٤٨ - ٱلْفَتْح
48 - Al-Fath (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
1
Tafseer
الرازي
تفسير : وفيه مسائل: المسألة الأولى: في الفتح وجوه: أحدها: فتح مكة وهو ظاهر وثانيها: فتح الروم وغيرها وثالثها: المراد من الفتح صلح الحديبية ورابعها: فتح الإسلام بالحجة والبرهان، والسيف والسنان وخامسها: المراد منه الحكم كقوله {أية : رَبَّنَا ٱفْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِٱلْحَقّ } تفسير : [الأعراف: 89] وقوله {أية : ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِٱلْحَقّ } تفسير : [سبأ: 26] والمختار من الكل وجوه: أحدها: فتح مكة، والثاني: فتح الحديبية، والثالث: فتح الإسلام بالآية والبيان والحجة والبرهان. والأول مناسب لآخر ما قبلها من وجوه أحدها: أنه تعالى لما قال: {هَاأَنتُمْ هَـؤُلاَء تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُواْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ }. إلى أن قال: {أية : وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ } تفسير : [محمد: 38] بيّن تعالى أنه فتح لهم مكة وغنموا ديارهم وحصل لهم أضعاف ما أنفقوا ولو بخلوا لضاع عليهم ذلك فلا يكون بخلهم إلا على أنفسهم ثانيها: لما قال: {وَٱللَّهُ مَعَكُمْ } وقال: {أية : وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ } تفسير : [محمد: 35] بيّن برهانه بفتح مكة، فإنهم كانوا هم الأعلون ثالثها: لما قال تعالى: {أية : فَلاَ تَهِنُواْ وَتَدْعُواْ إِلَى ٱلسَّلْمِ } تفسير : [محمد: 35] وكان معناه لا تسألوا الصلح من عندكم، بل اصبروا فإنهم يسألون الصلح ويجتهدون فيه كما كان يوم الحديبية وهو المراد بالفتح في أحد الوجوه، وكما كان فتح مكة حيث أتى صناديد قريش مستأمنين ومؤمنين ومسلمين، فإن قيل: إن كان المراد فتح مكة، فمكة لم تكن قد فتحت، فكيف قال تعالى: {فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً } بلفظ الماضي؟ نقول: الجواب عنه من وجهين: أحدهما: فتحنا في حكمنا وتقديرنا ثانيهما: ما قدره الله تعالى فهو كائن، فأخبر بصيغة الماضي إشارة إلى أنه أمر لا دافع له، واقع لا رافع له. المسألة الثانية: قوله {لّيَغْفِرَ لَكَ ٱللَّهُ } ينبىء عن كون الفتح سبباً للمغفرة، والفتح لا يصلح سبباً للمغفرة، فما الجواب عنه؟ نقول: الجواب عنه من وجوه: الأول: ما قيل إن الفتح لم يجعله سبباً للمغفرة وحدها، بل هو سبب لاجتماع الأمور المذكورة وهي: المغفرة، وإتمام النعمة والهداية والنصرة، كأنه تعالى قال: ليغفر لك الله ويتم نعمته ويهديك وينصرك، ولا شك أن الاجتماع لم يثبت إلا بالفتح، فإن النعمة به تمت، والنصرة بعده قد عمت الثاني: هو أن فتح مكة كان سبباً لتطهير بيت الله تعالى من رجس الأوثان، وتطهير بيته صار سبباً لتطهير عبده الثالث: هو أن بالفتح يحصل الحج، ثم بالحج تحصل المغفرة، ألا ترى إلى دعاء النبي عليه الصلاة والسلام حيث قال في الحج: «حديث : اللّهم اجعله حجاً مبروراً، وسعياً مشكوراً، وذنباً مغفوراً» تفسير : الرابع: المراد منه التعريف تقديره إنا فتحنا لك ليعرف أنك مغفور، معصوم، فإن الناس كانوا علموا بعد عام الفيل أن مكة لا يأخذها عدو الله المسخوط عليه، وإنما يدخلها ويأخذها حبيب الله المغفور له. المسألة الثالثة: لم يكن للنبي صلى الله عليه وسلم ذنب، فماذا يغفر له؟ قلنا الجواب عنه قد تقدم مراراً من وجوه أحدها: المراد ذنب المؤمنين ثانيها: المراد ترك الأفضل ثالثها: الصغائر فإنها جائزة على الأنبياء بالسهو والعمد، وهو يصونهم عن العجب رابعها: المراد العصمة، وقد بينا وجهه في سورة القتال. المسألة الرابعة: ما معنى قوله {وَمَا تَأَخَّرَ }؟ نقول فيه وجوه أحدها: أنه وعد النبي عليه السلام بأنه لا يذنب بعد النبوة ثانيها: ما تقدم على الفتح، وما تأخر عن الفتح ثالثها: العموم يقال اضرب من لقيت ومن لا تلقاه، مع أن من لا يلقى لا يمكن ضربه إشارة إلى العموم رابعها: من قبل النبوة ومن بعدها، وعلى هذا فما قبل النبوة بالعفو وما بعدها بالعصمة، وفيه وجوه أُخر ساقطة، منها قول بعضهم: ما تقدم من أمر مارية، وما تأخر من أمر زينب، وهو أبعد الوجوه وأسقطها لعدم التئام الكلام، وقوله تعالى: {وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ } يحتمل وجوهاً: أحدها: هو أن التكاليف عند الفتح تمت حيث وجب الحج، وهو آخر التكاليف، والتكاليف نعم ثانيها: يتم نعمته عليك بإخلاء الأرض لك عن معانديك، فإن يوم الفتح لم يبق للنبي عليه الصلاة والسلام عدو ذو اعتبار، فإن بعضهم كانوا أهلكوا يوم بدر والباقون آمنوا واستأمنوا يوم الفتح ثالثها: ويتم نعمته عليك في الدنيا باستجابة دعائك في طلب الفتح، وفي الآخرة بقول شفاعتك في الذنوب ولو كانت في غاية القبح، وقوله تعالى: {وَيَهْدِيَكَ صِرٰطاً مُّسْتَقِيماً } يحتمل وجوهاً أظهرها: يديمك على الصراط المستقيم حتى لا يبقى من يلتفت إلى قوله من المضلين، أو ممن يقدر على الإكراه على الكفر، وهذا يوافق قوله تعالى: {أية : وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلإسْلاَمَ دِيناً } تفسير : [المائدة: 3] حيث أهلكت المجادلين فيه، وحملتهم على الإيمان وثانيها: أن يقال جعل الفتح سبباً للهداية إلى الصراط المستقيم، لأنه سهل على المؤمنين الجهاد لعلمهم بالفوائد العاجلة بالفتح والآجلة بالوعد، والجهاد سلوك سبيل الله، ولهذا يقال للغازي في سبيل الله مجاهد وثالثها: ما ذكرنا أن المراد التعريف، أي ليعرف أنك على صراط مستقيم، من حيث إن الفتح لا يكون إلا على يد من يكون على صراط الله بدليل حكاية الفيل، وقوله {وَيَنصُرَكَ ٱللَّهُ نَصْراً عَزِيزاً } ظاهر، لأن بالفتح ظهر النصر واشتهر الأمر، وفيه مسألتان إحداهما لفظية والأخرى معنوية: أما المسألة اللفظية: فهي أن الله وصف النصر بكونه عزيزاً، والعزيز من له النصر والجواب: من وجهين أحدهما: ما قاله الزمخشري أنه يحتمل وجوهاً ثلاثة الأول: معناه نصر إذ عز، كقوله {أية : فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ } تفسير : [الحاقة: 21] أي ذات رضى الثاني: وصف النصر بما يوصف به المنصور إسناداً مجازياً يقال له كلام صادق، كما يقال له متكلم صادق الثالث: المراد نصراً عزيزاً صاحبه الوجه الثاني من الجواب أن نقول: إنما يلزمنا ما ذكره الزمخشري من التقديرات إذا قلنا: العزة من الغلبة، والعزيز الغالب وأما إذا قلنا: العزيز هو النفيس القليل النظير، أو المحتاج إليه القليل الوجود، يقال عز الشيء إذا قل وجوده مع أنه محتاج إليه، فالنصر كان محتاجاً إليه ومثله لم يوجد وهو أخذ بيت الله من الكفار المتمكنين فيه من غير عدد. أما المسألة المعنوية: وهي أن الله تعالى لما قال: {لّيَغْفِرَ لَكَ ٱللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ } أبرز الفاعل وهو الله، ثم عطف عليه بقوله {وَيُتِمَّ } وبقوله {وَيَهْدِيَكَ } ولم يذكر لفظ الله على الوجه الحسن في الكلام، وهو أن الأفعال الكثيرة إذا صدرت من فاعل يظهر اسمه في الفعل الأول، ولا يظهر فيما بعده تقول: جاء زيد وتكلم، وقام وراح، ولا تقول: جاء زيد، وقعد زيد اختصاراً للكلام بالاقتصار على الأول، وههنا لم يقل وينصرك نصراً، بل أعاد لفظ الله، فنقول هذا إرشاد إلى طريق النصر، ولهذا قلما ذكر الله النصر من غير إضافة، فقال تعالى: {أية : بِنَصْرِ ٱللَّهِ يَنصُرُ } تفسير : [الروم: 5] ولم يقل بالنصر ينصر، وقال: {أية : هُوَ ٱلَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ } تفسير : [الأنفال: 62] ولم يقل بالنصر، وقال: {أية : إِذَا جَاءَ نَصْرُ ٱللَّهِ وَٱلْفَتْحُ } تفسير : [النصر: 1] وقال: {أية : نَصْرٌ مّن ٱللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ } تفسير : [الصف: 13] ولم يقل نصر وفتح، وقال: {أية : وَمَا ٱلنَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ } تفسير : [الأنفال: 10] وهذا أدل الآيات على مطلوبنا، وتحقيقه هو أن النصر بالصبر، والصبر بالله، قال تعالى: {أية : وَٱصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِٱللَّهِ } تفسير : [النحل: 127] وذلك لأن الصبر سكون القلب واطمئنانه، وذلك بذكر الله، كما قال تعالى: {أية : أَلاَ بِذِكْرِ ٱللَّهِ تَطْمَئِنُّ ٱلْقُلُوبُ } تفسير : [الرعد: 28] فلما قال ههنا وينصرك الله، أظهر لفظ الله ذكراً للتعليم أن بذكر الله يحصل اطمئنان القلوب، وبه يحصل الصبر، وبه يتحقق النصر، وههنا مسألة أخرى وهو أن الله تعالى قال: {إِنَّا فَتَحْنَا } ثم قال: {لّيَغْفِرَ لَكَ ٱللَّهُ } ولم يقل إنا فتحنا لنغفر لك تعظيماً لأمر الفتح، وذلك لأن المغفرة وإن كانت عظيمة لكنها عامة لقوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعاً } تفسير : [الزمر:53] وقال: {أية : وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء } تفسير : [النساء: 48] ولئن قلنا بأن المراد من المغفرة في حق النبي عليه السلام العصمة، فذلك لم يختص بنبينا، بل غيره من الرسل كان معصوماً، وإتمام النعمة كذلك، قال الله تعالى: {أية : ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي } تفسير : [المائدة: 3] وقال: {أية : يَـٰبَنِي إِسْرٰءيلَ ٱذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ ٱلَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ } تفسير : [البقرة: 47] وكذلك الهداية قال الله تعالى: {أية : يَهْدِي مَن يَشَاء } تفسير : [القصص: 56] فعمم، وكذلك النصر قال الله تعالى: {أية : وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا ٱلْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ ٱلْمَنصُورُونَ } تفسير : [الصافات: 171، 172] وأما الفتح فلم يكن لأحد غير النبي صلى الله عليه وسلم، فعظمه بقوله تعالى: {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً } وفيه التعظيم من وجهين أحدهما: إنا وثانيهما: لك أي لأجلك على وجه المنة.
القرطبي
تفسير : ٱختلف في هذا الفتح ما هو؟ ففي البخاري حدّثني محمد بن بشار قال حدّثنا غندر قال حدّثنا شعبة قال سمعت قتادة عن أنس «إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً» قال: الحديبِية. وقال جابر: ما كنا نعدّ فتح مكة إلا يوم الْحُدَيْبيَة. وقال الفرّاء: تعدون أنتم الفتح فتح مكة وقد كان فتح مكة فتحاً ونحن نعدّ الفتح بيعة الرضوان يوم الحديبِية، كنا نُعَدّ مع النبي صلى الله عليه وسلم أربع عشرة مائة، والحديبية بئر. وقال الضحاك: «إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً» بغير قتال. وكان الصلح من الفتح. وقال مجاهد: هو مَنْحَره بالحديبية وحلقه رأسه. وقال: كان فتح الحديبية آية عظيمة، نزح ماؤها فمج فيها فدرّت بالماء حتى شرب جميع من كان معه. وقال موسى بن عقبة: حديث : قال رجل عند مُنْصَرَفهم من الحديبية: ما هذا بفتح؛ لقد صدّونا عن البيت. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «بل هو أعظم الفتوح قد رضي المشركون أن يدفعوكم عن بلادهم بالراح ويسألوكم القضية ويرغبوا إليكم في الأمان وقد رأوا منكم ما كرهوا»تفسير : . وقال الشعبي في قوله تعالى: {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً } قال: هو فتح الحديبية، لقد أصاب بها ما لم يُصب في غزوة؛ غفر الله له ما تقدّم من ذنبه وما تأخر، وبويع بيعة الرضوان، وأطعِموا نخل خيبر، وبلغ الهَدْيُ مَحِلّه، وظهرت الروم على فارس؛ ففرح المؤمنون بظهور أهل الكتاب على المجوس. وقال الزهريّ: لقد كان الحديبية أعظم الفتوح؛ وذلك أن النبيّ صلى الله عليه وسلم جاء إليها في ألف وأربعمائة، فلما وقع الصلح مشى الناس بعضهم في بعض وعلموا وسمعوا عن الله، فما أراد أحد الإسلام إلا تمكن منه؛ فما مضت تلك السنتان إلا والمسلمون قد جاءوا إلى مكة في عشرة آلاف. وقال مجاهد أيضاً والعَوْفي: هو فتح خَيْبر. والأوّل أكثر؛ وخَيْبَرُ إنما كانت وعْداً وُعِدُوه؛ على ما يأتي بيانه في قوله تعالى: {أية : سَيَقُولُ ٱلْمُخَلَّفُونَ إِذَا ٱنطَلَقْتُمْ} تفسير : [الفتح:5 1]، وقوله: {أية : وَعَدَكُمُ ٱللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَـٰذِهِ}تفسير : [الفتح: 20]. حديث : وقال مُجَمِّع بن جارية ـ وكان أحد القرّاء الذين قرءوا القرآن ـ: شهدنا الحديبية مع النبيّ صلى الله عليه وسلم، فلما ٱنصرفنا عنها إذا الناس يهزون الأباعر؛ فقال بعض الناس لبعض: ما بال الناس؟ قالوا: أوحى الله إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم. قال: فخرجنا نُوجِف فوجدنا نبيّ الله صلى الله عليه وسلم عند كُراع الغَمِيم، فلما ٱجتمع الناس قرأ النبيّ صلى الله عليه وسلم «إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً» فقال عمر بن الخطاب: أوَفتحٌ هو يا رسول الله؟ قال: «نعم، والذي نفسي بيده إنه لفتح». فقسمت خيبر على أهل الحديبيةتفسير : ، لم يدخل أحد إلا من شهد الحديبية. وقيل: إن قوله تعالى: «فَتْحاً» يدل على أن مكة فتحت عَنْوة؛ لأن اسم الفتح لا يقع مطلقاً إلا على ما فتح عَنْوَةً. هذا هو حقيقة الاسم. وقد يقال: فُتح البلد صُلْحاً، فلا يفهم الصلح إلا بأن يُقرن بالفتح، فصار الفتح في الصلح مجازاً. والأخبار دالة على أنها فتحت عَنْوة؛ وقد مضى القول فيها، ويأتي.
البيضاوي
تفسير : مدنية نزلت في مرجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من الحديبية وآيها تسع وعشرون آية بسم الله الرحمن الرحيم {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً} وعد بفتح مكة، والتعبير عنه بالماضي لتحققه أو بما اتفق له في تلك السنة كفتح خيبر وفدك، أو إخبار عن صلح الحديبية وإنما سماه فتحاً لأنه كان بعد ظهوره على المشركين حتى سألوا الصلح وتسبب لفتح مكة، وفرغ به رسول الله صلى الله عليه وسلم لسائر العرب فغزاهم وفتح مواضع وأدخل في الإِسلام خلقاً عظيماً، وظهر له في الحديبية آية عظيمة وهي أنه نزح ماؤها بالكلية فتمضمض ثم مجه فيها فدرت بالماء حتى شرب جميع من كان معه، أو فتح الروم فإنهم غلبوا الفرس في تلك السنة. وقد عرفت كونه فتحاً للرسول عليه الصلاة والسلام في سورة «الروم». وقيل الفتح بمعنى القضاء أي قضينا لك أن تدخل مكة من قابل. {لّيَغْفِرَ لَكَ ٱللَّهُ } علة للفتح من حيث إنه مسبب عن جهاد الكفار والسعي في إزاحة الشرك وإعلاء الدين وتكميل النفوس الناقصة قهراً ليصير ذلك بالتدريج اختياراً، وتخليص الضعفة عن أيدي الظلمة. {مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ } جميع ما فرط منك مما يصح أن تعاتب عليه. {وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ } بإعلاء الدين وضم الملك إلى النبوة. {وَيَهْدِيَكَ صِرٰطاً مُّسْتَقِيماً } في تبليغ الرسالة وإقامة مراسم الرئاسة. {وَيَنصُرَكَ ٱللَّهُ نَصْراً عَزِيزاً } نصراً فيه عز ومنعة، أو يعز به المنصور فوصف بوصفه مبالغة. {هُوَ ٱلَّذِى أَنزَلَ ٱلسَّكِينَةَ} الثبات والطمأنينة. {فِى قُلُوبِ ٱلْمُؤْمِنِينَ } حتى ثبتوا حيث تقلق النفوس وتدحض الأقدام. {لِيَزْدَادُواْ إِيمَـٰناً مَّعَ إِيمَـٰنِهِمْ } يقيناً مع يقينهم برسوخ العقيدة واطمئنان النفس عليها، أو نزل فيها السكون إلى ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم ليزدادوا إيماناً بالشرائع مع إيمانهم بالله واليوم الآخر. {لِلَّهِ جُنُودُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ} يدبر أمرها فيسلط بعضها على بعض تارة ويوقع فيما بينهم السلم أخرى كما تقتضيه حكمته. {وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيماً } بالمصالح. {حَكِيماً } فيما يقدر ويدبر. {لّيُدْخِلَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَـٰتِ جَنَّـٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَـٰرُ خَـٰلِدِينَ فِيهَا} علة بما بعده لما دل عليه قوله تعالى: {وَلِلَّهِ جُنُودُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ} من معنى التدبير، أي دبر ما دبر من تسليط المؤمنين ليعرفوا نعمة الله فيه ويشكروها فيدخلهم الجنة ويعذب الكفار والمنافقين لما غاظهم من ذلك، أو {فَتَحْنَا } أو {أَنَزلَ } أو جميع ما ذكر أو {لِيَزْدَادُواْ}، وقيل إنه بدل منه بدل الاشتمال. {وَيُكَفّرَ عَنْهُمْ سَيّئَاتِهِمْ} يغطيها ولا يظهرها. {وَكَانَ ذٰلِكَ} أي الإِدخال والتكفير. {عِندَ ٱللَّهِ فَوْزاً عَظِيماً} لأنه منتهى ما يطلب من جلب نفع أو دفع ضر، وعند حال من الفوز. {وَيُعَذّبَ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ وَٱلْمُنَـٰفِقَـٰتِ وَٱلْمُشْرِكِينَ وَٱلْمُشْرِكَـٰتِ} عطف على {يَدْخُلِ} إلا إذا جعلته بدلاً فيكون عطفاً على المبدل منه. {ٱلظَّانّينَ بِٱللَّهِ ظَنَّ ٱلسَّوْءِ} ظن الأمر السوء وهو أن لا ينصر رسوله والمؤمنين. {عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ ٱلسَّوْء } دائرة ما يظنونه ويتربصونه بالمؤمنين لا يتخطاهم، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو {دَائِرَةُ ٱلسَّوْء} بالضم وهما لغتان، غير أن المفتوح غلب في أن يضاف إليه ما يراد ذمه والمضموم جرى مجرى الشر وكلاهما في الأصل مصدر {وَغَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ} عطف لما استحقوه في الآخرة على ما استوجبوه في الدنيا، والواو في الأخيرين والموضع موضع الفاء إذ اللعن سبب للاعداد، والغضب سبب له لاستقلال الكل في الوعيد بلا اعتبار النسبية. {وَسَاءتْ مَصِيراً } جهنم. {وَلِلَّهِ جُنُودُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَكَانَ ٱللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً}. {إِنَّا أَرْسَلْنَـٰكَ شَاهِداً } على أمتك. {وَمُبَشّراً وَنَذِيراً } على الطاعة والمعصية. {لّتُؤْمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ } الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والأمة، أو لهم على أن خطابه منزل منزلة خطابهم. {وَتُعَزّرُوهُ } وتقووه بتقوية دينه ورسوله {وَتُوَقّرُوهُ} وتعظموه. {وَتُسَبّحُوهُ } وتنزهوه أو تصلوا له. {بُكْرَةً وَأَصِيلاً } غدوة وعشياً أو دائماً. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو الأفعال الأربعة بالياء، وقرىء« تعزروه» بسكون العين و «تعزروه» بفتح التاء وضم الزاي وكسرها و «تعززوه» بالزاءين «وَتُوَقّرُوهُ» من أوقره بمعنى وقره. {إِنَّ ٱلَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ ٱللَّهَ} لأنه المقصود ببيعته. {يَدُ ٱللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ} حال أو استئناف مؤكد له على سبيل التخييل. {فَمَن نَّكَثَ} نقض العهد. {فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَىٰ نَفْسِهِ} فلا يعود ضرر نكثه إلا عليه. {وَمَنْ أَوْفَىٰ بِمَا عَـٰهَدَ عَلَيْهِ ٱللَّهَ} في مبايعته {فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً } هو الجنة، وقرىء «عهد» وقرأ حفص {عَلَيْهِ } بضم الهاء وابن كثير ونافع وابن عامر وروح «فسنؤتيه» بالنون. والآية نزلت في بيعة الرضوان.
ابن كثير
تفسير : نزلت هذه السورة الكريمة لما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من الحديبية في ذي القعدة من سنة ست من الهجرة، حين صده المشركون عن الوصول إلى المسجد الحرام فيقضي عمرته فيه، وحالوا بينه وبين ذلك، ثم مالوا إلى المصالحة والمهادنة، وأن يرجع عامه هذا، ثم يأتي من قابل، فأجابهم إلى ذلك على تكره من جماعة من الصحابة، منهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه كما سيأتي تفصيله في موضعه من تفسير هذه السورة إن شاء الله تعالى، فلما نحر هديه حيث أحصر ورجع، أنزل الله عز وجل هذه السورة فيما كان من أمره وأمرهم، وجعل ذلك الصلح فتحاً باعتبار ما فيه من المصلحة وما آل الأمر إليه، كما روى ابن مسعود رضي الله عنه وغيره أنه قال: إنكم تعدون الفتح فتح مكة ونحن نعد الفتح صلح الحديبية، وقال الأعمش عن أبي سفيان عن جابر رضي الله عنه قال: ما كنا نعد الفتح إلا يوم الحديبية، وقال البخاري: حدثنا عبيد الله بن موسى عن إسرائيل عن أبي إسحاق عن البراء رضي الله عنه قال: تعدون أنتم الفتح فتح مكة، وقد كان فتح مكة فتحاً، ونحن نعد الفتح بيعة الرضوان يوم الحديبية، كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أربع عشرة مئة، والحديبية بئر، فنزحناها فلم نترك فيها قطرة، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتانا فجلس على شفيرها، ثم دعا بإناء من ماء فتوضأ ثم تمضمض ودعا ثم صبه فيها، فتركناها غير بعيد، ثم إنها أصدرتنا ما شئنا نحن وركائبنا. وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو نوح، حدثنا مالك بن أنس عن زيد بن أسلم عن أبيه عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر، قال: فسألته عن شيء ثلاث مرات فلم يرد عليَّ، قال: فقلت في نفسي: ثكلتك أمك يابن الخطاب ألححت كررت على رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث مرات، فلم يرد عليك؟ قال: فركبت راحلتي، فحركت بعيري فتقدمت مخافة أن يكون نزل فيَّ شيء، قال: فإذا أنا بمناد: يا عمر قال: فرجعت وأنا أظن أنه نزل فيَّ شيء قال: فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : نزل علي البارحة سورة هي أحب إلي من الدنيا وما فيها: { إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً لِّيَغْفِرَ لَكَ اللهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ}» تفسير : ورواه البخاري والترمذي والنسائي من طرق عن مالك رحمه الله، وقال علي بن المديني: هذا إسناد مدني جيد لم نجده إلا عندهم. وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر عن قتادة عن أنس ابن مالك رضي الله عنه قال: نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم: {لِّيَغْفِرَ لَكَ ٱللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ} مرجعه من الحديبية. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : لقد أنزلت علي الليلة آية أحب إلي مما على الأرض» تفسير : ثم قرأها عليهم النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: هنيئاً مريئاً يا نبي الله لقد بين الله عز وجل ما يفعل بك، فماذا يفعل بنا؟ فنزلت عليه صلى الله عليه وسلم: {لِّيُدْخِلَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَـٰتِ جَنَّـٰتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَـٰرُ} حتى بلغ {فَوْزاً عَظِيماً} أخرجاه في الصحيحين من رواية قتادة به. وقال الإمام أحمد: حدثنا إسحاق بن عيسى، حدثنا مجمع بن يعقوب قال: سمعت أبي يحدث عن عمه عبد الرحمن بن أبي يزيد الأنصاري، عن عمه مجمع بن حارثة الأنصاري رضي الله عنه، وكان أحد القراء الذين قرأوا القرآن قال: شهدنا الحديبية، فلما انصرفنا عنها، إذا الناس ينفرون الأباعر، فقال الناس بعضهم لبعض: ما للناس؟ قالوا: أوحي إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فخرجنا مع الناس نوجف، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم على راحلته عند كراع الغميم، فاجتمع الناس عليه، فقرأ عليهم: {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً} قال: فقال رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أي رسول الله أو فتح هو؟ قال صلى الله عليه وسلم: «حديث : إي والذي نفس محمد بيده إنه لفتح» تفسير : فقسمت خيبر على أهل الحديبية، لم يدخل معهم فيها أحد إلا من شهد الحديبية، فقسمها رسول الله صلى الله عليه وسلم ثمانية عشر سهماً، وكان الجيش ألفاً وخمسمائة، منهم ثلاثمائة فارس، فأعطى الفارس سهمين، وأعطى الراجل سهماً. ورواه أبو داود في الجهاد عن محمد بن عيسى عن مجمع بن يعقوب به. وقال ابن جرير: حدثنا محمد بن عبد الله بن بزيع، حدثنا أبو يحيى، حدثنا شعبة، حدثنا جامع بن شداد عن عبدالرحمن بن أبي علقمة قال: سمعت عبد الله بن مسعود رضي الله عنه يقول: لما أقبلنا من الحديبية عرسنا فنمنا فلم نستيقظ إلا والشمس قد طلعت، فاستيقظنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم نائم. قال: فقلنا أيقظوه، فاستيقظ رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «حديث : افعلوا ما كنتم تفعلون وكذلك يفعل من نام أو نسي» تفسير : قال: وفقدنا ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم فطلبناها فوجدناها قد تعلق خطامها بشجرة، فأتيته بها فركبها، فبينا نحن نسير إذ أتاه الوحي قال: وكان إذا أتاه الوحي اشتد عليه، فلما سري عنه أخبرنا أنه أنزل عليه: { إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً}. وقد رواه أحمد وأبو داود والنسائي من غير وجه عن جامع بن شداد به. وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرحمن، حدثنا سفيان عن زياد بن علاقة قال: سمعت المغيرة ابن شعبة يقول: كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي حتى ترم قدماه، فقيل له: أليس قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فقال صلى الله عليه وسلم: «حديث : أفلا أكون عبداً شكوراً؟» تفسير : أخرجاه وبقية الجماعة إلا أبا داود من حديث زياد به. وقال الإمام أحمد: حدثنا هارون بن معروف، حدثنا ابن وهب، حدثني أبو صخر عن ابن قسيط عن ابن عروة بن الزبير عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلى، قام حتى تتفطر رجلاه، فقالت له عائشة رضي الله عنها: يا رسول الله أتصنع هذا وقد غفر الله لك ما تقدم لك من ذنبك وما تأخر؟ فقال صلى الله عليه وسلم: «حديث : يا عائشة أفلا أكون عبداً شكوراً؟»تفسير : أخرجه مسلم في الصحيح من رواية عبد الله بن وهب به. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا عبد الله بن عوف الخراز، وكان ثقة بمكة، حدثنا محمد بن بشر حدثنا مسعر عن قتادة عن أنس قال: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى تورمت قدماه ــــ أو قال: ساقاه ــــ فقيل له: أليس قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: «حديث : أفلا أكون عبداً شكوراً؟» تفسير : غريب من هذا الوجه. فقوله: { إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً} أي بيناً وظاهراً والمراد به صلح الحديبية، فإنه حصل بسببه خير جزيل، وآمن الناس واجتمع بعضهم ببعض، وتكلم المؤمن مع الكافر، وانتشر العلم النافع والإيمان. وقوله تعالى: {لِّيَغْفِرَ لَكَ ٱللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ} هذا من خصائصه صلى الله عليه وسلم التي لا يشاركه فيها غيره، وليس في حديث صحيح في ثواب الأعمال لغيره غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وهذا فيه تشريف عظيم لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهو صلى الله عليه وسلم في جميع أموره على الطاعة والبر والاستقامة التي لم ينلها بشر سواه لا من الأولين ولا من الآخرين، وهو صلى الله عليه وسلم أكمل البشر على الإطلاق، وسيدهم في الدنيا والآخرة، ولما كان أطوع خلق الله تعالى لله، وأشدهم تعظيماً لأوامره ونواهيه، قال: حين بركت به الناقة: «حديث : حبسها حابس الفيل» تفسير : ثم قال صلى الله عليه وسلم: «حديث : والذي نفسي بيده لا يسألوني اليوم شيئاً يعظمون به حرمات الله إلا أجبتهم إليها» تفسير : فلما أطاع الله في ذلك وأجاب إلى الصلح، قال الله تعالى له: { إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً لِّيَغْفِرَ لَكَ ٱللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ} أي: في الدنيا والآخرة، {وَيَهْدِيَكَ صِرَٰطاً مُّسْتَقِيماً} أي: بما يشرعه لك من الشرع العظيم، والدين القويم، {وَيَنصُرَكَ ٱللَّهُ نَصْراً عَزِيزاً} أي بسبب خضوعك لأمر الله عز وجل يرفعك الله وينصرك على أعدائك؛ كما جاء في الحديث الصحيح: «حديث : وما زاد الله عبداً بعفو إلا عزاً، وما تواضع أحد لله عز وجل إلا رفعه الله تعالى» تفسير : وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: ما عاقبت أحداً عصى الله تعالى فيك بمثل أن تطيع الله تبارك وتعالى فيه.
المحلي و السيوطي
تفسير : {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ } قضينا بفتح مكة وغيرها في المستقبل عنوة بجهادك {فَتْحاً مُّبِيناً } بيِّناً ظاهراً.
الشوكاني
تفسير : قوله: {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً } اختلف في تعيين هذا الفتح، فقال الأكثر: هو صلح الحديبية، والصلح قد يسمى فتحاً. قال الفراء: والفتح قد يكون صلحاً، ومعنى الفتح في اللغة: فتح المنغلق، والصلح الذي كان مع المشركين بالحديبية كان مسدوداً متعذراً حتى فتحه الله. قال الزهري: لم يكن فتح أعظم من صلح الحديبية، وذلك أن المشركين اختلطوا بالمسلمين، فسمعوا كلامهم، فتمكن الإسلام في قلوبهم، وأسلم في ثلاث سنين خلق كثير، وكثر بهم سواد الإسلام. قال الشعبي: لقد أصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديبية ما لم يصب في غزوة، غفر الله له ما تقدّم من ذنبه وما تأخر، وبويع بيعة الرّضوان، وأطعموا نخل خيبر، وبلغ الهدي محله، وظهرت الروم على فارس، ففرح المؤمنون بظهور أهل الكتاب على المجوس. وقال قوم: إنه فتح مكة. وقال آخرون: إنه فتح خيبر. والأوّل أرجح، ويؤيده ما ذكرناه قبل هذا من أن السورة أنزلت في شأن الحديبية. وقيل: هو جميع ما فتح الله لرسوله من الفتوح، وقيل: هو ما فتح له من النبوّة، والدعوة إلى الإسلام، وقيل: فتح الروم، وقيل: المراد بالفتح في هذه الآية: الحكم والقضاء. كما في قوله: {أية : ٱفْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِٱلْحَقّ } تفسير : [الأعراف: 89] فكأنه قال: إنا قضينا لك قضاءً مبيناً، أي: ظاهراً واضحاً مكشوفاً. {لّيَغْفِرَ لَكَ ٱللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ } اللام متعلقة بـ {فتحنا}، وهي لام العلة. قال ابن الأنباري: سألت أبا العباس يعني: المبرد، عن اللام في قوله: {لّيَغْفِرَ لَكَ ٱللَّهُ } فقال: هي لام كي معناها: إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً؛ لكي يجتمع لك مع المغفرة تمام النعمة في الفتح، فلما انضمّ إلى المغفرة شيء حادث واقع حسن معنى كي، وغلط من قال ليس الفتح سبب المغفرة. وقال صاحب الكشاف: إن اللام لم تكن علة للمغفرة؛ ولكن لاجتماع ما عدّد من الأمور الأربعة وهي: المغفرة، وإتمام النعمة، وهداية الصراط المستقيم، والنصر العزيز. كأنه قيل: يسرنا لك فتح مكة، ونصرناك على عدوّك؛ لنجمع لك بين عزّ الدارين، وأعراض العاجل والآجل. وهذا كلام غير جيد، فإن اللام داخلة على المغفرة فهي علة للفتح، فكيف يصح أن تكون معللة. وقال الرازي في توجيه التعليل: إن المراد بقوله: {لّيَغْفِرَ لَكَ ٱللَّهُ } التعريف بالمغفرة، تقديره: إنا فتحنا لك؛ لتعرف أنك مغفور لك معصوم. وقال ابن عطية: المراد أن الله فتح لك؛ لكي يجعل الفتح علامة لغفرانه لك، فكأنها لام الصيرورة. وقال أبو حاتم: هي لام القسم وهو خطأ، فإن لام القسم لا تكسر، ولا ينصب بها. واختلف في معنى قوله: {مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ } فقيل: ما تقدّم من ذنبك قبل الرسالة، وما تأخر بعدها. قاله مجاهد، وسفيان الثوري، وابن جرير، والواحدي، وغيرهم. وقال عطاء: ما تقدّم من ذنبك، يعني: ذنب أبويك آدم وحوّاء، وما تأخر من ذنوب أمتك. وما أبعد هذا عن معنى القرآن. وقيل: ما تقدّم من ذنب أبيك إبراهيم، وما تأخر من ذنوب النبيين من بعده، وهذا كالذي قبله. وقيل: ما تقدّم من ذنب يوم بدر، وما تأخر من ذنب يوم حنين، وهذا كالقولين الأولين في البعد. وقيل: لو كان ذنب قديم، أو حديث؛ لغفرناه لك، وقيل غير ذلك مما لا وجه له، والأوّل أولى. ويكون المراد بالذنب بعد الرسالة: ترك ما هو الأولى، وسمي ذنباً في حقه لجلالة قدره، وإن لم يكن ذنباً في حق غيره. {وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ } بإظهار دينك على الدين كله، وقيل: بالجنة، وقيل: بالنبوّة والحكمة، وقيل: بفتح مكة، والطائف، وخيبر، والأولى أن يكون المعنى: ليجتمع لك مع الفتح تمام النعمة بالمغفرة، والهداية إلى صراط مستقيم، وهو الإسلام. ومعنى {يهديك}: يثبتك على الهدى إلى أن يقبضك إليه {وَيَنصُرَكَ ٱللَّهُ نَصْراً عَزِيزاً } أي: غالباً منيعاً لا يتبعه ذلّ: {هُوَ ٱلَّذِى أَنزَلَ ٱلسَّكِينَةَ فِى قُلُوبِ ٱلْمُؤْمِنِينَ } أي: السكون والطمأنينة بما يسره لهم من الفتح؛ لئلا تنزعج نفوسهم لما يرد عليهم {لِيَزْدَادُواْ إِيمَـٰناً مَّعَ إِيمَـٰنِهِمْ } أي: ليزدادوا بسبب تلك السكينة إيماناً منضماً إلى إيمانهم الحاصل لهم من قبل. قال الكلبي: كلما نزلت آية من السماء، فصدّقوا بها ازدادوا تصديقاً إلى تصديقهم، وقال الربيع بن أنس: خشية مع خشيتهم. وقال الضحاك: يقيناً مع يقينهم {وَلِلَّهِ جُنُودُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأرْضِ} يعني: الملائكة، والإنس، والجن، والشياطين يدبر أمرهم كيف يشاء، ويسلط بعضهم على بعض، ويحوط بعضهم ببعض {وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيماً } كثير العلم بليغه {حَكِيماً } في أفعاله وأقواله {لّيُدْخِلَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَـٰتِ جَنَّـٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلأنْهَـٰرُ } هذه اللام متعلقة بمحذوف يدلّ عليه ما قبله تقديره: يبتلي بتلك الجنود من يشاء، فيقبل الخير من أهله، والشرّ ممن قضى له به؛ ليدخل ويعذب. وقيل: متعلقة بقوله: {إِنَّا فَتَحْنَا } كأنه قال: إنا فتحنا لك ما فتحنا؛ ليدخل ويعذب، وقيل: متعلقة بـ {ينصرك} أي: نصرك الله بالمؤمنين؛ ليدخل ويعذب، وقيل: متعلقة بـ {يزدادوا} أي: يزدادوا، ليدخل ويعذب، والأوّل أولى {وَيُكَفّرَ عَنْهُمْ سَيّئَـٰتِهِمْ } أي: يسترها، ولا يظهرها ولا يعذبهم بها، وقدّم الإدخال على التكفير مع أن الأمر بالعكس للمسارعة إلى بيان ما هو المطلب الأعلى، والمقصد الأسنى {وَكَانَ ذَلِكَ عِندَ ٱللَّهِ فَوْزاً عَظِيماً } أي: وكان ذلك الوعد بإدخالهم الجنة، وتكفير سيئاتهم عند الله، وفي حكمه فوزاً عظيماً، أي: ظفراً بكل مطلوب، ونجاة من كل غمّ، وجلباً لكل نفع ودفعاً لكل ضرّ، وقوله: {عَندَ ٱللَّهِ } متعلق بمحذوف على أنه حال من {فوزاً}؛ لأنه صفة في الأصل، فلما قدم صار حالاً، أي: كائناً عند الله، والجملة معترضة بين جزاء المؤمنين، وجزاء المنافقين والمشركين ثم لما فرغ مما وعد به صالحي عباده ذكر ما يستحقه غيرهم، فقال: {وَيُعَذّبَ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ وَٱلْمُنَـٰفِقَـٰتِ وَٱلْمُشْرِكِينَ وَٱلْمُشْرِكَـٰتِ } وهو معطوف على يدخل، أي: يعذبهم في الدنيا بما يصل إليهم من الهموم والغموم بسبب ما يشاهدونه من ظهور كلمة الإسلام، وقهر المخالفين له، وبما يصابون به من القهر والقتل والأسر، وفي الآخرة بعذاب جهنم. وفي تقديم المنافقين على المشركين دلالة على أنهم أشدّ منهم عذاباً، وأحقّ منهم بما وعدهم الله به، ثم وصف الفريقين، فقال: {ٱلظَّانّينَ بِٱللَّهِ ظَنَّ ٱلسَّوْء } وهو ظنهم أن النبيّ صلى الله عليه وسلم يغلب، وأن كلمة الكفر تعلو كلمة الإسلام. ومما ظنوه ما حكاه الله عنهم بقوله: {بَلْ ظَنَنْتُمْ أَن لَّن يَنقَلِبَ ٱلرَّسُولُ وَٱلْمُؤْمِنُونَ إِلَىٰ أَهْلِيهِمْ أَبَداً}، {عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ ٱلسَّوْء } أي: ما يظنونه، ويتربصونه بالمؤمنين دائر عليهم حائق بهم، والمعنى: أن العذاب، والهلاك الذي يتوقعونه للمؤمنين واقعان عليهم نازلان بهم. قال الخليل، وسيبويه: السوء هنا: الفساد. قرأ الجمهور {السوء} بفتح السين. وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو بضمها {وَغَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيراً }. لما بيّن سبحانه أن دائرة السوء عليهم في الدنيا بيّن ما يستحقونه مع ذلك من الغضب واللعنة، وعذاب جهنم {وَلِلَّهِ جُنُودُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلاْرْضِ} من الملائكة، والإنس، والجنّ، والشياطين {وَكَانَ ٱللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً } كرّر هذه الآية؛ لقصد التأكيد، وقيل: المراد بالجنود هنا: جنود العذاب، كما يفيده التعبير بالعزة هنا، مكان العلم هنالك. وقد أخرج ابن أبي شيبة، وأحمد، وأبو داود، وابن جرير، وابن المنذر، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في الدلائل عن مجمع بن حارثة الأنصاري قال: شهدنا الحديبية، فلما انصرفنا عنها حتى بلغنا كراع الغميم إذ الناس يوجفون الأباعر، فقال الناس بعضهم لبعض: ما للناس؟ فقالوا: أوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فخرجنا مع الناس نوجف، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم على راحلته عند كراع الغميم، فاجتمع الناس عليه فقرأ عليهم: {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً }، فقال رجل: إي رسول الله، أو فتح هو؟ قال:«حديث : إي والذي نفس محمد بيده إنه لفتح»تفسير : ، فقسمت خيبر على أهل الحديبية لم يدخل معهم فيها أحد إلاّ من شهد الحديبية، فقسمها رسول الله صلى الله عليه وسلم ثمانية عشر سهماً، وكان الجيش ألفاً وخمسمائة منهم ثلثمائة فارس، فأعطى الفارس سهمين، وأعطى الراجل سهماً. وأخرج ابن أبي شيبة، وأحمد، والبخاري في تاريخه، وأبو داود، والنسائي، وابن جرير، والطبراني، وابن مردويه، والبيهقي في الدلائل عن ابن مسعود قال: أقبلنا من الحديبية مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبينا نحن نسير إذ أتاه الوحي، وكان إذا أتاه اشتدّ عليه، فسرّي عنه، وبه من السرور ما شاء الله، فأخبرنا أنه أنزل عليه: {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً }. وأخرج البخاريّ وغيره عن أنس في قوله: {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً } قال: الحديبية. وأخرج البخاريّ، وغيره عن البراء قال: تعدّون أنتم الفتح فتح مكة، وقد كان فتح مكة فتحاً، ونحن نعدّ الفتح بيعة الرضوان يوم الحديبية. وأخرج ابن مردويه عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً } قال:«حديث : فتح مكة»تفسير : . وأخرج البخاريّ، ومسلم، وغيرهما عن المغيرة بن شعبة قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي حتى تتورم قدماه، فقيل له: أليس قد غفر الله لك ما تقدّم من ذنبك وما تأخر، قال: "حديث : أفلا أكون عبداً شكوراً"تفسير : ، وفي الباب أحاديث. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، والطبراني، وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس في قوله: {هُوَ ٱلَّذِى أَنزَلَ ٱلسَّكِينَةَ فِى قُلُوبِ ٱلْمُؤْمِنِينَ } قال: السكينة: هي الرحمة، وفي قوله: {لِيَزْدَادُواْ إِيمَـٰناً مَّعَ إِيمَـٰنِهِمْ } قال: إن الله بعث نبيه بشهادة أن لا إلٰه إلاّ الله، فلما صدّق بها المؤمنون زادهم الصلاة، فلما صدّقوا بها زادهم الصيام، فلما صدّقوا به زادهم الزكاة، فلما صدّقوا بها زادهم الحجّ، فلما صدّقوا به زادهم الجهاد، ثم أكمل لهم دينهم، فقال: {أية : ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلأسْلاَمَ دِيناً } تفسير : [المائدة: 3]. فأوثق إيمان أهل السماء، وأهل الأرض، وأصدقه وأكمله شهادة أن لا إلٰه إلاّ الله. وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود {لِيَزْدَادُواْ إِيمَـٰناً مَّعَ إِيمَـٰنِهِمْ } قال: تصديقاً مع تصديقهم. وأخرج البخاري، ومسلم، وغيرهما عن أنس قال: لما أنزل على النبي صلى الله عليه وسلم: {لّيَغْفِرَ لَكَ ٱللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ } مرجعه من الحديبية. قال: «حديث : لقد أنزلت علي آية هي أحبّ إليّ مما على الأرض»تفسير : ، ثم قرأها عليهم، فقالوا: هنيئًا مريئًا يا رسول الله، قد بيّن الله لك ماذا يفعل بك، فماذا يفعل بنا؟ فنزلت عليه: {لّيُدْخِلَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَـٰتِ جَنَّـٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلأنْهَـٰرُ } حتى بلغ: {فَوْزاً عَظِيماً }.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {إِنَّا فَتحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً} فيه قولان: أحدهما: إنا أعلمناك علماً مبيناً فيما أنزلناه عليك من القرآن وأمرناك به من الدين. وقد يعبر عن العلم بالفتح كقوله {أية : وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ} تفسير : [الأنعام:59] أي علم الغيب، قاله ابن بحر. وكقوله {أية : إِن تَسْتَفْتِحُواْ فَقَدْ جَآءَكُمُ الْفَتْحُ} تفسير : [الأنفال: 19] أي إن أردتم العلم فقد جاءكم العلم. الثاني: إنا قضينا لك قضاء بيناً فيما فتحناه عليك من البلاد. وفي المراد بهذا الفتح قولان: أحدهما: فتح مكة، وعده الله عام الحديبية عند انكفائه منها. الثاني: هو ما كان من أمره بالحديبية. قال الشعبي: نزلت {أية : إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً} تفسير : [الفتح: 1] في وقت الحديبية أصاب فيها ما لم يصب في غيرها. بويع بيعة الرضوان، وأطعموا نخل خيبر، وظهرت الروم على فارس تصديقاً لخبره، وبلغ الهدي محله، فعلى هذا في الذي أراده بالفتح يوم الحديبية، قال جابر: ما كنا نعد فتح مكة إلا يوم الحديبية. الثاني: أنه بيعة الرضوان. قال البراء بن عازب: انتم تعدون الفتح فتح مكة ونحن نعد الفتح بيعة الرضوان يوم الحديبية. الثالث: أنه نحره وحلقه يوم الحديبية حتى بلغ الهدي محله بالنحر. والحديبية بئر، وفيها تمضمض رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد غارت فجاشت بالرواء. {لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ} فيه وجهان: أحدهما: ليغفر لك الله استكمالاً لنعمه عندك. الثاني: يصبرك على أذى قومك. وفيه ثلاثة أقاويل: أحدها: ما تقدم قبل الفتح وما تأخر بعد الفتح. الثاني: ما تقدم قبل النبوة وما تأخر بعد النبوة. الثالث: ما وقع وما لم يقع على طريق الوعد بأنه مغفور إذا كان. ويحتمل رابعاً: ما تقدم قبل نزول هذه الآية وما تأخر بعدها. {وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ} فيه قولان: أحدهما: بفتح مكة والطائف وخيبر. الثاني: بخضوع من استكبر. وطاعة من تجبر. {وَيَهْدِيَكَ صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً وَيَنصُرَكَ اللَّهُ نَصْراً عَزِيزاً} يحتمل وجهين: أحدهما: أنه الأسر والغنيمة كما كان يوم بدر. الثاني: أنه الظفر والإسلام وفتح مكة. وسبب نزول هذه الآية، ما حكاه الضحاك عن ابن عباس أنه لما نزل قوله: {وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلاَ بِكُمْ} قال أهل مكة: يا محمد كيف ندخل في دينك وأنت لا تدري ما يفعل بك ولا بمن اتبعك فهلا أخبرك بما يفعل بك وبمن اتبعك كما أخبر عيسى ابن مريم؟ فاشتد ذلك على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى أصحابه حتى قدم المدينة، فقال عبد الله بن أبي بن سلول - رأس المنافقين - للأنصار: كيف تدخلون في دين رجل لا يدري ما يفعل به ولا بمن اتبعه؟ هذا والله الضلال المبين. فقال أبو بكر وعمر رضي الله عنهما، يا رسول الله ألا تسأل ربك يخبرك بما يفعل بك وبمن اتبعك؟ فقال: إن له أجلاً فأبشرا بما يقر الله به أعينكما. إلى أن نزلت عليه هذه الآي وهو في دار أبي الدحداح على طعام مع أبي بكر وعمر فخرج وقرأها على أصحابه، قال قائل منهم: هنيئاً مريئاً يا رسول الله قد بين الله لنا ما يفعل بك، فماذا يفعل بنا؟ فأنزل الله {لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ} الآية.
ابن عطية
تفسير : قال قوم فيما حكى الزهراوي {فتحنا لك} يريد به فتح مكة، وحكاه الثعلبي أيضاً، ونسبه النقاش إلى الكلبي. وأخبره تعالى به على معنى: قضينا به. والفتاح: القاضي بلغة اليمن، وقيل المراد: {إنا فتحنا لك} بأن هديناك إلى الإسلام ليغفر. وقال جمهور الناس: والصحيح الذي تعضده قصة الحديبية أن قوله: {إنا فتحنا لك} إنما معناه: إن ما يسر الله لك في تلك الخرجة فتح مبين تستقبله، ونزلت السورة مؤنسة للمؤمنين، لأنهم كانوا استوحشوا من رد قريش لهم ومن تلك المهادنة التي هادنهم النبي عليه السلام فنزلت السورة مؤنسة لهم في صدهم عن البيت ومذهبه: ما كان في قلوبهم، ومنه حديث عمر الشهير وما قاله للنبي عليه السلام ولأبي بكر واستقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم في تلك السفرة أنه هادن عدوه ريثما يتقوى هو، وظهرت على يديه آية الماء في بئر الحديبية حيث وضع فيه سهمه وثاب الماء حتى كفى الجيش، واتفقت بيعة الرضوان وهي الفتح الأعظم، قاله جابر بن عبد الله والبراء ابن عازب. وبلغ هديه محله، قاله الشعبي واستقبل فتح خيبر، وامتلأت أيدي المؤمنين خيراً، ولم يفتحها إلا أهل الحديبية ولم يشركهم فيها أحد. قال القاضي أبو محمد: وفيه نظر، لأن أصحاب السفينة مع جعفر بن أبي طالب شاركوهم في القسم، فينبغي أن يقال لم يشاركهم أحد من المتخلفين عن الحديبية، واتفقت في ذلك الوقت ملحمة عظيمة بين الروم وفارس ظهرت فيها الروم، فكانت من جملة الفتح على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسر بها هو والمؤمنون لظهور أهل الكتاب على المجوس وانخضاد الشوكة العظمى من الكفر. ثم عظم الله أمر نبيه بأن نبأه أنه غفر له {ما تقدم} من ذنبه {وما تأخر}، فقوله: {ليغفر} هي لام كي، لكنها تخالفها في المعنى والمراد هنا أن الله فتح لك لكي يجعل ذلك أمارة وعلامة لغفرانه لك، فكأنها لام صيرورة، ولهذا قال عليه السلام: "حديث : لقد أنزلت عليَّ الليلة سورة هي أحب إليّ من الدنيا". تفسير : وقال الطبري وابن كيسان المعنى: {إنا فتحنا لك} فسبح بحمد ربك واستغفره ليغفر لك، وبنيا هذه الآية مع قوله تعالى: {أية : إذا جاء نصر الله والفتح} تفسير : [النصر: 1] السورة إلى آخرها. قال القاضي أبو محمد: وهذا ضعيف من وجهين أحدهما: أن سورة، {أية : إذا جاء نصر الله والفتح} تفسير : [النصر: 1] إنما نزلت من أخر مدة النبي عليه السلام ناعية له نفسه حسبما قال ابن عباس عندما سأل عمر عن ذلك. والآخر: أن تخصيص النبي عليه السلام بالتشريف كان يذهب، لأن كل أحد من المؤمنين هو مخاطب بهذا الذي قال الطبري، أي سبح واستغفر لكي يغفر الله، ولا يتضمن هذا أن الغفران قد وقع، وما قدمناه أولاً يقتضي وقوع الغفران للنبي عليه السلام، ويدل على ذلكحديث : قول الصحابة له حين قام حتى تورمت قدماه: أتفعل هذا يا رسول الله وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فقال: "أفلا أكون عبداً شكوراً"تفسير : فهذا نص في أن الغفران قد وقع. وقال منذر بن سعيد المعنى: مجاهدتك بالله المقترنة بالفتح هي ليغفر. وحكى الثعلبي عن الحسن بن الفضل أن المعنى: {إنا فتحنا لك} فاستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات {ليغفر لك} الآية، وهذا نحو قول الطبري. وقوله: {ما تقدم من ذنبك وما تأخر} قال سفيان الثوري: {ما تقدم} يريد قبل النبوءة. {وما تأخر} كل شيء لم تعلمه وهذا ضعيف، وإنما المعنى التشريف بهذا الحكم ولو لم تكن له ذنوب البتة، وأجمع العلماء علىعصمة الأنبياء عليهم السلام من الكبائر ومن الصغائر التي هي رذائل، وجوز بعضهم الصغائر التي ليست برذائل، واختلفوا هل وقع ذلك من محمد عليه السلام أو لم يقع، وحكى الثعلبي عن عطاء الخراساني أنه قال: {ما تقدم} هو ذنب آدم وحواء، أي ببركتك {وما تأخر} هي ذنوب أمتك بدعائك. قال الثعلبي: الإمامية لا تجوز الصغائر على النبي ولا على الإمام، والآية ترد عليهم. وقال بعضهم: {وما تقدم} هو قوله يوم بدر: "حديث : اللهم إن تهلك هذه العصابة لن تعبد". تفسير : {وما تأخر} هو قوله يوم حنين: "حديث : لن نغلب اليوم من قلة ". تفسير : قال القاضي أبو محمد: وإتمام النعمة عليه، هو إظهاره وتغلبه على عدوه والرضوان في الآخرة. وقوله تعالى: {ويهديك صراطاً مستقيماً} معناه: إلى صراط، فحذف الجار فتعدى الفعل، وقد يتعدى هذا بغير حرف جر، والنصر العزيز: هو الذي معه غلبة العدو والظهور عليه، والنصر غير العزيز: هو الذي مضمنه الحماية ودفع العدو فقط. وإنزال السكينة في قلوب المؤمنين: وهي فعلية من السكون هو تسكينها لتلك الهدنة مع قريش حتى اطمأنت، وعلموا أن وعد الله على لسان رسوله حق فازدادوا بذلك إيماناً إلى إيمانهم الأول وكثر تصديقهم. قال ابن عباس: لما آمنوا بالتوحيد زادهم العبادات شيئاً شيئاً. فكانوا يزيدون إيماناً حتى قال لهم: {أية : اليوم أكملت لكم دينكم}تفسير : [المائدة: 3] فمنحهم أكمل إيمان أهل السماوات والأرض لا إله إلا الله. وفسر ابن عباس {السكينة} بالرحمة. وقوله: {ولله جنود السماوات والأرض} إشارة إلى تسكين النفوس أيضاً وأن تكون مسلمة، لأنه ينصر متى شاء وعلى أي صورة شاء مما لا يدبره البشر، ومن جنده: {السكينة} التي أنزلها في قلوب أصحاب محمد فثبت بصائرهم. وقوله تعالى: {وكان الله} أي كان ويكون، فهي دالة على الوجود بهذه الصفة لا معينة وقتاً ماضياً. والعلم والإحكام: صفتان مقتضيتان عزة النصر لمن أراد الموصوف بهما نصره.
ابن عبد السلام
تفسير : {فَتَحْنَا} أعلمناك بما أنزلناه من القرآن وعرفناك من الدين يعبّر عن العلم بالفتح ومنه {أية : مَفَاتِحُ ٱلْغَيْبِ}تفسير : [الأنعام: 59] علم الغيب، أو قضينا لك بفتح مكة قضاء بَيِّناً. وعده بذلك مرجعه من الحديبية، أو قضينا في الحديبية قضاء مبيناً بالهدنة. قال جابر: ما كنا نعد فتح مكة إلا يوم الحديبية، أو بيعة الرضوان قال البراء: أنتم تعدون الفتح فتح مكة ونحن نعد الفتح بيعة الرضوان يوم الحديبية، أو نحره وحلقه يومئذ، والحديبية بئر تمضمض فيها الرسول صلى الله عليه وسلم. وقد غارت فجاشت بالماء.
النسفي
تفسير : {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً } الفتح الظفر بالبلد عنوة أو صلحاً بحرب أو بغير حرب، لأنه مغلق ما لم يظفر به فإذا ظفر به فقد فتح، ثم قيل هو فتح مكة وقد نزلت مرجع رسول الله صلى الله عليه وسلم عن مكة عام الحديبية عدة له بالفتح. وجيء به على لفظ الماضي لأنها في تحققها بمنزلة الكائنة وفي ذلك من الفخامة والدلالة على علو شأن المخبر عنه وهو الفتح ما لا يخفى. وقيل: هو فتح الحديبية ولم يكن فيه قتال شديد ولكن ترامٍ بين القوم بسهام وحجارة، فرمى المسلمون المشركين حتى أدخلوهم ديارهم وسألوا الصلح فكان فتحاً مبيناً وقال الزجاج: كان في فتح الحديبية آية للمسلمين عظيمة، وذلك أنه نزح ماؤها ولم يبق فيها قطرة فتمضمض رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم مجه في البئر فدرت بالماء حتى شرب جميع الناس. وقيل: هو فتح خيبر. وقيل: معناه قضينا لك قضاء بيناً على أهل مكة أن تدخلها أنت وأصحابك من قابل لتطوفوا بالبيت من الفتاحة وهي الحكومة. {لِّيَغْفِرَ لَكَ ٱللَّهُ } قيل: الفتح ليس بسبب للمغفرة والتقدير: إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً فاستغفر ليغفر لك الله ومثله {إِذَا جَاء نَصْرُ ٱللَّهِ وَٱلْفَتْحُ } إلى قوله {أية : فَسَبّحْ بِحَمْدِ رَبّكَ وَٱسْتَغْفِرْهُ }تفسير : [النصر: 1، 3] ويجوز أن يكون فتح مكة من حيث إنه جهاد للعدو سبباً للغفران. وقيل: الفتح لم يكن ليغفر له بل لإتمام النعمة وهداية الصراط المستقيم والنصر العزيز، ولكنه لما عدد عليه هذه النعم وصلها بما هو أعظم النعم كأنه قيل: يسرّنا لك فتح مكة أو كذا لنجمع لك بين عز الدارين وأغراض العاجل والآجل {مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ } يريد جميع ما فرط منك أو ما تقدم من حديث مارية وما تأخر من امرأة زيد {وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ } بإعلاء دينك وفتح البلاد على يدك {وَيَهْدِيَكَ صِرٰطاً مُّسْتَقِيماً } ويثبتك على الدين المرضي {وَيَنصُرَكَ ٱللَّهُ نَصْراً عَزِيزاً } قوياً منيعاً لا ذل بعده أبداً. {هُوَ ٱلَّذِى أَنزَلَ ٱلسَّكِينَةَ فِى قُلُوبِ ٱلْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوآ إِيمَـٰناً مَّعَ إِيمَـٰنِهِمْ } السكينة للسكون كالبهيتة للبهتان أي أنزل الله في قلوبهم السكون والطمأنينة بسبب الصلح ليزدادوا يقيناً إلى يقينهم. وقيل: السكينة الصبر على ما أمر الله والثقة بوعد الله والتعظيم لأمر الله {وَلِلَّهِ جُنُودُ ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَٱلأَرْضِ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً لّيُدْخِلَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَـٰتِ جَنَّـٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَـٰرُ خَـٰلِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَـٰتِهِمْ وَكَانَ ذَلِكَ عِندَ ٱللَّهِ فَوْزاً عَظِيماً وَيُعَذِّبَ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ وَٱلْمُنَـٰفِقَـٰتِ وَٱلْمُشْرِكِينَ وَٱلْمُشْرِكَـٰتِ } أي ولله جنود السماوات والأرض يسلط بعضها على بعض كما يقتضيه علمه وحكمته، ومن قضيته أن سكن قلوب المؤمنين بصلح الحديبية ووعدهم أن يفتح لهم، وإنما قضى ذلك ليعرف المؤمنون نعمة الله فيه ويشكروها فيثيبهم ويعذب الكافرين والمنافقين لما غاظهم من ذلك وكرهوه {ٱلظَّآنِّينَ بِٱللَّهِ ظَنَّ ٱلسَّوْءِ} وقع السوء عبارة عن رداءة الشيء وفساده. يقال: فعل سوء أي مسخوط فاسد، والمراد ظنهم أن الله تعالى لا ينصر الرسول والمؤمنين ولا يرجعهم إلى مكة ظافرين فاتحيها عنوة وقهراً {عَلَيْهِمْ دَآئِرَةُ ٱلسَّوْءِ} مكي وأبو عمرو أي ما يظنونه ويتربصونه بالمؤمنين فهو حائق بهم ودائر عليهم، والسوء الهلاك والدمار وغيرهما {دَائِرَة ٱلسَّوْء } بالفتح إلا أن المفتوح غلب في أن يضاف إليه ما يراد ذمه من كل شيء، وأما السوء فجارٍ مجرى الشر الذي هو نقيض الخير {وَغَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَآءَتْ مَصِيراً } جهنم {وَلِلَّهِ جُنُودُ ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَٱلأَرْضِ } فيدفع كيد من عادى نبيه عليه السلام والمؤمنين بما شاء منها {وَكَانَ ٱللَّهُ عَزِيزاً } غالباً فلا يرد بأسه {حَكِيماً } فيما دبر. {إِنَّآ أَرْسَلْنَـٰكَ شَاهِداً } تشهد على أمتك يوم القيامة وهذه حال مقدرة {وَمُبَشِّراً } للمؤمنين بالجنة {وَنَذِيرًا } للكافرين من النار {لِّتُؤْمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ } والخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولأمته {وَتُعَزِّرُوهُ } وتقووه بالنصر {وَتُوَقِّرُوهُ } وتعظموه {وَتُسَبِّحُوهُ } من التسبيح أو من السبحة، والضمائر لله عز وجل. والمراد بتعزيز الله تعزيز دينه ورسوله، ومن فرق الضمائر فجعل الأولين للنبي صلى الله عليه وسلم فقد أبعد {لِيُؤْمِنُواْ } مكي وأبو عمرو والضمير للناس وكذا الثلاثة الأخيرة بالياء عندهما {بُكْرَةً } صلاة الفجر {وَأَصِيلاً } الصلوات الأربع {إِنَّ ٱلَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ } أي بيعة الرضوان. ولما قال {إِنَّمَا يُبَايِعُونَ ٱللَّهَ } أكده تأكيداً على طريقة التخييل فقال {يَدُ ٱللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ } يريد أن يد رسول الله صلى الله عليه وسلم التي تعلو أيدي المبايعين هي يد الله والله منزه عن الجوارح وعن صفات الأجسام، وإنما المعنى تقرير أن عقد الميثاق مع الرسول كعقده مع الله من غير تفاوت بينهما كقوله {أية : مَّنْ يُطِعِ ٱلرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ ٱللَّهَ }تفسير : [النساء: 80] و {إِنَّمَا يُبَايِعُونَ ٱللَّهَ } خبر «إن» {فَمَن نَّكَثَ } نقض العهد ولم يف بالبيعة {فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَىٰ نَفْسِهِ } فلا يعود ضرر نكثه إلا عليه. قال جابر بن عبد الله: بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت الشجرة على الموت وعلى أن لا نفر فما نكث أحد منا البيعة إلا جد بن قيس وكان منافقاً اختبأ تحت بطن بعيره ولم يسر مع القوم {وَمَنْ أَوْفَىٰ بِمَا عَـٰهَدَ } يقال: وفيت بالعهد وأوفيت به ومنه قوله {أية : أَوْفُواْ بِٱلْعُقُودِ }تفسير : [المائدة: 1] ـ {أية : وَٱلْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ }تفسير : [البقرة: 177] {عَلَيْهِ ٱللَّهَ } حفص {فَسَيُؤْتِيهِ } وبالنون حجازي وشامي {أَجْراً عَظِيماً } الجنة. {سَيَقُولُ لَكَ } إذا رجعت من الحديبية {ٱلْمُخَلَّفُونَ مِنَ ٱلأَعْرَابِ } هم الذين خلّفوا عن الحديبية وهم أعراب غفار ومزينة وجهينة وأسلم وأشجع والدئل، وذلك أنه عليه السلام حين أراد المسير إلى مكة عام الحديبية معتمراً استنفر من حول المدينة من الأعراب وأهل البوادي ليخرجوا معه حذراً من قريش أن يعرضوا له بحرب أو يصدوه عن البيت، وأحرم هو صلى الله عليه وسلم وساق معه الهدي ليعلم أنه لا يريد حرباً، فتثاقل كثير من الأعراب وقالوا: يذهب إلى قوم غزوه في عقر داره بالمدينة وقتلوا أصحابه فيقاتلهم وظنوا أنه يهلك فلا ينقلب إلى المدينة {شَغَلَتْنَآ أَمْوٰلُنَا وَأَهْلُونَا } هي جمع أهل اعتلوا بالشغل بأهاليهم وأموالهم وأنه ليس من يقوم بأشغالهم {فَٱسْتَغْفِرْ لَنَا } ليغفر لنا الله تخلفنا عنك {يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَّا لَيْسَ فِى قُلُوبِهِمْ } تكذيب لهم في اعتذارهم وأن الذي خلفهم ليس ما يقولون، وإنما هو الشك في الله والنفاق فطلبهم الاستغفار أيضاً ليس بصادر عن حقيقة {قُلْ فَمَن يَمْلِكُ لَكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ شَيْئاً } فمن يمنعكم من مشيئة الله وقضائه {إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرّاً } ما يضركم من قتل أو هزيمة {ضَرّا } حمزة وعلي {أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعاً } من غنيمة وظفر. {بَلْ كَانَ ٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً بَلْ ظَنَنْتُمْ أَن لَّن يَنقَلِبَ ٱلرَّسُولُ وَٱلْمُؤْمِنُونَ إِلَىٰ أَهْلِيهِمْ أَبَداً وَزُيِّنَ ذَٰلِكَ فِى قُلُوبِكُمْ } زينه الشيطان {وَظَنَنتُمْ ظَنَّ ٱلسَّوْءِ} من علو الكفر وظهور الفساد {وَكُنتُمْ قَوْماً بُوراً } جمع بائر كعائذ وعوز من بار الشيء هلك وفسد أي وكنتم قوماً فاسدين في أنفسكم وقلوبكم ونياتكم لا خير فيكم، أو هالكين عند الله مستحقين لسخطه وعقابه {وَمَن لَّمْ يُؤْمِن بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَـٰفِرِينَ } أي لهم فأقيم الظاهر مقام الضمير للإيذان بأن من لم يجمع بين الإيمانين: الإيمان بالله والإيمان برسوله، فهو كافر ونكّر {سَعِيراً } لأنها نار مخصوصة كما نكر {أية : نَاراً تَلَظَّىٰ } تفسير : [الليل: 14] {وَللَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَٱلأَرْضِ } يدبره تدبير قادر حكيم {يَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ} يغفر ويعذب بمشيئته وحكمته وحكمته المغفرة للمؤمنين والتعذيب للكافرين {وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً } سبقت رحمته غضبه. {سَيَقُولُ ٱلْمُخَلَّفُونَ } الذين تخلفوا عن الحديبية {إِذَا ٱنطَلَقْتُمْ إِلَىٰ مَغَانِمَ } إلى غنائم خيبر {لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَن يُبَدِّلُواْ كَلَـٰمَ ٱللَّهِ } {كَلِـمَ ٱللَّهِ }: حمزة وعلي أي يريدون أن يغيروا موعد الله لأهل الحديبية، وذلك أنه وعدهم أن يعوضهم من مغانم مكة مغانم خيبر إذا قفلوا موادعين لا يصيبون منهم شيئاً {قُل لَّن تَتَّبِعُونَا } إلى خيبر وهو إخبار من الله بعدم اتباعهم ولا يبدل القول لديه {كَذَلِكُمْ قَالَ ٱللَّهُ مِن قَبْلُ } من قبل انصرافهم إلى المدينة إن غنيمة خيبر لمن شهد الحديبية دون غيرهم {فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا } أي لم يأمركم الله به بل تحسدوننا أن نشارككم في الغنيمة {بَلْ كَانُواْ لاَ يَفْقَهُونَ } من كلام الله {إِلاَّ قَلِيلاً } إلا شيئاً قليلاً يعني مجرد القول. والفرق بين الإضرابين أن الأول رد أن يكون حكم الله أن لا يتّبعوهم وإثبات الحسد، والثاني إضراب عن وصفهم بإضافة الحسد إلى المؤمنين إلى وصفهم بما هو أطم منه وهو الجهل وقلة الفقه.
الخازن
تفسير : قوله عز وجل: {إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً} الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم وحده والمعنى إنا قضينا وحكمنا لك فتحاً مبيناً ظاهراً بغير قتال ولا تعب. واختلفوا في هذا الفتح فروى قتادة عن أنس أنه فتح مكة وقال مجاهد: إنه فتح خيبر. وقيل: هو فتح فارس والروم وسائر بلاد الإسلام التي يفتحها الله عز وجل له. فإن قلت على هذه الأقوال هذه البلاد مكة وغيرها لم تكن قد فتحت بعد فكيف قال تعالى: {إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً} بلفظ الماضي. قلت: وعد الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بالفتح وجيء به بلفظ الماضي جرياً على عادة الله تعالى في أخباره، لأنها في تحققها وتيقنها بمنزلة الكائنة الموجودة كأنه تعالى قال: إنا فتحنا لك في حكمنا وتقديرنا وما قدره وحكم به فهو كائن لا محالة. وقال أكثر المفسرين: إن المراد بهذا الفتح صلح الحديبية وهو الأصح، وهو رواية عن أنس. ومعنى الفتح: فتح المغلق المستصعب وكان الصلح مع المشركين يوم الحديبية مستصعباً متعذراً حتى فتحه الله عز وجل ويسره وسهله بقدرته ولطفه. عن البراء قال: تغدون أنتم الفتح فتح مكة ولقد كان فتح مكة فتحاً ونحن نعد الفتح بيعة الرضوان يوم الحديبية كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أربع عشرة مائة والحديبية بئر فنزحناها ولم نترك فيها قطرة فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فأتاها فجلس على شفيرها ثم دعا بإناء من ماء فتوضأ ثم تمضمض ودعا ثم صبه فيها فتركناها غير بعيد ثم إنها أصدرتنا وماشيتنا وركابنا. وقال الشعبي في قوله {إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً} قال: فتح الحديبية وغفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر وأطعموا نخل خيبر وبلغ الهدي محله وظهرت الروم على فارس ففرح المؤمنون بظهور أهل الكتاب على المجوس وقال الزهري: لم يكن فتح أعظم من صلح الحديبية وذلك أن المشركين اختلطوا بالمسلمين فسمعوا كلامهم فتمكن الإسلام في قلوبهم فأسلم في ثلاث سنين خلق كثير، فعز الإسلام بذلك وأكرم الله عز وجل رسوله صلى الله عليه وسلم. وقوله عز وجل: {ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر} قيل اللام في قوله ليغفر لك الله لام كي والمعنى فتحنا لك فتحاً مبيناً لكي يجتمع لك مع المغفرة تمام النعمة بالفتح، وقال الحسن بن الفضل: هو مردود إلى قوله تعالى: {أية : واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات} تفسير : [محمد: 19] ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر وليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات" وقال ابن جريج: هو راجع إلى قوله في سورة النصر {أية : واستغفره إنه كان تواباً} تفسير : [النصر: 3] ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك. وقيل: إن الفتح لم يجعل سبباً للمغفرة ولكن لاجتماع ما قدر له من الأمور الأربعة المذكورة وهي: المغفرة، وإتمام النعمة، وهداية الصراط المستقيم، والنصر العزيز. كأنه قال: يسرنا لك الفتح ونصرناك على عدوك وغفرنا لك ذنبك وهديناك صراطاً مستقيماً ليجتمع لك عز الدارين وأغراض العاجل والآجل. وقيل: يجوز أن يكون الفتح سبباً للغفران لأنه جهاد للعدو وفيه الثواب والمغفرة مع الظفر بالعدو والفوز بالفتح. وقيل: لما كان هذا الفتح سبباً لدخول مكة والطواف بالبيت، كان ذلك سبباً للمغفرة. ومعنى الآية: ليغفر لك الله جميع ما فرط منك ما تقدم من ذنبك يعني قبل النبوة وما تأخر، يعني بعدها وهذا على قول ما يجوز الصغائر على الأنبياء. وقال عطاء الخراساني: ما تقدم من ذنبك يعني من ذنب أبويك آدم وحواء ببركتك، وما تأخر من ذنوب أمتك بدعائك لهم. وقال سفيان الثوري: ما تقدم من ذنبك مما كان منك قبل النبوة، وما تأخر يعني كل شيء لم تعمله ويذكر مثل هذا على طريق التأكيد كما تقول: أعط من تراه ومن لم تره واضرب من لقيت ومن لم تلقه فيكون المعنى: ما وقع لك من ذنب وما لم يقع فهو مغفور لك. وقيل المراد منه ما كان من سهو وغفلة، وتأول لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن له ذنب كذنوب غيره فالمراد بذكر الذنب هنا ما عسى أن يكون وقع منه من سهو ونحو ذلك لأن حسنات الأبرار سيئات المقربين فسماه ذنباً فما كان من هذا القبيل وغيره فهو مغفور له فأعلمه الله عز وجل بذلك وإنه مغفور له ليتم نعمته عليه وهو قوله تعالى: {ويتم نعمته عليك} يعني بالنبوة وما أعطاك من الفتح والنصر والتمكين {ويهديك صراطاً مستقيماً} يعني ويهديك إلى صراط مستقيم وهو الإسلام ويثبتك عليه والمعنى ليجمع لك من الفتح تمام النعمة بالمغفرة والهداية إلى صراط مستقيم وهو الإسلام. وقيل: معناه ويهدي بك إلى صراط مستقيم {وينصرك الله نصراً عزيزاً} يعني غالباً ذا عز ومنعة وظهور على الأعداء وقد ظهر النصر بهذا الفتح المبين وحصل الأمن بحمد الله تعالى. فإن قلت: وصف الله تعالى النصر بكونه عزيزاً والعزيز هو المنصور صاحب النصر فما معناه؟. قلت: معناه ذا عزة كقوله {أية : عيشة راضية} تفسير : [القارعة: 7] أي ذات رضى. وقيل: وصف النصر بما يوصف به المنصور إسناداً مجازياً. يقال: هذا كلام صادق كما يقال متكلم صادق. وقيل: معناه نصراً عزيزاً صاحبه فحذف المضاف إيجازاً واختصاراً وقيل إنما يحتاج إلى هذه التقديرات إذا كانت العزة من الغلبة. والعزيز: الغالب. أما إذا قلنا إن العزيز هو النفيس القليل أو العديم النظير، فلا يحتاج إلى هذه التقديرات، لأن النصر الذي هو من الله تعالى عزيز في نفسه لكونه من الله تعالى فصحَّ وصف كونه نصراً عزيزاً.
القمي النيسابوري
تفسير : القراءات: {ليؤمنوا} {ويعزروه ويوقروه ويسبحوه} بياءات الغيبة: ابن كثير وأبو عمرو. و {عليه الله} بضم الهاء: حفص {فسنؤتيه} بالنون: أبو جعفر ونافع وابن كثير وابن عامر. الآخرون: بالياء التحتانية والضمير لله سبحانه {شغلتنا} بالتشديد: قتيبة {ضراً} بالضم {كلم الله} على الجمع: حمزة وعلي وخلف {بل ظننتم} بالإدغام: علي وهشام {بل تحسدوننا} مدغماً: حمزة وعلي وهشام. {ندخله} {ونعذبه} بالنون فيهما: أبو جعفر ونافع وإبن عامر {بما يعملون بصيراً} بياء الغيبة: أبو عمرو {الرؤيا} بالإمالة: ابن عامر وعلي وهشام {شطأه} بفتح الطاء من غير مد: ابن ذكوان والبزي والقواس. الباقون: ساكنة الطاء. الوقوف: {مبيناً} ه لا {مستقيماً} ه لا على احتمال الجواز ههنا لتكرار إسم الله بالتصريح {عزيزاً} ه {إيمانهم} ط {والأرض} ط {حكيماً} ه لا لتعلق اللام {سيئاتهم} ط {عظيماً} ه لا للعطف {ظن السوء} ط {دائرة السوء} ج لعطف الجملتين المختلفين {جهنم} ط {مصيراً} ه {والأرض} ط {حكيماً} ه {ونذيراً} ه لا {وتوقروه} ط للفصل بين ضمير اسم الله وضمير الرسول في المعطوفين فيمن لم يجعل الضمائر كلها لله {وأصيلاً} ه {يبايعون الله} ط {أيديهم} ج ط للشرط مع الفاء {على نفسه} ج للعطف مع الشرط {عظيماً} ه {فاستغفر لنا} ج لاحتمال ما بعده الاستئناف والحال {قلوبهم} ط {نفعاً} ط {خبيراً} ه {بوراً} ه {سعيراً} ه {الأرض} ط {من يشاء} ط {رحيماً} ه {نتبعكم} ج لأن ما بعده حال عامله {سيقول} أو مستأنف {كلام الله} ط {من قبل} ج للسين مع الفاء {تحسدوننا} ط {قليلاً} ه {يسلمون} ه {حسناً} ج {أليماً} ه {المريض حرج} ط لأن الواو للاستئناف {الأنهار} ج {اليماً} ه {قريباً} ه لا {يأخذونها} ط {حكيماً} ه {عنكم} ج لأن الواو مقحمة أو المعلل محذوف والواو داخلة في الكلام المعترض، أو عاطفة على تقدير ليستيقنوا ولتكون {مستقيماً} ه لا للعطف {بها} ج {قديراً} ه {نصيراً} ه {تبديلاً} ه {عليهم} ط {بصيراً} ه {محله} ط {بغير علم} ج لحق المحذوف أي قدر ذلك ليدخل {من يشاء} ج لاحتمال أن جواب " لولا" محذوف وأن يكون هذه مع جوابها جواباً للأولى {أليماً} ه {وأهلها} ط {عليماً} ه {بالحق} ج لحق حذف القسم {آمنين} لا {مقصرين} لا لأنها أحوال متابعة {لا تخافون} ط لأن قوله {فعلم} بيان حكم الصدق كالأعذار فلا ينعطف على قوله {صدق الله} {قريباً} ه {كله} ط {شهيداً} ه {رسول الله} ج لأن ما بعده مستأنف {ورضواناً} ز لأن {سيماهم} مبتدأ غير أن الجملة من حد الأولى في كون الكل خبر والذين {السجود} ط {الإنجيل} ج لاحتمال أن التقدير هم كزرع {الكفار} ط {عظيماً} ه. التفسير: الفتح في باب الجهاد هو الظفر بالبلد بصلح أو حرب لأنه منغلق ما لم يظفر به. والجمهور على أن المراد به ما جرى يوم الحديبية. عن أنس قال: لما رجعنا عن الحديبية وقد حيل بيننا وبين نسكنا فنحن بين الحزن والكآبة، أنزل الله {إنا فتحنا} فقال صلى الله عليه وسلم: حديث : لقد أنزل عليّ آية هي أحب إليّ من الدنيا كلها تفسير : . والحديبية بئر سمي المكان بها وكان قد غاض ماؤها فتمضمض فيها النبي صلى الله عليه وسلم فجاء بالماء حتى عمهم. وعن ابن شهاب: لم يكن في الإسلام فتح أعظم من فتح الحديبية وضعت الحرب وأمن الناس. وقال الشعبي: أصاب النبي صلى الله عليه وسلم في تلك الغزوة ما لم يصب في غيرها، بويع فيها بيعة الرضوان تحت الشجرة، وغفر له ما تقدّم من ذنبه وما تأخر، وظهرت الروم على فارس، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم وعد به فصح صدقه وأطعم نخل خيبر. وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هجرته إلى المدينة أحب أن يزور بيت الله الحرام بمكة فخرج قاصداً نحوه في سنة ست من الهجرة، وخرج معه أولو البصيرة وتخلف من كان في قلبه مرض ظناً منه أن لن ينقلب الرسول والمؤمنون إلى أهليهم أبداً. واستصحب سبعين بدنة لينحرها بمكة، ولما كان بذي الحليفة قلد الهدي وأحرم بالعمرة لتعلم قريش أنه لم يأت لقتال وكانوا ألفاً وثلثمائة أو أربعمائة أو خمسمائة فبايعوه إلا جد بن قيس فإنه اختبأ تحت إبطي ناقته، فجاءه عروة بن مسعود لإيقاع صلح. فلما رأى أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أي محمد أرأيت إن استأصلت قومك هل سمعت بأحد من العرب اجتاح أصله على أني أرى وجوهاً وأسراباً خليقاً أن يفروا ويدعوك؟ فشتمه أبو بكر فلما عاد إلى قريش قال: لقد وفدت على كسرى وقيصر والنجاشي وغيرهم من الملوك وما رأيت ملكاً يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمد محمداً. والله إن تنخم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلموا عنده خفضوا أصواتهم، وما يحدّون النظر إليه تفخيماً، وإنه قد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها منه. فلما اتفقوا على الصلح جاء سهيل بن عمرو المخزومي وتصالحوا على أن لا يدخل النبي صلى الله عليه وسلم مكة سنته بل يعود في القابل ويقيم ثلاثة أيام ثم ينصرف، فلما كتب علي بن أبي طالب رضي الله عنه "بسم الله الرحمن الرحيم". قال سهيل: ما نعرف "الرحمن الرحيم" اكتب في قضيتنا ما نعرف "باسمك اللهم". ولما كتب "هذا ما صالح محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم". قال: لو علمنا أنك رسول الله ما قاتلناك، اكتب محمد بن عبد الله. فتنازع المسلمون وقريش في ذلك وكادوا يتواثبون، فمنعهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمرهم بالإجابة فكتب "هذا ما صالح محمد بن عبد الله قريشاً على أنه من قدم مكة من أصحاب محمد حاجاً أو معتمراً أو يبتغي من فضل الله فهو آمن على دمه وماله، ومن قدم المدينة مجتازاً إلى مصر والشام أو يبتغي من فضل الله فهو على دمه وأهله آمن، وعلى أنه من جاء محمداً من قريش فهو إليهم ردّ، ومن جاءهم من أصحاب محمد فهو لهم" فاشتدّ ذلك على المسلمين فقال النبي صلى الله عيله وسلم: من جاءهم منا فأبعده الله، ومن جاءنا منهم رددناه إليهم، فإن علم الله منه الإسلام جعل له مخرجاً. فلما فرغوا من الهدنة نحر النبي صلى الله عليه وسلم وحلق وفعل أصحابه ذلك فنزل عليه في طريقه في هذا الشأن {إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً} يريد ما كان من أمر الحديبية والفتح قد يكون بالصلح. وقيل: كان ذلك بلفظ الماضي على عادة إخبار الله. وقال ابن عيسى: الفتح الفرج المزيل للهم ومنه فتح المسألة إذا انفرجت عن بيان يؤدّي إلى الثقة. وقيل وهو قول قتادة: الفتح القضاء والحكم، والفتاح القاضي، والفتاحة الحكومة أي حكما لك بهذه المهادنة وأرشدناك إلى الإسلام ليغفر لك الله. قال أهل النظم: لأوّل هذه السورة مناسبة تامة مع آخر السورة المتقدّمة وذلك أنه قال {أية : ها أنتم هؤلاء تدعون لتنفقوا}تفسير : [محمد: 38] إلى آخره فبين بعد ذلك أنه فتح لهم مكة وغنموا ديارهم وحصل لهم أضعاف ما أنفقوا ولو بخلوا لضاعت عنهم هذه الفوائد. وأيضاً لما قال {أية : وأنتم الأعلون}تفسير : [محمد: 35] بين برهانه بصلح الحديبية أو بفتح مكة وكان في قوله {أية : وتدعوا إلى السلم}تفسير : [محمد: 35] إشارة إلى ما جرى يوم الحديبية من أن المسلمين صبروا إلى أن طلب المشركون الصلح. سؤال: ما المناسبة بين الفتح والمغفرة حتى جعلت غاية له؟ الجواب الغاية هي مجموع المغفرة وما ينعطف عليها كأنه قيل: يسرنا لك فتح مكة وغيره من الفتوح ليجمع لك بين عز الدارين وأغراض العاجل والآجل. ويجوز أن تكون الفتوح من حيث إنها جهاد للعدّو سبباً للغفران والثواب. قال جار الله: وقيل: تقدير الكلام إنا فتحنا لك فاستغفره ليغفر لك كقوله {أية : إذا جاء نصر الله والفتح} تفسير : [النصر: 1]إلى قوله {أية : واستغفره}تفسير : [النصر: 3] وقيل: إن فتح مكة كان سبباً لتطهير البيت من رجس الأوثان، وتطهير بيته سبب لتطهير عبده. وأيضاً بالفتح يحصل الحج وبالحج تحصل المغفرة كما ورد في الأخبار " حديث : خرج كيوم ولدته أمه"تفسير : وأيضاً إن الناس قد علموا عام الفيل أن مكة لا يتسلط عليها عدواً لله، فلما فتحت للرسول صلى الله عليه وسلم عرف أنه حبيب الله المغفور له. أما الذنب فقيل: أراد به ذنب المؤمنين من أمته، أو أريد به ترك الأفضل والصغائر سهواً أو عمداً. ومعنى {ما تأخر} أي عن الفتح أو ما تقدم عن النبوّة وتأخر عنها. وقيل {ما تقدم} ذنب أبويه آدم وحواء {وما تأخر} ذنب أمته. وقيل: أراد جميع الذنوب فحدّ أوّلها وآخرها، أو هو على وجه المبالغة كما تقول: أعطى من رأى ومن لم يره. وقيل: ما تقدم من أمر مارية وما تأخر من أمر زينب وهو قول سخيف لعدم التئام الكلام ظاهراً. والأولى أن يقال: ما تقدم النبوّة بالعفو وما تأخر عنها بالعصمة {ويتم نعمته عليك} بإعلاء دينك وفتح البلاد على يدك لقوله {أية : اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي}تفسير : [المائدة: 3] ومن إتمام النعمة تكليف الحج وقد تم يومئذ ولم يبق للنبي صلى الله عليه وسلم عدوّ من قريش، فإن كثيراً منهم وقد أهلكوا يوم بدر، والباقين آمنوا واستأمنوا يوم الفتح. وقيل: إمام النعمة في الدنيا باستجابة الدعاء في طلب الفتح وفي الآخرة بقبول الشفاعة {ويهديك صراطاً مستقيماً} أي يثبتك ويهديك عليه فإن الفتح لا يكون إلا لمن هو على صراط الله، ولعل المراد بهذا الخطاب هو أمته. والنصر العزيز ذو العزة وهو الذي لا ذل بعده، أو هو بمعنى المعز أو الممتنع على الغير وهو النفيس الذي لا يناله كل أحد. وفي الآية تفخيم شأن الفتح والنصر من وجوه: أحدها لفظ (إنا) الدال على التعظيم. وثانيها لفظ (لك) الدال على الاختصاص. ثالثها إعادة اسم الله في الموضعين أوّلاً وآخراً. ثم بين سبب النصر بقوله {هو الذي أنزل السكينة} وهي السكون والوقار والطمأنينة والثقة بوعد الله كما مر في "البقرة" وفي "التوبة" {ليزدادوا إيماناً مع إيمانهم} أي يقيناً مع يقينهم أو إيماناً بالشرائع مع إيمانهم بالله. وعن ابن عباس أو أول ما أتاهم به النبي صلى الله عليه وسلم التوحيد، فلما آمنوا بالله وحده أنزل الصلاة ثم الزكاة ثم الجاد ثم الحج، أو ازدادوا إيماناًَ استدلالياً مع إيمانهم الفطري. وعلى هذا ففائدة قوله {مع إيمانهم} أن الفطرة تشهد بالإيمان، فلما عرفوا صحة الإيمان بالنظر والاستدلال انضم هذا الثاني إلى الأول. وجنود السموات والأرض ملائكتهما، ويمكن أن يراد بمن في الأرض الثقلان والحيوان غير الإنسان. ويحتمل أن يراد بالجنود معنى أعم وهو الأسباب الأرضية والسماوية فيدخل فيهما الصيحة والرجفة. وظن السوء هو ظنهم أن لن ينقلب الرسول والمؤمنون إلى أهليهم، أو أن الله تعالى لا ينصرهم على أعدائهم، أو أن لله شريكاً، أو أنه لا يقدر على إحياء الموتى. ومعنى دائرة السوء أن ضرر ظنهم يعود إليهم ويدور عليهم وقد مر في سورة التوبة. قال بعض العلماء: ضم المؤمنات ههنا إلى المؤمنين بخلاف قوله {أية : قد أفلح المؤمنون}تفسير : [المؤمنون: 1] {أية : وبشر المؤمنين} تفسير : [الأحزاب: 47] ونحو ذلك. والسر فيه أن كل موضع يوهم اختصاص الرجال به مع كون النساء مشاركات لهم ذكرهن صريحاً نفياً لهذا التوهم، وكل موضع لا يوهم ذلك اكتفى فيه بذكر الرجال لأنهم الأصل في أكثر الأحكام والتكاليف. مثلاً من المعلوم أن البشارة والنذارة عامة للناس قاطبة فلم يحتج فيهما إلى ذكر النساء بخلاف هذه الآية فإن إدخال الجنة يوهم أنه لأجل الجهاد مع العدوّ والفتح على أيديهم والمرأة لا جهاد عليها، فكان يظن أنهن لا يدخلن الجنات فنفى الله تعالى هذا الوهم، وكذا الكلام في تعذيب المنافقات والمشركات. نكتة الجنود المذكورة أوّلاً هي جنود الرحمة فكانوا سبباً لإدخال المؤمنين الجنة بالإكرام والتعظيم ثم إلباسهم خلع الكرامة لقوله {ويكفر عنهم سيئاتهم} ثم تشريفهم بالفوز العظيم من الله كما قال {وكان ذلك عند الله فوزاً عظيماً} وأما الكافر فعكس منه الترتيب: أخبر بتعذيبهم أوّلاً على الإطلاق، ثم فصل بأنه يغضب عليهم أوّلاً ثم يوبقهم في خبر اللعن والبعد عن الرحمة، ثم يسلط عليهم ملائكة العذاب الذين هم جنوده كما قال {أية : عليها ملائكة غلاظ شداد}تفسير : [التحريم: 6] ولا ريب أن كل ذلك على قانون الحكمة إلا أنه قرن العلم في الأول إلى الحكمة تنبيهاً على أن إنزال السكينة وازدياد إيمان المؤمنين وترتيب الفتح على ذلك كانت كلها ثابتة في علم الله، جارية على وفق الحكمة. وقرن العز بالحكمة ثانياً لأن العذاب والغضب وسلب الأموال والغنائم يناسب ذكر العزة والغلبة والقهر زادنا الله إطلاعاً على أسرار قرآنه الكريم وفرقانه العظيم. ثم مدح رسول صلى الله عيله وسلم وذكر فائدة بعثته ليرتب عليه ذكر البيعة فقال {إنا أرسلناك شاهداً} على أمتك {ومبشراً ونذيراً} وقد مر في سورة الأحزاب مثله إلا أن قوله {لتؤمنوا بالله ورسوله} قائم مقام قوله هناك {أية : وداعياً إلى الله بإذنه}تفسير : [الآية: 46] من قرأ على الغيبة فظاهر، وأما من قرأ على الخطاب فلتنزيل خطاب النبي منزلة خطاب المؤمنين. وقوله {وتعزروه وتوقروه} كلاهما بمعنى التعظيم من العز والوقار ينوب منابه. قوله هناك {وسراجاً منيراً} وذلك أن النور متبع والتبجيل والتعظيم دليل المتبوعية. وقال جار الله: الضمائر كلها لله عز وجل وتعظيم الله تعظيم دينه ورسوله. وقوله {وتسبحوه} من التسبيح أو من السبحة وهي صلاة التطوع. و {بكرة وأصيلاً} للدوام أو المراد صلاة الفجر والعصر وحدها أو مع الظهر قاله ابن عباس. {إن الذين يبايعونك} هي بيعة الرضوان تحت الشجرة كما يجيء في السورة. وقيل: ليلة العقبة وفيه بعد. وسماها مبايعة تشبيهاً بعقد البيع نظيره {أية : إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم}تفسير : [التوبة: 111] {إنما يبايعون الله} لأن طاعة الرسول هي طاعة الله في الحقيقة. ثم أكد هذا المعنى بقوله {يد الله فوق أيديهم} قال أهل المعاني: هذا تمثيل وتخييل ولا جارحة هناك. وقيل: اليد النعمة أي نعمة الله عليهم بالهداية فوق إحسانهم إلى الله بإجابة البيعة كما قال {أية : يمنون عليك أن أسلموا قل لا تمنوا عليّ إسلامكم بل الله يمنّ عليكم أن هداكم}تفسير : [الحجرات: 17] قال القفال: هو من قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : اليد العليا خير من اليد السفلى" تفسير : يريد بالعليا المعطية أي الله يعطيهم ما يكون له به الفضل عليهم. وقيل: اليد القوة أي نصرته إياهم فوق نصرتهم لرسوله. وقيل: يد الله بمعنى الحفظ فإن المتوسط بين المتبايعين يضع يده فوق يدهما فلا يترك أن تتفارق أيديهما حتى يتم البيع، والمراد أن الله تعالى يحفظهم على بيعتهم. ثم زجرهم من نقض العهد وحثهم على الوفاء بقوله {فمن نكث} إلى آخره. والنكث والنقض أخوان. وقوله {فإنما ينكث على نفسه} أي لا يعود ضرر نكثه إلا عليه. قال جابر بن عبد الله: بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت الشجرة على الموت وعلى أن لا نفر، فما نكث أحد منا البيعة إلا جد بن قيس، وكان منافقاً اختبأ تحت إبط ناقته ولم يثر مع القوم. ثم بين ما يعلم منه إعجاز القرآن لأنه أخبر عن الغيب وقد وقع مطابقاً وله في السورة نظائر فقال {سيقول لك المخلفون} هم أسلم ومزينة وجهينة وغفار. وقيل: سموا مخلفين لأن التوفيق خلفهم ولم يعتدّ بهم. والظاهر أنهم سموا بذلك لأنه صلى الله عليه وسلم حين أراد المسير إلى مكة عام الحديبية معتمراً استنفر الأعراب وأهل البوادي حذراً من قريش أن يصدّوه عن البيت، فتثاقل كثير من الأعراب وقالوا: يذهب إلى قوم قصدوه في داره بالمدينة وظنوا أنه يهلك فلا ينقلب إلى المدينة فاعتلوا. فلما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم اعتذروا وقالوا {شغلتنا أموالنا وأهلونا فاستغفر لنا} سل الله أن يغفر لنا تخلفنا عنك وإن كان من عذر فكذبهم الله بقوله {يقولون بألسنتهم} وقوله شيئاً من الضر كقتل وهزيمة ولا يوصل إليهم نفعاً إلا ما شاء الله. وإنما قال ههنا بزيادة لفظة {لكم} لأنه في قوم بأعيانهم بخلاف "المائدة" فإنه عام لقوله {أية : أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه ومن في الأرض جميعاً}تفسير : [المائدة: 17] ثم ردّ قولهم اللساني فقال {بل كان الله بما تعملون خبيراً} ثم ردّ اعتذارهم الواهي بقوله {بل ظننتم} الآية. والبور جمع بائر أي هالك والباقي واضح إلى قوله {رحيماً} وفيه بيان كمال قدرته على تعذيب الكافرين مع أن مغفرته ذاتيه ورحمته سابقة. وقوله {سيقول المخلفون} إنما لم يقل هنا لك لأن المخاطبين هم المؤمنون كلهم لا النبي وحده. وجمهور المفسرين على أن هؤلاء هم المخلفون المذكورون فيما تقدم. وقوله {إلى مغانم} هي مغانم خيبر، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعد أهل الحديبية أن غنائم أهل خيبر لهم خصوصاً من غاب منهم ومن حضر بدل تعب السفر في العمرة التي صدّهم المشركون عنها. وزاد الزهري فقال: وإن حضرها من غيرهم من الناس. قالوا: ولم يغب منهم عنها أحد إلا جابر ابن عبد الله، فقسم له رسول الله صلى الله عليه وسلم كسهم من حضر. وكان انصراف النبي صلى الله عليه وسلم في ذي الحجة فأقام بالمدينة بقية ذي الحجة وبعض المحرم، ثم خرج إلى خيبر وخرج معه من شهد الحديبية ففتحها وغنم أموالاً كثيرة وجعلها لهم خاصة، وكان قبل ذلك وعد النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه غنائم خيبر فسمع المنافقون ذلك فقالوا للمؤمنين {ذرونا نتبعكم} فمنعهم النبي صلى الله عليه وسلم لأن أمره أن لا يخرج إلى خيبر إلا أهل الحديبية وذلك قوله {يريدون أن يبدّلوا كلام الله} فقال الله لنبيه {قل لنا تتبعونا} أي في خيبر. وقيل: عامّ في غزواته {كذلكم قال الله من قبل} أي قبل انصرافهم إلى المدينة {فسيقولون} ردّاً على النبي والمؤمنين إن الله لم يأمركم به {بل تحسدوننا} أن نشارككم في الغنيمة فرد الله عليهم ردّهم بقوله {بل كانوا لا يفقهون إلا} فهماً {قليلاً} وهو فطنتهم لأمور الدنيا دون أمور الدين، أو هو فهمهم من قوله {قل لن تتبعونا} مجرد النهي فحملوه على الحسد ولم يعلموا أن المراد هو أن هذا الاتباع لا يقع أصلاً لأن الصادق قد أخبر بنفيه. وذهب جماعة من المفسرين منهم الزجاج إلى أن كلام الله ههنا هو قوله في سورة براءة {أية : لن تخرجوا معي أبداً}تفسير : [الآية: 83] واعترض بأن هذا في قصة تبوك التي كانت بعد الحديبية بسنتين بإجماع من أهل المغازي. وأجاب بعضهم بأن هذ الآية أعني {سيقول المخلفون} نزلت في غزوة تبوك أيضاً. وعندي أن الاعتراض غير وارد ولا حاجة إلى الجواب المذكور. ثم إن الله سبحانه أخبر عن مخلفي الحديبية بأنهم سيدعون إلى قوم أولي قوة ونجدة في الحروب. وقيل: هم هوازن وغطفان. وقيل: هم الروم، غزاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في تبوك. والأكثرون على أن القوم أولي البأس الشديد هم بنو حنيفة قوم مسيلمة وأهل الردة الذين حاربهم أبو بكر الصدّيق لأنه تعالى قال {تقاتلونهم أو يسلمون} ومشركو العرب والمرتدون هم الذين لا يقبل منهم إلا الإسلام أو السيف، ومن عداهم من مشركي العجم وأهل الكتاب والمجوس تقبل منهم الجزية. هذا عند أبي حنيفة، وأما الشافعي فعنده لا تقبل الجزية إلا من أهل الكتاب، والمجوس دون مشركي العجم والعرب. وقد يستدل بهذا على إمامة أبي بكر فإنهم لم يدعوا إلى حرب في أيام رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن بعد وفاته ولا سيما فيمن يزعم أنه نزل فيهم {أية : لن تخرجوا معي أبداً}تفسير : [التوبة: 83] اللهم إلا أن يقال: المراد لن تخرجوا معي ما دمتم على حالكم من مرض القلوب والاضطراب في الدين، أو أنهم لا يتبعون الرسول إلا متطوّعين لا نصيب لهم في المغنم قاله مجاهد. وقوله {أو يسلمون} رفع على الاستئناف يعني أو هم يسلمون. ويجوز أن يراد إلى أن يسلموا، فحين حذف "أن" رفع الفعل. وقيل: الإسلام ههنا الانقياد فيشمل إعطاء الجزية أيضاً. والأجر الحسن في الدنيا الغنيمة، وفي الآخرة الجنة. وقيل: الغنيمة فقط بناء على أن الآية في المنافقين، وعلى هذا لا يتم الاستدلال على إمامة الخلفاء. وقوله {من قبل} أي في الحديبية. قال ابن عباس: إن أهل الزمانة قالوا: يا رسول الله كيف بنا؟ فأنزل الله تعالى {ليس على الأعمى حرج} أي إثم في التخلف لأنه كالطائر الذي قص جناحه لا يمتنع على من قصده. وقدم الأعمى لأن عذره مستمر ولو حضر القتال، والأعرج قد يمكنه الركوب والرمي وغير ذلك. نعم يتعسر عليه الحرب ماشياً وكذا جودة الكر والفر راكباً. وقد يقاس الأقطع على الأعرج، ويمكن أن لا يكون الأقطع معذوراً لأنه نادر الوجود. والأعذار المانعة من الجهاد أكثر من هذا وقد ضبطها الفقهاء بأن المانع إما عجز حسي أو عجز حكمي. فمن الأول الصغر والجنون والأنوثة والمرض المانع من الركوب للقتال لا كالصداع ووجع السن، ومنه العرج البين وإن قدر على الركوب لأن الدابة قد تهلك. وعند أبي حنيفة لا أثر للعرج في رجل واحدة، ومنه فقد البصر ولا يلحق به العور والعشي، ومنه عدم وجدان السلاح وآلات القتال. ومن الثاني الرق والدين الحالّ بلا إذن رب الدين ومن أحد أبويه في الحياة ليس له الجهاد لا بإذنه إلا إذا كان كافراً. والباقي واضح إلى قوله {لقد رضى الله}. وبه سميت بيعة الرضوان ويبايعونك حكاية الحال الماضية والشجرة كانت سمرة. وقيل: سدرة روي أنها عميت عليهم من قابل فلم يدروا أين ذهبت. وعن جابر بن عبد الله: لو كنت أبصر لأريتكم مكانها {فعلم ما في قلوبهم} من خلوص النية {فأنزل السكينة} الطمأنينة والأمن عليهم {وأثابهم} جازاهم عن الإخلاص في البيعة {فتحاً قريباً} هو فتح خيبر غب انصرافه من الحديبية كما ذكرناه. وقيل: هو فتح مكة {ومغانم كثيرة يأخذونها} هي مغانم خيبر وكانت أرضاً ذات عقار وأموال فقسمها عليهم {وعدكم الله مغانم كثيرة} هي التي أصابوها مع النبي صلى الله عليه وسلم أو بعده إلى يوم {فعجل لكم هذه} يعني غنيمة خيبر {وكف أيدي الناس عنكم} يعني أيدي أهل خيبر وحلفائهم من أسد وغطفان جاؤا لنصرتهم فقذف الله الرعب في قلوبهم وقيل: أيدي أهل مكة بالصلح، وقيل: أيدي اليهود حين خرجتم وخلفتم عيالكم بالمدينة وهمت اليهود بهم فمنعهم الله قوله {ولتكون آية} أي لتكون هذه الغنيمة المعجلة دلالة على ما وعدهم الله من الغنائم، أو دلالة على صحة النبوة من حيث إنه أخبر بالفتح القريب وقد وقع مطابقاً. وقيل: الضمير للكف والتأنيث لأجل التأنيث الخبر، أو بتقدير الكفة ويهديكم ويثبتكم ويزيدكم بصيرة. قوله {وأخرى} أي وعدكم الله مغانم أخرى. عن ابن عباس: هي فتوح فارس والروم. أو يقال: مغانم هوازن في غزوة حنين لم يظنوا أن يقدروا عليها لما فيها من الهزيمة، ثم الرجوع مرة بعد أخرى قد أحاط الله بها علماً أنها ستصير لكم. قال جار الله: يجوز في {أخرى} النصب بفعل مضمر يفسره {قد أحاط} أي وقضى الله أخرى قد أحاط بها. ويجوز فيها الرفع على الابتداء لكونها موصوفة بالجملة و {قد أحاط} خبره. وجوز الجر بإضمار "رب". ثم بين أن نصر الله إياهم في صلح الحديبية أو في فتح خيبر لم يكن اتفاقياً بل كان إلهياً سماوياً فقال {ولو قاتلكم} إلى آخره. والسر فيه أن الله كتب وأوجب غلبة حزبه ونصر رسله كما قال {سنة الله} إلى آخره. عن أنس أن ثمانين رجلاً من أهل مكة هبطوا على النبي صلى الله عليه وسلم من جبل التنعيم متسلحين يريدون غرة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فأخذهم واستحياهم فأنزل الله تعالى {وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة} وهو الحديبية لأنها من أرض الحرم. وقيل: هو التنعيم. وقيل: إظفاره دخوله بلادهم بغير إذنهم. وعن عبد الله بن مغفل المزني قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم بالحديبية في أصل الشجرة التي ذكرها الله في القرآن، فبينا نحن كذلك إذ خرج علينا ثلاثون شاباً عليهم السلاح فثاروا في وجوهنا فدعا عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذ الله تعالى بأبصارهم فقمنا إليهم فأخذناهم فقال لهم صلى الله عليه وسلم: هل كنتم في عهد أحد وهل جعل لكم أحد أماناً فقالوا: اللهم لا، فخلى سبيلهم فأنزل الله الآية. وإنما قدم كف أيدي الكفار عن المؤمنين لأنهم أهم. وقيل: كف أيديكم بأن أمركم أن لا تحاربوا، وكف أيديهم بإلقاء الرعب أو بالصلح وقيل: إن عكرمة بن أبي جهل خرج في خمسمائة رجل فقال النبي صلى الله عليه وسلم لخالد بن الوليد: هذا ابن عمك قد أتاك في الخيل. فقال خالد: أنا سيف الله وسيف رسوله ارم بي حيث شئت. فبعثه على خيل فلقي عكرمة في الشعب فهزمه حتى أدخله حيطان مكة، ثم عاد فهزمه حتى أدخله جوف مكة. فأنزلت الآية. وسمي خالد يومئذ سيف الله. وروي أن كفار مكة خرجوا يوم الحديبية يرمون المسلمين فرماهم المسلمون بالحجارة حتى أدخولهم بيوت مكة. ثم ذم قريشاً بقوله {هم الذين كفروا وصدّوكم} يعني يوم الحديبية {عن المسجد الحرام} أن تطوفوا به للعمرة {و} صدّوا {الهدى} أو صدّوكم مع الهدي حال كونه {معكوفاً} أي محبوساً ممنوعاً موقوفاً عن {أن يبلغ محله} المعهود وهو مِنى وقد مر تفسير الهدي ومحله والبحث عنه في "البقرة". ثم بين حكمة المصالحة بقوله {ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات} وقوله {لم تعلموهم} سفة الرجال والنساء جميعاً على جهة التغليب. و {أن تطؤهم} بدل الاشتمال منهم أو من الضمير المنصوب في {تعلموهم} والوطء كالدّوس عبارة عن الإيقاع والإهلاك. وقوله {فتصيبكم} جواب النفي أو عطف على {أن تطؤهم} والمعرة "مفعلة" ممن العرالعيب كالجرب ونحوه. وقوله {بغير علم} متقدم في النية متعلق بـ {أن تطؤهم} والفحوى أنه كان بمكة ناس من المسلمين فقال سبحانه: ولولا كراهة أن تهلكوا ناساً من المؤمنين فيما بين المشركين وأنتم غير عالمين بحالهم فتصيبكم بإهلاكهم تبعة في الدين لوجوب الدية والكفارة أو عيب بسوء قالة أهل الشرك، إنهم فعلوا بأهل دينهم مثل ما فعلوا بنا، أو أثم إذا جرى دينهم منكم بعض التقصير لما كف أيديكم عنهم، والكلام يدل على هذا الجواب وفي حذفه فخامة وذهاب للوهم كل مذهب، ويعلم منه أنه يفعل بهم إذ ذاك ما لا يدخل تحت الوصف. وجوّزوا أن يكون {لو تزيلوا} كالتكرير لقوله {ولولا رجال} لرجعهما إلى معنى واحد. والتنزيل التميز والتفرق ويكون {لعذبنا} هو الجواب. وقوله {ليدخل} تعليل لما دلت عليه الآية من كف الأيدي عن قريش صوناً لأهل الإيمان المختلطين بهم كأنه قيل: كان الكف ومنع التعذيب ليدخل الله مؤمنيهم في حيز توفيق الخير والطاعة، أو ليدخل في الإسلام من رغب فيه من المشركين. وحكى القفال أن اللام متصل بالمؤمنين والمؤمنات أي آمنوا لكذا. وقوله {إذ جعل} يجوز أن ينتصب بإضمار "اذكر" أو يكون ظرفاً {لعذبنا} أو لـ {ـصدّوكم} وفاعل {جعل} يجوز أن يكون {الله} وقوله {في قلوبهم} بيان لمكان الجعل كما مر في قوله {أية : وأشربوا في قلوبهم العجل}تفسير : [البقرة: 93] ويجوز أن يكون {الذين كفروا} ومفعولاه الحمية والظرف فيكون جعلهم في قلبهم بإزاء أنزل الله. والحمية في مقابلة السكينة، والحمية الأنفة والاستكبار الذي كان عليها أهل الجاهلية، ومن ذلك عدم إقرارهم بمحمد صلى الله عليه وسلم ومنه ما جرى في قصة الحديبية من إبائهم أن يكتب في كتاب العهد "بسم الله الرحمن الرحيم" وأن يكتب "محمد رسول الله" يقال: حميت أنفي حمية كأنها "فعلية" بمعنى "مفعول" من الحماية اسم أقيم مقام المصدر كالسكينة بمعنى السكون فأنزل الله على رسوله السكينة والوقار حتى أعطاهم ما أرادوا. وكلمة التقوى التسمية والتوحيد والاعتراف برسالة محمد صلى الله عليه وسلم، اختارها الله للمؤمنين. ومعنى الإضافة إنها سبب التقوى وأساسها، أو المراد كلمة أهل التقوى الذين يتقون بها غضب الله. {وكانوا أحق بها وأهلها} لأنهم خيار الأمم. وقيل: أراد وكانوا يعني أهل مكة أحق بهذه الكلمة لتقدّم إنذارهم إلا أن بعضهم سلبوا التوفيق. وحكى المبرد أن الذين كانوا قبلنا لم يكن لأحد أن يقول "لا إله إلا الله" في اليوم والليلة إلا مرة واحدة لا يستطيع أن يقول أكثر من ذلك. وكان قائلها يمدّ بها صوته إلى أن ينقطع نفسه تبركاً بذكر الله، وقد جعل الله لهذه الأمة أن يقولوها متى شاؤا وهو قوله {وألزمهم كلمة التقوى} أي ندبهم إلى ذكرها ما استطاعوا. ثم قص رؤيا نبيه صلى الله عليه وسلم بياناً لإعجازه فإن الرؤيا الصادقة جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة. وقصته أنه رأى في المنام أن ملكاً قال له {لتدخلن} إلى قوله {لا تخافون} فأخبر أصحابه بها ففرحوا وجزموا بأنهم داخلوها في عامهم، فلما صدّوا عن البيت واستقر الأمر على الصلح قال بعض الضعفة: أليس كان يعدنا النبي صلى الله عليه وسلم أن نأتي البيت فنطوف به؟ فقال لهم أهل البصيرة: هل أخبركم أنكم تأتونه العام؟ فقالوا: لا. قال: فإنكم تأتونه وتطوفون بالبيت فأنزل الله تصديقه. ومعنى {صدق الله رسوله الرؤيا} صدقه في رؤياه ولم يكذبه. وقوله {بالحق} إما أن يكون متعلقاً بـ {صدق} أي صدقه فيما رأى صدقاً متلبساً بالحق وهو أن يكون ما أراه كما أراه، وإما أن يكون حالاً من الرؤيا أي متلبسة بالحق يعني بالغرض الصحيح وهو الإبتلاء، وتميز المؤمن المخلص من المنافق المرائي. وجوّز أن يكون {بالحق} قسماً لأنه إسم من أسماء الله سبحانه، أو لأن المراد الحق الذي هو نقيض الباطل فتكون اللام في {لتدخلنّ} جواب القسم لا للابتداء فيحسن الوقف على {الرؤيا}. والبحث عن الحلق والتقصير وسائر أركان الحج والعمرة وشرائطهما استوفيناها في سورة البقرة فليتذكر. وفي ورود {إن شاء الله} في خبر الله عز وجل أقوال أحدها: أنه حكاية قول الملك كما روينا. والثاني أن ذلك خارج على عادة القرآن من ذكر المشيئة كقوله {يغفر لمن يشاء} {ويعذب المنافقين إن شاء} والمعنى إن الله يفعل بالعباد ما هو الصلاح فيكون استثناء تحقيق لا تعليق. والثالث أنه أراد لتدخلن جميعاً إن شاء ولم يمت أحد أو لم يغب. والرابع أنه تأديب وإرشاد إلى استعمال الاستثناء في كل موضع لقوله صلى الله عليه وسلم وقد دخل البقيع " حديث : وأنا إن شاء الله بكم لاحقون" تفسير : وليس في فروع الموت استثناء. الخامس أنه راجع إلى حالة الأمن وعدم الخوف. ثم رتب على الصدق وعلى سوء ظن القوم قوله {فعلم ما لم تعلموا} من الحكمة في تأخير الفتح إلى العام القابل {فجعل من دون ذلك} الفتح {فتحاً قريباً} وهو فتح خيبر. ثم أكد صدق الرؤيا بل صدق الرسول في كل شيء بقوله {هو الذي أرسل} الآية. وذلك أنه كذب رسوله كان مضلاً ولم يكن إرساله سبباً لظهور دينه وقوة ملته. وقد مر نظير الآية في سورة التوبة. ومن استعلاء هذا الدين أنه لا ترى أهل ملة إلا والمسلم غالب عليه إلا أن يشاء الله. وقد يقال: إن كمال العز والغلبة عند نزول عيسى عليه السلام فلا يبقى على الأرض كافر {وكفى بالله شهيداً} على أن هذا الدين يعلو ولا يعلى. ثم أكد الشهادة وأرغم أنف قريش الذين لم يرضوا بهذا التعريف في كتاب العهد فقال {محمد رسول الله} فهو مبتدأ وخبر. وجوز أهل الإعراب أن يكون المبتدأ محذوفاً لتقدم ذكره في قوله {أرسل رسوله} أي هو محمد فيكون {رسول الله} صفة أو عطف بيان، وجوزوا أن يكون {محمد} مبتدأ و {رسول الله} صفته أو بياناً. وقوله {والذين معه} وهم الصحابة عطفاً على {محمد} وخبر الجميع {أشداء على الكفار} جمع شديد كما قال {أية : واغلظ عليهم}تفسير : [التحريم: 9] {أية : أعزة على الكافرين}تفسير : [المائدة: 54] عن الحسن: بلغ من تشدّدهم على الكفار أنهم كانوا يتحرزون من ثيابهم أن تلزق بثيابهم فكيف بأبدانهم، وبلغ من ترحمهم فيما بينهم أنه كان لا يرى مؤمن مؤمناً إلا صافحه وعانقه. والمصافحة جائزة بالاتفاق، وأما المعانقة والتقبيل فقد كرههما أبو حنيفة رضي الله عنه وإن كان التقبيل على اليد. ومن حق المؤمنين أن يراعوا هذه السنة أبداً فيتشدّدوا على مخالفيهم ويرحموا أهل دينهم {تراهم} يا محمد أو يا من له أهلية الخطاب {ركعاً سجداً} راكعين ساجدين {يبتغون فضلاً من الله} بالعفو عن تقصيرهم {ورضواناً} منه عن أعمالهم الصالحة بأن يتقبلها الله منهم {سيماهم} علامتهم {في وجوههم من أثر السجود} فيجوز أن تكون العلامة أمراً محسوساً وأن السجود بمعنى حقيقة وضع الجبهة على ألأرض، وكان كل من عليّ بن الحسين زين العابدين عليه السلام وعليّ بن عبد الله بن عباس أبي الأملاك يقال له ذو الثفنات، لأن كثرة سجودهما أحدثت في مواضع السجود منهما أشباه ثفنات البعير. والذي جاء في الحديث "حديث : لا تعلبوا صوركم"تفسير : أي لا تخدشوها. وعن ابن عمر أنه رأى رجلاً أثر في وجهه السجود فقال: إن صورة وجهك أنفك فلا تعلب وجهك ولا تشن صورتك محمول على التعمد رياء وسمعة. وعن سعيد بن المسيب هي ندى الطهور وتراب الأرض. ويجوز أن يكون أمراً معنوياً من البهاء والنور. وعن عطاء: استنارت وجوههم من التهجد كما قيل "من كثر صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار" وإن الذي يبيت شارباً يتميز عند أراب البصيرة من الذي يبيت مصلياً وفيه قال بعضهم: شعر : عيناك قد حكتا مبيـ ـتك كيف كنت وكيف كانا ولرب عين قد أرتـ ـك مبيت صاحبها عياناً تفسير : قال المحققون: إن من توجه إلى شمس الدنيا لا بد من أن يقع شعاعها على وجهه، فالذي أقبل على شمس عالم الوجود وهو الله سبحانه كيف لا يستنير ظاهره وباطنه ولا سيما يوم تبلى السرائر ويكشف الغطاء {ذلك مثلهم} أي ذلك الوصف وصفهم العجيب الشأن في الكتابين: ويجوز أن يكون ذلك إشارة مبهمة أوضحت بقوله {كزرع} إلى آخره. كقوله {أية : وقضينا إليه ذلك الأمر أن دابر هؤلاء مقطوع} تفسير : [الحجر: 66] وقد يقال: تم الكلام عند قوله {ذلك مثلهم في التوراة} ثم ابتدأ {مثلهم في الإنجيل كزرع} لما روى أنه مكتوب في الإنجيل: سيخرج قوم ينبتون نبات الزرع يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر عرفوا إلى بني إسرائيل بهذا الوصف ليعرفوهم إذا أبصروهم. والشطء بالتسكين والتحريك فراخ الزرع التي تنبت إلى جانب الأصل، ومنه شاطىء النهر. {فآزره} من المؤازره المعاونة. ويجوز أن يكون أفعل من الأزر القوة أي أعان الزرع الشطء أو بالعكس. {فاستغلظ} الزرع أو الشطء أي صار من الرقة إلى الغلظ {فاستوى على سوقه} فاستقام على قصبته أي تناهى وصار كالأصل بحيث يعجب الزارعين. والسوق جمع ساق وقد يخص الساق بالشجر فيكون ساق الزرع مجازاً مستعاراً. ووجه التشبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج وحده ثم أتبعه من ههنا قليل ومن ههنا حتى كثروا وقوي أمرهم. وقوله {ليغيظ بهم الكفار} تعليل لوجه التشبيه أو للتشبيه أي ضرب الله ذلك المثل وقضى وحكم بذلك ليغيظ بمحمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه كفار مكة والعجم. وقيل: هذا الزرع يغيظ بكثرته الكفار أي سائر الزرّاع الذين ليس لهم مثل زرعهم وفيه بعد، ولكن الكلام لا يخلو عن فصاحة لفظية من قبل المناسبة بين الزراع والكفار لاشتراكهما بالجملة في معنى من المعاني وإن لم يكن مقصوداً ههنا. وذهب بعض المفسرين إلى أن قوله {والذين معه} أبو بكر {أشداء على الكفار} عمر {رحماء بينهم} عثمان {نراهم ركعاً سجداً} علي عليه السلام {يبتغون فضلاً من الله ورضواناً} طلحة والزبير {سيماهم في وجوههم} سعد وسعيد وعبد الرحمن بن عوف وأبو عبيدة ابن الجراح. وعن عكرمة: أخرج شطأة بأبي بكر فآزره بعمر فاستغلظ بعثمان فاستوى على سوقه بعليّ. وقوله {منهم} لبيان الجنس. ويجوز أن يكون قوله {ليغيظ} تعليلاً للوعد لان الكفار إذا سمعوا بما أعدّ لهم في الآخرة مع ما حصل لهم في الدنيا من الغلبة والاستعلاء غاظهم ذلك والله أعلم.
الثعالبي
تفسير : قوله عز وجل: {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً...} الآية، قال قوم: يريد فَتْحَ مَكَّةَ، وقال جمهور الناس، وهو الصحيح الذي تَعْضُدُهُ قصة الحديبية: إنَّ قوله: {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ} إنَّما معناه هو ما يَسَرَّ اللَّه عز وجل لنبيِّه في تلك الخرجة من الفتح البَيِّنِ الذي استقبله، ونزلت السورة مؤنسة للمؤمنين؛ لأَنَّهم كانوا استوحشوا من رَدِّ قريشٍ لهم ومن تلك المهادنة التي جعلها اللَّه سبباً للفتوحات، واستقبل النَّبِيُّ ـــ صلى الله عليه وسلم ـــ في تلك السفرة أَنَّهُ هَادَنَ عَدوَّه ريثما يَتَقَوَّى هو، وظهرت على يديه آية الماء في بئر الحديبية؛ حيث وضع فيه سهمه، وثاب الماء حتى كَفَى الجيش، واتَّفَقَتْ بيعةُ الرضوان، وهي الفتح الأعظم؛ قاله جابر بن عبد اللَّه والبَرَاءُ بن عازب، وبلغ هَدْيُهُ مَحِلَّهُ؛ قاله الشَّعْبِيُّ، واستقبل فتح خيبر، وامتلأت أيدي المؤمنين، وظهرت في ذلك الوقت الروم على فارس، فكانت من جملة الفتح؛ فَسُرَّ بها ـــ صلى الله عليه وسلم ـــ هو والمؤمنون؛ لظهور أهل الكتاب على المجوس، وشَرَّفَه اللَّه بأنْ أخبره أَنَّه قد غفر له ما تقدَّمَ من ذنبه وما تأَخَّرَ، أي: وإِنْ لم يكن ذنب. * ت *: قال الثعلبيُّ: قوله: {لِّيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ} قال أبو حاتم: هذه لام القسم، لما حُذِفَتِ النون من فعله كُسِرَتْ، ونُصِبَ فعلها؛ تشبيهاً بلام «كي»، انتهى. قال عياض: ومقصد الآية أَنَّك مغفور لك، غيرَ مؤاخذ بذنب، إنْ لو كان، انتهى. قال أبو حيان: «لِيَغْفِرَ» اللام لِلْعِلَّةِ، وقال * ع *: هي لام الصيرورة، وقيل: هي لام القسم، ورُدَّ بأنَّ لام القسم لا تُكْسَرُ وَلا يُنْصَبُ بها، وأُجِيبَ بأَنَّ الكَسْرَ قد عُلِّلَ بالحمل على «لام كي» وأَمَّا الحركة فليست نصباً؛ بل هي الفتحة الموجودة مع النون، بَقِيَتْ بعد حذفها دَالَّةً على المحذوف، ورُدَّ باَّنَّهُ لم يُحْفَظْ من كلامهم: واللَّهِ ليقوم ولا باللَّه ليخرج زيد، انتهى. وفي صحيح البخاريِّ عن أنس بن مالك: «حديث : إنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحَاً مُبِيناً» تفسير : الحديبية، انتهى. وقوله سبحانه: {وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ} أي: بإظهارك وتغليبك على عَدُوِّك، والرُّضْوَانُ في الآخرة والسَّكِينَةُ فعيلة من السكون، وهو تسكين قلوبهم لتلك الهُدْنَةِ مع قريش حتَّى اطمأَنَّتْ، وعلموا أَنَّ وعد اللَّه حق.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً} اختلفوا في هذا الفتح فروى أنس أنه فتح مكة وقال مجاهد: فتح خيبر. والأكثرون على أنه فتح الحديبية، وقيل: فتح الروم. وقيل: فتح الإسلام بالحُجَّة والبُرْهَان والسَّيْفِ والسِّنان. وقيل: الفتح الحكم لقوله تعالى: {أية : ٱفْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِٱلْحَقِّ}تفسير : [الأعراف:89] وقوله: {أية : ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِٱلْحَقِّ}تفسير : [سبأ:26]. فمن قال: هو فتح مكة قال: لأنه مناسب لآخر السورة التي قبلها من وجوه: أحدها: أنه تعالى لما قال: {أية : هَا أَنتُمْ هَـٰؤُلاَءِ تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} تفسير : [محمد:38] إلى أن قال: {أية : وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ} تفسير : [محمد:38] وبين تعالى أنه فَتَحَ لهم مكة، وغَنِموا ديارهم، وحصل لهم أضعاف ما أنفقوا؛ ولو بخلوا لضاع عليهم ذلك فلا يكون بخلهم إلا على أنفسهم. وثانيها: لما قال: {أية : واللهُ مَعكُمْ} تفسير : [محمد:35] وقال: {أية : وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ} تفسير : [محمد:35] بين برهانه بفتح مكة فإنهم كانوا هم الأعلون. وثالثها: لما قال تعالى: {أية : فَلاَ تَهِنُواْ وَتَدْعُوۤاْ إِلَى ٱلسَّلْمِ} تفسير : [محمد:35] وكان معناه لا تسألوا الفتح بل اصبروا فإنكم تسألون الصلح كما كان يوم الحديبية فكان المراد فتح مكة حيث أتوا صَنَادِيدَ قُرَيْشٍ مستأمنين ومؤمنين ومسلمين ومستسلمين. فإن قيل: إن كان المراد فتح مكة فمكة لم تكن فتحت فكيف قال: فتحنا بلفظ الماضي؟. فالجواب من وجهين: أحدهما: فتحنا في حُكْمِنا وتَقْدِيرِنا. والثاني: ما قدره الله تعالى فهنو كائن فأخبر بصيغة الماضي إشارة إلى أنه أمرٌ واقعٌ لا دَافِعَ له. وأما حجة رأي الأَكْثرِين على أنه صلح الحديبية فلِمَا رَوَى البراء قال: تعدون أنتم الفتح فتح مكة وقد كان فتح مكة فتحاً ونحن نَعُدُّ الفتحَ بيعةَ الرضوان يوم الحديبية كنا مع النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أَرْبَعَ عَشْرَةَ مائةً والحديبيةُ بئرٌ فَنَزَحَنَاهَا فلم تنزل قَطْرَةٌ فبلغ ذلك النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فأتاها فجلس على شفيرها فدعا بإناءٍ من ماءٍ فتوضأ ثم تَمَضْمَضَ ودعا وَصبَّهُ فيها فتركناها غير بعيد. ثم إنها أَصْدَرَتْنَا ما شئنا نحن وركابنا. قال الشعبي في قوله: إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً قال: فتح الحديبية غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وأطعموا نَخْل خيبر، وبلغ الهديُ مَحِلّه وظهرت الروم على الفرس ففرح المؤمنون بظهور أهل الكتاب على المَجُوسِ. قال الزهري: ولم يكن فتح أعظمُ من صُلْحِ الحُدْيبِيَةِ، وذلك أن المشركين اختلطوا بالمسلمين فسمعوا كلامهم فتمكن الإسلام في قلوبهم وأسلم في ثلاثِ سنين خلق كثير وكثر سَواَدٌ الإسلام، قال المفسرون: {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً} أي قضينا لك قَضَاءً بَيِّناً. قوله: {لِّيَغْفِرَ لَكَ ٱللَّهُ} متعلق "بِفَتَحْنَا" وهي لام العلة. وقال الزَّمَخْشَرِيُّ: فإن قلتَ: كيف جعل فتح مكة علَّةً للمغفرة؟. قلتُ: لَمْ تُجْعل علة للمغفرة ولكن لما عدد من الأمور الأربعة وهي المغفرة، وِإتمام النعمة وهداية الصراط المستقيم، والنصر العزيز كأنه قال: يَسَّرْنَا لَكَ فَتْح مكة، ونَصَرْنَاك على عدوك ليجمع لك بين عِزِّ الدَّارَيْن، وإعراض العاجل والآجل. ويجوز أن (يكون) فتح مكة من حيث إنَّهُ جهادٌ للعدو سبَباً للغُفْران والثواب. وهذا الذي قاله مخالف لظاهر الآية، فإن اللام داخلة على المغفرة فتكون المغفرة علة للفتح والفتح معلَّلٌ بها فكان ينبغي أن يقول: كيف جعل فتح مكة معلَّلاً بالمغفرة؟ ثم يقول: لم يجعل مُعَلَّلاً؟. وقال ابن الخطيب في جواب هذا السؤال وجهين: آخرين؛ فقال بعد أن حكى الأول وقال: إنَّ اجتماع الأربعة لم يثبت إلاَّ بالفتح فإنَّ النعمةَ به تَمَّتْ، والنُّصْرَةَ به عَمَت: الثاني: أن فتح مكة كان سبباً لتظهير بيت الله من رِجْز الأوثان وتطهير بيته صار سبباً لتطهير عبده. الثالث: أن الفتح سبب الحِجَج، وبالحَجِّ تحصل المغفرة كما قال ـ عليه الصلاة والسلام ـ في الحج "حديث : اللَّهُمّ اجْعَلْهُ حَجًّا مَبْرُوراً وَسَعْياً مَشْكُوراً وَذَنْباً مَغْفُوراً"تفسير : . الرابع: المراد منه التعريف تقديره: إنَّا فتحنا لك لِتَعْرفَ أنك مغفور لك معصوم. وقال ابن عطية: المراد هنا أن الله فتح لك لِكَيْ يجعل الفتح علامة لَغُفْرَانِهِ لك فكأنها لام صيرورة. وهذا كلام ماش على الظاهر، وقال بعضهم: إنَّ هذه اللام لام القَسَم والأصل: لَيَغْفِرَنَّ فكسرت اللام تشبيهاً بلام "كي"، وحذفت النون. وَرُدَّ هذا بِأن اللام لا تكسر، وبأنها لا تنصب المضارع. وقد يقال: إنَّ هذا ليس بنصب وإنما هو بقاءُ الفتح الذي كان قبل نون التوكيد بَقِيَ ليدل عليها ولكنه قول مردودٌ. فصل لم يكن للنبي ـ صلى لله عليه وسلم ـ ذنب فماذا يغفر له؟ فقيل: المراد ذنب المؤمنين. وقيل: المراد ترك الأفْضل. وقيل: الصغائر فإنها جائزة على الأنبياء بالسهو والعَمْد. قال ابن الخطيب: وهي تصونهم عن العُجْبِ. وقيل: المراد بالمغفرة العِصْمة. ومعنى قوله: "وَمَا تَأَخَّر" قيل: إنه وعد النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بأنه لا يذنب بعد النُّبُوَّة. وقيل: ما تقدم على الفتح. وقيل: هو للعموم، يقال: اضْرِبْ مَنْ لَقِيتَ وَمَنْ لاَ تَلْقَاهُ مع أن من لا تلقاه لا يمكن ضربه إشارة إلى العموم. وقيل: من قبل النبوة وبعدها ومعناه ما قبل النبوة بالعفو وما بعدها بالعصمة. وفيه وجوه أُخر ساقطة. قال ابن الخطيب: منها قول بعضهم: ما تقدم من أمر "مَارِيَةَ" "وَمَا تَأَخَّر" من أمر "زَيْنَبَ" وهو أبعد الوجوه وأَسْقَطُهَا لعدم الْتِئَامِ الكَلاَمِ. قوله: {وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ} قيل: إنَّ التكاليفَ عند الفتح تَمْتْ حيث وَجَب الحَجُّ ـ وهو آخر التكاليف والتكاليف نعمة ـ وقيل: يتم نعمته عليك بإخلاء الأرض من مُعَانِدِيكَ، فإنَّ مِنْ يوم الفتح لم يبق للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ عدوٌّ، فإن بعضهم قُتِلَ يوم بدر، والباقون آمنوا واستأمنوا يوم الفتح. وقيل: ويتم نعمته عليك في الدنيا والآخرة، أما في الدنيا باستجابة دعائك في طلب الفتح، وفي الآخرة: بِقبول شفاعتك. فصل قال الضحاك: إنَّا فتحنا لك فتحناً مبيناً بغير قتال، كان الصلح من الفتح. فإنْ كانت اللام في قوله: "لِيَغْفِرَ" لام كي فمعناه إنَّا فَتَحْنَا لك فتحاً مبيناً لكي يجتمع لك مع المغفرة تَمَامُ النعمة في الفتح. وقال الحسن بن الفضل: هو مردود إلى قوله: "واسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلمُؤْمِنِينَ وَالمُؤمِنَاتِ ليغفر الله لك ما تقدم من ذنبك، وما تأخر، وليُدْخِلَ المؤمنين والمؤمنات جناتٍ تجري من تحتها الأنهار". وقال محمد بن جرير: هو راجع إلى قوله: {أية : إِذَا جَآءَ نَصْرُ ٱللَّهِ وَٱلْفَتْحُ وَرَأَيْتَ ٱلنَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ ٱللَّهِ أَفْوَاجاً فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَٱسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابَا}تفسير : [النصر:1ـ3] ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك في الجاهلية قبل الرسالة "وما تأخر" إلى وقت نزول هذه السورة. وقيل: ما تأخر مما يكون. وهذا على طريق من يجوز الصغائر على الأنبياء. وقال سُفْيَانُ الثَّوْرِيّ: "ما تقدم" مما عملت في الجاهلية "وما تأخر" كل شيء لم تعمله كما تقدم. وقال عطاء الخراساني: {مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ} يعني ذنب أبويك آدَمَ وحوّاء ببركتك، "وَمَا تَأَخَرَ" ذنوب أمتك بدعوتك. {وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ} بالنبوة والحكمة. قوله: {وَيَهْدِيكَ صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً} قيل: يهدي بك. وقيل: يُديمك على الصراط المستقيم، وقيل جعل الفتح سبب الهداية إلى الصراط المستقيم لأنه سهل على المؤمنين الجهاد لعلمهم بفوائده (و) العادجلة والآجلة. وقيل: المراد التعريف، أي لتعرف أنك على صراط مستقيم. ثم قال: {وَيَنصُرَكَ ٱللَّهُ نَصْراً عَزِيزاً} غالباً. وقيل: مُعِزًّا؛ لأن بالفتح ظهر النصر. فإن قيل: إنَّ الله تعالى وصف النَّصْر بكونه عزيزاً من له النصر!. فالجواب من وجهين: أحدهما: قال الزمخشري: إنه يحتمل وجوهاً ثلاثة: الأول: معناه نصراً ذا عزة، كقوله: {أية : فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ}تفسير : [الحاقة:21] أي ذَاتِ رِضاً. الثاني: وصف النصر بما يوصف به المنصور إسناداً مجازياً يقال لَهُ كَلاَمٌ صَادِقُ كما يقال له متكلم صادق. الثالث: المراد نصراً عزيزاً صَاحِبُهُ. الوجه الثاني: أن يقال إنما يلزم ما ذكره الزمخشريُّ إذا قلنا: العزة هي الغلبة والعزيز الغالب. وأما إذا قلنا: العزيز هو النفيس القليل النظير، أو المحتاج إليه القليل الوجود، يقال: عَزَّ الشَّيْءُ في سُوقِ كَذَا أي قَلَّ وُجُودُهُ مع أنه مُحْتَاحٌ إليه، فالنصرُ كان محتاجاً إليه ومثله لم يوجد وهو أخذ بيت الله من الكفار المقيمين فيه من غير عَدَد ولا عُدَدٍ. فصل في البحث المعنوي وهو أن الله تعالى لما قال: {لِيَغْفِرَ لَكَ ٱللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ} أبرز الفاعل وهو الله، ثم عطف عليه بقوله: "ويُتِمّ" وبقوله: "ويَهْدِيكَ" ولم يذكر لفظ الله على الوجه الحسن في الكلام وهو أن الأفعال الكثيرة إذا صدرت من فاعل يظهر اسمه في الفعل، ولا يظهر فيما بعد تقول: "جَاءَ زَيْدٌ وَقَعَدَ وَتَكَلََّمَ وَرَاحَ وَقَامَ" ولا تقول جَاءَ زَيْدٌ وَقَعَدَ زَيْدٌ، بَلْ جَاءَ زَيْدٌ وَقَعَد، اختصاراً للكلام بالاقتصار على الأوّل، وههنا لم يثقل: "وَيَنْصُرَكَ نَصْراً" بل أعاد لفظ الله وجوابه هذا إرشاد إلَى طريق النَّصر ولهذا قَلَّمَا ذَكَرَ الله النَّصْرَ من غير إضافة فقال تعالى: {أية : وَلَيَنصُرَنَّ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُ}تفسير : [الحج:40] ولم يقل: بالنَّصْر يُنْصَرُ وقال: {أية : هُوَ ٱلَّذِيۤ أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ}تفسير : [الأنفال:62] ولم يقل: أيدك بالنصر، وقال: {أية : إِذَا جَآءَ نَصْرُ ٱللَّهِ وَٱلْفَتْحُ} تفسير : [النصر:1] وقال: {أية : نَصْرٌ مِّن ٱللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ}تفسير : [الصف:13]، وقال: {أية : وَمَا ٱلنَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ}تفسير : [آل عمران:126]، وهذا أدل الآيات على مطلوبها. وتحقيقه هو أن النصر بالصبر والصبر بالله قال تعالى: {أية : وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِٱللَّهِ}تفسير : [النحل:127] وذلك لأن الصبر سكون القلب واطمئنانه وذلك بذكر الله (تعالى) كما قال تعالى: {أية : أَلاَ بِذِكْرِ ٱللَّهِ تَطْمَئِنُّ ٱلْقُلُوبُ} تفسير : [الرعد:28] فلما قال ههنا: "وَيَنْصُركَ اللهُ" أظهر لفظ الله، ليُعْلَمَ أن بذكر الله يحصل اطمئنان القلب وبه يحصل الصبر وبه يتحقق النصر. فصل قال: {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ} ثم قال: {لِيَغْفِرَ لَكَ ٱللَّهُ}، ولم يقل: "إنَّا فَتَحْنَا لِيَغْفِرَ لَكَ" تعظيماً لأمر الفتح وذلك لان المغفرة وإن كانت عظيمة لكنها عامة لقوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعاً}تفسير : [الزمر:53] وقال: {أية : وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذٰلِكَ لِمَن يَشَآءُ}تفسير : [النساء:116] فإن قلنا: المراد من المغفرة في حق النبي ـ صلى الله عليه سولم ـ فكذلك لم يختص به نبينا، بل غيره من الرسل كان معصوماً وإتمام النعمة كذلك قال تعالى: {أية : ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي}تفسير : [المائدة:3] وقال تعالى: {أية : يَابَنِي إِسْرَائِيلَ ٱذْكُرُواْ نِعْمَتِي ٱلَّتِيۤ أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ}تفسير : [البقرة:47 و122] وكذلك الهداية قال تعالى: {أية : يَهْدِي ٱللَّهُ}تفسير : [النور:35] وكذلك النصر، قال الله تعالى: {أية : وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا ٱلْمُرْسَلِينَ إِنَّهُمْ لَهُمُ ٱلْمَنصُورُونَ}تفسير : [الصافات:171ـ172] وأما الفتح فلم يبق لأحد غير النبي ـ صلى لله عليه وسلم ـ فعظَّمه بقوله: {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً} وفيه التعظيم من وجهين: أحدهما: قوله:"إنَّا" والثاني: قوله: "لَكَ" أي لأجلك على وجه المِنَّةِ.
البقاعي
تفسير : لما كانت تلك سورة الجهاد وكانت هذه سورة محمد بشارة للمجاهدين من أهل هذا الدين بالفوز والنصر والظفر على كل من كفر، وهذا كما سيأتي من إيلاء سورة النصر لسورة الكافرون، فأخبرت القتال عن الكافرين بإبطال الأعمال والتدمير وإهلاكهم بالتقال، وإفساد جميع الأحوال، وعن الذين آمنوا بما نزل على محمد صلى الله عليه وسلم بالهداية وإصلاح البال، وختمها بالتحريض على مجاهدتهم بعد أن ضمن لمن نصره منهم النصر وتثبيت الأقدام، وهدد من أعرض باستبدال غيره به، وإن ذلك البدل لا يتولى عن العدو ولا ينكل عنه، فكان ذلك محتماً لسفول الكفر وعلو الإيمان، وذلك بعينه هو الفتح المبين، فافتتح هذه بقوله على طريق النتيجة لذلك بقوله مؤكداً إعلاماً بأنه لا بد منه وأنه مما ينبغي أن يؤكد لابتهاج النفوس الفاضلة به، وتكذيب من في قلبه مرض وهم أغلب الناس في ذلك الوقت. {إنا} أي بما لنا من العظمة التي لا تثبت لها الجبال {فتحنا} أي أوقعنا الفتح المناسب لعظمتنا لكل متعلق بإتقان الأسباب المنتجة له من غير شك، ولذلك عبر عنه بالماضي. ولما كانت منفعة ذلك له صلى الله عليه وسلم لأن إعلاء كلمة الله يكون به فيعليه ويمتلىء الأرض من أمنه، فلا يعمل منهم أحد حسنة إلا كان له مثل أجرها ويكونون على قصر زمنهم ثلثي أهل الجنة، فيكون ذلك شرفاً له - إلى غير ذلك الأسرار، التي يعيى دون أيسرها الكفار، قال: {لك} أي بصلح الحديبية في ذي القعدة سنة ست من الهجرة التي نزلت هذه السورة في شأنه، يصحبان في الرجوع منه إلى المدينة المشرفة، قال الأزهري: لم يكن فتح أعظم من صلح الحديبية، وذلك أن المشركين اختلطوا بالمسلمين فسمعوا كلامهم فرأوا ما لا أعدل منه ولا أحسن، فاستولى الإسلام على قلوبهم وتمكن منهم فأسلم منهم في ثلاث سنين خلق كثير، وكذا كان من الفتح تقوية أمره صلى الله عليه وسلم بالتصديق فيما أنزل عليه من سورة من غلبهم على أهل فارس في رواية من قال: إنه كان في زمن الحديبية، ثم زاده تأكيداً بقوله: {فتحاً} وزاد في إعظامه بقوله: {مبيناً *} أي لا لبس فيه على أحد، بل يعلم كل ذي عقل به أنك ظاهر على جميع أهل الأرض لأنك كنت وحدك، وكان عند أهل الكفر أنك في أيديهم، وأن أمرك لا يعدو فمك، فتبعك ناس ضعفاء فعذبوهم وكانوا معهم في أسوأ الأحوال، وتقرر ذلك في إذهانهم مدداً طوالاً ثلاث عشرة سنة، ثم انقذ الله أتباعك منهم بالهجرة إلى النجاشي رحمه الله تعالى أولاً، وإلى المدينة الشريفة ثانياً، وهم مطمئنون بأنك أنت - وأنت رأسهم - لا ينتظم لهم بدونك أمر، ولا يحصل لكسرهم ما لم تكن معهم جبر، بأنك في قبضتهم لا خلاص لك أبداً منهم ولا انفكاك من بلدتهم، فاستخرجك الله من عندهم بعد أن حماك على خلاف القياس وأنت بينهم من أن يقتلوك، مع اجتهادهم في ذلك واستفراغهم قواهم في أذاك، ثم بذلوا جهدهم في منعك من الهجرة فما قدروا، ثم في ردك فما أطاقوا ولا فازوا ولا ظفروا. بل غلبوا وقهروا، ثم أيدك بأنصار أبرار أخيار فكنتم على قلتكم كالليوث الكواسر والبحار الزواخر، ما ملتم على جهة إلا غمرتموها، وفزتم بالنصف من أربابها قتلتموها أو أسرتموها ولم تزالوا تزدادون وتقوون، وهم ينقصون ويضعفون، حتى أتيتموهم في بلادهم التي هم قاطعون بأنهم ملوكها، يتعذر على غيرهم غلبهم عليها بل سلوكها، فما دافعوكم عن دخول عليهم إلا بالراح، وسألوكم في وضع الحرب للدعة والإصلاح، فقد ظهرت أعلام الفتح أتم ظهور، وعلم أرباب القلوب أنه لا بد أن تكون في امتطائكم الذرى وسموكم إلى رتب المعالي وأيّ أمور، وروى الإمام أحمد عن مجمع بن جارية الأنصاري رضي الله عنه قال:حديث : شهدنا الحديبية مع النبي صلى الله عليه وسلم، فلما انصرفنا منها إذا الناس يهزون الأباعر فقال بعضهم: ما بال الناس؟ قالوا: أوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فخرجنا نوجف، فوجدنا النبي صلى الله عليه وسلم واقفاً على راحلته عند كراع الغميم، فلما اجتمع عليه الناس قرأ {إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً} فقال عمر رضي الله عنه: أو فتح هو يا رسول الله؟ قال: نعم، والذي نفسي بيده . تفسير : وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: ارتباط هذه السورة بالتي قبلها واضح من جهات - وقد يغمض بعضها - منها أن سورة القتال لما أمروا فيها بقتال عدوهم في قوله تعالى {فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب} الآية، وأشعروا بالمعونة عند وقوع الصدق في قوله {إن تنصروا الله ينصركم} استدعى ذلك تشوف النفوس إلى حالة العاقبة فعرفوا ذلك في هذه السورة فقال تعالى {إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً} - الآيات، فعرف تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بعظيم صنعه له، وأتبع ذلك بشارة المؤمنين العامة فقال {هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين} - الآيات، والتحمت إلى التعريف بحال من نكث من مبايعته صلى الله عليه وسلم، وحكم المخلفين من الأعراب، والحض على الجهاد، وبيان حال ذوي الأعذار، وعظيم نعمته سبحانه على أهل بيعته {لقد رضي الله عن المؤمنين} وأثابهم الفتح وأخذ المغانم وبشارتهم بفتح مكة {لتدخلن المسجد الحرام} إلى ما ذكر سبحانه من عظيم نعمته عليهم وذكرهم في التوراة والإنجيل ما تضمنت هذه السورة الكريمة، ووجه آخر وهو أنه لما قال الله تعالى في آخر سورة القتال {فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم الأعلون والله معكم ولن يتركم أعمالكم} كان هذا إجمالاً في عظيم ما منحهم وجليل ما أعطاهم، فتضمنت سورة محمد تفسير هذا الإجمال وبسطه، وهذا يستدعي من بسط الكلام ما لم تعتمده في هذا التعليق، وهو بعد مفهوم مما سبق من الإشارات في الوجه الأول، ووجه آخر مما يغمض وهو أن قوله تعالى {وإن تتولوا يستبدل قوماً غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم} إشارة إلى من يدخل في ملة الإسلام من الفرس وغيرهم عند تولي العرب، وقد أشار أيضاً إلى هذا قوله تعالى{أية : يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه}تفسير : [المائدة: 54] وأشار إلى ذلك عليه الصلاة والسلام:حديث : ويل للعرب من شر قد اقترب، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذا تفسير : - وعقد السبابة بالإبهام، أشار عليه الصلاة والسلام إلى تولي العرب واستيلاء غيرهم الواقع في الآيتين، وإنما أشار عليه الصلاة والسلام بقوله "اليوم" إلى التقديم والتأخير، وفرغ هذا الأمر إلى أيام أبي جعفر المنصور، فغلبت الفرس والأكراد وأهل الصين وصين الصين - وهو ما يلي يأجوج ومأجوج - وكان فتحاً وعزاً وظهوراً لكلمة الإسلام، وغلب هؤلاء في الخطط والتدبير الإماري وسادوا غيرهم، ولهذا جعل صلى الله عليه وسلم مجيئهم فتحاً فقال: "فتح اليوم" ولو أراد غير هذا لم يعبر بفتح، ألا ترى قول عمر لحذيفة رضي الله عنهما في حديث الفتن حين قال له "إن بينك وبينها باباً مغلقاً" فقال عمر: أيفتح ذلك الباب أم يكسر؟ فقال: بل يكسر. ففرق بين الفتح والكسر، وإنما أشار إلى قتل عمر رضي الله عنه، ولذا قال عليه الصلاة والسلام"حديث : فتح"تفسير : وقال:"حديث : من ردم يأجوج ومأجوج"تفسير : وأراد من نحوهم وجهتهم وأقاليمهم، لأن الفرس ومن أتى معهم هم أهل الجهات التي تلي الردم، فعلى هذا يكون قوله تعالى: {وإن تتولوا يستبدل قوماً غيركم} إشارة إلى غلبة من ذكرنا وانتشارهم في الولايات والخطط الدينية والمناصب العلمية. ولما كان هذا قبل أن يوضح أمره يوهم نقصاً وخطأ، بين أنه تجديد فتح وإعزاز منه تعالى لكلمة الإسلام، فقال تعالى: {إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً} الآيات، ذكر القاضي أبو بكر بن العربي في تلخيض التلخيض علماء المالكية مشيراً إلى تفاوت درجاتهم ثم قال: وأمضاهم في النظر عزيمة وأقواهم فيه شكيمة أهل خراسان: العجم أنساباً وبلداناً، والعرب عقائد وإيماناً، الذين ينجز فيهم وعد الصادق المصدوق، وملكهم الله مقاليد التحقيق حين أعرضت العرب عن العلوم وتولت عنها، وأقبلت على الدنيا واستوثقت منها، حديث : قال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله! من هؤلاء الذين قال الله {وإن تتولوا يستبدل قوماً غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم} فأشار عليه الصلاة والسلام إلى سلمان وقال: لو كان الإيمان في الثريا لناله رجال من هؤلاءتفسير : - انتهى. ولما أخبر سبحانه بالفتح عقب سورة {الذين كفروا} بشارة بظهور أهل هذا الدين وإدبار الكافرين - كما سيأتي في إيلاء سورة النصر بسورة الكافرين، لذلك علل الفتح بالمغفرة وما بعدها رمزاً إلى وفاة النبي صلى الله عليه وسلم - بروحي هو وأبي وأمي - وإيماء إلى أن المراد من إخراجه إلى دار الفناء إنما هو إظهار الدين القيم وإزهاق الباطل لتعلو درجته وتعظم رفعته، فعند حصول الفتح ثم المراد كما كانت سورة النصر الوالية للكافرين رامزة إلى ذلك كما هو مشهور ومذكور ومسطور، فالفتح الذي هو أحد العلامات الثلاث المذكورة كما في سورة النصر على جميع المناوين، الذي هو السبب الأعظم في ظهور دينه على الدين كله الذي هو العلامة العظمى على اقتراب أجله - نفسي فداؤه وإنسان عيني من كل سوء وقاؤه - فقال تعالى: {ليغفر لك الله} مشيراً بالانتقال من أسلوب العظمة بالنون إلى أسلوب الغيبة المشير إلى غاية الكبرياء بالإسناد إلى الاسم الأعظم إلى أن هذه المغفرة بحسب إحاطة هذا الاسم الجامع لجميع الأسماء الحسنى: {ما تقدم من ذنبك} أي الذي تقدم في القتال أمرك بالاستغفار له وهو مما ينتقل به من مقام كامل إلى مقام فوقه أكمل منه، فتراه بالنسبة إلى أكملية المقام الثاني ذنباً، وكذا قوله: {وما تأخر} قال الرازي: المغفرة المعتبرة لها درجات كما أن الذنوب لها درجات "حسنات الأبرار سيئات المقربين" انتهى. ويجوز أن يكون المراد: لتشاهد المغفرة بالنقلة إلينا بعد علم اليقين بعين اليقين وحق اليقين، فالمعنى أن الله يتوفاه صلى الله عليه وسلم عقب الفتح ودخول جميع العرب الذين يفتتحون جميع البلاد ويهدي الله بهم سائر العباد في دينه، ويأس الشيطان من أن يعبد في جزيرتهم إلا بالمحقرات لوجود المقصود من امتلاء الأكوان بحسناته صلى الله عليه وسلم، وعموم ما دل عليه اسمه المذكور في هاتين السورتين من حمده تعالى بكماله في ذاته وصفاته ببلوغ أتباعه إلى حد لا يحصرون فيه بعد، ولا يقف لهم مخلوق على حد. ولما كان تمام النعمة يتحقق بشيئين: إظهار الدين والتقلة إلى مرافقة النبيين، قال تعالى مخبراً بالشيئين: {ويتم نعمته عليك} بنقلك من عالم الشهادة إلى عالم الغيب، ومن عالم الكون والفساد إلى عالم الثبات والصلاح، الذي هو أخص بحضرته وأولى برحمته وإظهار أصحابك من بعدك على جميع أهل الملل، ويدحضون شبه الشيطان، ويدمغون كل كفران، وينشرون رايات الإيمان في جميع البلدان، بعد إذلال أهل العدوان، ومحو كل طغيان. ولما كانت هدايتهم من هدايته، أضافها سبحانه إليه إعلاماً له أنها هداية تليق بجانبه الشريف سروراً له فقال: {ويهديك} أي بهداية جميع قومك {صراطاً مستقيماً *} أي واضحاً جليلاً جلياً موصلاً إلى المراد من كتاب لا عوج فيه بوجه، هداية تقتضي لزومه والثبات عليه {وينصرك الله} بنصرهم على ملوك الأمم وجلائهم لسائر الغمم، نصراً يليق إسناده إلى اسمه المحيط بسائر العظم {نصراً عزيزاً} أي يغلب المنصور به كل من ناواه ولا يغلبه شيء مع دوامه فلا ذل بعده لأن الأمة التي تنصف به لا يظهر عليها أحد، والدين الذي قضاه لأجله لا ينسخه شيء. ولما كان صلى الله عليه وسلم قد أخبر المؤمنين برؤياه أنه يطوف بالكعبة الشريفة، وعز على العمرة عام الحديبية، وخرج صلى الله عليه وسلم وخرج معه خلاصة أصحابه ألف وخمسمائة، فكانوا مؤقنين أنهم يعتمرون في وجههم ذلك، وقر ذلك في صدورهم وأشربته قلوبهم، فصار نزعه منها أشق شيء يكون، قصدهم المشركون بعد أن بركت ناقته وصالحهم صلى الله عليه وسلم على أن يرجع عنهم في ذلك العام ويعتمر في مثل ذلك الوقت من القابل، وكان ذلك - بل أدنى منه - مزلزلاً للاعتقاد مطرقاً للشيطان الوسوسة في الدين، وقد كان مثله في الإسراء ولم يكن صلى الله عليه وسلم أخبر بما يوهم في أمره فارتد ناس كثير بسببه، قال تعالى دالاً على النصر بتثبيت المؤمنين في هذا المحل الضنك إظهاراً لتمام قدرته ولطيف حكمته: {هو} أي وحده {الذي أنزل} في يوم الحديبية {السكينة} أي الثبات على الدين {في قلوب المؤمنين} أي الراسخين في الإيمان وهم أهل الحديبية بعد أن دهمهم فيها ما من شأنه أن يزعج النفوس ويزيغ القلوب من صد الكفار ورجوع الصحابة رضي الله تعالى عنهم دون مقصودهم، فلم يرجع أحد منهم عن الإيمان بعد أن ماج الناس وزلزلوا حتى عمر رضي الله عنه - مع أنه الفاروق ومع وصفه في الكتب السالفة بأنه قرن من حديد - فما الظن بغيره في فلق نفسه وتزلزل قلبه، وكان للصديق رضي الله عنه من القدم الثابت والأصل الراسخ ما علم به رضي الله عنه أنه لا يسابق، ثم ثبتهم الله أجمعين، قال الرازي: والسكينة الثقة بوعد الله، والصبر على حكم الله، بل السكينة ههنا معين بجمع فوزاً وقوة وروحاً، يسكن إليه الخائف ويتسلى به الحزين، وأثر هذه السكينة الوقار والخشوع وظهور الحزم في الأمور - انتهى. وكل من رسخ في الإيمان، له في هذه الآية نصيب جناه دان. ولما أخبر بما لا يقدر عليه غيره، علله بقوله: {ليزدادوا} أي بتصديق الرسول حين قال لهم: إنهم لا بد أن يدخلوا مكة ويطوفوا بالبيت العتيق، وحلهم الله به من الشبهة بتذكرهم أنه لم يقل لهم: إنهم يدخلون العام {إيماناً} بهذا التصديق بالغيب من أن صلحهم للكفار ورجوعهم من غير بلوغ قصدهم هو عين الفتح لترتب الصلح عليه وترتب فشو الإسلام على الصلح كما كشف عنه الوجود بعد ذلك ليقيسوا عليه غيره من الأوامر {مع إيمانهم} الثابت من قبل هذه الواقعة، قال القشيري رحمه الله: بطلوع أقمار اليقين على نجوم علم اليقين، ثم بطلوع شمس حق اليقين على بدر عين اليقين. ولما كان ربما ظن شقي من أخذ الأمور بالتدريج شيئاً في القدرة قال: {ولله} أي الذي أنزل السكينة عليهم ليكون نصرهم في هذه العمرة بالقوة ثم يكون عن قريب بالفعل والحال أنه له وحده {جنود السماوات والأرض} أي جميعها، ومنها السكينة، يدبرهم بلطيف صنعه وعجيب تدبيره، فلو شاء لنصر المؤمنين الآن بالفعل، ودمر على أعدائهم بجنود من جنوده أو بغير سبب، لكنه فعل ذلك ليكون النصر بكم، فيعلوا أمركم ويعظم أجركم، ويظهر الصادق في نصره من الكاذب، فإن الدار دار البلاء، وبناء المسببات على الأسباب على وجه الأغلب فيه الحكمة، لا القهر وظهور الكلمة، فاسمه الباطن هو الظاهر في هذه الدار، فلذلك ترى المسببات مستورات بأسبابها، فلا يعلم الحقائق إلا البصراء ألا ترى حديث : أنه صلى الله عليه وسلم لما نزلت عليه هذه السورة فتلاها عليه قال بعض الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين: أي رسول الله وفتح هو؟ قال بعضهم: لقد صدونا عن البيت وصدوا هدينا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:بئس الكلام هذا، بل هو أعظم الفتح، أما رضيتم أن تطرقوهم في بلادهم فيدفعوكم عنها بالراح ويسألوكم التضير ويرغبون إليكم في الأمان وقد رأوا منكم ما كرهوا وأظفركم الله عليهم وردكم سالمين مأجورين، فهو أعظم الفتوح، أنسيتم يوم أحد إذ تصعدون ولا تلوون على أحد وأنا أدعوكم في أخراكم، أنسيتم يوم الأحزاب إذ جاؤوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونتفسير : ، فقال المسلمون: صدق الله ورسوله فهو أعظم الفتوح. والله يا نبي الله ما فكرنا فيما فكرت فيه لأنت أعلم بالله وأمره منا. وأنزل الله تأكيدا لأمر الرؤيا لمن أشكل عليهم حالها {لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام} الآية، فهذه الأشياء كلها كما ترى راجعة إلى الخفاء بالتعجب في أستار الأسباب، فلا يبصرها إلا أرباب التدقيق في النظر في حكمة الله سبحانه. ولما كان مبنى ما مضى كله على القدرة بأمور خفية يظهر منها من الضعف غير ما كشف عنه الزمان من القوة، وكان تمام القدرة متوقفاً على شمول العلم، قال تعالى: {وكان الله} أي الملك الأعظم أزلاً وأبداً {عليماً} بالذوات والمعاني {حكيماً *} في إتقان ما يصنع، فرده لهم عن هذه العمرة بعد أن دبر أمر الصلح ليأمن الناس فيداخل بعضهم بعضاً لما علم من أنه لا يسمع القرآن أحد له عقل مستقيم ويرى ما عليه أهله من شدة الاستمساك به والبغض لما كانوا فيه من متابعة الآباء إلا بادر إلى المتابعة ودخل في الدين برغبة، وأدخل سبحانه خزاعة في صلح النبي صلى الله عليه وسلم وبني بكر وهم أعداؤهم في صلح قريش ليبغوا عليهم فتعينهم قريش الصلح بعد أن كثرت جنود الله وعز ناصر الدين، فيفتح الله بهم مكة المشرفة، فتنشر أعلام الدين، وتخفق ألوية النصر المبين، ويدخل الناس في الدين أفواجاً، فيظهر دين الإسلام على جميع الأديان.
السيوطي
تفسير : أخرج أحمد والبخاري والترمذي والنسائي وابن حبان وابن مردويه عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر فسألته عن شيء ثلاث مرات فلم يرد عليَّ فقلت في نفسي: ثكلتك أمك يا ابن الخطاب نزرت رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث مرات فلم يردّ عليك، فحركت بعيري ثم تقدمت أمام الناس، وخشيت أن ينزل فيَّ القرآن، فما نشبت أن سمعت صارخاً يصرخ بي، فرجعت، وأنا أظن أنه نزل فيَّ شيء، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : لقد أنزلت عليَّ سورة أحب إليَّ من الدنيا وما فيها" {إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر} ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وأبو داود وابن المنذر والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن مجمع ابن جارية الأنصاري قال: حديث : شهدنا الحديبية فلما انصرفنا عنها إلى كراع الغميم إذا الناس يوجفون الأباعر فقال الناس بعضهم لبعض: ما للناس؟ قالوا: أوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فخرجنا مع الناس نوجف، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم على راحلته على كراع الغميم فاجتمع الناس عليه، فقرأ عليهم: {إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً} فقال رجل: يا رسول الله: أو فتح هو؟ قال: "والذي نفس محمد بيده إنه لفتح" فقسمت خيبر على أهل الحديبية لم يدخل معهم فيها أحد إلا من شهد الحديبية، فقسمها رسول الله صلى الله عليه وسلم ثمانية عشر سهماً، وكان الجيش ألفاً وخمسمائة منهم ثلثمائة فارس، فأعطى الفارس سهمين وأعطى الراجل سهماً . تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والبخاري في تاريخه وأبو داود والنسائي وابن جرير والطبراني وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: أقبلنا من الحديبية مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فبينا نحن نسير إذ أتاه الوحي، وكان إذا أتاه اشتد عليه فسرّي عنه وبه من السرور ما شاء الله، فأخبرنا أنه أنزل عليه {إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً} . وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري وابن مردويه والبيهقي عن أنس رضي الله عنه في قوله: {إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً} قال: الحديبية. وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر والحاكم وابن مردويه عن أنس رضي الله عنه في قوله: {إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً} قال: فتح خيبر. وأخرج البخاري وابن جرير وابن مردويه عن البراء رضي الله عنه قال: تعدون أنتم الفتح فتح مكة، وقد كان فتح مكة فتحاً ونحن نعد الفتح بيعة الرضوان يوم الحديبية. كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أربع عشرة مائة، والحديبية بئر، فنزحناها، فلم نترك فيها قطرة، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأتاها فجلس على شفيرها ثم دعا بإناء من ماء فتوضأ ثم تمضمض، ودعا ثم صبه فيها تركناها غير بعيد ثم إنها أصدرتنا ما شئنا نحن وركابنا. وأخرج البيهقي عن عروة رضي الله عنه قال: حديث : أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم من الحديبية راجعاً، فقال رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: والله ما هذا بفتح، لقد صددنا عن البيت وصدَّ هدينا، وعكف رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحديبية ورد رجلين من المسلمين خرجا، فبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم قول رجال من أصحابه: إنّ هذا ليس بفتح، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "بئس الكلام، هذا أعظم الفتح، لقد رضي المشركون أن يدفعوكم بالراح عن بلادهم ويسألوكم القضية ويرغبون إليكم في الإِياب، وقد كرهوا منكم ما كرهوا، وقد أظفركم الله عليهم، وردكم سالمين غانمين مأجورين، فهذا أعظم الفتح. أنسيتم يوم أحد إذ تصعدون ولا تلوون على أحد، وأنا أدعوكم في أخراكم، أنسيتم يوم الأحزاب إذ جاؤوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا؟ "قال المسلمون: صدق الله ورسوله هو أعظم الفتوح والله يا نبي الله ما فكرنا فيما فكرت فيه ولأنت أعلم بالله وبالأمور منا. فأنزل الله سورة الفتح . تفسير : وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر والبيهقي في البعث في قوله {إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً} قال: نزلت في الحديبية، وأصاب في تلك الغزوة ما لم يصب في غزوة، أصاب أن بويع بيعة الرضوان فتح الحديبية، وغفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وبايعوا بيعة الرضوان، وأطعموا نخيل خيبر، وبلغ الهدي محله، وظهرت الروم على فارس، وفرح المؤمنون بتصديق كتاب الله وظهور أهل الكتاب على المجوس. وأخرج البيهقي عن المسور ومروان في قصة الحديبية قالا: ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم راجعاً فلما كان بين مكة والمدينة نزلت سورة الفتح من أولها إلى آخرها، فلما أمن الناس وتفاوضوا لم يكلم أحداً بالإِسلام إلا دخل فيه، فلقد دخل في تلك السنين في الإِسلام أكثر مما كان فيه قبل ذلك، فكان صلح الحديبية فتحاً عظيماً. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه {إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً} قال: إنا قضينا لك قضاء بيناً، نزلت عام الحديبية للنحر الذي بالحديبية وحلقة رأسه. وأخرج عبد بن حميد وعبد الرزاق وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه {إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً} قال: قضينا لك قضاء بيناً. وأخرج عبد بن حميد عن عامر الشعبي رضي الله عنه حديث : أن رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية: أفتح هذا؟ قال: وأنزلت عليه {إنا فتحا لك فتحاً مبيناً} فقال النبي صلى الله عليه وسلم: نعم عظيم، قال: وكان فصل ما بين الهجرتين فتح الحديبية قال: {لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل} [الحديد: 10] الآية . تفسير : وأخرج ابن مردويه عن عائشة رضي الله عنها قالت: حديث : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم {إنا فتحا لك فتحاً مبيناً} قال: فتح مكة ". تفسير : وأخرج ابن عساكر من طريق أبي خالد الواسطي عن زيد بن علي بن الحسين عن أبيه عن جده عن علي رضي الله عنه قال: حديث : صلّى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الفجر ذات يوم بغلس وكان يغلس ويسفر ويقول: ما بين هذين وقت لكيلا يختلف المؤمنون فصلّى بنا ذات يوم بغلس فلما قضى الصلاة التفت إلينا كأن وجهه ورقة مصحف، فقال: "أفيكم من رأى الليلة شيئاً؟ قلنا: لا يا رسول الله. قال: لكني رأيت ملكين أتياني الليلة فأخذا بضبعي فانطلقا بي إلى السماء الدنيا فمررت بملك وأمامه آدمي وبيده صخرة فيضرب بهامة الآدمي فيقع دماغه جانباً وتقع الصخرة جانباً. قلت: ما هذا؟ قالا لي: أمضه. فمضيت فإذا أنا بملك وأمامه آدمي وبيد الملك كلوب من حديد فيضعه في شدقه الأيمن فيشقه حتى ينتهي إلى أذنه ثم يأخذ في الأيسر فيلتئم الأيمن قلت: ما هذا؟ قالا: أمضه. فمضيت فإذا أنا بنهر من دم يمور كمور المرجل على فيه قوم عراة على حافة النهر ملائكة بأيديهم مدرتان كلما طلع طالع قذفوه بمدرة فيقع في فيه ويسيل إلى أسفل ذلك النهر، قلت: ما هذا؟ قالا: أمضه فمضيت فإذا أنا ببيت أسفله أضيق من أعلاه فيه قوم عراة توقد من تحتهم النار أمسكت على أنفي من نتن ما أجد من ريحهم، قلت: من هؤلاء؟ قالا: أمضه. فمضيت فإذا أنا بتل أسود عليه قوم مخبلون تنفخ النار في أدبارهم فتخرج من أفواههم ومناخرهم وآذانهم وأعينهم قلت: ما هذا؟ قالا: أمضه، فمضيت فإذا أنا بنار مطبقة موكل بها ملك لا يخرج منها شيء إلا أتبعه حتى يعيده فيها، قلت: ما هذا؟ قالا لي: أمضه، فمضيت فإذا أنا بروضة وإذا فيها شيخ جميل لا أجمل منه وإذا حوله الولدان وإذا شجرة ورقها كآذان الفيلة فصعدت ما شاء الله من تلك الشجرة وإذا أنا بمنازل لا أحسن منها من زمردة جوفاء وزبرجدة خضراء وياقوته حمراء. قلت: ما هذا؟ قالا: أمضه. فمضيت، فإذا أنا بنهر عليه جسران من ذهب وفضة على حافتي النهر منازل لا منازل أحسن منها من درة جوفاء وياقوته حمراء وفيه قدحان وأباريق تطرد قلت: ما هذا؟ قالا لي: أنزل فنزلت فضربت بيدي إلى إناء منها فغرفت ثم شربت فإذا أحلى من عسل، وأشد بياضاً من اللبن وألين من الزبد، فقالا لي: أما صاحب الصخرة التي رأيت يضرب بها هامته فيقع دماغه جانباً وتقع الصخرة جانباً، فأولئك الذين كانوا ينامون عن صلاة العشاء الآخرة ويصلون الصلاة لغير مواقيتها يضربون بها حتى يصيروا إلى النار، وأما صاحب الكلوب الذي رأيت ملكاً موكلاً بيده كلوب من حديد يشق شدقه الأيمن حتى ينتهي إلى أذنه ثم يأخذ في الأيسر فيلتئم الأيمن فأولئك الذين كانوا يمشون بين المؤمنين بالنميمة فيفسدون بينهم فهم يعذبون بها حتى يصيروا إلى النار، وأما ملائكة بأيديهم مدرتان من النار كلما طلع طالع قذفوه بمدرة فتقع في فيه فينفتل إلى أسفل ذلك النهر فأولئك أكلة الربا يعذبون حتى يصيروا إلى النار، وأما البيت الذي رأيت أسفله أضيق من أعلاه فيه قوم عراة تتوقد من تحتهم النار أمسكت على أنفك من نتن ما وجدت من ريحهم، فأولئك الزناة وذلك نتن فروجهم يعذبون حتى يصيروا إلى النار، وأما التل الأسود الذي رأيت عليه قوماً مخبلين تنفخ النار في أدبارهم فتخرج من أفواههم ومناخرهم وأعينهم وآذانهم فأولئك الذين يعملون عمل قوم لوط الفاعل والمفعول به، فهم يعذبون حتى يصيروا إلى النار وأما النار المطبقة التي رأيت ملكاً موكلاً بها كلما خرج منها شيء أتبعه حتى يعيده فيها، فتلك جهنم تفرق بين أهل الجنة وأهل النار، وأما الروضة التي رأيت فتلك جنة المأوى، وأما الشيخ الذي رأيت ومن حوله من الولدان فهو إبراهيم وهم بنوه. وأما الشجرة التي رأيت فطلعت إليها فيها منازل لا منازل أحسن منها من زمردة جوفاء وزبرجدة خضراء وياقوته حمراء فتلك منازل أهل عليين من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقاً. وأما النهر فهو نهرك الذي أعطاك الله الكوثر، وهذه منازلك وأهل بيتك. قال: فنوديت من فوقي يا محمد سل تُعْطه، فارتعدت فرائصي ورجف فؤادي واضطرب كل عضو مني ولم أستطع أن أجيب شيئاً فأخذ أحد الملكين بيده اليمنى، فوضعها في يدي والآخر يده اليمنى فوضعها بين كتفي فسكن ذلك مني ثم نوديت من فوقي: يا محمد سل تعط. قال: قلت: اللهم إني أسألك أن تثبت شفاعتي وأن تلحق بي أهل بيتي وأن ألقاك ولا ذنب لي قال: ثم ولي بي ونزلت عليه هذه الآية {إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ويتم نعمته عليك ويهديك صراطاً مستقيماً} فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فكما أعطيت هذه كذلك أعطانيها إن شاء الله تعالى" . تفسير : وأخرج السلفي في الطيوريات من طريق يزيد بن هارون رضي الله عنه قال: سمعت المسعودي رضي الله عنه يقول: بلغني أن من قرأ أول ليلة من رمضان {إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً} في التطوع حفظ ذلك العام. قوله تعالى: {ليغفر لك الله ما تقدم} الآية. وأخرج ابن المنذر عن عامر وأبي جعفر رضي الله عنه في قوله {ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك} قال: في الجاهلية {وما تأخر} قال: في الإِسلام. وأخرج عبد بن حميد عن سفيان رضي الله عنه قال: بلغنا في قول الله {ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر} قال: ما تقدم ما كان في الجاهلية، وما تأخر: ما كان في الإِسلام ما لم يفعله بعد. وأخرج ابن سعد عن مجمع بن جارية رضي الله عنه قال: لما كنا بضجنان رأيت الناس يركضون، وإذا هم يقولون: أنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فركضت مع الناس حتى توافينا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا هو يقرأ {إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً} فلما نزل بها جبريل عليه السلام قال: ليهنك يا رسول الله، فلما هنأه جبريل عليه السلام هنأه المسلمون. وأخرج ابن المنذر وابن مردويه وابن عساكر عن عائشة رضي الله عنها قالت:حديث : لما أنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم {إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً} الآية، اجتهد في العبادة فقيل يا رسول الله: ما هذا الإِجتهاد؟ وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر قال: "أفلا أكون عبداً شكوراً؟" . تفسير : وأخرج ابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات وابن عساكر عن أبي هريرة رضي الله عنه حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم لما نزلت {إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر} صام وصلّى حتى انتفخت قدماه، وتعبد حتى صار كالشن البالي، فقيل له: أتفعل هذا بنفسك وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: "أفلا أكون عبداً شكوراً؟" . تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد في الزهد عن الحسن رضي الله عنه قال:حديث : كان النبي صلى الله عليه وسلم تأخذه العبادة حتى يخرج على الناس كالشن البالي فقيل له: يا رسول الله أليس قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: أفلا أكون عبداً شكوراً؟ ". تفسير : وأخرج ابن عساكر عن أبي جحيفة رضي الله عنه قال: حديث : كان النبي صلى الله عليه وسلم يقوم حتى تفطر قدماه فقيل له: أليس قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: "أفلا أكون عبداً شكوراً؟" . تفسير : وأخرج أبو يعلى وابن عساكر عن أنس رضي الله عنه حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم قام يصلي حتى تورمت قدماه فقيل له: أليس قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: "أفلا أكون عبداً شكوراً؟" . تفسير : وأخرج ابن عساكر عن النعمان بن بشير رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي حتى ترم قدماه. وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان وابن عساكر عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: حديث : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي حتى ترم قدماه، فقيل له: أتفعل هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: "أفلا أكون عبداً شكوراً؟" . تفسير : وأخرج الحسن بن سفيان وابن عساكر حديث : عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي حتى ترم قدماه، قلت يا رسول الله: أتفعل هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: "أفلا أكون عبداً شكوراً؟" . تفسير : وأخرج ابن عساكر عن أحمد بن إسحق بن إبراهيم بن نبيط بن شريط الأشجعي رضي الله عنه قال: حدثني أبي عن أبيه عن جده رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم صلّى حتى تورمت قدماه، فقيل له يا رسول الله: أتفعل هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: حديث : "أفلا أكون عبداً شكوراً؟" . تفسير : وأخرج ابن عدي وابن عساكر عن أنس رضي الله عنه قال: حديث : تعبد رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى صار كالشن البالي، فقالوا: يا رسول الله، ما يحملك على هذا الإِجتهاد كله وقد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: "أفلا أكون عبداً شكوراً؟" . تفسير : وأخرج أبو نعيم في الحلية حديث : عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي في الليل أربع ركعات ثم يتروح، فطال حتى رحمته، فقلت: بأبي أنت وأمي يا رسول الله قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، قال: "أفلا أكون عبداً شكوراً؟" . تفسير : أما قوله تعالى: {وينصرك الله نصراً عزيزاً} . أخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله: {وينصرك الله نصراً عزيزاً} قال: يريد بذلك فتح مكة وخيبر والطائف.
ابو السعود
تفسير : مدنية نزلت في مرجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من الحديبية وآيُها تسع وعشرون {إنَا فتحنا لَكَ} فتحُ البلدِ عبارةٌ عن الظَّفرِ به عُنوةً أو صُلحاً بحِراب أو بدونِه فإنَّه ما لم يُظفرْ به منغلقٌ، مأخوذٌ من فتحِ بابِ الدارِ. وإسنادُه إلى نونِ العظمةِ لاستنادِ أفعالِ العبادِ إليه تعالى خلقاً وإيجاداً، والمرادُ به فتحُ مكةَ شرَّفها الله وهو المرويُّ عن أنسٍ رضيَ الله عنه، بُشّر به رسولُ الله صلى الله عليه وسلم عند انصرافه من الحديبـيةِ، والتعبـيرُ عنه بصيغةِ الماضِي على سَنَنِ سائِر الأخبارِ الربانيةِ للإيذانِ بتحققهِ لا محالةَ تأكيداً للتبشيرِ كَما أنَّ تصديرَ الكلامِ بحرفِ التحقيقِ لذلكَ، وفيه من الفخامةِ المنبئةِ عن عظمةِ شأنِ المخِبرِ جلَّ جلالُه وعزَّ سلطانُه ما لا يخفى، وقيلَ هو ما أتيحَ له عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في تلك السنةِ من فتحِ خيبرَ وهو المرويُّ عن مجاهدٍ وقيل هو صلحُ الحديبـيةِ فإنَّه وإن لم يكُن فيه حِرابٌ شديدٌ بل ترامٍ بـين الفريقينِ بسهامٍ وحجارةٍ لكن لما كان الظهورُ للمسلمين حيثُ سألهم المشركون الصُّلحَ كان فتحاً بلا ريبَ، ورُويَ عن ابن عباسٍ رضي الله عنهما: رَمَوا المشركين حتى أدخلُوهم ديارَهُم. وعن الكلبـيِّ ظهرُواً عليهم حتى سألُوا الصُّلحَ وقد رُويَ أنه عليه الصلاةُ والسلامُ حين بلغه أنَّ رجلاً قال ما هذا بفتحٍ لقد صُدِدْنا عن البـيت وصُدّ هدْيُنا قال بل هو أعظمُ الفتوحِ، وقد رضي المشركون أنْ يدفعوكم بالراحِ ويسألوكم القَضيّةَ ويرغبُوا إليكم في الأمانِ وقد رأوا منكم ما يكرهون. وعن الشعبـيِّ نزلتْ بالحديبـيةِ وأصاب رسولُ الله صلى الله عليه وسلم في تلك الغزوةِ ما لم يُصِبْ في غزوةٍ حيثُ أصاب أن بويعَ بَـيعةَ الرضوانِ وغُفرَ له ما تقدمَ من ذنبِه وما تأخرَ وبلغ الهديُ محِلَّه وأُطعِموا نخلَ خيبرَ وظهرت الرومُ على فارسَ ففرحَ به المسلمون وكان في فتح الحديبـيةِ آيةٌ عظيمةٌ هي أنه نُزح ماؤها حتى لم يبقَ فيها قطرةٌ فتمضمضَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ثم مجَّه فيها فدرَّتْ بالماءِ حتى شربَ جميعُ من كان معه وشِبعَ وقيل: فجاش الماءُ حتى امتلأتْ ولم ينفدْ ماؤها بعدُ، وقيل هو جميعُ ما فتحَ له عليه الصلاةُ والسلامُ من الفتوحِ وقيل هو ما فتح الله له عليه الصلاةُ والسلامُ من الإسلامِ والنبوةِ والدعوةِ بالحجةِ والسيفِ ولا فتحَ أبـينُ منه وأعظمُ وهو رأسُ الفتوحِ كافةً إذ لا فتحَ من فتوحِ الإسلامِ إلا وهو شعبةٌ وفرعٌ من فروعِه وقيل الفتحُ بمعنى القضاءِ ومنه الفتاحةُ للحكومةِ والمعنى قضينا لك على أهلِ مكةَ أنْ تدخلَها من قابلٍ وهو المرويُّ عن قتادةَ رضي الله عنه وأياً ما كان فحذفُ المفعولِ للقصدِ إلى نفسِ الفعلِ والإيذانِ بأن مناطَ التبشيرِ نفسُ الفتحِ الصادرِ عنه سبحانَهُ لا خصوصيةُ المفتوحِ {فَتْحاً مُّبِيناً} بـيناً ظاهرَ الأمرِ مكشوفَ الحالِ أو فارقاً بـين الحقِّ والباطلِ.
التستري
تفسير : قوله تعالى: {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً}[1] قال: يعني أسرار العلوم في قلبك حتى ظهر عليك آثارها، وهي من أعلام المحبة وتمام النعمة.
السلمي
تفسير : قال ابن عطاء: النبى صلى الله عليه وسلم فى هذه الآية بين نعم مختلفة بين الفتح المبين وهو من إعلام الإجابة، والمغفرة وهو من أعلام المحبة، وتمام النعمة وهو من أعلام الاختصاص، والهداية وهو من التحقيق بالحق، والنصر وهو من أعلام الولاية، والمغفرة منزه من العيوب، وتمام النعمة إبلاغ الدرجة الكاملة من الغنى به، والهداية وهى الدعوة إلى المشاهدة، والنصرة وهى رؤية الكل من الحق من غير أن يرجع إلى سواه.
القشيري
تفسير : قضينا لك قضاءَ بَيِّناً، وحكمنا لكَ بتقويةِ دينِ الإسلام، والنصرةِ على عدوِّك، وأكرمناكَ بفتح ما انغلق على قلبِ مَنْ هو غيرك - مِنْ قِبْلِك - بتفصيلِ شرائعِ الإسلام، وغير ذلك من فتوحات قلبه صلوات الله عليه. نزلت الآيةُ في فتحِ مكة، ويقال في فتح الحُديبية. ويقال: هديناك إلى شرائع الإسلام، وَيَسَّرْنا لك أمورَ الدين.
البقلي
تفسير : نبهنا الله فى ذلك من سر عجيب وهوان ابواب كشف القدم مسدودة على اهل الحدثان ولم يظهر لاحد عين ذات الازل ففتح الله ابوابه لعين محمد صلى الله عليه وسلم حتى راه كفاحا ففتح سمعه فاسمعه كلامه شفاها وفتح باب قلبه وروحه وسره فعرف نفسه لها حتى وجدت ابواب اخرين علومه الغيبية مفتوحة وفتح الله جميع ابواب وجود حبيبه صلى الله عليه وسلم حتى الشعرة على بدنه وجعلها عيونا مفتوحة بمفاتيح توحيده وانوار بحقيقة حتى راه بجميع عيون وجوده وذلك الفتح ظاهر من وجوده حتى لا يراه احد الا ويرى نور الصمدية ينتشر من بشرته لكن كان محجوبا من عيون الاغيار بقوله ينتظرون اليك وهم لا يبصرون وذلك الفتح سبب غفران ذنبه الاول وذنبه الاخر الذنب الاول سقوطه من زند افعل على نور الصفة اذ اتى فى اوّل الاول بوجود الحدث الى ساحة القدم ومع ما اتى به لم يات بحقوق الازلية عليه بكمالها فاذا قصر فى واجب حق الربوبية بكماله صار ذلك ذنبه الاول وذنبه الاخر وقوفه بنعت الخطاب على مدارج العبودية بعد ان غاص فى بحر الربوبية فان من شرائط وجدانها الخروج من المرسومات فذلك الفتح سبب غفران المذنبين وليبلغ الى محض الاتصاف والاتحاد حتى يسير الربوبية فى ركاب حيروم القدم فى ميادين الازل الى الابد بنعت التوحيد والتجريد ولتفريد وذلك تام ونعمته التى عليه اخبرنا الحق عنها بقوله {وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ} ثم بين انه يهديه الى طريق مشية الازل المستقيم بالارادة والوحدانية وذلك الطريق ما يسلك فيه عساكر جنود انور التجلى والتدلى بقوله {وَيَهْدِيَكَ صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً} ذلك الصراط للحق لا للخلق لان الحادث لا يسلك فى القدم اقامة الحق على راس ذلك الطريق وكان لا يعرف اين يسلك حتى بدا له انوار بريد تجلى القدم الذى استقبله فهداه الى مسلاك الديمومية فاذهب به الحق الى معارج دنوه وذلك ما انبانا الله من سيره من الحدث الى القدم بقوله {أية : سُبْحَانَ ٱلَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ}تفسير : فاذا وصل الى قلب عساكر الوحدانية وغلب عليه سطوات جنود الفطنة استغاث منه اليه حيث قال اعوذ بك منك فلبسه الله انوار ربوبيته وايده بقوته الازلية حتى استقام بالحق الى الحق فاخرج الحق جنود رحمته الباقية فقواه بها وسكن بها قهر القدم بقوله سبقت رحمتى غضبى وذلك قوله {وَيَنصُرَكَ ٱللَّهُ نَصْراً عَزِيزاً} قال ابن عطا جمع الله للنبى صلى الله عليه وسلم فى هذه الأية من نعيم مختلفة بين الفتح المبين وهو من اعلام الاجابة والمغفرة وهى من اعلام المحبة وتمام النعمة وهى من اعلام الاختصاص والهداية وهى من التحقق بالحق والنصر وهو من اعلام الولاية والمغفرة تبرئة من العيوب وتمام النعمة ابلاغ الدرجة الكاملة من الحق والهداية هى الدعوة اى المشاهدة والنصرة هى رؤية الكل من الحق من غير ان يرجع الى سواه وقال الواسطى فتح عين رسوله صلى الله عليه وسلم لمشاهدته فى السرى وفتح سمعه لفهم كلامه كفاحا بعد ان قواه لذلك واكرمه به وقال ابن عطا كشف ذنوب الانبياء عليهم السّلام ونادى عليهم وستر ذنوب النبى صلى الله عليه وسلم بقوله ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تاخر قال ابو يزيد فى قوله ويهديك صراطا مستقيما هو السبل الى قربه ليلة المعراج حيث تاخر جبرئيل عليه السلام ولم يكن ذلك محله فهدى الرسول صلى الله عليه وسلم الى السبيل الحق وهو الصراط المستقيم وقال ابن عطا لما بلغ الى سرة المنتهى قدم النبى صلى الله عليه وسلم واخر جبرئيل عليه السلام فقال النبى صلى الله عليه وسلم لجبرئيل تتركنى فى هذا الموضع يهدى بك الخلق الى الطريق المستقيم وهو الطريق الى الحق من نجعله امامه قاده الى الخلق ومن لم يقتد به فى طلب الطريق الى الحق ضل فى طلبه واخطأ طريق الى الحق من جعله امامه قاده الى الخلق ومن لم يقتد به فى طلب الطريق الى الحق ضل فى طلبه واخطأ طريق رشده.
اسماعيل حقي
تفسير : {إنا فتحنا} فتح البلد عبارة عن الظفر به عنوة او صلحا بحرب او بدونه فانه ما لم يظفر منغلق مأخوذ من فتح باب الدار قال فى عين المعانى الفتح هو الفرج المزيل للهم لان المطلوب كالمنغلق فاذا نيل انفتح وفى المفردات الفتح ازالة الاغلاق والاشكال وذلك ضربان احدهما يدرك بالبصر نحو فتح الباب والغلق والغفل والمتاع نحو قوله ولما فتحوا متاعهم والثانى ما يدرك بالبصيرة كفتح الهم وهو ازالة الغم وذلك ضربان احدهما فى الامور الدنيوية كغم يفرج وفقر يزال باعطاء المال ونحوه والثانى فتح المستغلق من العلوم نحو قولك فلان فتح من العلم بابا مغلقا انتهى واسناده الى نون العظمة لاستناد افعال العباد اليه تعالى خلقا وايجادا والمراد فتح مكة وهو المروى عن انس رضى الله عنه بشربه رسول الله صلى الله عليه وسلم عند انصرافه من الحديبية والتعبير عنه بصيغة الماضى على سنن سائر الاخبار الربانية للايذان تحققه لا محاله تأكيدا للتبشير كما ان تصدير الكلام بحرف التحقيق كذلك وفيه من الفخامة المنبثة عن عظمة شأن المخبر جل جلاله وعز سلطانه ما لا يخفى وحذف المفعول للقصد الى نفس الفعل والايذان بان مناط التبشير نفس الفتح الصادر عنه سبحانه لا خصوصية المفتوح قال الامام الراغب انا فتحنا لك يقال عنى فتح مكة ويقال بل عنى ما فتح على النبى عليه السلام من العلوم والهدايات التى هى ذريعة الى الثواب والمقام المحمود التى صارت سببا لغفران ذنوبه انتهى وسيجيء غير هذا {فتحا مبينا} اى بينا ظاهر الامر مكشوف الحال او فارقا بين الحق والباطل وقال بعضهم المراد بالفتح المبين هو الصلح مع قريش فى غزوة الحديبية وهى كدوهية وقد تشدد بئر قرب مكة حرسها الله تعالى او شجرة حدباء كانت هنالك كما فى القاموس سمى المكان باسمها و سببها انه صلى الله تعالى عليه وسلم رأى فى المنام انه دخل البيت واخذ مفتاحه وطاف هو واصحابه واعتمر واخبر بذلك اصحابه ففرحوا ثم اخبر اصحابه انه يريد الخروج للعمرة فتجهزوا للسفر وخرج عليه السلام بعد ان اغتسل ببيته ولبس ثوبين وركب راحلته القصوى من عند بابه ومعه ألف وأربعمائة من المسلمين على الصحيح وابطأ عليه كثير من اهل البوادى خشية قريش وساق عليه السلام معه الهدى سبعين بدنة وكان خروجه يوم الاثنين غرة ذى القعدة من السنة السادسة من الهجرة فلما وصل الى ذى الحليفة وهو ميقات المدنيين صلى بالمسجد الذى ركعتين واحرم بالعمرة واحرم معه غالب اصحابه ومنهم من لم يحرم الا من الجحفة وهو ميقات اهل الشام وانما خرج معتمرا ليأ من اهل مكة ومن حولها من حربه وليعلموا انه عليه السلام انما خرج زآئر للبيت حديث : فلما كان الاصحاب فى بعض المحال اقبلوا نحوه عليه السلام وكان بين يديه ركوة يتوضأ منها فقال "مالكم" فقالوا يا رسول الله ليس عندنا ماء نشرب ولا ماء نتوضأ منه الا فى ركوتك فوضع رسول الله يده فى الركوة فجعل الماء يفور من بين اصابعه الشريفة امثال العيون فشربوا وتوضأوا تفسير : حتى قال جابر رضى الله عنه لو كنا مائة الف لكفانا وهو اعجب من نبع الماء لموسى عليه السلام من الحجر فان نبعه من الحجر متعارف معهود واما من بين اللحم والدم فلم يعهد وانما لم يخرجه عليه السلام بغير ملامسة ماء تأدبا مع الله لانه المنفرد بابداع المعدومات من غير اصل وارسل عليه السلام بشر بن سفيان الى مكة عيناله فلما كانوا بعسفان جاء وقال يا رسول الله هذه قريش قد سمعت بخروجك فلبسوا جلود النمراى اظهروا العداوة والحقد واستنفروا من اطاعهم من الا حابيش وهى قبيلة عظيمة من العرب ومعهم زادهم ونساؤهم واولادهم ليكون ادعى لعدم الفرار وقد نزلوا بذى طوى وهو موضع بمكة مثلث الطاء ويصرف كما فى القاموس يعاهدون الله ان لا ندخلها عليهم عنوة ابدا فقال عليه السلام "حديث : اشيروا على ايها الناس اتريدون ان نؤم البيت فمن صدنا عنه قاتلناه"تفسير : وقال المقداد يا رسول الله لا نقول لك كما قالت بنوا اسرائيل لموسى عليه السلام اذهب انت وربك فقاتلا انا ههنا قاعدون ولكن اذهب انت وربك فقاتلا انا معكما مقاتلون فقال عليه السلام "حديث : فامضوا على اسم الله"تفسير : فساروا ثم قال "حديث : هل من رجل يخرجنا عن طريق الى غير طريقهم التى هم بها"تفسير : فقال رجل من اسلم وهو ناجية بن جندب انا يا رسول الله فسلك بهم طريقا وعرائم افضوا الى ارض سهلة ثم امر رسول الله ان يسلكوا طريقا يخرجهم على مهبط الحديبية من اسفل مكة فسلكوا ذلك الطريق فلما نزلوا بالحديبية نزح ماؤها حتى لم يبق فيها قطرة ماء فاشتكى الناس الى رسول الله العطش وكان الحر شديدا فاخرج عليه السلام سهما من كنانته ودفعه الى البرآء بن عازب وامره ان يغرزه في جوف البئر او تمضمض رسول الله ثم مجه فى البئر فجاش الماء ثم امتلأت البئر فشربوا جميعا ورويت ابلهم وفى التفاسير ولم ينفد ماؤها بعد وفى انسان العيون فلما ارتحلوا من الحديبية اخذ البرآء السهم فجف الماء كأن لم يكن هناك شئ فلما اطمأن رسول الله بالحديبية اتاه بديل بن ورقاء وكان سيد قومه فسأله ما الذى جاء به فاخبره انه لم يأت يريد حربا انما جاء زآئرا للبيت فلما رجع الى قريش لم يستمعوا وارسلوا الحليس بن علقمة وكان سيد الاحابيش فلم يعتمدوا عليه ايضا وارسلوا عروة بن مسعود الثقفى عظيم الطائف ومتمول العرب ولما قام عروة بالخبر من عنده عليه السلام وقد رأى ما يصنع به اصحابه لا يغسل يديه الا ابتدروا وضوءه اى كادوا يقتتلون عليه ولا يبصق بصاقا الا ابتدروه اى يدلك به من وقع فى يده وجهه وجلده ولا يسقط من شعره شئ الا اخذوه واذا تكلم خفضوا اصواتهم عنده ولا يحدون النظر اليه تعظيما له فقال يا معشر قريش انى جئت كسرى فى ملكه وقيصر فى ملكه والنجاشى فى ملكه والله ما رأيت ملكا فى قوم قط مثل محمد فى اصحابه اخاف ان لا تنصروا عليه فقالت له قريش لا تتكلم بهذا يا ابا يعفور ولكن نرده عامنا هذا ويرجع من قابل فقال ما اراكم الا ستصيبكم قارعة ثم انصرف هو ومن معه الى الطائف واسلم بعد ذلك ودعا عليه السلام خراش بن امية الخزاعى فبعثه الى قريش وحمله عليه السلام على بعير له يقال له الثعلب ليبلغ اشرافهم عنه ما جاء له فعقروا جمل رسول الله وارادوا قتل خراش فمنعه الاحابيش فخلوا سبيله حتى اتى رسول الله واخبره بما لقى ثم دعا رسول الله عمر بن الخطاب رضى الله عنه ليبلغ عنه اشراف قريش ما جاء له فقال يا رسول الله انى اخاف قريشا على نفسى وما بمكة من نبى عدى ابن كعب احد يمنعنى وقد عرفت قريش عداوتى اياها وغلظتى عليها ولكن ادلك على رجل اعز بها منى عثمان بن عفان رضى الله عنه فان بنى عمه يمنعونه فدعا عليه السلام عثمان فبعثه الى اشراف قريش يخبرهم بالخبر وامر عليه السلام عثمان ان يأتى رجالا مسلمين بمكة ونساء مسلمات ويدخل عليهم ويخبرهم ان الله قرب ان يظهر دينه بمكة حتى لا يستخفى فيها بالايمان فخرج عثمان رضى الله عنه الى مكة ومعه عشرة رجال من الصحابة باذن رسول الله ليزوروا اهاليهم هناك فلقى عثمان قبل أن يدخل مكة ابان ابن سعيد فاجازه حتى يبلغ رسالة رسول الله وجعله بين يديه فاتى عظماء قريش فبلغهم الرسالة وهم يرددون عليه ان محمدا لا يدخل علينا ابدا فلما فرغ عثمان من تبليغ الرسالة قالوا له ان شئت فطف بالبيت فقال ما كنت لا أفعل حتى يطوف رسول الله وكانت قريش قد احتبست عثمان عندها ثلاثة ايام فبلغ رسول الله ان عثمان قد قتل وكذا من معه من العشرة فقال عليه السلام "حديث : لا نبرح حتى نناجز القوم"تفسير : اى نقاتلهم فامره الله بالبيعة فنادى مناديه ايها الناس البيعة البيعة نزل روح القدس فاخرجوا على اسم الله فثاروا الى رسول الله وهو تحت شجرة من اشجار السمر بضم الميم شجر معروف فبايعوه على عدم الفرار وانه اما الفتح واما الشهادة وبايع عليه السلام عن عثمان اى على تقدير عدم صحة القول بقتله فوضع يده اليمنى على يده اليسرى وقال "حديث : اللهم ان هذه عن عثمان فانه فى حاجتك وحاجة رسولك"تفسير : وسيجيء معنى المبايعة وقيل لها بيعة الرضوان لان الله تعالى رضى عنهم وقال عليه السلام لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة وقال ايضا لا يدخل النار من شهد بدر او الحديبية واول من بايع سنان بن ابى سنان الاسدى فقال للنبى عليه السلام ابايعك على ما فى نفسك قال وما فى نفسى قال اضرب بسيفى بين يديك حتى يظهرك الله او اقتل وصار الناس يقولون نبايعك على ما بايعك عليه سنان (روى) ان عثمان رضى الله عنه رجع بعد ثلاثة ايام فبايع هو ايضا وكان محمد بن مسلمة على حرس رسول الله فبعث قريش اربعين رجلا عليهم مكرز بن حفص ليطوفوا بعسكر رسول الله ليلا رجاء أن يصيبوا منهم احدا ويجدوا منهم غرة اى غفلة فاخذهم محمد بن مسلمة الا مكرزا فانه افلت واتى بهم الى رسول الله فحبسوا وبلغ قريشا حبس اصحابهم فجاء جمع منهم حتى رموا المسلمين بالنبل والحجارة وقتل من المسلمين ابن رسم رمى بسهم فاسر المسلمون منهم اثنى عشر رجلا وعند ذلك بعثت قريش الى رسول الله جمعافيهم سهيل بن عمرو فلما رآه عليه السلام قال لاصحابه "حديث : سهل امركم"تفسير : وكان يحب الفأل بمثل هذا فقال سهيل يا محمد ان ما كان من حبس اصحابك اى عثمان والعشرة وما كان من قتال من قاتلك لم يكن من رأى ذوى رأينا بل كنا كارهين له حين بلغنا ولم نعلم وكان من سفهائنا فابعث الينا من اصحابنا الذين اسروا اولا وثانيا فقال عليه السلام "حديث : انى غير مرسلهم حتى ترسلوا اصحابى"تفسير : فقالوا نفعل فبعث سهيل ومن معه الى قريش بذلك فبعثوا من كان عندهم وهو عثمان والعشرة فارسل رسول الله اصحابهم ولما علمت قريش بهذه البيعة كبرت عليهم وخافوا أن يحاربوا واشار اهل الرأى بالصلح على أن يرجع ويعود من قابل فيقيم ثلاثا فبعثوا سهيل بن عمر وثانيا ومعه مكرز بن حفص وحويط بن عبد العزى الى رسول الله ليصالحه على ان يرجع من عامه هذا لئلا يتحدث العرب بأنه دخل عنوة ويعود من قابل فلما رآه عليه السلام مقبلا قال "حديث : اراد القوم الصلح حيث بعثوا هذا الرجل"تفسير : اى ثانيا فالتأم الامر بينهم على الصلح وان كان بعض الاصحاب لم يرضوا به فى اول الامر حتى قالوا علام نعطى الدنية بفتح الدال وكسر النون وتشديد الياء النقيصة والخصلة المذمومة فى ديننا وهم مشركون ونحن مسلمون فأشار عليه السلام بالرضى ومتابعة الرسول ثم دعا عليه السلام عليا فقال "حديث : اكتب بسم الله الرحمن الرحيم"تفسير : فقال سهيل لا اعرف هذا اى الرحمن الرحيم ولكن اكتب باسمك اللهم فكتبها لان قريشا كانت تقولها ثم قال رسول الله "حديث : اكتب هذا ما صالح عليه محمد رسول الله سهيل بن عمرو"تفسير : فقال سهيل لو شهدت انك رسول الله لم اقاتلك ولم اصدك عن البيت ولكن اكتب اسمك واسم ابيك فقال عليه السلام لعلى رضى الله عنه "حديث : امح رسول الله"تفسير : فقال والله ما امحوك ابدا فقال "حديث : ارنيه"تفسير : فأراه اياه فمحاه رسول الله بيده الشريفة وقال "حديث : اكتب هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله سهيل بن عمرو"تفسير : وقال "حديث : انا والله رسول الله وان كذبتمونى وانا محمد بن عبد الله"تفسير : وكان الصلح على وضع الحرب عن الناس عشر سنين يأمن فيه الناس ويكف بعضهم عن بعض ومن أتى محمدا من قريش ممن هو على دين محمد بغير اذن وليه رده اليه ذكرا كان او انثى ومن اتى قريشا ممن كان مع محمد اى مرتدا ذكرا كان او انثى لم ترده اليه وسبب الاول ان فى رد المسلم الى مكة عمارة للبيت وزيادة خير له فى الصلوة بالمسجد الحرام والطواف بالبيت فكان هذا من تعظيم حرمات الله وسبب الثانى انه ليس من المسلمين فلا حاجة الى رده وشرطوا انه من احب أن يدخل فى عقد محمد وعهده دخل فيه ومن احب أن يدخل فى عقد قريش وعهدهم دخل فيه وان بيننا وبينكم عيبة مكفوفة اى صدورا منطوية على ما فيها لا تبدى عداوة بل منطوية على الوفاء بالصلح وانه لا اسلال ولا اغلال اى لا سرقة ولا خيانة قال سهيل وانك ترجع عامك هذا فلا تدخل مكة وانه اذا كان عام قابل خرج منها قريش فدخلتها باصحابك فأقمت بها ثلاثة ايام معك سلاح الراكب السيوف فى القرب والقوس لا تدخلها بغيرهما وكان المسلمون لا يشكون فى دخولهم مكة وطوافهم بالبيت ذلك العام للرؤيا التى رآها رسول الله فلما رأوا الصلح وما تحمله رسول الله فى نفسه دخلهم من ذلك امر عظيم حتى كادوا يهلكون خصوصا من اشتراط ان يرد الى المشركين من جاء مسلما منهم وكانت بيعة الرضوان قبل الصلح وانها السبب الباعث لقريش عليه ولما فرغ رسول الله من الصلح واشهد عليه رجالا من المسلمين قام الى هديه فنحره وفرق لحم الهدى على الفقرآء الذين حضروا الحديبية وفى رواية بعث الى مكة عشرين بدنة مع ناجية رضى الله عنه حتى نحرت بالمروة وقسم لحمها على فقراء مكة ثم جلس رسول الله فى قبة من اديم احمر فحلق رأسه خداش الذى بعث الى قريش كما تقدم ورمى شعره على شجرة فاخذه الناس تبركا وأخذت ام عمارة رضى الله عنها طاقات منه فكانت تغسلها للمريض وتسقيه فيبرأ باذن الله تعالى فلما رأوا رسول الله قد نحر رافعا صوته باسم الله والله اكبرو حلق تواثبوا ينحرون ويحلقون وقصر بعضهم كعثمان وابى قتاده رضى الله عنهما وقال عليه السلام "حديث : اللهم ارحم المحلقين دون المقصرين"تفسير : قال لانهم لم يرجوا أن يطوفوا بالبيت بخلاف المقصرين اى لان الظاهر من حالهم انهم اخروا بقية شعورهم رجاء أن يحلقوا بعد طوافهم وارسل الله ريحا عاصفة احتملت شعورهم فألقتها فى قرب الحرم وان كان اكثر الحديبية فى الحرم فاستبشروا بقبول عمرتهم واقام عليه السلام بالحديبية تسعة عشر او عشرين يوما ثم انصرف قافلا الى المدينة فلما كان بين الحرمين وأتى بكراع الغميم على ما فى انسان العيون وغيره انزلت عليه سورة الفتح وحصل للناس مجاعة هموا أن ينحروا ظهورهم فقال عليه السلام "حديث : ابسطوا انطاعكم وعباءكم"تفسير : ففعلوا ثم قال "حديث : من كان عنده بقية من زاد او طعام فلينشره"تفسير : ودعا لهم ثم قال "حديث : قربوا اوعيتكم فأخذوا ما شاء الله"تفسير : وحشوا اوعيتهم وأكلوا حتى شبعوا وبقى مثله وقال عليه السلام لرجل من اصحابه "حديث : هل من وضوء"تفسير : بفتح الواو وهو ما يتوضأ به فجاء بأداوة وهى الركوة فيها ماء قليل فأفرغها فى قدح ووضع راحته الشريفة فى ذلك الماء قال الراوى فتوضأنا كلنا اى الالف والاربعمائة نصبه صبا شديدا و لما أنزلت سورة الفتح قال عليه السلام لاصحابه "حديث : أنزلت على سورة هى احب الى مما طلعت عليه الشمس"تفسير : وفى رواية "حديث : أنزلت على سورة مايسرنى بها حمر النعم"تفسير : والحمر بسكن الميم جمع أحمر والنعم بفتحتين تطلق على جماعة الابل لا واحد لها من لفظها والمراد بحمر النعم الابل الحمر وهى من أنفس اموال العرب يضربون بها المثل فى نفاسة الشىء وانه ليس هناك اعظم منها ثم قرأ السورة عليهم وهنأهم وهنأوه يعى ايشانرا تهنية كفت واصحاب نيز ويرا مبارك باد كفتند. وتكلم بعض الصاحبة وقال هذا ماهو بفتح لقد صدونا عن البيت وصد هدينا فقال عليه السلام لما بلغه بئس الكلام "حديث : بل هو اعظم الفتح لقد رضى المشركون أن يدفعوكم بالبراح عن بلادهم وسألوكم القضية"تفسير : اى الصلح "حديث : والتجأوا اليكم فى الامان وقد رأوا منكم ماكرهوا وظفركم الله عليهم وردكم سالمين مأجورين فهو اعظم الفتوح أنسيتم يوم احد وأنا أدعوكم فى اخراكم أنسيتم يوم الاحزاب {اذ جاؤكم من فوقكم ومن اسفل منكم واذ زاغت الابصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا}"تفسير : فقال المسلمون صدق الله ورسوله هو اعظم الفتوح والله يانبى الله مافكرنا فيما فكرت فيه ولأنت اعلم بالله وبأمره منا وقال له عمر رضى الله عنه ألم تقل انك تدخل مكة آمنا قال "حديث : بلى أفقلت لكم من عامى هذا"تفسير : قالوا لا قال "حديث : فهو كما قال جبريل فانكم تأتونه وتطوفون به"تفسير : اى لانه جاء الوحى بمثل مارأى وذكر بعضهم انه عليه السلام لما دخل مكة فى العام القابل وحلق رأسه قال "حديث : هذا الذى وعدتكم"تفسير : فلما كان يوم الفتح واخذ المفتاح قال "حديث : هذا الذى قلت لكم ". تفسير : يقول الفقير لاشك ان الاصحاب رضى الله عنهم لم يشكوا فى امر النبى عليه السلام ولم يكن كلامهم معه من قبيل الاعتراض عليه وانما سألوه استعلاما لما داخلهم شىء مما لايخلو عنه البشر فان الامر عميق والا فأدنى مراتب الارادة فى باب الولاية ترك الاعتراض فكيف فى باب النبوة ولله تعالى حكم ومصالح فى ايراد انا فتحنا بصيغة الماضى فانه بظاهره ناطق بفتح الصلح وبحقيقته مشير الى فتح مكة فى الزمان الآتى وكل منهما فتح اى فتح وحاصل ماقال العلماء انه سمى الصلح فتحامع انه ليس بفتح لا عرفا لانه ليس بظفر على البلد ولا لغة لانه ليس بظفر للمنغلق كيف وقد احصروا ومنعوا من البيت فنحروا وحلقوا بالحديبية واى ظفر فى ذلك فالجواب ان الصلح مع المشركين فتح بالمعنى اللغوى لانه كان منغلقا ومتعذرا وقت نزولهم بالحديبية الا انه لما آل الامر الى بيعة الرضوان وظهر عند المشركين اتفاق كلمة المؤمنين وصدق عزيمتهم على الجهاد والقتال ضعفوا وخافوا حتى اضطروا الى طلب الصلح وتحقق بذلك غلبة المسملين عليهم مع ان ذلك الصلح قد كان سببا لامور أخر كانت منغلقة قبل ذلك منها ان المشركين اختلطوا بالمسلمين بسببه فسمعوا كلامهم وتمكن الاسلام فى قلوبهم واسلم فى مدة قليلة خلق كثير كثر بهم سواد اهل الاسلام حتى قالوا دخل فى تلك السنة فى الاسلام مثل من دخل فيه قبل ذلك واكثر وفرغ عليه السلام بهذا الصلح لسائر العرب فغزاهم وفتح مواضع خصوصا خيبر واغتنم المسلمون واتفقت فى تلك السنة ملحمة عظيمة بين الروم وفارس غلبت فيها الروم على فارس وكانت غلبتهم عليهم من دلائل النبوة حيث كان عليه السلام وعد بوقوع تلك الغلبة فى بضع سنين وهو مابين الثلاث الى التسع فكانت كما وعد بها فظهر بها صدقه عليه السلام فكان من جملة الفتح وسر به عليه السلام والمؤمنون لظهور اهل الكتاب على المجوس الى غير ذلك من فتوحات الله الجليلة ونعمه العظيمة
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {إِنَّا فتحنا لك} الفتح عبارة عن الظفر بالبلدة عنوةً أو صُلحاً، بحرب أو بدون، فإنه ما لم يقع الظفر مُنْغَلِقٌ، مأخوذ من: فتح باب الدار. وإسناده إلى نون العظمة لإسناد الفعل إلى الله تعالى خلقاً وإيجاداً. قيل: المراد به فتح مكة، وهو المروي عن أنس رضي الله عنه، بُشِّر به صلى الله عليه وسلم عند انصرافه من الحُديبية. والتعبير عنه بصيغة الماضي على سَنَن الأخبار الإلهية المحققة الوقوع، للإذيان بتحققه، تأكيداً للتبشير، وتصدير الكلام بحرف التحقيق لذلك، وفيه من الفخامة والدلالة على علو شأن المخبَر به - وهو الفتح - ما لا يخفى. وقيل: هو فتح الحديبية، وهو الذي عند البخاري عن أنس، وهو الصحيح عند ابن عطية، وعليه الجمهور. وفيها أُخذت البيعة على الجهاد، وهو كان سبب إظهار الإسلام وفشوه، وذلك أنّ المشركين كانوا ممنوعين من مخالطة أهل الإسلام، للحرب التي كانت بينهم، فلما وقع الصلح اختلط الناسُ بعضهم مع بعض، وجعل الكفارُ يرون أنوارَ الإسلام، ويسمعون القرآن، فأسلم حينئذ بشر كثير قبل فتح مكة. وقد ورد عنه صلى الله عليه وسلم حين بلغه أن رجلاً قال: ما هذا بفتح، لقد صَدُّونا عن البيت، ومَنعونا، قال:"حديث : بل هو أعظم الفتوح، وقد رضي المشركون أن يدفعوكم بالراح، ويسألوكم القضية، ويرغبوا إليكم في الأمان، وقد رأوا منكم ما يكرهون"تفسير : . وعن الشعبي أنه قال: نزلت سورة الفتح بالحديبية، وأصاب رسولُ الله صلى الله عليه وسلم في تلك الغزوة ما لم يصب في غزوة، حيث بُويع بيعة الرضوان، وغُفر له ما تقدّم من ذنبه وما تأخّر، وبلغ الهَديُ مَحِلَّه، وبُشِّروا بخيبر، وظهرت الروم على فارس، ففرح به المسلمون، وكان في فتح الحديبية آية عظيمة، وهي أنه نزح ماؤها حتى لم يبقَ فيها قطرة، فتمضمض رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ثم مجّه فيها، فدرّت بالماء، حتى شرب جميع مَن كان معه، وقيل: جاش بالماء حتى امتلأت ولم ينفد ماؤها بعدُ. وقيل: هو جميع ما فتح له صلى الله عليه وسلم، من الإسلام، والدعوة، والنبوة، والحجة، والسيف، ولا فتح أبين منه وأعظم، وهو رأس الفتوح كافة؛ إذ لا فتح من فتوح الإسلام إلا هو شعبة من شُعبه، وفرع من فروعه. وقيل: الفتح: بمعنى القضاء، والمعنى: قضينا لك على أهل مكة أن تدخلها من قابل، وأيّاً ما كان فحذف المفعول للقصد إلى نفس الفعل، والإيذان بأنّ مناط التبشير هو نفس الفتح الصادر عنه سبحانه، لا خصوصية المفتوح. قاله أبو السعود. {فتحاً مبيناً} ظاهر الأمر، مكشوف الحال، فارقاً بين الحق والباطل. وقوله تعالى: {ليغفر لك اللّهُ} غاية للفتح، من حيث إنه مترتب على سعيه صلى الله عليه وسلم في إعلاء كلمة الله، بمكابدة مشاق الحروب، واقتحام موارد الخطوب، أي: جعلنا الفتح على يديك، وبسبب سعيك، ليكون سبباً لغفران الله لك {ما تقدَّم من ذنبك وما تأخَّر} أي: جميع ما فرط منك من ترك الأولى، وما سيقع، وتسميته ذنباً بالنظر إلى منصبه الجليل، وتقدم قريباً تحقيقه. وقول الجلال: "اللام للعلة الغائبة فمدخولها مسبب لا سبب، لا يريد التعليل على حقيقته العقلية، فإنه عليه تعالى محال، وإنما يُريد صورة التعليل، الذي هو حكمة الشيء، وفائدته العائدة على خلقه، فضلاً وإحساناً، فالحِكمُ والمصالح غاية لأفعاله تعالى، ومنافع راجعة إلى المخلوقات، وليس شيء منها غرضاً وعلة غائية لفعله، بحيث يكون سبباً لإقدامِه على الفعل، وعلة غائية للفعل؛ لغناه تعالى، وكماله في ذاته عن الاستكمال بفعل من الأفعال، وما ورد في الآيات والأحاديث مما يُوهم الغرض والعلة فإنه يُحمل على الغايات المترتبة والحكمة، فاحتفظ بذلك. قاله صابح الحاشية الفاسية. واللائق أن المعنى: إنا فتحنا لك وقضينا لك بأمرٍ عاقبته أن جَمَعَ الله لك بين سعادة الدنيا والآخرة، بأن غفر لك، وأتمّ نعمته عليك وهداك، ونصرك. فاللام لام العاقبة لا لام العلة؛ فإن إفضال الله على رسوله لا يُعلل ولا يُوازي بعمل. هـ. {ويُتم نعمتَه عليك} بإعلاء الدين، وضم المُلك إلى النبوة، وغيرها مما أفاض عليه من النعم الدينية والدنيوية، {ويهيديَكَ صراطاً مستقيماً} أي: يُثبتك على الطريق القويم، والدين المستقيم، والاستقامة وإن كانت حاصلة قبل الفتح، لكن حاصل بعد ذلك من اتضاح سبيل الحق، واستقامة مناهجه، ما لم يكن حاصلاً قبلُ. {ويَنصُرَك اللّهُ} أي: يُظهر دينك، ويُعزّك، فإظهار الاسم الجليل لكونه خاتمة الغايات، ولإظهار كمال العناية، بشأن النصر، كما يُعرب عنه تأكيده بقوله: {نصراً عزيزاً} أي: نصراً فيه عزة ومنعه، أو: قوياً منيعاً، على وصف المصدر بوصف صاحبه، مجازاً، للمبالغة، أو: عزيزاً صاحبه. الإشارة: {إنّا فتحنا لك فتحاً مبيناً} بأن كشفنا لك عن أسرار ذاتنا، وأنوار صفاتنا، وجمال أفعالنا، فشاهدتنا بنا، ليغفر لك الله، أي: ليُغيبك عن وجودك في شعور محبوبك، ويستر عنك حسك ورسمك، حتى تكون بنا في كل شيء، قديماً وحديثاً، قال القشيري: وذنب الوجود هو الشرك في الوجود، وغفره: ستره بنور الوحدة، لمحو ظلمة الأثينية هـ. ويُتم نعمته عليك بالجمع بين شهود الربوبية، والقيام بآداب العبودية، ودلالة الخلق على شهود قيام الديمومية، ويهديك طريقاً مستقيماً تُوصل إلى حضرتنا، فتسلكها وتُبينها لمَن يكون على قدمك، وينصرك الله نصراً عزيزاً، بالتمكُّن في شهود ذاتنا، والعكوف في حضرتنا، محفوفاً بالنصرة والعناية، محمولاً في محفَّة الرعاية. ولما نزل قوله: {ليغفر لك الله} قال المؤمنون: هذا لك يا رسول الله، فما لنا؟ فأنزل الله: {هُوَ ٱلَّذِيۤ أَنزَلَ ٱلسَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ ٱلْمُؤْمِنِينَ}.
الطوسي
تفسير : يقول الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وآله {إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً} قال البلخي: الفتح يكون فى القتال وبالصلح، وباقامة الحجج، ويكون المعنى {إنا فتحنا لك} بحجج الله وآياته {فتحاً مبيناً} لينصرك الله بذلك على من ناواك. وقال قتادة: نزلت هذه الآية عند رجوع النبي صلى الله عليه وآله من الحديبية، بشر فى ذلك الوقت بفتح مكة، وتقديره {إنا فتحنا لك} مكة. وقال البلخي عن الشعبي فى وقت الحديبية بويع النبي صلى الله عليه وآله بيعة الرضوان، وأطعموا نخيل خيبر، وظهرت الروم على فارس، وبلغ الهدي محله. والحديبية بئر، فروي انها غارت فمج النبي صلى الله عليه وآله فيها فظهر ماؤها حتى امتلاءت به. وقال قتادة: معنى {فتحنا} قضينا لك بالنصر. وقيل: معناه اعلمناك علماً ظاهراً في ما أنزلناه عليك من القرآن واخبرناك به من الدين، وسمي العلم فتحاً، كما قال {أية : وعنده مفاتح الغيب} تفسير : أي علم الغيب. وقال {أية : إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح} تفسير : وقال الزجاج: معناه ارشدناك إلى الاسلام، وفتحنا لك الدين بدلالة قوله {أية : ليعذب الله المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات} تفسير : وقال مجاهد {فتحنا لك فتحاً مبينا} يعني نحره بالحديبية وحلقه. وقال قتادة: معناه قضينا لك قضاء بيناً. وفي الحديبية مضمض رسول الله صلى الله عليه وآله فى البئر وقد غارت فجاشت بالرواء. والفتح هو القضاء من قولهم: اللهم أفتح لي. وقوله تعالى {أية : ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين} تفسير : والفتح الفرج المزيل للهم. ومنه فتح المسألة إذا انفرجت عن بيان ما يؤدي إلى المطلوب، ومنه فتح عليه القراءة، لانه متعلق بالسهو، وينفتح بالذكر والفتح المبين هو الظاهر، وكذلك جرى فتح مكة. وقوله {ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر} قيل جعل غفرانه جزاء عن ثوابه على جهاده في فتح مكة. وقيل فى معناه اقوال: احدها - ما تقدم من معاصيك قبل النبوة وما تأخر عنها. الثاني - ما تقدم قبل الفتح وما تأخر عنه. الثالث - ما قد وقع منك وما لم يقع على طريق الوعد بأنه يغفره له إذا كان. الرابع - ما تقدم من ذنب أبيك آدم، وما تأخر عنه. وهذه الوجوه كلها لا تجوز عندنا، لأن الانبياء عليهم السلام لا يجوز عليهم فعل شيء من القبيح لا قبل النبوة ولا بعدها، لا صغيرها ولا كبيرها فلا يمكن حمل الآية على شيء مما قالوه، ولا صرفها إلى آدم لان الكلام فيه كالكلام فى نبينا محمد صلى الله عليه وآله ومن حمل الآية على الصغائر التي تقع محبطة فقوله فاسد، لأنا قد بينا أن شيئاً من القبائح لا يجوز عليهم بحال. على ان الصغائر تقع مكفرة محبطة لا يثبت عقابها، فكيف يمتن الله تعالى على النبي صلى الله عليه وآله أنه يغفرها له وهو تعالى لو آخذه بها لكان ظالماً وإنما يصح التمدح بما له المؤاخذة أو العفو عنه، فاذا غفر استحق بذلك الشكر. وللاية وجهان من التأويل: احدهما - ليغفر لك ما تقدم من ذنب امتك. ما تأخر بشفاعتك ولمكانك. وأضاف الذنب إلى النبي وأراد به أمته، كما قال {أية : واسأل القرية}تفسير : يريد اهل القرية فحذف المضاف وأقام المضاف اليه مقامه وذلك جائز لقيام الدلالة عليه، كما قال {أية : وجاء ربك}تفسير : والمراد وجاء أمر ربك. الثاني - أراد يغفر ما اذنبه قومك اليك من صدهم لك عن الدخول إلى مكة في سنة الحديبية، فازال الله ذلك وستر عليك تلك الوصمة بما فتح عليك من مكة ودخلتها في ما بعد، ولذلك جعله جزاء على جهاده فى الدخول إلى مكة. والذنب مصدر تارة يضاف إلى الفاعل وتارة إلى المفعول، فيكون - هٰهنا - مضافاً إلى المفعول، والذنب وإن كان غير متعدّ إلى مفعول جاز ان يحمل على المصدر الذي هو فى معناه، والصد متعد كما قال الشاعر: شعر : جئني بمثل بني بدر لقومهم او مثل اسرة منظور بن سيار تفسير : لما كان معنى جئني هات أعطني عطف او (مثل) على المعنى فنصبه، ومثله كثير فى اللغة. وقوله {ويتم نعمته عليك} فاتمام النعمة فعل ما يقتضيها من تبقيتها على صاحبها والزيادة منها، فالله تعالى قد أنعم على النبي صلى الله عليه وآله وتممها بنصره على اعدائه الرادين لها المكذبين بها حتى علا بالحجة والقهر لكل من ناواه. وقيل يتم نعمته عليك بفتح مكة وخيبر والطائف. وقيل بخضوع من تكبر وطاعة من تجبر. وقوله {ويهديك صراطاً مستقيماً} أي يرشدك إلى الطريق الذي إذا سلكته ادّاك إلى الجنة، لا يعدل بك إلى غيرها {وينصرك الله نصراً عزيزاً} فالنصر العزيز هو الذي يمنع من كل جبار عنيد وعات أثيم. وقد فعل الله تعالى ذلك بنبيه محمد صلى الله عليه وآله فصار دينه أعز الاديان وسلطانه أعظم السلطان. وقوله {هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين} وهو ما يفعل الله تعالى بهم من اللطف الذي يحصل لهم عنده بصيرة بالحق تسكن اليها نفوسهم ويجدون الثقة بها بكثرة ما ينصب الله لهم من الأدلة الدالة على الحق فهذه النعمة التامة للمؤمنين خاصة. فأما غيرهم فتضطرب نفوسهم لاول عارض من شبهة ترد عليهم، لانهم لا يجدون برد اليقين فى قلوبهم. وقيل: السكينة ما تسكن اليه قلوبهم من التعظيم لله ورسوله والوفاء له. وقوله {ليزدادوا إيماناً مع إيمانهم} أي ليزدادوا معارف أخر بما أوجب الله عليهم زيادة على المعرفة الحاصلة، فبين الله تعالى ما لنبيه عنده وللمؤمنين ليزدادوا ثقة بوعده. وقوله {ولله جنود السماوات والأرض} قيل: معناه انصار دينه ينتقم بهم من اعدائه. وقيل: معناه إن جميع الجنود عبيده {وكان الله عليماً} بالاشياء قبل كونها وعالماً بعد كونها {حكيماً} فى افعاله لانها كلها محكمة وصواب. وقوله {ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار} إنما لم يدخل واو العطف فى (ليدخل) اعلاماً بالتفصيل، كأنه قال إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً ليغفر لك الله، إنا فتحنا لك فتحاً ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات أي بساتين تجري من تحت اشجارها الانهار {خالدين فيها} أي مؤبدين لا يزول عنهم نعيمها {ويكفر عنهم سيئاتهم} أي عقاب معاصيهم التي فعلوها فى دار الدنيا {وكان ذلك عند الله فوزاً عظيماً} أي الظفر، والصلاح بما طلبوه من الثواب العظيم.
الجنابذي
تفسير : شرحٌ فى صلح الحديبية {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً} فتح كمنع ضدّ اغلق كفتّح من التّفعيل وافتح، والفتح النّصر كالفتاحة بفتح الحاء، ومنه الاستفتاح وافتتاح دار الحرب والحكم بين الخصمين كالفتاحة بالكسر والضّمّ وكالفتح بالضّمّتين، ويستعمل فى معنى العلم وفى انبساط القلب واتّصاله بعالم الملكوت ومشاهداته، وفيما يصل الى الانسان من جهة الباطن او من جهة الظّاهر من انواع فضل الله والكلّ مناسبٌ ههنا، وقد قيل بكلٍّ منها ببعضها صريحاً وببعضها تلويحاً، فقيل: معناه قضينا لك، وقيل: يسّرنا لك، وقيل: اعلمناك، وقيل: ارشدناك، وقيل: فتحنا البلاد لك، وقيل: اظفرناك على الاعداء بالحجّة والمعجزة حتّى لم يبق معاندٌ للاسلام، وقيل: المراد به فتح مكّة له (ص)، وقيل: المراد به صلح الحديبيّة، وقيل: لم يكن فتح اعظم من صلح الحديبيّة، وذلك انّ المشركين اختلطوا بالمسلمين فسمعوا كلامهم فتمكّن الاسلام فى قلوبهم واسلم فى ثلاث سنين خلق كثيرٌ وقيل: بويع محمّدٌ (ص) بالحديبيّة بيعة الرّضوان واطعم نخيل خيبر، وظهرت الرّوم على فارس، وفرح المسلمون بظهور اهل الكتاب وهم الرّوم على المجوس اذ صدق به قوله تعالى {أية : وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ} تفسير : [الروم:3]، وعن الصّادق (ع) قال: سبب نزول هذه السّورة وهذا الفتح العظيم انّ الله عزّ وجلّ امر رسوله فى النّوم ان يدخل المسجد الحرام ويطوف ويحلّق مع المحلّقين فاخبر اصحابه وامرهم بالخروج فخرجوا، فلمّا نزل ذا الحليفة احرموا بالعمرة وساقوا البُدُن وساق رسول الله (ص) ستّة وستّين بدنة واشعرها عند احرامه واحرموا من ذى الحليفة ملبّين بالعمرة وقد ساق من ساق منهم الهدى معرّاتٍ مجلّلات، فلمّا بلغ قريشاً ذلك بعثوا خالد بن الوليد فى مأتى فارسٍ كميناً ليستقبل رسول الله (ص) وكان يعارضه على الجبال فلمّا كان فى بعض الطّريق حضرت صلاة الظّهر فأذّن بلالٌ فصلّى رسول الله (ص) بالنّاس فقال خالد بن الوليد: لو كنّا حملنا عليهم وهم فى الصّلاة لاصبناهم فانّهم لا يقطعون صلاتهم ولكن تجيء الآن لهم صلاة اخرى احبّ اليهم من ضياء ابصارهم فاذا دخلوا فى الصّلاة اغرنا اليهم، فنزل جبرئيل على رسول الله (ص) بصلاة الخوف فلمّا كان فى اليوم الثّانى نزل رسول الله (ص) الحديبيّة وهى على طرف الحرم وكان رسول الله (ص) يستنفر الاعراب فى طريقه معه فلم يتّبعه احد ويقولون: ايطمع محمّدٌ (ص) واصحابه ان يدخلوا الحرم وقد غزتهم قريش فى عقر ديارهم فقتلوهم، انّه لا يرجع محمّد (ص) واصحابه الى المدينة ابداً، فلمّا نزل رسول الله (ص) الحديبيّة خرجت قريش يحلفون باللاّت والعزّى لا يدعون رسول الله (ص) يدخل مكّة وفيهم عينٌ تطرف فبعث اليهم رسول الله (ص) "حديث : انّى لم آت لحربٍ وانّما جئت لاقضى نسكى وانحر بُدنى واخلّى بينكم وبين لحمانها" تفسير : ، فبعثوا عروة بن مسعود الثّقفىّ وكان عاقلاً لبيباً وهو الّذى انزل الله فيه: {أية : وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ} تفسير : [الزخرف:31] فلمّا أقبل الى رسول الله (ص) عظّم ذلك وقال: يا محمّد (ص) تركت قومك وقد ضرب الابنية واخرجوا العوذ المطافيل يحلفون باللاّت والعزّى لا يدعوك تدخل مكّة حرمهم وفيهم عين تطرف، افتريد ان تبير اهلك وقومك يا محمّد (ص)؟ - فقال رسول الله (ص): "حديث : ما جئت لحربٍ وانّما جئت لاقضى مناسكى وانحر بدنى واخلّى بينكم وبين لحمانها"تفسير : ، فقال عروة: والله ما رأيت كاليوم احداً اصُدّ كما صُددت، فرجع الى قريش فاخبرهم، فقالت قريش: والله لئن دخل محمّد (ص) مكّة وتسامعت به العرب لتذلّلنّ ولتجرئنّ علينا العرب فبعثوا حفص بن الاحنف وسهيل بن عمرٍ وفلمّا نظر اليهما رسول الله (ص) قال: "حديث : ويح قريشٍ قد نهكتكم الحرب الاّ خلّوا بينى وبين العرب فان أك صادقاً فانّى اجرّ الملك اليهم مع النّبوّة، وان أك كاذباً كفتهم ذؤبان العرب لا يسئلنّى اليوم امرء من قريشٍ خطّةً ليس لله فيها سخط الاّ اجبتهم اليه فلمّا وافوا رسول الله (ص)، قالوا يا محمّد (ص) الا ترجع عنّا عامك هذا الى ان ننظر الى ما يصير امرك وامر العرب؟ - فانّ العرب قد تسامعت بمسيرك فاذا دخلت بلادنا وحرمنا استذلّتنا العرب واجترأت علينا ونخلّى لك البيت فى العام القابل فى هذا الشّهر ثلاثة ايّام حتّى تقضى نسكك وتنصرف عنّا، فأجابهم رسول الله (ص) الى ذلك، وقالوا له تردّ الينا كلّ من جاءك من رجالنا، ونردّ اليك كلّ من جاءنا من رجالك، فقال رسول الله (ص): من جاءكم من رجالنا فلا حاجة لنا فيه ولكن على انّ المسلمين بمكّة لا يؤذون فى اظهارهم الاسلام ولا يُكرهون ولا ينكر عليهم شيءٌ يفعلونه من شرائع الاسلام، فقبلوا ذلك، فلمّا اجابهم رسول الله (ص) الى الصّلح انكر عامّة اصحابه واشدّ ما كان انكاراً عمر، فقال: يا رسول الله (ص) السنا على الحقّ وعدوّنا على الباطل؟ - فقال: نعم، فقال: فنعطى الذّلّة فى ديننا، فقال: انّ الله عزّ وجلّ قد وعدنى ولن يخلفنى، قال: ولو انّ معى اربعين رجلاً لخالفته، ورجع سهيل بن عمرٍو وحفص بن الاحنف الى قريشٍ فأخبراهم بالصّلح، فقال عمر: يا رسول الله (ص)، الم تقل لنا ان ندخل المسجد الحرام ونحلّق مع المحلّقين؟! فقال: أمن عامنا هذا وعدتك؟! قلت لك: انّ الله عزّ وجلّ قد وعدنى ان افتح مكّة واطوف واسعى واحلّق مع المحلّقين، فلمّا اكثروا عليه قال لهم: ان لم تقبلوا الصّلح فحاربوهم، فمرّوا نحو قريشٍ وهم مستعدّون للحرب وحملوا عليهم فانهزم اصحاب رسول الله (ص) هزيمة قبيحة ومرّوا برسول الله (ص)، فتبسّم رسول الله (ص) ثمّ قال: يا علىّ (ع)، خذ السّيف واستقبل قريشاً فأخذ امير المؤمنين (ع) سيفه وحمل على قريشٍ فلمّا نظروا الى امير المؤمنين (ع) تراجعوا ثمّ قالوا: يا علىّ (ع) بدا لمحمّدٍ (ص) فيما أعطانا؟ - فقال: لا، وتراجع اصحاب رسول الله (ص) مستحيين واقبلوا يعتذرون الى رسول الله (ص)، فقال لهم رسول الله (ص): الستم اصحابى يوم بدرٍ اذ انزل الله عزّ وجلّ فيكم {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَٱسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِّنَ ٱلْمَلاۤئِكَةِ مُرْدِفِينَ} [الأنفال:9]؟ - الستم اصحابى يوم احد {إِذْ تُصْعِدُونَ وَلاَ تَلْوُونَ عَلَىٰ أحَدٍ وَٱلرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِيۤ أُخْرَاكُمْ} [آل عمران:153] الستم اصحابى يوم كذا؟ - الستم اصحابى يوم كذا؟ - فاعتذروا الى رسول الله (ص) وندموا على ما كان منهم وقالوا: الله اعلم ورسوله، فاصنع ما بدا لك ورجع حفص بن الاحنف وسهيل بن عمرٍو الى رسول الله (ص)، فقالا: يا محمّد (ص) قد اجابت قريش الى ما اشترطت من اظهار الاسلام وان لا يكره احد على دينه، فدعا رسول الله (ص) بالمكتب ودعا امير المؤمنين (ع) وقال له: اكتب، فكتب بسم الله الرّحمن الرّحيم، فقال: سهيل بن عمرو: لا نعرف الرّحمن، اكتب كما كان يكتب آباؤك باسمك اللّهمّ، فقال رسول الله (ص): اكتب باسمك اللّهمّ فانّه اسم من اسماء الله، ثمّ كتب: هذا ما تقاضى عليه محمّد رسول الله (ص) والملأ من قريشٍ، فقال سهيل بن عمرو: لو علمنا انّك رسول الله (ص) ما حاربناك، اكتب هذا ما تقاضى عليه محمّد بن عبد الله، اتأنف من نسبك يا محمّد (ص)؟ - فقال رسول الله (ص): انا رسول الله (ص) وان لم تقرّوا، ثمّ قال: امح يا علىّ (ع) واكتب محمّد بن عبد الله، فقال امير المؤمنين (ع): ما امحو اسمك من النّبوّة ابداً، فمحاه رسول الله (ص) بيده، ثمّ كتب: هذا ما اصطلح محمّد بن عبد الله والملأ من قريشٍ وسهيلٌ اصطلحوا على وضع الحرب عشر سنين على ان يكفّ بعضنا عن بعضٍ، وعلى انّه لا اسلال ولا اغلال وانّ بيننا وبينهم غيبة مكفوفة، وانّ من احبّ ان يدخل فى عهد محمّد (ص) وعقده فعل، ومن احبّ ان يدخل فى عهد قريش وعقدها فعل، وانّه من أتى محمّداً (ص) بغير اذن وليّه ردّه اليه، وانّه من أتى قريشاً من اصحاب محمّد (ص) لم تردّه اليه، وان يكون الاسلام ظاهراً بمكّة ولا يكره احدٌ على دينه ولا يؤذى ولا يعيّر، وانّ محمّداً (ص) يرجع منهم عامه هذا واصحابه ثمّ يدخل علينا فى العام المقبل مكّة فيقيم فيها ثلاثة ايّامٍ ولا يدخل عليها بسلاحٍ الاّ سلاح المسافر، السّيوف فى القراب، وكتب علىّ بن ابى طالبٍ (ع) وشهد الكتاب المهاجرون والانصار، ثمّ قال رسول الله (ص): يا علىّ (ع) انّك ابيت ان تمحو اسمى من النّبوّة فوالّذى بعثنى بالحقّ نبيّاً لتجيبنّ ابناءهم الى مثلها وانت مضيض مضطهد؛ فلمّا كان يوم صفّين ورضوا بالحكمين كتب: هذا ما اصطلح عليه امير المؤمنين علىّ بن ابى طالبٍ (ع) ومعاوية بن ابى سفيان، فقال عمرو بن العاص: لو علمنا انّك امير المؤمنين (ع) ما حار بناك ولكن اكتب هذا ما اصطلح عليه علىّ بن ابى طالب (ع) معاوية بن ابى سفيان، فقال امير المؤمنين (ع): صدق الله وصدق رسوله اخبرنى رسول الله (ص) بذلك، فلمّا كتبوا الكتاب قامت خزاعة فقالت: نحن فى عهد محمّدٍ (ص) وعقده، وقامت بنو بكر فقالت: نحن فى عهد قريشٍ وعقدها، وكتبوا نسختين نسخة عند رسول الله (ص) ونسخة عند سهيل بن عمرو، ورجع سهيل بن عمرو وحفص بن الاحنف الى قريشٍ فاخبراهم وقال رسول الله (ص) لاصحابه: انحروا بدنكم واحلقوا رؤسكم فامتنعوا وقالوا: كيف ننحر ونحلق ولم نطف بالبيت؟ - ولم نسع بين الصّفا والمروة؟! فاغتمّ لذلك رسول الله (ص) وشكا ذلك الى امّ سلمة، فقالت: يا رسول الله (ص) انحر انت واحلق فنحر رسول الله (ص) وحلق فنحر القوم على حيث يقين وشكّ وارتياب، فقال رسول الله (ص) تعظيماً للبدن: رحم الله المحلّقين، وقال قوم لم يسوقوا البدن: يا رسول الله والمقصّرين لانّ من لم يسق هدياً لم يجب عليه الحلق، فقال رسول الله (ص) ثانياً: رحم الله المحلّقين الّذين لم يسوقوا الهدى، فقالوا: يا رسول الله (ص) والمقصّرين، فقال: رحم الله المقصّرين، ثمّ رحل رسول الله (ص) نحو المدينة فرجع الى التّنعيم ونزل تحت الشّجرة فجاء اصحابه الّذين انكروا عليه الصّلح واعتذروا واظهروا النّدامة على ما كان منهم وسألوا رسول الله (ص) ان يستغفر لهم، فنزلت آية الرّضوان ". تفسير : اعلم، انّ اختلاف الاقوال والاخبار فى بيان هذا الفتح وتعليله بمغفرة الله ذنوبه المتقدّمة وذنوبه المتأخّرة وقول النّبىّ (ص) بعد نزول هذه الآية وهذه السّورة: "حديث : لقد نزلت علىّ آية هى احبّ الىّ من الدّنيا وما فيها"تفسير : ، وتعقيب غفرانه باتمام النّعمة والهداية والنّصر وانزال السّكينة كلّها يدلّ على انّ المراد بهذا الفتح ليس فتح مكّة ولا فتح خيبر ولا فتح سائر البلاد فقط بل المراد فتحٌ هو اصل سائر الفتوح وهو فتح باب الارواح الى الجبروت بل الى اللاّهوت، وفى هذا الفتح يكون جميع الفتوحات من فتح البلاد ومن ايصال النّعم الصّوريّة والمعنويّة والنّصر على الاعداء والحكم بينه وبين اعداءه وكيفيّة الحكومة بين الخلق والعلم بالاشياء، وبالجملة هذا الفتح هو الّذى يصير سبباً لغفران ذنوب من اتّصل به ودخل تحت لوائه كائناً من كان وان كان ذنوبه بعدد قطرات البحار واجزاء الرّمال ولذلك قال علىّ (ع): دينكم دينكم فانّ السّيّئة فيه مغفورة والحسنة فى غيره غير مقبولة، وهذا الفتح هو الّذى لا يبقى معه نقص وقصور لصاحبه، وبهذا الفتح يصير صاحبه خاتماً للكلّ فى الكلّ، وهذا الفتح هو الّذى يكون احبّ الاشياء الى صاحبه.
الأعقم
تفسير : {إنا فتحنا لك} يا محمد {فتحاً مبيناً} بيّنا لك في الفتح والنصر أي ظاهر قيل: هو فتح مكة عن جماعة من المفسرين منهم أبو علي قال نزل بعد رجوعه من الحديبيَّة كان بُشِّر في ذلك الوقت بفتح مكة، والحديبيَّة اسم بدر، والفتح الظفر بالبلد عنوةً أو صلحاً بحرب أو بغير حرب، وقيل: هو فتح الحديبية، ولم يكن فيه قتال شديد ولكن ترام بين القوم بسهام وحجارة، عن ابن عباس (رضي الله عنه): رموا المشركين حتى أدخلوهم ديارهم، قال الشعبي: نزلت بالحديبية يوم بيعة الرضوان وظهرت الروم على فارس وبلغ الهدي محله، وقيل: هو فتح خيبر {ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر}، قيل: تقدم قبل النبوة وما تأخر عنها، وقيل: هو على التقدير أي لو كان لك كل ذنب لغفرناه {ويتم نعمته عليك} بالنبوة والعلم، وقيل: في الدنيا بإظهارك على عدوك وفي الآخرة برفع محلك {ويهديك صراطاً مستقيماً} قيل: يدلك على الطريق المستقيم بألطافه {وينصرك الله نصراً عزيزاً} أي عالياً.
الهواري
تفسير : تفسير سورة الفتح، وهي مدنية كلها {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} قوله: {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا} قال بعضهم: هو فتح مكة. وقال الكلبي: هو فتح يوم الحديبية. ظهر فيه نبي الله على المشركين بعد حبس الهدي أن يبلغ مَحلّه، وظهر عليهم المسلمون حتى دخلوا دورهم وسأل المشركون الصلح. وتفسير هذا الظهور بعد هذا الموضع. وتفسير مجاهد: إنه نحره بالحديبية وحلقه رأسه. ذكروا عن أنس بن مالك أن هذه الآية {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا} نزلت على النبي عليه السلام مرجعَه من الحديبية، وأصحابه مخالطو الحزن والكآبة، قد حيل بينهم وبين مناسكهم، ونحروا الهدي بالحديبية، فقال: لقد نزلت عليّ آية لهي أحَبّ إلي من الدنيا جميعاً. فتلاها عليهم رسول الله فقال رجل من القوم: هنيئاً مريئاً لك يا رسول الله، لقد بيّن الله لنا ما يفعل بك، فماذا يفعل بنا. فأنزل الله {لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ}... إلى آخر الآية.
اطفيش
تفسير : بسم الله الرحمن الرحيم {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً} هو فتح مكة عند أنس في رواية قتادة وعده به وعبر بالماضي لتحقق الوقوع وفيه ما لا يخفى من عظمة المخبر و (الفتح) الظفر بالبلد عنوة أو صلحاً بحرب أو بغيرها لأنه متعلق ما لم يظفر به فاذا ظفر به وحصل في اليد فقد فتح وكأنه قال سنفتح لك أو المراد قضينا لك بفتح مكة وقيل بفتح الحديبية ولم يكن فيه قتال شديد ولكن ترمى بسهام وحجارة وأدخلوا المشركين ديارهم وظهروا عليهم حتى سألو الصلح وهو قول الجمهور وهو الصحيح عند بعض وهو مروي عن أنس وإنما كان فتحاً وقد أحصروا ونحروا وحلقوا بالحديبية لأن هذا بالحديبية قبل الهدنة فلما طلبوها وتمت كانت فتحا والفتح فتح المستصعب وكان الصلح مع المشركين مستصعبا يوم الحديبية متعذرا سهله الله وعليه والشعبي أيضا قال أصاب فيها ما لم يصب في غيرها بويع بيعة الرضوان وغفر له ما تقدم وما تأخر وظهرت الروم وهم أهل كتاب على فارس وهم مجوس وفرح المؤمنون وقد عرف كونه فتحا لرسول الله صلى الله عليه وسلم في سورة عليين وتسبب لصلح مكة وفرغ به لسائر العرب وفتح مواضع ودخل في الاسلام خلق عظيم وبلغ الهدي محله واطعموا نخيل خيبر وعليه الزهري أيضا قال لم يكن فتح أعظم من صلح الحديبية اختلط المشركون بالمسلمين فدخل الاسلام قلوبهم فدخل في ثلاث سنين في الاسلام خلق كثير فعز الاسلام وعليه البراء أيضا قال تعدون الفتح فتح مكة ونحن نعد الفتح بيعة الرضوان كنا أربع عشرة مائة وكانت له فيها آية عظيمة وذلك أن الحديبية بئر نفذ ماؤها أو قل في ذلك الموضع بل روي أنه لا قطرة فيها فتمضمض صلى الله عليه وسلم ثم مجه فيها فدرت بالماء حتى شرب جميع من كان معه وقيل ارتفع الماء حتى امتلأت ولم ينفد ماؤها بعد وروي أنه جلس على شفيرها فدعا باناء فتوضأ ومضمض ودعا وصبه فيها فتركها غير بعيد ثم صدرتهم ومواشيهم وركابهم وقال ابن اسحاق لما بلغ ثنية المرار بركت ناقته فقال الناس خلات القصوى فقال صلى الله عليه وسلم "حديث : ما خلات وما هو لها يخلق ولكن حبسها حابس الفيل والذي نفسي بيده لا تدعوني قريش اليوم الى خطة يسألون فيها صلة الرحم الا أعطيتهم اياها" تفسير : ثم قال للناس انزلو فقالوا يا رسول الله ما بالوادي من ماء ينزل عليه فأخرج سهما من كنانته فأعطاه رجلا من أصحابه اسمه ناجية بن عمرو وهو قائد بدنه فنزل في قليب من تلك القلب فغرزه فيه فجاش بالرواء حتى ضرب الناس عنه بعطن ودخل في الاسلام في السنتين أكثر مما دخل قبل وقد وافى الحديبية باربع عشرة مائة وفتح مكة بعده بسنتين في عشرة آلاف وقيل الحديبية شجرة حدباء هناك وأقبل صلى الله عليه وسلم من الحديبية فقال رجل من أصحابه ما هذا الفتح لقد صدونا عن البيت وصد هدينا فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم فقال "حديث : ليس الكلام هذا بل هو أعظم الفتوح وقد رأوا منكم ما كرهوا ورغبوا في الصلح" تفسير : وعليه جابر بن عبدالله أيضا وقال مجاهد فتح خيبر وقيل فتح الروم وفارس وسائر بلاد الاسلام التي يفتحها الله له بالاسلام والدعوة والسيف لا فتح أعظم منه وأبين وهو رأس الفتوح وكل فتح متشعب منه وقال قتادة قضينا لك على أهل مكة قضاءً بينا ان تدخلها أنت وأصحابك من قابل تطوف بالبيت
اطفيش
تفسير : هذا الفتح هو صلح الحديبية عند الجمهور، وهو قول ابن عباس وأنس، أخبر الله تعالى به مؤكدا بأن، وبأنه فتح مبين، أى ظاهرا او مظهرا للحق لوجوه منها: أن بعض الصحابة قال: والله ما هذا بفتح، صددنا نحن وهَديُنا عن البيت، ورد رسول الله صلى الله عليه وسلم الى مكة رجلين مسلمين هجرا منها حين أقام بالحديبية كارها، فقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : بل أعظم الفتح رأى المشركون منهم ما كرهوا، وأذعنوا للصلح، ورغبوا في الأمان إليكم، أنسيتم يوم أحد {إذْ تصعدون ولا تلوون} الآية أنسيتم يوم الأحزاب: {إذْ جاءوكم من فوقكم} الآية" تفسير : فقال المسلمون: صدق الله ورسوله هو أعظم الفتوح، والله يا رسول الله، ما فكرنا فيما قلت، ولأنت أعلم بالله وبالأمور منا. ومنها: أنه تعالى أخبر به امتناناً. ومنها: أن بعض الصحابة وغيرهم بعد لم يحضر الفتح، ففى هذا اخبار لهم. ومنها: أن الحاضرين فى الحديبية علموا الصلح ولم يعلموا أنه فتح، أو علموا انه فتح، ولم يعملوا عظم شأنه، فأخبرهم الله تعالى بعظم شأنه، ألا ترى الى ضمير العظمة. ومنها: أنه تعالى أخبر بذلك ليبدلهم على أنه للمغفرة، واتمام النعمة، والنصر العزيز المذكور بعد، ولا يصح ما قيل انه لازم الفائدة كقولك: قام زيد، ليعلم سامعك أنك عالم بقيامه. وسمى الصلح فتحا لاشتراك الصلح والفتح فى الظهور، لأن المشركين ابتدءوا به وسألوه، وذلك ذل منهم، قال الكلبى: ما سألوا الصلح الا بعد أن ظهر المسلمون عليهم، وعن ابن عباس: رماهم المسلمون بالنبل والحجارة حتى أدخلوهم ديارهم، وأيضا سمى فتحا لأنه سبب لفتح مكة. قال الزهرى: لم يكن فتح اعظم من صلح الحديبية، سمعوا كلام المسلمين، وتمكن الاسلام فى قلوبهم، وأسلم فى ثلاث سنين من يومها خلق كثير، قال مجمع بن حارثة الأنصارى: شهدنا الحديبية مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما انصرفنا عنها اذا الناس يهزون الأباعر، فقال بعض: ما بال الناس؟ فقال: أوحى الى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فخرجنا نرجف، فوجدنا النبى صلى الله عليه وسلم واقفاً على راحلته عند كراع العميم، فلما اجتمع الناس قرأ: "إنا فتحنا لك فتحا مُبينا" فقال عمر: اهو فتح يا رسول الله؟ قال: "حديث : نعم والذي نفسي بيده ". تفسير : قال القرطبى: فتحو مكة بعشرة آلاف فى السنة الثالثة، وليس المراد فتح خيبر، لأنه ذكر بعد، ولا فتح مكة لذكره بقوله تعالى: "أية : لقد صدق الله رسوله الرؤيا" تفسير : [الفتح: 27] الخ وقيل فتح فارس والروم، وما يفتح بعده على أيدى الصحابة ومن بعدهم، كالمغرب الأدنى والأوسط والأقصى، إلا أنه ما دخل أندلس من الصحابة إلا واحد اسمه المنيذ، فالمضى لتحقق الوقوع، ومزيد التبشير، أو على ظاهره باعتبار ثبوته عند الله عز وجل فى الأزل، وفى اللوح، وهكذا كل مضى فى القرآن بحسب الامكان. وقال مجاهد: انه فتح خيبر، وهى مدينة كبيرة ذات حصون ومزارع، على ثمانية برد من المدينة الى جهة الشام، وفتحها على أيدى من حضر الحديبية وحدهم، بعد حصرها بضع عشرة ليلة، فى بقية المحرم سنة سبع، وقال مالك: آخر سنة ست، وعليه ابن حزم، وجمع بأنه فى آخرها، وأول سنة سبع، أو من قال سنة ست ابتدأ الحساب للسنة من شهر ربيع، وقيل هو فتح مكة، وان عيه الجمهور، وهو الفتح الأعظم الذى استبشر به أهل السماء، ودخل به الناس أفواجا فى دين الله، وكان بعشرة آلاف، وقيل باثنى عشر، ويجمع بأنه خرج لليلتين مضتا من رمضان بما دون الاثنى عشر، فتلاحق به ألفان فى الطريق، وحين أقام على حصارها، وفتحت لثلاث عشرة ليلة من رمضان، وقيل: فى عشر بقيت منه. وفتحها صلح لقوله فى مر الظهران: "حديث : من دخل دار أبي سفيان فهو آمن ومن دخل المسجد فهو آمن" تفسير : رواه أحمد، نادى بذلك أبو سفيان باذن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولما قال: "من دخل دار أبي سفيان فهو آمن" أخذت امرأة بشاربه أو امرأته فقالت: ما تغنى عنا دارك، فقال: لا تغرنكم هذه، وفى رواية زيادة: ومن أغلق بابه على نفسه فهو آمن" وذلك عند الشافعى. وقيل: عنوة للتصريح بالأمر بالقتال، ووقوعه من خالد، وشهر أنه نهى عنه، ولام خالد فأجاب: بأنهم تعرضوا لى، وعنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : أحلت لي ساعة من نهار" تفسير : ولا نسلم أن التأمين صلح، لأنه على خصوص، فهو دليل على العنوة على غير الخاص، وعدم القسمة عفو عنهم، وأقام بعد الفتح خمس عشرة ليلة، أو سبع عشرة أو ثمانى عشرة أو تسع عشرة روايات، ويروى أنه فتح مكة وغنم وأصابوا أضعاف ما أنفقوا، ولو بخلوا ما اصابوا ذلك ولم يهنوا، وهم الأعلون بفتح مكة، ولم يدعوا الى السَّلم، بل المشركون دعوا اليه، والله معهم، ويجوز تقدير الارادة أى انا أردنا لك الفتح فتحا مبينا، فيصدق بما استقبل أى أردنا لك فتح مكة بفتح الحديبية، وأخر المفعول المطلق مع أنه يتقدم اذا اجتمع مع غيره، لطريق الاهتمام بخطاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وتبشيره، ولأنه قطب رحا الفتح، ونصر الدين. قال ابن عربى فى الفتوحات، وهو المسمى عن قومنا بالشيخ الأكبر ما نصه: ولقد كنت بفاس سنة احدى وتسعين وخمسمائة، وعساكر الموحدين قد عبرت الى أندلس لقتال العدو حين استفحل أمره على الاسلام، فلقيت رجلا من رجال الله، ولا أزكى على الله أحدا، وكان من أخص أودَّائى فقال: ما تقول فى هذا الجيش؟ هل يفتح له وينصر فى هذه السنة؟ فقلت: ما عندك؟ فقال: إن الله تعالى قد ذكره فى كتابه لنبيه صلى الله عليه وسلم فى قوله تعالى: {إنا فتحنا لك فتحا مبينا} عدد فتحا مبينا بحساب الجملة فوجدت الفتح سنة احدى وتسعين وخمسمائة، ثم جزت الى أندلس، وقد نصر الله تعالى جيش المسلمين، وفتح الله تعالى قلعة رباح والأركو وكركر، أو ما انضاف الى هذه القلاع من الولايات، هذا عاينته من الفتح ممن هذه صفته، فأخذت للفاء ثمانين، وللتاء أربعمائة، وللحاء ثمانية وللألف واحداً، وللميم أربعين، وللباء اثنين، وللياء عشرة، وللنون خمسين، وذلك احدى وتسعون وخمسمائة، وهى سنو الهجرة الى هذه السنة، فهذا من الفتح الالهى لهذا الشخص انتهى.
الالوسي
تفسير : {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ } إخبار عن صلح الحديبية عند الجمهور وروي ذلك عن ابن عباس وأنس والشعبـي والزهري قال ابن عطية: وهو الصحيح. وأصل الفتح إزالة الاغلاق، ((وفتح البلد كما في «الكشاف» الظفر به عنوة أو صلحاً بحرب أو بغيره لأنه منغلق ما لم يظفر به فإذا ظفر به وحصل في اليد فقد فتح))، وسمي ذلك الصلح فتحاً لاشتراكهما في الظهور والغلبة على المشركين فإنهم كما قال الكلبـي ما سألوا الصلح إلا بعد أن ظهر المسلمون عليهم، وعن ابن عباس أن المسلمين رموهم أي بسهام وحجارة كما قيل حتى أدخلوهم ديارهم أو لأن ذلك الصلح صار سبباً لفتح مكة. قال الزهري: لم يكن فتح أعظم من صلح الحديبية اختلط المشركون بالمسلمين وسمعوا كلامهم وتمكن الإسلام من قلوبهم وأسلم في ثلاث سنين خلق كثير وكثر بهم سواد الإسلام، قال القرطبـي: فما مضت تلك السنون إلا والمسلمون قد جاؤا إلى مكة في عشرة آلاف ففتحوها. والتسمية على الأول من باب الاستعارة التبعية كيفما قررت، وعلى الثاني من باب المجاز المرسل سواء قلنا إنه في مثل ما ذكر تبعي أم لا حيث سمي السبب باسم المسبب، ولا مانع من أن يكون بين شيئين نوعان من العلاقة فيكون استعمال أحدهما في الآخر باعتبار كل نوعاً من المجاز كما في المشفر والشفة الغليظة لإنسان. وإسناد الفتح المراد به الصلح الذي هو فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم إليه عز وجل مجاز من إسناد ما للقابل للفاعل الموجد، وفي ذلك من تعظيم شأن الصلح والرسول عليه الصلاة والسلام ما فيه. لا يقال: قد تقرر في الكلام أن الأفعال كلها مخلوقة له تعالى فنسبة الصلح إليه سبحانه إسناد إلى ما هو له فلا مجاز لأنا نقول: ما هو له عبارة عما كان الفعل حقه أن يسند إليه في العرف سواء كان مخلوقاً له تعالى أو لغيره عز وجل كما صرح به السعد في «المطول» وكيف لا ولو كان كذلك لكان إسناد جميع الأفعال إلى غيره تعالى مجازاً وإليه تعالى حقيقة كالصلاة والصيام وغيرهما. / وقال المحقق ميرزاجان: يمكن توجيه ما في الآية الكريمة على أنه استعارة مكنية أو على أن يراد خلق الصلح وإيجاده أو على أن يكون المجاز في الهيئة التركيبية الموضوعة للإسناد إلى ما هو له فاستعملت في الإسناد إلى غيره أو على أن يكون من قبيل الاستعارة التمثيلية، والأوجه الأربعة جارية في كل ما كان من قبيل المجاز العقلي كأنبت الربيع البقل، وقد صرح القوم بالثلاثة الأول منها، وزعم بعض أن الصلح مما يسند إليه تعالى حقيقة فلا يحتاج إلى شيء من ذلك وفيه مافيه، ويجوز أن يكون ذلك إخباراً عن جعل المشركين في الحديبية مغلوبين خائفين طالبين للصلح ويكون الفتح مجازاً عن ذلك وإسناده إليه تعالى حقيقة. وقد خفي كون ما كان في الحديبية فتحاً على بعض الصحابة حتى بينه عليه الصلاة والسلام. أخرج البيهقي عن عروة قال: «حديث : أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم من الحديبية راجعاً فقال رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: «والله ما هذا بفتح لقد صُددنا عن البيت وصُدَّ هَدْينا وعكف رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحديبية ورد رجلين من المسلمين خرجا فبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك فقال: بئس الكلام هذا بل هو أعظم الفتح لقد رضي المشركون أن يدفعوكم بالراح عن بلادكم ويسألونكم القضية ويرغبون إليكم في الأمان وقد كرهوا منكم ما كرهوا، وقد أظفركم الله عليهم وردكم سالمين غانمين مأجورين فهذا أعظم الفتح، أنسيتم يوم أحد إذا تصعدون ولا تلوون على أحد وأنا أدعوكم في أُخراكم؟ أنسيتم يوم الأحزاب إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذا زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا؟ قال المسلمون: صدق الله ورسوله هو أعظم الفتوح والله يا نبـي الله ما فكرنا فيما فكرت ولأنت أعلم بالله وبالأمور منا»تفسير : وفائدة الخبر بالفتح على الوجهين بالنسبة إلى غيره عليه الصلاة والسلام لأنه صلى الله تعالى عليه وسلم يعلم ذلك وكذا يعلم لازم الفائدة كذا قيل. وحمل الغير على من لم يحضر الفتح من الصحابة وغيرهم لأن الحاضرين علموا ذلك قبل النزول، وقيل: الحاضر إنما علم وقوع الصلح أو كون المشركين بحيث طلبوه ولم يعلم كونه فتحاً كما يشعر به الخبر، وإن سلم أنه علم ذلك لكنه لم يعلم عظم شأنه على ما يشعر به إسناده إلى نون العظمة والإخبار به بذلك الاعتبار. وقال بعض المحققين: لعل المقصود بالإفادة كون ذلك للمغفرة وما عطف عليها فيجوز أن تكون الفائدة بالنسبة إليه صلى الله عليه وسلم أيضاً، وأقول: قد صرحوا بأنه كثيراً ما تورد الجملة الخبرية لأغراض أخر سوى إفادة الحكم أو لازمه نحو {أية : رَبّ إِنّي وَضَعْتُهَا أُنثَىٰ } تفسير : [آل عمران: 36] {أية : رَبّ إِنّي وَهَنَ ٱلْعَظْمُ مِنّي } تفسير : [مريم: 4] {أية : لاَّ يَسْتَوِي ٱلْقَـٰعِدُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ } تفسير : [النساء: 95] الآية إلى غير ذلك مما لا يحصى فيجوز أن يكون الغرض من إيرادها هٰهنا الامتنان دون إفادة الحكم أو لازمه ولا مجاز في ذلك ونحوه على ما أشار إليه العلامة عبد الحكيم السيالكوتي في «حواشيه على المطول». وصرح في «الرسالة الجندية» بأن الهيئة التركيبية الخبرية في نحو ذلك منقولة إلى الإنشائية وأن المجاز في الهيئة فقط لا في الأطراف ولا في المجموع وهو مجاز مفرد عند صاحب الرسالة، والكلمة أعظم من اللفظ الحقيقي والحكمي، وبعضهم يقول هو مجاز مركب ولا ينحصر في التمثيلية، وتحقيقه في موضعه. والتأكيد بإن للاعتناء لا لرد الإنكار وقيل لأن الحكم لعظم شأنه مظنة للإنكار، وقيل: لأن بعض السامعين منكر كون ما وقع فتحاً، ويقال في تكرير الحكم نحو ذلك. وقال مجاهد: المراد بالفتح فتح خيبر وهي مدينة كبيرة ذات حصون ومزارع على ثمانية برد من المدينة إلى جهة الشام، وكان خروج النبـي صلى الله تعالى عليه وسلم - كما قال ابن إسحٰق ورجحه الحافظ ابن حجر - في بقية المحرم سنة سبع وأقام يحاصرها بضع عشرة ليلة إلى أن فتحها / ونقل عن مالك وجزم به ابن حزم أنه كان في آخر سنة ست، وجمع بأن من أطلق سنة ست بناه على أن ابتداء السنة من شهر الهجرة الحقيقي وهو شهر ربيع الأول، وقول الشيخ أبـي حامد في «التعليقة»: إن غزوة خيبر كانت سنة خمس وهم، وقول ابن سعد وابن أبـي شيبة رواية عن أبـي سعيد الخدري، إنها كانت لثمان عشرة من رمضان خطأ، ولعل الأصل كانت حنين فحرف ومع هذا يحتاج إلى توجيه. وقد فتحت على أيدي أهل الحديبية لم يشركهم أحد من المتخلفين عنها فالفتح على حقيقته وإسناده إليه تعالى على حد ما سمعت فيما تقدم، والتأكيد بإن وتكرير الحكم للاعتناء، والتعبير عن ذلك بالماضي مع أنه لم يكن واقعاً يوم النزول بناء على ما روي عن المسور بن مخرمة من أن السورة نزلت من أولها إلى آخرها بين مكة والمدينة من باب مجاز المشارفة نحو «من قتل قتيلاً» على المشهور أو الأول نحو {أية : إِنّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا } تفسير : [يوسف: 36] ولا يضر اختلافهما في الفعلية والاسمية؛ وفيه وجه آخر يعلم مما سيأتي إن شاء الله تعالى. وذهب جماعة إلى أنه فتح مكة وهو كما في «زاد المعاد» الفتح الأعظم الذي أعز الله تعالى به دينه واستنقذ به بلده وطهر حرمه واستبشر به أهل السماء وضربت أطناب عزه على مناكب الجوزاء ودخل الناس بعده في دين الله عز وجل أفواجاً وأشرق وجه الدهر ضياء وابتهاجاً، وكان سنة ثمان وفي رواية ونصف، وقد خرج رسول الله تعالى صلى الله عليه وسلم على ما أخرجه أحمد بإسناد صحيح عن أبـي سعيد لليلتين خلتا من شهر رمضان، وفتح مكة لثلاث عشرة خلت منه على ما روي عن الزهري، وروي عن جماعة أنه كان الفتح في عشر بقيت من شهر رمضان وقيل غير ذلك، وكان معه صلى الله عليه وسلم من المسلمين عشرة آلاف وقيل: إثنا عشر ألفاً والجمع ممكن، وكان الفتح عند الشافعي صلحاً وهي رواية عن أحمد للتأمين في مر الظهران بـ «من دخل دار أبـي سفيان فهو آمن ومن دخل المسجد فهو آمن»، ولعدم قسمة الدُّور بين الغانمين، وذهب الأكثرون إلى أنه عنوة للتصريح بالأمر بالقتال ووقوعه من خالد بن الوليد وقوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : أحلت لي ساعة من نهار»تفسير : ولا يسمى ذلك التأمين صلحاً إلا إذا التزم من أشير إليه به الكف عن القتال، والأخبار الصحيحة ظاهرة في أن قريشاً لم يلتزموا، وترك القسمة لا يستلزم عدم العنوة فقد تفتح البلدة عنوة ويمن على أهلها وتترك لهم دورهم. وأقام عليه الصلاة والسلام بعد الفتح خمس عشرة ليلة في رواية البخاري وسبع عشرة في رواية أبـي داود وثمان عشرة في رواية الترمذي، وتسع عشرة في رواية بعض، وتمام الكلام في كتب السير، واستظهر هذا القول أبو حيان وذكر ((أنه المناسب لآخر السورة التي قبل لما قال سبحانه: {أية : هَاأَنتُمْ هَـؤُلاَء تُدْعَوْنَ } تفسير : [محمد: 38] الآية فبين جل وعلا أنه فتح لهم مكة وغنموا وحصل لهم أضعاف ما أنفقوا ولو بخلوا لضاع عليهم ذلك فلا يكون بخلهم إلا على أنفسهم، وأيضاً لما قال سبحانه: {أية : وَأَنتُمُ ٱلأَعْْلَوْنَ وَٱللَّهُ مَعَكُمْ } تفسير : [محمد: 35] بين تعالى برهانه بفتح مكة فإنهم كانوا هم الأعلين، وأيضاً لما قال تعالى: {أية : فَلاَ تَهِنُواْ وَتَدْعُواْ إِلَى ٱلسَّلْمِ } تفسير : [محمد: 35] كان ذلك في فتح مكة ظاهراً حيث لم يلحقهم وهن ولا دُعوا إلى الصلح بل أتى صناديد قريش مستأمنين مستسلمين))، وهذا ظاهر بالنسبة إلى القول بأن المراد به فتح الحديبية، وأما على القول بأن المراد به فتح خيبر فليس كذلك. ورجع بعضهم القول بأنه صلح الحديبية على القول بأنه فتح مكة بأن وعد فتح مكة يجيء صريحاً في هذه السورة الكريمة وذلك قوله تعالى: {أية : لَّقَدْ صَدَقَ ٱللَّهُ رَسُولَهُ ٱلرُّؤْيَا بِٱلْحَقّ لَتَدْخُلُنَّ ٱلْمَسْجِدَ ٱلْحَرَامَ إِن شَاء ٱللَّهُ ءامِنِينَ } تفسير : [الفتح: 27] الآية فلو حمل هذا الفتح عليه لكان تأكيداً بخلاف ما إذا حمل على صلح الحديبية فإنه يكون تأسيساً والتأسيس خير من التأكيد، ورجحه بعض على القول بأنه فتح خيبر بمثل هذا لأن فتح خيبر مذكور فيما بعد أيضاً، وللبحث في ذلك مجال، وإن والتكرير لما تقدم، وكذا الإسناد إلى ضمير العظمة بل هذا الفتح أولى / بالاعتناء وتعظيم الشأن حتى قيل: إن إسناده إليه تعالى لكونه من الأمور الغريبة العجيبة التي يخلقها الله تعالى على يد أنبيائه عليهم السلام كالرمي بالحصى المشار إليه بقوله تعالى: {أية : وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ } تفسير : [الأنفال: 17] وهذا خلاف الظاهر، والمشهور أن في الكلام مجازاً عقلياً وفيه الاحتمالات السابقة. وقال بعض المحققين: يمكن أن يقال: لعل الإرادة هنا معتبرة إما على سبيل الحذف أو على المجاز المرسل كما في قوله تعالى: {أية : إِذَا قُمْتُمْ إِلَى ٱلصَّلاةِ} تفسير : [المائدة: 6] الآية، وقوله تعالى: {أية : فَإِذَا قَرَأْتَ ٱلْقُرْءانَ فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ } تفسير : [النحل: 98] عند أكثر الأئمة، ومثل هذا التأويل قيل: مطرد في الأفعال الاختيارية، وزعم بعضهم أن الفتح مجاز عن تيسيره، وذكر بعض الصدور في توجيه التأكيد بأن هٰهنا أنه قد يجعل غير السائل بمنزلة السائل إذا قدم إليه ما يلوح به بالخبر، وصرحوا بأن الملوح لا يلزم أن يكون كلاماً، وقد ذكر غير واحد من المفسرين وغيرهم أنه عليه الصلاة والسلام رأى في المنام أنه وأصحابه رضي الله تعالى عنهم دخلوا مكة آمنين فصار المقام مقام أن يتردد في الفتح فألقى إليه عليه الصلاة والسلام الكلام مؤكداً كما يلقى إلى السائل كذلك، وجوز أن يكون لرد الإنكار بناء على تحققه من المشركين فإنهم كانوا يزعمون أنه صلى الله عليه وسلم لا يستولي على مكة كما لم يستول عليها من أراد الاستيلاء عليها قبله عليه الصلاة والسلام وهو كما ترى. وذكر بعض أجلة القائلين بأن المراد به فتح مكة أن الكلام وعد بفتحها فقيل إن الجملة حينئذ إخبار، وقيل: إنها إنشاء، واستشكل بما صرح به الرضي من أن الجمل الإنشائية منحصرة بالاستقراء في الطلبية والإيقاعية والوعد ليس شيئاً منهما أما الأول فظاهر، وأما الثاني فلأن مجرد قولك لأكرمنك مثلاً لا يقع به الإكرام، وقال بعض الصدور إن كلامهم مضطرب في كون الوعد إنشاء أو إخباراً، ويمكن التوفيق بأن يقال: أصل الوعد إنشاء لأنه إظهار أمر في النفس يوجب سرور المخاطب وما يتعلق به الوعد وهو الموعود إخبار، نظيره قول النحاة كأن لإنشاء التشبيه مع أن مدخولها جملة خبرية. وقال الخفاجي: هذا ناشيء من عدم فهم المراد منه، فإن قيل: المراد من لأكرمنك مثلاً إكرام في المستقبل فهو خبر بلا مرية، وإن قيل: معناه العزم على إكرامه وتعجيل المسرة له بإعلامه فهو إنشاء، وأقول لا يخفى أن الإخبار أصل للإنشاء، وقد صرح بذلك العلامة التفتازاني في «المطول» وليست هيئة المركب دالة على أنه إنشاء وليس فيه ما يدل بمادته على ذلك فيمكن أن يقال: إنه إخبار قصد به تعجيل المسرة وإن ذلك لا يخرج عن الإخبار نظير ما قيل في قوله تعالى: {أية : رَبّ إِنّي وَضَعْتُهَا أُنثَىٰ } تفسير : [آل عمران: 36] ونحوه فتدبر. والتعبير عن ذلك بالماضي لتحققه، وفيه من تسلية قلوب الأصحاب وتسليتهم حيث صاروا محزونين غاية الحزن من تأخير الفتح ما فيه، وهذا التعبير من قبيل الاستعارة التبعية على ما حققه السيد السند في «حواشي المطول» حيث قال: اعلم أن التعبير عن المضارع بالماضي وعكسه يعد من باب الاستعارة بأن يشبه غير الحاصل بالحاصل في تحقق الوقوع ويشبه الماضي بالحاضر في كونه نصب العين واجب المشاهدة ثم يستعار لفظ أحدهما للآخر فعلى هذا تكون استعارة الفعل على قسمين. أحدهما: أن يشبه الضرب الشديد مثلاً بالقتل ويستعار له اسمه ثم يشتق منه قتل بمعنى ضرب ضرباً شديداً. والثاني: أن يشبه الضرب المستقبل بالضرب في الماضي مثلاً في تحقق الوقوع فيستعمل فيه ضرب فيكون المعنى المصدري أعني الضرب موجوداً في كل واحد من المشبه والمشبه به لكنه قيد في كل منهما بقيد يغاير الآخر فصح التشبيه لذلك. وقال المحقق ميرزاجان يمكن توجيه الاستعارة هٰهنا بوجه آخر وهو أن يشبه الزمان المستقبل بالزمان الماضي ووجه الشبه أنه كما أن الثاني ظرف أمر محقق الوقوع كذلك الزمان الأول واللفظ الدال على الزمان الثاني وهو لفظ / الفعل الماضي من جهة الصيغة جعل دالاً على الزمان المستقبل مستعملاً فيه، ومن البين أن المصدر على حاله لم يتغير معناه فكانت الاستعارة في الصيغة والهيئة أولى لأنها الدالة على الزمان الماضي وبواسطتها كانت الاستعارة في الفعل كما كانت الاستعارة في الفعل بواسطة المصدر، والفرق أن هذه الاستعارة في الفعل بواسطة جوهره ومادته وفيما نحن فيه بواسطة صورته، لا يقال: الدال على الزمان هو نفس اللفظ المشتق لا جزؤه لأنا نقول: يجري هذا الاحتمال في الاستعارة التبعية المشهورة بأن يقال: الدال على المعنى الحدثي هو نفس اللفظ المشتق لا جزؤه لأن المصدر بصيغته غير متحقق في المشتق فإن الضرب غير موجود في ضارب وضرب. فإن قلت: المصدر لفظ مستقل يمكن التعبير به عن معناه بخلاف الهيئة قلت: لفظ الزمان الماضي أيضاً كذلك فلا فرق ولو سلم نقول في كل منهما: نستعير المعنى المطابقي للفظ الفعل بواسطة المعنى التضمني له، ولا يبعد أن يسمى مثل هذا استعارة تبعية، والأمر في التسمية هين لا اعتداد بشأنه، ولعلهم إنما جعلوا الاستعارة في مثل ذلك بواسطة المصدر واعتبروا التغاير الاعتباري ولم يعتبروا ما اعتبرنا من تشبيه نفس الزمان بالزمان حتى تصير الاستعارة في الفعل تبعية بلا تكلف رعاية لطي النشر بقدر الإمكان وأيضاً في كون الصيغة والهيئة جزأ للفظ تأمل، وأيضاً الهيئة ليست جزأ مستقلاً كالمصدر، وأيضاً الهيئة ليست لفظاً والاستعارة قسم للفظ، ولعل القوم لهذه كلها أو بعضها لم يلتفتوا إليه انتهى، وفيه بحث. وللفاضل مير صدر الدين «رسالة» في هذه الآية الكريمة تعرض فيها للمحقق في هذا المقام، وتعقبها الفاضل يوسف القرباغي «برسالة» أطال الكلام فيها وجرح وعدل وذكر عدة احتمالات في الاستعارة التبعية، ومال إلى أن الهيئة لفظ محتجاً بما نقله من «شرح المختصر العضدي» ومن «شرح الشرح» للعلامة التفتازاني وأيده بنقول أخر فليراجع ذلك فإنه وإن كان في بعضه نظر لا يخلو عن فائدة. والذي يترجح عندي أن الهيئة ليست بلفظ لكنها في حكمه وأنه قد يتصرف فيها بالتجوز كما في الخبر إذا استعمل في الإنشاء وأن المجاز المرسل يكون تبعياً بناء على ما ذكروه في وجه التبعية في الاستعارة، وقول الصدر في الفرق: إن العلاقة في الاستعارة ملحوظة حين الإطلاق فإنهم صرحوا بأن اسم المشبه به لا يطلق على المشبه إلا بعد دخوله في جنس المشبه به بخلاف المرسل فإن العلاقة باعثة للانتقال وليست ملحوظة حين الاستعمال فلا ضرورة في القول بالتبعية فيه إن تم - لا يجدي نفعاً فافهم. وزعم بعضهم أن التعبير بالماضي هٰهنا على حقيقته بناء على أن الفتح مجاز عن تيسيره وتسهيله وهو مما لا يتوقف على حصول الفتح ووقوعه ليكون مستقبلاً بالنسبة إلى زمن النزول مثله ألا ترى أن موسى عليه الصلاة والسلام سأل ربه تعالى بقوله: {أية : وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي } تفسير : [طه: 26] أن يسهل أمره وهو خلافته في أرضه وما يصحبها، وأجيب إليه في موقف السؤال بقوله تعالى: {أية : قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يٰمُوسَىٰ } تفسير : [طه: 36] ولم يباشر بعد شيئاً، وحمله على الوعد بإيتاء السؤال خلاف الظاهر، وأنت تعلم أن ما ذهب إليه الجمهور أظهر وأبلغ. وفي مجيء المستقبل بصيغة الماضي لتنزيله منزلة المحقق من الفخامة والدلالة على علو شأن المخبر ما لا يخفى كما في «الكشاف»، وذلك على ما قيل لأنه يدل على أن الأزمنة كلها عنده تعالى على السواء وأن منتظره كمحقق غيره وأنه سبحانه إذا أراد أمراً تحقق لا محالة وأنه لجلالة شأنه إذا أخبر عن حادث فهو كالكائن لما عنده من أسبابه القريبة والبعيدة، وقيل غير ذلك. واستشكل أمر المضي في كلامه تعالى بناء على ثبوت الكلام النفسي الأزلي للزوم الكذب لأن صدق الكلام يستدعي سبق وقوع النسبة ولا يتصور السبق على الأزل، وأجيب بأن كلامه تعالى النفسي الأزلي لا يتصف بالماضي وغيره لعدم الزمان. وتعقب بأن تحقق / هذا مع القول بأن الأزلي مدلول اللفظي عسير جداً، وكذا القول بأن المتصف بالمضي وغيره إنما هو اللفظ الحادث دون المعنى القديم. وأجاب بعضهم بأن العسر لو كان دلالة اللفظي عليه دلالة الموضوع على الموضوع له وليس كذلك عندهم بل هي دلالة الأثر على المؤثر، ولا يلزم من اعتبار شيء في الأثر اعتباره في المؤثر، ولا يخفى أن كون الدلالة دلالة الأثر على المؤثر خلاف الظاهر. وقال ابن الصدر في ذلك: إن اشتمال الكلام اللفظي على المضي والحضور والاستقبال إنما هو بالنظر إلى زمان المخاطب لا إلى زمان المتكلم كما إذا أرسلت زيداً إلى عمرو تكتب في مكتوبك إليه إني أرسلت إليك زيداً مع أنه حين ما تكتبه لم يتحقق الإرسال فتلاحظ حال المخاطب، وكما تقدر في نفسك مخاطباً وتقول: لم تفعل الآن كذا وكان قبل ذلك كذا، ولا شك أن هذا المضي والحضور والاستقبال بالنسبة إلى زمان الوجود المقدر لهذا المخاطب لا بالنسبة إلى زمان المتكلم بالكلام النفسي لكونه متوجهاً لمخاطب مقدر لا يلاحظ فيه إلا أزمنة المخاطبين المقدرين، وما اعتبره أئمة العربية من حكاية الحال الماضية واعتبار المضي والحضور والاستقبال في الجملة الحالية بالقياس إلى زمان الفعل لا زمان التكلم قريب منه جداً انتهى. وللمحقق ميرزاجان كلام في هذا المقام يطلب من «حواشيه على الشرح العضدي». وقيل: المراد بالفتح فتح الروم على إضافة المصدر إلى الفاعل فإنهم غلبوا على الفرس في عام النزول، وكونه فتحاً له عليه الصلاة والسلام لأنه أخبر عن الغيب فتحقق ما أخبر به في ذلك العام ولأنه تفاءل به لغلبة أهل الكتاب المؤمنين وفي ذلك من ظهور أمره صلى الله عليه وسلم ما هو بمنزلة الفتح، قيل: ففي الفتح استعارة لتشبيه ظهوره صلى الله عليه وسلم بالفتح، وقيل: لا تجوز فيه وإنما التجوز في تعلقه به عليه الصلاة والسلام، وقيل: لا تجوز أصلاً والمعنى فتحنا على الروم لأجلك. وأنت تعلم أن حمل الفتح على ما ذكره في نفسه بعيد جداً. وأورد عليه أن فتح الروم لم يكن مسبباً على الجهاد ونحوه فلا يصح ما ذكروه في توجيه التعليل الآتي، وعن قتادة {فَتَحْنَا } من الفتاحة بالضم وهي الحكومة أي إنا قضينا لك على أهل مكة أن تدخلها أنت وأصحابك من قابل لتطوفوا بالبيت وهو بعيد أيضاً. وقيل: المراد به فتح الله تعالى له صلى الله عليه وسلم بالإسلام والنبوة والدعوة بالحجة والسيف؛ وقريب منه ما نقله الراغب من أنه فتحه عز وجل له عليه الصلاة والسلام بالعلوم والهدايات التي هي ذريعة إلى الثواب والمقامات المحمودة، وأمره في البعد كما سبق، وأياً ما كان فحذف المفعول للقصد إلى نفس الفعل والإيذان بأن مناط التبشير نفس الفتح الصادر عنه سبحانه لا خصوصية المفتوح. وتقديم {لَكَ } على المفعول المطلق أعني قوله تعالى: {فَتْحاً مُّبِيناً } مع أن الأصل تقديمه على سائر المفاعيل كما صرح به العلامة التفتازاني للاهتمام بكون ذلك لنفعه عليه الصلاة والسلام، وقيل: لأنه مدار الفائدة، و {مُّبِينٌ } من أبان بمعنى بان اللازم أي فتحاً بيناً ظاهر الأمر مكشوف الحال أو فارقاً بين الحق والباطل.
سيد قطب
تفسير : هذه السورة مدنية، نزلت في السنة السادسة من الهجرة، عقب صلح الحديبية؛ وهي تتناول هذا الحادث الخطير وملابساته؛ وتصور حال الجماعة المسلمة وما حولها في إبانه: فبين وقت نزولها ووقت نزول سورة "محمد" التي تسبقها في ترتيب المصحف، نحو من ثلاث سنوات، تمت فيها تغيرات هامة وخطيرة في أحوال الجماعة المسلمة في المدينة. تغيرات في موقفها وموقف المناوئين لها، وتغيرات أهم في حالتها النفسية وصفتها الإيمانية، واستوائها على المنهج الإيماني في إدراك ونضج عميق. وقبل أن نتحدث عن السورة وجوها ودلالتها يحسن أن نمر بصورة للحادث الذي نزلت بصدده. لنعيش في الجو الذي كان المسلمون يعيشون فيه، وهم يتلقون هذا التنزيل الكريم: لقد أُري رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في منامه أنه يدخل الكعبة هو والمسلمون محلقين رؤوسهم ومقصرين. وكان المشركون قد منعوهم منذ الهجرة من دخول مكة، حتى في الأشهر الحرم التي يعظمها العرب كلهم في الجاهلية، ويضعون السلاح فيها؛ ويستعظمون القتال في أيامها، والصد عن المسجد الحرام. حتى أصحاب الثارات كانوا يتجمعون في ظلال هذه الحرمة، ويلقى الرجل قاتل أبيه أو أخيه فلا يرفع في وجهه سيفاً، ولا يصده عن البيت المحرم. ولكنهم خالفوا عن تقاليدهم الراسخة في هذا الشأن؛ وصدوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والمسلمين معه طوال السنوات الست التي تلت الهجرة. حتى كان العام السادس الذي أُري فيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هذه الرؤيا. وحدث بها أصحابه - رضوان الله عليهم - فاستبشروا بها وفرحوا. ورواية ابن هشام لوقائع الحديبية هي أوفى مصدر نستند إليه في تصورها. وهي في جملتها تتفق مع رواية البخاري ورواية الإمام أحمد ومع تلخيص ابن حزم في جوامع السيرة وغيرهم. قال ابن إسحاق: ثم أقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالمدينة شهر رمضان وشوالاً (بعد غزوة بني المصطلق وما جاء في أعقابها من حديث الإفك) وخرج في ذي القعدة معتمراً لا يريد حرباً. واستنفر العرب ومن حوله من أهل البوادي من الأعراب ليخرجوا معه؛ وهو يخشى من قريش الذي صنعوا أن يعرضوا له بحرب، أو يصدوه عن البيت. فأبطأ عليه كثير من الأعراب. وخرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمن معه من المهاجرين والأنصار، ومن لحق به من العرب؛ وساق معه الهدي، وأحرم بالعمرة، ليأمن الناس من حربه، وليعلم الناس أنه إنما خرج زائراً لهذا البيت ومعظماً له. قال: وكان جابر بن عبد الله - فيما بلغني - يقول: كنا أصحاب الحديبية أربع عشرة مائة. قال الزهري: وخرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى إذا كان بعسفان لقيه بشر بن سفيان الكعبي. فقال يا رسول الله! هذه قريش قد سمعت بمسيرك، فخرجوا معهم العوذ المطافيل، قد لبسوا جلود النمور؛ وقد نزلوا بذي طوى، يعاهدون الله لا تدخلها عليهم أبداً. وهذا خالد بن الوليد في خيلهم، قد قدموها إلى كراع الغميم. قال: فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "حديث : يا ويح قريش! لقد أكلتهم الحرب. ماذا عليهم لو خلوا بيني وبين سائر العرب؟ فإن هم أصابوني كان ذلك الذي أرادوا، وإن أظهرني الله عليهم دخلوا في الإسلام وافرين، وإن لم يفعلوا قاتلوا وبهم قوة. فما تظن قريش؟ فوالله لا أزال أجاهد على الذي بعثني الله به حتى يظهره الله، أو تنفرد هذه السالفة"تفسير : . ثم قال:"حديث : من رجل يخرج بنا على طريق غير طريقهم التي هم بها؟ ".. تفسير : قال ابن إسحاق: فحدثني عبد الله بن أبي بكر، أن رجلاً من أسلم قال: أنا يا رسول الله. قال: فسلك بهم طريقاً وعراً أجرل بين شعاب. فلما خرجوا منه - وقد شق ذلك على المسلمين - وأفضوا إلى أرض سهلة عند منقطع الوادي، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للناس: "حديث : قولوا نستغفر الله ونتوب إليه". تفسير : فقالوا ذلك. فقال: "حديث : والله إنها للحطة التي عرضت على بني إسرائيل، فلم يقولوها ". تفسير : قال ابن شهاب الزهري: فأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الناس فقال: "حديث : اسلكوا ذات اليمين"تفسير : بين ظهري الحمض في طريق على ثنية المرار، مهبط الحديبية من أسفل مكة؛ قال: فسلك الجيش ذلك الطريق. فلما رأت خيل قريش قترة الجيش، قد خالفوا عن طريقهم، رجعوا راكضين إلى قريش. وخرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى إذا سلك في ثنية المرار بركت ناقته. فقال الناس: خلأت الناقة. فقال: " حديث : ما خلأت. وما هو لها بخلق. ولكن حبسها حابس الفيل عن مكة. لا تدعوني قريش اليوم إلى خطة يسألونني فيها صلة الرحم إلا أعطيتهم إياها" تفسير : - وفي رواية البخاري: "حديث : والذي نفسي بيده لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرمات الله تعالى إلا أعطيتهم إياها" تفسير : ثم قال للناس: "حديث : انزلوا"تفسير : قيل له: يا رسول الله، ما بالوادي ماء ينزل عليه. فأخرج سهماً من كنانته فأعطاه رجلاً من أصحابه. فنزل في قليب من تلك القلب، فغرزه في جوفه، فجاش بالرواء.. فلما اطمأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أتاه بديل بن ورقاء الخزاعي، في رجال من خزاعة، فكلموه، وسألوه ما الذي جاء به؟ فأخبرهم أنه لم يأت يريد حرباً، وإنما جاء زائراً للبيت، ومعظماً لحرمته. ثم قال لهم نحواً مما قال لبشر بن سفيان؛ فرجعوا إلى قريش فقالوا: يا معشر قريش، إنكم تعجلون على محمد. إن محمداً لم يأت لقتال، وإنما جاء زائراً لهذا البيت. فاتهموهم وجبهوهم، وقالوا: وإن كان جاء ولا يريد قتالاً. فوالله لا يدخلها علينا عنوة أبداً، ولا تحدث بذلك عنا العرب. وكانت خزاعة عيبة نصح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مسلمها ومشركها، لا يخفون عنه شيئاً كان بمكة. ثم بعثوا إليه مكرز بن حفص بن الأخيف أخا بني عامر بن لؤي. فلما رآه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مقبلاً قال: "حديث : هذا رجل غادر".تفسير : فلما انتهى إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكلمه، قال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نحواً مما قال لبديل وأصحابه؛ فرجع إلى قريش، فأخبرهم بما قال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم بعثوا إليه الحُليس بن علقمة أو ابن زبان. وكان يومئذ سيد الأحابيش، وهو أحد بن الحارث بني عبد مناة بن كنانة. فلما رآه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "حديث : إن هذا من قوم يتألهون - يعني يتعبدون - فابعثوا الهدي في وجهه حتى يراه".تفسير : فلما رأى الهدي يسيل عليه من عرض الوادي في قلائده، وقد أكل أوباره من طول الحبس عن محله، رجع إلى قريش، ولم يصل إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إعظاماً لما رأى. فقال لهم ذلك. فقالوا له: اجلس فإنما أنت أعرابي لا علم لك! قال ابن إسحاق: فحدثني عبد الله بن أبي بكر أن الحليس غضب عند ذلك. وقال: يا معشر قريش، والله ما على هذا حالفناكم، ولا على هذا عاقدناكم. أيصد عن بيت الله من جاء معظماً له؟ والذي نفس الحليس بيده لتخلن بين محمد وبين ما جاء له، أو لأنفرن بالأحابيش نفرة رجل واحد. قال: فقالوا له: مهْ. كف عنا يا حليس حتى نأخذ لأنفسنا ما نرضى به. قال الزهري: ثم بعثوا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عروة بن مسعود الثقفي فقال: يا معشر قريش، إني قد رأيت ما يلقى منكم من بعثتموه إلى محمد إذا جاءكم، من التعنيف وسوء اللفظ. وقد عرفتم أنكم والد وأني ولد (وكان نسبه لأمه في بني عبد شمس) وقد سمعت بالذي نابكم، فجمعت من أطاعني من قومي، ثم جئتكم حتى آسيتكم بنفسي. قالوا: صدقت، ما أنت عندنا بمتهم. فخرج حتى جاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فجلس بين يديه. ثم قال: يا محمد. أجمعت أوشاب الناس، ثم جئت بهم إلى بيضتك لتفضها بهم؟ إنها قريش قد خرجت معها العوذ المطافيل، قد لبسوا جلود النمور، يعاهدون الله لا تدخلها عليهم عنوة أبداً. وأيم الله لكأني بهؤلاء قد انكشفوا عنك غداً. قال: وأبو بكر خلف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قاعد. فزجره وقال: أنحن نكشف عنه؟ قال: من هذا يا محمد؟ قال:"حديث : هذا ابن أبي قحافة"تفسير : . قال. أما والله لولا يد كانت لك عندي لكافأتك بها. ولكن هذه بها. قال: ثم جعل يتناول لحية رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يكلمه. قال: والمغيرة بن شعبة واقف على رأس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الحديد. قال: فجعل يقرع يده إذا تناول لحية رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ويقول: اكفف يدك عن وجه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قبل أن لا تصل إليك! قال: فيقول عروة: ويحك! ما أفظك وأغلظك! قال: فتبسم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال له عروة: من هذا يا محمد؟ قال:"حديث : هذا ابن أخيك المغيرة بن شعبة"تفسير : . قال: أيْ غُدَر. وهل غسلت سوأتك إلا بالأمس؟ قال ابن هشام: أراد عروة بقوله هذا أن المغيرة قبل إسلامه قتل ثلاثة عشر رجلاً من بني مالك من ثقيف، فتهايج الحيان من ثقيف: بنو مالك رهط المقتولين. والأحلاف رهط المغيرة. فودى عروة المقتولين ثلاث عشرة دية. وأصلح ذلك الأمر. قال ابن إسحاق: قال الزهري: فكلمه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بنحو مما كلم أصحابه، وأخبره أنه لم يأت يريد حرباً. فقام من عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقد رأى ما يصنع به أصحابه: لا يتوضأ إلا ابتدروا وضوءه، ولا يبصق بصاقاً إلا ابتدروه، ولا يسقط من شعره شيء إلا أخذوه. فرجع إلى قريش فقال: يا معشر قريش، إني جئت كسرى في ملكه، وقيصر في ملكه، والنجاشي في ملكه؛ وإني والله ما رأيت ملكاً في قوم قط مثل محمد في أصحابه؛ ولقد رأيت قوماً لا يسلمونه لشيء أبداً. فروا رأيكم. قال ابن إسحاق: وحدثني بعض أهل العلم، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دعا خراش بن أمية الخزاعي فبعثه إلى قريش بمكة، وحمله على بعير له يقال له: الثعلب. ليبلغ أشرافهم عنه ما جاء له. فعقروا به جمل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأرادوا قتله، فمنعته الأحابيش، فخلوا سبيله حتى جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال ابن إسحاق: وحدثني بعض من لا أتهم، عن عكرمة مولى ابن عباس (عن ابن عباس) أن قريشاً كانوا بعثوا أربعين رجلاً منهم، أو خمسين رجلاً، وأمروهم أن يطيفوا بعسكر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليصيبوا لهم من أصحابه أحداً. فأخذوا أخذاً، فأتي بهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فعفا عنهم، وخلى سبيلهم. وقد كانوا رموا في عسكر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالحجارة والنبل. ثم دعا عمر بن الخطاب ليبعثه إلى مكة فيبلغ عنه أشراف قريش ما جاء له. فقال: يا رسول الله إني أخاف قريشاً على نفسي، وليس بمكة من بني عدي بن كعب أحد يمنعني. وقد عرفت قريش عداوتي إياها وغلظتي عليها. ولكني أدلك على رجل أعز بها مني. عثمان بن عفان. فدعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عثمان ابن عفان، فبعثه إلى أبي سفيان وأشراف قريش يخبرهم أنه لم يأت لحرب، وأنه إنما جاء زائراً لهذا البيت ومعظماً لحرمته. قال ابن إسحاق: فخرج عثمان إلى مكة، فلقيه أبان بن سعيد بن العاص، حين دخل مكة أو قبل أن يدخلها؛ فحمله بين يديه، ثم أجاره حتى بلغ رسالة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فانطلق عثمان حتى أتى أبا سفيان وعظماء قريش، فبلغهم عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما أرسله به؛ فقالوا لعثمان حين فرغ من رسالة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إليهم: إن شئت أن تطوف بالبيت فطف. فقال: ما كنت لأفعل حتى يطوف به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - واحتبسته قريش عندها، فبلغ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والمسلمين أن عثمان بن عفان قد قتل. قال ابن إسحاق: فحدثني عبد الله بن أبي بكر، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال - حين بلغه أن عثمان قد قتل -:"حديث : لا نبرح حتى نناجز القوم"تفسير : . فدعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الناس إلى البيعة، فكانت بيعة الرضوان تحت الشجرة. فكان الناس يقولون: بايعهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على الموت. وكان جابر بن عبد الله يقول: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يبايعنا على الموت، ولكن بايعنا على ألا نفر. فبايع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الناس، ولم يتخلف عنه أحد من المسلمين حضرها إلا الجد بن قيس أخو بني سلمة. فكان جابر بن عبد الله يقول: والله لكأني أنظر إليه لاصقاً بإبط ناقته قد ضبأ إليها، يستتر بها من الناس. ثم أتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن الذي ذكر من أمر عثمان باطل. قال ابن هشام: وحدثني من أثق به، عمن حدثه بإسناد له، عن ابن أبي مليكة، عن ابن عمر، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بايع لعثمان، فضرب بإحدى يديه على الأخرى. قال ابن إسحاق: قال الزهري: ثم بعثت قريش سهيل بن عمرو أخا بني عامر بن لؤي إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقالوا له: إيت محمداً فصالحه، ولا يكن في صلحه إلا أن يرجع عنا عامه هذا، فوالله لا تحدث العرب عنا أنه دخلها علينا عنوة أبداً. فأتاه سهيل بن عمرو، فلما رآه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مقبلاً قال: - "حديث : قد أراد القوم الصلح حين بعثوا هذا الرجل".تفسير : فلما انتهى سهيل ابن عمرو إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تكلم فأطال الكلام. وتراجعا. ثم جرى بينهما الصلح. فلما التأم الأمر، ولم يبق إلا الكتاب وثب عمر بن الخطاب فأتى أبا بكر، فقال: يا أبا بكر، أليس برسول الله؟ قال: حديث : بلىتفسير : ! قال: أولسنا بالمسلمين؟ قال:حديث : بلىتفسير : ! قال أوليسوا بالمشركين؟ قال:حديث : بلىتفسير : ! قال: فعلام نعطي الدنية في ديننا؟ قال أبو بكر: يا عمر، الزم غرزه، فإني أشهد أنه رسول الله. قال عمر: وأنا أشهد أنه رسول الله. ثم أتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله، ألست برسول الله؟ قال: حديث : بلىتفسير : ! قال: أولسنا بالمسلمين؟ قال: حديث : بلىتفسير : ! قال: أوليسوا بالمشركين؟ قال: حديث : بلىتفسير : ! قال: فعلام نعطي الدنية في ديننا؟ قال: "حديث : أنا عبد الله ورسوله، لن أخالف أمره، ولن يضيعني"تفسير : . قال: فكان عمر يقول: ما زلت أتصدق وأصوم وأصلي وأعتق من الذي صنعت يومئذ، مخافة كلامي الذي تكلمت به، حين رجوت أن يكون خيراً. قال: ثم دعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - علي بن أبي طالب - رضوان الله عليه - فقال:"حديث : اكتب باسم الله الرحمن الرحيم"تفسير : قال: فقال سهيل: لا أعرف هذا، ولكن اكتب باسمك اللهم. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "حديث : اكتب باسمك اللهم" تفسير : فكتبها. ثم قال:"حديث : اكتب: هذا ما صالح عليه محمد رسول الله سهيل بن عمرو" تفسير : قال: فقال سهيل: لو شهدت أنك رسول الله لم أقاتلك؛ ولكن أكتب اسمك واسم أبيك. قال: فقال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ:"حديث : اكتب: هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله سهيل بن عمرو. اصطلحا على وضع الحرب عن الناس عشر سنين، يأمن فيهن الناس، ويكف بعضهم عن بعض، على أنه من أتى محمداً من قريش بغير إذن وليه رده عليه، ومن جاء قريشاً ممن مع محمد لم يردوه عليه، وأن بيننا عيبة معكوفة. وأنه لا إسلال ولا إغلال، وأنه من أحب أن يدخل في عقد محمد وعهده دخل فيه، ومن أحب أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل فيه - فتواثبت خزاعة فقالوا: نحن في عقد محمد وعهده، وتواثبت بنو بكر فقالوا: نحن في عقدة قريش وعهدهم - وأنك ترجع عنا عامك هذا فلا تدخل علينا مكة، وأنه إذا كان عام قابل خرجنا عنك، فدخلتها بأصحابك، فأقمت بها ثلاثاً، معك سلاح الراكب: السيوف في القُرب، لا تدخلها بغيرها. " تفسير : فبينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يكتب الكتاب هو وسهيل بن عمرو، إذ جاء أبو جندل بن سهيل ابن عمرو يرسف في الحديد، قد انفلت إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقد كان أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خرجوا وهم لا يشكون في الفتح، لرؤيا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلما رأوا ما رأوا من الصلح والرجوع، وما تحمل عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دخل الناس من ذلك أمر عظيم حتى كادوا يهلكون. فلما رأى سهيل أبا جندل قام إليه فضرب وجهه وأخذ بتلبيبه، ثم قال: يا محمد، قد لجت القضية بيني وبينك قبل أن يأتيك هذا. قال:"حديث : صدقت"تفسير : فجعل ينتره بتلبيبه ويجره ليرده إلى قريش وجعل أبو جندل يصرخ بأعلى صوته: يا معشر المسلمين، أأرد إلى المشركين يفتنونني في ديني؟ فزاد الناس إلى ما بهم. فقال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم -:"حديث : يا أبا جندل، اصبر واحتسب، فإن الله جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجاً ومخرجاً، إنا قد عقدنا بيننا وبين القوم صلحاً، وأعطيناهم على ذلك وأعطونا عهد الله. وإنا لا نغدر بهم"تفسير : . قال: فوثب عمر بن الخطاب مع أبي جندل يمشي إلى جنبه، ويقول: اصبر يا أبا جندل، فإنما هم المشركون، وإنما دم أحدهم دم كلب. قال: ويدني قائم السيف منه. قال: يقول عمر: رجوت أن يأخذ السيف فيضرب أباه. قال: فضن الرجل بأبيه، ونفذت القضية. فلما فرغ من الكتاب أُشهد على الصلح رجال من المسلمين ورجال من المشركين: أبو بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وعبد الرحمن بن عوف، وعبد الله بن سهيل بن عمرو، وسعد بن أبي وقاص، ومحمود بن مسلمة، ومكرز بن حفص (وهو يومئذ مشرك) وعلي بن أبي طالب، وكتب، وكان هو كاتب الصحيفة. قال الزهري: فلما فرغ من قضية الكتاب قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأصحابه:"حديث : قوموا فانحروا ثم احلقوا"تفسير : قال: فوالله ما قام منهم رجل، حتى قال - صلى الله عليه وسلم - ذلك ثلاث مرات. فلما لم يقم منهم أحد دخل - صلى الله عليه وآله وسلم - على أم سلمة - رضي الله عنها - فذكر لها ما لقي من الناس. قالت (أم سلمة) - رضي الله عنها - يا نبي الله، أتحب ذلك؟ اخرج ثم لا تكلم أحداً منهم كلمة حتى تنحر بُدْنك، وتدعو حالقك فيحلقك. فخرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلم يكلم أحداً منهم حتى فعل ذلك، نحر بيده، ودعا حالقه فحلقه. فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا، وجعل بعضهم يحلق بعضاً، حتى يكاد بعضهم يقتل بعضاً غماً. قال ابن إسحاق: فحدثني عبد الله بن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس. قال: حلق رجال يوم الحديبة وقصر آخرون. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "حديث : يرحم الله المحلقين"تفسير : . قالوا: والمقصرين يا رسول الله؟ قال: "حديث : يرحم الله المحلقين"تفسير : . قالوا: والمقصرين يا رسول الله؟ قال: "حديث : يرحم الله المحلقين"تفسير : . قالوا: والمقصرين يا رسول الله؟ قال: "حديث : والمقصرين"تفسير : . فقالوا: يا رسول الله، فلم ظاهرت الترحيم للمحلقين دون المقصرين؟ قال: "حديث : لم يشكوا " تفسير : قال الزهري في حديثه.. ثم انصرف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من وجهه ذلك قافلاً. حتى إذا كان بين مكة والمدينة نزلت سورة الفتح. وروى الإمام أحمد - بإسناده - عن مجمع بن حارثة الأنصاري - رضي الله عنه - وكان أحد القراء الذين قرأوا القرآن. قال: "حديث : شهدنا الحديبية، فلما انصرفنا عنها إذا الناس ينفرون الأباعر، فقال الناس بعضهم لبعض: ما للناس؟ قالوا: أوحي إلى رسول الله - صلى الله تعالى عليه وآله وسلم - فخرجنا مع الناس نوجف. فإذا رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - على راحلته عند كراع الغميم، فاجتمع الناس عليه فقرأ عليهم: {إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً} قال: فقال رجل من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم -: أي رسول الله أوَ فتحٌ هو؟ قال - صلى الله عليه وسلم -:إي والذي نفس محمد بيده إنه لفتح " تفسير : وروى الإمام أحمد بإسناده - عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قال: "حديث : كنا مع رسول لله - صلى الله عليه وسلم - في سفر. قال: فسألته عن شيء ثلاث مرات فلم يرد علي. قال: فقلت ثكلتك أمك يا بن الخطاب. ألححت. كررت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم ـ ثلاث مرات، فلم يرد عليك! قال: فركبت راحلتي، فحركت بعيري، فتقدمت، مخافة أن يكون نزل فيّ شيء. قال: فإذا أنا بمناد يا عمر. قال: فرجعت وأنا أظن أنه نزل فيّ شيء. قال: فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: نزل عليّ البارحة سورة هي أحب إليّ من الدنيا وما فيها: إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر.."تفسير : ورواه البخاري والترمذي والنسائي من طرق عن مالك رحمه الله.. هذا هو الجو الذي نزلت فيه السورة. الجو الذي اطمأنت فيه نفس الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلى إلهام ربه، فتجرد من كل إرادة إلا ما يوحيه هذا الإلهام العلوي الصادق؛ ومضى يستلهم هذا الإيحاء في كل خطوة وفي كل حركة، لا يستفزه عنه مستفز، سواء من المشركين أو من أصحابه الذين لم تطمئن نفوسهم في أول الأمر لقبول استفزاز المشركين وحميتهم الجاهلية. ثم أنزل الله السكينة في قلوبهم، ففاءوا إلى الرضى واليقين والقبول الخالص العميق؛ كإخوانهم الذين كانوا على هذه الحال منذ أول الأمر، شأن الصديق أبي بكر الذي لم تفقد روحه لحظة واحدة صلتها الداخلية المباشرة بروح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومن ثم بقيت على اطمئنانها دائماً، ولم تفارقها الطمأنينة أبداً. ومن ثم جاء افتتاح السورة بشرى لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فرح لها قلبه الكبير فرحاً عميقاً: {إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً، ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر، ويتم نعمته عليك ويهديك صراطاً مستقيما. وينصرك الله نصراً عزيزا}. كما جاء في الافتتاح، الامتنان على المؤمنين بالسكينة، والاعتراف لهم بالإيمان السابق وتبشيرهم بالمغفرة والثواب، وعون السماء بجنود الله: {هو الذي أنزل السكينة، في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيماناً - مع إيمانهم - ولله جنود السماوات والأرض، وكان الله عليماً حكيما، ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها، ويكفر عنهم سيئاتهم، وكان ذلك عند الله فوزاً عظيما}.. ذلك مع ما أعده لأعدائهم من المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات من غضب وعذاب: {ويعذب المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات، الظانين بالله ظن السوء، عليهم دائرة السوء، وغضب الله عليهم ولعنهم، وأعد لهم جهنم، وساءت مصيراً}.. ثم التنويه ببيعة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - واعتبارها بيعة لله؛ وربط قلوب المؤمنين مباشرة بربهم عن هذا الطريق، بهذا الرباط المتصل مباشرة بالله الحي الباقي الذي لا يموت: {إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً، لتؤمنوا بالله ورسوله وتُعزِّروه وتوقروه وتسبحوه بكرة وأصيلاً. إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله، يد الله فوق أيديهم، فمن نكث فإنما ينكث على نفسه، ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجراً عظيما}. وبمناسبة البيعة والنكث يلتفت - قبل إكمال الحديث عن المؤمنين ومواقفهم في الحديبية - إلى الأعراب الذين تخلفوا عن الخروج، فيفضح معاذيرهم، ويكشف ما جال في خواطرهم من سوء الظن بالله، ومن توقع السوء للرسول - صلى الله عليه وسلم - ومن معه. ويوجه الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلى ما ينبغي أن يكون موقفه منهم في المستقبل. وذلك في أسلوب يوحي بقوة المسلمين وضعف المخلفين، كما يوحي بأن هنالك غنائم وفتوحاً قريبة يسيل لها لعاب المخلفين المتباطئين: {سيقول لك المخلفون من الأعراب: شغلتنا أموالنا وأهلونا فاستغفر لنا، يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم، قل: فمن يملك لكم من الله شيئاً، إن أراد بكم ضراً أو أراد بكم نفعاً؟ بل كان الله بما تعملون خبيرا. بل ظننتم أن لن ينقلب الرسول والمؤمنون إلى أهليهم أبداً، وزين ذلك في قلوبكم، وظننتم ظن السوء، وكنتم قوماً بوراً. ومن لم يؤمن بالله ورسوله فإنا أعتدنا للكافرين سعيرا. ولله ملك السموات والأرض يغفر لمن يشاء، ويعذب من يشاء، وكان الله غفوراً رحيما. سيقول المخلفون إذا انطلقتم إلى مغانم لتأخذوها: ذرونا نتبعكم، يريدون أن يبدلوا كلام الله، قل: لن تتبعونا. كذلكم قال الله من قبل. فسيقولون: بل تحسدوننا. بل كانوا لا يفقهون إلا قليلاً. قل للمخلفين من الأعراب: ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد تقاتلونهم أو يسلمون، فإن تطيعوا يؤتكم الله أجراً حسنا، وإن تتولوا كما توليتم من قبل يعذبكم عذاباً أليما}. وفي هذا الصدد يبين المعذورين إذا تخلفوا، والمعفين من الجهاد لعجزهم عنه، وهو العذر الوحيد: {ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج، ولا على المريض حرج، ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار، ومن يتول يعذبه عذاباً أليما}.. وبعد هذه اللفتة يعود سياق السورة للحديث عن المؤمنين ومواقفهم وخوالج نفوسهم؛ حديثاً كله رضى وشفافية ووضاءة وتكريم؛ وكله بشريات لهذه النفوس الخالصة القوية، البائعة المتجردة. حديثاً يتجلى فيه الله جل جلاله على هذه المجموعة المختارة من البشر. يتجلى عليهم برضوانه وبشرياته وامتنانه وتثبيته. ويبلغهم بأشخاصهم وأعيانهم أنه عنهم راض، وأنه كان حاضرهم وهم يبايعون في مكة بعينه: "تحت الشجرة" وأنه اطلع على ما في نفوسهم. وأنه رضيهم ورضي عنهم، وأنه كتب لهم النصر في المستقبل والغنائم والفتوح، وربط هذا كله بناموس الوجود وسنة الوجود. وهو أمر يقف له الوجود كله يشهد ويرقب ويتأثر ويسجل في أطوائه ذلك الحادث العظيم الفريد:{أية : لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة، فعلم ما في قلوبهم، فأنزل السكينة عليهم، وأثابهم فتحاً قريبا. ومغانم كثيرة يأخذونها وكان الله عزيزاً حكيما. وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها، فعجل لكم هـذه، وكف أيدي الناس عنكم، ولتكون آية للمؤمنين، ويهديكم صراطاً مستقيماً، وأخرى لم تقدروا عليها قد أحاط الله بها وكان الله على كل شيء قديرا. ولو قاتلكم الذين كفروا لوَلوَّا الأدبار ثم لا يجدون ولياً ولا نصيرا. سنة الله التي قد خلت من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا}.. تفسير : ويمتن عليهم بأخذ عدوهم النفر الذين أرادوا بهم الأذى؛ ويندد بأعدائهم الذين صدوهم عن المسجد الحرام، وصدوا الهدي أن يبلغ محله، ويتلطف معهم فيكشف لهم عن حكمته في كفهم هذا العام عنهم؛ وفضله في ترضيتهم بما كان، وإنزال سكينته في قلوبهم، لأمر يراه، وهو أعظم مما يرون. وهو فتح مكة ثم هيمنة هذا الدين على الدين كله بأمر الله وتدبيره: {أية : وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم، وكان الله بما تعملون بصيرا. هم الذين كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام والهدي معكوفاً أن يبلغ محله. ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات لم تعلموهم، أن تطؤوهم فتصيبكم منهم معرة بغير علم، ليدخل الله في رحمته من يشاء، لو تَزيَّلوا لعذبنا الذين كفروا منهم عذاباً أليما. إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية حمية الجاهلية، فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين، وألزمهم كلمة التقوى، وكانوا أحق بها وأهلها، وكان الله بكل شيء عليما. لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق، لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رؤوسكم ومقصرين لا تخافون. فعلم ما لم تعلموا، فجعل من دون ذلك فتحاً قريبا. هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، وكفى بالله شهيدا } تفسير : وتختم السورة بالصفة الكريمة الوضيئة التي تميز هذه المجموعة المختارة من البشر، وتفردها بسمتها الخاصة، وتنوه بها في الكتب السابقة: التوراة والإنجيل. وبوعد الله الكريم بالمغفرة والأجر العظيم: {أية : محمد رسول الله، والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم، تراهم رُكعاً سُجَّداً يبتغون فضلاً من الله ورضواناً، سيماهم في وجوههم من أثر السجود. ذلك مثلهم في التوراة. ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه فآزره، فاستغلظ، فاستوى على سوقه، يعجب الزراع، ليغيظ بهم الكفار. وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجراً عظيما } تفسير : وهكذا تصبح نصوص السورة مفهومة واضحة، تعيش في جوها الذي نزلت فيه، وتصوره أقوى تصوير، بأسلوب القرآن الخاص الذي لا يفصل الحوادث بترتيبها وتسلسلها؛ ولكنه يأخذ منها لمحات توجيهية وتربوية؛ ويربط الحادثة المفردة بالقاعدة الشاملة. والموقف الخاص بالأصل الكوني العام. ويخاطب النفوس والقلوب بطريقتة الفذة ومنهجه الفريد. ومن سياق السورة وجوها، وبالموازنة بينها وبين إيحاءات سورة محمد التي قبلها في ترتيب المصحف؛ يتبين مدى ما طرأ على الجماعة المسلمة في موقفها كله من تغيرات عميقة، في مدى السنوات الثلاث، التي نرجح أنها تفرق بين السورتين في زمن النزول. ويتبين مدى فعل القرآن الكريم، وأثر التربية النبوية الرشيدة لهذه الجماعة التي سعدت بالنشوء والنمو في ظلال القرآن، وفي رعاية النبوة. فكانت ما كانت في تاريخ البشرية الطويل. واضح في جو سورة الفتح وإيحاءاتها أننا أمام جماعة نضج إدراكها للعقيدة، وتجانست مستوياتها الإيمانية، واطمأنت نفوسها لتكاليف هذا الدين؛ ولم تعد محتاجة إلى حوافز عنيفة الوقع كي تنهض بهذه التكاليف في النفس والمال؛ بل عادت محتاجة إلى من يخفض حميتها، وينهنه حدتها، ويأخذ بزمامها لتستسلم للهدوء، والمهادنة بعض الوقت، وفق حكمة القيادة العليا للدعوة. لم تعد الجماعة المسلمة تواجه بمثل قوله تعالى: {أية : فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم الأعلون والله معكم ولن يتركم أعمالكم}تفسير : ولا بمثل قوله تعالى: {أية : ها أنتم هـؤلاء تدعون لتنفقوا في سبيل الله فمنكم من يبخل، ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه، والله الغني وأنتم الفقراء، وإن تتولوا يستبدل قوماً غيركم، ثم لا يكونوا أمثالكم }. تفسير : ولم تعد في حاجة إلى حوافز قوية للجهاد بالحديث عن الشهداء وما أعد الله لهم عنده من الكرامة؛ ولا بيان حكمة الابتلاء بالقتال ومشقاته كما في سورة محمد إذ يقول الله تعالى: {أية : ذلك ولو يشاء الله لانتصر منهم، ولكن ليبلو بعضكم ببعض، والذين قتلوا في سبيل الله فلن يضل أعمالهم. سيهديهم ويصلح بالهم، ويدخلهم الجنة عرفها لهم }. تفسير : إنما صار الحديث عن السكينة التي أنزلها الله في قلوب المؤمنين، أو أنزلها عليهم. والمقصود بها تهدئة فورتهم، وتخفيض حميتهم، واطمئنان قلوبهم لحكم الله وحكمة رسوله - صلى الله عليه وسلم - في المهادنة والملاينة، وعن رضى الله عن المبايعين تحت الشجرة. وكانت هذه الصورة الوضيئة في نهاية السورة للرسول ومن معه. أما الحديث عن الوفاء بالبيعة والنكث فيها في قوله تعالى:{أية : إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله، يد الله فوق أيديهم، فمن نكث فإنما ينكث على نفسه، ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجراً عظيما}تفسير : فالإيحاء فيه أكثر إلى تكريم المبايعين وتعظيم شأن البيعة. والإشارة إلى النكث جاءت بمناسبة الحديث عن الأعراب المتخلفين، وكذلك الإشارة إلى المنافقين والمنافقات فهي إشارة عابرة، تدل على ضعف موقف هذه الطائفة، وعلى خلوص الجماعة المسلمة بالمدينة ونضوجها وتجانسها. وهي على كل حال إشارة عابرة لا تشغل من السورة شيئاً مما شغله الحديث عن المنافقين في سورة محمد، حيث كان للمنافقين شأنهم هم وحلفاؤهم اليهود. وهذا تطور آخر في موقف الجماعة المسلمة من ناحية موقفها الخارجي يساير ذلك التطور الذي تم في نفوسها من الداخل. وواضح كذلك قوة المسلمين بالقياس إلى قوة المشركين في جو السورة كلها وفي آيات بنصها؛ والإشارات إلى الفتوح المقبلة، وإلى رغبة المخلفين في الغنائم السهلة واعتذارهم، وإلى ظهورهذا الدين على الدين كله.. كلها تشي بما بلغت إليه قوة المسلمين في هذه الفترة بين نزول السورتين. ففي حقيقة النفوس، وفي حال الجماعة، وفي الظروف المحيطة بها، حدث تطور واضح، يدركه من يتلمس خط السيرة في النصوص القرآنية. ولهذا التطور قيمته كما أن له دلالته على أثر المنهج القرآني والتربية المحمدية، لهذه الجماعة السعيدة الفريدة في التاريخ. ثم إن لهذا التطور إيحاءه للقائمين على الجماعات البشرية. فلا تضيق صدورهم بالنقص فيها والضعف ورواسب الماضي ومخلفاته، وآثار البيئة والوسط، وجواذب الأرض، وثقلة اللحم والدم.. وكلها تبدو في أول العهد قوية عميقة عنيفة. ولكنها مع المثابرة والحكمة والصبر على العلاج، تأخذ في التحسن والتطور. والتجارب والابتلاءات تعين على التحسن والتطور، حين تتخذ فرصة للتربية والتوجيه. وشيئاً فشيئاً تخف ثقلة الطين، وتشف كثافة اللحم والدم، وتتوارى آثار البيئة، وتصفو رواسب الماضي، وتستشرف القلوب آفاقاً أعلى فأعلى، حتى ترى النور هنالك على الأفق الوضيء البعيد. ولنا في رسول الله أسوة حسنة، ولنا في المنهج القرآني صراط مستقيم. {إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً، ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر، ويتم نعمته عليك، ويهديك صراطاً مستقيماً، وينصرك الله نصراً عزيزا}.. تفتتح السورة بهذا الفيض الإلهي على رسوله - صلى الله عليه وسلم -: فتح مبين. ومغفرة شاملة. ونعمة تامة. وهداية ثابتة. ونصر عزيز.. إنها جزاء الطمأنينة التامة لإلهام الله وتوجيهه. والاستسلام الراضي لإيحائه وإشارته. والتجرد المطلق من كل إرادة ذاتية. والثقة العميقة بالرعاية الحانية.. يرى الرؤيا فيتحرك بوحيها. وتبرك الناقة، ويتصايح الناس: خلأت القصواء. فيقول:"حديث : ما خلأت. وما هو لها بخلق. ولكن حبسها حابس الفيل عن مكة. لا تدعوني قريش اليوم إلى خطة يسألونني فيها صلة الرحم إلا أعطيتهم إياها"تفسير : .. ويسأله عمر بن الخطاب في حمية: فلم نعطي الدنية في ديننا؟ فيجيبه:"حديث : أنا عبد الله ورسوله لن أخالف أمره ولن يضيعني"تفسير : .. ذلك وحين يشاع أن عثمان قتل يقول - صلى الله عليه وسلم -: "حديث : لا نبرح حتى نناجز القوم"تفسير : .. ويدعو الناس إلى البيعة، فتكون بيعة الرضوان التي فاض منها الخير على الذين فازوا بها وسعدوا. وكان هذا هو الفتح؛ إلى جانب الفتح الآخر الذي تمثل في صلح الحديبية، وما أعقبه من فتوح شتى في صور متعددة: كان فتحاً في الدعوة. يقول الزهري: فما فتح في الإسلام فتح قبله كان أعظم منه. إنما كان القتال حيث التقى الناس. فلما كانت الهدنة، ووضعت الحرب، وأمن الناس بعضهم بعضاً، والتقوا، فتفاوضوا في الحديث والمنازعة، ولم يكلم أحد في الإسلام يعقل شيئاً إلا دخل فيه. ولقد دخل في تينك السنتين (بين صلح الحديبية وفتح مكة) مثل من كان في الإسلام قبل ذلك أو أكثر. قال ابن هشام: والدليل على قول الزهري أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خرج إلى الحديبية في ألف وأربع مائة في قول جابر بن عبد الله. ثم خرج عام فتح مكة بعد ذلك بسنتين في عشرة آلاف. وكان ممن أسلم خالد بن الوليد وعمرو بن العاص. وكان فتحاً في الأرض. فقد أمن المسلمون شر قريش، فاتجه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى تخليص الجزيرة من بقايا الخطر اليهودي - بعد التخلص من بني قينقاع وبني النضير وبني قريظة - وكان هذا الخطر يتمثل في حصون خيبر القوية التي تهدد طريق الشام. وقد فتحها الله على المسلمين، وغنموا منها غنائم ضخمة، جعلها الرسول - صلى الله عليه وسلم - فيمن حضر الحديبية دون سواهم. وكان فتحاً في الموقف بين المسلمين في المدينة وقريش في مكة وسائر المشركين حولها. يقول الأستاذ محمد عزة دروزة بحق في كتابه: "سيرة الرسول. صور مقتبسة من القرآن الكريم": "ولا ريب في أن هذا الصلح الذي سماه القرآن بالفتح العظيم يستحق هذا الوصف كل الاستحقاق. بل إنه ليصح أن يعد من الأحداث الحاسمة العظمى في السيرة النبوية، وفي تاريخ الإسلام وقوته وتوطده، أو بالأحرى من أعظمها. فقد اعترفت قريش بالنبي والإسلام وقوتهما وكيانهما، واعتبرت النبي والمسلمين أنداداً لها، بل دفعتهم عنها بالتي هي أحسن، في حين أنها غزت المدينة في سنتين مرتين، وكانت الغزوة الأخيرة قبل سنة من هذه الزيارة وبحشد عظيم مؤلف منها ومن أحزابها لتستأصل شأفتهم، وبعثت هذه الغزوة في نفوس المسلمين أشد الاضطراب والهلع لضعفهم وقلتهم إزاء الغزاة. ولهذا شأن عظيم في نفوس العرب، الذين كانوا يرون في قريش الإمام والقدوة، والذين كانوا متأثرين بموقفهم الجحودي كل التأثر. وإذا لوحظ أن الأعراب كانوا يقدرون أن النبي والمسلمين لن يعودوا سالمين من هذه الرحلة، وأن المنافقين كانوا يظنون أسوأ الظنون. بدت لنا ناحية من نواحي خطورة هذا الفتح وبعد مداه. "ولقد أثبتت الأحداث صدق إلهام النبي - صلى الله عليه وسلم - فيما فعل، وأيده في القرآن، وأظهرت عظم الفوائد المادية والمعنوية والسياسية والحربية والدينية التي عادت على المسلمين منه. إذ قووا في عيون القبائل، وبادر المتخلفون من الأعراب إلى الاعتذار، وازداد صوت المنافقين في المدينة خفوتاً وشأنهم ضآلة، وإذ صار العرب يفدون على النبي - صلى الله عليه وسلم - من أنحاء قاصية، وإذ تمكن من خضد شوكة اليهود في خيبر وغيرها من قراهم المتناثرة على طريق الشام، وإذ صار يستطيع أن يبعث بسراياه إلى أنحاء قاصية كنجد واليمن والبلقاء، وإذ استطاع بعد سنتين أن يغزو مكة ويفتحها، وكان في ذلك النهاية الحاسمة، {أية : إذ جاء نصر الله والفتح، ودخل الناس في دين الله أفواجاً }.. تفسير : ونحن نعود فنؤكد أنه كان هناك - إلى جانب هذا كله - فتح آخر. فتح في النفوس والقلوب، تصوره بيعة الرضوان، التي رضي عنها الله وعن أصحابها ذلك الرضى الذي وصفه القرآن. ورسم لهم على ضوئه تلك الصورة الوضيئة الكريمة في نهاية السورة: {أية : محمد رسول الله. والذين معه... }.تفسير : فهذا فتح في تاريخ الدعوات له حسابه، وله دلالته، وله آثاره بعد ذلك في التاريخ. ولقد فرح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بهذه السورة. فرح قلبه الكبير بهذا الفيض الرباني عليه وعلى المؤمنين معه. فرح بالفتح المبين. وفرح بالمغفرة الشاملة، وفرح بالنعمة التامة، وفرح بالهداية إلى صراط الله المستقيم. وفرح بالنصر العزيز الكريم. وفرح برضى الله عن المؤمنين ووصفهم ذلك الوصف الجميل. وقال - في رواية -: "حديث : نزل عليّ البارحة سورة هي أحب إليّ من الدنيا وما فيها"تفسير : .. وفي رواية: "حديث : لقد أنزلت عليّ الليلة سورة هي أحب إليّ مما طلعت عليه الشمس"تفسير : .. وفاضت نفسه الطيبة بالشكر لربه على ما أولاه من نعمته. فاضت بالشكر في صورة صلاة طويلة مديدة، تقول عنها عائشة رضي الله عنها: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا صلى قام حتى تنفر رجلاه، فقالت له عائشة - رضي الله عنها - يا رسول الله أتصنع هذا وقد غفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فقال - صلى الله عليه وسلم -:"حديث : يا عائشة، أفلا أكون عبداً شكوراً؟ ".. تفسير : ذلك الافتتاح كان نصيب النبي - صلى الله عليه وسلم - خاصة؛ ثم مضى السياق يصف نعمة الله على المؤمنين بهذا الفتح، ومس يده لقلوبهم بالسكينة، وما ادخره لهم في الآخرة من غفران وفوز ونعيم: {هو الذى أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيماناً مع إيمانهم، ولله جنود السماوات والأرض، وكان الله عليماً حكيماً. ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات تجرى من تحتها الأنهار، خالدين فيها، ويكفر عنهم سيئاتهم، وكان ذلك عند الله فوزاً عظيماً}.. والسكينة لفظ معبر مصور ذو ظلال؛ والسكينة حين ينزلها الله في قلب، تكون طمأنينة وراحة، ويقيناً وثقة، ووقاراً وثباتاً، واستسلاماً ورضى. ولقد كانت قلوب المؤمنين في هذه الواقعة تجيش بمشاعر شتى، وتفور بانفعالات متنوعة. كان فيها الانتظار والتطلع إلى تصديق رؤيا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بدخول المسجد الحرام؛ ثم مواجهة موقف قريش وقبول الرسول - صلى الله عليه وسلم - للرجوع عن البيت فى هذا العام، بعد الإحرام، وبعد إشعار الهدي وتقليده. كان هذا أمراً شاقاً على نفوسهم ما في ذلك ريب. وقد روي "حديث : عن عمر - رضي الله عنه - أنه جاء أبا بكر وهو مهتاج، فكان مما قال له"تفسير : - غير ما أثبتناه في صلب رواية الحادث -: "حديث : أو ليس كان يحدثنا أنا سنأتي البيت ونطوف به؟ قال أبو بكر -"تفسير : الموصول القلب بقلب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذي ينبض قلبه على دقات قلب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "حديث : بلى. أفأخبرك أنك تأتيه العام؟ قال: لا. قال: فإنك تأتيه وتطوف به. فتركه عمر - رضي الله عنه - إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال له فيما قال: أو لست كنت تحدثنا أنا سنأتي البيت ونطوف به؟ قال - صلى الله عليه وسلم: "بلى. أفأخبرتك أنا نأتيه العام؟". قال: لا. قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: فإنك آتيه ومطوف به"تفسير : .. فهذه صورة مما كان يجيش في القلوب.. وكان المؤمنون ضيقي الصدور بشروط قريش الأخرى، من رد من يسلم ويأتي محمداً بغير إذن وليه. ومن حميتهم الجاهلية في رد اسم الرحمن الرحيم. وفي رد صفة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقد روي أن علياً - رضي الله عنه - أبى أن يمحو هذه الصفة كما طلب سهيل بن عمرو بعد كتابتها، فمحاها رسول الله بنفسه وهو يقول: "حديث : اللهم إنك تعلم أني رسولك " تفسير : وكانت حميتهم لدينهم وحماستهم للقاء المشركين بالغة، يبدو هذا في بيعتهم الإجماعية؛ ثم انتهى الأمر إلى المصالحة والمهادنة والرجوع. فلم يكن هيناً على نفوسهم أن تنتهي الأمور إلى ما انتهت إليه. يبدو هذا في تباطئهم في النحر والحلق، حتى قالها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثلاثاً. وهم من هم طاعة لأمر رسول الله وامتثالاً. كالذي حكاه عنهم لقريش عروة ابن مسعود الثقفي. ولم ينحروا ويحلقوا أو يقصروا إلا حين رأوا رسول الله يفعل هذا بنفسه، فهزتهم هذه الحركة العملية ما لم يهزهم القول، وثابوا إلى الطاعة كالذي كان فى دهشة المأخوذ! وهم كانوا قد خرجوا من المدينة بنية العمرة، لا ينوون قتالاً، ولم يستعدوا له نفسياً ولا عملياً. ثم فوجئوا بموقف قريش، وبما شاع من قتلها لعثمان، وبإرسال النفر الذين رموا فى عسكر المسلمين بالنبل والحجارة. فلما عزم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على المناجزة وطلب البيعة أعطوها له عن بكرة أبيهم. ولكن هذا لا ينفي موقف المفاجأة على غير ما كانت نفوسهم قد خرجت له. وهو بعض ما كان يجيش في قلوبهم من انفعالات وتأثرات. وهم ألف وأربعمائة وقريش في دارها، ومن خلفهم الأعراب والمشركون. وحين يسترجع الإنسان هذه الصور يدرك معنى قوله تعالى: {هو الذى أنزل السكينة في قلوب المؤمنين}.. ويذوق طعم اللفظ وطعم العبارة، ويتصور الموقف يومئذ ويعيش فيه مع هذه النصوص، ويحس برد السكينة وسلامها في تلك القلوب. ولما كان الله يعلم من قلوب المؤمنين يومئذ، أن ما جاش فيها جاش عن الإيمان، والحمية الإيمانية لا لأنفسهم، ولا لجاهلية فيهم. فقد تفضل عليهم بهذه السكينة: {ليزدادوا إيماناً مع إيمانهم} والطمأنينة درجة بعد الحمية والحماسة، فيها الثقة التي لا تقلق، وفيها الرضى المطمئن باليقين. ومن ثم يلّوح بأن النصر والغلب لم يكن عسيراً ولا بعيداً، بل كان هيناً يسيراً على الله لو اقتضت حكمته يومئذ أن يكون الأمر كما أراده المؤمنون، فإن لله جنوداً لا تحصى ولا تغلب، تدرك النصر وتحقق الغلب وقتما يشاء: {ولله جنود السماوات والأرض وكان الله عليماً حكيما}.. فهي حكمته وهو علمه، تسير الأمور وفقهما كما يريد. وعن العلم والحكمة: {أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيماناً مع إيمانهم}. ليحقق لهم ما قدره من فوز ونعيم: {ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار، خالدين فيها، ويكفر عنهم سيئاتهم، وكان ذلك عند الله فوزاً عظيماً}.. وإذا كان هذا في حساب الله فوزاً عظيماً، فهو فوز عظيم! فوز عظيم في حقيقته، وفوز عظيم في نفوس من ينالونه من عند الله مقدراً بتقديره، موزوناً بميزانه.. ولقد فرح المؤمنون يومها بما كتب الله لهم؛ وكانوا قد تطلعوا بعدما سمعوا افتتاح السورة، وعلموا منه ما أفاض الله على رسوله. تطلعوا إلى نصيبهم هم، وسألوا عنه، فلما سمعوا وعلموا فاضت نفوسهم بالرضى والفرح واليقين. ثم أنبأهم بجانب آخر من جوانب حكمته فيما قدر في هذا الحادث؛ وهو مجازاة المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات، بما يصدر عنهم من عمل وتصرف: {ويعذب المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات، الظانين بالله ظن السوء، عليهم دائرة السوء. وغضب الله عليهم ولعنهم، وأعد لهم جهنم وساءت مصيراً. ولله جنود السماوات والأرض وكان الله عزيزاً حكيما}.. وقد جمع النص بين المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات في صفة ظن السوء بالله؛ وعدم الثقة بنصرته للمؤمنين. وفي أنهم جميعاً {عليهم دائرة السوء} فهم محصورون فيها، وهي تدور عليهم وتقع بهم. وفي غضب الله عليهم ولعنته لهم، وفيما أعده لهم من سوء المصير.. ذلك أن النفاق صفة مرذولة لا تقل عن الشرك سوءاً، بل إنها أحط؛ ولأن أذى المنافقين والمنافقات للجماعة المسلمة لا يقل عن أذى المشركين والمشركات، وإن اختلف هذا الأذى وذاك في مظهره ونوعه. وقد جعل الله صفة المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات هي ظن السوء بالله. فالقلب المؤمن حسن الظن بربه، يتوقع منه الخير دائماً. يتوقع منه الخير في السراء والضراء. ويؤمن بأن الله يريد به الخير في الحالين. وسر ذلك أن قلبه موصول بالله. وفيض الخير من الله لا ينقطع أبداً. فمتى اتصل القلب به لمس هذه الحقيقة الأصيلة، وأحسها إحساس مباشرة وتذوق. فأما المنافقون والمشركون فهم مقطوعو الصلة بالله. ومن ثم لا يحسون تلك الحقيقة ولا يجدونها، فيسوء ظنهم بالله؛ وتتعلق قلوبهم بظواهر الأمور، ويبنون عليها أحكامهم. ويتوقعون الشر والسوء لأنفسهم وللمؤمنين، كلما كانت ظواهر الأمور توحي بهذا؛ على غير ثقة بقدر الله وقدرته، وتدبيره الخفي اللطيف. وقد جمع الله في الآية أعداء الإسلام والمسلمين من شتى الأنواع؛ وبين حالهم عنده، وما أعده لهم في النهاية. ثم عقب على هذا بما يفيد قدرته وحكمته: {ولله جنود السماوات والأرض، وكان الله عزيزاً حكيما}.. فلا يعييه من أمرهم شيء، ولا يخفى عليه من أمرهم شيء، وله جنود السماوات والأرض، وهو العزيز الحكيم. ثم عاد بالخطاب إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - منوهاً بوظيفته، مبيناً للغاية منها، موجهاً المؤمنين إلى واجبهم مع ربهم بعد تبليغهم رسالته، مع ردهم في بيعتهم إلى الله مباشرة، وعقد العقدة معه جل جلاله، وذلك حين يبايعون الرسول - صلى الله عليه وسلم - ويتعاقدون معه. وفي ذلك تشريف لبيعة الرسول وتكريم واضح لهذا التعاقد: {إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً، لتؤمنوا بالله ورسوله، وتُعزِّروه وتوقروه، وتسبحوه بكرة وأصيلا، إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله، يد الله فوق أيديهم، فمن نكث فإنما ينكث على نفسه، ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجراً عظيماً}.. فالرسول - صلى الله عليه وسلم - شاهد على هذه البشرية التى أرسل إليها، يشهد أنه بلغها ما أمر به، وأنها استقبلته بما استقبلته، وأنه كان منها المؤمنون، ومنها الكافرون، ومنها المنافقون. وكان منها المصلحون ومنها المفسدون. فيؤدي الشهادة كما أدى الرسالة. وهو مبشر بالخير والمغفرة والرضى وحسن الجزاء للمؤمنين الطائعين، ونذير بسوء المنقلب والغضب. واللعنة والعقاب للكافرين والمنافقين والعصاة والمفسدين.. هذه وظيفة الرسول. ثم يلتفت بالخطاب إلى المؤمنين، يكشف لهم عن الغاية المرجوة لهم من الرسالة. إنها الإيمان بالله ورسوله، ثم النهوض بتكاليف الإيمان، فينصرون الله بنصرة منهجه وشريعته ويوقرونه في نفوسهم بالشعور بجلاله؛ وينزهونه بالتسبيح والتحميد طرفي النهار في البكور والأصيل، وهي كناية عن اليوم كله، لأن طرفي النهار يضمان ما بينهما من آونة. والغرض هو اتصال القلب بالله في كل آن. فهذه هي ثمرة الإيمان المرجوة للمؤمنين من إرسال الرسول شاهداً ومبشراً ونذيراً. وقد جاء - صلى الله عليه وسلم - ليصلهم بالله، ويعقد بينهم وبينه بيعة ماضية لا تنقطع بغيبة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عنهم. فهو حين يضع يده في أيديهم مبايعاً، فإنما يبايع عن الله: {إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله. يد الله فوق أيديهم}.. وهو تصوير رهيب جليل للبيعة بينهم وبين رسول الله - صل الله عليه وسلم - والواحد منهم يشعر وهو يضع يده في يده، أن يد الله فوق أيديهم. فالله حاضر البيعة. والله صاحبها. والله آخذها. ويده فوق أيدي المتبايعين.. ومن؟ الله! يا للهول! ويا للروعة! ويا للجلال! وإن هذه الصورة لتستأصل من النفس خاطر النكث بهذه البيعة - مهما غاب شخص رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فالله حاضر لا يغيب. والله آخذ في هذه البيعة ومعط، وهو عليها رقيب. {فمن نكث فإنما ينكث على نفسه}.. فهو الخاسر في كل جانب. هو الخاسر في الرجاع عن الصفقة الرابحة بينه وبين الله تعالى. وما من بيعة بين الله وعبد من عباده إلا والعبد فيها هو الرابح من فضل الله، والله هو الغني عن العالمين. وهو الخاسر حين ينكث وينقض عهده مع الله فيتعرض لغضبه وعقابه على النكث الذى يكرهه ويمقته، فالله يحب الوفاء ويحب الأوفياء. {ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجراً عظيما}.. هكذا على إطلاقه: {أجراً عظيماً}.. لا يفصله ولا يحدده. فهو الأجر الذي يقول عنه الله إنه عظيم. عظيم بحساب الله وميزانه ووصفه الذي لا يرتقي إلى تصوره أبناء الأرض المقلون المحدودون الفانون! وعندما يصل إلى حقيقة البيعة، وإلى خاطر النكث وخاطر الوفاء، يلتفت بالحديث إلى المخلفين من الأعراب، الذين أبوا أن يخرجوا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لسوء ظنهم بالله، ولتوقعهم الشر والضر للمؤمنين الخارجين، الذاهبين إلى قريش في عقر دارها، وهي غزت المدينة قبل ذلك عامين متوالين.. يلتفت إليهم لينبئ الرسول - صلى الله عليه وسلم - عما سيعتذرون به إليه بعد عودته سالماً هو ومن معه، وقد هادنته قريش ولم تقاتله، وعقدت معه معاهدة يبدو فيها - مهما كان شروطها - التراجع من قريش، واعتبار محمد - صلى الله عليه وسلم - نداً لها تهادنه وتتقي خصومته. ويكشف له عن الأسباب الحقيقية لعدم خروجهم معه، ويفضحهم ويقفهم مكشوفين أمام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأمام المؤمنين. كما ينبئه بما فيه البشرى له وللخارجين معه؛ وهو أنهم سيخرجون إلى مغانم قريبة ميسورة، وأن المخلفين من الأعراب سيطلبون الخروج معه لينالوا من هذه الغنائم السهلة. ويلقنه طريقة معاملتهم حينئذ والرد عليهم. فلا يقبل منهم الخروج معه في هذا الوجه القريب الميسور الذي سيقتصر على من خرجوا من قبل وحضروا الحديبية. إنما ينبئهم بأن هنالك وجهاً آخر فيه مشقة وفيه قتال مع قوم أولي بأس شديد. فإن كانوا حقاً يريدون الخروج فليخرجوا يومئذ، حيث يقسم الله لهم بما يريد. فإن أطاعوا كان لهم الأجر الكبير، وإن عصوا كما عصوا من قبل كان لهم العذاب الشديد: {سيقول لك المخلَّفون من الأعراب: شغلتنا أموالنا وأهلونا، فاستغفر لنا، يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم. قل: فمن يملك لكم من الله شيئاً إن أراد بكم ضراً أو أراد بكم نفعاً؟ بل كان الله بما تعملون خبيرا. بل ظننتم أن لن ينقلب الرسول والمؤمنون إلى أهليهم أبداً، وزين ذلك في قلوبكم، وظننتم ظن السوء، وكنتم قوماً بورا. ومن لم يؤمن بالله ورسوله فإنا أعتدنا للكافرين سعيرا. ولله ملك السماوات والأرض يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء، وكان الله غفوراً رحيما. سيقول المخلفون إذا انطلقتم إلى مغانم لتأخذوها: ذرونا نتَّبِعكم. يريدون أن يبدِّلوا كلام الله. قل: لن تَتَّبِعونا. كذلكم قال الله من قبل. فسيقولون: بل تحسدوننا. بل كانوا لا يفقهون إلا قليلا. قل للمخلفين من الأعراب: ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد، تقاتلونهم أو يسلمون، فإن تطيعوا يؤتكم الله أجراً حسناً، وإن تتولوا كما توليتم من قبل يعذبكم عذاباً أليما}.. والقرآن لا يكتفي بحكاية أقوال المخلفين والرد عليها؛ ولكنه يجعل من هذه المناسبة فرصة لعلاج أمراض النفوس، وهواجس القلوب، والتسلل إلى مواطن الضعف والانحراف لكشفها تمهيداً لعلاجها والطب لها. ثم لإقرار الحقائق الباقية والقيم الثابتة، وقواعد الشعور والتصور والسلوك. فالمخلفون من الأعراب - وكانوا من أعراب غفار ومزينة وأشجع وأسلم وغيرهم ممن حول المدينة - سيقولون اعتذاراً عن تخلفهم: {شغلتنا أموالنا وأهلونا}.. وليس هذا بعذر. فللناس دائماً أهل وأموال. ولو كان مثل هذا يجوز أن يشغلهم عن تكاليف العقيدة، وعن الوفاء بحقها ما نهض أحد قط بها.. وسيقولون {فاستغفر لنا}.. وهم ليسوا صادقين في طلب الاستغفار كما ينبئ الله رسوله - صلى الله عليه وسلم-"حديث : يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم ".. تفسير : هنا يرد عليهم بتقرير حقيقة القدر الذي لا يدفعه تخلف، ولا يغيره إقدام؛ وبحقيقة القدرة التي تحيط بالناس وتتصرف في أقدارهم كما تشاء. وبحقيقة العلم الكامل الذي يصرف الله قدره على وفقه: {قل: فمن يملك لكم من الله شيئاً إن أراد بكم ضراً أو أراد بكم نفعاً؟ بل كان الله بما تعملون خبيراً}.. وهو سؤال يوحي بالاستسلام لقدر الله؛ والطاعة لأمره بلا توقف ولا تلكؤ. فالتوقف أو التلكؤ لن يدفع ضرراً، ولا يؤخر نفعاً. وانتحال المعاذير لا يخفى على علم الله. ولا يؤثر في جزائه وفق علمه المحيط. وهو توجيه تربوي في وقته وفي جوه وفي مناسبته على طريقة القرآن. {بل ظننتم أن لن ينقلب الرسول والمؤمنون إلى أهليهم أبداً، وزُيِّن ذلك في قلوبكم، وظننتم ظن السوء، وكنتم قوماً بورا}.. وهكذا يقفهم عرايا مكشوفين، وجهاً لوجه أمام ما أضمروا من نية، وما ستروا من تقدير، وما ظنوا بالله من السوء. وقد ظنوا أن الرسول من معه ومن المؤمنين ذاهبون إلى حتفهم، فلا يرجعون إلى أهليهم بالمدينة؛ وقالوا: يذهب إلى قوم قد غزوه في عقر داره بالمدينة، وقتلوا أصحابه فيقاتلهم!ـ يشيرون إلى أحد والأحزاب ـ ولم يحسبوا حساباً لرعاية الله وحمايته للصادقين المتجردين من عباده. كما أنهم - بطبيعة تصورهم للأمور وخلو قلوبهم من حرارة العقيدة - لم يقدروا أن الواجب هو الواجب، بغض النظرعن تكاليفه كائنة ما كانت؛ وأن طاعة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يجب أن تكون بدون النظر إلى الربح الظاهري والخسارة الشكلية، فهي واجب مفروض يؤدى دون نظر إلى عاقبة أخرى وراءه. لقد ظنوا ظنهم، وزين هذا الظن في قلوبهم، حتى لم يروا غيره، ولم يفكروا في سواه. وكان هذا هو ظن السوء بالله، الناشئ من أن قلوبهم بور. وهو تعبير عجيب موح. فالأرض البور ميتة جرداء. وكذلك قلوبهم. وكذلك هم بكل كيانهم. بور. لا حياة ولا خصب ولا إثمار. وما يكون القلب إذ يخلو من حسن الظن بالله؟ لأنه انقطع عن الاتصال بروح الله؟ يكون بوراً. ميتاً أجرد نهايته إلى البوار والدمار. وكذلك يظن الناس بالجماعة المؤمنة. الناس من أمثال أولئك الأعراب المنقطعين عن الله. البور الخالية قلوبهم من الروح والحياة. هكذا يظنون دائماً بالجماعة المؤمنة عندما يبدو أن كفة الباطل هي الراجحة، وأن قوى الأرض الظاهرة في جانب أهل الشر والضلال؛ وأن المؤمنين قلة في العدد، أو قلة فى العدة، أو قلة في المكان والجاه والمال. هكذا يظن الأعراب وأشباههم في كل زمان أن المؤمنين لا ينقلبون إلى أهليهم أبداً إذا هم واجهوا الباطل المنتفش بقوته الظاهرة. ومن ثم يتجنبون المؤمنين حباً للسلامة؛ ويتوقعون في كل لحظة أن يستأصلوا وأن تنتهي دعوتهم فيأخذون هم بالأحوط ويبعدون عن طريقهم المحفوف بالمهالك! ولكن الله يخيب ظن السوء هذا؛ ويبدل المواقف والأحوال بمعرفته هو، وبتدبيره هو، وحسب ميزان القوى الحقيقية. الميزان الذى يمسكه الله بيده القوية، فيخفض به قوماً ويرفع به آخرين، من حيث لا يعلم المنافقون الظانون بالله ظن السوء في كل مكان وفي كل حين! إن الميزان هو ميزان الإيمان. ومن ثم يرد الله أولئك الأعراب إليه؛ ويقرر القاعدة العامة للجزاء وفق هذا الميزان، مع التلويح لهم برحمة الله القريبة والإيحاء إليهم بالمبادرة إلى اغتنام الفرصة، والتمتع بمغفرة الله ورحمته: {ومن لم يؤمن بالله ورسوله، فإنا أعتدنا للكافرين سعيراً. ولله ملك السماوات والأرض، يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء، وكان الله غفوراً رحيماً}.. لقد كانوا يعتذرون بأموالهم وأهليهم. فماذا تنفعهم أموالهم وأهلوهم في هذه السعير المعدة لهم إذا لم يؤمنوا بالله ورسوله؟ إنهما كفتان فليختاروا هذه أو تلك على يقين. فإن الله الذي يوعدهم هذا الإيعاد، هو مالك السماوات والأرض وحده. فهو الذي يملك المغفرة لمن يشاء، وهو الذي يملك العذاب لمن يشاء. والله يجزي الناس بأعمالهم ولكن مشيئته مطلقة لا ظل عليها من قيد، وهو يقرر هذه الحقيقة هنا لتستقر في القلوب. غير متعارضة مع ترتيب الجزاء على العمل، فهذا الترتيب اختيار مطلق لهذه المشيئة. ومغفرة الله ورحمته أقرب. فليغتنمها من يريد، قبل أن تحق كلمة الله بعذاب من لم يؤمن بالله ورسوله، بالسعير الحاضرة المعدة للكافرين. ثم يلوح ببعض ما قدر الله للمؤمنين، مخالفاً لظن المخلفين. بأسلوب يوحي بأنه قريب: {سيقول المخلَّفون إذا انطلقتم إلى مغانم لتأخذوها: ذرونا نتَّبِعكم. يريدون أن يبدلوا كلام الله. قل: لن تَّتبِعونا؟ كذلكم قال الله من قبل. فسيقولون: بل تحسدوننا. بل كانوا لا يفقهون إلا قليلا}.. أغلب المفسرين يرون أنها إشارة إلى فتح خيبر. وقد يكون هذا. ولكن النص يظل له إيحاؤه ولو لم يكن نصاً في خيبر. فهو يوحي بأن المسلمين سيفتح عليهم فتح قريب يسير. وأن هؤلاء المخلفين سيدركون هذا، فيقولون: {ذرونا نتبعكم}.. ولعل الذي جعل المفسرين يخصصون خيبر، أنها كانت بعد قليل من صلح الحديبية. إذ كانت في المحرم من سنة سبع. بعد أقل من شهرين من صلح الحديبية. وأنها كانت وافرة الغنائم. وكانت حصون خيبر آخر ما بقي لليهود في الجزيرة من مراكز قوية غنية. وكان قد لجأ إليها بعض بني النضير وبني قريظة ممن أجلوا عن الجزيرة من قبل. وتتواتر أقوال المفسرين أن الله وعد أصحاب البيعة في الحديبية أن تكون مغانم خيبر لهم لا يشركهم فيها أحد. ولم أجد في هذا نصاً. ولعلهم يأخذون هذا مما وقع فعلاً. فقد جعلها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في أصحاب الحديبية. ولم يأخذ معه أحداً غيرهم. وعلى أية حال فقد أمر الله نبيه أن يرد المخلفين من الأعراب إذا عرضوا الخروج للغنائم الميسرة القريبة. وقرر أن خروجهم مخالف لأمر الله. وأخبر نبيه - صلى الله عليه وسلم - أنهم سيقولون إذا منعوا من الخروج: {بل تحسدوننا}.. فتمنعوننا من الخروج لتحرمونا من الغنيمة. ثم قرر أن قولهم هذا ناشئ عن قلة فقههم لحكمة الله وتقديره. فجزاء المتخلفين الطامعين أن يحرموا، وجزاء الطائعين المتجردين أن يعطوا من فضل الله، وأن يختصوا بالمغنم حين يقدره الله، جزاء اختصاصهم بالطاعة والإقدام، يوم كانوا لا يتوقعون إلا الشدة في الجهاد. ثم أمر الله نبيه أن يخبرهم أنهم سيبتلون بالدعوة إلى جهاد قوم أشداء. يقاتلونهم على الإسلام، فإذا نجحوا في هذا الابتلاء كان لهم الأجر، وإن هم ظلوا على معصيتهم وتخلفهم فذلك هو الامتحان الأخير: {قل للمخلفين من الأعراب: ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد، تقاتلونهم أو يسلمون، فإن تطيعوا يؤتكم الله أجراً حسناً، وإن تتولوا كما توليتم من قبل يعذبكم عذاباً أليماً}. وتختلف الأقوال كذلك في من هم القوم أولو البأس الشديد. وهل كانوا على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أم على عهود خلفائه. والأقرب أن يكون ذلك في حياة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليمحص الله إيمان هؤلاء الأعراب من حول المدينة. والمهم أن نلحظ طريقة التربية القرآنية، وطريقة علاج النفوس والقلوب، بالتوجيهات القرآنية، والابتلاءات الواقعية. وهذا كله ظاهر في كشف نفوسهم لهم وللمؤمنين، وفي توجيههم إلى الحقائق والقيم وقواعد السلوك الإيماني القويم. ولما كان المفهوم من ذلك الابتلاء فرض الخروج على الجميع، فقد بين الله أصحاب الأعذار الحقيقية الذين يحق لهم التخلف عن الجهاد، بلا حرج ولا عقاب: {ليس على الأعمى حرج، ولا على الأعرج حرج، ولا على المريض حرج، ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار، ومن يتول يعذبه عذاباً أليما}.. فالأعمى والأعرج معهما عذر دائم هو العجز المستمر عن تكاليف الخروج والجهاد، والمريض معه عذر موقوت بمرضه حتى يبرأ. والأمر في حقيقته هو أمر الطاعة والعصيان. هو حالة نفسية لا أوضاع شكلية. فمن يطع الله ورسوله فالجنة جزاؤه. ومن يتول فالعذاب الأليم ينتظره. ولمن شاء أن يوازن بين مشقات الجهاد وجزائه، وبين راحة القعود وما وراءه.. ثم يختار!
ابن عاشور
تفسير : افتتاح الكلام بحرف (إنّ) ناشىء على ما أحلّ للمسلمين من الكآبة على أن أجيب المشركون إلى سؤالهم الهدنة كما سيأتي من حديث عمر بن الخطاب وما تقدم من حديث عبد الله بن مغفل فالتأكيد مصروف للسامعين على طريقة التعريض، وأما النبي صلى الله عليه وسلم فقد كان واثقاً بذلك، وسيأتي تبيين هذا التأكيد قريباً. والفتح: إزالة غلق البابِ أو الخزانة قال تعالى: {أية : لا تُفتَّح لهم أبواب السماء } تفسير : [الأعراف: 40] ويطلق على النصر وعلى دخول الغازي بلاد عدوّه لأن أرض كل قوم وبلادهم مواقع عنها فاقتحام الغازي إياها بعد الحرب يشبه إزالة الغلق عن البيت أو الخزانة، ولذلك كثر إطلاق الفتح على النصر المقترن بدخول أرض المغلوب أو بلده ولم يطلق على انتصار كانت نهايته غنيمة وأسر دون اقتحام أرض فيقال: فتح خيبر وفتح مكة ولا يقال: فتح بَدر. وفتح أُحد. فمن أطلق الفتح على مطلق النصر فقد تسامح، وكيف وقد عطف النصر على الفتح في قوله: {أية : نصر من الله وفتح قريب} تفسير : في سورة الصف (13). ولعلّ الذي حداهم على عدّ النصر من معاني مادة الفتح أن فتح البلاد هو أعظم النصر لأن النصر يتحقق بالغلبة وبالغنيمة فإذا كان مع اقتحام أرض العدّو فذلك نصر عظيم لأنه لا يتم إلا مع انهزام العدّو أشنع هزيمة وعجزه عن الدفاع عن أرضه. وأطلق الفتح على الحكم قال تعالى: {أية : ويقولون متى هذا الفتح إن كنتم صادقين} تفسير : الآية سورة آلم السجدة (28). ولمراعاة هذا المعنى قال جمع من المفسّرين: المراد بالفتح هنا فتح مكة وأن محمله على الوعد بالفتح. والمعنى: سنفتح. وإنما جيء في الإخبار بلفظ الماضي لتحققه وتيقنه، شُبه الزمن المستقبل بالزمن الماضي فاستعملت له الصيغة الموضوعة للمضي. أو نقول استعمل {فتحنا} بمعنى: قدّرنا لك الفتح، ويكون هذا الاستعمال من مصطلحات القرآن لأنه كلام من له التصرف في الأشياء لا يحجزه عن التصرف فيها مانع. وقد جرى على عادة إخبار الله تعالى لأنه لا خلاف في إخباره، وذلك أيضاً كناية عن علو شأن المخبر مثل {أية : أتى أمر الله فلا تستعجلوه } تفسير : [النحل: 1]. وما يندرج في هذا التفسير أن يكون المراد بالفتح صلح الحديبية تشبيهاً له بفتح مكة لأنه توطئة له فعن جابر بن عبد الله: "ما كنّا نعدّ فتح مكة إلا يوم الحديبية"، يريد أنهم أيقنوا بوقوع فتح مكة بهذا الوعد، وعن البراء بن عازب «تعدون أنتم الفتح فتح مكة وقد كان فتح مكة فتحاً، ونحن نعد الفتح بيعة الرضوان يوم الحديبية»، يريد أنكم تحملون الفتح في قوله: {إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً} على فتح مكة ولكنه فتح بيعة الرضوان وإن كان فتح مكة هو الغالب عليه اسم الفتح. ويؤيد هذا المحمل حديث عبد الله بن مغفَّل «قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة سورةَ الفتح»، وفي رواية «دخل مكة وهو يقرأ سورة الفتح على راحلته». على أن قرائن كثيرة تُرجح أن يكون المراد بالفتح المذكور في سورة الفتح: أُولاها أنّه جعله مُبيناً. الثّانية: أنه جعل علّته (النصر العزيز) الثانية، ولا يكون الشيء علّة لنفسه. الثالثة: قوله {أية : وأثابهم فتحاً قريباً } تفسير : [الفتح: 18]. الرّابعة قوله: {أية : ومغانم كثيرة يأخذونها } تفسير : [الفتح: 19]. الخامسة قوله: {أية : فجعل من دون ذلك فتحاً قريباً } تفسير : [الفتح: 27]. والجمهور على أن المراد في سورة الفتح هو صلح الحديبية، وجعلوا إطلاق اسم الفتح عليه مجازاً مرسلاً باعتبار أنه آل إلى فتح خيبر وفتِح مكة، أو كان سبباً فيهما فعن الزهري «لقد كان يوم الحديبية أعظم الفتوح ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم جاء إليها في ألف وأربعمائة فلما وقع صلح مشي الناس بعضهم في بعض، أي تفرقوا في البلاد فدخل بعضهم أرض بعض من أجْل الأمن بينهم، وعلموا وسمِعوا عن الله فما أراد أحد الإسلام إلا تمكن منه، فما مضت تلك السنتانِ إلا والمسلمون قد جاؤوا إلى مكّة في عشرة آلاف» اهــ، وفي رواية «فلما كانت الهدنة أمن الناس بعضُهم بعضاً فالتقوا وتفاوضوا الحديث والمناظرة فلم يكلَّم أحد يعقل بالإسلام إلا دخل فيه». وعلى هذا فالمجاز في إطلاق مادة الفتح على سببه ومآله لا في صورة الفعل، أي التعبير عن المستقبل بلفظ الماضي لأنه بهذا الاعتبار المجازي قد وقع فيما مضي فيكون اسم الفتح استعمل استعمال المشترك في معنييه، وصيغةُ الماضي استعملت في معنييها فيظهر وجه الإعجاز في إيثار هذا التركيب. وقيل: هو فتح خيبر الواقع عند الرجوع من الحديبية كما يجىء في قوله: {أية : إذا انطلقتم إلى مغانم لتأخذوها } تفسير : [الفتح: 15]. وعلى هذه المحامل فتأكيد الكلام بــ (إن) لما في حصول ذلك من تردد بعض المسلمين أو تساؤلهم، حديث : فعن عمر أنه لما نزلت {إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً} قال: «أوَ فتح هو يا رسول الله؟ قال:"نعم والذي نفسي بيده إنه لفتح". تفسير : وروى البيهقي عن عروة بن الزبير قال: أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم من الحديبية راجعاً فقال رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والله ما هذا بفتح صُددنا عن البيت وصُدّ هدينا. فبلغ ذلك رسول الله فقال: بئس الكلام هذا بل هو أعظم الفتح لقد رضي المشركون أن يدفعوكم بالراح عن بلادهم ويسألوكم القضية ويرغبون إليكم الأمان وقد كرهوا منكم ما كرهوا ولقد أظفركم الله عليهم وردكم سالمين غانمين مأجورين، فهذا أعظم الفتح أنسيتم يوم أحد إذ تصعدون ولا تلوون على أحد وأنا أدعوكم في أخراكم، أنسيتم يوم الأحزاب إذ جاؤوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنون. فقال المسلمون: صدق الله ورسوله وهو أعظم الفتوح والله يا رسول الله ما فكرنا فيما ذكرت، ولأنت أعلم بالله وبالأمور منا». وحذف مفعول {فتحنا} لأن المقصود الإعلام بجنس الفتح لا بالمفتوح الخاص. واللام في قوله: {فتحنا لك} لام العلة، أي فتحنا لأجلك فتحاً عظيماً مثل التي في قوله تعالى: {أية : ألم نشرح لك صدرك } تفسير : [الشرح: 1]. وتقديم المجرور قبل المفعول المطلق (خلافاً للأصل في ترتيب متعلقات الفعل) لقصد الاهتمام والاعتناء بهذه العلة. وقوله: {ليغفر لك الله} بدل اشتمال من ضمير {لك}. والتقدير: إنا فتحنا فتحاً مبيناً لأجلك لغفران الله لك وإتمام نعمته عليك، وهدايتك صراطاً مستقيماً ونصرك نصراً عزيزاً... وجُعلت مغفرة الله للنبي صلى الله عليه وسلم علة للفتح لأنها من جملة ما أراد الله حصوله بسبب الفتح، وليست لام التعليل مُقتضية حَصْرَ الغرض من الفعل المعلل في تلك العلة، فإن كثيراً من الأشياء تكون لها أسباب كثيرة فيذكر بعضها ممّا يقتضيه المقام وإذ قد كان الفتح لكرامة النبي صلى الله عليه وسلم على ربه تعالى كان من علته أن يغفر الله لنبيه صلى الله عليه وسلم مغفرة عامة إتماماً للكرامة فهذه مغفرة خاصة بالنبيء صلى الله عليه وسلم هي غير المغفرة الحاصلة للمجاهدين بسبب الجهاد والفتح. فالمعنى: أن الله جعل عند حصول هذا الفتح غفران جميع ما قد يؤاخذ الله على مثله رسلَه حتى لا يبقى لرسوله صلى الله عليه وسلم ما يقصر به عن بلوغ نهاية الفضل بين المخلوقات. فجعل هذه المغفرة جزاء له على إتمام أعماله التي أرسل لأجلها من التبليغ والجهاد والنَصب والرغبة إلى الله. فلما كان الفتح حاصلاً بسعيه وتسببه بتيسير الله له ذلك جعل الله جزاءه غفران ذنوبه بعظم أثر ذلك الفتح بإزاحة الشرك وعلوّ كلمة الله تعالى وتكميل النفوس وتزكيتها بالإيمان وصالح الأعمال حتى ينتشر الخير بانتشار الدين ويصير الصلاح خُلقاً للناس يقتدي فيه بعضُهم ببعض وكل هذا إنما يناسب فتح مكة وهذا هو ما تضمنته سورة {إذا جاء نصر الله} من قوله: {أية : إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا } تفسير : [النصر: 1 ـــ 3] أي إنه حينئذٍ قد غفر لك أعظم مغفرة وهي المغفرة التي تليق بأعظمِ من تَابَ على تائب، وليست إلا مغفرة جميع الذنوب سابقها وما عسى أن يأتي منها مِما يعده النبي صلى الله عليه وسلم ذنباً لشدة الخشية من أقل التقصير كما يقال: حسنات الأبرار سيئات المقربين، وإن كان النبي صلى الله عليه وسلم معصوماً من أن يأتي بعدها بما يؤاخَذ عليه. وقال ابن عطية: وإنما المعنى التشريف بهذا الحكم ولو لم تكن له ذنوب، ولهذا المعنى اللَّطيف الجليل كانت سورة {إذا جاء نصر الله} مؤذنة باقتراب أجل النبي صلى الله عليه وسلم فيما فهم عمر بن الخطاب وابن عباس، وقد روي ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم. والتقدم والتأخر من الأحوال النسبية للموجودات الحقيقية أو الاعتبارية يقال: تقدم السائر في سيره على الركب، ويقال: تقدم نزول سورة كذا على سورة كذا ولذلك يكثر الاحتياج إلى بيان ما كان بينهما تقدم وتأخر بذكر متعلق بفعل تقدم وتأخّر. وقد يترك ذلك اعتماداً على القرينة، وقد يقطع النظر على اعتبار متعلِّق فيُنزَّل الفعل منزلة الأفعال غير النسبية لقصد التعميم في المتعلقات وأكثر ذلك إذا جمع بين الفعلين كقوله هنا {ما تقدم من ذنبك وما تأخر} [الفتح: 2]. والمراد بــ {ما تقدم}: تعميم المغفرة للذنب كقوله: {أية : يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم } تفسير : [البقرة: 255]، فلا يقتضي ذلك أنه فرط منه ذنب أو أنه سيقع منه ذنب وإنما المقصود أنه تعالى رَفَعَ قَدره رفعَة عدم المؤاخذة بذنب لو قُدر صدوره منه وقد مضى شيء من بيان معنى الذنب عند قوله تعالى: {أية : واستغفر لذنبك} تفسير : في سورة القتال (19). وإنما أسند فعل {ليغفر} إلى اسم الجلالة العلَم وكان مقتضى الظاهر أن يسند إلى الضمير المستتر قصداً للتنويه بهذه المغفرة لأن الاسم الظاهر أنفذ في السمع وأجلب للتنبيه وذلك للاهتمام بالمسند وبمتعلقه لأن هذا الخبر أُنف لم يكن للرسول صلى الله عليه وسلم علم به ولذلك لم يبرز الفاعل في {ويُتمّ نعمته عليك ويهديك} لأن إنعام الله عليه معلوم وهدايته معلومة وإنما أخبر بازديادهما. وإتمام النعمة: إعطاء ما لم يكن أعطاه إياه من أنواع النعمة مثل إسلام قريش وخلاص بلاد الحجاز كلّها للدخول تحت حكمه، وخضوع من عانده وحاربه، وهذا ينظر إلى قوله تعالى: {أية : اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي } تفسير : [المائدة: 3] فذلك ما وعد به الرسول صلى الله عليه وسلم في هذه الآية وحصل بعد سنين. ومعنى {ويهديك صراطاً مستقيماً}: يزيدك هديا لم يسبق وذلك بالتوسيع في بيان الشريعة والتعريف بما لم يسبق تعريفه به منها، فالهداية إلى الصراط المستقيم ثابتة للنبي صلى الله عليه وسلم من وقت بعثته ولكنها تزداد بزيادة بيان الشريعة وبسعة بلاد الإسلام وكثرة المسلمين مما يدعو إلى سلوك طرائق كثيرة في إرشادهم وسياستهم وحماية أوطانهم ودفع أعدائهم، فهذه الهداية متجمعة من الثبات على ما سبق هديُه إليه، ومن الهداية إلى ما لم يسبق إليه وكل ذلك من الهداية. والصراط المستقيم: مستعار للدين الحق كما تقدم في سورة الفاتحة. وتنوين {صراطاً} للتعظيم. وانتصب {صراطاً} على أنه مفعول ثان لــ {يهدي} بتضمين معنى الإعطاء، أو بنزع الخافض كما تقدّم في الفاتحة. والنصر العزيز: غير نصر الفتح المذكور لأنه جعل علة الفتح فهو ما كان من فتح مكة وما عقبه من دخول قبائل العرب في الإسلام بدون قتال. وبعثهم الوفود إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليتلقوا أحكام الإسلام ويُعلموا أقوامهم إذا رجعوا إليهم. ووصف النصر بالعزيز مجاز عقلي وإنما العزيز هو النبي صلى الله عليه وسلم المنصور، أو أريد بالعزيز المعز كالسميع في قول عمرو بن معد يكرب: شعر : أمِنْ ريحانة الداعي السميع تفسير : أي المسمع، وكالحكيم على أحد تأويلين. والعزة: المنعة. وإنما أظهر اسم الجلالة في قوله: {وينصرك الله} ولم يكتف بالضمير اهتماماً بهذا النصر وتشريعاً له بإسناده إلى الاسم الظاهر لصراحة الظاهر والصراحة أدعى إلى السمع، والكلام مع الإظهار أعلق بالذهن كما تقدم في {ليغفر لك الله}.
الشنقيطي
تفسير : التحقيق الذي عليه الجمهور أن المراد بهذا الفتح صلح الحديبية، لأنه فتح عظيم. وإيضاح ذلك أن الصلح المذكور هو السبب الذي تهيأ به للمسلمين أن يجتمعوا بالكفار فيدعوهم إلى الإسلام وبينوا لهم محاسنه. فدخل كثير من قبائل العرب بسبب ذلك في الإسلام. ومما يوضح ذلك أن الذين شهدوا صلح الحديبية مع النبي صلى الله عليه وسلم في ذي القعدة عام ست كانوا ألفاً وأربعمائة. ولما أراد النبي صلى الله عليه وسلم غزو مكة حين نقض الكفار العهد، كان خروجه إلى مكة في رمضان عام ثمان. وكان معه عشرة آلاف مقاتل، وذلك يوضح أن الصلح المذكور من أعظم الفتوح لكونه سبباً لقوة المسلمين وكثرة عددهم. وليس المراد بالفتح المذكور فتح مكة، وإن قال بذلك جماعة من أهل العلم. وإنما قلنا ذلك لأن أكثر أهل العلم على ما قلنا. ولأن ظاهر القرآن يدل عليه لأن سورة الفتح هذه نزلت بعد صلح الحديبية في طريقه صلى الله عليه وسلم راجعاً إلى المدينة. ولفظ الماضي في قوله: {إِنَّا فَتَحْنَا} يدل على أن ذلك الفتح قد مضى، فدعوى أنه فتح مكة ولم يقع إلا بعد ذلك بقرب سنتين خلاف الظاهر. والآية التي في فتح مكة دلت على الاستقبال لا على المضي، وهي قوله تعالى:{أية : إِذَا جَآءَ نَصْرُ ٱللَّهِ وَٱلْفَتْحُ}تفسير : [النصر: 1] الآية. وقد أوضحنا في كتابنا دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب معنى اللام في قوله:{أية : لِّيَغْفِرَ لَكَ ٱللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ}تفسير : [الفتح: 2]. الآية.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 1، 2،3- إنا فتحنا لك - يا محمد - فتحا عظيما مبينا بانتصار الحق على الباطل، ليغفر لك الله ما تقدَّم مما يُعَدُّ لمثل مقامك ذنبا، وما تأخر منه، ويكمل نعمته عليك بانتشار دعوتك، ويُثَبِّتَكَ على طريق الله المستقيم، وينصرك الله على أعداء رسالتك نصراً قويا غاليا.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: إنا فتحنا لك فتحا مبينا: أي قضينا لك بفتح مكة وغيرها عُنوة بجهادك فتحا ظاهرا بيّنا. ليغفر لك الله: أي بسبب شكرك له وجهادك في سبيله. ما تقدم من ذنبك وما تأخر: أي ما تقدم الفتح وما تأخر عنه. ويتم نعمته عليك: أي بنصرك على أعدائك وإظهار دينك ورفع ذكرك. ويهديك صراطا مستقيما: ويرشدك طريقا من الدين لا اعوجاج فيه يُفضي بك إلى رضوان ربك. وينصرك الله نصرا عزيزا: أي وينصرك الله على أعدائك ومن ناوأك نصرا عزيزا لا يغلبه غالب، ولا يدفعه دافع. أنزل السكينة في قلوب المؤمنين: أي الطمأنينة بعد ما أصابهم من الاضطراب والقلق من جراء الصلح. وكان الله عليما حكيما: أي عليما بخلقه حكيما في تدبيره لأوليائه. ليدخل المؤمنين والمؤمنات: أي قَضَى بالفتح ليشكروه ويجاهدوا في سبيله ليدخلهم جنات. وكان ذلك عند الله فوزا عظيما: أي وكان ذاك الإِدخال والتكفير للسيئات فوزا عظيما. ويعذب المنافقين والمنافقات: والمشركين والمشركات أي يعذبهم بالهم والحزن لما يرون من نصرة الإِسلام وعزة أهله. الظانين بالله ظن السوء: أي أن الله لا ينصر محمداً وأصحابه. عليهم دائرة السوء: أي بالذل والعذاب والهوان. وكان الله عزيزا حكيما: أي كان وما زال تعالى غالبا لا يُغلب حكيما في الانتقام من أعدائه. معنى الآيات: قوله تعالى {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً} الآيات هذه فاتحة سورة الفتح التي قال فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : لقد أُنزلت عليَّ سورة لهي أحب إليَّ مما طلعت عليه الشمس،تفسير : ثم قرأ {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً} وذلك بعد صلح الحديبية سنة ست من الهجرة وفي منصرفه منه وهو في طريقه عائد مع أصحابه إلى المدينة النبويّة. وقد خالط أصحابه حزن وكآبة حيث صدوا عن المسجد الحرام فعادوا ولم يؤدوا مناسك العمرة التي خرجوا لها، وتمت أحداث جسام تحمل فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لا يقدر عليه من أولى العزم غيره فجزاه الله وأصحابه وكافأهم على صبرهم وجهادهم بما تضمنته هذه الآيات إلى قوله {وَكَانَ ذَلِكَ عِندَ ٱللَّهِ فَوْزاً عَظِيماً} فقوله تعالى {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ} يا رسولنا {فَتْحاً مُّبِيناً} أي قضينا لك بفتح مكة وخيبر غيرهما ثمرة من ثمرات جهادك وصبرك وهو أمر واقع لا محالة وهذا الصلح بداية الفتح فاحمد ربك واشكره ليغفر لك بذلك وبجهادك وصبرك ما تقدم من ذنبك وما تأخر ويتم نعمته عليك بنصرك على أعدائك وعلى كل من ناوأك، ويهديك صراطاً مستقيما أي ويرشدك إلى طريق لا اعوجاج فيه يفضي بك وبكل من يسلكه إلى الفوز في الدنيا والآخرة وهو الإِسلام دين الله الذي لا يقبل دينا سواه. وينصرك الله نصراً عزيزا أي وينصرك ربك على أعدائك وخصوم دعوتك نصرا عزيزا أي ذا عزّ لا ذُل معه هذه أربع عطايا كانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم ففرح بها وهي مغفرة الذنب السابق واللاحق، الفتح للبلاد، الهداية إلى أقوم طريق يفضي إلى سعادة الدارين، والنصر المؤزر العزيز، فلذا قال أُنزلت عليَّ آية هي أحب إليَّ من الدنيا جميعا. وقوله تعالى {هُوَ ٱلَّذِيۤ أَنزَلَ ٱلسَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ ٱلْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوۤاْ إِيمَٰناً مَّعَ إِيمَٰنِهِمْ} أي هو الله المنعم عليك بما ذكر لك الذي أنزل السكينة أي الطمأنينة على قلوب المؤمنين من أصحابك وكان عددهم ألفا وأربعمائة صاحب أنزل السكينة عليهم بعد اضطراب شديد أصاب نفوسهم دل عليه قول عمر رضي الله عنه للرسول صلى الله عليه وسلم ألست نبيَّ الله حقا؟ قال: بلى، قلت ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ قال: بلى، قلت فَلَمَ نُعطى الدنيّة في ديننا إذاً؟ قال إني رسول الله ولستُ أعصيه وهو ناصري . قلت أو لست كنت تحدثنا أنا سنأتي البيت ونطوف به؟ قال فأتيت أبا بكر فقالت يا أبا بكر أليس هذا نبئ الله حقا؟ قال بلى، قلت: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ قال بلى، قلت: فَلِمَ نُعطى الدنيّة في ديننا؟ قال أيها الرجل إنه رسول الله وليس يعصي ربه وهو ناصره فاستمسك بِغَرْزِهِ أي سر على نهجه ولا تخالفه. فوالله إنه لعلى الحق، قلت أليس كان يحدثنا أنه سيأتي البيت ويطوف به؟ قال بلى. قال فهل أخبرك إنه العام؟ قلت: لا قال فإِنك تأتيه وتطوف به. وقوله {لِيَزْدَادُوۤاْ إِيمَٰناً مَّعَ إِيمَٰنِهِمْ} أي بشرائع الإِسلام كلما نزل حكم آمنوا به وعملوا به ومن ذلك الجهاد وبذلك يكون إيمانهم في ازدياد. وقوله تعالى ولله جنود السماوات والأرض أي ملائكة السماء وملائكة الأرض وكل ذي شوكة وقوة من الكائنات هو لله كغيره ويسخره كما شاء ومتى شاء فقد يسلط جيشاً كافراً على جيش كافر نصرة لجيش مؤمن والمراد من هذا إنه تعالى قادر على نصرة نبيّه ودينه بغيركم أيها المؤمنون وكان الله وما زال أزلا وأبدا عليما بخلقه حكيما في تدبير أمور خلقه. وقوله تعالى {لِّيُدْخِلَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ} وكان ذلك أي الإِدخال للجنة وتكفير السيئات فوزاً عظيماً أي فتح على رسوله والمؤمنين ليشكروا بالطاعة والجهاد والصبر أي تم كل ذلك ليُدخل المؤمنين والمؤمنات الآية.. وقوله {وَيُعَذِّبَ ٱلْمُنَافِقِينَ وَٱلْمُنَافِقَاتِ وَٱلْمُشْرِكِينَ وَٱلْمُشْرِكَاتِ} أي فَتَحَ على رسوله والمؤمنين ونصرهم ووهبهم ما وهبهم من الكمال ليكون ذلك غما وهما وحزنا يعذب الله به المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات في الدنيا والآخرة وقوله {ٱلظَّآنِّينَ بِٱللَّهِ ظَنَّ ٱلسَّوْءِ} هذا وصف للمنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات حيث إنهم كانوا ظانّين أن الله لا ينصر رسوله والمؤمنين ولا يعلي كلمته ولا يظهر دينه وقوله تعالى {عَلَيْهِمْ دَآئِرَةُ ٱلسَّوْءِ} إخبارا منه عز وجل بأن دائرة السوء تكون على المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات كما أخبر عنهم بأنه غضب عليهم ولعنهم وأعد لهم جهنم وساءت مصيرا ومعنى أعدَّ هيأ وأحضر لهم، وساءت جهنم مصيرا يصير إليه الإِنسان والجان. بعد نهاية الحياة الدنيا، وقوله تعالى {وَلِلَّهِ جُنُودُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} ينصر بها من يشاء ويهزم بها من يشاء {وَكَانَ ٱللَّهُ عَزِيزاً} أي غالبا لا يمانع في مراده {حَكِيماً} في تدبيره وصنعه. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- الذنب الذي غفر لرسول الله صلى الله عليه وسلم من المعلوم بالضرورة إنه ليس من الكبائر في شيء وهو من باب حسنات الأبرار سيئات المقربين. 2- إنعام الله على العبد يوجب الشكر والشكر يوجب المغفرة وزيادة الإِنعام. 3- بيان مكافأة الله لرسوله والمؤمنين على صبرهم وجهادهم. 4- بيان أن الكافرين يحزنون ويُغموُّن لنصر المؤمنين وعزهم فيكون ذلك عذابا لهم في الدنيا.
القطان
تفسير : فتحنا لك فتحا مبينا: نصرناك نصرا بينا ظاهرا. وكان صلح الحديبية نصراً كبيرا للنبي الكريم، إذ كان سببا في فتح مكة. قال الامام الزهري: لم يكن فتحٌ اعظم من صلح الحديبية، اختلط المشركون بالمسلمين وسمعوا كلامهم فتمكن الاسلام من قلوبهم وأسلم في ثلاث سنين خلقٌ كثير كَثُر بهم سواد الاسلام، فما مضت تلك السنون الا والمسلمون قد جاؤا الى مكة في عشرة آلاف ففتحوها. السَّكينة: الطمأنينة والثبات. إنا فتحنا لك يا محمد فتحاً ظاهرا عظيما بذلك الصلح الذي تم على يديك في الحديبية، وكان نتيجته الكبرى استيلاءك على مكة وازالة الكفر منها. ليغفر الله لك، بسبب جهادك وصبرك، ما تقدم من ذنبك وما تأخر، ويُتم نعمته عليك بإعلاء شأن دينك، وانتشاره في البلاد، ورفع ذكرك في الدنيا والآخرة، ويهديك صراطا مستقيما في تبليغ الرسالة واقامة الدين، وينصرك على أعدائك نصراً فيه عز ومنعة. ان الله هو الذي انزل الطمأنينة في قلوب المؤمنين في المواقف الحرجة ووسْط المخاوفِ والشدائد ليزدادوا بها يقيناً، ولله جنودُ السماوات والأرض يدبّر أمرها كما يشاء، ويسلّطها على من يشاء لتأديبه، وكان علم الله محيطاً بكل شيء. ليدخلَ الله المؤمنين والمؤمنات بالله ورسوله جناتٍ تجري من تحتها الانهار، ماكثين فيها أبدا، ويمحوَ عنهم سيئاتهم، وكان ذلك الجزاء عند الله فوزا عظيما.
د. أسعد حومد
تفسير : (1) - نَزَلَتْ هذِهِ السُّورَةُ وَرَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم في طَريقِهِ مِنَ الحُدَيْبِيَةِ إِلى المَدِينَةِ، بَعْدَ أَنْ أَبْرَمَ مَعَ قُرَيشٍ وَثِيقَةَ الصُّلْحِ المَعْرُوفِ بِصُلْحِ الحُدَيْبِيةِ. قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ: (إنَّكُم تَعُدُّون الفَتْحَ فَتْحَ مَكَّةَ، وَنَحْنُ نَعُدُّ الفَتْحَ صُلْحَ الحُدَيْبِيَةِ). وَفِي هذهِ السُّورَةِ يَقُولُ اللهُ تَعَالى لِرَسُولِهِ صلى الله عليه وسلم، إِنَّهُ فَتَحَ لَهُ فَتْحاً ظَاهِراً مُبِيناً بِعَقْدِ الصُّلحِ في الحُدَيْبِيَةِ مَعَ قُرَيشٍ، إِذْ أمِنَ النَّاسُ، وَاجْتَمَعَ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضِ، وَتَكَلَّمَ المُؤْمِنُ مَعَ الكَافِرِ، وَتَسَابَقَ العَرَبُ إلى الدُّخُولِ في دِينِ اللهِ أَفْواجاً، حَتَّى إِذا كَانَ بَعْدَ عَامَينِ سَارَ رَسُولُ اللهِ لِفَتْحِ مَكَّةَ في عَشَرَةِ آلافِ مُقَاتِلٍ، أكْثَرُهُمْ دَخَلَ الإِسْلاَمَ بَعْدَ صُلْحِ الحُدَيْبِيَةِ.
الثعلبي
تفسير : {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً} أخبرنا عبيد الله بن محمّد الزاهد، أخبرنا أبو العبّاس السرّاج، حدّثنا هنّاد بن السري، حدّثنا يونس بن بكير، حدّثنا علي بن عبد الله التيمي يعني أبا جعفر الرازي، عن قتادة، عن أنس {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً} قال: فتح مكّة، وقال مجاهد والعوفي: فتح خيبر، وقال الآخرون: فتح الحديبية. روى الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر، قال: ما كنّا نعدّ فتح مكّة إلاّ يوم الحديبية. وروى إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن البراء، قال: تعدون أنتم الفتح فتح مكّة، وقد كان فتح مكّة فتحاً، ونحن نعد الفتح بيعة الرضوان يوم الحديبية، كنّا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أربع عشرة مائة. والحديبية بئر. أخبرنا عقيل بن محمّد الفقيه أنّ أبا الفرج القاضي البغدادي، أخبرهم، عن محمّد بن جرير، حدّثنا موسى بن سهل الرملي، حدّثنا محمّد بن عيسى، حدّثنا مجمع بن يعقوب الأنصاري، قال: سمعت أبي يحدِّث، عن عمّه عبد الرّحمن بن يزيد، عن عمّه، مجمع بن حارثة الأنصاري وكان أحد القرّاء الذين قرأوا القرآن قال: حديث : شهدنا الحديبية مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فلمّا انصرفنا عنها، إذا الناس يهزون الأباعر، فقال بعض النّاس لبعض: ما بال النّاس؟ قالوا: أُوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فخرجنا نوجف، فوجدنا النبي (عليه السلام) واقفاً على راحلته عند كراع العميم، فلمّا اجتمع إليه الناس، قرأ {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً} . فقال عمر: أو فتح هو يا رسول الله؟ قال: "نعم والّذي نفسي بيده إنّه لفتح". فقسم صلى الله عليه وسلم الخمس بخيبر على أهل الحديبية، لم يدخل فيها أحد إلاّ من شهد الحديبية . تفسير : أخبرنا الحسين بن محمّد بن منجويه العدل، حدّثنا أبو محمّد عبدالله بن محمّد بن شنبه، حدّثنا عبيدالله بن أحمد الكسائي، حدّثنا الحارث بن عبد الله، أخبرنا هشيم، عن مغيرة، عن الشعبي في قوله: {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً} قال: فتح الحديبية، غفر له ما تقدّم من ذنبه، وما تأخّر، وأطعموا نخل خيبر، وبلغ الهدي محلّه، وظهرت الروم على فارس، وفرح المؤمنون بظهور أهل الكتاب على المجوس. وقال مقاتل بن حيان: يسّرنا لك يُسراً بيّناً، وقال مقاتل بن سليمان: لمّا نزل قوله: {أية : وَمَآ أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلاَ بِكُمْ} تفسير : [الأحقاف: 9] فرح بذلك المشركون، والمنافقون، وقالوا: كيف نتّبع رجلاً لا يدري ما يفعل به وبأصحابه، ما أمرنا وأمره إلاّ واحد، فأنزل الله تعالى بعدما رجع من الحديبية {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً} أي قضينا لك قضاءً بيّناً. {لِّيَغْفِرَ لَكَ ٱللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ} فنسخت هذه الآية تلك الآية، وقال صلى الله عليه وسلم "حديث : لقد نزلت عليَّ آية ما يسرّني بها حمر النعم ". تفسير : وقال الضحاك: {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً} بغير قتال، وكان الصلح من الفتح، وقال الحسن: فتح الله عليه بالإسلام. {لِّيَغْفِرَ لَكَ ٱللَّهُ} قال أبو حاتم: هذه (لام) القسم، لما حذفت (النون) من فعله كسرت اللام ونُصبَ فعلها بسببها بلام كي، وقال الحسين بن الفضيل: هو مردود إلى قوله: {أية : وَٱسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ} تفسير : [محمد: 19] {لِّيَغْفِرَ لَكَ ٱللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ} و{لِّيُدْخِلَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي} وقال محمّد بن جرير: هو راجع إلى قوله: {أية : إِذَا جَآءَ نَصْرُ ٱللَّهِ وَٱلْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ ٱلنَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ ٱللَّهِ أَفْوَاجاً * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَٱسْتَغْفِرْهُ} تفسير : [النصر: 1-3] {لِّيَغْفِرَ لَكَ ٱللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ} قبل الرسالة {وَمَا تَأَخَّرَ} إلى وقت نزول هذه السورة. أخبرنا أبو عبد الله الحسين بن محمّد بن عبدالله الحافظ، حدّثنا أبو عمرو عثمان بن عمر ابن حقيف الدرّاج، حدّثنا حامد بن شعيب، حدّثنا شريح بن يونس، حدّثنا محمّد بن حميد، عن سفيان الثوري {مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ} ما عملت في الجاهلية {وَمَا تَأَخَّرَ} كلّ شيء لم تعمله. وقال عطاء بن أبي مسلم الخرساني: {مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِك} يعني ذنب أبويك آدم وحوّاء ببركتك {وَمَا تَأَخَّرَ} ديوان أُمّتك بدعوتك. سمعت الطرازي يقول: سمعت أبا القاسم النصر آبادي يقول: سمعت أبا علي الرودباري بمصر يقول: في قول الله تعالى: {لِّيَغْفِرَ لَكَ ٱللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ}، قال: لو كان لك ذنب قديم أو حديث لغفرناه. {وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً} أي ويثبتك عليه، وقيل: يهدي بك. {وَيَنصُرَكَ ٱللَّهُ نَصْراً عَزِيزاً} غالباً. وقيل: مُعزّاً. {هُوَ ٱلَّذِيۤ أَنزَلَ ٱلسَّكِينَةَ} الرحمة، والطمأنينة {فِي قُلُوبِ ٱلْمُؤْمِنِينَ} قال ابن عبّاس: كلّ سكينة في القرآن فهي الطمأنينة إلاّ التي في البقرة. {لِيَزْدَادُوۤاْ إِيمَاناً مَّعَ إِيمَانِهِمْ} قال ابن عبّاس: بعث الله نبيّه صلى الله عليه وسلم بشهادة أن لا إله إلاّ الله، فلمّا صدّقوا فيها زادهم الصلاة، فلمّا صدّقوا زادهم الصيام، فلمّا صدّقوا زادهم الزّكاة، فلمّا صدّقوا زادهم الحجّ، ثمّ زادهم الجهاد، ثمّ أكمل لهم دينهم بذلك، وقوله تعالى: {لِيَزْدَادُوۤاْ إِيمَاناً مَّعَ إِيمَانِهِمْ} أي تصديقاً بشرائع الإيمان مع تصديقهم بالإيمان. وقال الضحاك: يقيناً مع يقينهم، وقال الكلبي: هذا في أمر الحديبية حين صدق الله رسوله الرؤيا بالحقّ. {وَلِلَّهِ جُنُودُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً} أخبرنا عبيد الله بن محمّد الزاهد، أخبرنا أبو العبّاس السرّاج، حدّثنا محمّد بن عبد الله بن المبارك، حدّثنا يونس بن محمّد، حدّثنا شيبان، عن قتادة في قوله سبحانه: {لِّيَغْفِرَ لَكَ ٱللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ} قال أنس بن مالك: إنّها نزلت على النبيّ صلى الله عليه وسلم بعد مرجعه من الحديبية، وأصحابه مخالطو الحزن والكآبة، قد حيل بينهم وبين مناسكهم ونحروا بالحديبية، فقال النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : لقد أُنزلت عليَّ آية هي أحبُّ إليَّ من الدُّنيا جميعاً" تفسير : فقرأها على أصحابه، فقالوا: هنيئاً مريئاً يا رسول الله، قد بيّن الله تعالى ما يفعل بك، فماذا يفعل بنا؟ فأنزل الله تعالى: {لِّيُدْخِلَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ} قال أهل المعاني: وإنّما كرّر (اللام) في قوله: {لِّيُدْخِلَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ} بتأويل تكرير الكلام مجازه {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً لِّيَغْفِرَ لَكَ ٱللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ} إنّا فتحنا لك {لِّيُدْخِلَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَكَانَ ذَلِكَ عِندَ ٱللَّهِ فَوْزاً عَظِيماً * وَيُعَذِّبَ ٱلْمُنَافِقِينَ وَٱلْمُنَافِقَاتِ وَٱلْمُشْرِكِينَ وَٱلْمُشْرِكَاتِ ٱلظَّآنِّينَ بِٱللَّهِ ظَنَّ ٱلسَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَآئِرَةُ ٱلسَّوْءِ} أي لن ينصر الله محمّداً صلى الله عليه وسلم والمؤمنين. {عَلَيْهِمْ دَآئِرَةُ ٱلسَّوْءِ} بالذلّ والعذاب {وَغَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَآءَتْ مَصِيراً * وَلِلَّهِ جُنُودُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَكَانَ ٱللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً * إِنَّآ أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً * لِّتُؤْمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ} قرأ ابن كثير وأبو عمرو أربعتها (بالياء) واختاره أبو عبيد، قال: لذكر الله المؤمنين قبله، وبعده، فأمّا قبله فقوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ} وقرأها الآخرون (بالتاء) واختاره أبو حاتم. {وَتُعَزِّرُوهُ} وقرأ محمّد بن السميقع (بزايين)، وغيره (بالراء) أي لتعينوه، وتنصروه. قال عكرمة: تقاتلون معه بالسيف، أخبرنا علي بن محمّد بن محمّد بن أحمد البغدادي، أخبرنا أبو محمّد عبد الله بن محمّد الشيباني، أخبرنا عيسى بن عبد الله البصري بهراة، حدّثنا أحمد بن حرب الموصلي، حدّثنا القاسم بن يزيد الحرمي، حدّثنا سفيان بن سعيد الثوري، عن يحيى بن سعيد القطان، حدّثنا سفيان بن عينية، عن عمرو بن دينار، عن جابر بن عبد الله، قال: لمّا نزلت على النبيّ صلى الله عليه وسلم {وَتُعَزِّرُوهُ}، قال لنا: ماذا كُم؟ قلنا: الله ورسوله أعلم. قال: لتنصروه وَتُوَقِّرُوهُ وتعظّموه وتفخموه. وهاهنا وقف تام. {وَتُسَبِّحُوهُ} أي وتسبحوا الله بالتنزيه والصلاة. {بُكْرَةً وَأَصِيلاً}.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : الحق سبحانه وتعالى هنا يتكلم بصيغة الجمع (إنَّا) الدال على العظمة، ذلك لأن الله تعالى يزاول مُلكَه لا بصفة واحدة، إنما بصفات متعددة وكمالات شتى، في القدرة والعلم والحكمة وغيرها من صفاته سبحانه. لكن حينما يتكلم عن ذاته سبحانه يتكلم بصيغة المفرد الواحد، فيقول مثلاً: {أية : إِنَّنِيۤ أَنَا ٱللَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاۤ أَنَاْ ..}تفسير : [طه: 14] ليثبت لنفسه تعالى الوحدانية، فإنْ تكلم عن فعل من أفعاله قال: {أية : إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}تفسير : [الحجر: 9]. ونلاحظ هنا أنه سبحانه أكد ضمير المتكلم (إنَّا) بقوله (نحن) ثم كرر الضمير في (نزلنا) وفي {أية : وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}تفسير : [الحجر: 9] ذلك ليؤكد أهمية المنهج الذي جاء به القرآن، وأنه منهج سماوي من عنده سبحانه، وأنه مُعجز للخلق، وفي هذا بيان لفضل القرآن الكريم. ومادة (فتح) تأتي بمعانٍ متعددة، نقول، فتح الباب. وهذا المعنى يدل على فتح المغاليق ويكون في الأمر الحسي، كما في قوله تعالى في قصة سيدنا يوسف عليه السلام: {أية : وَلَمَّا فَتَحُواْ مَتَاعَهُمْ ..}تفسير : [يوسف: 65]. وهناك فتح معنوي في الأمر الذي يأتي بالخير كما في قوله تعالى في المنافقين: {أية : أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَآجُّوكُم بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ ..}تفسير : [البقرة: 76] أي: ما أعطاكم في التوراة من صفات النبي صلى الله عليه وسلم المذكورة في التوراة. وهناك فتح بمعنى: حكم وفصل كما في قوله تعالى: {أية : رَبَّنَا ٱفْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِٱلْحَقِّ وَأَنتَ خَيْرُ ٱلْفَاتِحِينَ}تفسير : [الأعراف: 89]. ومن معاني الفتح: النصر كما في الآية التي معنا، بدليل قوله تعالى بعدها: {أية : وَيَنصُرَكَ ٱللَّهُ نَصْراً عَزِيزاً}تفسير : [الفتح: 3] لأن الدعوة حين قامت، وعارضها كفار مكة وصَمُّوا آذانهم عنها وعاندوها استهزاءً برسول الله صلى الله عليه وسلم وإيلاماً له ولمَنْ آمن بدعوته. كان الحال كأن الباب مغلق في وجه الدعوة، فقال الله له {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً} [الفتح: 1] أي: فتح ظاهر واضح، فتح لباب انتشار الدعوة وقوتها بحيث يكون لها قوة وشوكة ومنعة، فبعد أنْ كانت قريش تحاصرها لتقضي عليها فتح لها الباب فجابت الجزيرة العربية كلها، وبعد أنْ كانت قريش تضيق على الدعوة الخناق أصبح العربُ كلهم يحتضنونها ويدافعون عنها. وفي آية أخرى شرح لنا مسألة الفتح هذه، فقال سبحانه: {أية : أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَأْتِي ٱلأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا وَٱللَّهُ يَحْكُمُ لاَ مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ ..}تفسير : [الرعد: 41] يحكم بنصرة الإسلام وانتشاره في بقاع الأرض، وإذا حكم الله وقضى فلا رادَّ لقضائه، ولا مُعقبَ لحكمه {أية : مَّا يَفْتَحِ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلاَ مُمْسِكَ لَهَا ..}تفسير : [فاطر: 2] وما دام أن الله فتح فلا يضرك أنْ يغلق البشر. الفعل (فتح) يتعدى بنفسه في الفتح الحسيِّ نقول: فتح الباب ويتعدى باللام كما في {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ ..} [الفتح: 1] أي: نصرناك ويتعدَّى بـ (على) في الأمور المعنوية، وفي الخيرات يسوقها الله إليك ويُنزلها عليك. لذلك مشهور في الدعاء أن نقول: فتح الله عليك، كأن الخيرات ستنزل عليك كالمطر ينزل على رأسك، ومن ذلك قوله تعالى مع الفارق بين الحالين: {أية : فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ ..}تفسير : [الأنعام: 44] يعني: أتيناهم بالخيرات من كل ناحية {أية : حَتَّىٰ إِذَا فَرِحُواْ بِمَآ أُوتُوۤاْ ..}تفسير : [الأنعام: 44] أي: فرح البطر والتعالي {أية : فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ}تفسير : [الأعراف: 95]. لأنه كما سبق أنْ قلنا: إذا أردتَ أنْ تُوقع برجل لا تُوقعه من على الحصيرة مثلاً، إنما ترفعه إلى أعلى ليزيد الإيلام، كذلك هؤلاء فتح الله عليهم أبواب الخيرات من كل ناحية ليؤمنوا، لكنه نسوا ما ذكِّروا به، فأخذهم أخْذ عزيز مقتدر. والنعمة إذا لم تُقابل بالشكر انقلبتْ إلى نقمة {أية : كَلاَّ إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ * أَن رَّآهُ ٱسْتَغْنَىٰ}تفسير : [العلق: 6-7] والأخذ حال النعمة والرفاهية أنكى وأوجع من الأخذ حال الفقر، فالأخذ مع النعمة فيه يأسٌ بعد إطماع، مثل السجين الذي يطلب الماء لشدة عطشه، فيأتي له الحارسُ بكوب الماء حتى يقترب من فمه فيُريقه على الأرض. وقوله تعالى: {لِّيَغْفِرَ لَكَ ٱللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ ...}.
مجاهد بن جبر المخزومي
تفسير : /73 و/ أَنبا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً} [الآية: 1]. يعني: نحره بالحديبية وحلقه رأْسه. أَنبا عبد الرحمن، قال: إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: و{أَنزَلَ ٱلسَّكِينَةَ} [الآية: 4]. قال: السكينة من الله، عز وجل: كهيئة الريح، لها رأْس مثل رأْس الهرة وجناحان.
الصابوني
تفسير : اللغَة: {ٱلسَّكِينَةَ} السكونُ والطمأنينة والثباتُ {ٱلسَّوْءِ} المساءة والحزن والألم قال الجوهري: ساءَه سوءاً بالفتح ومساءةً نقيضُ سَّره، والإِسمُ السُّوءُ بالضم، ودائرة السُّوء يعني الهزيمة والشر، ومن فتح فهو من المساءة {تُعَزِّرُوهُ} تعظّموه وتنصروه وتمنعوا الأذى عنه، وسمي التعزيزُ في الحدود تعزيزاً لأنه مانع من فعل القبيح {نَّكَثَ} نقض البيعة والعهد {بُوراً} هلكى قال الجوهري: البورُ: الرجل الفاسد الهالك الذي لا خير فيه، و"قوماً بوراً" جمع بائر، وبار فلان أي هالك {حَرَجٌ} إثم وذنب. سَبَبُ النّزول: عن ابن عباس قال: تخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعراب المدينة حين أراد السفر إلى مكة عام الفتح، بعد أن كان استنفرهم معه حذراً من قريش، وأحرم بعمرةٍ وساق معه الهدي ليعلم الناسُ أنه لا يريد حرباً، فتثاقلوا عنه واعتلُّوا بالشغل فنزلت {سَيَقُولُ لَكَ ٱلْمُخَلَّفُونَ مِنَ ٱلأَعْرَابِ شَغَلَتْنَآ أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَٱسْتَغْفِرْ لَنَا..} الآية. التفسِير: {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً} أي قد فتحنا لك يا محمد مكة فتحاً بيناً ظاهراً، وحكمنا لك بالفتح المبين على أعدائك، والمراد بالفتح فتح مكة، وعده الله به قبل أن يكون، وذكره بلفظ الماضي لتحققه، وكانت بشارة عظيمة من الله تعالى لرسوله وللمؤمنين قال الزمخشري: هو فتح مكة، وقد نزلت مرجع رسول الله صلى الله عليه وسلم عن مكة عام الحديبية، وهو وعدٌ له بالفتح، وجيء به بلفظ الماضي على عادة ربّ العزَّة سبحانه في أخباره، لأنها في تحققها وتيقنها بمنزلة الكائنة الموجودة، وفي ذلك من الفخامة والدلالة على علو شأن الفتح ما لا يخفى {لِّيَغْفِرَ لَكَ ٱللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ} أي ليغفر لك ربك يا محمد جميع ما فرط منك من ترك الأولى قال أبو السعود: وتسميتُه ذنباً بالنظر إِلى منصبه الجليل وقال ابن كثير: هذا من خصائصه صلى الله عليه وسلم التي لا يشاركه فيها غيره، وفيه تشريفٌ عظيم لرسول الله صلى الله عليه وسلم إِذ هو أكمل البشر على الإِطلاق، وسيدهم في الدنيا والآخرة، وهو في جميع أموره على الطاعة والبر والاستقامة التي لم ينلها بشر سواه، لا من الأولين ولا من الآخرين، ولما كان أطوع خلق الله بشره الله بالفتح المبين، وغفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر {وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ} أي ويكمّل نعمته عليك بإِعلاء الدين ورفع مناره {وَيَهْدِيَكَ صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً} أي ويرشدك إِلى الطريق القويم، الموصل إِلى جنات النعيم؛ بما يشرعه لك من الدين العظيم {وَيَنصُرَكَ ٱللَّهُ نَصْراً عَزِيزاً} أي وينصرك الله على أعدائك نصراً قوياً منيعاً، فيه عزةٌ وغلبة، يجمع لك به بين عز الدنيا والآخرة {هُوَ ٱلَّذِيۤ أَنزَلَ ٱلسَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ ٱلْمُؤْمِنِينَ} أي هو جل وعلا الذي جعل السكون والطمأنينة في قلوب المؤمنين {لِيَزْدَادُوۤاْ إِيمَاناً مَّعَ إِيمَانِهِمْ} أي ليزدادوا يقيناً مع يقينهم، وتصديقاً مع تصديقهم، برسوخ العقيدة في القلوب، والتوكل على علاَّم الغيوب {وَلِلَّهِ جُنُودُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} أي وللهِ - جلَّت عظمته - كل جنود السماوات والأرض، من الملائكة والجن، والحيوانات، والصواعق المدمّرة، والزلازل، والخسف، والغرق، جنودٌ لا تُحصى ولا تُغلب، يسلطها على من يشاء قال ابن كثير: ولو أرسل عليهم ملكاً واحداً لأباد خضراءهم، ولكنه تعالى شرع لعباده الجهاد، لما له في ذلك من الحجة القاطعة والحكمة البالغة ولذلك قال {وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً} أي عليماً بأحوال خلقه، حكيماً في تقديره وتدبيره قال المفسرون: أراد بإِنزال السكينة في قلوب المؤمنين "أهل الحديبية" حين بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على مناجزة الحرب مع أهل مكة، بعد أن حصل لهم ما يزعج النفوس ويزيغ القلوب، من صد الكفار لهم عن دخول مكة، ورجوع الصحابة دون بلوغ مقصود، فلم يرجع منهم أحدٌ عن الإِيمان، بعد أن هاج الناس وماجوا، وزلزلوا حتى جاء عمر بن الخطاب إِلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال: ألست نبيَّ الله حقاً؟ قال: بلى، قال ألسنا على الحق وعدوُّنا على الباطل؟ قال بلى، قال: فلم نعط الدنيَّة في ديننا إِذن؟ قال إِني رسول الله وليست أعصيه وهو ناصري..الخ. {لِّيُدْخِلَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا} أي ليدخلهم - على طاعتهم وجهادهم - حدائق وبساتين ناضرة، تجري من تحتها أنهار الجنة ماكثين فيها أبداً {وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ} أي ويمحو عنهم خطاياهم وذنوبهم {وَكَانَ ذَلِكَ عِندَ ٱللَّهِ فَوْزاً عَظِيماً} أي وكان ذلك الإِدخال في الجنات والتكفير عن السيئات، فوزاً كبيراً وسعادةً لا مزيد عليها، إذ ليس بعد نعيم الجنة نعيم {وَيُعَذِّبَ ٱلْمُنَافِقِينَ وَٱلْمُنَافِقَاتِ وَٱلْمُشْرِكِينَ وَٱلْمُشْرِكَاتِ} أي وليعذِّب الله أهل النفاق والإِشراك، وقدَّمهم على المشركين لأنهم أعظم خطراً وأشد ضرراً من الكفار المجاهرين بالكفر {ٱلظَّآنِّينَ بِٱللَّهِ ظَنَّ ٱلسَّوْءِ} أي الظانين بربهم أسوأ الظنون، ظنوا أن الله تعالى لن ينصر رسوله والمؤمنين، وأن المشركين يستأصلونهم جميعاً كما قال تعالى {بَلْ ظَنَنْتُمْ أَن لَّن يَنقَلِبَ ٱلرَّسُولُ وَٱلْمُؤْمِنُونَ إِلَىٰ أَهْلِيهِمْ أَبَداً} قال القرطبي: ظنوا أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يرجع إِلى المدينة ولا أحدٌ من أصحابه حين خرج إِلى الحديبية {عَلَيْهِمْ دَآئِرَةُ ٱلسَّوْءِ} دعاءٌ عليهم أي عليهم ما يظنونه ويتربصونه بالمؤمنين من الهلاك والدمار {وَغَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ} أي سخط تعالى عليهم بكفرهم ونفاقهم، وأبعدهم عن رحمته {وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَآءَتْ مَصِيراً} أي وهيأ لهم في الآخرة ناراً مستعرة هي نار جهنم، وساءت مرجعاً ومنقلباً لأهل النفاق والضلال {وَلِلَّهِ جُنُودُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} تأكيد للانتقام من الأعداء أعداء الإِسلام من الكفرة والمنافقين قال الرازي: كرر اللفظ لأن جنود الله قد يكون إِنزالهم للرحمة، وقد يكون للعذاب، فذكرهم أولاً لبيان الرحمة بالمؤمنين وثانياً لبيان إِنزال العذاب عل الكافرين {وَكَانَ ٱللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً} أي عزيزاً في ملكه وسلطانه، حكيماً في صنعه وتدبيره قال الصاوي: ذكر هذه الآية أولاً في معرض الخلق والتدبير فذيَّلها بقوله {أية : عَلِيماً حَلِيماً}تفسير : [الأحزاب: 51] وذكرها ثانياً في معرض الانتقام فذيَّلها بقوله {عَزِيزاً حَكِيماً} وهو في منتهى الترتيب الحسن، لأنه تعالى ينزل جنود الرحمة لنصرة المؤمنين، وجنود العذاب لإِهلاك الكافرين.. ثم امتن تعالى على رسوله الكريم بتشريفه بالرسالة، وبعثه إِلى كافة الخلق فقال {إِنَّآ أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً} أي: إِنا أرسلناك يا محمد شاهداً على الخلق يوم القيامة، ومبشراً للمؤمنين بالجنة، ومنذراً للكافرين من عذاب النار {لِّتُؤْمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ} أي أرسلنا الرسول لتؤمنوا أيها الناس بربكم ورسولكم حقَّ الإِيمان، إِيماناً عن اعتقاد ويقين، لا يخالطه شك ولا ارتياب {وَتُعَزِّرُوهُ} أي تُفخموه وتُعظِّموه {وَتُوَقِّرُوهُ} أي تحترموا وتجلُّوا أمره مع التعظيم والتكريم، والضمير فيهما للنبي صلى الله عليه وسلم {وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً} أي تسبحوا ربكم في الصباح والمساء، ليكون القلب متصلاً بالله في كل آن، ثم قال تعالى {إِنَّ ٱلَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ ٱللَّهَ} أي إن الذين يبايعونك يا محمد في الحديبية "بيعة الرضوان" إِنما يبايعون في الحقيقة اللهَ، وهذا تشريفٌ للنبي صلى الله عليه وسلم حيث جعل مبايعته بمنزلة مبايعة الله، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم سفيرٌ ومعبِّر عن الله قال المفسرون: المراد بالبيعة هنا بيعة الرضوان بالحديبية، حين بايع الصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم على الموت كما روى الشيخان عن سلمة ابن الأكوع أنه قال: "بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على الموت" وسميت "بيعة الرضوان" لقول الله فيها {أية : لَّقَدْ رَضِيَ ٱللَّهُ عَنِ ٱلْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ ٱلشَّجَرَةِ}تفسير : [الفتح: 18] {يَدُ ٱللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ} قال ابن كثير: أي هو تعالى حاضر معهم، يسمع أقوالهم، ويرى مكانهم، ويعلم ضمائرهم وظواهرهم، فهو تعالى المبايع بواسطة رسوله صلى لله عليه وسلم وقال الزمخشري: يريد أن يد رسول الله صلى الله عليه وسلم التي تعلو أيدي المبايعين هي يدُ الله، والمعنى أن من بايع الرسول فقد بايع الله كقوله تعالى {أية : مَّنْ يُطِعِ ٱلرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ ٱللَّهَ}تفسير : [النساء: 80] {فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَىٰ نَفْسِهِ} أي فمن نقض البيعة فإِنما يعود ضرر نكثه عليه، لأنه حرم نفسه الثواب وألزمها العقاب بنقضه العهد والميثاق الذي عاهد به ربه {وَمَنْ أَوْفَىٰ بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ ٱللَّهَ} أي ومنْ وفَّى بعهده {فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً} أي فسيعطيه الله ثواباً جزيلاً، وهو الجنة دار الأبرار {سَيَقُولُ لَكَ ٱلْمُخَلَّفُونَ مِنَ ٱلأَعْرَابِ} أي سيقول لك يا محمد المنافقون الذين تخلفوا عن الخروج معك عام الحديبية من أعراب المدينة {شَغَلَتْنَآ أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَٱسْتَغْفِرْ لَنَا} أي شُغلنا عن الخروج معك بالأموال والأولاد، فاطلب لنا من الله المغفرة، لأن تخلفنا لم يكن باختيار بل عن اضطرار قال في التسهيل: سمَّاهم تعالى بالمخلَّفين لأنهم تخلَّفوا عن غزوة الحديبية، - والأعراب هم أهل البوادي من العرب - لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة يعتمر، رأوا أنه يستقبل عدواً كثيراً من قريش وغيرهم فقعدوا عن الخروج معه، ولم يكن إِيمانهم متمكناً فظنوا أنه لا يرجع هو والمؤمنون من ذلك السفر، ففضحهم الله في هذه السورة وأعلمَ تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم بقولهم واعتذارهم قبل أن يصل إِليهم، وأعلمه أنهم كاذبون في اعتذارهم {يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ} اي يقولون خلاف ما يبطنون وهذا هو النفاق المحض، فهم كاذبون في الاعتذار وطلب الاستغفار، لأنهم قالوه رياءً من غير صدقٍ ولا توبة {قُلْ فَمَن يَمْلِكُ لَكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ شَيْئاً إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرّاً أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعاً}؟ أي قل لهم: مَن يمنعكم من مشيئة الله وقضائه، إِن أراد أن يُلحق بكم أمراً يضركم كالهزيمة، أو أمراً ينفعكم كالنصر والغنيمة؟ قال القرطبي: وهذا ردٌ عليهم حين ظنوا ان التخلف عن الرسول صلى الله عليه وسلم يدفع عنهم الضرُّ، ويُعجل لهم النفع {بَلْ كَانَ ٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً} أي ليس الأمر كما زعمتم بل الله مطلع على ما في قلوبكم من الكذب والنفاق، ثم أظهر تعالى ما يخفونه في نفوسهم فقال {بَلْ ظَنَنْتُمْ أَن لَّن يَنقَلِبَ ٱلرَّسُولُ وَٱلْمُؤْمِنُونَ إِلَىٰ أَهْلِيهِمْ أَبَداً} أي بل ظننتم أيها المنافقون أن محمداً وأصحابه لن يرجعوا إِلى المدينة أبداً {وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ} أي وزُيّن ذلك الضلال في قلوبكم {وَظَنَنتُمْ ظَنَّ ٱلسَّوْءِ} أي ظننتم أنهم يُسْتأصلون بالقتل، ولا يرجع منهم أحد {وَكُنتُمْ قَوْماً بُوراً} أي وكنتم قوماً هالكين عند الله، مستوجبين لسخطه وعقابه {وَمَن لَّمْ يُؤْمِن بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ} لما بيَّن حال المتخلفين عن رسول الله، وبيَّن حال ظنهم الفاسد، وأنه يفضي بصاحبه إِلى الكفر، حرَّضهم على الإِيمان والتوبة على سبيل العموم والمعنى من لم يؤمن بالله ورسوله بطريق الإِخلاص والصدق {فَإِنَّآ أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَعِيراً} أي فإِنَّا هيأنا للكافرين ناراً شديدة مستعرة، وهو وعيدٌ شديد للمنافقين {وَلِلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} أي له جل وعلا جميع ما في السماوات والأرض، يتصرف في الكل كيف يشاء {يَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ} أي يرحم من يشاء من عباده ويُعذب من يشاء، وهذا قطع لطمعهم في استغفار رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم {وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً} أي واسع المغفرة عظيم الرحمة {سَيَقُولُ ٱلْمُخَلَّفُونَ إِذَا ٱنطَلَقْتُمْ إِلَىٰ مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا} أي سيقول الذين تخلَّفوا عن الخروج مع رسول الله في عمرة الحديبية، عند ذهابكم إِلى مغانم خيبر لتحصلوا عليها {ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ} أي اتركونا نخرج معكم إِلى خيبر لنقاتل معكم {يُرِيدُونَ أَن يُبَدِّلُواْ كَلاَمَ ٱللَّهِ} أي يريدون أن يُغيّروا وعد الله الذي وعده لأهل الحديبية من جعل غنائم خيبر لهم خاصة لا يشاركهم فيها أحد قال القرطبي: إن الله تعالى جعل لأهل الحديبية غنائم خيبر عوضاً عن فتح مكة إِذ رجعوا من الحديبية على صلح {قُل لَّن تَتَّبِعُونَا} أي قل لهم لا تتبعونا فلن يكون لكم فيها نصيب {كَذَٰلِكُمْ قَالَ ٱللَّهُ مِن قَبْلُ} أي كذلكم حكم الله تعالى بأن غنيمة خيبر لمن شهد الحديبية، ليس لغيرهم فيها نصيب قبل رجوعنا منها {فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا} أي فسيقولون ليس هذا من الله بل هو حسد منكم لنا على مشاركتكم في الغنيمة، قال تعالى ردّاً عليهم {بَلْ كَانُواْ لاَ يَفْقَهُونَ إِلاَّ قَلِيلاً} أي لا يفهمون إِلا فهماً قليلاً وهو حرصهم على الغنائم وأمور الدنيا {قُل لِّلْمُخَلَّفِينَ مِنَ ٱلأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَىٰ قَوْمٍ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ} أي قل لهؤلاء الذين تخلَّفوا عن الحديبية ـ كرَّر وصفهم بهذا الإِسم إظهاراً لشناعته ومبالغةً في ذمهم - ستُدعون إِلى حرب قوم أشداء، هم بنو حنيفة - قوم مسيلمة الكذاب - أصحاب الردة {تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ} أي إِما أن تقتلوهم أو يدخلوا في دينكم بلا قتال {فَإِن تُطِيعُواْ يُؤْتِكُمُ ٱللَّهُ أَجْراً حَسَناً} أي فإِن تستجيبوا وتخرجوا لقتالهم يعطكم الله الغنيمة والنصر في الدنيا، والجنة في الآخرة {وَإِن تَتَوَلَّوْاْ كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِّن قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً} أي وإِن تتخلفوا عن الخروج كما تخلفتم زمن الحديبية، يعذبكم اللهُ عذاباً شديداً مؤلماً في نار جهنم.. ثم ذكر تعالى الأعذار في ترك الجهاد فقال {لَّيْسَ عَلَى ٱلأَعْمَىٰ حَرَجٌ وَلاَ عَلَى ٱلأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلاَ عَلَى ٱلْمَرِيضِ حَرَجٌ} أي ليس على هؤلاء إِثم أو ذنب في ترك الخروج للجهاد لما بهم من الأعذار الظاهرة {وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ} أي من يطع أمر الله وأمر الرسول يدخله جنات النعيم خالداً فيها {وَمَن يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذَاباً أَلِيماً} أي ومن ينكل عن الجهاد لغير عذر يعذبه الله عذاباً شديداً، في الدنيا بالمذلة وفي الآخرة بالنار.
زيد بن علي
تفسير : أخبرنا أبو جعفر. قال: حدّثنا علي بن أحمد. قال: حدّثنا عطاء بن السائب عن أبي خالد عن زيد بن علي عليهما السّلامُ في قولهِ تعالى: {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً} معناه قَضَينا لَكَ قَضاءً بَيناً، وحكمنا لَكَ حُكماً يُريدُ فَتحَ خَيبر.
الأندلسي
تفسير : {بِسمِ ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ * إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً} هذه السورة مدنية فعن ابن عباس أنها نزلت بالمدينة والصحيح أنها نزلت بالطريق منصرفه من الحديبية سنة ست من الهجرة فهي تعد من المدني، ومناسبتها لما قبلها أنه تقدم وإن تتولوا وهو خطاب لكفار قريش أخبر رسوله صلى الله عليه وسلم بالفتح العظيم ولما قال: وأنتم الأعلون ناسب ذلك علو الإِسلام بهذ الفتح العظيم وعلل المغفرة باجتماع ما عدد من الأمور الأربعة وهي المغفرة وإتمام النعمة وهداية الصراط المستقيم والنصر العزيز كأنه قيل يسرنا فتح مكة ونصرناك على عدوك لنجمع لك بين عز الدارين وإغراض العاجل والآجل والسكينة هي الطمأنينة والسكون فقيل بسبب الصلح والأمن ليعرفوا فضل الله عليهم بتيسير الأمن بعد الخوف والهدنة بعد القتال فيزدادوا يقيناً إلى يقينهم والظاهر أن اللام في ليدخل تتعلق بمحذوف يدل عليه الكلام وذلك أنه قال ولله جنود السماوات والأرض فكان في ذلك دليل على أنه تعالى يبتلي بتلك الجنود من يشاء فيقبل الخير من قضى له بالخير والشر من قضى له بالشر ليدخل المؤمنين جنات ويعذب الكافرين فاللام تتعلق بيبتلي هذه قرىء: لتؤمنوا وعطف عليه ما بعد بتاء الخطاب وبياء الغيبة والضمير في وتعززوه وتوقروه عائد للرسول عليه السلام وفي تسبحوه عائد لله تعالى وتقدم لفظ التعزير. {إِنَّ ٱلَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ} هي بيعة الرضوان وبيعة الشجرة حين أخذ الرسول عليه السلام الأهبة لقتال قريش حين أرجف بقتل عثمان بن عفان وقد بعثه إلى قريش يعلمهم أنه جاء معتمراً لا محارباً وذلك قبل أن ينصرف من الحديبية بايعهم صلى الله عليه وسلم على الصبر المتناهي في قتال العدو إلى أقصى الجهد ولذلك قال سلمة بن الأكوع وغيره: بايعنا على الموت وقال ابن عمر وجابر على أن لا نفر. وقال الزمخشري: لما قال إنما يبايعون الله أكده تأكيداً على طريقة التخييل فقال: يد الله فوق أيديهم يريد أن يد رسول الله صلى الله عليه وسلم التي تعلو أيدي المبايعين هي يد الله والله تعالى منزه عن الجوارح وعن صفات الأجسام وإنما المعنى تقرير أن عقد الميثاق مع الرسول كعقده مع الله تعالى من غير تفاوت بينهما كقوله: {أية : مَّنْ يُطِعِ ٱلرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ ٱللَّهَ} تفسير : [النساء: 80] ومن نكث فإِنما ينكث على نفسه فلا يعود ضرر نكثه إلا عليه "انتهى". {سَيَقُولُ لَكَ ٱلْمُخَلَّفُونَ مِنَ ٱلأَعْرَابِ} المخلفون قبائل من العرب مذكورون في البحر. {شَغَلَتْنَآ أَمْوَالُنَا} هذا اعتلال مهم من تخلفهم أي لم يكن لهم من يقول بحفظ أموالهم وأهليهم غيرهم فبدؤوا بذكر الأموال لأن بها قوام العيش وعطفوا الأهل عليها لأنهم كانوا يحافظون على حفظ الأهل أكثر من حفظ المال وكان الرسول صلى الله عليه وسلم استنفرهم حين أراد المسير إلى مكة فتحللوا بهذا الاعتلال. {يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ} الظاهر أنه راجع إلى الجملتين من الشغل وطالب الاستغفار لأن قولهم شغلتنا كذب وطلب الاستغفار خبث منهم وإظهار أنهم مؤمنون عاصون. {قُلْ فَمَن يَمْلِكُ} أي من يمنعكم من قضاء الله. {إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرّاً} من قتل أو هزيمة. {أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعاً} من ظفر وغنيمة إذ هو تعالى المتصرف فيكم ولما أخبر تعالى أنهم قوم بور ذكر ما دل على أنهم ليسوا بمؤمنين فقال ومن لم يؤمن ثم ذكر جزاءهم وهو السعير. {يُرِيدُونَ أَن يُبَدِّلُواْ كَلاَمَ ٱللَّهِ} معناه أن يغيروا وعده لأهل الحديبية لغنيمة خيبر وذلك أنه وعدهم أن يعوضهم من مغانم مكة مغانم خيبر إذا قفلوا موادعين لا يصيبون منهم شيئاً وأمره تعالى أن يقول لهم لن تتبعونا وأتى بصيغة لن وهي للمبالغة في النفي أي لا يتم لكم ذلك ان وقد وعد تعالى أن ذلك لا يحضرها إلا أهل الحديبية فقط. {كَذَٰلِكُمْ قَالَ ٱللَّهُ مِن قَبْلُ} يريد وعده قبل اختصاصهم بها. {بَلْ تَحْسُدُونَنَا} أي يعز عليكم أن نصيب مغنماً معكم وذلك على سبيل الحسد ان نقاسمكم فيما تغنمون ثم ردّ تعالى عليهم كلامهم هذا فقال: {بَلْ كَانُواْ لاَ يَفْقَهُونَ} أي لا يفهمون. {إِلاَّ قَلِيلاً} من أمور الدنيا. {قُل لِّلْمُخَلَّفِينَ مِنَ ٱلأَعْرَابِ} أمر تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يقول لهم ذلك ودل على أنهم كانوا يظهرون الإِسلام ولو لم يكن الأمر كذلك لم يكونوا أهلاً لهذا الأمر وأبهم تعالى في قوله: {إِلَىٰ قَوْمٍ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ} قال ابن عباس: هم الفرس وقيل غير ذلك والظاهر أن هؤلاء المقاتلين ليسوا ممن تؤخذ منهم الجزية إذ لم يذكر هنا إلا القتال أو الإِسلام. قال الزمخشري: وفي هذا دليل على إمامة أبي بكر الصديق رضي الله عنه فإِنهم لم يدعوا إلى حرب في أيام الرسول صلى الله عليه وسلم ولكن بعد وفاته "انتهى". وهذا ليس بصحيح قد حضر كثير منهم مع جعفر في موته وحضروا حرب هوازن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وحضروا معه في سفرة تبوك ولا يتم قول الزمخشري إلا على قول من عين أنهم من أهل الردة. {فَإِن تُطِيعُواْ} أي فيما تدعون إليه. {كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِّن قَبْلُ} أي في الخروج مع الرسول صلى الله عليه وسلم في زمان الحديبية. {يُعَذِّبْكُمْ} يحتمل أن يكون في الدنيا وأن يكون في الآخرة. {لَّيْسَ عَلَى ٱلأَعْمَىٰ حَرَجٌ} تقدم الكلام عليه. {لَّقَدْ رَضِيَ ٱللَّهُ عَنِ ٱلْمُؤْمِنِينَ} الآية لما ذكر حال من تخلف عن السفر مع الرسول ذكر حال المؤمنين الخلص الذين سافروا معه والآية دالة على رضا الله تعالى عنهم ولذا سميت بيعة الرضوان والعامل في إذ رضي والرضا بمعنى إظهار النعم عليهم فهو صفة فعل لا صفة ذات لتقييده بالزمان وتحت يحتمل أن يكون معمولاً ليبايعونك أو حال من المفعول لأنه عليه السلام كان تحتها جالساً في أصلها وكانت الشجرة سمرة. {فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ} من الإِيمان واتباع الرسول صلى الله عليه وسلم. {وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً} قيل هو فتح خيبر وكان عقب انصرافهم من مكة.
الجيلاني
تفسير : {إِنَّا} من مقام عظيم جودنا {فَتَحْنَا لَكَ} يا أكمل الرسل {فَتْحاً مُّبِيناً} [الفتح: 1] ظاهراً عظيماً بأن ألهمنا عليك، وأوضحنا لك طريق الخروج من مضيق الإمكان إلى فضاء الوجوب، ويسرنا لك الترقي والعروج ومن حضيض الجهل وأودية الضلال على ذروة العلم وأوج الوصال. وإنما فتحنا لك ما فتحنا {لِّيَغْفِرَ لَكَ} ويستر عليك {ٱللَّهُ} المحيط بعموم أحوالك وشئونك {مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ} الذي عرض عليك بمقتضى بشريتك وإمكانك قبل انكشافك بوحدة الحق {وَمَا تَأَخَّرَ} بعده من تلويناتك في بعض الأحوال المسرة والمؤلمة حسب النشأة البشرية {وَ} بالجملة: {يُتِمَّ نِعْمَتَهُ} الموعودة لك حسب استعدادك {عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً} [الفتح: 2] موصلاً على مقصد التوحيد الذاتي. {وَ} بالجملة: {يَنصُرَكَ ٱللَّهُ} الوكيل الكفيل لك في عروجك وترقيك عن بقعة الإمكان {نَصْراً عَزِيزاً} [الفتح: 3] منيعاً غالباً حيث لم يغلب عليك بعد انكشافك بسرائر التوحيد جنود أمارتك وشياطين بشريتك مطلقاً. وكيف لا ينصرك ربك؟ {هُوَ ٱلَّذِيۤ أَنزَلَ ٱلسَّكِينَةَ} أي: الطمأنينة والوقار {فِي قُلُوبِ ٱلْمُؤْمِنِينَ} مقتبسين من مشكاة نبوتك نور الولاية اللامعة المتشعشعة من شمس الذات {لِيَزْدَادُوۤاْ إِيمَٰناً} بهدايتك وإرشادك {مَّعَ إِيمَٰنِهِمْ} بأنك على الحق المبين {وَ} كيف لا يزدادون إيماناً يا أكمل الرسل، مع أنك فزت بالفوز العظيم من الوحدة الذاتية وصرت مصوناً محفوظاً في كنف الحق وجواره، منصوراً على عموم أعدائه؛ إذ {لِلَّهِ} وفي حيطة قدرته الغالبة {جُنُودُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ} أي: مدبرات الأسماء والصفات {وَ} جنود {ٱلأَرْضِ} أي: قوابل الأركان والطبائع التي هي حوامل آثار العلويات المأثورات منها {وَ} بالجملة: {كَانَ ٱللَّهُ} المطلع لعموم ما في استعدادات عباده وقابليتهم {عَلِيماً} بحوائجهم لدى الحاجة {حَكِيماً} [الفتح: 4] في تدبيرات أمورهم على وفق الحكمة المتقنة والمصالحة المستحكمة. كل ذلك {لِّيُدْخِلَ} سبحانه بمقتضى سعة رحمته وجوده {ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ} من أمة حبيبه وصفيِّه المستخلف منه سبحانه في بريته وعموم خليقته {جَنَّاتٍ} منتزهات العلم والعين والحق {تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ} أي: جداول المعارف والحقائق المترشحة من بحر الذات {خَالِدِينَ فِيهَا} بلا تلوين وتحويل {وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ} أي: يمحو عن عيون بصائرهم أشباح أنانيتهم، وأمواج هوياتهم المستحدثة على بحر الوجود، ومن نكبات التعينات وحرص الإضافات {وَكَانَ ذَلِكَ} الإدخال والإيصال والتكفير {عِندَ ٱللَّهِ} المتعزز برداء العظمة والكبرياء {فَوْزاً عَظِيماً} [الفتح: 5] وأجراً جميلاً، لا فوز أعظم منه وأعلى. {وَ} كما يدخل سبحانه المؤمنين والمؤمنات في روضات الجنات تفضلاً وإحساناً {يُعَذِّبَ} أيضاً {ٱلْمُنَافِقِينَ وَٱلْمُنَافِقَاتِ} وهم الذي أخرجوا أعناقهم عن عروة العبودية بمتابعة الأهوية الفاسدة والآراء الباطلة، وأظهروا الإيمان على طرف اللسان بلا إخلاص وإذعان {وَٱلْمُشْرِكِينَ وَٱلْمُشْرِكَاتِ} وهم الذين جحدوا في الله الواحد الأحد الصمد، المنزَّه عن الشرك مطلقاً، وأثبتوا له شركاء ظلماً وزوراً {ٱلظَّآنِّينَ بِٱللَّهِ} المستقل بالألوهية والربوبية {ظَنَّ ٱلسَّوْءِ} وهو أنه لا ينصر أولياءه الباذلين مهجهم في طريق توحيدهم، بل تدور {عَلَيْهِمْ دَآئِرَةُ ٱلسَّوْءِ} ويحيط بهم وَبَال ما تظنونه على أولياء الله، كيف {وَغَضِبَ ٱللَّهُ} المطلع على ما في ضمائرهم {عَلَيْهِمْ} بل {وَلَعَنَهُمْ} أي: طردهم عن ساحة عز قبوله {وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ} الطرد والحرمان {وَسَآءَتْ} لهم جهنم {مَصِيراً} [الفتح: 6] أي: مقراً ومنقلباً ومرجعاً ومآباً. {وَ} كيف لا يلعنهم سبحانه ولا يغضب عليهم مع أنهم يظنون بالله ظن السوء، ويعتقدونه عاجزاً عن نصر أوليائه، مع أنه {لِلَّهِ} وفي حيطة قدرته وتحت تصرفه {جُنُودُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} وله أن يأمرهم ما يشاء، ويغلبهم على من يريد إرادةً واختياراً {وَ} الحال أنه قد {كَانَ ٱللَّهُ} المتوحد بالعظمة والكبرياء {عَزِيزاً} غالباً على عموم مراداته ومقدرواته بلا معاونة إحدٍ ومظاهرته {حَكِيماً} [الفتح: 7] في أفعاله المتقنة، يدبرها بالاستقلال وفق حكمته البالغة. ثم قال سبحانه في مقام الامتنان لحبيبه صلى الله عليه وسلم؛ إظهاراً لكمال قدرته الشاملة وحكمته الكاملة: {إِنَّآ} من مقام عظيم جودنا {أَرْسَلْنَٰكَ} يا أكمل الرسل {شَٰهِداً} على عموم عبادنا، يشهد لهم عندنا عموم ما صدر عنهم من الصالحات الجالبة لأنواع المثوبات والكرامات {وَمُبَشِّراً} بهم، يبشرهم برفع الدرجات والفوز بالسعادات {وَنَذِيراً} [الفتح: 8] ينذرهم عن الدركات العائقة عن الوصول إلى جنة الذات التي دونها تجرى بحر الحياة. كل ذلك {لِّتُؤْمِنُواْ بِٱللَّهِ} وتذعنوا بتوحيده {وَرَسُولِهِ} أي: تصدقوا برسوله الذي أرسل إليهم من عنده سبحانه {وَ} بعد اتصافهم بكمال الإيمان والإذعان {تُعَزِّرُوهُ} سبحانه؛ أي: تعتقدوا أن الحول والقوة بالله جميعاً، لا حول ولا قوة لسواه مطلقاً {وَ} بعدما اعتقدتم كذلكَ {تُوَقِّرُوهُ} وتعظموه حق تعظيمه {وَ} بعدما وقرتموه وعظمتموه كما ينبغي ويليق بشأنه {تُسَبِّحُوهُ} وتنزهوه عما لا يليق بجنابه {بُكْرَةً وَأَصِيلاً} [الفتح: 9] أي: في عموم أوقاتهم وحالاتهم؛ إذ لا يتأتى منهم بالنسبة إلى جنابه سبحانه إلا التفويض والتعظيم والتنزيه والتقديس، وإلا فما للعباد ورب الأرباب أن يتكلموا عن ذاته وصفاته، سوى أن يخوضوا في لجة بحر توحيده، ويتيهوا في بيداء ألوهيته حتى يفنوا في فضاء صمديته؛ إذ لا إله إلا هو ولا شيء سواه {أية : كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ}تفسير : [القصص: 88].
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً} [الفتح: 1]، يشير إلى فتح باب قلبه صلى الله عليه وسلم إلى حضرة ربوبيته بتجلي صفات جماله وجلاله، وفتح ما انغلق على جميع القلوب، وتفصيل شرائع الإسلام، وغير ذلك من فتوحات قلبه؛ {لِّيَغْفِرَ لَكَ ٱللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ} [الفتح: 2]؛ أي: ليستر لك بأنوار جلاله ما تقدم من ذنب وجودك من بدء خلق روحك، وهو أول شيء تعلقت به القدرة، كما قال: "حديث : أول ما خلق الله روحي"تفسير : ، وفي رواية: "حديث : نوري ". تفسير : {وَمَا تَأَخَّرَ} [الفتح: 2]؛ أي: من ذنب وجودك إلى الأبد، وذنب الوجود هو إلى الأبد، وذنب الوجود هو الشركة في الوجود وغفره ستره بنور الوحدة؛ لمحو آثار ظلمة الاثنينية، {وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ} [الفتح: 2]، وهي نور وحدانيته كما قال تعالى: {أية : وَٱللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ} تفسير : [الصف: 8]؛ ولهذا سماه الله نوراً بقوله: {أية : قَدْ جَآءَكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ}تفسير : [المائدة: 15]. {وَيَهْدِيَكَ صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً} [الفتح: 2]؛ أي: يهديك بجذبات ألطافه على صراط مستقيم عنايته إلى ذاته وصفاته، {وَيَنصُرَكَ ٱللَّهُ نَصْراً عَزِيزاً} [الفتح: 3]؛ أي: ينصرك ببذل وجودك المجازي في وجوده العزيز الحقيقي. {هُوَ ٱلَّذِيۤ أَنزَلَ ٱلسَّكِينَةَ} [الفتح: 4] من أنوار ولاية نبوته {فِي قُلُوبِ ٱلْمُؤْمِنِينَ} [الفتح: 4] بتوجه قلوبهم إلى الإيمان بنبوته؛ {لِيَزْدَادُوۤاْ إِيمَٰناً} [الفتح: 4]؛ أي: إيماناً بنبوته {مَّعَ إِيمَٰنِهِمْ} [الفتح: 4] بالله، والسكينة: ما يسكن إليه القلب من أنوار الإيمان والإيقان والعرفان بالدلائل والبرهان والعرفان بمشاهدة العيان، بل الاستغراق في بحر العين بلا أين {وَلِلَّهِ جُنُودُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} [الفتح: 4]؛ أي: كلها دالة على وحدانيته، وهي جنود الله بالنصرة لعباده بالظفر بمعرفته، {وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيماً} [الفتح: 4] بمن هو أهل النصرة للمعرفة {حَكِيماً} [الفتح: 4] فيما حكم في الأزل لهم. {لِّيُدْخِلَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ} [الفتح: 5]؛ أي: {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً} [الفتح: 1]؛ ليغفر لك الله وليدخل المؤمنين والمؤمنات بتبعيتك {جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ} [الفتح: 5] بستر ذنوبهم وبحطها عنهم، ويزكيهم عن أخلاقهم الذميمة كما فعل بك، {وَكَانَ ذَلِكَ عِندَ ٱللَّهِ} [الفتح: 5]، لهم {فَوْزاً عَظِيماً} [الفتح: 5]؛ إذ فازوا بالنعيم المقيم وجوار الله العظيم.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : هذا الفتح المذكور هو صلح الحديبية، حين صد المشركون رسول الله صلى الله عليه وسلم لما جاء معتمرا في قصة طويلة، صار آخر أمرها أن صالحهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على وضع الحرب بينه وبينهم عشر سنين، وعلى أن يعتمر من العام المقبل، وعلى أن من أراد أن يدخل في عهد قريش وحلفهم دخل، ومن أحب أن يدخل في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وعقده فعل. وبسبب ذلك لما أمن الناس بعضهم بعضا، اتسعت دائرة الدعوة لدين الله عز وجل، وصار كل مؤمن بأي محل كان من تلك الأقطار، يتمكن من ذلك، وأمكن الحريص على الوقوف على حقيقة الإسلام، فدخل الناس في تلك المدة في دين الله أفواجا، فلذلك سماه الله فتحا، ووصفه بأنه فتح مبين أي: ظاهر جلي، وذلك لأن المقصود في فتح بلدان المشركين إعزاز دين الله، وانتصار المسلمين، وهذا حصل بذلك الفتح، ورتب الله على هذا الفتح عدة أمور، فقال: { لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ } وذلك -والله أعلم- بسبب ما حصل بسببه من الطاعات الكثيرة، والدخول في الدين بكثرة، وبما تحمل صلى الله عليه وسلم من تلك الشروط التي لا يصبر عليها إلا أولو العزم من المرسلين، وهذا من أعظم مناقبه وكراماته صلى الله عليه وسلم، أن غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. { وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ } بإعزاز دينك، ونصرك على أعدائك، واتساع كلمتك، { وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا } تنال به السعادة الأبدية، والفلاح السرمدي. { وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا } أي: قويا لا يتضعضع فيه الإسلام، بل يحصل الانتصار التام، وقمع الكافرين، وذلهم ونقصهم، مع توفر قوى المسلمين ونموهم، ونمو أموالهم. ثم ذكر آثار هذا الفتح على المؤمنين فقال: { هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا ...}.
النسائي
تفسير : بسم الله الرحمن الرحيم سورة الفتح 518 - أنا عمرو بنُ عليٍّ، نا يحيى، نا شعبة، نا قتادةُ، عن أنسٍ، {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً} [1] قال الحديبية. قوله تعالى: {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً} [1] 519 - أنا محمد بن عبد الله بن/ المبارك، نا قرادٌ - وهو: عبد الرحمن بن غزوان أبو نوحٍ - نا مالكٌ، عن زيد بن أسلم، عن أبيه. عن عمر، قال: حديث : كُنا مع النبيِّ صلى الله عليه وسلم في سفرٍ فسألتهُ عن شيءٍ ثلاث مراتٍ، فلم يُرد عليَّ، فقلت لنفسي ثكلتك أُمك يا ابن الخطاب، فركبتُ راحلتي، فتقدمت مخافة أن يكون نزل فيَّ شيءٌ، فإذا أنا بمنادٍ يُنادي يا عمر، فرجعتُ وأنا أظنُّ أنه نزل فيَّ شيءٌ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "نزل عليَّ البارحة سورةٌ أحبُّ إلي من الدنيا وما فيها" {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً * لِّيَغْفِرَ لَكَ ٱللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ} [1-2] . تفسير : قوله تعالى: {لِّيَغْفِرَ لَكَ ٱللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ} [2] 520 - أنا علي بن حُجرٍ، نا إسماعيل، نا عبد الله بن عبد الرحمن، أن أبا يونس مولى عائشة، أخبره عن عائشة حديث : أن رجلاً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم يستفتيهِ وهي تسمع من وراء الحجاب فقال يا رسول الله: تُدركني الصلاة وأنا جُنُبٌ فأصوم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "وأنا تُدركني الصلاة وأنا جُنُبٌ فأصومُ"، قال: لست مِثلنا يا رسول الله قد غفر لك الله {مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ} قال: "والله إني لأرجوا أن أكون أخشاكم للهِ وأعلمكم بما أتقي" صلى الله عليه وسلم . تفسير : 521 - أنا قتيبة بن سعيدٍ، نا أبو عوانة، عن زياد بن علاقة، عن مُغيرة بن شعبة، حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم صلَّى حتى انتفخت قدماهُ. فقيل: أتتكَلَّفُ هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر قال: "أفلا أكون عبداً شكوراً؟ ".
همام الصنعاني
تفسير : 2893- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً}: [الآية: 1]، قال: قضينا لك قضَاءً مُبِيناً. 2894- عبد الرزاق، عن ابن التيمي، عن مغيرة، عن الشعبي في قوله: {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً}: [الآية: 1]، قال: نزلت بعد الحديبية، فَغُِرَ له ما تقدَّم من ذنبه وَمَا تأخَّر، وبايعوه مُبايَعَةَ الرّضوان وأُطْعِمُوا نَخْلَ خيبر، وظهرت الروم على فارس، وفَرَِحَ المؤمنون بتصديق كتاب الله، وَظَهَرَ أهْلُ الكتاب على المجوس.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):