Verse. 4565 (AR)

٤٧ - مُحَمَّد

47 - Muhammad (AR)

وَيَقُوْلُ الَّذِيْنَ اٰمَنُوْا لَوْلَا نُزِّلَتْ سُوْرَۃٌ۝۰ۚ فَاِذَاۗ اُنْزِلَتْ سُوْرَۃٌ مُّحْكَمَۃٌ وَّذُكِرَ فِيْہَا الْقِتَالُ۝۰ۙ رَاَيْتَ الَّذِيْنَ فِيْ قُلُوْبِہِمْ مَّرَضٌ يَّنْظُرُوْنَ اِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْہِ مِنَ الْمَوْتِ۝۰ۭ فَاَوْلٰى لَہُمْ۝۲۰ۚ
Wayaqoolu allatheena amanoo lawla nuzzilat sooratun faitha onzilat sooratun muhkamatun wathukira feeha alqitalu raayta allatheena fee quloobihim maradun yanthuroona ilayka nathara almaghshiyyi AAalayhi mina almawti faawla lahum

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ويقول الذين آمنوا» طلبا للجهاد «لولا» هلا «نزلت سورة» فيها ذكر الجهاد «فإذا أنزلت سورة محكمة» أي لم ينسخ منها شيء «وذكر فيها القتال» أي طلبه «رأيت الذين في قلوبهم مرض» أي شك وهم المنافقون «ينظرون إليك نظر المغشي عليه من الموت» خوفا منه وكراهة له، أي فهم يخافون من القتال ويكرهونه «فأولى لهم» مبتدأ خبره.

20

Tafseer

الرازي

تفسير : لما بيّن الله حال المنافق والكافر والمهتدي المؤمن عند استماع الآيات العلمية من التوحيد والحشر وغيرهما بقوله {أية : وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ } تفسير : [محمد: 16] وقوله {أية : وَٱلَّذِينَ ٱهْتَدَوْاْ زَادَهُمْ هُدًى } تفسير : [محمد: 17] بين حالهم في الآيات العملية، فإن المؤمن كان ينتظر ورودها ويطلب تنزيلها وإذا تأخر عنه التكليف كان يقول هلا أمرت بشيء من العبادة خوفاً من أن لا يؤهل لها، والمنافق إذا نزلت السورة أو الآية وفيها تكليف شق عليه، ليعلم تباين الفريقين في العلم والعمل، حيث لا يفهم المنافق العلم ولا يريد العمل، والمؤمن يعلم ويحب العمل وقولهم {لَوْلاَ نُزِّلَتْ سُورَةٌ } المراد منه سورة فيها تكليف بمحن المؤمن والمنافق. ثم إنه تعالى أنزل سورة فيها القتال فإنه أشق تكليف وقوله {سُورَةٌ مُّحْكَمَةٌ } فيها وجوه: أحدها: سورة لم تنسخ ثانيها: سورة فيها ألفاظ أُريدت حقائقها بخلاف قوله {أية : ٱلرَّحْمَـٰنُ عَلَى ٱلْعَرْشِ ٱسْتَوَىٰ } تفسير : [طه: 5] وقوله {أية : فِى جَنبِ ٱللَّهِ } تفسير : [الزمر: 56] فإن قوله تعالى: {أية : فَضَرْبَ ٱلرّقَابِ } تفسير : [محمد: 4] أراد القتل وهو أبلغ من قوله {أية : فَٱقْتُلُوهُمْ } تفسير : [البقرة: 191] وقوله {أية : وَٱقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ } تفسير : [النساء: 91] صريح وكذلك غير هذا من آيات القتال وعلى الوجهين فقوله {مُّحْكَمَةٌ } فيها فائدة زائدة من حيث إنهم لا يمكنهم أن يقولوا المراد غير ما يظهر منه، أو يقولوا هذه آية وقد نسخت فلا نقاتل، وقوله {رَأَيْتَ ٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ } أي المنافقين {يَنظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ ٱلْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ ٱلْمَوْتِ } لأن عند التكليف بالقتال لا يبقى لنفاقهم فائدة، فإنهم قبل القتال كانوا يترددون إلى القبيلتين وعند الأمر بالقتال لم يبق لهم إمكان ذلك {فَأَوْلَىٰ لَهُمْ } دعاء كقول القائل فويلٌ لهم، ويحتمل أن يكون هو خبر لمبتدأ محذوف سبق ذكره وهو الموت كأن الله تعالى لما قال: {نَظَرَ ٱلْمَغْشِىّ عَلَيْهِ مِنَ ٱلْمَوْتِ } قال فالموت أولى لهم، لأن الحياة التي لا في طاعة الله ورسوله الموت خير منها، وقال الواحدي يجوز أن يكون المعنى فأولى لهم طاعة أي الطاعة أولى لهم.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى:{وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} أي المؤمنون المخلصون. {لَوْلاَ نُزِّلَتْ سُورَةٌ} ٱشتياقاً للوَحْي وحرصاً على الجهاد وثوابه. ومعنى «لَوْلاَ» هلا. {فَإِذَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ مُّحْكَمَةٌ} لا نسخ فيها. قال قتادة: كل سورة ذكر فيها الجهاد فهي مُحْكمة، وهي أشدّ القرآن على المنافقين. وفي قراءة عبد الله «فَإذَا أنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْدَثَةٌ» أي محدثة النزول. {وَذُكِرَ فِيهَا ٱلْقِتَالُ} أي فرض فيها الجهاد. وقرىء «فَإذَا أنْزِلَتْ سُورَةٌ وذَكَر فِيهَا الْقِتَالَ» على البناء للفاعل ونصب القتال. {رَأَيْتَ ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ} أي شك ونفاق. {يَنظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ ٱلْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ ٱلْمَوْتِ} أي نظر مغموصين مغتاظين بتحديد وتحديق؛ كمن يشخص بصره عند الموت؛ وذلك لجبنهم عن القتال جزعاً وهلعاً، ولميلهم في السر إلى الكفار. قوله تعالى: {فَأَوْلَىٰ لَهُمْ طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَّعْرُوفٌ} «فَأَوْلَى لَهُمْ» قال الجوهريّ: وقولهم: أَوْلَى لَكَ، تهديد ووعيد. قال الشاعر:شعر : فأوْلَى ثم أَوْلَى ثم أَوْلَى وهل لِلدَّرِّ يُحْلَبُ من مَرَدِّ تفسير : قال الأصمعي: معناه قارَبَه ما يُهْلكه؛ أي نزل به. وأنشد:شعر : فعادَى بين هادِيَتَيْن منها وأوْلَى أن يزيد على الثلاث تفسير : أي قارب أن يزيد. قال ثعلب: ولم يقل أحد في «أَوْلَى» أحسن مما قال الأصمعي. وقال المُبَرِّد: يقال لمن هَمّ بالعَطَب ثم أفْلَت: أوْلى لك؛ أي قاربت العطب. كما رُوِي أن أعرابيًّا كان يوالي رَمْيَ الصيد فيُفْلِت منه فيقول: أوْلى لك. ثم رمى صيداً فَقاربه ثم أفلت منه فقال:شعر : فلو كان أوْلَى يُطعِم القومَ صِدْتُهم ولكنّ أوْلَى يَتْرُكُ القومَ جُوَّعَا تفسير : وقيل: هو كقول الرجل لصاحبه: يا محروم، أيّ شيء فاتك! وقال الجُرْجَانِيّ: هو مأخوذ من الويل؛ فهو أفعل، ولكن فيه قلب؛ وهو أن عين الفعل وقع موقع اللام. وقد تم الكلام على قوله: {فَأَوْلَىٰ لَهُمْ}. قال قتادة: كأنه قال العقاب أوْلَى لهم. وقيل: أي وَلِيَهم المكروه. ثم قال: «طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ» أي طاعة وقول معروف أمثل وأحسن؛ وهو مذهب سيبويه والخليل. وقيل: إن التقدير أمرنا طاعة وقول معروف؛ فحذف المبتدأ فيوقف على «فَأَوْلَى لَهُمْ». وكذا من قدّر يقولون مِنَّا طاعة. وقيل: إن الآية الثانية متصلة بالأولى. واللام في قوله: «لَهُمْ» بمعنى الباء؛ أي الطاعة أولى وأليق بهم، وأحق لهم من ترك ٱمتثال أمر الله. وهي قراءة أُبَيّ «يَقُولُونَ طَاعَةٌ». وقيل إن: «طَاعَةٌ» نعت لـ «سورة»؛ على تقدير: فإذا أنزلت سورة ذات طاعة، فلا يوقف على هذا على «فَأَوْلَى لَهُمْ». قال ابن عباس: إن قولهم «طَاعَةٌ» إخبار من الله عز وجل عن المنافقين. والمعنى لهم طاعة وقول معروف، قيل: وجوب الفرائض عليهم، فإذا أنزلت الفرائض شق عليهم نزولها. فيوقف على هذا على «فَأَوْلَى». قوله تعالى: {فَإِذَا عَزَمَ ٱلأَمْرُ} أي جدّ القتال، أو وجب فرض القتال، كرهوه. فكرهوه جواب «إذا» وهو محذوف. وقيل: المعنى فإذا عزم أصحاب الأمر. {فَلَوْ صَدَقُواْ ٱللَّهَ} أي في الإيمان والجهاد. {لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ} من المعصية والمخالفة.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى مخبراً عن المؤمنين: أنهم تمنوا شرعية الجهاد، فلما فرضه الله عز وجل، وأمر به، نكل عنه كثير من الناس؛ كقوله تبارك وتعالى: {أية : أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوۤاْ أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ ٱلْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَخْشَوْنَ ٱلنَّاسَ كَخَشْيَةِ ٱللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُواْ رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا ٱلْقِتَالَ لَوْلاۤ أَخَّرْتَنَا إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَـٰعُ ٱلدُّنْيَا قَلِيلٌ وَٱلآخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ ٱتَّقَىٰ وَلاَ تُظْلَمُونَ فَتِيلاً} تفسير : [النساء: 77] وقال عز وجل ههنا: {وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَوْلاَ نُزِّلَتْ سُورَةٌ} أي مشتملة على حكم القتال، ولهذا قال: {فَإِذَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ مُّحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا ٱلْقِتَالُ رَأَيْتَ ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ ٱلْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ ٱلْمَوْتِ} أي من فزعهم ورعبهم وجبنهم من لقاء الأعداء، ثم قال مشجعاً لهم: { فَأَوْلَىٰ لَهُمْ طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَّعْرُوفٌ} أي وكان الأولى بهم أن يسمعوا ويطيعوا، أي في الحالة الراهنة، {فَإِذَا عَزَمَ ٱلأَمْرُ} أي جد الحال، وحضر القتال {فَلَوْ صَدَقُواْ ٱللَّهَ} أي أخلصوا له النية، {لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ}. وقوله سبحانه وتعالى: {فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ} أي عن الجهاد، ونكلتم عنه {أَن تُفْسِدُواْ فِي ٱلأَرْضِ وَتُقَطِّعُوۤاْ أَرْحَامَكُمْ} أي تعودوا إلى ما كنتم فيه من الجاهلية الجهلاء، تسفكون الدماء وتقطعون الأرحام، ولهذا قال تعالى: { أَوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ لَعَنَهُمُ ٱللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَىٰ أَبْصَـٰرَهُمْ} وهذا نهي عن الإفساد في الأرض عموماً، وعن قطع الأرحام خصوصاً، بل قد أمر الله تعالى بالإصلاح في الأرض وصلة الأرحام، وهو الإحسان إلى الأقارب في المقال والأفعال وبذل الأموال، وقد وردت الأحاديث الصحاح والحسان بذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من طرق عديدة ووجوه كثيرة، قال البخاري: حدثنا خالد بن مخلد، حدثنا سليمان، حدثني معاوية بن أبي مزرد عن سعيد بن يسار عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : خلق الله تعالى الخلق، فلما فرغ منه قامت الرحم، فأخذت بحقوي الرحمن عز وجل، فقال: مه؟ فقالت: هذا مقام العائذ بك من القطيعة، فقال تعالى: ألا ترضين أن أصل من وصلك، وأقطع من قطعك؟ قالت: بلى، قال: فذاك لك» تفسير : قال أبو هريرة رضي الله عنه: اقرؤوا إن شئتم: { فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُواْ فِى ٱلأَرْضِ وَتُقَطِّعُوۤاْ أَرْحَامَكُمْ} ثم رواه البخاري من طريقين آخرين عن معاوية بن أبي مزرد به قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : اقرؤوا إن شئتم: { فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُواْ فِي ٱلأَرْضِ وَتُقَطِّعُوۤاْ أَرْحَامَكُمْ}» تفسير : . ورواه مسلم من حديث معاوية بن أبي مزرد به. وقال الإمام أحمد: حدثنا إسماعيل بن علية، حدثنا عيينة بن عبد الرحمن بن جوشن عن أبيه عن أبي بكر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ما من ذنب أحرى أن يعجل الله تعالى عقوبته في الدنيا، مع ما يدخر لصاحبه في الآخرة من البغي وقطيعة الرحم»تفسير : . ورواه أبو داود والترمذي وابن ماجه من حديث إسماعيل هو ابن علية به، وقال الترمذي: هذا حديث صحيح. وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن بكر، حدثنا ميمون أبو محمد المرئي، حدثنا محمد بن عباد المخزومي عن ثوبان رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : من سره النِّساء في الأجل والزيادة في الرزق فليصل رحمه»تفسير : . تفرد به أحمد، وله شاهد في الصحيح. وقال أحمد أيضاً: حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا حجاج بن أرطاة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إن لي ذوي أرحام، أصل ويقطعون، وأعفو ويظلمون، وأحسن ويسيئون، أفأكافئهم؟ قال صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا، إذن تتركون جميعاً، ولكن جد بالفضل وصلهم، فإنه لن يزال معك ظهير من الله عز وجل ما كنت على ذلك» تفسير : تفرد به أحمد من هذا الوجه، وله شاهد من وجه آخر. وقال الإمام أحمد: حدثنا يعلى، حدثنا فطر عن مجاهد عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : إن الرحم معلقة بالعرش، وليس الواصل بالمكافىء، ولكن الواصل الذي إذا قطعت رحمه وصلها» تفسير : رواه البخاري. وقال أحمد: حدثنا بهز، حدثنا حماد بن سلمة، أخبرنا قتادة عن أبي ثمامة الثقفي عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : توضع الرحم يوم القيامة لها حجنة كحجنة المغزل، تكلم بلسان طلق ذلق، فتقطع من قطعها وتصل من وصلها» تفسير : وقال الإمام أحمد: حدثنا سفيان، حدثنا عمرو عن أبي قابوس عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما يبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا أهل الأرض يرحمكم أهل السماء، والرحم شجنة من الرحمن، من وصلها وصلته ومن قطعها بتته» تفسير : وقد رواه أبو داود والترمذي من حديث سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار به، وهذا هو الذي يروى بتسلسل الأولية، وقال الترمذي: حسن صحيح. وقال الإمام أحمد: حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا هشام الدستوائي عن يحيى بن أبي كثير عن إبراهيم بن عبد الله بن قارظ: أن أباه حدثه: أنه دخل على عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه وهو مريض، فقال له عبد الرحمن رضي الله عنه: وصلتك رحم، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : قال الله عز وجل: أنا الرحمن، خلقت الرحم وشققت لها من اسمي؛ فمن يصلها أصله، ومن يقطعها أقطعه فأبته ــــ أو قال ــــ من بتها أبته» تفسير : تفرد به أحمد من هذا الوجه، ورواه أحمد أيضاً من حديث الزهري عن أبي سلمة عن الرداد ــــ أو أبي الرداد ــــ عن عبد الرحمن بن عوف به، ورواه أبو داود والترمذي من رواية أبي سلمة عن أبيه، والأحاديث في هذا كثيرة جداً. وقال الطبراني: حدثنا علي بن عبد العزيز، حدثنا محمد بن عمار الموصلي، حدثنا عيسى بن يونس عن محمد بن عبد الله بن علاثة عن الحجاج بن الفرافصة، عن أبي عمر البصري عن سليمان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : الأرواح جنود مجندة، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف» تفسير : وبه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إذا ظهر القول وخزن العمل وائتلفت الألسنة وتباغضت القلوب وقطع كل ذي رحم رحمه، فعند ذلك لعنهم الله وأصمهم وأعمى أبصارهم» تفسير : والأحاديث في هذا كثيرة، والله أعلم.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ } طلباً للجهاد {لَوْلاَ } هلا {نُزِّلَتْ سُورَةٌ } فيها ذكر الجهاد {فَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ مُّحْكَمَةٌ } أي لم ينسخ منها شيء {وَذُكِرَ فِيهَا ٱلْقِتَالُ } أي طلبه {رَأَيْتَ ٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ } أي شك وهم المنافقون {يَنظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ ٱلْمَغْشِىّ } المغمي{عَلَيْهِ مِنَ ٱلْمَوْتِ } خوفاً منه وكراهية له، أي فهم يخافون من القتال ويكرهونه {فَأَوْلَىٰ لَهُمْ } مبتدأ خبره.

الشوكاني

تفسير : سأل المؤمنون ربهم عزّ وجلّ أن ينزل على رسوله صلى الله عليه وسلم سورة يأمرهم فيها بقتال الكفار حرصاً منهم على الجهاد، ونيل ما أعدّ الله للمجاهدين من جزيل الثواب، فحكى الله عنهم ذلك بقوله: {وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لَوْلاَ نُزّلَتْ سُورَةٌ } أي: هلاّ نزلت {فَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ مُّحْكَمَةٌ } أي: غير منسوخة {وَذُكِرَ فِيهَا ٱلْقِتَالُ } أي: فرض الجهاد. قال قتادة: كل سورة ذكر فيها الجهاد فهي محكمة، وهي أشدّ القرآن على المنافقين، وفي قراءة ابن مسعود (فإذا أنزلت سورة محدثة) أي: محدثة النزول، قرأ الجمهور {فإذا أنزلت} و{ذكر} على بناء الفعلين للمفعول، وقرأ زيد بن عليّ، وابن عمير: (نزلت) و"ذكر" على بناء الفعلين للفاعل، ونصب القتال {رَأَيْتَ ٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ } أي: شك، وهم المنافقون {يَنظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ ٱلْمَغْشِىّ عَلَيْهِ مِنَ ٱلْمَوْتِ } أي: ينظرون إليك نظر من شخص بصره عند الموت لجبنهم عن القتال، وميلهم إلى الكفار. قال ابن قتيبة، والزجاج: يريد أنهم يشخصون نحوك بأبصارهم، وينظرون إليك نظراً شديداً، كما ينظر الشاخص بصره عند الوت {فَأَوْلَىٰ لَهُمْ } قال الجوهري: وقولهم "أولى" لك: تهديد ووعيد، وكذا قال مقاتل، والكلبي، وقتادة. قال الأصمعي: معنى قولهم في التهديد: أولى لك، أي: وليك، وقاربك ما تكره، وأنشد قول الشاعر:شعر : فعادى بين هاديتين منها وأولى أن يزيد على الثلاث تفسير : أي: قارب أن يزيد. قال ثعلب: ولم يقل في أولى أحسن مما قاله الأصمعي. وقال المبرد: يقال لمن همّ بالغضب ثم أفلت: أولى لك، أي: قاربت الغضب. وقال الجرجاني: هو مأخوذ من الويل، أي: فويل لهم، وكذا قال في الكشاف، قال قتادة أيضاً: كأنه قال العقاب أولى لهم، وقوله: {طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَّعْرُوفٌ } كلام مستأنف، أي: أمرهم طاعة، أو طاعة وقول معروف خير لكم. قال الخليل، وسيبويه: إن التقدير: طاعة وقول معروف أحسن، وأمثل لكم من غيرهما. وقيل: إن طاعة خبر أولى، وقيل: إن {طاعة} صفة لـ {سورة}، وقيل: إن {لهم} خبر مقدّم، و{طاعة} مبتدأ مؤخر، والأول أولى {فَإِذَا عَزَمَ ٱلأمْرُ } عزم الأمر: جدّ الأمر، أي: جدّ القتال ووجب وفرض، وأسند العزم إلى الأمر، وهو لأصحابه مجازاً، وجواب "إذا" قيل: هو: {فَلَوْ صَدَقُواْ ٱللَّهَ } في إظهار الإيمان والطاعة {لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ } من المعصية والمخالفة {فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُواْ فِى ٱلأرْضِ وَتُقَطّعُواْ أَرْحَامَكُمْ } هذا خطاب للذين في قلوبهم مرض بطريق الالتفات لمزيد التوبيخ والتقريع. قال الكلبي: أي: فهل عسيتم إن توليتم أمر الأمة أن تفسدوا في الأرض بالظلم. وقال كعب: {أَن تُفْسِدُواْ فِى ٱلاْرْضِ } أي: بقتل بعضكم بعضاً، وقال قتادة: إن توليتم عن طاعة كتاب الله عزّ وجلّ أن تفسدوا في الأرض بسفك الدماء، وتقطعوا أرحامكم. وقال ابن جريج: إن توليتم عن الطاعة، وقيل: أعرضتم عن القتال، وفارقتم أحكامه. قرأ الجمهور {توليتم} مبنياً للفاعل، وقرأ عليّ بن أبي طالب بضم التاء والواو وكسر اللام مبنياً للمفعول، وبها قرأ ابن أبي إسحاق، وورش عن يعقوب، ومعناها: فهل عسيتم إن ولي عليكم ولاة جائرين أن تخرجوا عليهم في الفتنة، وتحاربوهم وتقطعوا أرحامكم بالبغي، والظلم، والقتل. وقرأ الجمهور {وتقطعوا} بالتشديد على التكثير، وقرأ أبو عمرو في رواية عنه، وسلام، وعيسى، ويعقوب بالتخفيف من القطع، يقال: عسيت أن أفعل كذا، وعسيت بالفتح والكسر لغتان، ذكره الجوهري وغيره، وخبر {عسيتم} هو {أَن تُفْسِدُواْ }، والجملة الشرطية بينهما اعتراض. والإشارة بقوله: {أُوْلَـٰئِكَ } إلى المخاطبين بما تقدّم وهو مبتدأ، وخبره: {ٱلَّذِينَ لَعَنَهُمُ ٱللَّهُ } أي: أبعدهم من رحمته، وطردهم عنها {فَأَصَمَّهُمْ } عن استماع الحق {وَأَعْمَىٰ أَبْصَـٰرَهُمْ } عن مشاهدة ما يستدلون به على التوحيد والبعث، وحقية سائر ما دعاهم إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، والاستفهام في قوله: {أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْءانَ } للإنكار؛ والمعنى: أفلا يتفهمونه، فيعلمون بما اشتمل عليه من المواعظ الزاجرة، والحجج الظاهرة، والبراهين القاطعة التي تكفي من له فهم وعقل، وتزجره عن الكفر بالله، والإشراك به، والعمل بمعاصيه {أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا } أم هي المنقطعة، أي: بل أعلى قلوب أقفالها فهم لا يفهمون ولا يعقلون قال مقاتل: يعني الطبع على القلوب والأقفال استعارة لانغلاق القلب عن معرفة الحق، وإضافة الأقفال إلى القلوب؛ للتنبيه على أن المراد بها: ما هو للقلوب بمنزلة الأقفال للأبواب، ومعنى الآية: أنه لا يدخل في قلوبهم الإيمان، ولا يخرج منها الكفر والشرك، لأن الله سبحانه قد طبع عليها، والمراد بهذه القلوب: قلوب هؤلاء المخاطبين. قرأ الجمهور: {أقفالها} بالجمع، وقرىء (إقفالها) بكسر الهمزة على أنه مصدر كالإقبال. {إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱرْتَدُّواْ عَلَىٰ أَدْبَـٰرِهِمْ } أي: رجعوا كفاراً كما كانوا. قال قتادة: هم كفار أهل الكتاب كفروا بالنبيّ صلى الله عليه وسلم بعد ما عرفوا نعته عندهم، وبه قال ابن جرير. وقال الضحاك، والسديّ: هم المنافقون قعدوا عن القتال، وهذا أولى؛ لأن السياق في المنافقين: {مّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ ٱلْهُدَى } بما جاءهم به رسول الله صلى الله عليه وسلم من المعجزات الظاهرة، والدلائل الواضحة {ٱلشَّيْطَـٰنُ سَوَّلَ لَهُمْ } أي: زيّن لهم خطاياهم، وسهل لهم الوقوع فيها، وهذه الجملة خبر "إن"، ومعنى {وَأَمْلَىٰ لَهُمْ }: أن الشيطان مدّ لهم في الأمل، ووعدهم طول العمر، وقيل: إن الذي أملى لهم هو الله عزّ وجلّ على معنى: أنه لم يعاجلهم بالعقوبة. قرأ الجمهور {أملى} مبنياً للفاعل، وقرأ أبو عمرو، وابن أبي إسحاق، وعيسى بن عمر، وأبو جعفر، وشيبة على البناء للمفعول. قيل: وعلى هذه القراءة يكون الفاعل هو الله، أو الشيطان كالقراءة الأولى، وقد اختار القول بأن الفاعل الله الفرّاء، والمفضل، والأولى اختيار أنه الشيطان لتقدّم ذكره قريباً. والإشارة بقوله: {ذٰلِكَ } إلى ما تقدّم من ارتدادهم، وهو مبتدأ، وخبره {بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لِلَّذِينَ كَرِهُواْ مَا نَزَّلَ ٱللَّهُ } أي: بسبب أن هؤلاء المنافقين الذين ارتدّوا على أدبارهم قالوا للذين كرهوا: ما نزل الله، وهم المشركون {سَنُطِيعُكُمْ فِى بَعْضِ ٱلأمْرِ } وهذا البعض هو عداوة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومخالفة ما جاء به. وقيل: المعنى: إن المنافقين قالوا لليهود: سنطيعكم في بعض الأمر، وقيل: إن القائلين اليهود، والذين كرهوا ما أنزل الله من المنافقين، وقيل: إن الإشارة بقوله: {أية : ذٰلِكَ } إلى الإملاء، وقيل: إلى التسويل، والأوّل أولى. ويؤيد كون القائلين: المنافقين، والكارهين: اليهود قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ نَافَقُواْ يَقُولُونَ لإِخْوَانِهِمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلاَ نُطِيعُ فيكُمْ أَحَداً أَبَداً وَإِن قُوتِلْتُمْ لَنَنصُرَنَّكُمْ}تفسير : [الحشر: 11] ولما كان قولهم المذكور للذين كرهوا ما أنزل الله بطريقة السرّ بينهم. قال الله سبحانه: {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ } قرأ الجمهور بفتح الهمزة جمع سرّ، واختار هذه القراءة أبو عبيد، وأبو حاتم. وقرأ الكوفيون، وحمزة، والكسائي، وحفص عن عاصم، وابن وثاب، والأعمش بكسر الهمزة على المصدر، أي: إخفاءهم. {فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ ٱلْمَلَـٰئِكَةُ } الفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها، و{كيف} في محل رفع على أنها خبر مقدّم، والتقدير: فكيف علمه بأسرارهم إذا توفتهم الملائكة، أو في محل نصب بفعل محذوف، أي: فكيف يصنعون؟ أو خبر لكان مقدّرة، أي: فكيف يكونون. والظرف معمول للمقدّر، قرأ الجمهور {توفتهم} وقرأ الأعمش (توفاهم)، وجملة {يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَـٰرَهُمْ } في محل نصب على الحال من فاعل {توفتهم}، أو من مفعوله، أي: ضاربين وجوههم وضاربين أدبارهم، وفي الكلام تخويف وتشديد، والمعنى: أنه إذا تأخر عنهم العذاب، فسيكون حالهم هذا، وهو تصوير لتوفيهم على أقبح حال وأشنعه. وقيل: ذلك. عند القتال نصرة من الملائكة لرسول الله، وقيل: ذلك يوم القيامة، والأوّل أولى. والإشارة بقوله: {ذٰلِكَ } إلى التوفي المذكور على الصفة المذكورة، وهو مبتدأ وخبر: {بِأَنَّهُمُ ٱتَّبَعُواْ مَا أَسْخَطَ ٱللَّهَ}، أي: بسبب اتباعهم ما يسخط الله من الكفر والمعاصي، وقيل: كتمانهم ما في التوراة من نعت نبينا صلى الله عليه وسلم، والأوّل أولى لما في الصيغة من العموم {وَكَرِهُواْ رِضْوَانَهُ } أي: كرهوا ما يرضاه الله من الإيمان والتوحيد والطاعة {فَأَحْبَطَ } الله {أَعْمَـٰلَهُمْ } بهذا السبب، والمراد بأعمالهم: الأعمال التي صورتها صورة الطاعة، وإلاّ فلا عمل لكافر، أو ما كانوا قد عملوا من الخير قبل الردّة. {أَمْ حَسِبَ ٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ } يعني: المنافقين المذكورين سابقاً، و"أم" هي المنقطعة، أي: بل أحسب المنافقون {أَن لَّن يُخْرِجَ ٱللَّهُ أَضْغَـٰنَهُمْ } الإخراج بمعنى: الإظهار، والأضغان جمع ضغن، وهو: ما يضمر من المكروه، واختلف في معناه، فقيل: هو الغشّ، وقيل: الحسد وقيل: الحقد. قال الجوهري: الضغن والضغينة: الحقد، وقال قطرب: هو في الآية العداوة، و"أن" هي المخففة من الثقيلة، واسمها ضمير شأن مقدّر. {وَلَوْ نَشَاء لأرَيْنَـٰكَهُمْ } أي: لأعلمناكهم، وعرّفناكهم بأعيانهم معرفة تقوم مقام الرؤية، تقول العرب: سأريك ما أصنع، أي: سأعلمك {فَلَعَرَفْتَهُم بِسِيمَـٰهُمْ } أي: بعلامتهم الخاصة بهم التي يتميزون بها. قال الزجاج: المعنى: لو نشاء لجعلنا على المنافقين علامة، وهي السيما، فلعرفتهم بتلك العلامة، والفاء لترتيب المعرفة على الإرادة، وما بعدها معطوف على جواب "لو"، وكررت في المعطوف للتأكيد، وأما اللام في قوله: {وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِى لَحْنِ ٱلْقَوْلِ } فهي جواب قسم محذوف. قال المفسرون: لحن القول: فحواه ومقصده ومغزاه، وما يعرّضون به من تهجين أمرك وأمر المسلمين، وكان بعد هذا لا يتكلم منافق عنده إلاّ عرفه. قال أبو زيد: لحنت له اللحن: إذا قلت له قولاً يفقهه عنك، ويخفى على غيره، ومنه قول الشاعر:شعر : منطق صائب وتلحن أحيانا وخير الكلام ما كان لحنا تفسير : أي: أحسنه ما كان تعريضاً يفهمه المخاطب، ولا يفهمه غيره لفطنته وذكائه، وأصل اللحن: إمالة الكلام إلى نحو من الأنحاء لغرض من الأغراض {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَـٰلَكُمْ } لا تخفى عليه منها خافية فيجازيكم بها، وفيه وعيد شديد {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّىٰ نَعْلَمَ ٱلْمُجَـٰهِدِينَ مِنكُمْ وَٱلصَّـٰبِرِينَ } أي: لنعاملنكم معاملة المختبر، وذلك بأن نأمركم بالجهاد حتى نعلم من امتثل الأمر بالجهاد، وصبر على دينه، ومشاقّ ما كلف به. قرأ الجمهور الأفعال الثلاثة بالنون، وقرأ أبو بكر عن عاصم بالتحتية فيها كلها، ومعنى {وَنَبْلُوَ أَخْبَـٰرَكُمْ }: نظهرها ونكشفها امتحاناً لكم، ليظهر للناس من أطاع ما أمره الله به، ومن عصى، ومن لم يمتثل. وقرأ الجمهور {ونبلو} بنصب الواو عطفاً على قوله: {حَتَّىٰ نَعْلَمَ }. وروى ورش عن يعقوب إسكانها على القطع عما قبله. وقد أخرج البخاري، ومسلم، وغيرهما عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن الله تعالى خلق الخلق حتى إذا فرغ منهم قامت الرحم بحقو الرحمٰن، فقال: مه، قالت: هذا مقام العائذ بك من القطيعة؟ قال: نعم أترضي أن أصل من وصلك، وأقطع من قطعك؟ قالت: بلى. قال: فذلك لك»تفسير : ؛ ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«حديث : اقرءوا إن شئتم {فَهَلْ عَسَيْتُمْ } الآية إلى قوله: {أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا }»تفسير : . والأحاديث في صلة الرحم كثيرة جداً. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: {إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱرْتَدُّواْ عَلَىٰ أَدْبَـٰرِهِمْ } قال: هم أهل النفاق. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عنه في قوله: {أَمْ حَسِبَ ٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ أَن لَّن يُخْرِجَ ٱللَّهُ أَضْغَـٰنَهُمْ } قال: أعمالهم: خبثهم، والحسد الذي في قلوبهم، ثم دلّ الله تعالى النبي صلى الله عليه وسلم بعد على المنافقين، فكان يدعو باسم الرجل من أهل النفاق. وأخرج ابن مردويه، وابن عساكر عن أبي سعيد الخدري في قوله: {وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِى لَحْنِ ٱلْقَوْلِ } قال: ببغضهم عليّ بن أبي طالب.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {وَيَقُولُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَوْلاَ نُزَّلِتْ سُورَةٌ} كان المؤمنون إذا تأخر نزول القرآن اشتاقوا إليه وتمنوه ليعلموا أوامر الله وتعبده لهم. {فَإِذَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ} وفي قراءة ابن مسعود: فإذا أنزلت سورة محدثة {وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ}. في السورة المحكمة قولان: أحدهما: أنها التي يذكر فيها الحلال والحرام، قاله ابن زياد النقاش. الثاني: أنها التي يذكر فيها القتال: وهي أشد القرآن على المنافقين، قاله قتادة. ويحتمل: ثالثاً: أنها التي تضمنت نصوصاً لم يتعقبها ناسخ ولم يختلف فيها تأويل: {رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ} هم المنافقون، لأن قلوبهم كالمريضة بالشك. فإذا أنزلت السورة المحكمة سر بها المؤمنون وسارعوا إلى العمل بما فيها، واغتم المنافقون ونظروا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. {نَظَرَ الْمَغْشِّيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوتِ} غماً بها وفزعاً منها. {فَأَوْلَى لَهُمْ} فيه وجهان: أحدهما: أنه وعيد، كأنه قال: العقاب أولى لهم، قاله قتادة. الثاني: أولى لهم، {طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ} من أن يجزعوا من فرض الجهاد عليهم، قاله الحسن. وفيه وجه ثالث: أن قوله {طَاعَةٌ وَقُوْلٌ مَعْرُوفٌ} حكاية من الله عنهم قبل فرض الجهاد عليهم، ذكره ابن عيسى. والطاعة هي الطاعة لله ورسوله في الأوامر والنواهي. وفي القول المعروف وجهان: أحدهما: هو الصدق والقبول. الثاني: الإجابة بالسمع والطاعة. {فَإِذَا عَزَمَ الأمْرُ} أي جد الأمر في القتال. {فَلَوْ صَدَقُواْ اللَّه} بأعمالهم {لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ} من نفاقهم. قوله عز وجل: {فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُواْ فِي الأرْضِ} فيه أربعة أوجه: أحدها: فهل عسيتم إن توليتم أمور الأمة أن تفسدوا في الأرض بالظلم، قاله الكلبي. الثاني: فهل عسيتم إن توليتم الحكم فجعلتم حكاماً أن تفسدوا في الأرض بأخذ الرشا، قاله أبو العالية. الثالث: فهل عسيتم إن توليتم عن كتاب الله أن تفسدوا في الأرض بسفك الدماء الحرام. {وَتُقَطِّعُواْ أَرْحَامَكُمْ}، قاله قتادة. الرابع: فهل عسيتم إن توليتم عن الطاعة أن تفسدوا في الأرض بالمعاصي وقطع الأرحام، قاله ابن جريج. وفي هذه الآية ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه عنى بها المنافقين وهو الظاهر. الثاني: قريشاً، قاله أبو حيان. الثالث: أنها نزلت في الخوارج، قاله بكر بن عبد الله المزني.

ابن عطية

تفسير : هذا ابتداء وصف حال المؤمنين في جدهم في دين الله وحرصهم على ظهوره وحال المنافقين من الكسل والفشل والحرص على فساد دين الله وأهله، وذلك أن المؤمنين كان حرصهم يبعثهم على تمني الظهور وتمني قتال العدو وفضيحة المنافقين ونحو ذلك مما هو ظهور للإسلام، فكانوا يأنسون بالوحي ويستوحشون إذا أبطأ، والله تعالى قد جعل ذلك بآماد مضروبة وأوقات لا تتعدى، فمدح الله المؤمنين بحرصهم. وقولهم: {لولا نزلت سورة} معناه: تتضمن إظهارنا وأمرنا بمجاهدة العدو ونحوه. ثم أخبر تعالى عن حال المنافقين عند نزول أمر القتال. وقوله: {محكمة} معناه: لا يقع فيها نسخ، وبهذا الوجه خصص السورة بالأحكام، وأما الإحكام الذي هو بمعنى الإتقان، فالقرآن فيه كله سواء. وقال قتادة: كل سورة فيها القتال فهي محكمة، وهو أشد القرآن على المنافقين. قال القاضي أبو محمد: وهذا أمر استقرأه قتادة من القرآن، وليس من تفسير هذه الآية في شيء. وفي مصحف ابن مسعود: "سورة محدثة". والمرض الذي في القلوب: استعارة لفساد المعتقد وحقيقة الصحة والمرض في الأجسام، وتستعار للمعاني، ونظر الخائف الموله قريب من نظر {المغشي عليه}، وخسسهم هذا الوصف والتشبيه. وقوله تعالى: {فأولى لهم} الآية، "أولى": وزنه أفعل، من وليك الشيء يليك. وقالت فرقة وزنه: أفلع، وفيه قلب، لأنه مشتق من الويل، والمشهور من استعمال "أولى": أنك تقول: هذا أولى بك من هذا، أي أحق، وقد تستعمل "أولى" فقط على جهة الحذف والاختصار لما معها من القول، فتقول على جهة الزجر والتوعد: أولى لك يا فلان، وهذه الآية من هذا الباب، ومنه قوله تعالى: {أية : أولى لك فأولى} تفسير : [القيامة: 34-35]، ومنه قول أبي بكر الصديق رضي الله عنه للحسن: أولى لك. وقالت فرقة من المفسرين: "أولى" رفع بالابتداء. و: {طاعة} خبره. قال القاضي أبو محمد: فهذا هو المشهور من استعما ل "أولى". وقالت فرقة من المفسرين: {أولى لهم} ابتداء وخبر، معناه: الزجر والتوعد. ثم اختلفت هذه الفرقة في معنى قوله: {طاعة وقول معروف} فقال بعضها، التقدير: {طاعة وقول معروف} أمثل، وهذا هو تأويل مجاهد ومذهب الخليل وسيبويه، وحسن الابتداء بالنكرة لأنها مخصصة، ففيها بعض التعريف. وقال بعضها التقدير: الأمر {طاعة وقول معروف}، أي الأمر المرضي لله تعالى. وقال بعضها التقدير قولهم لك يا محمد على جهة الهزء والخديعة {طاعة وقول معروف} فإذا عزم الأمر كرهوه، ونحو هذا من التقدير قاله قتادة. وقال أيضاً ما معناه: إن تمام الكلام الذي معناه الزجر والتوعد بـ "أولى". وقوله {لهم} ابتداء كلام، فـ {طاعة} على هذا القول: ابتداء، وخبره: {لهم} والمعنى أن ذلك منهم على جهة الخديعة، فإذا عزم الأمر ناقضوا وتعاصوا. وقوله: {عزم الأمر} استعارة كما قال: شعر : قد جدت الحرب بكم فجدوا تفسير : ومن هذا الباب: نام ليلك ونحوه. وقوله: {صدقوا الله} يحتمل أن يكون من الصدق الذي هو ضد الكذب، ويحتمل أن يكون من قولك عود صدق، والمعنى متقارب. وقوله تعالى: {فهل عسيتم} مخاطبة لهؤلاء {الذين في قلوبهم مرض} أي قل لهم يا محمد. وقرأ نافع وأهل المدينة "عسِيتم" بكسر السين. وقرأ أبو عمرو والحسن وعاصم وأبو جعفر وشيبة: "عسَيتم" بفتح السين، والفتح أفصح، لأنه من عسى التي تصحبها "أن". والمعنى: فهل عسى أن تفعلوا {إن توليتم} غير {أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم}، وكأن الاستفهام الداخل على عسى غير معناها بعض التغيير كما يغير الاستفهام قولك: أو لو كان كذا وكذا. وقوله: {إن توليتم} معناه: إن أعرضتم عن الحق. وقال قتادة: كيف رأيتم القوم حين تولوا عن كتاب الله ألم يسفكوا الدم الحرام وقطعوا الأرحام وعصوا الرحمن. وقرأ جمهور القراء: "إن توليتم" والمعنى: إن أعرضتم عن الإسلام. وقال كعب الأحبار ومحمد بن كعب القرظي المعنى: إن توليتم أمور الناس من الولاية، وعلى هذا قيل إنها نزلت في بني هاشم وبني أمية، ذكره الثعلبي. وروى عبد الله بن مغفل عن النبي عليه السلام: "حديث : إن وُليتم"تفسير : بواو مضمومة ولام مكسورة. قرأ علي بن أبي طالب: "إن تُوُلِّيتم" بضم التاء والواو وكسر اللام المشددة على معنى: إن وليتكم ولاية الجور فملتم إلى دنياهم دون إمام العدل، أو على معنى: إن توليتم بالتعذيب والتنكيل وأفعال العرب في جاهليتها وسيرتها من الغارات والسباء، فإنما كانت ثمرتها الإفساد في الأرض وقطيعة الرحم، وقيل معناها: إن توليكم الناس ووكلكم الله إليهم. وقرأ جمهور الناس: "وتُقطِّعوا" بضم التاء وشد الطاء المكسورة. وقرأ أبو عمرو: "وتَقطَعوا" بفتح التاء والطاء المخففة، وهي قراءة سلام ويعقوب. وقوله تعالى: {أولئك الذين لعنهم الله} إشارة إلى مرضى القلوب المذكورين. و: {لعنهم} معناه: أبعدهم. وقوله: {فأصمهم وأعمى أبصارهم} استعارة لعدم سمعهم فكأنهم عمي وصم.

ابن عبد السلام

تفسير : {لَوْلا نُزِّلَتْ} كان المؤمنون إذا تأخر نزول القرآن اشتاقوا إليه وتمنوه {مُّحْكَمَةٌ} بذكر الحلال والحرام، أو بالقتال {مَّرَضٌ} شك لأن القلب به كالمريض {فَأَوْلَى لَهُمْ} وعيد كأنه قال العقاب أولى، أو أولى لهم. {طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَّعْرُوفٌ} من أن يجزعوا عن فرض الجهاد، أو طاعة وقول معروف حكاية من الله تعالى عنهم قبل فرض الجهاد {مَّعْرُوفٌ} الصدق والقبول، أو الإجابة بالسمع والطاعة {صَدَقُواْ اللَّهَ} بأعمالهم {لَكَانَ خَيْراً} من نفاقهم.

الخازن

تفسير : قوله تعالى: {ويقول الذين آمنوا لولا نزلت سورة} وذلك أن المؤمنين كانوا حراصاً على الجهاد في سبيل الله فقالوا: فهلا أنزلت سورة تأمرنا بالجهاد؟ لكي نجاهد {فإذا أنزلت سورة محكمة وذكر فيها القتال} قال مجاهد: كل سورة ذكر فيها الجهاد فهي محكمة وهي أشد القرآن على المنافقين {رأيت الذين في قلوبهم مرض} يعني نفاقاً وهم المنافقون {ينظرون إليك} يعني شزراً وكراهية منهم للجهاد وجبنا عن لقاء العدو {نظر المغشي عليه من الموت} يعني كما ينظر الشاخص بصره عند معاينة الموت {فأولى لهم} فيه وعيد وتهديد وهو معنى قولهم في التهديد وليك وقاربك ما تكره وتم الكلام عند هذا. ثم ابتدأ بقوله {طاعة وقول معروف} فعلى هذا هو مبتدأ محذوف الخبر تقديره طاعة وقول معروف أمثل لهم وأولى بهم. والمعنى: لو أطاعوا وقالوا قولاً معروفاً كان أمثل وأحسن. وقيل: هو متصل بما قبله واللام في لهم بمعنى الباء مجازة فأولى بهم طاعة الله وطاعة رسوله وقول معروف بالإجابة والمعنى لو أطاعوا وأجابوا لكانت الطاعة والإجابة أولى بهم وهذا معنى قول ابن عباس في رواية عطاء عنه {فإذا عزم الأمر} فيه حذف تقديره فإذا عزم صاحب الأمر وقيل: هو على أصله ومجازه كقولنا: جاء الأمر ودنا الوقت وهذا أمر متوقع. ومعنى الآية: فإذا عزم الأمر خالف المنافقون وكذبوا فيما وعدوا به {فلو صدقوا الله لكان خيراً لهم} يعني الصدق وقيل: معناه لو صدقوا الله في إظهار الإيمان والطاعة لكان ذلك خيراً لهم {فهل عسيتم} أي فلعلكم {إن توليتم} يعني أعرضتم عن سماع القرآن وفارقتم أحكامه {أن تفسدوا في الأرض} يعني تعودوا إلى ما كنتم عليه في الجاهلية من الفساد في الأرض بالمعصية والبغي وسفك الدم وترجعوا إلى الفرقة بعد ما جمعكم الله بالإسلام {وتقطعوا أرحامكم} قال قتادة كيف رأيتم القوم حين تولوا عن كتاب الله ألم يسفكوا الدم الحرام وقطعوا الأرحام وعصوا الرحمن؟ (ق) عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : إن الرحم شجنة من الرحمن فقال الله تعالى من وصلك وصلته ومن قطعك قطعته"تفسير : . وفي رواية قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : إن الله خلق الخلق حتى إذا فرغ منهم قامت الرحم فأخذت بحقو الرحمن فقال: مَهْ فقالت: هذا مقام العائذ بك من القطيعة قال: نعم أما ترضين أن أصل من وصلك وأقطع من قطعك قالت بلى قال فذلك لك ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم اقرؤوا إن شئتم: {فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها}" تفسير : الشجنة: القرابة المشتبكة كاشتباك العروق. والحقو. مشد الإزار من الإنسان وقد يطلق على الإزار، ولما جعل الرحم شجنة من الرحمن، استعار لها الاستمساك به والأخذ كما يستمسك القريب من قريبه والنسيب من نسيبه. ومعنى صلة الرحم: مبرة الأقارب والإحسان إليهم وقطع الرحم ضد صلتها والعائذ اللائذ المستجير قال القاضي عياض: الرحم التي توصل وتقطع وتبر إنما هي معنى من المعاني وليست بجسم وإنما هي قرابة ونسب يجمعه رحم والده فيتصل بعضه ببعض فسمي ذلك الاتصال رحماً. والمعاني لا يتأتى منها القيام ولا الكلام فيكون ذكر قيامها هنا وتعلقها ضرب مثل وحسن استعارة على عادة العرب في استعمال ذلك والمراد تعظيم شأنها وفضيلة واصلها وعظيم إثم قاطعها ولهذا سمي العقوق قطعاً كأنه قطع ذلك السبب المتصل قال: ويجوز أن يكون المراد قيام ملك من الملائكة تعلق بالعرش وتكلم على لسانها بهذا بأمر الله عز وجل هذا كلام القاضي عياض في معنى هذا الحديث والله أعلم وقيل في الآية في قوله {إن توليتم} هو من الولاية يعني {فهل عسيتم} إن توليتم أمر الناس أن تفسدوا في الأرض، يعني بالظلم، وتقطعوا أرحامكم، ومعنى الاستفهام في قوله: فهل عسيتم للتقرير المذكور والمعنى هل يتوقع منكم الإفساد. فإن قلت: عسى طمع وترج وتوقع وذلك على الله محال لأنه تعالى عالم بكل شيء فما معناه. قلت: قال بعضهم معناه: يفعل بكم فعل المترجي المبتلي. وقال بعضهم معناه كل من ينظر إليهم يتوقع منهم ذلك. وقال الزمخشري: معناه أنه لما عهد منكم إحقاء بأن يقول لكم كل من ذاقكم وعرف تمريضكم ورخاوة عقدكم في الإيمان يا هؤلاء ما ترون هل يتوقع منكم إن توليتم أمور الناس وتأمرتم عليهم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم تناحراً على الملك وتهالكاً على الدنيا.

البقاعي

تفسير : ولما كان دليل على إحاطة العلم، علم ما أبطنه الإنسان ولا سيما إن كان مخالفاً لما أظهره، قال دالاً على إحاطة علمه بإظهار أسرار المنافقين عاطفاً على {ومنهم من يستمع إليك}: {ويقول} على سبيل التجديد المستمر {الذين آمنوا} أي ادعوا ذلك بألسنتهم وفيهم الصادق والمنافق دالين على صدقهم في إيمانهم بالتحريض على طلب الخير بتجدد الوحي الذي هو الروح الحقيقي: {لولا نزلت} على سبيل التدريج، وبناه للمفعول دلالة على إظهار أنهم صاروا في صدقهم في الإيمان اعتقادهم أن التنزيل لا يكون إلا من الله بحيث لا يحتاجون إلى التصريح به {سورة} أي سورة كانت لنسر بسماعها ونتعبد بتلاوتها ونعمل بما فيها كائناً ما كان، ويستمر الوحي فينا متجدداً مع تجدد الزمان ليكون ذلك أنشط لنا وأدخل في تحريك عزائمنا {فإذا أنزلت سورة} أي قطعة من القرآن تكامل نزولها كلها تدريجاً أو جملة، وزادت على مطلوبهم بالحس بأنها {محكمة} أي مبينة لا يلبس شيء منها بنوع إجمال ولا ينسخ لكونه جامعاً للمحاسن في كل زمان ومكان {وذكر فيها القتال} بأيّ ذكر كان، والواقع أنه لا يكون إلا ذكراً مبيناً أنه لا يزداد إلا وجوباً وتأكداً حتى تضع الحرب أوزارها، قال البغوي: وكل سورة ذكر فيها الجهاد فهي محكمة وهي أشد القرآن على المنافقين. وهو مروي عن قتادة {رأيت} أي بالعين والقلب {الذين في قلوبهم مرض} أي ضعف في الدين أو نفاق من الذين أقروا بالإيمان وطلبوا تنزيل القرآن وكانوا قد أقسموا بالله جهد أيمانهم: لئن أمرتهم ليخرجن {ينظرون إليك} كراهة لما نزل عليك بعد أن حرضوا على طلبه {نظر المغشي عليه} ولما كان للغشي أسباب، بين أن هذا أشدها فقال تعالى: {من الموت} الذي هو نهاية الغشي فهو لا يطرف بعينه بل هو شاخص لا يطرف كراهة للقتال من الجبن والخور. ولما كان هذا أمراً منابذاً للإنسانية لأنه مباعد للدين والمروءة، سبب عنه أعلى التهديد فقال متوعداً لهم بصورة الدعاء بأن يليهم المكروه: {فأولى} أي أشد ميل وويل وانتكاس وعثار موضع لهم في الهلكة كائن {لهم *} أي خاص بهم، وفسرته بذلك لما تقدم في آخر الأنفال من أن مادة "ولى" تدور على الميل، فإذا كانت على صيغة أفعل التفضيل - وهو قول الأكثر - جاءت الشدة، قال الأصمعي: إنه فعل ماضٍ أي قاربهم ما يهلكهم وأولادهم الله الهلاك، وقال الرضي في باب المعرفة والنكرة: إنه علم للوعيد وفيه وزن الفعل فلذا منع من الصرف، وليس بأفعل تفضيل ولا أفعل فلاً ولا اسم فعل لأن أبا زيد حكى لحاق تاء التأنيث له فقالوا: أولاة الآن - كأرملة وهو من وله الشر أي قرنه حال، وقبوله للتاء لا يضر الوزن، لأن ذلك في علم آخر. ولما علم بما ذكر من التسبب أن هذا الدعاء عليهم لما تقدم من سوء أدبهم في مقالهم، وقبح ما ظهر من فعالهم، حصل التشوف إلى ما ينبغي لهم، فقال تعالى على طريق النشر المشوش: {طاعة} أي منهم {وقول معروف} أي بالتسليم والإذعان وحسن الانقياد خير لهم مما أظهروا من المحبة في الطاعة وما كشف حالهم عنه من الكراهة، ونكر الاسمين ليكونا صالحين للتعظيم وما دونه، ثم سبب عنهما قوله مسنداً إلى الأمر ما هو لأهله تأكيداً لمضمون الكلام: {فإذا عزم الأمر} أي فإذا أمر بالقتال الذي ذكر في أول السورة وغيره من الأوامر أمراً مجزوماً به معزوماً عليه {فلو صدقوا الله} أي الملك الأعظم المحيط قدرة وعلماً في قولهم الذي قالوه في طلب التنزيل {لكان} صدقهم له {خيراً لهم *} أي من تعللهم وتسللهم عنه لواذاً على تقدير التنزيل في تسليم أن في جماحهم عن الأمر وتقاعدهم عنه نوع خير، ويجوز أن يكون "خير" اسماً لا للتفضيل ليفهم أن كذبهم شر لهم. ولما كان هذا تبكيتاً لهم من أجل فتورهم عن أمر الله، سبب عن ذلك الفتور بيان ما يحصل منه من عظيم الفساد ويتأثر به من خراب البلاد وشتات العباد في معرض سؤال في أسلوب الخطاب بعد التبكيت والتهديد في أسلوب الغيبة تنبيهاً على تناهي الغضب وبلوغه الغاية فقال تعالى: {فهل عسيتم} أي فتسبب عن تسرعكم إلى السؤال في أن يأمركم الملك بما يرضيه، فإذا أجابكم فرحمكم بما يعلم أنه أصلح الأشياء لكم وهو الجهاد كرهتموه ووجهتم منه وقعدتم عنه أن يقال لكم لما يرى منكم من المخايل الدالة على ضعف الإيمان: هل يمكن عندكم نوع إمكان وتتوقعون شيئاً من توقع أن يكون حالكم جديراً وخليقاً لتغطية علم العواقب عنكم فتخافون من أنفسكم. ولما كان المقام لذم الإعراض عن الأمر، فصل بين "عسى" وخبرها بشرطية معبر فيها بالتولي بصيغة التفعل إشارة مع نهاية الذم إلى أن المعرض عن أمر الله معرض عما تدعوه الفطرة الأولى القويمة والعقل السديد إلى حسنه، فهو لا يعرض عنه إلا بمجاهدة منه لنفسه فقال تعالى: {إن توليتم} أي بأنفسكم عن الجهاد الذي أمركم به ربكم الذي عرفكم من فوائده ما لا مزيد عليه مما لا يتركه معه عاقل ولا يتخيل تركه إلا على سبيل الفرض - بما أشارت إليه أداة الشرط - أو حصلت توليتكم بتحصيل محصل أوجبها لكم وزينها في أعينكم حتى فعلتموها، وهذا المعنى الثاني هو المراد ببنائه للمجهول في رواية رويس عن يعقوب {أن تفسدوا} أي توقعوا الإفساد العظيم الذي يستمر تجديده منكم {في الأرض} بقتال يكرهه الله ويسخطه ويغضب أشد غضب على فاعله وتكونوا في غاية الجرأة عليه، فإن الذي رحمكم بإنزال ما أنزل حكم بأن من جبن عما يرضيه رغبة في الآخرة اجترأ على ما يسخطه حباً في الدنيا، وقد كنتم في الجاهلية على ذلك في الغارة من بعضكم على بعض ونحو ذلك {وتقطعوا} تقطعياً عظيماً شديداً كثيراً منتشراً كبيراً {أرحامكم *} فتكونوا بذلك أعزة على المؤمنين كما كنتم أذلة على الكافرين، وأقل ما في إعراضكم خذلانكم للمؤمنين المجاهدين بما قد يكون سبباً لظهور الكافرين عليهم فتكونوا بذلك قد جمعتم بين قطيعة أرحامهم وفقدكم لما كان يصل إليكم من منافعهم، فإن كففتم بعدهم عن قتلهم كنتم مع ما فاتكم من خيرهم أجبن الناس وأرضاهم بالعار، وإن تعاطيتم الأخذ بثأرهم كنتم كمن أخذ في فعل ما أمر به بعد فواته وأن له ذلك، وقد علم من هذا أن من أمر بالمعروف وجاهد أهل المنكر أمن الإفساد في الأرض وقطيعة الرحم، ومن تركه وقع فيهما، ويمكن أن يكون "توليتم" من ولاية الأمر، فتكون الآية مشيرة إلى ولاية الفجرة ومنذرة بذلك أن اصنع الأمر بالمعروف، وقد وقع ذلك وشوهد ما ابتنى عليه من الفساد والقطيعة، وعزائم الأنكاد وسوء الصنيعة.

السيوطي

تفسير : أخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه {ويقول الذين آمنوا لولا نزلت سورة فإذا أنزلت سورة محكمة} الآية، قال: كل سورة أنزل فيها الجهاد فهي محكمة، وهي أشد القرآن على المنافقين. وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله {ويقول الذين آمنوا} الآية قال: كان المؤمنون يشتاقون إلى كتاب الله تعالى وإلى بيان ما ينزل عليهم فيه فإذا أنزلت السورة يذكر فيها القتال رأيت يا محمد المنافقين {ينظرون إليك نظر المغشي عليه من الموت فأولى لهم} قال: وعيد من الله لهم. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة في قوله {فأولى لهم} قال: هذه وعيد ثم انقطع الكلام، فقال {طاعة وقول معروف} يقول: طاعة الله ورسوله وقول بالمعروف عند حقائق الأمور خير لهم. وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد رضي الله عنه {طاعة وقول معروف} قال: أمر الله عز وجل بذلك المنافقين فإذا عزم الأمر قال: جد الأمر. أخرج الحاكم عن عبد الله بن مغفل رضى الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ {فهل عسيتم إن توليتم} . وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه {فهل عسيتم إن توليتم} الآية قال: كيف رأيتم القوم حين تولوا عن كتاب الله ألم يسفكوا الدم الحرام وقطعوا الأرحام وعصوا الرحمن؟ وأخرج عبد بن حميد عن بكر بن عبد الله المزني في قوله {فهل عسيتم إن توليتم} الآية قال: ما أراها نزلت إلا في الحرورية. وأخرج ابن المنذر والحاكم وصححه عن بريدة رضي الله عنه قال: كنت جالساً عند عمر رضي الله عنه إذ سمع صائحاً فقال يا يرفا أنظر ما هذا الصوت فنظر ثم جاء فقال: جارية من قريش تباع أمها، فقال عمر رضي الله عنه: ادع لي المهاجرين والأنصار فلم يمكث إلا ساعة حتى امتلأت الدار والحجرة فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد فهل تعلمونه كان فيما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم القطيعة؟ قالوا: لا. قال: فإنها قد أصبحت فيكم فاشية. ثم قرأ {فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم} ثم قال: وأي قطيعة أقطع من أن تباع أم امرىء فيكم وقد أوسع الله لكم؟ قالوا: فأصنع ما بدا لك، فكتب في الآفاق أن لا تباع أمُّ حر فإنها قطيعة رحم وأنه لا يحل. وأخرج عبد بن حميد والبخاري ومسلم والنسائي والحكيم الترمذي وابن جرير وابن حبان والحاكم وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"حديث : إن الله خلق الخلق حتى إذا فرغ منهم قامت الرحم فأخذت بحقو الرحمن، فقال: مه، فقالت: هذا مقام العائذ بك من القطيعة؟ قال: نعم أما ترضي أن أصل من وصلك وأقطع من قطعك: قالت: بلى، قال: فذاك لك، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اقرأوا إن شئتم {فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها} ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري والبيهقي عن عائشة رضي الله عنها قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"حديث : إن الرحم معلقة بالعرش تقول من وصلني وصله الله ومن قطعني قطعه الله ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة والحاكم وصححه والبيهقي عن أبي هريرة رضي الله عنه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"حديث : إن للرحم لساناً يوم القيامة تحت العرش فتقول يا رب قطعت يا رب ظلمت يا رب أسيء إليّ فيجيبها ربها ألا ترضين أن أصل من وصلك وأقطع من قطعك؟ ". تفسير : وأخرج البيهقي عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله صلىالله عليه وسلم:"حديث : إن للرحمن لسناً ذلقاً يوم القيامة ربِّ صل من وصلني واقطع من قطعني ". تفسير : وأخرج عبد الرزاق والبيهقي عن طاوس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"حديث : إن للرحم شعبة من الرحمن تجيء يوم القيامة لها جلبة تحت العرش تكلم بلسان ذلق فمن أشارت إليه بوصل وصله الله، ومن أشارت إليه بقطع قطعه الله ". تفسير : وأخرج البيهقي عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"حديث : إن الرحمن معلقة بالعرش لها لسان ذلق تقول اللهم صِلْ من وصلني واقطع من قطعني ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وأبو داود والترمذي والحاكم وصححاه والبيهقي عن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:حديث : قال الله أنا الرحمن خلقت الرحم وشققت لها اسماً من اسمي، فمن وصلها وصلته، ومن قطعها قطعته ومن بتها بتته ". تفسير : وأخرج البيهقي عن عبد الله بن أبي أوفى قال:حديث : كنا جلوساً مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عشية عرفة في حلقة فقال: "إنا لا نحل لرجل أمسى قاطع رحم إلا قام عنا فلم يقم إذا فتى كان في أقصى الحلقة فأتى خالة له فقالت: ما جاء بك؟ فأخبرها بما قال النبي صلى الله عليه وسلم ثم رجع فجلس في مجلسه فقال له النبي صلى الله عليه وسلم ما لي لا أرى أحداً قام من الحلقة غيرك فأخبره بما قال لخالته وما قالت له فقال: اجلس فقد أحسنت ألا أنها لا تنزل الرحمة على قوم فيهم قاطع رحم" . تفسير : وأخرج أحمد والبيهقي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"حديث : إن أعمال بني آدم تعرض عشية كل خميس فلا يقبل عمل قاطع رحم ". تفسير : وأخرج الحاكم وصححه حديث : عن عمرو بن عبسة قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم أول ما بعث، وهو بمكة فقلت: ما أنت؟ قال: نبي . قلت: بم أرسلت؟ قال: "بأن تعبد الله وتكسر الأصنام وتصل الأرحام بالبر والصلة" . تفسير : وأخرج الحاكم وصححه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال:"حديث : قال الله أنا الرحمن وهي الرحم فمن وصلها وصلته ومن قطعها قطعته ". تفسير : وأخرج الحاكم وصححه عن سعيد بن زيد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"حديث : الرحم شجنة من الرحمن فمن وصلها وصله الله ومن قطعها قطعه الله ". تفسير : وأخرج البخاري ومسلم والبيهقي في الأسماء والصفات عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"حديث : الرحم شجنة من الله فمن وصلها وصله الله ومن قطعها قطعه ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وأبو داود والترمذي والحاكم وصححاه والبيهقي عن عبد الله بن عمرو يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال:حديث : الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا أهل الأرض يرحمكم أهل السماء، الرحم شجنة من الرحمن فمن وصلها وصله ومن قطعها قطعه ". تفسير : وأخرج الحاكم وصححه عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: انتهيت إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو في قبة من أدم حمراء في نحو من أربعين رجلاً فقال:"حديث : إنه مفتوح لكم وإنكم منصورون ومصيبون فمن أدرك منكم ذلك فليتق الله وليأمر بالمعروف ولينه عن المنكر وليصل رحمه، ومثل الذي يعين قومه على غير الحق كمثل البعير يتردى فهو يتردى بذنبه ". تفسير : وأخرج الحاكم وصححه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قلت يا رسول الله: أوصني قال:"حديث : أقم الصلاة وأدِ الزكاة وصم رمضان وحج البيت واعتمر وبر والديك وصل رحمك واقرِ الضيف وأمُرْ بالمعروف وانْهَ عن المنكر وَزُلْ مع الحق حيث زال ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة والحاكم وصححه عن عبد الله بن سلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"حديث : افشوا السلام وأطعموا الطعام وصلوا الأرحام وصلوا بالليل والناس نيام تدخلوا الجنة بسلام " تفسير : وأخرج أحمد والحاكم وصححه والبيهقي في الأسماء والصفات وابن نصر في الصلاة وابن حبان حديث : عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: "قلت يا رسول الله: إذا رأيتك طابت نفسي وقرت عيني فأنبئني عن كل شيء، قال: كل شيء خلق من ماء. قلت: انبئني عن أمر إذا عملت به دخلت الجنة: قال: إفْشِ السلام وأطعم الطعام وصل الأرحام وقم بالليل والناس نيام ثم أدخل الجنة بسلام ". تفسير : وأخرج الطبراني والحاكم وصححه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن الله ليعمر بالقوم ويكثر لهم الأموال وما نظر إليهم منذ خلقهم بغضاً لهم. قالوا: وكيف ذاك يا رسول الله؟ قال: بصلتهم أرحامهم ". تفسير : وأخرج الطيالسي والحاكم وصححه والبيهقي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"حديث : إعرفوا أنسابكم تصلوا أرحامكم فإنه لأقرب لرحم إذا قطعت وإن كانت قريبة، ولا بعد لها إذا وصلت وإن كانت بعيدة ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة والحاكم وصححه عن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : تجيء الرحم يوم القيامة كحجنة المغزل فتتكلم بلسان ذلق طلق فتصل من وصلها وتقطع من قطعها ". تفسير : وأخرج البزار والبيهقي في الأسماء والصفات عن ثوبان رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"حديث : ثلاث معلقات بالعرش: الرحم تقول: اللهم إني بك فلا أقطع، والأمانة تقول: اللهم إني بك فلا أخان، والنعمة تقول: اللهم إني بك فلا أكفر ". تفسير : وأخرج الحكيم الترمذي عن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"حديث : ثلاث تحت العرش: القرآن له ظهر وبطن يحاج العباد، والرحم تنادي صل من وصلني واقطع من قطعني، والأمانة ". تفسير : وأخرج الحكيم الترمذي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: الرحم معلقة بالعرش فإذا أتاها الواصل بشرت به وكلمته، وإذا أتاها القاطع احتجبت منه. وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وابن حبان والطبراني والبيهقي والحكيم الترمذي عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"حديث : الرحم شجنة معلقة بالعرش ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة والطبراني عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"حديث : الرحم شجنة آخذة بحجزة الرحمن تناشده حقها فيقول: ألا ترضين أن أصل من وصلك وأقطع من قطعك؟ من وصلك فقد وصلني، ومن قطعك فقد قطعني ". تفسير : وأخرج الطبراني والخرائطي في مساوىء الأخلاق عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"حديث : لا يدخل الجنة مدمن الخمر لا العاقّ ولا المنّان"تفسير : قال ابن عباس: شق ذلك على المؤمنين يصيبون ذنوباً حتى وجدت ذلك في كتاب الله في العاقّ {فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم} و{أية : لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى}تفسير : [البقرة: 264] وقال{أية : إنما الخمر والميسر}تفسير : [المائدة: 90]. قوله تعالى: {أولئك الذين لعنهم الله} الآية. أخرج أحمد في الزهد وعبد بن حميد وابن أبي حاتم عن سليمان موقوفاً والحسن بن سفيان والطبراني وابن عساكر عن سلمان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"حديث : إذا ظهر القول وخزن العمل وائتلفت الألسن واختلفت القلوب وقطع ذي رحم رحمه فعند ذلك {لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم} ". تفسير : وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب العلم عن الحسن رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"حديث : إذا الناس أظهروا العلم وضيعوا العمل وتحابوا بالألسن وتباغضوا بالقلوب وتقاطعوا في الأرحام لعنهم الله عند ذلك {فأصمهم وأعمى أبصارهم} ". تفسير : أما قوله تعالى: {أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها} . أخرج إسحق بن راهويه وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه عن عروة رضي الله عنه قال: تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم: {أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها} فقال شاب من أهل اليمن بل عليها أقفالها حتى يكون الله يفتحها أو يفرجها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: صدقت فما زال الشاب في نفس عمر رضي الله عنه حتى ولي فاستعان به. وأخرج الدارقطني في الافراد وابن مردويه عن سهل بن سعد رضي الله عنه قال: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها} فقال شاب عند النبي صلى الله عليه وسلم: بل والله عليها أقفالها حتى يكون الله هو الذي يفكها. فلما ولي عمر وسأل عن ذلك الشاب ليستعمله، فقيل: قد مات. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة {أفلا يتدبرون القرآن} قال: إذاً والله في القرآن زاجر عن معصية الله قال: لم يتدبره القوم ويعقلوه ولكنهم أخذوا بمتشابهه فهلكوا عند ذلك. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن خالد بن معدان رضي الله عنه قال: ما من عبد إلا له أربع أعين عينان في وجهه يبصر بهما دنياه وما يصلحه من معيشته، وعينان في قلبه يبصر بهما دينه وما وعد الله بالغيب فإذا أراد الله بعبد خيراً فتح عينيه اللذين في قلبه فأبصر بهما ما وعد بالغيب، وإذا أراد الله بعبد سوءاً ترك القلب على ما فيه وقرأ {أم على قلوب أقفالها} وما من عبد إلا وله شيطان متبطن فقار ظهره لاوٍ عنقه على عنقه فاغر فاه على قلبه. وأخرج الديلمي في مسند الفردوس عن خالد بن معدان عن معاذ بن جبل رضي الله عنه مرفوعاً إلى قوله: وقرأ {أم على قلوب أقفالها} . وأخرج الديلمي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"حديث : يأتي على الناس زمان يخلق القرآن في قلوبهم يتهافتون تهافتاً، قيل يا رسول الله: وما تهافتهم؟قال: يقرأ أحدهم فلا يجد حلاوة ولا لذة يبدأ أحدهم بالسورة وإنما معه آخرها فإن عملوا قالوا ربنا اغفر لنا، وإن تركوا الفرائض قالوا: لا بعذبنا الله ونحن لا نشرك به شيئاً أمرهم رجاء ولا خوف فيهم {أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها} ".

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لَوْلاَ نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ مُّحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا ٱلْقِتَالُ رَأَيْتَ ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ ٱلْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ ٱلْمَوْتِ...}. كان المسلمون تضيق قلوبهم بتباطؤ الوحي، وكانوا يتمنون أن ينزل الوحيُ بسرعةٍ فقال تعالى: {لَوْلاَ نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ مُّحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا ٱلْقِتَالُ} رأيتَ المنافقين يكرهون ذلك لِمَا كان يشق عليهم من القتال، فكانوا يفتضحون عندئذٍ، وكانوا ينظرون إلى النبي صلى الله عليه وسلم - بغاية الكراهة. {... فَأَوْلَى لَهُمْ}. تهديد. قوله جلّ ذكره: {طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَّعْرُوفٌ}. وهو قولهم: {لَوْلاَ نُزِّلَتْ سُورَةٌ...}. ويقال: فأولى لهم طاعةٌ منهم لله ولرسوله. {وَقَوْلٌ مَّعْرُوفٌ} بالإجابة لما أُمِرُوا به عن الجهاد. ويقال: طاعةٌ وقولٌ معروفٌ أَمثَلُ بهم. قوله جلّ ذكره: {فَإِذَا عَزَمَ ٱلأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُواْ ٱللَّهَ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ}. إذا عزم الأمرُ - أي جَدَّ وفُرِضَ القتالُ - فالصدقُ والإجابةُ خيرٌ لهم من كذبهم ونفاقِهم وتقاعدِهم من الجهاد.

اسماعيل حقي

تفسير : {ويقول الذين آمنوا} اشتياقا منهم الى الوحى وحرصا على الجهاد لان فيه احدى الحسنيين اما الجنة والشهادة واما الظفر والغنيمة {لولا نزلت سورة} اى هلا نزلت نؤمر فيها بالجهاد وبالفارسية جرا فر وفرستاده نمى شود سوره درباب قتال باكفار {فاذا انزلت سورة محكمة وذكر فيها القتال} بطريق الامر به اى سورة مبينة لا تشابه ولا احتمال فيها بوجه آخر سوى وجوب القتال عن قتادة كل سورة فيها ذكر القتال فهى محكمة لم تنسخ {رأيت الذين فى قلوبهم مرض} اى ضعف فى الدنيا او نفاق وهو الاظهر فيكون المراد الايمان الظاهرى الزعمى والكلام من اقامة المظهر مقام المضمر {ينظرون اليك نظر المغشى عليه من الموت} اى تشخص ابصارهم جبنا وهلعا كدأب من اصابته غشية الموت اى حيرته وسكرته اذا نزل به وعاين الملائكة والغشى تعطل القوى المتحركة والحساسة لضعف القلب واجتماع الروح اليه بسبب يحققه فى داخل فلا يجد منقذا ومن اسباب ذلك امتلاء خانق او مؤذ بارد أو جوع شديد أو وجع شديد أو آفة فى عضو مشارك كالقلب والمعدة كذا فى المغرب وفى الآية اشارة الى ان من امارات الايمان تمنى الجهاد والموت شوقا الى لقاء الله ومن امارات الكفر والنفاق كراهة الجهاد كراهية الموت {فأولى لهم} اى فويل لهم وبالفارسية بس واى برايشان باد ودوزخ مريشا نراست وهو افعل من الولى وهو القرب فمعناه الدعاء عليهم بان يليهم المكروه وقيل فعلى من آل فمعناه الدعاء عليهم بأن يؤول الى المكروه امرهم. قال الراغب اولى كلمة تهدد وتخوف يخاطب به من اشرف على الهلاك فيحث به على عدم التعرض او يخاطب به من نجا منه فينهى عن مثله ثانيا واكثر ما يستعمل مكررا وكأنه حث على تأمل ما يؤول اليه امره ليتنبه المتحر زمنه

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {ويقول الذين آمنوا لولا نُزَّلت سورةٌ} فيها ذِكر الجهاد، وذلك أنَّ المؤمنين كان حرصُهم على الجهاد يبعثهم على تمني ظهور الإسلام، وتمني قتال العدو، فكانوا يأنسوا بالوحي، ويستوحشون إذا أبطأ، وكان المنافقون على العكس من ذلك، {فإِذا أُنزلت سورةٌ} في معنى الجهاد {محكمةٌ} أي: مبيّنة غير متشابهة، لا تحتمل وجهاً إلا وجوب الجهاد. وعن قتادة: كل سورة فيها ذِكْر القتال فهي محكمة؛ لأن النسخ لا يَردُّ عليها؛ لأن القتال نسَخَ ما كان قبلُ من الصلح والمهادنة، وهو غير منسوخ إلى يوم القيامة. هـ. {وذُكِر فيها القتالُ} أي: أُمر فيها بالجهاد {رأيتَ الذين في قلوبهم مرض} نفاق، أي: رأيت المنافقين فيما بينهم يضجرون منها، {ينظرون إِليك نظرَ المغشيِّ عليه من الموت} أي: تشخص أبصارُهم جُبناً وجَزعاً؛ كما ينظر مَن أصابته الغشيةُ عند الموت. قال القشيري: كان المسلمون تضيق صدورُهم لتأخر الوحي، وكانوا يتمنون أن ينزل الوحيُ بسرعةٍ، والمنافقون إذا ذُكر القتال يكرهون ذلك؛ لما كان يشُق عليهم القتال، فكانوا بذلك يفتضحون وينظرون إليه نظر المغشيِّ عليه من الموت؛ أي: بغاية الكراهة لذلك، {فأَوْلَى لهم} تهديد، أي: الوعيد لهم هـ. وقيل: المعنى: فويل لهم، وهو أفعل، من: الوَلْي، وهو القرب، والمعنى: الدعاءُ عليهم بأن يليَهم المكروه، ويقربَ من ساحتِهم، وقيل: أصله: أَوْيَل، فقُلب، فوزنه: أفلَع، قال الثعلبي: يقال لمَن همّ بالعطَب ثم أفلت: أولى لك، أي: قاربت العطَب. وقوله تعالى: {طاعةٌ وقولٌ معروف} استئناف، أي: طاعة لله وللرسول، وقولٌ معروف حسن خيرٌ لهم، أو: يكون حكايةَ قولِ المنافقين، أي: قالوا: أَمْرُنا طاعة وقول معروفٌ، قالوه نفاقاً، فيكون خبراً عن مضمر، وقيل: "أَوْلَى": مبتدأ، و"طاعة": خبره، وهذا أحسن، وهو المشهور من استعمال "أَوْلى" بمعنى: أحق وأصوب، أي: فالطاعة والقول المعروف أَوْلى لهم وأصوب. {فإِذا عَزَمَ الأمرُ} أي: فإذا جدّ الأمر ولزمهم القتال {فَلَوْ صَدَقوا اللّهَ} في الإيمان والطاعة {لكان} الصدق {خيراً لهم} من كراهة الجهاد، وقيل: جواب "إذا" وهو العامل فيها - محذوف، أي: فإذا عزم الأمرُ خالفوا أو تخلّفوا، أو نافقوا، أو كرهوا. {فهل عسيتم إِن توليتم أن تُفسداو في الأرض وتقطِّعوا أرحامكم} أي: فلعلكم إن أعرضتم عن دين الله وسنّة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ترجعوا إلى ما كنتم عليه في الجاهلية من الإفساد في الأرض، بالتغاور والتناهب، وقطع الأرحام، بمقاتلة بعض الأقارب بعضاً، أو: فهل عسيتم إن توليتم أمور الناس وتأمّرتم عليهم أن تُفسدوا في الأرض، تَفاخراً على الملك، وتهالكاً على الدنيا، فإن أحوالكم شاهدة بذلك من خراب الدين، والحرص على الدنيا. قال في الحاشية الفاسية: والأشهر أنه من الولاية، أي: إن وُليتم الحكم، وقد جاء حديث أنهم قريش؛ أخذ الله عليهم إن وُلوا أمر الناس ألا يُفسدوا، ولا يَقطعوا الأرحام، قاله ابن حجر. هـ. وخبر "عسى": "أن تُفسدوا" والشرط اعتراض بين الاسم والخبر، والتقدير: فهل عسيتم أن تُفسدوا في الأرض إن توليتم. تقول: عسى يا فلان إن فعلت كذا أن يكون كذا، فهل عسيتَ أنت ذلك، أي: فهل توقعت ذلك؟ {أولئك} المذكورون، فالإشارة إلى المخاطبين، إيذاناً بأن ذكر مساوئهم أوجبَ إسقاطَهم عن رتبة الخطاب، وحكاية أحوالهم الفظيعة لغيرهم، وهو مبتدأ، وخبره: {الذين لعنهم اللّهُ} أبعدهم عن رحمته، {فأصَمَّهم} عن استماع الحق والموعظة لتصاممهم عنه بسوء اختيارهم، {وأعمى أبصارهم} لتعاميهم عما يُشاهدونه من الآيات المنصوبة في الأنفُس والآفاق. {أفلا يتدبرون القرآن} فيعرفون ما فيه من المواعظ والزواجر، حتى لا يقعوا فيما وقعوا فيه من الموبقات، {أم على قلوبٍ أقفالها} فلا يصل إليها وعظ أصلاً، و"أم" منقطعة، وما فيها من معنى "بل" للانتقال من التوبيخ على عدم التدبُّر إلى الوبيخ بكون قلوبهم مُقفلة، لا تقبل التدبُّر والتفكُّر، والهمزة للتقرير. وتنكير "قلوب"، إما لتهويل حالها، وتفظيع شأنها، بإبهام أمرها في الفساد والجهالة، كأنه قيل: قلوب منكرة لا يُعرف حالها، ولا يُقادر قدرُها في القسوة، إما لأنّ المراد بها قلوبُ بعض منهم، وهم المنافقون، وإضافة الأقفال إليها للدلالة على أنها مخصوصة بها، مناسبة لها، غير مجانسة لسائر الأفعال المعهودة. قال القشيري: إذا تدبروا القرآنَ أفضى بهم إلى حس العرفان، وأزاحهم عن ظلمة التحيرُّ {أم على قلوب أقفالها} أقفَل الحقُّ على قلوب الكفار، فلا يدخلها زواجر التنبيه، ولا تنبسط عليها شعاعُ العلم، ولا يحصل فيهم الخطابُ، والبابُ إذا كان مُقفلاً، فكما لا يدخل فيه شيء لا يخرج ما فيه، كذلك هي قلوب الكفار مقفلة؛ فلا الكفر الذي فيها يخرج، ولا الإيمان الذي يدعَوْن إليه يدخل في قلوبهم. هـ. وقال ابن عطية: هو الران الذي منعهم من الإيمان، ثم ذكر حكاية الشاب، وذلك أن وفْد اليمن قدم على النبي صلى الله عليه وسلم وفيهم شاب، فقرأ عليهم النبيُّ صلى الله عليه وسلم هذه الآية، فقال الشابُّ: عليها أقفالها حتى يفتحها الله ويُفْرجَها، قال عمر: فعَظُم في عيني، فما زالت في نفس عمر رضي الله عنه حتى وُلّي الخلافة، فاستعان بذلك الفتى. هـ. وفي الحديث:"حديث : إذا أراد الله بعبد خيراً فتح له قُفل قلبه، وجعل فيه اليقين ". تفسير : الإشارة: أهل التوجُّه والرياضة يفرحون بما ينزل بهم، مما يثقل على نفوسهم، كالفاقات والأزمات، وتسليط الخلق عليهم، وغير ذلك من النوائب؛ لتموت نفوسهم؛ فتحيا قلوبهم وأرواحهم بمعرفة الله، والذين في قلوبهم مرض كالوساوس والخواطر يفرُّون من ذلك، وينظرون - حين يرون أمارات ذلك - نظر المغشي عليه من الموت، فالأَوْلى لهم الخضوع تحت مجاري الأقدار، والرضا والتسليم لأحكام الواحد القهار، فإذا عزم الأمرُ بالتوجه إلى جهاد النفس، أو بالسفر إلى مَن يُداويها، فلو صدقوا في الطلب، وتوجّهوا للطبيب، لكان خيراً لهم. فهل عسيتم إن توليتم وأعرضتم عن ذلك، ولم تُسافروا إلى الطبيب، أن تُفسدوا في الأرض بالمعاصي والغفلة، وتُقطعوا أرحامكم، إذا لا يصل رحِمَه حقيقةً إلا مَن صفا قلبه، ودخله الخوف والهيبة، أولئك الذي أبعدهم اللّهُ عن حضرتِه، فأصمَّهم عن سماع الداعي إلى الله، وأعمى أبصارهم عن رؤية خصوصيته، وأنوار معرفته، أفلا يتدبرون القرآن، فإنَّ فيه علومَ الظاهر والباطن، لكن إذا زالت عن القلوب الأقفال، وحاصلها أربعة: حب الدنيا، وحب الرئاسة، والانهماك في الحظوظ والشهوات، وكثرة العلائق والشواغل، فإن سَلِمَ من هذه صفا قلبُه، وتجلّت فيه أسرارُ معاني الذات والصفات، فيتدبّر القرآن، ويغوص في بحر أسراره، ويستخرج يواقيتَه ودرره. وبالله التوفيق. ثم ذكر مَن رجع بعد التوجُّه، فقال: {إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱرْتَدُّواْ عَلَىٰ أَدْبَارِهِمْ}.

الجنابذي

تفسير : {وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لَوْلاَ نُزِّلَتْ سُورَةٌ} فى امر الجهاد او مطلقة والمراد بالمؤمنين مطلق المسلمين او المنافقون منهم او المؤمنون بالبيعة الخاصّة الولويّة {فَإِذَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ مُّحْكَمَةٌ} مبيّنة المعنى والمقصود، او غير ما يتطرّق فيه النّسخ، او عزيمة احكامها لا رخْصٌ {وَذُكِرَ فِيهَا ٱلْقِتَالُ} يعنى ذكر فيها الحكم بالقتال على سبيل العزيمة {رَأَيْتَ ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ} الّذين هم بعض السّائلين او رأيت السّائلين لكنّه وضع الظّاهر موضع المضمر لذمّهم وبيان علّة الحكم، او رأيت الّذين فى قلوبهم مرضٌ وهم غير السّائلين {يَنظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ ٱلْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ ٱلْمَوْتِ} لشدّة خوفهم ودهشتهم {فَأَوْلَىٰ لَهُمْ} كلمة تهديدٍ وزجرٍ كأنّه نقل من اصله وصار من قبيل اسماء الاصوات، او من قبيل الامثال لا يغيّر وكان فى الاصل فعلاً من الولى بمعنى القرب، او من آل بمعنى رجع مقلوباً او وصفاً منهما، او من الويل، او بمعنى احرى، وسيجيء تفصيله فى سورة القيامة وعلى هذا فهو خبر وقوله تعالى {طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَّعْرُوفٌ}.

الأعقم

تفسير : {ويقول الذين آمنوا} حرصاً على الجهاد {لولا نزّلت سورة} بالجهاد {محكمة} بالأمر والنهي قال قتادة: كل سورة ذكر فيها الجهاد فهي ملحمة محكمة وهي أشد القرآن على المنافقين {وذكر فيها القتال} أي أمروا به {رأيت} يا محمد {الذين في قلوبهم مرضٌ} أي شك وكفر يعني المنافقين {ينظرون إليك} من الخوف والجبن {نظر المغشي عليه} وهو نظر شزر بتحديق شديد مخافة القتال كنظر المغشي عليه {من الموت} كما ينظر من أصابته الغشية عند الموت {فأولى لهم} وعيد، يعني فويل لهم، ومعناه الدعاء عليهم بأن يليهم المكروه {طاعة وقول معروف} كلام مستأنف أي طاعة وقول خير لكم، وقيل: هي حكاية قولهم أي قالوا: طاعة وقول معروف، وقيل: طاعة وقول معروف أمثل لهم وأولى بالحق {فإذا عزم الأمر} أي جدّ العزم والعزم الجدّ لأصحاب الأمر {فلو صدقوا الله لكان خيراً لهم} فيما زعموا من الحرص على الجهاد، أو فلو صدقوا في إيمانهم وأطاعت قلوبهم فيه ألسنتهم لكان خيراً لهم {فهل عسيتم إن توليتم} الآية نزلت في بني أميَّة وبني هاشم وهو ترك القبول، يعني أمرتم بالطاعة فأعرضتم عنها، وقيل: هو من الولاية، والمعنى هل تقدرون إذا أمرتم بالطاعة وأعرضتم {أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم} يعني هل تقدرون أنكم تتمكنون في الأرض فتفسدوا بالقتل والأسر وتقطعوا أرحامكم لمحاربة أقاربكم من المسلمين فآيسهم الله تعالى مما قدروا، وقيل: معناه لعلكم إن أعرضتم عن القرآن أن تفسدوا في الأرض وتعودوا إلى ما كنتم عليه في الجاهلية وفي قراءة علي بن أبي طالب (عليه السلام) {توليتم} أي تولاكم ولاة غشمة خرجتم معهم ومشيتم تحت لوائهم وفسدتم بإفسادهم، وقرئ وتقطعوا من التقطيع والتقطع {أولئك} إشارة إلى المذكورين {لعنهم الله} لإِفسادهم تقطعهم أرحامهم {فأصمّهم وأعمى أبصارهم} أي لا يعون ما يسمعون، ولا ينظرون ما به يعتبرون فهم بمنزلة الأصم والأعمى {أفلا يتدبرون القرآن} ويتفكرون فيه في أوامره ونواهيه {أم على قلوب أقفالها} وأم بمعنى بل، يعني أن قلوبهم مقفلة لا يوصل إليها ذكر {إن الذين ارتدوا على أدبارهم من بعدما تبيّن لهم الهدى} أي تركوا الإِسلام بعدما تبين لهم طريق الحق، قيل: أهل الكتاب، وقيل: هم المنافقون والله أعلم {الشيطان سول لهم وأملى لهم}، قيل: زين لهم أفعالهم ما وافق هواهم، وقوله: أملى لهم، قيل: أوهمهم طول العمر مع الأمن من المكاره، وأبعد لهم في الأمل والأمنية.

اطفيش

تفسير : {وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُواْ لَوْلاَ} للتحضيض* {نُزِّلَتْ سُورَةٌ} في أمر الجهاد وهذا مدح لهم بحرصهم على الجهاد* {فَإِذَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ} في الجهاد وقرئ (نزلت) بالبناء للفاعل* {مُّحْكَمَةٌ} لا نسخ فيها لان القتال نسخ الصفح والمهادنة وهو غير منسوخ الى يوم القيامة وقيل معناه غير متشابهة لا تحتمل وجهاً الا وجوب القتال. قال قتادة ومجاهد كل سورة فيها ذكر القتال فهي محكمة وهي أشد القرآن على المنافقين وقيل معناه محدثة لانها حين تحدث لا يتناولها النسخ ثم تنسخ بعد أو تبق ويدل له قراءة ابن مسعود (محدثة). {وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ} وقرئ بالبناء للفاعل ونصب القتال* {أرَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ} ضعف في الدين* {يَنظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ} تشخص أبصارهم جبناً وهلعاً كما ينظر من أصابته الغشية عند الموت خافوا لقاء العدو أي نظراً مثل نظر المغشي عليه وعليه نائب المغشي من التعليل ويصح كون النائب من الموت وكون (من) للابتداء والمغشي اسم مفعول من غشي الثلاثي أصله (المغشوي) كمضروب أجمعت الواو والياء وسبقت احداهما بسكون الاخرى فقلبت الواو ياء وأدغمت وقلبت الضمة قبلها كسرة للياء وذلك ذم على خوف القتال وذلك ان المؤمنين كان حرصهم على الدين يبعثهم على تمنى ظهور الاسلام وتمنى قتل العدو فكانوا يأنسون بالوحى ويستوحشون اذا أبطا وضعفاء الايمان على العكس وقيل (المرض) النفاق وقيل {الَّذِينَ آمَنُواْ} هم الذين في قلوبهم مرض آمنوا بألسنتهم فوضع الظاهر موضع الضمير ذماً لهم باسم المرض* {فَأَوْلَى لَهُمْ} وعيد بمعنى فويل لهم وهو أفعل لكن فيه قلباً من الولاء (وليهم المكروه) وهو القرب دعى عليهم أن يليهم مكروه أو من الدعاء عليهم أن يؤول أمرهم الى ما يكرهون وقيل مأخوذ من الويل قلب (ولي) منه بأفعل وليس دعاء حقيقاً لان فاعل الاشياء الله الا ان أريد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالدعاء عليهم وهو مفعول مطلق واللام للتبيين والعامل محذوف وجوباً والاكبر انه أفعل من (الولا)

اطفيش

تفسير : {ويقُول الذين آمنُوا} فى اخلاص وصدق، ورغبة فى ثواب الجهاد {لولا نُزِّلتْ} صورة تحضيض على الانزال {سُورةٌ} يؤمر فيها بالجهاد، ولا حاجة الى جعل لو شرطا ولا زائدا، وتقدير جواب أى لظلمنا ولا دليل على ذلك، واذا كان الداعى اليه أن الله عز وجل لا يناله تحضيض، فقد علمت أن ذلك لفظه لا حقيقته، وانما المراد الطلب برغبة شديدة {فإذا أنْزلَت سُورةٌ مُحْكمةٌ} الاشكال فى معناها أو لا تنسخ، ولا قتال فى القرآن منسوخ، وقيل: محكمة بالحلال والحرام {وذُكِر فيها القتال} على طريق الايجاب {رأيت الَّذين في قُلوبِهِم} هم غير الذي آمنوا المذكورين، وانما هم المنافقون {مَرضٌ} اعتاد شرك شبيه بالمرض، وهم المنافقون باضمار الشرك، فالمؤمنون يحبون الجهاد، والمنافقون يكرهونه، وهو أشد القرآن عليهم. ويجوز أن يراد بالذين آمنوا الذين آمنوا فى الظاهر، وأشركوا فى الباطن، وهم المنافقون الذين فى قلوبهم مرض، فمقتضى الظاهر رأيتهم بالاضمار، ولكن أظهر ليصفهم بمرض القلب، وقيل الذين آمنوا فى اخلاص وصدق، والذين فى قلوبهم مرض من ضعف ايمانهم فيجوز أن نراد به الذين آمنوا فأظهر لما مر، ولو أريد بالذين آمنوا المخلصون وأنهم الموصوفون بالمرض حادثا فيهم، كما قيل: لقيل رأيتهم، وقد مرضت قلوبهم ينظرون الخ. {ينْظُرون إليك نَظر المغْشيِّ عليْه من المَوت} عليه نائب فاعل اسم المفعول، وهو المغشى، أصله مغشوى، مثل مضروب، قلبت الواو ياء وأدغمت فى الياء، والضمة كسرة، ومن للتعليل، والغشاوة ما يغشى العقل من ضعف الحادث، والمراد نظر الذى حضره الموت، لا ينقل بصره الى موضع آخر، وذلك لجبنهم أو شدة عداوتهم له صلى الله عليه وسلم، أو الخوف ان يظهر نفاقه للناس ان لم يحضروا القتال {فأولى لَهم * طاعةٌ وقَولٌ مَعروفٌ} أولى اسم تفضيل بمعنى أحسن، ولهم متعلق به، وخبره طاعة، أو طاعة مبتدأ أو لو نكرة لعطف النكرة الموصوفة عليه، وأولى خبر، أى أولى من النظر اليك طاعة الخ، أو المعنى العقاب أحق بهم فحذف المبتدأ، ويجوز أن يكون من باب قوله تعالى: "أية : أولى لك فأولى" تفسير : [القيامة: 35] الخ من الولى باسكان اللام، بمعنى القرب، وهو اسم تفضيل يستعمل فى معنى قرب الهلاك، فيكون صفة لمصدر محذوف، أقيمت مقامه، ولهم متعلق به يقال: أولى له قاربه ما يهلكه. وقيل: هو فعل من هذا المعنى، وفيه ضمير الهلاك، وقيل ضمير الله، واللام صلة فى المفعول به، أى أولاهم الله العذاب، أو ما يكرهون، أو غير صلة أى أدنى الله الهلاك لهم، وقيل اسم فعل بمعنى وليهم شر بعد شر، واللام للتقوية، وقيل: وزنه فعلى من آل بمعنى رجع على صورة الدعاء برجوع أمرهم الى الهلاك، ولهم خبره، وقال الرضى: علم للشر، ولهم خبره على أنه صفة مشبهة، كأرمل وأرملة، كما سمع أولاة بزيادة تاء التأنيث، وطاعة خبر لمحذوف، أى أمرنا طاعة أو مبتدأ لمحذوف، أى طاعة وقول معروف خير لهم، أى الصواب أن يقولوا ذلك. والقول المعروف ما وافق الشرع، وقيل معروف أنه خداع منهم، أى قول حق إلا أنهم قالوه، خداعا وقرىء: يقولون: طاعة وقول معروف، وهذه القراءة تدل على أنه من كلامهم الذى قالوه قبل الأمر بالجهاد. {فإذا عَزم الأمر} اشتد الأمر وهو واحد الأمور، والمراد أمر للقتال، أو ضد النهى، والاسناد مجاز عقلى، فان العازم الانسان لا الأمر، كقوله: شعر : قد جدت الحرب بكم فجدوا تفسير : {فلو صَدقوا الله لكانَ خيراً لهُم} المجموع جواب اذا، وقيل جوابها محذوف، أى كرهوا، وقيل فاصدق يا محمد، أو من يصلح للصدق، والمعنى لو عاملوا الله بالصدق فى دعوى الايمان، ودعوى الحرض فى الجهاد، وقولهم: طاعة وقول معروف لكان الصدق خيرا لهم، أى نفعا لهم، بخلاف ما هم عليه، فانه مضرة عليهم، أو كان الصدق أفضل لهم مما يدعون فيه خلاصا وهو فساد.

الالوسي

تفسير : {وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ } حرصاً على الجهاد لما فيه من الثواب الجزيل فالمراد بهم المؤمنون الصادقون {لَوْلاَ نُزّلَتْ سُورَةٌ } أي هلا أنزلت سورة يؤمر فيها بالجهاد ـ فلولا ـ تحضيضية، وعن ابن مالك أن {لا } زائدة والتقدير لو أنزلت سورة وليس بشيء. {فَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ مُّحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا ٱلْقِتَالُ } أي بطريق الأمر به، والمراد ـ بمحكمة ـ مبنية لا تشابه ولا احتمال فيها لوجه آخر سوى وجوب القتال، وفسرها الزمخشري بغير منسوخة الأحكام. وعن قتادة كل سورة فيها القتال فهي محكمة وهو أشد القرآن على المنافقين وهذا أمر استقرأه قتادة من القرآن لا بخصوصية هذه الآية والمتحقق أن آيات القتال غير منسوخة وحكمها باق إلى يوم القيامة. وقيل: محكمة بالحلال والحرام. وقرىء {نَزَلَتْ سورة} بالبناء للفاعل من نزل الثلاثي المجرد ورفع {سُورةٌ } على الفاعل. وقرأ زيد بن علي {نَزَلَتْ } كذلك إلا أنه نصب {سورةً محكمةً }، وخرج ذلك على كون الفاعل ضمير السورة، و {سورةً محكمةً } نصب على الحال. وقرأ هو وابن عمير {وَذَكَرَ } مبنياً للفاعل وهو ضميره تعالى / {القتالَ } بالنصب على أنه مفعول به. {رَأَيْتَ ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ } أي نفاق، وقيل: ضعف في الدين {يَنظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ ٱلْمَغْشِيّ عَلَيْهِ مِنَ ٱلْمَوْتِ } أي نظر المحتضر الذي لا يطرف بصره، والمراد تشخص أبصارهم جبناً وهلعاً، وقيل: يفعلون ذلك من شدة العداوة له عليه الصلاة والسلام، وقيل: من خشية الفضيحة فإنهم إن تخلفوا عن القتال افتضحوا وبان نفاقهم. وقال الزمخشري: كانوا يدعون الحرص على الجهاد ويتمنونه بألسنتهم ويقولون: لولا أنزلت سورة في معنى الجهاد فإذا أنزلت وأمروا فيها بما تمنوا وحرصوا عليه كاعوا وشق عليهم وسُقِطَ في أيديهم كقوله تعالى: {أية : فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ ٱلْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مّنْهُمْ يَخْشَوْنَ ٱلنَّاسَ } تفسير : [النساء: 77] والظاهر ما ذكرناه أولاً من أن القائلين هم الذين أخلصوا في إيمانهم وإنما عرا المنافقين ما عرا عند نزول أمر المؤمنين بالجهاد لدخولهم فيهم بحسب ظاهر حالهم، وقد جوز هو أيضاً إرادة الخلص من الذين آمنوا لكن كلامه ظاهر في ترجح ما ذكره أولاً عنده والظاهر أن في الكلام عليه إقامة الظاهر مقام المضمر. وجوز أن يكون المطلوب في قوله تعالى: {لَوْلاَ أُنزِلَتْ سُورَةٌ } إنزال سورة مطلقاً حيث كانوا يستأنسون بالوحي ويستوحشون إذا أبطأ، وروي نحوه عن ابن جريج. أخرج ابن المنذر عنه أنه قال في الآية: كان المؤمنون يشتاقون إلى كتاب الله تعالى وإلى بيان ما ينزل عليهم فيه فإذا نزلت السورة يذكر فيها القتال رأيت يا محمد المنافقين ينظرون إليك الخ. {فَأَوْلَىٰ لَهُمْ } تهديد ووعيد على ما روي عن غير واحد، وعن أبـي علي أن {أَوْلَى } فيه علم لعين الويل مبني على زنة أفعل من لفظ الويل على القلب وأصله أويل وهو غير منصرف للعلمية والوزن، فالكلام مبتدأ وخبر. واعترض بأن الويل غير متصرف فيه، ومثل يوم أيوم مع أنه غير منقاس لا يفرد عن الموصوف البتة، وإن القلب خلاف الأصل لا يرتكب إلا بدليل، وإن علم الجنس شيء خارج عن القياس مشكل التعقل خاصة فيما نحن فيه، ثم قيل: إن الاشتقاق الواضح من الولي بمعنى القرب كما في قوله:شعر : تكلفني ليلى وقد شط وَلْيُها وعادت عواد بيننا وخطوب تفسير : يرشد إلى أنه للتفضيل في الأصل غلب في قرب الهلاك ودعاء السوء كأنه قيل: هلاكاً أولى لهم بمعنى أهلكهم الله تعالى هلاكاً أقرب لهم من كل شر وهلاك، وهذا كما غلب بعداً وسحقاً في الهلاك، وهو على هذا منصوب على أنه صفة في الأصل لمصدر محذوف وقد أقيم مقامه والجار متعلق به. وفي «الصحاح» ((عن الأصمعي أولى له قاربه ما يهلكه أي نزل به وأنشد:شعر : فعادى بين هاديتين منها وأولى أن يزيد على الثلاث تفسير : أي قارب أن يزيد، قال ثعلب: ولم يقل أحد في {أَوْلَى } أحسن مما قاله الأصمعي))، وعلى هذا هو فعل مستتر، فيه ضمير الهلاك بقرينة السياق، وقريب منه ما قيل: إنه فعل ماض وفاعله ضميره عز وجل واللام مزيدة أي أولاهم الله تعالى ما يكرهون أو غير مزيدة أي أدنى الله عز وجل الهلاك لهم، والظاهر زيادة اللام على ما سمعت عن الأصمعي، ومن فسره بقرب جوز الأمرين. وقيل: هو اسم فعل والمعنى وليهم شر بعد شر، وقيل: هو فعلى من آل بمعنى رجع لا أفعل من الولي فهو في الأصل دعاء عليهم بأن يرجع أمرهم إلى الهلاك، والمراد أهلكهم الله تعالى إلا أن التركيب مبتدأ وخبر. وقال الرضي: هو علم للوعيد من وليه الشر أي قربه، والتركيب مبتدأ وخبر أيضاً. واستدل بما حكى أبو زيد من قولهم: أولاة بتاء التأنيث على أنه ليس بأفعل تفضيل ولا أفعل / فعلى وأنه علم وليس بفعل ثم قال: بل هو مثل أرمل وأرملة إذا سمي بهما ولذا لم ينصرف، وليس اسم فعل أيضاً بدليل أولاة في تأنيثه بالرفع يعني أنه معرب ولو كان اسم فعل كان مبنياً مثله. وتعقب بأنه لا مانع من كون أولاة لفظاً آخر بمعناه فلا يرد من ذلك على قائلي ما تقدم أصلاً، وجاء أول أفعل تفضيل وظرفاً كقبل وسمع فيه أولة كما نقله أبو حيان، وقيل: الأحسن كونه أفعل تفضيل بمعنى أحق وأحرى وهو خبر لمبتدأ محذوف يقدر في كل مقام بما يليق به والتقدير هٰهنا العقاب أولى لهم، وروي ذلك عن قتادة ومال إلى هذا القول ابن عطية، وعلى جميع هذه الأقوال قوله تعالى:{طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَّعْرُوفٌ }.

ابن عاشور

تفسير : {وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لَوْلاَ نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ مُّحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا ٱلْقِتَالُ رَأَيْتَ ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ ٱلْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ ٱلْمَوْتِ فَأَوْلَىٰ لَهُمْ طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَّعْرُوفٌ} قد ذكرنا أن هذه السورة أنزلت بالمدينة وقد بدت قرون نفاق المنافقين، فلما جرى في هذه السورة وصف حال المنافقين أعقب ذلك بوصف أجلى مظاهر نفاقهم، وذلك حين يُدعَى المسلمون إلى الجهاد فقد يضيق الأمر بالمنافقين إذ كان تظاهرهم بالإسلام سيلجئهم إلى الخروج للقتال مع المسلمين، وذلك أمر ليس بالهيّن لأنه تعرض لإتلافهم النفوس دون أن يَرْجُو منه نفعاً في الحياة الأبدية إذ هم لا يصدقون بها فيَصبحوا في حيرة. وكان حالهم هذا مخالفاً لحال الذين آمنوا الذي تمنوا أن يَنزل القرآن بالدعوة إلى القتال ليلاقوا المشركين فيشفوا منهم غليلهم، فبهذه المناسبة حُكي تمني المؤمنين نزول حكم القتال لأنه يلوح به تمييز حال المنافقين، ويبدو منه الفرق بين حال الفريقين وقد بين كره القتال لديهم في سورة براءة. فالمقصود من هذه الآية هو قوله: {فإذ أنزلت سورة محكمة وذُكِر فيها القتال رأيتَ الذين في قلوبهم مرض} الآية، وما قبله توطئة له بذكر سببه، وأفاد تقديمه أيضاً تنويهاً بشأن الذين آمنوا، وأفاد ذكره مقابلةً بين حالي الفريقين جريا على سنن هذه السورة. ومقال الذين آمنوا هذا كان سبباً في نزول قوله تعالى: {أية : فإذا لقِيتم الذين كفروا فضَربَ الرقاب}تفسير : [محمد: 4]، ولذلك فالمقصود من السورة التي ذكر فيها القتال هذه السورة التي نحن بصددها. ومعلوم أن قول المؤمنين هذا وقع قبل نزول هذه الآية فالتعبير عنه بالفعل المضارع: إمّا لقصد استحضار الحالة مثل {أية : ويصنع الفلك}تفسير : [هود: 38]، وإما للدلالة على أنهم مستمرون على هذا القول. وتبعاً لذلك تكون {إذا} في قوله: {فإذا أنزلت سورة} ظرفاً مستعملاً في الزمن الماضي لأن نزول السورة قد وقع، ونَظرُ المنافقين إلى الرسول صلى الله عليه وسلم هذا النظر قد وقع إذ لا يكون ذمهم وزجرهم قبل حصول ما يوجبه فالمقام دال والقرينة واضحة. و {لولا} حرف مستعمل هنا في التمني، وأصل معناه التخصيص فأطلق وأريد به التمني لأن التمني يستلزم الحرصَ والحرصُ يدعو إلى التحضيض. وحذف وصف {سورة} في حكاية قولهم: {لولا نزلت سورة} لدلالة ما بعده عليه من قوله: {وذُكِر فيها القتال} لأن قوله {فإذا أنزلت سورة}، أي كما تمنَّوا اقتضى أن المسؤول سورة يشرع فيها قتال المشركين. فالمعنى: لولا نزلت سورة يذكر فيها القتال وفرضه، فحُذف الوصف إيجازاً. ووصف السورة بــ {محكمة} باعتبار وصف آياتها بالإحكام، أي عدم التشابه وانتفاء الاحتمال كما دلت عليه مقابلة المحكمات بالمتشابهات في قوله: {أية : منه آيات محكمات هنّ أم الكتاب وأخر متشابهات} تفسير : في سورة آل عمران (7)، أي لا تحتمل آيات تلك السورة المتعلّقةُ بالقتال إلا وجوب القتال وعدم الهوادة فيه مثل قوله: {أية : فإذا لَقِيتم الذين كفروا فضربَ الرقاب}تفسير : [محمد: 4] الآيات، فلا جرم أن هذه السورة هي التي نزلت إجابة عن تمنّي الذين آمنوا. وإنما قال: {وذُكِر فيها القتال} لأن السورة ليست كلها متمحضة لذكر القتال فإن سور القرآن ذوات أغراض شتّى. والخطاب في {رأيتَ} للنبي صلى الله عليه وسلم لأنه لاحِقٌ لقوله تعالى: {أية : ومنهم من يستمع إليك}تفسير : [الأنعام: 25]. و {الذين في قلوبهم مرض} هم المبطنون للكفر فجعل الكفر الخفيّ كالمرض الذي مقره القلب لا يبدو منه شيء على ظاهر الجسد، أي رأيت المنافقين على طريق الاستعارة. وقد غلب إطلاق هذه الصلة على المنافقين، وأن النفاق مرض نفساني معضل لأنه تتفرع منه فروع بيناها في قوله تعالى: {أية : في قلوبهم مرض} تفسير : في سورة البقرة (10). وانتصب {نظر المغشي عليه من الموت} على المفعولية المطلقة لبيان صفة النظر من قوله: {ينظرون إليك} فهو على معنى التشبيه البليغ. ووجه الشبه ثبات الحدقة وعدم التحريك، أي ينظرون إليك نظر المتحيّر بحيث يتجه إلى صوب واحد ولا يشتغل بالمرئيات لأنه في شاغل عن النظر، وإنما يوجهون أنظارهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم إذ كانوا بمجلسه حين نزول السورة، وكانوا يتظاهرون بالإقبال على تلقي ما ينطق به من الوحي فلما سمعوا ذكر القتال بهتوا، فالمقصود المشابهة في هذه الصورة. وفي معنى هذه الآية قوله تعالى: {أية : فإذا جاء الخوف رأيتهم ينظرون إليك تدور أعينهم كالذي يُغشى عليه من الموت} تفسير : في سورة الأحزاب (19). و {مِن} هنا تعليلية، أي المغشي عليه لأجل الموت، أي حضور الموت. وفرّع على هذا قوله: {فأولى لهم طاعة وقول معروف}. وهذا التفريع اعتراض بين جملة {ينظرون إليك نظر المغشي عليه من الموت} وبين جملة {فإذا عزم الأمر}. ولفظ {أوْلى} هنا يجوز أن يكون مستعملاً في ظاهره استعمال التفضيل على شيء غير مذكور يدل عليه ما قبله، أي أولى لهم مِن ذلك الخوفِ الذي دَل عليه نظرهم كالمغشي عليه من الموت، أن يطيعوا أمر الله ويقولوا قولاً معروفاً وهو قول {أية : سمعنا وأطعنا}تفسير : [البقرة: 285] فذلك القول المعروف بين المؤمنين إذا دُعُوا أو أمروا كما قال تعالى: {أية : إنما كان قولَ المؤمنين إذا دُعُوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا} تفسير : في سورة النور (51). وعلى هذا الوجه فتعدية {أولى} باللام دون الباء للدلالة على أن ذلك أولى وأنفع، فكان اجتلاب اللام للدلالة على معنى النفع. فهو مثل قوله تعالى: {أية : ذلك أزكى لهم}تفسير : [النور: 30] وقوله: {أية : هن أطهر لكم}تفسير : [هود: 78]. وهو يرتبط بقوله بعده {فلو صدقوا الله لكان خيراً لهم}. ويجوز أن يكون {فأولى لهم} مستعملاً في التهديد والوعيد كما في قوله تعالى: {أية : أوْلى لك فأوْلى ثم أولى لك فأولى} تفسير : في سورة القيامة (34، 35)، وهو الذي اقتصرَ الزمخشري عليه. ومعناه: أن الله أخبر عن توعده إياهم. ثم قيل على هذا الوجه إن أولى} مرتبة حروفه على حالها من الوَلْي وهو القرب، وأن وزنه أفعل. وقال الجرجاني: هو في هذا الاستعمال مشتق من الويل. فأصل أولى: أويِل، أي أشد ويلا، فوقع فيه قلب، ووزنه أفلع. وفي «الصحاح» عن الأصمعي ما يقتضي: أنه يَجعل (أولى له) مبتدأ محذوف الخبر. والتّقدير: أقرب ما يُهلكه، قال ثعلب: ولم يقل أحد في (أولى له) أحسن مما قال الأصمعي. واللام على هذا الوجه إما مزيدة، أي أولاهم الله ما يكرهون فيكون مِثل اللام في قول النابغة:شعر : سَقْيا ورعيا لذاك العَاتب الزّاري تفسير : وإمّا متعلقة بــ {أولى} على أنه فعل مضى، وعلى هذا الاستعمال يكون قوله {طاعة وقول معروف} كلاماً مستأنفاً وهو مبتدأ خبره محذوف، أي طاعة وقول معروف خير لهم، أو خبر لمبتدأ محذوف، تقديره: الأمر طاعة، وقول معروف، أي أمر الله أن يطيعوا. {فَإِذَا عَزَمَ ٱلأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُواْ ٱللَّهَ لَكَانَ خَيْراً لهم}. تفريع على وصف حال المنافقين من الهلع عند سماع ذكر القتال فإنه إذا جدّ أمر القتال، أي حان أن يُندب المسلمون إلى القتال سيضطرب أمر المنافقين ويتسللون لِوَاذاً من حضور الجهاد، وأن الأولى لهم حينئذٍ أن يخلصوا الإيمان ويجاهدوا كما يجاهد المسلمون الخلص وإلاّ فإنهم لا محيص لهم من أحد أمرين: إمّا حضور القتال بدون نية فتكون عليهم الهزيمة ويخسروا أنفسهم باطلاً، وإمّا أن ينخزلوا عن القتال كما فعل ابنُ أُبَّيّ وأتباعُه يومَ أحُد. و {إذا} ظرف للزمان المستقبل وهو الغالب فيها فيكون ما بعدها مقدراً وجوده، أي فإذا جدّ أمر القتال وحدث. وجملة {فلو صدقوا الله} دليل جواب {إذَا} لأن {إذا} ضمنت هنا معنى الشرط، أي كذبوا الله وأخلفوا فلو صدقوا الله لكان خيراً لهم، واقتران جملة الجواب بالفاء للدلالة على تضمين {إذَا} معنى الشرط، وذلك أحسن من تجريده عن الفاء إذا كانت جملة الجواب شرطية أيضاً. والتعريف في {الأمر} تعريف العهد، أو اللام عن المضاف إليه، أي أمر القتال المتقدم آنفاً في قوله: {وذُكر فيها القتال}. والعزم: القطع وتحقق الأمر، أي كونه لا محيص منه. واستعير العزم للتعيين واللزوم على طريقة المكنية بتشبيه ما عُبر عنه بالأمر، أي القتال برجل عزم على عمل مَّا وإثبات العزم له تخييلة كَإثْبَاتِ الأظفار للمنية، وهذه طريقة السكاكي في جميع أمثلة المجاز العقلي، وهي طريقة دقيقة لكن بدون اطراد ولكن عندما يسمح بها المقام. وجعل في «الكشاف» إسناد العزم إلى الأمر مجازاً عقلياً، وحقيقته أن يسند لأصحاب العزم على طريق الجمهور في مثله وهو هنا بعيد إذ ليس المعنى على حصول الجد من أصحاب الأمر، ونظيره قوله تعالى: {أية : إن ذلك من عزم الأمور}تفسير : [لقمان: 17] فالكلام فيها سواء. ومعنى {صدقوا الله} قالوا له الصدق، وهو مطابقة الكلام لما في نفس الأمر، أي لو صدقوا في قولهم: نحن مؤمنون، وهم إنما كذبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم إذْ أظْهروا له خلاف ما في نفوسهم، فجعل الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم كذباً على الله تفظيعاً له وتهويلاً لمغبته، أي لو أخلصوا الإيمان وقاتلوا بنية الجهاد لكان خيراً لهم في الدنيا والآخرة، ففي الدنيا خير العزة والحُرمة وفي الآخرة خير الجنة. فهذه الآية إنْبَاء مما سيكون منهم حين يجد الجد ويَجيءُ أوان القتال وهي من معجزات القرآن في الإخبار بالغيب فقد عزم أمر القتال يوم أُحُد وخرج المنافقون مع جيش المسلمين في صورة المجاهدين فلما بلغ الجيش إلى الشوْط بينَ المدينة وأُحد قال عبد الله بن أُبَيّ بنُ سلول رأسُ المنافقين: ما ندري علامَ نَقْتُل أنفسنا هاهنا أيها الناس؟ ورجع هو وأتباعه وكانوا ثلث الجيش وذلك سنة ثلاث من الهجرة، أي بعد نزول هذه الآية بنحو ثلاث سنين. وقوله: {فلو صدقوا الله} جواب كما تقدم، وفي الكلام إيجاز لأن قوله: {لكان خيراً} يؤذن بأنه إذا عزم الأمر حصل لهم ما لا خير فيه. ولفظ {خيراً} ضد الشَّرِ بوزن فَعْل، وليس هو هنا بوزن أَفْعَلَ.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {فَإِذَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ مُّحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا ٱلْقِتَالُ رَأَيْتَ ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ ٱلْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ ٱلْمَوْتِ}. ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة، أنه إذا أنزل سورة محكمة، أي متقنة الألفاظ والمعاني، واضحة الدلالة، لا نسخ فيها وذكر فيها وجوب قتال الكفار، تسبب عن ذلك، كون الذين فى قلوبهم مرض أي شك ونفاق، ينظرون كنظر الإنسان الذي يغشى عليه لأنه في سياق الموت، لأن نظر من كان كذلك تدور فيه عينه ويزيغ بصره. وهذا إنما وقع لهم من شدة الخوف من بأس الكفار المأمور بقتالهم. وقد صرح جل وعلا بأن ذلك من الخوف المذكور في قوله:{أية : فَإِذَا جَآءَ ٱلْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ تَدورُ أَعْيُنُهُمْ كَٱلَّذِي يُغْشَىٰ عَلَيْهِ مِنَ ٱلْمَوْتِ}تفسير : [الأحزاب: 19]. وقد بين تعالى، أن الأغنياء من هؤلاء المنافقين، إذا أنزل الله سورة، فيها الأمر بالجهاد، استأذنوا النبي صلى الله عليه وسلم في التخلف عن الجهاد، وذمهم الله على ذلك، وذلك في قوله تعالى:{أية : وَإِذَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُواْ بِٱللَّهِ وَجَاهِدُواْ مَعَ رَسُولِهِ ٱسْتَأْذَنَكَ أُوْلُواْ ٱلطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقَالُواْ ذَرْنَا نَكُنْ مَّعَ ٱلْقَاعِدِين رَضُواْ بِأَن يَكُونُواْ مَعَ ٱلْخَوَالِفِ وَطُبِعَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَفْقَهُونَ}تفسير : [التوبة: 86-87].

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 20، 21، 22- ويقول الذين آمنوا: هلا نزلت سورة تدعونا إلى القتال؟ فإذا نزلت سورة لا تحتمل غير وجوبه، وذكر فيها القتال مأموراً به رأيت الذين فى قلوبهم نفاق ينظرون إليك نظر المغشى عليه من الموت خوفاً منه وكراهية له، فأحق بهم طاعة لله وقول يقره الشرع، فإذا جد الأمر ولزمهم القتال، فلو صدقوا الله فى الإيمان والطاعة لكان خيراً لهم من النفاق، فهل يتوقع منكم - أيها المنافقون - إن توليتم أن تفسدوا فى الأرض وتقطعوا صلاتكم بأقاربكم؟ 23- أولئك الذين أبعدهم الله عن رحمته، فأصمَّهم عن سماع الحق، وأعمى أبصارهم عن رؤية طريق الهدى. 24- أعموا فلا يتفهمون هدى القرآن؟ بل على قلوبهم ما يحجبها عن تدبره. 25- إن الذين ارتدوا إلى ما كانوا عليه من الكفر والضلال من بعد ما ظهر لهم طريق الهداية. الشيطان زيَّن لهم ذلك، ومد لهم فى الآمال الكاذبة. 26، 27- ذلك الارتداد بأنهم قالوا للذين كرهوا ما نزَّل الله: سنطيعكم فى بعض الأمر، والله يعلم أسرار هؤلاء المنافقين. ذلك حالهم فى حياتهم، ففي أي حال يكونون إذا توفتهم الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم إذلالاً لهم؟ 28- ذلك التوفى الرهيب على تلك الحالة بأنهم اتبعوا الباطل الذى أغضب الله، وكرهوا الحق الذى يرضاه، فأبطل كل ما عملوه.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: لولا نزلت سورة: أي هلاّ نزلت سورة يقول هذا المؤمنون طلباً للجهاد. سورة محكمة: أي لم ينسخ منها شيء من أوامرها ونواهيها. وذكر فيها القتال: أي طلب القتال بالدعوة إليه والترغيب فيه. في قلوبهم مرض: أي شك وهم المنافقون. نظر المغشي عليه من الموت: أي خوفا من القتال وكراهية له فتراهم ينظرون إلى الرسول مثل نظر المغشي عليه من سكرات الموت. فأولى لهم طاعة وقول معروف: أي فأجدر بهم طاعة لرسول الله وقول معروف حسن له. فإذا عزم الأمر: أي فرض القتال وجد أمر الخروج إليه. فلو صدقوا الله: أي فوالله ما تعهدوا به من أنهم يقاتلون. لكان خيراً لهم: أي الوفاء بما تعهدوا به خيراً في دنياهم وآخرتهم. فهل عسيتم إن توليتم: أي أعرضتم عن الإِيمان الصوري الذي أنتم عليه وأعلنتم عن كفركم. أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم: أي تفسدوا في الأرض بالشرك والمعاصي ولا تصلوا أرحامكم. فأصمهم وأعمى أبصارهم: أي فعل تعالى ذلك بهم فلذا هم لا يسمعون الحق ولا يُبصرون الخير والمعروف. معنى الآيات: قوله تعالى ويقول الذين آمنوا إلى آخر السورة ظاهرهُ انه مدني وليس بمكي وهو كذلك فأَغلب آي السورة مدني إذاً، ولا حرج: لأن القتال لم يفرض إلا بعد الهجرة النبوية والنفاق لم يظهر إلا بعد الهجرة كذلك والسياق الآن في علاج النفاق وأمور الجهاد قال تعالى ويقول الذين آمنوا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم متمنين الجهاد لولا نزلت سورة أي هلا أنزل الله سورة قرآنية تأمر بالجهاد قال تعالى فإِذا أنزلت سورة محكمة ليس فيها نسخ وذكر فيها القتال أي الأمر به والترغيب فيه. رأيت يا محمد الذين في قلوبهم مرض أي مرض الشك والنفاق ينظرون إليك يا رسولنا نظر أي مثل نظر المغشي أي المغمي عليه من الموت أي من سياقات الموت وسكراته. قال تعالى {فَأَوْلَىٰ لَهُمْ} هذا اللفظ صالح لأن يكون دعاء عليهم بالهلاك أي هلاك لهم لجبنهم ونفاقهم وصالح أن يكون بمعنى الأجدر بمثلهم طاعة لله ورسوله وقوله معروف أي حسن لرسول الله صلى الله عليه وسلم. وقوله تعالى فإِذا عزم أي جد الأمر للجهاد فلو صدقوا الله ما عاهدوا عليه من أنهم يقاتلون مع رسوله لكان خيراً لهم في الدنيا والآخرة. ثم قال لهم مخاطباً إياهم توبيخاً وتقريعا فهل عسيتم بكسر السين وفتحها قراءتان إن توليتم أي عن الإِيمان الصوري إلى الكفر الظاهر فأعلنتم عن ردتكم أن تفسدوا في الأرض بفعل الشرك وارتكاب المعاصي وتقطعوا أرحامكم بإعلان الحرب على أقربائكم المؤمنين الصادقين. هذا إذ كان التولي بمعنى الرجوع إلى الكفر العلني وإن كان بمعنى الحكم فالأمر كذلك إذا حكموا ليفعلون ما هو أعظم من الشرك والفساد في الأرض وتقطيع الأرحام، وأخيراً سجلت الآية [22] لعنة الله فقال تعالى أولئك أي البعداء في الخسة والحطة الذين لعنهم الله فأبعدهم من رحمته فأصمهم عن سماع الحق وأعمى أبصارهم عن رؤية الهدى والطريق المستقيم. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- جواز تمني الخير والأولى أن يسأل الله تعالى ولا يتمنى بلفظ ليت كذا. 2- في القرآن محكم ومنسوخ من الآيات وكله كلام الله يُتلى ويتقرب به إلى الله تعالى ويعمل بالمحكم دون المنسوخ وهو قليل جدا. 3- ذم الجبن والخور والهزيمة الروحية. 4- شر الخلق من إذا تولى أفسد في الأرض بالشرك والمعاصي.

القطان

تفسير : لولا نُزّلت سورة: هلاّ أنزلت سورة. محكمة: بينة، واضحة. في قلوبهم مرض: شك ونفاق. نظر المغشيّ عليه من الموت: كالجبان الذي يخاف من كل شيء. أولَى لهم: ويل لهم. عزم الأمرُ: جد ولزم. إن توليتم: صرتم حكاما وتوليتم امور الناس. ان المؤمنين المخلصين يقولون: هلاّ أنزِلتْ سورةٌ تدعونا الى القتال، فإذا انزلت سورةٌ مُحكَمة تأمر به، رأيتَ يا محمد الذين في قلوبهم نفاق ينظرون إليكَ بهلَع وخوفٍ كأن الموت يغشاهم، خوفا من القتال وكرها له. {فَأَوْلَىٰ لَهُمْ} فالموتُ أَولى لمثل هؤلاء المنافقين، أهلكهم الله. {طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَّعْرُوفٌ} ان طاعةً لله وكلمة طيبة لهي أمثل لهم وأحسن مما هم فيه من الهلع والجبن من لقاء العدو، فاذا جدَّ الأمرُ ولزمهم القتال - كرهوه وتخلفوا عنه خوفا وجبنا، ولو صدَقوا في ايمانهم لكان خيراً لهم من نفاقهم هذا. ثم زاد في تأنيبهم وتوبيخهم بقوله: {فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُواْ فِي ٱلأَرْضِ وَتُقَطِّعُوۤاْ أَرْحَامَكُمْ} لعلّكم لو ملكتم القوة وتولّيتم أمور الناس أيها المنافقون ان تفسِدوا في الارض وتُعيدوا احوال الجاهلية، وتُقطِّعوا صِلاتكم بأقاربكم. {أَوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ لَعَنَهُمُ ٱللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَىٰ أَبْصَارَهُمْ} أولئك المنافقون الذين طردهم الله من رحمته، فأصمَّهم عن سماع الحق، وأعمَى أبصارَهم عن رؤية طريق الهدى.

د. أسعد حومد

تفسير : {آمَنُواْ} (20) - كَانَ المُؤْمِنُونَ المُخْلِصُونَ يَشْتَاقُونَ إِلى الوَحْي، وَيَتَمَنَّوْنَ أنْ تَنْزِلَ آيَاتٌ تَحُثُّ المُؤْمِنينَ عَلَى الجِهَادِ، وَيَقُولُون: هَلاَّ نَزَلَتْ سُورَةٌ تَأمُرنَا بِهِ. فَإِذا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ وَاضِحَةُ الدَّلالةِ في الحَثِّ عَلَى الجِهَادِ، وهيَ لا تَحْتَمِلُ تَأوِيلاً آخَرَ غَيْرَ وُجُوبِهِ، فَرِحَ بِها المُؤْمِنُونَ المُخْلِصُونَ، وَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى المُنَافِقِينَ الذِينَ في قُلُوبِهِم مَرَضٌ وَشَخَصَتْ أبْصَارُهُمْ مِنْ فَزَعِهِم وَجَزَعِهمْ مِنْ لِقاءِ الأعداءِ، وَنَظَرُوا نِظْرَةَ الشَّاخِصِ بِبَصَرِهِ عِنْدَ المَوتِ خَوْفاً مِنَ الموتِ، وَكُرْهاً لهُ، وَكَانَ الأوْلَى بِهؤُلاءِ المُنَافِقِينَ مِنْ هذا الهَلَعِ وَالجَزَعِ أنْ يَسْتَمِعُوا وَيُطِيعُوا. مُحْكَمَةٌ - وَاضِحَةٌ وَلاَ تَحْتَمِلُ تَأْوِيلاً آخَرَ. المَغْشِيِّ عَلَيهِ - مَنْ أصَابَتْهُ الغَشْيَةُ والسَّكْرَةُ. فَأوْلَى لهَمُ - فَالعِقَابُ وَالهَلاكُ أحَقُّ بِهِمْ وَأوْلَى لَهُمْ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : كلمة {لَوْلاَ نُزِّلَتْ سُورَةٌ ..} [محمد: 20] ساعة تسمع كلمة (لو) كأنها تمنٍّ للشيء أنْ يحدث، فهم يتمنون أن تنزل على رسول الله سورة تأمرهم بالقتال، والسورة نزلت بالفعل لكن نزلتْ تأمرهم بالصبر وتحمّل المشاق وعدم التعرض لأعدائهم. لكن كل شيء له أوانه، وهذا يعني أن حركة المؤمن أصبحت منضبطة بأوامر الحق، وعناد الكفار ووقوفهم في وجه الدعوة لا يعني أن نهجم عليهم ونقاتلهم من تلقاء أنفسنا إنما ننتظر الأوامر. {فَإِذَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ مُّحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا ٱلْقِتَالُ ..} [محمد: 20] الذي تريدونه {رَأَيْتَ ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ ..} [محمد: 20] أي: المنافقين {يَنظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ ٱلْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ ٱلْمَوْتِ ..} [محمد: 20] هذا تشبيه كنظر المغشي عليه من الموت. يعنى: المغمى عليه خوفاً وهلعاً. والمنافق سهل عليه أنْ يذهب ويصلي مع الجماعة في المسجد، بل ويقف في الصف الأول، لكن إذا وصلتْ المسألة للقتال اختلف الأمر وانكشف المستور من النفاق. {فَإِذَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ مُّحْكَمَةٌ ..} [محمد: 20] واضحة الدلالة على المعنى المراد {رَأَيْتَ ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ ٱلْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ ٱلْمَوْتِ ..} [محمد: 20] يقال: جاءك الموت يا تارك الصلاة، هل أذهب للقتال وأضيع نفسي؟! {فَأَوْلَىٰ لَهُمْ} [محمد: 20] أي: الأوْلى أنهم يطيعون الأمر ويخرجون للقتال، والعلماء فسروا هذه الآية وقالوا: {فَأَوْلَىٰ لَهُمْ} [محمد: 20] يعني: الهلاك لهم، وهذا تهديد إنْ لم يرجعوا عن نفاقهم.

الصابوني

تفسير : المنَاسَبَة: كان بدء السورة في الحديث عن الكافرين، ثم جاء عن المؤمنين، وهنا يأتي الحديث عن المنافقين، وقد استغرق الجانب الأكبر من السورة باعتبارهم الخطر الداهم على الإِسلام والمسلمين، والآيات الكريمة تتحدث عن الجهاد وعن موقف المنافقين منه. اللغَة: {سَوَّلَ} زيَّن وسهَّل {أَضْغَانَهُمْ} أحقادهم الدفينة قال الجوهري: الضغنُ والضغينة: الحقد، وتضاغن القوم أبطنوا على الأحقاد {سِيمَاهُمْ} علامتهم {ٱلسَّلْمِ} الصلح والموادعة {يُحْفِكُمْ} يلحُّ عليكم يقال: أحفى بالمسألة وألحف وألحَّ بمعنى واحد {يَتِرَكُمْ} ينقصكم يقال: وتره حقه أي نقصه. التفسِير: {وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لَوْلاَ نُزِّلَتْ سُورَةٌ} أي ويقول المؤمنون المخلصون شوقاً إِلى الجهاد وحرصاً على ثوابه: هلاَّ أنزلت سورة فيها الأمر بالجهاد {فَإِذَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ مُّحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا ٱلْقِتَالُ} أي فإِذا أنزلت سورة صريحةٌ ظاهرة الدلالة على الأمر بالقتال قال القرطبي: {مُّحْكَمَةٌ} أي لم تنسخ وقد قال قتادة: كل سورة ذكر فيها الجهاد فهي محكمة، وهي أشد القرآن على المنافقين {رَأَيْتَ ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ} أي رأيت المنافقين الذين في قلوبهم شك ونفاق {يَنظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ ٱلْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ ٱلْمَوْتِ} أي ينظرون إِليك يا محمد تشخص أبصارهم جنباً وهلعاً، كما ينظر من أصابته الغشية من حلول الموت {فَأَوْلَىٰ لَهُمْ} أي فويلٌ لهم قال في التسهيل: وهي كلمة معناها التهديد والدعاء عليهم كقوله تعالى {أية : أَوْلَىٰ لَكَ فَأَوْلَىٰ}تفسير : [القيامة: 35] {طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَّعْرُوفٌ} مبتدأٌ محذوف الخبر أي طاعةٌ لك يا محمد، وقولٌ جميلٌ طيبٌ خيرٌ لهم وأفضل وأحسن، قال الرازي: وهو كلام مستأنف محذوف الخبر تقديره خيرٌ لهم أي أحسن وأمثل، وإِنما جاز الابتداء بالنكرة لأنها موصوفة ويدل عليه قوله {وَقَوْلٌ مَّعْرُوفٌ} كأنه قال: طاعة مخلصة، وقولٌ معروفٌ خيرٌ لهم {فَإِذَا عَزَمَ ٱلأَمْرُ} أي فإِذا جدَّ الجِدُّ وفُرض القتال {فَلَوْ صَدَقُواْ ٱللَّهَ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ} أي فلو أخلصوا نياتهم وجاهدوا بصدقٍ ويقين لكان ذلك خيراً لهم من التقاعس والعصيان، والجملةُ جواب الشرط {فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُواْ فِي ٱلأَرْضِ وَتُقَطِّعُوۤاْ أَرْحَامَكُمْ} أي فلعلَّكم إِن أعرضتم عن الإِسلام أن ترجعوا إلى ما كنتم عليه في الجاهلية، من الإِفساد في الأرض بالمعاصي، وقطع الأرحام!! قال قتادة: كيف رأيتم القوم حين تولّوا عن كتاب الله، ألم يسفكوا الدم الحرام، ويقطعوا الأرحام، ويعصوا الرحمن؟! قال أبو حيان: يريد ما جرى من الفترة بعد زمان الرسول صلى الله عليه وسلم {أَوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ لَعَنَهُمُ ٱللَّهُ} أي طردهم وأبعدهم من رحمته {فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَىٰ أَبْصَارَهُمْ} أي فأصمهم عن استماع الحق، وأعمى قلوبهم عن طريق الهدى فلا يهتدون إِلى سبيل الرشاد قال القرطبي: أخبر تعالى أن من فعل ذلك حقت عليه اللعنة، وسلبه الانتفاع بسمعه وبصره، حتى لا ينقاد للحق وإِن سمعه، فجعله كالبهيمة التي لا تعقل {أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْآنَ}؟ الاستفهام توبيخي أي أفلا يتفهمون القرآن ويتصفحونه ليروا ما فيه من المواعظ والزواجر، حتى لا يقعوا فيما وقعوا فيه من الموبقات!؟ {أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَآ} "أم" بمعنى "بل" وهو انتقالٌ من توبيخهم على عدم التدبر إِلى توبيخهم على ظلمة القلوب وقسوتها حتى لا تقبل التفكر والتدبر والمعنى: بل قلوبهم قاسية مظلمة كأنها مكبَّلة بالأقفال الحديدية فلا ينفذ إِليها نور ولا إيمان قال الرازي: إِن القلب خُلق للمعرفة فإِذا لم تكن فيه المعرفة فكأنه غير موجود، وهذا كما يقول القائل في الإِنسان المؤذي: هذا ليس بإِنسان هذا وحش، وهذا ليس بقلب هذا حجر {إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱرْتَدُّواْ عَلَىٰ أَدْبَارِهِمْ مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ ٱلْهُدَى} أي رجعوا إِلى الكفر بعد الإِيمان، وبعد أن وضح لهم طريق الهدى بالدلائل الظاهرة والمعجزات الواضحة {ٱلشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَىٰ لَهُمْ} أي الشيطان زيَّن لهم ذلك الأمر، وغرَّهم وخدعهم بالأمل، وطول الأجل {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لِلَّذِينَ كَرِهُواْ مَا نَزَّلَ ٱللَّهُ} أي ذلك الإِضلال بسبب أنهم قالوا لليهود الذين كرهوا القرآن الذي نزَّله الله حسداً وبغياً {سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ ٱلأَمْرِ} أي سنطيعكم في بعض ما تأمروننا به كالقعود عن الجهاد، وتثبيط المسلمين عنه وغير ذلك {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ} أي وهو جل وعلا يعلم خفاياهم، وما يبطنونه من الكيد والدسّ والتآمر على الإِسلام والمسلمين قال المفسرون: قال المنافقون لليهود ذلك سراً فأظهره الله تعالى وفضحهم {فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ ٱلْمَلاَئِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ} أي فكيف يكون حالهم حين تحضرهم ملائكة العذاب لقبض أرواحهم ومعهم مقامع من حديد يضربون بها وجوههم وظهورهم؟ قال القرطبي: والمعنى على التخويف والتهديد أي إِن تأخر عنهم العذاب فإِلى انقضاء العمر قال ابن عباس: لا يُتوفى أحد على معصية إلا تضرب الملائكة في وجهه وفي دبره {ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ ٱتَّبَعُواْ مَآ أَسْخَطَ ٱللَّهَ وَكَرِهُواْ رِضْوَانَهُ} أي ذلك العذاب بسبب أنهم سلكوا طريق النفاق وكرهوا ما يرضي الله من الإِيمان والجهاد وغيرهما من الطاعات {فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ} أي أبطل ما عملوه حال إِيمانهم من أعمال البر {أَمْ حَسِبَ ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ أَن لَّن يُخْرِجَ ٱللَّهُ أَضْغَانَهُمْ}؟ أي أيعتقد المنافقون الذين في قلوبهم شك ونفاق أن الله لن يكشف أمرهم لعباده المؤمنين؟ وأنه لن يظهر بغضهم وأحقادهم على الإِسلام والمسلمين؟ لا بدَّ أن يفضحهم ويكشف أمرهم {وَلَوْ نَشَآءُ لأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُم بِسِيمَاهُمْ} أي لو أردنا لأريناك يا محمد أشخاصهم فعرفتهم عياناً بعلامتهم ولكنَّ الله ستر عليهم إبقاءً عليهم وعلى أقاربهم من المسلمين لعلهم يتوبون {وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ ٱلْقَوْلِ} أي ولتعرفنَّ يا محمد المنافقين من فحوى كلامهم وأسلوبه، فيما يعرضونه بك من القول الذي ظاهره إِيمان وإِسلام وباطنه كفر ومسبَّة قال الكلبي: لم يتكلم بعد نزولها عند النبي صلى الله عليه وسلم منافقٌ إِلا عرفه {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ} أي لا يخفى عليه شيء من أعمالكم فيجازيكم بحسب قصدكم، ففيه وعدٌ ووعيد {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّىٰ نَعْلَمَ ٱلْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَٱلصَّابِرِينَ} أي ولنختبرنَّكم أيها الناسُ بالجهاد وغيره من التكاليف الشاقة حتى نعلم - علم ظهور - المجاهدين في سبيل الله، والصابرين على مشاقّ الجهاد {وَنَبْلُوَاْ أَخْبَارَكُمْ} أي ونختبر أعمالكم حسنها وقبيحها قال في التسهيل: المراد بقوله {حَتَّىٰ نَعْلَمَ} أي نعلمه علماً ظاهراً في الوجود تقوم به الحجة عليكم، وقد علم الله الأشياء قبل كونها، ولكنه أراد إِقامة الحجة على عباده بما يصدر منهم، وكان الفضيل بن عياض إِذا قرأ هذه الآية بكى وقال: اللهم لا تبتلنا فإِنك إِذا ابتليتنا فضحتنا وهتكت أستارنا {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ} أي جحدوا بآيات الله ومنعوا الناس عن الدخول في الإِسلام {وَشَآقُّواْ ٱلرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ ٱلْهُدَىٰ} أي عادوا الرسول وخرجوا عن طاعته من بعد ما ظهر لهم صدقُه وأنه رسول الله بالحجج والآيات {لَن يَضُرُّواْ ٱللَّهَ شَيْئاً وَسَيُحْبِطُ أَعْمَالَهُمْ} أي لن يضروا الله بكفرهم وصدّهم شيئاً من الضرر، وسيبطل أعمالهم من صدقة ونحوها فلا يرون لها في الآخرة ثواباً {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ} أي امتثلوا أوامر الله وأوامر رسوله {وَلاَ تُبْطِلُوۤاْ أَعْمَالَكُمْ} أي ولا تُبطلوا أعمالكم بما أبطل به هؤلاء أعمالهم من الكفر والنفاق، والعُجب والرياء {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ} أي جحدوا بآيات الله وصدُّوا الناس عن طريق الهدى والإِيمان {ثُمَّ مَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ} أي وماتوا على الكفر {فَلَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَهُمْ} أي فلن يغفر الله لهم بحالٍ من الأحوال، وهذا قطع بأن من مات على الكفر لا يغفر اللهُ له لقوله تعالى {أية : إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ}تفسير : [النساء: 48] قال أبو السعود: وهذا حكم يعم كل من مات على الكفر، وإِن صحَّ نزوله في أصحاب القليب {فَلاَ تَهِنُواْ وَتَدْعُوۤاْ إِلَى ٱلسَّلْمِ} أي فلا تضعفوا وتدعوا إِلى المهادنة والصلح مع الكفار إِذا لقيتموهم {وَأَنتُمُ ٱلأَعْلَوْنَ} أي وأنتم الأعزة الغالبون لأنكم مؤمنون {وَٱللَّهُ مَعَكُمْ} أي والله معكم بالعونِ والنصر {وَلَن يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ} أي لن ينقصكم شيئاً من ثواب أعمالكم قال ابن كثير: وفي قوله {وَٱللَّهُ مَعَكُمْ} بشارة عظيمة بالنصر والظفر على الأعداء {إِنَّمَا ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ} أي ما الحياة الدنيا إِلا زائلة فانية، لا قرار لها ولا ثبات، كاللعب واللهو الذي يتلهى به الأولاد قال شيخ زاده: بيَّن تعالى أن الدنيا وما فيها من الحظوظ العاجلة، لا يصلح مانعاً من الإِقدام إِلى الجهاد، وما يؤدي إِلى ثواب الآخرة، لكونها بمنزلة اللهو واللعب في سرعة زوالها، وأن الآخرة هي الحياة الباقية، فلا ينبغي أن يكون حبُّ الدنيا والحرص على ما فيها من اللذات والشهوات سبباً للجبن عن الغزو والتخلف عن الجهاد {وَإِن تُؤْمِنُواْ وَتَتَّقُواْ يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ} أي وإِن تؤمنوا بالله وتتقوه حقَّ تقواه، يعطكم ثواب أعمالكم كاملاً {وَلاَ يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ} أي ولا يطلب منكم أن تنفقوا جميع أموالكم، بل الزكاة المفروضة فيها قال ابن كثير: أي هو غني عنكم لا يطلب منكم شيئاً، وإِنما فرض عليكم الصدقات من الأموال مواساةً لإِخوانكم الفقراء، ليعود نفع ذلك وثوابه عليكم {إِن يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُواْ} أي إِن يسألكم جميع أموالكم ويبالغ في طلبها، ويلح عليكم في إِنفاقها تبخلوا {وَيُخْرِجْ أَضْغَانَكُمْ} أي ويخرج ما في قلوبكم من البخل وكراهة الإِنفاق قال في التسهيل: وذلك لأن الإِنسان جبل على محبة الأموال، ومن نوزع في حبيبه ظهرت سرائره، فمن رحمته تعالى على عباده عدم التشديد عليهم في التكاليف {هَا أَنتُمْ هَـٰؤُلاَءِ تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} أي ها أنتم معشر المخاطبين تُدعون للإِنفاق في سبيل الله، وقد كلفتم ما تطيقون {فَمِنكُم مَّن يَبْخَلُ} أي فمنكم من يشح عن الإِنفاق ويمسك عنه {وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ} أي ومن بخل عن الإِنفاق في سبيل الله فإِنما يعود ضرر بخله على نفسه، لأنه يمنعها الأجر والثواب قال الصاوي: وبخل يتعدى بـ "على" إِذا ضُمِّن معنى شحَّ، وبـ"عن" إِذا ضُمِّن معنى أمسك {وَٱللَّهُ ٱلْغَنِيُّ وَأَنتُمُ ٱلْفُقَرَآءُ} أي واللهُ مستغن عن إِنفاقكم ليس بمحتاج إِلى أموالكم، وأنتم محتاجون إِليه {وَإِن تَتَوَلَّوْاْ يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ} أي وإِن تعرضوا عن طاعته واتباع أوامره، يخلف مكانكم قوماً آخرين يكونون أطوع لله منكم {ثُمَّ لاَ يَكُونُوۤاْ أَمْثَالَكُم} أي لا يكونون مثلكم في البخل عن الإِنفاق بل يكونوا كرماء أسخياء. البَلاَغَة: تضمنت السورة الكريمة وجوهاً من البيان والبديع نوجزها فيما يلي: 1- المقابلة بين الآية الأولى والثانية {أية : ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ}تفسير : [محمد: 1] وبين {أية : وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ..} تفسير : [محمد: 2] الآية وهو من المحسنات البديعية. 2- ذكر الخاص بعد العام {أية : وَآمَنُواْ بِمَا نُزِّلَ عَلَىٰ مُحَمَّدٍ}تفسير : [محمد: 2] والنكتة تعظيمه والاعتناء بشأنه. 3- الاستعارة التبعية {أية : تَضَعَ ٱلْحَرْبُ أَوْزَارَهَا}تفسير : [محمد: 4] شبَّه ترك القتال بوضع آلته، واشتق من الوضع "تضع" بمعنى تنتهي وتترك بطريق الاستعارة التبعية. 4- المجاز المرسل {أية : وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ}تفسير : [محمد: 7] أطلق الجزء وأراد الكل أي يثبتكم، وعبَّر بالأقدام لأن الثبات والتزلزل يظهران فيها وهو مثل {أية : فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ}تفسير : [الشورى: 30]. 5- الطباق بين {مَنًّا .. و فِدَآءً} وبين {آمَنُواْ ..و كَفَرُواْ} وبين {ٱلْغَنِيُّ .. و ٱلْفُقَرَآءُ}. 6- المجاز العقلي {فَإِذَا عَزَمَ ٱلأَمْرُ} نسب العزم إِلى الأمر وهو لأهله مثل نهاره صائم. 7- الالتفات {فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ} وهو التفات من الغيبة إِلى الخطاب لتأكيد التوبيخ وتشديد التقريع. 8- الاستعارة التصريحية {أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَآ} شبَّه قلوبهم بالأبواب المقفلة، فإِنها لا تنفتح لوعظ واعظ، ولا يفيد فيها عذل عاذل، وهي من لطائف الاستعارات. 9- الإِطناب بتكرار ذكر الأنهار {أية : فِيهَآ أَنْهَارٌ مِّن مَّآءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِّن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ..}تفسير : [محمد: 15] الآية وذلك لزيادة التشويق إِلى نعيم الجنة. 10- الكناية {ٱرْتَدُّواْ عَلَىٰ أَدْبَارِهِمْ} كناية عن الكفر بعد الإِيمان. 11- السجع الرصين غير المتكلف {أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ} {وَٱتَّبَعُوۤاْ أَهْوَاءَهُمْ} {وَأَعْمَىٰ أَبْصَارَهُمْ} الخ وهو من المحسنات البديعية.

الجيلاني

تفسير : {وَ} من معظم زاد يوم المعاد: الجهاد مع جنود أعداء الله في الأنفس والآفاق؛ لذلك {يَقُولُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} من كمال حرصهم وشغفهم على القتال، وترويج كلمة التوحيد وإعلا دين الإسلام: {لَوْلاَ} وهلا {نُزِّلَتْ سُورَةٌ} مشتملة على الأمر بالجهاد حتى نجاهد في سبيل الله، ونبذل غاية وسعنا في ترويج دينه {فَإِذَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ مُّحْكَمَةٌ} على مقتضى ما تمناها المخلصون {وَذُكِرَ فِيهَا ٱلْقِتَالُ} أي: أمر فيها على البت، واستبشر المؤمنون المخلصون بنزولها، واستعدوا لامتثالها وقبول ما فيها {رَأَيْتَ} يا أكمل الرسل حينئذ المنافقين {ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ} راسخ وضعف مستقر مستمر {يَنظُرُونَ إِلَيْكَ} حين تلاوتك وتبليغك إياهم ما يوحى إليك من ربك {نَظَرَ ٱلْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ ٱلْمَوْتِ} يعني: صاروا حين سمعوا الأمر القتال من كمال نفاقهم وشقاقهم كأنهم أشرفوا على الموت وظهرت عليه أماراته، وشخصت أبصارهم من أهواله جبناً من القتال وبغضاً عليك {فَأَوْلَىٰ لَهُمْ} [محمد: 20] أي: قرب منهم وحاق بهم ما يكرهون ويخافون منه أولئك الأشقياء المردودون. والأليق بحالهم في هذه الحالة: {طَاعَةٌ} أي: انقياد وإطاعة {وَقَوْلٌ مَّعْرُوفٌ} قبول مستحسن عند ذوي المروءات والفتوات لو صدر عنهم لكان خيراً لهم وأليق بحالهم لو كانوا مؤمنين، وبالجملة: {فَإِذَا عَزَمَ ٱلأَمْرُ} أي: جد ولزم أمر القتال {فَلَوْ صَدَقُواْ ٱللَّهَ} المطلع بما في ضمائرهم ونياتهم فيما اظهروا من الحرص والجرأة على القتال {لَكَانَ} الصدق والعزيمة {خَيْراً لَّهُمْ} [محمد: 21] في أولاهم وأخراهم. وإن لم يصدقوا ولم يثبتوا على ما أملوا من طلب القتال {فَهَلْ عَسَيْتُمْ} ويتوقع منكم أيها المسرفون الكاذبون إن {تَوَلَّيْتُمْ} وأعرضتم عن امتثال المأمور أن {تُفْسِدُواْ فِي ٱلأَرْضِ} المعدة للإصلاح والسداد {وَتُقَطِّعُوۤاْ} [محمد: 22] عن المؤمنين المجبولين على فطرة التوحيد والإسلام مع أنكم مجبولون أيضاً عليها. وبالجملة: {أَوْلَـٰئِكَ} الأشقياء المعرضون عن الهداية والرشاد، هم {ٱلَّذِينَ لَعَنَهُمُ ٱللَّهُ} العليم الحكيم، وطردهم عن س احة عز حضوره {فَأَصَمَّهُمْ} بهذا عن استماع دلائل توحيده {وَأَعْمَىٰ أَبْصَارَهُمْ} [محمد: 23] عن مشاهدة آيات ألوهيته وربوبيته الظاهر على الأنفس والآفاق. {أَ} يصرون أولئك المسرفون على الإعراض والانصراف عن الهدى {فَلاَ يَتَدَبَّرُونَ} ويتصفحون {ٱلْقُرْآنَ} ولا يتأملون ما فيه من المواعظ والتذكيرات المفيدة لهم، الموصلة إلى الهداية والنجاة من أهوال يوم القيامة حتى ينزجروا عن ارتكاب المعاصي، وينصرفوا عن الميل إليها {أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ} أي: بل مختومة على قلوبهم {أَقْفَالُهَآ} [محمد: 24] مطبوعة عليها، لا تأثر لهم من القرآن ومواعيده، مع أنهم آمنوا له قبل نزوله على ما وجدوا في كتبهم نعته وعرفوا أحكامه، ومع ذلك أنكروا عليه وارتدوا عنه. {إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱرْتَدُّواْ عَلَىٰ أَدْبَارِهِمْ} سيما {مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ} وظهر {لَهُمُ ٱلْهُدَى} والرشاد وجزموا بحقيته، وحقية ما فيه من الأحكام والعبر والمواعظ، وبالجملة: {ٱلشَّيْطَانُ} المضل المغوي {سَوَّلَ لَهُمْ} أي: حسَّن وزيَّن لهم الارتداد عن الحق تغريراً وتلبيساً بعدما وضح لهم حقيته {وَأَمْلَىٰ لَهُمْ} [محمد: 25] بتسويلاته خلاف ما ظهر عليهم من ألسنة كتبهم ورسهلم. {ذَلِكَ} التسويل والتغرير، وما يترتب عليه من الإعراض والانصراف عن الحق {بِأَنَّهُمْ} أي: بسبب أن اليهود والنصارى {قَالُواْ لِلَّذِينَ كَرِهُواْ} أي: المنافقين الذي كرهوا {مَا نَزَّلَ ٱللَّهُ} من السور المشتملة على أمر القتال؛ حثاً لهم على المخالفة والقعود {سَنُطِيعُكُمْ} ونعاون عليكم {فِي بَعْضِ ٱلأَمْرِ} لو أظهرتم المخالفة؛ يعني: إن أخذواكم وقصدوا الانتقام عنكم نحن نعاونكم، إنما قالوا ما قالوا في خلواتهم {وَٱللَّهُ} المطلع لعموم أحوالهم {يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ} [محمد: 26] كما يعلم إعلانهم، هذا من جملة ما احتالوا ومكروا مع الله ورسوله. {فَكَيْفَ} يحتالون ويمكرون {إِذَا تَوَفَّتْهُمُ ٱلْمَلاَئِكَةُ} المأمورون لقبض أرواحهم {يَضْرِبُونَ} حينئذٍ {وُجُوهَهُمْ} جزاء ما توجهوا بهذا نحو الباطل {وَأَدْبَارَهُمْ} [محمد: 27] جزاء ما انصرفوا بها عن الحق. {ذَلِكَ} التوفي على وجه العبرة {بِأَنَّهُمُ ٱتَّبَعُواْ مَآ أَسْخَطَ ٱللَّهَ} من الإعراض عن طريق الحق ومتابعة أهله {وَكَرِهُواْ} بمقتضى أهويتهم الفاسدة {رِضْوَٰنَهُ} أي: ما رضي عنه سبحانه من الأوامر والنواهي المنزلة على ألسنة رسله وكتبه بعدما خالفوا أمر الل وأمر رسوله {فَأَحْبَطَ} سبحانه بمقتضى قهره وجلاله {أَعْمَٰلَهُمْ} [محمد: 28] أي: صوالح أعمالهم، ولم يترتب عليها الجزاء الموعود كما يرتب على صالحات أعمال المطيعين. {أَمْ حَسِبَ ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ} مستقر، وحسد مؤبد، وشكيمة شديدة مع الله ورسوله والمؤمنين {أَن لَّن يُخْرِجَ ٱللَّهُ} ولن يبرز أبداً {أَضْغَانَهُمْ} [محمد: 29] وأحقادهم التي أضمروها في نفوسهم.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : ثم أخبر عن أمارة أهل الوفاق وأهل النفاق بقوله تعالى: {وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لَوْلاَ نُزِّلَتْ سُورَةٌ} [محمد: 20]؛ يعني: نأمر بالجهاد، يشير إلى أن من أمارات الإيمان تمني الجهاد؛ شوقاً إلى لقاء الله عز وجل. وبقوله: {فَإِذَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ مُّحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا ٱلْقِتَالُ رَأَيْتَ ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ ٱلْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ ٱلْمَوْتِ} [محمد: 20]، يشير إلى أن من أمارات الكفر والنفاق كراهية الجهاد كراهة للموت، كما أن من أمارات الإيمان تمني الموت، كما قال تعالى: {أية : فَتَمَنَّوُاْ ٱلْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ}تفسير : [الجمعة: 6]، وقال الكفار ولا يتمنوه أبداً، {فَأَوْلَىٰ لَهُمْ} [محمد: 20]؛ أي: فأولى بهم {طَاعَةٌ} [محمد: 21] منهم لله ولرسوله {وَقَوْلٌ مَّعْرُوفٌ} [محمد: 21]، بالإجابة لما أمروا بالجهاد، {فَإِذَا عَزَمَ ٱلأَمْرُ} [محمد: 21]؛ أي: جد الأمر وافترض القتال في الجهادين. وبقوله: {فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ} [محمد: 22]، يشير إلى أرباب الطلب وأصحاب المجاهدة، إن أعرضتم عن طلب الحق تعالى: {أَن تُفْسِدُواْ فِي ٱلأَرْضِ} [محمد: 22]، أرض قلوبكم بإفساد استعدادها لقبول الفيض الإلهي، {وَتُقَطِّعُوۤاْ أَرْحَامَكُمْ} [محمد: 22] مع أهل الحب في الله؛ فتكونوا في سلك {أَوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ لَعَنَهُمُ ٱللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَىٰ أَبْصَارَهُمْ} [محمد: 23]. وهذا كما قال الجنيد: لو أقبل صديق على الله ألف سنة، ثم أعرض عنه لحظ فإن ما فاته أكثر مما ناله، {أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْآنَ} [محمد: 24]، فإن فيه شفاء من كل داء؛ ليقضي بهم إلى حسن العرفان، ويخلصهم من سجن الهجران، {أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَآ} [محمد: 24]، أقفل الحق على قلوب أهل الهوى، فلا يدخلها زواجر التنبيه، ولا ينبسط عليها شعاع العلم، ولا يحصل لهم فهم الخطاب، وإذا كان الباب مقفلاً فلا الشك والإنكار الذي فيها يخرج، ولا الصدق واليقين الذي هم يدعون إليه يدخل في قلوبهم. وبقوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱرْتَدُّواْ عَلَىٰ أَدْبَارِهِمْ مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ ٱلْهُدَى ٱلشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَىٰ لَهُمْ} [محمد: 25]، يشير إلى الذي يطلع فجر طلبه، ويتلل نور التوحيد في قلبه، ثم قبل سوغ نهار إيمانه تغيم سماء قلبه من منشأ نزعات الشيطان وتسويلاته، وانكسف شمس طلبه، وأظلم نهار عرفانه، ودجى ليل سكره، وغابت نجوم عقله؛ فحدث عن بحر ظلماتهم ولا حرج.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يقول تعالى: { وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا } استعجالا ومبادرة للأوامر الشاقة: { لَوْلا نزلَتْ سُورَةٌ } أي: فيها الأمر بالقتال. { فَإِذَا أُنزلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ } أي: ملزم العمل بها، { وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ } الذي هو أشق شيء على النفوس، لم يثبت ضعفاء الإيمان على امتثال هذه الأوامر، ولهذا قال: { رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ } من كراهتهم لذلك، وشدته عليهم. وهذا كقوله تعالى: {أية : أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً }. تفسير : ثم ندبهم تعالى إلى ما هو الأليق بحالهم، فقال: { فَأَوْلَى لَهُمْ طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ } أي: فأولى لهم أن يمتثلوا الأمر الحاضر المحتم عليهم، ويجمعوا عليه هممهم، ولا يطلبوا أن يشرع لهم ما هو شاق عليهم، وليفرحوا بعافية الله تعالى وعفوه. { فَإِذَا عَزَمَ الأمْرُ } أي: جاءهم الأمر جد، وأمر محتم، ففي هذه الحال لو صدقوا الله بالاستعانة به، وبذل الجهد في امتثاله { لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ } من حالهم الأولى، وذلك من وجوه: منها: أن العبد ناقص من كل وجه، لا قدرة له إلا إن أعانه الله، فلا يطلب زيادة على ما هو قائم بصدده. ومنها: أنه إذا تعلقت نفسه بالمستقبل، ضعف عن العمل، بوظيفة وقته، وبوظيفة المستقبل، أما الحال، فلأن الهمة انتقلت عنه إلى غيره، والعمل تبع للهمة، وأما المستقبل، فإنه لا يجيء حتى تفتر الهمة عن نشاطها فلا يعان عليه. ومنها: أن العبد المؤمل للآمال المستقبلة، مع كسله عن عمل الوقت الحاضر، شبيه بالمتألي الذي يجزم بقدرته، على ما يستقبل من أموره، فأحرى به أن يخذل ولا يقوم بما هم به ووطن نفسه عليه، فالذي ينبغي أن يجمع العبد همه وفكرته ونشاطه على وقته الحاضر، ويؤدي وظيفته بحسب قدرته، ثم كلما جاء وقت استقبله بنشاط وهمة عالية مجتمعة غير متفرقة، مستعينا بربه في ذلك، فهذا حري بالتوفيق والتسديد في جميع أموره. ثم ذكر تعالى حال المتولي عن طاعة ربه، وأنه لا يتولى إلى خير، بل إلى شر، فقال: { فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ } أي: فهما أمران، إما التزام لطاعة الله، وامتثال لأوامره، فثم الخير والرشد والفلاح، وإما إعراض عن ذلك، وتولٍ عن طاعة الله، فما ثم إلا الفساد في الأرض بالعمل بالمعاصي وقطيعة الأرحام. { أُولَئِكَ الَّذِينَ } أفسدوا في الأرض، وقطعوا أرحامهم { لَعَنَهُمُ اللَّهُ } بأن أبعدهم عن رحمته، وقربوا من سخط الله. { فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ } أي: جعلهم لا يسمعون ما ينفعهم ولا يبصرونه، فلهم آذان، ولكن لا تسمع سماع إذعان وقبول، وإنما تسمع سماعا تقوم به حجة الله عليها، ولهم أعين، ولكن لا يبصرون بها العبر والآيات، ولا يلتفتون بها إلى البراهين والبينات.

همام الصنعاني

تفسير : 2884- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة في قوله تعالى: {وَذُكِرَ فِيهَا ٱلْقِتَالُ}: [الآية: 20]، قال: كل سورة ذكر فيها القتال، فهي محكمةٌ. 2885- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة في قوله: {فَأَوْلَىٰ لَهُمْ}: [الآية: 20]، قال: هذا وعيد، يقول: {فَأَوْلَىٰ لَهُمْ}: [الآية: 20]، ثم انقطع الكلام، فقال: {طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَّعْرُوفٌ}: [الآية: 21]، يقول: طاعةُ اللهِ، وقول معروف عند حقائق الأمور خَيْرٌ لَهُم.