Verse. 4591 (AR)

٤٨ - ٱلْفَتْح

48 - Al-Fath (AR)

اِنَّاۗ اَرْسَلْنٰكَ شَاہِدًا وَّمُبَشِّرًا وَّنَذِيْرًا۝۸ۙ
Inna arsalnaka shahidan wamubashshiran wanatheeran

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«إنا أرسلناك شاهدا» على أمتك في القيامة «ومبشرا» لهم في الدنيا «ونذيرا» منذرا مخّوفا فيها من عمل سوءا بالنار.

8

Tafseer

الرازي

تفسير : قال المفسرون: {شَـٰهِداً } على أمتك بما يفعلون كما قال تعالى: {أية : وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا } تفسير : [البقرة: 143] والأولى أن يقال إن الله تعالى قال: {إِنَّا أَرْسَلْنَـٰكَ شَاهِداً } وعليه يشهد أنه لا إلٰه إلا الله كما قال تعالى: {أية : شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ وَٱلْمَلَـٰئِكَةُ وَأُوْلُواْ ٱلْعِلْمِ } تفسير : [آل عمران: 18] وهم الأنبياء عليهم السلام، الذين آتاهم الله علماً من عنده وعلمهم ما لم يكونوا يعلمون، ولذلك قال تعالى: {أية : فَٱعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلا ٱللَّهِ } تفسير : [محمد: 19] أي فاشهد وقوله {وَمُبَشِّراً } لمن قبل شهادته وعمل بها ويوافقه فيها {وَنَذِيرًا } لمن رد شهادته ويخالفه فيها ثم بيّن فائدة الإرسال على الوجه الذي ذكره فقال: {لّتُؤْمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً } وهذا يحتمل وجهين: أحدهما: أن تكون الأمور الأربعة المذكورة مرتبة على الأمور المذكورة من قبل فقوله {لّتُؤْمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ } مرتب على قوله {إِنَّا أَرْسَلْنَـٰكَ } لأن كونه مرسلاً من الله يقتضي أن يؤمن المكلف بالله والمرسل وبالمرسل وقوله {شَـٰهِداً } يقتضي أن يعزر الله ويقوي دينه لأن قوله {شَـٰهِداً } على ما بينا معناه أنه يشهد أنه لا إلٰه إلا هو فدينه هو الحق وأحق أن يتبع وقوله {مُبَشِّرًا } يقتضي أن يوقر الله لأن تعظيم الله عنده على شبه تعظيم الله إياه. وقوله {نَذِيراً } يقتضي أن ينزه عن السوء والفحشاء مخافة عذابه الأليم وعقابه الشديد، وأصل الإرسال مرتب على أصل الإيمان ووصف الرسول يترتب عليه وصف المؤمن وثانيهما: أن يكون كل واحد مقتضياً للأمور الأربعة فكونه مرسلاً يقتضي أن يؤمن المكلف بالله ورسوله ويعزره ويوقره ويسبحه، وكذلك كونه {شَـٰهِداً } بالوحدانية يقتضي الأمور المذكورة، وكذلك كونه {مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا } لا يقال إن اقتران اللام بالفعل يستدعي فعلاً مقدماً يتعلق به ولا يتعلق بالوصف وقوله {لّتُؤْمِنُواْ } يستدعي فعلاً وهو قوله {إِنَّا أَرْسَلْنَـٰكَ } فكيف تترتب الأمور على كونه {شَاهِداً وَمُبَشِّراً } لأنا نقول يجوز الترتيب عليه معنى لا لفظاً، كما أن القائل إذا قال بعثت إليك عالماً لتكرمه فاللفظ ينبىء عن كون البعث سبب الإكرام، وفي المعنى كونه عالماً هو السبب للإكرام، ولهذا لو قال بعثت إليك جاهلاً لتكرمه كان حسناً، وإذا أردنا الجمع بين اللفظ والمعنى نقول: الإرسال الذي هو إرسال حال كونه شاهداً كما تقول بعث العالم سبب جعله سبباً لا مجرد البعث، ولا مجرد العالم، في الآية مسائل: المسألة الأولى: قال في الأحزاب {أية : إِنَّا أَرْسَلْنَـٰكَ شَاهِداً وَمُبَشّراً وَنَذِيراً * وَدَاعِياً إِلَى ٱللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُّنِيراً } تفسير : [الأحزاب: 45، 46] وههنا اقتصر على الثلاثة من الخمسة فما الحكمة فيه؟ نقول الجواب عنه من وجهين أحدهما: أن ذلك المقام كان مقام ذكره لأن أكثر السورة في ذكر الرسول صلى الله عليه وسلم وأحواله وما تقدمه من المبايعة والوعد والدخول ففصل هنالك، ولم يفصل ههنا ثانيهما: أن نقول الكلام مذكور ههنا لأن قوله {شَـٰهِداً } لما لم يقتض أن يكون داعياً لجواز أن يقول مع نفسه أشهد أن لا إلٰه إلا الله، ولا يدعو الناس قال هناك وداعياً لذلك، وههنا لما لم يكن كونه {شَـٰهِداً } منبئاً عن كونه داعياً قال: {لّتُؤْمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ } دليل على كونه سراجاً لأنه أتى بما يجب من التعظيم والاجتناب عما يحرم من السوء والفحشاء بالتنزيه وهو التسبيح. المسألة الثانية: قد ذكرنا مراراً أن اختيار البكرة والأصيل يحتمل أن يكون إشارة إلى المداومة، ويحتمل أن يكون أمراً بخلاف ما كان المشركون يعملونه فإنهم كانوا يجتمعون على عبادة الأصنام في الكعبة بكرةً وعشية فأمروا بالتسبيح في أوقات كانوا يذكرون فيها الفحشاء والمنكر. المسألة الثالثة: الكنايات المذكور في قوله تعالى: {وَتُعَزّرُوهُ وَتُوَقّرُوهُ وَتُسَبّحُوهُ } راجعة إلى الله تعالى أو إلى الرسول عليه الصلاة والسلام؟ والأصح هو الأول.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى:{إِنَّآ أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً} قال قتادة: على أمتك بالبلاغ. وقيل: شاهداً عليهم بأعمالهم من طاعة أو معصية. وقيل: مُبَيِّناً لهم ما أرسلناك به إليهم. وقيل: شاهداً عليهم يوم القيامة. فهو شاهد أفعالهم اليوم، والشهيد عليهم يوم القيامة. وقد مضى في «النساء» عن سعيد بن جبير هذا المعنى مبيَّناً. {وَمُبَشِّراً} لمن أطاعه بالجنة. {وَنَذِيراً } من النار لمن عصى؛ قاله قتادة وغيره. وقد مضى في «البقرة» ٱشتقاق البشارة والنذارة ومعناهما. وٱنتصب «شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً» على الحال المقدرة. حكى سيبويه: مررت برجل معه صقر صائداً به غداً؛ فالمعنى: إنا أرسلناك مقدرين بشهادتك يوم القيامة. وعلى هذا تقول: رأيت عمراً قائماً غداً. {لِّتُؤْمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ} قرأ ابن كثير وابن مُحَيْصن وأبو عمرو «لِيُوْمِنُوا» بالياء، وكذلك «يُعَزِّرُوهُ وَيُوَقِّرُوهُ وَيُسَبِّحُوهُ» كله بالياء على الخبر. وٱختاره أبو عبيد لذكر المؤمنين قبله وبعده؛ فأما قبله فقوله: «لِيُدْخِلَ» وأما بعده فقوله: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ} الباقون بالتاء على الخطاب، واختاره أبو حاتم. {وَتُعَزِّرُوهُ} أي تعظموه وتفخّموه؛ قاله الحسن والكلبي. والتعزير: التعظيم والتوقير. وقال قتادة: تنصروه وتمنعوا منه. ومنه التعزير في الحدّ؛ لأنه مانع. قال القَطَامِيّ:شعر : ألا بَكَرَتْ مَيٌّ بغير سَفَاهةٍ تُعاتِبُ والْمَوْدُودُ ينفعه العَزْر تفسير : وقال ابن عباس وعكرمة: تقاتلون معه بالسيف. وقال بعض أهل اللغة: تطيعوه. {وَتُوَقِّرُوهُ} أي تسوِّدُوه؛ قاله السدي. وقيل تعظموه. والتوقير: التعظيم والتَّرْزِين أيضاً. والهاء فيهما للنبيّ صلى الله عليه وسلم. وهنا وقف تام، ثم تبتدىء «وَتُسَبِّحُوهُ» أي تسبحوا الله {بُكْرَةً وَأَصِيلاً} أي عَشِيًّا. وقيل: الضمائر كلّها للّه تعالى؛ فعلى هذا يكون تأويل «تُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ» أي تُثبتوا له صحة الربوبية وتَنفوا عنه أن يكون له ولد أو شريك. وٱختار هذا القول القشيري. والأوّل قول الضحاك، وعليه يكون بعض الكلام راجعاً إلى الله سبحانه وتعالى وهو «وَتُسَبِّحُوهُ» من غير خلاف. وبعضه راجعاً إلى رسوله صلى الله عليه وسلم وهو «وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ» أي تدعوه بالرسالة والنبوّة لا بالاسم والكُنْيَة. وفي «تُسَبِّحُوهُ» وجهان: أحدهما ـ تسبيحه بالتنزيه له سبحانه من كل قبيح. والثاني ـ هو فعل الصلاة التي فيها التسبيح. «بُكْرَةً وَأَصِيلاً» أي غُدْوة وعَشِيًّا. وقد مضى القول فيه. وقال الشاعر:شعر : لَعَمْرِي لأنت البيتُ أُكْرِمُ أهْلَهُ وأجلس في أفْيَائه بالأصائل

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: {إِنَّآ أَرْسَلْنَـٰكَ شَاهِداً} أي على الخلق، {وَمُبَشِّراً} أي للمؤمنين، {وَنَذِيرًا} أي للكافرين، وقد تقدم تفسيرها في سورة الأحزاب. {لِّتُؤْمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ} قال ابن عباس رضي الله عنهما وغير واحد: تعظموه {وَتُوَقِّرُوهُ} من التوقير وهو الاحترام والإجلال والإعظام {وَتُسَبِّحُوهُ} أي تسبحون الله {بُكْرَةً وَأَصِيلاً} أي أول النهار وآخره. ثم قال عز وجل لرسوله صلى الله عليه وسلم تشريفاً له وتعظيماً وتكريماً {إِنَّ ٱلَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ ٱللَّهَ} كقوله جل وعلا: {أية : مَّنْ يُطِعِ ٱلرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ ٱللَّهَ} تفسير : [النساء: 80] {يَدُ ٱللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ} أي هو حاضر معهم يسمع أقوالهم ويرى مكانهم ويعلم ضمائرهم وظواهرهم، فهو تعالى هو المبايع بواسطة رسول الله صلى الله عليه وسلم كقوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَٰلَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ ٱلّجَنَّةَ يُقَـٰتِلُونَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي ٱلتَّوْرَاةِ وَٱلإِنجِيلِ وَٱلْقُرْءانِ وَمَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ مِنَ ٱللَّهِ فَٱسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ ٱلَّذِى بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَٰلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ} تفسير : [التوبة: 111]. وقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا الفضل بن يحيى الأنباري، حدثنا علي بن بكار عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : من سل سيفه في سبيل الله فقد بايع الله» تفسير : وحدثنا أبي، حدثنا يحيى بن المغيرة، أخبرنا جرير عن عبد الله بن عثمان بن خثيم عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحجر: «حديث : والله ليبعثنه الله عز وجل يوم القيامة له عينان ينظر بهما ولسان ينطق به ويشهد على من استلمه بالحق فمن استلمه فقد بايع الله تعالى» تفسير : ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ ٱللَّهَ يَدُ ٱللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ} ولهذا قال تعالى ههنا: {فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَىٰ نَفْسِهِ} أي إنما يعود وبال ذلك على الناكث، والله غني عنه. {وَمَنْ أَوْفَىٰ بِمَا عَـٰهَدَ عَلَيْهِ ٱللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً} أي ثواباً جزيلاً. وهذه البيعة هي بيعة الرضوان، وكانت تحت شجرة سمرة بالحديبية، وكان الصحابة رضي الله عنهم الذين بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ قيل: ألفاً وثلاثمائة، وقيل: وأربعمائة، وقيل: وخمسمائة، والأوسط أصح. ذكر الأحاديث الواردة في ذلك قال البخاري: حدثنا قتيبة، حدثنا سفيان عن عمرو عن جابر رضي الله عنه قال: كنا يوم الحديبية ألفاً وأربعمائة. ورواه مسلم من حديث سفيان بن عيينة به، وأخرجاه أيضاً من حديث الأعمش عن سالم بن أبي الجعد عن أبي جابر رضي الله عنه قال: كنا يومئذ ألفاً وأربعمائة، ووضع يده في ذلك الماء، فجعل الماء ينبع من بين أصابعه حتى رووا كلهم، وهذا مختصر من سياق آخر حين ذكر قصة عطشهم يوم الحديبية، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطاهم سهماً من كنانته، فوضعوه في بئر الحديبية، فجاشت بالماء حتى كفتهم، فقيل لجابر رضي الله عنه: كم كنتم يومئذ؟ قال: كنا ألفاً وأربعمائة، ولو كنا مئة ألف لكفانا، وفي رواية في الصحيحين عن جابر رضي الله عنه أنهم كانوا خمس عشرة مائة. وروى البخاري من حديث قتادة: قلت لسعيد بن المسيب: كم كان الذين شهدوا بيعة الرضوان؟ قال: خمس عشرة مائة، قلت: فإن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: كانوا أربع عشرة مائة، قال رحمه الله: وَهِم، هو حدثني أنهم كانوا خمس عشرة مائة، قال البيهقي: هذه الرواية تدل على أنه كان في القديم يقول: خمس عشرة مائة، ثم ذكر الوهم، فقال: أربع عشرة مائة، وروى العوفي عن ابن عباس رضي الله عنهما: أنهم كانوا ألفاً وخمسمائة وخمسة وعشرين، والمشهور الذي رواه غير واحد عنه: أربع عشرة مائة، وهذا هو الذي رواه البيهقي عن الحاكم عن الأصم عن العباس الدوري عن يحيى بن معين عن شبابة بن سوار عن شعبة عن قتادة عن سعيد بن المسيب عن أبيه قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت الشجرة ألفاً وأربعمائة، وكذلك هو الذي في رواية سلمة بن الأكوع ومعقل بن يسار والبراء بن عازب رضي الله عنهم، وبه يقول غير واحد من أصحاب المغازي والسير، وقد أخرج صاحبا الصحيح من حديث شعبة عن عمرو بن مرة قال: سمعت عبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنه يقول: كان أصحاب الشجرة ألفاً وأربعمائة، وكانت أسلم يومئذ ثمن المهاجرين. وروى محمد بن إسحاق في السيرة عن الزهري عن عروة بن الزبير عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم: أنهما حدثاه قالا: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الحديبية يريد زيارة البيت لا يريد قتالاً، وساق معه الهدي سبعين بدنة، وكان الناس سبعمائة رجل، كل بدنة عن عشرة نفر، وكان جابر بن عبد الله رضي الله عنهما فيما بلغني عنه يقول: كنا أصحاب الحديبية أربع عشرة مائة، كذا قال ابن إسحاق وهو معدود من أوهامه؛ فإن المحفوظ في الصحيحين أنهم كانوا بضع عشرة مائة، كما سيأتي إن شاء الله تعالى. ذكر سبب هذه البيعة العظيمة قال محمد بن إسحاق بن يسار في السيرة: ثم دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عمر بن الخطاب رضي الله عنه ليبعثه إلى مكة، ليبلغ عنه أشراف قريش ما جاء له، فقال: يا رسول الله إني أخاف قريشاً على نفسي وليس بمكة من بني عدي بن كعب من يمنعني، وقد عرفت قريش عداوتي إياها وغلظي عليها، ولكني أدلك على رجل أعز بها مني؛ عثمان بن عفان رضي الله عنه، نبعثه إلى أبي سفيان وأشراف قريش يخبرهم أنه لم يأت لحرب، وأنه إنما جاء زائراً لهذا البيت ومعظماً لحرمته. فخرج عثمان رضي الله عنه إلى مكة، فلقيه أبان بن سعيد بن العاص حين دخل مكة أو قبل أن يدخلها، فحمله بين يديه، ثم أجاره حتى بلغ رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم فانطلق عثمان رضي الله عنه حتى أتى أبا سفيان وعظماء قريش، فبلغهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أرسله به، فقالوا لعثمان رضي الله عنه حين فرغ من رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم: إن شئت أن تطوف بالبيت فطف. فقال: ما كنت لأفعل حتى يطوف به رسول الله صلى الله عليه وسلم واحتبسته قريش عندها، فبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين أن عثمان رضي الله عنه قد قتل. قال ابن اسحاق: فحدثني عبد الله بن أبي بكر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال حين بلغه أن عثمان قد قتل: «حديث : لا نبرح حتى نناجز القوم»تفسير : ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس إلى البيعة، فكانت بيعة الرضوان تحت الشجرة، فكان الناس يقولون: بايعهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على الموت، وكان جابر بن عبد الله رضي الله عنهما يقول: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يبايعهم على الموت، ولكن بايعنا على أن لا نفر، فبايع الناس، ولم يتخلف أحد من المسلمين حضرها، إلا الجد بن قيس أخو بني سلمة، فكان جابر رضي الله عنه يقول: والله لكأني أنظر إليه لاصقاً بإبط ناقته، قد صبأ إليها يستتر بها من الناس، ثم أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الذي كان من أمر عثمان رضي الله عنه باطل، وذكر ابن لهيعة عن أبي الأسود عن عروة ابن الزبير رضي الله عنهما قريباً من هذا السياق، وزاد في سياقه: أن قريشاً بعثوا وعندهم عثمان رضي الله عنه، سهيل بن عمرو، وحويطب بن عبد العزى، ومكرز بن حفص إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فبينما هم عندهم، إذ وقع كلام بين بعض المسلمين وبعض المشركين، وتراموا بالنبل والحجارة وصاح الفريقان كلاهما، وارتهن كل من الفريقين من عنده من الرسل، ونادى منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا إن روح القدس قد نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر بالبيعة، فاخرجوا على اسم الله تعالى فبايعوا، فسار المسلمون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو تحت الشجرة فبايعوه على أن لا يفروا أبداً، فأرعب ذلك المشركين، وأرسلوا من كان عندهم من المسلمين، ودعوا إلى الموادعة والصلح. وقال الحافظ أبو بكر البيهقي: أخبرنا علي بن أحمد بن عبدان، أخبرنا أحمد بن عبيد الصفار، حدثنا هشام، حدثنا الحسن بن بشر، حدثنا الحكم بن عبد الملك عن قتادة عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: لما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ببيعة الرضوان كان عثمان ابن عفان رضي الله عنه رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهل مكة، فبايع الناس فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : اللهم إن عثمان في حاجة الله تعالى وحاجة رسوله» تفسير : فضرب بإحدى يديه على الأخرى، فكانت يد رسول الله صلى الله عليه وسلم لعثمان رضي الله عنه خيراً من أيديهم لأنفسهم. قال ابن هشام: حدثني من أثق به عمن حدثه بإسناد له عن ابن أبي مليكة عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم لعثمان رضي الله عنه، فضرب بإحدى يديه على الأخرى، وقال عبد الملك بن هشام النحوي: فذكر وكيع عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي قال: إن أول من بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم بيعة الرضوان أبو سنان الأسدي، وقال أبو بكر عبد الله بن الزبير الحميدي: حدثنا سفيان، حدثنا ابن أبي خالد عن الشعبي قال: لما دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس إلى البيعة، كان أول من انتهى إليه أبو سنان الأسدي فقال: ابسط يدك أبايعك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : علام تبايعني؟» تفسير : فقال أبو سنان رضي الله عنه: على ما في نفسك، هذا أبو سنان بن وهب الأسدي رضي الله عنه. وقال البخاري: حدثنا شجاع بن الوليد: أنه سمع النضر بن محمد يقول: حدثنا صخر عن نافع رضي الله عنه قال: إن الناس يتحدثون: أن ابن عمر رضي الله عنهما أسلم قبل عمر، وليس كذلك، ولكن عمر رضي الله عنه يوم الحديبية أرسل عبد الله إلى فرس له عند رجل من الأنصار، أن يأتي به؛ ليقاتل عليه، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يبايع عند الشجرة، وعمر رضي الله عنه لا يدري بذلك، فبايعه عبد الله رضي الله عنه، ثم ذهب إلى الفرس، فجاء به إلى عمر رضي الله عنه، وعمر رضي الله عنه يستلئم للقتال، فأخبره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يبايع تحت الشجرة، فانطلق فذهب معه حتى بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي التي يتحدث الناس أن ابن عمر أسلم قبل عمر رضي الله عنهما. ثم قال البخاري: وقال هشام بن عمار: حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا عمر بن محمد العمري، أخبرني نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: إن الناس كانوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قد تفرقوا في ظلال الشجر، فإذا الناس محدقون بالنبي صلى الله عليه وسلم فقال ــــ يعني عمر رضي الله عنه ــــ: يا عبد الله انظر ما شأن الناس قد أحدقوا برسول الله صلى الله عليه وسلم فوجدهم يبايعون فبايع، ثم رجع إلى عمر رضي الله عنه، فخرج فبايع، وقد أسنده البيهقي عن أبي عمرو الأديب، عن أبي بكر الإسماعيلي عن الحسن بن سفيان، عن دحيم، حدثني الوليد بن مسلم فذكره، وقال الليث عن أبي الزبير عن جابر رضي الله عنه، قال: كنا يوم الحديبية ألفاً وأربعمائة فبايعناه، وعمر رضي الله عنه آخذ بيده تحت الشجرة وهي سمرة، وقال: بايعناه على أن لا نفر ولم نبايعه على الموت. رواه مسلم عن قتيبة عنه. وروى مسلم عن يحيى بن يحيى عن يزيد بن زريع عن خالد عن الحكم بن عبد الله الأعرج، عن معقل بن يسار رضي الله عنه قال: لقد رأيتني يوم الشجرة والنبي صلى الله عليه وسلم يبايع الناس، وأنا رافع غصناً من أغصانها عن رأسه، ونحن أربع عشرة مائة، قال: ولم نبايعه على الموت، ولكن بايعناه على أن لا نفر. وقال البخاري: حدثنا المكي بن إبراهيم عن يزيد بن أبي عبيد عن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه قال: بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت الشجرة. قال يزيد: قلت: يا أبا مسلمة على أي شيء كنتم تبايعون يومئذ؟ قال: على الموت. وقال البخاري أيضاً: حدثنا أبو عاصم، حدثنا يزيد بن أبي عبيد عن سلمة رضي الله عنه قال: بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية، ثم تنحيت فقال صلى الله عليه وسلم: «حديث : يا سلمة ألا تبايع؟» تفسير : قلت: قد بايعت، قال صلى الله عليه وسلم: «حديث : أقبل فبايع»تفسير : ، فدنوت فبايعته، قلت: علام بايعته يا سلمة؟ قال: على الموت. وأخرجه مسلم من وجه آخر عن يزيد ابن أبي عبيد، وكذا روى البخاري عن عباد بن تميم أنهم بايعوه على الموت. وقال البيهقي: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرنا أبو الفضل بن إبراهيم، حدثنا أحمد بن سلمة، حدثنا إسحاق بن إبراهيم، حدثنا أبو عامر العقدي، حدثنا عبد الملك بن عمرو، حدثنا عكرمة بن عمار اليمامي عن إياس بن سلمة عن أبيه سلمة بن الأكوع رضي الله عنه قال: قدمنا الحديبية مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن أربع عشرة مائة، وعليها خمسون شاة لا ترويها، فقعد رسول الله صلى الله عليه وسلم على جباها، يعني: الركي، فإما دعا وإما بصق فيها فجاشت فسقينا واستقينا. قال: ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا إلى البيعة في أصل الشجرة، فبايعته أول الناس، ثم بايع وبايع حتى إذا كان في وسط الناس، قال صلى الله عليه وسلم: «حديث : بايعني يا سلمة» تفسير : قال: قلت: يا رسول لله قد بايعتك في أول الناس، قال صلى الله عليه وسلم: «حديث : وأيضاً» تفسير : قال: ورآني رسول الله صلى الله عليه وسلم عزلاً فأعطاني حجفة أو درقة، ثم بايع حتى إذا كان في آخر الناس، قال صلى الله عليه وسلم:«حديث : ألا تبايع يا سلمة؟» تفسير : قال: قلت: يا رسول الله قد بايعتك في أول الناس وأوسطهم، قال صلى الله عليه وسلم: «حديث : وأيضاً» تفسير : فبايعته الثالثة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : يا سلمة أين حجفتك أو درقتك التي أعطيتك؟» تفسير : قال: قلت: يا رسول الله لقيني عامر عزلاً فأعطيتها إياه، فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: «حديث : إنك كالذي قال الأول: اللهم ابغني حبيباً هو أحب إلي من نفسي»تفسير : قال: ثم إن المشركين من أهل مكة راسلونا في الصلح، حتى مشى بعضنا في بعض، فاصطلحنا. قال: وكنت خادماً لطلحة بن عبيد الله رضي الله عنه، أسقي فرسه وأحسّه وآكل من طعامه، وتركت أهلي ومالي مهاجراً إلى الله ورسوله، فلما اصطلحنا نحن وأهل مكة، واختلط بعضنا في بعض، أتيت شجرة فكَسَحت شوكها، ثم اضطجعت في أصلها في ظلها، فأتاني أربعة من مشركي أهل مكة، فجعلوا يقعون في رسول الله صلى الله عليه وسلم فأبغضتهم وتحولت إلى شجرة أخرى، فعلقوا سلاحهم واضطجعوا، فبينما هم كذلك إذ نادى مناد من أسفل الوادي: يا للمهاجرين قتل ابن زُنيم! فاخترطت سيفي فشددت على أولئك الأربعة، وهم رقود، فأخذت سلاحهم، وجعلته ضغثاً في يدي، ثم قلت: والذي كرم وجه محمد صلى الله عليه وسلم لا يرفع أحد منكم رأسه إلا ضربت الذي فيه عيناه! قال: ثم جئت بهم أسوقهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: وجاء عمي عامر برجل من العبلات يقال له: مكرز، من المشركين يقوده، حتى وقفنا بهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم في سبعين من المشركين، فنظر إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: «حديث : دعوهم يكن لهم بدء الفجور وثناه» تفسير : فعفا عنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنزل الله عز وجل: {أية : وَهُوَ ٱلَّذِى كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم بِبَطْنِ مَكَّةَ مِن بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ} تفسير : [الفتح: 24] الآية، وهكذا رواه مسلم عن إسحاق بن إبراهيم بن راهويه بسنده نحوه أو قريباً منه. وثبت في الصحيحين من حديث أبي عوانة عن طارق عن سعيد بن المسيب قال: كان أبي ممن بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت الشجرة، قال: فانطلقنا من قابل حاجين فخفي علينا مكانها، فإن كان تبينت لكم فأنتم أعلم، وقال أبو بكر الحميدي: حدثنا سفيان، حدثنا أبو الزبير، حدثنا جابر رضي الله عنه قال: لما دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس إلى البيعة، وجدنا رجلاً منا يقال له: الجد ابن قيس مختبئاً تحت إبط بعيره، رواه مسلم من حديث ابن جريج عن ابن الزبير به. وقال الحميدي أيضاً: حدثنا سفيان عن عمرو: أنه سمع جابراً رضي الله عنه قال: كنا يوم الحديبية ألفاً وأربعمائة، فقال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : أنتم خير أهل الأرض اليوم» تفسير : قال جابر رضي الله عنه: لو كنت أبصر، لأريتكم موضع الشجرة، قال سفيان: إنهم اختلفوا في موضعها. أخرجاه من حديث سفيان، وقال الإمام أحمد: حدثنا يونس، حدثنا الليث عن أبي الزبير عن جابر رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : لا يدخل النار أحد ممن بايع تحت الشجرة»تفسير : وقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن هارون الفلاس المخرمي، حدثنا سعيد بن عمرو الأشعثي، حدثنا محمد بن ثابت العبدي عن خداش بن عياش عن أبي الزبير عن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : يدخل من بايع تحت الشجرة كلهم الجنة إلا صاحب الجمل الأحمر» تفسير : قال: فانطلقنا نبتدره، فإذا رجل قد أضل بعيره فقلنا: تعال فبايع، فقال: أصيب بعيري أحب إلي من أن أبايع. وقال عبد الله بن أحمد: حدثنا عبيد الله بن معاذ، حدثنا أبي، حدثنا قرة عن أبي الزبير عن جابر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : من يصعد الثنية ثنية المرار فإنه يحط عنه ما حط عن بني إسرائيل» تفسير : فكان أول من صعد خيل بني الخزرج، ثم تبادر الناس بعد، فقال النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : كلكم مغفور له، إلا صاحب الجمل الأحمر» تفسير : فقلنا: تعال يستغفر لك رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال: والله لأن أجد ضالتي، أحب إلي من أن يستغفر لي صاحبكم، فإذا هو رجل ينشد ضالة، رواه مسلم عن عبيد الله به. وقال ابن جريج: أخبرني أبو الزبير: أنه سمع جابراً رضي الله عنه يقول: أخبرتني أم مبشر: أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول عند حفصة رضي الله عنها: «حديث : لا يدخل النار إن شاء الله تعالى من أصحاب الشجرة الذين بايعوا تحتها أحد» تفسير : قالت: بلى يا رسول الله، فانتهرها، فقالت حفصة رضي الله عنها: {أية : وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا} تفسير : [مريم: 71] فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : قد قال الله تعالى: {ثُمَّ نُنَجِّي ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ وَّنَذَرُ ٱلظَّـٰلِمِينَ فِيهَا جِثِيّاً}"تفسير : [مريم: 72] رواه مسلم، وفيه أيضاً عن قتيبة عن الليث عن أبي الزبير عن جابر رضي الله عنه قال: إن عبداً لحاطب بن أبي بلتعة جاء يشكو حاطباً، فقال: يا رسول الله ليدخلن حاطب النار، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : كذبت، لا يدخلها فإنه قد شهد بدراً والحديبية» تفسير : ولهذا قال تعالى في الثناء عليهم: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ ٱللَّهَ يَدُ ٱللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَىٰ نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَىٰ بِمَا عَـٰهَدَ عَلَيْهِ ٱللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً} كما قال عز وجل في الآية الأخرى: {أية : لَّقَدْ رَضِيَ ٱللَّهُ عَنِ ٱلْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ ٱلشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِى قُلُوبِهِمْ فَأنزَلَ ٱلسَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَـٰبَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً} تفسير : [الفتح: 18].

المحلي و السيوطي

تفسير : {إِنَّا أَرْسَلْنَٰكَ شَاهِداً } على أُمَّتك في القيامة {وَمُبَشّراً } لهم في الدنيا بالجنة {وَنَذِيرًا } منذراً مخوّفاً فيها من عمل سوءاً بالنار.

الشوكاني

تفسير : قوله: {إِنَّا أَرْسَلْنَـٰكَ شَاهِداً } أي: على أمتك بتبليغ الرسالة إليهم {وَمُبَشّراً } بالجنة للمطيعين {وَنَذِيرًا } لأهل المعصية {لّتُؤْمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ } قرأ الجمهور {لتؤمنوا} بالفوقية. وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو بالتحتية، فعلى القراءة الأولى: الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولأمته، وعلى القراءة الثانية المراد: المبشرين والمنذرين، وانتصاب {شاهداً ومبشراً ونذيراً} على الحال المقدرة {وَتُعَزّرُوهُ وَتُوَقّرُوهُ وَتُسَبّحُوهُ } الخلاف بين القراء في هذه الثلاثة الأفعال كالخلاف في: {لّتُؤْمِنُواْ } كما سلف، ومعنى تعزروه: تعظموه وتفخموه؛ قاله الحسن، والكلبي، والتعزير: التعظيم والتوقير. وقال قتادة: تنصروه وتمنعوا منه. وقال عكرمة: تقاتلون معه بالسيف، ومعنى توقروه: تعظموه. وقال السديّ: تسوّدوه، قيل: والضميران في الفعلين للنبي صلى الله عليه وسلم وهنا وقف تام، ثم يبتدىء: وتسبحوه أي: تسبحوا الله عزّ وجل {بُكْرَةً وَأَصِيلاً } أي: غدوة وعشية، وقيل: الضمائر كلها في الأفعال الثلاثة لله عزّ وجلّ، فيكون معنى تعزروه وتوقروه: تثبتون له التوحيد، وتنفون عنه الشركاء، وقيل: تنصروا دينه وتجاهدوا مع رسوله. وفي التسبيح وجهان، أحدهما: التنزيه له سبحانه من كل قبيح، والثاني: الصلاة. {إِنَّ ٱلَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ } يعني: بيعة الرضوان بالحديبية، فإنهم بايعوا تحت الشجرة على قتال قريش {إِنَّمَا يُبَايِعُونَ ٱللَّهَ } أخبر سبحانه أن هذه البيعة لرسوله صلى الله عليه وسلم هي بيعة له كما قال: {أية : مَّنْ يُطِعِ ٱلرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ ٱللَّهَ }تفسير : [النساء: 80] وذلك لأنهم باعوا أنفسهم من الله بالجنة، وجملة: {يَدُ ٱللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ } مستأنفة لتقرير ما قبلها على طريق التخييل، في محل نصب على الحال، والمعنى: أن عقد الميثاق مع رسول الله صلى الله عليه وسلم كعقده مع الله سبحانه من غير تفاوت. وقال الكلبي: المعنى: إن نعمة الله عليهم في الهداية فوق ما صنعوا من البيعة. وقيل: يده في الثواب فوق أيديهم في الوفاء. وقال ابن كيسان: قوّة الله ونصرته فوق قوّتهم ونصرتهم {فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَىٰ نَفْسِهِ } أي: فمن نقض ما عقد من البيعة، فإنما ينقض على نفسه؛ لأن ضرر ذلك راجع إليه لا يجاوزه إلى غيره {وَمَنْ أَوْفَىٰ بِمَا عَـٰهَدَ عَلَيْهِ ٱللَّهَ } أي: ثبت على الوفاء بما عاهد الله عليه في البيعة لرسوله. قرأ الجمهور {عليه} بكسر الهاء وقرأ حفص، والزهري بضمها {فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً } وهو الجنة. قرأ الجمهور {فسيؤتيه} بالتحتية، وقرأ نافع، وقرأ كثير، وابن عامر بالنون، واختار القراءة الأولى أبو عبيد، وأبو حاتم، واختار القراءة الثانية الفراء. {سَيَقُولُ لَكَ ٱلْمُخَلَّفُونَ مِنَ ٱلأعْرَابِ } هم الذين خلفهم الله عن صحبة رسوله حين خرج عام الحديبية. قال مجاهد، وغيره يعني: أعراب غفار، ومزينة، وجهينة، وأسلم، وأشجع، والدئل، وهم الأعراب الذين كانوا حول المدينة. وقيل: تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين سافر إلى مكة عام الفتح بعد أن كان قد استنفرهم ليخرجوا معه، والمخلف: المتروك {شَغَلَتْنَا أَمْوٰلُنَا وَأَهْلُونَا } أي: منعنا عن الخروج معك ما لنا من الأموال، والنساء، والذراري، وليس لنا من يقوم بهم، ويخلفنا عليهم {فَٱسْتَغْفِرْ لَنَا } ليغفر الله لنا ما وقع منا من التخلف عنك بهذا السبب، ولما كان طلب الاستغفار منهم ليس عن اعتقاد بل على طريقة الاستهزاء، وكانت بواطنهم مخالفة لظواهرهم، فضحهم الله سبحانه بقوله: {يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَّا لَيْسَ فِى قُلُوبِهِمْ } وهذا هو صنيع المنافقين، والجملة مستأنفة لبيان ما تنطوي عليه بواطنهم، ويجوز أن تكون بدلاً من الجملة الأولى. ثم أمر الله سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم أن يجيب عنهم، فقال: {قُلْ فَمَن يَمْلِكُ لَكُمْ مّنَ ٱللَّهِ شَيْئاً } أي: فمن يمنعكم مما أراده الله بكم من خير وشرّ، ثم بيّن ذلك، فقال: {إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرّاً } أي: إنزال ما يضركم من ضياع الأموال وهلاك الأهل. قرأ الجمهور {ضرًّا} بفتح الضاد، وهو مصدر ضررته ضرًّا. وقرأ حمزة، والكسائي بضمها وهو اسم ما يضرّ، وقيل: هما لغتان {أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعاً } أي: نصراً وغنيمة، وهذا ردّ عليهم حين ظنوا أن التخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يدفع عنه الضرّ، ويجلب لهم النفع. ثم أضرب سبحانه عن ذلك، وقال: {بَلْ كَانَ ٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً } أي: إن تخلفكم ليس لما زعمتم، بل كان الله خبيراً بجميع ما تعملونه من الأعمال التي من جملتها تخلفكم، وقد علم أن تخلفكم لم يكن لذلك، بل للشك والنفاق، وما خطر لكم من الظنون الفاسدة الناشئة عن عدم الثقة بالله، ولهذا قال: {بَلْ ظَنَنْتُمْ أَن لَّن يَنقَلِبَ ٱلرَّسُولُ وَٱلْمُؤْمِنُونَ إِلَىٰ أَهْلِيهِمْ أَبَداً } وهذه الجملة مفسرة لقوله: {بَلْ كَانَ ٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً } لما فيها من الإبهام، أي: بل ظننتم أن العدوّ يستأصل المؤمنين بالمرة، فلا يرجع منهم أحد إلى أهله، فلأجل ذلك تخلفتم لا لما ذكرتم من المعاذير الباطلة {وَزُيّنَ ذَلِكَ فِى قُلُوبِكُمْ } أي: وزين الشيطان ذلك الظن في قلوبكم فقبلتموه. قرأ الجمهور: "وزين" مبنياً للمفعول، وقرىء مبنياً للفاعل {وَظَنَنتُمْ ظَنَّ ٱلسَّوْء } أن الله سبحانه لا ينصر رسوله، وهذا الظن إما هو الظنّ الأوّل، والتكرير للتأكيد والتوبيخ، والمراد به: ما هو أعمّ من الأوّل، فيدخل الظنّ الأوّل تحته دخولاً أوّلياً {وَكُنتُمْ قَوْماً بُوراً } أي: هلكى، قال الزجاج: هالكين عند الله، وكذا قال مجاهد. قال الجوهري: البور: الرجل الفاسد الهالك الذي لا خير فيه. قال أبو عبيد {قَوْماً بُوراً }: هلكى، وهو جمع بائر، مثل حائل وحول، وقد بار فلان، أي: هلك، وأباره الله: أهلكه. {وَمَن لَّمْ يُؤْمِن بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَـٰفِرِينَ سَعِيراً } هذا الكلام مستأنف من جهة الله سبحانه غير داخل تحت ما أمر الله سبحانه رسوله أن يقوله، أي: ومن لم يؤمن بهما، كما صنع هؤلاء المخلفون، فجزاؤهم ما أعدّه الله لهم من عذاب السعير {وَللَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأرْضِ} يتصرّف فيه كيف يشاء لا يحتاج إلى أحد من خلقه، وإنما تعبدهم بما تعبدهم ليثيب من أحسن ويعاقب من أساء، ولهذا قال: {يَغْفِرُ لِمَن يَشَاء } أن يغفر له {وَيُعَذّبُ مَن يَشَاء } أن يعذبه {أية : لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْـئَلُونَ }تفسير : [الأنبياء: 23] {وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً } أي: كثير المغفرة والرحمة، بليغها يخص بمغفرته ورحمته من يشاء من عباده. {سَيَقُولُ ٱلْمُخَلَّفُونَ إِذَا ٱنطَلَقْتُمْ إِلَىٰ مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا } المخلفون هؤلاء المذكورون سابقاً، والظرف متعلق بقوله: {سَيَقُولُ } والمعنى: سيقولون عند انطلاقكم أيها المسلمون {إِلَىٰ مَغَانِمَ } يعني: مغانم خيبر {لِتَأْخُذُوهَا } لتحوزوها {ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ } أي: اتركونا نتبعكم ونشهد معكم غزوة خيبر. وأصل القصة أنه لما انصرف النبي صلى الله عليه وسلم ومن معه من المسلمين من الحديبية وعدهم الله فتح خيبر، وخصّ بغنائمها من شهد الحديبية، فلما انطلقوا إليها قال هؤلاء المخلفون: ذرونا نتبعكم، فقال الله سبحانه: {يُرِيدُونَ أَن يُبَدّلُواْ كَلَـٰمَ ٱللَّهِ } أي: يغيروا كلام الله، والمراد بهذا الكلام الذي أرادوا أن يبدّلوه: هو مواعيد الله لأهل الحديبية خاصة بغنيمة خيبر. وقال مقاتل: يعني: أمر الله لرسوله أن لا يسير معه أحد منهم. وقال ابن زيد: هو قوله تعالى: {أية : فإذا اسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَّن تَخْرُجُواْ مَعِىَ أَبَدًا وَلَن تُقَـٰتِلُواْ مَعِىَ عَدُوّا }تفسير : [التوبة: 83] واعترض هذا ابن جرير وغيره بأن غزوة تبوك كانت بعد فتح خيبر، وبعد فتح مكة، والأوّل أولى، وبه قال مجاهد، وقتادة، ورجحه ابن جرير، وغيره. قرأ الجمهور {كلام الله} وقرأ حمزة، والكسائي (كلم الله) قال الجوهري: الكلام اسم جنس يقع على القليل والكثير، والكلم لا يكون أقلّ من ثلاث كلمات؛ لأنه جمع كلمة مثل نبقة ونبق، ثم أمر الله سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم أن يمنعهم من الخروج معه، فقال: {قُل لَّن تَتَّبِعُونَا } هذا النفي هو في معنى النهي، والمعنى: لا تتبعونا {كَذَلِكُمْ قَالَ ٱللَّهُ مِن قَبْلُ } أي: من قبل رجوعنا من الحديبية أن غنيمة خيبر لمن شهد الحديبية خاصة ليس لغيرهم فيها نصيب {فَسَيَقُولُونَ } يعني: المنافقين عند سماع هذا القول، وهو قوله: {لَّن تَتَّبِعُونَا } بل {تَحْسُدُونَنَا } أي: بل ما يمنعكم من خروجنا معكم إلاّ الحسد؛ لئلا نشارككم في الغنيمة، وليس ذلك بقول الله كما تزعمون، ثم ردّ الله سبحانه عليهم بقوله: {بَلْ كَانُواْ لاَ يَفْقَهُونَ إِلاَّ قَلِيلاً } أي: لا يعلمون إلاّ علماً قليلاً، وهو علمهم بأمر الدنيا، وقيل: لا يفقهون من أمر الدين إلاّ فقهاً قليلاً، وهو ما يصنعونه نفاقاً بظواهرهم دون بواطنهم. وقد أخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {وَتُعَزّرُوهُ } يعني: الإجلال {وَتُوَقّرُوهُ } يعني: التعظيم، يعني: محمداً صلى الله عليه وسلم. وأخرج ابن أبي حاتم، والحاكم، وابن مردويه، والضياء في المختارة عنه في قوله: {وَتُعَزّرُوهُ } قال: تضربوا بين يديه بالسيف. وأخرج ابن عديّ، وابن مردويه، والخطيب، وابن عساكر في تاريخه عن جابر بن عبد الله قال: لما أنزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية: {وَتُعَزّرُوهُ } قال لأصحابه: «حديث : ما ذاك»تفسير : ؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال:«حديث : لتنصروه»تفسير : . وأخرج أحمد، وابن مردويه عن عبادة بن الصامت قال: بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في النشاط والكسل، وعلى النفقة في العسر واليسر، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعلى أن نقول في الله لا تأخذنا فيه لومة لائم، وعلى أن ننصره إذا قدم علينا يثرب، فنمنعه مما نمنع منه أنفسنا، وأزواجنا، وأبناءنا، ولنا الجنة، فمن وفى وفى الله له، ومن نكث فإنما ينكث على نفسه. وفي الصحيحين من حديث جابر: أنهم كانوا في بيعة الرضوان خمس عشرة مائة. وفيهما عنه: أنهم كانوا أربع عشرة مائة. وفي البخاري من حديث قتادة عن سعيد بن المسيب أنه سأله كم كانوا في بيعة الرضوان؟ قال: خمس عشرة مائة، فقال له: إن جابراً قال: كانوا أربع عشرة مائة، قال رحمه الله: وهِم، هو حدثني أنهم كانوا خمس عشرة مائة.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: شاهداًعلى أمتك بالبلاغ، قاله قتادة. الثاني: شاهداًعلى أمتك بأعمالهم من طاعة أو معصية. الثالث: مبيناً ما أرسلناك به إليهم. {وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً} فيه وجهان: أحدهما: مبشراً للمؤمنين ونذيراً للكافرين. الثاني: مبشراً بالجنة لمن أطاع ونذيراً بالنار لمن عصى، قاله قتادة، والبشارة والإنذار معاً خير لأن المخبر بالأمر السار مبشر والمحذر من الأمر المكروه منذر. قال النابغة الذبياني: شعر : تناذرها الراقون من سوء سعيها تطلقها طوراً وطوراً تراجع تفسير : قوله عز وجل: {وَتُعَزِّرُوهُ} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: تطيعوه، قاله بعض أهل اللغة. الثاني: تعظموه، قاله الحسن والكلبي. الثالث: تنصروه وتمنعوا منه، ومنه التعزير في الحدود لأنه مانع، قاله القطامي: شعر : ألا بكرت مي بغير سفاهة تعاتب والمودود ينفعه العزر تفسير : وفي {وَتُوَقِّرُوهُ} وجهان: أحدهما: تسودوه، قاله السدي. الثاني: أن تأويله مختلف بحسب اختلافهم فيمن أشير إليه بهذا الذكر: فمنهم من قال أن المراد بقوله: {وَتُعَزِّرُوهُ وَتَوَقِّرُوهُ} أي تعزروا الله وتوقروه لأن قوله: {وَتُسَبِّحُوهُ} راجع إلى الله وكذلك ما تقدمه، فعلى هذا يكون تأويل قوله: {وَتُوَقِّرُوهُ} أي تثبتوا له صحة الربوبية وتنفوا عنه أن يكون له ولد أو شريك. ومنهم من قال: المراد به رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعزروه ويوقروه لأنه قد تقدم ذكرها، فجاز أن يكون بعض الكلام راجعاً إلى الله وبعضه راجعاً إلى رسوله، قاله الضحاك. فعلى هذا يكون تأويل {تُوَقِّرُوهُ} أي تدعوه بالرسالة والنبوة لا بالاسم والكنية. {وتُسَبِّحُوهُ} فيه وجهان: أحدهما: تسبيحه بالتنزيه له من كل قبيح. الثاني: هو فعل الصلاة التي فيها التسبيح. {بُكْرَةً وَأصِيلاً} أي غدوة وعشياً. قال الشاعر: شعر : لعمري لأنت البيت أكرم أهله وأجلس في أفيائه بالأصائل

ابن عطية

تفسير : من جعل الشاهد محصل الشهادة من يوم يحصلها، فقوله: {شاهداً} حال واقعة. ومن جعل الشاهد مؤدي الشهادة، فهي حال مستقبلة. وهي التي يسميها النحاة المقدرة، المعنى: {شاهداً} على الناس بأعمالهم وأقوالهم حين بلغت إليهم الشرع {ومبشراً} معناه: أهل الطاعة برحمة الله {ونذيراً} معناه: أهل الكفر تنذرهم من عذاب الله. وقرأ جمهور الناس في كل الأمصار: "لتؤمنوا بالله" على مخاطبة الناس، على معنى قل لهم، وكذلك الأفعال الثلاثة بعد، وقرأ أبو عمرو بن العلاء وابن كثير وابو جعفر: "ليؤمنوا" بالياء على استمرار خطاب محمد عليه السلام، وكذلك الأفعال الثلاثة بعد. وقرأ الجحدري: "وتَعْزُروه" بفتح التاء وسكون العين وضم الزاي. وقرأ محمد بن السميفع اليماني وابن عباس: "وتعززوه" بزاءين، من العزة. وقرأ جعفر بن محمد: "وتَعْزِروه" بفتح التاء وسكون العين وكسر الزاي ومعنى: {تعزروه} تعظموه وتكبروه، قاله ابن عباس: وقال قتادة معناه: تنصروه بالقتال وقال بعض المتأولين: الضمائر في قوله: {وتعزروه وتوقروه وتسبحوه} هي كلها لله تعالى. وقال الجمهور: {تعزروه وتوقروه} هما للنبي عليه السلام، {وتسبحوه} هي لله، وهي صلاة البردين. وقرأ عمر بن الخطاب: "وتسبحوا الله"، وفي بعض ما حكى أبو حاتم: "وتسبحون الله"، بالنون، وقرأ ابن عباس: "ولتسبحوا الله". والبكرة: الغدو. والأصيل: العشي. وقوله تعالى: {إن الذين يبايعونك} يريد في بيعة الرضوان، وهي بيعة الشجرة حين أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم الأهبة لقتال قريش لما بلغه قتل عثمان بن عفان رسوله إليهم، وذلك قبل أن ينصرف من الحديبية، وكان في ألف وأربعمائة رجل. قال النقاش: وقيل كان في ألف وثمانمائة، وقيل وسبعمائة، وقيل وستمائة، وقيل ومائتين. قال القاضي أبو محمد: وبايعهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على الصبر المتناهي في قتال العدو إلى أقصى الجهد، حتى قال سلمة بن الأكوع وغيره: بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على الموت، وقال عبد الله بن عمر وجابر بن عبد الله: بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن لا نفر. والمبايعة في هذه الآية مفاعلة من البيع، لأن الله تعالى اشترى منهم أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة، وبقي اسم البيعة بعد معاقدة الخلفاء والملوك، وعلى هذا سمت الخوارج أنفسهم الشراة، أي اشتروا بزعمهم الجنة بأنفسهم. ومعنى: {إنما يبايعون الله} أن صفقتهم إنما يمضيها ويمنح ثمنها الله تعالى. وقرأ تمام بن العباس بن عبد المطلب: {إنما يبايعون الله}. قال أبو الفتح: ذلك على حذف المفعول لدلالة الأول عليه وقربه منه. وقوله تعالى: {يد الله} قال جمهور المتأولين: اليد، بمعنى: النعمة، أي نعمة الله في نفس هذه المبايعة لما يستقبل من محاسنها. {فوق أيديهم} التي مدوها لبيعتك. وقال آخرون: {يد الله} هنا، بمعنى: قوة الله فوق قواهم، أي في نصرك ونصرهم، فالآية على هذا تعديد نعمة عليهم مستقبلة مخبر بها، وعلى التأويل الأول تعديد نعمة حاصلة تشرف بها الأمر. قال النقاش {يد الله} في الثواب. وقوله: {فمن نكث} أي فمن نقض هذا العهد فإنما يجني على نفسه وإياها يهلك، فنكثه عليه لا له. وقرأ جمهور القراء: "بما عاهد عليه الله" بالنصب على التعظيم. وقرأ ابن أبي إسحاق: "ومن أوفى بما عاهد عليه اللهُ" بالرفع، على أن الله هو المعاهد. وقرأ حفص عن عاصم: "عليهُ" مضمومة الهاء، وروي ذلك عن ابن أبي إسحاق. والأجر العظيم: الجنة، لا يفنى نعيمها ولا ينقضي أمرها. وقرأ عاصم وأبو عمرو وحمزة والكسائي والعامة: "فسيؤتيه" بالياء. وقرأ ابن كثير ونافع وابن عامر: "فسنؤتيه" بالنون. وفي مصحف ابن مسعود: "فسيؤتيه الله".

ابن عبد السلام

تفسير : {شَاهِداً} على أمتك بالبلاغ، أو بأعمالهم من طاعة ومعصية، أو مبيناً لهم ما أرسلت به {وَمُبَشِّراً} للمؤمنين {وَنَذِيراً} للكافرين، أو مبشراً بالجنة للطائع ونذيراً بالنار للعاصي.

الثعالبي

تفسير : وقوله سبحانه: {إِنَّا أَرْسَلْنَـٰكَ شَاهِداً...} الآية، مَنْ جعل الشاهِدَ مُحَصِّلَ الشهادة من يوم يحصلها، فقوله: {شَـٰهِداً} حال واقعة، ومَنْ جعل الشاهد مُؤَدِّي الشهادةَ فهي حال مستقبلة، وهي التي يسميها النحاة المُقَدَّرَةَ، والمعنى: شاهداً على الناس بأعمالهم، وأقوالهم حين بَلَّغْتَ، {وَمُبَشِّراً}: أهلَ الطاعة برحمة اللَّه، {وَنَذِيرًا}: من عذاب اللَّه أهلَ المعصية، ومعنى {وَتُعَزِّرُوهُ} تعظموه وتكبروه؛ قاله ابن عباس، وقرأ ابن عباس وغيره: {وَتُعَزِّزُوهُ} بزاءين من العِزَّةِ، قال الجمهور: الضمير في {وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ} للنبيِّ ـــ صلى الله عليه وسلم ـــ وفي {وَتُسَبِّحُوهُ} للَّه عز وجل، والبُكْرَةُ: الغُدُوَّ، والأصيل: العَشِيُّ.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {إِنَّآ أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً} على أمتك بما يفعلون، كما قال تعالى: {أية : وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً}تفسير : [البقرة:143] أنه لا إله إلا الله وكما قال تعالى: {أية : شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ وَٱلْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ ٱلْعِلْمِ}تفسير : [آل عمران:18]. وهم الأنبياء "وَمُبَشِّراً" من قبل شهادته ويحكم بها "ونَذِيراً" لمن ردَّ شهادته. ثم بين فائدة الإرسال فقال: {لِّتُؤْمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ} أي تعينوه وتنصروه "وَتُوَقِّرُوهُ" أي تُعظموه وتُفخموه، هذه الكنايات راجعة إلى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وههنا وقف. ثم قال وتسبحوه، أي تسبحوا الله، يريد يصلوا له بكرةً وَأصيلاً بالغَدََاةِ والعشيّّ. وقيل: الكنايات راجعة إلى الله تعالى، أي ليؤمنوا بالله ورسوله ويعزروا الله بتقوية دينه، ويوقروه الله الذي يُعَظِّموه. قوله: "لِتُؤْمِنُوا" قرأ ابن كثير وأبو عمرو ليُؤْمِنُوا وما بعده بالياء من تحت رجوعاً إلى قوله المؤمنين والمؤمنات. والباقون بتاء الخطاب (وقرأ الجَحْدريّ يَعَزُّرُوه بفتح الياء وضم الزاي وهو أيضاً وجعفر بن محمد كذلك إلا أنهما كسرا الزاي. وابن عباس واليماني ويُعَزِّزُوهُ كالعامَّة إلا أنه بزايَين من العِزَّة. فإن قيل: ما الحكمة في قوله في الأحزاب: {أية : إِنَّآ أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً وَدَاعِياً إِلَى ٱللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُّنِيراً}تفسير : [الأحزاب:45ـ46] وههنا اقتصر على الثلاثة الأول؟. فالجواب من وجهين: أحدهما: أن ذلك المقام كان مقام ذكر، لأن أكثر السورة ذكر الرسول وأحواله وما تقدمه من المبايعة والوعد بالدخول ففصل هناك ولم يفصل هنا. وثانيهما: أن قوله: "شاهداً" لما لم يقتض أن يكون داعياً لجواز أن يقول مع نفسه أشهد أن لا إله إلا الله ولا يدعو الناس قال هناك: "وَدَاعِياً" كذلك ههنا لما لم يكن كونه شاهداً ينبىء عن كونه داعياً قال: ليؤمنوا بالله ويعزروه ويوقروهُ. وقوله: "بكرة وأصيلاً" يحتمل أن يكون إشارة إلى المداومة، ويحتمل أن يكون لمخالفة عمل المشركين، فإنهم كانوا يعبدون الأصنام في الكعبة بكرة وعشيَّةً، فأمر الله بالتسبيح في أوقات ذكرهم الفَحْشَاء والمُنْكَر. قوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ} يا محمَّدُ بالحديبية على أن لا يفروا {إِنَّمَا يُبَايِعُونَ ٱللَّهَ} لأنهم باعوا أنفسهم من الله تعالى بالجنة، روى يزيدُ بن (أبي) عبيد قال: قلت لسلمةَ بْنِ الأكوع: على أيِّ شيء بايعتم رسولَ الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يوم الحديبية؟ قال: على الموت. قوله: {إِنَّمَا يُبَايِعُونَ ٱللَّهَ} خبر "إنَّ الَّذِينَ" و {يَدُ ٱللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ} جملة حالية، أو خبر ثان وهو ترشيح للمجاز في مبايعة الله. وقرأ تمام بن العباس: يبايعون لِلَّهِ، والمفعول محذوف أي إنما يبايعونَكَ لأجل الله. قوله: {يَدُ ٱللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ} لما بين أنه مرسل ذكر أن من بايعهُ فقد بايع الحقّ. وقوله: {يَدُ ٱللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ} يحتمل وجوهاً، وذلك أن اليد في الموضعين إما أن تكون بمعنًى واحدٍ، وإما أن تكومن بمعنيين فإن كانا بمعنى واحد ففيه وجهان: أحدهما: قال الكلبي: نعمة الله عليه في الهداية فوق ما صنعوا من البيعة كما قال تعالى: {أية : بَلِ ٱللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلإِيمَانِ}تفسير : [الحجرات:17]. وثانيهما: قال ابن عباس ومجاهد: يد الله بالوفاء بما عاهدهم من النصر والخير وأقوى وأعلى من نصرتهم إياه، ويقال: اليدُ لفلانٍ أي الغلبة والقوة. وإن كانا بمعنيين ففي حق الله بمعنى الحفظ، وفي حق المبايعين بمعنى الجارحة قال السدي: كانوا يأخذون بيد رسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ ويبايعونه ويد الله فوق أيديهم في المبايعة، وذلك أن المتبايعين إذا مد أحدهما يده إلى الآخر في البيع، وبينهما ثالث فيضع يده على يديهما ويحفظ أيديهما إلى أن يتم العقد ولا يترك أحدهما بترك يد الآخر لكي يلزم العقد ولا يتفاسخان فصار وضع اليد فوق الأيدي سبباً لحفظ البيعة، فقال تعالى: {يَدُ ٱللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ} يحفظهم على البيعة كما يحفظ المتوسط أيدي المتبايعين. قوله: "فَمَنْ نَكَثَ" أي نقص البيعةَ {فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَىٰ نَفْسِهِ} أي عليه و ما له {وَمَنْ أَوْفَىٰ بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهِ ٱللَّهَ} أي ثبت على البيعة {فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً} قرأ أهل العراق فسيُؤتيه بالياء من تحت، وقرأ الآخرون بالنون. والمراد بالأجر العظيم الجنة. وتقدم الكلام في معنى الأجر العظيم.

السيوطي

تفسير : أخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه ‏ {‏إنا أرسلناك شاهدا‏ً}‏ قال‏:‏ شاهداً على أمته وشاهداً على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أنهم قد بلّغوا ‏ {‏ومبشرا‏ً}‏ يبشر بالجنة من أطاع الله ‏{‏ونذيراً‏} ‏ ينذر الناس من عصاه ‏{‏ليؤمنوا بالله ورسوله‏} ‏ قال‏:‏ بوعده وبالحساب وبالبعث بعد الموت ‏ {‏وتعزروه‏} ‏ قال‏:‏ تنصروه ‏ {‏وتوقروه‏} ‏ قال‏:‏ أمر الله بتسويده وتفخيمه وتشريفه وتعظيمه، قال‏:‏ وكان في بعض القراءة ‏"‏ويسبحوا الله بكرة وأصيلا‏"‏‏. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه‏:‏ ‏"‏ويعزروه‏"‏ قال‏:‏ لينصروه ‏"‏ويوقروه‏"‏ أي ليعظموه‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله ‏ {‏وتعزروه‏} ‏ يعني الإِجلال ‏{‏وتوقروه‏}‏ يعني التعظيم يعني محمداً صلى الله عليه وسلم‏. وأخرج ابن أبي حاتم والحاكم وابن مردويه والضياء في المختارة عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله ‏{‏وتعزروه‏}‏ قال‏:‏ تضربوا بين يديه بالسيف‏.‏ وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن عكرمة رضي الله عنه في قوله ‏ {‏وتعزروه‏}‏ قال‏:‏ تقاتلوا معه بالسيف‏.‏ وأخرج ابن عدي وابن مردويه والخطيب وابن عساكر في تاريخه عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال‏: ‏‏حديث : ‏ لما نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية ‏ {‏وتعزروه‏}‏ قال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه‏: ‏"ما ذاك‏؟ قالوا‏:‏ الله ورسوله أعلم قال‏:‏ {‏لتنصروه‏}" ‏ ‏‏‏. تفسير : وأخرج ابن مردويه عن عكرمة رضي الله عنه قال‏:‏ كان ابن عباس يقرأ هذه الآية ‏ {‏تؤمنون بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه وتسبحوه بكرة وأصيلا‏ً} ‏ قال‏:‏ فكان يقول‏:‏ إذا أشكل ياء أو تاء فاجعلوها على ياء فإن القرآن كله على ياء‏. وأخرج ابن جرير عن الضحاك رضي الله عنه في قوله ‏ {‏ويسبحوه‏} ‏ قال‏:‏ يسبحوا الله، رجع إلى نفسه‏.‏ وأخرج أبو عبيد وابن المنذر عن هرون رضي الله عنه قال‏:‏ في قراءة ابن مسعود ‏"‏ويسبحوا الله بكرة وأصيلا‏ً"‏‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير رضي الله عنه أنه كان يقرأ ‏"‏ويسبحوا الله بكرة وأصيلا‏ً"‏‏.

التستري

تفسير : قوله: {إِنَّآ أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً}[8] قال: شاهداً عليهم بالتوحيد، ومبشراً لهم بالمعونة والتأييد، ومحذراً عن البدع والضلالات.

السلمي

تفسير : قال سهل: شاهداً عليهم بالتوحيد ومبشراً لهم بالمغفرة وبالتأييد ونذيراً محذراً إياهم البدع والضلالات. قال ابن عطاء: شاهدًا علينا ومبشرًا بنا ونذيرًا عنا وداعيًا إلينا وأنت المأذون فى الكل لأنك أمين على الكل ولا يطلق هذه المراتب إلاَّ للأمناء فأنت الأمين حق الأمين.

القشيري

تفسير : {أَرْسَلْنَٰكَ شَٰهِداً}: على أُمَّتِكَ يوم القيامة. ويقال: شاهداً على الرُّسُلِ والكتب. ويقال: شاهداً بوحدانيتنا وربوبيتنا. ويقال: شاهداً لأمتك بتوحيدنا. {وَمُبَشِّراً}: لهم مِنَّا بالثواب، {وَنَذِيراً} للخَلْق؛ زاجِراً ومُحَذِّراً من المعاصي والمخالفات. ويقال: شاهداً مِنْ قِبَلنا، ومُبَشِّراً بأمرنا، ونذيراً من لَدُنَّا ولنا ومِنَّا.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {إِنَّآ أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً} اى شاهد على توحيدهم معرفتهم ومحبتهم ولايتهم وبنور الله على قلوبهم واسرارهم مبشرا يبشرهم بالوصال ورؤية الجمال ونذيرا من العتاب والحجاب وايضا شاهد العارفين يدا من الحق لهم يروا من مشاهدته انوار جمال الحق ومبشر المحبين يبشرهم بالوصال الى قرب حبيبهم بلا علة ونذير للمقبلين ------ الى غيره قال سهل شاهدا عليهم بالتوحيد ومبشرا لهم بالمعرفة والتائيد ونذيرا محذرا اياهم البدع والضلالات قال ابن عطا شاهدا علينا ومبشرا لنا نذيرا-----الينا وانت الماذون فى الكل لانك امين على الكل ولا يطيق هذه المراتب الا الامناء فانك الامين حق امين.

اسماعيل حقي

تفسير : {إنا أرسلناك شاهدا} اى على امتك لقوله تعالى {أية : ويكون الرسول عليكم شهيدا}تفسير : يعنى على تصديق من صدقه وتكذيب من صدقه وتكذيب من كذبه اى مقبولا قوله فى حقهم يوم القيامة عند الله تعالى سوآء شهد لهم او عليهم كلما يقبل قول الشاهد العدل عند الحاكم وهو حال مقدرة فانه عليه السلام انما يكون شاهدا وقت التحمل والادآء وذلك متأخر عن زمان الارسال بخلاف غيره مما عطف عليه فانه ليس من الاحوال المقدرة {ومبشرا} على الطاعة بالجنة والثواب وعلى اهل الطلب بالوصول {ونذيرا} على المعصية بالنار والعذاب وعلى اهل الاعراض بالقطية وفى التوراة يا أيها النبى انا ارسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا وحرزا للاميين أنت عبدى ورسولى سميتك المتوكل ليس بفظ ولا غليظ ولا صخاب فى الاسواق ولا يدفع السيئة بالسيئة ولكن يعفو ويصفح ولن يقبضه الله حتى يقيم له الملة العوجاء بأن يقولوا لا اله الا لله فيفتح لها اعينا عميا وآذانا صما وقلوبا غلنا سرخيل انبيا وسبهدار اتقيا. سلطان باركاه دنى قائدامم

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {إِنّا أرسلناك شاهداً} تشهد على أمتك يوم القيامة، كقوله: {أية : وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً}تفسير : [البقرة: 143] وهو حال مقدَّرة، {ومبشِّراً} لأهل الطاعة بالجنة، {ونذيراً} لأهل المعصية بالنار، {لتؤمنوا بالله ورسوله} والخطاب للرسول والأمة، {وتُعزِّروه} تقوُّوه بنصر دينه، {وتُوقِّروه} أي: تُعظِّموه بتعظيم رسوله وسائر حرماته، {وتُسبِّحوه} تُنزِّهوه، أو تُصلوا له، من: السبحة، {بكرةً وأصيلاً} غدوة وعشية، قيل: غدوة: صلاة الفجر، وعشية: الظهر والعصر والمغرب والعشاء. والضمائر لله تعالى. ومَن فرّق؛ فجعل الأولين للنبي صلى الله عليه وسلم والأخير لله تعالى، فقد أبعد. وقرأ المكي والبصري بالغيب في الأربعة، والضمائر للناس، وقرأ ابن السميفع: "وتُعززوه" بزاءين، أي: تنصروه وتُعِزُّوا دينه. {إِنَّ الذين يُبايعونك} على الجهاد، بيعة الرضوان {إِنما يُبايعون اللّهَ} لأنه خليفة عنه، فعقد البيعة معه صلى الله عليه وسلم كعقدها مع الله من غير تفاوت بينهما، كقوله:{أية : مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ}تفسير : [النساء: 80] ثم أكّد ذلك بقوله: {يدُ اللهِ فوق أيديهم} يعني: أن يد رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي تعلو أيدي المبايعين هي يد الله، من باب مبالغة التشبيه، {فمَن نكث} نقض البيعة، ولم يفِ بها {فإِنما يَنكُثُ على نفسه} فلا يعود ضرر نكثه إلا عليه، قال جابر رضي الله عنه: "بايعنا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم تحت الشجرة على الموت، وعلى ألاَ نفرّ، فما نكث أحدُ منا البيعةَ، إلا جَدّ بن قَيْسٍِ المنافق، اختبأ تحت إبطِ بعيره، ولم يَسر مع قومه". {ومَن أوفى بما عاهد عليه اللّهَ} يقال: وفيت بالعهد وأوفيت. وقرأ حفص بضم الهاء من "عليه" توسُّلاً لتفخيم لام الجلالة، وقيل: هو الأصل، وإنما كسر لمناسبة الياء. أي: ومَن وفَّى بعهده بالبيعة {فسيؤتيه أجراً عظيماً} الجنة وما فيها. الإشارة: لكل جيل من الناس يبعث اللّهُ مَن يُذكِّرهم، ويدعوهم إلى الله، بمعرفته، أو بإقامة دينه، ليدوم الإيمان بالله ورسوله، ويحصل النصر والتعظيم للدين إلى يوم الدين، ولولا هؤلاء الخلفاء لضاع الدين، وقوله تعالى: {إنَّ الذين يُبايعونك} الآية، قال الورتجبي: ثم صرَّح بأنه عليه السلام مرآة لظهور ذاته وصفاته، وهو مقام الاتصاف بأنوار الذات والصفات في نور الفعل، فصار هو هو، إذا غاب الفعل في الصفة، وغابت الصفة في الذات. فقال: {إن الذين يُبايعونك...} الآية. وإلى ذلك يُشير الحلاّج وغيره. وقال في القوت: هذه أمدح آية في كتاب الله عزّ وجل، وأبلغ فضيلة فيه لرسول الله صلى الله عليه وسلم، لأنه جعله في اللفظ بدلاً عنه، فيقول: لله، وليس هذا من الربوبية للخلق سوى رسول الله صلى الله عليه وسلم. هـ. وقال الحسن بن منصور الحلاج: لم يُظهر الحق تعالى مقام الجمع على أحد بالتصريح إلا على أخص نسَمِهِ وأشرفه، فقال: {إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله}. هـ. قال القشيري: وفي هذه الآية تصريحٌ بعين الجمع، كما قال:{أية : وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ}تفسير : [الأنفال: 17] وقال في مختصره: يُشير إلى كمال فنائه وجوده عليه السلام في الله وبقائه بالله. هـ. فالآية تُشير إلى مقام الجمع، المنبه عليه في الحديث:"حديث : فإذا أحببته كنت سمعه، وبصره، ويده"تفسير : . وسائر قواه، الذي هو سر الخلافة والبقاء بالله وهذا الأمر حاصل لخلفائه صلى الله عليه وسلم من العارفين بالله، أهل الفناء والبقاء، وهم أهل التربية النبوية في كل زمان، فمَن بايعهم فقد بايع الله، ومَن نظر إليهم فقد نظر إلى الله، فمَن نكث العهد بعد عقده معهم فإنما ينكثه على نفسه، فتيبس شجرةُ إرادته، ويُطمس نور بصيرته، فيرجع إلى مقام عامة أهل اليمين ومَن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجراً عظيماً شهود ذاته المقدسة على الدوام، والظفر بمقام المقربين، ثبتنا الله على منهاجه القويم، من غير انتكاص ولا رجوع، آمين. ثم ذكر مَن تخلّف عن البيعة، فقال: {سَيَقُولُ لَكَ ٱلْمُخَلَّفُونَ مِنَ ٱلأَعْرَابِ}.

الجنابذي

تفسير : {إِنَّآ أَرْسَلْنَاكَ} جواب سؤالٍ عن علّة ادخال المؤمنين الجنّات، وتعذيب المنافقين غاية لمغفرة ذنوب المؤمنين الّتى هى غاية للفتح المبين كانّه قيل: لم يدخل الله المؤمنين الجنّات ويعذّب المنافقين بسبب الفتح المبين للنّبىّ (ص)؟ - فقال: لانّا ارسلناك ايّها النّبىّ (ص) {شَاهِداً} عليهم بحالك وقالك، فمن اتّصل بك تشهد له فيدخل الجنّة، ومن لم يتّصل بك تشهد عليه فيعذّب {وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً} للمؤمنين والكافرين.

الهواري

تفسير : قوله عز وجل: {إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا} على أمتك {وَمُبَشِّرًا} بالجنة {وَنَذِيرًا} من النار {لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ} يقوله للناس {وَتُعَزِّرُوهُ} أي: وتنصروه {وَتُوَقِّرُوهُ} أي: وتعظموه، يعني محمداً عليه السلام في تفسير الكبي. وتفسير الحسن: (وَتُعَظِّمُوهُ) يعني الله {وَتُسَبِّحُوهُ} أي: تسبحوا الله، أي: تصلوا لله {بُكْرَةً وَأَصِيلاً} بكرة، صلاة الصبح، وأصيلاً صلاة الظهر والعصر. وهي تقرأ على وجه آخر: {لِيُؤمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ...} إلى آخر الآية، يقوله للنبي عليه السلام: ليؤمنوا وليفعلوا وليفعلوا. قوله: {إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ} أي: من بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنما بايع الله؛ وهذا يوم الحديبية، وهي بيعة الرضوان، بايعوه على ألا يفروا. ذكروا عن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله قال: بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على أَلاَّ نفر ولم نبايعه على الموت. قال بعضهم: أخبر أناس يوم بيعة رسول الله تحت الشجرة أن رسول الله بعث عثمان بن عفان إلى قريش بمكة يدعوهم إلى الإسلام. فلما راث عليه. أي: أبطأ عليه، ظنّ رسول الله أن عثمان قد غُدِر به فقُتِل. فقال لأصحابه: حديث : إني لا أظن عثمان إلا قد غدر به. فإن فعلوا فقد نقضوا العهد، فبايعوني على الصبر وأَلاَّ تَفروا . تفسير : قوله: {فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَى نَفْسِهِ} أي: فمن نكث حتى يرجع كافراً أو منافقاً فإنما ينكث على نفسه {وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ} أي: ومن استكمل فرائض الله وعمل بها ووفى بما عاهد عليه الله {فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا} أي: فسنؤتيه الجنة نثيبه بها.

اطفيش

تفسير : {إِنَّآ أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً} على أمتك قيل وعلى غيرهم بأعمالهم وأقوالهم و {شَاهِداً} حال مقدرة سواء كان معناه محصل الشهادة وحاملها أو كان معناه مؤديها يوم القيامة لأنه حال الارسال وانما يشهد من حين أرسل وبدأ في التبليغ وزعم بعضهم أنه ان كان بمعنى الشهادة فهي حال واقعة وكأنه سري وهمه الى أن مضى تحصيل الشهادة الآن أو في زمانه تكون به الحال واقعة وانما النظر في ذلك الى معنى العامل وهو الارسال {وَمُبَشِّراً} لامتك بالجنة لمن أضاع* {وَنَذِيراً} مخوفا بالنار لمن عصى ذكر الارسال والشهادة والتبشير والانذار ذكر للنعم وتنبيه له على على ما خلق لأجله كذا قيل* {لِّتُؤْمِنُواْ بِاللهِ وَرَسُولِهِ}

اطفيش

تفسير : {إنَّا أرسلناك شاهداً} على أمتك بايمان وكفر، كما قال الله عز وجل: "أية : ويكون الرسول عليكم شهيداً" تفسير : [البقرة: 143] قال قتادة وعلى: الأنبياء أيضا أنهم قد بلغوا {ومُبشِّراً} للمؤمنين بالجنة على ايمانهم وأعمالهم، والعفو على ذنوبهم {ونَذيراً} للكافرين بعكس ذلك.

الالوسي

تفسير : {إِنَّا أَرْسَلْنَـٰكَ شَـٰهِداً } أي على أمتك لقوله تعالى: {أية : وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا } تفسير : [البقرة: 143] وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة شاهداً على أمتك وشاهداً على الأنبياء عليهم السلام أنهم قد بلغوا {وَمُبَشّراً } بالثواب على الطاعة {وَنَذِيرًا } بالعذاب على المعصية.

ابن عاشور

تفسير : لما أريد الانتقال من الوعد بالفتح والنصر وما اقتضاه ذلك مما اتصل به ذِكره إلى تبيين ما جرى في حادثة الحديبية وإبلاغ كل ذي حظ من تلك القضية نصيبهُ المستحق ثناء أو غيره صدر ذلك بذكر مراد الله من إرسال رسوله صلى الله عليه وسلم ليكون ذلك كالمقدمة للقصة وذكرت حكمة الله تعالى في إرساله ما له مزيد اختصاص بالواقعة المتحدث عنها، فذكرت أوصاف ثلاثة هي: شاهد، ومبشر، ونذير. وقدم منها وصف الشاهد لأنه يتفرع عنه الوصفان بعده. فالشاهد: المخبر بتصديق أحدٍ أو تكذيبه فيما ادعاه أو ادُعي به عليه وتقدم في قوله: {أية : فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيداً} تفسير : في سورة النساء (41) وقوله: {أية : ويكون الرسول عليكم شهيدا} تفسير : في سورة البقرة (143). فالمعنى: أرسلناك في حال أنك تشهد على الأمة بالتبليغ بحيث لا يعذر المخالفون عن شريعتك فيما خالفوا فيه، وتشهد على الأمم وهذه الشهادة حاصلة في الدنيا وفي يوم القيامة، فانتصب {شاهداً} على أنه حال، وهو حال مقارنة ويترتّب على التبليغ الذي سيشهد به أنه مبشر للمطيعين ونذير للعَاصين على مراتب العصيان. والكلام استئناف ابتدائي وتأكيده بحرف التأكيد للاهتمام. وقوله: {لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه وتسبحوه بكرة وأصيلا}. قرأ الجمهور الأفعال الأربعة (لتؤمنوا، وتعزروه، وتوقروه، وتسبحوه) بالمثناة الفوقية في الأفعال الأربعة فيجوز أن تكون اللام في {لتؤمنوا} لام كي مفيدة للتعليل ومتعلقة بفعل {أرسلناك}. والخطاب يجوز أن يكون للنبي صلى الله عليه وسلم مع أمة الدعوة، أي لتؤمن أنت والذين أرسلت إليهم شاهداً ومبشراً ونذيراً، والمقصود الإيمان بالله. وأقحم {ورسوله} لأن الخطاب شامل للأمّة وهم مأمورون بالإيمان برسول الله صلى الله عليه وسلم حديث : ولأن الرسول صلى الله عليه وسلم مأمور بأن يؤمن بأنه رسول الله ولذلك كان يقول في تشهده: "وأشهد أن محمداً عبده ورسوله"تفسير : وقال يوم حنين: «حديث : أشهدُ أني عبد الله ورسوله»تفسير : . وصحّ أنه كان يتابع قول المؤذن «حديث : أشهد أن محمداً رسول الله»تفسير : . ويجوز أن يكون الخطاب للناس خاصة ولا إشكال في عطف {ورسوله}. ويجوز أن يكون الكلام قد انتهى عند قوله {ونذيرا} وتكون جملة {لتؤمنوا بالله} الخ جملة معترضة، ويكون اللام في قوله {لتؤمنوا} لام الأمر وتكون الجملة استئنافاً للأمر كما في قوله تعالى: {أية : آمنوا بالله ورسوله وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه} تفسير : في سورة الحديد (7). وقرأه ابن كثير وأبو عمرو بياء الغيبة فيها، والضمائر عائدة إلى معلوم من السياق لأن الشهادة والتبشير والنذارة متعينة للتعلق بمقدّر، أي شاهداً على الناس ومبشراً ونذيراً لهم ليُؤمنوا بالله الخ. والتعزيز: النصر والتأييد، وتعزيزهم الله كقوله: {أية : إن تنصروا الله}تفسير : [محمد: 7]. والتوقير: التعظيم. والتسبيح: الكلام الذي يدل على تنزيه الله تعالى عن كل النقائص. وضمائر الغيبة المنصوبة الثلاثة عائدة إلى اسم الجلالة لأن إفراد الضمائر مع كون المذكور قبلها اسمين دليل على أن المراد أحدهما. والقرينة على تعيين المراد ذكر {وتسبحوه}، ولأن عطف {ورسوله} على لفظ الجلالة اعتداد بأن الإيمان بالرسول صلى الله عليه وسلم إيمان بالله فالمقصود هو الإيمان بالله. ومن أجل ذلك قال ابن عباس في بعض الروايات عنه: إن ضمير {تعزروه وتوقروه} عائد إلى {رسوله}. والبُكرة: أول النهار. والأصيل: آخره، وهما كناية عن استيعاب الأوقات بالتسبيح والإكثار منه، كما يقال: شرقاً وغرباً لاستيعاب الجهات. وقيل التسبيح هنا: كناية عن الصلوات الواجبة والقول في {بكرة وأصيلا} هو هو. وقد وقع في سورة الأحزاب نظير هذه الآية وهو قوله: {أية : يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهداً ومبشّراً ونذيراً وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً}تفسير : [الأحزاب: 45، 46]، فزيد في صفات النبي صلى الله عليه وسلم هنالك {وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً} ولم يذكر مثله في الآية هذه التي في سورة الفتح. ووجه ذلك أن هذه الآية التي في سورة الفتح وردت في سياق إبطال شك الذين شكوا في أمر الصلح والذين كذبوا بوعد الفتح والنصر، والثناءِ على الذين اطمأنوا لذلك فاقتصر من أوصاف النبي صلى الله عليه وسلم على الوصف الأصلي وهو أنه شاهد على الفريقين وكونه مبشراً لأحد الفريقين ونذيراً للآخر، بخلاف آية الأحزاب فإنها وردت في سياق تنزيه النبي صلى الله عليه وسلم عن مطاعن المنافقين والكافرين في تزوجه زينب بنت جحش بعد أن طلقها زيد بن حارثة بزعمهم أنها زوجة ابنه، فناسب أن يزاد في صفاته ما فيه إشارة إلى التمحيص بين ما هو من صفات الكمال وما هو من الأوهام الناشئة عن مزاعم كاذبة مثل التبنِّي، فزيد كونه {داعياً إلى الله بإذنه}، أي لا يتبع مزاعم الناس ورغباتهم وأنه سراج منير يهتدي به من همتُّه في الاهتداء دون التقعير. وقد تقدم في تفسير سورة الأحزاب حديث عبد الله بن عَمرو بن العاص في صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في «التوراة» فارجع إليه.

الشنقيطي

تفسير : بين جل وعلا في هذه الآية الكريمة، أنه أرسل نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم شاهداً ومبشراً ونذيراً. وقد بين تعالى أنه يبعثه صلى الله عليه وسلم يوم القيامة شاهداً على أمته، وأنه مبشر للمؤمنين ومنذر للكافرين. قال تعالى في شهادته صلى الله عليه وسلم يوم القيامة على أمته {أية : فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَـٰؤُلاۤءِ شَهِيداً}تفسير : [النساء: 41} وقوله تعالى:{أية : وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً عَلَيْهِمْ مِّنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيداً عَلَىٰ هَـٰؤُلآءِ}تفسير : [النحل: 89]. فآية النساء وآية النحل المذكورتان الدالتان على شهادته صلى الله عليه وسلم يوم القيامة على أمته تبينان آية الفتح هذه. وما ذكرنا من أنه مبشر للمؤمنين ونذير للكافرين أوضحه في قوله تعالى:{أية : فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلَسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ ٱلْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُّدّاً}تفسير : [مريم: 97]. وقد أوضحنا هذا في أول سورة الكهف، وما ذكره جل وعلا في هذه الآية الكريمة، ذكره وزيادة في سورة الأحزاب في قوله تعالى:{أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ إِنَّآ أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً وَدَاعِياً إِلَى ٱللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُّنِيراً}تفسير : [الأحزاب: 45-46]. وقوله هنا: {إِنَّآ أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً} حال مقدرة. وقوله: مبشراً ونذيراً كلاهما حال معطوف على حال.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: شاهدا ومبشرا ونذيرا: أي شاهدا على أمتك أُمة الدعوة يوم القيامة ومبشراً من آمن منهم وعمل صالحا بالجنة ونذيراً من كفر أو عصى وفسق بالنار. ليؤمنوا بالله ورسوله: أي هذا علة للإِرسال. وتعزروه وتوقروه: أي ينصروه ويعظموه وهذا لله وللرسول. وتسبحوه بكرة وأصيلا: أي الله تعالى بالصلاة والذكر والتسبيح. إن الذين يبايعونك: أي بيعة الرضوان بالحديبية. إنما يبايعون الله: لأن طاعة الرسول طاعة لله تعالى. يد الله فوق أيديهم: أي لأنهم كانوا يبايعون الله إذ هو الذي يجاهدون من أجله ويتلقون الجزاء من عنده. فمن نكث: أي نقض عهده فلم يقاتل مع الرسول والمؤمنين. فإِنما ينكث على نفسه: أي وبال نقضه عهده عائد عليه إذ هو الذي يجزي به. فسيؤتيه أجرا عظيما: أي الجنة إذ هي الأجر العظيم الذي لا أعظم منه إلا رضوان الله عز وجل. معنى الآيات: ما زال السياق الكريم في بيان ما أنعم الله تعالى به على رسوله فقال تعالى {إِنَّآ أَرْسَلْنَٰكَ شَٰهِداً} لله تعالى بالوحدانية والكمال المطلق له عز وجل وشاهداً على هذه الأمة التي أرسلت فيها وإليها عربها وعجمها ومبشراً لأهل الإِيمان والتقوى بالجنة ونذيراً لأهل الكفر والمعاصي أي مخوفاً لهم من عذاب الله يوم القيامة. وقوله تعالى {لِّتُؤْمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ} أي أرسلناه كذلك لتؤمنوا بالله ورسوله {وَتُعَزِّرُوهُ} بمعنى تنصروه {وَتُوَقِّرُوهُ} بمعنى تجلوه وتعظموه وهذه واجبة لله ولرسوله الإِيمان والتعزير والتوقير، وأما التسبيح والتقديس. فهو لله تعالى وحده ويكون بكلمة سبحان الله وبالصلاة وبالذكر لا إله إلا الله، وبدعاء الله وحده وقوله {بُكْرَةً وَأَصِيلاً} أي تسبحون الله {بُكْرَةً} أي صباحاً {وَأَصِيلاً} أي عشية وقوله تعالى {إِنَّ ٱلَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ ٱللَّهَ يَدُ ٱللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ} يخبر تعالى رسوله بأن الذين يبايعونه على قتال أهل مكة وأن لا يفروا عند اللقاء {إِنَّمَا يُبَايِعُونَ ٱللَّهَ} إذ هو تعالى الذي أمرهم بالجهاد وواعدهم الأجر فالعقد وإن كانت صورته مع رسول الله فإنه في الحقيقة مع الله عز وجل، ولذا قال {يَدُ ٱللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ} وقوله تعالى {فَمَن نَّكَثَ} أي نقض عهده فلم يقاتل {فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَىٰ نَفْسِهِ} {وَمَنْ أَوْفَىٰ} بمعنى وفىّ {بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ ٱللَّهَ} من نصرة الرسول والقتال تحت رايته حتى النصر {فَسَيُؤْتِيهِ} الله {أَجْراً عَظِيماً} الذي هو الجنة دار السلام. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- تقرير نبوة محمد صلى الله عليه وسلم والإِعلان عن شرفه وعلو مقامه. 2- وجوب الإِيمان بالله ورسوله ووجوب نصرة الرسول وتعظيمه صلى الله عليه وسلم. 3- وجوب تسبيح الله وهو تنزيهه عن كل ما لا يليق بجلاله وكماله مع الصلاة ليلا ونهارا. 4- وجوب الوفاء بالعهد، وحرمة نقض العهد ونكثه.

د. أسعد حومد

تفسير : {أَرْسَلْنَاكَ} {شَاهِداً} (8) - إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ يَا مُحمَّدُ شَاهِداً عَلَى الخَلْقِ فِيما أَجَابُوكَ بِه عَلَى دَعْوَتِكَ إِيَّاهُمْ للإِيمَانِ باللهِ، فَتُبَشِّر المُؤْمِنينَ الذِينَ استَجَابُوا للهِ وَلِرَسُولِهِ بِأنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ في الآخِرَةِ، والثَّوابَ الحَسَنَ، وَتُنْذِرَالمُكَذِّبينَ المُعْرِضِينَ عَمَّا دَعَوْتَهُمْ إِليهِ، بِعَذابٍ أليمٍ في نَارِ جَهَنَّمَ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : الخطاب هنا لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول له ربه تعالى: {إِنَّآ أَرْسَلْنَٰك ..} [الفتح: 8] يا محمد {شَٰهِداً ..} [الفتح: 8] أي: على أمتك وعلى مَنْ سبقك من الرسل أنهم قد بلَّغوا الرسالة، نعم شاهد عليهم بما أخبره الله به في القرآن. وفي آية أخرى قال تعالى: {أية : وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً ..}تفسير : [البقرة: 143] أي: تشهدون على الناس أنكم قد أبلغتموهم، لأن هذه الأمة ورثت الدعوة عن رسول الله وحملتها من بعده. لذلك ورد في الحديث الشريف قوْل سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : نضَّرَ الله أمرءاً سمع مقالتي فوعاها وأدَّاها إلى مَنْ لم يسمعها، فرُبَّ مُبلَّغ أوعى من سامع ". تفسير : وقوله: {وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً} [الفتح: 8] مبشراً بالخير ونذيراً بالعذاب، وقلنا: البشارة أو النذارة تكون قبل وقوع الحدث. لكن لماذا بشيراً ونذيراً؟ قال: {لِّتُؤْمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً} [الفتح: 9]. إذن: علة الإرسال لتؤمنوا بالله ورسوله {وَتُعَزِّرُوهُ ..} [الفتح: 9] تعظموه وتنصروا دينه وتُعْلوا كلمته {وَتُوَقِّرُوهُ ..} [الفتح: 9] أي: تُعظموه وتُقدرونه حقَّ قدره، لأنه سبحانه جعل لخلقه منهجاً يحرس حركة حياتهم من الطيش. فلما خلق اللهُ آدمَ وسوَّاه على صورته ونفخ فيه من روحه دبَّتْ فيه الحياة واستوى مخلوقاً كاملاً، بمعنى أنه لم يكُنْ طفلاً ثم كبر فصار شاباً فرجلاً. لا بل دبَّتْ فيه الحياة، وهو رجل كامل الرجولة، وطرأ آدم على كوْنٍ أعدَّه الله له فيه كل مُقوِّمات حياته من ماء وهواء وأرض وشمس وقمر، وبعد أنْ أعطاه قوام مادته أعطاه القيم التي هي قوام الروح. لذلك بعد أنْ مَنَّ الله عليه بروح المادة أعطاه روحاً أخرى للقيم {أية : وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا ..}تفسير : [الشورى: 52] لذلك سمَّى القرآن روحاً، وسمَّى الملَك الذي نزل به روحاً {أية : نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلأَمِينُ}تفسير : [الشعراء: 193] وخاطب الأحياء بقوله: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱسْتَجِيبُواْ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ ..}تفسير : [الأنفال: 24] فعلم أن هناك حياتين حياة المادة وحياة الروح وهي المنهج.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : أي: { إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ } أيها الرسول الكريم { شَاهِدًا } لأمتك بما فعلوه من خير وشر، وشاهدا على المقالات والمسائل، حقها وباطلها، وشاهدا لله تعالى بالوحدانية والانفراد بالكمال من كل وجه، { وَمُبَشِّرًا } من أطاعك وأطاع الله بالثواب الدنيوي والديني والأخروي، ومنذرا من عصى الله بالعقاب العاجل والآجل، ومن تمام البشارة والنذارة، بيان الأعمال والأخلاق التي يبشر بها وينذر، فهو المبين للخير والشر، والسعادة والشقاوة، والحق من الباطل، ولهذا رتب على ذلك قوله: { لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ } أي: بسبب دعوة الرسول لكم، وتعليمه لكم ما ينفعكم، أرسلناه لتقوموا بالإيمان بالله ورسوله، المستلزم ذلك لطاعتهما في جميع الأمور. { وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ } أي: تعزروا الرسول صلى الله عليه وسلم وتوقروه أي: تعظموه وتجلوه، وتقوموا بحقوقه، كما كانت له المنة العظيمة برقابكم، { وَتُسَبِّحُوهُ } أي: تسبحوا لله { بُكْرَةً وَأَصِيلا } أول النهار وآخره، فذكر الله في هذه الآية الحق المشترك بين الله وبين رسوله، وهو الإيمان بهما، والمختص بالرسول، وهو التعزير والتوقير، والمختص بالله، وهو التسبيح له والتقديس بصلاة أو غيرها.