٤٧ - مُحَمَّد
47 - Muhammad (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
19
Tafseer
الرازي
تفسير : ولبيان المناسبة وجوه الأول: هو أنه تعالى لما قال: {أية : فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا } تفسير : [محمد: 18] قال: {فَٱعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ ٱللَّهُ } يأتي بالساعة، كما قال تعالى: {أية : أَزِفَتِ ٱلآزِفَةُ * لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ ٱللَّهِ كَاشِفَةٌ } تفسير : [النجم: 57، 58]، وثانيها: {فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا } وهي آتية فكأن قائلاً قال متى هذا؟ فقال: {فَٱعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ ٱللَّهُ } فلا تشتغل به واشتغل بما عليك من الاستغفار، وكن في أي وقت مستعداً للقائها ويناسبه قوله تعالى: {وَٱسْتَغْفِـرْ لِذَنبِكَ }، الثالث: {فَٱعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ ٱللَّهُ } ينفعك، فإن قيل النبي عليه الصلاة والسلام كان عالماً بذلك فما معنى الأمر، نقول عنه من وجهين أحدهما: فاثبت على ما أنت عليه من العلم كقول القائل لجالس يريد القيام: اجلس أي لا تقم ثانيهما: الخطاب مع النبي عليه الصلاة والسلام، والمراد قومه والضمير في أنه للشأن، وتقدير هذا هو أنه عليه السلام لما دعا القوم إلى الإيمان ولم يؤمنوا ولم يبق شيء يحملهم على الإيمان إلا ظهور الأمر بالبعث والنشور، وكان ذلك مما يحزن النبي عليه الصلاة والسلام، فسلى قلبه وقال أنت كامل في نفسك مكمل لغيرك فإن لم يكمل بك قوم لم يرد الله تعالى بهم خيراً فأنت في نفسك عامل بعلمك وعلمك حيث تعلم أن الله واحد وتستغفر وأنت بحمد الله مكمل وتكمل المؤمنين والمؤمنات وأنت تستغفر لهم، فقد حصل لك الوصفان، فاثبت على ما أنت عليه، ولا يحزنك كفرهم، وقوله تعالى: {وَٱسْتَغْفِـرْ لِذَنبِكَ } يحتمل وجهين أحدهما: أن يكون الخطاب معه والمراد المؤمنون وهو بعيد لإفراد المؤمنين والمؤمنات بالذكر. وقال بعض الناس {لِذَنبِكِ } أي لذنب أهل بيتك وللمؤمنين والمؤمنات أي الذين ليسوا منك بأهل بيت وثالثهما: المراد هو النبي والذنب هو ترك الأفضل الذي هو بالنسبة إليه ذنب وحاشاه من ذلك وثالثها: وجه حسن مستنبط وهو أن المراد توفيق العمل الحسن واجتناب العمل السيء، ووجهه أن الاستغفار طلب الغفران، والغفران هو الستر على القبيح ومن عصم فقد ستر عليه قبائح الهوى، ومعنى طلب الغفران أن لا تفضحنا وذلك قد يكون بالعصمة منه فلا يقع فيه كما كان للنبي صلى الله عليه وسلم وقد يكون بالستر عليه بعد الوجود كما هو في حق المؤمنين والمؤمنات، وفي هذه الآية لطيفة وهي أن النبي صلى الله عليه وسلم له أحوال ثلاثة حال مع الله وحال مع نفسه وحال مع غيره، فأما مع الله وحده، وأما مع نفسك فاستغفر لذنبك واطلب العصمة من الله، وأما مع المؤمنين فاستغفر لهم واطلب الغفران لهم من الله {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ } يعني حالكم في الدنيا وفي الآخرة وحالكم في الليل والنهار.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى:{فَٱعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلأ ٱللَّهُ} قال الماورديّ: وفيه ـ وإن كان الرسول عالماً بالله ـ ثلاثة أوجه: يعني ٱعلم أن الله أعلمك أن لا إلٰه إلا الله. الثاني ـ ما علمته ٱستدلالاً فٱعلمه خبراً يقيناً. الثالث ـ يعني فاذكر أن لا إلٰه إلا الله؛ فعبّر عن الذكر بالعلم لحدوثه عنه. وعن سفيان بن عيينة أنه سئل عن فضل العلم فقال: ألم تسمع قوله حين بدأ به {أية : فَٱعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلا ٱللَّهُ وَٱسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ}تفسير : [محمد: 19] فأمر بالعمل بعد العلم وقال: {أية : ٱعْلَمُوۤاْ أَنَّمَا ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ ـ إلى قوله ـ سَابِقُوۤاْ إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ}تفسير : [الحديد:0 2 ـ21 ] وقال: {أية : وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّمَآ أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ} تفسير : [الأنفال: 82]. ثم قال بعد: «فَٱحْذَرُوهُمْ». وقال تعالى: {أية : وَٱعْلَمُوۤا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ للَّهِ خُمُسَهُ}تفسير : [الأنفال: 41]. ثم أمر بالعمل بعد. قوله تعالى: {وَٱسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ} يحتمل وجهين: أحدهما ـ يعني ٱستغفر الله أن يقع منك ذنب. الثاني ـ ٱستغفر الله ليعصمك من الذنوب. وقيل: لما ذكر له حال الكافرين والمؤمنين أمره بالثبات على الإيمان؛ أي ٱثبت على ما أنت عليه من التوحيد والإخلاص والحذر عما تحتاج معه إلى ٱستغفار. وقيل: الخطاب له والمراد به الأمة؛ وعلى هذا القول توجب الآية استغفار الإنسان لجميع المسلمين. وقيل: كان عليه السلام يضيق صدره من كفر الكفار والمنافقين؛ فنزلت الآية. أي فٱعلم أنه لا كاشف يكشف ما بك إلا الله، فلا تعلق قلبك بأحد سواه. وقيل: أمر بالاْستغفار لتقتدي به الأمة. {وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ} أي ولذنوبهم. وهذا أمر بالشفاعة. وروى مسلم عن عاصم الأحول عن عبد الله بن سَرْجِس المخزوميّ قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وأكلت من طعامه فقلت: يا رسول الله، غفر الله لكٰ فقال له صاحبي: هل ٱستغفر لك النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: نعم، ولك. ثم تلا هذه الآية: {وَٱسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ} ثم تحوّلت فنظرت إلى خاتم النبوة بين كتفيه، جُمْعاً (عليه) خِيلان كأنه الثآليل. {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ} فيه خمسة أقوال: أحدها ـ يعلم أعمالكم في تصرفكم وإقامتكم. الثاني ـ «مُتَقَلَّبَـكُم» في أعمالكم نهاراً «وَمَثْوَاكُمْ» في ليلكم نياماً. وقيل «مُتَقَلَّبَـكُمْ» في الدنيا. «وَمَثْوَاكُمْ» في الدنيا والآخرة؛ قاله ابن عباس والضحاك. وقال عكرمة: «مُتَقَلَّبَـكُمْ» في أصلاب الآباء إلى أرحام الأمهات. «وَمَثْوَاكُمْ» مقامكم في الأرض. وقال ابن كَيْسان: «مُتَقَلَّبَـكُمْ» من ظهر إلى بطن إلى الدنيا. «ومثواكم» في القبور. قلت: والعموم يأتي على هذا كله، فلا يخفى عليه سبحانه شيء من حركات بني آدم وسكناتهم، وكذا جميع خلقه. فهو عالم بجميع ذلك قبل كونه جملة وتفصيلاً أُولَى وأخْرَى. سبحانه! لا إلٰه إلا هو.
المحلي و السيوطي
تفسير : {فَٱعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَٰهَ إِلاٱللَّهُ } أي دم يا محمد على علمك بذلك النافع في القيامة {وَٱسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ } لأجله قيل له ذلك مع عصمته لتستنّ به أمته وقد فعله قال صلى الله عليه وسلم:«إني لأستغفر الله في كل يوم مائة مرة» {وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَٰتِ } فيه إكرام لهم بأمر نبيهم بالاستغفار لهم {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ } متصرفكم لأشغالكم بالنهار {وَمَثْوَاكُمْ } مأواكم إلى مضاجعكم بالليل، أي هو عالم بجميع أحوالكم لا يخفى عليه شيء منها فاحذروه، والخطاب للمؤمنين وغيرهم.
ابن عبد السلام
تفسير : {فَاعْلَمْ} أن الله أعلمك {أَنَّهُ لآ إِلَهَ إِلا اللَّهُ} هو، أو ما علمته استدلالاً فاعلمه يقيناً، أو ما ذكر عبر عن الذكر بالعلم لحدوثه عنه.
القمي النيسابوري
تفسير : القراءات: {وتقطعوا} بالتخفيف من القطع: سهل ويعقوب. والآخرون: بالتشديد من التقطيع {وأملى لهم} مبنياً للمفعول ماضياً: أبو عمرو ويعقوب {وأملى} مضارعاً مبنياً للفاعل: سهل ورويس. الباقون: ماضياً مبنياً للفاعل {إسرارهم} بكسر الهمز على المصدر: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر وحماد {وليبلونكم حتى يعلم} {ويبلوا} بالياءات: أبو بكر وحماد. الآخرون: بالنون في الكل. وقرأ يعقوب {ونبلو} بالنون مرفوعاً {السلم} بكسر السين: حمزة وخلف وأبو بكر وحماد. الوقوف: {والمؤمنات} ط {ومثواكم} ه {نزلت سورة} ج للشرط مع الفاء {القتال} لا {الموت} ط للابتداء بالدعاء عليهم {لهم} ه ج لاحتمال أن يكون الأولى بمعنى الأقرب كما يجيء {معروف} قف {الأمر} ز لاحتمال أن التقدير فإذا عزم الأمر كذبوا وخالفوا {خيراً لهم} ه ج لابتداء الاستفهام مع الفاء {أرحامكم} ه {أبصارهم} ه {أقفالها} ه {الهدى} لا لأن الجملة بعده خبر "إن" {سوّل لهم} ط لأن فاعل {وأملى} ضمير اسم الله ويجوز الوصل على جعله حالاً وقد أملى، أو على أن فاعله ضمير الشيطان من حيث أنه يمنيهم ويعدهم، والوقف أجوز واعزم. والحال على قراءة {وأملى} بفتح الياء أجوز والوقف به جائز، ومن سكن الياء فالوقف به أليق لأن المستقبل لا ينعطف على الماضي. ومع ذلك لو جعل حالاً على تقدير وأنا أملي جاز {لهم} ه {الأمر} ج لأن ما بعده يصلح استئنافاً وحالاً والوقف أجوز لأن الله يعلم الأسرار في الأحوال كلها {إسرارهم} ه {وأدبارهم} ه {أعمالهم} ه {أضغانهم} ه {بسيماهم} ط للابتداء بما هو جواب القسم {القول} ط {أعمالكم} ه {والصابرين} ط لمن قرأ {ونبلو} بسكون الواو أي ونحن نبلو {أخباركم} ه {الهدى} لا لأن ما بعده خبر "إن" {شيئاً} ط {أعمالهم} ه {أعمالكم} ه {لهم} ه {إلى السلم} قف قد قيل: على أن قوله {وأنتم} مبتدأ، وجعله حالاً أولى {الأعلون} قف كذلك {أعمالكم} ه قف {ولهو} ط {أموالكم} ه {أضغانكم} ه {سبيل الله} ج لانقطاع النظم مع الفاء {من يبخل} ج لابتداء الشرط مع العطف {عن نفسه} ط {الفقراء} ه للشرط مع العطف {غيركم} لا للعطف {أمثالكم} ه. التفسير: لما ذكر حال الفريقين المؤمن والكافر من السعادة والشقاوة قال لنبيه صلى الله عليه وسلم: فاثبت على ما أنت عليه من التوحيد ومن هضم النفس باستغفار ذنبك أو ذنوب أمتك. أو المراد فاعلم خبراً يقيناً على ما علمته نظراً واستدلالاً. أو أراد فاذكر لا إله إلا الله. والهاء في {أنه} لله أو للأمر والشأن، أو الأول إشارة إلى أصول الحكمة النظرية، والثاني إلى أصول الحكمة العملية، أمره بالحكمة العملية بعد الحكمة النظرية. عن سفيان بن عيينة أنه سئل عن فضل العلم فتلا هذه الآية. وذلك أنه أمر بالعمل بعد العلم. والفاءات في هذه الآية وما تقدّمها لعطف جملة على جملة بينهما اتصال. وفي الآية نكتة وهي أن النبي صلى الله عليه وسلم له أحوال ثلاث: حال مع الله وهي توحيده، وحال مع نفسه وهي طلب العصمة من الذنوب وأن يستر الله عليه جنس الآثام حتى لا يقع فيها، وحال مع غيره وهي طلب ستر الذنوب عليهم بعد وقوعهم فيها أو أعم ويندرج فيها الشفاعة. ثم قال {والله يعلم متقلبكم ومثواكم} فقيل: التقلب في الأسفار والمثوى في الحضر. وقيل: أراد منتشركم في النهار ومستقركم بالليل. وقيل: الأوّل في الدنيا والثاني في الآخرة. وقيل: لكل متقلب مثوى فيتقلب من أصلاب الآباء إلى أرحام الأمهات ثم إلى الدنيا ثم إلى القبر ثم إلى الجنة أو النار. والمقصود بيان كمال علمه بحال الخلائق فعليهم أن لا يهملوا دقائق الطاعة والخشية ويواظبوا على طلب المغفرة خوفاً من التقصير في العبودية. ثم ذكر طرفاً آخر من نصائح أهل النفاق ومن ينخرط في سلكهم من ضعفة الإسلام، وذلك أنهم كانوا يدّعون الحرص على الجهاد ويقولون بألسنتهم {لولا نزلت} سورة في باب القتال {فإذا أنزلت سورة محكمة} مبينة غير متشابهة لا تحتمل النسخ {وذكر فيها القتال} عن قتادة: كل سورة ذكر فيها القتال فهي محكمة وهي أشدّها على المنافقين. قال أهل البرهان: نزل بالتشديد أبلغ من أنزل فخص بهم ليكون أدل على حرصهم فيكون أبلغ في أبلغ في باب التوبيخ. قوله {فأولى لهم} كلمة تحذير أي وليك شر فاحذره. هذه عبارة كثير من المفسرين. وقال المبرد: يقال للإنسان إذا كاد يعطب ثم يفلت: أولى لك. أي قاربت العطب ثم نجوت. وهو في الفرقان على معنى التحذير. وقال جار الله: هو وعيد معناه فويل لهم والمراد الدعاء عليهم بأن يليهم المكروه. وقيل: أراد طاعة وقول معروف أولى من الجزع عند الجهاد فلا يكون للوعيد، وعلى هذا فلا وقف على {لهم} كما أشير إليه في الوقف. واعترض عليه بأن الأفصح أن يستعمل وقتئذ بالباء لا مع اللام كما قال {أية : وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض}تفسير : [الأنفال: 75] والأصح أنه فعل متعدٍ من الولي وهو القرب أي أولاه الله المكروه فاقتصر لكثرة الاستعمال. ويحتمل أن يكون "فعلى" من آل يؤل أي يؤل أمرك إلى شر فاحذره. ثم حثهم على الامتثال بقوله {طاعة وقول معروف} أي طاعة الله وقول حسن أو ما عرف صحته خير من الجزع عند فرض الجهاد فهو مبتدأ محذوف الخبر، أو أمرنا طاعة فيكون خبر مبتدأ محذوف كما مر في سورة النور في قوله {أية : طاعة معروفة}تفسير : [الآية: 53] ويجوز أن يكون أمراً للمنافقين أي قولوا طاعة وقول معروف. {فإذا عزم الأمر} أي جدّ وصار معزوماً عليه وهو إسناد مجازي لأن العزم لأصحاب أمر القتال. ثم التفت وخاطب كفار قريش بقوله {فهل عسيتم} هو من أفعال المقاربة وقد مر وجوه استعمالاته في "البقرة" في قوله {أية : وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم}تفسير : [الآية: 216] فنقل الكلام من الغيبة إلى الخطاب ليكون أبلغ في التوبيخ ومعناه هل يتوقع منكم {إن توليتم} وأعرضتم عن الدين أو توليتم أمور الناس {أن تفسدوا في الأرض} بالمعاصي والافتراق بعد الاجتماع على الإسلام {وتقطعوا أرحامكم} بالقتل والعقوق ووأد البنات وسائر ما كنتم عليه في الجاهلية من أنواع الإفساد، وفي سلوك طريقة الاستخبار المسمى في غير القرآن بتجاهل العارف، إمالة لهم إلى طريق الإنصاف وحث لهم على التدبر وترك العصبية والجدال، فقد كانوا يقولون كيف يأمرنا النبي صلى الله عليه وسلم بالقتال والقتال إفناء لذوي أرحامنا وأقاربنا، فعرض الله سبحانه بأنهم إن ولوا أمور الناس أو أعرضوا عن هذا الدين لم يصدر عنهم إلا القتل والنهب وسائر أبواب المفاسد كعادة أهل الجاهلية. ثم صرح بما فعل الله بهم واستقر عليه حالهم فقال {أولئك الذين لعنهم الله} بعدهم عن رحمته. ثم بين نتيجة اللعن قائلاً {فأصمهم} أي عن قبول الحق بعد استماعه وهذا في الدنيا {وأعمى أبصارهم} أي في الآخرة أو عن رؤية الحق والنظر إلى المصنوعات. قال بعض العلماء: إنما لم يقل فأصم آذانهم لأن الأذن عبارة عن الشحمة المعلقة، والسمع لا يتفاوت بوجود وعدمها، ولذلك يسمع مقطوع الأذن. وأما الرؤية فتتعلق بالبصر نفسه، فالتأكيد هناك إنام يحصل بترك ذكر الأذن وههنا بذكر الأبصار والله أعلم. قال جار الله: يجوز أن يريد بالذين آمنوا المؤمنين الخلص الثابتين وذلك أنهم كانوا يأنسون بالوحي. فإذا أبطأ عليهم التمسوه، فإذا نزلت سورة في معنى الجهاد رأيت المنافقين يضجرون منها. سؤال: لما أثبت لهم الصمم والعمى فكيف وبخهم بقوله {أفلا يتدبرون القرآن}؟ وأجيب على مذهب أهل السنة بأن تكليف ما لا يطاق جائز.ويمكن أن يقال: لما أخبر عنهم بما أخبر حكى أنهم بين أمرين: إما أن لا يتدبروا القرآن لأن الله أبعدهم عن الخير، وإما أن يدبروا لكن لا يدخل معانيه في قلوبهم لكونها مقفلة. قال جار الله: إنام نكرت القلوب لأنه أريد البعض وهو قلوب المنافقين أو أريد على قلوب قاسية مبهم أمرها. وإنما أضيفت الأقفال إلى ضمير القلوب لأنه أريد الأقفال المختصة بها وهي أقفال الكفر والعناد التي استغلقت فلا تنفخ. ثم أخبر عن حال المنافقين أو اليهود الذين غيروا حالهم من بعد ما تبين لهم حقيقة الإسلام أو نعت محمد في التوراة فقال {إن الذين ارتدوا} الآية. {ذلك} الإملاء أو الإضلال أو الارتداد بسبب أنهم قالوا للذين كرهوا أي قال اليهود للمنافقين، أو قال المنافقون ليهود قريضة والنضير، أو قاله اليهود أو المنافقون للمشركين {سنطيعكم في بعض الأمر} الذي يهمكم كالتظافر على عداوة محمد والقعود عن الجهاد معه أو في بعض ما تأمرون به، وهو ما يتعلق بتكذيب محمد لا في إظهار الشرك واتخاذ الأصنام وإنكار المعاد {والله يعلم أسرارهم} فلذلك أفشى الذي قالوه سراً فيما بينهم وسيجازيهم على حسب ذلك يدل عليه قوله {فكيف} يعملون وما حيلتهم حين توفتهم ملائكة الموت {يضربون وجوههم وأدبارهم} التي كانوا يتقون أن يصيبها آفة في القتال، أو يضربون وجوههم عند الموت وأدبارهم عند السوق إلى النار. وقيل: يضربون وجوههم عند الطلب وأدبارهم حين الهرب {ذلك} الإذلال والإهانة {بأنهم اتبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه} كأنهم ضربوا وجوههم لأنهم أقبلوا على مواجب السخط، وضربوا أدبارهم لأنهم أعرضوا عما فيه رضا الله. وقد يخص السخط بكتمان نعت الرسول ومعاونة أهل الشرك والرضا بالإيمان به والنصرة للمؤمنين. وإنما قال {ما أسخط الله} ولم يقل "ما أرضى الله" لأن رحمته سبقت غضبه، فالرضا كالأمر الحاصل والإسخاط كالأمر المترتب على شيء. ثم زاد في تعيير المنافقين بقوله {أم حسب} وهي منقطعة. والضغن إضمار سوء يتربص به إمكان الفرصة. وإخراج الإضغان إبرازها للرسول صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين كما قال {ولو نشاء لأريناكهم} أي لو شئنا أريناك أماراتهم {فلعرفتهم} كررت لام جواب "لو" في المعطوف لأجل المبالغة {بسيماهم} بعلامتهم. عن أنس أنه ما خفي على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هذه الآية شيء من المنافقين، ولقد كنا في بعض الغزوات وفيها تسعة منهم يشكوهم الناس فناموا ذات ليلة وأصحبوا وعلى جبهة كل واحد منهم مكتوب "هذا منافق". ومعنى لحن القول نحوه وأسلوبه وفحواه أي يقولون ما معناه النفاق كقولهم {أية : لئن رجعنا إلى المدينة}تفسير : [المنافقون: 8] {أية : إن بيوتنا عورة}تفسير : [الأحزاب: 13] أو لتعرفنهم في فحوى كلام الله حيث قال ما يعلم منه حال المنافقين كقوله {أية : ومن الناس من يقول}تفسير : [البقرة: 8] {أية : ومنهم من عاهد الله}تفسير : [التوبة: 75] وحقيقة اللحن ذهاب الكلام إلى خلاف جهته. وقيل: اللحن أن تميل كلامك إلى نحو من الأنحاء ليفطن له صاحبك كالتعريض والتورية قال: شعر : ولقد لحنت لكم لكيما تفهموا واللحن يعرفه ذوو الألباب تفسير : ويقال للمخطىء لاحن لأنه يعدل بالكلام عن الصواب. وقال الكلبي: لحن القول كذبه. ولم يتكلم بعد نزولها منافق عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا عرفه. وعن ابن عباس هو قولهم ما لنا إن أطعنا من الثواب ولا يقولون ما علينا إن عصينا من العقاب {والله يعلم أعمالكم} فيميز خيرها من شرها وإخلاصها من نفاقها {ولنبلونكم} أي لنأمرنكم بما لا يكون متعيناً للوقوع بل يحتمل الوقوع واللاوقوع كما يفعل المختبر حتى يظهر المجاهد والصابر من المنافق والمضطرب. {ونبلو أخباركم} التي تحكي عنكم كقولكم {أية : آمنا بالله وباليوم الآخر}تفسير : [البقرة: 8] أو عهودكم كقوله {أية : ولقد كانوا عاهدوا الله من قبل لا يولون الأدبار}تفسير : [الأحزاب: 15] أو أسراركم أو ما ستفعلونه أو أخباركم الأراجيف كقوله {أية : والمرجفون في المدينة} تفسير : [الأحزاب: 60] عن الفضل أنه كان إذا قرأ هذه الآية بكى وقال: اللهم لا تبلنا فإنك إن بلوتنا فضحتنا وهتكت أستارنا وعذبتنا. ثم أنزل في اليهود من قريظة والنضير أو في رؤساء قريش المطعمين يوم بدر {إن الذين كفروا} الآية. وأعمالهم طاعاتهم في زمن اليهودية، ومكايدهم التي نصبوها في عداوة الرسول صلى الله عليه وسلم أو إطعامهم. ثم أمر المؤمنين بطاعته وطاعة رسوله بالتوحيد والتصديق مع الإخلاص وأن لا يبطلوا إحسانهم بالمعاصي والرياء وبالمن والأذى. عن أبي العالية قال: كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يرون إنه لا يضر مع "لا إله إلا الله" ذنب كما لا ينفع مع الشرك عمل حتى نزلت الآية، فكانوا يخافون الكبائر على أعمالهم. وعن قتادة: رضي الله عن عبد لم يحبط عمله الصالح بعمله السيء. ثم أراد أن يبين أن أعمال المكلف إذا بطلت فإن فضل الله باقٍ يغفر له إن شاء ما لم يمت على الكفر فقال {إن الذين كفروا} الآية. قال مقاتل: نزلت في رجل سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن والده وقال: إنه كان محسناً في كفره. وعن الكلبي: نزلت في رؤساء أهل بدر. {فلا تهنوا} لا تضعفوا ولا تجبنوا {وتدعوا إلى السلم} أي ولا تدعوا الكفار إلى الصلح. ويجوز أن يكون منصوباً بإضمار "أن" بعد الواو في جواب النهي {وأنتم الأعلون} الغالبون المستولون عليهم {والله معكم} بالنصرة والكلاءة {ولن يتركم أعمالكم} أي لن ينقصكم جزاء أعمالكم من وترت الرجل إذا قتلت له قتيلاً من ولد أو أخ أو قريب أو سلبت ماله وأصله من الوتر وهو الفرد، كأنك أفردته من قريبه أو ماله. وفي الحديث " حديث : من فاتته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله " تفسير : وهو من فصيح الكلام. ثم زادهم حثاً على الجهاد بتحقير الدنيا في أعينهم وبأنه سبحانه إنما يحثهم على الإيمان والجهاد وسائر أبواب التقوى لتعود فائدتها عليهم كما قال "خلقتكم لتربحوا عليّ لا لأربح عليكم" قوله {ولا يسألكم أموالكم} أي كل أموالكم ولكنه يقتصر منها على ربع العشر، أو لا يسألكم أموالكم لنفسه ولكن لتكون زاداً لكم في المعاد. وقيل: لا يسألكم أموالكم رسولي لنفسه. وقيل: إنهم لا يملكون شيئاً وإن المال مال الله وهو المنعم بإعطائه. والقول هو الأوّل لقوله {إن يسألكموها فيحفكم} أي يجهد كم يبلغ الغاية فيها من أحفى شاربه استأصله كأنه جعله حافياً مما في ملكه أي عارياً {تبخلوا ويخرج} الإحفاء أو الله تعالى على طريق التسبب {أضغانكم} أي تضطغنون على الرسل وتظهرون كراهة هذا الدين. ثم بين أنه كيف يأمركم بإخراج كل المال وقد دعاكم إلى إنفاق البعض {فمنكم من يبخل} و"ها" للتنبيه وكرر مع أولاء للتوكيد وأنتم أولاء جملة مستقلة أي أنتم يا مخاطبون هؤلاء الموصوفون. ثم استأنف وصفهم كأنهم قالوا وما وصفنا فقيل {تدعون لتنفقوا في سبيل الله} وهو الزكاة أو الغزو، فمنكم ناس يبخلون به. وقيل: {هؤلاء} موصول صلته {تدعون} وهو مذهب الكوفيين وقد سلف في "البقرة" و "آل عمران". ثم قبح أمر البخل بقوله {ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه} أي وباله على نفسه أو عن داعي ربه. قال في الكشاف: يقال بخلت عليه وعنه. وفيه نظر لأن البخل عن النفس لا يصح بهذا التفسير. نعم لو قال عن ماله كان تفسيره مطابقاً. ثم مدح نفسه بالغنى المطلق وبين بقوله {وأنتم الفقراء} أنه لا يأمر بالإنفاق لحاجته ولكن لفقركم إلى الثواب. ثم هددهم بقوله {وإن تتولوا} وهو معطوف على {وإن تؤمنوا} ومعنى {يستبدل قوماً غيركم} يخلق قوماً سواكم راغبين فيما ترغبون عنه من الإيمان والتقوى كقوله {أية : إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد}تفسير : [فاطر: 61] ومعنى " ثم " التراخي في الرتبة أي لا يكونون أشباهكم في حال توليكم. وقيل: في جميع الأحوال. وعن الكلبي: شرط في الاستبدال توليهم لكنهم لم يتولوا فلم يستبدل قوماً وهم العرب أهل اليمن أو العجم. قاله الحسن وعكرمة لما روي أو رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن ذلك وكان سلمان إلى جنبه فضرب على فخذه وقال: هذا وقومه، والذي نفسي بيده لو كان الإيمان منوطاً بالثريا لتناوله رجال من فارس والله تعالى أعلم.
ابو السعود
تفسير : {فَٱعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلا ٱللَّهِ} أي إذا علمتَ أنَّ مدارَ السعادةِ هو التوحيدُ والطاعةُ ومناطَ الشقاوةِ هو الإشراكُ والعصيانُ فاثبُتْ على ما أنتَ عليه من العلمِ بالوحدانيةِ والعملِ بموجبِه. {وَٱسْتَغْفِـرْ لِذَنبِكَ} وهو الذي رُبَّما يصدرُ عنه عليه الصلاةُ والسلامُ من تركِ الأَوْلى، عُبِّر عنه بالذنبِ نظراً إلى منصبِه الجليلِ، كيفَ لا وحسناتُ الأبرارِ سيئاتُ المقربـينَ وإرشادٌ له عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ إلى التواضعِ وهضمِ النفسِ واستقصارِ العملِ. {وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَـٰتِ} أي لذنوبِهم بالدعاءِ لهم وترغيبِهم فيما يستدعي غفرانَهم. وفي إعادةِ صلةِ الاستغفارِ تنبـيهٌ على اختلاف متعلّقَيه جنساً، وفي حذفِ المضافِ وإقامةِ المضافِ إليهِ مُقامَهُ إشعارٌ بعراقتِهم في الذنبِ وفرطِ افتقارِهم إلى الاستغفارِ. {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ} في الدُّنيا فإنَّها مراحلُ لا بُدَّ من قطعِها لا محالةَ. {وَمَثْوَاكُمْ} في العُقْبى فإنَّها موطنُ إقامتِكم فلا يأمرُكم إلا بما هو خيرٌ لكم فيهما فبادِرُوا إلى الامتثالِ بما أمركُم به فإنه المهمُّ لكم في المقامينِ وقيل يعلمُ جميعَ أحوالِكم فلا يَخْفى عليه شيءٌ منها. {وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ} حرصاً منُهم على الجهادِ {لَوْلاَ نُزّلَتْ سُورَةٌ} أي هلاَّ نزلتْ سورةٌ نؤمرُ فيها بالجهادِ {فَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ مُّحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا ٱلْقِتَالُ} بطريقِ الأمرِ به أي سورةٌ مبـينةٌ لا تشابَه ولا احتمالَ فيها لوجهٍ آخرَ سوى وجوبِ القتالِ. عن قَتَادَة. كُلُّ سورةٍ فيها ذكرُ القتالِ فهيَ محكمةٌ لم تنسخْ. وقُرِىءَ فإذا نزلتْ سورةٌ، وقُرِىءَ وذَكَرَ على إسنادِ الفعلِ إلى ضميرِه تعالى ونصبِ القتالِ. {رَأَيْتَ ٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ} أي ضعفٌ في الدينِ وقيل نفاقٌ وهو الأظهرُ الأوفقُ لسياقِ النظمِ الكريمِ. {يَنظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ ٱلْمَغْشِىّ عَلَيْهِ مِنَ ٱلْمَوْتِ} أي تشخصُ أبصارُهم جُبناً وهلعاً كدأب منْ أصابتْهُ غشيةُ الموتِ {فَأَوْلَىٰ لَهُمْ} أي فويلٌ لهم وهو أفعلُ من الوَلي وهو القُربُ وقيلَ مِنْ آلَ ومعناهُ الدعاءُ عليهم بأنْ يليهَم المكروُه أو يؤولَ إليهِ أمرُهم، وقيل هو مُشتقٌ من الويلِ وأصله أَوْيَل نُقلتْ العينُ إلى مَا بعدِ اللامِ فوزنُه أَفْلَعَ.
التستري
تفسير : قوله: {وَٱسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ}[19] قال: يعني استغفر من همة نفس الطبع. قال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : ما منا إلى من همّ فعصى"تفسير : ، يعني همت نفسه عليه على قلبه بحظها من عاجل شهوتها بشيء دونه، ثم أعرض عن ذلك واستغفر الله، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : إنه ليغان على قلبي وإني لأستغفر الله تعالى في كل يوم سبعين مرة ". تفسير : قوله تعالى: {فَٱعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلأ ٱللَّهُ}[19] قال: الخلق كلهم موتى إلا العلماء، ولذلك دعا نبيه صلى الله عليه وسلم إلى محل الحياة بالعلم بقوله: {فَٱعْلَمْ}[19].
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {فَٱعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ ٱللَّهُ} [الآية: 19]. قال الجنيد رحمة الله عليه: أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يدعو الخلق من الأصنام والأوثان فدعاهم فمن بين مجيب ومنكر ودعاه إليه من نفسه ومن الخلق ومن الأكوان فقال: فاعلم أنه أى أن الذى اصطفاك على البشر لا إله إلا هو الذى يستحق الألوهية دون غيره. وقال الواسطى رحمة الله عليه: من قال: لا إله إلا الله على العادة فهو أحمق، ومن قالها تعجباً فهو مصروف عن الخلق، ومن قالها على الاخلاص فهو مصروف عن الشرك، ومن قالها على الحقيقة فقد تبتل عن الشواهد. قال القاسم: العلماء أربعة عالم متروك، وعالم متمكن، وعالم موصول، وعالم مجذوب، فالعالم المتروك هو العامة، وعالم موصول وهم الذين يطلبون الله وعالم مجذوب وهو الذى جذب سرائرهم إلى سره، وعالم متمكن هو محمد صلى الله عليه وسلم وجد القرآن فى محل المشاهدة والخطاب لذلك خوطب بقوله: {فَٱعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ ٱللَّهُ}. قال السلامى فى قوله: {فَٱعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ ٱللَّهُ} أى ازدد علماً وإيماناً فكلما كثرت النعم عليه أفادته علماً بالمنعم فيترقى فى العلوم والمعارف على حسب كثرة النعم وتعدادها وإنما يزيد عن غير نقص لأن العلوم لا تتناهى. قال حارث المحاسبى: أول علم التوحيد قوله: {فَٱعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ ٱللَّهُ} والثانى أن لا يضيف إليه إلا ما أضاف إلى نفسه والثالث علم أمره ونهيه ووعده ووعيده والرابع علم ما عرف من علم التوحيد فلم يخالف علمه معرفته. وقال الحارث فى قوله: {فَٱعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ ٱللَّهُ} لتعلم أنه ليس إليك من ضرك ونفعك شىء. قال ابن عطاء: عالم قول لا إله إلا الله يحتاج إلى أربعة أشياء تصديق وتعظيم وحلاوة وحُرمة فمن لم يكن له تصديق فهو منافق ومن لم يكن له تعظيم فهو مبتدع ومن لم يكن له حلاوة فهو مُراءٍ ومن لم يكن له حرمة فهو فاسق ولم يكمل هذه الخصال إلا للنبى صلى الله عليه وسلم قيل له: {فَٱعْلَمْ} لعظيم محله ودعاء الآخرين إلى قوله دون علمه. وقال جعفر فى قوله: {فَٱعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ ٱللَّهُ} قال: أزل العلل عن الربوبية ونزه الحق عن الدرك. قال الجنيد رحمة الله عليه: العلم أرفع من المعرفة وأتم وأشمل وأكمل لذلك تسمى الله بالعلم ولم يتسم بالمعرفة وقال: {أية : وَٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ دَرَجَاتٍ}تفسير : [المجادلة: 11] ثم لما خاطب النبى صلى الله عليه وسلم خاطبه بأتم الأوصاف وأكملها وأشملها للخيرات فقال: {فَٱعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ ٱللَّهُ} ولم يقل فاعرف لأن الإنسان قد يعرف الشىء ولا يحيط به علماً وإذا علمه وأحاط به علماً فقد عرفه. قال ابن عطاء: إن الله تعالى أمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يدعو الخلق إليه ثم قال له: {فَٱعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ ٱللَّهُ} واعلم أنك الداعى للخلق إلىّ وأنا أدعوك منك إلىَّ لئلا تلاحظ شيئاً من أقوالك وأفعالك. قال الواسطى رحمة الله عليه: هما دعوتان دعا إبراهيم عليه السلام إلى قوله: أسلم ودعا محمد صلى الله عليه وسلم إلى قوله: فاعلم، دعا أحدهما إلى العلم، والآخر إلى الإسلام، وأعلاهما العلم وهو مرتبة الأجلَّة والاسلام هو الانقياد إظهار العبودية والعلم إظهار الربوبية لا جرم ابتلى حين قال: أسلمت بالنار وذبح الولد وغيرهما. قال بعضهم: العلم حجة والمعرفة علّة والغلبة غير محكوم بها. وقال الحسين: العلم الذى دعا إليه المصطفى صلى الله عليه وسلم هو علم الحروف وعلم الحروف فى لام ألف وعلم لام ألف فى الألف وعلم الألف فى النقطة وعلم النقطة فى المعرفة الأصلية وعلم المعرفة الأصلية فى علم الأول فى المشيئة وعلم المشيئة فى غيب الهو وهو الذى دعا الله إليه فقال: فاعلم أنه والهاء راجعة إلى غيب الهوية. قال القاسم: فى قوله {فَٱعْلَمْ} قال: بيانه فيما أردف من الاستغفار فقال: فاعلم أنه والهاء راجعة إلى غيب الهوية. قال القاسم فى قوله: {فَٱعْلَمْ أَنَّهُ} قال بيانه فيما أردف من الاستغفار فقال: {وَٱسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ} هل رأيت أدنى شىء أو يوجد أو يفقد أو يفنى أو يبقى أو يضر أو ينفع كأنه يقول: فاعلم أنه لا إله يوجد المكونات ويفقدها إلا الله. وقال: أضاف المعرفة إلى الخلق فقال: {أية : وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ ٱلْقَوْلِ}تفسير : [محمد: 30] وقال: {أية : يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ} تفسير : [البقرة: 146] واختص هو بالعلم وعلم السرائر وتسمى بالعلم ولم يتسم بالمعرفة وقال بأخص أنبيائه وأصفيائه فاعلم لقربه من مصدر الحقيقة وموردها وإشرافه على الغيب والمغيبات ودعاه إلى العلم ووصفه به ووصف العوام بالمعرفة لأن العلم أتم وأبلغ. وقال بعضهم: ما علمه خيراً فاعلمه يقيناً. وقال بعضهم: {فَٱعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ ٱللَّهُ} من حيث الله يعتبك عن علمك أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك من علمك بأن كل حقيقة لا تمحو آثار العبد ورسومه فليست بحقيقة وقيل فى قوله: فاعلم أى أن الحقيقة أنطقتك بهذه الكلمة ولم تظهر الكلمة بنطقك وأثابتك ولم تثبت بك. وقال بعضهم: {فَٱعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ ٱللَّهُ} قال: أدخل النبى صلى الله عليه وسلم فى عين الجمع بما دعاه إلى علم الهوية إذ الهوية علم الجمع وفرق الخلق فى سائر الأسامى والصفات فطالع كل واحد منها قدره. قال سهل: خلق الله الخلق ثم أحياهم باسم الحياة ثم أماتهم بجهلهم فمن حيا بالعلم فهو الحى وإلا فهم موتى بجهلهم لذلك دعا نبيه صلى الله عليه وسلم إلى محل الحياة بالعلم بقوله: {فَٱعْلَمْ}. سمعت منصور بن عبد الله يقول: سمعت عبد الله القاسم البزاز يقول: قال ابن عطاء فى قوله: {فَٱعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ ٱللَّهُ} قال طلب تنزيه العبد لئلا يكون له خاطر غيره فى علمه بأن لا إله إلا هو علماً لا قولاً وهو حقيقة التوحيد حقائق تبنى على الموجد لا حقائق تبنى على العبد. قال بعضهم: وهذا من المقامات الشريفة. سمعت عبد الله بن محمد الرازى يقول: سمعت أبا عثمان يقول: العلم ثلاثة علم الأحكام وعلم الإيقان وعلم العين فعلم الأحكام يورث البيان للعلماء، وعلم الإيقان يورث الأحزان للأولياء، وعلم الأعيان يورث القربى للأنبياء وذلك قوله: {فَٱعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ ٱللَّهُ}. قال بعضهم: العلم نور وضياء وقلوب العلماء لهم وعاء كلما ازداد العالم علماً ازداد خشوعاً وتواضعاً فإذا تحقق فى العلم فتح عليه أبواب التوحيد كما خاطب الله نبيه بقوله: {فَٱعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ ٱللَّهُ} فإذا دخل فى مقام التوحيد استغرق فى الأنوار فأضاءت الأنوار على شواهده وأثرت على جوارحه فتكون كل جارحة منه مزينة بزينة من أنوار العلم. هذا من المقامات الشريفة. سمعت عبد الله قال: قال أبو سعيد الخراز فى قوله: {فَٱعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ ٱللَّهُ} قال: دله بهذا على صفاء التوحيد ليعلمه علماً بعد القول فيسكن إليه وينسى ما دونه. قال ابن عطاء: العلم أربعة علم المعرفة، وعلم العبادة، وعلم العبودية، وعلم الخدمة. حمل الحق المصطفى صلى الله عليه وسلم على هذه الأحوال كلها حيث لم يطقها أحد سواه. قال ابن عطاء فى قوله: {فَٱعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ ٱللَّهُ} قال: طلب التنزيه مع العبد مع علمه. سمعت أبا بكر محمد بن عبد الله الرازى يقول: سمعت على بن طاهر الحافظ وقد سئل عن معنى قوله: {فَٱعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ ٱللَّهُ} قال: إن الله أمر النبى صلى الله عليه وسلم أن يدعو الخلق إليه فلما دعا من نفسه إليه بقوله: {فَٱعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ ٱللَّهُ} أى أنت تدعو الخلق إلى وأنا أدعوك من نفسك إلىَّ. سمعت عبد الله الرازى يقول: سمعت أبا عثمان يقول فى هذه الآية: إذا قيل للعالم اعلم يراد به اذكر لأن كل مؤمن عالم أن لا إله إلا الله ورسول الله صلى الله عليه وسلم سيد العلماء وأعلم العلماء وإنما يراد به: اذكر أنه لا إله إلا هو. وازداد ذكراً أن لا إله إلا هو فإن مَن ذكره فى نفسه وذكره فى ذكر حتى يسقط كل مذكور عن قلبه إلا الله الواحد الأحد الصمد فى ذلك الوقت فإن خطر بباله غيره واستغفر منه ومنه قوله: "حديث : إنه ليغان على قلبى ". تفسير : وقال أبو سعيد القرشى طلب الحق من النبى صلى الله عليه وسلم حضور القلب وأن يليه علمه عما سواه. وقال الحسين: {فَٱعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ ٱللَّهُ} علماً على جهل لأن العلوم فى الله لا تتناهى. وقال ابن خفيف: أقام العالم فى شاهد الخطاب فوحدوه موحداً ووحد نفسه بتوحيد نفسه فوحدوه بما وَحَّد نفسه إذا كان واحداً وذلك مبلغ كشف الحق له فى أحديته قبل النقل له فى فردانيته لخلوص إفراده لمفرد به إليه {أية : وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ ٱلأَمْرُ كُلُّهُ فَٱعْبُدْهُ} تفسير : [هود: 123].
البقلي
تفسير : قوله تعالى {فَٱعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ ٱللَّهُ وَٱسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ} ليس فى القران ذكر الذات المجرد عن ذكر الصفات والافعال الا ههنا والله اعلم فههنا خبر عن عين الالوهية التى تقتضى التوحيد المجرد الخالى عن التفرقة فى طلب الصفة والفعل فدعا حبيبه الى روية عيان الذات بنعت العلم واراد ان يعجزه فى روية ذاته عن درك الكل ويذوّق طعم الفناء فى سطوات عزة ذاته لا انه دعاه الى ان يعلم كنه عين القدم فانه منزه عن ادراك الخليفة بل عرّقه نعوت الاولية المنزه عن الادراك وعن درك المتحيرين فيه بان يدركوه بعجزهم فان العاجز منقطع بعجزه عنه بكل حال وايضا دعاه الى علم افراد القدم عن الحدوث قوله فاعلم انه لا إله الا الله فافاد علمه طرفين من العلم الاول نفى الاضداد والثانى اثبات الذات والمقصود منه هذان الحالان من النفى والاثبات الا انه اعلم كنه الالوهية الا ترى كيف قال فاعلم انه لا اله هو نفى الاضداد والا الله اثبات الالوهية وكيف دعاه الى العلم يبطون الازل وهو مستحيل ان يعلمها الحقيقة بالحقيقة واشارة قوله واستغفر لذنبك اى من وجودك فى مطالعتى ووجود جلالى فان بقاء وجود الحدث فى بقاء الحق اعظم الذنوب وايضا اذا دعاه الى العلم بوحدانيته وقع له عليه السّلام انه يعلم الحق بالحقيقة فى سرعة شوقه اليه وكمال محبته له فعرفه الحق موضع خاطره فى شوقه انه لا يمكن ذلك وهو مستحيل وهو ذنب فامره بالاستغفار منه بنعت عرفانه عجزه عن درك حقائق وجود القدم وايضا البس روح محمد المصطفى صلى الله عليه وسلم انوار من نور علمه وجعله عالما بعلمه ومتصفا بصفته فلما باشر ذلك النور نور روحه وتجلى الحق لسره من عين علمه صار عالما بعلم الحق على الحق فلما وجده بهذه المثابة دعاه الى العلم بحقيقة احديته بنعت زوال الشواهد والجواهر والاعراض والنظر الى الافعال وطلب الصفة الى الذات فتطرق بالحق الى الحق ليعلمه فحار سره فى ميادين الازل والابد واستغرق فى بحار اولية روحه وسره ولم يدركه وكلما وجد علما فنى فى علم أخر وذهب علم الاول فى العلم الثانى فلما وجده الحق عاجزا عن دركه امره بالاستغفار لما فيه من بقاء وجوده فى مقام الاتصاف فان فى الاتصاف بقى لعبد وبقاء العبد فى الاتصاف حجاب الاتصاف فاذا بقى وجده يحتجب به عن الادراك فاذا لم يبق بقى الحق وهو عالم بنفسه ازلا وابدا فوجوده تكلف فى البين اذا لحق عالم به لا هو فامره الحق بالاستغفار عن بقائه فى الاتصاف فانه ذنب عظيم اذ به محتجب عن مقصوده لذلك عرف حاله صلوات الله عليه وقال انه ليغان على قلبه وانى لاستغفر الله فى كل يوم مائه مرة ومن وقع فى هذا الحبر فقد وجب عليه فى كل نفس الف استغفار لان فى اول الحال فرح بوجدان المقام والسكون الى المقام فلما انكشف اليه مزيد القرب والمعرفة عن الاول وقد وجب عليه الاستغفار من الفرح به والوقوف عليه ولذلك قال الجنيد اعلم حقيقة انك بنا ولنا وبنا علمتنا واياك ان ترى نفسك فى علمك فان خطر بك خاطر غيره فاستغفر من خاطرك فلا ذنب ولا خطرة اعظم ممن رجع عنا الى سوانا ولو فى خطرة ونفس قال الواسطى من قال لا اله الا الله على العادة فهو احمق ومن قالها تعجبا فهو مصروف من الحق ومن قالها على الاخلاص فاشرك وطعنه لانه باياه يخلص حتى يصبر مخلصا ومن قالها على الحقيقة فقد ثبت عن الشواهد وقال القاسم العلماء اربعة عالم متروك وعالم متمكن وعالم موصول وعالم مجذوب فالعالم المتروك وهم العامة والعالم المجذوب وهم الذين جذب الله سرائرهم الى سره والعالم الموصول هم الذين يطلبون المعالية والعالم المتمكن وهو محمد صلى الله عليه وسلم وحد القرار فى محل المشاهدة لذلك خوطب بقوله فاعلم انه لا اله الا الله ولم يقل فاعرف لان الانسان قد يعرف الشئ ولا يحيط به علما ماذا علمه واحاط به علما فقد عرفه وقال الواسطى هما دعوتان دعا ابراهيم الى قوله اسلم ودعا محمد صلى الله عليه وسلم الى قوله فاعلم دعاء احدهم الى العلم والأخر الى الاسلام واعلاهما العلم فهو مرتبة الاجلة والاسلام هو الانقياد والانقياد اظهار العبودية والعلم اظهار الربوبية لا جرم ابتلى حين قال اسلمت بالنار وذبح الولد وغيرهما وقيل قال لابراهيم اسلم قال اسلمت ابتلى لما قال ونبينا صلى الله عليه وسلم لم يقل علمت فعوفى دما ينكث فى سرّى من الحال هواتف اطيار الغيب التى تنبه اهل الافهام انباء الربانية ان الله اختبر الخليل بروية الفعل والعلم بالصفة حيث قطع الطيور ليرى انوار الشاهد فى الشواهد بقوله بعد ان احياها واعلم ان الله عزيز حكيم وجل قدر المصطفى صلى الله عليه وسلم فامتحنه الله بالعلم بالذات ههنا بقوله فاعلم ان لا اله الا الله وهناك حيث قال للخليل السلم فهناك امتحان بالعبودية وما قال للحبيب فاعلم امتحان بالربوبية فكم فرق بين هذين المنزلين فالخليل اجترى من حيث شوقه وقال اسلمت وكان فى سكر الخطاب ولو كان فى وقت الصحو علم ان الحدثان لا ينقاد لعز ربوبيته كما يجب فان الحادث لا يبلغ الى حقيقة عبوديته اذ حقيقتها ان يشكر له بشئ يقابل القدم وهذا مستحيل فوقع اذاً فى الابتلاء فالخطابان مصدرهما من حيث الامر ولكن مصادرهما مختلفة قال الواسطى العلم حجة والمعرفة والغلبة غير محكوم بها قال الحسين العلم الذى دعى اليه المصطفى صلى الله عليه وسلم هو علم الحروف وعلم الحروف فى لام الف وعلم لام الف فى الف وعلم الالف فى النقطة وعلم النقطة فى المعرفة الاصلية وعلم المعرفة الاصلية فى علم الاول وعلم الاول فى المشية وعلم المشية فى علم الهو وهو الذى دعاه اليه فقال فاعلم انه فالهاء راجع الى غيب الهوية قال القاسم اضاف المعرفة الى الخلق فقال ولتعرفنهم فى لحن القول وقال يعرفونه كما يرفعون باناءهم واختص بهو بالعلم علم السراير ويمسى بالعلم ولم يسمى بالمعرفة وقال لا خص انبيائه واصطفيائه فاعلم بقربه من مصدر الحقيقة وموردها واشراقه على الغيب والمغيبات ودعاه الى العلم ووصف به ووصف العوام بالمعرفة لان العلم اتم وابلغ قال بعضهم فاعلم انه لا اله الا الله من حيث الله بغيبتك عن علمك ان لا اله الا الله واستغفر لذنبك من علمك لان كل حقيقة لا تمحوا أثار العبد ورسوله فليست بحقيقة وقال بعضهم ادخل النبى صلى الله عليه وسلم فى عين الجمع بما دعاه الى علم ألهيته اذ الهوية عين الجمع وفرق الخلق فى سائر الاسامى والصفات فطالع كل واحد منها قدره قال ابن عطا طلب تنزيه العبد لئلا يكون له خاطر غيره فى علمه بان لا اله الا هو علما لا قولا وهو حقيقة التوحيد حقائق تبنى عن الموحد لا حقائق تنبئ عن العبد قال على بن طاهر ان الله امر النبى صلى الله عليه وسلم ان يدعو الخلق اليه فلما دعا الخلق اليه دعاه من نفسه الهي بقوله فاعلم انه لا اله الا الله اى انت تدعو الخلق الى وانا ادعوك من نفسك الىّ وقال الاستاذ فى قوله واستغفر لذنبك اى اذا علمته انك علمته فاستغفر لذنبك من هذا فان الحق علا جل قدرة ان يعلمه غيره.
اسماعيل حقي
تفسير : {فاعلم انه} اى الشان الاعظم {لا اله الا الله} اى انتفى انتفاء عظيما ان يكون معبودا بحق غير الملك الاعظم اى اذاعلمت ان مدار السعادة هو التوحيد والطاعة ومناط الشقاوة هو الاشراك والعصيان فأثبت على ما أنت عليه من العلم بالوحدانية والعمل بموجبه كقوله تعالى {أية : اهدنا الصراط المستقيم} تفسير : اى ثبتنا على الصراط المستقيم وقدم العلم على العمل تنبيها على فضله واستبداده بالمرية عليه لا سيما العلم بوحدانية الله تعالى فانه اول ما يجب على كل احد والعلم ارفع من المعرفة. ولذا قال فاعلم دون فاعرف لان الانسان قد يعرف الشئ ولا يحيط به علما فاذا علمه واحاط به علما فقد عرفه والعلم بالالوهية من قبيل العلم بالصفات لان الالوهية صفة من الصفات فلا يلزم ان يحيط بكنهه تعالى احد فانه محال اذ لا يعرف الله الا الله قال بعض الكبار لما كان ما تنتهى اليه معرفة كل عارف مرتبة الالوهية ومرتبة احديتها المعبر عنها بتعين الاول لا كنه ذاته وغيب هويته ولا احاطة صفاته امر فى كتابه العزيز نبيه لذلك هو اكمل الخلق قدر او منزلة وقابلية فقال فاعلم انه لا اله الا الله تنبيها له ولمن يتبعه من امته على قدر ما يمكن معرفته من جناب قدسه ويمكن الظفر به وهو مرتبة الالوهية وما ورآءها من حضرة الغيب المطلق وغيب الهوية خارج عن طوق الكون اذ ليس ورآءها اسم ولا رسم ولا نعت ولا وصف ولا حكم وليس فى قوة الكون المقيد أن يعطى غير ما يقتضيه تقييده فكيف يمكن له ان يدرك حضرة الغيب المطلق وغيب الهوية ولما كان حصول التوحيد الذى هو كمال النفس موجبا للاجابة قال تعالى معلما انه يجب على الانسان بعد تكميل نفسه السعى فى تكميل غيره ليحصل التعاون على ما خلق العباد له من العبادة {واستغفر} اى اطلب الغفران من الله {لذنبك} وهو كل مقام عال ارتفع عليه السلام عنه الى اعلى وما صدر عنه عليه السلام من ترك الاولى وعبر عنه بالذنب نظرا الى منصبه الجليل كيف لا وحسنات الابرار سيئات المقربين وارشادا له عليه السلام الى التواضع وهضم النفس واستقصاء العمل {وللمؤمنين والمؤمنات} اى لذنوب امتك بالدعاء لهم وترغيبهم فيما يستدعى غفرانهم لانهم احق الناس بذلك منك لان ما عملوا من خير كان لك مثل اجره اذ لمكمل الغير مثل اجر ذلك الغير وفى اعادة صلة الاستغفار على اختلاف متعلقيه جنسا وفى حذف المضاف واقامة المضاف اليه مقامه اشعار بعراقتهم فى الذنب وفرط افتقارهم الى الاستغفار وهو سؤال المغفرة وطلب الستر اما من اصابة الذنب فيكون حاصله العصمة والحفظ واما من اصابة عقوبة الذنب فيكون حاصله العفو والمحو. قال بعضهم للنبى عليه السلام احوال ثلاثة الاول مع الله فلذا قيل وحده والثانى مع نفسه ولذا امر بالاستغفار لذنبه والثالث مع المؤمنين ولذا امر بالاستغفار لهم وهذه ارجى آية فى القرءآن فانه لا شك انه عليه السلام ائتمر بهذا الامر وانه لا شك ان الله تعالى اجابه فيه فانه لو لم يرد اجابته فيه لما امره بذلك. هركرا جون توبيشوا باشد نا اميد ازخدا جرا باشد جون نشان شفاعت كبرى يافت برنام ناميت طغرا امتان باكناهكا ريها بتودارند اميد واريها {والله يعلم متقلبكم} اى مكانكم الذى تتقلبون عليه فى معاشكم ومتاجركم فى الدنيا فانها مراحل لا بد من قطعها وبالفارسية وخداى ميداند جار رفتن وكرديدن شمادر دنياكه جون ميكرديد از حال بحال {ومثواكم} فى العقبى فانها موطن اقامتكم وبالفارسية وآرامكاه شمادر عقبى بهشت است يا دوزخ. فلا يأمركم الا بما هو خير لكم فى الدنيا والآخرة فبادروا الى الامتثال بما امركم به فانه المهم لكم فى المقامين. قال فى بحر العلوم الخطاب فى قوله فاعلم واستغفر للنبى عليه السلام وهو الظاهر او لكل من يتأتى منه العلم والاستغفار من أهل الايمان وينصره الخطاب بلفظ الجمع فى قوله والله يعلم متقلبكم ومثواكم انتهى (وفى كشف الاسرار) يعنى يا محمد آنجه بنظر واستدلال دانسته از توحيد مابخير نيز بدان ويقين باش كه الله تعالى يكانه ويكتاست درذات وصفات ودرحقايق سلمى آورده كه جون عالمىرا كويند اعلم مرادبان ذكرباشد يعنى يادكن آنجه دانسته. وقال ابو الحسين النورى قدس سره والعلم الذى دعى اليه المصطفى صلى الله تعالى عليه وسلم هو علم الحروف وعلم الحروف فى لام ألف وعلم لام ألف فى الألف وعلم الألف فى اليقظة وعلم اليقظة فى المعرفة الاصلية وعلم المعرفة الاصلية فى علم الاول وعلم الاول فى المشيئة وعلم المشيئة فى غيب الهوية وهو الذى دعاك اليه فقال فاعلم فالهاء راجع على غيب الهوية انتهى. اكركسى كويد ابراهيم خليل را عليه السلام كفتند اسلم جواب دادكه اسلمت مصطفى حبيب را كفتند فاعلم نكفت علمت جواب آنست كه خليل رونده بود درراه كه انى ذاهب الى ربى در وادى تفرقت مانده لا جرم جوابش خود بايست داد وحبيب ربوده حق بود در نقطه جمع نواخته اسرى بعبده ق اورا بخود بازنكذاشت از بهر او جواب دادكه آمن الرسول. والايمان هو العلم واخبار الحق تعالى عنه انه آمن وعلم اتم من اخباره بنفسه علمت قوله واستغفر لذنبك اى اذا علمت انك علمت فاستغفر لذنبك هذا فان الحق على جلال قدره لا يعلمه غيره. تراكه داندكه تراتودانى تو ترانداندكس تراتودانى كس. وفى التأويلات النجمية فاعلم بعلم اليقين انه لا اله بعلم اليقين الا الله بحق اليقين فاذا تجلى الله بصفة علمه الذاتى للجهولية الذاتية للعبد تفنى ظلمة جهوليته بنور علمه فيعلم بعلم الله ان لا موجود الا الله فهذه مظنة حسبان العبد ان العالم يعلم انه لا اله الا الله فقيل له واستغفر لذنبك بانك علمت وللمؤمنين والمؤمنات بانهم يحسبون ان يحسنوا علم لا اله الا الله فان من وصفه وما قدروا الله حق قدره والله يعلم متقلب كل روح من العدم بوصف خاص الى عالم الارواح فى مقام مخصوص به ومثوى كل روح الى اسفل سافلين قالب خاص بوصف خاص ثم متقلبه من اسفل سافلين القالب بالايمان والعمل الصالح او بالكفر والعمل الطالح الى الدرجات الروحانية او الدركات النفسانية ثم مثواه الى عليين القرب المخصوص به او الى سجين البعد المخصوص به مثاله كما ان لكل حجر ومدر وخشب يبنى به دار متقلبا مخصوصا به وموضعا من الدار مخصوصا به ليوضع فيه لا يشاركه فيه شئ آخر كذلك لكل روح منقلب مخصوص به لا يشاركه فيه احد انتهى وقال البقلى واستغفر من وجودك فى مطالعتى ووجود وصالى فان بقاء الوجود الحدثانى فى بقاء الحق اعظم الذنوب وفى الاسئلة المقحمة المراد الصغائر والعثرات التى هى من صفات البشرية وهذا على قول من جوز الصغائر على الانبياء عليهم السلام. ودر معام آورده كه آن حضرت مأمور شد باستغفار باآنكه مغفورست نا امت درين سنت بوى قتدا كنند. يعنى واستغفر لذنبك ليستن بك غيرك. ودرتبيان آوورده كه مراد آنست كه طلب عصمت كن ازخداى تاترا از كاهل نكاه دارد. وقيل من التقصير فى حقيقة العبودية التى لا يدركها احد وقال بعض الكبار الذنب المضاف الى الرسول الاكرم صلى الله عليه وسلم هو ما اشير اليه فى قوله فاعلم ولا يفهمه الا اهل الاشارة. يقول الفقير لعله ذنب نسبة العلم اليه فى مرتبة الفرق اذ هو الحرف فى مرتبة الجمع لذا قيل لى فى الروضة المنيفة عند رأسه الشريف عليه السلام لا تجوز السجدة لمخلوق الا لباطن رسول الله فانه الحق. والذنب المضاف الى المؤمنين والمؤمنات هو قصورهم فى علم التوحيد بالنسبة الى النبى المحترم صلى الله عليه وسلم ثم هذه الكلمة كلمة التوحيد فالتوحيد لا يماثله ولا يعادله شئ والا لما كان واحدا بل كان اثنين فصاعدا واذا اريد بهذه الكلمة التوحيد الحقيقى لم تدخل فى الميزان لانه ليس له مماثل ومعادل فكيف تدخل فيه واليه اشار الخبر الصحيح عن الله تعالى "حديث : قال الله تعالى لو أن السموات السبع وعامرهن غيرى والارضين السبع وعامرهن غيرى فى كفة ولا اله الا الله فى كفة لمالت بهن لا اله الا الله" تفسير : فعلم من هذه الاشارة ان المانع من دخولها فى ميزان الحقيقة هو عدم المماثل والمعادل كما قال تعالى {أية : ليس كمثله شئ} تفسير : واذا اريد بها التوحيد الرسمى تدخل فى الميزان لانه يوجد لها ضد بل اضداد كما اشير اليه بحديث صاحب السجلات التسعة والتسعين فما مالت الكفة الا بالبطاقة التى كتبها الملك فيها فهى الكلمة المكتوبة المنطوقة المخلوقة فعلم من هذه الاشارة ان السبب لدخولها فى ميزان الشريعة هو وجود الضد والمخالف وهو السيئات المكتوبة فى السجلات وانما وضعها فى الميزان ليرى اهل الموقف فى صاحب السجلات فضلها لكن انما يكون ذلك بعد دخول من شاء الله من الموحدين النار ولم يبق فى الموقف الا من يدخل الجنة لانها لا توضع فى الميزان لمن قضى الله ان يدخل النار ثم يخرج بالشفاعة او بالعناية الالهية فانها لو وضعت لهم ايضا لما دخلوا النار ايضا ولزم الخلاف للقضاء وهو محال ووضعها فيه لصاحب السجلات اختصاص الهى يختص برحمته من يشاء. واعلم ان الله تعالى ما وضع فى العموم الا افضل الاشياء واعمها نفعا لانه يقابل به اضداد كثيرة فلا بد فى ذلك الموضع من قوة ما يقابل به كل ضد وهو كلمة لا اله الا الله ولهذا كانت افضل الاذكار فالذكر بها افضل من الذكر بكلمة الله الله وهو هو عند العلماء بالله لانها جامعة بين النفى والاثبات وحاوية على زيادة العلم والمعرفة فعليك بهذا الذكر الثابت فى العموم فانه الذكر الاقوى وله النور الاضوى والمكانة الزلفى وبه النجاة فى الدنيا والعقبى والكل يطلب النجاة وان جهل البعض طريقها فمن نفى بلا اله عين الخلق حكما لا علما فقد اثبت كون الحق حكما وعلما والاله من جميع الاسماء ما هو الا عين واحد هى مسمى الله الذى بيده ميزان الرفع والخفض. ثم اعلم ان التوحيد لا ينفع بدون الشهادة له صلى الله عليه وسلم بالرسالة وبين الكلمتين مزيد اتفاق يدل على تمام الاتحاد والاعتناق وذلك ان احرف كل منهما ان نظرنا اليها خطا كانت اثنى عشر حرفا على عدد اشهر السنة يكفر كل حرف منها شهرا وان نظرنا اليها نطقا كانت اربعة عشر تملأ الخافقين نورا وان نظرنا اليها بالنظرين معا كانت خمسة عشر لا يوقفها عن ذى العرش موفق وهو سر غريب دال على الحكم الشرعى الذى هو عدم انفكاك احداهما عن الاخرا فمن لم يجمعهما اعتقاده لم يقبل ايمانه واسلام اليهود والنصارى مشروط بالتبرى من اليهودية والنصرانية بعد الاتيان بكلمتى الشهادة وبدون التبرى لا يكونان مسلمين ولو أتيا بالشهادتين مرارا لانهما فسرا بقولهما بانه رسول الله اليكم لكن هذا فى الذين اليوم بين ظهرانى اهل الاسلام اما اذا كان فى دار الحرب وحمل عليه رجل من المسلمين فأتى بالشهادتين او قال دخلت فى دين الاسلام او فى دين محمد عليه السلام فهذا دليل توبته ولهذه الكلمة من الاسرار ما يملأ الاقطار منها انها بكلماتها الاربع مركبة من ثلاثة احرف اشارة الى الوتر الذى هو الله تعالى والشفع الذى هو الخلق انشأه الله تعالى ازواجا ومنها ان احرفها اللفظية اربعة عشر حرفا على عدد السموات والارض الدالة على الذات الاقدس الذى هو غيب محض والمقصود منها مسمى الجلالة الذى هو الاله الحق والجلالة الدالة عليه خمسة احرف على عدد دعائم الاسلام الخمس ووتريته ثلاثة احرف دلالة على التوحيد ومنها انه ان لم يفعل فيها شيئا شفهيا ليمكن ملازمتها لكونها اعظم مقرب الى الله واقرب موصل اليه مع الاخلاص فان الذاكر بها يقدر على المواظبة عليها ولا يعلم جليسه بذلك اصلا لان غيرك لا يعلم ما فى ورآء شفتيك الا باعلامك ومنها ان هذه الكلمة مع قرينتها الشاهدة بالرسالة سبع كلمات فجعلت كل كلمة منها مانعة من باب من ابواب جهنم السبعة ومنها ان عدد حروفها مع قرينتها اربعة وعشرون وساعات اليوم والليلة كذلك فمن قالها فقد اتى بخير ينجيه من المكاره فى تلك الآنات (قال المولى الجامى) نقطه بصورت مكس است ولمه شهادت ازنقطه معراست يعنى اين شهد ازآلايش مكس طبعان معراست وقال بعض العارفين لا يجوز لشخص ان يتصدر فى مرتبة الشيخوخة الا ان كان عالما بالكتاب والسنة عارفا بامراض الطريق عارفا بمقامات التوحيد الخمسة والثمانين نوعا عارفا باختلاف السالكين واوديتهم حال كونهم مبتدئين وحال كونهم متوسطين وحال كونهم كاملين ويجمع كل ذلك قولهم ما اتخذ الله وليا جاهلا قط ولو اتخذه لعلمه قال الشيخ الشهير بافتاده قدس سره ليس فى طريق الشيخ الحاجى بيرام الرقص حال التوحيد وليس فى طريقنا ايضا بل نذكر الله قياما وقعودا ولا نرقص وفق قوله تعالى {أية : الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم} تفسير : وقال الرقص والاصوات كلها انما وضعت لدفع الخواطر ولا شئ فى دفعها اشد تأثيرا من التوحيد فطريقنا طريق الانبياء عليهم السلام فنبينا عليه السلام لم يلقن الا التوحيد وقال فى احياء العلوم الكامل هو الذى لا يحتاج ان يروح نفسه بغير الحق ولكن حسنات الابرار سيئات المقربين ومن احاط بعلم علاج القلوب ووجوه التلطف بها للسياقة الى الحق علم قطعا ان ترويحها بامثال هذه الامور دواء نافع لا غنى عنه انتهى واراد بامثال هذه الامور السماع والغناء واللهو المباح ونحو ذلك وقال حضرة الشيخ افتاده قدس سره اذا غلبت الخواطر واحتجت الى نفيها فاجهر بذكر النفى وخافت الاثبات اما اذا حصلت الطمأنينة وغلب الاثبات على النفى فاجهر بالاثبات فانه المقصود الاصلى وخافت النفى. يقول الفقير قال حضرة شيخى وسندى روح الله روحه ينبغى ان يبدأ النفى من جانب اليسار ويحول الوجه الى اليمين ثم يوقع الاثبات على اليسار ايضا وذلك لان الظلمة فى اليسار فبابتدآء النفى منه تطرح تلك الظلمة الى طرف اليمين وهو التخلية التى هى سر الخلوتية والنور فى اليمين فبتحويل الوجه الى جانبها ثم الميل فى الاثبات الى اليسار يطرح ذلك النور الى جانب اليسار الذى هو موضع الايمان لانه فى يسار الصدر وهى النجلية التى هى سر الخلوتية وهذا لا ينافى قولهم النفى فى طرف اليمين والاثبات الى طرف اليسار لان النفى من طرف اليمين حقيقة وانما الابتدآء من اليسار وهذا الابتدآء لا ينافى كون النفى من طرفها فاعرف ومن آداب الذكر ان يكون الذاكر فى بيت مظلم وان ينظر بعين قلبه الى ما بين حاجبيه وفى ذلك سر ينكشف لمن ذاقه قال بعض الاكابر من قال فى الثلث الاخير من ليلة الثلاثاء لا اله الا الله ألف مرة بجمع همة وحضور قلب وأرسلها الى ظالم عجل الله دماره وخرب دياره وسلط عليه الافات وأهلك بالعاهات ومن قال ألف مرة لا اله الا الله وهو على طهارة فى كل صبيحة يسر الله عليه اسباب الرزق وكذا من قالها عند منامه العدد المذكور باتت روحه تحت العرش تتغذى من ذلك العالم حسب قواها وكذلك من قالها عند وقوف الشمس ضعف منه شيطان الباطن وفى الحديث "حديث : لو يعلم الامير ماله فى ذكر الله لترك امارته ولو يعلم التاجر ماله فى ذكر الله لترك تجارته ولو أن ثواب تسبيحة قسم على أهل الارض لأصاب كل واحد منهم عشرة أضعاف الدنيا" تفسير : وفى حديث آخر "حديث : للمؤمنين حصون ثلاثة ذكر الله وقراءة القرءان والمسجد" تفسير : والمراد بالمسجد مصلاه سواء كان فى بيته او فى الخارج كذا اوله بعض الكبار قال الحسن البصرى حادثوا هذه القلوب بذكر الله فانها سريعة الدثور والمحادثة بالفارسية بزدودن والدثور زنك افكندن كاردوشمشير (وقال الجامى) يادكن آنكه درشب اسرى باحبيب خدا خليل خدا كفت كوى ازمن اى رسول كرام امت خويش راز بعد سلام كه بودياك وخوش زمين بهشت ليك آنجاكسى درخت نكشت خاك اوباك وطيب افتاده ليك هست از درختها ساده غرس اشجار آن بسعى جميل بسمله حمدله است بس تهليل هست تكبير نيزازان اشجار خوش كسى كش جزاين نباشد كار باغ جنات تحتها الانهار سبز وخرم شودازان اشجار. وفى الحديث "حديث : استكثروا من قوله لا اله الا الله والاستغفار فان الشيطان قال قد اهلكت الناس بالذنوب واهلكونى بلا اله الا الله والاستغفار فلما رأيت ذلك اهلكتهم بالاهواء حتى يحسبون انهم مهتدون فلا يستغفرون" تفسير : وفى الحديث "حديث : جددوا ايمانكم" قالوا يا رسول الله كيف نجدد ايماننا قال "اكثروا من قول لا اله الا الله" حديث : ولما بعث عليه السلام معاذ بن جبل رضى الله عنه الى اليمن اوصاه وقال "انكم ستقدمون على اهل كتاب فان سألوكم عن مفتاح الجنة فقولوا لا اله الا الله" تفسير : وفى الحديث "حديث : اذا قال العبد المسلم لا اله الا الله خرقت السموت حتى تقف بين يدى الله فيقول الله اسكنى اسكنى فتقول كيف اسكن ولم تغفر لقائلها فيقول ما اجريتك على لسانه الا وقد غفرت له" تفسير : وفى طلب المغفرة للمؤمنين والمؤمنات تحصيل لزيادة الحسنة لقوله عليه السلام "حديث : من استغفر للمؤمنين والمؤمنات كتب الله له بكل مؤمن ومؤمنة حسنة" تفسير : وفى الخبر "حديث : من لم يكن عنده ما يتصدق به فليستغفر للمؤمنين والمؤمنات فانه صدقة" تفسير : وكان عليه السلام يستغفر الله فى كل يوم سبعين مرة وفى رواية مائة مرة ويستغفر للمؤمنين خصوصا للشهدآء ويزور القبور ويستغفر للموتى ويعرف من الآية انه يلزم الابتدآء بنفسه ثم بغيره قال فى ترجمة الفتوحات بعدازرسل هيجكس را آن حق نيست كه مادر وبدررا ومع هذا نوح عليه السلام دردعاى نفس خودرا مقدم داشت. قال رب اغفر لى ولوالدى وابراهيم عليه السلام فرمود واجنبى وبنى ان نعبد الاصنام رب اجعلنى مقيم الصلاة ومن ذريتى ابتدا بنفس خودكرد والداعى للغير لا ينبغى ان يراه احوج الى الدعاء من نفسه ولا لداخله العجب فلذا امر الداعى بالدعاء لنفسه اولا ثم للغيره اللهم اجعلنا من المغفورين
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {فاعلم أنه لا إِله إِلا اللّهُ} أي: إذا علمت أن مدار السعادة، والفوز بالنعيم في دار البقاء هو التوحيد والطاعة، ومناط الشقاء والخسران في دار الهوان هو الإشراكُ والعصيان، فاثبت على ما أنت عليه من التوحيد، واعلم أنه لا إله في الوجود إلا الله، فلا يستحق العبادة غيره، {واستغفر لذنبك} وهو ما قد يصدر منه صلى الله عليه وسلم من خلاف الأولى، عبّر عنه بالذنب نظراً إلى منصبه الجليل، كيف لا، وحسنات الأبرار سيئات المقربين؟ فكل مقام له آداب، فإذا أخلّ بشيء من آدابه أُمر بالاستغفار، فلمقام الرسالة آداب، ولمقام الولاية آداب، ولمقام الصلاة آداب، وضعفُ العبودية لا يقوم بجميع حقوق الربوبية، قال تعالى:{أية : وَمَا قٌدَرُواْ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ}تفسير : [الزمر: 67]. وبالجملة فالقيام بالآداب مع الله - تعالى - على ما يستحقه - سبحانه - حتى يُحيط العبد بجميع الآداب مع عظمة الربوبية محال عادة، قال صلى الله عليه وسلم مع جلالة منصبه:"حديث : لا أُحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك"تفسير : فكل ما قَرُبَ العبدُ من الحضرة شُدّد عليه في طلب الأدب، فإذا أخذته سِنةٌ أُمر بالاستغفار، ولذلك كان صلى الله عليه وسلم يستغفر في المجلس سبعين مرة، أو مائة، على ما في الأثر. وقال شيخ شيوخنا، سيدي عبد الرحمن الفاسي، بعد كلام: والحق أن استغفاره صلى الله عليه وسلم طلب ثبات المغفرة والستر من الوقوع، لا طلب العفو بعد الوقوع، وقد أخبره تعالى بأنه فعل. وقد يُقال: استغفار تعبُّد لا غير. قال: والذي يظهر لي أن أمره بالاستغفار مع وعد الله بأنه مغفور له؛ إشارة إلى الوقوف مع غيب المشيئة، لا مع الوعد، وذلك حقيقةٌ، والوقوف مع الوعد شريعة. وقال الطيبي: إذا تيقنت أن الساعة آتية، وقد جاء أشراطها، فخُذ بالأهم فالأهم، والأَولى فالأَولى، فتمسّك بالتوحيد، ونزِّه اللّهَ عما لا ينبغي، ثم طَهِّر نفسك بالاستغفار عما لا يليق بك، مِن ترك الأَولى، فإذا صِرت كاملاً في نفسك فكن مكمِلاً لغيرك، فاستغفر {للمؤمنين والمؤمنات} . هـ. أي: استغفر لذنوبهم بالدعاء لهم، وترغيبهم فيما يستدعي غفران ذنوبهم. وفي إعادة الجار تنبيه على اختلاف معلّقيْه؛ إذ ليس موجبُ استغفاره صلى الله عليه وسلم كموجب استغفارهم، فسيئاته - عليه السلام - فرضاً حسناتهم. وفي حذف المضاف، وإقامة المضاف إليه مقامه - أي: ولذنب المؤمنين - إشعار بعراقتهم في الذنوب، وفرط افتقارهم إلى الاستغفار. {واللّهُ يعلم متقلَّبكم ومثواكم} أي: يعلم متقلبكم في الدنيا، فإنها مراحل لا بد من قطعه، ويعلم مثواكم في العقبى؛ فإنها مواطن إقامتكم، فلا يأمركم إلا بما هو خير لكم فيهما، فبادِروا إلى الامتثال لما أمركم به، فإنه المهم لكم، أو: يعلم متقلبكم: في معايشكم ومتاجركم، ومثواكم: حيث تستقروا في منازلكم، أو متقلبكم: في حياتكم، ومثواكم: في القبور، أو: متقلبكم: في أعمالكم الحسنة أو السيئة، ومثواكم: من الجنة أو النار، أو: يعلم جميع أحوالكم فلا يخفى عليه شيء منها، فمثله حقيق بأن يُخشى ويُتقى ويُستغفر. الإشارة: قال القشيري: قال تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: {فاعلم أنه لا إِله إلا الله} وكان عالماً، ولكن أمره باستدامة العلم واستزادته، وذلك في الثاني من حاله في ابتداء العلم، لأن العلم أمر، ولا يجوز البقاء على الأمر الواحد، فكل لحظة يأتي فيها علم. ويقال: كان له علم اليقين، فأُمِر بعين اليقين، فأُمِر بعين اليقين، أو: كان له عيه اليقين، فأُمر بحق اليقين. ويقال: قال صلى الله عليه وسلم:"حديث : أنا أعملكم بالله وأخشاكم له"تفسير : فنزلت الآية، أي: أُمر بالتواضع. وهنا سؤال: كيف قال: "فاعلم" ولم يقل صلى الله عليه وسلم بعدُ: علمتُ، كما قال إبراهيم حين قال له:{أية : أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ}تفسير : [البقرة: 131] ويُجاب: بأن الله تعالى أخبر عنه بقوله: {أية : ءَامَنَ الرَّسُولُ}تفسير : [البقرة: 285] والإيمان هو العلم، فإخبارُ الحق تعالى عنه أتم من إخباره عن نفسه بقوله: علمته. ويُقال: إبراهيم عليه السلام لما قال: {أسلمتُ} ابتلي، ونبينا صلى الله عليه وسلم لم يقل علمت، فعُوفي، ويقال: فرق بين موسى، لمَّا احتاج إلى زيادة العلم أُحيل على الخضر، ونبينا صلى الله عليه وسلم قال له:{أية : وَقُل رَّبِّ زِدْنِى عِلْماً}تفسير : [طه: 114] فكم بين مَن أُحيل في استزادة العلم على عبد، وبين مَن أُمِر باستزادة العلم من الحق. ويقال: إنما أمره بقوله: {فاعلم} بالانقطاع إليه من الحظوظ من الخلق، ثم بالانقطاع منه إليه، وإذا قال العبد هذه الكلمة على العادة، والغفلة عن الحقيقة، وهي نصف البيان؛ فليس لهذا القول كبيرُ قيمةٍ، وهذا إذا تعجب من شيء فذكر هذه الكلمة، فليس له قَدْرٌ، وإذا قاله مخلصاً ذاكراً لمعناها، متحققاً بحقيقتها، فإن قاله بنفسه فهو في وطن التفرقة، وعندهم هذا من الشِّرْكِ الخفيِّ، وإن قاله بالحق فهو إخلاص، والعبد أولاً يعلم ربه بدليل وحُجةٍ، فعلمه بنفسه ضروري، وهو أصل الأصول، وعليه ينبني كل علم استدلالي. ثم تزداد قوةُ علمه بزيادة البيان، وزيادة الحُجج، ويتناقض علمه بنفسه لغَلَبة ذكرِ الله بقلبه عليه، فإذا انتهى لحال المشاهدة، واستيلاء سلطان الحقيقة عليه، صار علمه في تلك الحالة ضرورياً، ويقِل إحساسه بنفسه، حتى يصير علمه بنفسه كالاستدلال، وكأنه غافلٌ عن نفسه، أو ناسٍ لنفسه، ويُقال: الذي في البحر غلب عليه ما يأخذه من الرؤية عن ذكر نفسه، فإذا ركب البحر فرَّ من هذه الحالة، فإذا غرق في البحر فلا إحساس له بشيء سوى ما هو مستغرقٌ فيه مستهلَك. هـ. قلت: لا مدخل للحجج هنا، وإنما هو أذواق وكشوفات، فالصواب أن يقول: ثم تزداد قوة علمه، بزيادة الكشف والذوق، حتى يغيب عن وجوده، بشهود معبوده، فيتناقض علمه، فيصير علمه بالله ضرورياً، وعلمه بعدم وجوده ضرورياً، والله تعالى أعلم. وقوله تعالى: {واستغفر لذنبك} قال الورتجبي عن الجنيد: أي: اعلم حقيقة أنك بنا ولنا وبنا، عَلِمتنا، وإياك أن ترى نفسَك في ذلك، فإن خطر بك خاطر غَيْرٍ، فاستغفر من خاطرك، فلا ذنب ولا خطب أعظم ممن رجع عنا إلى سوانا، ولو في خطرة ونفَس، ثم قال عن الأستاذ القشيري: إذا علمت أنك علمته فاستغفر لذنبك من هذا؛ فإن الحق علا جلال قدره أن يعلمه غيره. هـ. قلت: وحاصله: أنَّ استغفاره صلى الله عليه وسلم ما عسى أن يخطر بباله رؤية وجوده، كما قال الشاعر: شعر : وجُودك ذَنْبٌ لاَ يُقَاسُ بِه ذَنْبُ تفسير : فَلاَ وُجوُدَ لِلْغَيْرِ مَعَهُ أَصْلاً، فهو الذي عَرف نفسه بنفسه، ووحّد نفسه بنفسه، وقدّس نفسه بنفسه، وعظّم نفسه بنفسه، كما قال الهروي رضي الله عنه حين سُئل عن التوحيد الخاص: شعر : مَا وَحَّدَ الْوَاحِدَ مِنْ وَاحد إِذْ كُلُّ مَنْ وَحَّدَهُ جَاحِدُ تَوحِيدُ مَنْ يَنْطِق عَنْ نَعْتِه عَارِيَةٌ أَبْطَلَها الْوَاحِدُ تَوْحِيدُه إِيّاه توحِيدُه وَنَعْتُ مَنْ يَنْعَتُه لأحِدْ ثم ذكر حال المؤمنين والمنافقين عند نزول الوحي، فقال: {وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لَوْلاَ نُزِّلَتْ سُورَةٌ}.
الجنابذي
تفسير : {فَٱعْلَمْ} يعنى اذا علمت ذلك فاعلم {أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلأ ٱللَّهُ وَٱسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ} تقلّبكم وانتقالاتكم فانّ لكم الانتقالات من اوّل استقرار نطفكم وموادّكم فى الارحام الى آخر الدّنيا وهكذا فى البرازخ الى الاعراف، او محالّ تقلّبكم من مراتب الدّنيا والبرازخ {وَمَثْوَاكُمْ} فى مراتب الآخرة الّتى هى كثيرة بحسب مراتب النّاس.
الهواري
تفسير : قال: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ} أي: في الدنيا {وَمَثْوَاكُمْ} إذا صرتم إليه. والمثوى المنزل الذي يثوون فيه، أي: لا يزولون عنه. قوله عزّ وجلّ: {وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلاَ} أي: هلاّ {نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ مُّحْكَمَةٌ} والمحكمة المفروضة {وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ} وهي كل سورة فرض فيها القتال، أي أُمِرَ به {رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ} يعني المنافقين {يَنظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ} أي: خوفاً منه وكراهية للقتال. كقوله: (أية : يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ) تفسير : [المنافقون:4]. قال: {فَأَوْلَى لَهُمْ} وهذا وعيد من الله لهم: ثم انقطع الكلام. ثم قال: {طَاعَةٌ} أي: طاعة لله ورسوله {وَقَوْلٌ مَّعْرُوفٌ} أي: خير لهم مما هم عليه من النفاق. قال: {فَإِذَا عَزَمَ الأَمْرُ} أي: بالجهاد في سبيل الله {فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ} فكان عزمهم في الجهاد صدقاً {لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ} يعني به المنافقين.
اطفيش
تفسير : {فَاعْلَمْ} أي دم على العلم أو زد علماً ومثله المؤمنون* {أَنَّهُ لآَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ} وقيل الخطاب في المعنى لمن لم يؤمن أو شك ولا ملك لأحد عند قيام الساعة وفي الحديث حديث : ما قال عبد لا اله الا الله مخلصاً الا فتحت له أبواب الجنة الى العرش ما اجتنب الكبائر. تفسير : {وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ} ليس كذنبنا بل شيء كان الأولى له الترقي وعن بعض أن اللام للتعليل وانه قيل له ذلك مع انه لا ذنب له ليستن به أمته وقيل استغفار تواضع وقال اني لأستغفر الله كل يوم مائة مرة وقيل استغفر من هم الطبع قال انه ليغان على قلبي وأنا أستغفر الله في كل يوم سبعين مرة. وقال مكي الخطاب في المعنى للمؤمنين. وفي رواية "حديث : انه ليغان على قلبي حتى استغفر الله في اليوم مائة مرة" تفسير : وقال "حديث : توبوا الى ربكم فوالله انى لأتوب الى ربي عز وجل مائة مرة في اليوم ". تفسير : وفي رواية "حديث : أكثر من سبعين مرة" تفسير : و (الغين) التغطية أو من الغين الذي هو السحاب الرقيق الذي يغشي السماء وقيل ذنبه حزنه على ما يصير لأمته وقيل هو اشتغاله بأمور المسلمين وان كان أعظم طاعة وأوجب واجب لكن التفرد لله أرفع في نفسه وحسنات الابرار سيئات المقربين وقيل (الغين) السكينة واستغفاره لها اظهار العبودية والافتقار وقيل الفترة عن الذكر ومن شأنه أن لا يفتر فيستغفر منها. وقيل خوف الانبياء والملائكة خوف اجلال وان أمنوا من عذابه وقيل (الغين) حالة حسنة واستغفاره شكر كما قال "حديث : أفلا أكون عبداً شكوراً" تفسير : وقيل بتقدير مضافين أي لذنب أهل بيتك* {وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ} أهل بيتك وغيرهم وان قلنا المراد بقوله لذنبك لذنب أهل بيتك فالمراد هنا غيرهم وأمر الله اياه أن يستغفر للمؤمنين والمؤمنات اكرام لأمته وهو الشفيع المجاب. وقيل المراد كل مؤمن ومؤمنة واذا قلنا الخطاب لامته في المعنى ففي الآية ايجاب الاستغفار والترحم لجملة المؤمنين والمؤمنات عليها. قال صلى الله عليه وسلم "حديث : من لم يكن عنده ما يتصدق به فليستغفر للمؤمنين والمؤمنات" تفسير : وانما حذف المضاف فأعاد اللام اشعار بشدة احتياجهم وكثرة ذنوبهم حتى كأنهم ذنوب ولان ذنبهم غير جنس ذنبه اذا قلنا المراد بقوله لذنبك ذنب نفسه* {وَاللهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ} متقلب مصدر ميمي من تقلب والمثوى مصدر ميمي من ثوى أي يعلم تقلبكم في الدنيا فانها مراحل لا بد من قطعها والتقلب التصرف ويعلم صيرورتكم الى الآخرة والثواء الصيرورة والنزول والآخرة يصار اليها وهى دار الاقامة أو هما اسما مكان أو اسما زمان والاقامة في الجنة أو النار وذلك قول ابن عباس والضحاك. وروي عنه ان المثوى اقامتكم في قبوركم وآخرتكم. وقال الطبري وغيره (ومتقلبكم) تقلبكم في أشغالكم بالنهار {وَمَثْوَاكُمُ} بالليل الى مضاجعكم وقيل {مُتَقَلَّبَكُمْ} من الاصلاب الى الارحام {وَمَثْوَاكُمُ} في الدنيا وقبوركم والمراد الكناية عن علم الله حالكم ولو دق فحقيق أن يتقي ويطلب منه الغفران. سئل سفيان بن عيينة عن فضل العلم فقال ألم تسمع فاعلم {أَنَّهُ لآَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَاسْتَغْفِر لِذَنبِكَ} فأمر بالعمل بعد العلم {أية : اعلموا انما الحياة الدنيا لعب} تفسير : الى {أية : سابقوا الى مغفرة من ربكم} {أية : واعلموا انما أموالكم} تفسير : الى {أية : فاحذروهم} {أية : واعلموا ان ما غنمتم} تفسير : الخ
اطفيش
تفسير : {فاعلم أنه لا إله إلاَّ الله} إذا عملت أن الأمر كما ذكر من سعادة هؤلاء وشقاوة هؤلاء، قدم اعتقاد أنه لا إله إلا الله، والعمل بمقتضاه، فان ذلك من موجبات السعادة، كما تقول للجالس، اجلس، تريد ابق جالسا كما أنت، أو زد من ذلك ملذة عمل واعتقاد وعلم، وقيل: الخطاب لمن يصلح له، وقيل: معناه إذا جاءتهم فلا ملك إلا الله، وعن أبى العالية وسفيان بن عيينة: إذا جاءتهم فلا ملجأ لهم إلا الله عز وجل، وانما أولت الآية بالدوام دفعا لتحصيل الحاصل، لأنه صلى الله عليه وسلم عالم بالتوحيد، عامل له من أول نشأته، وقيل الدوام على ذلك حاصل له إلا أنه أمر به تذكيرا للنعم، ويبحث بأنه لم تمض مدة يصدق بها أنه دام، فان الدوام هو بتمام عمره، والموعود للمعصوم يؤمر ذلك بالتمسك. {واسْتغفر لذنِبك وللمُؤمنين والمؤمنات} ذنبه صلى الله عليه وسلم ما هو جائز إلا أن الأولى تركه، أو ما الأولى لأنه قال عنه الى ما هو اعلى منه، ورب شىء حسنة من شخص سيئة من آخر أو مباح لشخص مكروه لآخر، وجاء أن حسنات الأبرار سيئات المقربين، ويذكر أن لنبينا صلى الله عليه وسلم فى كل لحظة عروجا الى مقام أعلى مما قام فيه، فقد يعد ما عرج منه ذنبا بالنسبة الى ماعرج إليه، فيستغفر منه، وفى ابن ماجة والنسائى والترمذى وأبى داود: كنا نعد لرسول الله صلى الله عليه وسلم أنه يقول فى المجلس: "حديث : رب اغفر لي وتب علي إنك أنت التواب الرحيم مائة مرة" تفسير : وفى رواية: "التواب الغفور". وفى النسائى وابن ماجه عن أبى موسى: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ما صبحت غداة قط إلاَّ استغفرت الله فيها مائة مرة" تفسير : وروى مسلم وأبو داود والنسائى وغيرهم، عن الأعز المزنى عنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : إنَّه ليغان على قلبي وإني لأستغفر الله كل يوم مائة مرة" تفسير : ومعنى الغين على قلبه صلى الله عليه وسلم التغطية عليه بالفترة عن العبادة للعياء بها أو بغيرها أو بالاقتصار على الشىء عما هو أولى منه أو وسوسة الشيطان له بما جزم بانتفائه أو ذلك اشتغاله بالحزن لأحوال أمته بعده، حتى كان يستغفر لهم مزيد استغفار، أو باشتغاله فى النظر فى أمور المؤمنين ومصالحهم، وذلك عبادة، لكن حسنات الأبرار سيئات المقربين، وشبه لهم فى ذلك كله بالغين الذى هو السحاب الرقيق، أو ذلك الاستغفار نتيجة السكينة واظهار للعبودية لله تعالى، واظهار للافتقار الى الله عز وجل، أو ذلك فترته التى من شأن البشر عن بعض ما كان يشتد فيه، وقيل: يحتمل أن الغين حالة حسنة يستغفر شكرا "أفلا أكون عبداً شكوراً" فاذا كان يستغفر فأمره بالاستغفار أمر بالثبات عليه، أو ذلك بالزيادة، أو كناية عما يلزمه من الدوام على التواضع، أو توطئة لما بعده من الاستغفار للمؤمنين والمؤمنات على حذف مضاف، أى أهل بيتك ولذنوب المؤمنين والمؤمنات أو عبر عن التواضع بالاستغفار لمشاكلة، وفصل بلام الجر للفرق بين ذنبه وذنب المؤمنين والمؤمنات، وفى حذف المضاف تلويح الى كثرة ذنوبهم وعظمها، كأن نفس أبدانهم ذنوب. {والله يَعْلم} ذكر علمه تعالى تحذيرا من عقابه، وترغيبا فى الامتثال {مُتَقلبكم} مصدر ميمى بمعنى التقلب، {ومثواكم} اسم مكان الرجوع، أو مكان الاقامة، أو مصدر ميمى بمعنى الرجوع، أو الاقامة، والمراد حركاتكم فى الدنيا لتجركم ومصالحكم، وانتقالكم الى الآخرة بمضى الأزمان، وانتقالكم فى أصلاب الآباء الى أرحام الأمهات، يعلم الله ذلك، ومواضعه ورجوعكم الى الآخرة والقبر، واقامتكم فيهما، ومنامكم ومستقركم فى الدنيا، على أن كلا من التقلب والمثوى فى الدنيا، وفى ذلك الجمع بين الحقيقة والمجاز، واستعمال المشترك فى معنييه، ويتخلص عن ذلك باستعمال اللفظين فى المعنيين المتقابلين، أو متقلبكم نهارا فى شغلكم، ومثواكم ليلا أو متقلبكم فى الدنيا، ومثواكم فى النار والجنة واليهما.
الالوسي
تفسير : {فَٱعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاّ ٱللَّهِ } مسبب عن مجموع القصة من مفتتح السورة لا عن قوله تعالى: {أية : هَلْ يَنظُرُونَ } تفسير : [محمد: 18] كأنه قيل: إذا علمت أن الأمر كما ذكر من سعادة هؤلاء وشقاوة هؤلاء فاثبت على ما أنت عليه من العلم بالوحدانية فهو من موجبات السعادة، وفسر الأمر بالعلم بالثبات عليه لأن علمه صلى الله عليه وسلم بالتوحيد لا يجوز أن يترتب على ما ذكره سبحانه من الأحوال فإنه عليه الصلاة والسلام موحد عن علم حال ما يوحى إليه ولأن المعنى: فتمسك بما أنت فيه من موجبات السعادة لا باطلب السعادة، وقال بعض الأفاضل: إن الثبات أيضاً حاصل له عليه الصلاة والسلام فأمره بذلك صلى الله عليه وسلم تذكير له بما أنعم الله تعالى عليه توطئة لما بعده، وتعقب بأن المراد بالثبات الاستمرار وهو بالنظر إلى الأزمنة الآتية وذلك وإن كان مما لا بد من حصوله له عليه الصلاة والسلام لمكان العصمة لكن المعصوم يؤمر ويُنهى فيأتي بالمأمور ويترك المنهي ولا بد للعصمة. والأمر في قوله تعالى: {وَٱسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَـٰتِ } قيل على معنى الثبات أيضاً، وجعل الاستغفار كناية عما يلزمه من التواضع وهضم النفس والاعتراف بالتقصير لأنه صلى الله عليه وسلم معصوم أو مغفور لا مصر ذاهل عن الاستغفار، وقيل: التحقيق أنه توطئة لما بعده من الاستغفار للمؤمنين والمؤمنات؛ ولعل الأولى إبقاؤه على الحقيقة من دون جعله توطئة، والنبـي صلى الله عليه وسلم كان يكثر الاستغفار، أخرج أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي وابن حبان عن الأغر المزني رضي الله تعالى عنه قال: «حديث : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنه ليغان على قلبـي وإني لأستغفر الله كل يوم مائة مرة»تفسير : وأخرج النسائي وابن ماجه وغيرهما عن أبـي موسى قال: «حديث : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أصبحت غداة قط إلا استغفرت الله فيها مائة مرة»تفسير : وأخرج أبو داود والترمذي وصححه والنسائي وابن ماجه وجماعة عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: «حديث : إنا كنا لنعد لرسول الله صلى الله عليه وسلم في المجلس يقول: رب اغفر لي وتب علي إنك أنت التواب الرحيم مائة مرة»تفسير : وفي لفظ «التواب الغفور» إلى غير ذلك من الأخبار الصحيحة. والذنب بالنسبة إليه عليه الصلاة والسلام ترك ما هو الأولى بمنصبه الجليل ورب شيء حسنة من شخص سيئة من آخر كما قيل: حسنات الأبرار سيئات المقربين؛ وقد ذكروا أن لنبينا صلى الله عليه وسلم في كل لحظة عروجاً إلى مقام أعلى مما كان فيه فيكون ما عرج منه في نظره الشريف ذنباً بالنسبة إلى ما عرج إليه فيستغفر منه، وحملوا على ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : إنه ليغان على قلبـي»تفسير : الحديث وفيه أقوال أخر. وقوله تعالى: {وَلِلْمُؤْمِنِينَ } على حذف مضاف بقرينة ما قبل أي ولذنوب المؤمنين، وأعيد الجار لأن ذنوبهم جنس آخر غير ذنبه عليه الصلاة والسلام فإنها معاص كبائر وصغائر وذنبه صلى الله عليه وسلم ترك الأولى بالنسبة إلى منصبه الجليل، ولا يبعد أن يكون بالنسبة إليهم من أجل حسناتهم، قيل: وفي حذف المضاف وتعليق الاستغفار بذواتهم إشعار بفرط احتياجهم إليه فكأن ذواتهم عين الذنوب وكذا فيه إشعار بكثرتها، وجوز بعضهم كون الاستغفار للمؤمنين بمعنى طلب المغفرة لهم وطلب سببها كأمرهم بالتقوى، وفيه الجمع بين الحقيقة والمجاز مع أن في صحته كلاماً، فالظاهر إبقاء اللفظ على حقيقته. وفي تقديم الأمر بالتوحيد إيذان بمزيد شرف التوحيد فإنه أساس الطاعات ونبراس العبادات. وفي الكلمة الطيبة أبحاث شريفة ولطائف منيفة لا بأس بذكر بعضها وإن تقدم شيء من ذلك فنقول: المشهور أن (إلا) للاستثناء والاسم الجليل بدل من محل اسم (لا) النافية للجنس وخبر {لاَ } محذوف، واستشكل الإبدال من جهتين أولاهما أنه بدل بعض وليس معه ضمير يعود على المبدل منه وهو شرط فيه؛ وأجيب بمنع كونه شرطاً مطلقاً / بل هو شرط حيث لا تفهم البعضية بقرينة وهٰهنا قد فهمت بقرينة الاستثناء. ثانيتهما: أن بين المبدل منه والبدل مخالفة فإن الأول منفي والثاني موجب. وأجاب السيرافي بأنه بدل عن الأول في عمل العامل، والتخالفُ نفياً وإيجاباً لا يمنع البدلية لأن مذهب البدل أن يجعل الأول كأنه لم يذكر والثاني في موضعه وقد تتخالف الصفة والموصوف في ذلك نحو مررت برجل لا كريم ولا لبيب على أنه لو قيل: إن البدل في الاستثناء قسم على حياله مغاير لغيره من الأبدال لكان له وجه. واستشكل أمر الخبر بأنه إن قدر ممكن يلزم عدم إثبات الوجود بالفعل للواحد الحقيقي تعالى شأنه أو موجود يلزم عدم تنزيهه تعالى عن إمكان الشركة وتقدير خاص مناسب لا قرينة عليه قيل: ولصعوبة هذا الإشكال ذهب صاحب «الكشاف» وأتباعه إلى أن الكلمة لا غير محتاجة إلى خبر وجعل {إِلاَّ ٱللَّهُ } مبتدأ و {لا إِلِـٰهَ } خبره والأصل الله إله أي معبود بحق لكن لما أريد قصر الصفة على الموصوف قدم الخبر وقرن المبتدأ بإلا إذ المقصور عليه هو الذي يلي (إلا) والمقصور هو الواقع في سياق النفي والمبتدأ إذا اقترن بإلا وجب تقديم خبره. وتعقب بأنه مع ما فيه من التمحل يلزم منه بناء الخبر مع (لا) وهي لا يبنى معها إلا المبتدأ، وأيضاً لو كان الأمر كذلك لم يكن لنصب الاسم الواقع بعدها وجه وقد جوزه جماعة. وقال بعض الأفاضل: إن لا إله إلا الله على هذا المذهب قضية معدولة الطرفين بمنزلة غير الحي لا عالم بمعنى الحي عالم ولا يدفع الاعتراض كما لا يخفى. وقال بعضهم: إن الخبر هو {إِلاَّ ٱللَّهُ } أعني إلا مع الاسم الجليل وأورد عليه أن الجنس مغاير لكل من أفراده فكيف يصدق حينئذٍ سلب مغايرة فرد عنه اللهم إلا أن يقال: إن ذلك بناءً على تضمين معنى من وإن المفهوم منه أنه انتفى من هذا الجنس غير هذا الفرد، والوجه كما قيل أن يقال: إن المغايرة المنفية هي المغايرة في الوجود لا المغايرة في المفهوم حتى لا يصدق، ولا شك أن المراد من الجنس المنفي بلا هذه هو المفهوم من غير اعتبار حصوله في الأفراد كلها أو بعضها فيكون محمولاً لا بمعنى اعتبار عدم حصوله فيها أصلاً حتى لا يصح حمله إذ لا يلزم من عدم اعتبار شيء اعتبار عدمه ومتى تحقق الحمل تحقق عدم المغايرة في الوجود فتدبره. وقال بعضهم: لا خبر للا هذه أصلاً على ما قاله بنو تميم فيها، وأورد عليه أنه يلزم حينئذٍ انتفاء الحكم والعقد وهو باطل قطعاً ضرورة اقتضاء التوحيد ذلك ولا يبعد أن يقال: إن القول بعدم احتياج (لا) إلى الخبر لا يخرج المركب منها ومن اسمها عن العقد وذلك لأن معنى المركب نحو لا رجل على هذا التقدير انتفى هذا الجنس فإذا قلنا: لا رجل إلا حاتم كان معناه انتفى هذا الجنس في غير هذا الفرد ويخدشه أن تركب الكلام من الحرف والاسم مما ليس إليه سبيل، وربما يدفع بما قيل في النداء مثل يا زيد من أنه قائم مقام ادعوه، والشريف العلامة قدس سره صرح في بيان ما نقل عن بني تميم من عدم إثبات خبر (لا) هذه بأنه يحتمل أن يكون بناءً على أن المفهوم من التركيب كما ذكر آنفاً انتفاء هذا الجنس ثم إن كلمة (إلا) على هذا التقدير بمعنى غير ولا مجال لكونها للاستثناء لا لما يتوهم من التناقض بناءً على أن سلب الجنس عن كل فرد فرد ينافي إثباته لواحد من أفراده فإنه مدفوع بنحو ما اختاره نجم الأئمة في دفع التناقض المتوهم في مثل: ما قام القوم إلا زيداً لوجوب شمول القوم المنفي عنهم الفعل لزيد المثبت هو له فيما يتبادر بأن يقال: إن الجنس الخارج عنه هذا الفرد منتف في ضمن كل ما عداه ولا لما قد يتوهم من عدم تناول الجنس المنفي لما هو بعد (إلا) وهو شرط الاستثناء لما عرفت من الفرق بين / الجنس بدون اعتبار حصوله في الأفراد وبينه مع اعتبار عدم حصوله فيها بل لأنها لو كانت للاستثناء لما أفاد الكلام التوحيد لأنه يكون حاصله حينئذٍ أن هذا الجنس على تقدير عدم دخول هذا الفرد فيه منتف فيفهم منه عدم انتفائه في أفراد غير خارج عنها ذلك الفرد فأين التوحيد، فالواجب حملها على معنى غير وجعلها تابعة لمحل اسم (لا) بدلاً عنه أو صفة كما في قوله:شعر : وكل أخ مفارقه أخوه لعمر أبيك إلا الفرقدان تفسير : كذا رأيته في بعض نسخ قديمة وذكره بعض شيوخ مشايخنا العلامة الطبقجلي في رسالته «شرح الكلمة الطيبة» ولم يتعقبه بشيء. وعندي أن ما ذكر في نفي كون (إلا) للاستثناء على ذلك التقدير لا يخلو عن نظر، ثم إنه قيل: إذا كان مضمون المركب على ذلك التقدير أن هذا الجنس منتف فيما عدا هذا الفرد كانت القضية شخصية ولها لازم هو قضية كلية ـ أعني قولنا كل ما يعتبر فرداً له سوى هذا الفرد فهو منتف ـ ولا استبعاد في شيء من ذلك. وذهب الكثير إلى تقدير الخبر: موجود وأجاب عن الإشكال بأنه يلزم نفي الإمكان العام من جانب الوجود عن الآلهة غير الله تعالى وذلك مبني على مقدمة قطعية معلومة للعقلاء هي أن المعبود بالحق لا يكون إلا واجب الوجود فيصير المعنى لا معبود بحق موجود إلا الله وإذ ليس موجوداً ليس ممكناً لأنه لو كان ممكناً لكان واجباً بناء على المقدمة القطعية فيكون موجوداً، وقد أفادت الكلمة الطيبة أنه ليس بموجود فليس بممكن لأن نفي اللازم يدل على نفي الملزوم. واعترض بأن المقدمة القطعية وإن كانت صحيحة في نفس الأمر لكنها غير مسلمة عند المشركين لأنهم يعبدون الأصنام ويعتقدونها آلهة مع اعترافهم بأنها ممكنة محتاجة إلى الصانع {أية : وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ } تفسير : [لقمان: 25] فيمكن أن يعترف المكلف بالكلمة الطيبة ويعتقد أن نفي الوجود لا يستلزم نفي الإمكان فيمكن عنده وجود آلهة غير الله تعالى فلا يكون التلفظ بالكلمة نصاً على إيمانه ولو كانت المقدمة المذكورة مسلمة عند الكل لأمكن أن يقدر الخبر من أول الأمر موجود بالذات أي لا إله موجود بالذات إلا الله وإذا لم يكن غيره تعالى موجوداً بالذات لم يكن مستحقاً للعبادة لأن المستحق لها لا يكون إلا واجباً لذاته. وقد قرر الجواب بوجهين آخرين. الأول أن لا إله موجود قضية سالبة حملية لا بد لها من جهة وهي الإمكان العام فيكون المعنى أن الجانب المخالف للسلب وهو إثبات الوجود ليس ضرورياً للآلهة إلا الله تعالى فإنه موجود بالإمكان العام أي جانب السلب ليس ضرورياً له تعالى فيكون الوجود ضرورياً له سبحانه تحقيقاً للتناقض بين المستثنى والمستثنى منه. الثاني أن لا إله موجود بالإمكان العام سالبة كلية ممكنة عامة فيكون المتحصل بالاستثناء الذي هو نقيض موجبة جزئية ضرورية أي الله موجود بالضرورة. وأورد على التقريرين أنهما إنما يتمان إذا كان كل من طرفي المستثنى والمستثنى منه قضية مستقلة وهو ممنوع. والصحيح عند أهل العربية أنهما كلام واحد مقيد بالاستثناء فلا يجري فيهما أحكام التناقض إلا أن يؤول بالمعنى اللغوي، وأيضاً جعل الله موجود بالضرورة قضية جزئية فيه تساهل. وقيل: يمكن أن يقال الخبر المقدر هو الموجود مطلقاً سواء كان بالفعل أو بالإمكان على استعمال المشترك في كلا معنييه أو على تأويله بما يطلق عليه اسم الموجود وهو كما ترى، وقيل: يجوز تقديره ممكن ونفي الإمكان يستلزم نفي الوجود لأن الإله واجب الوجود وإمكان اتصاف شيء بوجوب الوجود يستلزم / اتصافه بالفعل بالضرورة فإذا استفيد من الكلمة الطيبة إمكانه يستفاد منه وجوده أيضاً إذ كل ما لم يوجد يستحيل أن يكون واجب الوجود، ويعلم ما فيه مما مر فلا تغفل. وقال بعضهم: الخبر المقدر مستحق للعبادة، فالمعنى لا إله مستحق للعبادة إلا الله، ولا محذور فيه. واعترض بأن هذا كون خاص ولا بد في حذفه من قرينة ولا قرينة فلا يصح الحذف. وأجيب بأنها كنار على علم لأن الإله بمعنى المعبود فدل على العبادة واستحقاقها، ويؤيده ملاحظة المقام واعتبار حال المخاطبين لأن هذه الكلمة الطيبة واردة لرد اعتقاد المشركين الزاعمين أن الأصنام تستحق العبادة. واعترض أيضاً بأنه لا يدل على نفي التعدد مطلقاً أي لا بالإمكان ولا بالفعل لجواز وجود إله غيره سبحانه لا يستحق العبادة، وأيضاً يمكن أن يقال: المراد إما نفي إله مستحق للعبادة غيره تعالى بالفعل أو بالإمكان فعلى الأول لا ينفي إمكان إله مستحق للعبادة أيضاً غيره عز وجل وعلى الثاني لا يدل على استحقاقه تعالى للعبادة بالفعل. ورد بأن وجوب الوجود مبدأ جميع الكمالات ولذا فرعوا عليه كثيراً منها فلا ريب أنه يوجب استحقاق التعظيم والتبجيل، ولا معنى لاستحقاق العبادة إلا ذلك فإذا لم يستحق غيره تعالى العبادة لم يوجد واجب وجود غيره سبحانه وإلا لاستحق العبادة قطعاً، وإذا لم يوجد لم يكن ممكناً أيضاً فثبت أن نفي استحقاق العبادة يستلزم نفي التعدد جزماً. وتعقب بأن فيه البناء على أن الإله لا يكون إلا واجب الوجود، وقد سمعت أنها وإن كانت قطعية الصدق في نفس الأمر إلا أنها غير مسلمة عند المشركين. ومن المحققين من قال: إنه لا يلتفت إلى عدم تسليمهم لمكابرتهم ما عسى أن يكون بديهياً. نعم ربما يقال: إن الكلمة الطيبة على ذلك التقدير إنما تدل على نفي المعبود بالفعل بناء على ما قرر في المنطق أن ذات الموضوع يجب اتصافه بالعنوان بالفعل، ويجاب بمنع وجوب ذلك بل يكفي الاتصاف بالإمكان كما صرح به الفارابـي، وأما ما نقل عن الشيخ فمعناه كونه بالفعل بحسب الفرض العقلي لا بحسب نفس الأمر كما تدل عليه عبارته في «الشفاء» و«الإشارات» فيرجع إلى معنى الإمكان. والفرق بين المذهبين أن في مذهب الشيخ زيادة اعتبار ليست في مذهب الفارابـي وهي أن الشيخ اعتبر مع الإمكان بحسب نفس الأمر فرض الاتصاف بالفعل ولم يعتبره الفارابـي، وبالجملة إن الاتصاف بالفعل غير لازم فكل ما يمكن اتصافه بالمعبودية داخل في الحكم بأنه لا يستحق العبادة، ولما كانت القضية سالبة صدقت وإن لم يوجد الموضوع، ولعل التحقيق في هذا المقام أن الكلمة الطيبة جارية بين الناس على متفاهم اللغة والعرف لا على الاصطلاحات المنطقية والتدقيقات الفلسفية، وهي كلام ورد في رد اعتقاد المشرك الذي اعتقد أن آلهة غير الله سبحانه تستحق العبادة فإذا اعترف المشرك بمضمونه من أنه لا معبود مستحق للعبادة إلا الله تعالى علم من ظاهر حاله الإيمان، ولهذا اكتفى به الشارع عليه الصلاة والسلام، وأما الكافر الذي يعتقد إمكان وجود ذات تستحق العبادة بعد فلا تكفي هذه الكلمة الطيبة في إيمانه كما لا تكفي في إيمان من أنكر النبوة أو المعاد أو نحو ذلك مما يجب الإيمان به بل لا بد من الاعتراف بالحكم الذي أنكره ولا محذور في ذلك، ولما كان الكفرة الذين يعتقدون أن آلهة غير الله تعالى تستحق العبادة هم المشهورون دون من يعتقد إمكان وجودها بعد اعتبرت الكلمة علماً للتوحيد بالنسبة إليهم. ويعلم من هذا أنه لو قدر الخبر المحذوف من أول الأمر موجود أمكن دفع الإشكال بهذا الطريق أعني متفاهم اللغة وعرف الناس من الأوساط، وأما أن نفي الوجود لا يستلزم نفي الإمكان فلا يلزم من الكلمة الطيبة حينئذ نفي إمكان آلهة غير الله تعالى فمما لا يسبق إلى الأفهام ولا يكاد يوجد كافر يعتقد نفي وجود إله / غيره تعالى مع اعتقاده إمكان وجود إله غيره سبحانه بعد ذلك، ومن الناس من أيد تقدير الخبر كذلك بأن الظاهر أن (لا) نافية للجنس ونفي الماهية نفسها بدون اعتبار الوجود واتصافها به كنفي السواد نفسه لا نفي وجوده عنه بعيد، فكما أن جعل الشيء باعتبار الوجود إذ لا معنى لجعل الشيء وتصييره نفسه فكذلك نفيه ورفعه أيضاً باعتبار رفع الوجود عنه. وتعقب بأن هذا هو الذي يقتضيه النظر الجليل، وأما النظر الدقيق فقد يحكم بخلافه لأن نفي الماهية باعتبار الوجود ينتهي بالآخرة إلى نفس ماهية ما باعتبار نفسها، وذلك لأن نفي اتصافها بالوجود لا يكون باعتبار اتصاف ذلك الاتصاف به إلى ما لا يتناهى، فلا بد من الانتهاء إلى اتصاف منتف بنفسه لا باعتبار اتصافه بالوجود دفعاً للتسلسل، وقيل: الظاهر أن نفي الأعيان كما في الكلمة الطيبة إنما هو باعتبار ذلك، وأما غيرها فتارة وتارة فتدبر. و {إِلا } على التقدير المذكور للاستثناء ورفع الاسم الجليل على ما سمعت من المشهور، وقيل: هي فيه بمعنى غير صفة الاسم لا باعتبار المحل أي لا إله غير الله تعالى موجود. واعترض بأن المقصود من الكلام أمران نفي الألوهية عن غيره تعالى وإثباتها له سبحانه، وهو إنما يتم إذا كانت (إلا) فيه للاستثناء إذ يستفاد النفي والإثبات حينئذٍ بالمنطوق أما إن كانت بمعنى غير فلا يفيد بمنطوقه إلا نفي الألوهية عن غيره تعالى سبحانه وفي كون إثباتها له تعالى بالمفهوم ويكتفي به بحث ولأن ذلك إن كان مفهوم لقب فلا عبرة عند القائلين بالمفهوم على الصحيح خلافاً للدقاق والصيرفي من الشافعية، وابن خويز منداد من المالكية، ومنصور بن أحمد من الحنابلة، وإن كان مفهوم صفة فمن البين أنه غير مجمع عليه بل أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه لم يقل بشيء من مفاهيم المخالفة أصلاً، وأنت تعلم أن ما ذكره من إفادة الكلمة الطيبة إثبات الإلهية لله تعالى ونفيها عما سواه عز وجل على تقدير كون (إلا) للاستثناء غير مجمع عليه أيضاً فإن الاستثناء من النفي ليس بإثبات عند أبـي حنيفة رضي الله تعالى عنه. وجعل الإثبات في كلمة التوحيد بعرف الشرع، وفي المفرغ نحو ما قام إلا زيد بالعرف العام، وما له وما عليه في كتب الأصول فلا تغفل. وتمام الكلام فيما يتعلق بإعراب هذه الكلمة الطيبة في كتب العربية، وقد ذكرنا ذلك في «تعليقاتنا على شرح السيوطي للألفية». وهي عند السادة الصوفية قدست أسرارهم جامعة لجميع مراتب التوحيد ودالة عليها إما منطوقاً أو بالاستلزام، ومراتبه أربع: الأولى توحيد الألوهية، الثانية توحيد الأفعال الثالثة توحيد الصفات، وإن شئت قلت: توحيد الوجوب الذاتي فإنه يستلزم سائر الصفات الكمالية كما فرعها عليه بعض المحققين، الرابعة توحيد الذات وإن شئت قلت: توحيد الوجود الحقيقي فإن المآل واحد عندهم، وبيان ذلك أن لا إله إلا الله منطوقه ـ على ما يتبادر إلى الأذهان وذهب إليه المعظم ـ قصر الألوهية على الله تعالى قصراً حقيقياً أي إثباتها له تعالى بالضرورة ونفيها عن كل ما سواه سبحانه كذلك وهو يستلزم توحيد الأفعال وتوحيد الصفات وتوحيد الذات. أما الأول الذي هو قصر الخالقية فيه تعالى فلأن مقتضى قصر الألوهية عليه تعالى قصراً حقيقياً هو أن الله عز وجل هو الذي يستحق أن يعبده كل مخلوق فهو النافع الضار على الإطلاق فهو سبحانه وتعالى الخالق لكل شيء، فإن كل من لا يكون خالقاً لكل شيء لا يكون نافعاً ضاراً على الإطلاق وكل من لا يكون كذلك لا يستحق أن يعبده كل مخلوق لأن العبادة هي الطاعة والانقياد والخضوع ومن لا يملك نفعاً ولا ضراً بالنسبة إلى بعض المخلوقين لا يستحق أن يعبده ذلك البعض ويطيعه وينقاد به، فإن من لا يقدر على إيصال نفع إلى شخص أو دفع ضر عنه لا يرجوه، ومن لا يقدر على إيصال ضر إليه لا يخافه، وكل من لا يُخاف ولا يُرجى أصلاً لا يستحق أن يعبد؛ وهو ظاهر لكن الذي يقتضيه قصر الألوهية عليه تعالى قصراً حقيقياً هو أن الله تعالى هو الذي يستحق أن يعبده كل مخلوق فهو النافع الضار / على الإطلاق فهو الخالق لكل شيء وهو المطلوب. وأما الثاني فلأن الكلمة الطيبة تدل على أن الألوهية ثابتة له تعالى ثبوتاً مستمراً ممتنع الانفكاك ومنتفية عن غيره انتفاء كذلك، وكل ما كان كذلك فهي دالة على أنه عز وجل واجب الوجود، وأن كل موجود سواه تعالى ممكن الوجود؛ وكل ما كان كذلك كان وجوب الوجود مقصوراً عليه تعالى وهو مستلزم لسائر صفات الكمال وهو المطلوب. أما دلالتها على أنه عز وجل واجب الوجود فلأن الألوهية لا تكون إلا لموجود حقيقة اتفاقاً، وكل ما لا يكون صفة إلا لموجود إذا دل كلام على أنه ثابت لشيء ثبوتاً ممتنع الانفكاك سرمداً فقد دل على أن الوجود ثابت لذلك الشيء ثبوتاً ممتنع الانفكاك سرمداً، ولا يكون كذلك إلا إذا كان موجوداً لذاته وهو المعنى بواجب الوجود لذاته، وحيث دلت على ثبوت الألوهية ثبوتاً مستمراً ممتنع الانفكاك فقد دلت على وجوب وجوده تعالى وهو مستلزم لسائر صفات الكمال وهو المطلوب. وأما دلالتها على أن كل موجود سواه فهو ممكن الوجود فلأن موجوداً ما سواه لو كان واجب الوجود لذاته لكان مستحقاً أن يعبد لكنها قد دلت على أنه لا يستحق أن يعبد إلا الله فقد دلت على أنه لا واجباً وجوده لذاته إلا الله تعالى فكل ما سواه فهو ممكن وهو المطلوب، أو يقال: إنها قد دلت على أنه تعالى هو النافع الضار على الإطلاق فهو الجامع لصفات الجلال والإكرام فهو سبحانه المتصف بصفات الكمال كلها وهو المطلوب. وأما الثالث فقد قال حجة الإسلام الغزالي في باب الصدق من «الإحياء»: ((كل ما تقيد العبد به فهو عبد له كما قال عيسى عليه السلام: يا عبيد الدنيا، وقال نبينا صلى الله عليه وسلم: «حديث : تعس عبد الدينار تعس عبد الدرهم وعبد الحلة وعبد الخميصة»تفسير : سمى كل من تقيد قلبه بشيء عبداً له))، وقال في باب الزهد منه: من طلب غير الله تعالى فقد عبده؛ وكل مطلوب معبود، وكل طالب عبد بالإضافة إلى مطلبه، وقال في الباب الثالث من كتاب العلم منه: كل متبع هواه فقد اتخذ هواه معبوداً قال تعالى: {أية : أَفَرَأَيْتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُ هَوَاهُ } تفسير : [الجاثية: 23] وقال صلى الله عليه وسلم: «حديث : أبغض إله عبد في الأرض عند الله تعالى هو الهوى»تفسير : انتهى. ومن المعلوم أنه ما في الوجود شيء إلا وهو مطلوب لطالب ما وقد صح بما مر إطلاق الإله عليه ولا إله إلا الله فما في الوجود حقيقة إلا الله. ومنهم من قرر دلالة الكلمة الطيبة على توحيد الذات ونفي وجود أحد سواه عز وجل بوجه آخر، وهو أن {إِلا } بمعنى غير بدل من الإله المنفي فيكون النفي في الحقيقة متوجهاً إلى الغير ونفي الغير توحيد حقيقي عندهم. وإذا تبين لك دلالتها على جميع مراتب التوحيد لاح لك أن الشارع لأمر ما جعلها مفتاح الإسلام وأساس الدين ومهداة الأنام. وفي حديث أخرجه أبو نعيم عن عياض الأشعري أنه صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : لا إله إلا الله كلمة كريمة ولها عند الله مكان جمعت وسولت من قالها صادقاً من قلبه دخل الجنة»تفسير : وفي حديث أخرجه ابن النجار عن دينار عن أنس أنه عليه الصلاة والسلام قال: «حديث : لا إله إلا الله كلمة عظيمة كريمة على الله تعالى من قالها مخلصاً استوجب الجنة»تفسير : وأخرج مسلم عن أبـي هريرة قال: «حديث : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم اذهب بنعليَّ هاتين فمن لقيت من وراء هذا الحائط يشهد أن لا إله إلا الله مستيقناً بها قلبه فبشره بالجنة»تفسير : وحديث البطاقة أشهر من أن يذكر، وكذا الحديث القدسي المروي عن علي الرضا عن آبائه عليهم السلام، وجاء «حديث : من كان آخر كلامه من الدنيا لا إله إلا الله / دخل الجنة» تفسير : أي بلا حساب وإلا فما الفرق بين ذلك ومن قالها ولم تكن آخر كلامه من الدنيا. وبالجملة إن فضلها لا يحصى وإنها لتوصل قائلها إلى المقام الأقصى، وقد ألفت كتب في فضلها وكيفية النطق بها وآداب استعمالها فلا نطيل الكلام في ذلك. بقي هٰهنا بحث وهو أن المسلمين أجمعوا على وجوب معرفة الله تعالى وإن اختلفوا في كونه شرعياً أو عقلياً، وأما النظر في معرفته تعالى لأجل حصولها بقدر الطاقة البشرية فقد قال العلامة التفتازاني في «شرح المقاصد»: لا خلاف بين أهل الإسلام في وجوبه لأنه أمر مقدور يتوقف عليه الواجب المطلق الذي هو المعرفة، وكل مقدور يتوقف عليه الواجب المطلق فهو واجب شرعاً إن كان وجوب الواجب المطلق شرعياً كما هو رأي الأصحاب، وعقلاً إن كان عقلياً كما هو رأي المعتزلة لئلا يلزم تكليف المحال، أما كون النظر مقدوراً فظاهر، وأما توقف المعرفة عليه فلأنها ليست بضرورية بل نظرية، ولا معنى للنظري إلا ما يتوقف على النظر ويتحصل به، وظاهر كلام السيد السند في «شرح المواقف» إجماع المسلمين كافة على ذلك أيضاً. والحق وقوع الخلاف في وجوب النظر كما يدل عليه كلام ابن الحاجب في «مختصره»، والعضد في «شرحه»، وكلام التاج السبكي في «جمع الجوامع»، والجلال المحلي في «شرحه»، وقول شيخ الإسلام في «حاشيته» عليه: محل الخلاف في وجوب النظر في أصول الدين وعدم وجوبه في غير معرفة الله تعالى منها، أما النظر فيها فواجب إجماعاً كما ذكره السعد التفتازاني كغيره اعترضه المحقق ابن قاسم العبادي في حاشيته «الآيات البينات» بقوله: إن الظاهر أن ما نقله السعد من الإجماع على وجوب النظر في معرفة الله تعالى غير مسلم عند الشارح وغيره، ألا ترى إلى تمثيل الشارح لمحل الخلاف بقوله: «كحدوث العالم ووجود الباري تعالى وما يجب له جل شأنه وما يمتنع عليه سبحانه من الصفات» فإن قوله: ووجود الباري تعالى الخ يتعلق بمعرفته عز وجل إلى آخر ما قال. نعم قال كثير ورجحه الإمام الرازي والآمدي: إنه يجب النظر في مسائل الاعتقاد ومعرفةُ الله تعالى أسُّها فيجب فيها بالأولى، وقالوا في ذلك: لأن المطلوب اليقين لقوله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: {فَٱعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلا ٱللَّهِ } وقد علم ذلك. وقال تعالى للناس: {أية : وَٱتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ } تفسير : [الأعراف: 158] ويقاس غير الوحدانية عليها، ولا يتم الاستدلال إلا بضم توقف حصول اليقين على النظر. وهؤلاء لم يجوزوا التقليد في الأصول وهو أحد أقوال في المسألة. ثانيها قول العنبري: إنه يجوز التقليد فيها بالعقد الجازم ولا يجب النظر لها لأنه عليه الصلاة والسلام كان يكتفي في الإيمان بالعقد الجازم ويقاس غير الإيمان عليه. والمراد أنه عليه الصلاة والسلام كان يكتفي بذلك نظراً إلى ظاهر الحال فإن الخبر كما صرح به المحقق عيسى الصفوي في «شرحه للفوائد الغياثية» على ما نقله عنه تلميذه ابن قاسم العبادي في «الآيات البينات» دال وضعاً على صورة ذهنية على وجه الإذعان تحكي الحال الواقعية، ولا شك أن لا إله إلا الله محمد رسول الله من قسم الخبر فهما دالان وضعاً على أن قائلهما ولو تحت ظلال السيف معتقد لمضمونهما على وجه الإذعان، وعدم كونه معتقداً في نفس الأمر احتمال عقلي، والمطلع على ما في القلوب علام الغيوب. وثالث الأقوال أنه يجب التقليد بالعقد الجازم ويحرم النظر لأنه مظنة الوقوع في الشبه والضلال لاختلاف الأذهان بخلاف التقليد وهذا ليس بشيء أصلاً. والذي أوجب النظر من المحققين لم يرد به النظر على طريق المتكلمين بل صرح كما في «الجواب العتيد» للكوراني بأن المعتبر هو النظر على طريق العامة، والظاهر أنه ليس مظنة الوقوع فيما ذكر. وهل القائل بوجوبه من أولئك جاعل له شرطاً لصحة الإيمان أم لا؟ ففيه خلاف. فيفهم من بعض / عبارات «شرح الأربعين» لابن حجر أنه جاعل له كذلك فلا يصح إيمان المقلد عنده، بل يفهم منها أن النظر المعتبر عند ذلك هو النظر على طريق المتكلمين، وكلام الجلال المحلي في «شرح جمع الجوامع» صريح في أن القائلين بوجوب النظر غير أبـي هاشم ليسوا جاعلين النظر شرطاً لصحة الإيمان ولا زاعمين بطلان إيمان المقلد بل هو صحيح عندهم مع الإثم بترك النظر الواجب. نعم سيأتي إن شاء الله تعالى نقل الإمام حجة الإسلام في كتابه «فيصل التفرقة بين الإسلام والزندقة» نقل الاشتراط عن طائفة من المتكلمين مع رده. وأما ما نقل عن الشيخ الأشعري من الاشتراط وأنه لا يصح إيمان المقلد فكذب عليه كما قاله الأستاذ أبو القاسم القشيري، وقال التاج السبكي: التحقيق أنه إن كان التقليد أخذاً بقول الغير بغير حجة مع احتمال شك أو وهم فلا يكفي، وإن كان جزماً فيكفي خلافاً لأبـي هاشم. والظاهر أن القائل بكفاية التقليد مع الجزم يمنع القول بأن المعرفة لا تحصل إلا بالنظر ويقول: إنها قد تحصل بالإلهام أو التعليم أو التصفية فمن حصل له العقد الجازم بما يجب عليه اعتقاده فقد صح إيمانه من غير إثم لحصول المقصود، ومن لم يحصل له ذلك ابتداء أو تقليداً أو ضرورة فالنظر عليه متعين {أية : وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكّرَ بِـئَايَـٰتِ رَبّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا } تفسير : [السجدة: 22]. ويكفي دليلاً للصحة اكتفاء النبـي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله تعالى عنهم من عوام العجم كأجلاف العرب وإن أسلم أحدهم تحت ظل السيف بمجرد الإقرار بلا إله إلا الله محمد رسول الله الدال بحسب ظاهر حالهم على أنهم يعتقدون مضمون ذلك ويذعنون له، ولو كان الاستدلال فرضاً لأمروا به بعد النطق بالكلمتين أو علموا الدليل ولقنوه كما لقنوهما وكما علموا سائر الواجبات، ولو وقع ذلك لنقل إلينا فإنه من أهم مهمات الدين، ولم ينقل أنهم أمروا أحداً منهم أسلم بترديد نظر ولا سألوه عن دليل تصديقه ولا أرجؤا أمره حتى ينظر فلو كان النظر واجباً على الأعيان ولو إجمالياً على طريق العامة لما اكتفى النبـي صلى الله عليه وسلم من أولئك العوام والأجلاف بمجرد الإقرار لأن النبـي عليه الصلاة والسلام وأصحابه لا يقرون أحداً على ترك فرض العين من غير عذر، فلا يكون تاركه آثماً فضلاً عن أن يكون بتركه غير صحيح الإيمان، ويشهد لذلك ما قاله صلى الله عليه وسلم لأسامة بن زيد عند اعتذاره عن قتل مرداس بن نهيك من أهل فدك وغيره من الأخبار الكثير. وما في «المواقف» و«المقاصد» و«شرح المختصر العضدي» وغيرها من كتب الكلام والأصول من أن النبـي صلى الله عليه وسلم وأصحابه كانوا يعلمون أنهم ـ أي العوام واجلاف العرب يعلمون الأدلة إجمالاً كما قال الأعرابـي: البعرة تدل على البعير وأثر الأقدام على المسير أفسماء ذات أبراج وأرض ذات فجاج لا تدل على اللطيف الخبير أي فلذلك لم يلزموهم النظر ولا سألوهم عنه ولا أرجؤوا أمرهم وكل ما كان كذلك لم يكن اكتفاؤهم بمجرد الإقرار دليلاً على أن النظر ليس واجباً على الأعيان ولا على أن تاركه غير آثم دعوى لا دليل عليها، وحكاية الأعرابـي إن كانت مسوقة للاستدلال لا تدل، غاية ما في الباب أن ذلك الأعرابـي كان عالماً بدليل إجمالي، ولا يلزم منه أن جميع الأجلاف والعوام كانوا عالمين بالأدلة الإجمالية في عهد النبوة وغيره وإلا لكانت حجة على أنه لا مقلد في الوجود، على أن بعضهم أسند ذلك القول إلى قس بن ساعدة وكان في الفترة. والجلال المحلي ذكره لأعرابـي قاله في جواب الأصمعي وكان في زمن الرشيد بل قد يقال: إن ظاهر كثير من الآيات والأخبار يدل على أن كثيراً من المشركين في عهده عليه الصلاة والسلام لم يكونوا عالمين بأدلة التوحيد مطلقاً، وذلك كقوله تعالى: حكاية عنهم: {أية : أَجَعَلَ ٱلاْلِهَةَ إِلَـٰهاً وٰحِداً إِنَّ هَـٰذَا لَشَيْء عُجَابٌ } تفسير : [ص: 5] {أية : إِنَّهُمْ كَانُواْ إِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ ٱللَّهُ يستكبرون * وَيَقُولُونَ أئنا لَتَارِكُوا ءالِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَّجْنُونٍ } تفسير : [الصافات: 35-36] وقول بعضهم في بعض الحروب: اعل هبل اعل هبل. وما ذكره المحقق العضد في «شرح المختصر» من الدليل على عدم جواز التقليد حيث قال: إن الأمة أجمعوا على وجوب معرفة الله تعالى وأنها لا تحصل بالتقليد لثلاثة أوجه: أحدها أنه يجوز الكذب على المخبر فلا يحصل بقوله العلم ثانيها أنه لو أفاد العلم لأفاده بنحو حدوث العالم من المسائل المختلف فيها فإذا قلد واحد في الحدوث والآخر في القدم كانا عالمين بهما فيلزم حقيقتهما وأنه محال. ثالثها أن التقليد لو حصل العلم فالعلم بأنه صدق فيما أخبر به إما أن يكون ضرورياً أو نظرياً لا سبيل إلى الأول بالضرورة فلا بد له من دليل والمفروض أنه لا دليل إذ لو علم صدقه بدليله لم يبق تقليداً تعقبه العلامة الكوراني فقال: فيه بحث. أما الوجه الأول فلأن من جوز التقليد مثل المقلد بمن نشأ على شاهق جبل ولم ينظر في ملكوت السمٰوات والأرض وأخبره غيره بما يلزمه اعتقاده وصدقه بمجرد إخباره من غير تفكر وتدبر وهو صريح في أن الكلام في مقلد أخبره غيره بما يلزمه اعتقاده وما يلزمه اعتقاده لا يكون إلا صدقاً فإن الكذب لا يلزم أحداً اعتقاده، وأما من أخبر بالأكاذيب فاعتقدها فهو لم يعتقد إلا أكاذيب والأكاذيب ليست من معرفة الله تعالى في شيء فكيف يحكم عليه أحد من العقلاء بأنه مؤمن بالله تعالى عارف به مع أنه لم يعتقد إلا الأكاذيب وهو ظاهر. وأما في الوجه الثاني فلمثل ما مر لأنا لا نقول: إن كل تقليد مفيد للعلم ولا أن كل مقلد عالم كيف وليس كل نظر مفيداً للعلم ولا كل ناظر مصيباً، فإذا لم يكن النظر موجباً للعلم مطلقاً وإنما الموجب النظر الصحيح فكذلك نقول: ليس كل تقليد مفيداً للعلم وإنما المفيد التقليد الصحيح، وهو أن يقلد عالماً بمسائل معرفة الله تعالى صادقاً فيما يخبره به فإن الكلام إنما هو في صحة إيمان مثل هذا المقلد لا مطلقاً. وأما في الثالث فلأنا نختار أن عمله بأنه صدق فيما أخبر به ضروري قولكم لا سبيل إليه بالضرورة قلنا: ممنوع لقوله تعالى: {أية : فَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلَـٰمِ } تفسير : [الأنعام: 125] وقد روي مرفوعاً أنه صلى الله عليه وسلم سئل عن شرح الصدر فقال عليه الصلاة والسلام: «حديث : نور يقذفه الله في قلب المؤمن فينفسح»تفسير : فصرح صلى الله عليه وسلم بأنه نور لا يحصل من دليل وإنما يقذفه الله تعالى في قلبه فلا يقدر على دفعه من غير فكر ولا روية ولا نظر ولا استدلال، وقد صرح بعض أكابر المحققين بأن توحيد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام عن علم ضروري وجدوه في نفوسهم لم يقدروا على دفعه وبأن من أهل الفترة من وجد كذلك بل قد صرح بأن الإيمان علم ضروري يجده المؤمن في قلبه لا يقدر على دفعه فكم من آمن بلا دليل ومن لم يؤمن مع الدليل، وقلما يوثق بإيمان من آمن عن دليل فإنه معرض للشبه القادحة فيه. وفي الباب المائة والاثنين والسبعين والمائة والسابع والسبعين والمائتين والسابع والسبعين من «الفتوحات المكية» ما يؤيد ذلك. وقال الإمام حجة الإسلام في «فيصل التفرقة»: من أشد الناس غلواً وانحرافاً طائفة من المتكلمين كفروا عوام المسلمين وزعموا أن من لا يعرف الكلام معرفتنا ولم يعرف الأدلة الشرعية بأدلتنا التي حرزناها فهو كافر فهؤلاء ضيقوا رحمة الله تعالى الواسعة على عباده أولاً، وجعلوا الجنة وقفاً على شرذمة يسيرة من المتكلمين، ثم جهلوا ما تواترت به السنة ثانياً إذ ظهر من عصر رسول الله صلى الله عليه وسلم وعصر الصحابة رضوان الله تعالى عليهم أجمعين حكمهم بإسلام طوائف من أجلاف العرب كانوا مشغولين بعبادة الوثن ولم يشتغلوا بتعليم الدلائل ولو اشتغلوا بها لم يفهموها، ومن ظن أن مدرك الإيمان الكلام والأدلة المحررة والتقسيمات المرتبة فقد أبعد، لابل الإيمان نور يقذفه الله تعالى في قلب عبده عطية وهداية من عنده، تارة بتنبه في الباطن لا يمكن التعبير / عنه، وتارة بسبب رؤيا في المنام، وتارة بمشاهدة حال رجل متدين وسراية نوره إليه عند صحبته ومجالسته، وتارة بقرينة حال، فقد جاء أعرابـي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم جاحداً له منكراً فلما وقع بصره على طلعته البهية وغرته الغريرة السنية فرآها يتلألأ منها نور النبوة قال: والله ما هذا وجه كذاب، وسأله أن يعرض عليه الإسلام فأسلم، وجاء آخر فقال: أنشدك الله بعثك الله نبيناً؟ فقال صلى الله عليه وسلم: بلى إني والله الله بعثني نبياً فصدقه بيمينه وأسلم، فهذا وأمثاله أكثر من أن يحصى ولم يشتغل واحد منهم قط بالكلام وتعلم الأدلة بل كان تبدو أنوار الإيمان أولاً بمثل هذه القرائن في قلوبهم لمعة بيضاء ثم لا تزال تزداد وضوحاً وإشراقاً بمشاهدة تلك الأحوال العظيمة وبتلاوة القرآن وتصفية القلوب، وليت شعري من نقل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن الصحابة إحضاره أعرابياً أسلم وقوله الدليل على أن العالم حادث لأنه لا يخلو عن الأعراض وما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث، وأن الله تعالى عالم بعلم وقادر بقدره كلاهما زائد على الذات لا هو ولا غيره إلى غير ذلك من رسوم المتكلمين، ولست أقول: لم تجر هذه الألفاظ بل لم يجر أيضاً ما معناه معنى هذه الألفاظ بل كان لا تنكشف ملحمة إلا عن جماعة من الأجلاف يسلمون تحت ظلال السيوف وجماعة من الأسارى يسلمون واحداً واحداً بعد طول الزمان أو على القرب وكانوا إذا نطقوا بكلمة الشهادة علموا الصلاة والزكاة وردوا إلى صناعتهم من رعاية الغنم أو غيرها. نعم لست أنكر أنه يجوز أن يكون ذِكْرُ أدلة المتكلمين أحد أسباب الإيمان في حق بعض الناس ولكن ذلك ليس بمقصور عليه وهو نادر أيضاً وساق الكلام إلى أن قال: والحق الصريح أن كل من اعتقد أن ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم واشتمل عليه القرآن حق اعتقاداً جزماً فهو مؤمن وإن لم يعرف أدلته، فالإيمان المستعار من الدلائل الكلامية ضعيف جداً مشرف على التزلزل بكل شبهة بل الإيمان الراسخ إيمان العوام الحاصل في قلوبهم في الصبا بتواتر السماع والحاصل بعد البلوغ بقرائن لا يمكن العبارة عنها اهـ. وفيه فوائد شتى ولذا نقلناه بطوله، ومتى جاز أن يقذف الله تعالى في قلب العبد نور الإيمان فيؤمن بلا نظر واستدلال جاز أن يقذف سبحانه في قلبه صدق المخبر بحيث لا يقدر على دفعه ولا يدري أنه من أين جاء لا سيما إذا كان المخبر هو النبـي صلى الله عليه وسلم، فإن من لازم قذف نور الإيمان في قلب المؤمن به عليه الصلاة والسلام أن يقذف في قلبه صدقه صلى الله عليه وسلم لأن الإيمان لا يتم إلا بذلك، فقد ظهر أن دعوى الضرورة في أنه لا سبيل إلى العلم بصدق المخبر فيما أخبر به علماً ضرورياً إن لم تكن مكابرة فمنعها ليس مكابرة أيضاً، فإن الدليل قد قام على جواز حصول العلم الضروري بصدقه بل على وقوعه فليست تلك الدعوى من المقدمات الضرورية التي يكون منعها مكابرة غير مسموعة. وقد اتضح من جميع ما ذكر أن ما قاله السعد في «شرح المقاصد» - من أن الحق أن المعرفة بدليل إجمالي يرفع الناظر من حضيض التقليد فرض عين لا مخرج عنه لأحد من المكلفين وبدليل تفصيلي يتمكن معه من إزاحة الشبه وإلزام المنكرين وإرشاد المسترشدين فرض كفاية لا بد من أن يقوم به البعض - لا يخلو عن نظر على ما قيل، لكن الظاهر عندي أن الحق مع السعد من جهة أن الإيمان بمعنى التصديق مكلف به وشرط المكلف به كونه اختيارياً، وقد صرحوا أن التكليف بما ليس باختياري تكليف في الحقيقة بما يتوقف عليه من الأمور الاختيارية وأن التصديق نفسه لكونه غير اختياري كان التكليف به في الحقيقة تكليفاً بما يتوقف هو عليه من النظر الاختياري، فالإيمان الذي يحصل بقذفه تعالى النور في القلب من غير فكر ولا روية ولا نظر ولا استدلال ليس اختيارياً بنفسه ولا باعتبار ما يحصل هو منه فكيف يكون مكلفاً به، وما مراد السعد ومن / وافقه بالمعرفة إلا المعرفة من حيث إنها مكلف بها كما يشير إليه قوله: لا مخرج عنه لأحد من المكلفين، وكون ذلك مكلفاً به باعتبار أمر اختياري غير النظر كتحصيل الاستعداد لإفاضة النور وخلق العلم الضروري في قلب العبد غير ظاهر. نعم لست أنكر أن من المعرفة ما لا يتوقف على نظر في دليل إجمالي أو غيره كمعرفة الأنبياء عليهم السلام على ما سمعت عن بعضهم، وكمعرفة من شاء الله تعالى من عباده سبحانه غيرهم ولا أسمي نحو هذه المعرفة تقليدية، وكذا لا أنكر أن المعرفة الحاصلة من قذف النور فوق المعرفة الحاصلة من النظر في الدليل فإنها يخشى عليها من عواصف الشبه، وأذهب إلى أن النظر في الدليل مطلقاً واجب على من لم يحصل له العقد الجازم إلا به، وأما من حصل له ذلك بأي طريق كان دونه فلا يجب عليه وكذا لا يأثم بتركه، وحكاية الإجماع على إثمه به لا يخفى ما فيها، وتوجيه ذلك بأن جزم المؤمن حينئذ لا ثقة به إذ لو عرضت له شبهة فات وبقي متردداً بخلاف الجزم الناشيء عن الاستدلال فإنه لا يفوت بذلك غير ظاهر لأنه إذا سلم أن من تم جزمه من غير نظر فقد أتى بواجب الإيمان فلا وجه لتأثيمه بترك النظر بناء على مجرد احتمال عروض شبهة مشوشة لجزمه لأنه إذا سلم أن الواجب عليه ليس إلا أن يجزم وقد جزم فقد أدى واجب الوقت وما ترك منه شيئاً، وكل من لم يترك واجباً معيناً في وقت معين لا معنى لتأثيمه في ذلك الوقت من جهة ذلك الواجب، وكما يحتمل عقلاً أن تعرض له شبهة تشوش عليه الجزم لعدم الدليل كذلك يحتمل عقلاً أن يحصل له الدليل على ما جزم به قبل عروض شبهة ولعل هذا الاحتمال أقوى وأقرب إلى الوقوع. وإذا أحطت خبراً بجميع ما ذكرنا علمت أن الاستدلال بقوله تعالى: {فَٱعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ ٱللَّهِ } على وجوب النظر فيه نظر لتوقفه على صحة قولهم: إن العلم لا يحصل إلا بالنظر وقد سمعت ما فيه. ويقوي ذلك إذا قلنا: إن علمه صلى الله عليه وسلم بالوحدانية ضروري إذ يكون المراد الأمر بالثبات والاستمرار على ما هو صلى الله تعالى عليه وسلم فيه اجتناب ما يخل بالعلم، وقد يقال: يجوز أن يكون الاستدلال نظراً إلى ظاهر اللفظ من حيث إنه أمر بالعلم بالوحدانية فلا بد أن يكون مقدوراً بنفسه أو باعتبار ما يحصل هو منه، وحيث انتفى كونه مقدوراً بنفسه تعين كونه مقدوراً باعتبار ما يحصل هو منه، والظاهر أنه النظر. وأنت تعلم أنه إن كان التقليد سبباً من أسباب العلم إيضاً لم يتم هذا وإن لم يكن سبباً تم فتأمل. ثم اعلم أن النظر الذي قالوا به في الأصول الاعتقادية أعم من النظر في الأدلة العقلية والنظر في الأدلة السمعية، فإن منها ما ثبت بالسمع كالأمور الأخروية ومدخل العقل فيها ليس إلا بأنها أمور ممكنة أخبر الصادق بوقوعها وكل ممكن أخبر الصادق بوقوعه واقع فتلك الأمور واقعة، وأما النظر في معرفة الله تعالى ـ أعني التصديق بوجوده تعالى وصفاته العلا ـ فقيل: يتعين أن يكون المراد به النظر في الأدلة العقلية فقط، ولا يجوز أن يكون النظر في الأدلة السمعية طريقاً إليها لاستلزامه الدور. وفي «الجواب العتيد» الدور لازم لكن لا مطلقاً بل بالنسبة إلى كل مطلوب يتوقف العلم بصدق الرسول صلى الله عليه وسلم على العلم به، وذلك لأن النظر في الأدلة السمعية إنما يكون طريقاً إلى المعرفة إذا كانت صادقة عند الناظر فيها، وصدقها في علم الناظر موقوف على علمه بأن هذا الذي يدعي أنه رسول الله الذي جاء بها صادقاً في دعواه الرسالة وعلمه بذلك / موقوف على العلم بأن الله تعالى قد أظهر المعجزات على يده تصديقاً له في دعواه وعلمه بذلك موقوف على العلم بأن ثمت إلهاً على صفة يمكن بها أن يبعث رسولاً ككونه حياً عالماً مريداً قادراً وهو من معرفة الإله سبحانه فلو استفدنا العلم بوجود الله تعالى وبتلك الصفات من الدلائل السمعية الموقوفة على صدق الرسول عليه الصلاة والسلام لزم الدور كما ترى. نعم إذا قيل: إن المكلف بعدما آمن بالرسول صلى الله عليه وسلم واعتقد اعتقاداً جازماً بصدقه في جميع ما جاء به من عند الله تعالى بأي وجه كان ذلك الجزم بالضرورة أو بالنظر أو بالتقليد فله أن يأخذ عقيدته من القرآن من غير تأويل ولا ميل من غير أن ينظر في دليل عقلي، كان ذلك كلاماً صحيحاً لا غبار عليه، ولا يلزم منه تحصيل للحاصل بالنسبة إلى ما حصله أولاً من المسائل التي يتوقف عليها صدق الرسول عليه الصلاة والسلام لأن التحصيل الثاني من حيث إن الجائي بدلائلها صادق فيها والتحصيل الأول كان بالنظر العقلي من غير اعتبار صدق الرسول عليه الصلاة والسلام فاختلفت الحيثية فليفهم والله تعالى أعلم. {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ } في الدنيا {وَمَثْوَاكُمْ} في الآخرة، وخص المتلقب بالدنيا والمثوى بالآخرة لأن كل أحد متحرك في الدنيا دائماً نحو معاده غير قار وفي الآخرة مقيم لا حركة له نحو دار وراءها. والمراد من علمه تعالى بذلك تحذيرهم من جزائه وعقابه سبحانه أو الترغيب في امتثال ما يأمرهم جل شأنه به والترهيب عما ينهاهم عز وجل عنه على طريق الكناية. وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: متقلبكم تصرفكم في حياتكم الدنيا ومثواكم في قبوركم وآخرتكم، وقال عكرمة: متقلبكم في أصلاب الآباء إلى أرحام الأمهات ومثواكم إقامتكم في الأرض؛ وقال الطبري وغيره: متقلبكم تصرفكم في يقظتكم ومثواكم منامكم، وقيل: متقلبكم في معايشكم ومتاجركم ومثواكم حيث تستقرون من منازلكم، وقيل: متقلبكم في أعمالكم ومثواكم من الجنة والنار. واختار أبو حيان عمومهما في كل متقلب وفي كل إقامة، ونحوه ما قيل: المراد يعلم جميع أحوالكم فلا يخفى عليه سبحانه شيء منها. وقرأ ابن عباس {منقلبكم} بالنون.
ابن عاشور
تفسير : فرع على جميع ما ذكر من حال المؤمنين وحال الكافرين ومن عواقب ذلك ووعده أو وعيده أن أمَر الله رسوله صلى الله عليه وسلم بالثبات على ما له من العلم بوحدانية الله وعلى ما هو دأبه من التواضع لله بالاستغفار لذنبه ومن الحرص على نجاة المؤمنين بالاستغفار لهم لأن في ذلك العلم وذلك الدأب استمطار الخيرات له ولأمته والتفريع هذا مزيد مناسبة لقوله آنفاً {أية : ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا وأن الكافرين لا مولى لهم}تفسير : [محمد: 11] الآية. فالأمر في قوله: {فاعلم} كناية عن طلب العلم وهو العمل بالمعلوم، وذلك مستعمل في طلب الدوام عليه لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد علم ذلك وعلمه المؤمنون، وإذا حصل العلم بذلك مرة واحدة تقرر في النفس لأن العلم لا يحتمل النقيض فليس الأمر به بعد حصوله لطلب تحصيله بل لطلب الثبات فهو على نحو قوله تعالى: {أية : يا أيها الذين آمنوا آمِنوا بالله ورسوله}تفسير : [النساء: 136]. وأما الأمر في قوله: {واستغفر لذنبك} فهو لطلب تجديد ذلك إن كان قد علمه النبي صلى الله عليه وسلم من قبل وعَمِله أو هو لطلب تحصيله إن لم يكن فعَلَه من قبل. وذكر {المؤمنات} بعد {المؤمنين} اهتمام بهن في هذا المقام وإلا فإن الغالب اكتفاء القرآن بذكر المؤمنين وشموله للمؤمنات على طريقة التغليب للعلم بعموم تكاليف الشريعة للرجال والنساء إلا ما استثني من التكاليف. ومن اللطائف القرآنية أن أمر هنا بالعلم قبل الأمر بالعمل في قوله: {واسغفر لذنبك}. قال ابن عيينة لما سئل عن فضل العلم: ألم تسمع قوله حين بدأ به {فاعلم أنه لا إلـٰهَ إلا الله واستغفر لذنبك}. وترجم البخاري في كتاب العلم من «صحيحه» (باب العلم قبل القول والعمل) لقول الله تعالى: {فاعلم أنه لا إلـٰه إلا الله} فبدأ بالعلم. وما يستغفر منه النبي صلى الله عليه وسلم ليس من السيئات لعصمته منها، وإنما هو استغفار من الغفلات ونحوها، وتسميته بالذنب في الآية إما مُحاكاة لما كان يُكثر النبي صلى الله عليه وسلم أن يقوله: (اللهم اغفر لي خطيئتي) وإنما كان يقوله في مقام التواضع، وإما إطلاق لاسم الذنب على ما يفوت من الازدياد في العبادة مثل أوقات النوم والأكل، وإطلاقه على ما عناه النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: «حديث : إنه ليغان على قلبي وإني أستغفر الله في اليوم مائة مرة»تفسير : . واللام في قوله: {لذنبك} لام التعيين بينت مفعولاً ثانياً لفعل {استَغْفِرْ} واللام في قوله {وللمؤمنين} لام العلة، أو بمعنى (عن) والمفعول محذوف، أي استغفر الذنوب لأجل المؤمنين، وفي الكلام حذف، تقديره: وللمؤمنين لذنوبهم. وجملة {والله يعلم متقلبكم ومثواكم} تذييل جامع لأحوال ما تقدم. فالمَتَقلَّبُ: مصدر بمعنى التقلب، أوثر جلبه هنا لمزاوجة قوله: {ومثواكم}. والتقلب: العمل المختلف ظاهراً كانَ كالصلاة، أو باطناً كالإيمان والنصح. والمثوى: المرجع والمئال، أي يعلم الله أحوالكم جميعاً من مؤمنين وكافرين، وقدر لها جزاءها على حسب علمه بمراتبها ويعلم مصائركم وإنما أمركم ونهاكم وأمركم بالاستغفار خاصة لإجراء أحكام الأسباب على مسبباتها فلا تيأسوا ولا تُهملوا.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلْمُؤْمِنَاتِ} {مَثْوَاكُمْ} (19) - يَأْمُرُ اللهُ تَعَالى رَسُولَهُ الكَرِيمَ صلى الله عليه وسلم بالثَّبَاتِ عَلَى مَا هُوَ عَلَيهِ مِنَ الإِيمَانِ بأنَّهُ لاَ إِلهَ إِلاَّ هُوَ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، وَمن دَوامِ الاسْتْغفَارِ لِنَفسِهِ وَللْمُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِنَاتِ، واللهُ يَعْلَمُ تَصَرُّفَ العِبَادِ في نَهَارِهِمْ، وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهُمْ في لَيلِهِمْ، فَعَلَيهمْ أَنْ يَتَّقُوهُ وَيَسْتَغْفِرُوهُ (والأحادِيثُ كَثِيرةٌ في فَضْلِ الاسْتِغْفارِ). يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ - مُتَصَرَّفَكُمْ في حَيَاتِكُمْ. وَمثْواكُم - مُقَامَكُم وَمَكَانَ ثَوائِكُمْ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : معنى {فَٱعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ ٱللَّهُ ..} [محمد: 19] لا تطلب بأي شيء سبباً غير الله، ولا يجوز لك أنْ تلجأ لغير الله، فاللجوء لغير الله لا يفيد، وقوله: {فَٱعْلَمْ ..} [محمد: 19] العلم إما علم يقين إذا أخبرك به مَنْ تثق في صدقه، وعَيْن يقين حينما تراه بعينك وترى أثره، وحَقَّ اليقين حينما تباشره بنفسك. والحق سبحانه حينما يقول لنبيه صلى الله عليه وسلم {فَٱعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ ٱللَّهُ ..} [محمد: 19] هل يعني هذا أنه لا يعلمها؟ لا بل المراد داوم عليها، وكما علمتها في الماضي فاجعلها في الحاضر وفي المستقبل. وهذا من باب قوله تعالى: {أية : يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ءَامِنُواْ ..}تفسير : [النساء: 136] فيأمرهم بالإيمان وقد ناداهم به. قالوا: إذا أمر الله أمراً وهو موجود بالفعل في المأمور فالمراد داوم عليه، فأنت مؤمن لكن مطلوب منك أنْ تداوم على إيمانك في المستقبل. والحق سبحانه حينما يأمر نبيه هذا الأمر إنما ليُطمئنه على أنه إنْ جُحد وعُودِيَ وأُوذِيَ بشتَّى أنواع الإيذاء والاستهزاء لا يحزن ولا يهتم، لأن الله بجواره ينصره ويؤيده، ومهما فعل البشر فلن يمنعوه من إنفاذ دعوته. فسُنة الله في الرسل أنْ ينصرهم: {أية : وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا ٱلْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ ٱلْمَنصُورُونَ * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ ٱلْغَالِبُونَ}تفسير : [الصافات: 171-173] لذلك قلنا: إذا رأيتَ جندياً منتسباً للإسلام وغُلِب، فاعلم أن شروط الجندية اختلَّتْ عنده وإلاَّ ما هُزم. وأخذنا مثالاً على ذلك بما حدث للمسلمين يوم أُحُد من مخالفة أمر رسول الله فهُزموا وهو بينهم، وهذه سنة الله ولن تجد لسنةِ الله تبديلاً، ولو انتصروا بعد أنْ خالفوا أمر الرسول لهان عليهم أمره بعد ذلك، ولقالوا في أنفسهم: لقد خالفناه وانتصرنا. إذن: جاءت الهزيمة لتردهم إلى الصواب وتوقظ غفلتهم في مسألة طاعة أمر رسول الله. وقوله سبحانه: {وَٱسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ ..} [محمد: 19] فهل يعني هذا أن للرسول ذنباً يجب الاستغفار منه؟ هذه من المسائل التي دار حولها جدل كثير، والمعنى هنا: إذا سَهتْ نفسك فأذنبتَ فاستغفر لا أنه أذنب بالفعل، يقول له ربه: إذا حصل منك ذنب فاستغفر له، وكذلك استغفر للمؤمنين والمؤمنات. وفي آية أخرى قال تعالى: {أية : إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً * لِّيَغْفِرَ لَكَ ٱللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ ..}تفسير : [الفتح: 1-2] فذكر الذنب في حق الرسول رغم أنه معصوم. والعلماء حينما بحثوا مثل هذه الآيات قالوا: هي من باب: حسنات الأبرار سيئات المقربين. ومعلوم أن المقربين درجة من درجات الطاعة والامتثال لله أعلى من درجة الأبرار، لأن الأبرار هم الذين يطيعون الله ويفعلون الخيرات وينفذون الأوامر. أما المقربون فهم الذين يزيدون على ذلك تقرباً إلى الله، حتى في عُرْف الناس المقرَّب منك هو الصديق الملازم لك الذي لا يفارقك ويحبك ويخاف عليك. كذلك المقرب من الله، له قانون آخر في التعامل غير قانون الأبرار، ومقياس آخر للحسنات والسيئات يناسب درجة قُربه من ربه عز وجل. ترى لو أنك مثلاً مرضت لا قدر الله وجاءك أحد معارفك وزارك في مرضك ولو مرة واحدة ماذا تفعل؟ تشكره وترى أنه أدى الواجب. أما صديقك المقرب لو زارك مرة واحدة مثله ماذا تفعل؟ تعاتبه وتلومه لأنك كنت تنتظر منه أكثر من زيارة، هذا هو معنى: حسنات الأبرار سيئات المقربين. إذن: الحسنة من الإنسان العادي قد تُعدُّ سيئة بالنسبة للنبي، فالنبي مقرب وللمقرب حساب آخر، ولهذه القربى ثمن، وكان الله يقول لك: حافظ على هذه الدرجة من القرب مني، وإياك أن يحدث منك ولو شيء بسيط بالنسبة لغيرك. أو أن سيدنا رسول الله كما قال: "حديث : رُفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه"تفسير : فقوله (عن أمتي) يعني: أنه غير داخل في هذا الحكم، فلا يجوز منه النسيان الذي يجوز من غيره والنسيان في حقه إذن يُعدُّ ذنباً. حديث : لذلك لما صلَّى النبي صلى الله عليه وسلم صلاة رباعية وسلَّم منها بعد ركعتين قال له أحد الصحابة وهو ذو اليدين: أقصرتْ الصلاة أم نسيتَ يا رسول الله؟ قال: كل ذلك لم يكُن، قال: بل بعض ذلك كانتفسير : . انظر عظمة الصحابي في السؤال، وعظمة رسول الله في الرد، وعظمة الإيمان الذى ربَّى هؤلاء. إذن: من الممكن أنْ ينسى رسول الله ويُعد نسيانه ذنباً لماذا؟ لأنه رسولٌ وصاحبُ رسالة مكلَّف بتبليغها وإشراقات النبوة لا تفارقه فكيف ينسى؟ لذلك لما سأل أحد العامة العالم العابد المنقطع لله وقال له: ما حكم مَنْ سها في الصلاة؟ قال له: عندنا أم عندكم؟ قال: بل عندنا. قال: يسجد للسهو، قال: وعندكم؟ قال: نقتله. ولماذا نذهب بعيداً وقصة معصية سيدنا آدم معروفة للجميع، قال تعالى - في حق آدم {أية : وَعَصَىٰ ءَادَمُ رَبَّهُ فَغَوَىٰ}تفسير : [طه: 121] فسمى نسيان آدم معصية، لماذا؟ قالوا: لأن آدم خلقه الله بالمباشرة، خلقه الله بنفسه ونفخ فيه من روحه، فله ميزة في الخَلْق ليستْ لغيره، ولم يكلف إلا تكليفاً واحداً هو عدم الأكل من الشجرة، فأيّ شيء ينساه وأي شيء يذكره وهو أمر واحد. لذلك كان النسيان في حقه معصية، لأنه نبي رسول وهو أبو البشر، لذلك معصية آدم جاءت لحكمة لأنه أبو البشر، والبشر على قسمين: معصوم وغير معصوم، المعصوم هم الرسل. وغير المعصوم هم بقية الخلق فلا بدّ أنْ يتمثل في آدم القسمان. فحينما يخاطب الحق سبحانه نبيه صلى الله عليه وسلم ويقول له: {وَٱسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ ..} [محمد: 19] أي: من النسيان الذي تجاوزتُ عنه لأمتك استغفر أنت منه لأنه لا يغفر لك كما يغفر لأمتك. ثم تعال وانظر في المواضع التي عاتب الله فيها نبيه محمداً، اقرأ مثلاً: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}تفسير : [التحريم: 1] مجرد أن واحدة من زوجاتك غضبت من شيء تحرمه على نفسك وقد أحله الله لك، فعدّ هذا ذنباً. كذلك لما أذن لبعض الصحابة في التخلف عن القتال عاتبه ربّه: {أية : عَفَا ٱللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْ وَتَعْلَمَ ٱلْكَاذِبِينَ}تفسير : [التوبة: 43] إذن: عاتبه على ذلك، لكن بدأه بالعفو عنه. ثم إن الرسول فيه جانبان جانب البشرية وجانب الرسالة، فآدم عليه السلام عصى ببشريته بدليل قوله تعالى: {أية : وَعَصَىٰ ءَادَمُ رَبَّهُ فَغَوَىٰ * ثُمَّ ٱجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَىٰ}تفسير : [طه: 121-122] إذن: ما جاءته الرسالة إلا بعد أنْ خاض هذه التجربة، وكان منه ما يكون من البشر، ثم اجتباه ربه بالرسالة. وحين نتأمل القضايا التي عاتب فيها نبيه محمداً نجدها مسائل عامة ليس فيها نصّ ولا حكم شرعي خالفه رسول الله، فكان يجتهد فيها برأيه كبشر وكما يمليه الموقف. فمثلاً في قصة عبد الله بن أم مكتوم الذي عاتب الله رسوله من أجله، فقال: {أية : عَبَسَ وَتَوَلَّىٰ * أَن جَآءَهُ ٱلأَعْمَىٰ}تفسير : [عبس: 1-2] تجد هذا العتاب ليس اعتراضاً على ما فعله رسول الله إنما رحمة به وشفقة عليه. لأنه ترك عبد الله وهو مؤمن جاء ليسأله عن حكم من أحكام الشرع، وأعرض عنه ليتفرغ لبعض صناديد الكفر، فهو صلى الله عليه وسلم بتفكيره البشري حريص على هداية هؤلاء، أما عبد الله فهو مؤمن بطبيعة الحال. إذن: رسول الله يشقّ على نفسه في سبيل دعوته، ثم اقرأ إلى نهاية القصة {أية : وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّىٰ * أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ ٱلذِّكْرَىٰ * أَمَّا مَنِ ٱسْتَغْنَىٰ * فَأَنتَ لَهُ تَصَدَّىٰ * وَمَا عَلَيْكَ أَلاَّ يَزَّكَّىٰ * وَأَمَّا مَن جَآءَكَ يَسْعَىٰ * وَهُوَ يَخْشَىٰ * فَأَنتَ عَنْهُ تَلَهَّىٰ}تفسير : [عبس: 3-10]. فكأن الحق سبحانه يقول لنبيه: يا محمد ليست مهمتك أنْ يؤمن الناس، مهمتك أنْ تدلهم وأنْ ترشدهم فقط {أية : فَإِنَّمَا عَلَيْكَ ٱلْبَلَٰغُ ..}تفسير : [آل عمران: 20] وخاطبه في موضع آخر بقوله: {أية : لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ}تفسير : [الشعراء: 3]. وفي الكهف: {أية : فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَىٰ آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُواْ بِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ أَسَفاً}تفسير : [الكهف: 6] يعني: ما عليك إلا أن تُبلغ، أما مسألة الإيمان فأريدهم مؤمنين قلباً لا قالباً، طواعية لا إجباراً. وقال تعالى: {أية : إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ}تفسير : [الشعراء: 4] أي: أجبرناهم على الإيمان. وقوله سبحانه: {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ} [محمد: 19] معنى {مُتَقَلَّبَكُمْ ..} [محمد: 19] ذهابكم إلى أعمالكم وسعيكم في أنحاء الأرض الواسعة طلباً للرزق. و{وَمَثْوَاكُمْ} [محمد: 19] مرجعكم إلى بيوتكم ومأواكم إلى مضاجعكم بالليل. والمعنى: أنه سبحانه يعلم كل أحوالكم ولا يخفى عليه شيء من أموركم. وسبق أنْ تحدَّثنا عن فَضل السعي في مناكب الأرض واستنباط خيراتها، لأنك في بيتك ستأخذ خيرات هذه البيئة وحدها، أمَّا حين تنتقل في شتى نواحي الأرض فإنك تجد ألواناً أخرى من الخيرات. الخالق سبحانه وزَّع خيره على جميع أرضه، فكل أرض ولها عطاء، الصحراء لها عطاء، والأرض الزراعية لها عطاء، ليس هناك أرض فقيرة وأخرى غنية، بحيث لو أخذتَ قطاعاً طولياً من الكرة الأرضية لوجدتَ فيه من الخيرات مثل ما في القطاعات الأخرى. وقد كنا نظن أن الصحراء الجرداء لا خير فيها، والآن هي مصدر الرزق الوفير لأصحابها الذين صبروا على شظف العيش فيها أعماراً طويلة. لذلك يقول تعالى: {أية : قُلْ سِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ فَٱنظُرُواْ ..}تفسير : [النمل: 69] وقال: {أية : قُلْ سِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ ثُمَّ ٱنْظُرُواْ ..}تفسير : [الأنعام: 11] أي: تأملوا ما فيها من آيات وعبر، والإنسان يسافر ويتنقل إما للسياحة، وإما لطلب الرزق، وفي كلتا الحالتين ينبغي ألاَّ يغفل عن الاعتبار والنظر في آيات الكون. وفي موضع آخر قال تعالى: {أية : أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ ٱللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا ..}تفسير : [النساء: 97] فالتقلُّب هو الخروج من المكان الذي تستوطنه إلى مكان لا تستوطنه، وهذا يحتاج إلى قدرة مالية وصحبة وقوة، لذلك قال سبحانه {أية : أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُم بِمُعْجِزِينَ}تفسير : [النحل: 46]. قالتقلُّب إذن دليل القوة، فالرجل الغني هو الذي يسافر كل يوم إلى مكان يتقلب في أنحاء الأرض، أما الفقير فيلزم مكانه لا يبرحه.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {مُتَقَلَّبَكُمْ} معناه مُتَقَلَّبُ كُلّ غَابةٍ {وَمَثْوَاكُمْ} معناه مَثوى كُلّ دَابةٍ بالليلِ والنَّهارِ.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : العلم لا بد فيه من إقرار القلب ومعرفته، بمعنى ما طلب منه علمه، وتمامه أن يعمل بمقتضاه. وهذا العلم الذي أمر الله به -وهو العلم بتوحيد الله- فرض عين على كل إنسان، لا يسقط عن أحد، كائنا من كان، بل كل مضطر إلى ذلك. والطريق إلى العلم بأنه لا إله إلا هو أمور: أحدها بل أعظمها: تدبر أسمائه وصفاته، وأفعاله الدالة على كماله وعظمته وجلالته فإنها توجب بذل الجهد في التأله له، والتعبد للرب الكامل الذي له كل حمد ومجد وجلال وجمال. الثاني: العلم بأنه تعالى المنفرد بالخلق والتدبير، فيعلم بذلك أنه المنفرد بالألوهية. الثالث: العلم بأنه المنفرد بالنعم الظاهرة والباطنة، الدينية والدنيوية، فإن ذلك يوجب تعلق القلب به ومحبته، والتأله له وحده لا شريك له. الرابع: ما نراه ونسمعه من الثواب لأوليائه القائمين بتوحيده من النصر والنعم العاجلة، ومن عقوبته لأعدائه المشركين به، فإن هذا داع إلى العلم، بأنه تعالى وحده المستحق للعبادة كلها. الخامس: معرفة أوصاف الأوثان والأنداد التي عبدت مع الله، واتخذت آلهة، وأنها ناقصة من جميع الوجوه، فقيرة بالذات، لا تملك لنفسها ولا لعابديها نفعا ولا ضرا، ولا موتا ولا حياة ولا نشورا، ولا ينصرون من عبدهم، ولا ينفعونهم بمثقال ذرة، من جلب خير أو دفع شر، فإن العلم بذلك يوجب العلم بأنه لا إله إلا هو وبطلان إلهية ما سواه. السادس: اتفاق كتب الله على ذلك، وتواطؤها عليه. السابع: أن خواص الخلق، الذين هم أكمل الخليقة أخلاقا وعقولا ورأيا وصوابا، وعلما -وهم الرسل والأنبياء والعلماء الربانيون- قد شهدوا لله بذلك. الثامن: ما أقامه الله من الأدلة الأفقية والنفسية، التي تدل على التوحيد أعظم دلالة، وتنادي عليه بلسان حالها بما أودعها من لطائف صنعته، وبديع حكمته، وغرائب خلقه. فهذه الطرق التي أكثر الله من دعوة الخلق بها إلى أنه لا إله إلا الله، وأبداها في كتابه وأعادها عند تأمل العبد في بعضها، لا بد أن يكون عنده يقين وعلم بذلك، فكيف إذا اجتمعت وتواطأت واتفقت، وقامت أدلة التوحيد من كل جانب، فهناك يرسخ الإيمان والعلم بذلك في قلب العبد، بحيث يكون كالجبال الرواسي، لا تزلزله الشبه والخيالات، ولا يزداد -على تكرر الباطل والشبه- إلا نموا وكمالا. هذا، وإن نظرت إلى الدليل العظيم، والأمر الكبير -وهو تدبر هذا القرآن العظيم، والتأمل في آياته- فإنه الباب الأعظم إلى العلم بالتوحيد ويحصل به من تفاصيله وجمله ما لا يحصل في غيره. وقوله: { وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ } أي: اطلب من الله المغفرة لذنبك، بأن تفعل أسباب المغفرة من التوبة والدعاء بالمغفرة، والحسنات الماحية، وترك الذنوب والعفو عن الجرائم. { و } استغفر أيضا { للمؤمنين وَالْمُؤْمِنَات } فإنهم -بسبب إيمانهم- كان لهم حق على كل مسلم ومسلمة. ومن جملة حقوقهم أن يدعو لهم ويستغفر لذنوبهم، وإذا كان مأمورا بالاستغفار لهم المتضمن لإزالة الذنوب وعقوباتها عنهم، فإن من لوازم ذلك النصح لهم، وأن يحب لهم من الخير ما يحب لنفسه، ويكره لهم من الشر ما يكره لنفسه، ويأمرهم بما فيه الخير لهم، وينهاهم عما فيه ضررهم، ويعفو عن مساويهم ومعايبهم، ويحرص على اجتماعهم اجتماعا تتألف به قلوبهم، ويزول ما بينهم من الأحقاد المفضية للمعاداة والشقاق، الذي به تكثر ذنوبهم ومعاصيهم. { وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ } أي: تصرفاتكم وحركاتكم، وذهابكم ومجيئكم، { وَمَثْوَاكُمْ } الذي به تستقرون، فهو يعلمكم في الحركات والسكنات، فيجازيكم على ذلك أتم الجزاء وأوفاه.
النسائي
تفسير : بسم الله الرحمن الرحيم سورة محمد صلى الله عليه وسلم قوله تعالى: {فَٱعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ ٱللَّهُ} [19] 513 - أخبرنا عمرو بن عليٍّ، قال: حدثنا عبد الرحمن، قال: حدثنا سُليمان بن المُغيرة، عن ثابتٍ، عن أنسٍ، [قال:] حدثني محمود بن الربيعِ، عن عِتْبانَ، فلقيتُ عِتبان/ فحدثني به، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : ليس أحدٌ يشهدُ أن لا إله إلا الله فتأكلهُ النار أو تطعمه النارُ"تفسير : ، قال أنس: فأعجبني هذا، فقلتُ لاِبني: اكتبه. 514 - أنا سُويد بن نصرٍ، أنا عبد الله، عن معمرٍ، عن الزُّهري، أخبرني محمود بن الربيع، قال: سمعتُ عِتبان بن مالكٍ يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لن يُوافي عبدٌ يوم القيامة وهو يقول: لا إله إلا الله،/ يبتغي بذلك وجه الله عزَّ وجلَّ، إلا حرم اللهُ عليه النار ". تفسير : قوله تعالى: {وَٱسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ} [19] 515 - أنا محمد بن سليمان، عن ابن المبارك، عن معمرٍ، عن الزُّهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إني لأستغفر الله في اليوم مائة مرَّةٍ ". تفسير : قوله تعالى: {وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ} [19] 516 - أنا يحيى بن حبيب بن عربيٍّ، نا حمادٌ، نا عاصمٌ، عن عبد اللهِ بن سرجس، قال: حديث : أتيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو جالسٌ في ناسٍ من أصحابه، فدُرت خلفهُ هكذا، فعرف الذي أُريدُ، فألقى الرِّداء عن ظهره، فرأيتُ موضع الخاتم على نُغضِ كتفهِ مثل الجُمع حولهُ خيلانٌ، كأنها الثَّآليلُ، فجئت حتى استقبلته، فقلت له: غفر الله لك يا رسول اللهِ، قال: "ولك" قال بعضُ القومِ: أستغفر لك رسول الله [صلى الله عليه وسلم]؟ قال: نعم، ولكم، ثم تلا {وَٱسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ} .
همام الصنعاني
تفسير : 2882- عبد الرزاق، عن معمر، في قوله تعالى: {وَٱسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ}: [الآية: 19]، عن الزهري قال: حدثني أبو سلمة، عن أبي هريرة، أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إني لأستغفر في اليوم وأتوب سبعين مرة أو أكثر ". تفسير : 2883- عبد الرزاق، قال: أنبأنا الثوري، عن أبي إسحاق، عن عبيد بن المغيرة، قال: سمعت حذيفة يقول: كُنْتُ رَجُلاً ذَرِبَ اللسان على أهلي فقتل: يا رسول الله، إني لأخشى أَنْ يُدْخِلَنِي لساني النَّارَ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : فأين أَنتَ مِنَ الاستغفار؟ إني لأستغفر الله في اليوم مائة مرةً"،تفسير : قال أبو إسحاق: فذكرته (لأبي بردة)، فقال: وأتوب إليه.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):