Verse. 4594 (AR)

٤٨ - ٱلْفَتْح

48 - Al-Fath (AR)

سَيَقُوْلُ لَكَ الْمُخَلَّفُوْنَ مِنَ الْاَعْرَابِ شَغَلَتْنَاۗ اَمْوَالُنَا وَاَہْلُوْنَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا۝۰ۚ يَقُوْلُوْنَ بِاَلْسِنَتِہِمْ مَّا لَيْسَ فِيْ قُلُوْبِہِمْ۝۰ۭ قُلْ فَمَنْ يَّمْلِكُ لَكُمْ مِّنَ اللہِ شَـيْـــــًٔا اِنْ اَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا اَوْ اَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا۝۰ۭ بَلْ كَانَ اللہُ بِمَا تَعْمَلُوْنَ خَبِيْرًا۝۱۱
Sayaqoolu laka almukhallafoona mina alaAArabi shaghalatna amwaluna waahloona faistaghfir lana yaqooloona bialsinatihim ma laysa fee quloobihim qul faman yamliku lakum mina Allahi shayan in arada bikum darran aw arada bikum nafAAan bal kana Allahu bima taAAmaloona khabeeran

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«سيقول لك المخلفون من الأعراب» حول المدينة، أي الذين خلفهم الله عن صحبتك لما طلبتهم ليخرجوا معك إلى مكة خوفا من تعرض قريش لك عام الحديبية إذا رجعت منها «شغلتنا أموالنا وأهلونا» عن الخروج معك «فاستغفر لنا» الله من تَرْك الخروج معك قال تعالى مكذبا لهم: «يقولون بألسنتهم» أي من طلب الاستغفار وما قبله «ما ليس في قلوبهم» فهم كاذبون في اعتذارهم «قل فمن» استفهام بمعنى النفي أي لا أحد «يملك لكم من الله شيئا إن أراد بكم ضَُرا» بفتح الضاد وضمها «أو أراد بكم نفعا بل كان الله بما تعملون خبيرا» أي لم يزل متصفا بذلك.

11

Tafseer

الرازي

تفسير : لما بيّن حال المنافقين ذكر المتخلفين، فإن قوماً من الأعراب امتنعوا عن الخروج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لظنهم أنه يهزم، فإنهم قالوا أهل مكة يقاتلون عن باب المدينة، فكيف يكون حالهم إذا دخلوا بلادهم وأحاط بهم العدو فاعتذروا، وقولهم {شَغَلَتْنَا أَمْوٰلُنَا وَأَهْلُونَا } فيه أمران يفيدان وضوح العذر أحدهما: (قولهم) {أَمْوَالُنَا } ولم يقولوا شغلتنا الأموال، وذلك لأن جمع المال لا يصلح عذراً (لأنه) لا نهاية له، وأما حفظ ما جمع من الشتات ومنع الحاصل من الفواتت يصلح عذراً، فقالوا {شَغَلَتْنَا أَمْوٰلُنَا } أي ما صار مالاً لنا لا مطلق الأموال وثانيهما: قوله تعالى: {وَأَهْلُونَا } وذلك لو أن قائلاً قال لهم: المال لا ينبغي أن يبلغ إلى درجة يمنعكم حفظه من متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم لكان لهم أن يقولوا: فالأهل يمنع الاشتغال بهم وحفظهم عن أهم الأمور، ثم إنهم مع العذر تضرعوا وقالوا {فَٱسْتَغْفِرْ لَنَا } يعني فنحن مع إقامة العذر معترفون بالإساءة، فاستغفر لنا واعف عنا في أمر الخروج، فكذبهم الله تعالى فقال: {يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَّا لَيْسَ فِى قُلُوبِهِمْ } وهذا يحتمل أمرين أحدهما: أن يكون التكذيب راجعاً إلى قولهم {فَٱسْتَغْفِرْ لَنَا } وتحقيقه هو أنهم أظهروا أنهم يعتقدون أنهم مسيئون بالتخلف حتى استغفروا، ولم يكن في اعتقادهم ذلك، بل كانوا يعتقدون أنهم بالتخلف محسنون ثانيهما: قالوا {شَغَلَتْنَا } إشارة إلى أن امتناعنا لهذا لا غير، ولم يكن ذلك في اعتقادهم، بل كانوا يعتقدون امتناعهم لاعتقاد أن النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنون يقهرون ويغلبون، كما قال بعده {أية : بَلْ ظَنَنْتُمْ أَن لَّن يَنقَلِبَ ٱلرَّسُولُ وَٱلْمُؤْمِنُونَ إِلَىٰ أَهْلِيهِمْ أَبَداً } تفسير : [الفتح: 12] وقوله {قُلْ فَمَن يَمْلِكُ لَكُمْ مّنَ ٱللَّهِ شَيْئاً إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرّاً أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعاً } معناه أنكم تحترزون عن الضرر. وتتركون أمر الله ورسوله، وتقعدون طلباً للسلامة، ولو أراد بكم الضرر لا ينفعكم قعودكم من الله شيئاً، أو معناه أنكم تحترزون عن ضرر القتال والمقاتلين وتعتقدون أن أهليكم وبلادكم تحفظكم من العدو، فهب أنكم حفظتم أنفسكم عن ذلك، فمن يدفع عنكم عذاب الله في الآخرة، مع أن ذلك أولى بالاحتراز، وقد ذكرنا في سورة يۤس في قوله تعالى: {أية : إِن يُرِدْنِ ٱلرَّحْمَـٰنُ بِضُرّ } تفسير : [يۤس: 23] أنه في صورة كون الكلام مع المؤمن أدخل الباء على الضر، فقال: {أية : إِنْ أَرَادَنِيَ ٱللَّهُ بِضُرّ } تفسير : [الزمر: 38] وقال: {أية : وَإِن يَمْسَسْكَ ٱللَّهُ بِضُرّ } تفسير : [الأنعام: 17] وفي صورة كون الكلام مع الكافر أدخل الباء عل الكافر، فقال ههنا {إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرّاً } وقال: {أية : مَن ذَا ٱلَّذِي يَعْصِمُكُمْ مّنَ ٱللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءاً } تفسير : [الأحزاب: 17] وقد ذكرنا الفرق الفائق هناك، ولا نعيده ليكون هذا باعثاً على مطالعة تفسير سورة يّس، فإنها درج الدرر اليتيمة، {بَلْ كَانَ ٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً } أي بما تعملون من إظهار الحرب وإضمار غيره.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى:{سَيَقُولُ لَكَ ٱلْمُخَلَّفُونَ مِنَ ٱلأَعْرَابِ} قال مجاهد وابن عباس: يعني أعراب غِفار ومُزَيْنة وجُهينة وأَسْلم وأشْجَع والدِّيل؛ وهم الأعراب الذين كانوا حول المدينة؛ تخلّفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أراد السفر إلى مكة عام الفتح، بعد أن كان استنفرهم ليخرجوا معه حَذَراً من قريش، وأحرم بعُمْرَةٍ وساق معه الهَدْيَ؛ ليعلم الناس أنه لا يريد حرباً فتثاقلوا عنه واعتلّوا بالشّغل؛ فنزلت. وإنما قال: «الْمُخَلّفُونَ» لأن الله خلّفهم عن صحبة نبيّه. والمخلَّف المتروك. وقد مضى في «براءة». {شَغَلَتْنَآ أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا} أي ليس لنا من يقوم بهما. {فَٱسْتَغْفِرْ لَنَا} جاءوا يطلبون الاْستغفار وٱعتقادُهم بخلاف ظاهرهم؛ ففضحهم الله تعالى بقوله: {يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ} وهذا هو النفاق المحض. {قُلْ فَمَن يَمْلِكُ لَكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ شَيْئاً إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرّاً} قرأ حمزة والكسائي «ضُرًّا» بضم الضاد هنا فقط؛ أي أمراً يضركم. وقال ٱبن عباس: الهزيمة. الباقون بالفتح؛ وهو مصدر ضررته ضَرًّا. وبالضم ٱسم لما ينال الإنسان من الهزال وسوء الحال. والمصدر يؤدّي عن المرّة وأكثر. وٱختاره أبو عبيد وأبو حاتم، قالا: لأنه قابله بالنفع وهو ضدّ الضرّ. وقيل: هما لغتان بمعنًى؛ كالفَقْر والفُقْر والضَّعْف والضُّعْف. {أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعاً} أي نصراً وغَنِيمة. وهذا ردّ عليهم حين ظنوا أن التخلف عن الرسول يدفع عنهم الضر ويعجِّل لهم النفع.

البيضاوي

تفسير : {سَيَقُولُ لَكَ ٱلْمُخَلَّفُونَ مِنَ ٱلأَعْرَابِ} هم أسلم وجهينة ومزينة وغفار استنفرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الحديبية فتخلفوا واعتلوا بالشغل بأموالهم وأهاليهم، وإنما خلفهم الخذلان وضعف العقيدة والخوف من مقاتلة قريش إن صدوهم. {شَغَلَتْنَا أَمْوٰلُنَا وَأَهْلُونَا } إذ لم يكن لنا من يقوم بأشغالهم، وقرىء بالتشديد للتكثير. {فَٱسْتَغْفِرْ لَنَا } من الله على التخلف. {يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَّا لَيْسَ فِى قُلُوبِهِمْ} تكذيب لهم في الاعتذار والاستغفار. {قُلْ فَمَن يَمْلِكُ لَكُمْ مّنَ ٱللَّهِ شَيْئاً} فمن يمنعكم من مشيئته وقضائه. {إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرّاً } ما يضركم كقتل أو هزيمة أو خلل في المال والأهل عقوبة على التخلف، وقرأ حمزة والكسائي بالضم. {أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعاً } ما يضاد ذلك، وهو تعريض بالرد. {بَلْ كَانَ ٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً } فيعلم تخلفكم وقصدكم فيه. {بَلْ ظَنَنْتُمْ أَن لَّن يَنقَلِبَ ٱلرَّسُولُ وَٱلْمُؤْمِنُونَ إِلَىٰ أَهْلِيهِمْ أَبَداً } لظنكم أن المشركين يستأصلونهم، وأهلون جمع أهل وقد يجمع على أهلات كأرضات على أن أصله أهلة وأما أهال فاسم جمع كليال. {وَزُيّنَ ذَلِكَ فِى قُلُوبِكُمْ } فتمكن فيها، وقرىء على البناء للفاعل وهو الله أو الشيطان. {وَظَنَنتُمْ ظَنَّ ٱلسَّوْء } الظن المذكور، والمراد التسجيل عليه بـ {ٱلسَّوْء } أو هو وسائر ما يظنون بالله ورسوله من الأمور الزائغة. {وَكُنتُمْ قَوْماً بُوراً } هالكين عند الله لفساد عقيدتكم وسوء نيتكم. {وَمَن لَّمْ يُؤْمِن بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَـٰفِرِينَ سَعِيراً } وضع الكافرين موضع الضمير إيذاناً بأن من لم يجمع بين الإِيمان بالله ورسوله فهو كافر وأنه مستوجب للسعير بكفره، وتنكير سعيراً للتهويل أو لأنها نار مخصوصة. {وَللَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ} يدبره كيف يشاء. {يَغْفِرُ لِمَن يَشَاء وَيُعَذّبُ مَن يَشَاء } إذ لا وجوب عليه. {وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً } فإن الغفران والرحمة من ذاته والتعذيب داخل تحت قضائه بالعرض، ولذلك جاء في الحديث الإلهي «حديث : سبقت رحمتي غضبي»تفسير : {سَيَقُولُ ٱلْمُخَلَّفُونَ } يعني المذكورين. {إِذَا ٱنطَلَقْتُمْ إِلَىٰ مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا } يعني مغانم خيبر فإنه عليه الصلاة والسلام رجع من الحديبية في ذي الحجة من سنة ست وأقام بالمدينة بقيتها وأوائل المحرم، ثم غزا خيبر بمن شهد الحديبية ففتحها وغنم أموالاً كثيرة فخصها بهم. {ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَن يُبَدّلُواْ كَلَـٰمَ ٱللَّهِ } أن يغيروه وهو وعده لأهل الحديبية أن يعوضهم من مغانم مكة مغانم خيبر، وقيل قوله تعالى: {أية : لَّن تَخْرُجُواْ مَعِىَ أَبَدًا } تفسير : [التوبة: 83] والظاهر أنه في تبوك. والكلام اسم للتكليم غلب في الجملة المفيدة وقرأ حمزة والكسائي «كلم الله» وهو جمع كلمة. {قُل لَّن تَتَّبِعُونَا} نفي في معنى النهي. {كَذَلِكُمْ قَالَ ٱللَّهُ مِن قَبْلُ }. من قبل تهيئهم للخروج إلى خيبر. {فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا } أن يشارككم في الغنائم، وقرىء بالكسر. {بَلْ كَانُواْ لاَ يَفْقَهُونَ} لا يفهمون. {إِلاَّ قَلِيلاً } إلا فهما قليلاً وهو فطنتهم لأمور الدنيا، ومعنى الإِضراب الأول رد منهم أن يكون حكم الله أن لا يتبعوهم وإثبات للحسد، والثاني رد من الله لذلك وإثبات لجهلهم بأمور الدين. {قُل لّلْمُخَلَّفِينَ مِنَ ٱلأَعْرَابِ} كرر ذكرهم بهذا الاسم مبالغة في الذم وإشعاراً بشناعة التخلف. {سَتُدْعَوْنَ إِلَىٰ قَوْمٍ أُوْلِى بَأْسٍ شَدِيدٍ } بني حنيفة أو غيرهم ممن ارتدوا بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو المشركين فإنه قال: {تُقَـٰتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ } أي يكون أحد الأمرين إما المقاتلة أو الإِسلام لا غير كما دل عليه قراءة «أو يسلموا»، ومن عداهم يقاتل حتى يسلم أو يعطي الجزية. وهو يدل على إمامة أبي بكر رضي الله عنه إذا لم تتفق هذه الدعوة لغيره إلا إذا صح أنهم ثقيف وهوازن فإن ذلك كان في عهد النبوة. وقيل فارس والروم ومعنى {يُسْلِمُونَ} ينقادون ليتناول تقبلهم الجزية. {فَإِن تُطِيعُواْ يُؤْتِكُمُ ٱللَّهُ أَجْراً حَسَناً} هو الغنيمة في الدنيا والجنة في الآخرة. {وَإِن تَتَوَلَّوْاْ كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مّن قَبْلُ} عن الحديبية. {يُعَذّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً } لتضاعف جرمكم. {لَّيْسَ عَلَى ٱلأَعْمَىٰ حَرَجٌ وَلاَ عَلَى ٱلأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلاَ عَلَى ٱلْمَرِيضِ حَرَجٌ} لما أوعد على التخلف نفي الحرج عن هؤلاء المعذورين استثناء لهم عن الوعيد. {وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّـٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَـرُ} فصل الوعد وأجمل الوعيد مبالغة في الوعد لسبق رحمته، ثم جبر ذلك بالتكرير على سبيل التعميم فقال: {وَمَن يَتَوَلَّ يُعَذّبْهُ عَذَاباً أَلِيماً} إذ الترهيب ها هنا أنفع من الترغيب، وقرأ نافع وابن عامر «ندخله» و «نُعَذِّبُهُ» بالنون. {لَّقَدْ رَضِيَ ٱللَّهُ عَنِ ٱلْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ ٱلشَّجَرَةِ } روي: أنه صلى الله عليه وسلم لما نزل الحديبية بعث جواس بن أمية الخزاعي إلى أهل مكة، فهموا به فمنعه الأحابيش فرجع، فبعث عثمان بن عفان رضي الله عنه فحبسوه فأرجف بقتله، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه وكانوا ألفاً وثلثمائة أو وأربعمائة أو وخمسمائة، وبايعهم على أن يقاتلوا قريشاً ولا يفروا عنهم وكان جالساً تحت سمرة أو سدرة. {فَعَلِمَ مَا فِى قُلُوبِهِمْ } من الإِخلاص. {فَأنزَلَ ٱلسَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ} الطمأنينة وسكون النفس بالتشجيع أو الصلح. {وَأَثَـٰبَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً } فتح خيبر غب انصرافهم، وقيل مكة أو هجر. {وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا} يعني مغانم خيبر. {وَكَانَ ٱللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً } غالباً مراعياً مقتضى الحكمة.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى مخبراً رسوله صلى الله عليه وسلم بما يعتذر به المخلفون من الأعراب الذين اختاروا المقام في أهليهم، وشغلهم، وتركوا المسير مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعتذروا بشغلهم لذلك، وسألوا أن يستغفر لهم الرسول صلى الله عليه وسلم وذلك قول منهم لا على سبيل الاعتقاد بل على وجه التقية والمصانعة، ولهذا قال تعالى: {يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَن يَمْلِكُ لَكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ شَيْئاً إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرّاً أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعاً} أي لا يقدر أحد أن يرد ما أراده الله فيكم تعالى وتقدس، وهو العليم بسرائركم، وإن صانعتمونا ونافقتمونا، ولهذا قال تعالى: {بَلْ كَانَ ٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً} ثم قال تعالى: {بَلْ ظَنَنْتُمْ أَن لَّن يَنقَلِبَ ٱلرَّسُولُ وَٱلْمُؤْمِنُونَ إِلَىٰ أَهْلِيهِمْ أَبَداً} أي: لم يكن تخلفكم تخلف معذور ولا عاص بل تخلف نفاق {بَلْ ظَنَنْتُمْ أَن لَّن يَنقَلِبَ ٱلرَّسُولُ وَٱلْمُؤْمِنُونَ إِلَىٰ أَهْلِيهِمْ أَبَداً} أي: اعتقدتم أنهم يقتلون، وتستأصل شأفتهم، وتستباد خضراؤهم ولا يرجع منهم مخبر {وَظَنَنتُمْ ظَنَّ ٱلسَّوْءِ وَكُنتُمْ قَوْماً بُوراً} أي هلكى؛ قاله ابن عباس رضي الله عنهما ومجاهد وغير واحد، وقال قتادة: فاسدين، وقيل: هي لغة عمان. ثم قال تعالى: {وَمَن لَّمْ يُؤْمِن بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ} أي من لم يخلص العمل في الظاهر والباطن لله، فإن الله تعالى سيعذبه في السعير، وإن أظهر للناس ما يعتقدون خلاف ما هو عليه في نفس الأمر. ثم بين تعالى أنه الحاكم المالك المتصرف في أهل السموات والأرض {يَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً} أي لمن تاب إليه، وأناب وخضع لديه.

المحلي و السيوطي

تفسير : {سَيَقُولُ لَكَ ٱلْمُخَلَّفُونَ مِنَ ٱلأَعْرَابِ } حول المدينة، أي الذين خلفهم الله عن صحبتك لما طلبتهم ليخرجوا معك إلى مكة خوفا من تعرّض قريش لك عام الحديبية إذا رجعت منها {شَغَلَتْنَا أَمْوٰلُنَا وَأَهْلُونَا } عن الخروج معك {فَٱسْتَغْفِرْ لَنَا } الله من تَرْك الخروج معك قال تعالى مكذبا لهم:{يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ } أي من طلب الاستغفار وما قبله و{مَّا لَيْسَ فِى قُلُوبِهِمْ } فهم كاذبون في اعتذراهم {قُلْ فَمَن } استفهام بمعنى النفي أي لا أحد {يَمْلِكُ لَكُمْ مّنَ ٱللَّهِ شَيْئاً إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرّاً } بفتح الضاد وضمها {أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعاً بَلْ كَانَ ٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً } أي لم يزل متصفاً بذلك.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {وَكُنتُمْ قَوْماً بُوراً} فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: فاسدين قاله قتادة. الثاني: هالكين، قاله مجاهد. قال عبد الله بن الزبعرى: شعر : يا رسول المليك إن لساني راتق ما فتقت إذ أنا بور تفسير : الثالث: أشرار، قاله ابن بحر. وقال حسان بن ثابت: شعر : لا ينفع الطول من نوك الرجال وقد يهدي الإله سبيل المعشر البور

ابن عطية

تفسير : {المخلفون من الأعراب} قال مجاهد وغيره: هم جهينة ومزينة ومن كان حول المدينة من القبائل، فإنهم في خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلىعمرته عام الحديبية رأوا أنه يستقبل عدواً عظيماً من قريش وثقيف وكنانة والقبائل المجاورة لمكة، وهم الأحابيش، ولم يكن تمكن إيمان أولئك الأعراب المجاورين للمدينة فقعدوا عن النبي عليه السلام وتخلفوا، وقالوا لن يرجع محمد ولا أصحابه من هذه السفرة، ففضحهم الله في هذه الآية، وأعلم محمد بقولهم واعتذارهم قبل أن يصل إليهم، فكان كذلك، قالوا: شغلتنا الأموال والأهلون فاستغفر لنا، وهذا منهم خبث وإبطال، فلذلك قال تعالى: {يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم} قال الرماني: لا يقال أعرابي إلا لأهل البوادي خاصة، ثم قال لنبيه عليه السلام {قل} لهم: {فمن يملك لكم من الله شيئاً} أي من يحمي منه أموالكم وأهليكم إن أراد بكم فيها سوءاً. وقرأ جمهور القراء: "إن أراد بكم ضَراً" بفتح الضاد. وقرأ حمزة والكسائي: "ضُراً" بالضم، ورجحها أبو علي وهما لغتان. وفي مصحف ابن مسعود. "إن أراد بكم سوءاً". ثم رد عليهم بقوله: {بل كان الله بما تعملون خبيراً}، ثم فسر لهم العلة التي تخلفوا من أجلها بقوله: {بل ظننتم} الآية، وفي قراءة عبد الله: "إلى أهلهم" بغير ياء. و: {بوراً} معناه: فاسدين هلكى بسبب فسادهم. والبوار: الهلاك. وبارت السلعة، مأخوذ من هذا. وبور: يوصف به الجمع والإفراد، ومنه قول ابن الزبعرى: [الخفيف] شعر : يا رسول المليك إن لساني راتق ما فتقت إذ أنا بور تفسير : والبور في لغة أزد عمان: الفاسد، ومنه قول أبي الدرداء: فأصبح ما جمعوا بوراً، أي فاسداً ذاهباً، ومنه قول حسان بن ثابت: شعر : لا ينفع الطول من نوك القلوب وقد يهدي الإله سبيل المعشر البور تفسير : وقال الطبري في قوله تعالى: {يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم} يعني به قولهم: {فاستغفر لنا} لأنهم قالوا ذلك مصانعة من غير توبة ولا ندم، قال وقوله تعالى: {قل فمن يملك} الآية، معناه: وما ينفعكم استغفاري، وهل أملك لكم شيئاً والله قد أراد ضركم بسبب معصيتكم كما لا أملك إن أراد بكم النفع في أموالكم وأهليكم.

الخازن

تفسير : قوله تعالى: {سيقول لك المخلفون من الأعراب} قال ابن عباس ومجاهد يعني أعراب غفار ومزينة وجهينة وأشجع والنخع وأسلم وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أراد المسير إلى مكة عام الحديبية معتمراً، استنفر من حول المدينة من الأعراب وأهل البوادي ليخرجوا معه حذراً من قريش أن يعرضوا له بحرب أو يصدوه عن البيت فأحرم بالعمرة وساق الهدى ليعلم الناس أنه لا يريد حرباً، فتثاقل عنه كثير من الأعراب، وتخلفوا، واعتلّوا بالشغل، فأنزل الله تعالى فيهم سيقول لك يا محمد المخلفون من الأعراب الذين خلفهم الله عز وجل عن صحبتك، إذا رجعت إليهم من عمرتك هذه وعاتبتهم على التخلف عنك {شغلتنا أموالنا وأهلونا} يعني النساء والذراري. يعني: لم يكن لنا من يخلفنا فيهم: فلذا تخلفنا عنك {فاستغفر لنا} أي إنا مع عذرنا معترفون بالإساءة فاستغفر لنا بسبب تخلفنا عنك فأكذبهم الله تعالى فقال الله تعالى: {يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم} يعني أنهم في طلب الاستغفار كاذبون لأنهم لا يبالون استغفر لهم النبي صلى الله عليه وسلم أم لا {قل فمن يملك لكم من الله شيئاً إن أراد بكم ضراً} يعني سوءاً {أو أراد بكم نفعاً} وذلك أنهم ظنوا أن تخلفهم عن النبي صلى الله عليه وسلم يدفع عنهم الضر أو يجعل لهم النفع بالسلامة في أنفسهم وأموالهم فأخبرهم الله عز وجل أنه إن أراد شيئاً من ذلك لم يقدر أحد على دفعه {بل كان الله بما تعملون خبيراً} يعني من إظهاركم الاعتذار وطلب الاستغفار وإخفائكم النفاق {بل ظننتم أن لن ينقلب الرسول والمؤمنون إلى أهليهم أبداً} يعني ظننتم أن العدو يستأصلهم فلا يرجعون إلى أهليهم {وزين ذلك في قلوبكم} يعني زيَّن الشيطان ذلك الظن عندكم حتى قطعتم به، حتى صار الظن يقيناً عندكم، وذلك أن الشيطان قد يوسوس في قلب الإنسان بالشيء ويزينه له حتى يقطع به {وظننتم ظن السوء} يعني وظننتم أن الله يخلف وعده وذلك أنهم قالوا: إن محمداً وأصحابه أكلة رأس، يريدون بذلك قتلهم فلا يرجعون فأين تذهبون معهم انظروا ما يكون من أمرهم {وكنتم قوماً بوراً} يعني وصرتم بسبب ذلك الظن الفاسد قوماً بائرين هالكين {ومن لم يؤمن بالله ورسوله فإنا اعتدنا للكافرين سعيراً}. لما بين الله تعالى حال المخلفين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين حال ظنهم الفاسد وإن ذلك يفضي بصاحبه إلى الكفر حرضهم على الإيمان والتوبة من ذلك الظن الفاسد فقال تعالى: {ومن لم يؤمن بالله ورسوله} وظن أن الله يخلف وعده فإنه كافر وإنا أعتدنا للكافرين سعيراً {ولله ملك السموات والأرض يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء} لما ذكر الله تعالى حال المؤمنين المبايعين لرسول الله صلى الله عليه وسلم وحال الظانين ظن السوء أخبر أن له ملك السموات والأرض ومن كان كذلك فهو يغفر لمن يشاء بمشيئته ويعذب من يشاء ولكن غفرانه ورحمته أعم وأشمل وأتم وأكمل وإليه الإشارة بقوله تعالى: {وكان الله غفوراً رحيماً} قوله عز وجل: {سيقول المخلفون} يعني الذين تخلفوا عن الحديبية {إذا انطلقتم} يعني إذا سرتم وذهبتم أيها المؤمنون {إلى مغانم لتأخذوها} يعني غنائم خيبر وذلك أن المؤمنين لما انصرفوا من الحديبية على صلح من غير قتال ولم يصيبوا من الغنائم شيئاً وعدهم الله عز وجل فتح خيبر وجعل غنائمها لمن شهد الحديبية خاصة عوضاً عن غنائم أهل مكة حيث انصرفوا عنهم ولم يصيبوا منهم شيئاً {ذرونا نتبعكم} يعني إلى خيبر فنشهد معكم قتال أهلها وفي هذا بيان كذب المتخلفين عن الحديبية حيث قالوا: شغلتنا أموالنا وأهلونا إذ لم يكن لهم هناك طمع في غنيمة وهنا قالوا: ذرونا نتبعكم حيث كان لهم طمع في الغنيمة {يريدون أن يبدلوا كلام الله} يعني يريدون أن يغيروا ويبدلوا مواعيد الله لأهل الحديبية حيث وعدهم غنيمة خيبر لهم خاصة وهذا قول جمهور المفسرين. وقال مقاتل: يعني أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم حيث أمره أن لا يسير منهم أحداً إلى خيبر. وقال ابن زيد: هو قول الله تعالى فاستأذنوك للخروج فقل لن تخرجوا معي أبداً، والقول الأول أصوب {قل} أي قل لهم يا محمد {لن تتبعونا} يعني إلى خيبر {كذلكم قال الله من قبل} يعني من قبل مرجعنا إليكم غنيمة خيبر لمن شهد الحديبية ليس لغيرهم فيها نصيب {فسيقولون بل تحسدوننا} يعني يمنعكم الحسد أن نصيب معكم من الغنائم شيئاً {بل كانوا لا يفقهون إلا قليلاً} يعني لا يعلمون ولا يفهمون من الله ما لهم وما عليهم من الدين إلا قليلاً منهم وهو من تاب منهم وصدق الله ورسوله.

الثعالبي

تفسير : وقوله سبحانه: {سَيَقُولُ لَكَ ٱلْمُخَلَّفُونَ مِنَ ٱلأَعْرَابِ} قال مجاهد وغيره: هم جُهَيْنَةُ ومُزَيْنَةُ، ومَنْ كان حول المدينة من الأعراب؛ وذلك أَنَّ النبي ـــ صلى الله عليه وسلم ـــ حين أراد المسيرَ إلى مَكَّة عام الحديبية مُعْتَمِراً، استنفر مَنْ حولَ المدينة من الأعراب وأَهلِ البوادي؛ ليخرجوا معه؛ حذراً من قريش، وأحرم بالعمرة، وساق معه الهَدْيَ؛ ليعلمَ الناس أنه لا يريد حرباً، فتثاقل عنه هؤلاء المُخَلَّفُونَ، ورأوا أَنَّهُ [يستقبل] عدوّاً عظيماً من قريش وثقيف وكنانة والقبائل المجاورة لمكة، وهم الأحابيش، ولم يكن تَمَكَّنَ إيمانُ هؤلاءِ المُخَلَّفِينَ، فقعدوا عن النبي ـــ صلى الله عليه وسلم ـــ وتخلَّفُوا وقالوا: لَنْ يرجع محمد ولا أصحابه من هذه السفرة، ففضحهم اللَّه في هذه الآية، وأَعْلَمَ نَبِيَّه محمداً ـــ صلى الله عليه وسلم ـــ بقولهم، واعتذارهم قبلَ أَنْ يَصِلَ إليهم، فكان كما أخبر اللَّه سبحانه، فقالوا: «شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا عَنْكَ فَاسْتَغْفِرْ لَنَا» وهذا منهم خُبْثٌ وإبطال، لأَنَّهم قالوا ذلك مُصَانَعَةً من غير توبة ولا ندم؛ فلذلك قال تعالى: {يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَّا لَيْسَ فِى قُلُوبِهِمْ} ثم قال تعالى لنبيِّه ـــ عليه السلام ـــ: {قُلْ}: لَهُمْ {فَمَن يَمْلِكُ لَكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ شَيْئاً إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرّاً} أي: مَنْ يحمي منه أموالكم وأهليكم إنْ أراد بكم فيها سوءاً، وفي مصحف ابن مسعود: إنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءاً ثم رَدَّ عليهم بقوله: {بَلْ كَانَ ٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً} ثم فَسَّرَ لهم العِلَّةَ التي تخلَّفُوا من أجلها بقوله: {بَلْ ظَنَنْتُمْ...} الآية، و{بُوراً} معناه: هلكى فاسدين، والبوار الهلاك، والبور في لغة «أَزْد عمان»: الفاسد، ثم رجى سبحانه بقوله: {وَللَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ يَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً} ثم إنَّ اللَّه سبحانه أَمَرَ نَبِيَّه [على] ما رُوِيَ [بغزو] خيبرَ، ووعده بفتحها، وأعلمه أَنَّ المُخَلَّفِينَ إذا رأوا مسيرَ رسول اللَّه ـــ صلى الله عليه وسلم ـــ إلى يهود، وهم عَدُوٌّ مُسْتَضْعَفٌ ـــ طلبوا الكونَ معه؛ رغبةً في عَرَضِ الدنيا والغنيمة، فكان كذلك. وقوله تعالى: {يُرِيدُونَ أَن يُبَدِّلُواْ كَلاَمَ ٱللَّهِ} معناه: أنْ يغيروا وعده لأهلِ الحُدَيْبِيَّةِ بغنيمة خيبرَ، وقال ابن زيد: كلام اللَّه هو قوله تعالى: {لَّن تَخْرُجُواْ مَعِيَ أَبَداً وَلَن تُقَاتِلُواْ مَعِيَ عَدُوّاً}. قال * ع *: وهذا ضعيف؛ لأَنَّ هذه الآية نزلت في غزوة تبوك في آخر عمره ـــ صلى الله عليه وسلم ـــ وآية هذه السورة نزلت عامَ الحديبية، وأيضاً فقد غَزَتْ جُهَيْنَةُ ومُزَيْنَةُ بعد هذه المُدَّةِ مع رسول اللَّه ـــ صلى الله عليه وسلم ـــ يعني غزوة الفتح، فتح مَكَّة. * ت *: قال الثعلبي: وعلى التأويل الأَوَّل عامَّةُ أهل التأويل، وهو أصوب من تأويل ابن زيد. وقوله: {كَذَلِكُمْ قَالَ ٱللَّهُ مِن قَبْلُ} يريد وعده قبل باختصاصهم بها، وباقي الآية بين. وقوله سبحانه: {سَتُدْعَوْنَ إِلَىٰ قَوْمٍ أُوْلِى بَأْسٍ شَدِيدٍ} قال قتادة وغيره: هم هوازن وَمَنْ حارب النبيَّ ـــ عليه السلام ـــ يومَ حُنَيْنٍ، وقال الزُّهْرِيُّ وغيره: هم أهل الرِّدَّةِ وبنو حنيفة باليمامة، وحكى الثعلبيُّ عن رافع بن خديج أَنَّهُ قال: واللَّهِ لقد كُنَّا نقرأ هذه الآية فيما مضى، ولا نعلم مَنْ هم حَتَّى دعا أبو بكر إلى قتال بني حنيفة، فعلمنا أَنَّهُمْ هم المراد، وقيل: هم فارس والروم، وقرأ الجمهور: «أَوْ يُسْلِمُونَ» على القطع أي: أو هم يسلمون دونَ حرب، قال ابن العربي: والذين تَعَيَّنَ قتالُهم حتى يسلموا مِنْ غير قبول جزية، هم العرب في أَصَحِّ الأقوال، أوِ المرتدون، فأَمَّا فارس والروم فلا يُقَاتَلونَ إلى أَنْ يسلموا؛ بل إنْ بذلوا الجزية قُبِلَتْ منهم، وهذه الآية إخبار بمغيب؛ فهي من معجزات النبي ـــ صلى الله عليه وسلم ـــ، انتهى من «الأحكام». وقوله: {فَإِن تُطِيعُواْ} أي: فيما تُدعون إليه، وباقي الآية بَيِّنٌ. ثم ذكر تعالى أهل الأعذار، ورَفَعَ الحرج عنهم، وهو حكم ثابت لهم إلى يوم القيامة، ومع ارتفاع الحَرَج فجائز لهم الغزوُ، وأجرهم فيه مُضَاعَفٌ، وقد غزا ابن أُمِّ مكتوم [وكان يُمْسِكُ الرَايةَ في بعض حروب القادسية، وقد خَرَّجَ النسائِيُّ هذا المعنى، وذكر ابنَ أمِّ مكتوم] رحمه اللَّه.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {سَيَقُولُ لَكَ ٱلْمُخَلَّفُونَ مِنَ ٱلأَعْرَابِ} قال ابن عباس: ومجاهد: يعني أعراب غِفَار، ومُزَيْنَةَ وجُهَيْنَةَ، وأشْجَعَ وَأسْلَمَ، وذلك أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ حين أراد المسير إلى مكة عام الحديبية معتمراً اسْتَنفَرَ من حول المدينة من الأعراب، والبَوَادِي ليخرجوا معه حَذَراً من قريش أن يعرضوا له بحرب، أو يصدوه عن البيت فأحرم بالعمرة وساق معه الهَدْي، ليعلمَ الناسُ أنه لا يريد حَرباً فتثاقل كثيرٌ من الأعراب وتخلفوا واعْتَلُّوا بالشغل لظنهم أنه يهزم، فأنزل الله هذه الآية. قوله: "شَغَلَتْنَا" حكى الكسائي عن ابن مدح أنه قرأ: شَغَّلَتْنَا بالتشديد {أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا} يعني النساء والذَّرَارِي أنْ لم يكن لنا من يخلفنا فيهم {فَٱسْتَغْفِرْ لَنَا} تَخَلٌّفَنَا عنك. فكذبهم الله في اعتذارهم فقال: {يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ} من الأمر بالاستغفار فإنهم لا يبالون أستغفر لهم النبي أو لا. {قُلْ فَمَن يَمْلِكُ لَكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ شَيْئاً إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرّاً أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعاً} قرأ الأخوان ضُرًّا ـ بضم الضاد ـ والباقون بفتحها. فقيل: هما لغتان بمعنى كالفَقْر والفُقْر والضَّعف والضُّعْف، وقيل: بالفتح ضِدُّ النفع، وبالضم سُوء الحال فمن فتح قال: لأنه قابله بالنفع، والنفع ضد الضر، وذلك أنهم ظنوا أن تخلفهم عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يدفع عنهم الضر، ويجعل لهم النفع بالسلامة في أموالهم وأنفسهم فأخبرهم أنه إن أراد بهم شيئاً من ذلك لم يقدر واحد على دفعه بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً أي بما تعلنون من إظهار أمر وإضمار غيره. قوله: {بَلْ ظَنَنْتُمْ أَن لَّن يَنقَلِبَ ٱلرَّسُولُ وَٱلْمُؤْمِنُونَ إِلَىٰ أَهْلِيهِمْ أَبَداً} أي ظننتم أن العدو يستأصلهم ولا يرجعون. قرأ عبدالله: إلَى أهلهم دون ياء، بل أضاف الأهل مفرداً. قوله: {وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ}. قرىء: وزين مبنياً للفاعل أي الشيطان أو فِعْلُكُم زين ذلك الظن في قلوبكم {وَظَنَنتُمْ ظَنَّ ٱلسَّوْءِ} وذلك أنهم قالوا: إن محمداً وأصحابه أكلة رأس فلا يرجعون فأين تذهبون معه؟ انتظروا ما يكون من أمرهم {وَكُنتُمْ قَوْماً بُوراً} أي صرتم هَلْكَى لا تصلحون لخير. وقيل: كنتم على بابها من الإخبار بكونهم في الماضي كذا. والبُورُ الهلاكُ. وهو يحتمل أن يكون هنا مصدراً أخبر به عن الجمع كقوله: شعر : 4490ـ يَا رَسُول الإِلَهِ إنَّ لِسَــانِي رَاتِــقٌ مَا فَتقْتُ إذْ أَنَا بُــورُ تفسير : ولذا يستوي فيه المفرد والمذكر وضدهما. ويجوز أن يكون جمع بَائرٍ كحَائل وحُولٍ في المعتل وبَازِل وبُزْلٍ في الصحيح. قوله: {وَمَن لَّمْ يُؤْمِن بِٱللَّهِ} يجوز أن يكون (من) شرطية أو موصولة. والظاهر قائم مقام العائد على كلا التقديرين أي فإنا أعتدنا لهم. وفيه فائدة وهي التعميم كأنه قال: ومن لم يؤمن بالله ورسوله فهو من الكافرين وإنّا أعتدنا للكافرين سعيراً. قوله تعالى: {وَلِلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَتِ وَٱلأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً} ذكر هذه بعد ذكر من له أجر عظيم من المبايعين ومن له في السعير عذاب أليم من الظالمين الضالين. وذلك يفيد عظمة الأمرين جميعاً، لأن من عظم ملكه يكون أجره وهيبته في غاية العظمة وعذابه وعقوبته في غاية الألم.

البقاعي

تفسير : ولما ذكر سبحانه وتعالى أهل بيعة الرضوان، وأضافهم إلى حضرة الرحمن، تشوف السامع إلى الخبر عمن غاب عن ذلك الجناب، وأبطأ عن حضرة تلك العمرة، فاستؤنف الإخبار عما ينافقون به بقوله تعالى: {سيقول} أي بوعد لا خلف فيه، وأكد أمر نفاقهم تنبيهاً على جلدهم فيه ووقاصهم به ولطف النبي صلى الله عليه وسلم وشدة رحمته ورفقه وشفقته فقال: {لك} أي لأنهم يعلمون أنك ألطف الخلق عشرة وأعظمهم شفقة على عباد لله، فهم يطمعون في قبولك من فساد عذرهم ما لا يطمعون فيه من غيرك من خلص المؤمنين، وغاب عنهم - لما عندهم من غلظ الأكباد أن الكذب بحضرتك في غاية القباحة لأنك أعظم الخلق وأفطنهم، مع ما يأتيك من الأنباء عن علام الغيوب، وحقر أمرهم بسلب العقل عنهم وجعلهم مفعولين لا فاعلين إشارة إلى أنهم طردوا عن هذا المقام، لأنهم أشرار لئام، فقال تعالى {المخلفون} أي الذين - خلفهم الله عنك ولم يرضهم لصحبتك في هذه العمرة، فجعلهم كالشيء التافه الذي يخلفه الإنسان، لأنه لا فائدة فيه فلا يؤبه له ولا يعبأ به، وذلك إنه صلى الله عليه وسلم لما أراد الاعتمار ندب أصحابه رضوان الله عليهم أجمعين لذلك، وندب من الأعراب الذين حول المدينة الشريفة من كان قد أقر بالإسلام، فلم يرد الله حضورهم لأن إسلامهم لم يكن خالصاً فلو حضروا لفسد بهم الحال، وإن حفظ الله بحوله وقوته من الفساد، أعقب ذلك فساداً آخر وهو أن يقال: إنه لم يكف عنهم الأعداء إلا الكثرة، فتخلفوا لما علم الله في تخلفهم من الحكم. ولما كان قد تخلف بالجسد من خلص الأنصار وغيرهم من كان حاضراً معه صلى الله عليه وسلم بالقلب أخرجهم بقوله: {من الأعراب} أي أهل البادية كذباً وبهتاناً جرأة على الله ورسوله {شغلتنا} أي عن إجابتك في هذه العمرة {أموالنا وأهلونا} أي لأنا لو تركناها ضاعت، لأنه لم يكن لنا من يقوم بها وأنت قد نهيت عن إضاعة المال والتفريط في العيال، ثم سببوا عن هذا القول المراد به السوء قولهم: {فاستغفر} أي اطلب المغفرة {لنا} من الله إن كنا أخطأنا أو قصرنا. ولما كان هذا ربما يغتر به من لا خبرة له، رده تعالى بقوله منبهاً على أن من صدق مع الله لم يشغله عن شاغل، ومن شغله عنه شيء كان شوماً عليه: {يقولون} وعبر بالمضارع إشارة إلى أن هذا ديدن لهم لا ينفكون عنه. ولما صح بعد ذلك إيمان، لم يعبر بالأفواه دأبه، في المنافقين، بل قال: {بألسنتهم} أي في الشغل والاستغفار، وأكد ما أفهمه ذكر اللسان من أنه قول ظاهري نفياً للكلام الحقيقي الذي هو النفسي بكل اعتبار بقوله: {ما ليس في قلوبهم} لأنهم لم يكن شغل ولا كانت لهم نية في سؤال الاستغفار. ولما كان فعلهم هذا من تخلفهم واعتلالهم وسؤالهم الاستغفار ظناً منهم أنهم يدفعون عن أنفسهم بذلك المكروه ويحصلون لها المحبوب وكان كأنه قيل: قد علم كذبهم، فماذا يقال لهم؟ استأنف سبحانه الجواب بقوله: {قل} أي لهؤلاء الأغبياء واعظاً لهم مسبباً عن مخادعتهم لمن لا يخفى عليه خافية إشارة إلى أن العاقل يقبح عليه أن يقدم على ما هو بحيث تخشى عاقبته: {فمن يملك لكم} أيها المخادعون {من الله} أي الملك الذي لا أمر لأحد معه لأنه لا كفوء له {شيئاً} يمنعكم منه {إن أراد بكم} أي خاصة {ضراً} أي نوعاً من أنواع الضرر عظيماً أو حقيراً، فأهلك الأموال والأهلين وأنتم محتاطون في حفظهما فلا ينفعها حضوركم أو أهلككم أنتم {أو أراد بكم نفعاً} بحفظهما به مع غيبتكم فلا يضرها بعدكم عنها، ويحفظكم في أنفسكم، وقد علم من تصنيفه سبحانه حالهم إلى صنفين مع الإبهام أنه يكون لبعضهم الضر لأن منهم من ارتد في زمن الردة، ولبعضهم النفع لأنه ثبت على الإسلام. ولما كان التقدير قطعاً: لا أحد يملك منه سبحانه لهم شيئاً من ذلك بل هو قادر على كل ما يريد منه، فعلكم لما عندكم من الجلافة والغباوة والكثافة فعل من يظن أنه لا يقدر عليكم ولا يعلم كثيراً مما تعملون، فيخفى عليه كذبكم، وليس الأمر كما ظننتم فإنه لا يخفى عليه شيء من أعمالكم، بنى عليه ما أرشد إلى تقديره فقال تعالى: {بل كان الله} أي المحيط أزلاً وأبداً بكل شيء قدرة علماً {بما تعملون} أي الجهلة {خبيراً *} أي يعلم بواطن أموركم هذه وغيرها كما يعلم ظواهرها. ولما أضرب عن ظنهم أن كذبهم يخفى عليه بأمر عام، وقدمه لأنه أعم نفعاً بما فيه من الشمول، أتبعه الإضراب عن مضمون كلامهم فقال: {بل} أي ليس تخلفكم لما أخبرتم به من الاشتغال بالأهل والأموال {ظننتم} وأنتم واقفون مع الظنون الظاهرة، ليس لكم نفوذ إلى البواطن، وأشار إلى تأكد ظنهم على زعمهم فقال: {أن لن ينقلب} ولما كان الكلام فيما هو شأن الرسول من الانبعاث والمسير، قال مشيراً إلى أن من أرسل رسولاً إلى شيء وهو لا يقدر على نصره ليبلغ ذلك الشيء إلى الغاية التي أرادها منه كان عاجزاً عما يريد: {الرسول} وعظم التابعين فقال: {والمؤمنون} معبراً بما يحق لهم من الوصف المفهم للرسوخ وأفهم تأكيد ذلك عندهم بقوله تعالى: {إلى أهليهم أبداً} أي لما في قلوبكم من عظمة المشركين وحقارة المؤمنين فحملكم ذلك على أن قلتم: ما هم في قريش إلا أكلة رأس. ولما كان الإنسان قد يظن ما لا يجب، قال مشيراً بالبناء للمفعول إلى أن ما حوته قلوبهم مما ينبغي أن ينزه سبحانه وتعالى عن نسبته إليه وإن كان هو الفاعل له في الحقيقة: {وزين ذلك} أي الأمر القبيح الذي خراب الدنيا {في قلوبكم} حتى أحببتموه. ولما علم أن ذلك سوء، صرح به على وجه يعم غيره فقال: {وظننتم} أي بذلك وغيره مما يترتب عليه من إظهار الكفر وما يتفرع منه {ظن السوء} أي الذي لم يدع شيئاً مما يكره غاية الكراهة إلا أحاط به. ولما انكشف جميع أمره كشف أثره فقال: {وكنتم} أي بالنظر إلى جمعكم من حيث هو جمع في علمنا قبل ذلك بما جبلناكم عليه وعلى ما كشفه الحال عنه من له بصيرة {قوماً} أي مع قوتكم على ما تحاولونه {بوراً *} أي في غاية الهلاك والكساد والفساد، وعدم الخير لأنكم جبلتم على ذلك الفساد، فلا انفكاك لهم عنه، وهذا كما مضى بالنظر إلى الجميع من حيث هو جمع لا بالنسبة إلى كل فرد فإنه قد أخلص منهم بعد ذلك كثير، وثبتوا فلم يرتدوا. ولما كان التقدير: ذلك لأنكم لم تؤمنوا، فمن آمن منكم ومن غيركم وأخلص، أبحناه جنة وحريراً، عطف عليه قوله معمماً: {ومن لم يؤمن} منكم ومن غيركم {بالله} أي الذي لا موجود في الحقيقة سواه {ورسوله} أي الذي أرسله لإظهار دينه وهو الحقيق بالإضافة إليه، معبراً عنه بالاسم الأعظم، وللزيادة في تعظيمه وتحقير شانئه وتوهية كيد التفت إلى مقام التكلم بمظهر العظمة فقال: {فإنا} أي على ما لنا من العظمة {أعتدنا} له أو لهم هكذا كان الأصل، ولكنه قال معلقاً للحكم بالوصف إيذاناً بأن من لم يجمع الإيمان بهما فهو كافر، وإن السعير لمن كان كفره راسخاً فقال تعالى: {للكافرين} أي الذين لا يجمعون الإيمان بالمرسل والرسول فيكونون بذلك كفاراً، ويستمرون على وصف الكفر لأنهم جبلوا عليه {سعيراً *} أي ناراً شديدة الإيقاد والتلهب، فهي عظيمة الحر توجب الجنون وإيقاد الباطن بالجوع بحيث لا يشبع صاحبه والانتشار بكل شر، فإن التنكير هنا للتهويل والتعظيم، وهذه الآية مع ما أرشد السياق إلى عطفها عليه ممن يؤمن دالة - وإن كانت في سياق الشرط - على أن أكثرهم يخلص إيمانه بعد ذلك. ولما انقضى حديث الجنود عامة ثم خاصة من المنتدبين والمخلصين وختم بعذاب الكافرين، وكان المتصرف في الجنود ربما كان بعض خواص الملك، فلا يكون تصرفه فيهم تاماً، وكان الملك قد لا يقدر على عذاب من أراد من جنوده، وكان إذا قدر قد لا يقدر على العذاب بكل ما يريده من السعير الموصوف وغيره لعدم عموم ملكه قال تعالى عاطفاً على آية الجنود: {ولله} أي الملك الأعظم وحده {ملك السماوات والأرض} أي من الجنود وغيرها، يدبر ذلك كله كيف يشاء لا راد لحكمه ولا معقب. ولما لم يكن في هؤلاء من عذب بما عذب الأمم الماضية من الريح وغيرها، لم يذكر ما بين الخافقين، وذكر نتيجة التفرد بالملك بما يقتضيه الحال من الترغيب والترهيب: {يغفر لمن يشاء} أي لا اعتراض لأحد عليه بوجه ما {ويعذب من يشاء} أي لأنه لا يجب عليه شيء ولا يكافيه شيء، وليس هو كالملوك الذين لا يتمكنون من مثل ذلك لكثرة الأكفاء المعارضين لهم في الجملة، وعلم من هذا التقسيم المبهم أيضاً أن منهم من يرتد فيعذبه، ومنهم من يثبت على الإسلام فيغفر له لأنه لا يعذب بغير ذنب وإن كان له أن يفعل ذلك، لأنه لا يسأل عما يفعل وملكه تام، فتصرفه فيه عدل كيفما كان. ولما كان من يفعل الشيء في وقت قد لا يستمر على وصف القدرة عليه قال تعالى: {وكان الله} أي المحيط بصفات الكمال أزلاً وأبداً، لم يتجدد له شيء لم يكن. ولما ابتدأ الآية بالمغفرة ترغيباً في التوبة، ختم بذلك لأن المقام له، وزاد الرحمة تشريفاً لنبي المرحمة بالترغيب والدلالة على أن رحمته غلبت غضبه فقال: {غفوراً} أي لذنوب المسيئين {رحيماً *} أي مكرماً بعد الستر بما لا تسعه العقول، وقدرته على الإنعام كقدرته على الانتقام. ولما ذم المخلفين بما منه - أي من الذم - أنهم هالكون بعد أن قدم أنه لعنهم، وكان قد وعد سبحانه أهل الحديبية فتح خيبر جبراً لهم بما منعهم من الاستيلاء على مكة المشرفة لما له في ذلك من الحكم البالغة الدقيقة، وختم بأنه نافذ الأمر، وكان ذلك مستلزماً لإحاطة العلم، دل على كلا الأمرين بقوله استئنافاً، جواباً لمن كأنه قال: هل يغفر للمخلفين حتى يكونوا كأنهم ما تخلفوا؟: {سيقول} أي بوعد لا خلف فيه. ولما كان النبي صلى الله عليه وسلم بحيث لا مطمع لأحد فى أن يظفر منه بشيء من خلاف الأمر الله، أسقط ما عبر به في ذكرهم أولاً من خطابه وقال: {المخلفون} أي لمن يطمعون فيه من الصحابة أن يسعى في تمكينهم من المسير في جيشه صلى الله عليه وسلم لخفاء الحكم عليه ونحو ذلك، ولم يقيدهم بالأعراب ليعم كل من كان يتخلف من غيرهم {إذا انطلقتم} بتمكين الله لكم {إلى مغانم}. ولما أفهم اللفظ الأخذ، والتعبير بصيغة منتهى الجموع كثرتها، صرح بالأول رفعاً للمجاز فقال: {لتأخذوها} أي من خيبر {ذرونا} أي على أي حالة شئتم من الأحوال الدنية {نتبعكم} ولما كان يلزم من تمكينهم من ذلك إخلاف وعد الله بأنها تخص أهل الحديبية، وأنه طرد المنافقين وخيب قصدهم، علل تعالى قولهم بقوله: {يريدون} أي بذهابكم معكم {أن يبدلوا كلام الله} أي المحيط بكل شيء قدرة وعلماً في الإخبار بلعنهم وإبارتهم، وأن فتح خيبر مختص بأهل الحديبية، لا يشركهم فيه إلا من وافقهم في النية والهجرة، ليتوصلوا بذلك إلى تشكيك أهل الإسلام فيه، والمراد أن فعلهم فعل من يريد ذلك، ولا يبعد أن يكونوا صنفين: منهم من يريد ذلك، ومنهم من لم يرده ولكن فعل من يريده. ولما كان السامع جديراً بأن يسأل عما يقال لهم، قال مخاطباً لأصدق الخلق عليه الصلاة والسلام: {قل} أي يا حبيب لهم إذا بلغك كلامهم أنت بنفسك، فإن غيرك لا يقوم مقامك في هذا الأمر المهم، قولاً مؤكداً: {لن تتبعونا} وإن اجتهدتم في ذلك، وساقه مساق النفي وإن كان المراد به النهي، لأنه مع كونه آكد يكون علماً من أعلام النبوة، وهو أزجر وأدل على الاستهانة. ولما أذن هذا التأكيد أنه من عند من لا يخالف أصلاً في مراده، بينه تعالى بقوله: {كذٰلكم} أي مثل هذا القول البديع الشأن العلي الرتبة {قال الله} أي الذي لا يكون إلا ما يريد وليس هو كالملوك الذين لا قدرة لهم على الغفران لمن شاؤوا والعقاب لمن شاؤوا {من قبل} هذا الوقت، وهو الذي لا يمكن الخلف في قوله، فإنه قضى أن لا يحضر "خيبر" المرادة بهذه الغنائم إلا من حضر الحديبية، وأمر بذلك فكان ما قال بعد اجتهاد بعض المخلفين في إخلافه فإنهم غيّرهم الطمع بعد سماعهم قول الله هذا، فطلبوا أن يخرجوا معه صلى الله عليه وسلم فمنعوا فلم يحضرها غيرهم أحد، وذلك أنه صلى الله عليه وسلم رجع من الحديبية في ذي الحجة سنة ست، فأقام إلى أثناء محرم سنة سبع، وخرج بأهل الحديبية إلى خيبر ففتحها الله عليه، وأخذ جميع أموالها من المنقولات والعقارات، وأتى إليه صلى الله عليه وسلم وهو بها بعد فتحها ابن عمه جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه وبعض من معهم من مهاجرة الحبشة، فأشركهم النبي صلى الله عليه وسلم مع أهل الحديبية لأنهم لم يكونوا مخلفين بل كانوا متخلفين لعذر عدم الإدراك. ولما كانوا منافقين لا يعتقدون شيئاً من هذه الأقوال، بل يظنون أنها حيل على التوصل إلى المرادات الدنيوية، سبب عن قولهم له ذلك تنبيهاً على جلافتهم وفساد ظنونهم: {فسيقولون}: ليس الأمر كما ذكر مما ادعى أنه قول الله {بل} إنما ذلكم لأنكم {تحسدوننا} فلا تريدون أن يصل إلينا من مال الغنائم شيء. ولما كان التقدير: وليس الأمر كما زعموا، رتب عليه قوله: {بل كانوا} أي جبلة وطبعاً {لا يفقهون} أي لا يفهمون فهم الحاذق الماهر {إلا قليلاً *} في أمر دنياهم، ومن ذلك إقرارهم بالإيمان لأجلها، وأما أمور الآخرة فلا يفهمون منها شيئاً.

السيوطي

تفسير : أخرج عبد بن حميد عن جويبر رضي الله عنه في قوله ‏{‏سيقول لك المخلفون من الأعراب شغلتنا أموالنا وأهلونا فاستغفر لنا‏}‏ قال‏:‏ كان النبي صلى الله عليه وسلم حين انصرف من الحديبية وسار إلى خيبر تخلف عنه أناس من الأعراب فلحقوا بأهاليهم، فلما بلغهم أن النبي صلى الله عليه وسلم قد افتتح خيبر ساروا إليه، وقد كان الله أمره أن لا يعطي أحداً تخلف عنه من مغنم خيبر، ويقسم مغنمها من شهد الفتح، وذلك قوله‏:‏ ‏ {‏يريدون أن يبدلوا كلام الله‏} ‏ يعني ما أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن لا يعطي أحداً تخلف عنه من مغنم خيبر شيئاً‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والبيهقي في الدلائل عن مجاهد رضي الله عنه في قوله ‏ {‏سيقول لك المخلفون من الأعراب‏}‏ قال‏:‏ أعراب المدينة جهينة ومزينة استنفرهم لخروجه إلى مكة، فقالوا‏:‏ نذهب معه إلى قوم جاؤوه فقتلوا أصحابه فنقاتلهم في ديارهم، فاعتلوا له بالشغل، فأقبل معتمراً فأخذ أصحابه أناساً من أهل الحرم غافلين فأرسلهم النبي صلى الله عليه وسلم، فذلك الأظفار ببطن مكة، ورجع محمد صلى الله عليه وسلم فوعد مغانم كثيرة فجعلت له خيبر، فقال المخلفون‏:‏ ‏{‏ذرونا نتبعكم‏}‏ وهي المغانم التي قال الله ‏ {‏إذا انطلقتم إلى مغانم لتأخذوها‏} ‏ وعرض عليهم قتال قوم أولي بأس شديد فهم فارس والمغانم الكثيرة التي وعدوا ما يأخذون حتى اليوم‏.‏

التستري

تفسير : قوله: {شَغَلَتْنَآ أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا}[11] اعتذروا به، فحكاه الله لك لتعلم أن الإقبال على الله عزَّ وجلَّ بترك الدنيا وما فيها، فإنها تشغل عن الله؛ ألا ترى المنافقين كيف اعتذروا بقولهم: {شَغَلَتْنَآ أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا}[11].

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {شَغَلَتْنَآ أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا} [الآية: 11]. قال بعض السلف: ما شغلك عن الله من أهل ومال وولد فهو عليك مشؤوم. قال الجنيد رحمة الله عليه: من شغله عن ربه شىء من هذه الأعراض فقد أخبر عن نذالته وآثار خسته وظهرت عليه. وسئل بعضهم: بماذا يصح لنا الإقبال على الله؟ قال: بترك الدنيا وما فيها فإنها تشغل عن ربها ألا ترى المنافقين كيف اعتذروا بقوله: {شَغَلَتْنَآ أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا}.

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {سَيَقُولُ لَكَ ٱلْمُخَلَّفُونَ مِنَ ٱلأَعْرَابِ شَغَلَتْنَآ أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَٱسْتَغْفِرْ لَنَا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ}. لمَّا قَصَدَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إلى الحديبية تخلَّفَ قومٌ من الأعراب عنه. قيل: هم أسلم وجهينة وغفار ومزينة وأشجع، وقالوا: {شَغَلَتْنَآ أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا} وليس لنا مَنْ يقوم بشأننا وقالوا: انتظروا ماذا يكون؛ فما هم من قريش إلاَّ أكَلَهُ رأسٍ. فلما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم جاءوه مُعْتَذِرين بأنه لم يكن لهم أحدٌ يقوم بأَمورهم! وقالوا: استغفر لنا. فأطلعه الله - سبحانه - على كذبهم ونفاقهم؛ وأنهم لا يقولون ذلك إخلاصاً، وعندهم سواء عليهم استغفرت لهم أم لم تستغفر لهم، فإنهم يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم. قوله جلّ ذكره: {قُلْ فَمَن يَمْلِكُ لَكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ شَيْئاً إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرّاً أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعاً بَلْ كَانَ ٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً}. فضَحَهم. ويقال: ما شغل العبد عن الله شُؤمٌ عليه. ويقال: عُذْرُ المماذِقِ وتوبةُ المنافِق كلاهما ليس حقائق.

اسماعيل حقي

تفسير : {سيقول لك المخلفون من الاعراب} السين للاستقبال يقال خلفته بالتشديد تركته خلفى وخلفوا اثقالهم تخليفا خلوها ورآء ظهورهم والتخليف بالفارسية وابس كنشتن ودر انيجا مراد از مخلفون بازبس كردكان خداى يعنى ايشان كه بازيس كرده انداز صحبت رسول عليه السلام ازباديه نشينان. خلفهم الله عن رسول الله كما قال {أية : كره الله انبعاثهم فثبطهم وقيل اقعدوا مع القاعدين}تفسير : قال فى المفردات العرب اولاد اسمعيل عليه السلام والاعراب جمعه فى الاصل وصار ذلك اسما لمكان البادية وقيل فى جمع الاعراب اعاريب والاعرابى صار اسما فى التعارف للمنسوبين الى سكان البادية انتهى وفى القاموس العرب بالضم وبالتحريك خلاف العجم مؤنث وهم سكان الامصار والاعراب منهم سكان البادية ويجمع على اعاريب انتهى وفى مختار الصحاح العرب جيل من الناس والنسبة اليهم عربى وهم اهل الامصار والاعراب منهم سكان البادية خاصة و النسبة اليهم اعرابى وليس الاعراب جمعا لعرب بل هو اسم جنس انتهى وقال ابن الشيخ فى سورة التوبة العرب هو الصنف الخاص من بنى آدم سوآء سكن البوادى ام القرى واما الاعراب فانه لا يطلق الا على من يسكن البوادى فالاعراب جمع اعرابى كما ان العرب جمع عربى والمجوس جمع مجوسى واليهود جمع يهودى بحذف ياء النسبة فى الجمع ويدل على الفرق بين العرب والاعراب قوله عليه السلام "حديث : حب العرب من الايمان"تفسير : وقوله تعالى {أية : الاعراب اشد كفرا ونفاقا}تفسير : حيث مدح العرب وذم الاعراب الذين هم سكان البادية فعلى هذا يكون العرب اعم من الاعراب وقيل العرب هم الذين استوطنوا المدن والقرى والاعراب اهل البدو فعلى هذا القول يكونان متباينين انتهى والمراد هنا هم اعراب غفار ومزينة وجهينة واشجع واسلم والدئل بالكسر تخلفوا عن رسول الله عليه السلام حين استنفر من حول المدينة من الاعراب واهل البوادى ليخرجوا معه عند ارادته المسير الى مكة عام الحديبية معتمرا حذرا من قريش أن يتعرضوا له بحرب ويصدوه عن البيت واحرم عليه السلام وساق معه الهدى ليعلم انه لا يريد الحرب وتثاقلوا عن الخروج وقالوا أنذهب الى قوم قد غزوه فى عقر داره بالمدينة وقتلوا اصحابه فنقاتلهم فأوحى الله اليه عليه السلام بأنهم سبعتلون اى عند وصولك الى المدينة ويقولون {شغلتنا} مشغول كرد مارا. والشغل العارض الذى يذهل الانسان وقد شغل فهو مشغول {اموالنا واهلونا} ولم يكن لنا من يخلفنا فيهم ويقوم بمصالحهم ويحميهم من الضياع والاموال جمع مال وهو كل ما يتملكه الناس من دراهم او دنانير او ذهب او فضة او حنطة او خبز او حيوان او ثياب او سلاح او غير ذلك والمال العين هو المضروب وسمى المال مالا لكونه بالذات تميل القلوب اليه وفى التلويح المال ما يميل اليه الطبع ويدخر لوقت الحاجة او ما خلق لمصالح الآدمى ويجرى فيه الشح والضنة انتهى والاهلون جمع اهل واهل الرجل عشيرته وذووا قرباه وقد يجمع الاهل على اهال وآهال واهلات ويحرك كأرضات على تقدير تاء التأنيث اى على ان اصله اهلة كما فى ارض فحكمه حكم تمرة حيث يجوز فى تمرات تحريك الميم {فاستغفر لنا} الله تعالى ليغفر لنا تخلفنا عنك حيث لم يكن ذلك باختيار بل عن اضطرار {يقولون بألسنتهم ما ليس فى قلوبهم} تكذيب لهم فى الاعتذار وسؤال الاستغفار يعنى انه تكذيب لهم فيما يتضمنه من الحكم من انا مؤمنون حقا معترفون بذنوبنا فالشك والنفاق هو الذى خلفهم لا غير وفى الآية إشارة الى ان القلوب الغافلة عن الله يقولون اى اهلها بألسنتهم ما ليس له حقيقة ولا شعور لقلوبهم على حقيقة ما يقولون فانهم يقولون ويريدون به معنى آخر كقولهم شغلتنا اموالنا واهلونا مجازا يريدون به اعتذارا لتخلفهم ولقولهم شغلتنا حقيقة وذلك ان اموالهم واهليهم شغلتهم عن ذكر الله والائتمار بأوامره وعن متابعة النبى عليه السلام وهم مأمورون بها (قال المولى الجامى) مكن تعلق خاطر بنقش صفحة دهره جريده وارهمى زى وساده وش مى باش {قل} رداً لهم عند اعتذارهم اليك باباطيلهم {فمن يملك لكم من الله شيئا} اى فمن يقدر لاجلكم من مشيئة الله وقضائه على شئ من النفع {ان اراد بكم ضرا} اى ما يضركم من هلاك الاهل والمال وضياعهما حتى تتخلفوا عن الخروج لحفظهما ودفع الضرر عنهما {او اراد بكم نفعاً} اى ومن يقدر على شئ من الضرران اراد بكم ما ينفعكم من حفظ اموالكم واهليكم فأى حاجة الى التخلف لاجل القيام بحفظهما {بل كان الله بما تعملون خبيرا} اى ليس الامر كما تقولون بل كان الله خبيرا بجميع ما تعملون من الأعمال التى من جملتها تخلفكم وما هو من مباديه فمن ترك امر الله ومتابعة رسوله وقعد طلبا للسلامة دخل فى الاية ثم لم يجد خلاصا من الضرر والبلاء فان الله تعالى قادر على ايصال المكروه ولو بغير صورة القتال فلا بد من الصدق والعمل بالاخلاص والتوكل على الله تعالى فان فيه الخلاص. نقلست كه يكروز كسان حجاج ظالم حسن بصرى را رضى الله عنه طلب كردند حسن در صومعة حبيب عجمى قدس سره ينهان شد حبيب راكفتند امروز حسن راديدى كفت ديدم كفتند كجاست كفث درين صومعه شد در صومعه رفتند جندانكه طلب كردند حسن رانيا فتند جنانكه حسن كفت هفت باردست برمن نهادند ومرانديدند وبيرون آمدند و كفتند اى حبيب آنجه حجاج باشما كند سزاى شماست تاجرا دروغ ميكوييد حبيب كفت او دربيش من درين جاشد اكر شمانمى دانيد ونمى ينيد مراجه جرم عوانان ديكر باره طلب كردند نيا فند حسن از صومعه بيرون آمد كفت اى حبيب حق استاذى نكاه داشتى ومرابعوا نان غمز ميكردى كفت اى استاذ بروكه براست كفتن خلاص يافتى كه اكر دروغ ميكفتمى هردو كرفنار خواستيم شدن (قال الحافظ) بصدق كوش كه خورشيد زايد ازنفست. كه از دروغ سيه روى كشت صبح نخست. حسن كفت جه كردى كه مرانديدند كفت نه بار آية الكرسى ونه بار آمن الرسول ونه بار قل هو الله احد بخواندم وباز كفتم كه خدايا حسن را بتو سبزم كه نكاهش دارى وهكذا يحفظ الله اولياءه الصادقين وينصرهم ويترك اعدآءه الكافرين ويخذلهم

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {سيقولُ لك} يا محمد إذا رجعت من الحديبية {المخلَّفون من الأعراب} وهم الذين تخلّفوا عن الحديبية، وهم أعراب غِفَار، ومُزَيْنةُ، وجهينة، وأسلم، وأشجع، والديل، وذلك انه صلى الله عليه وسلم حين أراد المسير إلى مكة، عام الحديبية، معتمراً، استنفر مَن حول المدينة من الأعراب وأهل البوادي، ليخرجوا معه، حذراً من قريش أن يعرضوا له بحرب، أو يصدُّوه عن البيت، وأحرم صلى الله عليه وسلم وساق معه الهدي؛ لِيُعْلمَ أنه لا يريد حرباً، فتثاقل كثير من الأعراب، وقالوا: نذهب إلى قوم غَزوهُ في داره بالمدينة، وقتلوا أصحابه، فنقاتلهم، وظنوا أنه لا ينقلب إلى المدينة، فأوحى الله تعالى إليه ما قالوا، حيث تعلّلوا وقالوا: {شَغَلنا أموالُنا وأهلُونا} ولم يكن تخلُّفنا عنك اختياراً، بل عن اضطرار، {فاستغفر لنا} فأكذبهم الله بقوله: {يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم} فليس تخلُّفهم لأجل ذلك، وإنما تخلَّفوا شكّاً ونفاقاً، وطلبُهم الاستغفار أيضاً ليس بصادرٍ عن حقيقة. {قل} لهم: {فمَن يملك لكم من الله شيئاً} فمَن يمنعكم من مشيئة الله وقضائه {إِن أراد بكم ضَرّاً} أي: ما يضركم من هلاك الأهل، والمال وضياعها، حتى تخلّفتم عن الخروج لحفظها، {أو أراد بكم نفعاً} أي: مَن يقدر على ضَرَكم إن أراد بكم نزول من ينفعكم، من حفظ أموالكم وأهليكم، فأيّ حاجة إلى التخلُّف لأجل القيام بحفظهما والأمر كله بيد الله؟ {بل كان الله بما تعملون خبيراً} إضراب عما قالوه، وبيان لكذبه بعد بيان فساده على تقدير صدقه، أي: ليس الأمر كما يقولون، بل كان الله خبيراً بجميع الأعمال، التي من جملتها تخلُّفكم وما هو سببه، فلا ينفعكم الكذب مع علم الله بجميع أسراركم. {بل ظننتم أن لن ينقلب الرسولُ والمؤمنون إِلى أهليهم أبداً} بأن يستأصلهم المشركون بالموت، فخشيتم إن كنتم معهم أن يُصيبكم ذلك، فتخلّفتم لأجل ذلك، لا لما ذكرتم من المعاذيرالباطلة، {وزُيِّنَ ذلك في قلوبكم} زيّنه الشيطانُ وقبلتموه، واشتغلتم بشأن أنفسكم، غير مبالين بهم، {وظننتم ظنَّ السَّوء} والمراد به الظن الأول، والتكرير لتشديد التوبيخ والتسجيل عليه بالسوء، أو ما يعمه وغيره من الظنون الفاسدة، كعلو الكفر، وظهور الفساد، وعدم صحة رسالته صلى الله عليه وسلم، فإن الجازم بصحتها لا يحول حول فكره هذه الظنون الباطلة، {وكنتم قوماً بُوراً} هالكين عند الله، مستوجبين لسخطه وعقابه، جمع: بائر، كعائذ وعُوذ، من بار الشيء: هلك وفسد، أي: كنتم قوماً فاسدين في أنفسكم وقلوبكم ونيّاتكم. {ومن لم يؤمن بالله ورسوله فإِنّا أعتدنا} أعددنا {للكافرين} أي: لهم، فأٌقيم الظاهر مقام المضمر للإيذان بأن مَن لم يجمع بين الإيمان بالله وبرسوله فهو كافر مستوجب العسير. ونكَّر {سعيراً} لأنها نار مخصوصة، كما نكَّر {نَاراً تَلَظَّى} [الليل: 14]. وهذا كلام وارد من قِبله تعالى، غر داخل في الكلام المتقدم، مُقرر لبوارهم، ومُبيّن لكيفيته، أي: ومَن لم يؤمن كهؤلاء المتخلفين، فإنا أعتدنا له سعيراً يحترق بها. {ولله مُلكُ السماوات والأرض} يُدبره تدبير قادر حكيم، ويتصرف فيهما وفيما بينهما كيف يشاء، {يغفر لمن يشاء ويُعذِّب من يشاء} بقدرته وحكمته، من غير دخل لأحد في شيء، ومن حكمته: مغفرته للمؤمنين وتعذيبه للكافرين. {وكان الله غفوراً رحيماً} مبالغاً في المغفرة والرحمة لمَن يشاء، أي: لمَن تقتضي الحكمة مغفرته ممن يؤمن به وبرسوله، وأما مَن عداه من الكفر فبمعزل من ذلك قطعاً. الإشارة: هذه الآية تَجُر ذيلها على مَن تخلّف من المريدين عن زيادة المشايخ من غير عُذر بيِّن، واعتذر بأعذار كاذبة، يقول بلسانه ما ليس في قلبه، وما زالت الأشياخ تقول: كل شيء يُسمح فيه إلا القدوم؛ إذ به تحصل التربية والترقية، وتقول أيضاً: مَن جلس عنا لعذر صحيح عذرناه، وربما يصل إليه المدد في موضعه، ومَن جلس لغير عذر لا نُسامح له، بل يُحرم من زيادة الإمداد، ومن الترقي في المقامات والأسرار، وما قطع الناس عن الله إلا أموالهم وأهلوهم اشتغلوا بهم، وحُرموا السير والوصول، فكل مريد شغله عن زيادة شيخه أهلُه ومالُه لا يأتي منه شيء. قل: فمَن يملك لكم من الله شيئاً إن أراد بكم ضرّاً، بأن قطعكم عنه بعلة الأهل والمال، أو: أراد بكم نفعاً، بأن وصلكم إليه، وغيَّب عنكم أهلكم ومالكم، بل كان الله بما تعملون خبيراً، يعلم مَن تخلّف لعذر صحيح، أو لعذر باطل، وبالله التوفيق. ثم قال: {سَيَقُولُ ٱلْمُخَلَّفُونَ إِذَا ٱنطَلَقْتُمْ}.

الطوسي

تفسير : قرأ اهل الكوفة إلا عاصماً {كلم الله} على الجمع. الباقون {كلام الله} على التوحيد، لانه يدل على الكثير من حيث هو اسم جنس، قال ابو علي {كلام الله} يقع على ما يفيد، والكلم يقع أيضاً على الكلام، وعلى ما لا يفيد والكلم جمع كلمة. وقرأ حمزة والكسائي {ضراً} بالفتح. الباقون بالضم. فمن قرأ - بالفتح - أراد المصدر. ومن قرأ بالضم أراد الاسم. وقيل بالفتح ضد النفع وبالضم سوء الحال، كقوله {أية : مسني الضر} تفسير : ويقال: ضرني الشيء وأضرني، ولا يقال: أضربي، وضره يضره وضاره يضيره بمعنى واحد. هذا اخبار عن الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وآله انه {سيقول لك} يا محمد {المخلفون من الأعراب} قال ابن اسحاق ومجاهد: لما أراد رسول الله صلى الله عليه وآله الخروج إلى مكة عام الحديبية أحرم بعمرة ودعا الاعراب الذين حول المدينة إلى الخروج، فتثاقلوا: أسلم وغفار وجهينة ومزينة، فاخبر الله تعالى بذلك. والمخلف هو المتروك فى المكان خلف الخارجين عن البلد، وهو مشتق من المتخلف وضده المتقدم. تقول خلفته كما تقول قدمته تقديماً، وإنما تخلفوا لتثاقلهم عن الجهاد وإن اعتذروا بشغل الأموال والاولاد. والاعراب الجماعة من عرب البادية، وعرب الحاضرة ليسوا بأعراب، ففرقوا بينهما، وإن كان اللسان واحد. وقوله {شغلتنا أموالنا وأهلونا} أخبار بما اعتلوا به، فالشغل قطع العمل عن عمل، لا يمكن الجمع بينهما لتنافى أسبابهما كالكتابة والرمي عن القوس والله لا يشغله شأن عن شأن لانه لا يعمل بآلة. وقوله {فاستغفر لنا} حكاية ما قالوه للنبي وسألوه أن يستغفر لهم والاستغفار طلب المغفرة بالدعاء مع التوبة عن المعاصي فهؤلاء سألوا الدعاء بالمغفرة، وفي قلوبهم خلاف ما أظهروه بافواههم ففضحهم الله وهتك أستارهم، وأبدى ما نافقوا به فى جهادهم، فقال {يقولون بألسنتهم ما ليس فى قلوبهم}. ثم قال للنبي صلى الله عليه وآله {قل فمن يملك لكم من الله شيئاً إن أراد بكم ضراً} لا يقدر احد على دفعه {أو أراد بكم نفعاً} لا يقدر احد على إزالته {بل كان الله بما تعملون خبيراً} أي عالماً نافعاً لكم لا يخفى عليه شيء منها، ثم قال له قل لهم {بل ظننتم أن لن ينقلب الرسول والمؤمنون إلى أهليهم أبداً} أي ظننتم انهم لا يرجعون ويقتلون ويصطلمون. وهو قول قتادة {وزين ذلك في قلوبكم} زينه الشيطان ذلك وسوّله لكم {وظننتم ظن السوء} فى هلاك النبي والمؤمنين، وإن الله ينصر عليهم المشركين {وكنتم قوماً بوراً} والبور الفاسد وهو معنى الجمع وترك جمعه فى اللفظ لانه مصدر وصف به قال حسان: شعر : لا ينفع الطول من نوك القلوب وقد يهدي الا له سبيل المعشر تفسير : البور والبوار الهلاك وبارت السلعة إذا كسدت والبائر من الفاكهة مثل الفاسدة. وقال قتادة {بوراً} أي فاسدين. وقال مجاهد: هالكين. ثم قال تعالى مهدداً لهم {ومن لم يؤمن بالله ورسوله} أي لم يصدق بهما {فإنا أعتدنا للكافرين سعيراً} أي ناراً تسعرهم وتحرقهم. ثم قال {ولله ملك السماوات والأرض} بأن يتصرف فيهما كما يشاء لا يعترض أحد عليه فيها {يغفر لمن يشاء} معاصيه {ويعذب من يشاء} إذا استحق العقاب بارتكاب القبائح {وكان الله غفوراً رحيماً} أي ساتراً على عباده معاصيهم إذا تابوا لا يفصحهم بها رحيماً باسقاط عقابهم الذي استحقوها بالتوبة على وجه الابتداء. ثم قال تعالى {سيقول المخلفون إذا انطلقتم إلى مغانم لتأخذوها} يعني غنائم خيبر {ذرونا نتبعكم} أي اتركونا نجيء معكم، فقال الله تعالى {يريدون أن يبدلوا كلام الله قل} لهم يا محمد {لن تتبعونا كذلكم قال الله من قبل} قال مجاهد وقتادة: يعني ما وعد به أهل الحديبية أن غنيمة خيبر لهم خاصة، فارادوا تغيير ذلك بأن يشاركوهم فيها فمنعهم الله من ذلك. وقال ابن زيد: أراد بقوله {لن تخرجوا معي أبداً ولن تقاتلوا معي عدوّاً} وهذا غلط لأن هذه الآية نزلت فى الذين تأخروا عن تبوك بعد خيبر وبعد فتح مكة، فقال الله تعالى لهم {لن تخرجوا معي أبداً} لان النبي صلى الله عليه وآله لم يخرج بعد ذلك فى قتال ولا غزو إلى أن قبضه الله تعالى. ثم قال {كذلك قال الله من قبل} أي مثل ذلك حكم الله وقال ابن زيد: غنيمة خيبر لأهل الحديبية خاصة لا يشركهم فيها أحد. ثم حكى ما قالوه بأنهم {فسيقولون} عند ذلك ليس الأمر كذلك {بل تحسدوننا} فقال ليس الأمر على ما قالوه {بل كانوا لا يفقهون} الحق وما يدعون اليه {إلا قليلا} وقيل معناه لا يفقهون الحق إلا القليل منهم، وهم المعاندون. وقال بعضهم لا يفقهون إلا فقها قليلا أو الاشياء قليلا. وإنما قالوا: تحسدوننا، لان المسلمين لما توجهوا إلى خيبر وأخذوا غنائمها، قال المخلفون {ذرونا نتبعكم} قالوا نعم على ان لا شيء لكم من الغنيمة، فقالوا عند ذلك تحسدوننا، فقال تعالى {بل كانوا لا يفقهون إلا قليلا}.

الجنابذي

تفسير : {سَيَقُولُ لَكَ ٱلْمُخَلَّفُونَ مِنَ ٱلأَعْرَابِ} الّذين استنفرهم رسول الله (ص) عام الحديبيّة فاعتلّوا واعتذروا بالشّغل باموالهم واهاليهم وانّما خلّفهم خوفهم من قريشٍ فانّهم قالوا انّ قريشاً غزت محمّداً (ص) فى عقر داره وهو يريد ان يدخل عليهم ديارهم لا يفلت منهم احدٌ ابداً {شَغَلَتْنَآ أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَٱسْتَغْفِرْ لَنَا} لتخلّفنا وهذا من الاخبار بالمغيبات {يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَن يَمْلِكُ لَكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ شَيْئاً إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرّاً} على التّخلّف او مطلقاً {أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعاً بَلْ كَانَ ٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً} فاحذروا ممّا تعملون.

الهواري

تفسير : قوله تعالى: {سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الأَعْرَابِ} يعني المنافقين [المتخلفين عن الجهاد في تفسير الحسن] {شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا} أي: خفنا عليها الضيعة، فذلك الذي منعنا أن نكون معك في الجهاد {فَاسْتَغْفِرْ لَنَا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ} أي يعتذرون بالباطل. وقال الكلبي: لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الحديبية تخلف عنه عامة الأعراب، لم يتبعه أحد منهم، وخافوا أن يكون قتال. فلما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من الحديبية وعده الله خيبر؛ فأتوه ليعتذروا وليغزوا معه رجاء الغنيمة، يقولون: {شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا}... إلى قوله: {بَلْ ظَنَنتُمْ أَن لَّن يَنقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنتُمْ قَوْمًا بُورًا}. قال الله عز وجل: {قُلْ فَمَن يَمْلِكُ لَكُم مِّنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا} أي أن يهلككم بنفاقكم فيدخلكم النار. {أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا} أي: أن يرحمكم بالإيمان. أي: يمن عليكم. وقد أخبر نبيّه بعد في غير هذه الآية أنه لا يتوب عليهم في قوله: {وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ} أي: وتموت أنفسهم، أي يموتون. (أية : وَهُمْ كَافِرُونَ)تفسير : [التوبة:55]. وقال: (أية : سَوَاء عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ)تفسير : [المنافقون:6]. قال: {بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا}. قوله: {بَلْ ظَنَنتُمْ أَن لَّن يَنقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا} قد ذكرنا تفسير الكلبي أنه يوم الحديبية. وقال الحسن: كان ذلك في غزوة تبوك. كان المنافقون يقولون: لن يرجع محمد والمؤمنون إلى المدينة أبداً، ويهلكون قبل أن يرجعوا ويهلك دينهم. قال: {وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ} وهو مثل قوله: (أية : الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ) تفسير : [الفتح:6] أي: ظنوا أن محمداً وأصحابه سيهلكون ويهلك دينهم. قال: {وَكُنتُمْ قَوْمًا بُورًا} أي: فاسدين.

اطفيش

تفسير : {سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الأَعْرَابِ} الذين حول المدينة غفار ومزينة وجهينة واشجع واسلم ونخع أو الديل وهم منافقون لم يتمكن الايمان من قلوبهم لما أراد صلى الله عليه وسلم المسير الى مكة عام الحديبية معتمرا استنفر من حول المدينة من الاعراب وأهل البادية ليخرجوا معه حذرا من قريش أن يعرضوا له بحرب أو يصدوه عن البيت واحرم هو وساق معه الهدي ليعلم أنه لا يريد حربا فتثاقلوا خوفا عن قتال قريش وثقيف وكنانة والقبائل المجاورة لمكة وهم الاحابش وقالوا يذهب الى قوم قد غزوه في علو داره بالمدينة وقتلوا أصحابه فيقاتلهم وظنوا أنه يهلك فلا ينقلبوا الى المدينة واعتلوا بالشغل ففضحهم الله لنبيه قبل أن يصل اليهم من مرجعه والمخلف اسم مفعول أي الذين خلفهم الله عن صحبتك أي أقعدهم خلفك* {شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا} النساء والذراري لم يكن من يحفظهم لنا ويقوم بمصالحهم وقرئ بتشديد الغين مبالغة وذلك اعتذار بالباطل قال الكلبي لم يخرجوا خوفا للقتال عساه أن يكون واعتذروا لأنه لما رجع من الحديبية وعد خيبرا فرجوا الغزوة معه لغنيمة منها* {فَاسْتَغْفِرْ لَنَا} على تخلفنا قالوه مصانعة لا توبة وندما كما إنهم اعتذروا بالشعل مع أنهم لم يخرجوا خوفا ولذلك قال الله عز وجل تكذيبا لاعتذارهم وطلب الاستغفار* {يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَن يَمْلِكُ لَكُم مِّنَ اللهِ شَيْئاً} والاستفهام انكاري أي لا مانع لكم من مشيئته وقضاه* {إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرّاً} من قتل أو هزيمة وخلل في المال والأهل وعقوبة على التخلف وقرأ حمزة والكسائي بضم الضاد في مصحف ابن مسعود (ان اراد بكم سوءا) {أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعاً} هو خلاف الضر وقيل الضر الكفر والنفع الايمان وذلك تعريض بعدم وصولهم مرادهم* {بَلْ} للانتقال من غرض الى آخر كذا قيل والمراد بالغرض غير غرض الخلق فان الله منزه عنه أو للابطال* {كَانَ اللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ} من التخلف وقصدكم فيه أو بكل شيء فهو عالم بتخلفكم وقصدكم* {خَبِيراً} أي عالماً لم يزل

اطفيش

تفسير : {سَيقُول لك المخلَّفون} الذين تركتموهم خلفكم، ولم يخرجوا معكم الى مكة عام الحديبية معتمرين {مِن الأعراب} عرب البدو لا واحد له من لفظه الا بالنسب، تقول: جاء أعرابى، وقل مفرده عرب على العموم، ثم خص بأهل البدو ومنهم، والمخلفون منهم: جهينة، ومزينة، وغفار، وأشجع، والصمايل، أو سلم، وديل، ونخع، طلبهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ليخرجوا معه للعمرة حذرا من قريش أن يتعرضوا له بحرب، أو يصدون عن البيت، وأحرم هو صلى الله عليه وسلم، وساق معه الهدى، ليعلم أنه ما أراد حربا، فامتنعوا لما رأوا أنه استقبل صلى الله عليه وسلم عددا عظيما من قريش وثقيف وكنانة والأحابيش، وهم القبائل المجاورون حول مكة، وقالوا: كيف نذهب الى قوم عزوه فى داره وقتلوا أصحابه؟ وقالوا ولم يتمكن الايمان فى قلوبهم: لن يرجع محمد وأصحابه من هذه السفرة، فأوحى الله تعلى اليه بما قالوا، فأخبرهم بما قالوا قبل أن يصل اليه رسولهم به، وباعتذارهم المذكور فى قوله تعالى: {شَغَلتْنا} عن السفر معك الى مكة للعمرة {أموالنا وأهْلونا} اذ لا حافظ لها بعدنا، وأخروا ذكر الأهل للترقى، بأن يذكروا شيئا فشيئا فيختموا بما يكون حجة لا ترد، وان رد ما قبلها لا للاهانة، لأن المحافظة على النسوة والمماليك والأولاد أهم عند ذوى الغيرة، من المحافظة على الأموال، وذلك مطبوع فى القلوب. {فاسْتَغْفر لنا} ادع الله أن يغفر لنا تخلفنا عنك، فانه لم يكن لتكاسل أو لحب خذلان لك، بل لذلك الشغل، وقوله تعالى: {يقُولُون بألْسِنَتهم ما لَيسَ في قلوبهم} مستأنف لتكذيبهم إذ قالوا: تخلفنا لذلك الشغل، وفى قلوبهم أنهم تخلفوا لخذلانه، ولخوف أن يقتلوا وبخلا بمئونة السفر ومشقته، وإذ طلبوا الاستغفار طلب المعترف بالذنب، وفى قلوبهم أنهم لم يذنبوا فى تخلفهم، وأطلت الكلام على الكذب عند النظام وغيره فى موضع آخر. {قُل} رداً عليهم {فمن يمْلكُ} عاطفة فى الأصل على كلامهم، وأما فى الحال فمما نصب بالقول، كأنه قيل اعطف على كلامهم بقولك، فمن يملك أو فى جواب شرط محذوف، والكل وما بعده منصوب بقول، أى قل ان كان ذلك فمن يملك الخ، والملك التغلب على الشىء بقوة وضبط، قال شيخ من العرب: أصبحت لا أملك رأس البعير، ان نفر، أويقال: ملكت العجين اذا شددت عجنه، فمعنى الآية من يستطيع لكم امساك شىء من قدرة الله تعالى ان أراده بكم {لَكُم} هذه اللام صلة للفعل قبلها وهى للتمليك والنفع، والقول بأنها للبيان، أى أعنى لكم تخليط وزيادة معنى غير مراد {مِن الله} من للابتداء متعلق بيملك كما تعلقت به اللام، أو بمحذوف حال من قوله: {شيئاً} نفعا، أو دفع ضر، ودفع الضر نفع فصح أن اللازم للتملك والنفع، ولا ينافى هذا النفع عموم قوله:{شيئاً}للضر لما عملت أن دفعه بقوله: {إنْ أراد بكُم ضراً} ايقاع الضر {أو أراد بكُم نفْعاً} ايقاع النفع، والضر والنفع باقيان على المعنى المصدرى، ويجوز تفسيرهما بمعنى الوصف أى الأمر الضار أو النافع، كأنه قيل: ما يضر وما ينفع، وقدر بعض من يملك لكم شيئا ان أراد بكم ضرا أو من يحرمكم النفع، ان أراد بكم نفعا، وهذا تفسير ليملك بدفع المضرة هنا، كقوله تعالى: "أية : فمن يملك مِنَ الله شيئاً إنْ أراد أنْ يَهلك المسيح ابن مريم"تفسير : [المائدة: 17] الخ، وقوله: "أية : ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئاً" تفسير : [المائدة: 41] وأنت خبير أن دفع الضر نفع، ولا نسلم أن قولهم ملك له كذا مختص بدفع الضر، ومثل ذلك قوله تعالى: "أية : قل مَنْ ذا الذي يعصمكم من الله إنْ أراد بكم سوءاً وأراد بكم رحمة" تفسير : [الأحزاب: 17] والمراد عموم كل نفع، وكل ضر لا خصوص اضاعة الأهل والمال وحفظهما، كما زعم بعض، لأن العموم يفيدهما وزيادة، ولا دليل لذلك الزعم فى تهديدهم بقوله: {بلْ كانَ اللَّهُ بما تَعْملون} من الخذلان وسائر المعاصى {خَبيراً} فيجازيكم عليه، والاضراب ببل انتقالى، وكذا فى قوله: {بلْ ظنَنْتم أنْ لن ينْقَلب} يرجع {الرسُول} الخ والاضرابتان مقصودتان كل واحدة عما قبلها، قيل: وفى الأخيرة بدل من قوله: {بل كان الله} الخ وتفسير لما فيه من الابهام، وان شئت فاضرابات ثلاثة، والثلاثة: {وَزُيِّنَ ذلك} او الثالثة {ظننتم ظن السوء} على ان المراد ظنهم السوء عموما لا خصوص ظن أن لن ينقلب الرسول، وقيل: هو بيان للعلة فى تخلفهم، والمعنى أن اعتذاركم بالأموال والأهلين كذب، ليس ذلك مرادا، بل خفتم أن يقتل النبى صلى الله عليه وسلم والمؤمنون فتقتلوا معهم، كما قال: {أنْ لنْ ينقلب الرسول} {والمؤمنون إلى أهليهم} عشائرهم وقربائهم، ومن جاورهم {أبداً} بان يقتلهم المشركون، أو يقتلوا ويأسروا بعضا، وقالوا: محمد ومن معه أكملة رأس بفتح الهمزة والكاف، أى عدد قليل كمقدار عدد يشبعهم رأس ناقة أو بعير بالنظر الى من فى مكة وحولها، أو بضم فاسكان، أى كرأس مأكول، وجمع أهل جمع السلامة لمذكر فصيح استعمالا، شاذ قياسا، لأنه ليس عملا ولا وصفا، ولا يخرجه عن الشذوذ تأويل بالوصف، وأبدا تأكيد لمعنى لمن، وهو التأبيد فى النفى على أن لن للتأبيد. {وزيِّن ذلك} زين الشطان أو الله بخذلانه {في قُلوبكُم} ذلك الظن المدلول عليه بظننتم، أو ذلك المظنون الذى هو انتفاء انقلاب الرسول والمؤمنين الى أهليهم أبدا، والأول أنسب بقوله: {وظنَنْتم ظنَّ السَّوءِ} أى استمررتم عليه فاشتغلتم بأموالكم وأهليكم، ولم تبالوا برسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، وانما اولت الظن بالاستمرار لئلا يتكرر مع ما قبله، أو كرر للتأكيد، أو ليجمعه تأكيدا مع ما بعده من كونهم قوما بورا، كقولك: قبح الله عمرا يزنى يزنى ويسرق بذكر يزنى مرة ثانية ليكون كقولك تصريحا قبحه الله، يزنى ويجمع مع الزنى السرقة، وأل فى ذلك كله للعهد فى ظن انتفاء انقلاب الرسول والمؤمنين، وان جعلناها للجنس كان الظن مع السوء تعمما بعد تخصيص بأن يراد ذلك الظن، وسائر ظنونهم الفاسدة. {وكُنْتم} فى أحوالكم، أو فى علم الله، أو فى اللوح المحفوظ، أو صرتم {قَوماً بُوراً} هالكين لفساد اعتقادكم، أو فاسدين فى أنفسكم وقلوبكم واعتقادكم، وأصله مصدر ضمن معنى الوصف وهو بائر، وأجيز أنه جمع بائر لأن فاعلا قد يجمع على فعل بضم فاسكان كحائل وحول، وعائذ وعوذ، وبازل وبزل.

الالوسي

تفسير : {سَيَقُولُ لَكَ ٱلْمُخَلَّفُونَ مِنَ ٱلاْعْرَابِ } قال مجاهد وغيره - ودخل كلام بعضهم في بعض -: المخلفون من الأعراب هم جهينة ومزينة وغفار وأشجع والديل وأسلم استنفرهم رسول الله / صلى الله عليه وسلم حين أراد المسير إلى مكة عام الحديبية معتمراً ليخرجوا معه حذراً من قريش أن يعرضوا له بحرب أو يصدوه عن البيت وأحرم هو صلى الله عليه وسلم وساق معه الهدى ليعلم أنه لا يريد حرباً ورأى أولئك الأعراب أنه عليه الصلاة والسلام يستقبل عدداً عظيماً من قريش وثقيف وكنانة والقبائل المجاورين مكة وهم الأحابيش ولم يكن الإيمان تمكن من قلوبهم فقعدوا عن النبـي صلى الله عليه وسلم وتخلفوا وقالوا: نذهب إلى قوم قد غزوه في عقر داره بالمدينة وقتلوا أصحابه فنقاتلهم وقالوا: لن يرجع محمد عليه الصلاة والسلام ولا أصحابه من هذه السفرة ففضحهم الله تعالى في هذه الآية وأعلم رسوله صلى الله عليه وسلم بقولهم واعتذارهم قبل أن يصل إليهم فكان كذلك. و{ٱلْمُخَلَّفُونَ } جمع مخلف، قال الطبرسي: ((هو المتروك في المكان خلف الخارجين من البلد مأخوذ من الخلف وضده المقدم)). و {ٱلأعْرَابُ } في المشهور سكان البادية من العرب لا واحد له أي سيقول لك المتروكون الغير الخارجين معك معتذرين إليك: {شَغَلَتْنَا } عن الذهاب معك {أَمْوٰلُنَا وَأَهْلُونَا } إذ لم يكن لنا من يقوم بحفظ ذلك ويحميه عن الضياع. ولعل ذكر الأهل بعد الأموال من باب الترقي لأن حفظ الأهل عند ذوي الغيرة أهم من حفظ الأموال. وقرأ إبراهيم بن نوح بن باذان {شغلتنا } بتشديد الغين المعجمة للتكثير {فَٱسْتَغْفِرْ لَنَا } الله تعالى ليغفر لنا تخلفنا عنك حيث لم يكن عن تكاسل في طاعتك بل لذلك الداعي. {يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ } أي إن كلامهم من طرف اللسان غير مطابق لما في الجنان، وهو كناية عن كذبهم، فالجملة استئناف لتكذيبهم وكونها بدلاً من {سَيَقُولُ } غير ظاهر، والكذب راجع لما تضمنه الكلام من الخبر عن تخلفهم بأنه لضرورة داعية له وهو القيام بمصالحهم التي لا بد منها وعدم من يقوم بها لو ذهبوا معه عليه الصلاة والسلام، وكذا راجع لما تضمنه {اسْتَغْفِرُ } الإنشاء من اعترافهم بأنهم مذنبون وأن دعاءه صلى الله عليه وسلم لهم يفيدهم فائدة لازمة لهم، أو تسمية ذلك كذباً ليس لعدم مطابقة نسبة الاعتقاد على ما ذهب إليه النظام بل لعدم مطابقته الواقع بحسب الاعتقاد وفرق بين الأمرين. {قُلْ فَمَن يَمْلِكُ لَكُمْ مّنَ ٱللَّهِ شَيْئاً إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرّاً أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعاً } أمر له صلى الله عليه وسلم أن يرد عليهم بذلك عند اعتذارهم بتلك الأباطيل، والملك إمساك بقوة لأنه بمعنى الضبط وهو حفظ عن حزم، ومنه لا أملك رأس البعير وملكت العجين إذا شددت عجنته، وملكت الشيء إذا دخل تحت ضبطك دخولاً تاماً، وإذا قلت: لا أملك كان نفياً للاستطاعة والطاقة إمساكاً ومنعاً، فأصل المعنى هنا فمن يستطيع لكم إمساك شيء من قدرة الله تعالى إن أراد بكم الخ. واللام من {لَكُمْ } إما للبيان أو من صلة الفعل لأن هذه الاستطاعة مختصة بهم ولأجلهم، و {مِنَ ٱللَّهِ } حال من النكرة أعني {شَيْئاً} مقدمة. وتفسير الملك بالمنع بيان لحاصل المعنى لأنه إذا لم يستطع أحد الإمساك والدفع فلا يمكنه المنع وليس ذلك لجعله مجازاً عنه أو مضمناً إياه واللام زائدة كما في {أية : رَدِفَ لَكُم } تفسير : [النمل: 72] و {مِنْ } متعلقة بيملك كما قيل. والمراد بالضر والنفع ما يضر وما ينفع فهما مصدران مراد بهما الحاصل بالمصدر أو مؤولان بالوصف. وقرأ حمزة والكسائي {ضراً} بضم الضاد وهو لغة فيه. وحاصل معنى الآية قل لهم إذ لا أحد يدفع ضره ولا نفعه تعالى فليس الشغل بالأهل والمال عذراً فلا ذاك يدفع الضر إن أراده عز وجل ولا مغافصة العدو تمنع / النفع إن أراد بكم نفعاً، وهذا كلام جامع في الجواب فيه تعريض بغيرهم من المبطلين وبجلالة محل المحقين ثم ترقى سبحانه منه إلى ما يتضمن تهديداً بقوله تعالى: {بَلْ كَانَ ٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ } أي بكل ما تعملونه {خَبِيراً } فيعلم سبحانه تخلفكم وقصدكم فيه ويجازيكم على ذلك، ثم ختم جل وعلا بمكنون ضمائرهم ومخزون ما أعد لهم عنده تعالى بقوله سبحانه: {بَلْ ظَنَنْتُمْ...}.

ابن عاشور

تفسير : {سَيَقُولُ لَكَ ٱلْمُخَلَّفُونَ مِنَ ٱلاَْعْرَابِ شَغَلَتْنَآ أَمْوَٰلُنَا وَأَهْلُونَا فَٱسْتَغْفِرْ لَنَا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَّا لَيْسَ فِى قُلُوبِهِمْ} لمَّا حَذر من النكث ورغَّب في الوفاء أتبع ذلك بذكر التخلف عن الانضمام إلى جيش النبي صلى الله عليه وسلم حين الخروج إلى عمرة الحديبية وهو ما فعله الأعراب الذين كانوا نازلين حول المدينة وهم ست قبائل: غفار ومُزْينة وجُهينة وأشْجَع وأسْلَمَ والدِّيل بعد أن بايعوه على الخروج معه فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أراد المسير إلى العمرة استنفر مَن حول المدينة منهم ليخرجوا معه فيرهبه أهل مكة فلا يصدّوه عن عمرته فتثاقل أكثرهم عن الخروج معه. وكان من أهل البيعة زيدُ بن خالد الجهني من جهينة وخرج معَ النبي صلى الله عليه وسلم من أسْلم مائةُ رجل منهم مِرْدَاس بن مالك الأسلمي والدُ عبَّاس الشاعر وعبدُ الله بن أبي أوفى وزاهرُ بن الأسود، وأهبانُ (بضم الهمزة) بنُ أوس، وسلَمةُ بن الأكْوَع الأسلمي، ومن غفار خُفَافُ (بضم الخاء المعجمة) بن أيْمَاء (بفتح الهمزة) بعدها تحتية ساكنة، ومن مزينة عَائذ بن عَمرو. وتخلف عن الخروج معه معظمهم وكانوا يومئذٍ لم يتمكن الإيمان من قلوبهم ولكنهم لم يكونوا منافقين، وأعَدّوا للمعذرة بعد رجوع النبي صلى الله عليه وسلم أنهم شغلتهم أموالهم وأهلوهم، فأخبر الله رسوله صلى الله عليه وسلم بما بيتوه في قلوبهم وفضح أمرهم من قَبْلِ أن يعتذروا. وهذه من معجزات القرآن بالأخبار التي قبل وقوعه. فالجملة مستأنفة استئنافاً ابتدائياً لمناسبة ذكر الإيفاء والنكث، فكُمل بذكر من تخلفوا عن الداعي للعهد. والمعنى: أنهم يقولون ذلك عند مرجع النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة معتذرين كاذبين في اعتذارهم. والمخلّفون بفتح اللام هم الذين تخلّفوا. وأطلق عليهم المخلفون أي غيرهم خلفهم وراءه، أي تركهم خلفه، وليس ذلك بمقتض أنهم مأذون لهم بل المخلف هو المتروك مطلقاً. يقال: خلفنا فلاناً، إذا مَرّوا به وتركوه لأنهم اعتذروا من قبل خُروج النبي صلى الله عليه وسلم فعذرهم بخلاف الأعراب فإنهم تخلف أكثرهم بعد أن استُنفروا ولم يعتذروا حينئذٍ. والأموال: الإبل. وأهلون: جمع أهل على غير قياس لأنه غير مستوفي لشروط الجمع بالواو والنون أو الياء والنون، فعُدّ مما ألحق بجمع المذكر السالم. ومعنى فاستغفر لنا: اسألْ لنا المغفرة من الله إذ كانوا مؤمنين فهو طلب حقيقي لأنهم كانوا مؤمنين ولكنهم ظنوا أن استغفار النبي صلى الله عليه وسلم لهم يمحو ما أضمروه من النكث وذهلوا عن علم الله بما أضمروه كدأب أهل الجهالة فقد قتل اليهود زكرياء مخافة أن تصدر منه دعوة عليهم حين قتلوا ابنه يحيــى ولذلك عقب قولهم هنا بقوله تعالى: {بل كان الله بما تعملون خبيراً} الآية. وجملة {يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم} في موضع الحال. ويجوز أن تكون بدل اشتمال من جملة {سيقول لك المخلفون}. والمعنى: أنهم كاذبون فيما زعموه من الاعتذار، وإنما كان تخلفهم لظنهم أن النبي صلى الله عليه وسلم يقصد قتال أهل مكة أو أن أهل مكة مقاتلوه لا محالة وأن الجيش الذين كانوا مع النبي صلى الله عليه وسلم لا يستطيعون أن يغلبوا أهل مكة، فقد روي أنهم قالوا: يذهب إلى قوم غزَوْهُ في عُقر داره بالمدينة (يعنون غزوة الأحزاب) وقتلوا أصحابه فيقاتلهم وظنوا أنه لا ينقلب إلى المدينة وذلك من ضعف يقينهم. {قُلْ فَمَن يَمْلِكُ لَكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ شَيْئاً إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرّاً أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعاً بَلْ كَانَ ٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خبيراً}. أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بأن يقول لهم ما فيه ردّ أمرهم إلى الله ليُعلمهم أن استغفاره الله لهم لا يُكره الله على المغفرة بل الله يفعل ما يشاء إذا أراده فإن كان أراد بهم نفعاً نفعهم وإن كان أراد بهم ضَرا ضرهم فما كان من النصح لأنفسهم أن يتورطوا فيما لا يرضي الله ثم يستغفرونه. فلعله لا يغفر لهم، فالغرض من هذا تخويفهم من عقاب ذنبهم إذ تخلفوا عن نفير النبي صلى الله عليه وسلم وكذبوا في الاعتذار ليُكثروا من التوبة وتدارك الممكن كما دل عليه قوله تعالى بعده {أية : قل للمخلفين من الأعراب ستُدعون إلى قوم}تفسير : [الفتح: 16] الآية. فمعنى {إن أراد بكم ضراً أو أراد بكم نفعاً} هنا الإرادة التي جرت على وفق علمه تعالى من إعطائه النفع إياهم أو إصابته بضرّ وفي هذا الكلام توجيه بأن تخلّفهم سبب في حرمانهم من فضيلة شهود بيعة الرضوان وفي حرمانهم من شهود غزوة خيبر بنهيه عن حضورهم فيها. ومعنى الملك هنا: القدرة والاستطاعة، أي لا يقدر أحد أن يغير ما أراده الله وتقدم نظير هذا التركيب في قوله تعالى: {أية : قل فمن يملك من الله شيئاً إن أراد أنْ يُهلك المسيحَ ابن مريم} تفسير : في سورة العقود (17). والغالب في مثل هذا أن يكون لنفي القدرة على تحويل الشر خيراً كقوله: {أية : ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئاً}تفسير : [المائدة: 41]. فكان الجري على ظاهر الاستعمال مقتضياً الاقتصار على نفي أن يملك أحد لهم شيئاً إذا أراد الله ضرهم دون زيادة أو أرادَ بكم نفعاً، فتوجه هذه الزيادة أنها لقصد التتميم والاستيعاب، ونظيرُه {أية : قل من ذا الذي يعصمكم من الله إن أراد بكم سوءا أو أراد بكم رَحمة} تفسير : في سورة الأحزاب (17). وقد مضى قريب من هذا في قوله تعالى: {أية : قل لا أملك لنفسي نفعاً ولا ضراً إلا ما شاء الله} تفسير : في سورة الأعراف (188) فراجعه. وقرأ الجمهور {ضَرا} بفتح الضاد، وقرأه حمزة والكسائي بضمها وهما بمعنى، وهو مصدر فيجوز أن يكون هنا مرادا به معنى المصدر، أي إن أراد أن يضركم أو ينفعكم. ويجوز أن يكون بمعنى المفعول كالخَلق بمعنى المخلوق، أي إن أراد بكم ما يُضركم وما ينفعكم. ومعنى تعلق {أراد} به أنه بمعنى أراد إيصال ما يضركم أو ما ينفعكم. وهذا الجواب لا عِدة فيه من الله بأن يغفر لهم إذ المقصود تركهم في حالة وَجَل ليستكثروا من فِعل الحسنات. وقُصدت مفاتحتهم بهذا الإبهام لإلقاء الوجل في قلوبهم أن يُغفر لهم ثم سيتبعه بقوله: {أية : ولله ملك السماوات والأرض}تفسير : [آل عمران: 189] الآية الذي هو أقرب إلى الإطماع. و {بل} في قوله: {بل كان الله بما تعملون خبيرا} إضراب لإبطال قولهم {شغلتنا أموالُنا وأهلونا}. وبه يزداد مضمون قوله: {يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم} تقريراً لأنه يتضمن إبطالاً لعذرهم، ومن معنى الإبطال يحصل بيان الإجمال الذي في قوله: {كان الله بما تعملون خبيراً} إذ يفيد أنه خبير بكذبهم في الاعتذار فلذلك أبطل اعتذارهم بحرف الإبطال. وتقديم {بما تعملون} على متعلَّقه لقصد الاهتمام بذكر عملهم هذا. وما صْدَق {ما تعملون} ما اعتقدوه وما ماهوا به من أسباب تخلفهم عن نفير الرسول وكثيراً ما سمّى القرآن الاعتقاد عملاً. وفي قوله: {وكان بما تعملون خبيراً} تهديد ووعيد.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {قُلْ فَمَن يَمْلِكُ لَكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ شَيْئاً إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرّاً أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعاً}. أمر الله جل وعلا نبيه أن يقول للمنافقين الذين تخلفوا عنه واعتذروا بأعذار كاذبة: {فَمَن يَمْلِكُ لَكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ شَيْئاً إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرّاً أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعا} أي لا أحد يملك دفع الضر الذي أراد الله إنزاله بكم ولا منع النفع الذي أراد نفعكم به فلا نافع إلا هو ولا ضار إلا هو تعالى، ولا يقدر أحد على دفع ضر أراده ولا منع نفع أراده. وهذا الذي تضمنته هذه الآية الكريمة، ما جاء موضحاً في آيات أخر من كتاب الله كقوله تعالى في الأحزاب {أية : قُلْ مَن ذَا ٱلَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوۤءاً أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلاَ يَجِدُونَ لَهُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً}تفسير : [الأحزاب: 17]. وقوله تعالى في آخر يونس {أية : وَإِن يَمْسَسْكَ ٱللَّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلاَ رَآدَّ لِفَضْلِهِ}تفسير : [يونس: 107] الآية. وقوله في الأنعام:{أية : وَإِن يَمْسَسْكَ ٱللَّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدُيرٌ}تفسير : [الأنعام: 17]. وقوله تعالى في المائدة:{أية : مَّا يَفْتَحِ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلاَ مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلاَ مُرْسِلَ لَهُ}تفسير : [فاطر: 2] الآية. وقوله تعالى في الملك {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ ٱللَّهُ وَمَن مَّعِيَ أَوْ رَحِمَنَا فَمَن يُجِيرُ ٱلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} [الملك: 28]. وقد ذكرنا بعض الآيات الدالة على هذا في أول سورة فاطر في الكلام على قوله تعالى {مَّا يَفْتَحِ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَة} الآية. وفي سورة الأحقاف في الكلام على قوله تعالى: {أية : قُلْ إِنِ ٱفْتَرَيْتُهُ فَلاَ تَمْلِكُونَ لِي مِنَ ٱللَّهِ شَيْئاً}تفسير : [الأحقاف: 8].

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: المخلفون من الأعراب: أي الذين حول المدينة وقد خلّفهم الله عن صحبتك لما طلبتهم ليخرجوا معك إلى مكة خوفا من تعرض قريش لك عام الحديبية وهم غفار ومزينة وجهينة وأشجع. شغلتنا أموالنا وأهلونا: أي عن الخروج معك. فاستغفر لنا: أي الله من ترك الخروج معك. يقولون بألسنتهم: أي كل ما قالوه هو من ألسنتهم وليس في قلوبهم منه شيء. قل فمن يملك لكم من الله شيئا: أي لا أحد لأن الاستفهام هنا للنفي. إن أراد بكم ضراً أو أراد بكم نفعاً: وبَّخهم على تركهم صحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم خوفا من قريش. بل ظننتم أن لن ينقلب الرسول والمؤمنون: أي حسبتم أن قريشا تقتل الرسول والمؤمنين فلم يرجع منهم أحد إلى المدينة. وظننتم ظن السوء: هو هذا الظن الذي زينه الشيطان في قلوبهم. وكنتم قوما بورا: أي هالكين عند الله بهذا الظن السيء، وواحد بور بائر. هالك. فإِنا أعتدنا للكافرين سعيرا: أي ناراً شديدة الاستعار والالتهاب. يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء: يغفر لمن يشاء وهو عبد تاب وطلب المغفرة بنفسه، ويعذب من يشاء وهو عبد ظن السوء وقال غير ما يعتقد وأصر على ذلك الكفر والنفاق. وكان الله غفورا رحيما: كان وما زال متصفا بالمغفرة والرحمة فمن تاب غفر الله له ورحمه. معنى الآيات: ما زال السياق الكريم في مطلب هداية المنافقين في الحضر والبادية وذلك بتأنيبهم وتوبيخهم وذكر معايبهم إرادة إصلاحهم فقال تعالى لرسوله {سَيَقُولُ لَكَ ٱلْمُخَلَّفُونَ مِنَ ٱلأَعْرَابِ} وهم غفار ومزينة وجهينة وأشجع وكانوا أهل بادية وأعرابا حول المدينة استنفرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ليخرجوا معه إلى مكة للعمرة تحسبا لما قد تُقدم عليه قريش من قتاله صلى الله عليه وسلم إلاَّ أن هؤلاء المخلفين من الأعراب أصابهم خوف وجبن من ملاقاة قريش وزين لهم الشيطان فكرة أن الرسول والمؤمنين لن يعودوا إلى المدينة فإِن قريشا ستقضي عليهم وتنهي وجودهم فَلِذَلِكَ خلفهم الله وحرمهم صحبة نبيّه والمؤمنين فحرموا من مكرمة بيعة الرضوان وأخبر رسوله عنهم وهو عائد من الحديبية بما يلي {سَيَقُولُ لَكَ ٱلْمُخَلَّفُونَ مِنَ ٱلأَعْرَابِ} معتذرين لك عن تخلفهم {شَغَلَتْنَآ أَمْوَالُنَا} فتخلفنا لأجل إصلاحها، {وَأَهْلُونَا} كذلك {فَٱسْتَغْفِرْ لَنَا} أي اطلب لنا من الله المغفرة. ولم يكن هذا منهم حقا وصدقا بل كان باطلا وكذبا فقال تعالى فاضحاً لهم {يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ} فهم إذاً كاذبون. وهنا أمر رسوله أن يقول لهم أخبروني إن أنتم عصيتم الله ورسوله وتركتم الخروج مع المؤمنين جنبا وخوفا من القتل فمن يملك لكم من الله شيئا إن أراد بكم ضراً أي شراً لكم أو أرد بكم نفعاً أي خيراً لكم؟ والجواب قطعا لا أحد إذاً فإِنكم كنتم مخطئين في تخلفكم وظنكم معاً، وقوله {بَلْ كَانَ ٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً} اضرب تعالى عن كذبهم واعتذارهم ليهددهم على ذلك بقوله {بَلْ كَانَ ٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً} وسيجزيكم به وما كان عملهم إلا الباطل والسوء، ثم أضرب عن هذا أيضا إلى آخر فقال {بَلْ ظَنَنْتُمْ أَن لَّن يَنقَلِبَ ٱلرَّسُولُ وَٱلْمُؤْمِنُونَ إِلَىٰ أَهْلِيهِمْ أَبَداً} إذ تقتلهم قريش فتستأصلهم بالكلية. وزين ذلك الشيطان في قلوبكم فرأيتموه واقعاً، وظننتم ظن السوء وهو أن الرسول والمؤمنين لن ينجوا من قتال قريش لهم، وكنتم أي بذلك الظن قوما بورا لا خير فيكم هلكى لا وجود لكم. وقوله تعالى {وَمَن لَّمْ يُؤْمِن بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّآ أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَعِيراً} وهو إخبار أُريد به تخويفهم لعلهم يرجعون من باطلهم في اعتقادهم وأعمالهم إلى الحق قولا وعملا، ومعنى أعتدنا أي هيأنا وأحضرنا وسعيراً بمعنى نار مستعرة شديدة الالتهاب وقوله في الآية الأخيرة من هذا السياق [14] {وَلِلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} أي بيده كل شيء {يَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ} من عباده ويعذب من يشاء فاللائق بهم التوبة والإِنابة إليه لا الإِصرار على الكفر والنفاق فإِنه غير مجد لهم ولا نافع بحال وقد تاب بهذا أكثرهم وصاروا من خيرة الناس، وكان الله غفورا رحيما فغفر لكم من تاب منهم ورحمه. ولله الحمد والمنة. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- إخبار القرآن بالغيب وصدقه في ذلك دال على أنه كلام الله أوحاه إلى رسوله صلى الله عليه وسلم. 2- لا يملك النفع ولا الضر على الحقيقة إلا الله ولذا وجب أن لا يطمع إلا فيه، ولا يرهب إلا منه. 3- حرمة ظن السوء في الله عز وجل، ووجب حسن الظن به تعالى. 4- الكفر موجب لعذاب النار، ومن تاب تاب الله عليه، ومن طلب المغفرة في صدق غفر له. 5- ذم التخلف عن المسابقة في الخيرات والمنافسة في الصالحات.

د. أسعد حومد

تفسير : {أَمْوَالُنَا} (11) - لمَا اتَّجَهَ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم إِلى مَكَّةَ مَعْتَمِراً عَامَ الحُدَيْبِيَةِ اسْتَنْفَرَ القَبَائِلَ المُسْلِمَةَ التِي تُقِيمُ حَوْلَ المَدِينةِ، فَنَفَر أُنَاسٌ وَتَبَاطَأ أُنَاسٌ وَكَانَ مِمَّنْ تَبَاطَأَ واعْتَذَرَ عَنِ الخُرُوجِ مَعَهُ: قَبَائِلُ جُهَينَةَ وَمُزَيْنَةَ وَغِفَارٍ وَأَشْجَعَ وَأَسْلَمَ، وَقَالُوا للرَّسُولِ مُعتَذرينَ: إِنَّ أَمْوَالهم وَأَهْلِيهمْ قَدْ شَغَلَتْهُمْ عَنِ الخُرُوجِ مَعَهُ، وَلكِنَّهُمْ في الحَقِيقَةِ كَانُوا ضِعَافَ الإِيمَانِ، خَائِفِينَ مِنْ مُواجَهَةِ قُريشٍ وَثَقيفٍ وَكِنَانَةَ وَالقَبائِلِ المُحَالِفَةِ لقريشٍ حوْلَ مَكَّةَ. وَقَالَ بَعْضُهُم لِبَعْضٍ: كَيفَ نَذْهَبُ إِلى قَوْمٍ غَزَوْهُ في عُقْرِ دَارهِ بِالمَدِينةِ فَنُقَاتِلُهُم؟ وَقَالُوا: لَنْ يَرْجِعَ مُحمَّدٌ وَأَصْحَابُهُ مِنْ هذِه السَّفْرَةِ، فَأَنزَلَ اللهُ تَعَالى هذِهِ الآيةَ يَفْضَحُهُم فِيها. وَمَعْنَى الآيةِ: سَيَقُولُ لَكَ الذِينَ تَخَلَّفُوا مِنَ الأَعْرَابِ عَنْ صُحْبَتِك إِلى مَكَّةَ لِلْعُمْرَةِ: لَقَدْ شَغَلَتْنا عَنِ الخُرُوجِ مَعَكَ رِعَايةُ أَمْوالنا وَأَهْلِينا، فَاسْتَغْفِرْ لَنَا اللهَ رَبَّكَ، إِذْ لَمْ يَكُنْ تَخَلُّفُنَا عَنْ مُخَالَفَةٍ لأَِمْرِكَ. وَيَرَدُّ اللهُ تَعَالى عَلَيهم مُكَذِّباً فَيَقُولُ لَهُمْ: إِنَّهُم لَيْسُوا بِصَادِقينَ في قَوْلِهِمْ إِنَّ سَبَبَ امْتِنَاعِهِمْ عَنِ الخُرُوجِ هُوَ رِعَايَةُ مُصَالِحِ أَمْوَالِهِمْ وَأَهْلِيهِمْ، وَإِنَّهُم إِنَّما تَخَلَّفُوا لاعْتِقَادِهِمْ أَنَّ النَّبِيَّ وَالمُؤْمِنِينَ سَيُغْلَبُونَ، وَأَنَّهُمْ لَنْ يَرْجِعُوا مِنْ سَفَرِهِمْ هذا أَبَداً. ثُمّ أَمَرَ اللهُ تَعَالى الرَّسُولَ الكَرِيمَ بأَنْ يَقُولَ لَهُمْ: إِنَّكُمْ قَعدَتُمْ ظَنّاً مِنْكُمْ أَنّ في القُعُودِ السَّلامَةَ، وَلكِنْ إِذا أَرَادَ اللهُ بِكُمْ شَرّاً وَسُوءاً فَلَنْ يَنْفَعَكُمُ القُعُودُ شَيئاً، وَإِذا أَرَادَ بِكُمْ خَيْراً فَلاَ رَادَّ لِقَضائِهِ. وَاللهُ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّهُ العِبَادُ، وَمَا يَعْلِنُونَهُ، وَلاَ يَخْفَى عَلَيهِ مِنْ أُمُورِهِمْ شَيءٌ، وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّ هؤُلاءِ المُعْتَذِرينَ مِنَ الأعرابِ كَاذِبُونَ فِيما قَالُوا، وَيَعْلَمُ أَنَّهُم إِنَّما تَخَلَّفُوا شكاً وَنِفَاقاً وَضَعْفَ إِيمانٍ. المُخَلَّفُون - المُتَخَلِّفُونَ عَنْ صُحْبَةِ رَسُولِ اللهِ إِلى الحُدَيْبِيَةِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : هذا إخبار من الله تعالى بغيب يخبر به نبيه صلى الله عليه وسلم ويعلمه بما سيقوله هؤلاء، والمخلّفون جمع مُخلّف وهم الذين طلب منهم الخروج مع رسول الله لأداء العمرة فلم يخرجوا وتعللوا بعدها بهذه الحجج التي كشف القرآنُ زيفها وكشف نواياهم وما كان يدور في نفوسهم. والأعراب هم البدو وسكان البادية، وقولهم: {شَغَلَتْنَآ أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا ..} [الفتح: 11] يعني: عن الخروج معك. وقولهم: {فَٱسْتَغْفِرْ لَنَا ..} [الفتح: 11] دلَّ على أنهم أذنبوا وأخطأوا، وإلا ما طلبوا من رسول الله أن يستغفر لهم. والواقع أنهم كاذبون في هذا، فما شغلتهم الأموال ولا الأولاد إنما خافوا على أنفسهم الخروج، لأنهم ظنوا في أنفسهم أن رسول الله لن يرجع من هذه العمرة ولن يعود إلى أهله، لأن قريشاً تتربص به ومعهم جماعات من الأحابيش ومن ثقيف وكنانة وغيرها. فقالوا في أنفسهم ما أخبر الله به {بَلْ ظَنَنْتُمْ أَن لَّن يَنقَلِبَ ٱلرَّسُولُ وَٱلْمُؤْمِنُونَ إِلَىٰ أَهْلِيهِمْ أَبَداً ..} [الفتح: 12] لذلك بُهت من قال هذا الكلام لما سمع الله يخبر به ويكشف مكنونات صدورهم. والعجيب أن هذا الإخبار {سَيَقُولُ لَكَ ٱلْمُخَلَّفُونَ ..} [الفتح: 11] نزل في قرآن يُتلى علانية ويسمعه هؤلاء المخلفون، وكان بأيديهم ألاَّ يتعللوا بهذه الحجج لكن صدق الله وقالوا بالفعل ما أخبر القرآن به. هذه كما حدث تماماً في قوله تعالى في مسألة تحويل القبلة {أية : سَيَقُولُ ٱلسُّفَهَآءُ مِنَ ٱلنَّاسِ مَا وَلَّٰهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ ٱلَّتِي كَانُواْ عَلَيْهَا ..}تفسير : [البقرة: 142]. سمع اليهود هذا الكلام وسمعوا هذا الوصف، ومع ذلك قالوا ما أخبر الله به وصدقوا على أنهم سفهاء، فهذه وأمثالها من علامات صدق القرآن الكريم، فالذي يتكلم به هو الذي يعلم ما سيحدث في المستقبل ويخبر به قبل أنْ يقع ثم يأتي الواقع موافقاً لما قال. قالوا: كان هؤلاء المخلَّفون من سبع قبائل أظن، منها أشجع ومزينة وهوازن وبخع وأسلم وغيرها. هؤلاء قالوا: إن محمداً ألقى بنفسه في التهلكة، ولن يعود من هذه العمرة لما يعلمون من القوة التي تواجهه فتخلَّفوا، في حين أنهم كانوا يتمنون الخروج إلى خيبر، حيث الغنانيم والأموال التي لا حَصْرَ لها هناك. وقوله تعالى: {يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ ..} [الفتح: 11] أي في قولهم: {فَٱسْتَغْفِرْ لَنَا ..} [الفتح: 11] فهذه الكلمة باللسان فقط، فهم لا تهمهم المغفرة ولا يفكرون فيها. ثم يُبيِّن لهم الحق سبحانه حقيقة الأمر: {قُلْ ..} [الفتح: 11] يعني: قُلْ لهم يا محمد {فَمَن يَمْلِكُ لَكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ شَيْئاً إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرّاً أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعاً ..} [الفتح: 11]. هذا استفهام للتعجب أو للتوبيخ يقول لهم: مَنْ يردُّ عنكم قضاء الله ومَنْ يدفع عنكم الضر إنْ أصابكم في أموالكم أو في أهليكم، من؟ لا أحد. كذلك لا أحد يمنع عنكم النفع إنْ أراده الله لكم، إذن: هذه حجة باطلة لا تُجدي، وكذب لا فائدة منه {بَلْ كَانَ ٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً} [الفتح: 11] يعني: لا يَخْفى عليه من أموركم شيء. ثم يُؤدبهم بأنْ يكشف عن الكلام الذي أسرُّوه بعضهم إلى بعض فيقول: {بَلْ ظَنَنْتُمْ أَن لَّن يَنقَلِبَ ..} [الفتح: 12] أي: يرجع {ٱلرَّسُولُ وَٱلْمُؤْمِنُونَ إِلَىٰ أَهْلِيهِمْ أَبَداً ..} [الفتح: 12] ويُؤكدون ظنهم لاقتناعهم به {وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ ..} [الفتح: 12] أي: زيّنه بعضكم لبعض، أو لقي استحساناً منكم. {وَظَنَنتُمْ ظَنَّ ٱلسَّوْءِ ..} [الفتح: 12] أي: الظن الفاسد والمراد به أن رسول الله لن يعود إلى أهله ولا المؤمنون معه، وهذا يعني النهاية لمسيرة الدعوة. {وَكُنتُمْ قَوْماً بُوراً ..} [الفتح: 12] يعني: مثل الأرض البور التي لا خَيْرَ فيها، فأنتم مثل هذه الأرض أهل فساد لا خيرَ فيكم.

مجاهد بن جبر المخزومي

تفسير : أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {سَيَقُولُ لَكَ ٱلْمُخَلَّفُونَ مِنَ ٱلأَعْرَابِ شَغَلَتْنَآ أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا} [الآية: 11]. يعني: أَعراب المدينة جهينة ومزينة، وذلك أَنه استتبعهم لخروجه إِلى مكة فقالوا: نذهب معه إِلى قوم جاؤوه فقتلوا أَصحابه فنقاتلهم في ديارهم. فاعتلّوا بالشغل. فأقبل النبي، صلى الله عليه وسلم، معتمرا، فأَخذ أَصحابه ناساً من أَهل الحرم غافلين، فارسلهم النبي، صلى الله [وسلم]. فذلك الاظفار. {بِبَطْنِ مَكَّةَ} وهو قوله: {بِبَطْنِ مَكَّةَ مِن بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ} [الآية: 24]. ورجع النبي، صلى الله عليه [وسلم]، وقد وعده الله، عز وجل، {مَغَانِمَ كَثِيرَةً} الآية: 20]، وعجل له خبير وقال له المخلفون: {ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ} [الآية: 15]. وهي المغانم التي قال الله، عز وجل: {إِذَا ٱنطَلَقْتُمْ إِلَىٰ مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ} [الآية: 15]. عرض عليهم قتال {قَوْمٍ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ} [الآية: 16]: وهم فارس والروم. وأَما المغانم الكثيرة التي وعدوا فما يأْخذون حتى اليوم. أَنبا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: ثنا آدم قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {وَكُنتُمْ قَوْماً بُوراً} [الآية: 12]. يقول: كنتم قوماً هالكين. أَنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: نا آدم قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ} [الآية: 16]. قال: هم فارس والروم. أَنبا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {كَلِمَةَ ٱلتَّقْوَىٰ} [الآية: 26]. قال: هي كلمة الإِخلاص: لا إِله إِلا الله. أَنبا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا المبارك بن فضالة عن الحسن قال: هم فارس والروم [الآية: 16]. أَنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: نا آدم /72 ظ/ قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد قال: أُري رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وهو بالحديبية، أَنه دخل مكة وأَصحابه آمنين، محلقين رؤوسهم ومقصرين. فقال له أَصحابه، حين نحر بالحديبية: أَين رؤياك يا رسول الله؟ فأَنزل الله، عز وجل: {لَّقَدْ صَدَقَ ٱللَّهُ رَسُولَهُ ٱلرُّءْيَا بِٱلْحَقِّ}. إِلى قوله: {فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَلِكَ فَتْحاً قَرِيباً} [الآية: 27]: يعني النحر بالحديبية، ثم رجعوا ففتحوا خيبر، ثم اعتمر بعد ذلك فكان تصديق رؤياه في السنة المقبلة.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يذم تعالى المتخلفين عن رسوله، في الجهاد في سبيله، من الأعراب الذين ضعف إيمانهم، وكان في قلوبهم مرض، وسوء ظن بالله تعالى، وأنهم سيعتذرون بأن أموالهم وأهليهم شغلتهم عن الخروج في الجهاد، وأنهم طلبوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يستغفر لهم، قال الله تعالى: { يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ } فإن طلبهم الاستغفار من رسول الله صلى الله عليه وسلم يدل على ندمهم وإقرارهم على أنفسهم بالذنب، وأنهم تخلفوا تخلفا يحتاج إلى توبة واستغفار، فلو كان هذا الذي في قلوبهم، لكان استغفار الرسول نافعا لهم، لأنهم قد تابوا وأنابوا، ولكن الذي في قلوبهم، أنهم إنما تخلفوا لأنهم ظنوا بالله ظن السوء. فظنوا { أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا } أي: إنهم سيقتلون ويستأصلون، ولم يزل هذا الظن يزين في قلوبهم، ويطمئنون إليه، حتى استحكم، وسبب ذلك أمران: أحدها: أنهم كانوا { قَوْمًا بُورًا } أي: هلكى، لا خير فيهم، فلو كان فيهم خير لم يكن هذا في قلوبهم. الثاني: ضعف إيمانهم ويقينهم بوعد الله، ونصر دينه، وإعلاء كلمته، ولهذا قال: { وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ } أي: فإنه كافر مستحق للعقاب، { فَإِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَعِيرًا }.