٤٧ - مُحَمَّد
47 - Muhammad (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
38
Tafseer
الرازي
تفسير : (يعني) قد طلبت منكم اليسير فبخلتم فكيف لو طلبت منكم الكل وقوله {هَـٰؤُلاءِ } يحتمل وجهين: أحدهما: أن تكون موصولة كأنه قال: أنتم هؤلاء الذين تدعون لتنفقوا في سبيل الله وثانيهما: {هَـٰؤُلاءِ } وحدها خبر {أَنتُمْ } كما يقال أنت هذا تحقيقاً للشهرة والظهور أي ظهر أثركم بحيث لا حاجة إلى الإخبار عنكم بأمر مغاير ثم يبتدىء {تَدْعُونَ } وقوله {تَدْعُونَ } أي إلى الإنفاق إما في سبيل الله تعالى بالجهاد، وإما في صرفه إلى المستحقين من إخوانكم، وبالجملة ففي الجهتين تخذيل الأعداء ونصرة الأولياء {فَمِنكُم مَّن يَبْخَلُ }، ثم بيّن أن ذلك البخل ضرر عائد إليه فلا تظنوا أنهم لا ينفقونه على غيرهم بل لا ينفقونه على أنفسهم فإن من يبخل بأجرة الطبيب وثمن الدواء وهو مريض فلا يبخل إلا على نفسه، ثم حقق ذلك بقوله {وَٱللَّهُ ٱلْغَنِيُّ } غير محتاج إلى مالكم وأتمه بقوله {وَأَنتُمُ ٱلْفُقَرَاءُ } حتى لا تقولوا إنا أيضاً أغنياء عن القتال، ودفع حاجة الفقراء فإنهم لا غنى لهم عن ذلك في الدنيا والآخرة، أما في الدنيا فلأنه لولا القتال لقتلوا، فإن الكافر إن يغز يغز، والمحتاج إن لم يدفع حاجته يقصده، لا سيما أباح الشارع للمضطر ذلك، وأما في الآخرة فظاهر فكيف لا يكون فقيراً وهو موقوف مسؤول يوم لا ينفع مال ولا بنون. ثم قال تعالى: {وَإِن تَتَوَلَّوْاْ يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُونُواْ أَمْثَـٰلَكُم } بيان الترتيب من وجهين: أحدهما: أنه ذكره بياناً للاستغناء، كما قال تعالى: {أية : إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ } تفسير : [إبراهيم: 19] وقد ذكر أن هذا تقرير بعد التسليم، كأنه تعالى يقول: الله غني عن العالم بأسره فلا حاجة له إليكم. فإن كان ذاهب يذهب إلى أن ملكه بالعالم وجبروته يظهر به وعظمته بعباده، فنقول هب أن هذا الباطل حق لكنكم غير متعينين له، بل الله قادر على أن يخلق خلقاً غيركم يفتخرون بعبادته، وعالماً غير هذا يشهد بعظمته وكبريائه وثانيهما: أنه تعالى لما بيّن الأمور وأقام عليها البراهين وأوضحها بالأمثلة قال إن أطعتم فلكم أجوركم وزيادة وإن تتولوا لم يبق لكم إلا الإهلاك فإن ما من نبي أنذر قومه وأصروا على تكذيبه إلا وقد حق عليهم القول بالإهلاك وطهر الله الأرض منهم وأتى بقوم آخرين طاهرين، وقوله {ثُمَّ لاَ يَكُونُواْ أَمْثَـٰلَكُم } فيه مسألة نحوية يتبين منها فوائد عزيزة وهي: أن النحاة قالوا: يجوز في المعطوف على جواب الشرط بالواو والفاء وثم، الجزم والرفع جميعاً، قال الله تعالى ههنا {وَإِن تَتَوَلَّوْاْ يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُونُواْ أَمْثَـٰلَكُم } بالجزم، وقال في موضع آخر {أية : وَإِن يُقَـٰتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ ٱلأَدُبَارَ ثُمَّ لاَ يُنصَرُونَ } تفسير : [آل عمران: 111] بالرفع بإثبات النون وهو مع الجواز، ففيه تدقيق: وهو أن ههنا لا يكون متعلقاً بالتولي لأنهم إن لم يتولوا يكونون ممن يأتي بهم الله على الطاعة وإن تولوا لا يكونون مثلهم لكونهم عاصين، كون من يأتي بهم مطيعين، وأما هناك سواء قاتلوا أو لم يقاتلوا لا ينصرون، فلم يكن للتعليق هناك وجه فرفع بالابتداء، وههنا جزم للتعليق. وقوله {ثُمَّ لاَ يَكُونُواْ أَمْثَـٰلَكُم } يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون المراد {ثُمَّ لاَ يَكُونُواْ أَمْثَـٰلَكُم } في الوصف ولا في الجنس وهو لائق الوجه الثاني: وفيه وجوه أحدها: قوم من العجم ثانيها: قوم من فارس روي أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عمن يستبدل بهم إن تولوا وسلمان إلى جنبه فقال: «حديث : هذا وقومه» تفسير : ثم قال: «حديث : لو كان الإيمان منوطاً بالثريا لناله رجال من فارس» تفسير : و ثالثها: قوم من الأنصار، والله أعلم. والحمد لله رب العالمين، وصلاته على خير خلقه محمد النبي وآله وصحبه وعترته وآل بيته أجمعين وسلم تسليماً كثيراً آمين.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى:{هَا أَنتُمْ هَـٰؤُلاَءِ تُدْعَوْنَ} أي هأنتم هؤلاء أيها المؤمنون تدعون {لِتُنفِقُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} أي في الجهاد وطريق الخير. {فَمِنكُم مَّن يَبْخَلُ وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ} أي على نفسه؛ أي يمنعها الأجر والثواب. {وَٱللَّهُ ٱلْغَنِيُّ} أي إنه ليس بمحتاج إلى أموالكم. {وَأَنتُمُ ٱلْفُقَرَآءُ} إليها. {وَإِن تَتَوَلَّوْاْ يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ} أي أطوع لِلّه منكم. روى الترمذيّ حديث : عن أبي هريرة قال: تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية {وَإِن تَتَوَلَّوْاْ يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُونُوۤاْ أَمْثَالَكُم} قالوا: ومن يُستبدل بنا؟ قال: فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم على منكِب سلمان ثم قال:«هذا وقومه. هذا وقومه» تفسير : قال: حديث غريب في إسناده مقال. وقد روى عبد الله بن جعفر بن نجيح والد علي بن المديني أيضاً هذا الحديث عن العلاء بن عبد الرحمٰن حديث : عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال أناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يا رسول الله، من هؤلاء الذين ذكر الله إن تَوَلَّينا ٱستبدلوا ثم لا يكونوا أمثالنا؟ قال: وكان سلمان جنب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم فخذ سلمان، قال:«هذا وأصحابه. والذي نفسي بيده لو كان الإيمان مَنُوطاً بالثُّرَيَّا لتناوله رجال من فارس»تفسير : . وقال الحسن: هم العجم. وقال عكرمة: هم فارس والروم. قال المحاسبيّ: فلا أحد بعد العرب من جميع أجناس الأعاجم أحسنُ دِيناً، ولا كانت العلماء منهم إلا الفرس. وقيل: إنهم اليمن، وهم الأنصار؛ قاله شريح بن عبيد. وكذا قال ابن عباس: هم الأنصار. وعنه أنهم الملائكة. وعنه هم التابعون. وقال مجاهد: إنهم من شاء من سائر الناس. {ثُمَّ لاَ يَكُونُوۤاْ أَمْثَالَكُم} قال الطبريّ: أي في البخل بالإنفاق في سبيل الله. وحكي عن أبي موسى الأشعري أنه لما نزلت هذه الآية فرح بها رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: «حديث : هي أحبّ إليّ من الدنيا»تفسير : . والله أعلم.
المحلي و السيوطي
تفسير : {هَٰأَنتُمْ } يا {هَٰؤُلاَء تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُواْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ } ما فرض عليكم {فَمِنكُم مَّن يَبْخَلُ وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ } يقال بخل عليه وعنه {وَٱللَّهُ ٱلْغَنِىُّ } عن نفقتكم {وَأَنتُمُ ٱلْفُقَرآءُ } إليه {وَإِن تَتَوَلَّوْاْ } عن طاعته {يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ } أي يجعلهم بدلكم {ثُمَّ لاَ يَكُونُواْ أَمْثَٰلَكُم } في التولي عن طاعته، بل مطيعين له عزّ وجلّ.
ابن عبد السلام
تفسير : {تَتَوَلَّوْاْ} عن كتابي، أو طاعتي أو الصدقة التي أمرتكم بها أو عن هذا الأمر فلا تقبلوه {قَوْماً غَيْرَكُمْ} أهل اليمن، أو من شاء من سائر الناس، أو الفرس. "حديث : سئل الرسول صلى الله عليه وسلم عن ذلك فضرب على منكب سلمان، فقال: "هذا وقومه" " تفسير : {أَمْثَالَكُم} في البخل بالنفقة في سبيل الله، أو في المعصية وترك الطاعة.
الخازن
تفسير : {ها أنتم هؤلاء} يعني أنتم يا هؤلاء المخاطبون الموصفون ثم استأنف وصفهم فقال تعالى: {تدعون لتنفقوا في سبيل الله} قيل أراد به النفقة في الجهاد والغزو وقيل المراد به إخراج الزكاة وجميع وجوه البر والكل في سبيل الله {فمنكم من يبخل} يعني بما فرض عليه إخراجه من الزكاة أو ندب إلى أنفاقه في وجوه البر {ومن يبخل} يعني بالصدقة وأداء الفريضة فلا يتعداه ضر بخله وهو قوله تعالى: {فإنما يبخل عن نفسه} أي على نفسه {والله الغني} يعني عن صدقاتكم وطاعتكم لأنه الغني المطلق الذي له ملك السموات والأرض {وأنتم الفقراء} يعني إليه وإلى ما عنده من الخيرات والثواب في الدنيا والآخرة {وإن تتولوا} يعني عن طاعة الله تعالى وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم وعن القيام بما أمركم به وألزمكم إياه {يستبدل قوماً غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم} يعني يكونون أطوع لله ورسوله صلى الله عليه وسلم منكم. قال الكلبي: هم كندة والنخع من عرب اليمن. وقال الحسن: هم العجم. وقال عكرمة: هم فارس والروم. عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: حديث : تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية {وإن تتولوا يستبدل قوماً غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم} قالوا ومن يستبدل بنا قال فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم على منكب سلمان ثم قال هذا وأصحابه"تفسير : أخرجه الترمذي وقال حديث غريب وفي إسناده مقال وله رواية أخرى عن أبي هريرة قال: "حديث : قال ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يا رسول الله من هؤلاء الذين ذكر الله عز وجل إن تولينا استبدلوا منا ثم لا يكونوا أمثالنا قال وكان سلمان بجنب رسول الله صلى الله عليه وسلم فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم فخذ سلمان فقال هذا وأصحابه والذي نفسي بيده لو كان الإيمان منوطاً بالثريا لتناوله رجال من فارس" تفسير : ولهذا الحديث طرق في الصحيح ترد في سورة الجمعة إن شاء الله تعالى والله سبحانه وتعالى أعلم بمراده.
التستري
تفسير : قوله تعالى: {وَٱللَّهُ ٱلْغَنِيُّ وَأَنتُمُ ٱلْفُقَرَآءُ}[38] قال: معرفة السر كله في الفقر، وهو سر الله، وعلم الفقر إلى الله تعالى تصحيح علم الغنى بالله عزَّ وجلَّ. والله سبحانه وتعالى أعلم.
السلمي
تفسير : قوله عز وعلا: {وَٱللَّهُ ٱلْغَنِيُّ وَأَنتُمُ ٱلْفُقَرَآءُ} [الآية: 38]. قال سهل: معرفة علم السر كله فى الفقر وهو سر الله وعلم الفقر إلى الله وهو تصحيح علم الغنى بالله. وسئل بعضهم: من الفقراء؟ قال: الفقراء إلى الله فإن الفقير على الحقيقة من يفتقر إلى غنى لا من يفتقر إلى دنى مثله أو فقير مثله. قال أبو الحسن بن سمعون: لكل شىء فقر فأضرها فقر النفس والقلب وأشرفها فقرًا الهم والعقل لأن نفسى إذا افتقرت طلبت دنيا فيأسر العدو من أول قدم وإذا افتقر قلبى طلب ملكاً فحجبنى وإذا افتقر عقلى طلب علمًا وحكمًا إن وجدهما شربت فى الملك وحدى وإذا افتقر همى طلب وجدًا وودًا إن وجدت صرت حرًا. قال الجنيد رحمة الله عليه فى قوله: {وَٱللَّهُ ٱلْغَنِيُّ وَأَنتُمُ ٱلْفُقَرَآءُ}. قال: لأن الفقر يليق بالعبودية والغنى يليق بالربوبية. قال بعضهم: الله الغنى عن أفعالكم وأنتم الفقراء إلى رحمته والله الغنى عنكم بقوله: {وَإِن تَتَوَلَّوْاْ يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ} [الآية: 38]. قال بعضهم: الغنى القائم بنفسه والفقير القائم بفقره والحق مقيم الكل باينهم بالاستغناء عنهم كما باينوه بالافتقار إليه. قوله تعالى: {وَإِن تَتَوَلَّوْاْ يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ} [الآية: 38]. قال بعضهم: لا يستقر على حقيقة بساط العبودية إلاّ أهل السعادة وقد يطأ البساط المتمرسون بالعبودية أوقاتاً ثم لا يستقرون عليه يبدل الله مكانهم فيه من أحب له السعادة ألا تراه يقول: {وَإِن تَتَوَلَّوْاْ يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُونُوۤاْ أَمْثَالَكُم}.
القشيري
تفسير : قوله جلّ ذكره: {هَا أَنتُمْ هَـٰؤُلاَءِ تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَمِنكُم مَّن يَبْخَلُ وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ}. البخلُ مَنْعُ الواجب، وإذا بخل فإنما يبخل عن نفسه لأنه لو لم يفعل ذلك لَحَصَلَ له الثراء - هكذا يظن. قوله جلّ ذكره: {وَٱللَّهُ ٱلْغَنِيُّ وَأَنتُمُ ٱلْفُقَرَآءُ}. "غنيٌّ" بنفسه على قول، وغنيٌّ بوصفه على القول الثاني. وغناه كونه لا تتقيد مراداتُه. أمَّا البعدُ فهو فقيرٌ بنفسه؛ لأنه لا يستغني عن مولاه؛ في الابتداء منذ خَلْقه إلى الانتهاء، وهو في دوام الأوقات مفتقرٌ إلى مولاه. والفقيرُ الصادقُ مَنْ يشهد افتقارَه إلى الله. وصِدْقُ الفقير في شهود فقره إلى الله. ومَنْ افتقر إلى الله استغنى بالله، ومَنْ افتقر إلى غير الله وقع في الذُّلِّ والهوان. ويقال: اللَّهُ غنيٌّ عن طاعتِكم، وأنتم الفقراءُ إلى رحمتِه. ويقال: اللَّهُ غنيٌّ لا يحتاج إليكم، وأنتم الفقراءُ لأنكم لا بديلَ لكم عنه. قوله جلّ ذكره: {وَإِن تَتَوَلَّوْاْ يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُونُوۤاْ أَمْثَالَكُم}. يستبدل قوماً غيركم يكونون أشدَّ منكم طاعةً، وأصدقَ منكم وفاءً؛ فهو قادرٌ على خَلْق أمثالَكم ثم لا يكونون أمثالكم في العصيانِ والإعراضِ وتَرْكِ الشكرِ والوفاءِ... بل سيكونون خيراً منكم.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {وَٱللَّهُ ٱلْغَنِيُّ وَأَنتُمُ ٱلْفُقَرَآءُ} وصف الله سبحانه نفسه بغنى القدم واستغنائه عن الكون وما فيه وان خزائن جوده لا نهاية لها وغناه صفته الازلية القائمة يحوى حواشى بحارها فقر اهل الاكوان والحدثان فيغنيهم بغناه الذى لا فقر بعده وحقائق معنى الخطاب للمتصفين بصفاته الذين وجدوا مقام الغنى من الله بعد ان كساهم الحق نور غناه وجردهم عن مقام الفقر الذى هو مستفاد من نعوت تنزيه القدم اذ كان ولا مكان ولا وقت ولا زمان اى انتم وان بلغتم الى مقام الاتصاف بصفة غناءى فانتم بعد فقراء اذا الوصف للموصوف ولا للمتصف وانه لا نهاية له قال الجنيد فى موضع الغنى كسوة الحق وقال سهل معرة علم السر كله للفقر وهو سر الله وعلم الفقر الى الله هو تصحيح علم الغنى بالله قال الجنيد ان الله الغنى وانتم الفقراء لان الفقر يليق بالعبودية والغنى يليق بالربوبية ثم بين وصف غناه من العالمين فى أخر السورة بقوله {وَإِن تَتَوَلَّوْاْ يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُونُوۤاْ أَمْثَالَكُم} اى اذا ذقتم طعم شارب وصالى وسكرتم لمشاهدة جمال وتفقرون الى بحار الانائية وتستغرقون فى لحج الاحوال وتخرجون منها بالعربدة فاوجدا اقواما من المستقيمين على بساط جبروتى وساحات ملكوتى ولا يزوغون عن سبل التمكين الى شغب التلوين قال بعضهم لا يستقر على حقيقة بساط العبودية الا اهل السعادة وقد يطأ البساط المترسمون بالعبودية اوقاتا ثم لا يستقرون عليه ويبدل الله مكانهم فيه من اوجب لهم السعادة الا تراه يقول وان تتولوا يستبدل قوماً غيركم ثم لا يكونوا امثالكم.
اسماعيل حقي
تفسير : {ها انتم} ها تنبيه بمعنى آكاه باشيد وكوش داريد. وانتم كلمة على حدة وهو مبتدأ خبره قوله {هؤلاء} اى انتم ايها المخاطبون هؤلاء الموصوفون يعنى فى قوله تعالى {أية : ان يسألكموها} تفسير : الآية {تدعون لتنفقوا فى سبيل الله} استئناف مقرر لذلك حيث دل على انهم يدعون لانفاق بعض اموالهم فى سبيل الله فيبخل ناس منهم او صلة لهؤلاء على انه بمعنى الذين اى هاأنتم الذين تدعون ففيه توبيخ عظيم وتحقير من شأنهم والانفاق فى سبيل الله يعم نفقة الغزو والزكاة وغيرهما {فمنكم من يبخل} بالرفع لان من هذه ليس بشرط اى ناس يبخلون وهو فى حيز الدليل على الشرطية الثانية كأنه قيل الدليل عليه انكم تدعون الى اداء ربع العشر فمنكم ناس يبخلون به {ومن يبخل} بالجزم لان من شرط {فانما يبخل عن نفسه} فان كلا من نفع الانفاق وضرر البخل عائد اليه والبخل يستعمل بعن وعلى لتضمنه معنى الامساك والتعدى اى فانما يمسك الخير عن نفسه بالبخل {والله الغنى} عنكم وعن صدقاتكم دون من عداه {وانتم الفقراء} اليه والى ما عنده من الخير فما يأمركم به فهو لاحتياجكم الى ما فيه من المنافع فان امتثلتم فلكم وان توليتم فعليكم. قال الجنيد قدس سره الفقر يليق بالعبودية والغنى يليق بالربوبية ويلزم الفقر من الفقر ايضا وهو الغنى التام ولذلك قال ابن مشيش للشيخ ابى الحسن الشاذلى قدس الله سرهما لئن لقيته بفقرك لتلقينه بالصنم الاعظم وبتمام الفقر يصح الغنى عن الغير فيكون متخلقا بالغنى. وفى التأويلات النجمية والله الغنى لذاته بذاته ومن غناه تمكنه من تنفيذ مراده واستغناؤه عما سواه وانتم الفقرآء الى الله فى الابتداء ليخلقكم وفى الوسط ليربيكم وفى الانتهاء ليغنيكم عن انانيتكم ويبقيكم بهويته فالله غنى عنكم من الازل الى الابد وانتم الفقراء محتاجون اليه من الازل الى الابد. مراورا رسد كبريا ومنى كه ملكش قديمست وذاتش غنى. ولما كان الله غنيا جوادا احب ان يتخلق عباده بأخلاقه فأمرهم بالبذل والانفاق فان السخاء سائق الى الجنة والرضى والقربة. درخبرست كه خالد بن وليد ازسفرى بازآمد ازجانب روم وجماعت ازايشان اسير آورده رسول عليه السلام برايشان اسلام عرضه كرد قبول نكردند بفرمود تاجندكس را ازايشان بكشتند بآخر جوانىرا بياوردندكه اورابكشند خالد ميكويد تيغ بر كشيدم تابزنم رسول عليه السلام كفت آن يكى رامزان يا خالد كفتم يا رسول الله درميان اين قوم هيج كس دركفر قوى ترازين جوان نبوده است رسول فرمود جبريل امده وميكويدكه اين يكى رامكش كه اودرميان قوم خويش جوانمرد بوده است وجوانمردرا كشتن روانيست آن جوان كفت جه بوده است كه مرابياران خود نرسانيديد كفتند درحق تووحى آمده است اى بشيرترا درين سراى باكافر جوانمرد عتاب نيست ومارا دران سراى بامؤمن جوانمرد حساب نيست آن جوان كفت اكنون بدانستم كه دين شما حقست وراست ايمان برمن عرضه كنيدكه ازجوانمردى من جز قوم من خبرنداشتند اكنون يقين همى دانم كه اين سيد راست كويست اشهد ان لا اله الا الله واشهد ان محمدا رسول الله بس رسول خدا فرمودكه آن جوانمرد خلعت ايمان ببركت جوانمردى يافت جوانمرد اكر راست خواعى وليست كرم بيشه شاه مردان عليست {وان تتولوا} عطف على ان تؤمنوا اى وان تعرضوا عن الايمان والتقوى وعما دعاكم اليه ورغبكم فيه من الانفاق فى سبيله {يستبدل قوما غيركم} اى يذهبكم ويخلق مكانكم قوما آخرين {ثم لا يكونوا امثالكم} فى التولى عن الايمان والتقوى والانفاق بل يكونوا راغبين فيها وكلمة ثم للدلالة على ان مدخولها مما يستبعده المخاطب لتقارب الناس فى الاحوال واشتراك الجل فى الميل الى المال والخطاب فى تتولوا لقريش والبدل الانصار وهذا كقوله تعالى {أية : فان يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها بكافرين} تفسير : او للعرب والبدل العجم وأهل فارس كما حديث : روى انه عليه السلام سئل عن القوم وكان سلمان الى جنبه فضرب على فخذه فقال "هذا وقومه والذى نفسى بيده لو كان الايمان منوطا بالثريا" (اى معلقا بالنجم المعروف) "لتناوله رجال من فارس" تفسير : فدل على انهم الفرس الذين اسلموا وفيه فضيلة لهذه القبيلة وفى الحديث "حديث : خيرتان من خلقه فى ارضه قريش خيرة الله من العرب وفارس خيرة الله من العجم" تفسير : كما فى كشف الاسرار. ودر لباب آورده كه ابو الدردآء رضى الله عنه بعد از قرائت اين آيت مى كفت ابشروا يا بنى فروخ ومراد بارسيانند. قال فى القاموس فروخ كتنور اخو اسماعيل واسحق ابو العجم الذين فى وسط البلاد انتهى وفيه اشارة الى منقبة قوم يعرفون بخواجكان ونحوهم من كبار اهل الفرس وعظماء اهل الله منهم وهم كثيرون ومنهم الشيخ سعدى الشيرازى وقد تقطب من الفجر الى الظهر ثم تركه باختياره على ما فى الواقعات المحمودية ثم هذا يدل على ان الله تعالى قد استبدل باولئك الكفار غيرهم من المؤمنين وقيل معناه وان تتولوا كلكم عن الايمان فحينئذ يستبدل غيركم قال تعالى {أية : ولولا ان يكون الناس امة واحدة} تفسير : الآية قال بعضهم لا يستقر على حقيقة بساط العبودية الا أهل السعادة ألا تراه يقول وان تتولوا الآية وفى الآية اشارة الى ان الانسان خلق ملولا غير ثابت فى طلب الحق تعالى وان من خواصهم من يرغب فى طلب الحق بالجد والاجتهاد من حسن استعداده الروحانى ثم فى اثناء السلوك بمجاهدة النفس ومخالفة هواها بظمأ النهار وسهر الليل تمل النفس من مكايدة الشيطان وطلب الرحمة فيتولى عن الطلب بالخذلان ويبتلى بالكفران ان لم يكن معانا بجذبة العناية وحسن الرعاية فالله تعالى قادر على ان يستبدل به قوما آخرين فى الطلب صادقين وعلى قدم العبودية ثابتين وقد داركتهم جذبات العناية موفقين للهداية وهم اشد رغبة واعز رهبة منكم ثم لا يكونوا امثالكم فى الاعراض بعد الاقبال والانكار بعد الاقرار وترك الشكر والثناء بل يكونوا خيرا منكم فى جميع الاحوال اظهارا للقدرة على ما يشاء والحكمة فيما يشاء كذا فى التأويلات النجمية
الجنابذي
تفسير : {هَا أَنتُمْ هَـٰؤُلاَءِ} قد مضى الكلمتان فى سورة آل عمران مع بيانٍ لهما {تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} لا ان تعطوا رسولنا، وتدعون لتنفقوا شيئاً يسيراً من اموالكم فى سبيل الله لا ان تعطوا كثيراً من اموالكم {فَمِنكُم مَّن يَبْخَلُ} بالانفاق بما فرض الله وبغيره {وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ} اى يبخل متجاوزاً عن خير نفسه فانّ الانفاق كما مضى فى اوّل البقرة مورثٌ لاخذ الاشرف والاولى وقد مضى هناك ايضاً انّ الانفاق اعمّ من انفاق المال والقوى والجاه والقوّة والانانيّة {وَٱللَّهُ ٱلْغَنِيُّ} فلا يأمركم بالانفاق لحاجةٍ له اليه {وَأَنتُمُ ٱلْفُقَرَآءُ} فيأمركم بالانفاق لحاجتكم فى استكمالكم الى الانفاق {وَإِن تَتَوَلَّوْاْ} عن الايمان بعلىٍّ (ع) او عن طاعة الرّسول (ص) فيما امركم به من الانفاق وغيره {يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ} القمّىّ قال: يدخلهم فى هذا الامر {ثُمَّ لاَ يَكُونُوۤاْ أَمْثَالَكُم} فى ان يقولوا بافواههم ما ليس فى قلوبهم وقد فسّر القوم الآخر بابناء الموالى فى عدّة اخبارٍ، وفى المجمع حديث : روى ابو هريرة انّ ناسً من اصحاب رسول الله (ص) قالوا: يا رسول الله (ص) من هؤلاء الّذين ذكر الله فى كتابه؟ (وكان سلمان الى جنب رسول الله (ص)) فضرب يده على فخذ سلمان فقال: هذا وقومه، والّذى نفسى بيده لو كان الايمان منوطاً بالثّريّا تتناوله رجالٌ من فارستفسير : ، وعن الصّادق (ع): من اراد ان يعرف حالنا وحال اعدائنا فليقرأ سورة محمّدٍ (ص) فانّه يراها آيةً فينا وآيةً فيهم.
الهواري
تفسير : قوله عز وجل: {هَاأَنتُمْ هَؤُلاَء تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنكُم مَّن يَبْخَلُ} أي: بالنفقة في سبيل الله، يعني المنافق. قال الله تعالى: {وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ} أي: عنكم {وَأَنتُمُ الْفُقَرَاء} إلى الله، يعني جماعة الناس. {وَإِن تَتَوَلَّوْا} عن الإيمان، يعني جماعة الناس في تفسير الحسن {يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ} أي: خيراً منكم، أي: أطوع منكم، ويهلككم بالاستئصال. كقوله: (أية : وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ عَلَى أَن نُّبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ) تفسير : [الواقعة:60-61] أي: خيراً منكم ويهلككم بالعذاب. قال الله تعالى: {ثُمَّ لاَ يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ} يقوله للمشركين، أي: يكونوا خيراً منكم وأطوع له منكم.
اطفيش
تفسير : {هَآ أَنتُمْ هَؤُلآَءِ} قال ابن هشام تدخل هاء التنبيه على الضمير المخبر عنه بالاشارة نحو (هأنتم أولاء) وقيل انما كانت داخلة على الاشارة فقدمت فرد بنحو (هأنتم هؤلاء) فأجيب بأنها أعيدت تأكيداً وبسطته في النحو وأنتم مبتدأ وهؤلاء خبر أي أنتم مخاطبون هؤلاء المصوفين وقوله* {تُدْعَوْنَ} استئناف بيان لوصفهم أو هؤلاء منادي وتدعون خبر أو موصول على مذهب الكوفيين وجملة تدعون صلة له وهو خبر {لِتُنفِقُواْ فِي سَبِيلِ اللهِ} ما فرض عليكم من الزكاة تؤدونه الى أهله قال بعض ومثلها من وجوه البر وقيل النفقة في الجهاد وقيل الكل {فَمِنكُم مَّن يَبْخَلُ} بما فرض عليه* {وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ} أي لتضمين معنى التعدى بالثواب وعن للمجاوزة. وقال ابن هشام للاستعلاء والظاهر هو الاول لانه الاصل والمعنى يبعد الخير عن نفسه بالبخل* {وَاللهُ الْغَنِيُّ} عن صدقاتكم* {وَأَنتُمُ الْفُقَرَآءُ} اليه والى ثوابها من عنده وفي الحديث وغيره ان طعام الشحيح داء وان الشح أهلك من كان قبلكم وانه حملهم على السفك والقطع والظلم والكذب والزنا تباعدت رجال عن نسائهم ليعتذروا للضيف بعدم النساء ويعتذرون بعدمهم فتناكح الرجال وتناكحت النساء وان الله أمر الجنة أن تتزين وتظهر زينتها وحلف بعزته لا يدخلها بخيل وإنه لا داء أدوى من البخل وشر ما في الرجل شح هالع وان البخيل لا يكون شهيداً. وكان صلى الله عليه وسلم غاية في السخاء وأبى الله له البخل. والسخاء في صورة رجل رأسه في أصل شجرة طوبى وأدلى بعض أغصانها الى الدنيا فمن تعلق بها دخل الجنة وأغصانها مشتبكة بأغصان سدرة المنتهى* وفي رواية السخاء شجرة مغروسة في الجنة أدلى بعض أغصانها في الدنيا من تعلق بها دخلها والبخل عكسه في النار* وشجرة الزقوم أصل له أو شجرة غرست فيها وأدلى بعض أغصانها ولا يدخل الجنة الا سخي ولا النار الا بخيل والله يبغض البخيل في الحياة السخي عند الموت والسخي الجهول أحب اليه من العابد البخيل ولا يجتمع البخيل والايمان في قلب ولا أظلم من البخيل وذنب البخل أعظم من العرش والبخيل يكب في النار ولو صلى ألف ألف عام وأجرى الانهار من الدموع والبخل كفر وكل صباح يدعو ملكان اللهم عجل للممسك تلفاً وللمنفق خلفاً وقيل كل مساء. والسخي قريب من الله والجنة والناس والبخيل بعيد عنهم وأحب الناس الى ابليس الذي آمن وبخل وأبغضهم الفاسق السخي ولن يصلح الدين الا السخاء وخلقان يبغضهم الله البخل وسوء الخلق وكل ما عثر السخي أخذ الله بيده فتجافوا عن ذنبه يا عباد الله ويباهى بمطعم الطعام الملائكة ولا يسأله صلى الله عليه وسلم مسلم الا أعطاه وأمره الله بقتل رجال أسرهم الا رجلاً سخياً ومن شح تعرض للزوال وقال لموسى لا تقتل السامري فانه سخي* {وَإِن تَتَوَلَّوْاْ} عن طاعة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم* {يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ} بخلقهم ويجعلهم بدلكم والخطاب لجميع الناس عند طائفة والقوم سلمان وقومه. بينما سلمان الى جانبه صلى الله عليه وسلم فسئل عن القوم فقال سلمان وقومه: والذي نفسي بيده لو كان الايمان منوطاً بالثريا لتناوله رجال من فارس وضرب بفخذ سلمان وقال الكلبي كندة والنخع من عرب اليمن وقال الحسن والعجم وقال عكرمة فارس والروم وقيل الأنصار وقيل الملائكة قيل ولولا الحديث لاحتمل أن يراد الخلف بعد ذهاب السلف* {ثُمَّ لاَ يَكُونُواْ أَمْثَالَكُم} في التولي بل يرغبون في الطاعة صلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم اللهم ببركته وبركة السورة اخز النصارى واكسر شوكتهم وغلب المسلمين والموحدين عليهم وصل اللهم على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم قدر ما يرضيك
اطفيش
تفسير : {ها أنتم} ها حرف تنبيه دخلت على غير الاشارة لوقوع الاشارة بعده، وهى للتأكيد {هؤلاء} خبر انتم أو الخبر قوله تعالى: {تُدعَون} يدعوكم الله او رسوله {لتنفقوا في سَبيل الله} فينصب هؤلاء على التحضيض، أو هو منادى لمحذوف، والانفاق فى سبيل الله تعالى نفقة العيال والأقارب، والغزو والضيف، واليتيم، وليس المراد خصوص الغزو كما قيل، او الزكاة كما قيل، والجملة مستأنفة لتأكيد أن السؤال ليس لاحتياج الله حاشاه، أو ليتملك المال صلى الله عليه وسلم لنفسه، وتأكيد لقبح البخل، وعلى مذهب الكوفيين يجوز جعل الاشارة موصولا، فالجملة صلة، أى ها أنتم الذين تدعون لتنفقوا فى سبيل الله. {فَمنْكم مَن يَبْخل} عن الانفاق المأمور به {ومَن يَبْخل} عنه {فإنما يبخل عن نفسِه} يتجاوز عن خير نفسه، ويعرض عنه، ولا يخفى أن البخل صرف للخير عن نفسه، ويجوز أن يكون المعنى: البخل صادر عن نفسه الأمارة بالسوء، والتى هى منبع البخل، فلا ينبغى اتباعها {والله الغنيُّ} حصر للغنى فى حق الله عز وجل، ولو ملك مخلوق الدنيا كلها والسموات، لكان اشد احياجا لكثرة ما يحتاج الى ابقائه، والى مزيد الشكر، وانما كان له ذلك من الله، وهو محتاج الى ابقاء ذاته ومنافعها كالابصار والسمع {وأنْتُم الفُقراء} حصر للفقر فيهم اضافى بالنسبة الى الله تعالى لأن غيرهم من سائر الناس والمخلوقات كلها فقيرة الى الله تعالى فى ايجادها وابقائها، ومصالحها، ومنها منافع الانفاق فإنه يحصل به ثواب لا يحصل بغيره لحكمة الله تعالى، فان امتثلتم نلتم ذلك. {وإن تَتولَّوا} عن الامتثال والعطف على أن تؤمنوا {يسْتَبدل قوماً غيركُم} كقوله تعالى: "أية : ويأت بخلق جديد"تفسير : [إبراهيم: 19] أى قوما يمتثلون كما قال الله تعالى: {ثم لا يكُونُوا} أى هذا القوم المستبدل منكم {أمثالكم} فى التولى عن الامتثال، بل يرغبون فيه بالايمان والتقوى، وثم للتراخى فى الزمان او الرتبة أو فيهما، على جواز استعمال اللفظ فى معنيين، ووجه تراخى الزمان أنه روى عبد الرزاق والطبرى، والطبرانى والبيهقى، والترمذى، عن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تلا: {وإن تتولوا} الخ فقالوا: "حديث : يا رسول الله من هؤلاء الذين إن تولينا استبدلوا بنا، ثم لا يكونوا أمثالنا، فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم على منكب سلمان ثم قال: "هذا وقومه والذي نفسي بيده لو كان الإيمان منوطاً بالثريا لناوله رجال من فارس"" تفسير : ويروى من ابناء فارس، ويروى هذا وذووه. وروى ابن مردويه، عن جابر: لو كان الدين بدل لو كان الايمان فان القوم هم: عبد الرحمن بن رستم الفارسى الاما الذى ملك من الاسكندرية الى طنجة، وأجراهم على كتاب الله عز وجل، وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وبينه وبين الآية زمان مديد، كثرت الفرق والاختلاط فى الدين، وذلك تول، فجاء الله الرحمن الرحيم به، ولم تعرف طائفة من فارس قامت بذلك، وان كان فأفراد فيه علمنا أن الشرط واقع، وهب أنه غير واقع، ولم يكن استبدال كما قال الكلبى، لم يتولوا فلم يستبدل تعالى قوما غيرهم، لكن لنا ذلك الامام الصادق، مع أن من عرف اختلاف الأمة اختلافا باطلا الا من عصمه الله تعالى، جزم بأنها استبدلت، لكن لا بالارتداد، بل باعتقاد الباطل كالرؤية، وكون صفاته تعالى غيره، وخلق الفاعل فعله ونحو ذلك من الأباطيل الاعتقادية وبالحكم بالجور وسائر البدع. وقيل: القوم الأنصار، وقيل: أهل اليمن، وقيل كندة والنخع، وقيل: مسلمون من العجم، وقيل: مسلمون من الروم، ويبعد ما قيل: انهم الملائكة، فانه لم يشهر اطلاق القوم عليهم، وأن المتبادر الاستخلاف من جنس المخاطبين، وأنه ظهور فى الأرض، والخطاب لقريش أو لأهل المدنية أو للمخاطبين قبل، والله أعلم.
الالوسي
تفسير : {ثُمَّ أَنتُمْ هَـٰؤُلاء } أي أنتم أيها المخاطبون هؤلاء الموصوفون بما تضمنه قوله تعالى: {أية : إِن يَسْأَلْكُمُوهَا} تفسير : [محمد: 37] الخ، والجملة مبتدأ وخبر وكررت (ها) التنبيهية للتأكيد، وقوله سبحانه: {تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ } الخ استئناف مقرر ومؤكد لذلك لاتحاد محصل معناهما، فإن دعوتهم للإنفاق هو سؤل الأموال منهم وبخل ناس منهم هو معنى عدم الإعطاء المذكور مجملاً أولاً، أو صلة لهؤلاء على أنه بمعنى الذين فإن اسم الإشارة يكون موصولاً مطلقاً عند الكوفيين وأما البصريون فلم يثبتوا اسم الإشارة موصولاً إلا إذا تقدمه (ما) الاستفهامية باتفاق أو (من) الاستفهامية باختلاف، والإنفاق في سبيل الله تعالى هو الإنفاق المرضي له تعالى شأنه مطلقاً فيشمل النفقة للعيال والأقارب والغزو وإطعام الضيوف والزكاة وغير ذلك وليس مخصوصاً بالإنفاق للغزو أو بالزكاة كما قيل. {فَمِنكُم مَّن يَبْخَلُ } أي ناس يبخلون {وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ } فلا يتعدى ضرر بخله إلى غيرها يقال: بخلت عليه وبخلت عنه لأن البخل فيه معنى المنع ومعنى التضييق على من منع عنه المعروف والإضرار فناسب أن يعدى بعن للأول وبعلى للثاني، وظاهر أن من منع المعروف عن نفسه فإضراره عليها فلا فرق بين اللفظين في الحاصل، وقال الطيبـي: يمكن أن يقال يبخل عن نفسه على معنى يصدر البخل عن نفسه لأنها مكان البخل ومنبعه كقوله تعالى: {أية : وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ } تفسير : [الحشر: 9] وهو كما ترى. {وَٱللَّهُ ٱلْغَنِيُّ } لا غيره عز وجل {وَأَنتُمُ ٱلْفُقَرَاء } الكاملون في الفقر فما يأمركم به سبحانه فهو لاحتياجكم إلى ما فيه من المنافع التي لا تقتضي الحكمة إيصالها بدون ذلك فإن امتثلتم فلكم وإن توليتم فعليكم. وقوله تعالى: {وَإِن تَتَوَلَّوْاْ } عطف على قوله سبحانه: {إِن تُؤْمِنُواْ } أي وإن تعرضوا عن الإيمان والتقوى {يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ } يخلق مكانكم قوماً آخرين وهو كقوله تعالى: {أية : وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ } تفسير : [فاطر: 16] {ثُمَّ لاَ يَكُونُواْ أَمْثَـٰلَكُم } في التولي عن الإيمان والتقوى بل يكونون راغبين فيهما. و(ثم) للتراخي حقيقة أو لبعد المرتبة عما قبل. والمراد بهؤلاء القوم أهل فارس، فقد أخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبـي حاتم والطبراني في «الأوسط» والبيهقي في «الدلائل» والترمذي وهو حديث صحيح على شرط مسلم عن أبـي هريرة قال: «حديث : تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية {وَإِن تَتَوَلَّوْاْ } الخ فقالوا: يا رسول الله من هؤلاء الذين إن تولينا استبدلوا بنا ثم لا يكونون أمثالنا؟ فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم على منكب سلمان ثم قال: هذا وقومه والذي نفسي بيده لو كان الإيمان منوطاً بالثريا لتناوله رجال من فارس»تفسير : . وجاء في رواية ابن مردويه عن جابر: الدين بدل الإيمان، وقيل: هم الأنصار، وقيل: أهل اليمن، وقيل: كندة والنخع، وقيل: العجم، وقيل: الروم، وقيل: الملائكة وحمل القوم عليهم بعيد في الاستعمال، وحيث صح الحديث فهو مذهبـي. والخطاب لقريش أو لأهل المدينة قولان والظاهر أنه للمخاطبين قبل، والشرطية غير واقعة، فعن الكلبـي شرط في الاستبدال توليهم لكنهم لم يتولوا فلم يستبدل سبحانه قوماً غيرهم والله تعالى أعلم. ومما قاله بعض أرباب الإشارة في بعض الآيات: {أية : يأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ إِن تَنصُرُواْ ٱللَّهَ يَنصُرْكُمْ } تفسير : [محمد: 7] نصرة الله تعالى من العبد على وجهين صورة ومعنى، أما نصرته تعالى في الصورة فنصرة دينه جل شأنه بإيضاح الدليل وتبيينه وشرح فرائضه وسننه وإظهار معانيه وأسراره وحقائقه ثم بالجهاد عليه وإعلاء كلمته وقمع أعدائه، وأما نصرته في المعنى فبإفناء الناسوت / في اللاهوت، ونصرة الله سبحانه للعبد على وجهين أيضاً صورة ومعنى، أما نصرته تعالى للعبد في الصورة فبإرسال الرسل وإنزال الكتب وإظهار المعجزات والآيات وتبيين السبل إلى النعيم والجحيم، ثم بالأمر بالجهاد الأصغر والأكبر وتوفيق السعي فيهما طلباً لرضاه عز وجل، وأما نصرته تعالى له في المعنى فبإفناء وجوده في وجوده سبحانه بتجلي صفات جماله وجلاله {مَّثَلُ ٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِي وُعِدَ ٱلْمُتَّقُونَ } يشير إلى جنة قلوب أرباب الحقائق الذين اتقوا عما سواه جل وعلا {فِيهَا أَنْهَارٌ مّن مَّاء غَيْرِ ءاسِنٍ } هو ماء الحياة الروحانية لم يتغير بطول المكث {وَأَنْهَارٌ مّن لَّبَنٍ } وهو العلم الحقاني الذي هو غذاء الأرواح أو لبن الفطرة التي فطر الناس عليها {لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ } بحموضة الشكوك والأوهام أو الأهواء والبدع {وَأَنْهَـٰرٌ مّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لّلشَّـٰرِبِينَ} وهي خمر الشوق والمحبة:شعر : يقولون لي صفها فأنت بوصفها خبير أجل عندي بأوصافها علم صفاء ولا ماء ولطف ولا هوى ونور ولا نار وروح ولا جسم تفسير : {وَأَنْهَـٰرٌ مّنْ عَسَلٍ } وهو عسل الوصال {مُّصَفّىً } عن كدر الملال وخوف الزوال {وَلَهُمْ فِيهَا مِن كُلّ ٱلثَّمَرٰتِ } اللذائذ الروحانية {وَمَغْفِرَةٌ مّن رَّبّهِمْ } ستر لذنب وجودهم كما قيل:شعر : وجودك ذنب لا يقاس به ذنب تفسير : {كَمَنْ هُوَ خَـٰلِدٌ فِي ٱلنَّارِ } نار الجفاء {وَسُقُواْ مَاء حَمِيماً } وهو ماء الخذلان {أية : فَقَطَّعَ أَمْعَاءهُمْ } تفسير : [محمد: 15] من الحرمان {أية : ولو نشاء لأَرَيْنَـٰكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُم بِسِيمَـٰهُمْ } تفسير : [محمد: 30] وهي ظلمة في وجوههم تدرك بالنظر الإلهي قيل: المؤمن ينظر بنور الفراسة والعارف بنور التحقيق والنبـي عليه الصلاة والسلام ينظر بالله عز وجل، وقيل: كل من رزق قرب النوافل ينظر به تعالى لحديث «حديث : لا يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به» تفسير : الحديث وحينئذ يبصر كل شيء، ومن هنا كان بعض الأولياء الكاملين يرى على ما حكي عنه أعمال العباد حين يعرج بها وسبحان السميع البصير اللطيف الخبير.
ابن عاشور
تفسير : كلام المفسرين من قوله: {أية : ولا يسألْكُم أموالَكم}تفسير : [محمد: 36] إلى قوله: {أية : عن نفسه}تفسير : [محمد: 38] يعرب عن حَيرة في مراد الله بهذا الكلام. وقد فسرناه آنفاً بما يشفي وبقي علينا قوله: {ها أنتم هؤلاء تُدْعَوْن لتنفقوا} الخ كيف موقعه بعد قوله: {ولا يسألكم أموالكم} فإن الدعوة للإنفاق عين سؤال الأموال فكيف يجمع بين ما هنا وبين قوله آنفاً {ولا يسألكم أموالكم}. فيجوز أن يكون المعنى: تُدْعَون لتنفقوا في سبيل الله لتدفعوا أعداءكم عنكم وليس ذلك لينتفع به الله كما قال: {والله الغني وأنتم الفقراء}. ونظم الكلام يقتضي أن هذه دعوة للإنفاق في الحال وليس إعلاماً لهم بأنهم سيدعون للإنفاق فهو طلبٌ حاصل. ويحمل {تدْعَون} على معنى تؤمرون أي أمر إيجاب. ويجوز أن يحمل {تدعون} على دعوة الترغيب، فتكون الآية تمهيداً للآيات المقتضية إيجاب الإنفاق في المستقبل مثل آية {أية : وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله}تفسير : [التوبة: 41] ونحوها، ويجوز أن يكون إعلاماً بأنهم سيدعون إلى الإنفاق في سبيل الله فيما بعد هذا الوقت فيكون المضارع مستعملاً في زمن الاستقبال والمضارع يحتمله في أصْل وضعه. وعلى الاحتمالين فقوله: {فمنكم من يبْخل ومن يبْخل فإنما يبْخل عن نفسه} إما مسوق مساق التوبيخ أو مساق التنبيه على الخطإ في الشح ببذل المال في الجهاد الذي هو محلّ السياق لأن المرء قد يبخل بُخلاً ليس عائداً بخلُه عن نفسه. ومعنى قوله: {فإنما يبخل عن نفسه} على الاحتمال الأول فإنما يبْخل عن نفسه إذ يتمكن عدّوه من التسلط عليه فعاد بُخله بالضر عليه، وعلى الاحتمال الثاني فإنما يبْخل عن نفسه بحرمانها من ثواب الإنفاق. والقصر المستفاد من {إنما} قصر قلب باعتبار لازم بُخله لأن الباخل اعتقد أنه منع من دَعاه إلى الإنفاق ولكن لازم بخله عاد عليه بحرمان نفسه من منافع ذلك الإنفاق، فالقصر مجاز مرسل مركَّب. وفعل (بخل) يتعدى بــ {عن} لما فيه من معنى الإمساك ويتعدى بــ (على) لما فيه من معنى التضييق على المبخول عليه. وقد عدي هنا بحرف {عن}. {وها أنتم هؤلاء} مركب من كلمة (ها) تنبيه في ابتداء الجملة، ومن ضمير الخطاب ثم من (هَا) التنبيه الداخلة على اسم الإشارة المفيدة تأكيد مدلول الضمير. ونظيرُه قوله: {أية : ها أنتم هؤلاء جادلتم عنهم في الحياة الدنيا} تفسير : في سورة النساء (109). والأكثر أن يكون اسم الإشارة في مثله مجرداً عن (ها) اكتفاء بـ (هاء) التنبيه التي في أول التركيب كقوله تعالى: {أية : ها أنتم أولاء تحبونهم} تفسير : في سورة آل عمران (119). وجملة {تُدْعَون} في موضع الحال من اسم الإشارة، ومجموع ذلك يفيد حصول مدلول جملة الحال لصاحبها حصولاً واضحاً. وزعم كثير من النحاة أن عدم ذكر اسم الإشارة بعد (ها أنا) ونحوه لحن، لأنه لم يسمع دخول (ها) التنبيه على اسم غير اسم الإشارة كما ذكره صاحب «مغني اللبيب»، بناء على أن (ها) التنبيه المذكورة في أول الكلام هي التي تدخل على أسماء الإشارة في نحو: هذا وهؤلاء، وأن الضمير الذي يذكر بعدها فصل بينها وبين اسم الإشارة. ولكن قد وقع ذلك في كلام صاحب «المغني» في ديباجة كتابه إذ قال: "وها أنا بائح بما أسررته"، وفي موضعين آخرين منه نبه عليهما بدر الدين الدماميني في شرحه «المزج على المغني»، وذكر في شرحه الذي بالقول المشتهر بــ «الحواشي الهندية» أن تمثيل الزمخشري في «المفصل» بقوله: "ها إن زيداً منطلق" يقتضي جواز: ها أنا أفعل، لكن الرضِيّ قال: لم أعثر بشاهد على وقوع ذلك. وجملة {والله الغني وأنتم الفقراء} تذييل للشيء قبلها فالله الغني المطلق، والغني المطلق لا يسأل الناس مالاً في شيء، والمخاطبون فقراء فلا يطمع منهم البذل فتعين أن دعاءهم لينفقوا في سبيل الله دعاء بصرف أموالهم في منافعهم كما أشار إلى ذلك قوله: {ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه}. والتعريف باللام في {الغني} وفي {الفقراء} تعريف الجنس، وهو فيهما مؤذن بكمال الجنس في المخبر عنه، ولما وقعا خبرين وهما معرفتان أفادا الحصْر، أي قصر الصفة على الموصوف، أي قصر جنس الغنِيّ على الله وقصر جنس الفقراء على المخاطبين بــ {أنتم} وهو قصر ادعائي فيهما مرتب على دلالة (ال) على معنى كمال الجنس، فإن كمال الغنى لله لا محالة لعمومه ودوامه، وإن كان يثبت بعض جنس الغني لغيره. وأما كمال الفقر للناس فبالنسبة إلى غنى الله تعالى وإن كانوا قد يغْنَون في بعض الأحوال لكن ذلك غنًى قليل وغير دائم. {وَإِن تَتَوَلَّوْاْ يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لاَ يكونوا أمثالكم}. عطف على قوله: {أية : وإن تؤمنوا وتتقوا يؤتكم أجوركم}تفسير : [محمد: 36]. والتولي: الرجوع، واستعير هنا لاستبدال الإيمان بالكفر، ولذلك جعل جزاؤه استبدال قوم غيرهم كما استبدلوا دينَ الله بدين الشرك. والاستبدال: التبديل، فالسين والتاء للمبالغة، ومفعوله {قوماً}. والمستبدَل به محذوف دل على تقديره قوله {غيركم}، فعلم أن المستبدل به هو ما أضيف إليه (غير) لِتعيّن انحصار الاستبدال في شيئين، فإذا ذكر أحدهما علم الآخر. والتقدير: يستبدل قوماً بكم لأن المستعمَل في فعل الاستبدال والتبديل أن يكون المفعولُ هو المعوَّض ومجرور الباء هو العوَض كقوله: {أية : أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير} تفسير : تقدم في سورة البقرة (61). وإن كان كلا المتعلقين هو في المعنى معوض وعوض باختلاف الاعتبار، ولذلك عدل في هذه الآية عن ذكر المجرور بالباء مع المفعول للإيجاز. والمعنى: يتخذ قوماً غيركم للإيمان والتقوى، وهذا لا يقتضي أن الله لا يوجد قوماً آخرين إلاّ عند ارتداد المخاطبين، بل المراد: أنكم إن ارتددتم عن الدين كان لله قوم من المؤمنين لا يرتدون وكان لله قوم يدخلون في الإيمان ولا يرتدون. روى الترمذي عن أبي هريرة قال: تَلا رسول الله هذه الآية {وإن تتولوا يستبدل قوماً غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم}. قالوا: ومن يُستبدَل بنا؟ قال: فضرب رسولُ الله صلى الله عليه وسلم على منكب سَلْمان (الفارسي) ثم قال: هذا وقومُه، هذا وقومه» قال الترمذي حديث غريب. وفي إسناده مقال. وروى الطبراني في «الأوسط»: هذا الحديث على شرطِ مسلم وزاد فيه «حديث : والذي نفسي بيده لو كان الإيمانُ منوطاً بالثريا لتناوله رجال من فارس»تفسير : . وأقول هو يدل على أن فارس إذا آمنوا لا يرتدون وهو من دلائل نبوءة النبي صلى الله عليه وسلم فإن العرب ارتد منهم بعض القبائل بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم وارتدّ البربر بعد فتح بلادهم وإيمانهم ثنتي عشرة مرة فيما حكاه الشيخ أبو محمد ابن أبي زيد، ولم يرتد أهل فارس بعد إيمانهم. و {ثم} للترتيب الرتبي لإفادة الاهتمام بصفة الثبات على الإيمان وعلوّها على مجرد الإيمان، أي ولا يكونوا أمثالكم في التولِّي. والجملة معطوفة بــ (ثم) على جملة {يستبدل قوماً غيركم} فهي في حيّز جواب الشرط والمعطوف على جواب الشرط بحرف من حروف التشريك يجوز جزمه على العطف، ويجوز رفعه على الاستئناف. وقد جاء في هذه الآية على الجزم وجاء في قوله تعالى: {أية : وإن يقاتلوكم يولُّوكم الأدبار ثم لا ينصرون}تفسير : [آل عمران: 111] على الرفع. وأبدى الفخر وجهاً لإيثار الجزم هنا وإيثار الاستئناف هنالك فقال: وهو مع الجواز فيه تدقيق وهو أن ههنا لا يكون متعلقاً بالتولّي لأنهم إن لم يتولوا يكونون ممن يأتي الله بهم على الطاعة، وإن تولوا لا يكونون مثلهم لكونهم عاصين وكون من يأتي الله بهم مطيعين، وأما هنالك فسواء قاتلوا أو لم يقاتلوا لا يُنصرون فلم يكن للتعليق (أي بالشرط) هنالك وجه فرفع بالابتداء وههنا جُزم للتعليق اهــ. وهو دقيق ويزاد أن الفعل المعطوف على الجزاء في آية آل عمران وقع في آخر الفاصلة التي جرت أخواتها على حرف الواو والنون فلو أوثر جزم الفعل لأزيلت النون فاختلّت الفاصلة.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {وَٱللَّهُ ٱلْغَنِيُّ وَأَنتُمُ ٱلْفُقَرَآءُ}. قد قدمنا الآيات الموضحة له قريباً في الكلام على قوله تعالى:{أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَشَآقُّواْ ٱلرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ ٱلْهُدَىٰ}تفسير : [محمد: 32] الآية. قوله تعالى: {وَإِن تَتَوَلَّوْاْ يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُونُوۤاْ أَمْثَالَكُمُ}. وقد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة النساء في الكلام على قوله تعالى:{أية : إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا ٱلنَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ ذٰلِكَ قَدِيراً}تفسير : [النساء: 133].
د. أسعد حومد
تفسير : {هَا أَنتُمْ} {أَمْثَالَكُم} (38) - إنَّكُمْ يَا أيُّها المُسْلِمُونَ تُدعونَ إلى الإِنْفَاقِ في سَبِيلِ اللهِ، وَفي سَبيلِ مُجَاهَدَةِ أعْدَائِهِ، وَفي سَبِيلِ نَصْرِ دِينِهِ. وَمَنَ المُؤمِنينَ مَنْ يَبْخلُ بالإِنْفَاقِ في هذا السَّبِيلِ، وَمَنْ يَبْخلْ فَإِنَّما يضُرُّ نَفْسَهُ بِذَلِكَ، لأَنَّهُ يَحرمُها ثَوابَ اللهِ، وَيَحْرِمُها مِنْ رِضْوَانِ اللهِ، وَاللهُ غَنِيٌّ عَنِ العِبَادِ، وَعَنْ أمْوالِهِم وَعَنْ جِهَادِهِمْ، وَهُمُ الفُقَراءُ إلى فَضْلِهِ وإحْسَانِهِ، وَإنما حَثَّهُمْ عَلَى الجِهادِ وَالبَذْلِ لِيَنَالوا الأجْرَ وَالمثَوُبةَ. ثُمَّ يَقُولُ تَعَالى لَهُم: إنَّهُم إنْ كَانُوا يَتَوَلَّوْنَ عَنْ طَاعَةِ رَبِّهِمْ، وَعَنِ اتِّبَاعِ شَرْعِهِ فإنه قادِرٌ عَلى إهْلاَكِهِمْ، وَعَلى الإِتْيَانِ بقَومٍ آخَرِينَ يُؤمِنُونَ باللهِ وَيَسْتَجِيبُونَ لأوامِرِهِ، وَيَعْمَلُونَ بشَرائِعِهِ، وَلاَ يَكُونُونَ أمْثَالَ مَنْ أهْلَكَهُمْ في البُخْلِ وَالتَّبَاطُؤِ عَنِ الجِهَادِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : قوله تعالى: {هَا أَنتُمْ هَـٰؤُلاَءِ ..} [محمد: 38] (ها) أداة تنبيه لجذب الانتباه، و(أنتم) ضمير للخطاب، و(هؤلاء) إشارة لهذا المخاطب أنتم، فالمخاطب هو عَيْن المشار إليه، إذن: جمعتْ الآية بين أدوات ثلاثة لتأكيد التنبيه ولمزيد الاهتمام. جاء بـ هاء التنبيه لأن المتكلم حر يتكلم في الوقت الذي يريده فهو يملك زمام الأمر، أما المخاطب فلا يملك ذلك ولا يدري متى تتكلم ليسمع، لذلك نأتي بأداة التنبيه ليستعد ولا يفوته شيء من الكلام. فالحق سبحانه وتعالى يخاطبهم بكل هذه الأدوات ليؤكد نداءه لهم ودعوته لهم لينفقوا {تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ..} [محمد: 38] مَنْ الذي يدعو؟ الله يدعوهم لينفقوا. تأمل هنا كيف أن الحق سبحانه يحترم ويُقدِّر مجهودات البشر؟ فرغم أنه هو سبحانه الخالق الرازق مُسبِّب الأسباب منحك القوة التي تعمل بها، والعقل الذي تفكر به، والمادة التي تستعملها، ومع ذلك احترم دورك في أنْ تُوجِّه الطاقة المخلوقة لله في شيء نافع مفيد وقال لك: أنفق كأن المالَ مالك وهو يقترضه منك قرضاً حسناً. كما أنك تعطي ابنك مصروفه اليومي فيدخره مثلاً في حصالة، ثم يطرأ عليك ظروف تحتاج فيها ما في حصالة الولد. فتقول له: أعطني ما في الحصالة سلف وسوف أرده إليك لما أقبض. يقول تعالى: {أية : مَّن ذَا ٱلَّذِي يُقْرِضُ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَٰعِفَهُ لَهُ ..}تفسير : [البقرة: 245] فالحق سبحانه حرَّم الربا في التعامل بين البشر، لكن أحله لنفسه تعالى حين يقترض منهم، وهذا فضل وتكرُّم من الله على الخَلْق في الأولى وفي الآخرة. وقوله: {لِتُنفِقُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ..} [محمد: 38] في كل الوجوه التي يحبها الله في الإنفاق من خَلْقه لخلقه، وهو سبحانه قادر أنْ يغني الجميع فلا يحتاج أحد لأحد، إنما أراد سبحانه أنْ تتواصل القلوب وتتشابك المصالح ويترابط الخَلْق بمشاعر الإيمان، حيث يعطف الغني على الفقير، ولا يحقد الفقير على الغني، وحيث يرحم القوي الضعيف. لكن لما دعاهم الله للإنفاق كان منهم قسم يبخل {فَمِنكُم مَّن يَبْخَلُ ..} [محمد: 38] وهؤلاء هم الذين لا يفهمون فلسفة التجارة مع الله ولا عاقبة الإنفاق، لا يعرفون أن النفقة بهذا الشكل تزيد المال ولا تنقصه، واقرأ: {أية : مَّن ذَا ٱلَّذِي يُقْرِضُ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَٰعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً وَٱللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ}تفسير : [البقرة: 245]. الإنفاق في سبيل الله مثل رجل حصد القمح وأدخل المخزن عنده عشرة أرادب مثلاً عندما يأخذ أردباً منها ليزرع به الأرض من جديد، هل يقول أن القمح نقص أردباً؟ لا لأنه سيأخذه مضاعفاً. إذن: لا تنظر إلى ما يخرج لكن انظر أيضاً إلى ما سيأتي لتكتمل الصورة ويكون الحساب صحيحاً، حتى الربا في تعاملات الناس يعطيك بزياة خمسة أو عشرة في المائة. أما ربك عز وجل فيعطيك سبعين أو سبعمائة أو أضعاف ذلك، واقرأ: {أية : مَّثَلُ ٱلَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ وَٱللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَآءُ وَٱللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ}تفسير : [البقرة: 261]. لذلك وقف المستشرقون عند حديث سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : مكتوب على باب الجنة أن الصدقة بعشر أمثالها، والقرض بثمانية عشر"تفسير : وقالوا: هذا مناقض للقرآن الذي يقرر أن الحسنة بعشر أمثالها، والواقع أنه لا يوجد بينهما تناقض أبداً، لأنني حين أُخرج الدرهم قرضاً يعطيني عشرة منها الدرهم الذي دفعته. إذن: أعطاني تسعة فحين تُضاعف تكون ثمانية عشر. والحق سبحانه وتعالى لما حثَّنا على القرض علَّمنا كيف نتعامل مع المقترض، فقال: {أية : وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيْسَرَةٍ وَأَن تَصَدَّقُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ}تفسير : [البقرة: 280]. فالمرحلة الأولى أنْ تنظره لحين يتيسر له السداد، ثم لك بعد ذلك أن تكمل إحسانك وتتسامح في هذا القرض أو بعضه على سبيل الصدقة، وهذا هو الخير لمن تتوق نفسه إلى معالي الأمور. ثم في قوله تعالى: {فَمِنكُم مَّن يَبْخَلُ ..} [محمد: 38] إنصاف لأمة محمد صلى الله عليه وسلم وبيان لشرفها، فالكثرة تنفق والقلَّة تبخل، في الأمة مَنْ أنفق كل ماله في سبيل الله، ومَنْ أنفق شطر ماله في سبيل الله. وقد بلغ البذل والعطاء في هذه الأمة مبلغاً لا مثيل له في التاريخ، حيث كان الأنصاري يقول لأخيه المهاجر: انظر إلى نسائي أيّهن أعجبتْك أطلقها لتتزوجها أنت، مع ما هو معلوم من مكانة المرأة خاصة عند الرجل، لكنها السماحة والتضحية. وفي المقابل تجد هذا الصحابي المهاجر، وهو سيدنا عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه يرفض هذا العرض السخي ويدعو لأخيه ويقول له: لا يا أخي، بارك الله لك في نسائك، لكن دُلّني على السوق. وذهب عبد الرحمن إلى السوق وتاجر، حتى كان أغنى صحابة رسول الله، حتى قالوا: إنه لو تاجر في التراب لربح فيه. وكان عنده ألفُ عبد، وجاء رجل يسأل أحدهم: ما حال ابن عوف فيكم؟ فقال: والله لو أقبلت علينا وهو معنا لا تعرفه من بيننا لأنه يُلبسنا مما يلبس، ويُطعمنا مما يأكل. فرغم ما ركز في النفس الإنسانية من حب المال وحب التملك إلا أنه يوجد من الناس من جبل على الجود والكرم، يعطي بلا حدود، يعطي عطاء مَنْ لا يخشى الفقر، انظر مثلاً إلى كرم حاتم الطائي وهو يقول لغلامه: شعر : أَوْقِدْ فَإنَّ الليْلَ لَيْلَ قُرّ وَالرِّيحُ يَا غُلامُ رِيح صُر عَلَّ يَرَى نَارَك مَنْ يمُرّ إنْ جلبتَ ضَيْفاً فَأنتَ حُر تفسير : ويُروى أنه جلس جماعة من القوم في ساحة مكة يتحدثون عن أجود أهل زمانهم، واختلفوا في ذلك، واحد قال: أجودهم سعيد بن سعد بن عُبادة. وآخر قال: بل عبد الله بن جعفر. وآخر قال: عرابة الأوسي في المدينة أجود منهما. وكادوا يقتتلون، فقال رجل عاقل منهم: ابعثوا إلى كل واحد من هؤلاء رجلاً يدخل عليه على أنه عابر سبيل وله حاجة، وانظروا كيف يقابله. فبعثوا رجلاً إلى عبد الله بن جعفر، فوجده يركب للصيد، وقد وضع رِجْلاً في الركاب والأخرى على الأرض، فقال له: يا ابن بنت رسول الله، عابر سبيل وطالب حاجة فأنزل رجْله من الركاب، وقال له: اركب وهذه حقيبة فيها أربعة آلاف دينار وفيها كسوة كذا وكذا، وفيها سيف علي بن أبي طالب فاحرص عليه. وذهب آخر لسعيد بن سعد بن عُبادة وطرق الباب فردَّتْ الخادمة: مَنْ؟ قال: عابر سبيل، وطالب حاجة. فقالت: إن صاحب البيت نائم، فماذا تريد؟ فقال: طالب حاجة، فقالت: حاجتُكَ أهون من أنْ أوقظه، والله ما عنده إلا سبعمائة دينار خُذها واذهب إلى معاقل الإبل، واختر لك راحلة وخادماً يخدمها، فلما استيقظ سعيد قالت له: حدث كذا وكذا، فقال: أفعلتِ ذلك؟ قالت: نعم، قال: فأنتِ حرة. ثم تلاحظ أن الأمر بالنفقة هنا لمن؟ للذين آمنوا خاصة الذين ناداهم: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ ..}تفسير : [محمد: 33] ذلك لشرف الإنفاق ومنزلة وثوابه المضاعف يريد ألاّ يحرم المؤمن نفسه من هذا الخير. حتى كلمة (نفقة) مأخوذة من سوق نافقة. يعني: رائجة رابحة لأنها تجارة مع الله، فلا تظن أنها تجارة كاسدة خاسرة، نعم سوق أقامها الحق سبحانه بين عباده لحكمة أرادها، فجعل منهم الغني والفقير، والقوي والضعيف، واختبر كلاً منهما بالآخر ليحدث هذه الحركة التكاملية في مجتمع الإيمان. لذلك قلنا: إن الله تعالى يريد من المؤمن أنْ يعمل على قدر طاقته لا على قدر حاجته، لأنه لو عمل على قدر حاجته وحاجة مَنْ يعول لن يبقى شيء للضعيف الذي لا يقدر على العمل، ثم إن الأيام دُوَل، وقد يصير القوي إلى حال الضعف فيحتاج، أو يصير الغني إلى حال الفقر، عندها يجد مَنْ يعطيه، والإنسان ابن أغيار. إذن: نستطيع أن نقول: إن الإنفاق الذي أمرنا الله به يمثل التأمين لمستقبل المؤمن، فلا يخاف على نفسه ولا على أولاده من بعده إنْ ألجأتْه الظروف إلى الحاجة، ويكون على ثقة بأن المجتمع المؤمن سيمدُّ له يد العون. والعجيب في أمر النفقة أن الحق سبحانه لم يعف منها أحداً، فمَنْ لا يقدر على نفقة المال تلزمه نفقة المقال، اقرأ قول الله تعلى: {أية : لَّيْسَ عَلَى ٱلضُّعَفَآءِ وَلاَ عَلَىٰ ٱلْمَرْضَىٰ وَلاَ عَلَى ٱلَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُواْ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى ٱلْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}تفسير : [التوبة: 91]. فمَنْ كان واجداً وبخل على غير الواجد أنْ ينصحه وأنْ يوقظ غفلته، فإذا لم يفعل كان آثماً، فإذا لم يكُنْ لديه هذا ولا ذاك، شرحها الحق سبحانه في قوله: {أية : وَلاَ عَلَى ٱلَّذِينَ إِذَا مَآ أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لاَ أَجِدُ مَآ أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ ..}تفسير : [التوبة: 92] ماذا يصنعون؟ {أية : تَوَلَّوْا وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمْعِ حَزَناً أَلاَّ يَجِدُواْ مَا يُنْفِقُونَ}تفسير : [التوبة: 92]. فهذا الذي لا يملك شيئاً إلا البكاء والعواطف الجيَّاشة التي تعبر عن شوقه إلى الإنفاق ورغبته فيه، لكنه لا يملك فيكفيه هذه العواطف، وتُحسب له الأعمال بالنيات، وقد يشجعه هذا الموقف على أنْ يسعى ليفعل شيئاً ليعطي أيَّ شيء. وليحذر الغني أنْ يكون فتنة للفقير حين يمنعه حقه فيتذمر ويعترض على قضاء الله الذي حكم عليه بالفقر وعلى غيره بالغنى، لا تجمع عليه الفقر وعدم الرضا بالقضاء. واقرأ: {أية : وَٱلَّذِينَ يَكْنِزُونَ ٱلذَّهَبَ وَٱلْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * يَوْمَ يُحْمَىٰ عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَىٰ بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَـٰذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُواْ مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ}تفسير : [التوبة: 34-35]. والعاقل مَنْ خفف حمله يوم تثقل الأحمال على أصحابها، فلا يحملها عنهم أحد، ومن أراد أنْ يُخفِّف عن نفسه فلا أقلَّ من أنْ يعطي الزائد عن حاجته لمَنْ يستحق. كلمة {فَمِنكُم مَّن يَبْخَلُ ..} [محمد: 38] البخل هو قَبْض اليد عن الإنفاق، وهو عملية حركية تنشأ نتيجة مواجيد راسخة في النفس الإنسانية هي مشاعر الشح التي تدعو صاحبها لعدم الإنفاق. لذلك قال تعالى: {أية : وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ}تفسير : [الحشر: 9] أي: يتغلب على هذه الطبيعة فيه، ويكبت جماح نفسه حتى تطاوعه فينفق. ثم يُبيِّن الحق سبحانه عاقبة البخل: {وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ ..} [محمد: 38] يعني: بخله ناشىء من شُحِّ نفسه، أو يبخل عن نفسه يحرمها ثواب الصدقة والإنفاق ويحرمها مضاعفة الأجر. إذن: قوله (عن) أعطتنا معنيين: إما بيان مصدر البخل وهو شح النفس، أو بيان عاقبة البخل، وهي حرمان النفس من الثواب لا حرمان أحد آخر. وقد فهم العلماء العارفون هذه المعنى، فالإمام علي رضي الله عنه لما سُئل: أريد أنْ أعرف أنا من أهل الدنيا أم من أهل الأخرة، قال السائل: الجواب عندك أنت، قال: كيف؟ قال: إذا دخل عليك شخصٌ بهدية وآخر يطلب عطية، فلأيِّهما تبَشُّ وبأيهما تفرح؟ إن كنتَ تفرح بحامل الهدية فأنت من أهل الدنيا، وإنْ كنتَ تفرح بطالب العطية فأنتَ من أهل الآخرة. لذلك كان بعض الصالحين إذا دخل عليه سائل يقف له ويُرحِّب به ويقول: مرحباً بمَنْ جاء يحمل زادي إلى الآخرة بغير أجرة. وقوله سبحانه: {وَٱللَّهُ ٱلْغَنِيُّ وَأَنتُمُ ٱلْفُقَرَآءُ ..} [محمد: 38] لأن اليهود قالوا: إن الله فقير ونحن أغنياء، لأنه يقترض منا، فالله يرد عليهم بل الغنى لله، غني في ذاته عن خَلْقه، ويفيض من غناه فيغني الخلق بأنْ يزرع بينهم المودة والرحمة ويُحببهم في النفقة، فلا يتكبر الغنيُّ بغناه، ولا يحقد الفقير على الغني بسبب فقره، فالكل راضٍ يقول: الحمد لله، فكأن الغني كله مصدره الحق سبحانه وتعالى. ثم يقول سبحانه: {وَإِن تَتَوَلَّوْاْ ..} [محمد: 38] أي: تعرضوا وتمتنعوا عن الإنفاق الذي أمركم الله به، ولا تُصدقوا ما وعدكم الله به من الزيادة، فاعلموا أن الله لن يترك الضعيف والفقير والعاجز عن الكسب، إنما سيستبدلكم بمَنْ هو خير منكم فيستجيبوا لأمر الله وينفقوا على خَلْق الله. {وَإِن تَتَوَلَّوْاْ يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُونُوۤاْ أَمْثَالَكُم} [محمد: 38] لا يكونوا أمثالكم في البخل والشح وقَبْض اليد عن العطاء، لأنك عبدي وموظف عندي، فإنْ خالفتني آتي بغيرك يكون أفضل منك، فإذا لم تجد الخير في قوم ستجده في آخرين، وإذا لم تجده في بلد ستجده في بلد أخرى. ومعلوم أنه لما انتشر الإسلام في المشارق والمغارب كثر أهل الجود في شتى بلاد الإسلام، ولهم في جودهم قصص وحكايات.
مجاهد بن جبر المخزومي
تفسير : أَنبا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: ثنا آدم قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ} [الآية: 38]. قال: يستبدل من يشاءُ بمن يشاءُ.
همام الصنعاني
تفسير : 2892- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {وَإِن تَتَوَلَّوْاْ يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ}: [الآية: 38]، قال: إن تَتَوَلوا عن طاعة الله.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):