٤٨ - ٱلْفَتْح
48 - Al-Fath (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
10
Tafseer
الرازي
تفسير : لما بيّن أنه مرسل ذكر أن من بايعه فقد بايع الله، وقوله تعالى: {يَدُ ٱللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ } يحتمل وجوهاً، وذلك أن اليد في الموضعين إما أن تكون بمعنى واحد، وإما أن تكون بمعنيين، فإن قلنا إنها بمعنى واحد، ففيه وجهان أحدهما: {يَدُ ٱللَّهِ } بمعنى نعمة الله عليهم فوق إحسانهم إلى الله كما قال تعالى: {أية : بَلِ ٱللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلأَيمَـٰنِ } تفسير : [الحجرات: 17] وثانيهما: {يَدُ ٱللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ } أي نصرته إياهم أقوى وأعلى من نصرتهم إياه، يقال: اليد لفلان، أي الغلبة والنصرة والقهر. وأما إن قلنا إنها بمعنيين، فنقول في حق الله تعالى بمعنى الحفظ، وفي حق المبايعين بمعنى الجارحة، واليد كناية عن الحفظ مأخوذ من حال المتبايعين إذا مد كل واحد منهما يده إلى صاحبه في البيع والشراء، وبينهما ثالث متوسط لا يريد أن يتفاسخا العقد من غير إتمام البيع، فيضع يده على يديهما، ويحفظ أيديهما إلى أن يتم العقد، ولا يترك أحدهما يترك يد الآخر، فوضع اليد فوق الأيدي صار سبباً للحفظ على البيعة، فقال تعالى: {يَدُ ٱللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ } يحفظهم على البيعة كما يحفظ ذلك المتوسط أيدي المتبايعين، وقوله تعالى: {فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَىٰ نَفْسِهِ } أما على قولنا المراد من اليد النعمة أو الغلبة والقوة، فلأن من نكث فوت على نفسه الإحسان الجزيل في مقابلة العمل القليل، فقد خسر ونكثه على نفسه، وأما على قولنا المراد الحفظ، فهو عائد إلى قوله {إِنَّمَا يُبَايِعُونَ ٱللَّهَ } يعني من يبايعك أيها النبي إذا نكث لا يكون نكثه عائداً إليك، لأن البيعة مع الله ولا إلى الله، لأنه لا يتضرر بشيء، فضرره لا يعود إلا إليه. قال: {وَمَنْ أَوْفَىٰ بِمَا عَـٰهَدَ عَلَيْهِ ٱللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً } وقد ذكرنا أن العظم في الأجرام، لا يقال إلا إذا اجتمع فيه الطول البالغ والعرض الواسع والسمك الغليظ، فيقال في الجبل الذي هو مرتفع، ولا اتساع لعرضه جبل عال أو مرتفع أو شاهق، فإذا انضم إليه الاتساع في الجوانب يقال عظيم، والأجر كذلك، لأن مآكل الجنة تكون من أرفع الأجناس، وتكون في غاية الكثرة، وتكون ممتدة إلى الأبد لا انقطاع لها، فحصل فيه ما يناسب أن يقال له عظيم والعظيم في حق الله تعالى إشارة إلى كماله في صفاته، كما أنه في الجسم إشارة إلى كماله في جهاته.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى:{إِنَّ ٱلَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ} بالحديبية يا محمد. {إِنَّمَا يُبَايِعُونَ ٱللَّهَ} بيّن أن بيعتهم لنبيّه صلى الله عليه وسلم إنما هي بيعة الله؛ كما قال تعالى: {أية : مَّنْ يُطِعِ ٱلرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ ٱللَّهَ}تفسير : [النساء: 80]. وهذه المبايعة هي بيعة الرضوان؛ على ما يأتي بيانها في هذه السورة إن شاء الله تعالى. {يَدُ ٱللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ} قيل: يده في الثواب فوق أيديهم في الوفاء، ويده في المِنّة عليهم بالهداية فوق أيديهم في الطاعة. وقال الكلبيّ: معناه نعمة الله عليهم فوق ما صنعوا من البَيعة. وقال ابن كَيْسان: قوّة الله ونصرته فوق قوّتهم ونصرتهم. {فَمَن نَّكَثَ} بعد البيعة. {فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَىٰ نَفْسِهِ} أي يرجع ضرر النكث عليه؛ لأنه حَرَمَ نفسَه الثواب وألزمها العقاب. {وَمَنْ أَوْفَىٰ بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهِ ٱللَّهَ} قيل في البيعة. وقيل في إيمانه. {فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً} يعني في الجنة. وقرأ حفص والزهريّ «عليهُ» بضم الهاء. وجرّها الباقون. وقرأ نافع وابن كثير وابن عامر «فَسَنُوْتِيهِ» بالنون. وٱختاره الفرّاء وأبو معاذ. وقرأ الباقون بالياء. وهو ٱختيار أبي عبيد وأبي حاتم؛ لقرب ٱسم الله منه.
المحلي و السيوطي
تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ } بيعة الرضوان بالحديبية {إِنَّمَا يُبَايِعُونَ ٱللَّهَ } هو نحو{أية : مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ }تفسير : [80:4]{يَدُ ٱللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ } التي بايعوا بها النبي أي هو تعالى مطلع على مبايعتهم فيجازيهم عليها {فَمَن نَّكَثَ } نقض البيعة {فَإِنَّمَا يَنكُثُ } يرجع وبال نقضه {عَلَىٰ نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَىٰ بِمَا عَٰهَدَ عَلَيْهِ ٱللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ } بالياء والنون {أَجْراً عَظِيماً }.
ابن عبد السلام
تفسير : {يُبَايِعُونَكَ} بيعة الرضوان {إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ} لأن بيعة نبيه طاعة له. سميت بيعة تشبيهاً بالبيع، أو لأنهم باعوا أنفسهم بالجنة {يَدُ اللَّهِ} عقده في هذه البيعة فوق عقودهم، أو قوته في نصرة النبي فوق قوتهم، أو ملكه فوق ملكهم لأنفسهم، أو يده بالمنة في هدايتهم فوق أيديهم في طاعتهم، أو يده عليهم في فعل الخير بهم فوق أيديهم في بيعتهم {نَّكَثَ} نقض العهد عند الجمهور، أو كفر {عَاهَدَ عَلَيْهُ} في البيعة، أو الإيمان.
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ}: يريد في بيعة الرضوان، وهي بيعة الشجرة، حين أخذ رسول اللَّه ـــ صلى الله عليه وسلم ـــ الأهبة لقتال قريش، لِمَا بَلَغَهُ قتل عثمانَ بن عفانَ، رسولِهِ إليهم، وذلك قبل أن ينصرفَ من الحُدَيْبِيَّةِ، وكان في ألف وأربعمائة، وبايعهم ـــ صلى الله عليه وسلم ـــ على الصبر المتناهي في قتال العَدُوّ إلى أقصى الجهد حتى قال سَلَمَةُ بن الأكوع وغيره: بايعنا رسولَ اللَّه ـــ صلى الله عليه وسلم ـــ على الموت، وقال عبد اللَّه بن عمر، وجابر بن عبد اللَّه: بايعنا رسول اللَّه ـــ صلى الله عليه وسلم ـــ على أَلاَّ نَفِرّ، والمبايعة في هذه الآية مُفَاعَلَةٌ من البيع؛ لأنَّ اللَّه تعالى اشترى منهم أنفسهم وأموالهم بأَنَّ لهم الجنة، ومعنى {إِنَّمَا يُبَايِعُونَ ٱللَّهَ} أَنَّ صفقتهم إنما يمضيها ويمنح الثمن اللَّه تعالى. * ت *: وهذا تفسير لا يَمَسُّ الآية، ولا بُدَّ، وقال الثعلبيُّ: «إنما يبايعون اللَّه» أي: أخذك البيعة عليهم عقد اللَّه عليهم، انتهى، وهذا تفسير حسن. وقوله تعالى: {يَدُ ٱللَّهِ} قال جمهور المتأولين: اليد بمعنى النعمة، إذْ نعمة اللَّه في نفس هذه المبايعة لما يستقبل من محاسنها «فَوْقَ أَيْدِيهِمْ»: التي مَدُّوها لبيعتك، وقيل: المعنى: قُوَّةُ اللَّه فوقَ قُوَاهُمْ في نصرك. * ت *: وقال الثعلبيُّ: «يد اللَّه فوق أيديهم» أي: بالوفاء والعهد، وقيل: بالثواب، وقيل: «يد اللَّه»: في المِنَّةِ عليهم «فوق أيديهم»: في الطاعة عند المبايعة، وهذا حَسَنٌ قريب من الأول. وقوله تعالى: {فَمَن نَّكَثَ} أي: فَمَنْ نقض هذا العهد، فإنما يجني على نفسه ومَنْ أَوفى بما عاهد عليه اللَّهَ فسنؤتيه أجراً عظيماً، وهو الجنة.
السيوطي
تفسير : أخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله {إن الذين يبايعونك} قال: يوم الحديبية. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه {إن الذين يبايعونك} قال: هم الذين بايعوه زمن الحديبية. وأخرج ابن مردويه عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر عن أبيه عن جده رضي الله عنه قال: كانت بيعة النبي صلى الله عليه وسلم حين أنزل عليه {إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله} الآية فكانت بيعة النبي صلى الله عليه وسلم التي بايع عليها الناس البيعة لله والطاعة للحق. وكانت بيعة أبي بكر رضي الله عنه بايعوني ما أطعت الله، فإذا عصيته فلا طاعة لي عليكم. وكانت بيعة عمر بن الخطاب رضي الله عنه البيعة لله والطاعة للحق. وكانت بيعة عثمان بن عفان رضي الله عنه البيعة لله والطاعة للحق. وأخرج عبد بن حميد عن الحكم بن الأعرج رضي الله عنه {يد الله فوق أيديهم} قال: أن لا يفروا. وأخرج أحمد وابن مردويه عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في النشاط والكسل، وعلى النفقة في العسر واليسر، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعلى أن نقول في الله لا تأخذنا في الله لومة لائم، وعلى أن ننصره إذا قدم علينا يثرب، فنمنعه مما نمنع منه أنفسنا وأزواجنا وأبناءنا، ولنا الجنة، فمن وفى وفى الله له، ومن نكث فإنما ينكث على نفسه.
التستري
تفسير : قوله: {يَدُ ٱللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ}[10] قال: أي حول الله وقوته فوق قوتهم وحركتهم، وهو قولهم للرسول صلى الله عليه وسلم عند البيعة: "بايعناك على أن لا نفر ونقاتل لك". وفيها وجه آخر: {يَدُ ٱللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ}[10] أي منة الله عليهم في الهداية لبيعتهم وثوابه لهم فوق بيعتهم وطاعتهم لك.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ ٱللَّهَ} [الآية: 10]. قال الواسطى رحمة الله عليه: أخبر الله تعالى بقوله: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ ٱللَّهَ} إن البشرية فى نبيه عادية، وإضافة دون الحقيقة. قال أيضاً: أظهرت النعوت فى محمد صلى الله عليه وسلم فقال: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ ٱللَّهَ}. سمعت أبا القاسم النصرآباذى يقول: فى وقت الاستنفار إلى الروم قد ظهرت صفة البيعة فهل من راغب فيها بيعه بلا واسطة {إِنَّ ٱلَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ ٱللَّهَ}. قوله تعالى: {يَدُ ٱللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ} [الآية: 10]. قال بعضهم: حول الله وقوته فوق قوتهم وحركتهم.
القشيري
تفسير : قوله جلّ ذكره: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ ٱللَّهَ}. وهذه البيعة هي بيعة الرضوان بالحديبية تحت سَمُرَة. وذلك أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعث عثمانَ رضي الله عنه إلى قريش ليُكلِّمَهم فأرجفوا بقَتْلِه. وأتى عروة بن مسعود إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال: جئتَ بأوشاب الناس لتفضَّ بَيْضَتَكَ بيدك، وقد استعدت قريش لقتالك، وكانِّي بأصحابك قد انكشفوا عنك إذا مسَّهم حرُّ السلاح! فقال أبو بكر: أتظن أنَّا نسلم رسولَ الله صلى الله عليه وسلم؟ فبايعهم النبيُّ صلى الله عليه وسلم على ان يُقاتِلوا وألا يهربوا، فأنزل الله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ ٱللَّهَ}: أي عقْدُك عليهم هو عقد الله. قوله جلّ ذكره: {يَدُ ٱللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ}. أي {يَدُ ٱللَّهِ}: في المنة عليهم بالتوفيق والهداية: {فَوْقَ أَيْدِيهِمْ} بالوفاء حين بايعوك. ويقال: قدرة الله وقوته في نصرة دينه ونصرة نبيِّه صلى الله عليه وسلم فوقَ نَصْرِهم لدين الله ولرسوله. وفي هذه الآية تصريحٌ بعين الجمع كما قال: {أية : وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ}تفسير : [الأنفال: 17]. قوله جلّ ذكره: {فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَىٰ نَفْسِهِ}. أي عذابُ النكثِ عائدٌ عليه. قوله جلّ ذكره: {وَمَنْ أَوْفَىٰ بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ ٱللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً}. أي من قام بما عاهد الله عليه على التمام فسيؤتيه أجراً عظيماً. وإذا كان العبد بوصف إخلاصِه، يعامِل اللَّهَ في شيءٍ هو به متحقِّقٌ، وله بقلبه شاهدٌ فإنَّ الوسائطَ التي تُظْهِرُها أماراتُ التعريفاتِ تجعله محواً في أسرارِه.. والحكم عندئذ راجعٌ.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {إِنَّ ٱلَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ ٱللَّهَ} ذكرت تحقيق هذه الأية فى قوله لتومنوا بالله ورسوله وصرّح الله ما ذكرنا فى هذه الأية حيث بين امر عين الجمع وقام الالتباس وظهور العين وظهور يجمع الجمع حين جعل نبيّه مرأة لظهور ذاته وصفاته وهو مقام الاتصاف والاتحاد بدأ نور الذات فى نور الصفات وبدأ نور الذات والصفات فى نور الفعل فصار هو هو اذ غاب الفعل فى الصفة وغاب الصفة فى الذات ومن هههنا ادعى الحلاج قدس الله روحه حيث قال انا الحق وقال سلطان العارفين ايضا من هاهنا سبحانى سبحانى وقال ابو سعيد بن ابى الخير ليس فى الجنة غير الله وانه الشبلى فى هذا المعنى شعر : تباركت خطراتى فى تعالاتى فلا اله اذا انكرت والاتى تفسير : قال الواسطى اخبر الله تعالى بقوله ان الذين يبايعونك انما يبايعون الله ان البشرية فى نبيه صلى الله عليه وسلم عارية واضافه دون الحقيقة وقال اظهر النعوت فى محمد صلى الله عليه وسلم فقال ان الذين الأية وقال الحسين لو يظهر الحق تعالى مقام الجمع على احد بالتصريح الا على اخص اسمه واشرفه فقال ان الذين يبايعونك انما يبايعون الله اسقط الوسائط عنه تحقيق الحقائق فابقى رسومها وقطع حقائقها فمن بلغ النبى صلى الله عليه وسلم بايع الله على الحقيقة فان تلك بيعة الله لان يده فى ذلك البيعة عارية قال القاسم النصر ابادى فى وقت الاستقرائات الروم ها قد ظهرت صفة له البيعة فهل من راغب فيها بيعة بلا واسطة ان الذين يبايعونك الخ قوله تعالى {يَدُ ٱللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ} زيادة التصريح فى مقام عين الجمع ورسمه ان سنته القديمة غالبة على علل العبودية قال بعضهم منه الله عليهم فى الهداية الى هذه البيعة اعظم عليهم من بيعتهم قال الشبلى فى هذه الأية من صحت احواله واستقامت افعاله اخبر الله عنه بعبارة الجمع كما عبرّ عن المصطفى صلى الله عليه وسلم حين استقام مع الحق فى كل اوصافه اخبر الله ان بيعته بيعة الحق وطاعته طاعة الحق فقال ان الذين يبايعونك الأية قال الاستاذ فى هذه الأية تصريح بعين الجمع كما قال وما رميت اذ رميت ولكن الله رمى.
اسماعيل حقي
تفسير : {ان الذين يبايعونك} المبايعة باكسى بيع ويا بيعت وعهد كردن اى يعاهدونك على قتال قريش تحت الشجرة وبالفارسية بدرستى كه آنانكه بيعت ميكنند باتودر حديبية سميت المعاهدة مبايعة تشبيها بالمعاوضة المالية اى مبادلة لمال بالمال فى اشتمال كل واحد منهما على معنى المبادلة فهم التزموا طاعة النبى عليه السلام والثبات على محاربة المشركين والنبى عليه السلام وعدلهم بالثواب ورضى الله تعالى قال بعض الانصار عند بيعة العقبة تكلم يا رسول الله فخذ لنفسك ولربك ما أحببت فقال عليه السلام "حديث : أشترط لربى ان تعبدوه ولا تشركوا به شيئا ولنفسى أن تمنعونى ومما تمنعون منه انفسكم وابناءكم ونساءكم"تفسير : فقال ابن رواحة رضى الله عنه فاذا فعلنا فما لنا فقال "حديث : لكم الجنة"تفسير : قالوا ربح البيع لا نقيل ولا نستقيل {انما يبايعون الله} يعنى ان من بايعك بمنزلة من بايع الله كأنهم باعوا انفسهم من الله بالجنة كما قال تعالى {أية : ان الله اشترى من المؤمنين انفسهم واموالهم بأن لهم الجنة}تفسير : وذلك لان المقصود ببيعة رسوله هو وجه الله وتوثيق العهد بمراعاة او امره ونواهيه قال ابن الشيخ لما كان الثواب انما يصل اليهم من قبله تعالى كان المقصود بالمبايعة منه عليه السلام المبايعة مع الله وانه عليه السلام انما هو سفير ومعبر عنه تعالى وبهذا الاعتبار صاروا كأنهم يبايعون الله وبالفارسية جزين نيست كه بيعت ميكنند باخداى جه مقصود بيعت اوست وبراى طلب رضاى اوسث. قال سعدى المفتى الظاهر والله اعلم ان المعنى على التشبيه اى كأنهم يبايعون الله وكذا الحال فى قوله {يد الله فوق ايديهم} اى كأن يد الله حين المبايعة فوق ايديهم حذف اداة التشبيه للمبالغة فى التأكيد وذكر اليد لاخذهم بيد رسول الله حين البيعة على ما هو عادة العرب عند المعاهدة والمعاقدة وفيه تشريف عظيم ليد رسول الله التى تعلو أيدى المؤمنين المبايعين حيث عبر عنها بيد الله كما ان وضعه عليه السلام يده اليمنى على يده اليسرى لبيعة عثمان رضى الله عنه تفخيم لشأن عثمان حيث وضعت يد رسول الله موضع يده ولم ينل تلك الدولة العظمى احد من الاصحاب فكانت غيبته رضى الله عنه فى تلك الوقعة خيرا له من الحضور وقال بعضهم فيه استعارة تخييلية لتنزهه تعالى عن الجارحة وعن سائر صفات الاجسام فلفظ الله فى يد الله استعارة بالكناية عن مبايع من الذين يبايعون بالايدى ولفظ اليد استعارة تخييلية اريد به الصورة المنتزعة الشبيهة باليد مع ان ذكر اليد فى حقه تعالى لاجتماعه مع ذكر الايدى فى حق الناس مشاكلة ازداد بها حسن التخييلية ثم ان قوله {يد الله فوق ايديهم} على كل من القولين تأكيد لما قبله والمقصود تقرير أن عقد الميثاق مع الرسول كعقده مع الله من غير تفاوت بينهما وحقيقته ان الله تعالى لو كان من شأنه التمثيل فتمثل للناس لفعل معه عين ما فعل مع نبيه من غير فرق فكان العقد مع النبى صورة العقد مع الله بل حقيقته كما ستجيء الاشارة اليه وقال الراغب فى المفردات يقال فلان يد فلان اى وليه وناصره ويقال لاولياء الله هم ايدى الله وعلى هذا الوجه قال الله تعالى {ان الذين يبايعونك} الآية ويؤيد ذلك ما روى "حديث : لا يزال العبد يتقرب الى بالنوافل حتى احبه فاذا احببته كنت سمعه الذى يسمع به ويده التى يبطش بها"تفسير : انتهى فيكون المعنى قوة الله ونصرته فوق قوتهم ونصرتهم كأنه قيل ثق يا محمد بنصرة الله لك لا بنصرة اصحابك ومبايعتهم على النصرة والثبات وقال بعضهم اليد فى الموضعين بمعنى الاحسان والصنيعة فالمعنى نعمة الله عليهم فى الهداية الى الايمان والى بيعة الرضوان فوق ما صنعوا من البيعة كقوله تعالى {أية : بل الله يمن عليكم أن هداكم للايمان}تفسير : وقال السدى يأخذون بيد رسول الله ويبايعونه ويد الله اى حفظ تلك المبايعة عن الانتقاض والبطلان فوق ايديهم كما ان احد المتبايعين اذا مد يده الى الآخر لعقد البيع يتوسط بينهما ثالث فيضع يده على يديهما ويحفظ يديهما الى أن يتم العقد لا يترك واحدا منهما ان يقبض يده الى نفسه ويتفرق عن صاحبه قبل انعقاد البيع فيكون وضع الثالث يده على يديهما سببا لحفظ البيعة فلذلك قال تعالى {يد الله فوق ايديهم} يحفظهم ويمنعهم عن ترك البيعة كما يحفظ المتوسط ايدى المتبايعين وقال اهل الحقيقة هذه الآية كقوله تعالى {أية : من يطع الرسول فقد اطاع الله}تفسير : فالنبى عليه السلام قد فنى عن وجوده بالكلية وتحقق بالله فى ذاته وصفاته وافعاله فكل ما صدر عنه صدر عن الله فمبايعته مبايعة الله كما ان اطاعته اطاعة الله سلمى قدس سره فرموده كه اين سخن درمقام جمعست وحق سبحانه مرتبة جمع را براى هيج كس تصريح نكرده الا براى آنكه اخص واشرف موجوداتست. ولهذا السر يقول عليه السلام يوم القيامة "حديث : امتى امتى دون نفسى نفسى"تفسير : لانه لم يبق فيه بقية الوجود اصلا وفيه اسوة حسنة للكمل من افراد امته فاعرف جدا فمعنى {يد الله فوق ايديهم} اى قدرته الظاهرة فى صورة قدرة النبى عليه السلام فوق قدرتهم الظاهرة فى صور ايديهم لانه مظهر الاسم الاعظم المحيط الجامع وكل الاسماء تحت حيطة هذا الاسم الجليل فيدالنبى عليه السلام مع غيره كيد السلطان مع ما سواه وهو أى قوله {يد الله فوق ايديهم} زيادة التصريح فى مقام عين الجمع لحصول هذا المعنى الاطلاقى مما قبله والحاصل ان الله تعالى جعل نبيه صلى الله عليه وسلم مظهرا لكمالاته ومرءآة لتجلياته ولذا قال عليه السلام "حديث : من رآنى فقد رأى الحق"تفسير : ولما فنى عليه السلام عن ذاته وصفاته و أفعاله كان تائبا عن الحق فى ذاته وصفاته وأفعاله كما قيل (ع) نائبست ودست اودست خداى. وفى هذا المقام قال الحلاج انا الحق وابو يزيد سبحانى سبحانى ما اعظم شانى وابو سعيد الخراز ليس فى الجبة غير الله قال الواسطى اخبر الله بهذه الآية ان البشرية في نبيه عارية واضافة لا حقيقة يعنى فظاهره مخلوق وباطنه حق ولذا يجوز السجدة لباطنه دون ظاهره اذ ظاهره من عالم التقييد وباطنه من عالم الاطلاق واذا كانت الصلاة جائزة على الموتى فما ظنك بالاحياء فاعرف جداً فانه انما جازت الصلاة على الموتى لاشتمالهم على حصة من الحقيقة المحمدية الجامعة الكلية {فمن نكث} النكث نقض نحو الحبل والغزل استعير لنقض العهداى فمن نقض عهده وبيعته وأزال ابرامه واحكامه {فانما ينكث على نفسه} فانما يعود ضرر نكثه على نفسه لان الناكث هو لا غير {ومن اوفى بما عاهد عليه الله} بضم الهاء فانه ابقى بعد حذف الو او اذ اصله هو توسلا بذلك الى تفخيم لام الجلالة اى ومن اوفى بعهده وثبت عليه واتمه {فسيؤتيه أجرا عظيما} هى الجنة وما فيها من رضوان الله العظيم والنظر الى جماله الكريم ويحتمل ان يراد بنكث العهد ما يتناول عدم مباشرته ابتدآء ونقضه بعد انعقاده لما روى عن جابر رضى الله عنه انه قال بايعنا رسول الله بيعة الرضوان تحت الشجرة على الموت وعلى ان لا نفر فما نكث احد منا البيعة الاجد بن قيس وكان منافقا اختبأ تحت ابط بعيره ولم يسر مع القوم اى الى المبايعة حين دعوا اليها. در موضح آورده كه سه جيز راجع باهل آن ميشوديكى مكركه ولا يحيق المكر السيئ الا بأهله دوم ستم كه انما بغيكم على انفسكم سيوم نقض عهدكه فمن نكث غلى نفسه و درعهدوبيمان كفته اند. بيمان مشكن كه هر كه بيمان بشكست. ازباى درافناد وبرون رفت زدست. آنراكه بدردست بودبيمان الست. نشكسته بهيج حال هرعهدكه بست (كما قال الحافظ) ازدم صبح ازل تا آخر شام ابد. دوستى و مهر بريك عهد ويك ميثاق بود (وقال) بيمان شكن هر آينه كردد شكسته حال. ان العهود لدى اهل النهى ذمم. قال بعض الكبار هذه البيعة نتيجة العهد السابق المأخوذ على العباد فى بدء الفطرة فيضرهم النكث وينفعهم الوفاء قال الشيخ اسمعيل بن سودكين فى شرح التجليات الاكبرية قدس الله سرهما المبايعون ثلاثة الرسل والشيوخ الورثة والسلاطين والمبايع فى هؤلاء الثلاثة على الحقيقة واحد وهو الله تعالى وهؤلاء الثلاثة شهود الله تعالى على بيعة هؤلاء الاتباع وعلى هؤلاء الثلاثة شروط يجمعها القيام بأمر الله وعلى الاتباع الذين بايعوهم شروط يجمعها المتابعة فيما امروا به فاما الرسل والشيوخ فلا يأمرون بمعصية اصلا فان الرسل معصومون من هذا والشيوخ محفوظون واما السلاطين فمن لحق منهم بالشيوح كان محفوظا والا كان مخذولا وما هذا فلا يطاع فى معصية والبيعة لازمة حتى يلقوا الله تعالى ومن نكث الاتباع من هؤلاء فحسبه جهنم خالدا فيها لا يكلمه الله ولا ينظر اليه وله عذاب أليم هذا كما قال ابو سليمان الدارانى قدس سره هذا حظه فى الآخرة واما فى الدنيا فقد قال ابو يزيد البسطامى قدس سره فى حق تلميذه لما خالفه دعوا من سقط من عين الله فرؤى بعد ذلك مع المخنثين و سرق فقطعت يده هذا لما نكث اين هو ممن وفى بيعته مثل تلميذ الدارانى قيل له ألق نفسك فى التنور فألقى نفسه فيه فعاد عليه بردا وسلاما هذه نتيجة الوفاء انتهى. يقول الفقير ثبت بهذه الآية سنة المبايعة واخذ التلقين من المشايخ الكبار وهم الذين جعلهم الله قطب ارشاد بأن اوصلهم الى التجلى العينى بعد التجلى العلمى اذ لا فائدة فى مبايعة الناقصين المحجبين لعدم اقتدارهم على الارشاد والتسليك وعن شداد بن اوس وعبادة بن الصامت رضى الله عنهما قالا كنا عند رسول الله عليه السلام فقال "حديث : هل فيكم غريب"تفسير : يعني اهل كتاب قلنا لا يا رسول الله فأمر بغلق الباب فقال "حديث : ارفعوا ايديكم فقولوا لا اله الا الله"تفسير : فرفعنا ايدينا ساعة ثم وضع رسول الله يده ثم قال "حديث : الحمد لله اللهم انك بعثتنى بهذه الكلمة وامرتنى بها ووعدتنى عليها الجنة انك لا تخلف الميعاد"تفسير : ثم قال "حديث : أبشروا فان الله قد غفر لكم"تفسير : كما فى ترويح القلوب لعبد الرحمن البسطامى قدس سره وعن عبد الرحمن بن عوف بن مالك الاشجعى رضى الله عنه قال كنا عند رسول الله تسعة او ثمانية او سبعة فقال "حديث : الا تبايعون رسول الله"تفسير : وكنا حديثى عهد ببيعته فقلنا قد بايعناك يا رسول الله قال "حديث : الا تبايعون رسول الله"تفسير : فبسطنا ايدينا وقلنا على مم نبايعك قال "حديث : أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وتقيموا الصلوات الخمس وتطيعوا"تفسير : واسر كلمة خفية "حديث : ولا تسألوا الناس ولقد رأيت بعض اولئك النفر يسقط سوط احدهم فلا يسأل احدا يناوله اياه" تفسير : رواه مسلم والترمذى والنسائى كما فى الترغيب والترهيب للامام المنذرى رحمه الله وعن عبادة بن الصامت قال اخبرنى ابى عن ابيه قال بايعنا رسول الله على السمع والطاعة فى العسر واليسر والمنشط والمكره وان لا ننازع الامر اهله وان نقول بالحق حيث كنا ولا نخاف فى الله لومة لائم كما فى عوارف المعارف للسهرور دى قدس سره وقوله وان لا ننازع الامر اهله اى اذا فوض امر من الامور الى من هو اهل لذلك الامر لا ننازع فيه ونسلم ذلك الامر له وقوله حيث كنا اى عند الصديق والعدو والاقارب والاباعد كما فى حواشى زين الدين الحافى رحمه الله واخذ من التقرير المذكور أخذ اليد فى المبايعة وذلك بالنسبة الى الرجال دون النساء لما روى ان النساء اجتمعن عند النبى عليه السلام وطلبن ان يعاهدهن باليد فقال "حديث : لا تمس يدى يد المرأة ولكن قولى لامرأة واحدة كقولى لمائة امرأة"تفسير : فبايعهن بالكلام ثم طلبن منه البركة فوضع يده الشريفة فى الماء ودفعه اليهن فوضعن ايديهن فيه كذا ذكره الشيخ عبد العزيز الديرينى فى الروضة الاليفة وكذا فى ترجمة الفتوحات حيث قال ورسول عليه السلام وفات كرد ودست او بهيج زن نا محرم نرسيد وبازنان مبايعة بسخن مى كرد وقول اوبايك زن جنان بودكه باهمه انتهى وقال فى انسان العيون بايعه عليه السلام ليلة العقبة الثانية السبعون رجلا وبايعه المرأتان من غير مصافحة لانه صلى الله عليه وسلم كان لا يصافح النساء انما كان يأخذ عليهن فاذا احرزن قال "حديث : اذهبن فقد بايعتكن"تفسير : انتهى وفى الاحياء ويجب منع النساء من حضور المساجد للصلاة ولمجالس الذكر اذا خيفت الفتنة اذ منعتهن عائشة رضى الله عنها فقيل لها ان رسول الله ما منعن من الجماعات فقالت لو علم رسول الله ما أحدثن بعده لمنعهن انتهى فحضورهن مجالس الوعظ والذكر من غير حائل يمنع من النظر اذا كان محظورا منكرا فكيف مس ايديهن كما فى مشيخة هذا الزمان ومبتدعته وربما يمسون المسك لاجل النساء اللاتى يحضرن مجالسهم ويبايعنهم كما سمعناه من الثقات والعياذ بالله تعالى ولنعد الى تحرير المقام قال ابو يزيد البسطامى قدس سره من لم يكن له استاذ فأمامه الشيطان وحكى الاستاذ ابو القاسم القشيرى عن شيخه ابى على الدقاق قدس سرهما انه قال الشجرة اذا نبتت بنفسها من غير غارس فانها تتورق ولا تثمر وهو كما قال ويجوز أنها تثمر كالاشجار التى فى الاودية والجبال ولكن لا يكون لفاكهتها طعم فاكهة البساتين والغرس اذا نقل من موضع الى موضع آخر يكون احسن واكثر ثمرة لدخول التصرف فيه وقد اعتبر الشرع وجود التعليم فى الكلب المعلم وأحل ما يقتله بخلاف غير المعلم وسمعت كثيرا من المشايخ يقولون من لم ير مفلحا لا يفلح ولنا فى رسول الله اسوة حسنة فأصحاب رسول الله تلقوا العلوم والآداب من رسول الله كما روى عن بعض الصحابة علمنا رسول الله كل شئ حتى الخراءة بكسر الخاء المعجمة يعنى قضاء الحاجة فلا بد لطالب الحق من اديب كامل واستاذ حاذق يبصره بآفات النفوس وفساد الاعمال ومداخل العدو فاذا وجد مثل هذا فليلازمه وليصحبه وليتأدب بآدابه ليسرى من باطنه الى باطنه حال قوى كسراج يقتبس من سراج ولينسلخ من ارادة نفسه بالكلية فان التسليم له تسليم لله ولرسوله لان سلسلة التسليم تنتهى الى رسول الله والى الله (فى المثنوى) كفت طوبى من رآنى مصطفى. والذى يبصر لمن وجهى رأى. جون جراغى نور شمعى راكشيده هركه ديدانرا يقين آن شمع ديد. همجنين قاصد جراغ ارنقل شد. ديدن آخر لقاى اصل شد. خواه نوراز وابسين بستان بجان. هيج فرقى نيست خواه ازشمعدان. وفى الحديث "حديث : الحجر الاسود يمين الله فى ارضه فمن لم يدرك بيعة رسول الله فمسح الحجر فقد بايع الله ورسوله"تفسير : وفى رواية "حديث : الركن يمين الله فى الارض يصافح بها عباده كما يصافح احدكم اخاه"تفسير : قال السخاوى معنى الحديث ان كل ملك اذا قدم عليه قبلت يمينه ولما كان الحاج والمعتمر يتعين لهما تقبيله نزل منزلة يمين الملك ويده ولله المثل الاعلى وكذلك من صافحه كان له عند الله عهد كما ان الملك يعطى الهدية والعهد بالمصافحة انتهى. يقول الفقير لا شك ان الكعبة عند اهل الحقيقة اشارة الى مرتبة الذات الاحدية والذات الاحدية قد تجلت لرسول الله صلى الله عليه وسلم بجميع اسمائها وصفاتها فكانت الكعبة صورة رسول الله والحجر الاسود صورة يده الكريمة واما حقيقة سر الكعبة والحجر فذاته الشريفة ويمينه المباركة ومن هنا نعرف ان الانسان الكامل افضل من الكعبة وكذا يده اولى من الحجر ولما انتقل النبى عليه السلام خلفه ورثته بعده فهم مظاهر هذين السرين فلا بد من تقبيل الحجر فى الشريعة ومن تقبيل يد الانسان الكامل فى الحقيقة فانه المبايعة الحقيقة فانها عين المبايعة مع الله ورسوله ثم اذا وقعت المبايعة للمبايع فى ذلك او ان ارتضاع وزمان انفطام فلا يفارق من بايعه الا بعد حصول المقصود بأن ينفتح له باب الفهم من الله ومتى فارق قبل او ان انفطام يناله من الاعلال فى الطريق بالرجوع الى الدنيا ومتابعة الهوى ما ينال المفطوم لغير اوانه فى الولادة الطبيعية وكذا الحال فى العلم الظاهر فانه لا بد فيه من التكميل ثم الاذن من الاستاذ للتدريس قال فى الاشباه لما جلس ابو يوسف للتدريس من غير اعلام ابى حنيفة ارسل اليه ابو حنيفة رجلا فسأله عن مسائل خمس. الاولى قصار جحد الثوب ثم جاء به مقصورا هل يستحق الاجر او لا فأجاب ابو يوسف يستحق الاجر فقال له الرجل اخطأت فقال لا يستحق فقال اخطأت ثم قال له الرجل ان كانت القصارة قبل الجحود استحق والا لا. الثانية هل الدخول فى الصلاة بالفرض او بالسنة فقال بالفرض فقال اخطأت فقال بالسنة فقال اخطأت فتحير ابو يوسف فقال الرجل بهما لان التكبير فرض ورفع اليدين سنة. الثالثة طير سقط فى قدر على النار فيه لحم ومرق هل يؤكلان او لا فقال يؤكلان فخطأه فقال لا يؤكلان فخطأه ثم قال ان كان اللحم مطبوخا قبل سقوط الطير يغسل ثلاثا ويؤكل وترمى المرقة والا يرمى الكل. الرابعة مسلم له زوجة ذمية ماتت وهى حامل منه تدفن فى اى المقابر فقال ابو يوسف فى مقابر المسلمين فخطأه فقال فى مقابر اهل الذمة فخطأه فتحير فقال تدفن فى مقابر اليهود ولكن يحول وجهها عن القبلة حتى يكون وجه الولد الى القبلة لان الولد فى البطن يكون وجهه الى ظهر أمه. الخامسة ام ولد لرجل تزوجت بغير اذن مولاها فمات المولى هل تجب العدة من المولى فقال تجب فخطأه فقال لا تجب فخطأه ثم قال الرجل ان كان الزوج دخل بها لا تجب والا وجبت فعلم ابو يوسف تقصيره فعاد الى ابى حنيفة فقال تزببت قبل ان تحصرم (قال الشيخ سعدى) يكى درضعت كشتى كيرى بسر آمده يود وسيصد وشصت بند فاخر درين علم بدانستى وهر روز بنوعى كشتى كرفتى مكر كوشة خاطرش باجمال بكى از شاكردان ميل داشت سيصدو بنجاهو نه بند اورا آموخت مكر يك بندكه در تعليم آن دفع انداختى وتهاون كردى فى الجملة بسر درقوت وضعت بسر آمد وكسى را با او مجال مقاومت نماند تابحدى كه بيش ملك كفت استادرا فضيلتى كه برمنست ازروى بزركيست وحق تر بيت وكرنه بقوت ازوكمتر نيستم وبضعت بالوبرابر ملك را اين سخن بسنديده نيامد بفرمود تامصارعه كنند مقامى متسع ترتيب كردند واركان دولت واعيان حضرت وزور آوران آن اقليم حاضر شدند بسر جون بيل مست در آمد بصد متى كه اكركوه آهنين بودى ازجاى بركندى استاد دانست كه جوان ازو بقوت برترست بدان بند غريب كه ازونهان داشته بود بر اودر آويخت وبدودست بر كرفت اززمين بر بالاى سر بردو بر زمين زدغريو ازخلق برخاست ملك فرمود تا استادرا خلعت ونعمت بى قياس دادندو بسررا زجرو ملامت كردكه بايرورندة خويش دعوى مقاومت كردى وبسر نبردى كفت اى خداوند مرا بزور دست ظفر نيافت بلكه ازعلم كشتى دقيقة مانده بودكه زمن دريغ همى داشت امر وزبدان دقيقه برمن دست يافت استاد كفت ازبهر جنين روزنهان داشتم فعلم ان التلميذ لا يبلغ درجة استاذه فى زمانه فللاستاذ العلو من كل وجه. مريدان بقوت زطفلان كمند. مشايخ جو ديوار مستحكمند. قال فى كشف النور عن اصحاب القبور واما هذا الزى المخصوص الذى اتخذه كل فريق من الصوفية كلبس المرقعات ومثازر الصوف والميلويات فهو امر قصدوا به التبرك بمشايخهم الماضية فلا ينهون عنه ولا يؤمرون به فان غالب ملابس هذا الزمان من هذا القيل كالعمائم التى اتخذها الفقهاء والمحدثون والعمائم التى اتخذها العساكر والجنود والملابس التى يتخذها عوام الناس وخواصهم فانها جميعها مباحة وليس فيها شئ يوافق السنة الا القليل ولا نقول انها بدعة ايضا لان البدعة هى الفعلة المخترعة فى الدين على خلاف ما كان عليه النبى عليه السلام وكانت عليه الصحابة والتابعون رضى الله عنهم وهذه الهيئات والملابس والعمائم ليست مبتدعة فى الدين بل هى مبتدعة فى العادة ولا هى مخالفة للسنة ايضا على حسب ماعرف الفقهاء السنة بانها كل فعلة فعلها النبى عليه السلام على وجه العادة لا العبادة ولم يكن النبى عليه السلام يلبس العمامة على سبيل العبادة ولا يلبس الثياب المخصوصة على طريق العادة وانما القصد بذلك ستر العورة ودفع اذية الحر والبرد ولهذا ورد عنه لبس الصوف والقطن وغير ذلك من الثياب العالية والسافلة فليس مخالفته فى ذلك لمخالفة سنة وان كان الاتباع فى جميع ذلك افضل لانه مستحب انتهى قال فى العوارف لبس الخرقة اى من يد الشيخ علامة التفويض والتسليم ودخوله فى حكم الشيخ دخوله فى حكم الله تعالى وحكم رسوله عليه السلام واحياء سنة المبايعة مع رسول الله قالت ام خالد أتى النبى عليه السلام بثياب فيها خميصة سودآء صغيرة وهى كساء اسود مربع له علمان فان لم يكن معلما فليس بخميصة فقال عليه السلام "حديث : من ترون اكسو هذه"تفسير : فكست القوم فقال عليه السلام "حديث : ائتونى بام خالد"تفسير : قالت فأتى بى فألبسنيها بيده فقال "حديث : ابلى واخلقى"تفسير : يقولها مرتين وجعل ينظر الى علم فى الخميصة اصفر واحمر ويقول "حديث : يا ام خالد هذا سناء"تفسير : والسناء هو الحسن بلسان الحبشة ولا خفاء بأن لبس الخرقة على الهيئة التى يعمدها الشيوخ فى هذا الزمان لم يكن فى زمن رسول الله وهذه الهيئة والاجتماع لها والاعتداد بها من استحسان الشيوخ وقد كان طبقة من السلف الصالحين لا يعرفون الخرقة ولا يلبسونها المريدين فمن يلبسها فله مقصد صحيح واصل من السنة وشاهد من التسرع ومن لا يلبسها فله رأى وله فى ذلك مقصد صحيح وكل تصاريف المشايخ محمولة على السداد والصواب ولا تخلو عن نية خالصة فيها انتهى كلام العوارف باختصار وقال الشيخ زين الدين الحافى فى حواشيه قد صح واشتهر بنقل الاولياء كابرا عن كابر على ما هو مسطور فى اجازات المشايخ ان رسول الله ألبس عليا الخرقة الشريفة وهو ألبس الحسن البصرى وكميل بن زياد رضى الله عنهما وفى المقاصد الحسنة ان أئمة الحديث لم يثبتوا للحسن من على سماعا فضلا عن أن يلبسه الخرقة قال حضرة الشيخ الاكبر قدس سره الضرورى من اللباس الظاهر ما يستر السوآت والرياش ما يزيد على ذلك مما تقع به الزينة والضرورى من اللباس الباطن وهو تقوى المحارم مطلقا ما يوارى سوأة الباطن والريش لباس مكارم الاخلاق مثل نوافل العبادات كالصفح والاصلاح فأراد اهل الله أن يجمعوا بين اللبستين ويتزينوا بالزينتين ليجمعوا بين الحسنيين فيثابوا من الطرفين فلبسوا الخرقة وألبسوها ليكون تنبيها على ما يريدونه من لباس بواطنهم وجعلوا ذلك اصلا واصل هذا اللباس عندى ما القى فى سرى ان الحق لبس قلب عبده فانه قال "حديث : ما وسعنى ارضى ولا سمائى ووسعنى قلب عبدى"تفسير : فان الثوب وسع لابسه وظهر هذا الجمع بين اللبستين فى زمان الشبلى وابن حفيف الى هلم جرا فجرينا على مذهبهم فى ذلك فلبسناها من ايدى مشايخ جمة سادات بعد ان صحبناهم وتأدبنا بآدابهم ليصح اللباس ظاهرا وباطنا انتهى باختصار نسأل الله سبحانه أن يجعل لباس التقوى لباسا خيرا لنا وأن يصح نياتنا وعقائدنا واعمالنا واحوالنا انه هو المعين لاهل الدين الى أن يأتى اليقين
فرات الكوفي
تفسير : {إنّ الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم 10} [تقدم في ذيل الآية 143/ آل عمران في وقعة أحد في حديث أبي دجانة الأنصاري الاستشهاد بالآية].
الأعقم
تفسير : {إن الذين يبايعونك} الآية نزلت في أهل الحديبية، قال جابر: كنا أهل الحديبية ألفاً وأربع مائة بايعنا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) تحت الشجرة على الموت وعلى أن لا نفر، فما نكث أحد منا البيعة إلا جدّ بن قيس، فكان منافقاً اختبأ تحت ابط بعيره {يد الله فوق أيديهم} أي يد رسول الله التي تعلو يدي المنافقين هي يد الله، والله تعالى منزهاً عن الجوارح وعن صفات الأجسام وإنما المعنى تقدير أن عقد الميثاق مع الرسول كعقده مع الله تعالى من غير تفاوت بينهما كقوله: {من يطع الرسول فقد أطاع الله} والمراد بيعة الرضوان {فمن نكث فإنما ينكث على نفسه} أي يرجع وبال ذلك النكث عليه {ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجراً عظيماً} {سيقول لك المخلفون من الأعراب}، قيل: نزلت الآية في غفار وجهينة وأشجع وأسلم والذين تخلفوا عن الحديبية، وذلك أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أشعر الأعراب حول المدينة لما أرادوا الخروج إلى مكة معتمراً حذراً من قريش، وأحرم وساق الهدي ليعلموا أنه لا يريد حرباً، فتثاقل عنه كثير من الأعراب واعتلوا بالشغل فنزلت الآية، وقيل: نزلت في المتخلفين عن غزوة تبوك لما رجع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من الحديبية اعتذروا بالمعاذير الكاذبة {شغلتنا أموالنا وأهلونا} يعني اشتغلنا بأمرهما وخفنا الضياع عليهما لو خرجنا معك {فاستغفر لنا} أي اطلب لنا المغفرة من الله فرد الله عليهم أنهم قالوا: {بألسنتهم ما ليس في قلوبهم} من العذر وطلب الاستغفار {قل} يا محمد {فمن يملك لكم من الله شيئاً إن أراد بكم ضراً أو أراد بكم نفعاً} قيل: أراد خير الدنيا ونفعها {بل كان الله بما تعملون خبيراً} أي عالماً بأعمالكم {بل ظننتم أن لن ينقلب الرسول والمؤمنون إلى أهليهم أبداً} قيل: أنهم ظنوا أنهم لا يرجعون من سفرهم لأن العدو يستأصلهم والله أعلم {وزين ذلك في قلوبكم} قيل: زينه الشيطان، وقيل: زينه بعضهم لبعض {وكنتم قوماً بوراً} هالكين {ومن لم يؤمن بالله ورسوله فإنا اعتدنا للكافرين سعيراً} {ولله ملك السماوات والأرض يغفر لمن يشاء} بشرط التوبة والايمان {ويعذّب من يشاء} بترك الايمان والطاعة والإِصرار على الكبائر {وكان الله غفوراً رحيماً} {سيقول المخلفون}، قيل: عن الحديبية، وقيل: عن تبوك {إذا انطلقتم إلى مغانم} خيبر على أنه في شأن الحديبية، وقيل: غنائم مطلقة إذا ان المسلمين غالبون غانمون {لتأخذوها} أي تلك الغنائم {يريدون أن يبدلوا كلام الله} قيل: ما وعد الله أهل الحديبية أن الغنيمة [غنيمة خ] خيبر لهم خاصة، وقيل: النفير كقوله: {أية : لن تخرجوا معي أبداً ولن تقاتلوا معي عدواً} تفسير : [التوبة: 83] عن الحسن وأبي علي فإذا خرجوا كان ذلك نبذاً لكلام الله تعالى: {كذلكم قال الله من قبل} أنكم لا تخرجون معنا {فسيقولون بل تحسدوننا} أن نصيب معكم من الغنائم {بل كانوا لا يفقهون إلاَّ قليلاً} يعني قالوا ذلك لجهلهم ولما نهاهم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عن الخروج معه أمرهم بالخروج مع داع آخر فقال سبحانه: {قل} يا محمد {للمخلّفين من الأعراب} قيل: من تبوك عن أبي علي، وقيل: عن الحديبية {ستدعون} اختلفوا في الداعي فقيل: هو رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وقيل: ان هذا لا يصح لما بيّنا من قوله: {أية : لن تخرجوا معي أبداً} تفسير : [التوبة: 83] وعن قتادة: أنهم ثقيف وهوازن وكان ذلك في أيام رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، ومعنى: {أية : لن تخرجوا معي أبداً} تفسير : [التوبة: 83] ما دمتم على ما أنتم عليه من مرض القلوب والاضطراب في الدين، أو على قول مجاهد: كان الوعد أنهم لا يتبعون رسول الله إلا متطوعين لا نصيب لهم في المغنم، وقيل: الداعي أمير المؤمنين علي (عليه السلام) دعا إلى حرب معاوية وحرب أهل البغي {أولي بأس شديد}، قيل هوازن وغطفان يوم حنين، وقيل: فارس والروم {تقاتلونهم أو يسلمون} يقرون بالاسلام ويقبلونه، وقيل: ينقادون لكم {فإن تطيعوا} هذا الداعي {يؤتكم الله أجراً حسناً} وهي الجنة {وأن تتولوا كما توليتم من قبل يعذبكم عذاباً أليماً} قال ابن عباس: لما نزل قوله: {قل للمخلفين} قال أهل الزمان: كيف بنا يا رسول الله؟ فنزلت: {ليس على الأعمى حرج} أي ضيق في التخلف عن الجهاد {ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج} قال قتادة: هذا كله في الجهاد، وقيل: نزل قوله: {ليس على الأعمى حرج} في ابن أم مكتوم {ومن يطع الله ورسوله ندخله جنات تجري من تحتها الأنهار} أي تجري الأنهار تحت أشجارها وأبنيتها {ومن يتول يعذبه عذاباً أليماً}.
اطفيش
تفسير : {إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ} في الحديبية بيعة الرضوان تحت الشجرة على أن لا يفروا قال جابر بن عبدالله بايعناه على أن لا نفر لا على الموت وهذا هو الأشهر وروي عنه أنه قال بايعناه على الموت وعلى أن لا نفر فما نكث أحد منا البيعة الا جد ابن قيس وكان منافقا اختفى تحت ابط بعيره ولم يسر مع القوم وهو من الانصار وروي أنه لم يبايع أصلا وعن معقل بن يسار لم نبايع على الموت بل على أن لا نفر وقال سلمة بن الاكوع بايعنا على الموت ويجمع بين الروايات بان جماعة منهم سلمة بايعوا على أن يقاتلوا حتى يموتوا أو ينتصروا وجماعة منهم معقل على أن لا يفروا والمبايعة مفاعلة من البيع لأن الله اشترى منهم أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة وأصل البيعة عقد الطاعة والوفاء للامام والحديبية بالتشديد عند عامة المتحدثين والتخفيف قيل وهو أفصح وجاء في الحديث انها بئر قال مالك انه من الحرم وقال ابن القصار بعضها منه وعن بعض أنها قرية صغيرة في أقل من مرحلة الى مكة أو على مرحلة سميت بئر هناك وبينها وبين المدينة تسع مراحل وقيل شجرة حدباء كانت هناك* {إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللهَ} لأنهم باعوا أنفسهم من الله بالجنة وصفقتهم انما يمضيها الله ويمنح الثمن وأخذك البيعة عقد لله عليه أو عقد الميثاق معك عقد من الله كقوله {أية : من يطع الرسول فقد أطاع الله} تفسير : والله هو المقصود بالبيعة كما قرأ (انما يبايعونك لله) أي يبايعونك لأجل الله ولوجهه* {يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ} حال أو استئناف مؤكد لمبايعة الله على طريق التمثيل فيد رسوله التي تعلو أيدي المبايعين هي يد الله والله منزه عن الجوارح وصفات الأجسام أي هو خبير بمبايعتهم فيجازيهم وعن ابن عباس {يَدُ اللهِ} بالوفاء بما وعد من الخير فوق ايديهم وعن السدي يأخذون بيد رسول الله فيبايعونه (ويد الله) فوق ايديهم أي هم في حكمه وقال الكلبي (يده) نعمته عليهم في الهداية فوق ما صنعوه من البيعة (بل الله يمن عليكم أن هداكم للايمان) وقيل (يده) نصره فوق ايديهم أي فوق نصرهم أو (يده) حفظه وايديهم جوارحهم ومن زعم أنا ندرك هذه التفاسير الى السكوت عن التأويل والى الايمان بظاهرها؛ اليد من غير تكييف ولا تعطيل فقد اختار الحيرة والضلالة بعد ظهور الحق وصح قول بعض يده وايديهم القوة وقول بعض يده ثوابه وقول بعض ونسب للجمهور يده نعمته هي في المبايعة لما يستقبل من محاسنها فوق ايديهم الممتدة للبيعة* {فَمَن نَّكَثَ} نقض العهد والبيعة* {فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَى نَفْسِهِ} ضرره عليه وقرئ بكسر كاف (ينكث)* {وَمَن أَوْفَى} لغة تهامة ويقول غيرهم (وفى)* {بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللهَ} من البيعة وقرئ (عهد) باسقاط الألف وقرأ حفص {عَلَيْهُ} بضم الهاء* {فَسَيُؤْتِيهِ} وقرأ غير ابن كثير ونافع وابن عباس وروح بالياء {فَسَيُؤْتِيهِ}* {أَجْراً عَظِيماً} هو الجنة وقيل المراد بما عاهد جميع الفرائض
اطفيش
تفسير : {إنَّ الَّذين يُبايعُونَك} يوم الحديبية على الموت، عند سلمة ابن الأكوع وعلى، أن لا يفروا عند ابن عمر وجابر، وفى البخارى ومسلم عن زيد بن عبيد، قلت لسلمة بن الأكوع: على أى شىء بايعتم رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: على الموت، وفى مسلم، عن معقل بن يسار: لقد رأيتنى يوم الشجرة والنبى صلى الله عليه وسلم يبايع الناس، وأنا رافع غصنا من أغصانها عن رأسه صلى الله عليه وسلم، ونحن اربع عشر مائة، ولم نبايعه على الموت، بل على أن لا نفر، ويجمع بين الحديثين بأن جماعة بايعته على الموت يقاتلون حتى يموتوا أو ينصروا، أو يكون امر من الله عز وجل، منهم: سلمة وجماعة على أن لا يفروا، منهم: معقل، والمضارع للحال الماضية المحكية. وقيل: نزلت قبل الحديبية، فالمضارع للإستقبال كذا قيل، وليس كذلك، بل لحكاية الحال الماضية لأن الآية بعد المبايعة، والمبايعة الانقياد للطاعة، وفى ذلك تلويح الى قوله تعالى: "أية : إنَّ الله اشترى من المؤمنين أنفسهم" تفسير : [التوبة: 111] الخ اذا بايعوه على الموت، وهذا فى قول ابن الأكوع، وبيعته الحديبية هذه بيعة الرضوان، والياء مشددة عند عامة المحدثين، وتخفيفها أفصح، وهى قرية ليست كبيرة، بينها وبين مكة مرحلة أو أقل، سميت ببئر هنالك، وجاء فى الحديث: "حديث : أن الحديبية بئر" تفسير : ويقال شجرة حدباء، ولعلها حدبت عليه صلى الله عليه وسلم وقيل: كانت حدباء قبل نزوله. {إنَّما يُبايعُون الله} يُطيعون الله، وسمى اطاعته مبايعة لمشاكلة قوله تعالى: {يبايعونك} أو سماها مبايعة تسمية للمسبب أو اللازم بلفظ السبب أو الملزوم، فان المبالغة تستلزم الطاعة وتتسبب لها، وانما كانت مبايعته صلى الله عليه وسلم مبايعة لله تعالى، لأن المقصود من مبايعته امتثال أوامره {يَد الله فوق أيديهم} منة الله تعالى بالهداية فوق نعمهم التى هى مبايعة كل واحد منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فانه الذى وفقهم للمبايعة، قال الله تعالى: "أية : يمنون عليك أنْ أسلموا قل لا تَمنُّوا عليَّ إسلامكم بل الله يمن عليكم أنْ هداكم للإيمان"تفسير : [الحجرات: 17] وقال الزجاج: يد الله فى الوفاء فوق أيديهم فيه، أو يد الله فى الثواب فوق أيديهم فى الطاعة، كما قال الزجاج، أو قوته تعالى ونصرته فوق قوتهم فيها، فثق بنصره تعالى لا بنصرتهم، ولو بايعوك، وذكر ذلك بيد الله مشاكلة لقوله: {أيديهم} أو أيديهم على شاهدها. ويد الله نعمته أو ما مرّ، وعلى كل حال من يطع الرسول فقد اطاع الله، كما قال الله عز وجل، وقيل: وفى اليد استعارة تخييلية مبنية على استعارة مكنية، هى أنه شبه الله تعالى بانسان مبايع، ورمز لذلك بلازم الانسان، وهو اليد، قلت: يقبح أن يقال: شبه الله بكذا، ولو كان المعنى على غير التشبيه، والا فقل شبه فعله تعالى وهو نصره، لأن فعله تعالى مخلوق له تعالى بالانسان، ورمز باليد. والحاصل مطلقا أن عقد الميثاق معه صلى الله عليه وسلم عقد له مع الله تعالى، والله منزه عن الجوارح، وأخطأ من أثبت اليد وقال بلا كيف فما يفيده قوله: بلا كيف، والجملة مستأنفة أو خبر ثان لأن. {فمن نكَثَ} نَقَضَ العهد {فإنَّما ينْكُث عَلى نَفْسه} يجنى على نفسه بالنكث وضرره عليه، قال جابر بن عبد الله: ما نكث البيعة إلا جد بن قيس، وكان منافقا، وقيل: لم يبايع، اختبأ تحت بطن بعير، ففى مسلم: سئل جابر: كم كانُوا يوم الحديبية؟ قال: كنا أربع عشرة مائة، وعمر رضى الله عنه آخذ بيده صلوات الله تعالى وسلامه عليه تحت الشجرة، وهى سمرة فبايعناه غير جد بن قيس الأنصارى، اختفى تحت بطن بعيره، وهذا أوفق بقوله تعالى: "أية : لقد رضي الله عن المؤمنين إذْ يبايعونك" تفسير : [الفتح: 18] فأسند المبايعه الى المؤمنين، وليس جد بن قيس مؤمنا بل منافقا إلا أنه يحتمل الجمع بأنه وافق أولا على المبايعة، ولما كان انجاز المبايعة بعد تحت الشجرة، لم يبايع، والآية تدل على وجوب الامامة الكبرى، ونصح الناس، وكل آية أوجبت الاقامة للعدل أو اقامة للدين، فهى موجبة بالامامة، فهى من القرآن استنباطا، وكذا فى الأحاديث. وكذا ذكره صلى الله عليه وسلم امامة الصديق، وامامة عمر لعائشة وحفصة، وأوصى الصديق بها على عمر، وجعلها عمر شورى، وكان صلى الله عليه وسلم يأمر باتباع الأئمة ما داموا على الحق فوجوبها بشرع، وزعم أبى حظو البلخى والبصرى من المعتزلة: أن نصب الامامة واجب على الله تعالى، وهو خطأ فانه لا واجب على الله ولا محرم، وكذلك قالت الامامة من الشيعة كالمعتزلة،انما يجب الشىء أو يحرم من الأعلى على الأدنين، ولا أعلى من الله، ولا مساوى، ومعنى: "أية : وكان حقاً علينا نصر المؤمنين" تفسير : [الروم: 47] وقوله تعالى: "حديث : حرمت الظلم على نفسي" تفسير : حكمت بذلك. وقالت الخوارج والأصح من المعتزلة، أنه لا يجب على الناس نصب الامام، ومنهم من قال بوجوب نصبه عند ظهور الفتن، ومنهم من عكس، والحق وجوب نصب الامام اذا أمكن، لأن أمرنا باق من الدين، ولا سبيل الى اقامته الا بوجود الامامات على أنفس الناس واهلهم وأموالهم، ومنع تعدى بعض على بعض، وذلك لا يصح الا بوجود امام يخافون سطوته، ويرجون رحمته، ويرجعون اليه، ويجتمعون عليه، وما لا يتم الواجب إلا به، فهو واجب، فنصب الامام واجب، وجب أن يكون واحد لئلا يختلفا، فيكون الفساد. ولا يجب أن يكون الامام أفضل القوم خلافا للاسماعيلية المنسوبين الى اسماعيل بن جعفر الصادق، المدفون بالقرب من البقيع، المسمى بالباطنية، لقولهم: لكل ظاهر باطن، وبالصلاحات لعدولهم قصدا عن ظواهر الشرع الى بواطن يدعونها فى بعض الأحوال، وذلك تحريف وخروج عن الدين، وليس ذلك تصوفا لأن المتصوف يثبت الظاهر ويستنبط منه معنى باشارة، ويكون الامام من قريش اذا وجد وصلح، لا امامة والا فمن غيرهم، ولا يجب أن يكون من بنى هاشم. وزعم الرافضة أنه لا بد أن يكون به علويا، وقيل: ان لم يوجد قريشى فمن كنانة، وينعزل بالفسق ان أصر عليه خلافا للأشعرية، وذكر ابن العربى: أنه اذا كان الامام لا ينظر فى أحوال الناس، ولا يمشى فيهم بالعدل، فقد أزال نفسه من الامامة فى نفس الأمر دون الظاهر، واختار أنه اذا فسق انعزل فيما فسق فيه، لأنه لم يحكم فيه بما انزل الله تعالى، وقد أثبت لهم فى الحديث اسم الامامة ولو جاروا. ولا يكون الامام بدويّاً أو عبدا أو طفلا أو جبانا، أو أعمى أو أصم أو أبكم، أو لا رأى له، وان لم يجدوا إلا بدويا نصبوه. {ومَن أوفَى بما عاهد عليْه الله فَسيؤتيه أجْراً عظِيماً} من اسم شرط، وأوفى فعل ماض لا اسم تفضيل، وهو مرادف لِوَفَّى، والأجر العظيم الجنة وما فيها مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.
الالوسي
تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ } يوم الحديبية على الموت في نصرتك كما روي عن سلمة بن الأكوع وغيره، أو على أن لا يفروا من قريش كما روي عن ابن عمر وجابر رضي الله تعالى عنهم، وسيأتي الكلام في تفصيل ذلك إن شاء الله تعالى. والمبايعة وقعت قبل نزول الآية فالتعبير بالمضارع لاستحضار الحال الماضية، وهي مفاعلة من البيع يقال: بايع السلطان مبايعة إذا ضمن بذل الطاعة له بما رضخ له، وكثيراً ما تقال على البيعة المعروفة للسلاطين ونحوهم وإن لم يكن رضخ، وما وقع للمؤمنين قيل يشير إلى ما في قوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ } تفسير : [التوبة: 111] الآية {إِنَّمَا يُبَايِعُونَ ٱللَّهَ } لأن المقصود من بيعة الرسول عليه الصلاة والسلام وإطاعته إطاعة الله تعالى وامتثال أوامره سبحانه لقوله تعالى: {أية : مَّنْ يُطِعِ ٱلرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ ٱللَّهَ } تفسير : [النساء: 80] فمبايعة الله تعالى بمعنى طاعته سبحانه مشاكلة أو هو صرف مجاز. وقرىء {إنما يبايعون لله} أي لأجل الله تعالى ولوجهه، والمفعول محذوف أي إنما يبايعونك لله. {يَدُ ٱللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ } استئناف مؤكد لما قبله لأنه عبارة عن المبايعة، قال في «الكشاف» ((لما قال سبحانه: {إِنَّمَا يُبَايِعُونَ ٱللَّهَ } أكده على طريقة التخييل فقال تعالى: {يَدُ ٱللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ } وانه سبحانه منزه عن الجوارح وصفات الأجسام وإنما المعنى تقرير أن عقد الميثاق مع الرسول صلى الله عليه وسلم كعقده مع الله تعالى من غير تفاوت بينهما)). وفي «المفتاح» أما حسن الاستعارة التخييلية فبحسب حسن الاستعارة بالكناية متى كانت / تابعة لها كما في قولك: فلان بين أنياب المنية ومخالبها ثم إذا انضم إليها المشاكلة كما في {يَدُ ٱللَّهِ } الخ كانت أحسن وأحسن، يعني أن في اسم الله تعالى استعارة بالكناية تشبيهاً له سبحانه وتعالى بالمبايع واليد استعارة تخييلية مع أن فيها أيضاً مشاكلة لذكرها مع أيدي الناس، وامتناع الاستعارة في اسم الله تعالى إنما هو في الاستعارة التصريحية دون المكنية لأنه لا يلزم إطلاق اسمه تعالى على غيره سبحانه. وروى الواحدي عن ابن كيسان اليد القوة أي قوة الله تعالى ونصرته فوق قوتهم ونصرتهم أي ثق بنصرة الله تعالى لك لا بنصرتهم وإن بايعوك. وقال الزجاج: المعنى يد الله في الوفاء فوق أيديهم أو في الثواب فوق أيديهم في الطاعة أو يد الله سبحانه في المنة عليهم في الهداية فوق أيديهم في الطاعة، وقيل: المعنى نعمة الله تعالى عليهم بتوفيقهم لمبايعتك فوق نعمتهم وهي مبايعتهم إياك وأعظم منها، وفيه شيء من قوله تعالى: {أية : قُل لاَّ تَمُنُّواْ عَلَيَّ إِسْلَـٰمَكُمْ بَلِ ٱللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلإِيمَـٰنِ } تفسير : [الحجرات: 17] وكل ذلك تأويلات ارتكبها الخلف وأحسنها ما ذكر أولاً، والسلف يمرون الآية كما جاءت مع تنزيه الله عز وجل عن الجوارح وصفات الأجسام وكذلك يفعلون في جميع المتشابهات ويقولون: إن معرفة حقيقة ذلك فرع معرفة حقيقة الذات وأنى ذلك وهيهات هيهات. وجوز أن تكون الجملة خبراً بعد خبر لإن، وكذا جوز أن تكون حالاً من ضمير الفاعل في {يُبَايِعُونَكَ } وفي جواز ذلك مع كونها اسمية غير مقترنة بالواو كلام. {فَمَن نَّكَثَ } نقض العهد {فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَىٰ نَفْسِهِ } فلا يعود ضرر نكثه إلا عليه. وروى الزمخشري عن جابر بن عبد الله أنه ما نكث أحد البيعة إلا جد بن قيس وكان منافقاً، والذي نقله الطيبـي عن مسلم يدل على أن الرجل لم يبايع لا أنه بايع ونكث قال: «سئل جابر كم كانوا يوم الحديبية؟ قال: كنا أربع عشرة مائة فبايعناه وعمر رضي الله تعالى عنه آخذ بيده صلوات الله تعالى وسلامه عليه تحت الشجرة وهي سمرة فبايعناه غير جد بن قيس الأنصاري اختبأ تحت بطن بعيره» ولم يسر مع القوم، ولعل هذا هو الأوفق لظاهر قوله تعالى: {أية : لَّقَدْ رَضِيَ ٱللَّهُ عَنِ ٱلْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ } تفسير : [الفتح: 18] الآية. وقرأ زيد بن علي {ينكث} بكسر الكاف. {وَمَنْ أَوْفَىٰ بِمَا عَـٰهَدَ عَلَيْهُ ٱللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً } هو الجنة وما يكون فيها مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، ويقال: وفى بالعهد وأوفى به إذا تممه وأوفى لغة تهامة، ومنه قوله تعالى: {أية : أَوْفُواْ بِٱلْعُقُودِ } تفسير : [المائدة: 1] {أية : وَٱلْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ } تفسير : [البقرة: 177] وقرىء {بما عهد } ثلاثياً. وقرأ الجمهور {عليه } بكسر الهاء كما هو الشائع وضمها حفص هنا، قيل: وجه الضم أنها هاء هو وهي مضمومة فاستصحب ذلك كما في له وضربه، ووجه الكسر رعاية الياء وكذا في إليه وفيه وكذا فيما إذا كان قبلها كسرة نحو به ومررت بغلامه لثقل الانتقال من الكسر إلى الضم، وحسن الضم في الآية التوصل به إلى تفخيم لفظ الجلالة الملائم لتفخيم أمر العهد المشعر به الكلام، وأيضاً إبقاء ما كان على ما كان ملائم للوفاء بالعهد وإبقائه وعدم نقضه. وقد سألت كثيراً من الأجلة - وأنا قريب عهد بفتح فمي للتكلم - عن وجه هذا الضم هنا فلم أجب بما يسكن إليه قلبـي ثم ظفرت بما سَمِعْتَ والله تعالى الهادي إلى ما هو خير منه. وقرأ ابن كثير ونافع وابن عامر وروح وزيد بن علي {فسنؤتيه} بالنون.
ابن عاشور
تفسير : شروع في الغرض الأصلي من هذه السورة، وهذه الجملة مستأنفة، وأكد بحرف التأكيد للاهتمام، وصيغة المضارع في قوله: {يبايعونك} لاستحضار حالة المبايعة الجليلة لتكون كأنها حاصلة في زمن نزول هذه الآية مع أنها قد انقضت وذلك كقوله تعالى: {أية : ويَصنع الفلك}تفسير : [هود: 38]. وَالحصر المفاد من {إنما} حَصر الفعل في مفعوله، أي لا يبايعون إلا الله وهو قصر ادعائيّ بادعاء أن غاية البيعة وغرضها هو النصر لدين الله ورسوله فنزل الغرض منزلة الوسيلة فادعى أنهم بايعوا الله لا الرسول. وحيث كان الحصر تأكيداً على تأكيد، كما قال صاحب «المفتاح»: «لم أجعل (إنّ) التي في مفتتح الجملة للتأكيد لِحصول التأكيد بغيرها فجعلتها للاهتمام بهذا الخبر ليحصل بذلك غرضان». وانتقل من هذا الادعاء إلى تخيل أن الله تعالى يبايعه المبايعون فأثبتت له اليد التي هي من روادف المبايَع (بالفتح) على وجه التخييلية مثل إثبات الأظفار للمنية. وقد هيأت صيغة المبايعة لأن تذكر بعدها الأيدي لأن المبايعة يقارنها وضع المبايع يده في يد المبايَع بالفتح كما قال كعب بن زهير:شعر : حتى وضعتُ يميني لا أُنازعه في كَفِّ ذي يَسرات قِيلُه القِيل تفسير : ومما زاد هذا التخييل حسناً ما فيه من المشاكلة بين يد الله وأيديهم كما قال في «المفتاح»: والمشاكلة من المحسنات البديعية والله منزّه عن اليد وسمات المحدثات. فجملة {يد الله فوق أيديهم} مقررة لمضمون جملة {إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله} المفيدة أن بيعتهم النبي صلى الله عليه وسلم في الظاهر، هي بيعة منهم لله في الواقع فقررته جملة {يد الله فوق أيديهم} وأكدته ولذلك جردت عن حرف العطف. وجعلت اليد المتخيلة فوق أيديهم: إمّا لأن إضافتها إلى الله تقتضي تشريفها بالرفعة على أيدي الناس كما وصفت في المعطي بالعليا في قول النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : اليدُ العليا خيرٌ من اليد السفلى واليد العليا هي المعطية واليد السفلى هي الآخذة»تفسير : ، وإما لأن المبايعة كانت بأن يمد المبايع كفه أمام المبايَع بالفتح ويضع هذا المبايَع يده على يد المبايع، فالوصف بالفوقية من تمام التخييلية. ويشهد لهذا ما في «صحيح مسلم» أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بايعه الناس كان عُمر آخذاً بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم أي كان عمر يضع يد رسول الله صلى الله عليه وسلم في أيدي الناس كيلاً يتعب بتحريكها لكثرة المبايعين فدلّ على أن يد رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت توضع على يد المبايعين. وأيًّا مَّا كان فذكر الفوقية هنا ترشيح للاستعارة وإغراق في التخيل. والمبايعة أصلها مشتقة من البيع فهي مفاعلة لأن كلا المتعاقدين بائع، ونقلت إلى معنى العهد على الطاعة والنصرة قال تعالى: {أية : يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعْنَك على أن لا يشركن بالله شيئاً}تفسير : [الممتحنة: 12] الآية وهي هنا بمعنى العهد على النصرة والطاعة. وهي البيعة التي بايعها المسلمون النبي صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية تحت شجرة من السّمُر وكانوا ألفاً وأربعمائة على أكثر الروايات. وقال جابر بن عبد الله: أو أكثر، وعنه: أنهم خمس عَشرة مائة. وعن عبد الله بن أبي أوفى كانوا ثلاث عشرة مائة. وأول من بايع النبي صلى الله عليه وسلم تحت الشجرة أبو سنان الأسدي. وتسمّى بيعة الرضوان لقول الله تعالى {أية : لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة}تفسير : [الفتح: 18]. وكان سبب هذه البيعة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسل عثمان بن عفان من الحديبية إلى أهل مكة ليفاوضهم في شأن التخلية بين المسلمين وبين الاعتمار بالبيت فأرجف بأن عثمان قتل فعزم النبي صلى الله عليه وسلم على قتالهم لذلك ودعا من معه إلى البيعة على أن لا يرجعوا حتى يناجزوا القوم، فكان جابر بن عبد الله يقول: بايعوه على أن لا يَفرَّوا، وقال سلمة بن الأكوع وعبد الله بن زيد: بايعناه على المَوت، ولا خلاف بين هذين لأن عدم الفرار يقتضي الثبات إلى الموت. ولم يتخلف أحد ممن خرج مع النبي صلى الله عليه وسلم إلى الحديبيّة عن البيعة إلا عثمان إذ كان غائباً بمكة للتفاوض في شأن العمرة، ووضع النبي صلى الله عليه وسلم يده اليمنى على يده اليسرى وقال: «هذه يد عثمان» ثم جاء عثمان فبايع، وإلا الجد بن قيس السلمى اختفى وراء جَمَلِهِ حتّى بايع الناسُ (ولم يكن منافقاً ولكنّه كان ضعيف العزم). وقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم "أنتم خير أهل الأرض". وفرع قوله: {فمن نكث فإنما ينكث على نفسه} على جملة {إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله}، فإنه لما كَشف كنه هذه البيعة بأنها مبايعة لله ضرورة أنها مبايعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم باعتبار رسالته عن الله صار أمر هذه البيعة عظيماً خطيراً في الوفاء بما وقع عليه التبايع وفي نكث ذلك. والنكث: كالنقض للحبل. قال تعالى: {أية : ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثاً}تفسير : [النحل: 92]. وغلب النكث في معنى النقض المعنوي كإبطال العهد. والكلام تحذير من نكث هذه البيعة وتفظيع له لأن الشرط يتعلق بالمستقبل. ومضارع {ينكث} بضم الكاف في المشهور واتفق عليه القرّاء. ومعنى {فإنما ينكث على نفسه}: أن نكثه عائد عليه بالضرّ كما دلّ عليه حرف (على). و {إنما} للقصر وهو لقصر النكث على مدلول {على نفسه} ليراد لا يضر بنكثه إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً فإن نكث العهد لا يخلو من قصد إضرار بالمنكوث، فجيء بقصر القلب لقلب قصد الناكث على نفسه دون على النبي صلى الله عليه وسلم. ويقال: أوفى بالعهد وهي لغة تهامة، ويقال: وفي بدون همز وهي لغة عامة العرب، ولم تجيء في القرآن إلا الأولى. قالوا: ولم ينكث أحد ممن بايع. والظاهر عندي: أن سبب المبايعة قد انعدم بالصلح الواقع بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين أهل مكة وأن هذه الآية نزلت فيما بين ساعة البيعة وبين انعقاد الهدنة وحصل أجر الإيفاء بالنية عدمه لو نزل ما عاهدوا الله عليه. وقرأ نافع وابن كثير وابن عامر ورويس عن يعقوب {فسنؤتيه} بنون العظمة على الالتفات من الغيبة إلى التكلم. وقرأه الباقون بياء الغيبة عائداً ضميره على اسم الجلالة.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 10- إن الذين يعاهدونك - على بذل الطاقة لنصرتك - إنما يعاهدون الله، قوة الله معك فوق قوتهم، فمن نقض عهدك بعد ميثاقه، فلا يعود ضرر ذلك إلا على نفسه، ومَن وفَّى بالعهد الذى عاهد الله عليه - بإتمام بيعتك - فسيعطيه الله ثوابا بالغا غاية العظم. 11- سيقول لك من خلَّفهم النفاق من سكان البادية - إذا رجعت من سفرك -: شغلتنا عن الخروج معك أموالنا وأهلونا فاستغفر لنا. يقولون بألسنتهم غير ما فى قلوبهم، قل ردا عليهم: فمن يملك لكم من الله شيئا يدفع عنكم قضاءه، إن أراد بكم ما يضركم، أو أراد بكم ما ينفعكم؟ بل كان الله بكل ما تعملون محيطاً. 12- بل ظننتم أن لن يرجع الرسول والمؤمنون من غزوهم إلى أهليهم أبداً، فتخلفتم، وزُيِّن ذلك الظن فى قلوبكم، وظننتم الظن الفاسد فى كل شئونكم. وكنتم فى علم الله قوما هالكين، مستحقين لسخطه وعقابه. 13- ومن لم يؤمن بالله ورسوله، فإنا هيَّأنا للكافرين ناراً موقدة ذات لهب. 14- ولله - وحده - ملك السموات والأرض يدبره تدبير قادر حكيم، يغفر الذنوب لمن يشاء، ويعذب بحكمته من يشاء، وكان الله عظيم المغفرة واسع الرحمة.
القطان
تفسير : يبايعونك: يوم الحديبية، اذ بايع الصحابة الرسولَ على الموت في نصرته. انما يبايعون الله: لأن المقصود من بيعة الرسول وطاعته طاعة الله. يدُ الله فوق ايديهم: نصره لهم أقوى من كل شيء. نكث: نقض. المخلَّفون: واحدهم مخلّف، وهو المتروك في المكان خلف الذين خرجوا منه. الأعراب: أهلُ البادية. بورا: هالكين. ان الذين يبايعونك يا محمد على الثبات معك في نصر الاسلام وجهاد أعدائه، انما يبايعون الله، ويدُ الله فوق أيديهم، فمن نقض عهده منهم بعد ميثاقه، عاد ضرر نقضِه على نفسه، ومن وفى بالعهد فسيؤتيه الله أجراً عظيما في الدنيا والآخرة. وسبب هذه البيعة ان الرسول الكريم لمّا أشيع قتل عُثمان في مكة قال: لا نبرح حتى نناجزَ القوم. ودعا الناس الى البيعة. فبايعوه تحت الشجرة، وكانت بيعة الرضوان. ولما رأت قريش عزم الرسول الكريم واصحابه على الحرب بدأت تتراجع وأرسلوا بعض الاشخاص يفاوضون النبي صلى الله عليه وسلم بأن يعود من هذا العام، ويأتي في العام المقبل لأداء العمرة. ووقع صلح الحديبية كما تذكر كتب التاريخ والسيرة. ولما وقّع النبي الصلح مع قريش تحلل من احرامه ونحر. ثم مكث مع اصحابه أياما في الحديبية عادوا بعدها الى المدينة. وفي السنة التالية قصدوا مكة معتمرين، ودخلوها وهم يهلّلون ويكبرون قائلين: لا اله الا الله وحده، نصر عبده، وأعزّ جنده، وهزم الأحزاب وحده. واقاموا بمكة ثلاثة ايام يطوفون ويسعون وينحرون الهَدْي. وقد سميت هذه العمرة عمرة القضاء لأنها تمت قضاءً عن العمرة السابقة التي منعهم فيها المشركون، ونزل فيها قوله تعالى: {أية : لَّقَدْ صَدَقَ ٱللَّهُ رَسُولَهُ ٱلرُّؤْيَا بِٱلْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ ٱلْمَسْجِدَ ٱلْحَرَامَ إِن شَآءَ ٱللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لاَ تَخَافُونَ} تفسير : [الفتح: 27]. {سَيَقُولُ لَكَ ٱلْمُخَلَّفُونَ مِنَ ٱلأَعْرَابِ شَغَلَتْنَآ أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَٱسْتَغْفِرْ لَنَا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَن يَمْلِكُ لَكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ شَيْئاً إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرّاً أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعاً بَلْ كَانَ ٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً} عندما اراد النبي صلى الله عليه وسلم الخروج الى مكة معتمراً دعا جميع المسلمين للخروج معه فتخلّف البدو من جهينة ومزينة وغفار وأشجعَ وأسلم وغيرهم وتعللوا بأن اموالهم وأهليهم قد شغلتهم. والحقيقةُ انهم كانوا ضِعاف الايمان، يخشون ان تقع الحرب. وقالوا: لن يرجع محمد ولا اصحابه من هذا السفر. ففضحهم الله في هذه الآية لأنهم كاذبون يقولون خلاف ما يبطنون، وامر رسوله الكريم أن يرد عليهم بقوله: {قُلْ فَمَن يَمْلِكُ لَكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ شَيْئاً إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرّاً أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعاً؟} والله عليم بكل ما تعملون. لم يكن تخلّفكم لما أبديتم من الاسباب، بل لأنكم قدّرتم ان الرسول والمؤمنين لن يعودوا أبدا. {وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنتُمْ ظَنَّ ٱلسَّوْءِ} زيّن الشيطان لكم ان الله لن ينصر النبيّ واصحابه، وقد خيب الله ظنكم، وصرتم قوما هالكين. ومن لم يؤمن بالله ورسوله، فإنا أعتدنا له سعيراً من النار خالداً فيها. ثم بين الله تعالى قدرته على ذلك وانه يفعل ما يشاء، لا رادّ لحكمه، فله السلطان المطلق والتصرف الكامل. ومع ذلك كله فهو الغفور الرحيم {وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً} قراءات: قرأ حفص: بما عاهد عليهُ الله بضم الهاء في عليه. والباقون بكسرها. وقرأ ابن كثير ونافع وابن عامر وروح: فسنوتيه بالنون، والباقون: فسيؤتيه بالياء. قرأ حمزة والكسائي: ان اراد بكم ضُرا بضم الضاد. وقرأ الباقون: ضَرا بفتح الضاد.
د. أسعد حومد
تفسير : {عَاهَدَ} (10) - حِينَما وَصَلَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إِلى الحُدَيْبِيَةِ مُعْتَمِراً (وَالحُدَيْبِيَةُ قَرْيَةٌ عَلَى مَسِيرَةٍ مَرْحَلَةٍ مِنْ مَكَّةَ)، مَعَ ألفٍ وَأَرْبَعِمِئَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، دَعَا خُراشَ بْنَ أُميَّةَ الخزَاعِي فَبَعَثَهُ إِلى قُرَيشٍ، بِمَكَّةَ لِيُبَلِّغَ أَشْرَافَهُمْ عَنْهُ مَا جَاءَ لأَِجْلِهِ، فَعَقَرَتْ قُرَيشٌ الجَمَلَ، وَأَرَادُوا قَتْلَ خُراشٍ فَمَنَعَتْهُ الأَحَابِيشُ، فَخَلُّوا سَبِيلَه، فَعَادَ إِلى رَسُولِ اللهِ، وَأَخْبَرَه بِمَا جَرَى. وَأَرَادَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَنْ يُرْسِلَ عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ، فاعْتَذَرَ بَأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَقَارِبُ في مَكَّةَ يَمْنَعُونَهُ، وَدَلَّه عَلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، فَاسْتَدْعَاهُ إِليهِ وَأَرْسَلَهُ إِلى أَبي سُفْيَانَ وأَشْرافِ قُرَيشٍ، يُخْبِرْهُمْ بِأَنَّ النَّبِيَّ لَمْ يَأْتِ لِحَربٍ، وَإِنما جَاءَ زَائِراً لِلْبَيتِ، مُعْتَمِراً، فَلَقِيَهُ أَبَانُ بَنُ سَعِيدِ بْنِ العَاصِ، حِينَ دَخَلَ عُثْمانُ مَكَّةَ، فَجَعَلَهُ في جِوَارِه حَتَّى فَرَغَ مِنْ إِبلاغِ رِسَالَتِهِ، ثُمَّ إِنَّ قُرَيشاً احْتَبَسَتْ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ عِنْدَهُمْ فَشَاعَ بَينَ المُسْلِمينَ أَنَّ عُثْمَانَ قَدْ قُتِلَ، فَقَالَ الرَّسُولُ: لاَ نَبْرَحُ حَتَّى نُنَاجِزَ القَوْمَ. وَدَعَا النَّاسَ إِلى البَيْعَةِ فَكَانت بَيْعَةُ الرِّضْوَانِ تَحْتَ شَجرةٍ كَانَتْ هُنَاكَ. وَبَايَعَهُ النَّاسُ عَلَى أَلاَّ يَفِرُّوا أَبداً. وَلَم يَتَخلَّفْ عَنِ البَيْعَةِ إِلا الجَدُّ بْنُ قَيْسٍ، وَهُوَ مُنَافِقٌ مِنَ الأَنْصَارِ. وَعَلِمَتْ قُرَيشٌ بِالبَيْعَةِ فَخَافَتْ وَأَرْسَلَتِ الرُّسُلَ إِلى النَّبِيِّ يَسْأَلُونَهُ الصُّلْحَ وَالمُوَادَعَةَ، فَتَمَّ الصُّلْحُ عَلَى أَنْ يَرْجِعَ الرَّسُولُ وَالمُسْلِمُونَ هذا العَامَ، وَلاَ يَدْخُلُوا مَكَّةَ، وَأَنْ يَحُجَّ في العَامِ القَادمِ، وَعَلى أَنْ يَقُومَ صُلْحٌ بَينَ الرَّسُولِ وَقُريشٍ مُدَّتُهُ عَشْرُ سَنَواتٍ. وَفِي هذهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ يَتَحَدَّثُ اللهُ تَعَالى عَنْ بَيْعَةِ الرِّضْوَانِ التي تَمَّتْ تَحْتَ الشَّجَرةِ، فَيقُولُ لِرَسُولِهِ صلى الله عليه وسلم: إِنَّ الذِينَ يُبَايِعُونَكَ في الحُديبيَةِ مِنْ أَصْحابكَ عَلَى أَلاَّ يَفرُّوا مِنَ المَعْرَكَةِ، وَلا يُوَلُّوا الأَدْبَارَ، إِنَّما يُبَايُعونَ اللهَ بِبَيْعَتِهِمْ إِيَّاكَ، واللهُ حَاضِرٌ مَعَهُم، وَهُمْ يَضَعُونَ أَيديَهم في يَدِكَ مُبَايِعِينَ، يَسْمَعُ أَقْوَالَهُم، وَيَرَى مَكانَهُمْ، وَيَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَجَهْرَهُمْ، فَهُوَ تَعَالى المُبَايعُ بِوَاسِطَةِ رَسُولِهِ، وَيَدُهُ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ. وفي الحديث: حديث : مَنْ سَلَّ سَيْفَهُ في سَبِيلِ اللهِ فَقَدْ بَايعَ . تفسير : فَمَنْ نَقَضَ البَيْعَةَ التِي عَقَدَهَا مَعَ النَّبِيِّ فإِنَّ ضَرَرَ ذَلِكَ إِنَّما يَعُودُ عَلَيهِ، وَلاَ يَضرُّ بالنَّكْثِ وَالإِخْلاَفِ إِلا نَفْسَهُ. أَمَّا مَنْ أوفى بِعَهدِ البَيْعَةِ فإِنَّ لَهُ عِنْدَ اللهِ الأَجْرَ والمَثُوبَة في الآخِرَةِ، ويُدْخِلُه الجَنَّةَ لِيبْقَى فِيها خَالِداً. نَكَثَ - نَقَضَ العَهْدَ أَوِ البَيْعَةَ.
الثعلبي
تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ} يا محمّد بالحديبية على أن لا يفروا {إِنَّمَا يُبَايِعُونَ ٱللَّهَ}. أخبرنا ابن منجويه، حدّثنا ابن حبش المقري، حدّثنا محمّد بن عمران، حدّثنا أبو عبد الله المخزومي، حدّثنا سفيان بن عينية، عن حديث : عمرو بن دينار إنّه سمع جابراً يقول: كنّا يوم الحديبية ألف وأربعمائة، فقال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم "أنتم اليوم خير أهل الأرض"تفسير : . قال: وقال لنا جابر: لو كنت أبصر لأريتكم موضع الشجرة، وقال: بايعنا رسول الله تحت السمّرة على الموت على أن لا نفرّ، فما نكث أحد منّا البيعة، إلاّ جد بن قيس وكان منافقاً، اختبأ تحت أبط بعيره، ولم يسر مع القوم. {يَدُ ٱللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ} قال ابن عبّاس: {يَدُ ٱللَّهِ} بالوفاء لما وعدهم من الخير {فَوْقَ أَيْدِيهِمْ} بالوفاء. وقال السدي: {يَدُ ٱللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ} وذلك إنّهم كانوا يأخذون بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم ويبايعونه، و {يَدُ ٱللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ} عند المبايعة. وقال الكلبي: معناه نعمة الله عليهم فوق ما صنعوا من البيعة، وقال ابن كيسان: قوّة الله ونصرته فوق قوّتهم ونصرتهم. {فَمَن نَّكَثَ} يعني البيعة {فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَىٰ نَفْسِهِ} عليه وباله {وَمَنْ أَوْفَىٰ بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ ٱللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ} قرأ أهل العراق (بالياء)، وغيرهم (بالنون). {أَجْراً عَظِيماً} وهو الجنّة {سَيَقُولُ لَكَ ٱلْمُخَلَّفُونَ مِنَ ٱلأَعْرَابِ} قال ابن عبّاس ومجاهد: يعني أعراب غفار، ومزينة، وجهينة، وأشجع، وأسلم، والديك، وذلك أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم حين أراد المسير إلى مكّة عام الحديبية معتمراً استنفر من حول المدينة من الأعراب، وأهل البوادي ليخرجوا معه حذراً من قريش أن يعرضوا له بحرب ويصدّوه عن البيت، وأحرم هو صلى الله عليه وسلم وساق معه الهدي ليعلم النّاس أنّه لا يريد حرباً، فتثاقل عنه كثير من الأعراب، وقالوا: نذهب معه إلى قوم، قد جاؤوه، فقتلوا أصحابه، فنقاتلهم، فتخلّفوا عنه. واعتلُّوا بالشغل، فأنزل الله تعالى: {سَيَقُولُ لَكَ ٱلْمُخَلَّفُونَ مِنَ ٱلأَعْرَابِ} الّذين خلّفهم الله عن صحبتك، وخدمتك في حجّتك، وعمرتك إذا انصرفت إليهم، فعاتبتهم على التخلّف عنك. {شَغَلَتْنَآ أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَٱسْتَغْفِرْ لَنَا} ثمّ كذّبهم في اعتذارهم واستغفارهم وأخبر عن إسرارهم وإضمارهم، فقال: {يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَن يَمْلِكُ لَكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ شَيْئاً إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرّاً} قرأ حمزة والكسائي وخلف بضمّ (الضادّ) والباقون بالفتح، واختاره أبو عبيد، وأبو حاتم، قالا: لأنّه قابله بالنفع ضدّ الضرّ. {أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعاً بَلْ كَانَ ٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً * بَلْ ظَنَنْتُمْ أَن لَّن يَنقَلِبَ ٱلرَّسُولُ وَٱلْمُؤْمِنُونَ إِلَىٰ أَهْلِيهِمْ أَبَداً وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنتُمْ ظَنَّ ٱلسَّوْءِ} وذلك بأنّهم قالوا: إنَّ محمّداً وأصحابه أكلة رأس فلا يرجعون، فأين تذهبون؟ انتظروا ما يكون من أمرهم. {وَكُنتُمْ قَوْماً بُوراً} هالكين، فاسدين، لا تصلحون لشيء من الخير. {وَمَن لَّمْ يُؤْمِن بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّآ أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَعِيراً * وَلِلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَتِ وَٱلأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً * سَيَقُولُ ٱلْمُخَلَّفُونَ} عن الحديبية {إِذَا ٱنطَلَقْتُمْ إِلَىٰ مَغَانِمَ} يعني غنائم خيبر {لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ} إلى خيبر فنشهد معكم، فقال أهلها: {يُرِيدُونَ أَن يُبَدِّلُواْ كَلاَمَ ٱللَّهِ} قرأ حمزة والكسائي (كلم الله) بغير (ألف)، وغيرهم (كلام الله)، واختاره أبو عبيد وأبو حاتم، قال الفرّاء: الكلام مصدر، والكلم جمع الكلمة، ومعنى الآية يريدون أن يغيّروا وعد الله الذي وعد أهل الحديبية، وذلك أنّ الله تعالى جعل غنائم خيبر لهم عوضاً من غنائم أهل مكّة، إذا انصرفوا عنهم على صلح، ولم يصيبوا منهم شيئاً، وقال ابن زيد: هو قوله تعالى: {أية : فَٱسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَّن تَخْرُجُواْ مَعِيَ أَبَداً وَلَن تُقَاتِلُواْ مَعِيَ عَدُوّاً} تفسير : [التوبة: 83]. والقول الأوّل أصوب، وإلى الحقّ أقرب، لأنّ عليه عامّة أهل التأويل، وهو أشبه بظاهر التنزيل لأنّ قوله: {أية : فَقُلْ لَّن تَخْرُجُواْ مَعِيَ أَبَداً} تفسير : [التوبة: 83] نزلت في غزوة تبوك. {قُل لَّن تَتَّبِعُونَا} إلى خيبر. {كَذَٰلِكُمْ قَالَ ٱللَّهُ مِن قَبْلُ} أي من قبل مرجعنا إليكم: إنّ غنيمة خيبر لمن شهد الحديبية، ليس لغيرهم فيها نصيب. {فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا} أن نصيب معكم من الغنائم. {بَلْ كَانُواْ لاَ يَفْقَهُونَ إِلاَّ قَلِيلاً * قُل لِّلْمُخَلَّفِينَ مِنَ ٱلأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَىٰ قَوْمٍ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ} قال ابن عبّاس، وعطاء بن أبي رباح، وعطاء الخراساني، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، ومجاهد: هم فارس. كعب: الروم. الحسن: فارس، والروم. عكرمة: هوازن. سعيد بن جبير: هوازن، وثقيف. قتادة: هوازن وغطفان يوم حنين. الزهري، ومقاتل: بنو حنيفة أهل اليمامة، أصحاب مُسيلمة الكذّاب. قال رافع بن جريج: والله لقد كنّا نقرأ هذه الآية فيما مضى {سَتُدْعَوْنَ إِلَىٰ قَوْمٍ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ} فلا نعلم من هم حتّى دعا أبو بكر رضي الله عنه إلى قتال بني حنيفة، فعلمنا أنّهم هم، وقال أبو هريرة: لم تأت هذه الآية بعد. {تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ} قرأ العامّة يسالمون في محل الرفع عطفاً على قوله: {تُقَاتِلُونَهُمْ}، وفي حرف أُبي (أو يسلموا) بمعنى حتّى يسلموا، كقول امرئ القيس: أو يموت فنعذرا. {فَإِن تُطِيعُواْ يُؤْتِكُمُ ٱللَّهُ أَجْراً حَسَناً وَإِن تَتَوَلَّوْاْ كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِّن قَبْلُ} يعني عام الحديبية {يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً} وهو النّار. قال ابن عبّاس: فلمّا نزلت هذه الآية قال أهل الزمانة: فكيف بنا رسول الله؟ فأنزل الله سبحانه وتعالى: {لَّيْسَ عَلَى ٱلأَعْمَىٰ حَرَجٌ} في التخلّف عن الجهاد، والقعود عن الغزو. {وَلاَ عَلَى ٱلأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلاَ عَلَى ٱلْمَرِيضِ حَرَجٌ} في ذلك. {وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ وَمَن يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذَاباً أَلِيماً} قرأ أهل المدينة والشام (يدخله) (ويعذّبه) فيهما (بالنون) فيهما وقرأ الباقون (بالياء) فيهما، واختاره أبو عبيد وأبو حاتم، قالا: لِذِكر الله تعالى قبل ذلك. {لَّقَدْ رَضِيَ ٱللَّهُ عَنِ ٱلْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ} بالحديبية على أن يناجزوا قريشاً، ولا يفروا. {تَحْتَ ٱلشَّجَرَةِ} وكانت سمرة، ويروى أنّ عمر بن الخطّاب رضي الله عنه مرّ بذلك المكان بعد أن ذهبت الشجرة، فقال: أين كانت؟ فجعل بعضهم يقول: هاهنا، وبعضهم هاهنا، فلمّا كثر اختلافهم قال: سيروا، هذا التكلف، وقد ذهبت الشجرة، أما ذهب بها سيل وأمّا شيء سوى ذلك. حديث : وكان سبب هذه البيعة أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا خراش بن أُمية الخزاعي، فبعثه إلى قريش بمكّة، وحمله على جمل له يقال له: الثعلب ليبلغ أشرافهم عنه ما جاء له، وذلك حين نزل الحديبية. فعقروا له جمل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأرادوا قتله فمنعه الأحابيش، فخلّوا سبيله حتّى أتى رسول الله، فدعا رسول الله (عليه السلام) عمر بن الخطّاب رضي الله عنه ليبعثه إلى مكّة، فقال: يا رسول الله إنّي أخاف قريشاً على نفسي، وليس بمكّة من بني عدي بن كعب أحد يمنعني، وقد عرفت قريش عداوتي إيّاها، وغلظتي عليهم، ولكنّي أدُّلك على رجل هو أعزّ بها منّي، عثمان بن عفّان، فدعا رسول الله عثمان، فبعثه إلى أبي سفيان وأشراف قريش يخبرهم أنّه لم يأت لحرب، وإنّما جاء زائراً لهذا البيت، معظّماً لحرمته، فخرج عثمان إلى مكّة، فلقيه أبان بن سعيد بن العاص حين دخل مكّة، أو قبل أن يدخلها، فنزل عن دابّته وحمله بين يديه، ثمّ ردفه وأجازه حتّى بلّغ رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عظماء قريش لعثمان حين فرغ من رسالة رسول الله: إن شئت أن تطوف بالبيت فطف به، فقال: ما كنت لأفعل حتّى يطوف به رسول الله. فاحتبسته قريش عندهم، فبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين أنّ عثمان قد قُتل، فقال رسول الله: "لا نبرح حتّى نناجز القوم". ودعا الناس إلى البيعة، فكانت بيعة الرضوان تحت الشجرة، فكان الناس يقولون: بايعهم رسول الله على الموت، وقال بكير بن الأشج: بايعوه على الموت، فقال رسول الله (عليه السلام): "بل على ما استطعتم" . تفسير : وقال عبد الله بن معقل: كنت قائماً على رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك اليوم، وبيدي غصن من السمرة، أذبّ عنه، وهو يبايع النّاس، فلم يبايعهم على الموت، وإنّما بايعهم على أن لا يفرّوا، وقال جابر بن عبدالله: فبايع رسولَ الله صلى الله عليه وسلم النّاس ولم يتخلّف عنه أحد من المسلمين حضرها إلاّ الجد بن قيس أخو بني سلمة، لكأنّي أنظر إليه لاصقاً بإبط ناقته مستتراً بها من النّاس. وكان أوّل من بايع بيعة الرضوان رجل من بني أسد يقال له: أبو سنان بن وهب. ثمّ أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم إنّ الّذي ذُكر من أمر عثمان باطل، واختلفوا في مبلغ عدد أهل بيعة الرضوان، فروى شعبة، عن عمرو بن مُرّة، قال: سمعت عبد الله بن أبي أوفى يقول: كنّا يوم الشجرة ألف وثلاثمائة، وكانت أسلم يومئذ من المهاجرين. وقال قتادة: كانوا خمسة عشر ومائة. وروى العوفي عن ابن عبّاس، قال: كان أهل البيعة تحت الشجرة ألفاً وخمسمائة وخمسة وعشرون. وقال آخرون: كانوا ألفاً وأربعمائة. أخبرنا الحسين بن محمّد بن منجويه، حدّثنا علي بن أحمد بن نصرويه، حدّثنا أبو عمران موسى بن سهل بن عبد الحميد الخولي، حدّثنا محمّد بن رمح، حدّثنا الليث بن سعد، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : لا يدخل النّار أحدٌ ممّن بايع تحت الشجرة ". تفسير : {فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ} من الصدق، والصبر، والوفاء. {فَأنزَلَ ٱلسَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً} وهو خيبر {وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا} وكانت خيبر ذات عقار وأموال. فاقتسمها رسول الله بينهم. {وَكَان ٱللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً * وَعَدَكُمُ ٱللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا} وهي الفتوح التي تفتح لهم إلى يوم القيامة {فَعَجَّلَ لَكُمْ هَـٰذِهِ} يعني يوم خيبر. {وَكَفَّ أَيْدِيَ ٱلنَّاسِ عَنْكُمْ} أهل مكّة عنكم بالصلح، وقال قتادة: يعني وكفّ اليهود من خيبر، وحلفاءهم من أسد، وغطفان، عن بيضتكم، وعيالكم، وأموالكم بالمدينة، وذلك أنّ مالك بن عوف النصري، وعيينة بن حصن الفزاري، ومن معهما من بني أسد وغطفان جاءوا لنصرة أهل خيبر فقذف الله تعالى في قلوبهم الرعب فانصرفوا. {وَلِتَكُونَ} هزيمتهم، وسلامتكم {آيَةً لِّلْمُؤْمِنِينَ} ليعلموا أنّ الله هو المتولّي حياطتهم، وحراستهم في مشهدهم ومغيبهم. {وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً} طريق التوكّل، والتفويض حتّى تتقوا في أُموركم كلّها بربّكم، وتتوكّلوا عليه، وقيل: يثبتكم على الإسلام، ويزيدكم بصيرة ويقيناً بصلح الحديبية، وفتح خيبر، وذلك أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لما رجع من غزوة الحديبية إلى المدينة، أقام بها بقيّة ذي الحجّة، وبعض المحرم، ثمّ خرج في بقيّة المحرم سنة سبع إلى خيبر، واستخلف على المدينة سماع بن عرفطة الغفاري. أخبرنا عبد الله بن محمّد بن عبد الله الزاهد، قرأه عليه، أخبرنا أبو العبّاس محمّد بن إسحاق السرّاج، حدّثنا يعقوب بن إبراهيم، حدّثنا عثمان بن عمر، أخبرنا ابن عون، عن عمرو ابن سعيد، عن أنس بن مالك، أخبرنا عبيدالله بن محمّد، أخبرنا أبو العبّاس السرّاج، حدّثنا عبد الأعلى بن حمّاد أبو يحيى الباهلي، حدّثنا يزيد بن زريع، حدّثنا عن ابن أبي عروبة، قال: أخبرنا عبيد الله بن محمّد، حدّثنا أبو العبّاس السرّاج، حدّثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري، حدّثنا روح، عن سعيد، عن قتادة، حديث : عن أنس، قال: كنت رديف أبي طلحة يوم أتينا خيبر، فصبّحهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أخذوا مساحيهم، وفؤوسهم، وغدوا على حرثهم، وقالوا: محمّد والخميس. فقال رسول الله: "الله أكبر هلكت خيبر، إنّا إذا نزلنا ساحة قوم فساء صباح المنذرين". ثمّ نكصوا، فرجعوا إلى حصونهم . تفسير : أخبرنا عبيد الله بن محمّد بن عبد الله بن محمّد، حدّثنا أبو العبّاس السرّاج، حدّثنا قتيبة بن سعيد، حدّثنا حاتم بن إسماعيل، عن يزيد بن أبي عبيد، عن سلمة بن الأكوع. وأخبرنا عبيد الله بن محمّد، أخبرنا أبو العبّاس السرّاج، حدّثنا أحمد بن يوسف السلمي، حدّثنا النضر بن محمّد، حدّثنا عكرمة بن عمّار، حدّثنا سلمة بن الأكوع، عن أبيه، قال: وحدّثت عن محمّد بن جرير، عن محمّد بن حميد، عن سلمة، عن ابن إسحاق، عن رحالة، قال: وعن ابن جرير، حدّثنا ابن بشار، حدّثنا محمّد بن جعفر، حدّثنا عوف، عن ميمون أبي عبد الله، عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه، دخل حديث بعضهم في بعض، قالوا: حديث : خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى خيبر يسير بنا ليلاً، وعامر بن الأكوع معنا، فقال رجل من القوم لعامر بن الأكوع: ألا تسمعنا من هينهاتك؟ وكان عامر شاعراً فنزل يحدو بالقوم وهو يرجز لهم: * اللهُمَّ لولا أنتَ ما اهتدينا * ولا تصدّقنا ولا صلّينا * * انّ الذين هم بغوا علينا * ونحن عن فضلك ما استغنينا * * فاغفر فداء لك ما اقتفينا * وثبّت الأقدام إن لاقينا * * وألقيَنْ سكينةً علينا * إنّا إذا صيح بنا أتينا * فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "مَنْ هذا؟". قالوا: عامر بن الأكوع. فقال: «غفر لك ربّك». فقال رجل من القوم: وجبت يا نبي الله، لو امتعتنا به. وذلك أنّ رسول الله (عليه السلام) ما استغفر قطّ لرجل يخصّه إلاّ استشهد. قالوا: فلمّا قدمنا خيبر وتصافّ القوم، خرج يهودي، فبرز إليه عامر، وقال: قد علمت خيبر إنّي عامر شاك السلاح بطل مغامر فاختلفا ضربتين، فوقع سيف اليهودي في ترس عامر، ووقع سيف عامر عليه، وأصاب ركبة نفسه، وساقه، فمات منها، قال سلمة بن الأكوع: فمررت على نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم يقولون: بطل عمل عامر، فأتيت نبي الله وأنا شاحب أبكي، فقلت: يا رسول الله أبطلَ عمل عامر؟ فقال: "ومَنْ قال ذاك؟" قلت: بعض أصحابك. قال: "كذب من قال، بل له أجره مرّتين، إنّه لجاهد مجاهد". قال: فحاصرناهم حتّى أصابتنا مخمصة شديدة ثمّ إنّ الله تعالى فتحها علينا، وذلك أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطى اللواء عمر بن الخطّاب، ونهض من نهض معه من الناس، فلقوا أهل خيبر، فانكشف عمر، وأصحابه، فرجعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يحينه أصحابه، ويحينهم، وكان رسول الله قد أخذته الشقيقة، فلم يخرج إلى النّاس، فأخذ أبو بكر راية رسول الله، ثمّ نهض فقاتل قتالاً شديداً، ثمّ رجع، فأخذها عمر، فقاتل قتالاً شديداً، وهو أشدّ من القتال الأوّل، ثمّ رجع، فأخبر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "أما والله لأعطينّ الراية غداً رجلاً يحبّ الله، ورسوله، ويحبّه الله، ورسوله يأخذها عنوة". وليس ثَمّ علي، فلمّا كان الغد تطاول لها أبو بكر وعمر وقريش رجاء كلّ واحد منهم أن يكون صاحب ذلك، فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم سلمة بن الأكوع إلى علي، فدعاه، فجاء علي على بعير له حتّى أناخ قريباً من خباء رسول الله، وهو أرمد قد عصب عينيه بشقة برد قطري، قال سلمة: فجئت به أقوده إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم . فقال رسول الله: "ما لكَ؟". قال: رمدت. فقال: «إدن منّي». فدنا منه فتفل في عينيه، فما وجعهما بعد حتّى مضى لسبيله، ثمّ أعطاه الراية، فنهض بالراية وعليه حلّة أُرجوان حمراء، قد أخرج حملها، فأتى مدينة خيبر، وخرج مرحب صاحب الحصن وعليه مغفر معصفر، وحجر قد ثقبه مثل البيضة على رأسه، وهو يقول: * قد علمت خيبر أنّي مرحب * شاكي السلاح بطلٌ مجرّب * * أطعن أحياناً * وحيناً أضرب * *إذا الحروب أقبلت تلهّب * كان حمائي كالحمى لا يقرب * فبرز إليه علي رضي الله عنه، وقال: * أنا الّذي سمّتني أُمّي حيدره * كليثِ غابات شديد قسوره * * أكيلكم بالسيف كيل السندره * فاختلفا ضربتين، فبدره علي، فضربه، فقدَّ الحجر والمغفرة، وفلق رأسه حتّى أخذ السيف في الأضراس، وأخذ المدينة، وكان الفتح على يديه، ثمّ خرج بعد مرحب أخوه ياسر بن نحر، وهو يقول: * قد علمت خيبر أنّي ياسر * شاكي السلاح بطل مغاور * * إذا الليوث أقبلت تبادر * وأحجمت عن صولتي المغاور * * إنّ حمائي فيه موت حاضر * وهو يقول: هل من مبارز؟ فخرج إليه الزبير بن العوّام، وهو يقول: * قد علمت خيبر أنّي زبار * قرم لقرم غير نكس فرار * * ابن حماة المجد ابن الأخيار * ياسر لا يغررْك جمع الكفّار * * وجمعهم مثل السراب الحبار * فقالت أُمّه صفية بنت عبد المطّلب: أيقتل ابني يا رسول الله؟ فقال: "بل ابنك يقتله إن شاء الله" ثمّ التقيا، فقتله الزبير، فقال أبو رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم خرجنا مع علي بن أبي طالب حين بعثه رسول الله (عليه السلام) برايته، فلمّا دنا من الحصن خرج إليه أهله فقاتلهم، فضربه رجل من اليهود، فطرح ترسه من يده، فتناول علي باباً كان عند الحصن، فتترّس به عن نفسه، فلم يزل في يده، وهو يقاتل حتّى فتح الله تعالى عليه، ثمّ ألقاه من يده حين فرغ، فلقد رأيتني في نفر سبعة أنا ثامنهم نجهد على أن نقلب ذلك الباب، فما نقلبه. ثمّ لم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يفتح الحُصون حُصناً حُصناً، ويجوز الأموال حتّى انتهوا إلى حُصن الوطيح والسلالم، وكان آخر حصون خيبر افتتح، فحاصرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بضع عشرة ليلة، فلمّا أمسى النّاس يوم الفتح أوقدوا نيراناً كثيرة، فقال رسول الله: "على أيّ شيء توقدون؟" قالوا: على لحم، قال: "على أيّ لحم؟" قالوا: لحم الحمر الأنسية. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "اهريقوها واكسروها". فقال رجل: أَوَ نهرّقها ونغسلها؟ فقال: "أو ذاك" . تفسير : قال ابن إسحاق: حديث : ولمّا افتتح رسول الله (عليه السلام) القموص حصن بني أبي الحقيق أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بصفية بنت حي بن أحطب، وبأُخرى معها، فمرّ بهما بلال، وهو الذي جاء بهما على قتلى من قُتل من اليهود، فلمّا رأتهما التي مع صفية، صاحت، وصكّت وجهها، وحثت التراب على رأسها، فلمّا رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أغربوا عنّي هذه الشيطانة". وأمر بصفية، فجرت خلفه وألقى عليها رداءه، فعلم المسلمون أنّ رسول الله قد اصطفاها لنفسه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لبلال لمّا رأى من تلك اليهودية ما رأى: "أَنُزعت منك الرحمة يا بلال حيث تمرّ بامرأتين على قتلى رجالهما؟" وكانت صفية قد رأت في المنام، وهي عروس بكنانة بن الربيع بن أبي الحقيق أنّ قمراً وقع في حجرها، فعرضت رؤيتها على زوجها، فقال: ما هذا إلاّ أنّك تمنين مَلِك الحجاز محمّداً، فلطم وجهها لطمة اخضّرت عينها منها، فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم وبها أثر منها. فسألها: "ما هو؟" فأخبرته هذا الخبر، وأتى رسول الله بزوجها كنانة بن الربيع بن أبي الحقيق، وكان عنده كنز بني النضير، فسأله، فجحده أن يكون يعلم مكانه، فأتى رسول الله برجل من اليهود، فقال لرسول الله (عليه السلام): إنّي قد رأيت كنانة يطيف هذه الخزنة كلّ غداة، فقال رسول الله لكنانة: "أرأيت إن وجدناه عندك أقتلك". قال: نعم. فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخزنة، فحفرت، فأخرج منها بعض كنزهم، ثمّ سأله ما بقي، فأبى أن يؤدّيه، فأمر به رسول الله الزبير بن العوّام. فقال: "عذّبه حتّى تستأصل ما عنده". فكان الزبير يقدح بزنده في صدره حتّى أشرف على نفسه، ثمّ دفعه رسول الله إلى محمّد ابن مسلمة، فضرب عنقه بأخيه محمود بن مسلمة، وكانت اليهود ألقت عليه حجراً عند حصن ناعم، فقتله، كان أوّل حصن افتتح من حصون خيبر. قالوا: فلمّا سمع أهل فدك بما صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم بخيبر، بعثوا إلى رسول الله أن يسترهم ويحقن لهم دماءهم ويخلّوا له الأموال، ففعل، ثمّ إنّ أهل خيبر سألوا رسول الله أن يعاطيهم الأموال على النصف ففعل على إنّا إن شئنا فخرجنا أخرجناكم، وصالحه أهل فدك على مثل ذلك، وكانت خيبر فيئاً للمسلمين، وكانت فدك خالصة لرسول الله (عليه السلام) لم يجلبوا عليها بخيل ولا ركاب. فلما اطمئنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أهدت له زينب بنت الحارث امرأة سلام بن مشكم، شاة مصلية، وقد سألت، أي عضو من الشاة أحبّ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقيل لها: الذراع، فأكثرت فيها السمّ، وسمّت سائر الشاة، ثمّ جاءت بها، فلمّا وضعتها بين يدي رسول الله، تناول الذراع، فأخذها، فلاك منها مضغة، فلم يسغها، ومعه بشر بن البراء بن معرور، وقد أخذ منها كما أخذ منها رسول الله، فأما بشر فأساغها، وأمّا رسول الله فلفظها، ثمّ قال: "إنّ هذا العظم ليخبرني أنّه مسموم". ثمّ دعاها، فاعترفت، فقال: "ما حملك على ذلك؟" قالت: بلغت من قومي ما لم يخف عليك، فقلت: إن كان نبيّاً فسيخبر، وإن كان ملكاً استرحت منه. قال: فتجاوز عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم ومات بشر بن البراء من أكلته التي أكل. قال: ودخلت أُم بشر بن البراء على رسول الله صلى الله عليه وسلم تعوده في مرضه الذي توفى فيه، فقال: "يا أُمّ بشر ما زالت أكلة خيبر التي أكلت بخيبر مع ابنك تعادني، فهذا أوان انقطاع أبهري" . تفسير : وكان المسلمون يرون أنّ رسول الله مات شهيداً مع ما أكرمه الله تعالى به من النبوّة. {وَأُخْرَىٰ} أي وعدكم فتح بلدة أُخرى. {لَمْ تَقْدِرُواْ عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ ٱللَّهُ بِهَا} حتّى يفتحها عليكم، وقال ابن عبّاس: علم الله أنّه يفتحها لكم. واختلفوا فيها، فقال ابن عبّاس وعبد الرّحمن بن أبي ليلى والحسن ومقاتل: هي فارس والروم. وقال الضحّاك وابن زيد وابن إسحاق: هي خيبر، وعدها الله تعالى نبيّه قبل أن يصيبها، ولم يكونوا يذكرونها ولا يرجونها، حتّى أخبرهم الله تعالى بها. وهي رواية عطية، وماذان، عن ابن عبّاس، وقال قتادة: هي مكّة. عكرمة: هي خيبر. مجاهد: ما فتحوا حتّى اليوم. {وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً}.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : الحديث هنا عن بيعة الحديبية التي كانت عند شجرة الرضوان التي قال الله فيها في نفس هذه السورة {أية : لَّقَدْ رَضِيَ ٱللَّهُ عَنِ ٱلْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ ٱلشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأنزَلَ ٱلسَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً}تفسير : [الفتح: 18]. إذن: الفتح الذي نحن بصدده ظهرت بشائره في هذه البيعة في بداية الفتح الأعظم، لذلك لما اعترض سيدنا عمر وقال لسيدنا رسول الله: لِمَ نُعطِ الدنية في ديننا؟ نهره الصِّديق أبو بكر وقال له: الزم غرزك يا عمر. يعني: لا تتعد حدودك واعرف مكانك. وكان الصِّديق يقول: والله ما كان فَتْحٌ في الإسلام أعظمَ من فتح الحديبية، لماذا؟ لأنه الذي مهَّد لفتح مكة، ولكن الناس وقتها لم يتسع ظنهم لما بين محمد وربه، ومن طبيعة الناس العجلة. أما الحق سبحانه فلا يعجل بعجلة العباد حتى تبلغ الأمور ما أراد، وتعلمون قصة السيدة أم سلمة حديث : لما دخل عليها سيدنا رسول الله مُغْضباً، فقالت له: ما أغضبك يا رسول الله؟ قال: هلك المسلمون يا أم سلمة أمرتهم فلم يمتثلوا. قالت: يا رسول الله إنهم مكروبون جاءوا على شوق لرؤية الكعبة، ثم يُمنعون عنها وبينهم وبينها كذا وكذا، اعذرهم يا رسول الله وانظر إلى ما أمرك الله به فافعله ولا تكلم أحداً، فإنهم إنْ رأوك فعلتَ فعلوا . تفسير : ونحجت خطة أم سلمة ونجى المسلمون من فتنة كادت تهلكهم، صحيح هي عصبية إيمانية وأمر في ظاهره يُرضي رسول الله، لكن إنْ كان الأمر الأعلى من الله فهو أَوْلى بالسمع والطاعة. لذلك قالوا: من الشجاعة أن تجبن ساعة، هَبْ ونحن جالسون في مكان وبيننا أكابر وعظماء ودخل علينا مجرم وفي يده مسدس وأمرنا بالقيام وهددنا، ماذا نفعل؟ لابّد أنْ نمتثل لأمره في هذا الموقف حتى لا نخاطر بأنفسنا. فهناك شجاعة على الغير، وشجاعة على النفس، وهذه من الحنكة والسياسة، وهذا ما فعله رسول الله وما رآه بما لديه من نورانية موصولة بالحق سبحانه. وكان هذا الصلح رفعة للإسلام وإعلاءً لرايته مع أنهم عادوا ولم يدخلوا مكة، ذلك لأن قريشاً كانت تتخذ من الإسلام عدواً، ولا تسمح له بأنْ يُعبِّر عن نفسه، والآن تفتح معه باب الحوار والمناقشة. إذن: أصبح للإسلام كيان وكلمة تُسمع، وارتفع عن ذلّة الماضي وهوانه. كذلك كان الصلح تهدئة لقريش وإزالة لما لديها من حقد وشحناء ضد المسلمين، فبالصلح معهم نأمن جانبهم لنتفرغ لنشر الدعوة في باقي جزيرة العرب، وقبل أنْ يصل المسلمون في طريق عودتهم إلى المدينة بيَّن الحق سبحانه لرسوله صلى الله عليه وسلم المسألة، فقال: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ ٱللَّهَ ..} [الفتح: 10]. والمبايعة عقد بين طرفين واتفاق، والبيع أمر محبوب للإنسان على خلاف الشراء، لذلك قال تعالى في الجمعة {أية : فَٱسْعَوْاْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ وَذَرُواْ ٱلْبَيْعَ ..}تفسير : [الجمعة: 9] لأنك تحب أن تبيع، أما الشراء فلا تحرص عليه كما تحرص على البيع وقد تشتري وأنت كاره. إذن: يبايعونك يعني: يعقدون معك عقد بيع، هذا العقد شرحه الحق سبحانه في قوله: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ ٱلْجَنَّةَ ..}تفسير : [التوبة: 111]. إذن: عقدوا هذه الصفقة مع الله {إِنَّ ٱلَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ ٱللَّهَ ..} [الفتح: 10] لأنك يا محمد لا تأخذ شيئاً لنفسك، إنما تأخذ لمنهج الله الذي أرسلك به وبعثك من أجله. فبيعة الرسول هي في الحقيقة بيعة لله، لذلك قال: {يَدُ ٱللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ ..} [الفتح: 10] أي: فوق الأيدي التي امتدتْ لتبايع رسول الله، فكانت يد الله فوق يد الجميع، لأن المنة هنا من الله فلا تظنوا المنة منكم بأن بايعتم، بل المنة من الله عليكم، ويده فوق أيديكم وهو الذي ساق لكم هذا الخير الذي يُسعدكم في الدنيا وفي الآخرة. واليد هنا ليست هي اليد التي نعرفها كأيدينا، بل هي يد المنَّة والمعروف، كما تقول مثلاً: فلان له علىَّ يد. يعني: نعمة أو مكْرمة وجميل. وقوله: {فَمَن نَّكَثَ ..} [الفتح: 10] أي: نقض عهده {فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَىٰ نَفْسِهِ ..} [الفتح: 10] فهو المضار، لأن الله تعالى لا يضره شيء من أفعال العباد، لا تنفعه طاعة ولا تضره معصية. وفي المقابل: {وَمَنْ أَوْفَىٰ بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ ٱللَّهَ ..} [الفتح: 10] يعني: وفَّى وكان عند العهد الذي أخذه على نفسه {فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً ..} [الفتح: 10]. ذكر البخاري ومسلم هذه القصة، وأن الحديبية مكان يبعد عن مكة حوالي 22 كم عند شجرة كانت مائلة فسميت الحديبية، أو عند عين ماء كانوا يرتوون منها، وأن عددهم كان ألفاً وأربعمائة، في رواية البخاري روى سيدنا سلمة بن الأكوع أنهم بايعوا رسول الله على الموت، وفي رواية مسلم أنهم بايعوه على ألاَّ يفروا من المعركة.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {يَدُ ٱللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ} معناه قُدرتُهُ ومِنتُهُ.
الجيلاني
تفسير : ثم قال سبحانه بلسان الجمع على سبيل الإرشاد والتكميل: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ} يا أكمل الرسل، و يختارون متابعتك، ويستهدون من هدايتك وإرشادك {إِنَّمَا يُبَايِعُونَ ٱللَّهَ} الذي استخلفك عليهم وجعلك نائباً عن ذاته فيما بينهم، فعليهم ألاَّ ينقضوا العهد والبيعة التي عهدوا معك، بل وكيف يسع لهم النقض مع أن {يَدُ ٱللَّهِ} وقبضة قدرته الغالبة {فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَن نَّكَثَ} ونقض البيعة والعهد مع رسوله {فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَىٰ نَفْسِهِ} أي: ما يعود وبال نقضه إلا عليه {وَمَنْ أَوْفَىٰ} وحفظ {بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ ٱللَّهَ} وهو معاهدتهم مع الرسول الله صلى الله عليه وسلم بخلافته صلى الله عليه وسلم عنه سبحانه {فَسَيُؤْتِيهِ} للوفاء {أَجْراً عَظِيماً} [الفتح: 10] هو الفوز بشرف اللقاء والتحقيق لدى المولى. {سَيَقُولُ لَكَ} يا أكمل الرسل على سبيل الاعتذار {ٱلْمُخَلَّفُونَ} أي: المنافقون الناقضون للعهود، المتخلفون عن الجهاد {مِنَ ٱلأَعْرَابِ} المجبولين على الكفر والنفاق: {شَغَلَتْنَآ} عن متابعتك ومشايعتك {أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا} أي: ليس لنا متعهد سوانا؛ لذلك حرمنا عن صبحتك وعن أجر الجهاد {فَٱسْتَغْفِرْ لَنَا} يا رسول الله عند الله حتى يغفر ما صدر عننا من التخلف، لا تبال يا أكمل الرسل بهم وباعتذارهم واستغفارهم هذا، فإنه من شدة شكميتهم وغيظهم وضعف عقيدتهم {يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ} تغريراً وتلبيساً {قُلْ} لهم على سبيل التفضيح والتبكيت: {فَمَن يَمْلِكُ} أي: يدفع ويمنع {لَكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ} القادر المقتدر {شَيْئاً} من غضب الله إن {أَرَادَ بِكُمْ ضَرّاً أَوْ} شيئاً من لطقه ورحمته إن {أَرَادَ بِكُمْ نَفْعاً} وبالجملة: لا راد لفضله، ولا معقب لحكه {بَلْ كَانَ ٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً} [الفتح: 11] يجازيكم على مقتضى خبرته. {بَلْ ظَنَنْتُمْ} أيها المتخلفون المثقلون {أَن لَّن يَنقَلِبَ} ويرجع {ٱلرَّسُولُ وَٱلْمُؤْمِنُونَ إِلَىٰ أَهْلِيهِمْ أَبَداً} بل يستأصلهم العدو، فلن يرجع منهم أحد من سفرهم هذا، بل {وَزُيِّنَ} أي: حُبب وحُسِّن {ذَلِكَ} الاستئصال وعدم الرجوع، وتمكن {فِي قُلُوبِكُمْ وَ} قد {ظَنَنتُمْ} بزعمكم هذا {ظَنَّ ٱلسَّوْءِ} بالله ورسوله والمؤمنين {وَ} بالجملة: {كُنتُمْ} أزلاً {قَوْماً بُوراً} [الفتح: 12] هالكين في تيه الجهل والعناد. {وَ} بالجملة: {مَن لَّمْ يُؤْمِن بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ} اي: لم يجمع بين الإيمان بالله وتصديق الرسول المستخلف منه سبحانه {فَإِنَّآ} بمقتضى قهرنا وجلالنا {أَعْتَدْنَا} وهيأنا {لِلْكَافِرِينَ} المصرين على الكفر والتكذيب {سَعِيراً} [الفتح: 13] ناراً مسعرة ملتهبة تحيط بهم؛ جزاء ما أوقدوا في نفوسهم نار الفتن والطغيان لأولياء الله. {وَ} كيف لا ينتقم عنهم سبحانه مع أنه {لِلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} وله التصرف فيهما بالاستقلال والاختيار {يَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ} فضلاً وإنعاماً {وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ} عدلاً وانتقاماً {وَكَانَ ٱللَّهُ} المتصف بكمال اللطف والمرحمة {غَفُوراً} لمن تاب وآمن وعمل صالحاً {رَّحِيماً} [الفتح: 14] يقبل توبة التائبين، ويعفو عن زلاتهم. ثم لما سمع المخلفون من الأعراب يوم الحديبية أن الله قد وعد المؤمنين فتح خيبر، وخص لهم الغنائم، قصدوا الخروج نحوها طامعين الغنائم؛ لذلك أخبر الله سبحانه حبيبه بقصدهم هذا، فقال: {سَيَقُولُ ٱلْمُخَلَّفُونَ} المذكورات وقت {إِذَا ٱنطَلَقْتُمْ إِلَىٰ مَغَانِمَ} الموعودة لكم خاصة {لِتَأْخُذُوهَا} بفضل الله إياكم: {ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ} بغزوتكم هذه وننصركم، مع أنهم لا يقصدون الرفاقة والوفاق في نفوسهم ونياتهم، بل {يُرِيدُونَ} ويقصدون بقولهم هذا أن {يُبَدِّلُواْ} ويغيروا {كَلاَمَ ٱللَّهِ} الدال على تخصيص غنائم خيبر لمن حضر الحديبية بدل غنائم مكة. {قُل} لهم يا أكمل الرسل على وجه التأييد في النفي: {لَّن تَتَّبِعُونَا كَذَٰلِكُمْ} أي: مثلما سمعتم {قَالَ ٱللَّهُ} المطلع على ما في نفوسهم من النفاق والشقاق {مِن قَبْلُ} أي: قبل تهيئاتكم أيها المؤمنون للخروج إلى خيبر {فَسَيَقُولُونَ} بعدما سمعوا النهى على وجه التأييد في نفوسهم: ما أمرهم الله هذا {بَلْ تَحْسُدُونَنَا} على أخذ الغنيمة؛ أي: ما حملهم على هذا النهي المؤكد المؤبد إلا الحسد والشح {بَلْ} هم قوم جاهلون {كَانُواْ لاَ يَفْقَهُونَ} ولا يفهمون مراد الله العليم الحكيم عن منعهم هذا {إِلاَّ قَلِيلاً} [الفتح: 15] منهم، وهم المصدقون بالله ورسوله في سرائرهم ونجواهم.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : وبقوله: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ ٱللَّهَ} [الفتح: 10]، يشير إلى كمال فناء وجوده صلى الله عليه وسلم في الله وبقائه بالله، فوقع بهذا المعنى بقوله: {يَدُ ٱللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَن نَّكَثَ} [الفتح: 10]؛ أي: عقد هذه البيعة مع الله، {فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَىٰ نَفْسِهِ} [الفتح: 10] بالحرمان من هذه السعادة العظمى، {وَمَنْ أَوْفَىٰ بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ ٱللَّهَ} [الفتح: 10]، فكذلك صرح بهذا أنه جرت البيعة والمعاهدة مع الله، {فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً} [الفتح: 10]، بأن يرزقه عند الثبات على المتابعة. ثم أخبر عن قول أهل اللسان بما ليس لهم في الجنان بقوله تعالى: {سَيَقُولُ لَكَ ٱلْمُخَلَّفُونَ مِنَ ٱلأَعْرَابِ..} [الفتح: 11] الآية، يشير إلى أن القلوب الغافلة عن الله يقولون أهلها بألسنتهم ما ليس له حقيقة ولا شعور لقلوبهم على حقيقة ما يقولون، فإنهم يقولون بالمجاز ويرون به معنى آخر كقوله: {شَغَلَتْنَآ أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَٱسْتَغْفِرْ لَنَا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ} [الفتح: 11]، ويريدون به اعتذاراً لتخلفهم؛ ولقولهم شغلتنا حقيقة، وذلك أن أموالهم وأهليهم شغلتهم عن ذكر الله والائتمار بأوامره، وعن متابعة النبي صلى الله عليه وسلم المأمورون، {قُلْ فَمَن يَمْلِكُ لَكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ شَيْئاً إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرّاً} [الفتح: 11] وهو التخلف، {أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعاً} [الفتح: 11] وهو الإتباع، {بَلْ كَانَ ٱللَّهُ} [الفتح: 11] في الأزل {بِمَا تَعْمَلُونَ} [الفتح: 11] اليوم، ولماذا تعملون بالصدق أو بالرياء، {خَبِيراً} [الفتح: 11] لا يخفى عليه شيء من الأزل إلى الأبد.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : هذه المبايعة التي أشار الله إليها هي { بيعة الرضوان } التي بايع الصحابة رضي الله عنهم فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، على أن لا يفروا عنه، فهي عقد خاص، من لوازمه أن لا يفروا، ولو لم يبق منهم إلا القليل، ولو كانوا في حال يجوز الفرار فيها، فأخبر تعالى: أن الذين بايعوك حقيقة الأمر أنهم { يُبَايِعُونَ اللَّهَ } ويعقدون العقد معه، حتى إنه من شدة تأكده أنه قال: { يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ } أي: كأنهم بايعوا الله وصافحوه بتلك المبايعة، وكل هذا لزيادة التأكيد والتقوية، وحملهم على الوفاء بها، ولهذا قال: { فَمَنْ نَكَثَ } فلم يف بما عاهد الله عليه { فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ } أي: لأن وبال ذلك راجع إليه، وعقوبته واصلة له، { وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ } أي: أتى به كاملا موفرا، { فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا } لا يعلم عظمه وقدره إلا الذي آتاه إياه.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):