Verse. 4585 (AR)

٤٨ - ٱلْفَتْح

48 - Al-Fath (AR)

لِّيَغْفِرَ لَكَ اللہُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْۢبِكَ وَ مَا تَاَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَہٗ عَلَيْكَ وَيَہْدِيَكَ صِرَاطًا مُّسْتَـقِيْمًا۝۲ۙ
Liyaghfira laka Allahu ma taqaddama min thanbika wama taakhkhara wayutimma niAAmatahu AAalayka wayahdiyaka siratan mustaqeeman

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ليغفر لك الله» بجهادك «ما تقدم من ذنبك وما تأخر» منه لترغب أمتك في الجهاد وهو مؤول لعصمة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بالدليل العقلي القاطع من الذنوب واللام للعلة الغائية فمدخولها مسبب لا سبب «ويتم» بالفتح المذكور «نعمته» إنعامه «عليك ويهديك» به «صراطا» طريقا «مستقيما» يثبتك عليه وهو دين الإسلام.

2

Tafseer

القرطبي

تفسير : قال ابن الأنباري: «فَتْحاً مُبِيناً» غير تام؛ لأن قوله: {لِّيَغْفِرَ لَكَ ٱللَّهُ مَا تَقَدَّمَ} متعلق بالفتح. كأنه قال: إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً لكي يجمع الله لك مع الفتح المغفرة؛ فيجمع الله لك به ما تَقَرّ به عينك في الدنيا والآخرة. وقال أبو حاتم السِّجستاني: هي لام القسم. وهذا خطأ؛ لأن لام القسم لا تكسر ولا ينصب بها؛ ولو جاز هذا لجاز: ليقوم زيد؛ بتأويل ليقومن زيد. الزَّمَخْشَرِيّ: فإن قلت كيف جعل فتح مكة علة للمغفرة؟ قلت: لم يجعل علة للمغفرة، ولكن لاجتماع ما عدّد من الأمور الأربعة، وهي: المغفرة، وإتمام النعمة، وهداية الصراط المستقيم، والنصر العزيز. كأنه قال يَسّرنا لك فتح مكة ونصرناك على عدوّك ليجمع لك عِزّ الدارين وأعراض العاجل والآجل. ويجوز أن يكون فتح مكة من حيث إنه جهاد للعدوّ سبباً للغفران والثواب. وفي الترمذي حديث : عن أنس قال: أُنزلت على النبيّ صلى الله عليه وسلم {لِّيَغْفِرَ لَكَ ٱللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ} مَرْجِعَه من الحديبية؛ فقال النبي صلى الله عليه وسلم:«لقد أنزلت عليّ آية أحبّ إليّ مما على وجه الأرض». ثم قرأها النبي صلى الله عليه وسلم عليهم؛ فقالوا: هنيئاً مريئاً يا رسول الله، لقد بيّن الله لك ماذا يفعل بك؛ فماذا يفعل بنا؟ فنزلت عليه: {لِّيُدْخِلَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ ـ حتى بلغ ـ فَوْزاً عَظِيماً}تفسير : قال حديث حسن صحيح. وفيه عن مُجَمِّع بن جارية. واختلف أهل التأويل في معنى «لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ» فقيل: «مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ» قبل الرسالة. «وَمَا تَأَخَّرَ» بعدها؛ قاله مجاهد. ونحوه قال الطبري وسفيان الثوري، قال الطبري: هو راجع إلى قوله تعالى: {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ ـ إلى قوله ـ تَوَّاباً}. {لِّيَغْفِرَ لَكَ ٱللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ} قبل الرسالة {وَمَا تَأَخَّرَ} إلى وقت نزول هذه الآية. وقال سفيان الثوري: «لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ» ما عملته في الجاهلية من قبل أن يوحى إليك. «وَمَا تَأَخَّرَ» كل شيء لم تعمله؛ وقاله الواحدي. وقد مضى الكلام في جريان الصغائر على الأنبياء في سورة «البقرة»؛ فهذا قول. وقيل: «مَا تَقَدَّمَ» قبل الفتح. «وَمَا تَأَخَّرَ» بعد الفتح. وقيل: «مَا تَقَدَّمَ» قبل نزول هذه الآية. «وَمَا تَأَخَّرَ» بعدها. وقال عطاء الخراسانيّ: «مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ» يعني من ذنب أبويك آدم وحوّاء. «وَمَا تَأَخَّرَ» من ذنوب أمتك. وقيل: من ذنب أبيك إبراهيم. «وَمَا تَأَخَّرَ» من ذنوب النبيّين. وقيل: «مَا تَقَدَّمَ» من ذنب يوم بدر. «وَمَا تَأَخَّرَ» من ذنب يوم حُنَين. وذلك أن الذنب المتقدّم يوم بدر، أنه جعل يدعو ويقول: «حديث : اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تُعْبد في الأرض أبداً»تفسير : وجعل يردّد هذا القول دفعات، فأوحى الله إليه: من أين تعلم أني لو أهلكت هذه العصابة لا أُعبد أبداً؛ فكان هذا الذنب المتقدّم. وأما الذنب المتأخر فيوم حنين، لما ٱنهزم الناس حديث : قال لعمه العباس ولاْبن عمه أبي سفيان: «ناولاني كَفًّا من حَصْباء الوادي»فناولاه فأخذه بيده ورمى به في وجوه المشركين وقال: «شاهت الوجوه. حۤـمۤ. لا ينصرون» فٱنهزم القوم عن آخرهم، فلم يبق أحد إلا امتلأت عيناه رملاً وحصباء. ثم نادى في أصحابه فرجعوا فقال لهم عند رجوعهم: «لو لم أرمهم لم ينهزموا» تفسير : فأنزل الله عز وجل: {أية : وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ} تفسير : [الأنفال: 71] فكان هذا هو الذنب المتأخر. وقال أبو علي الرُّوذَبَارِيّ: يقول لو كان لك ذنب قديم أو حديث لغفرناه لك. قوله تعالى: {وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ} قال ابن عباس: في الجنة. وقيل: بالنبوّة والحكمة. وقيل: بفتح مكة والطائف وخيبر. وقيل: بخضوع من استكبر وطاعة من تجبّر. {وَيَهْدِيَكَ صِرَٰطاً مُّسْتَقِيماً} أي يثبتك على الهدى إلى أن يقبضك إليه. {وَيَنصُرَكَ ٱللَّهُ نَصْراً عَزِيزاً } أي غالباً منيعاً لا يتبعه ذل.

المحلي و السيوطي

تفسير : {لّيَغْفِرَ لَكَ ٱللَّهُ } بجهادك {مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ } منه لترغب أمّتك في الجهاد وهو مؤول لعصمة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بالدليل العقلي القاطع من الذنوب واللام للعلة الغائية فمدخولها مسبب لا سبب {وَيُتِمُّ } بالفتح المذكور {نِعْمَتَهُ } إنعامه {عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ } به {صِرَاطاً } طريقا {مُّسْتَقِيماً } يثبتك عليه وهو دين الإِسلام.

ابن عبد السلام

تفسير : {لِّيَغْفِرَ لَكَ} إكمالاً للنعمة عليك، أو يَصْبرك على أذى قومك {مَا تَقَدَّمَ} قبل الفتح {وَمَا تَأَخَّرَ} بعده، أو ما تقدم النبوة وما تأخر عنها، أو ما وقع وما لم يقع. وعده بأنه مغفور إن وقع {نِعْمَتَهُ} بفتح مكة والطائف وخيبر، أو بخضوع من استكبر وطاعة من تجبر قال عبد الله بن أُبي للأنصار كيف تدخلون في دين رجل لا يدري ما يُفعل به ولا بمن اتبعه هذا والله هو الضلال المبين، حديث : فقال شيحان: يا رسول الله ألا تسأل ربك يخبرك بما يفعل بك وبمن اتبعك فقال: إن له أجلاً فأبشرا بما يسركما تفسير : فلما نزلت قرأها على أصحابه فقال أحدهم: هنيئاً مريئاً يا رسول الله قد بيّن الله تعالى لك ما يفعل بك فماذا يفعل بنا فنزلت {أية : لِّيُدْخِلَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} تفسير : [الفتح: 5].

ابو السعود

تفسير : وقولُه تعالى: {لّيَغْفِرَ لَكَ ٱللَّهُ} غايةٌ للفتحِ منْ حيثُ إنَّه مترتبٌ على سعيهِ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ في إعلاءِ كلمةِ الله تعالى بمكابدةِ مشاقِّ الحروبِ واقتحامِ مواردِ الخطوبِ، والالتفاتُ إلى اسم الذاتِ المستتبعِ لجميعِ الصفاتِ للإشعارِ بأن كلَّ واحدٍ ممَّا انتظم في سلك الغايةِ من أفعالِه تعالى صادرٌ عنه تعالى من حيثيةٍ غيرِ حيثيةِ الآخرِ مترتبةٍ على صفةٍ من صفاتِه تعالى: {مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ} أي جميعَ ما فرَطَ منك من تركِ الأَوْلى، وتسميتُه ذنباً بالنظرِ إلى منصبه الجليلِ. {وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ} بإعلاءِ الدِّين وضمِّ الملكِ إلى النبوةِ وغيرهما مما أفاضَه عليه من النعمِ الدينيةِ والدنيويةِ. {وَيَهْدِيَكَ صِرٰطاً مُّسْتَقِيماً} في تبليغِ الرسالةِ وإقامةِ مراسمِ الرياسةِ. وأصلُ الاستقامةِ وإن كانتْ حاصلةً قبلَ الفتحِ لكنْ حصلَ بعد ذلكَ من اتِّضاحِ سبلِ الحقِّ واستقامةِ مناهجهِ ما لم يكُنْ حاصلاً قبلُ. {وَيَنصُرَكَ ٱللَّهُ} إظهارُ الاسمِ الجليلِ لكونِه خاتمةَ الغاياتِ ولإظهارِ كمالِ العنايةِ بشأنِ النصرِ كما يعربُ عنه تأكيدُه بقولِه تعالى: {نَصْراً عَزِيزاً} أي نصراً فيه عزةٌ أو قوياً منيعاً على وصفِ المصدرِ بوصفِ صاحبِه مجازاً للمبالغةِ أو عزيزاً صاحبُه. {هُوَ ٱلَّذِى أَنزَلَ ٱلسَّكِينَةَ} بـيانٌ لما أفاضَ عليهم منْ مبادِي الفتحِ من الثباتِ والطُّمأنينةِ أي أنزلَها {فِى قُلُوبِ ٱلْمُؤْمِنِينَ} بسبب الصلحِ والأمنِ إظهاراً لفضلِه تعالى عليهم بتيسيرِ الأمنِ بعد الخوفِ {لِيَزْدَادُواْ إِيمَـٰناً مَّعَ إِيمَـٰنِهِمْ} أي يقيناً مُنضماً إلى يقينِهم أو أنزل فيها السكونَ إلى ما جاءَ به عليهِ الصلاةُ والسلامُ من الشرائعِ ليزدادُوا إيماناً بها مقروناً مع إيمانِهم بالوحدانيةِ واليومِ الآخرِ عن ابن عبَّاسٍ رضيَ الله عنهما أنَّ أولَ ما أتاهُم به النبـيُّ صلى الله عليه وسلم التوحيدُ ثم الصلاةُ والزكاةُ ثم الحجُّ والجهادُ فازدادُوا إيماناً معَ إيمانِهم، أو أنزلَ فيها الوقارَ والعظمةَ لله تعالى ولرسولِه ليزدادوا باعتقادِ ذلك إيماناً إلى إيمانهم. {وَلِلَّهِ جُنُودُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ} يدبرُ أمَرها كيفما يريدُ يسلطُ بعضَها على بعضٍ تارةً ويوقعُ بـينهما السلمَ أخرى حسبَما تقتضيهِ مشيئتُه المبنيةُ على الحِكَمِ والمصالحِ {وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيماً} مُبالغاً في العلمِ بجميعِ الأمورِ {حَكِيماً} في تقديرِه وتدبـيرِه.

التستري

تفسير : {لِّيَغْفِرَ لَكَ ٱللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ}[2] قال: أي ما تقدم من ذنب أبيك آدم صلوات الله عليه وأنت في صلبه، وما تأخر من ذنوب أمتك، إذ كنت قائدهم ودليلهم.

السلمي

تفسير : قوله عز وعلا: {لِّيَغْفِرَ لَكَ ٱللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ} [الآية: 2]. قال ابن عطاء: لما بلغ النبى صلى الله عليه وسلم سدرة المنتهى قدم النبى وأخر جبريل صلوات الله عليهما قال النبى لجبريل: يا جبريل تتركنى فى هذا الموضع وحدى فعاتبه الله حين سكن إلى جبريل فقال: {لِّيَغْفِرَ لَكَ ٱللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ}. قال ابن عطاء: كشف الله تعالى عن ذنوب الأولياء حتى نادوا على أنفسهم ونودى عليهم بالذنب والتوبة وستر ذنب محمد صلى الله عليه وسلم بقوله: {لِّيَغْفِرَ لَكَ ٱللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ}. قال ابن عطاء: ما كان من ذنب أبيك إذ كنت فى صلبه حين باشر الخطيئة وما تأخر من ذنوب أمتك إذ كنت قائدهم ودليلهم والخلق كلهم موقوفون ليس لهم وصول إلى الله إلا معه. وقال: معنى استغفار النبى صلى الله عليه وسلم فى الإعانة يستغفر لى حال صحوة من حال السكر بل يستغفر فى حال السكر من الصحو بل يستغفر من الحالين جميعاً إذ لا صحو ولا سكر فى الحقيقة له لأنه فى الحضرة والقبضة لا يفارقها بحال. وقال أيضاً: هو تعريف للأمة بحملهم على الاستغفار ولا حظ له فيه. قوله عز وعلا: {وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ} [الآية: 2]. قال جعفر: من تمام نعمته على نبيه صلى الله عليه وسلم أن جعله حبيبه وأقسم بحياته ونسخ به شرائع الرسل وعرج به إلى المحل الأدنى وحفظ فى المعراج حتى ما زاغ وما طغى وبعثه إلى الأسود والأبيض وأحل له ولأمته الغنائم وجعله شفيعاً مشفعاً وجعله سيد ولد آدم وقرن ذكره بذكره ورضاه برضاه وجعله أحد ركنى التوحيد فهذا وأمثاله من تمام النعمة عليه وعلى أمته به وبمكانه. قوله تعالى: {وَيَهْدِيَكَ صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً} [الآية: 2]. قال ابن عطاء: يهدى بك الخلق إلى الطريق المستقيم وهو الطريق إلى الحق من جعله إمامه قاده إلى الحق ومن لم يقتد به فى طلب الطريق إلى الحق ضلّ فى طلبه وأخطأ طريق رشده.

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {لِّيَغْفِرَ لَكَ ٱللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ}. كلا القسمين - المتقدِّم والمتأخِّر - كان قبلَ النبوة. ويقال: {مَا تَقَدَّمَ} من ذَنْبِ آدمِ بحُرْمتك، {وَمَا تَأَخَّرَ}: من ذنوب أُمَّتك. وإذا حُمِلَ على تَرْك الأوْلَى فقد غفر له جميع ما فعل من قبيل ذلك، قبل النبوة وبعدها. ولمَّا نزلت هذه الآية قالوا: هنيئاً لك! فأنزل الله تعالى: {لِّيُدْخِلَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا}... ويقال: حسناتُ الأبرارِ سيئاتُ المقربين. {وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً}. يتم نعمته عليك بالنبوة، وبوفاء العاقبة، ويبسط الشريعة، وبشفاعته لأمته، وبرؤية الله غداً، وبإظهار دينه على الأديان، وبأنه سيد ولد آدم، وبأنه أقْسَمَ بحياتِهِ، وخصَّه بالعيان. وبسماعِ كلامه سبحانه ليلةَ المعراج، وبأن بَعَثَه إلى سائِرِ الأمم.. وغير ذلك من مناقبه. {وَيَهْدِيَكَ صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً} يثبتك على الصراط المستقيم، ويزيدك هدايةً على هداية، ويهدي بك الخَلْقَ إلى الحقِّ. ويقال: يهديك صراطاً مستقيماً بترك حَظِّك.

اسماعيل حقي

تفسير : {ليغفر لك الله} غاية للفتح من حيث انه مترتب على سعيه عليه السلام فى اعلاء كلمة الله بمكابدة مشاق الحروب واقتحام موارد الخطوب قال بعضهم لما لم يظهر وجه تعليل الفتح بالمغفرة جعل الفتح مجازا مرسلا عن اسباب الفتح ليغفر لك فالفتح معلول مترتب على الافعال المؤدية الى المغفرة وان المغفرة علة حاملة على تلك الافعال فصح جعلها علة لما ترتب على تلك الافعال وهو الفتح وجعل الزمخشرى فتح مكة علة للمغفرة وهو اوفق للمذهب الحق لان افعال الله تعالى لا تعلل بالاغراض على مذهبهم فليست اللام على حقيقتها بل هى اما للصيرورة والعاقبة او لتشبيه مدخولها بالعلة الغائية فى ترتيبها على متعلقها وايضا ان العلة الغائية لها جهتا عليه ومعلولية على ما تقرر فلا لوم على من نظر الى جهة المعلولية كالزمخشرى لظهور صحته كما فى حواشى سعدى المفتى والالتفات الى اسم الذات المستتبع لجميع الصفات للاشعار بأن كل واحد مما انتظم فى سلك الغاية من افعاله تعالى صادر عنه تعالى من حيثية غير حيثية الآخر مترتبه على صفة من صفاته تعالى قال ابن الشيخ فى اظهار فاعل قوله {ليغفر لك} وينصرك اشعار بأن كل واحد من المغفرة والنصرة متفرع على الالوهية وكونه معبودا بالحق والمغفرة ستر الذنوب ومحوها قال بعض الكبار المغفرة اشد عند العارفين من العقوبة لان العقوبة جزآء فتكون الراحة عقيب الاستيفاء فهو بمنزلة من استوفى حقه والغفران ليس كذلك فانك تعرف ان الحق عليك متوجه لوانه انعم عليك بترك المطالبة فلا تزال خجلا ذاحياء ولهذا اذا غفر الله تعالى للعبد ذنبه احال بينه وبين تذكره وانساه اياه وانه لو تذكره لاستحيى ولا عذاب على النفوس اعظم من الحياء حتى يود صاحب الحياء انه لم يكن شيأ كما قالت مريم الكاملة {أية : يا ليتنى مت قبل هذا وكنت نسياً منسيا}تفسير : هذا حياء من المخلوقين فكيف بالحياء من الله تعالى فيما فعل العبد من المخالفات ومن هذا الباب ما حكى ان الفضيل قدس سره وقف فى بعض حجاته ولم ينطق بشئ فلما غربت الشمس قال واسوأتاه وان عفوت (قال الصائب) هركز نداد شرم مرا رخصت نكاه. در هجر ووصل روى بديوار داشتم {ما تقدم من ذنبك وما تأخر} اى جميع ما فرط منك من ترك الاولى وتسميته ذنبا بالنظر الى منصبه الجليل لان حسنات الابرار سيئات المقربين على ما قاله ابو سعيد الخراز قدس سره (وفى المثنوى) آنكه عين لطف باشد برعوام. قهر شد برعشف كيشان كرام. قال بعضهم اى جميع ما صدر منك قبل النبوة وبعدها مما يطلق عليه الذنب قال فى شرح المواقف حمله على ما تقدم على النبوة وما تأخر عنها لادلالة اللفظ عليه اذيجوز ان يصدر عنه قبل النبوة صغيرتان احداهما متقدمة على الاخرى انتهى وفيه انه يصح أن يطلق على كل من الصغيرتين انهما قبل النبوة فان التقدم والتأخر اضافى وهو اللائح قال اهل الكلام ان الانبياء معصومون من الكفر قبل الوحى وبعده باجماع العلماء ومن سائر الكبائر عمدا بعد الوحى واما سهوا فجوزه الاكثرون واما الصغائر فتجوز عمدا عند الجمهور وسهوا بالاتفاق واما قبل الوحى فلا دليل بحسب السمع او العقل على امتناع صدور الكبيرة وقال عطاء الخراسانى ما تقدم من ذنبك اى ذنب ابويك آدم وحواء ببركتك روى ان آدم لما اعترف بالخطيئة قال يا رب اسألك بحق محمد أن تغفر لى فقال الله يا آدم كيف عرفت محمد ولم اخلقه قال لانك لما خلقتنى بيدك ونفخت فى من روحك رفعت رأسى فرأيت على قوائم العرش مكتوبا لا اله الا الله محمد رسول الله فعرفت انك لم تضف إلى اسمك الا اسم احب الخلق اليك فقال الله صدقت يا آدم انه لأحب الخلق الى فغفرت لك ولولا محمد لما خلقتك رواه البيهقى فى دلائله وما تأخر من ذنوب امتك بدعوتك وشفاعتك. سلمى قدس سره فرمودكه ذنب آدم رابوى اضافت كردجه در وقت زلت در صلب وى بوده وكناه امت را بوى اسناد فرمودجه او بيش رودكار ساز ايشانست. وقال ابن عطاء قدس سره لما بلغ عليه السلام سدرة المنتهى ليلة المعراج قدم هو وأخر جبريل فقال لجبريل "حديث : تتركنى فى هذا الموضع وحدى"تفسير : فعاتبه الله حين سكن الى جبريل فقال {ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر} فيكون كل من الذنبين بعد النبوة وقال سفيان الثورى رحمه الله ما تقدم ما عملت فى الجاهلية وما تأخر مالم تعمله قال فى كشف الاسرار ويذكر مثل ذلك على طريق التأكيد كما يقال أعطى من رآه ومن لم يره وضرب من لقيه ومن لم يلقه انتهى لكن فيه انه خارج من ادب العبارة فالواجب أن يقال ما تقدم اى ما عملت قبل الوحى وقيل ما تقدم من ذنب يوم بدر وما تأخر من ذنب يوم حنين حيث قال يوم بدر "حديث : اللهم أن تهلك هذه العصابة لا تعبد فى الارض ابدا"تفسير : وكرره مرارا فأوحى الله اليه من اين تعلم انى لو اهلكتها لا اعبد ابدا فكان هذا الذنب المتقدم وقال يوم حنين بعد أن هزم الناس ورجعوا اليه "حديث : لو لم ارمهم"تفسير : اى الكفار "حديث : بكف الحصى لم يهزموا"تفسير : فأنزل الله {أية : وما رميت اذ رميت ولكن الله رمى}تفسير : وهو الذنب المتأخر لكن فيه ان المتأخر متأخر عن الوقعة فيكون وعدا بغفران ما سيقع منه قال فى بحر العلوم وأبعد من هذا قول ابى على الرود بادى رحمه الله لو كان لك ذنب قديم او حديث لغفرناه لك انتهى. يقول الفقير ابو على قدس سره من كبار العارفين فكيف يصدر عنه ما هو ابعد عند العقول بل كلامه من قبيل قوله من عرف الله عرف كل شئ يعنى لو تصورت معرفة الله لاحد وهى لا تتصور حقيقة وكذا لو تصور منه عليه السلام ذنب لغفر له لكنه لا يتصور لانه فى جميع احواله اما مشتغل بواجب او بمندوب لا غير فهو كالملائكة فى انه لا يصدر منه المخالفة ولى معنى آخر فى هذا المقام وهو ان المراد بالمغفرة الحفظ والعصمة ازلا وابدا فيكون المعنى ليحفظك الله ويعصمك من الذنب المتقدم والمتأخر فهو تعالى انما جاء بما قدم اشارة الى انه عليه السلام محفوظ معصوم فى اللاحق كما فى السابق فاعرفه وفى الفتوحات المكية استغفارالانبياء لا يكون عن ذنب حقيقة كذنوبنا وانما هو عن امر يدق عن عقولنا لانه لا ذوق لنا فى مقامهم فلا يجوز حمل ذنوبهم على ما نتعقله نحن من الذنب انتهى ومؤآخذة الله عباده فى الدنيا والآخرة تطهير لهم ورحمة وفى حق الانبياء من جهة العصمة والحفظ والعقاب لا يكون الا فى مذنب والعقوبة تقتضى التأخر عن المتقدم لانها تأتى عقبه فقد تجد العقوبة الذنب فى المحل وقد لا تجده اما بأن يقلع عنه واما ان يكون الاسم العفو والغفور استوليا عليه بالاسم الرحيم فزال فترجع العقوبة حاسرة ويزول عن المذنب اسم الذنب لانه لا يسمى مذنبا الا فى حال قيام الذنب به كما فى كتاب الجواهر والدرر للشعرانى وقال الشعرانى فى الكبريت الاحمر قلت ويجوز حمل نحو قوله {ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر} على نسبة الذنب اليه من حيث ان شريعته هى التى حكمت بأنه ذنب فلولا اوحى به اليه ما كان ذنبا فجميع ذنوب امته يضاف اليه والى شريعته بهذا التقدير وكذلك ذنب كل نبي ذكره الله وقد قالوا لم يعص آدم وانما عصى بنوه الذين كانوا فى ظهره فما كان قوله {ليغفر لك} الخ الا تطمينا له عليه السلام ان الله قد غفر جميع ذنوب امته التى جاءت بها شريعته ولو بعد عقوبة باقامة الحدود عليهم فى دار الدنيا كما وقع لماعز ومن الواجب على كل مؤمن انتحال الاجوبة للاكابر جهده وذلك مما يحبه الله ويحب من احبنا عنه فافهم هذا اعتقادنا الذى نلقى الله عليه ان شاء الله تعالى انتهى وفى التأويلات النجمية {أية : انا فتحنا لك فتحا مبينا}تفسير : يشير الى فتح باب قلبه عليه السلام الى حضرة ربوبيته بتجلى صفات جماله وجلاله وفتح ما انفلق على جميع القلوب {ليغفر لك ما تقدم من ذنبك} اى ليسترلك بانوار جلاله ما تقدم من ذنب وجودك من بدأ خلق روحك وهو اول شئ تعلقت به القدرة كما قال "حديث : اول ما خلق الله روحى"تفسير : وفى رواية نورى وما تأخز اى من ذنب وجودك الى الابد وذنب الوجود هو الشركة فى الوجود وغفره ستره بنور الوحدة لمحو آثار الاثنينية انتهى وقال بعض الاكابر اعلم ان فتوح رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة اولها الفتح القريب وهو فتح باب القلب بالترقى عن مقام النفس وذلك بالمكاشفات الغيبية والانوار اليقينية وقد شاركه فى ذلك اكثر المؤمنين وثانيها الفتح المبين بظهور انوار الروح وترقى القلب الى مقامه وحينئذ تترقى النفس الى مقام القلب فتستتر صفاتها المظلمة بالانوار القلبية وتنتفى بالكلية وذلك معنى قوله تعالى {ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر} فالسابقة الهيئات المظلمة على فتح باب القلب والمتأخرة الهيئات النورانية المكتسبة بالانوار القلبية التى تظهر فى التلوينات فيخفى حالها ولا تنتفى هذه بالفتح القريب وان انتفت الاولى لأن مقام القلب لا يكمل الا بعد الترقى الى مقام الروح واستيلاء انواره على القلب فيظهر تلوين القلب وينتفى تلوين النفس بالكلية ويحصل فى هذا الفتح مغانم المشاهدات الروحية والمسامرات السرية وثالثها الفتح المطلق المشار اليه بقوله {أية : اذا جاء نصر الله والفتح}تفسير : وهو فتح باب الوحدة بالفناء المطلق والاستغراق فى عين الجمع بالشهود الذاتى. وظهور النور الاحدى فمن صحت له متابعة النبى عليه السلام اثابه الله مغانم كثيرة وفتوحات فان حسن المتابعة سبب لفيضان الانوار الالهية بواسطة روحانية النبى عليه السلام (قال الشيخ سعدى قدس سره) خلاف بيمبر كسى ره مزيد. كه هركز بمنزل نخواهد رسيد. مبندار سعدى كه راه صفا. توان رفت جزبربى مصطفى. وذلك ان الفلاسفة والبراهمة والرهابنة ادعوا بمعرفة الله والوصول إليه بطريق العقل والرياضة والمجاهدة من غير متابعة الانبياء وارشاد الله تعلى فانقطعوا دون الوصول اليه {ويتم نعمته عليك} باعلاء الدين وضم الملك الى النبوة وغيرهما مما افاضه عليه من النعم الدينية والدنيوية {ويهديك صراطاً مستقيماً} فى تبليغ الرسالة واقامة مراسم الرياسة واصل الاستقامة وان كانت حاصلة قبل الفتح لكن حصل بعد ذلك من اتضاح سبل الحق واستقامة مناهجه ما لم يكن حاصلا قبل

الجنابذي

تفسير : {لِّيَغْفِرَ لَكَ ٱللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ}. اعلم، انّ ذنب كلّ انسان بحسب مقامه ومنزلته، فانّ حسنات الابرار سيّئات المقرّبين وتوبة الانبياء من الالتفات الى غير الله كما انّ توبة الاولياء من خطرات القلوب وقد قال فيما نسب اليه: انّه ليَرُان على قلبى وانّى لاستغفر الله كلّ يوم سبعين مرّةً، وانّ الرّسول لمّا كان أباً لجميع امّته والابوّة الرّوحانيّة كما مرّ فى سورة البقرة عبارة عن تنزّل الاب الى مقام الابن والبنت وصيرورته فعليّة اخيرة لهما من غير تجافٍ عن مقامه العالى وكان شيئيّة الشّيء بفعليّته الاخيرة كان الرّسول شيئيّة كلّ امّته وفعليّتهم الاخيرة، فما ينسب الى امّته من الذّنوب صحّ ان ينسب اليه بوجهٍ، وما غفر الله لامّته من ذنوبهم صحّ ان يقال: غفر الله تعالى له ذنوبه بمغفرة ذنوب امّته، ولمّا كان رسالته خاتم الرّسالات وكلّ الانبياء كانوا تحت لوائه وتحت رسالته وكلّ الشّرائع تحت شريعته صحّ ان يقال: انّ من كان على دينٍ من آدم (ع) وامّته الى انقراض العالم كلّهم كانوا امّته فصحّ ان يقول الله تعالى: انّا فتحنا لك هذا الفتح العظيم ليغفر لك الله ما تقدّم من ذنوبك اللاّئق بشأنك على هذا الفتح وما تأخّر وصحّ ان يقول: ليغفر لك الله ما تقدّم من ذنوب امّتك المتقدّمين من لدن آدم (ع) وما تأخّر من ذنوب امّتك المتأخّرين الى انقراض العالم، وصحّ ان يقول: انّا فتحنا لك مكّة ليغفر لك الله ما تقدّم من ذنبك بزعم مشركى مكّة على زمان الفتح وما تأخّر فانّه كان اعظم ذنباً عندهم من كلّ مذنبٍ او ما تقدّم على الهجرة وما تأخّر عنها كما ورد عن الرّضا (ع)، وصحّ ان يقال المعنى: انّا اظفرناك على الامم او اعلمناك او تفضّلنا عليك بالنّعم الصّوريّة والمعنويّة ليغفر لك الله ما تقدّم من ذنبك وما تأخّر، ومن ههنا يظهر وجه الالتفات من التّكلّم الى الغيبة فانّ ذنوب الامّة ليست الاّ فى غيبته تعالى وكذلك مغفرتهم وذنبه الذى هو الالتفات الى غير الله ليس الاّ بالغفلة من الله غفلة لائقةً بشأنه وفى غيبته، ومغفرته الّتى لا تكون الاّ للمذنب فى اىّ حالٍ كان كانت فى غيبته فان اللّطيفة الحاضرة عند الله ليس لها ذنب، واللّطيفة المذنبة لا تصير حاضرةً عند الله، وايضاً غفران الذّنوب واتمام النّعم وسائر ما ذكر فى الآية ليست الاّ باسمه الجامع الّذى يعبّر عنه بالله {وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ} اتمام النّعمة ليس الاّ لمن فتح له باب اللاّهوت وعرج عن الملكوت والجبروت اللّتين هما من عالم الامكان الى اللاّهوت الّتى هى فوق الامكان، ولا يمكن ذلك الاّ بهذا الفتح المذكور {وَيَهْدِيَكَ صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً} وهو الخروج من الافراط والتّفريط الّذى هو احدّ من السّيف وادقّ من الشّعر، وتنكير الصّراط للتّفخيم.

فرات الكوفي

تفسير : {ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر 2} قال: حدثني جعفر بن محمد بن بشرويه القطان قال: حدثنا [ب: ثني] محمد بن إبراهيم الرازي عن الاركان [خ: ابن مسكان] عن عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله عن أبيه عن آبائه. عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام قال: لما نزلت على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: {ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر} قال: يا جبرئيل ما الذنب الماضي والذنب الباقي؟ قال جبرئيل عليه السلام: ليس لك ذنب أن يغفرها لك.

اطفيش

تفسير : {لِّيَغْفِرَ لَكَ اللهُ} علته للفتح من حيث أنه مسبب من جهاد الكفار والسعي في اعلاء الدين وتكميل النفوس الناقصة قهراً ليصير ذلك بالتدريج اختبارا وتخليص الضعفاء من أيدي الظلمة فالفتح من حيث أنه جهاد سبب للغفران والثواب أو علة بالنسبة للتعدد أي لنجمع لك بين الغفران واتمام النعمة وهداية الصراط المستقيم والنصر العزيز وذلك خير عاجل وآجل وزعموا عن الحسن أنه عائد الى {أية : واستغفر لذنبك وللمؤمنين} تفسير : وعن ابن جرير الى {أية : واستغفره انه كان تواباً} تفسير : فان أراد التعليق فبعيد والثاني بعد وان أراد تقدير استغفر وقيل لما كان هذا الفتح سببا لدخول مكة والطواف بالبيت كان سببا للمغفرة وان شئت فاللام للعلة الغائية وهي لام الصيرورة كما بدا لك فان مدخولها مسبب لا سبب وقيل لام القسم كسرت حملا على لام العلة والفتح دليل نون التوكيد ورد بعدم سماع ذلك وأجاز أبو الحسن الاخفش أن يتلقى القسم بلام كي* {مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ} هو ما يصح ان يعاقب عليه وليس بمعصية والمتقدم ما قبل النبوة والمتأخر ما بعدها ومن أجاز الصغائر على الأنبياء قال هي ذنبه قال مقاتل ما في الجاهلية وما بعدها وقيل ما تقدم من حديث مارية وما تأخر من امرأة زيد وقال عطاء الخراساني ما تقدم من ذنب أبويك آدم وحواء ببركتك وما تأخر من ذنب أمتك بدعائك وقال سفيان الثوري ما تقدم من ذنبك قبل النبوة وما تأخر مما لم تعلمه وهذا تأكيد كقولك اضرب من تراه ومن لا تراه وكانه قيل ما وقع من ذنبك وما لم يقع فهو مغفور وقيل ما كان سهوا وغفلة وحسنات الابرار سيئات المقربين وزعم هبة الله بن سلامة البغدادي أن الآية ناسخة لقوله تعالى {أية : قل إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم} تفسير : {ويتم نعمته عليك} بأن يعلي دينك ويضم لك الملك الى نبوتك قيل ويرضى عنك في الآخرة* {وَيَهْدِيَكَ صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً} في تبليغ الرسالة واقامة مراسم الرئاسة والهداية بك الى الصراط المستقيم وهو الاسلام وقيل يثبتك عليه

اطفيش

تفسير : {ليغْفر لك الله ما تَقَدم من ذَنْبك وما تأخَّر} وللمؤمنين مذهبنا ومذهب الأشعرية والمعتزلة، وأكثر الفقهاء أن أفعال الله لا تعلل بالأغراض، لأنه عز وجل وتبارك وتعالى لا يحتاج الى شىء، وقادر على فعل ما يشاء بغير شىء، لكن ان أريد بالأغراض الحكم ومصالح الخلق صح تعليلها بالأغراض، وعلى المنع، فاللام للعاقبة حيث توهم التعليل بالغرض، أو يشبه مدخلها بالعلة الغاية فى الترتيب على متعلقها الذى هو هنا الفتح الذى له صلى الله عليه وسلم فيه، سعى لاعلاء كلمة الله سبحانه، بمكابدة الحروب. وقال متقدموا الأشعرية: تعلل بالأعراض لا بمعنى الاحتياج، ولا بأس به، وهو ظاهر الكلام، قال بعض الحققين: وجد التعليل فيما يزيد على عشرة آلاف آية وحديث، وتأويل الكثير لا يحسن، وقال السعد: مرا الأشاعرة ومن معهم من المعتزلة عموم السلب بمعنى لا فاعل له تعالى يعلل بالغرض فى بعض أدلتهم، وافاد بعضها سلب العموم، أى ليست كلها تعلل بالأغراض، بل بعضها، واختار أن بعض أفعاله تعلل بها. قال: والحق أن بعض أفعاله تعلل بالحكم والمصالح، وذلك ظاهر، والنصوص شاهدة به، فأما تعميم أن كل فعل له تعالى لا يخلو من غرض، فمحل بحث، ويجاب بأن المراد لا يخلو عن حكمة، وكثيرا ما يكون التعليل فى الثانى لا فى الأول، كقوله تعالى: "أية : أنْ تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى" تفسير : [البقرة: 282] فانه فى التذكير، ونحو: أعددت الخشبة ليميل الحائط فأدعمه، والتعليل أدعمه، ويكون فى الأول لا فى الثانى نحو: لازمت غريمى لأستوفى حقى وأخليه، والتعليل فى الاستيفاء، وقد يكون بمجموعهما، واذا كان فى بعض فقط فالبعض الآخر لشدة الارتباط، وتقديم بيان تعليل الفتح بالمغفرة. وقد يقال: المراد بالتعليل قوله عز وجل: "أية : وينصرك الله نصراً عزيزاً" تفسير : [الفتح: 3] وقيل: التعليل للمجموع، فهو للهيئة الاجتماعية، ومدخول اللام علة، ومتعلقها معلول بحسب التعقل، وعلة بحسب الوجود، وتقديم فتحا على ليغفر آت على الأصل من تقديم المفعول المطلق على سائر المعمولات، فقدم ما قدم على طريق الاهتمام بالمتقدم والتشويق، الى المتأخر، ومر ذنوب الأنبياء ترك ما هو أولى، والاقتصار على جائز لهم دونه، وقيل: المؤاخذة كناية عن عدم المؤاخذة، وفيه أن عدمها مشعر بالعفو، والعفو انما هو عن نحو ذنب أو عن ذنب. وقيل: ليغفر لك استعارة تمثيلية، وقيل: ما تقدم فى الجاهلية وما تأخر فى الاسلام، وفيه أنه لا جاهلية له، ويجاب بأن المراد ما قبل الوحى، ولو فى أدنى شىء، وقد مر الكلام على ذنبه فى الإسلام ما هو، وقيل ما تقدم من حديث تحريمه مارية، وما تأخر من حديث امرأة زيد، ولا يصح ذلك، مع ان العكس أولى لتقدم حديث امرأة زيد، ولما نزلت الآية صام وصلى حتى انتفخت قدماه، وتعبد حتى صار كالشن البالى، فقالت له عائشة رضى الله عنها: أتفعل ذلك وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فقال: "حديث : أفلا أكون عبداً شكوراً" تفسير : وقال عطاء الخراسانى: ما تقدم من ذنوب أبويك آدم وحواء ببركتك، وما تأخر من ذنوب أمتك بدعائك لهم، وقال النووى: ما تقدم قبل النبوة، أى مما يعد ذنبا فى حق الأنباء، وقيل من الصغائر على أنها تصدر من الأنبياء وهو ضعيف، وما تأخر مما لم يكن، وذلك تأكيد كقولك: اقتل من العدو من لقيت ومن لم تلق، وأعط من لقيت ومن لم تلق، وعبارة بعض أن الفتح لم يجعل سببا للمغفرة، بل لاجتماع المغفرة واتمام النعمة، وهداية الصراط المستقيم، والنصر العزيز، ولما نزل أول السورة الى: "عزيزا" قالت الصحابة: هنيئا لك يا رسول الله فما لنا؟ فأنزل الله عز وجل: "أية : ليدخل المؤمنين" تفسير : [الفتح: 5] الى: "أية : فوزاً عظيماً" تفسير : [الفتح: 5]. {ويتم نعْمته عليْك} دينية ودنيوية، ومنها وهو أعلاها: إعلاء الدين ونشره فى البلاد {ويَهْديك صراطاً مُسْتقيماً} بزيادة ما لم يكن قبل، وتقوية ما كان قبل.

الالوسي

تفسير : {لّيَغْفِرَ لَكَ ٱللَّهُ } مذهب الأشاعرة القائلين بأن أفعاله تعالى لا تعلل بالأغراض أن مثل هذه اللام للعاقبة أو لتشبيه مدخولها بالعلة الغائية في ترتبه على متعلقها وترتب المغفرة على الفتح من حيث إن فيه سعياً منه صلى الله عليه وسلم في إعلاء كلمة الله تعالى بمكابدة مشاق الحروب واقتحام موارد الخطوب؛ والسلف كما قال ابن القيم وغيره يقولون بتعليل أفعاله عز وجل. وفي «شرح المقاصد» للعلامة التفتازاني أن من بعض أدلتهم ـ أي الأشاعرة ومن وافقهم على هذا المطلب ـ يفهم أنهم أرادوا عموم السلب ومن بعضها أنهم أرادوا سلب العموم، ثم قال: الحق أن بعض / أفعاله تعالى معلل بالحِكَم والمصالح وذلك ظاهر والنصوص شاهدة به، وأما تعميم ذلك بأنه لا يخلو فعل من أفعاله سبحانه من غرض فمحل بحث. وذكر الأصفهاني في «شرح الطوالع» في هذه المسألة خلافاً للمعتزلة وأكثر الفقهاء. وأنا أقول: بما ذهب إليه السلف لوجود التعليل فيما يزيد على عشرة آلاف آية وحديث، والتزام تأويل جميعها خروج عن الإنصاف، وما يذكره الحاضرون من الأدلة يدفع بأدنى تأمل كما لا يخفى على من طالع كتب السلفيين عليهم الرحمة. وفي «الكشاف» ((لم يجعل الفتح علة للمغفرة لكن لاجتماع ما عدد من الأمور الأربعة وهي المغفرة وإتمام النعمة وهداية الصراط المستقيم والنصر العزيز كأنه قيل: يسرنا لك فتح مكة ونصرناك على عدوك لنجمع لك بين عز الدارين وأغراض العاجل والآجل)). وحاصله كما قال العلامة أن الفتح لم يجعل علة لكل من المتعاطفات بعد اللام أعني المغفرة وإتمام النعمة والهداية والنصر بل لاجتماعها، ويكفي في ذلك أن يكون له دخل في حصول البعض كإتمام النعمة والنصر العزيز، وتحقيقه كما قال أن العطف على المجرور باللام قد يكون للاشتراك في متعلق اللام مثل جئتك لأفوز بلقياك وأحوز عطاياك ويكون بمنزلة تكرير اللام وعطف جار ومجرور على جار ومجرور، وقد يكون للاشتراك في معنى اللام كجئتك لتستقر في مقامك وتفيض عليَّ من إنعامك أي لاجتماع الأمرين، ويكون من قبيل جاءني غلام زيد وعمرو أي الغلام الذي لهما. واستظهر دفعا لتوهم أنه إذا كان المقصود البعض فذكر الباقي لغو أن يقال: لا يخلو كل منهما أن يكون مقصوداً بالذات وهو ظاهر أو المقصود البعض وحينئذ فذكر غيره إما لتوقفه عليه أو لشدة ارتباطه به أو ترتبه عليه فيذكر للإشعار بأنهما كشيء واحد كقوله تعالى: {أية : أَن تَضِلَّ إْحْدَاهُمَا فَتُذَكّرَ إِحْدَاهُمَا ٱلأُخْرَىٰ } تفسير : [البقرة: 282] وقولك: أعددت الخشب ليميل الحائط فأدعمه ولازمت غريمي لأستوفي حقي وأخليه. وظاهر كلام الزمخشري أن المقصود فيما نحن فيه تعليل الهيئة الإجتماعية فحسب فتأمل لتعرف أنه من أي الأقسام هو. واعلم أن المشهور كون العلة ما دخلته اللام لا ما تعلقت به كما هو ظاهر عبارة «الكشاف»؛ لكن حقق أنها إذا دخلت على الغاية صح أن يقال: إن ما بعدها علة ويراد بحسب التعقل وأن يقال: ما تعلقت به علة ويراد بحسب الوجود فلا تغفل. وزعم صاحب «الغنيان» أن اللام هٰهنا هي لام القسم وكسرت وحذف النون من الفعل تشبيهاً بلام كي. ورد بأن لام القسم لا تكسر ولا ينصب بها فإنه لم يسمع والله ليقوم زيد على معنى ليقومن زيد، وانتصر له بأن الكسر قد علل بتشبيهها بلام كي وأما النصب فله أن يقول فيه: بأنه ليس نصباً وإنما هو الحركة التي تكون مع وجود النون بقيت بعد حذفها دلالة على الحذف. وأنت تعلم أنه لا يجدي نفعاً مع عدم السماع. هذا والالتفات إلى اسم الذات المستتبع لجميع الصفات قيل: للإشعار بأن كل واحد مما انتظم في سلك الغاية من أفعاله تعالى صادر عنه عز وجل من حيثية غير حيثية الآخر مترتبة على صفة من صفاته جل شأنه. وقال الصدر: لا يبعد أن يقال: إن التعبير عنه تعالى في مقام المغفرة بالاسم الجليل المشعر بصفات الجمال والجلال يشعر بسبق مغفرته تعالى على عذابه. وفي «البحر» ((لما كان الغفران وما بعده يشترك في إطلاقه الرسول عليه الصلاة والسلام وغيره لقوله تعالى: {أية : وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء } تفسير : [النساء: 116] وقوله سبحانه: {أية : ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي } تفسير : [المائدة: 3] وقوله تعالى: {أية : يَـٰبَنِي إِسْرٰءيلَ ٱذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ ٱلَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ } تفسير : [البقرة: 40] وقوله عز وجل: {أية : يَهْدِي مَن يَشَآء } تفسير : [البقرة: 142] وقوله تبارك وتعالى: {أية : إِنَّهُمْ لَهُمُ ٱلْمَنصُورُونَ } تفسير : [الصافات: 172] وكان الفتح مختصاً بالرسول صلى الله عليه وسلم أسنده الله تعالى إلى نون العظمة تفخيماً لشأنه وأسند تلك الأشياء إلى الاسم الظاهر وضميره))/ وهو كما ترى وإن قاله الإمام أيضاً. وأقول: يمكن أن يكون في إسناد المغفرة إليه تعالى بالاسم الأعظم بعد إسناد الفتح إليه تعالى بنون العظمة إيماء إلى أن المغفرة ما يتولاها سبحانه بذاته وأن الفتح مما يتولاه جل شأنه بالوسائط، وقد صرح بعضهم بأن عادة العظماء أن يعبروا عن أنفسهم بصيغة المتكلم مع الغير لأن ما يصدر عنهم في الأكثر باستخدام توابعهم، ولا يعترض بأن النصر كالفتح وقد أسند إلى الاسم الجليل لما يخفى عليك. وتقديم {لَكَ } على المفعول الصريح أعني قوله تعالى: {مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ } لما مر غير مرة. و {مَا } للعموم والمتقدم والمتأخر للإحاطة كناية عن الكل. والمراد بالذنب ما فرط من خلاف الأولى بالنسبة إلى مقامه عليه الصلاة والسلام فهو من قبيل حسنات الأبرار سيآت المقربين، وقد يقال: المراد ما هو ذنب في نظره العالي صلى الله عليه وسلم وإن لم يكن ذنباً ولا خلاف الأولى عنده تعالى كما يرمز إلى ذلك الإضافة. وقال الصدر: يمكن أن يكون قوله تعالى: {لّيَغْفِرَ } الخ كناية عن عدم المؤاخذة أو من باب الاستعارة التمثيلية من غير تحقق معاني المفردات. وأخرج ابن المنذر عن عامر وأبـي جعفر أنهما قالا: ما تقدم في الجاهلية وما تأخر في الإسلام، وقيل ما تقدم من حديث مارية وما تأخر من امرأة زيد وليس بشيء مع أن العكس أولى لأن حديث امرأة زيد متقدم. وفي الآية مع ما عهد من حاله صلى الله عليه وسلم من كثرة العبادة ما يدل على شرف مقامه إلى حيث لا تحيط به عبارة، وقد صح أنه صلى الله عليه وسلم لما نزلت صام وصلى حتى انتفخت قدماه وتعبد حتى صار كالشن البالي فقيل له: أتفعل هذا بنفسك وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك أو ما تأخر؟ فقال عليه الصلاة والسلام: أفلا أكون عبداً شكوراً. {وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ } بإعلاء الدين وانتشاره في البلاد وغير ذلك مما أفاضه تعالى عليه صلى الله عليه وسلم من النعم الدينية والدنيوية {وَيَهْدِيَكَ صِرٰطاً مُّسْتَقِيماً } في تبليغ الرسالة وإقامة الحدود. قيل: إن أصل الاستقامة وإن كان حاصلاً قبل الفتح لكن حصل بعد ذلك من اتضاح سبل الحق واستقامة مناهجه ما لم يكن حاصلاً قبل.

د. أسعد حومد

تفسير : {صِرَاطاً} (2) - لِيَغْفِرَ اللهُ لَكَ جَمِيعَ مَا صَدَرَ عَنْكَ مِنَ الذُّنوبِ وَالهَفَوَاتِ، قَبْلَ الرِّسَالةِ وَبَعْدَها، وَيُتِمَّ رَبُّكَ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ بِإِعْلاءِ شَأْنِكَ وَشَأْنِ الإِسْلامِ، وانتِشَارِهِ في البُلْدَانِ، وَرَفْعِ ذِكْرِكَ في الدُّنيا وَالآخِرَةِ، وَيُرْشِدَكَ رَبُّكَ طَرِيقاً مِنَ الدِّينِ لا اعْوِجَاجَ فِيهِ، بِما يَشْرَعُهُ لَكَ مِنَ الشَّرْعِ، وَالدِّينِ القَوِيمِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : سبق في سورة محمد أنْ بيَّنا معنى الذنب في حق النبي صلى الله عليه وسلم لأنه معصوم وقلنا: إنه من باب: حسنات الأبرار سيئات المقربين، لذلك عدّ النسيان في حقه ذنباً لأنه نبي موصول بالوحي، مؤتمن على منهج الله، فلا يُتصوَّر منه النسيان الذي يحدث من باقي أمته. لذلك تجاوز الله لهم عن النسيان في حين لم يتجاوز عنه لرسول الله، ومثّلنا لذلك بنسيان سيدنا آدم {أية : وَلَقَدْ عَهِدْنَآ إِلَىٰ ءَادَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً}تفسير : [طه: 115] وسمّي هذا النسيان معصية. فالمغفرة لرسول الله من هذه الأمور أمثال عتاب الله له: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ ..}تفسير : [التحريم: 1] وقوله: {أية : قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ ٱلَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ وَلَـٰكِنَّ ٱلظَّٰلِمِينَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ يَجْحَدُونَ}تفسير : [الأنعام: 33] وقوله: {أية : فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَىٰ آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُواْ بِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ أَسَفاً}تفسير : [الكهف: 6]. فالله يعاتب رسوله شفقة عليه ورحمة به صلى الله عليه وسلم، وكأنه يقول له: يا محمد لا تحزن ولا تُحمِّل نفسك فوق طاقتها، لأن لك رصيداً من الله فالاستغفار من مثل هذه الأمور، لا أنه أذنب ذنباً فيه مخالفة للمنهج حاشاه صلى الله عليه وسلم أنْ يكون منه ذلك. وكلمة {لِّيَغْفِرَ ..} [الفتح: 2] من غفر والغفر هو الستر، وسَتْر الذنب إما أنْ يكون بعده بمنع العقوبة عليه أو يستر الذنب قبل أنْ يحدث فلا يحدث أصلاً، هذا معنى {مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ ..} [الفتح: 2] ما تقدم يستر عقوبته، وما تأخر يستر الذنب نفسه فلا يقع. {وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ ..} [الفتح: 2] تمام النعمة على رسول الله أنْ بعثه الله للناس كافة لكل زمان ولكل مكان، وكان الرسلُ قبله يُبعث الرسولُ إلى قوم معينين في زمن معين، أما سيدنا رسول الله فقد جاء على موعد مع التقاء حضارات الدنيا كلها واتصال بين المشرق والمغرب، فجاء رسولاً عاماً وخاتماً للرسالات، لذلك نقول: سيد الرسل وخاتم الأنبياء. ومن تمام النعمة أن الله فتح له، وأزال من أمامه العقبات التي كانت تعرقل مسيرة الدعوة حتى دانتْ له الجزيرة العربية كلها وشملها الإسلام، وعلى يديه هدى اللهُ هذه الأمة فحملت رسالته من بعده وساحت بها في شتى بقاع المعمورة. فجذب إليه أعظم حضارتين في هذا الوقت، هما: حضارة فارس في الشرق، وحضارة الروم في الغرب، حتى إنهم ليقولون: من عجائب هذا الدين أنه فتح نصف الكرة الأرضية في نصف قرن من الزمان، وهذه لم تحدث من قبل. والحق سبحانه يشرح لنا مسألة تمام النعمة هذه في قوله تعالى: {أية : ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلإِسْلٰمَ دِيناً ..}تفسير : [المائدة: 3]. لذلك لما سمع سيدنا أبو بكر هذه الآية قال: لقد نعى محمد نفسه بهذه الآية. لأنه لا شيء بعد التمام إلا النقصان، فأخذوا من هذه إشارة إلى قرب موته صلى الله عليه وسلم وانتقاله إلى الرفيق الأعلى لينال الجزاء. حديث : لذلك لما جاءه ملك الموت وخيّره صلى الله عليه وسلم قال: بل الرفيق الأعلى. تفسير : فاختار جوار ربه ليس هرباً من المسئولية بل لعلمه بتمام الأمر واستوائه، وأنه ليس له مهمة بعد ذلك، بعد أنْ أدَّى الأمانة وبلَّغ الرسالة، ونصح الأمة، وأظهر أمر الدين، وأرسى قواعده. وقوله: {وَيَهْدِيَكَ صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً} [الفتح: 2] فبعد أنْ رأى النعمة قد تمتْ، وليس هناك مغاليق اطمأن إلى أن الله لا يتخلى عنه. وقوله تعالى: {وَيَنصُرَكَ ٱللَّهُ نَصْراً عَزِيزاً} [الفتح: 3] هل النصر هو العزيز أم المنصور؟ المنصور هو العزيز، إنما وصف النصر بالعزة فكأن نصر الحق يُسِعد النصرَ نفسه ويعزه وليقول له: إنك بهذا النصر أخذتَ ما لم يأخذه مثلك أبداً. وفي موضع آخر بيَّن الحق سبحانه أنه ناصر رسوله في وقت الرخاء كما في فتح مكة، وناصره وقت الشدة كما في حنين: {أية : لَقَدْ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ ٱلأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ * ثُمَّ أَنَزلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَعَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا وَعذَّبَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَذٰلِكَ جَزَآءُ ٱلْكَافِرِينَ}تفسير : [التوبة: 25-26]. فلما اغتروا بالكثرة أدَّبهم، ثم تداركهم برحمته ونصرهم، وما كان الله لينصرهم في فتح مكة ثم يخذلهم في حنين، كان الله يقول لرسوله: أعلم أن الله وراءك وناصرك ومؤيدك، لكن عليك وعلى أمتك ألاَّ تغتروا بنصر أو بقوة أو بعدد {أية : كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ ٱللَّهِ ..}تفسير : [البقرة: 249].

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {لِّيَغْفِرَ لَكَ ٱللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ} قال الإِمام زيد بن علي عليهما السلامُ: معناه لِيغفرَ الله لأُمتِكَ بكَ مَا تَقدمَ مَنْ ذَنبِهم وما تَأخرَ. وذلكَ إن لهم الشَّفاعةَ يَومَ القِيامةِ.

همام الصنعاني

تفسير : 2895- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، عن أنس بن مالك قال: نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم: {لِّيَغْفِرَ [لَكَ ٱللَّهُ] مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ}: [الآية: 2]، مرجعه من الحديبية، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : لقد نزلت عَلَيَّ آيةٌ أَحَبَّ إِلَيَّ مما عَلَى الأرَض"تفسير : ثم قرأها عليهم النبي صلى الله عليه سلم فقالوا: هنيئاً مريئاً، قد بَيَّنَ الله لك مَاذَا يُفْعَل بك، فما يفعل بنا؟ فنزلت عليه: {فَوْزاً عَظِيماً} حتى {لِّيُدْخِلَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ}: [الآية: 5].