٤٨ - ٱلْفَتْح
48 - Al-Fath (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
4
Tafseer
الرازي
تفسير : لما قال تعالى: {أية : وَيَنصُرَكَ ٱللَّهُ } تفسير : [الفتح: 3] بين وجه النصر، وذلك لأن الله تعالى قد ينصر رسله بصيحة يهلك بها أعداءهم، أو رجفة تحكم عليهم بالفناء، أو جند يرسله من السماء، أو نصر وقوة وثبات قلب يرزق المؤمنين به، ليكون لهم بذلك الثواب الجزيل فقال: {هُوَ ٱلَّذِي أَنزَلَ ٱلسَّكِينَةَ } أي تحقيقاً للنصر، وفي السكينة وجوه أحدها: هو السكون الثاني: الوقار لله ولرسول الله وهو من السكون الثالث: اليقين والكل من السكون وفيه مسائل: المسألة الأولى: السكينة هنا غير السكينة في قوله تعالى: {أية : إِنَّ ءايَةَ مُلْكِهِ أَن يَأْتِيَكُمُ ٱلتَّابُوتُ فِيهِ سكينةٌ من ربِّكمْ} تفسير : [البقرة: 248] في قول أكثر المفسرين ويحتمل هي تلك المقصود منها على جميع الوجوه اليقين وثبات القلوب. المسألة الثانية: السكينة المنزّلة عليهم هي سبب ذكرهم الله كما قال تعالى: {أية : أَلاَ بِذِكْرِ ٱللَّهِ تَطْمَئِنُّ ٱلْقُلُوبُ } تفسير : [الرعد: 28]. المسألة الثالثة: قال الله تعالى في حق الكافرين {أية : وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ } تفسير : [الأحزاب: 26] بلفظ القذف المزعج وقال في حق المؤمنين {أَنزَلَ ٱلسَّكِينَةَ } بلفظ الإنزال المثبت، وفيه معنى حكمي وهو أن من علم شيئاً من قبل وتذكره واستدام تذكره فإذا وقع لا يتغير، ومن كان غافلاً عن شيء فيقع دفعة يرجف فؤاده، ألا ترى أن من أخبر بوقوع صيحة وقيل له لا تنزعج منها فوقعت الصيحة لا يرجف، ومن لم يخبر به و أخبر وغفل عنه يرتجف إذا وقعت، فكذلك الكافر أتاه الله من حيث لا يحتسب وقذف في قلبه فارتجف، والمؤمن أتاه من حيث كان يذكره فسكن، وقوله تعالى: {لِيَزْدَادُواْ إِيمَـٰناً مَّعَ إِيمَـٰنِهِمْ } فيه وجوه أحدها: أمرهم بتكاليف شيئاً بعد شيء فآمنوا بكل واحد منها، مثلاً أمروا بالتوحيد فآمنوا وأطاعوا، ثم أمروا بالقتال والحج فآمنوا وأطاعوا، فازدادوا إيماناً مع إيمانهم ثانيها: أنزل السكينة عليهم فصبروا فرأوا عين اليقين بما علموا من النصر علم اليقين إيماناً بالغيب فازدادوا إيماناً مستفاداً من الشهادة مع إيمانهم المستفاد من الغيب ثالثها: ازدادوا بالفروع مع إيمانهم بالأصول، فإنهم آمنوا بأن محمداً رسول الله وأن الله واحد والحشر كائن وآمنوا بأن كل ما يقول النبي صلى الله عليه وسلم صدق وكل ما يأمر الله تعالى به واجب رابعها: ازدادوا إيماناً استدلالياً مع إيمانهم الفطري، وعلى هذا الوجه نبين لطيفة وهي أن الله تعالى قال في حق الكافر {أية : إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْمَاً } تفسير : [آل عمران: 178] ولم يقل مع كفرهم لأن كفرهم عنادي وليس في الوجود كفر فطري لينضم إليه الكفر العنادي بل الكفر ليس إلا عنادياً وكذلك الكفر بالفروع لا يقال انضم إلى الكفر بالأصول لأن من ضرورة الكفر بالأصول الكفر بالفروع وليس من ضرورة الإيمان بالأصول الإيمان بالفروع بمعنى الطاعة والانقياد فقال: {لِيَزْدَادُواْ إِيمَـٰناً مَّعَ إِيمَـٰنِهِمْ } وقوله {وَلِلَّهِ جُنُودُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ } فكان قادراً على إهلاك عدوه بجنوده بل بصيحة ولم يفعل بل أنزل السكينة على المؤمنين ليكون إهلاك أعدائهم بأيديهم فيكون لهم الثواب، وفي جنود السمٰوات والأرض وجوه أحدها: ملائكة السمٰوات والأرض ثانيها: من في السمٰوات من الملائكة ومن في الأرض من الحيوانات والجن وثالثها: الأسباب السماوية والأرضية حتى يكون سقوط كسف من السماء والخسف من جنوده، وقوله تعالى: {وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً } لما قال: {وَلِلَّهِ جُنُودُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ } وعددهم غير محصور، أثبت العلم إشارة إلى أنه {أية : لاَ يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَلاَ فِي ٱلأَرْضِ } تفسير : [سبأ: 3] وأيضاً لما ذكر أمر القلوب بقوله {هُوَ ٱلَّذِي أَنزَلَ ٱلسَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ ٱلْمُؤْمِنِينَ} والإيمان من عمل القلوب ذكر العلم إشارة إلى أنه يعلم السر وأخفى، وقوله {حَكِيماً } بعد قوله {عَلِيماً } إشارة إلى أنه يفعل على وفق العلم فإن الحكيم من يعمل شيئاً متقناً ويعلمه، فإن من يقع منه صنع عجيب اتفاقاً لا يقال له حكيم ومن يعلم ويعمل على خلاف العلم لا يقال له حكيم.
القرطبي
تفسير : «السَّكِينَةَ»: السكون والطمأنينة. قال ابن عباس: كل سكينة في القرآن هي الطمأنينة إلا التي في «البقرة». وتقدّم معنى زيادة الإيمان في «آل عمران». وقال ابن عباس: بُعث النبيّ صلى الله عليه وسلم بشهادة أن لا إله إلا الله؛ فلما صدّقوه فيها زادهم الصلاة؛ فلما صدّقوه زادهم الزكاة؛ فلما صدّقوه زادهم الصيام؛ فلما صدّقوه زادهم الحج؛ ثم أكمل لهم دينهم؛ فذلك قوله: {لِيَزْدَادُوۤاْ إِيمَاناً مَّعَ إِيمَانِهِمْ} أي تصديقاً بشرائع الإيمان مع تصديقهم بالإيمان. وقال الربيع بن أنس: خَشْيَةً مع خشيتهم. وقال الضحاك: يقيناً مع يقينهم. {وَلِلَّهِ جُنُودُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} قال ابن عباس: يريد الملائكة والجنّ والشياطين والإنس {وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيماً} بأحوال خلقه {حَكِيماً } فيما يريده.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى: {هُوَ ٱلَّذِيۤ أَنزَلَ ٱلسَّكِينَةَ} أي جعل الطمأنينة، قاله ابن عباس رضي الله عنهما، وعنه الرحمة. وقال قتادة: الوقار في قلوب المؤمنين، وهم الصحابة رضي الله عنهم، يوم الحديبية الذين استجابوا لله ولرسوله، وانقادوا لحكم الله ورسوله، فلما اطمأنت قلوبهم بذلك واستقرت، زادهم إيماناً مع إيمانهم، وقد استدل بها البخاري وغيره من الأئمة على تفاضل الإيمان في القلوب، ثم ذكر تعالى أنه لو شاء لا نتصر من الكافرين، فقال سبحانه وتعالى: {وَلِلَّهِ جُنُودُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} أي ولو أرسل عليهم ملكاً واحداً، لأباد خضراءهم، ولكنه تعالى شرع لعباده المؤمنين الجهاد والقتال، لما له في ذلك من الحكمة البالغة والحجة القاطعة والبراهين الدامغة، ولهذا قال جلت عظمته: {وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً}. ثم قال عز وجل: {لِّيُدْخِلَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَـٰتِ جَنَّـٰتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَـٰرُ خَـٰلِدِينَ فِيهَا} قد تقدم حديث أنس رضي الله عنه حين قالوا: هنيئاً لك يا رسول الله، هذا لك فما لنا؟ فأنزل الله تعالى: {لِّيُدْخِلَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَـٰتِ جَنَّـٰتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَـٰرُ خَـٰلِدِينَ فِيهَا} أي ما كثين فيها أبداً {وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَـٰتِهِمْ} أي خطاياهم وذنوبهم، فلا يعاقبهم عليها، بل يعفو ويصفح ويغفر ويستر ويرحم ويشكر {وَكَانَ ذَلِكَ عِندَ ٱللَّهِ فَوْزاً عَظِيماً} كقوله جل وعلا: {أية : فَمَن زُحْزِحَ عَنِ ٱلنَّارِ وَأُدْخِلَ ٱلْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ} تفسير : الآية [آل عمران: 185]. وقوله تعالى: {وَيُعَذِّبَ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ وَٱلْمُنَـٰفِقَـٰتِ وَٱلْمُشْرِكِينَ وَٱلْمُشْرِكَـٰتِ ٱلظَّآنِّينَ بِٱللَّهِ ظَنَّ ٱلسَّوْءِ} أي يتهمون الله تعالى في حكمه، ويظنون بالرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم أن يقتلوا ويذهبوا بالكلية، ولهذا قال تعالى: {عَلَيْهِمْ دَآئِرَةُ ٱلسَّوْءِ وَغَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ} أي أبعدهم من رحمته {وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَآءَتْ مَصِيراً} ثم قال عز وجل مؤكداً لقدرته على الانتقام من الأعداء أعداء الإسلام، ومن الكفرة والمنافقين: {وَلِلَّهِ جُنُودُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَكَانَ ٱللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً}.
المحلي و السيوطي
تفسير : {هُوَ ٱلَّذِى أَنزَلَ ٱلسَّكِينَةَ } الطمأنينة {فِى قُلُوبِ ٱلْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُواْ إِيمَٰناً مَّعَ إِيمَٰنِهِمْ } بشرائع الدين كلما نزَّل واحدة منها آمنوا بها منها الجهاد {وَلِلَّهِ جُنُودُ ٱلسَّمَٰوٰتِ وَٱلأَرْضِ } فلو أراد نصر دينه بغيركم لفعل {وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيماً } بخلقه {حَكِيماً } في صنعه: أي لم يزل متصفا بذلك.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {هُوَا الَّذِي أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ} فيها ثلاثة أوجه: أحدها: أنه الصبر على أمر الله. الثاني: أنها الثقة بوعد الله. الثالث: أنها الرحمة لعباد الله. {لِيَزْدَادُوا إِيمَاناً مَّعَ إِيمَانِهِمْ} يحتمل ثلاثة أوجه: أحدها: ليزدادوا عملاً مع تصديقهم. الثاني: ليزدادوا صبراً مع اجتهادهم. الثالث: ليزدادوا ثقة بالنصر مع إيمانهم بالجزاء. {وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَواتِ وَالأَرْضِ} يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون معناه: ولله ملك السموات والأرض ترغيباً للمؤمنين في خير الدنيا وثواب الآخرة. الثاني: معناه: ولله جنود السموات والأرض إشعاراً للمؤمنين أن لهم في جهادهم أعواناً على طاعة ربهم. قوله عز وجل: {الظَّآنِّينَ باللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ} فيه أربعة أوجه: أحدها: هو ظنهم أن لله شريكاً. الثاني: هو ظنهم أنه لن يبعث الله أحداً. الثالث: هو ظنهم أن يجعلهم الله كرسوله. الرابع: أن سينصرهم على رسوله. قال الضحاك: ظنت أسد وغطفان في رسول الله صلى الله عليه وسلم حين خرج إلى الحديبية أنه سيقتل أو ينهزم ولا يعود إلى المدينة سالماً، فعاد ظافراً. {عَلَيْهِمْ دَآئرَهُ السَّوْءِ} يحتمل وجهين: أحدهما: عليهم يدور سوء اعتقادهم. الثاني: عليهم يدور جزاء ما اعتقدوه في نبيهم.
ابن عبد السلام
تفسير : {السَّكِينَةَ} الصبر على أمر الله، أو الثقة بوعده، أو الرحمة لعباده.
الخازن
تفسير : قوله تعالى: {هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين} يعني الطمأنينة والوقار في قلوبهم لئلا تنزعج نفوسهم. قال ابن عباس: كل سكينة في القرآن طمأنينة إلا التي في سورة البقرة وقد تقدم تفسيرها في موضعها. ولما قال الله تعالى: {وينصرك الله نصراً عزيزاً}، بيّن وجه هذا النصر كيف هو، وذلك أنه تعالى جعل السكينة التي هي الطمأنينة والثبات في قلوب المؤمنين ويلزم من ذلك ثبات الأقدام عند اللقاء في الحروب وغيرها فكان ذلك من أسباب النصر الذي وعد الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم ثم قال تعالى: {ليزدادوا إيماناً مع إيمانهم} وذلك أنه تعالى جعل السكينة والطمأنينة في قلوب المؤمنين سبباً لزيادة الإيمان في قلوبهم، وذلك أنه كلما ورد عليهم أمر أو نهي، آمنوا به وعملوا بمقتضاه، فكان ذلك زيادة في إيمانهم. وقال ابن عباس: بعث الله عز وجل رسوله صلى الله عليه وسلم بشهادة أن لا إله إلا الله فلما آمنوا به وصدقوه زادهم الصلاة ثم الزكاة ثم الصوم ثم الحج ثم الجهاد حتى أكمل دينهم، فكلما أمروا بشيء وصدقوه، ازدادوا تصديقاً إلى تصديقهم، وقال الضحاك: يقيناً مع يقينهم. وقال الكلبي: هذا في أمر الحديبية حين صدق الله رسوله الرؤيا بالحق. وقيل: لما آمنوا بالأصول وهو التوحيد وتصديق الرسول صلى الله عليه وسلم فيما أخبر به عن الله عز وجل وآمنوا بالبعث بعد الموت والجنة والنار وآمنوا بالفروع وهي جميع التكاليف البدنية والمالية كان ذلك زيادة في إيمانهم {ولله جنود السموات والأرض} لما قال الله عز وجل: وينصرك الله نصراً عزيزاً، وكان المؤمنون في قلة من العدد والعدد، فكأن قائلاً قال: كيف ينصره؟ فأخبره الله عز وجل أن له جنود السموات والأرض وهو قادر على نصر رسوله صلى الله عليه وسلم ببعض جنوده بل هو قادر على أن يهلك عدوه بصيحة ورجفة وصاعقة ونحو ذلك فلم يفعل بل أنزل سكينة في قلوبكم أيها المؤمنون ليكون نصر رسول الله صلى الله عليه وسلم وإهلاك أعدائه على أيديكم فيكون لكم الثواب ولهم العقاب وفي جنود السموات والأرض وجوه: الأول: إنهم ملائكة السموات والأرض. الثاني: أن جنود السموات الملائكة وجنود الأرض جميع الحيوانات الثالث أن جنود السموات مثل الصاعقة والصيحة والحجارة وجنود الأرض مثل الزلال والخسف والغرق ونحو ذلك {وكان الله عليماً} يعني بجميع جنوده الذين في السموات والأرض {حكيماً} يعني في تدبيره وقيل: عليماً بما في قلوبكم أيها المؤمنون حكيماً حيث جعل النصر لكم على أعدائكم. قوله عز وجل: {ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار} يستدعي سابقاً تقديره هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ليدخلهم جنات. وقيل: تقديره أن من علمه وحكمته إن سكّن قلوب المؤمنين بصلح الحديبية ووعدهم الفتح والنصر ليشكروه على نعمه، فيثيبهم ويدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار، وقد تقدم ما روي عن أنس أنه لما نزل قوله تعالى: {أية : إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر} تفسير : [الفتح: 1- 2] قال الصحابة: هنيئاً مريئاً قد بين الله تعالى ما يفعل بك فماذا يفعل بنا؟ فأنزل الله عز وجل الآية التي بعدها: {ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ويكفر عنهم سيئاتهم} فإن قلت تكفير السيئات إنما يكون قبل دخولهم الجنة فكيف ذكره بعد دخولهم الجنة، قلت: الواو لا تقتضي الترتيب وقيل إن تكفير السيئات والمغفرة من توابع كون المكلف من أهل الجنة فقدم الإدخال بالذكر بمعنى أنه من أهل الجنة {وكان ذلك عند الله فوزاً عظيماً} يعني أن ذلك الإدخال والتكفير كان في علم الله تعالى فوزاً عظيماً {ويعذب المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات} يعني المنافقين والمنافقات من أهل المدينة والمشركين والمشركات من أهل مكة وإنما قدم المنافقين على المشركين هنا وفي غيره من المنافقين كانوا أشد على المؤمنين من الكافرين لأن الكافر يمكن أن يحترز منه ويجاهد لأنه عدو مبين والمنافق لا يمكن أن يحترز منه ولا يجاهد فلهذا كان شره أكثر من شر الكافر فكان تقديم المنافق بالذكر أولى {الظانين بالله ظن السوء} يعني أنهم ظنوا أن الله لا ينصر محمداً صلى الله عليه وسلم والمؤمنين {عليهم دائرة السوء} يعني عليهم دائرة العذاب والهلاك {وغضب الله عليهم} زيادة في تعذيبهم وهلاكهم {ولعنهم} يعني وأبعدهم وطردهم عن رحمته {وأعدَّ لهم جهنم} يعني في الآخرة {وساءت مصيراً} يعني ساءت جهنم منقلباً.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {هُوَ ٱلَّذِيۤ أَنزَلَ ٱلسَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ ٱلْمُؤْمِنِينَ} لما قال تعالى: {أية : وَيَنصُرَكَ ٱللَّهُ نَصْراً عَزِيزاً}تفسير : [الفتح:3] بين وجه النصر، وذلك أن الله تعالى قد ينصر رسله بصيحةٍ يَهْلِكُ بها أعداؤُهُمْ، أو رَجْفَةٍ يُحْكَمُ فيها عليهم بالفَنَاءِ، أو بشيءٍ يْرْسِلُهُ مِن السَّمَاء، أو بصبر وقوة وثبات قلبٍ يرزق المؤمنين ليكون لهم بذلك الثواب الجزيل، فقال: {هُوَ ٱلَّذِيۤ أَنزَلَ ٱلسَّكِينَةَ} أي تحقيقاً للنصر. والمراد بالسكينة قيل: السكون، وقيل: الوَقَار لله. وقيل: اليقين. قال أكثر المفسرين: هذه السكينة غير السكينة المذكورة في قوله تعالى: {أية : يَأْتِيَكُمُ ٱلتَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ}تفسير : [البقرة:248]. ويحتمل أن تكون هي تلك؛ لأن المقصود منها على جميع الوجوه اليقين وثبات القلب. فصل قال الله تعالى (في حق الكفار) {أية : وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلرُّعْبَ}تفسير : [الأحزاب:26] [الحشر:43] بلفظ القذف المُزعِج وقال في حق المؤمنين: {أَنزَلَ ٱلسَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ ٱلْمُؤْمِنِينَ} بلفظ الإنزال المثبت. وفيه معنى حكميّ وهو أن من علم شيئاً من قبل ويذكره استدام بذكره، فإذا وقع لا يَتَغَيَّر ومن كان غافلاً عن شيء فيقع رفعه فإنه يَرْجُفُ فؤاده، ألا ترى أن من أخبر بوقوع صَيْحَةٍ، وقيل (له) لا تنزعج منها فوقعت الصيحة لا يَرْتَجِفُ ومن لم يخبر به أو أخبر وغفل عنه يرتجف إذا وقعت. كذلك الكافر أَتَاهُ الله من حيث لم يحتسب وقذف في قلبه الرُّعْبَ، فارْتَجَفَ، والمؤمن أُتِيَ من حيث كان يذكر فسكن، فلا تزعج نفوسهم لما يرد عليهم. قال ابن عباس: كل سكينة في القرآن فهي طمأنِينَةٌ إلاَّ التي في سورة البقرة. قوله: {لِيَزْدَادُوۤاْ إِيمَاناً مَّعَ إِيمَانِهِمْ}، قال ابن عباس ـ (رضي الله عنهما) ـ بَعث الله رسوله محمداً ـ صلى الله عليه وسلم ـ بشهادة أن لا إله إلا الله، فلما صدقوا زادهم الصلاة، ثم الزكاة، ثم الصِّيام، ثم الحجّ، ثم الجِهَاد حتى أكمل لهم دينهم وكُلَّمَا أُمِرُوا بشيء فصدقوه ازدادوا تصديقاً إلى تصديقهم. وقال الضحاك: يقيناً مع يقينهم، وقيل: أنزل السكينة عليهم فَصَبَرُوا ورأوْا عَيْنَ القين ما علموا النصر علم اليقين إيماناً بالغيب فازدادوا إيماناً مُسْتَفَاداً من الغيب مع إيمانهم المستفادِ من الشهادة. وقيل: ازدادوا إيماناً بالفروع مع إيمانهم بالأصول فإنهم آمنوا بأن محمداً رسولُ الله، فإن الله واحدٌ، والحَشْرَ كائنٌ فآمنوا بأن كُلَّ ما يقول النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فهو صدق، وكُلَّ ما يأمر الله تعالى به فهو واجب. وقيل: ازدادوا إيماناً استدلاليًّا مع إيمانهم الفطري. فإن قيل: ما الحكمة في قوله في حق الكفار: {أية : إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوۤاْ إِثْمَاً}تفسير : [آل عمران:178] ولم يقل مع كفرهم وقال في حق المؤمنين: {لِيَزْدَادُوۤاْ إِيمَاناً مَّعَ إِيمَانِهِمْ}؟ فالجواب: أن كفر الكافر عِنَادِيّ، وليس في الوجود كُفْرٌ فِطْريّ، ولا في الوجود كفر عِنَادِيّ لينضمَّ إلَى الكفر الفطري بل الكفر ليس إلا عناداً وكذلك الكفر بالفروع لا يقال: انضم إلى الكفر بالأصول، لأن من ضرورة الكفر بالأصول الكفر بالفروع وليس من ضرورة الإيمان بالأصول الإيمان بالفروع بمعنى الطاعة والانقياد، ولهذا قال: {لِيَزْدَادُوۤاْ إِيمَاناً مَّعَ إِيمَانِهِمْ}. قوله: {وَلِلَّهِ جُنُودُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} فهو قادر على إهلاك عَدُوِّهم بجنود، بل بصيحة ولم يفعل بل أنزل السكينة على المؤمنين ليكون إهلاك أعدائه بأيديهم فيكون لهم الثواب. والمراد بجنود السموات والأرض الملائكة، وقيل: جنود السموات الملائكة وجنود الأرض الجنُّ والحَيَوَانَاتُ. وقيل: الأسباب السماوية. {وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيماً} لما قال: {وَلِلَّهِ جُنُودُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} وعددهم غير محصور فقال "عَليماً" إشارة إلى أنه لا يعزب عنه مثقال ذرّة في السموات ولا في الأرض. وقيل: لما ذكر القلوب بقوله: {أَنزَلَ ٱلسَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ ٱلْمُؤْمِنِينَ} والإيمان الذي من عَمَلِ القُلُوب ذكر العلم إشارة إلى أنه يَعْلَمُ السِّرََّ وأخفى. وقوله "حكيماً" بعد "عليماً" إشارة إلى أنه يفعل على وَفْق العلم، فإن الحكيم من يعمل شيئاً متقناً وبعلمه. قوله تعالى: {لِّيُدْخِلَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} في متعلق هذه اللام أربعة أوجه: أحدها: محذوف تقديره: يبتلي بتلك الجنود من شاء فيقبل الخبر ممن أهَّلَهُ له والشَّرَّ ممن قضى له به ليدخل ويعذب. الثاني: أنها متعلقة بقوله: "إِنَّا فَتَحْنَا" لأنه روي أن المؤمنين قالوا للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ هنيئاً لك إن الله غَفَر لك فما بالنا؟ فنزلت الآية فكأنه تعالى قال: إنا فتحنا لك ليغفر لك وفتحنا للمؤمنين ليُدْخِلَهُمْ جناتٍ. الثالث: أنها متعلقة بـ "يَنْصُرَكَ" كأنه تعالى قال: وينصرك الله بالمؤمنين ليدخل المؤمنين جنات. الرابع: أنها متعلقة بـ "يَزْدَادُوا" واستشكل هذا بأن قوله: "ويعذب" عطف عليه وازديادهم الإيمان ليس سبباً عن تعذيب الله الكفار. وأجيبَ: بأن اعتقادهم أن الله يعذب الكفار يزيد في إيمانهم لا محالة. وقال أبو حيان: والازْدِيَادُ لا يكون سبباً لتعذيب الكفار. وأجيب: بأنه ذكر لكونه مقصوداً للمؤمن كأنه قيل: بسبب ازدِيَادِكم في الإيمان يدخلكم الجنة ويعذب الكفار بأيديكم في الدنيا. وفيه نظر لأنه كان ينبغي أن يقول: لا يكون مسبَّباً عن تعذيب الكفار وهذا يشبه ما تقدم في قوله: "لِيَغْفِرْ لَكَ اللهُ". وأجاب ابن الخطيب بوجهين آخرين: أحدهما: (تقديره) ويعذب نَقِيضَ ما لكم من الازْدِياد، يقال: فعلت لأخبر به العدوَّ والصديق أي لأعرف بوجوده الصديق وبعدمه العدو، فكذا ههنا ليزداد المؤمن إيماناً يُدْخِلُهُ الجنة ويزداد الكافر كفراً فيعذبه (به). وثانيهما: أن بسبب زيادة إيمان المؤمن يَكْثُرُ صَبْرُهُمْ وثباتهم ويتعب المنافق والكافر معه ويتعذب. ثم ذَكَرَ وجوهاً أخر في تعلق الجار منها: أن الجار يتعلق بقوله: "حَكِيماً" كأنه تعالى قال: وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ لأن الله حكيم فَعَلَ ما فَعَلَ ليدخل المؤمنين. ومنها: أن يتعلق بقوله: {ويتم نِعْمَتَهُ عليك} فيستجيب دعاءك في الدنيا ويقبل شفاعتك في العُقْبَى ليدخل المؤمنين جنات. ومنها: أن يتعلق بأمر مفهوم من قرينة الحال وهو الأمر بالقتال لأنه لما ذكر الفتح والنصر علم أن الحالَ حالُ القِتَال، فكأنه تعالى قال: إنَّ الله تعالى أَمَرَ بالقتال ليدخل المؤمنين، أو عرف من قرينة الحال أَنَّ الله اختار المؤمنين (فكأنه تعالى قال: اختار المؤمنين) ليدخلهم جنات. فإن قيل: ما الحكمة في أنه تعالى ذكر في بعض المواضع المؤمنين والمؤمنات وفي بعضها اكتفى بذكر المؤمنين ودخلت المؤمنات فيهم كقوله تعالى: {أية : قَدْ أَفْلَحَ ٱلْمُؤْمِنُونَ}تفسير : [المؤمنون:1] وقوله: وَبَشِّرِ الْموْمِنينَ بِأَنَّ لَهُمْ (مِنَ اللهِ فَضْلاً كَبِيراً)؟ فالجواب: أنه في المواضع التي فيها ما يُوهم اخْتِصَاصَ المؤمنين بالخير الموعود به مع مُشَارَكَةِ المؤمنات لهم ذَكَرَهُنَّ الله صريحاً وفي المواضع التي فيها ما يوهم ذلك اكتفى بدخولهن في المؤمنين كقوله: "وبشر المؤمنين" مع أنه علم من قوله تعالى: {أية : وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَآفَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً}تفسير : [سبأ:28] العموم، فلا يوهم خروج المؤمنين عن البشارة. وأما ههنا فلما كان قوله تعالى: {لِّيُدْخِلَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} متعلّقاً بفعل سابق وهو إما الأمر بالقتال أو الصبر فيه، أو النصرة (بالمؤمنين) أو الفتح بأيديهم على ما تقدم. فَإدْخَالُ المؤمنين كان للقتال والمرأة لا تُقَاتِلُ فلا تدخل الجَنَّةَ الموعودَ بها فصرح الله بِذكرِهِنَّ، وكذا في قوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلْمُسْلِمِينَ وَٱلْمُسْلِمَاتِ وَٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ}تفسير : [الأحزاب:35]؛ لأن الموضع ذكر النساء وأحوالهن لقوله: {أية : وَلاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ ٱلْجَاهِلِيَّةِ ٱلأُولَىٰ وَأَقِمْنَ... وَآتِينَ... وَأَطِعْنَ... وَٱذْكُـرْنَ مَا يُتْـلَىٰ فِي بُيُوتِكُـنَّ}تفسير : [الأحزاب:33ـ34] فكان ذكر النساء هنا (ك) أصلاً لكن الرجال لما كان لهم ما للنساء من الأمر العظيم ذكرهم وذكرهن بفلظ مفرد من غير تبعية لما بينا (أنَّ الأصل ذكرهن في ذلك الموضع). قوله: {وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ} فيه سؤال وهو أن تكفير السيئات قبل الإدخال فكيف ذكره بعد ذكر الإدخال؟ والجواب من وجهين: أحدهما: أن الواو لا تقتضي التريتب. والثاني: أن تكفير السيئات والمغفرة من توابع كون المكلف من أهل الجنة فقدم الإدخال في الذكر بمعنى أنه من أهل الجنة. قوله: {وَكَانَ ذَلِكَ عِندَ ٱللَّهِ فَوْزاً عَظِيماً} "عِنْدَا اللهِ" متعلق بمحذوف على أنه حال من "فَوْزاً" لأنه صفته في الأصل. وجوز أبو البقاء أن يكون ظرفاً لمَكَان. وفيه خلاف. وأن يكون ظرفاً لمحذوف دل عليه الفوز، أي يفوزون عند الله ولا يتعلق "بفَوْزاً"؛ لأنه مصدر فلا يتقدم معموله عليه. من اغتفر ذلك في الظرف جوزه. قال ابن الخطيب: معناه أن ذلك الإدخال والتكفير في علم الله فوز عظيم يقال: عندي هذا الأمر على هذا الوجه أي في اعتقادي. قوله تعالى: {وَيُعَذِّبَ ٱلْمُنَافِقِينَ وَٱلْمُنَافِقَاتِ وَٱلْمُشْرِكِينَ وَٱلْمُشْرِكَاتِ...} الآية. اعلم أنه قدم المنافقين على المشركين في كثير من المواضع لأمور: أحدها: أنهم كانوا أشد على المؤمنين من الكافر المجاهر؛ لأن المؤمن كان يتوقى المشرك المجاهر ويخالط المنافق لظنه بإيمانه وكان يفشي أسراره. وإلى هذا أشار النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بقوله "حديث : أَعْدَى عَدُوِّكَ نَفْسُكَ الَّذِي بَيْنَ جَنْبَيْكَ"تفسير : . ولهذا قال الشاعر: شعر : 4489ـ احْــذَرْ عَـــدُوَّكَ مَـــرَّة وَاحْــذَرْ صَدِيقَــكَ أَلْــفَ مَـــرَّهْ فَلَرُبَّمَـــا (انْقَـلَــــبَ) الصَّـــدِيـــقُ عَــدُوًّا وَكَــان أَعْــلَــمَ بِالْمَضَـــرَّهْ تفسير : وثانيها: أن المنافق كان يظن أن يتخلص بالمخادعة والكافر لا يقطع بأن المؤمن إن غلبه يعذبه فلهذا أول ما أخبر الله عن المنافق. قوله: {ٱلظَّآنِّينَ بِٱللَّهِ} صفة للفريقين. وتقدم الخلاف في السَّوءِ في التَّوبْة. وقرأ الحسن السُّوءِ بالضم فيهما. فصل قال المفسرون: ظن السوء هو أن ينصر محمداً والمؤمنين. وقال ابن الخطيب: هذا الظن يحتمل وجوهاً: أحدها: هو الظن الذي ذكره الله بقوله: {أية : بَلْ ظَنَنْتُمْ أَن لَّن يَنقَلِبَ ٱلرَّسُولُ}تفسير : [الفتح:12]. وثانيها: ظن المشركين بالله في الإشراك كقوله تعالى: {أية : إِنْ هِيَ إِلاَّ أَسْمَآءٌ سَمَّيْتُمُوهَآ}تفسير : إلى أن قال: {أية : إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ ٱلظَّنَّ وَإِنَّ ٱلظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ ٱلْحَقِّ شَيْئاً}تفسير : [النجم:23ـ 28]. وثالثها: ظننتم أن الله لا يرى ولا يعلم كما قال تعالى: {أية : وَلَـٰكِن ظَنَنتُمْ أَنَّ ٱللَّهَ لاَ يَعْلَمُ كَثِيراً مِّمَّا تَعْمَلُونَ}تفسير : [فصلت:22]. قال: والأول أصح أو يقال: المراد جميع ظنونهم كما قال: {أية : ذَلِكَ ظَنُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ}تفسير : [ص:27]. ويؤيد ذلك دخول الألف واللام في السَّوْء. وفي السَّوءِ وجُوهٌ: أحدها: وهو اختيار المحققين من الأدباء ـ: أن السَّوْءَ عبارة عن الفساد والصِّدق عبارة عن الصلاح، يقال: مررت برجل سَوءٍ أي فاسد، وسكنت عند رجل صِدْق، أي صالح وهو قول الخليل، والزَّجَّاج واختاره الزَّمخشريّ. (وتحقيق هذا أن السوء في المعاني كالفساد في الأجساد يقال: ساء مِزَاجُهُ (و) ساء خُلُقُه (و) سَاءَ ظَنَّه، كما يقال: فسدَ اللحمُ وفسد الهواء بل كلُّ ما ساء فقد فسد، وكلّ ما فَسدَ فقد سَاءَ غير أن أحدهما كثير الاستعمال في المعاني والآخر في الأجرام قال تعالى: {أية : ظَهَرَ ٱلْفَسَادُ فِي ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ}تفسير : [الروم:30] وقال: {أية : سَآءَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ}تفسير : [التوبة:9] و [المجادلة:15] و [المنافقون:2]. قوله: {عَلَيْهِمْ دَآئِرَةُ ٱلسَّوْءِ} أي دائرة الفساد يعني حاق بهم العذاب بحيث لا يخرجون منه {وَغَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ} زيادة على التعذيب "وَلعنَهُمْ" أي الغضب يكون شديداً {وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ} في العُقْبَى {وَسَآءَتْ مَصِيراً} أي جهنم. قوله تعالى: {وَلِلَّهِ جُنُودُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} تقدم تفسيره. وفائدة الإعادة أن لله جنود الرحمة وجنود العذاب، أو جنود الله أنزلهم قد يكون إنزالهم للرحمة وقد يكون للعذاب فذكرهم أولاً لبيان الرحمة بالمؤمنين كما قال: {أية : وَكَانَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً}تفسير : [الأحزاب:43] وثانياً: لبيان إنزال العذاب بالمنافقين والمشركين. وفي الأول ذكر الجنود قبل إِدْخَال الجنَّة وذَكرهم هنا بعد تعذيب الكفار وإعداد جهنم؛ لأن الله تعالى يُنَزِّل جنودَ الرحمة ليدخل المؤمن معظماً مكرماً الجنة، ثم يلبسهم خُلع الكرامة بقوله: {وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ} ثم يقربهم زلفى بقوله: {وَكَانَ ذَلِكَ عِندَ ٱللَّهِ فَوْزاً عَظِيماً} وأما في حق الكفار فيغضب الله عليهم أولاً فيبعدهم ويطردهم إلى البلاد النائية عن الرحمة وهي جهنم، ثم يسلط عليهم ملائكة العذاب وهم جنود الله كما قال تعالى: {أية : عَلَيْهَا مَلاَئِكَةٌ غِلاَظٌ شِدَادٌ لاَّ يَعْصُونَ ٱللَّهَ}تفسير : [التحريم:6] فلذلك ذكر جنود الرحْمَةِ أولاً هناك، وقال ههنا: {وَغَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ} وهو الإبْعَاد إلى جهنم ثم ذكر الجنود وهم (الملائكة) ملائكة العذاب آخراً.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن جرير وابن المنذر والطبراني وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين} قال: السكينة هي الرحمة في قوله {ليزدادوا إيماناً مع إيمانهم} قال: إن الله بعث نبيه صلى الله عليه وسلم بشهادة أن لا إله إلا الله فما صدق بها المؤمنون زادهم الصلاة، فلما صدقوا بها زادهم الزكاة، فلما صدقوا بها، زادهم الصيام، فلما صدقوا به زادهم الحج، فلما صدقوا به زادهم الجهاد، ثم أكمل لهم دينهم فقال: {أية : اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإِسلام ديناً} تفسير : [المائدة: 3] قال ابن عباس رضي الله عنهما: فأوثق إيمان أهل السماء وأهل الأرض وأصدقه وأكمله شهادة أن لا إله إلا الله. وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود رضي الله عنه {ليزدادوا إيماناً مع إيمانهم} قال: تصديقاً مع تصديقهم.
التستري
تفسير : قوله تعالى: {هُوَ ٱلَّذِيۤ أَنزَلَ ٱلسَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ ٱلْمُؤْمِنِينَ}[4] يعني الطمأنينة. فأول ما كاشف الله به عباده المعارف، ثم الوسائل، ثم السكينة، ثم البصائر. فمن كاشفه الحق بالبصائر عرف الأشياء بما فيها من الجواهر، كأبي بكر الصديق رضي الله عنه ما أخطأ في نطق. قوله: {وَلِلَّهِ جُنُودُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ}[4] قال: جنوده مختلفة، فجنوده في السماء الأنبياء، وفي الأرض الأولياء؛ وجنوده في السماء القلوب، وفي الأرض النفوس؛ ما سلط الله عليك فهو من جنوده؛ وإن سلط الله عليك نفسك أهلك نفسك بنفسك، وإن سلط عليك جوارحك أهلك جوارحك بجوارحك، وإن سلط نفسك على قلبك قادتك إلى متابعة الهوى، وإن سلط قلبك على نفسك وجوارحك زمها بالأدب، وألزمها العبادة، وزينها بالإخلاص في العبودية، فهذا كله جنود الله.
السلمي
تفسير : قوله عز وعلا: {هُوَ ٱلَّذِيۤ أَنزَلَ ٱلسَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ ٱلْمُؤْمِنِينَ} [الآية: 4]. قال الواسطى: البصيرة مكشوفة والسكينة مستورة ألا ترى إلى قوله: {هُوَ ٱلَّذِيۤ أَنزَلَ ٱلسَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ ٱلْمُؤْمِنِينَ} فبالسكينة ظهرت البصيرة والسكينة هداية والبصيرة عناية وإذا أكرم العبد بالسكينة يصير المفقود عنده موجودًا والموجود مفقودًا. سئل بعضهم: ما أول ما كاشف الله به عباده؟ قال: المعارف ثم الوسائل ثم السكينة ثم البصائر، فلما كاشفه الحق بالبصائر عرف الأشياء من الجواهر كأبى بكر الصديق رضى الله عنه ما أخطأ فى نطق. قوله عز وعلا: {لِيَزْدَادُوۤاْ إِيمَاناً مَّعَ إِيمَانِهِمْ} [الآية: 4]. قال التزمذى: الطمأنينة فى القلب من السكينة وزيادة الأنوار فى القلب من زيادة الإيمان. قوله تعالى: {وَلِلَّهِ جُنُودُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} [الآية: 4]. قال سهل: جنوده مختلفة فجنوده فى السماء الملائكة وجنوده فى الأرض الغزاة. وقال أيضاً: جنود السماوات القلوب وجنود الأرض النفوس. وقال بعضهم: ما سلط الله عليك فهو من جنوده إن سلط عليك نفسك أهلك نفسك بنفسك وإن سلط عليك جوارحك أهلك جوارحك بجوارحك وإن سلط نفسك على قلبك قادتك فى متابعة الهوى وطاعة الشيطان وإن سلط قلبك على نفسك وجوارحك زمها بالأدب وألزمها العبادة وزينها بالإخلاص فى العبودية وهذا تفسير قوله: {وَلِلَّهِ جُنُودُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ}.
القشيري
تفسير : قوله جلّ ذكره: {هُوَ ٱلَّذِيۤ أَنزَلَ ٱلسَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ ٱلْمُؤْمِنِينَ}. السكينةُ ما يسكن إليه القلبُ من البصائر والحُجَج، فيرتقي القلبُ بوجودِها عن حدِّ الفكرة إلى رَوْحِ اليقين وثَلَج الفؤاد، فتصير العلومُ ضروريةٌ... وهذا للخواصَّ. فأمّا عوامُّ المسلمين فالمرادُ منها: السكون والطمأنينة ُواليقين. ويقال: من أوصافِ القلب في اليقين المعارف والبصائر والسكينة. وفي التفاسير: السكينة ريح هفَّافة. وقالوا: لها وجهٌ كوجه الإنسان. وقيل لها جناحان. {لِيَزْدَادُوۤاْ إِيمَٰناً مَّعَ إِيمَٰنِهِمْ}. أي يقيناً مع يقينهم وسكوناً مع سكونهم. تطلع أقمارُ عين اليقين على نجوم علم اليقين، ثم تطلع شمسُ حقِّ اليقين على بَدْرِ عين اليقين. {وَلِلَّهِ جُنُودُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً}. {جُنُودُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} وقيل: هي جميع القلوب الدالَّةِ على وحدانية الله. ويقال: مُلْكُ السماواتِ والأَرضِ وما به من قوىً تقهر أعداءَ اللَّهِ. ويقال: هم أنصارُ دينه. ويقال: ما سلَّطه الحقُّ على شيءٍ فهو من جنوده، سواء سلَّطَه على ولِّيه في الشدة والرخاء، أو سلَّطَه على عدوِّه في الراحة والبلاء.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {هُوَ ٱلَّذِيۤ أَنزَلَ ٱلسَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ ٱلْمُؤْمِنِينَ} ما حرم الله المؤمنين من رشاش بحار معرفته وانوار قربه بل خصم بما خص به الانبياء عليه السّلام فى اوايل احوالهم وتلك السكينة وهو وقوع نور المشاهدة على اسرارهم فقويت به فى تراكم بوادى الواردات الغيبية وامتحانات الهيبة وبذلك النور يزيد انوار ايمانهم قال الله فى موضع أخر فانزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين والسكينة شهود وكشف الجمال فى قلوب اهل الكمال والبصيرة تورث فى اسرارهم الانس والبصيرة كشف الجلال فى قلوب العارفين فيبصرون به نوادر الغيوب وعجايب القلوب لذلك قال {لِيَزْدَادُوۤاْ إِيمَاناً مَّعَ إِيمَانِهِمْ} وذلك الايمان هو البصيرة قال الواسطى البصيرة مكشوفة والسكينة مستورة الا ترى الى قوله هو الذىانزل السكينة --------ظهرت البصيرة والسكينة هداية والبصيرة عناية واذا اكرم العبد بالسكينة يصير المفقود عنده موجودا والموجود مفقود اسئل بعضهم ما اوّل ما كشف الله به عباده قال المعارف ثم الوسائل ثم السكينة ثم البصائر فلما كاشف الحق بالبصائر عرف الاشياء بما فيها من الجواهر كابى بكر رضى الله عنه ما اخطأ فى نطق قال جعفر سمعت الجد يقول ليسعوا الى الايقان والى مشاهدته بعين القلب فكانت هذه المعرفة زيادة على المعرفة الاولى ما غاب عن العبد بما شاهدت القلوب بالايقان وقال سهل هى نور اليقين يسلكون به الى عين اليقين وعين اليقين هى التى تدل على الحقائق وهى حق اليقين وقال بعضهم السكينة يقذف الله فى قلوب اوليائه سكن به نفس اوليائيه عن المعارضات قال الاستاذ السكينة ما يسكن اليه القلب من البصائر والحجج فيرتقى القلب بوجوده عن حد الفكرة والسير الى روح اليقين وتلج -----فيصبر العلوم ضرورية هذا اللخواص واما عوام المؤمنين فالمراد منه السكون والطمانينة واليقين قوله تعالى {وَلِلَّهِ جُنُودُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} جنوده هم سماوات ارواح العارفين وقصورا ارض من اعداء الله فبان انه يحترق بها اصل الضلالة الا ترى كيف قال سكران الطور حين دعا على الكفرة ربنا اطمس على اموالهم واشد وعلى قلوبهم فصاروا حجارة محماة وكيف قال سيد البريات فى وجوه الكفرة حين قال شاهدت وجوههم فانهزموا باذن الله وكذا حال كل صديق مع الله يوقع نيران الهلاك بين الضلال بنفس واحد فيهلكوا باقل من لمحة كما دعا نوح على قومه فقال لا تذر على الارض من الكافرين ديار افهلك به اهل الارض تجميعا الا من أمن وكل ذرة من العرش الى الثرى جنوده حتى لو سلط نملة على حية عظيمة لتدمر عنا ولو سلط بعوضة على الاكوان جميعا لخربتها بقوة الله الا يرى كيف قال عليه السّلام لله جنود منها العسل وهذا محل الانفراد بالله والتوكل على الله فانه عون كل ضعيف وحسب كل عاجز قال سهل جنوده مختلفة فجنوده فى السماء الملائكة وجنوده فى الارض الغزاة وايضا جنوده فى السماوات الانبياء فى الارض الاولياء وايضا جنوده فى السماوات القلوب فى الارض النفوس قال بعضهم ما سلط الله عليك فهو من جنوده ان سلط عليك نفسك اهلك نفسك بنفسك وان سلط عليك جوارحك وبجوارحك وان سلط نفسك على قلبك فادتك فى متابعة الهوى وطاعة الشيطان وان سلط قلبك على نفسك وجوارحك زمها بالادب فالزمها العبادة وزينها بالاخلاص فى العبودية وهذا تفسير قوله ولله جنود السماوات والارض.
اسماعيل حقي
تفسير : {هو الذي أنزل السكينة} بيان لما افاض عليهم من مبادى الفتح من الثبات والطمأنينة يعنى انزلها {فى قلوب المؤمنين} بسبب الصلح والامن بعد الخوف لانهم كانوا قليلى العدة بسبب انهم معتمرون وكان العدو مستعدين لقتالهم مع ما لهم من القوة والشوكة وشدة البأس فثبتوا وبايعوا على الموت بفضل الله تعالى (وقال الكاشفى ونحوه) جون در صلح حديبية صحابة خالى ازدغدغه وترددى نبودند خق سبحانه وتعالى فرمود هو الذى الخ. فالمراد ثبتوا واطمأنوا بعد ان ماجوا وزلزلوا حتى عمر الفاروق رضى الله عنه على ما عرف فى القصة وذلك القلق والاضطراب انما هو لما دهمهم من صد الكفار ورجوعهم دون بلوغ مقصودهم وكانوا يتوقعون دخول مكة فى ذلك العام آمنين للرؤيا التى رآها عليه السلام على ما سبق {ليزدادوا} تازيادت كند {ايمانا} مفعول يزدادوا كما فى قوله تعالى {أية : وازدادوا تسعا}تفسير : {مع ايمانهم} اى يقينا منضما الى يقينهم الذى هم عليه برسوخ العقيدة واطمئنان النفس عليها ومن ثمة قال عليه السلام "حديث : لو وزن ايمان ابى بكر مع الثقلين لرجح"تفسير : وكلمة مع فى ايمانهم ليست على حقيقتها لان الواقع فى الحقيقة ليس انضمام يقين الى يقين لامتناع اجتماع المثلين بل حصول نوع يقين اقوى من الاول فان له مراتب لا تحصى من اجلى البديهيات الى اخفى النظريات ثم لا ينفى الاول ما قلنا وذلك كما فى مراتب البياض ما حقق فى مقامه فيها استعارة او المعنى أنزل فيها السكون الى ما جاء به النبى عليه السلام من الشرآئع ليزدادوا ايمانا بها مقرونا مع ايمانهم بالوحدانية واليوم الآخر فكان القرآن حينئذ على حقيقتها والقرآن فى الحقيقة لتعلق الايمان بزيادة متعلقة فلا يلزم اجتماع المثلين وعن ابن عباس رضى الله عنهما ان اول ما اتاهم به النبى عليه السلام التوحيد ثم الصلاة والزكاة ثم الحج والجهاد حتى اكمل لهم دينهم كما قال {أية : اليوم اكملت لكم دينكم}تفسير : فازدادوا ايمانا مع ايمانهم فكان الايمان يزيد فى ذلك الزمان بزيادة الشرائع والاحكام واما الآن فلا يزيد ولا ينقص بل يزيد نوره ويقوى بكثرة الاعمال وقوة الاحوال فهو كالجوهر الفرد فكما لا يتصور الزيادة و النقصان فى الجوهر الفرد من حيث هو فكذا فى الايمان واما قوله تعالى {أية : ومن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله}تفسير : فالكفر بالطاغوت هو عين الايمان بالله فى الحقيقة فلا يلزم ان يكون الايمان جزءا قال بعض الكبار الايمان الحقيقى هو ايمان الفطرة التى فطر الله الناس عليها لا تبديل لها ويتحقق بالخاتمة وما بينهما يزيد الايمان فيه وينقص والحكم للخاتمة لانها عين السابقة فيحمل قول من قال ان الايمان لا يزيد ولا ينقص على ايمان الفطرة الذى حقيقته ما مات عليه ويحمل قول من قال ان الايمان يزيد وينقص على الحالة التى بين السابقة والخاتمة من حين يتعقل التكاليف فتأمل ذلك فانه نفيس انتهى وقال حضرة الهدائى قدس سره فى مجالسة المنيفة ليزداد ايمانا وجدانيا ذوقيا عينيا مع ايمانهم العلمى الغيبى فان السكينة نور فى القلب يسكن به الى ما شاهده ويطمئن وهو من مبادى عين اليقين بعد علم اليقين كأنه وجدان يقينى معه لذة وسرور وفى المفردات قيل ان السكينة ملك يسكن قلب المؤمن ويؤمنه كما ورد ان السكينة لتنطق على لسان عمر وقال بعض الكبار السكينة تطلق على ثلاثة اشياء بالاشتراك اللفظى او لها ما اعطى بنوا اسرائيل فى التابوت كما قال تعالى {أية : ان آية ملكه أن يأتيكم التابوت فيه سكينة من ربكم}تفسير : قال المفسرون هى ريح ساكنة طبيعة تخلع قلب العدو بصوتها رعبا اذا التقى الصفان وهى معجزة لانبيائهم وكرامة لملوكهم والثانى شئ من لطائف صنع الحق يلقى على لسان المحدث الحكمة كما يلقى الملك الوحى على قلوب الانبياء مع ترويح الاسرار وكشف السر والثالث هى التى أنزلت على قلب النبى عليه السلام وقلوب المؤمنين وهى شئ يجمع نورا وقوة وروحا يسكن اليه الخائف ويتسلى به الحزين كما قال تعالى {أية : فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين}تفسير : انتهى وقال بعض الكبار ان الانبياء والاولياء مشتركون فى تنزل الملائكة عليهم ومختلفون فيما نزلت به فأن ملك الالهام لا ينزل على الاولياء بشرع مستقل ابدا وانما ينزل عليهم بالاتباع وبافهام ما جاء به نبيهم مما لم يتحقق الاولياء بالعلم به فكل فيض ونور وسكينة انما ينزل من الله تعالى بواسطة الملك او بلا واسطته وان كان فرق عظيم بين حال النبى والولى فأنه كما ان النبى افضل واولى فكذا وارده اقوى واولى نسال الله فضله وسكينته. هرآنكه يافت زفضل خدا سكينت دل. نماند درحرم سينه اش تردد وغل {ولله جنود السموات والأرض} الجنود جمع جند بالضم وهو جمع معد للحرب اى مختص به تعالى جنود العالم يدبر امرها كيفما يشاء يسلط بعضها على بعض تارة ويوقع فيما بينها السلم اخرى حسبما تقتضيه مشيئته المبنية على الحكم والمصالح (وقال الكاشفى) ومرخدا يراست لشكرهاى آسمانها از ملائكة وجنود زمين ازمؤمنان مجاهد بس اى اهل ايمان جهاد كنيد رينصرت الهى واثق باشيدكه هركه لشكر آسمان وزمين درحكم وى بود بلكه ذرات كون سباه وى بوده باشند اولياى خودرا در وقت غزابا عداى خود فرونكذارد. نصرت از وطلب كه بميدان قدرتش. هرذره بهلوانى وهربشه صفدريست. قال بعضهم كل ما فى السموات والارض بمنزلة الجند له لو شاء لا تنصر به كما ينتصر بالجند وتأويل الآية لم يكن صد المشركين رسول الله عن قلة جنود الله ولا عن وهن نصره لكن عن علم الله واختياره انتهى وفى فتح الرحمن {ولله جنود السموات والارض} فلو أراد نصر دينه بغيركم لفعل وقال بعضهم همم سموات ارواح العارفين وقصور ارض قلوب المحبين وانفاسهم جنوده ينتقم بنفس منهم من جميع اعدآئه فيقهرهم دعا نوح عليه السلام على قومه فقال {أية : لا تذر على الارض من الكافرين ديارا}تفسير : فهلك به اهل الارض جميعا الا من آمن ودعا موسى عليه السلام على القبط فقال {أية : ربنا اطمس على اموالهم واشدد على قلوبهم}تفسير : فصارت حجارة ولم يؤمنوا حتى رأوا العذاب الاليم وقال سيد البريات عليه افضل التحيات حين رمى الحصى على وجوه الاعدآء شاهت الوجوه فانهزموا باذن الله تعالى وكذا حال كل ولى وارث قاهر من اهل الانفاس بل كل ذرة من العرش الى النرى جند من جنوده تعالى حتى لو سلط نملة على حية عظيمة لهلكت وقد قيل الدبة اذا ولدت ولدها رفعته فى الهوآء يومين خوفا من النمل لأنه تضعه لحمة كبيرة غير متميزة الجوارح ثم تميز اولا فأولا واذا جمع بين العقرب والفارة فى اناء زجاج قرضت الفأرة ابرة العقرب فتسلم منها ويكفى قصة البعوض مع نمرود (وفى المثنوى) جملة ذرات زمين وآسمان. لشكر حفندكاء امتحان. بادرا ديديكه باعادان جه كرد. آب را ديديكه باطوفان جه كرد. آنجه برفرعون زدآن بحركين. وآنجه باقارون نموداست اين زمين. آنجه با آن بيلبانان بيل كرد. وآنجه بشه كلهُ نمرود خورد. وآنكه سنك انداخت داودى بدست. كشت ششصد بار. ولشكر شكست. سنك مى باريد بااعداى لوط. تاكه درآب سيه خوردند غوط. دست بركافر كواهى مىدهد. لشكر حق مىشود سر مى نهد. كربكويد جثم راكور افشاره دردجثم از توبر آرد صددمار. كربدندان كويد اوبنما وبال. بس به بينى توزندان كوشمال. فلا بد من التوكل على الله فانه عون كل ضعيف وحسب كل عاجز قال بعضهم ما سلط الله عليك فهو من جنوده ان سلط عليك نفسك اهلك بنفسك وان سلط عليك جوارحك اهلك جوارحك بجوارحك وان سلط نفسك على قلبك قادتك فى متابعة الهوى وطاعة الشيطان وان سلط قلبك على نفسك وجوارحك زمها بالادب فألزمها العبادة وزينها بالاخلاص فى العبودية {وكان الله} ازلا وابدا {عليما} مبالغا فى العلم بجميع الامور {حكيما} فى تقديره وتدبيره فكان بمعنى كان ويكون اى دالة على الاستمرار والوجود بهذه الصفة لا معينة وقتا ماضيا وقال بعض الكبار ولله جنود السموات من الانوار القدسية والامدادات الروحانية وجنود الارض من الصفات النفسانية والقوى الطبيعية فيغلب بعضها على بعض فاذا غلب الاولى على الاخرى حصلت السكينة وكمال اليقين واذا عكس وقع الشك والريب وكان الله عليما بسرآئرهم ومقتضيات استعداداتهم وصفاء فطرة الفريق الاول وكدورة نفوس الفريق الثانى حكيما فيما فعله وفى التأويلات النجمية {ولله جنود السموات والارض} اى كلها دالة على وحدانيته تعالى وهى جنود الله بالنصرة لعبادة فى الظفر بمعرفته وكان الله عليما بمن هو اهل النصرة للمعرفة حكيما فيما حكم فى الازل لهم.
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {هو الذي أنزل السكينةَ} أي: السكون والطمأنينة، فعلة، من: السكون، كالبهيتة من البهتان، {في قلوب المؤمنين} حتى لم يتضعضعوا من الشروط التي عقدها صلى الله عليه وسلم مع المشركين، مَن رَدّ مَن أسلم منهم، وعدم ردهم مَن رجع إليهم، ومِن دخول مكة قابلاً بلا سلاح، وغير ذلك مما فعله صلى الله عليه وسلم معهم بالوحي، وما صدر عن عمر رضي الله عنه فلشدة قوته وصلابته، وما زال يعتق ويفعل أموراً كفارة لذلك. وقيل: {السكينة}: الصبر على ما أمر به الله من الشرائع والثقة بوعد الله، والتعظيم لأمر الله، {ليزدادوا إيماناً مع إِيمانهم} أي: يقيناً إلى يقينهم، أو: إيماناً بالشرائع مع إيمانهم بالعقائد. وعن ابن عباس رضي الله عنه قال: بعث الله نبيه بشهادة "ألا إله إلا الله" فلما صدَّقوه فيها، زادهم الصلاة، فلام صدّقوه، زادهم الزكاة، فلما صدّقوه، زادهم الحج، فلما صدّقوا زادهم الجهاد، ثم أكمل لهم دينهم، فذلك قوله: {ليزدادوا إيماناً مع إيمانهم ولله جنودُ السماوات والأرض} يُدبرها كما يريد، يُسلط بعضها على بعض تارة، ويوقع الصلح بينهما أخرى، حسبنا تقتضيه مشيئته المبنية على الحِكَم والمصالح، {وكان الله عليماً} مبالغاً في العلم بجميع الأمور {حكيماً} في تدبيره وتقديره. {ليُدخل المؤمنين والمؤمنات} اللام متعلق بما يدل عليه ما ذكر من قوله: {ولله جنود السماوات والأرض} من معنى التصرُّف، أي: دَبّر ما دَبَّر من تسليط المؤمنين، ليعرفوا نعمة الله ويشكروها، فيدخلهم {جناتٍ تجري من تحتها الأنهارُ خالدين فيها ويُكَفِّرَ عنهم سيئاتهم} أي: يُغطّي عنهم مساوئهم، فلا يظهرها لهم ولا لغيرهم. وتقديم الإدخال على التكفير، مع أن الترتيب في الوجود على العكس؛ للمسارعة إلى بيان ما هو المطلب الأعلى. {وكان ذلك} أي: ما ذكر من الإدخال والتكفير {عند الله فوزاً عظمياً} لا يُقادر قدره؛ لأنه منتهى ما امتدت إليه أعناق الهمم من جلب نفع ودفع ضر. و"عند الله": حال من "فوزاً عظيماً" لأنه صفته في الأصل، فلما قُدّم عليه صار حالاً، أي: كائناً عند الله في علمه وقضائه. والجملة اعتراض مقُرِّرٌ لما قبله. {ويُعذِّب المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات} لِما أغاظهم من ذلك وكرهوه، وهو عطف على "يدخل"، وفي تقديم المنافقين على المشركين ما لا يخفى من الدلالة على أنهم أحق منهم بالعذاب. {الظانين بالله ظَنَّ السَّوءِ} أي: ظن الأمر السَّوء، وهو ألا ينصر الله رسولَه والمؤمنين، ولا يُرجعهم إلى مكة، فالسَّوء عبارة عن رداءة الشيء وفساده، يقال: فِعْلُ سَوُءٍ، أي: مسخوط فاسد. {عليهم دائرةُ السَّوءِ} أي: ما يظنونه ويتربصونه بالمؤمنين، وهو دائر عليهم وحائق بهم. وفيه لغتان: فتح السين وضمها، كالكَره والكُره، والضَّعف والضَّعف، غير أن المفتوح غلب عليه أن يُضاف إليه ما يُراد ذمّه من كل شيء، وأما السُوء فجارٍ مجرى الشيء الذي هو نقيض الخير، أي: الدائرة التي يذمونها ويسخطونها دائرة عليهم، ولاحقة بهم، {وغَضِبَ اللّهُ عليهم ولعنهم وأعدَّ لهم جهنم وساءت مصيراً} لهم، وهو عطف لما استوجبوه في الآخرة على ما استوجبوه في الدنيا، وعطفَ "ولعنهم" وما بعده بالواو، مع أن حقهما الفاء المفيدة للسببية؛ إيذاناً باستقلال كل واحد منها بالوعيد، وأصالته، من غير استتباع بعضها لبعض. {ولله جنودُ السماوات والأرض} إعادة لما سبق، وفائدتها: التنبيه على أن لله جنود الرحمة وجنود العذاب، كما ينبئ عنه التعرُّض لوصف العزة في قوله: {وكان اللّهُ عزيزاً} أي: غالباً فلا يُردّ بأسمه {حكيماً} فلا يعترض صنعه. والله تعالى أعلم. الإشارة: هو الذي أنزل السكينة في قلوب المتوجهين، حتى سكنوا لصدمات تجلِّي الجلال، وأنوار الجمال، وسكنوا تحت مجاري الأقدار، كيفما برزت، بمرارة أو حلاوة، قال القشيري: والسكينةُ: ما يسكن إليه القلبُ من أنوار الإيمان والإيقان، أو العرفان بمشاهدة العيان، بل الاستغراق في بحر العين بلا أين. هـ. ليزدادوا إيماناً مع إيمانهم، فيترقُّوا من مقام الإسلام إلى مقام الإيمان، ومن مقام الإيمان إلى مقام الإحسان، أو من علم اليقين إلى عين اليقين، ومن عين اليقين إلى حق اليقين، أو من المراقبة إلى المشاهدة، أو من رؤية الأسباب إلى مسبب الأسباب. {ولله جنودُ السماوات والأرض} وهي الجنود التي يمد الله بها الروح في محاربتها للنفس، حتى تغلبها وتستولي عليها، وهي اليقين، العلم، والذكر، والفكر، والواردات الإلهية، التي تأتي من حضرة القهّار، فتدمغ كل ما تُصادمه من الأغيار والأكدار، وكان الله عليماً بمَن يستحق هذه الواردات، حكيماً في ترتيبها وتدبيرها، ليُدخل مَن تأيّد بها جنات المعارف، تجري من تحتها أنهار العلوم والحِكَم، ويغطي عنهم مساوئهم حتى يصلوا إليه، بما منه إليهم، لا بما منهم إليه وهذا هو الفوز العظيم، يفوز صاحبه بالنعيم المقيم، في جوار الكريم. ويُعذب أهل النفاق المنتقدين على أولياء الله، المتوجهين إليه، الظانين بالله ظن السوء، وهو أن خصوصية التربية انقطعت. {ولله جنود السماوات والأرض} أي: جنود الحجاب، وهو جند النفس، من الهوى والشيطان، والدنيا والناس، يُسلطها على مَن يشاء من عباده، إن يبقى في ظلمة الحجاب، والله غالب على أمره. ثم شهد لرسوله بالرسالة، بعد بشارته بالفتح والعصمة، فقال: {إِنَّآ أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً}.
الجنابذي
تفسير : {هُوَ ٱلَّذِيۤ أَنزَلَ ٱلسَّكِينَةَ} قد مضى بيان السّكينة فى اواخر سورة البقرة عند قوله تعالى: {أية : إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَن يَأْتِيَكُمُ ٱلتَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ} تفسير : [البقرة: 248] (الآية) وفى سورة التّوبة وسورة يوسف (ع)، وانّ المراد بالسّكينة ظهور ملكوت ولىّ الامر على صدر المؤمن وبهذا الظّهور يحصل له جميع ما ورد فى الاخبار من معانى السّكينة، وهذا هو الّذى ينبغى ان يظهره الله فى مقام الامتنان {فِي قُلُوبِ ٱلْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوۤاْ إِيمَاناً} شهوديّاً {مَّعَ إِيمَانِهِمْ} العلمىّ والحالىّ فانّه اذا ظهر ملكوت ولىّ الامر على المؤمن من يصير ايمانه العلمىّ قريناً لايمانه الشّهودىّ {وَلِلَّهِ جُنُودُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} كأنّه بعد ما سبق فى سورة التّوبة من قوله تعالى بعد ذكر انزال السّكينة {أية : وَأَنزَلَ جُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا} تفسير : [التوبة: 26] وايّده بجنودٍ لم تروها كان التّأييد بالجنود الغيبيّة مسلّماً بعد انزال السّكينة فقال: وانّ الجنود الغيبيّة الّتى لا تنفكّ عن تلك السّكينة لله فهو الّذى انزل الجنود الغيبيّة للمؤمنين كما انزل السّكينة عليهم فقوله: {أية : وَلِلَّهِ جُنُودُ ٱلسَّمَاوَاتِ} تفسير : [الفتح: 4] ولله جنود السّماوات مفيدٌ معنى ايّدهم بجنودٍ لم تروها مع شيءٍ زائدٍ، او المقصود من قوله {أية : وَلِلَّهِ جُنُودُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} تفسير : [الفتح: 4] تعميم الامتنان بسائر القوى والمدارك بعد الامتنان بانزال السّكينة عليهم كأنّه قال: لا اختصاص لامتناننا على المؤمنين بانزال السّكينة بل جميع المدارك والقوى الّتى هى من جنود السّماوات وجميع الاعضاء الآليّة والاعصاب والاوتار المحرّكة الّتى هى من جملة جنود الارض من عطيّته، او المقصود ترغيب المؤمنين وتطميعهم بعد ذكر الامتنان بانزال السّكينة فى انزال الجنود الّتى لم يروها كأنّه قال: فاطلبوا جنود السّماوات والارض منه {وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيماً} بمصالحكم فيعلم وقت استعدادكم لانزال السّكينة ووقت اصلاحكم بها وافسادكم بها، ويعلم وقت صلاحكم بتأييدكم بالجنود وعدم تأييدكم {حَكِيماً} لا يفعل ما يفعل الاّ بعد المراقبة لجميع دقائق احوالكم واستحقاقكم ولا يفعل ما يفعل الاّ بالاتقان فى فعله بحيث لا يتطرّق الخلل فيه.
فرات الكوفي
تفسير : {ولله جنود السموات والأرض2 } قال: حدثني عبد الله بن محمد بن سعدان [ر: سعيد] قال: حدثنا الحسن بن أبي جعفر قال: حدثنا أحمد بن سليمان قال: حدثنا أبو أيوب الطحان عن يحيى بن مساور: عن أبي الجارود قال: قال لي عبد الله بن الحسن: تدري ما تفسير هذه الآية [قوله تعالى. ر]: {ولله جنود السماوات والأرض} قلت: الله ورسوله أعلم. قال [ر: فقال]: أما جنوده في السماوات الملائكة وأما جنوده في الأرض فالزبانية لو ميزوا من الناس لنزل بهم العذاب.
الأعقم
تفسير : {هو الذي أنزل السكينة} الطمأنينة وقوة القلب وزوال الرعب، وقيل: قوّى قلوبهم بالوعد والوعيد {ليزدادوا إيماناً مع إيمانهم}، قيل: ليزدادوا مع النصرة في الدين طاعة، وقيل: يقيناً مع يقينهم، وعن ابن عباس: أول ما أتاهم به النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) التوحيد، فلما آمنوا به وحده أنزل الصلاة والزكاة ثم الحج ثم الجهاد، فازدادوا إيماناً إلى إيمانهم {ولله جنود السماوات والأرض} من الملائكة والمؤمنين قيل: أنصار دينه ينتقم به من أعدائه، وهم أهل التوحيد والعدل، كما أن المحبرة جنود الشيطان ينفون الشرعيَّة ويضيفون إلى الله تعالى، والثاني المجاهد بالسيف لاعزاز دينه وإعلاء كلمته وهم الأنبياء أهل التوحيد والعدل لأنهم يجاهدون بالسيف ليتركوا الكفر ويؤمنوا بالله ويدينون دين الله ليدينون به وبعث أنبيائه بالدعاء إليه، فأما أهل الحبر إذا قالوا إن الكفر خلق الله فيهم وارادته ثم يحاربون في إزالته ولا يرضون به فهم يحاربون الله حيث لم يرضوا بما خلق {وكان الله عليماً} بالأشياء {حكيماً} يفعل ما هو الصلاح {ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار} روي أنها لما نزلت: {أية : إنا فتحنا} تفسير : [الفتح: 1] الآية قال رجل: هنالك قد بيَّن الله لنا يا رسول الله ما يفعل بك فماذا يفعل بنا؟ فأنزل الله: {ليدخل المؤمنين والمؤمنات} الآية {وكان ذلك عند الله فوزاً عظيماً} {ويعذب الله المنافقين والمنافقات} الذين أبطنوا الكفر {والمشركين والمشركات الظانين بالله ظن السوء}، قيل: ظنهم أن الله لا ينصر نبيه والمؤمنين، وقيل: ظنهم أن لن ينقلب الرسول والمؤمنون إلى أهليهم أبداً، أي لا يرجعوا من الحديبية سالمين {عليهم دائرة السوء}، قيل: هو دعاء عليهم بالهلاك، وقيل: ما يظنونه ويتربصون به بالمؤمنين فهو كائن بهم دائرٌ عليهم، والسوء الهلاك والدمار {وغضب الله عليهم} إرادة عقوبتهم {ولعنهم} أبعدهم {وأعد لهم جهنم وساءت مصيراً} أي بئس المرجع {ولله جنود السماوات والأرض} من الملائكة والمؤمنين {وكان الله عزيزاً حكيماً} {إنا أرسلناك} يا محمد {شاهداً} على أمتك كقوله: {أية : ويكون الرسول عليكم شهيداً} تفسير : [البقرة: 143] {ومبشراً} للمطيعين بالجنة {ونذيراً} للعاصين من النار {لتؤمنوا بالله} أي جعلنا لطفاً لتؤمنوا بالله {ورسوله وتعزروه}، قيل: تعظموه، وقيل: تنصروه {وتوقّروه} تعظموه {وتسبّحوه} قبل الوقف على قوله: {وتوقروه} وقد تمّ، ثم يبتدئ: {وتسبحوه} أي تنزهوا الله سبحانه، وقيل: هو عبارة عن الدوام عن ابن كثير وأبو عمرو: لتؤمنوا وتعزروه وتوقروه وتسبحوه في الأربعة بالتاء كناية عن المؤمنين، قال جار الله: الضمائر لله عز وجل، والمراد تعزير الله دينه ورسوله، ومن فرق الضمائر فقد أبعد، وعن ابن عباس: صلاة العصر والظهر.
اطفيش
تفسير : {هُوَ الَّذِي أَنزَلَ السَّكِينَةَ} الطمأنينة والثبات من السكون كالبهتة للبهتان قال ابن عباس كل سكينة في القرآن طمأنينة الا التي في البقرة ولزم من السكينة ثبات الأقدام في الحرب وقيل أنزلها بسبب الصلح والأمن ليعرفوا فضل الله عليهم بتيسير الأمن بعد الخوف والهدنة عقب القتال {فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ} فثبتوا حيث زل غيرهم أول ما كشف الله للمؤمن المعرفة ثم الوسيلة ثم السكينة ثم البصيرة {لِيَزْدَادُواْ إِيماناً مَّعَ إِيمَانِهِمْ} قال الضحاك يقينا مع يقينهم وايمانا بما يشرع مقرونا الى ايمانهم وهو التوحيد يؤمنون بكل ما نزل ويعملون به قال ابن عباس أول ما آتاهم به النبي صلى الله عليه وسلم التوحيد فلما آمنوا أنزل الصلاة ثم الزكاة ثم الصوم ثم الحج ثم الجهاد وقال الكلبي ذلك في أمر الحديبية حين صدق الله رسوله الرؤيا بالحق وقيل ليتراحموا فيزداد ايمانهم* {وَللهِ جُنُودُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ} فلو أراد نصر دينكم بغيرك لفعل ولكن أنزل السكينة عليكم ليكون هلاك عدوكم على أيديكم فلكم الثواب ولهم العقاب وهو قادر أن يهلكهم بصيحة أو رجفة أو صاعقة أو نحو ذلك من الجنود فيسلط بعضاً على بعض تارة ويوقع السلم أخرى على ما تقتضيه الحكمة وقد اقتضت أن سكن قلوب المؤمنين بصلح الحديبية ووعدهم الفتح وقضى ذلك ليشكروا فيثابوا وليكره الكفار فيعاقبوا؛ (وجنود السموات والأرض) قيل الملائكة وقيل جنود السموات الملائكة وجنود الأرض جميع الحيوانات وقيل جنود السموات الصاعقة والصيحة والماء والريح والحجارة وجنود الأرض الزلازل والخسف والبحر ونحو ذلك وقيل جنود السموات الملائكة والصاعقة وما معها وجنود الأرض الحيوان والزلازل وما معها وقيل جنود السماء الملائكة والانبياء وجنود الأرض الأولياء وقيل جنود السماء القلوب وجنود الأرض النفوس وما سلط عليك فهو من جنوده فان سلط عليك نفسك أهلكك بها وان سلط عليك جوارحك أهلكك بها وان سلط نفس على قلبك قادتك الى متابعة الهوى وان سلط قلبك على جوارحك ألزمها بالادب وألزمها العبادة وزينها بالاخلاص* {وَكَانَ اللهُ عَلِيماً} بخلقه ومصالحهم* {حَكِيماً} في صنعه وتدبيره وقيل عليما بجنوده وقيل عليما بما في قلوبكم حكيما حيث نصركم
اطفيش
تفسير : {هُو الذي أنزل السَّكينَة في قُلوب المُؤمنين} الطمأنينة والثبات بعد الخوف بالفتح المذكور، فلا تضطرب النفس حتى تذعن لصلح الحديبية، ولا يفروا فى الحرب، ولا تعرض عن حق، وعن ابن عباس: كل سكينة فى القرآن طمأنينة إلا التى فى سورة البقرة، وفى التعبير بالانزال ايماء الى علو شأن الطمأنية، وذلك انزال من علو للشىء أولأسبابه، ويجوز أن يكون الانزال بمعنى الاسكان، كما تقول: أنزلت الضيف فى دارى، وقيل: السكينة ملك يسكن قلب المؤمن ويؤمنه، ما قال على: ان السكينة لتنطق على لسان عمر، وعن ابن عباس: السكينة الرحمة، وقيل: السكينة العقل، لأنه يسكن عن الميل الى الشهوات، وعن الرعب، وقيل: العظمه لله ورسوله، وقيل: السكون الى الشرع كما قال: شعر : فيم الاقامة بالزوراء لا سكنى فيها ولا ناقتى فيها ولا جملى تفسير : {ليْزدادوا إيماناً مَعَ إيمانهم} بأن يقوى فى قلوبهم، وهو واحد فى نفسه كالعقل التام، يقوى وينقص، فالايمان يزداد وينقص، وهو فى نفسه واحد، ولو كان ازدياد بكثرة الأدلة والنظر، كشجرة تنمو بالماء، ونور مصباح ينمو بالزيت، وكذا النقص، وكذا فهم ابن عمر فقال: يا رسول الله الايمان يزيد وينقص؟ فقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : نعم يزيد حتى يدخل صاحبه الجنة وينقص حتى يدخل صاحبه النار" تفسير : وعن عمر وجابر، عنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : لو وزن إيمان أبي بكر بإيمان هذه الأمة لرجح به" تفسير : وأما اعتبار الايمان قولا وعملا فيزداد بزيادة العمل، وينقص بنقص العمل، أو تركه وزيادته بزيادة ما يؤمن به، وزيادة نزول ما يعمل به، وكلَّما نزل شىء زاد ايمانا به، وكلما كان بالوحى عمل به، وكذا حدوث علم بعمل، فلا ينبغى الخلاف فى ذلك، وانما هو فى التصديق ينمو وينقص، والا لزم أن يكون ايمان الملائكة والأنبياء الأولياء، وايمان الفاسق سواء، وليس كذلك، بل الانسان الواحد يقوى تصديقه فى مسألة تارة وينقص فيها أخرى، وقال جماعة: الايمان بمعنى التصديق لا يزيد ولا ينقص، وبه قال أبو حنيفة، وامام الحرمين، لأنه لو نقص لم يكن تصديقا، قلنا: لا يزيد بل ينقص مع بقاء أصله كشجرة تذبل، ونور ينقص بنقص الزيت، توقن أن لك كما زعموا ألفا من جهة كذا، وتنسى الجهة ويبقى اليقين، وتوقن أن الله تعالى قديم اذ لو حدث لكان بمحدث، وتذهل أو تنسى اللوية فينقص. {ولله جنود السَّماوات والأرض} فهو قادر أن ينصرك بما شاء، ولو مع قلة عددكم، ومن جنوده: الطاعة والصيحة، أو المراد أن الملائكة، وجنود الأرض الحيوانات، وجنود السماوات الصاعقة والصيحة والحجارة، وجنود الأرض الخسف والزلزلة والغرق، أو المراد أن فى ملكه الجنود خلقها وابتلى بعضاً ببعض فقتل بعض بعضا تارة، فيكون النصر بأيديكم، فلكم الأجر، وعلى عدوكم العقاب، واصطلحوا تارة أخرى، كما اصطلحوا يوم الحديبية بحسب الحمة. {وكان الله عَليماً} بجميع الأجسام والأعراض {حَكيماً} فيها بالايجاد والاعدام والزيادة والنقص وسائر التصرفات، أو عليما بما فى قلوبكم، وبجميع الجنود، حكيما فى تدبيرها، وفى نصركم لتشكروه فيثيبكم كما قال: {ليُدخِل المؤمنينَ والمؤمنات} ذكرهن لئلا يتوهم دخولهن لذكر الجهاد، وهن لا يجاهدن، وكذا كل ما ذكرن فى القرآن مع الرجال كما ذكرن دفعا لتوهم، وحيث يذرن فلعدم توهم كذا، قيل قلت: لعله لا يطرد فاستقصه {جنات تجْرى مِن تَحْتها الأنهار خالدين فيها} خالدين حال مقدرة، واللام فى قوله عز وجل: {ليدخل} متعلق بمحذوف، أى دبر ما دبَّر ليدخل وأراد بالادخال سببه وملزومه، وهو شكر النعم، وقيل متعلق بفتحنا، أو بأنزل على أن هذا تعليل لأحدهما، ولتعليله كأنه قيل فتحنا، وعللنا الفتح بالمغفرة ليدخل، أو أنزلنا السكينة، وعللنا الإنزال لازدياد الايمان، ليدخل فلا يرد تعليق حرفى جر لمعنى واحد، فى عامل واحد، بلا تبعية، أو الثانى تعليل للعلة، أى ليغفر لك واللمؤمنين، ليدخل لأنه لا يدخلهم الجنة بلا مغفرة، وقيل: متعلق بيزدادوا، وقيل: بينصرك أو فيهما على التنازع، أو على مجرد الحذف لدليل. ويبحث بأن الادخال يكون بلا نصر، وبلا ازدياد نفس التصديق، أو بمحذوف، أى فعل ذلك ليدخل، أو بدل اشتمال من قوله: ليزدادوا لأن بين الازدياد والادخال ملابسة بغير الجزئية والكلية، وقد مر لك انه قد يكون بدل الاشتمال بلا رابط الا أن الازدياد ليس شرطا للادخال كما مر، الا أن فسر الازدياد بتعدد الايمان بتعدد النزول، أو بتعدد الأعمال ويقوى تعليقه بفعل محذوف ما روى أنه نزل عليه بعد رجوعه من الحديبية: {بسم الله الرحمن الرحيم * إنَّا فَتحنا لك فتحاً} الى: {عظيماً} فقال: "لقد نزلت علىَّ آية هى أحب الى مما على الأرض فقرأها" فقالوا هنيئاً مريئاً قد بين الله لك ماذا يفعل بك، فماذا يفعل بنا فنزل: {ليدخل} الى: {فوزاً عظيماً} لكن لا مانع من تعليقها بما مر بأوجهه. {ويُكفِّر عنْهُم سيئاتهم} لا يؤاخذهم بها، لا يظهرها بالعقاب، كأنها لم تكن، وقدم الادخال على التكفير فى الذكر، مع أنه متأخر فى الوجود مسارعة الى المطلوب الأعلى، قيل: أو قدم لأن التكفير فى الجنة أى يسترها فيها لا تخطر ببالهم، ولا يذكرها أحد لئلا ينغصوا وهو غير متبادر {وكان ذلك} الادخال والتكفير {عِنْد الله} متعلق بكان، أو حال من قوله {فَوزاً} أى فلاحا وربحا ممتازا به عن الغير {عَظيماً} لا يحيط به إلا الله عز وجل.
الالوسي
تفسير : {هُوَ ٱلَّذِي أَنزَلَ ٱلسَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ ٱلْمُؤْمِنِينَ } بيان لما أفاض سبحانه عليهم من مبادي الفتح، والمراد بالسكينة الطمأنينة والثبات من السكون أي أنزلها في قلوبهم بسبب الصلح والأمن إظهاراً لفضله تعالى عليهم بتيسير الأمن بعد الخوف. والمراد بإنزالها خلقها وإيجادها، وفي التعبير عن ذلك بالإنزال إيماء إلى علو شأنها. وقال الراغب: إنزال الله تعالى نعمته على عبد إعطاؤه تعالى إياها وذلك إما بإنزال الشيء نفسه كإنزال القرآن أو بإنزال أسبابه والهداية إليه كإنزال الحديد ونحوه، وقيل: {أَنْزَلَ } من نزل في مكان كذا حط رحله فيه وأنزله غيره، فالمعنى حط السكينة في قلوبهم فكأن قلوبهم منزلاً لها ومأوى، وقيل: السكينة مَلَكٌ يسكن قلب المؤمن ويؤمنه كما روي أن علياً رضي الله تعالى عنه وكرم وجهه قال: إن السكينة لتنطق على لسان عمر، وأمر الإنزال عليه ظاهر جداً. وأخرج ابن جرير والبيهقي في «الدلائل» وغيرهما عن ابن عباس أنه قال: السكينة هي الرحمة، وقيل: هي العقل ويقال له سكينة إذا سكن عن الميل إلى الشهوات وعن الرعب، وقيل: هي الوقار والعظمة لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم، وقيل: هي من سكن إلى كذا مال إليه أي أنزل في قلوبهم السكون والميل إلى ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم من الشرائع، وأرجح التفاسير هنا على ما قال الخفاجي: الأول، وما ذكره بعضهم من أن السكينة شيء له رأس كرأس الهرة فما أراه قولاً يصح. {لِيَزْدَادُواْ إِيمَـٰناً مَّعَ إِيمَـٰنِهِمْ } أي يقيناً مع يقينهم برسوخ العقيدة واطمئنان النفوس عليها على أن الإيمان لما ثبت في الأزمنة نُزِّلَ تجدد أزمانه منزلة تجدده وازدياده فاستعير له ذلك ورشح بكلمة مع، وقيل: ازدياد الإيمان بازدياد ما يؤمن به. وروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن أول ما أتاهم به النبـي صلى الله عليه وسلم التوحيد ثم الصلاة والزكاة ثم الحج والجهاد فازدادوا إيماناً مع إيمانهم، ومن قال: الأعمال من الإيمان قال بأنه نفسه - أي الإيمان المركب من ذلك وغيره - يزيد وينقص ولم يحتج في الآية إلى تأويل بل جعلها دليلاً له. وتفصيل الكلام في هذا المقام أنه ذهب جمهور الأشاعرة والقلانسي والفقهاء والمحدثون والمعتزلة إلى أن الإيمان يزيد وينقص ونقل ذلك عن الشافعي ومالك، وقال البخاري: لقيت أكثر من ألف رجل من العلماء بالأمصار فما رأيت أحداً منهم يختلف في أن الإيمان قول وعمل ويزيد وينقص. واحتجوا على ذلك بالعقل والنقل، أما الأول فلأنه لو لم تتفاوت حقيقة الإيمان لكان إيمان آحاد الأمة المنهمكين في الفسق والمعاصي مساوياً لإيمان الأنبياء عليهم السلام مثلاً واللازم باطل فكذا الملزوم، وأما الثاني فلكثرة النصوص في هذا المعنى، منها الآية المذكورة، ومنها ما روي عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قلنا: «حديث : يا رسول الله إن الإيمان يزيد وينقص قال: نعم يزيد حتى يدخل صاحبه الجنة وينقص حتى يدخل صاحبه النار»تفسير : ، ومنها ما روي عن عمر وجابر رضي الله تعالى عنهما مرفوعاً «حديث : لو وزن إيمان أبـي بكر يإيمان هذه الأمة لرجح به»تفسير : . واعترض بأن عدم قبول الإيمان الزيادة والنقص على تقدير كون الطاعات داخلة في مسماه أولى وأحق من عدم قبوله ذلك إذا كان مسماه التصديق وحده. أما أولاً فلأنه لا مرتبة فوق كل الأعمال لتكون زيادة ولا إيمان دونه ليكون نقصاً، وأما ثانياً فلأن أحداً لا يستكمل / الإيمان حينئذ والزيادة على ما لم يكمل بعد محال. وأجيب بأن هذا إنما يتوجه على المعتزلة والخوارج القائلين بانتفاء الإيمان بانتفاء شيء من الأعمال، والجماعة إنما يقولون: إنها شرط كمال في الإيمان فلا يلزم عند الانتفاء إلا انتفاء الكمال وهو غير قادح في أصل الإيمان. وقال النووي وجماعة محققون من علماء الكلام: إن الإيمان بمعنى التصديق القلبـي يزيد وينقص أيضاً بكثرة النظر ووضوح الأدلة وعدم ذلك، ولهذا كان إيمان الصديقين أقوى من إيمان غيرهم بحيث لا تعتريه الشبه، ويؤيده أن كل واحد يعلم أن ما في قلبه يتفاضل حتى يكون في بعض الأحيان أعظم يقيناً وإخلاصاً منه في بعضها فكذلك التصديق والمعرفة بحسب ظهور البراهين وكثرتها. واعترض بأنه متى قبل ذلك كان شكاً. ودفع بأن مراتب اليقين متفاوتة إلى علم اليقين وحق اليقين وعين اليقين مع أنها لا شك معها. وممن وافق النووي على ما جزم به السعد في القسم الثاني من «تهذيبه». وقال جماعة من العلماء أعظمهم الإمام أبو حنيفة وتبعه أصحابه وكثير من المتكلمين الإيمان لا يزد ولا ينقص، واختاره إمام الحرمين، واحتجوا بأنه اسم للتصديق البالغ حد الجزم والإذعان وهذا لا يتصور فيه زيادة ولا نقصان، فالمصدق إذا ضم إليه الطاعات أو ارتكب المعاصي فتصديقه بحاله لم يتغير أصلاً وإنما يتفاوت إذا كان اسماً للطاعات المتفاوتة قلة وكثرة. وأجابوا عما تمسك به الأولون بوجوه منها: ما أشرنا أولاً من أن الزيادة بحسب الدوام والثبات وكثرة الزمان والأوقات. وإيضاحه ما قاله إمام الحرمين: النبـي صلى الله عليه وسلم يفضل من عداه باستمرار تصديقه وعصمة الله تعالى إياه من مخامرة الشكوك والتصديق عرض لا يبقى بشخصه بل بتجدد أمثاله فتقع للنبـي عليه الصلاة والسلام متوالية ولغيره على الفترات فثبتت للنبـي صلى الله تعالى عليه وسلم أعداد من الإيمان لا يثبت لغيره إلا بعضها فيكون إيمانه صلى الله عليه وسلم أكثر، والزيادة بهذا المعنى قيل مما لانزاع فيها. واعترض بأن حصول المثل بعد انعدام الشيء لا يكون زيادة فيه كسواد الجسم، ودفع بأن المراد زيادة أعداد حصلت وعدم البقاء لا ينافي ذلك. ومنها ما أشرنا إليه ثانياً من أن المراد الزيادة بحسب زيادة ما يؤمن به، والصحابة رضوان الله تعالى عليهم أجمعين آمنوا أولاً بما آمنوا به وكانت الشريعة لم تتم وكانت الأحكام تنزل شيئاً فشيئاً فكانوا يؤمنون بكل ما يتجدد منها ولا شك في تفاوت إيمان الناس بملاحظة التفاصيل كثرة وقلة لا يختص ذلك بعصره صلى الله عليه وسلم لإمكان الاطلاع على التفاصيل في غيره من العصور أيضاً. ومنها أن المراد زيادة ثمرته وإشراق نوره في القلب فإن نور الإيمان يزيد بالطاعات وينقص بالمعاصي، قيل: وهذا إنما يحتاج إليه بعد إقامة قاطع على امتناع قبول التصديق الزيادة والنقص ومتى لم يقم قاطع على ذلك كان الأولى إبقاء الظواهر على حالها. وقال الخطابـي: الإيمان قول وهو لا يزيد ولا ينقص وعمل وهو يزيد وينقص واعتقاد وهو يزيد ولا ينقص فإذا نقص ذهب واعترض أنه إذا زاد ثم عاد إلى ما كان فقد نقص ولم يذهب. ودفع بأن مراده أن الاعتقاد باعتبار أول مراتبه يزيد ولا ينقص لا أن الاعتقاد مطلقاً كذلك. وذهب جماعة منهم الإمام الرازي وإمام الحرمين [في قول] إلى أن الخلاف لفظي وذلك بحمل قول النفي على أصل الإيمان وهو التصديق فلا يزيد ولا ينقص وحمل قول الإثبات على ما به كماله وهو الأعمال فيكون الخلاف في هذه المسألة فرع الخلاف في تفسير الإيمان، والحق أنه حقيقي لما سمعت عن الإمام النووي ومن معه من أن التصديق نفسه يزيد وينقص. وقال بعض المحققين: إن الزيادة والنقص من خواص الكم والتصديق قسم من العلم ولم يقل أحد بأنه / من مقولة الكم وإنما قيل هو كيف أو انفعال أو إضافة وتعلق بين العالم والمعلوم أو صفة ذات إضافة؛ والأشهر أنه كيفٌ فمتى صح ذلك وقلنا بمغايرة الشدة والضعف للزيادة والنقص فلا بأس بحملهما في النصوص وغيرها على الشدة والضعف وذلك مجاز مشهور، وإنكار اتصاف الإيمان بهما يكاد يلحق بالمكابرة فتأمل. وذكر بعضهم هنا أن الإيمان الذي هو مدخول مع هو الإيمان الفطري والإيمان المذكور قبله الإيمان الاستدلالي فكأنه قيل: ليزدادوا إيماناً استدلالياً مع إيمانهم الفطري، وفيه من الخفاء ما فيه. {وَلِلَّهِ جُنُودُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ } يدبر أمرها كيفما يريد فيسلط بعضها على بعض تارة ويوقع سبحانه بينها السلم أخرى حسبما تقتضيه مشيئته المبنية على الحِكَم والمصالح، ومن قضية ذلك ما وقع في الحديبية {وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيماً } مبالغاً في العلم بجميع الأمور {حَكِيماً } في تقديره وتدبيره عز وجل.
ابن عاشور
تفسير : هذه الجملة بدل اشتمال من مضمون جملة {أية : وينصرك الله نصراً عزيزاً}تفسير : [الفتح: 3]. وحَصل منها الانتقال إلى ذكر حظ المسلمين من هذا الفتح فإن المؤمنين هم جنود الله الذين قد نصر النبي صلى الله عليه وسلم بهم كما قال تعالى: {أية : هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين}تفسير : [الأنفال: 62] فكان في ذكر عناية الله بإصلاح نفوسهم وإذهاب خواطر الشيطان عنهم وإلهامهم إلى الحق في ثبات عزمهم، وقرارة إيمانهم تكوين لأسباب نصر النبي صلى الله عليه وسلم والفتح الموعود به ليندفعوا حين يستنفرهم إلى العدوّ بقلوب ثابتة، ألا ترى أن المؤمنين تبلبلت نفوسهم من صلح الحديبية إذ انصرفوا عقبه عن دخول مكة بعد أن جاؤوا للعمرة بعَدد عديد حسبوه لا يغلب، وأنهم إن أرادهم العدوّ بسوء أو صدهم عن قصدهم قابلوه فانتصروا عليه وأنهم يدخلون مكة قسْرا. وقد تكلموا في تسمية ما حلّ بهم يومئذٍ فتحاً كما علمت مما تقدم فلما بين لهم الرسول صلى الله عليه وسلم ما فيه من الخير اطمأنت نفوسهم بعد الاضطراب ورسخ يقينهم بعد خواطر الشك فلولا ذلك الاطمئنان والرسوخ لبقُوا كاسفي البال شديدي البلبال، فذلك الاطمئنان هو الذي سماه الله بالسكينة، وسمّي إحداثه في نفوسهم إنزالاً للسكينة في قلوبهم فكان النصر مشتملاً على أشياء من أهمها إنزال السكينة، وكان إنزال السكينة بالنسبة إلى هذا النصر نظير التأليف بين قلوب المؤمنين مع اختلاف قبائلهم وما كان بينهما من الأمن في الجاهلية بالنسبة للنصر الذي في قوله تعالى: {أية : هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين وألّف بين قلوبهم}تفسير : [الأنفال: 62، 63]. وإنزالها: إيقاعها في العقل والنفس وخلق أسبابها الجوهرية والعارضة، وأطلق على ذلك الإيقاع فعل الإنزال تشريفاً لذلك الوجدان بأنه كالشيء الذي هو مكان مرتفع فوق الناس فألقي إلى قلوب الناس، وتلك رفعة تخييلية مراد بها شرف ما أثبتت له على طريقة التخييلية. ولما كان من عواقب تلك السكينة أنها كانت سبباً لزوال ما يلقيه الشيطان في نفوسهم من التأويل لوعد الله إياهم بالنصر على غير ظاهره، وحمله على النصر المعنوي لاستبعادهم أن يكون ذلك فتحاً، فلما أنزل الله عليهم السكينة اطمأنت نفوسهم، فزال ما خامرها وأيقنوا أنه وعد الله وأنه واقع فانقشع عنهم ما يوشك أن يشكك بعضهم فيلتحق بالمنافقين الظانين بالله ظن السوء فإن زيادة الأدلة تؤثر رسوخ المستدَلّ عليه في العقل وقوةَ التصديق. وهذا اصطلاح شائع في القرآن وجعل ذلك الازدياد كالعلّة لإنزال السكينة في قلوبهم لأن الله علم أن السكينة إذ حصلت في قلوبهم رسخ إيمانهم، فعومل المعلوم حصوله من الفعل معاملة العلة وأدخل عليه حرف التعليل وهو لام ـــ كي ـــ وجعلت قوة الإيمان بمنزلة إيمان آخر دخل على الإيمان الأسبق لأن الواحد من أفراد الجنس إذا انضم إلى أفراد أخر زادها قوة فلذلك علق بالإيمان ظرف {مع} في قوله: {مع إيمانهم} فكان في ذلك الحادث خير عظيم لهم كما كان فيه خير للنبي صلى الله عليه وسلم بأن كان سبباً لتشريفه بالمغفرة العامة ولإتمام النعمة عليه ولهدايته صراطاً مستقيماً ولنصره نصراً عزيزاً، فأعظم به حدثاً أعقب هذا الخير للرسول صلى الله عليه وسلم ولأصحابه. {وَلِلَّهِ جُنُودُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيماً حكيماً}. تذييل للكلام السابق لأنه أفاد أن لا عجب في أن يفتح الله لك فتحاً عظيماً وينصرك على أقوام كثيرين أشِداء نصراً صحبه إنزال السكينة في قلوب المؤمنين بعد أن خامرهم الفشل وانكسار الخواطر، فالله من يملك جميع وسائل النصر وله القوة القاهرة في السماوات والأرض وما هذا نصر إلا بعض مما لله من القوة والقهر. والواو اعتراضية وجملة التذييل معترضة بين جملة {ليزدادوا إيماناً مع إيمانهم} وبين متعلقها وهو {أية : ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات}تفسير : [الفتح: 5] الآية. وأطلق على أسباب النصر الجنود تشبيهاً لأسباب النصر بالجنود التي تقاتل وتنتصر. وفي تعقيب جملة {هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين} بجملة التذييل إشارة إلى أن المؤمنين من جنود الله وأن إنزال السكينة في قلوبهم تشديد لعزائمهم فتخصيصهم بالذكر قبل هذا العموم وبعده تنويه بشأنهم، ويومىء إلى ذلك قوله بعد {ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات} الآية. فمن جنود السماوات: الملائكة الذين أنزلوا يوم بدر، والريح التي أرسلت على العدوّ يوم الأحزاب، والمطر الذي أنزل يوم بَدر فثبت الله به أقدام المسلمين. ومن جنود الأرض جيوش المؤمنين وعديد القبائل الذين جاءوا مؤمنين مقاتلين مع النبي صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة مثل بني سُليم، ووفود القبائل الذين جاءوا مؤمنين طائعين دون قتال في سنة الوفود. والجنود: جمع جند، والجند اسم لجماعة المقاتلين لا واحد له من لفظه وجمعه باعتبار تعدد الجماعات لأن الجيش يتألف من جنود: مقدمةِ وميمنةٍ وميسرةٍ وقلب وساقةٍ. وتقديم المسند على المسند إليه في {ولله جنود السماوات والأرض} لإفادة الحصر، وهو حصر ادعائي إذ لا اعتداد بما يجمعه الملوك والفاتحون من الجنود لغلبة العدوّ بالنسبة لما لله من الغلبة لأعدائه والنصر لأوليائه. وجملة {وكان الله عليماً حكيماً} تذييل لما قبله من الفتح والنصر وإنزال السكينة في قلوب المؤمنين. والمعنى: أنه عليم بأسباب الفتح والنصر وعليم بما تطمئن به قلوب المؤمين بعد البلبلة وأنه حكيم يضع مقتضيات علمه في مواضعها المناسبة وأوقاتها الملائمة.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {لِيَزْدَادُوۤاْ إِيمَاناً مَّعَ إِيمَانِهِمْ}. ما دلت عليه هذه الآية الكريمة من أن الإيمان يزيد دلت عليه آيات أخر من كتاب الله كقوله تعالى:{أية : وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً}تفسير : [الأنفال: 2]. وقوله تعالى:{أية : فَأَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ}تفسير : [التوبة: 124] وقوله تعالى:{أية : لِيَسْتَيْقِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ وَيَزْدَادَ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِيمَاناً}تفسير : [المدثر: 31] إلى غير ذلك من الآيات. وقد أوضحناه مراراً. والحق الذي لا شك فيه. أن الإيمان يزيد وينقص، كما عليه أهل السنة والجماعة، وقد دل عليه الوحي من الكتاب والسنة كما تقدم. قوله تعالى: {وَلِلَّهِ جُنُودُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ}. ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة، أن له جنود السماوات والأرض وبين في المدثر أن جنوده هذه لا يعلمها إلا هو، وذلك في قوله:{أية : وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ}تفسير : [المدثر: 31].
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 4- هو الله الذى أنزل الطمأنينة فى قلوب المؤمنين ليزدادوا بها يقينا مع يقينهم، ولله - وحده - جنود السموات والأرض، يدبِّر أمرها كما يشاء، وكان الله محيطا علمه بكل شئ، ذا حكمة بالغة فى تدبير كل شأن. 5، 6- ليُدخل الله المؤمنين والمؤمنات بالله ورسوله جنات تجرى من تحتها الأنهار، دائمين فيها، يمحو عنهم سيئاتهم، وكان ذلك الجزاء عند الله فوزاً بالغاً غاية العِظم. وليعذب المنافقين والمنافقات، والمشركين مع الله غيره والمشركات، الظانين بالله ظنا فاسدا. وهو أنه لا ينصر رسوله، عليهم - وحدهم - دائرة السوء، لا يفلتون منها، وغضب الله عليهم وطردهم من رحمته وَهَيَّأ لعذابهم جهنم وساءت نهاية لهم. 7- ولله جنود السموات والأرض، يدبِّر أمرها بحكمته كما يشاء، وكان الله غالباً على كل شئ، ذا حكمة بالغة فى تدبير كل شأن. 8- إنا أرسلناك - يا محمد - شاهداً على أمتك وعلى من قبلها من الأمم، ومُبشّراً المتقين بحسن الثواب، ونذيراً للعصاة بسوء العذاب. 9- لتؤمنوا - أيها المرسل إليكم - بالله ورسوله، وتنصروا الله بنصر دينه، وتعظِّموه مع الإجلال والإكبار، وتنزِّهوه عما لا يليق به غدوة وعشيا.
د. أسعد حومد
تفسير : {إِيمَاناً} {إِيمَانِهِمْ} {ٱلسَّمَاوَاتِ} (4) - كَانَ مِنْ شُرُوطِ صُلْحِ الحُدَيْبِيَةِ شَرْطَانِ تَرَكَا أَثَراً فِي نُفُوسِ المُؤْمِنِينَ: 1- أَنْ لاَ يَدْخُلَ المُسْلِمُونَ مَكَّةَ عَامَهُمْ ذَاكَ، وَأَنْ يَأتُوا مُعْتَمِرِينَ فِي العَامِ، الذِي يَلِيهِ. 2- أنْ يَرُدَّ المُسْلِمُونَ مَنْ جَاءَهُمْ مِنْ قُرَيشٍ مُسْلِماً إِلى قَوْمهِم، وَأَنْ لاَ تَرُدَّ قُرَيشٌ مَنْ جَاءَها مِنَ المُسْلِمِينَ مُرْتَداً عَنِ الإِسْلامِ. وَظَنَّ بَعْضُ المُسْلِمِين أَنَّ في هذينِ الشَّرْطَينِ غبْناً لِلمُسْلِمِينَ، حَتّى إِن رَسُولَ اللهِ لَمَّا أَمرَ المُسْلِمِينَ بِنَحْرِ الهَدْيِ، وَبِحَلقِ شُعُورِهِمْ، لَمْ يَمْتَثِلوا لأَمْرِه في بَادئِ الأَمرِ، فَقَدْ ثَارَتْ في نُفُوسِهِمِ الحَمِيَّةُ للإِسْلامِ فَأَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَى المُؤْمِنِينَ لِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُهم، وَلِيَزْدَادُوا يَقِينا في دِينِهِمْ بِطَاعَةِ اللهِ، وَطَاعَةِ رَسُولِهِ، وَاللهُ تَعَالى هُوَ الذِي يُدَبِّرُ أمرَ الكَوْنِ، فَيَجْعَلُ جَمَاعةً مِنْ جُنْدِهِ يُقَاتِلُون لإِعْلاَءِ كَلِمَةِ الحَقِّ، وَيَجْعَلُ غَيْرَهم يُقَاتِلُونَ في سَبيلِ الشَّيْطَانِ، وَلَوْ شَاءَ اللهُ لأَرْسَلَ عَلَيْهِم جُنْداً مِنَ السَّماء يَقْضُونَ عَلَيهم، لكِنَّهُ سُبْحَانَه وَتَعَالى شَرَعَ الجِهَادَ والقِتَالَ لما في ذلِكَ مِنَ المَصْلَحَةِ التِي لاَ يَعْلَمُها إِلاَّ هُوَ، وَاللهُ عَلِيمٌ بِالأُمُورِ، حَكِيمٌ في شَرْعِهِ وَتَدْبِيرِهِ. السَّكِينَةَ - السُّكُونَ وَالطُّمَأْنِينَةَ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : قوله تعالى: {هُوَ ٱلَّذِيۤ أَنزَلَ ٱلسَّكِينَةَ ..} [الفتح: 4] أي: الطمأنينة والأمان بعد أن اشتدَّ الكرب عليه، وبعد أنْ كانوا في ذلة {أية : وَإِذْ زَاغَتِ ٱلأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ ٱلْقُلُوبُ ٱلْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِٱللَّهِ ٱلظُّنُونَاْ * هُنَالِكَ ٱبْتُلِيَ ٱلْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُواْ زِلْزَالاً شَدِيداً}تفسير : [الأحزاب: 10-11]. نعم إذا اشتد الكرب هان، ومع الضيق يأتي الفرج وتدخلت السماء وجاء نصر الله {لِيَزْدَادُوۤاْ إِيمَٰناً مَّعَ إِيمَٰنِهِمْ ..} [الفتح: 4] ولينفي عنهم ما خالطهم وما ساورهم من الغرور بالعدد ومخالفة قواعد الجندية لله تعالى. {وَلِلَّهِ جُنُودُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ..} [الفتح: 4] يعني: لا تظنوا أنكم أنتم جنود الله فقط، بل لله جنود كثيرة {أية : وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ ..}تفسير : [المدثر: 31] فمن جنود الله الملائكة المدبرِّات أمراً أي التي تُدبر شئون الكون بأمر الله. {أية : لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ ..}تفسير : [الرعد: 11] وقد أقسم الله بهم فقال: {أية : فَٱلْمُدَبِّرَاتِ أَمْراً}تفسير : [النازعات: 5] هؤلاء جنود الله في السماء. نعم لله جنود في السماوات وجنود في الأرض، أهلك الله بهم الأمم المكذِّبة، اقرأ: {أية : فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنبِهِ فَمِنْهُم مَّن أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِباً وَمِنْهُمْ مَّنْ أَخَذَتْهُ ٱلصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ ٱلأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَّنْ أَغْرَقْنَا ..}تفسير : [العنكبوت: 40]. هذه كلها من جنود الله: الحاصب والصيحة والخسْف والغرق وغيرها. وهذه الجنود لا يعلمها إلا الله من حيث كيف تعلم وكيف تدبر لتحارب أعداء الله لأنها تعمل في خفاء. ومع ذلك لما أراد الحق سبحانه نُصْرة رسوله صلى الله عليه وسلم لم ينصره بآية من هذه الآيات الكونية، إنما نصره بقوة إيمان المؤمنين به وثباتهم في مواجهة أعدائهم وإلا لقالوا لولا الظواهر الطبيعية لم يقدروا علينا. لكن جعل الحق سبحانه النصر منسوباً إلى الجنود الخفية بالفعل، أما الظاهر فمنسوب إلى هؤلاء المؤمنين لكي تظل رهبتهم في قلوب أعدائهم. لذلك نقرأ في حادثة الهجرة: {أية : إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ ٱللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ ٱثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي ٱلْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا ..}تفسير : [التوبة: 40]. فجند الله كانوا في هذا الموقف، لأن الصَِّديق يقول لرسول الله: لو نظر أحدهم تحت قدميه لرآنا، إذن: هناك جنود منعت رؤيتهم، الحمام الذي عشش والعنكبوت الذي نسج خيوطه لم يكُن إلا جندياً من جنود الله. سراقة بن مالك لما ساخت قوائم فرسه في الرمال، فكانت الرمال جنداً من جنود الله، والأعجب من ذلك أنْ يُسخِّر الله من الكفرة أنفسهم من يساعد في إتمام الهجرة وهو الدليل عبد الله بن أريقط وكان كافراً لا يعرف رسول الله صلى الله عليه وسلم، ذلك لأن الله غالبٌ على أمره: فجعل هاديَ المادة يهدي هاديَ المعنى!! وقال: {أية : وَاعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَقَلْبِهِ ..}تفسير : [الأنفال: 24] قلنا: لأن وارد الرحمن لا ينازعه ولا يعارضه وارد الشيطان، وهذه رأيناها في قصة أم موسى لما أوحى الله إليها أنْ تلقيه في البحر، مع أنها أُمٌّ تخاف على وليدها ومع ذلك ألقتْه، ورأيناها في فرعون الذي يقتل الذكور من بني إسرائيل يأتيه موسى على هذه الصورة، ومع ذلك لم يشكّ في أمره وربَّاه في بيته، فالله تعالى ربُّ القلوب خالقها ومُقلّبها كيف يشاء، يجعلها تقبل حكمه دون مناقشة. وقوله تعالى: {وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً} [الفتح: 4] عليماً بجنوده، وهو سبحانه حكيم في توجيهها في أوقات مخصوصة وإلى قوم بعينهم، فالمسألة ليست قوة باطشة بلا حساب ولا بلطجة ولا ظلم، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً. ثم يقول الحق سبحانه: {لِّيُدْخِلَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ ...}.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يخبر تعالى عن منته على المؤمنين بإنزال السكينة في قلوبهم، وهي السكون والطمأنينة، والثبات عند نزول المحن المقلقة، والأمور الصعبة، التي تشوش القلوب، وتزعج الألباب، وتضعف النفوس، فمن نعمة الله على عبده في هذه الحال أن يثبته ويربط على قلبه، وينزل عليه السكينة، ليتلقى هذه المشقات بقلب ثابت ونفس مطمئنة، فيستعد بذلك لإقامة أمر الله في هذه الحال، فيزداد بذلك إيمانه، ويتم إيقانه، فالصحابة رضي الله عنهم لما جرى ما جرى بين رسول الله صلى الله عليه وسلم والمشركين، من تلك الشروط التي ظاهرها أنها غضاضة عليهم، وحط من أقدارهم، وتلك لا تكاد تصبر عليها النفوس، فلما صبروا عليها ووطنوا أنفسهم لها، ازدادوا بذلك إيمانا مع إيمانهم. وقوله: { وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ } أي: جميعها في ملكه، وتحت تدبيره وقهره، فلا يظن المشركون أن الله لا ينصر دينه ونبيه، ولكنه تعالى عليم حكيم، فتقتضي حكمته المداولة بين الناس في الأيام، وتأخير نصر المؤمنين إلى وقت آخر. { لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ } فهذا أعظم ما يحصل للمؤمنين، أن يحصل لهم المرغوب المطلوب بدخول الجنات، ويزيل عنهم المحذور بتكفير السيئات. { وَكَانَ ذَلِكَ } الجزاء المذكور للمؤمنين { عِنْدَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا } فهذا ما يفعل بالمؤمنين في ذلك الفتح المبين. وأما المنافقون والمنافقات، والمشركون والمشركات، فإن الله يعذبهم بذلك، ويريهم ما يسوءهم؛ حيث كان مقصودهم خذلان المؤمنين، وظنوا بالله الظن السوء، أنه لا ينصر دينه، ولا يعلي كلمته، وأن أهل الباطل، ستكون لهم الدائرة على أهل الحق، فأدار الله عليهم ظنهم، وكانت دائرة السوء عليهم في الدنيا، { وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ } بما اقترفوه من المحادة لله ولرسوله، { وَلَعَنَهُمْ } أي: أبعدهم وأقصاهم عن رحمته { وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا }.
النسائي
تفسير : قوله تعالى: {هُوَ ٱلَّذِيۤ أَنزَلَ ٱلسَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ ٱلْمُؤْمِنِينَ} [4] 523 - أنا هلالُ بن العلاء، نا حسين بن عياشٍ، نا زهيرٌ، نا أبو إسحاق. عن البراء بن عازبٍ، قال: حديث : كان رجلٌ يقرأُ في داره سورة الكهف وإلى جانبه حصانٌ مربوطٌ حتى تغشته سحابةٌ، فجعلت تدنو وتدنو حتى جعل الفرسُ يفرُّ منها، قال الرجل: فعجبتُ لذلك، فلما أصبح، أتى النبي صلى الله عليه وسلم، فذكر له وقصَّ عليه، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: "تلك السكينةُ تنزلت للقرآن ". تفسير : 524 - أنا أحمد بن سليمان، نا يعلى بن عبيدٍ، نا عبد العزيز بنُ سياهٍ، عن حبيب بن أبي ثابتٍ، قال: حديث : أتيت أبا وائلٍ أسأله عن هؤلاء القوم الذين قتلهم عليٌّ بالنَّهروان فيم استجابوا له، وفيم فارقوه، وفيم استحلَّ قتلهم، فقال: كُنا بصفين، فلما استحرَّ القتلُ بأهل الشام، قال عمرو بن العاصي لمعاوية: أرسل إلى عليٍّ المصحف، فادعهُ إلى كتاب الله، فإنه لن يأبى عليك، فجاء به رجل ٌ فقال: بيننا وبينكم كتابُ الله ألم تر إلى الذين يُدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم ثم يتولى فريقٌ منهم وهم مُّعرضون فقال عليٌّ عليه السلام: أنا أولى بذلك، بيننا كتابُ الله، فجاءته الخوارجُ ونحن ندعوهم يومئذٍ القُراء وسيوفهم على عواتقهم، فقالوا: يا أمير المؤمنين، ما ننتظر بهولاء القوم الذين على التَّل، ألا نمشي إليهم بسيوفنا حتى يحكم الله بيننا وبينهم؟ فتكلم سهل بن حُنيفٍ فقال: يا أيها الناسُ، اتهموا أنفسكم، فلقد رأيتنا يوم الحُديبية - يعني الصُّلح الذي كان بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين المشركين - ولو نرى قتالاً لقاتلنا، فجاء عمر رضي الله عنه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ألسنا على الحق وهم على الباطل؟ أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار؟ قال: "بلى" قال: ففيم نُعطي الدَّنية/ في ديننا ونرجعُ، ولما يحكم الله بيننا وبينهم، قال: "يا ابن الخطابِ، إني رسول الله ولن يُضيعني أبداً، قال: فرجع وهو متغيظٌ، فلم يصبر حتى أتى أبا بكرٍ رحمهُ اللهُ، فقال: ألسنا على الحقِّ، وهم على الباطل؟ أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار؟ قال: بلى، قال: فلم نعطي الدَّنية ونرجع ولما يحكم الله بيننا وبينهم، قال يا ابن الخطابِ إنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ولن يُضيعه اللهُ أبداً، فنزلت سورة الفتح، فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عمر رضي الله عنه، فأقرأها إياهُ، قال: يا رسول الله وفتحٌ هو، قال: "نعم ".
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):