين وفي رواية قال بعثت أنا والساعة كهاتين ويشير بأصبعيه يمدهما"تفسير : (ق) عن أنس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : بعثت أنا والساعة كهاتين كفضل أحدهما على الأخرى وضم السبابة والوسطى وفي رواية قال بعثت في نفس الساعة فسبقتها كفضل هذه على الأخرى" تفسير : قيل معنى الحديث أن المراد أن ما بين مبعثه صلى الله عليه وسلم وقيام الساعة شيء يسير كما بين الإصبعين في الطول وقيل هو إشارة إلى قرب المجاورة (ق) عن أنس قال عند قرب وفاته ألا أحدثكم حديثاً عن النبي صلى الله عليه وسلم لا يحدثكم به أحد غيري سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "حديث : لا تقوم الساعة أو قال من أشراط الساعة أن يرفع العلم ويظهر الجهل ويشرب الخمر ويفشو الزنى ويذهب الرجال ويبقى النساء حتى يكون لخمسين امرأة قيم. وفي رواية ويظهر الزنى ويقل الرجال ويكثر النساء"تفسير : (ق) عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : إن من أشراط الساعة أن يتقارب الزمان وينقص العلم وتظهر الفتن ويبقى الشح ويكثر الهرج قالوا وما الهرج قال القتل وفي رواية: يرفع العلم ويثبت الجهل أو قال ويظهر الجهل" تفسير : (خ) عن أبي هريرة قال: "حديث : بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم في مجلس يحدث القوم إذ جاءه أعرابي فقال متى الساعة فمضى رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديثه فقال بعض القوم سمع ما قال فكره ما قال وقال بعضهم: بل لم يسمع حتى إذا قضى حديثه قال أين السائل عن الساعة قال: ها أنا ذا يا رسول الله قال: إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة قال وكيف إضاعتها؟ قال إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة ". تفسير : وقوله تعالى: {فأنى لهم إذا جاءتهم ذكراهم} يعني فمن أين لهم التذكر والاتعاظ والتوبة إذا جاءتهم الساعة بغتة. وقيل: معناه كيف يكون حالهم إذا جاءتهم الساعة فلا تنفعهم الذكرى ولا تقبل منهم التوبة ولا يحتسب بالإيمان في ذلك الوقت {فاعلم أنه لا إله إلا الله} الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم. وأورد على هذا أنه صلى الله عليه وسلم كان عالماً بالله وأنه لا إله إلا هو فما فائدة هذا الأمر. وأجيب عنه بأن معناه: دُمْ على ما أنت عليه من العلم. فهو كقول القائل للجالس: اجلس أي دم على ما أنت عليه من الجلوس أو يكون معناه ازدد علماً إلى علمك. وقيل: إن هذا الخطاب وإن كان للنبي صلى الله عليه وسلم، فالمراد به غيره من أمته. قال أبو العالية وسفيان بن عيينة: هذا متصل بما قبله. معناه: إذا جاءتهم فاعلم أنه لا ملجأ ولا منجى ولا مفزع عند قيامها إلا إلى الله الذي لا إله إلا هو. وقيل: معناه فاعلم أنه لا إله إلا الله وأن جميع الممالك تبطل عند قيامها فلا ملك ولا حكم لأحد إلا الله الذي لا إله إلا هو {واستغفر لذنبك} أمر الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم بالاستغفار مع أنه مغفور له ليستنَّ به أمته وليقتدوا به في ذلك (م) عن الأغر المزني أغر مزينة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : إنه ليغان على قلبي حتى أستغفر في اليوم مائة مرة وفي رواية قال: توبوا إلى ربكم فوالله إني لأتوب إلى ربي عز وجل مائة مرة في اليوم" تفسير : (خ) عن أبي هريرة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "حديث : إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم سبعين مرة وفي رواية أكثر من سبعين مرة" تفسير : قوله: إنه ليغان على قلبي الغين التغطية والستر أي يلبس على قلبي ويغطي وسبب ذلك ما أطلعه عليه من أحوال أمته بعده فأحزنه ذلك حتى كان يستغفر لهم. وقيل: إنه لما كان يشغله النظر في أمور المسلمين ومصالحهم حتى يرد أنه قد شغل بذلك وإن كان من أعظم طاعة وأشرف عبادة عن أرفع مقام مما هو فيه وهو التفرد بربه عز وجل وصفاء وقته معه وخلوص همه من كل شيء سواه فلهذا السبب كان صلى الله عليه وسلم يستغفر الله فإن حسنات الأبرار سيئات المقربين. وقيل: هو مأخوذ من الغين وهو الغيم الرقيق الذي يغشى السماء فكان هذا الشغل والهم يغشى قلبه صلى الله عليه وسلم ويغطيه عن غيره فكان يستغفر الله منه وقيل هذا الغين هو السكينة التي تغشى قلبه صلى الله عليه وسلم وكأن سبب استغفاره لها إظهار العبودية والافتقار إلى الله تعالى. وحكى الشيخ محيي الدين النووي عن القاضي عياض، أن المراد به الفترات والغفلات من الذكر الذي كان شأنه صلى الله عليه وسلم الدوام عليه فإذا فتر وغفل عد ذلك ذنباً واستغفر منه وحكى الوجوه المتقدمة عنه. وعن غيره. وقال الحارث المحاسبي: خوف الأنبياء والملائكة خوف إعظام وإجلال وإن كانوا آمنين من عذاب الله تعالى. وقيل: يحتمل أن هذا الغبن حالة حسنة وإعظام يغشى القلب ويكون استغفاره شكراً كما قال: أفلا أكون عبداً شكوراً. وقيل في معنى الآية: استغفر لذنبك أي لذنوب أهل بيتك {وللمؤمنين والمؤمنات} يعني من غير أهل بيته وهذا إكرام من الله عز وجل لهذه الأمة حيث أمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يستغفر لذنوبهم وهو الشفيع المجاب فيهم {والله يعلم متقلبكم ومثواكم} قال ابن عباس والضحاك: متقلبكم يعني متصرفكم ومنتشركم في أعمالكم في الدنيا ومثواكم يعني مصيركم إلى الجنة أو إلى النار وقيل: متقلبكم في أشغالكم بالنهار ومثواكم بالليل إلى مضاجعكم وقيل: متقلبكم من أصلاب الآباء إلى أرحام الأمهات وبطونهن ومثواكم في الدنيا وفي القبور والمعنى أنه تعالى عالم بجميع أحوالكم فلا يخفى عليه شيء منها وإن دق وخفي.
ابن عادل
تفسير : قوله: {فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ ٱلسَّاعَةَ أَن تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً} يعني الكافرين والمنافقين، قال ـ عليه الصلاة والسلام ـ: "حديث : مَا يَنْتَظِرُ أَحَدُكُمْ إلاَّ غَنًى مُطْغِياً، أَوْ فَقْراً مُنْسِياً، أَوْ مَرَضاً مُفْسِداً أَوْ هرَماً مُفَنِّداً، أَوْ مَوْتَا مُجْهِزاً أو الدَّجَّال، والدَّجَّال شَرٌّ غَائِبٍ يَنْتَظِرُ أو السَّاعَةُ، والسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ"تفسير : . وسميت القيامة بالساعة لسرعة الأمور الواقعة فيها من البعث والحشر والحساب. قوله: {أَن تَأْتِيَهُمْ} بدل من الساعة بدل اشتمال. وقرأ أبو جعفر الرؤاسيّ: إنْ تَأتِيهِمْ بإنِ الشّرطية وجز ما بعدها. وفي جوابها وجهان: أحدهما: أنه قوله: {فَأَنَّىٰ لَهُمْ} قال الزمخشري. ثم قال: فإن قلتَ: بم يتصل قوله: {فَقَدْ جَآءَ أَشْرَاطُهَا} على القراءتين؟ قلتُ: بإتيان الساعة اتصال العلة بالمعلول كقولك: إنْ أَكْرَمَنِي زَيْدٌ فَأَنَا حَقِيقٌ بالإكْرَامِ أكْرِمهُ. والثاني: أن الجواب قوله: {فَقَدْ جَآءَ أَشْرَاطُهَا} وإتيان الساعة وإن كان متحقّقاً إلا أنهم عُومِلُوا معاملةَ الشَّاكِّ وحالهم كانت كذا. قوله: {فَقَدْ جَآءَ أَشْرَاطُهَا} الأَشْراط جمع شَرْطٍ ـ بسكون الراء وفتحها ـ قال أبو الأسود: شعر : 4472ـ فَإنْ كُنْتِ قَدْ أَزْمَعْتِ باِلصَّرْمِ بَيْنَنَا فَقَدْ جَعَلْتِ أَشْرَاط أَوَّلِهِ تَبْدُو تفسير : والأشراط العلامات. ومنه أشراط الساعة. وأَشْرَطَ الرَّجُلُ نَفْسَهُ أي ألْزَمَهَا أموراً. قال أوس: شعر : 4473ـ فَأَشْـرَطَ فِيهَـا نَفْسَـهُ وَهُـوَ مُعْصِمٌ فَأَلْقَــى بأَسْبَـاب لَــهُ وَتَوَكَّــلاَ تفسير : والشرط القطع أيضاً مصدر شرط الجلد يَشْرُطُهُ شَرْطاً. فصل قال سهل بن سعد: رأيت النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال بإصبعه هكذا بالوُسْطَى والتي تلي الإبهام: بُعِثْتُ وَالسَّاعَة كَهَاتَيْنْ. وقال ـ عليه الصلاة السلام ـ: "حديث : إنَّ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ أن يُرْفَعَ العِلْمُ وَيكْثُرَ الجَهْلُ ويَكْثُرَ الرِّبَا، ويَكْثُرَ شُرْبُ الْخَمْرِ، ويَقِلَّ الرِّجَالُ، وتَكْثُرَ النِّسَاءُ حَتَّى يَكُونَ لِخَمْسِينَ امرأة القيمُ الواحِدُ"تفسير : . وقال ـ عليه الصلاة والسلام ـ: "حديث : إذَا ضُيِّعَتِ الأَمانَةُ فَانْتَظِر السَّاعَةَ فقيل: كَيْفَ إضَاعَتُهَا؟ قَالَ: إذا وُسِّدَ الأَمْرُ إلى غَيْرِ أَهْلِهِ، فَانْتَظِر السَّاعَةَ"تفسير : . واعلم أن قوله تعالى: {فَقَدْ جَآءَ أَشْرَاطُهَا} يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون بياناً لغاية عِنَادِهِمْ. ويحتمل أن يكون تسليةً لقلب المؤمنين كأنه تعالى لما قال: {فهل ينظرون إلا الساعة}، فهم منه تعذيبهم، قال المفسرون: أشراط الساعة مثل انشقاق القمر، ورسالة محمد ـ عليه الصلاة والسلام ـ. قوله: {فَأَنَّىٰ لَهُمْ} "أَنَّى" خبرٌ مقدم، و "ذِكْرَاهُم" مبتدأ مؤخر، أي أَنَّى لهم التذكير. وإذَا وما بعدها معترض. وجوابها محذوف أي كيف لهم التذكير إذا جاءتهم الساعة؟ فكيف تتذكرون؟ ويجوز أن يكون المبتدأ محذوفاً أي أنَّى لهم الخلاص؟ ويكون "ذِكْرَاهُمْ" فاعلاً بـ "جَاءَتْهُمْ". وقرأ أبو عمرو ـ في رواية ـ "بَغَتَّةً" بفتح الغين وتشديد التاء. وهي صفة فنصبها على الحال، ولا نظير لها في الصفات ولا في المصادر، وإنما هي في الأسماء نحو: الجَرَبَّة ـ للجماعة ـ والشَّرَبَّة للمكان. قال الزمخشري: وما أخوفني أن تكون غلطة من الراوي على أبي عمرو، وأن يكون الصواب: بَغَتَةً بفتح الغين من غير تشديدٍ. فصل معنى الآية فمن أين لهم التَّذَكُّر والاتِّعاظ والتوبة إذا جاءتهم ذكراهم أي السّاعة نظيره: {أية : يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ ٱلإِنسَانُ وَأَنَّىٰ لَهُ ٱلذِّكْرَىٰ}تفسير : [الفجر:23]. قوله: {فَٱعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلأ ٱللَّهُ} وجه مناسبته لما قبله هو أنه تعالى لما قال فاعلم أنه لا إله إلا الله أي يأتي بالساعة كما قال: {أية : أَزِفَتِ ٱلآزِفَةُ لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ ٱللَّهِ كَاشِفَةٌ}تفسير : [النجم:57ـ58]. وقيل: فاعلم أنَّه لا إله إلا الله ينفعك، قيل الخطاب للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ والمراد غيره. وقيل: معناه فاثْبُتْ عليه. وقال الحُسَيْنُ بن الفضل: فازدَدْ علماً إلى علمك. وقال أبو العالية وابن عُيَيْنَةَ: معناه إذا جاءتهم الساعة فاعلم أنه لا مَلْجَأَ ولا مَفْزعَ عند قيامها إلا الله. ثم قال: "فَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ" أمرٌ بالاستغفار من أنه مغفور له لِتَسْتَنَّ به أمته. وقيل: معنى قوله لذنبك أي لذَنبِ أهل بيتك الذين ليسوا منك بأهل بيت. وقيل: المراد النبي؛ والذنب هو ترك الأفضل الذي هو بالنسبة إليه ذنب وحسناتُنا دون ذلك. قال ـ عليه الصلاة والسلام ـ: حديث : إنّهُ لَيُغَانُ عَلَى قَلْبِ وَإنّي لأَسْتَغْفِرُ اللهَ فِي كُلِّ يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ . تفسير : قوله: {وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ} هذا إكرام من الله تعالى لهذه الأمة حيث أمر نبيهم ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن يستغفر لذنوبهم {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ} قال ابن عباس والضحاك: متقلبكم: مُنْصَرَفَكُمْ ومنْشَرَكُمْ في أعمالكم في الدنيا "ومثواكم" مصيركم في الآخرة إلى الجنة أو إلى النار. وقال مقاتل وابن جرير: متقلبكم منصرفكم لأشغالكم بالنهار ومثواكم مأواكم إلى مضاجعكم بالليل. وقال عكرمة: متقلبكم في أصلاب الآباء إلى أرحام الأمهات ومثواكم ومقامكم في الأرض. وقال ابن كيسان: متقلبكم من ظهر إلى بطن ومثواكم مقامكم في القبور، وقيل: معناه أنه عالم بجميع أحوالكم فلا يخفى عليه شيء منها. قوله: {وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لَوْلاَ نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ} أي هلاَّ. ولا التفات إلَى قول بعضهم إنَّ "لاَ" زائدة. والأصل لو نزلت. والعامة على رفع محكمة لقيامها مقام الفاعل. وزَيْدُ بنُ عَلِيٍّ بالنصب فيهما على الحَالِ. والقائم مقام الفاعل ضمير السورة المتقدمة وسَوَّغ وقوعَ الحال كذا وَصْفُها كقولك: الرَّجُلُ جَاءَنِي رَجُلاً صَالِحاً وقرىْ: فَإذَا نَزَلَتْ سُورَةٌ. وقرأ زيدٌ بْنُ عَلِيٍّ وابنُ عُمَيْر "وَذَكَرَ" مبنياً للفاعل أي الله تعالى "القِتَالَ" نصباً. فصل المعنى ويقول الذين آمنوا حرصاً منهم على الجهاد هلا أنزلت سورة تأمرنا بالجِهاد. واعلم أن المؤمن كان ينتظر نزول الأحكام والتكاليف ويطلب تنزيلها وإذا تأخرت عنه التكليف كان يقول: هلا أمرت بشيء من العبادة خوفاً من أن لا يؤهل لها. وأما المنافق فإذا أنزلت السورة أو الآية وفيها تكليف فيشق عليه ذلك فحصل التَّبَايُن بين الفريقين في العلم والعمل. والمراد بالسورة التي فيها تكليف؟. وقوله: "مُحْكَمَةُ" أي لم تنسخ، وقال قتادة: كل سورة ذكر فيها الجهاد محكمة وهي أشد القرآن على المنافقين. قوله: {رَأَيْتَ ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ} يعني المنافقين {يَنظُرُونَ إِلَيْكَ} شَزْراً بتحديقٍ شديدٍ كراهِيةً منهم للجهاد، وجبناً عن لقاء العدوِّ. قوله: {نَظَرَ ٱلْمَغْشِيِّ} الأصل نَظَراً مثل نَظَر المَغْشِيِّ عليه من الموت كما ينظر الشاخص بصره عنْد الموت. قوله: {فَأَوْلَىٰ لَهُمْ طَاعَةٌ}. اختلف اللّغويون والمُعْرِبُونَ ـ (رَحِمَةُ اللهِ عَلَيْهِمْ) ـ في هذه اللفظة فقال الأصمعي ـ (رَحمهُ الله) ـ: إنها فعل ماضٍ بمعنى قاربه ما يهلكه، وأنشد ـ (رَحمهُ اللهُ): شعر : 4474ـ فَعَــادَى بَيْـنَ هَادِيَتَيْــنِ مِنْهَــا وَأَوْلَــى أَنْ يَـزِيدَ عَلــى الثَّـلاَثِ تفسير : أي قارب أن يزيد. قال ثعلب: لم يقل أحدٌ في أوْلَى أحسن من الأصمعيِّ. وقال البغوي: معناه وَلِيَكَ وَقَارَبَك ما تكره ولكن الأكثرين على أنه اسم. ثم اختلف هؤلاء فقيل هو مشتق من الوَلْي وهو القريب كقوله: شعر : 4475ـ تُكَلِّفُنِي لَيْلَى وَقَدْ شَطَّ وَلْيُهَــا وَعَـادَتْ عَـوَادٍ بَيْنَنـا وَخُطُــوبُ تفسير : وقيل: هو مشتق من الوَيْل والأصل فيه أوئل. فقلبت العين إلى ما بعد اللام فصار وزنه أفلع. وإلَى هذا نحا الجُرْجَانيّ والأصل عدم القلب وأما معناها فقيل: هي تهديد ووعيد كقوله: شعر : 4476ـ فَأَوْلَــى ثُـمَّ أَولَـى ثُـمَّ أَوْلَــى وَهَـلْ لِلـدَّرِّ يُحْلَـــبُ مِــنْ مَــرَدِّ تفسير : وقال المبرد: يقال لمن هم بالغضب: أولى لك كقول أعرابيِّ كان يوالِي رمي الصيد فيفلت منه فيقول: أَوْلَى لَكَ. ثم رمى صيداً فَقَارَبَهُ فأفلت منه فقال ـ (رَحْمَةُ الله عليه ورِضَاهُ) ـ: شعر : 4477ـ فَلَوْ كَانَ أَوْلَى يُطْعِمُ الْقَوْمَ صِدْتُهُمْ وَلَكِنْ أَوْلَى يَتْرُكُ الْقَوْمَ جُوَّعَا تفسير : هذا ما يتعلق باشتقاقه ومعناه. وأما الإعراب فإن قلنا بقول الجمهور ففيه أوجه: أحدهما: أن "أولى" مبتدأ (و) "لهم" خبره تقديره: فالهلاك لهم. وسوغ الابتداء بالنكرة كونهُ دُعَاء نحو: {أية : ويْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ}تفسير : [الهمزة:1]. الثاني: أنه خبر مبتدأ مضمر تقديره: العِقَابُ أو الهَلاك أَوْلَى لهم. أي أقرب وأَدْنَى. وقال ابنُ الخطيب: التقدير: فالموت أولى لهم؛ لأنَّ الموت سبق ذكره في قوله: {نَظَرَ ٱلْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ ٱلْمَوْتِ}، وذلك أن الحياة في طاعة الله ورسوله خير منها. ويجوز أن تكون اللام بمعنى الباء أي أولى وأحق بِهِمْ. الثالث: أنه مبتدأ و "لهم" متعلق به، واللام بمعنى الباء. و "طاعة" خبره التقدير: أولى بهم طاعة دون غيرها. وإن قلنا بقول الأصمعي فيكون فعلاً ماضياً، وفاعله مضمر يدل عليه السِّيَاق، كأنه قيل: فأولى هو أي الهلاك. وهذا ظاهر عبارة الزمخشري حيث قال: ومعناه الدعاء عليهم بأن يليهم المكروه. وقال ابن عطية: المشهور من استعمال العرب أنك تقول: هذا أولى بك من هذا، أي أحق. وقد تستعمل العرب "أولى لك" فقط على جهة الحذف والاخْتِصَار؛ لما معها من القول فتقول: أولى لك يا فلان على جهة الزجر والوعيد. انتهى. وقال أبو البقاء: أَوْلَى مؤنثة أَوْلاة. وفيه نظر؛ لأن ذلك إنما يكون في التذكير والتأنيث الحقيقيين؛ أما التأنيث اللفظي فلا يقال فيه ذلك. وسيأتي له مزيد بيان في القيامة إنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى. قوله: {طَاعَةٌ} فيه وجهان: أحدهما: أنه خبر "أَوْلَى" على ما تقدم. الثاني: أنها صفة "لِسُورَة" أي فإذا أنزلت سُورَةٌ محكمة "طاعة" أي ذات طاعة أو مطاعة. ذكره مكي، وأبو البَقَاءِ. وفيه بُعْد لكثرة الفواصل. الثالث: أنها مبتدأ و "قَوْل" عطف عليها والخبر محذوف تقديره: أَمْثَلُ لَكُمْ مِنْ غَيْرِهِمَا. وقدّر مَكِّيٌّ منَّا طاعةٌ فقدّره مقدَّماً. الرابع: أن يكون خبر مبتدأ محذوف، أي أمْرُنَا طَاعَةٌ. الخامس: أن لهم خبر مقدم وطاعة مبتدأ مؤخر. والوقف والابتداء يُعْرَفَانِ مما تقدم. فصل قال المفسرون: قوله: طاعة وقول معروف ابتداء محذوف الخبر، تقديره طاعة وقول معروف أمثل، أي لو أطاعوا وقالوا قولاً معروفاً كان أمثل وأحسن. وساغ الابتداء بالنكرة، لأنها وُصِفَتْ بدليل قوله: {وَقَوْلٌ مَّعْرُوفٌ} فإنه موصوف فكأنه تعالى قال: طاعة مخلصةً وقولٌ معروف خير. وقيل: يقول المنافقون قبل نزول السورة المحكمة طاعة رفع على الحكاية أي أمرنا طاعة، أو منا طاعة وقول معروف: حسن. وقيل: "متَّصل". واللام في قوله: "لَهُمْ" بمعنى الباء أي فأولى بهم طاعة الله ورسوله وقول معروف بالإجابة، أي لو أطاعوا الله كانت الطاعة والإجابة أولى بهم. وهذا معنى قول ابن عباس في رواية عَطَاءٍ. قوله: {فَإِذَا عَزَمَ ٱلأَمْرُ} في جوابها ثلاثة أوجه: أحدها: قوله: {فَلَوْ صَدَقُواْ} نحو: إذَا جَاءنِي طَعَامٌ فَلَوْ جِئْتَنِي أَطْعَمْتُكَ. الثاني: أنه محذوف تقديره: فَاصْدُقْ، كذا قدره أبو البقاء. الثالث: أن تقديرنا ناقضوا. وقيل: تقديره كرهوا ذلك. وعَزَمَ الأمْر على سبيل الإسناد المجازي كَقوله: شعر : 4478ـ قَــدْ جَــدَّتِ الْحَـــرْبُ بِكُــمْ فَجِــدُّوا تفسير : أو يكون على حذف مضاف أي عَزَمَ أَهْلُ الأمر. قال المفسرون: معناه إذا جدَّ الأمر ولزم فرض القتال خالفوا وتخلفوا فلو صدقوا لله في إظهار الإيمان والطاعة لكان خيراً لهم. وقيل: جواب إذا محذوف تقديره فإذا عزم الأمر لكلُّوا أو كذبوا فيما وعدو ولو صدقوا لكان خيراً لهم. قوله: {فَهَلْ عَسَيْتُمْ} أي فلعلكم إن توليتم أعرضتم عن القرآن وفارقتم أحكامه {أَن تُفْسِدُواْ فِي ٱلأَرْضِ}، تعودوا إلى ما كنتم عليه في الجاهلية تفسدوا في الأرْضِ بالمعصية والبَغْي وسَفْكِ الدماء وترجعون إلى الفُرْقة بعدما جمعكم الله بالإسلام!. قوله: {أَن تُفْسِدُواْ} خبر عسى. والشرط مُعْتَرِضٌ بينهما وجوابه محذوف لدلاَلَةِ: "فَهَلْ عَسَيْتُمْ" عليه أو هو يفسره "فَهَلْ عَسَيْتُمْ"، عند من يرى تقديمه. وقرأ علي ـ رضي الله عنه ـ "إن تُوُلِّتُمْ" بضم التاء والواو وكسر اللام مبنياً للمفعول من الولاية أي وُلِّيتم أمور الناس. وقال ابن الخطيب: لولا تولاَّكم ولاةٌ ظلمة، جُفاة غَشَمَة ومشيتم معهم لفسدتم وقطعت الأرحام والنبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ لا يأمركم إلا بصلة الأرحام فلم تتقاعدون عن القتال؟!. والأول أظهر ومعناه إن كنتم تتركون القتال وتقولون فيه الإفساد، وقطع الأرحام وكون الكفار أقاربنا فلا يقع منكم إلا ذلك، حيث تَتَقَاتَلُونَ على أدنى شيءٍ كما كان عادة العرب الأُوَل. (وقرى: وُليتم من الولاية أيضاً). فصل قال ابن الخطيب: في استعمال "عسى" ثلاثة مذاهب: أحدها الإتيان بها على صورة فعل ماض معه فاعل تقول: عَسَ زَيْدٌ، وعَسَيْنَا وعَسَوْا، وعَسَيْتُمَا، وعَسَيْتُ وعَسَيْتُنَّ وعَسَيْنَا وعَسَيْتُنَّ. والثاني: أن يؤتى بها على صورة فعل ومفعول يقال: عَسَاهُ، وعَسَاهُمَا، وعَسَاكَ، وَعَسَاكُمَا وعَسَايَ وعَسَانَا. الثالث: الإتيانُ بها من غير أن يُقْرَن بها شيء تقول: عَسَى زَيْدٌ يَخْرُجُ، وعَسَى أَنْتَ تَخْرُجُ، وعَسَى أَنَا أخْرُجُ، والكل متوجه ما عليه كلام الله أوجه، لأن "عسى" من الأفعال الجامدة، واقتران الفاعل بالفعل الأول من اقتران المفعول، لأن الفاعل كالجزء من الفعل ولهذا لم يجوزوا فيه أرْبَعَ متحركات في مثل قول القائل: بَصُرْتُ وجوزوا في مثل قولنا: بَصَرُكَ. وقد تقدم الكلام في "عسى" مشْبَعاً. وفي قوله: "عَسَيْتُم" إلى آخره، التفات من غيبة في قوله: {ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ} إلى خطابهم بذلك زيادة في توبيخهم والاستفهام للتقرير المؤكد فإنه لو قال على سبيل الإخبار: "عَسَيْتُمْ إنْ" لكان للمخاطب أن ينكره فإذا قال بصيغة الاستفهام فإنه يقول: أنا أسألك عن هذا وأنت لا تقدر (أن) تجيب إلا بـ "لا" أو "نَعَمْ"، فهو مُقَرَّر عندك وعندي. واعلم أَن "عَسَى" للتوقع والله عالم بكل شيء والكلام فيه كالكلام في "لَعَلَّ" وفي قوله: {أية : لِّيَبْلُوَكُمْ} تفسير : [المائدة:48] فقال بعضهم: يفعل بكم فعل المترجِّي والمبتلي والمتوقع. وقيل: كل من ينظر إليهم يتوقع منهم ذلك. وقال ابن الخطيب: هو محمول على الحقيقة؛ لأن الفعل إذا كان في نفسه متوقعاً فالنظر إليه غير مستلزم لأمر، وإِنما الأمر يجوز أن يحصل منه تارة، ولا يحصل منه أخرى يكون الفعل لذلك الأمر المطلوب على سبيل الترجِّي سواء كان الفاعل يعلم حصول الأمر منه أو لم يعلم, مثاله من نَصَبَ شَبَكةً لاصطياد الصَّيد يقال: هو متوقع لذلك، فإن حصل له العلم بوقوعه فيه بإخبار صادقٍ أنه سيقع أو بطريق أخرى لا يخرج عن التوقع. غاية ما في الباب أن في الشاهد لم يحصل لنا العلم فيما نتوقعه فظن أن عدم العلم لازم للتوقع فليس كذلك بل التوقع هو المنتظر بأمر ليس بواجب الوقوع نظراً إلى ذلك الأمر حسب سواء كان له به علم أو لم يكن. قوله: {وَتُقَطِّعُوۤاْ} قرأ العامة بالتشديد على التكثير، وأبو عمرو في رواية وسلام ويعقوب: بالتخفيف مضارع قَطَع. والحَسن: بفتح التاء والطاء مشددة، أصلها تَتَقَّطُعُوا بتاءين حذفت إحداهما. وانتصب "أَرْحَامَكُم" على هذا على إسقاط الخافض أي في أرْحَامِكُمْ.
البقاعي
تفسير : ولما كان أشد ما يتقى القيامة التي هم بها مكذبون، سبب عن اتباعهم الهوى قوله تعالى: {فهل ينظرون} أي ينتظرون، ولكنه جرده إشارة إلى شدة قربها {إلا الساعة} ولما كان كأنه قيل: ما ينتظرون من أمرها؟ أبدل منها قوله: {أن تأتيهم} أي تقوم عليهم، وعبر بالإتيان زيادة في التخويف {بغتة} أي فجاءة من غير شعور بها ولا استعداد لها. ولما دل ذلك على مزيد القرب، وكان مجيء علامات الشيء أدل على قربه مع الدلالة على عظمته، قال معللاً للبغتة: {فقد} ودل على القوة بتذكير الفعل فقال: {جاء أشراطها} أي علاماتها المنذرات بها من مبعث النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : بعثت أنا والساعة كهاتين" تفسير : انشقاق القمر المؤذن بآية الشمس في طلوعها من مغربها وغير ذلك، وما بعد مقدمات الشيء إلا حضوره. ولما كان المجيء من أهوالها تذكرها قبل حلولها للعمل بما يقتضيه التذكر، وكانت إذا جاءت شاغلة عن كل شيء، سبب عن مجيئها قوله تعالى: {فأنّى} أي فكيف ومن أين {لهم إذا جاءتهم} أي الساعة وأشراطها المعينة لها مثل طلوع الشمس من مغربها {ذكراهم *} لأنهم في أشغل الشغل ولو فرغوا لما تذكروا فعملوا ما أفاد لفوات وقت الأعمال وشرطها، وهو العمل على الإيمان بالغيب، وهكذا ساعة الإنسان التي تخصه وهي موته وأشراطها الجاثة على الذكرى وهو المرض والشيب ونحو ذلك، ومن أشراطها المعينة لها التي لا ينفع معها العمل الوصول إلى حد الغرغرة. ولما علم بذلك أن الذكرى غير نافعة إذا انقضت هذه الدار التي جعلت للعمل أو جاءت الأشراط المحققة الكاشفة لها، سبب عنه أمر أعظم الخلق وأشرفهم وأرقاهم وأجملهم صلى الله عليه وسلم تكويناً ليكون لغيره تكليفاً فقال تعالى: {فاعلم أنه} أي الشأن الأعظم الذي {لا إله إلا الله} أي انتفى انتفاء عظيماً أن يكون معبود بحق غير الملك الأعظم، فإن هذا العلم هو أعظم الذكرى المنجية من أهوال الساعة، وإنما تكون عالماً إذا كان نافعاً وإنما يكون نافعاً إذا كان مع الإذعان والعمل بما يقتضيه وإلا فهو جهل صرف، وهذا العلم يفيد أنه لا بد من قيام الساعة لأن الإله وعد بذلك وهو متصف بالكمال ولا شريك له يمنعه من إنجاز وعده. قال القشيري: والعبد يعلم أولاً ربه بدليل وبحجة فعلمه بنفسه ضروري وهذا هو أصل الأصول، وعليه بني كل علم استدلالي، ثم تزداد قوة علمه بزيادة البيان وكثرة الحجج وتناقص علمه بنفسه بغلبات ذكره لله بقلبه، فإذا انتهى إلى حال المشاهدة واستيلاء سلطان الحقيقة عليه صار علمه في تلك الحالة ضرورياً ويقل إحساسه بنفسه حتى يصير علمه بنفسه كالاستدلال وكأنه غافل عن نفسه أو ناس لنفسه، ويقال: الذي رأى البحر غلب عليه ما يأخذه في الرؤية للبحر عن ذكر نفسه فإذا ركب البحر قوي هذا الحال، فإذا غرق في البحر فلا إحساس له بشيء سوى ما هو مستغرق فيه ومستهلك، ولهذه الكلمة من الأسرار ما يملأ الأقطار منها أنها بكلماتها الأربع مركبة من ثلاثة أحرف إشارة إلى الوتر الذي هو الله سبحانه وتعالى والشفع الذي هو الخلق أنشأه تعالى أزواجاً، ومنها حرف لساني وحرفان حلقيان: الهاء والألف، غير أن الألف عبر عنها بمظهرها وهو الهمزة ظاهراً مرتين وخفياً في أداة التعريف في الابتداء مرة، وذكرت بلفظها أربع مرات، فتلك سبع هي أتم العدد لذلك وبني الخلق عليه، فالسماوات سبع والأراضي كذلك سبع إشارة إلى أن الإله الحق الذي هو غيب محض إنما علم بالتنزيل بأفعاله، فهي وصلة إلى معرفته وهي منقسمة إلى علوي وسفلي كما أن الألف التي هي كالغيب لأنها لا يمكن النطق بها ابتداء نزلت في مظهر الهمزة التي تكررت في هذه الكلمة مرتين في مقابلة الكونين العلوي والسفلي وبينهما ما لا نعلمه مما خفي عنا كما خفيت همزة الوصل. وعبر في الأمر بهذه الكلمة بالعلم إعلاماً بأن عمل القلب بها هو العمدة العظمى لكن لما كانت حروفها حلقياً ولسانياً كان في ذلك إشارة إلى أنه لا يكفي في أمرها إلا إذعان الباطن ومطابقة الظاهر الذي هو اللسان، فهو ترجمان القلب، ومتى لم يطابق اللسان القلب حيث لا مانع كان صاحبه من أهل آية الصافات وأحرفها اللفظية أربعة عشر حرفاً على عدد السماوات والأرض الدالة على الذات الأقدس الذي هو غيب محض والمقصود منها مسمى الجلالة الذي هو الإله الحق سبحانه وتعالى والجلالة الدالة عليه خمسة أحرف على عدة دعائم الإسلام الخمس: ووتريته دلالة على التوحيد، ولم يجعل فيها شيئاً شفهياً لتمكن ملازمتها لكونها أعظم مقرب إلى الله وأقرب موصل إليه مع الإخلاص، فإن الذاكر بها يقدر على المواظبة عليها ولا يعلم جليسه بذلك أصلاً، لأن غيرك لا يعلم ما في وراء شفتيك إلا بإعلامك، وكما دل الكلام على التوحيد بهذه الكلمة صريحاً دل على كلمة الرسالة التي لا ينفع التوحيد إلا بها تلويحاً بتسمية السورة "سورة محمد"، فهي القتال لأنه أمر صلى الله عليه وسلم أن يقاتل الناس حتى يصرحوا بما صرحت به السورة من كلمة التوحيد، وهي سورة محمد صلى الله عليه وسلم لأن التوحيد لا ينفع بدون الشهادة له بالرسالة، وبين الكلمتين مزيد اتفاق يدل على تمام الاتحاد والاعتناق، وذلك أن أحرف كل منهما إن نظرنا إليها خطاً كانت اثني عشرة حرفاً على عدد أجزاء السنة يكفر كل حرف منها شهراً، وإن نظرنا إليها نطقاً كانت أربعة عشر حرفاً لملأ الخافقين نوراً وعظمة ومهابة وجلالة واحتشاماً، وإن نظرنا إليها بالنظرين معاً كانت خمسة عشر لا يوقفها عن ذي العرش خالق الكونين موقف، وهو سر غريب دال على الحكم الشرعي الذي هو عدم انفكاك إحداهما عن الأخرى، فمن لم يجمعهما اعتقاده لم يقبل إيمانه، وقدمت هذه السورة في هذا سابقة لأن لها السبق وذكرت الأخرى في الفتح تالية، وسميت سورة هذه بالقتال وسورة الكلمة المحمدية بالفتح إشارة إلى أنه ما قاتل أحد عليهما مع الإخلاص إلا فتح عليه ولا يقدر أحد على مخالفته مع مناصبته إلا نفاقاً على وجه الذل والاضطراب. ولما كان حصول التوحيد الذي هو كمال النفس موجباً للإجابة كما في حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه عند الترمذي وأبي يعلى"حديث : ما من مؤمن يدعو الله بدعوة إلا استجيب له ما لم يكن إثماً أو قطيعة رحم"تفسير : الحديث، قال معلماً أنه يجب على الإنسان بعد تكميل نفسه السعي في تكميل غيره ليحصل التعاون على ما خلق العباد له، {واستغفر} أي اطلب الغفران من الله بعد العلم بأنه لا كفوء له بالدعاء له وبالاجتهاد في الأعمال الصالحة {لذنبك}، وهو كل مقام عال ارتفعت عنه إلى أعلى منه، وأوجده أنت من نفسك من أساء إليك لتكثر أبتاعك، فإن الاستقامة مهيئة للإمامة. ولما كان تكميل النفس مرقياً إلى تكميل الغير ليكون له مثل أجره، قال تعالى مبيناً لهذه النعمة العظيمة والمنة الجسيمة معيداً للجار معبراً بالإيمان والوصف إيذاناً بأن أعلى الأمة محتاج إلى ذلك، لأنه لا يقدر أحد أن يقدر الله حق قدره، وهذا مشرفاً لهذه الأمة حيث أمر الشفيع المجاب الدعوة بالاستغفار لهم وهو بالدعاء والحث على الاجتهاد في الأعمال الصالحة، حاذفاً المضاف إشارة إلى الاحتياج إلى المغفرة في كل حال لما للإنسان من النقصان بالخطأ والنسيان: {وللمؤمنين والمؤمنات} أي الراسخين في الإيمان لأنهم أحق الناس بذلك منك لأن ما عملوا من خير كان لك مثل أجره، ولا يخلو أحد منهم من تقصير في المعارف الإلهية والعمل بموجبها أو هفوة. ولما كان معرفة من يذنب ومن لا يذنب متوقفة على إحاطة العلم، قال عاطفاً على ما تقديره: فالله يعلم حركاتكم وسكناتكم سراً وجهراً ويعلم أنكم لا بد أن تعملوا ما جبلكم عليه من ذنب وهو يغفر لمن أراد ممن يسعى في كمال نفسه وتكميل غيره بغسل الذنوب، بالرجوع إلى طاعة علام الغيوب {والله} المحيط بجميع صفات الكمال {يعلم متقلبكم} أي تقلبكم ومكانه وزمانه {ومثواكم *} أي موضع سكونكم وقراره للراحة وكل ما يقع فيه من الثواء في وقته – في الدنيا والآخرة من حين كونكم نطفاً إلى ما لا آخر له.
القشيري
تفسير : قوله جلّ ذكره: {فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ ٱلسَّاعَةَ أَن تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَآءَ أَشْرَاطُهَا فَأَنَّىٰ لَهُمْ إِذَا جَآءَتْهُمْ ذِكْرَٰهُمْ فَٱعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ ٱللَّهُ وَٱسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ}. كان عالماً بأنه: {لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ ٱللَّهُ} فأمره بالثبات عليها؛ قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : أنا أعلمكم بالله، وأخشاكم له ". تفسير : ويقال: كيف قيل له: {... فَٱعْلَمْ} ولم يقل: عَلِمْتُ، وإبراهيم قيل له: {أية : أَسْلِمْ}تفسير : [البقرة: 131] فقال: "سلمت..."؟ فيُجاب بأن إبراهيمَ لمَّا قال "اسلمت" ابْتُلِيَ، ونبيَّنا صلى الله عليه وسلم لم يقل: علمت فعُوفِيَ. وإبراهيم عليه السلام أتى بَعْدَه شَرْع كَشَفَ سِرَّه، ونبيُّنا صلى الله عليه وسلم لم يأتِ بعدَه شرعٌ. ويقال: نبيُّنا صلى الله عليه وسلم أخبر الحقُّ عنه بقوله: {أية : ءَامَنَ ٱلرَّسُولُ...}تفسير : [البقرة: 285] والإيمان هو العلم - وإخبارُ الحقِّ سبحانه عنه أَتَمُّ من إخباره بنفسه عن نفسه: "عَلِمْتُ". ويقال: فرقٌ بين موسى عليه السلام لمَّا احتاج إلى زيادةِ العلم فأُحيلَ على الخضر، ونبيُّنا صلى الله عليه وسلم قال له: {أية : وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْماً}تفسير : [طه: 114]... فكم بين مَنْ أُحيلَ في استزادة العلم على عَبْدٍ وبين مَنْ أُمِرَ باستزادة العلم من الحق!!. ويقال لمَّا قال له: {فَٱعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ ٱللَّهُ} كان يأمره بالانقطاع إليه عن الخَلْق، ثم بالانقطاع منه - أي من الرسول - إليه... أي إلى الحق سبحانه. والعبدُ إذا قال هذه الكلمةَ على سبيلِ العادةِ والغفلةِ عن الحقيقة - أي كان بصفة النسيان - فليس لقوله كثيرُ قيمةٍ؛ كأن تُقال عند التعجب من شيء... فليس لهذا قَدْرٌ. أمَّا إذا قالها مخلصاً فيها، ذاكراً لمعناها، متحققاً بحقيقتها... فإنْ كان بنفسه فهو في وطن التفرقة... وعندهم هذا من الشِّرْكِ الخفِّي، وإن قالها بحقٍّ فهو الإخلاص. فالعبد يعلم أولاً ربَّه بدليل وحُجَّةٍ؛ فعِلْمُه بنفسه كَسْبيٌّ... وهو أصل الأصول، وعليه ينبني كل علم استدلالي! ثم تزداد قوةُ علمه بزيادة البيان وزيادة الحجج، ويتناقص علمُه بنفسه لغَلَبَاتِ ذِكْرِ اللَّهِ على القلب. فإذا انتهى إلى حال المشاهدة، واستيلاء سلطان الحقيقة عليه صار عِلْمُه في تلك الحالة ضرورياً. ويقلُّ إحساسُه بنفسه حتى يصير علمه بنفسه كالاستدلاليّ وكأنه غافلٌ عن نفسه أو ناسٍ لنفسه. ويقال: الذي على البحر يغلب عليه ما يأخذه من رؤية البحر، فإذا ركب البحر قويت هذه الحالة، حتى إذا غرق في البحر فلا إحساسَ له بشيء سوى ما هو مستغرقٌ فيه ومستهلك. {وَٱسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ}: أي إذا عَلِمْتَ أنك علمت فاستغفِرْ لذنبك من هذا؛ فإن الحقَّ - على جلال قدْرِه - لا يعلمه غيره.
اسماعيل حقي
تفسير : {فهل ينظرون} اى المنافقون والكافرون {الا الساعة} اى ما ينتظرون الا القيامة {ان تأتيهم بغتة} وهى المفاجأة بدل اشتمال من الساعة اى تباغتهم بغتة والمعنى انهم لا يتذكرون بذكر احوال الامم الخالية ولا بالاخبار باتيان الساعة وما فيها من عظائم الامور وما ينتظرون للتذكر الا اتيان نفس الساعة بغتة {فقد جاء اشراطها} تعليل لمفاجأتها لا لاتيانها مطلقا على معنى انه لم يبق من الامور الموجبة للتذكر امر مترقب ينتظرونه سوى اتيان نفس الساعة اذا جاء اشراطها فلم يرفعوا لها رأسا ولم يعدوها من مبادى اتيانها فيكون اتيانها بطريق المفاجأة لا محالة والاشراط جمع شرط بالتحريك وهو العلامة والمراد بها مبعثه عليه السلام وامته آخر الامم فمبعثه يدل على قرب انتهاء الزمان {فانى لهم اذا جاءتهم ذكراهم} حكم بخطاهم وفساد رأيهم فى تأخير التذكر الى اتيانها ببيان استحالة نفع التذكر حينئذ كقوله {أية : يومئذ يتذكر الانسان وأنى له الذكرى} تفسير : اى وكيف لهم ذكراهم اذا جاءتهم الساعة على ان انى خبر مقدم وذكراهم مبتدأ واذا جاءتهم اعتراض وسط بينهما رمزا الى غاية سرعة مجيئها واطلاق المجيئ عن قيد البغتة لما ان مدار استحالة نفع التذكر كونه عند مجيئه مطلقا لا مقيدا بقوله البغتة حديث : وروى عن مكحول عن حذيفة قال سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم متى الساعة قال "ما المسئول عنها بأعلم من السائل ولكن لها اشراط تقارب الاسواق" (يعنى كسادها) "ومطر لانبات" (يعنى مطر فى غير حينه) "وتفشو الفتنة وتظهر أولاد البغية ويعظم رب المال وتعلو أصوات الفسقه فى المساجد ويظهر أهل المنكر على أهل الحق" تفسير : وفى الحديث "حديث : اذا ضيعت الامانة فانتظر الساعة" فقيل كيف اضاعتها فقال "اذا وسد الامر الى غير اهله فانتظر الساعة " تفسير : بقومى كه نيكى بسندد خداى دهد خسرو عادل نيك راى جو خواهدكه ويران كند عالمى كند ملك دربنجه ظالمى. وقال الكلبى اشراط الساعة كثيرة المال والتجارة وشهادة الزور وقطع الارحام وقلة الكرام وكثرة اللئام وفى الحديث "حديث : ما ينتظر احدكم الا غنى مطغيا او فقرا منسيا او مرضا مفسدا او هرما مفندا او موتا مجهزا والدجال شر غائب ينتظر والساعة ادهى وامر" تفسير : انتهى وقيامة كل احد موته فعليه ان يستعد لما بعد الموت قبل الموت بل يقوم بالقيامة الكبرى التى هى قيامة العشق والمحبة التى يهلك عندها جميع ما سوى الله ويزول تعيين الوجود المجازى ويظهر سر الوجود الحقيقى نسأل الله سبحانه وتعالى ان يجعلنا من المسارعين الى مرضاته والاعضاء والقوى تساعد لا من المسومين فى امره والاوقات تمر وتباعد
الجنابذي
تفسير : حديثٌ فى احوال النّاس فى آخر الزّمان {فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ ٱلسَّاعَةَ أَن تَأْتِيَهُمْ} بدل من السّاعة بدل الاشتمال، او بتقدير اللاّم وتعليل لانتظارهم {بَغْتَةً فَقَدْ جَآءَ أَشْرَاطُهَا} جمع الشّرط بالتّحريك بمعنى العلامة فانّ من علاماتها فى العالم الكبير بعثة محمّدٍ (ص) وانشقاق القمر ونزول آخر الكتب، وفى العالم الصّغير اوّل الاشراط نزول العقل من عالمه العلوىّ فيه ثمّ التّغييرات الّتى تكون فيه ثمّ الامراض الّتى ترد عليه وغير ذلك ممّا يدلّ على زواله ودثوره، وقرئ ان تأتهم بكسران وجزم تأتهم وجوابه فقد جاء اشراطها يعنى ان تأتهم بغتةً فلا غرو فيه فقد جاء اشراطها، او جوابه قوله تعالى {فَأَنَّىٰ لَهُمْ إِذَا جَآءَتْهُمْ} السّاعة {ذِكْرَاهُمْ} يعنى لا ينفع ذكريهم اذا جاءتهم السّاعة، ويجوز ان يكون فاعل جاءتهم ذكريهم، عن النّبىّ (ص) "حديث : انّ من اشراط السّاعة ان يرفع العلم، ويظهر الجهل، ويشرب الخمر، ويفشو الزّنا، ويقلّ الرّجال، وتكثر النّساء، حتّى انّ الخمسين امرأة فيهنّ واحد من الرّجال، وقال القمّىّ: انّ ابن عبّاسٍ قال: حججنا مع رسول الله (ص) حجّة الوداع فأخذ بحلقة باب الكعبة ثمّ اقبل علينا بوجهه فقال: الا أخبركم باشراط السّاعة؟ - فكان ادنى النّاس منه يومئذٍ سلمان رحمه الله فقال: بلى يا رسول الله (ص)، فقال: انّ من اشراط القيامة اضاعة الصّلوات، واتّباع الشّهوات، والميل مع الاهواء، وتعظيم اصحاب المال، وبيع الدّين بالدّنيا، فعندها يذاب قلب المؤمن فى جوفه كما يذاب الملح فى الماء ممّا يرى من المنكر فلا يستطيع ان يغيّره، قال سلمان: وانّ هذا لكائنٌ يا رسول الله (ص)؟ - قال، اى والّذى نفسى بيده، يا سلمان انّ عندها يليهم امراء جَوَرة، ووزراء فسقة، وعرفاء ظلمة، وامناء خونة، فقال سلمان: وانّ هذا لكائن يا رسول الله (ص)؟ - قال: اى والّذى نفسى بيده، يا سلمان انّ عندها يكون المنكر معروفاً والمعروف منكراً، ويؤتمن الخائن ويخون الامين، ويصدّق الكاذب ويكذّب الصّادق، قال سلمان: وانّ هذا لكائن يا رسول الله (ص)؟ - قال: اى والّذى نفسى بيده، يا سلمان فعندها تكون امارة النّساء ومشاورة الاماء وقعود الصّبيان على المنابر ويكون الكذب ظرفاً والزّكاة مغرماً والفيء مغنماً، ويجفو الرّجل والديه ويبرّ صديقه ويطلع الكوكب المذنب، قال سلمان: وانّ هذا لكائن يا رسول الله (ص)؟ - قال: اى والّذى نفسى بيده، يا سلمان وعندها تشارك المرأة زوجها فى التّجارة، ويكون المطر قيظاً ويغيظ الكرام غيظاً، ويحتقر الرّجل المعسر فعندها تقارب الاسواق اذ قال هذا: لم ابع شيئاً، وقال هذا، لم اربح شيئاً فلا ترى الاّ ذامّاً لله، قال سلمان: وانّ هذا لكائن يا رسول الله (ص)؟ - قال: اى والّذى نفسى بيده، يا سلمان فعندها يليهم اقوام ان تكلّموا قتلوهم وان سكتوا استباحوهم، ليستأثرون بفيئهم، وليطؤنّ حرمتهم، وليسفكنّ دماءهم، وليملأنّ قلوبهم دغلاً ورعبا فلا تراهم الاّ وجلين خائفين مرعوبين مرهوبين، قال سلمان: وانّ هذا لكائن يا رسول الله (ص)؟ - قال: اى والّذى نفسى بيده، يا سلمان انّ عندها يؤتى بشيءٍ من المشرق وبشيءٍ من المغرب يلون امّتى، فالويل لضعفاء امّتى منهم والويل لهم من الله لا يرحمون صغيراً ولا يوقّرون كبيراً ولا يتخافون عن مسيءٍ جثّتهم جثّة الآدميّين وقلوبهم قلوب الشّياطين، قال سلمان: وانّ هذا لكائن يا رسول الله (ص)؟ - قال: اى والّذى نفسى بيده، يا سلمان وعندها يكتفى الرّجال بالرّجال والنّساء بالنّساء ويُغار على الغلمان كما يُغار على الجارية فى بيت اهلها، وتشبّه الرّجال بالنّساء والنّساء بالرّجال وتركبن ذوات الفروج السّروج فعليهنّ من امّتى لعنة الله، قال سلمان: وانّ هذا لكائن يا رسول الله (ص)؟ - قال: اى والّذى نفسى بيده، يا سلمان انّ عندها تزخرف المساجد كما تُزخرف البيَع والكنائس وتحلّى المصاحف وتطوّل المنارات وتكثر الصّفوف بقلوبٍ متباغضةٍ والسنٍ مختلفةٍ، قال سلمان: وانّ هذا لكائن يا رسول الله (ص)؟ - قال: اى والّذى نفسى بيده، يا سلمان وعندها تحلّى ذكور امّتى بالذّهب ويلبسون الحرير والدّيباج ويتّخذون جلود النّمور صفافاً، قال سلمان: وانّ هذا لكائن يا رسول الله (ص)؟ - قال: اى والّذى نفسى بيده، يا سلمان وعندها يظهر الرّبا ويتعاملون بالعينة والرّشىٰ، ويوضع الدّين وترفع الدّنيا، قال سلمان: وانّ هذا لكائن يا رسول الله (ص)؟ - قال: اى والّذى نفسى بيده، يا سلمان وعندها يكثر الطّلاق فلا يقام لله حدٌّ ولن يضرّوا الله شيئاً، قال سلمان: وانّ هذا لكائنٌ يا رسول الله (ص)؟ - قال: اى والّذى نفسى بيده، يا سلمان وعندها تظهر المغنّيات والمعازف وتليهم اشرار امّتى، قال سلمان: وانّ هذا لكائن يا رسول الله (ص)؟ - قال: اى والّذى نفسى بيده، يا سلمان وعندها يحجّ اغنياء امّتى للنّزهة، ويحجّ اوساطهم للتّجارة، ويحجّ فقراؤهم للرّيا والسّمعة فعندها تكون اقوام يتعلّمون القرآن لغير الله ويتّخذونه مزامير، ويكون اقوام يتفقّهون لغير الله، ويكثر اولاد الزّنا ويتغنّون بالقرآن ويتهافتون بالدّنيا، قال سلمان: وانّ هذا لكائن يا رسول الله (ص)؟ - قال: اى والّذى نفسى بيده، يا سلمان ذلك اذا انتهكت المحارم واكتسبت المآثم، وسُلّط الاشرار على الاخيار، ويفشو الكذب، وتظهر اللّجاجة، وتفشوا لفاقة، ويتباهون فى اللّباس، ويمطّرون فى غير اوان المطر، ويستحسنون الكوبة والمعازف، وينكرون الامر بالمعروف والنّهى عن المنكر حتّى يكون المؤمن فى ذلك الزّمان اذلّ من الأمة ويظهر قرّاءهم وعبّادهم فيما بينهم التّلاوم فاولئك يدعون فى ملكوت السّماوات الارجاس الانجاس، قال سملان: وانّ هذا لكائن يا رسول الله (ص)؟ - قال: اى والّذى نفسى بيده، يا سلمان فعندها لا يخشى الغنىّ الاّ الفقر حتّى انّ السّائل يسئل فيما بين الجمعتين لا يصيب احداً يضع فى كفّه شيئاً، قال سلمان: وانّ هذا لكائن يا رسول الله (ص)؟ - قال: اى والّذى نفسى بيده، يا سلمان عندها يتكلّم الرُّوبَيْضَة، فقال سلمان: وما الرّوبَيْضَة يا رسول الله (ص)؟! فداك ابى وامّى، قال: يتكلّم فى امر العامّة من لم يكن يتكلّم، فلم يلبثوا الاّ قليلاً حتّى تخور الارض خورة فلا يظنّ كلّ قوم الاّ انّها خارت فى ناحيتهم فبمكثون ما شاء الله ثمّ ينكثون فى مكثهم فتلقى لهم الارض افلاذ كبدها ذهباً وفضّةً، ثمّ اومى بيده الى الاساطين فقال: مثل هذا، فيومئذٍ لا ينفع ذهبٌ ولا فضّةٌ"تفسير : فهذا معنى قوله: {فَقَدْ جَآءَ أَشْرَاطُهَا}.
الهواري
تفسير : قوله: {فَهَلْ يَنظُرُونَ} [أي: فما ينتظرون] {إِلاَّ السَّاعَةَ} أي: النفخة الأولى التي يهلك الله بها كفار آخر هذه الأمة {أَن تَأْتِيَهُم بَغْتَةً} أي: فجأة {فَقَدْ جَاء أَشْرَاطُهَا}. كان النبي عليه السلام من أشراطها، وكان انشقاق القمر من أشراطها، ورمي الشياطين بالنجوم من أشراطها، وأشراطها كثيرة. ذكروا عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : إنما مثلي ومثل الساعة كهاتين، فما فضل إحداهما على الأخرى، فجمع بين اصبعيه الوسطى والسبابة . تفسير : وذكر بعضهم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : من أشراط الساعة موت الفجاءة، وأن يرى الهلال ليلته كأنه لليلتين، وأن تكلم الذئاب . تفسير : وقال بعضهم: من أشراط الساعة أن يلتمس العلم عند الأصاغر. ذكروا عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : من أشراط الساعة أن يظهر العلم، ويفيض المال، وتكثر التجار. ومن أشراط الساعة أن تقاتلوا قوماً نعالهم الشعر. ومن أشراط الساعة أن تقاتلوا قوماً كأن وجوههم المجانّ المطْرَقة . تفسير : ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حديث : من أشراط الساعة أن يرى رعاء الشاء على رؤوس الناس، وأن يرى الحفاة العراة الجُوَّع يتبارون في البنيان، وأن تلد الأمة ربها وربتها . تفسير : ذكروا عن أبي عمران الحولي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : حيث بعث إليّ بعث إلى صاحب الصور، فأهوى به إلى فيه، وقدم رجلاً وأخر أخرى ينتظر متى يؤمر فينفخ؛ ألا فاتقوا النفخة . تفسير : ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج يوماً على أصحابه فقال: حديث : كيف بكم وصاحب القرن قد حنى جبهته وأصغى بسمعه ينتظر متى يؤمر فينفخ فيه . تفسير : قال: {فَأَنَّى لَهُمْ} أي: فكيف لهم. {إِذَا جَاءتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ} أي: فكيف لهم التوبة إذا جاءتهم الساعة، إنها لا تقبل منهم.
اطفيش
تفسير : {فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ السَّاعَةَ} أي ينتظرونها ليس غيره* {أَن تَأْتِيَهُم} بدل اشتمال من الساعة وقرئ (إن تأتهم) بكسر الهمزة وحذفت الياء وهو شرط مستأنف والجواب {فَأَنَّى لَهُمْ} الخ وقوله: {فَقَدْ جَآءَ} الخ علة على القراءتين وعلى الكسر والحذف مصاحف أهل مكة وعن بعضهم الساعة النفخة الأولى وسميت القيامة ساعة لسرعتها* {بَغْتَةً} فجأة وهم على كفرهم ونفاقهم وهذا تقريب وتهديد. وروي عن أبي عمرو (بغتة) بتشديد الغين ولعله غلط من الراوي بل بفتحها بلا تشديد كما قرأ الحسن فيما مر وفي الحديث "حديث : بادروا بالأعمال سبعاً هل تنتظرون الا فقراً منسياً أو غنى مطغياً أو مرضاً مفسداً أو هرماً مقعداً أو موتاً مجهزاً أو الدجال أو الساعة" تفسير : (وهي أدهى وأمر)* {فَقَدْ جَآءَ أَشْرَاطُهَا} علاماتها جمع شرط بفتح الراء كقول أبى الاسود: شعر : فان كنت قد أزمعت بالصرم بيننا فقد جعلت أشراط أوله تبدو تفسير : فينبغى الاستعداد للساعة والذي جاء من أشراطها انشقاق القمر ومبعث النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : بعثت أنا والساعة كهاتين أي السبابة والوسطى" تفسير : فسبقتها كفضل احداها على الاخرى. "حديث : قال أنس عند قرب وفاته: ألا أحدثكم حديثاً عن النبى صلى الله عليه وسلم لا يحدثكم به أحد غيري سمعته يقول لا تقوم الساعة حتى يرفع العلم ويظهر الجهل ويشرب الخمر ويفشو الزنى ويذهب الرجال ويبقي النساء حتى يكون واحد لخمسين امرأة" تفسير : وفي رواية من أشراط الساعة (أن يرفع العلم) الخ. وروي ان من أشراطها تقارب الزمان ونقص العلم وظهور الفتن والشح والهرج أى القتل ومنها أن تضيع الامانة ويفوض الأمر لغير أهله والدخان من السماء وعن الكلبي كثرة المال والتجارة وشهادة الزور وقطع الارحام وقلة الكرام وكثرة اللئام وموت الفجأة وأن تتكلم الذئاب وكون العلم في صغير الشأن وفيض المال وموت الفجأة وأن تلد الامة ربها وربتها أي تكثر السراري فيلدن لساداتهن بنين وبنات وقيل يكثر بيعهن حتى تشتري المرأة أمها وتستعبدها جاهلة بها وقيل غير ذلك وأن ترى الحفاة العراة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان والمراد الفقراء يظهر غناهم وأن يكون الأسافل على المنابر ويقرب الأجل ويطرب المعاجز ويعجز المنصف وتكون الصلاة منا والزكاة مغرماً والامانة مغنماً والاستطالة للقراء ويسود كل قوم منافقون وتلي رقاب الناس الحفاة العراة الجوع وأن يكون سيد القوم لكع بن لكع وأن يظهر أولاد الزنى ويعظم رب المال وتظهر أصوات الفساق في المساجد ويظهر أهل المنكر على أهل الحق وتقتتل فئتان عظيمتان قتالاً عظيماً ودعواهما واحدة ويبعث دجالون كذابون قريب من ثلاثين كلهم يزعم أنه رسول الله وتكثر الزلازل ولا يجد رب المال من يأخذ زكاته ويعرضه ولا يقبل لكثرته ويمر الرجل بقبر أخيه ويقول يا ليتني مكانه وطلوع الشمس من مغربها والدجال ويأجوج ومأجوج وخروج عيسى وخروج الدابة وخسف بالمشرق وخسف بالمغرب وخسف بجزيرة العرب ونار تخرج من عدن تحشر الناس الى المحشر وأن يستغني الرجل بالرجل والنساء بالنساء وينتسبوا لغير نسبهم ولا يرحم الكبير الصغير ولا يوقر الصغير الكبير ويترك الامر بالمعروف والنهي عن المنكر ويتعلم العلم لينال به الدراهم والدنانير ويكون المطر صيفاً والولد قليلاً ويشيد البناء ويتبع الهواء ويباع الحكم وتفضض المصاحف وتزخرف المساجد وتظهر الرشا ويؤكل الربا ويباع الدين بعرض قليل من الدنيا وتستخف الدماء وتقطع الارحام ويصير الغنى غراً وتركب النساء السروج ويتكلم النساء في الطرق ويظهر أهل الباطل على الحق وتكون البيان أمراء النساء سلاطين وتشاور الاماء وفتن كقطع من الليل المظلم يموت قلب الرجل فيها كما يموت بدنه يصبح مؤمناً ويمسي كافراً ويصبح كافراً ويمسي مؤمناً وتظهر المعازف والحرير ويصير المنكر معروفاً والمعروف منكراً وتظهر البدع وتستباح الفواحش ولا يستحى منها وتتبرج النساء وتحبس الزكاة وتقل الصدقات وترفع البركات وتقل الأرزاق ولا تنال المعيشة الا بالشبهات ويهان العلماء ويكرم الشعراء ويكون قوم يصلون ويصومون ويقرأون القرآن ويتمردون على الرحمن لا تتجاوز قراءتهم حناجرهم أقوالهم أحلى من العسل ورائحتهم أنتن من البصل قلوبهم مسودة وسرائرهم خبيثة وعمال ظلمة وشهود زور وحكام فجور وشراب خمر يحدون غيرهم عليها ويزنون ويجلدون عليه يأمرون بالبر وينسون أنفسهم ويمرقون من الدين مروق السهم والغش حرفتهم الغيبة فاكهتهم والخيانة مصانعتهم ويرفعون أصواتهم بكلام الدنيا في المساجد ولا يرحم غنيهم فقيرهم ويشيدون بنيانهم ويهينون مساجدهم والامير كالاسد والقاضي كالذئب والتاجر كالثعلب والفاسق كالكلب والمؤمن كالشاة ثم بكى صلى الله عليه وسلم وقال "حديث : يا لها من شاة بين أسد وذئب وثعلب وكلب" تفسير : ويتوقعون ريحاً وتهتز الأرض بهم وتقع الفتنة بينهم فيقتل بعضهم بعضاً ويسئ بعضهم الى بعض فينتقم الله من الكل ولا تتم التجارة أو الحوائج الا بالايمان ويذهب الصالحون وتبقى حثالة الناس لا يبال الله بهم في أي واد من العذاب يهلكهم وقال مثلكم كمثل ورق بلا شوك الى سبعمائة سنة ثم شوك وورق الى ثمانمائة سنة ثم شوك ان تركتهم لا يتركوك وان فررت جذبوك سلطان جائح وغنى بخيل وعالم راغب وعابد مراء وفقير كذاب وتاجر فاجر وصانع خائن وشيخ غافل وشاب فاضح وامرأة لا حياء لها والمؤمن ذليل والفاجر عزيز وتأكل الام من فرج بنتها ويقحطون ثلاث سنين ويخرج الدجال بالطعام والشراب وكم من تابع له يقول له علمت انه كاذب لكن أصيب من طعامه وشرابه فيهلك ويكسف والقمر ليلة الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر ويرتفع القرآن وقد أهوى صاحب الصور بالصور الى فيه وقدم رجلاً للنفخ الا فاتقوا النفخة. كل ذلك أحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم ومر على أصحابه فقال "حديث : كيف أنعم وصاحب القرن قد حنى جبهته واضعاً سمعه ينتظر متى يؤمر بالنفخ وتترك الصلاة ويعق الوالدان وتطاع الزوجة ويقاتلون قوماً كأن وجوههم المجن المطروقة" تفسير : أى الاتراس الى غير ذلك من أحاديث موضوعة وغير موضوعة* {فَأَنَّى لَهُمْ إِذَآ جَآءَتْهُمْ} الساعة* {ذِكْرَاهُمْ} أي ومن أين لهم وكيف لهم التذكر أى لا تنفعهم ذكراهم حينئذ واذا علمت الامر من سعادة هؤلاء وشقاوة هؤلاء
اطفيش
تفسير : {فَهَل} عطف قصة على أخرى، أو عطف على محذوف أى مالهم داموا على الصرار، فهل الخ، وانما سميت ذلك الاستفهام قصة مع ان القصة فى الاخبار لأن المراد به النفى {ينْظُرون} ينتظرون بتأخير التذكر بأحوال الأمم المهلكة قبلهم، مع اقامة الحجج عليهم {إلاَّ السَّاعة} يوم القيامة {أنْ تأتيَهُم} المصدر منه بدل اشتمال، أى هل ينظرون الا اتيان الساعة وما فيها من عظائم الأهوال {بغْتةً} اتيان بغتة أو باغتة بغتة {فقد جاء أشراطها} علاماتها، والمفرد شرط بفتح الشين والراء، تعليل لقرب الساعة الذى دل عليه ما قبله، وما جاء علامات قرب الساعة لا يعد بعيدا، وقيل تعليل لانتظار الساعة، ما بقى لهم لمجىء أشراطها الا انتظارها لو أثبتوها، وظهور أمارات الشىء سبب لانتظاره، وقيل: تعليل للبغتة لكن على معنى أثبتنا البغتة لمجىء الأشرط، كبعث سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، فانه فى الكتب السالفة نبى آخر الزمان، وفى حديث البخارى ومسلم والترمذى عن أنس، ومثله عن سهل بن سعد أنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : بعثت أنا والساعة كهاتين" تفسير : وأشار بالسبابة والوسطى، تشبيها لقربها بقرب السبابة ان تساوى الوسطى طولا. وفى مسند أحمد: عن بريدة: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : بعثت أنا والساعة جميعاً وإنْ كادت لتسبقني" تفسير : وانشقاق القمر على عهده صلى الله عليه وسلم، وكالدخان لأهل مكة على عهده صلى الله الرحمن الرحيم عليه وسلم، وكخروج المهدى، ويموت سريعا، وقالت الشيعة: يعيش مدة صالحة، وكنزول عيسى عليه السلام وخروج الدجال، وطلوع الشمس من مغربها، وخروج الدابة، وكترؤس الحفاة الرعاة، والتطاول فى البنيان، وكثرة الغيبة، وأكل الربا وشرب الخمر، وتعظيم رب المال، وقلة الكرام، وكثرة اللئام، والتباهى فى المساجد، واتخاذها طرقا، وسوء الجوار، وقطع الأرحام، وقلة العلم، وأن يوسد الأمر الى غير أهله، وفى رواية للبخارى ومسلم، عن أنس، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : بعثت أنا والساعة كهاتين كفضل إحداهما على الأخرى" تفسير : وضم السبابة والوسطى، وفى رواية: "حديث : بعثت في نفس الساعة، فسبقتها كفضل هذه الأخرى ". تفسير : والمتبادر هو المشهور التفاوت فى التمثيل فى طولا الأصبعين، وقيل فى قرب المجاورة، خطب صلى الله عليه وسلم حين كادت الشمس تغرب، ولم يبق منها إلا شف بكسر الشين، وشد الفاء أى قيل فقال: "حديث : والذي نفس محمد بيده ما مثل ما مضى من الدنيا فيها بقي منها إلا مثل ما مضى من يومكم هذا، فيما بقي منه" تفسير : فى الترمذى، وعن أبى هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : بادروا بالأعمال سبعاً فهل ينتظرون إلاَّ فقراً منسياً أو غنى مطغياً أو مرضاً مفسداً أو هرماً مقيداً، أو موتاً مجهزاً، أو الدجال شر غائب ينتظر، أو الساعة والساعة أدهى وأمر" تفسير : وفى البخارى ومسلم، عن أنس وأبى هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من أشراط الساعة رفع العلم، وظهور الجهل، وشرب الخمر، وفشوا الزنى وكثرة النساء، وقلة الرجال، حتى يكون لخمسين امرأة قيم واحد، وتقارب الزمان، وظهور الفتن، والشح، وكثرة القتل" تفسير : وقال أعرابى: "حديث : متى الساعة؟ فقال صلى الله عليه وسلم: "إذا اضيعت الأمانة فانتظر الساعة" فقال: ما إضاعتها؟ قال "إن يوسد الأمر إلى غير أهله""تفسير : وينسب للسيوطى: أنه لا تتم خمسمائة بعد الألف، ومثله فى رسالة له تقوم الساعة فى نحو الألف وخمسمائة، بنى ذلك على أن مدة الدنيا سبعة آلاف سنة، وأنه صلى الله عليه وسلم بعث فى آخر الألف السادسة، وأن الدجال يخرج على رأس مائة، وينزل عيسى فيقتله، ويمكث بعده أربعين سنة، وأن الناس يمكثون بعد طلوع الشمس من مغربها مائة وعشرين سنة، وقد مضى من البعثة الى زماننا هذا ألف وثلاثمائة واثنان وعشرون سنة، وشهر وأيام سبعة يتبادر لك اختلال ما ذكر، ولا يعلم الغيب إلا الله، إلا أن علامات قرب الساعة ظاهرة. {فأنَّى} من أين وهو خبر لذكرى {لَهُم} متعلق باستقرار أنى بمعنى من أين أو بنى لنيابته عن الاستقرار {وإذا جاءتهم} الساعة، وجواب إذا أغنى عنه جملة أنى لهم، ذكراهم والاضافة فى قوله: {ذكراهم} للاستحقاق أى الذكرى التى من شأنهم أن يحصلوها لوجوبها عليهم، وقيل ذكر أهم فاعل جاءتاى أنى لهم الخلاص اذا جاءتهم الذكرى بما كانوا يخبرون به فى الدنيا، فينكرونه.
ابن عاشور
تفسير : تفريع على ما مضى من وصف أحوال الكافرين من قوله: {أية : أفلم يسيروا في الأرض}تفسير : [محمد: 10] إلى قوله: {أية : واتبعوا أهواءهم }تفسير : [محمد: 16] الشاملة لأحوال الفريقين ففرع عليها أن كلا الفريقين ينتظرون حلول الساعة لينالوا جزاءهم على سوء كفرهم فضمير ينظرون مراد به الكافرون لأن الكلام تهديد ووعيد، ولأن المؤمنين ينتظرون أموراً أخر مثل النصر والشهادة، قال تعالى: {أية : قل هل تَربَّصُون بنا إلا إحدى الحُسْنَيْينِ}تفسير : [التوبة: 52] الآية. والنظر هنا بمعنى الانتظار كما في قوله تعالى: {أية : هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك}تفسير : [الأنعام: 158] الآية. والاستفهام إنكار مشوب بتهكم، وهو إنكار وتهكم على غائبين، موجه إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، أي لا تحسب تأخير مؤاخذتهم إفلاتاً من العقاب، فإنه مُرجَوْن إلى الساعة. وهذا الاستفهام الإنكاري ناظر إلى قوله آنفاً {أية : والذين كفروا يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام والنار مثوى لهم}تفسير : [محمد: 12]. والقصر الذي أفاده الاستثناء قصر ادعائي، نُزل انتظارهم ما يأملونه من المرغوبات في الدنيا منزلة العدم لضآلة أمره بعد أن نُزلوا منزلة من ينتظرون فيما ينتظرون الساعة لأنهم لتحقق حلوله عليهم جديرون بأن يكونوا من منتظريها. و {أن تأتيهم} بدل اشتمال من الساعة. و{بغتة} حال من الساعة قال تعالى: {أية : لا تأتيكم إلا بغتة}تفسير : [الأعراف: 187]. والبغتة: الفجأة، وهو مصدر بمعنى: المرة، والمراد به هنا الوصف، أي مباغتة لهم. ومعنى الكلام: أن الساعة موعدهم وأن الساعة قريبة منهم، فحالهم كحال من ينتظر شيئاً فإنما يكون الانتظار إذا اقترب موعد الشيء، هذه الاستعارة تهكمية. والفاء من قوله: {فقد جاء أشراطها} فاء الفصيحة كالتي في قول عباس بن الأحنف:شعر : قالوا خراسانُ أقصى ما يراد بنا ثم القفول فقد جئنا خراسانا تفسير : وهذه الفصيحة تفيد معنى تعليل قرب مؤاخذتهم. والأشراط: جمع شَرَط بفتحتين، وهو: العلامة والأمارة على وجود شيء أو على وصفه. وعلامات الساعة هي علامات كونها قريبة. وهذا القرب يتصور بصورتين: إحداهما أن وقت الساعة قريب قرباً نسبياً بالنسبة إلى طول مدة هذا العالم ومن عليه من الخلق. والثانية: أن ابتداء مشاهدة أحوال الساعة يحصل لكل أحد بموته فإن روحه إذا خلصت عن جسده شاهدت مصيرها مشاهدة إجمالية وبه فسر حديث أبي هريرة مرفوعاً «حديث : القبر روضة من رياض الجنة أو حفر من حفر النار» تفسير : رواه الترمذي. وهو ضعيف ويفسره حديث ابن عمر مرفوعاً «حديث : إذا مات الميت عرض عليه مقعده بالغداة والعشي فإن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة وإن كان من أهل النار فمن أهل النار ثم يقال: هذا مقعدك حتى يبعثك الله يوم القيامة» تفسير : ونهاية حياة المرء قريبة وإن طال العمر. والأشراط بالنسبة للصورة الأولى: الحوادث التي أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنها تقع بين يدي الساعة، وأولها بعثته لأنه آخر الرسل وشريعته آخر الشرائع ثم ما يكون بعد ذلك، وبالنسبة للصورة الثانية أشراطها الأمراض والشيخوخة. {فَأَنَّىٰ لَهُمْ إِذَا جَآءَتْهُمْ ذكراهم}. تفريع على {فقد جاء أشراطها}. و {أنّى} اسم يدل على الحالة، ويضمّن معنى الاستفهام كثيراً وهو هنا استفهام إنكاري، أي كيف يحصل لهم الذكرى إذا جاءتهم الساعة، والمقصود: إنكار الانتفاع بالذكرى حينئذٍ. و {أنَّى} مبتدأ ثان مقدم لأن الاستفهام له الصدارة. و {ذكراهم} مبتدأ أول و{لهم} خبر عن {أنّى}، وهذا التركيب مثل قوله تعالى: {أية : أنّى لهم الذكرى} تفسير : في سورة الدخان (13)، وضمير {جاءتهم} عائد إلى {الساعة}.
الشنقيطي
تفسير : {فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ ٱلسَّاعَةَ أَن تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً}. قد قدمنا الآيات الموضحة له، في سورة الزخرف، في الكلام على قوله تعالى{أية : هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ ٱلسَّاعَةَ أَن تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ}تفسير : [الزخرف: 66]. قوله تعالى: {فَأَنَّىٰ لَهُمْ إِذَا جَآءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ}. التحقيق إن شاء الله تعالى، في معنى هذه الآية الكريمة، أن الكفار يوم القيامة، إذا جاءتهم الساعة، يتذكرون ويؤمنون بالله ورسوله، وأن الإيمان في ذلك الوقت لا ينفعهم لفوات وقته فقوله {ذِكْرَاهُم} مبتدأ خبره {فَأَّنَّى لَهُمْ} أي كيف تنفعهم ذكراهم وأيمانهم بالله، وقد فات الوقت الذي يقبل فيه الإيمان. والضمير المرفوع في {جَآءَتْهُمْ} عائد إلى الساعة التي هي القيامة. وهذا المعنى، الذي دلت عليه هذه الآية الكريمة، من أن الكفار يوم القيامة يؤمنون، ولا ينفعهم إيمانهم جاء موضحاً في آيات كثيرة كقوله تعالى: {أية : وَقَالُوۤاْ آمَنَّا بِهِ وَأَنَّىٰ لَهُمُ ٱلتَّنَاوُشُ مِن مَّكَانِ بَعِيدٍ}تفسير : [سبأ: 52]، وقوله تعالى: {أية : وَجِيۤءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ ٱلإِنسَانُ وَأَنَّىٰ لَهُ ٱلذِّكْرَى}تفسير : [الفجر: 23]. وقد قدمنا الآيات الموضحة لهذا في سورة الأعراف في الكلام على قوله تعالى:{أية : هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُه}تفسير : [الأعراف: 53] إلى قوله -{أية : أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ ٱلَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ}تفسير : [الأعراف: 53]. فظهر أن قوله {فَأَنَّىٰ لَهُمْ إِذَا جَآءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ} على حذف مضاف، أي أنى لهم نفع ذكراهم. والذكرى اسم مصدر بمعنى الاتعاظ الحامل على الايمان.
د. أسعد حومد
تفسير : {ذِكْرَاهُمْ} (18) - وَبَعْدَ أنْ قَامَتِ الدَّلائلُ عَلَى وُجُودِ اللهِ تَعَالى، وَوحْدَانِيَّتِهِ، وَصِدْقِ نُبُوَّةِ رَسُولِهِ، وأنَّ اللهَ سَيَبْعَثُ العِبَادَ مِنْ قُبُورِهِمْ يَوْمَ القِيَامِةِ لِيُحَاسِبَهُم عَلَى أعْمَالِهم، فَماذا يَنْتَظِرُ هَؤُلاءِ المُكَذِّبُونَ لِيَعْتَبُروا وَيُؤمِنُوا؟ وَهَلْ سَيَظَلُّونَ عَلَى كُفْرِهم وَتَردُّدِهِمْ وَتَكْذِيبِهِمْ حَتَّى تَقُومَ السَّاعةُ وَتْفجَأهُمْ، وَهُمْ لاَهُونَ، لِيتَأكَّدُوا أنَّ مَا جَاءَهُمْ بهِ الرَّسُولُ من عِنْدِ رَبِّهم حَقٌّ، وَحِينَئِذٍ يُؤمِنُونَ وَيُصَدِّقُونَ، وَقَدْ ظَهَرتْ عَلامَاتُ قِيامِ السَّاعةِ، وأمَاراتُ اقتِرابِها. وَحِينَما تَقُومُ السَّاعةُ فَمِنْ أيْنَ لِلْكَافِرين التَّذَكُّرُ، وَقَدْ فَاتَ أوَانُهُ، وَهُمْ لاَ يَنْتَفِعُونَ بِهِ، ولا تُقبَلُ مِنْهُمُ التَّوْبَةُ بَعْدَ انْقِضَاءِ الدُّنيا. جَاءَ أشْراطُهَا - عَلاَمَاتُ حُلُولِها وَوُقُوعِها. فَأنَّى لَهُمُ - فَكَيفَ لَهُمْ وَمِنْ أينَ لَهُمْ. ذِكْرِاهُمْ - تَذَكُّرُهُمْ مَا فَرَّطُوا في جَنْبِ اللهِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : الحديث هنا عن الكافرين الذين لا يلتفتون إلى أدلة وجود الله في الكون، ولا إلى معجزات الرسل فيؤمنون بهم ويصدقونهم، ولا إلى أحكام الله فيعملون بها، هؤلاء القوم ماذا ينتظرون؟ {فَهَلْ يَنظُرُونَ ..} [محمد: 18] أي: ينتظرون {إِلاَّ ٱلسَّاعَةَ ..} [محمد: 18] الساعة بالنسبة لهم يعني الموت، لأن الزمن ينتهي بالنسبة للإنسان بالموت، فمَنْ مات قامت قيامته، والمرء لا يعرف أجله ولا متى يموت، لأن الله أخفاه واحتفظ به لنفسه سبحانه، فلا يطلع عليه أحد. إذن: طول العمر وقصره نحن لا دخْلَ لنا به، ولا نتحكم فيه، لأنه متروك لمن بيده الأعمار والآجال، لكن بيدك عرضه بأنْ تشغل عمرك بعمل الخير، وتوسِّع دائرة الخير في حياتك وتنفع الآخرين، كما يمكنك أنْ تضيف لحياتك بُعداً آخر، بأن تفعل من الخير ما يبقى ذكراً لك بعد موتك، وذُخْراً لك عند ربك. فإذا علمتَ أن العمر نفسٌ يدخل ولا يخرج، أو طرفة عين لا تعود كنت على حذر من أنْ تموت على معصية الله، على حذر من أنْ تؤخر التوبة أو تسوِّف فيها، لأنك لا تضمن متى يداهمك الموت. فحين تسمع نداء الصلاة قُمْ ولبِّ النداء، ولا تقل الوقت طويل، وسوف أصلي، معك مال وتقدر أنْ تحج لا تقل أحج العام القادم، لأنك إذا كنتَ لا تضمن عمرك لحظة، فكيف تضمنه بعد عام؟ صحيح ليس في تأخير هذه الأعمال عقوبة لكن يفوتك بالتأخير فضل الصلاة لوقتها وفضل الجماعة. لذلك ورد في الحديث الشريف: "حديث : اعمل لدنياك كأنك تعيش أبداً، واعمل لآخرتك كأنك تموت غداً ". تفسير : البعض فهم من الحديث "اعمل لدنياك" أي: ما يكفيك طوال العمر، لكن المراد بالعمل هنا: اعمل للدنيا على رسلك ولا تستغرق فيها، وما فاتك منها اليوم تدركه غداً. يعني على مهل ولا تأخذ المسألة من أول صفقة. والذي يُعاب في السَّعي من أجل الدنيا أنْ تستحوذ الدنيا على كلِّ اهتمامك وتأخذ كل وقتك وتريدها على عجل. والأخطر من ذلك أن نستعين بالنعمة وبالمال على المعصية أو نروج السلعة بشيء محرم شرعاً، فتنقلب النعمة في أيدينا إلى نقمة. لذلك يقول تعالى: {أية : أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ كُفْراً ..}تفسير : [إبراهيم: 28] ككثيرات من بناتنا الآن نراهن كايسات عاريات يُظهرنَ ما حباهن الله من جمال، وبدل أنْ تشكر النعمة بصيانتها تَكْفُرها بتبرجها. وياليت الضال يضل في نفسه، أنما الأدهى من ضلاله أنْ يكون مثالاً لغيره فتشيع الفتنة في المجتمع، لذلك يقول تعالى في تتمة الآية: {أية : وَأَحَلُّواْ قَوْمَهُمْ دَارَ ٱلْبَوَارِ}تفسير : [إبراهيم: 28] ما هي دار البوار؟ {أية : جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ ٱلْقَرَارُ}تفسير : [إبراهيم: 29]. فهذه الفتن تعصف بالشباب خاصة في مراحل المراهقة وعدم وجود فرصة عمل وهم ما يزالون عالة على أهاليهم، لذلك نقول لبناتنا: أتقين الله فالشباب معذور غلبان كفاه أنْ يدافع سُعار المراهقة، فلا تُهيجنَّ فيه سعاراً جديداً بما تفعلْنَ من التبرج والسُّفور وعدم التحشم. وأذكر مرة أنهم أرادوا أنْ يكرموا أحد رجالهم البارزين فأقاموا له حفلاً وأحضروا فيه الراقصات وما إلى ذلك، فقلت: سبحان الله أهكذا يكون تكريم البارزين عندنا، ثم أمسكت بصاحبنا وقت له (يا سلام الرقص الليلة كان حلواً، فالبنت كانت (تتشخلع) بورع وتتثنَّى بتقوى)!! إيه حكايتكم بالضبط؟ نعم: {أية : وَأَحَلُّواْ قَوْمَهُمْ دَارَ ٱلْبَوَارِ}تفسير : [إبراهيم: 28]. وقوله تعالى: {أَن تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً ..} [محمد: 18] يعني: فجأة {فَقَدْ جَآءَ أَشْرَاطُهَا ..} [محمد: 18] أي: علاماتها وسماتها المميزة لها المنذرة بقربها، وقد ذكر لنا سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم طرفاً من هذه العلامات، فقال: "حديث : نساء كاسيات عاريات مميلات مائلات رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها، وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا ". تفسير : صحيح، فالرأس على شكل (مش عارف إيه والشفايف حمَّروها)، والحواجب دقَّقوها .. إلخ يُغيِّرنَ خَلْق الله ويستعنَّ بنعمة الله على معصية الله، وهذه من علامات الساعة. لذلك نسأل الله الهداية لبناتنا، وأنْ تحفظ كُلٌّ منهن جمالها، وأنْ تجعل حمد الله على النعمة طاعةً له سبحانه، وألاَّ تجعل نعمة الله عليها مُسمَّمة بمعصيته وأقول لأولياء الأمور: اتقوا الله في البنات ولا تضطروهن للعمل في الإعلانات الخليعة لأنها محرمة، ومَنْ يأكل منها إنما يأكل سُحْتاً من حرام. كذلك من أشراط الساعة التي أخبر بها سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : إذا رأيت شُحاً مطاعاً، وهَوى مُتبعاً، وإعجابَ كل ذي رأي برأيه فانتظر الساعة ". تفسير : وقال: "حديث : إذا وُسِّد الأمر لغير أهله فانتظر الساعة"تفسير : وغير ذلك من العلامات. وقوله سبحانه: {فَأَنَّىٰ لَهُمْ إِذَا جَآءَتْهُمْ ذِكْرَٰهُمْ} [محمد: 18] يعني: كيف أو من أين لهم التذكُّر وقد فات أوانه وباغتتهم القيامة، أنّى لهم التذكر، وأنّى لهم أنْ يستأنفوا عملاً صالحاً. ثم يختمها بقضية القضايا التي إنْ صَلُحَتْ صَلُح للإنسان كلُّ شيْ، فيقول: {فَٱعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ ٱللَّهُ ...}.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {فَقَدْ جَآءَ أَشْرَاطُهَا} قال: أعلامُها. ويقال: أولُها.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : أي: فهل ينظر هؤلاء المكذبون أو ينتظرون { إِلا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً } أي: فجأة، وهم لا يشعرون { فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا } أي: علاماتها الدالة على قربها. { فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ } أي: من أين لهم، إذا جاءتهم الساعة وانقطعت آجالهم أن يتذكروا ويستعتبوا؟ قد فات ذلك، وذهب وقت التذكر، فقد عمروا ما يتذكر فيه من تذكر، وجاءهم النذير. ففي هذا الحث على الاستعداد قبل مفاجأة الموت، فإن موت الإنسان قيام ساعته.
همام الصنعاني
تفسير : 2881- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله: {فَأَنَّىٰ لَهُمْ إِذَا جَآءَتْهُمْ ذِكْرَٰهُمْ}: [الآية: 18]، قَال: قد أنى لهم أن يتزكوا أو يتوبوا، قال: إذا جاءتهم الساعة.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):