Verse. 4595 (AR)

٤٨ - ٱلْفَتْح

48 - Al-Fath (AR)

بَلْ ظَنَنْتُمْ اَنْ لَّنْ يَّنْقَلِبَ الرَّسُوْلُ وَالْمُؤْمِنُوْنَ اِلٰۗى اَہْلِيْہِمْ اَبَدًا وَّزُيِّنَ ذٰلِكَ فِيْ قُلُوْبِكُمْ وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ۝۰ۚۖ وَكُنْتُمْ قَوْمًۢا بُوْرًا۝۱۲
Bal thanantum an lan yanqaliba alrrasoolu waalmuminoona ila ahleehim abadan wazuyyina thalika fee quloobikum wathanantum thanna alssawi wakuntum qawman booran

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«بل» في الموضوعين للانتقال من غرض إلى آخر «ظننتم أن لن ينقلب الرسول والمؤمنون إلى أهليهم أبدا وزُيِّن ذلك في قلوبكم» أي أنهم يستأصلون بالقتل فلا يرجعون «وظننتم ظن السَّوء» هذا وغيره «وكنتم قوما بورا» جمع بائر، أي هالكين عند الله بهذا الظن.

12

Tafseer

الرازي

تفسير : يعني لم يكن تخلفكم لما ذكرتم {بَلْ ظَنَنْتُمْ أَن لَّن يَنقَلِبَ } وأن مخففة من الثقيلة، أي ظننتم أنهم لا ينقلبون ولا يرجعون، وقوله {وزين ذلك في قلوبكم} يعني ظننتم أولاً، فزين الشيطان ظنكم عندكم حتى قطعتم به، وذلك لأن الشبهة قد يزينها الشيطان، ويضم إليها مخايلة يقطع بها الغافل، وإن كان لا يشك فيها العاقل، وقوله تعالى: {وَظَنَنتُمْ ظَنَّ ٱلسَّوْءِ } يحتمل وجهين أحدهما: أن يكون هذا العطف عطفاً يفيد المغايرة، فقوله {وَظَنَنتُمْ ظَنَّ ٱلسَّوْءِ } غير الذي في قوله {بَلْ ظَنَنْتُمْ } وحينئذ يحتمل أن يكون الظن الثاني معناه: وظننتم أن الله يخلف وعده، أو ظننتم أن الرسول كاذب في قوله وثانيهما: أن يكون قوله {وَظَنَنتُمْ ظَنَّ ٱلسَّوْءِ } هو ما تقدم من ظن أن لا ينقلبوا، ويكون على حد قول القائل: علمت هذه المسألة وعلمت كذا، أي هذه المسألة لا غيرها، وذلك كأنه قال: بل ظننتم ظن أن لن ينقلب. وظنكم ذلك فاسد، وقد بينا التحقيق في ظن السوء، وقوله تعالى: {وَكُنتُمْ قَوْماً بُوراً } يحتمل وجهين أحدهما: وصرتم بذلك الظن بائرين هالكين وثانيها: أنتم في الأصل بائرون وظننتم ذلك الظن الفاسد.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى:{بَلْ ظَنَنْتُمْ أَن لَّن يَنقَلِبَ ٱلرَّسُولُ وَٱلْمُؤْمِنُونَ إِلَىٰ أَهْلِيهِمْ أَبَداً} وذلك أنهم قالوا: إن محمداً وأصحابه أَكَلَة رأس لا يرجعون. {وَزُيِّنَ ذَلِكَ} أي النفاق. {فِي قُلُوبِكُمْ} وهذا التزيين من الشيطان؛ أو يخلق الله ذلك في قلوبهم. {وَظَنَنتُمْ ظَنَّ ٱلسَّوْءِ} أن الله لا ينصر رسوله. {وَكُنتُمْ قَوْماً بُوراً} أي هَلْكَى؛ قاله مجاهد. وقال قتادة: فاسدين لا يصلحون لشيء من الخير. قال الجَوْهرِيّ: البور: الرجل الفاسد الهالك الذي لا خير فيه. قال عبد الله بن الزِّبَعْرى السَّهْمِي:شعر : يا رسول المليك إن لساني راتِق ما فَتَقْتُ إذ أنا بُور تفسير : وامرأة بُور أيضاً؛ حكاه أبو عبيد. وقوم بُورٌ هَلْكَى. قال تعالى: {وَكُنتُمْ قَوْماً بُوراً} وهو جمع بائر؛ مثل حائل وحُول. وقد بار فلان أي هلك. وأباره الله أي أهلكه. وقيل: «بُوراً» أشراراً؛ قاله ٱبن بحر. وقال حسان بن ثابت:شعر : لا ينفع الطُّول من نُوكِ الرجال وقد يهدي الإلٰه سبيل المَعْشَر البور تفسير : أي الهالك.

المحلي و السيوطي

تفسير : {بَلْ } في الموضعين للانتقال من غرض إلى آخر {ظَنَنْتُمْ أَن لَّن يَنقَلِبَ ٱلرَّسُولُ وَٱلْمُؤْمِنُونَ إِلَىٰ أَهْلِيهِمْ أَبَداً وَزُيّنَ ذَلِكَ فِى قُلُوبِكُمْ } أي أنهم يُسْتَأْصَلون بالقتل فلا يرجعون {وَظَنَنتُمْ ظَنَّ ٱلسَّوْءِ } هذا وغيره {وَكُنتُمْ قَوْماً بُوراً } جمع بائر، أي هالكين عند الله بهذا الظنّ.

ابن عبد السلام

تفسير : {بُوراً} فاسدين أو هلكى ـ أو أشراراً.

السيوطي

تفسير : وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه ‏{‏بل ظننتم أن لن ينقلب الرسول والمؤمنون إلى أهليهم أبداً وزين ذلك في قلوبكم وظننتم ظن السوء‏}‏ قال‏:‏ ظنوا بنبي الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه أنهم لن يرجعوا من وجههم ذلك، وأنهم سيهلكون، فذلك الذي خلفهم عن نبي الله صلى الله عليه وسلم وهم كاذبون بما يقولون ‏ {‏سيقول المخلفون إذا انطلقتم إلى مغانم لتأخذوها‏}‏ قال‏:‏ هم الذين تخلفوا عن النبي صلى الله عليه وسلم زمن الحديبية كذلكم قال الله من قبل قال‏:‏ إنما جعلت الغنيمة لأجل الجهاد إنما كانت غنيمة خيبر لمن شهد الحديبية ليس لغيرهم فيها نصيب ‏ {‏قل للمخلفين من الأعراب ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد‏} ‏ قال‏:‏ فدعوا يوم حنين إلى هوازن وثقيف فمنهم من أحسن الإِجابة، ورغب في الجهاد، ثم عذر الله أهل العذر من الناس، فقال‏:‏ ‏{أية : ‏ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج‏}تفسير : ‏ ‏[‏النور: 61‏]‏. وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه ‏{‏بل ظننتم أن لن ينقلب الرسول‏}‏ قال‏:‏ نافق القوم ‏ {‏وظننتم ظن السوء‏} ‏ أن لن ينقلب الرسول‏. وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه ‏ {‏يريدون أن يبدلوا كلام الله‏}‏ قال‏:‏ كتاب الله كانوا يبطئون المسلمين عن الجهاد ويأمرونهم أن يفروا‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله‏ {أولي بأس شديد} ‏يقول‏:‏ فارس‏.‏ وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر عن الحسن رضي الله عنه قال‏:‏ هم فارس والروم‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي هريرة رضي الله عنه في قوله ‏{‏أولي بأس شديد‏} ‏ قال‏:‏ هم البآرز يعني الأكراد‏.‏ وأخرج ابن المنذر والطبراني في الكبير عن مجاهد رضي الله عنه في الآية قال‏:‏ أعراب فارس وأكراد العجم‏.‏ وأخرج ابن المنذر والطبراني عن الزهري رضي الله عنه قال‏:‏ هم بنو حنيفة‏.‏ وأخرج ابن جرير عن أبي هريرة رضي الله عنه ‏ {‏ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد‏} ‏ قال‏:‏ لم يأتِ أولئك بعد‏.‏

ابو السعود

تفسير : وقولُه تعالى: {بَلْ ظَنَنْتُمْ} الخ بدلٌ من كانَ الله الخ مفسرٌ لما فيه من الإبهامِ أي بل ظننتُم {أَن لَّن يَنقَلِبَ ٱلرَّسُولُ وَٱلْمُؤْمِنُونَ إِلَىٰ أَهْلِيهِمْ أَبَداً} بأن يستأصلَهم المشركون بالمرةِ فخشِيتم إنْ كنتُم معهم أنْ يصيبَكم ما أصابهم فلأجلِ ذلك تخلفتُم لا لما ذكرتُم من المعاذير الباطلةِ. والأهلونَ جمعُ أهلٍ وقد يُجمع على أهلاتٍ كأرضاتٍ على تقديرِ تاءِ التأنيثِ، وأمَّا الأهالي فاسمُ جمعٍ كالليالي. وقُرِىءَ إلى أهلِهم {وَزُيّنَ ذَلِكَ فِى قُلُوبِكُمْ} وقبِلتموه واشتغلتُم بشأنِ أنفسِكم غيرَ مُبالينَ بهم. وقُرىءَ زَيَّنَ على البناءِ للفاعلِ بإسنادِه إلى الله سبحانَهُ أو إلى الشيطانِ {وَظَنَنتُمْ ظَنَّ ٱلسَّوْء} المرادُ به إما الظنُّ الأولُ، والتكريرُ لتشديدِ التوبـيخِ والتسجيلِ عليه بالسوءِ أو ما يعمُّه وغيرَهُ من الظنونِ الفاسدةِ التي من جُمْلتها الظنُّ بعدمِ صحةِ رسالتِه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ فإنَّ الجازمَ بصحتِها لا يحومُ حولَ فكرِهِ وما ذُكِرَ من الاستئصال. {وَكُنتُمْ قَوْماً بُوراً} أي هالكينَ عند الله مستوجبـينَ لسخطِه وعقابِه على أنه جمعُ بائرٍ كعائذٍ وعوذٍ أو فاسدينَ في أنفسِكم وقلوبِكم ونياتِكم لا خيرَ فيكُم، وقيلَ البُور من بارَ كالهُلك من هلكَ بناءً ومَعنْى ولذلك وصفَ به الواحدُ والجمعُ والمذكرُ والمؤنثُ.

القشيري

تفسير : حسبتم أن لن يرجعَ الرسول والمؤمنون من هذه السفرة إلى أهليهم أبداً، وزَيَّنتْ لكم الأماني ألا يعودوا، وأنَّ الله لن ينصرهم. {وَكُنتُمْ قَوْماً بُوراً} أي هالكين فاسدين. ويقال: إنَّ العدوَّ إذا لم يقدر أن يكيدَ بيده يتمنَّى ما تتقاصر عنه مُكنتُهُ، وتلك صفةُ كلِّ عاجز، ونعتُ كلّ لئيم، ثم إن الله - سبحانه - يعكس ذلك عليه حتى لا يرتفع مراده {أية : وَلاَ يَحِيقُ ٱلْمَكْرُ ٱلسَّيِّىءُ إِلاَّ بِأَهْلِهِ}تفسير : [فاطر: 43]. ويقال: من العقوبات الشديدة التي يعاقِبُ اللَّهُ بها المُبْطِل أنْ يتصوَّرَ شيئاً يتمنَّاه ويوطّن نَفَسْه عليه لفرط جَهْله. ويُلقى الحقُّ في قلبه ذلك التمني حتى تسول له نفسهُ أن ذلك كالكائن.. ثم يعذبه الله بامتناعه.

اسماعيل حقي

تفسير : {بل ظننتم} الخ بدل من كان الله الخ مفسر لما فيه من الابهام اى بل ظننتم ايها المخلفون {أن لن ينقلب} لن برجع وبالفارسية بلكه كمان ميبرديد آنكه باز نكردد {الرسول} صلى الله عليه وسلم {والمؤمنون} الذين معه وهم ألف واربعمائة {الى اهليهم} بسوى اهالى خود بمدينه {ابدا} هركزاى بأن يستأصلهم المشركون بالكلية فخشيتم ان كنتم معهم أن يصيبكم ما اصابهم فلاجل ذلك تخلفكم لا لما ذكرتم من المعاذير الباطلة {وزين ذلك فى قلوبكم} واراسته شد اين كمان دردلهاى شما يعنى شيطان بياراست. وقبلتموه واشتغلتم بشأن انفسكم غير مبالين بهم {وظننتم ظن السوء} وكمان بر ديد كمان بد. المراد به اما الظن الاول والتكرير لتشديد التوبيخ والتسجيل عليه بالسوء والا فهو من عطف الشئ على نفسه او ما يعمه وغيره من الظنون الفاسدة التى من جملتها الظن بعدم الصحة رسالته عليه السلام فان الجازم بصحتها لا يحوم حول فكره ما ذكر من الاستئصال فبهذا التعميم لا يلزم التكرار {وكنتم قوما بورا} اى هالكين عند الله مستوجبين سخطه وعقابه على انه جمع بائر من بار بمعنى هلك كعائذ وعوذ وهى من الابل والخيل الحديثة النتاج او فاسدين فى انفسكم وقلوبكم ونياتكم لا خير فيكم فان البور الفاسد فى بعض اللغات وقيل البور مصدر من بار كالهلك من هلك بناء ومعنى ولذا وصف به الواحد والجمع والمذكر والمؤنث فيقال رجل بورو قوم بوروفى المفردات البوار فرط الكساد ولما كان فرط الكساد يؤدى الى الفساد كما قيل كسد حتى فسد عبر بالبوار عن الهلاك وكانوا قوما بورا اى هلكى انتهى وفيه اشارة الى ان كل من ظن انه يصيبه فى الغزو قتل او جراحة او ما يكره من المصائب ثم يتخلف عن الغزو فانه من الهالكين وقد استولى الشيطان على قلبه فزين فى قلبه الحياة الدنيا ليؤثرها على الحياة الاخروية التى اعدت للشهدآء والدرجات العلى فى الجنة والقربات فى جوار الحق تعالى. مكن زغصه شكايت كه در طريق طلب. براحتى نرسيد آتكه زحمتى نكشيد

الجنابذي

تفسير : {بَلْ ظَنَنْتُمْ} يعنى ليس شغلتكم اموالكم واهلوكم بل خفتم عن قريش لانّكم ظننتم انّهم يغلبون ويقتلون محمّداً (ص) واصحابه و {أَن لَّن يَنقَلِبَ ٱلرَّسُولُ وَٱلْمُؤْمِنُونَ إِلَىٰ أَهْلِيهِمْ أَبَداً وَزُيِّنَ ذَلِكَ} اى استحكم ذلك {فِي قُلُوبِكُمْ} بحيث لا تحتملون غيره {وَظَنَنتُمْ ظَنَّ ٱلسَّوْءِ} بالله ورسوله {وَكُنتُمْ قَوْماً بُوراً} هالكين عن الحياة الانسانيّة.

اطفيش

تفسير : {بَلْ} مثل المذكورة للانتقال أو الابطال ما قبل الأولى من الاعتذار وطلب الاستغفار وعدم ايمانهم بالقضاء والقدر* {ظَنَنتُمْ أَن لَّن يَنقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَداً} بل سيستأصلهم قريش ومن معه وقال الحسن هذا في غزوة تبوك إنه يهلك ويهلك دينه (وأهليهم) جمع مذكر سالم حذفت نونه للاضافة ويقالت (أهلات) على نية تاء التأنيث في المفرد كأرض وأرضات وورد (أهله) وأما (أهال) كحوار وغواش فاسم جمع كليال لانه لا مفرد لأهال وليال آخره ياء بخلاف جوار وغواش فهما جمعان وقرئ أهلهم باسقاط الياء* {وَزُيِّنَ ذَلِكَ} ظن عدم الانقلاب* {فِي قُلُوبِكُمْ} وقرئ ببناء {زُيِّنَ} للفاعل وهو الله كقوله {أية : زينا لهم أعمالهم} تفسير : أو الشيطان اللعين كقوله تعالى زين لهم الشيطان أعمالهم وهو قد يوسوس ويزين شيئا حتى يقطع به ويتيقن* {وَظَنَنتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ} بفتح السين وضمها كما مر وهو عدم الانقلاب وهلاك الدين وغير ذلك من ظنهم الفاسد في الله من الأمور الزائفة* {وَكُنتُمْ قَوْماً بُوراً} فاسدين هالكين عند الله تعالى لفساد عقيدتكم وسوء نيتكم والبوار في لغة ازد عمان الفساد وفي لغة غيرهم الهلاك والهالك فاسد والبور مصدر نزل كالوصف ولذلك يوصف به الواحد المذكر وغيره وقيل جمع بائر

الالوسي

تفسير : {بَلْ ظَنَنْتُمْ } إلى قوله تعالى: {بُوراً } وفي «الانتصاف» أن في قوله تعالى: {أية : فَمَن يَمْلِكُ}تفسير : [الفتح:11] الخ لفاً ونشراً والأصل فمن يملك لكم من الله شيئاً إن أراد بكم ضراً أو من يحرمكم النفع أن إراد بكم نفعاً لأن من يملك يستعمل في الضر كقوله تعالى: {أية : فَمَن يَمْلِكُ مِنَ ٱللَّهِ شَيْئاً إِنْ أَرَادَ أَن يُهْلِكَ ٱلْمَسِيحَ } تفسير : [المائدة: 17] {أية : وَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَن تَمْلِكَ لَهُ مِنَ ٱللَّهِ شَيْئاً } تفسير : [المائدة: 41] {أية : فَلاَ تَمْلِكُونَ لِي مِنَ ٱللَّهِ شَيْئاً هُوَ أَعْلَمُ بِمَا تُفِيضُونَ فِيهِ } تفسير : [الأحقاف: 8]، ومنه قوله عليه الصلاة والسلام في بعض الحديث: «حديث : إني لا أملك لكم شيئاً»تفسير : يخاطب عشيرته وأمثاله كثير. وسر اختصاصه بدفع المضرة أن الملك مضاف في هذه المواضع باللام ودفع المضرة نفع يضاف للمدفوع عنه وليس كذلك حرمان المنفعة فإنه ضرر عائد عليه لا له فإذا ظهر ذلك فإنما انتظمت الآية على هذا الوجه كذلك لأن القسمين يشتركان في أن كل واحد منهما نفي لدفع المقدور من خير وشر فلما تقاربا أدرجا في عبارة واحدة؛ وخص عبارة دفع الضر لأنه هو المتوقع لهؤلاء إذ الآية في سياق التهديد والوعيد الشديد وهي نظير قوله تعالى: {أية : قُلْ مَن ذَا ٱلَّذِي يَعْصِمُكُمْ مّنَ ٱللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءاً أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً } تفسير : [الأحزاب: 17] فإن العصمة إنما تكون من السوء لا من الرحمة، فهاتان الآيتان توأمتان في التقرير المذكور انتهى، والوجه ما ذكرناه أولاً في الآية، وفي تسمية مثل هذا لفاً ونشراً نظر. ثم إن الظاهر عموم الضر والنفع، وقال شيخ الإسلام أبو السعود: ((المراد بالضر ما يضر من هلاك الأهل والمال وضياعهما وبالنفع ما ينفع من حفظ المال والأهل وتعميمهما يرده قوله تعالى: {أية : بَلْ كَانَ ٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً } تفسير : [الفتح: 11] فإنه إضراب عما قالوه وبيان لكذبه بعد بيان فساده على تقدير صدقه)) انتهى، وهو كلام أوهى من بيت العنكبوت لأن في التعميم إفادة لما ذكر وزيادة تفيد قوة وبلاغة. والظاهر أن كلاً من الإضرابات الثلاثة مقصودة، وقال شيخ الإسلام: إن قوله تعالى: {بَلْ ظَنَنْتُمْ } الخ بدل من {أية : كَانَ ٱللَّهُ}تفسير : [الفتح: 11] الخ مفسر لما فيه من الإبهام. وفي «البحر» أنه بيان للعلة في تخلفهم أي بل ظننتم {أَن لَّن يَنقَلِبَ } أي لن يرجع من ذلك السفر {ٱلرَّسُولُ وَٱلْمُؤْمِنُونَ إِلَىٰ أَهْلِيهِمْ } أي عشائرهم وذوي قرباهم {أَبَدًا } بأن يستأصلهم المشركون بالمرة فحسبتم أن كنتم معهم أن يصيبكم ما يصيبهم فلأجل ذلك تخلفتم لا لما ذكرتم من المعاذير الباطلة. والأهلون جمع أهل وجمعه جمع السلامة على خلاف القياس لأنه ليس بعلم ولا صفة من صفات من يعقل ويجمع على أهلات بملاحظة تاء التأنيث في مفرده تقديراً فيجمع كتمرة وتمرات ونحوه أرض وأرضات، وقد جاء على ما في «الكشاف» أهلة بالتاء ويجوز تحريك عينه أيضاً فيقال: أهلات بفتح الهاء، وكذا يجمع على أهال كليال، وأطلق عليه الزمخشري اسم الجمع؛ وقيل: وهو إطلاق منه في الجمع الوارد على خلاف القياس وإلا فاسم الجمع شرطه عند النحاة أن يكون على وزن المفردات سواء كان له مفرد أم لا. وقرأ عبد الله {إِلَىٰ أَهْلِهِمْ } بغير ياء. والآية ظاهرة في أن {لَنْ } ليست للتأبيد ومن زعم إفادتها إياه جعل {أَبَدًا } للتأكيد. {وَزُيّنَ } أي حسن {ذٰلِكَ } أي الظن المفهوم من ظننتم {فِي قُلُوبِكُمْ } فلم تسعوا في إزالته فتمكن فيكم فاشتغلتم بشأن أنفسكم غير مبالين بالرسول صلى الله عليه وسلم / والمؤمنين؛ وقيل: الإشارة إلى المظنون وهو عدم انقلاب الرسول عليه الصلاة والسلام والمؤمنين إلى أهليهم أبداً أي حسن ذلك في قلوبكم فأحببتموه والمراد من ذلك تقريعهم ببغضهم الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين والمناسب للسياق ما تقدم. وقرىء {زين} بالبناء للفاعل بإسناده إلى الله تعالى أو إلى الشيطان {وَظَنَنتُمْ ظَنَّ ٱلسَّوْء } وهو ظنهم السابق فتعريفه للعهد الذكري وأعيد لتشديد التوبيخ والتسجيل عليه بالسوء أو هو عام فيشمل ذلك الظن وسائر ظنونهم الفاسدة التي من جملتها الظن بعدم [صحة] رسالته عليه الصلاة والسلام فإن الجازم بصحتها لا يحوم فكره حول ما ذكر من الاستئصال فذكر ذلك للتعميم بعد التخصيص. {وَكُنتُمْ } في علم الله تعالى الأزلي {قَوْماً بُوراً } أي هالكين لفساد عقيدتكم وسوء نيتكم مستوجبين سخطه تعالى وعقابه جل شأنه، وقيل: أي فاسدين في أنفسكم وقلوبكم ونياتكم لا خير فيكم، والظاهر على ما في «البحر» أن بوراً في الأصل مصدر كالهلك ولذا وصف به المفرد المذكر في قول ابن الزبعرى:شعر : يا رسول المليك إن لساني راتق ما فتقت إذ أنا بور تفسير : والمؤنث حكى أبو عبيدة امرأة بور والمثنى والمجموع، وجوز أن يكون جمع بائر كحائل وحول وعائذ وعوذ وبازل وبزل. وعلى المصدرية هو مؤول باسم الفاعل، وجوز أن تكون كان بمعنى صار أي وصرتم بذلك الظن قوماً هالكين مستوجبين السخط والعقاب والظاهر إبقاؤها على بابها والمضي باعتبار العلم كما أشرنا إليه، وقيل: أي كنتم قبل الظن فاسدين.

ابن عاشور

تفسير : هذه الجملة بدل اشتمال من جملة {أية : بل كان الله بما تعملون خبيرا}تفسير : [الفتح: 11]، أي خبيراً بما علمتم، ومنه ظنكم أن لن ينقلب الرسول والمؤمنون. وأعيد حرف الإبطال زيادة لتحقيق معنى البدلية كما يكرر العامل في المبدل منه والانقلاب: الرجوع إلى المأوى. و {أنْ} مخففة من (أنَّ) المشددة واسمها ضمير الشأن وسدّ المصدر مسدّ مفعولي {ظننتم}، وجيء بحرف {لن} المفيد استمرار النفي. وأكد بقوله: {أبداً} لأن ظنهم كان قوياً. والتزيين: التحسين، وهو كناية عن قبول ذلك وإنما جعل ذلك الظن مزيناً في اعتقادهم لأنهم لم يفرضوا غيره من الاحتمال، وهو أن يرجع الرسول صلى الله عليه وسلم سالماً. وهكذا شأن العقول الواهية والنفوسُ الهاوية أن لا تأخذ من الصور التي تتصور بها الحوادث إلا الصورةَ التي تلوح لها في بادىء الرأي. وإنما تلوح لها أول شيء لأنها الصورة المحبوبة ثم يعتريها التزيين في العقل فتلهو عن فرض غيرها فلا تستعد لحَدثانه، ولذلك قيل: "حبك الشيء يُعمي ويُصم". كانوا يقولون بين أقوالهم: إن محمداً صلى الله عليه وسلم وأصحابه أكَلَة (بفتحات ثلاث) رأس (كناية عن القلة، أي يشبعهم رأس بعير) لا يرجعون، أي هم قليل بالنسبة لقريش والأحابيش وكنانة، ومن في حلفهم. و{ظن السَّوء} أعم من ظنهم أن لا يرجع الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنون، أي ظننتم ظن السوء بالدين وبمن بقي من الموقنين لأنهم جزموا باستئصال أهل الحديبيّة وأنّ المشركين ينتصرون ثم يغزون المدينة بمن ينضمّ إليهم من القبائل فيُسقط في أيدي المؤمنين ويرتدون عن الدين فذلك ظن السوء. والسَّوء بفتح السين تقدم آنفاً في قوله: {أية : الظانين بالله ظن السوء}تفسير : [الفتح: 6]. والبُور: مصدر كالهُلْك بناءً ومعنى، ومثله البوار بالفتح كالهلاك ولذلك وقع وصفاً بالإفراد وموصوفه في معنى الجمع. والمراد الهلاك المعنوي، وهو عدم الخير والنفع في الدين والآخرة نظير قوله تعالى: {أية : يُهلكون أنفسهم} تفسير : في سورة براءة (42). وإقحام كلمة {قوماً} بين {كنتم} و {بُوراً} لإفادة أن البوار صار من مقوّمات قوميتهم لشدة تلبسه بجميع أفرادهم كما تقدم عند قوله تعالى {أية : لآيات لقوم يعقلون} تفسير : في سورة البقرة (164). وقوله: {أية : وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون} تفسير : في سورة يونس (101).

د. أسعد حومد

تفسير : (12) - فَقَدْ كَانَ سَبَبَ قُعُودِكُمْ هُوَ اعْتِقَادُكُم أَنَّ الرَّسُولَ والمُؤْمِنينَ سَيُقْتَلُونَ، وَسَتُستَأْصَلُ شَأْفَتُهُمْ، وَلَنْ يَعُودَ مِنْهُمْ أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الغَزْوَةِ إِلى أَهْلِيهمِ، وَزَيَّنَ لَكُمُ الشَّيْطَانُ ذلِكَ الظَّنَّ السَّيِّئَ. فَقَعدْتُمْ عَنْ صُحْبَتهِ، وَظَنَنْتُم أَنَّ اللهَ لَنْ يَنْصُرَ رَسُولَهُ وَالمُؤْمِنِينَ عَلَى أَعْدَائِهِمْ فَصِرْتمُ بِهذهِ المَقَالَةِ قَوْماً هَالِكينَ، مُسْتَوجِبينَ سُخْطَ اللهِ وَعَذَابَهُ. لَنْ يَنْقَلِبَ - لَنْ يَرْجِعَ إِلى المَدِينةِ. بُوراً - هَالِكِينَ.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {وَكُنتُمْ قَوْماً بُوراً} معناه هَلكى.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : وبقوله: {بَلْ ظَنَنْتُمْ أَن لَّن يَنقَلِبَ ٱلرَّسُولُ وَٱلْمُؤْمِنُونَ إِلَىٰ أَهْلِيهِمْ أَبَداً وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنتُمْ ظَنَّ ٱلسَّوْءِ وَكُنتُمْ قَوْماً بُوراً} [الفتح: 12]، يشير إلى أن كل من خلق أن يصيبه في الغزو قتلاً وجراحة أو ما يكره من المصائب، ثم يتخلف عن الغزو فإنه من الهالكين، وقد استولى الشيطان على قلبه فزين في قلبه الحياة الدنيا؛ ليؤثرها على الحياة الأخروية، التي وعدت الشهداء الدرجات العلا في الجنة والقربات في جوار الحق تعالى. وبقوله: {وَمَن لَّمْ يُؤْمِن بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّآ أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَعِيراً} [الفتح: 13]، يشير إلى أن سعير النفوس ونوران شعلة صفاتها اعتدناها مستولية على قلوب من لم يؤمن بالله ورسوله، فمن أطفأ سعير نفسه وشعلة صفاتها بماء الذكر وترك الشهوات يؤمن قلبه وينجو من سعير نفسه. {وَلِلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} [الفتح: 14]؛ أي: ملك سماوات القلوب وأرض النفوس، {يَغْفِرُ} [الفتح: 14] نفس { لِمَن يَشَآءُ} [الفتح: 14]، ويزكيها عن الصفات الذميمة، ويجعلها مطمئنة قابلة لجذبة: {أية : ٱرْجِعِي}تفسير : [الفجر: 28]، {وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ} [الفتح: 14] باستيلاء صفات النفس عليها وبقلبه، كما لم يؤمن به أبداً {وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً} [الفتح: 14] القلب من يشاء، {رَّحِيماً} [الفتح: 14] لنفس من يشاء، يؤتي ملك نفس من يشاء لقلبه، وينزع ملك قلب من يشاء ويؤتي لنفسه. {سَيَقُولُ ٱلْمُخَلَّفُونَ} [الفتح: 15]؛ أي: النفس المتمردة {إِذَا ٱنطَلَقْتُمْ} [الفتح: 15]؛ أي: إذا انطلقت القلوب المجذوبة إلى حضرة الربوبية {إِلَىٰ مَغَانِمَ} [الفتح: 15] مواهب الحق تعالى إلى مغانم؛ {لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَن يُبَدِّلُواْ كَلاَمَ ٱللَّهِ} [الفتح: 15]؛ أي: في حقهم، وهو قوله: {أية : إِنَّ ٱلنَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِٱلسُّوۤءِ}تفسير : [يوسف: 53]، {قُل} [الفتح: 15]، يا قلب السليم للنفس المتمردة، { لَّن تَتَّبِعُونَا} [الفتح: 15] في طلب الحق تعالى، {كَذَٰلِكُمْ قَالَ ٱللَّهُ مِن قَبْلُ فَسَيَقُولُونَ} [الفتح: 15] النفوس، {بَلْ تَحْسُدُونَنَا} [الفتح: 15] أيها القلوب، {بَلْ كَانُواْ لاَ يَفْقَهُونَ} [الفتح: 15]؛ يعني: النفوس {إِلاَّ قَلِيلاً} [الفتح: 15]، وهو المتاع الدنيا؛ يعني: لا يتجاوز ميمَّة النفوس عن المتاع الدنيوي القليل.