Verse. 4598 (AR)

٤٨ - ٱلْفَتْح

48 - Al-Fath (AR)

سَيَقُوْلُ الْمُخَلَّفُوْنَ اِذَا انْطَلَقْتُمْ اِلٰى مَغَانِمَ لِتَاْخُذُوْہَا ذَرُوْنَا نَتَّبِعْكُمْ۝۰ۚ يُرِيْدُوْنَ اَنْ يُّبَدِّلُوْا كَلٰمَ اؘ۝۰ۭ قُلْ لَّنْ تَتَّبِعُوْنَا كَذٰلِكُمْ قَالَ اللہُ مِنْ قَبْلُ۝۰ۚ فَسَيَقُوْلُوْنَ بَلْ تَحْسُدُوْنَنَا۝۰ۭ بَلْ كَانُوْا لَا يَفْقَہُوْنَ اِلَّا قَلِيْلًا۝۱۵
Sayaqoolu almukhallafoona itha intalaqtum ila maghanima litakhuthooha tharoona nattabiAAkum yureedoona an yubaddiloo kalama Allahi qul lan tattabiAAoona kathalikum qala Allahu min qablu fasayaqooloona bal tahsudoonana bal kanoo la yafqahoona illa qaleelan

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«سيقول المخلفون» المذكورون «إذا انطقتم إلى مغانم» هي مغانم خيبر، «لتأخذوها ذرونا» اتركونا «نتبعكم» لنأخذ منها «يريدون» بذلك «أن يبدّلوا كلام الله» وفي قراءة: كلِم الله بكسر اللام أي مواعيده بغنائم خيبر أهل الحديبية خاصة «قل لن تتبعونا كذالكم قال الله من قبل» أي قبل عودنا «فسيقولون بل تحسدوننا» أن نصيب معكم من الغنائم فقلتم ذلك «بل كانوا لا يفقهون» من الدين «إلا قليلا» منهم.

15

Tafseer

الرازي

تفسير : ثم قال تعالى: {سَيَقُولُ ٱلْمُخَلَّفُونَ إِذَا ٱنطَلَقْتُمْ إِلَىٰ مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ }. أوضح الله كذبهم بهذا حيث كانوا عندما يكون السير إلى مغانم يتوقعونها يقولون من تلقاء أنفسهم {ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ } فإذا كان أموالهم وأهلوهم شغلتهم يوم دعوتكم إياهم إلى أهل مكة، فما بالهم لا يشتغلون بأموالهم يوم الغنيمة، والمراد من المغانم مغانم أهل خيبر وفتحها وغنم المسلمون ولم يكن معهم إلا من كان معه في المدينة، وفي قوله {سَيَقُولُ ٱلْمُخَلَّفُونَ } وعد المبايعين الموافقين بالغنيمة والمتخلفين المخالفين بالحرمان. وقوله تعالى: {يُرِيدُونَ أَن يُبَدّلُواْ كَلَـٰمَ ٱللَّهِ قُل لَّن تَتَّبِعُونَا كَذَٰلِكُمْ قَالَ ٱللَّهُ مِن قَبْلُ }. يحتمل وجوهاً أحدها: هو ما قال الله إن غنيمة خيبر لمن شهد الحديبية وعاهد بها لا غير وهو الأشهر عند المفسرين، والأظهر نظراً إلى قوله تعالى: {كَذَٰلِكُمْ قَالَ ٱللَّهُ مِن قَبْلُ }، ثانيها: يريدون أن يبدلوا كلام الله وهو قوله {أية : وَغَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ } تفسير : [الفتح: 6] وذلك لأنهم لو اتبعوكم لكانوا في حكم بيعة أهل الرضوان الموعودين بالغنيمة فيكونون من الذين رضي الله عنهم كما قال تعالى: {أية : لَّقَدْ رَضِيَ ٱللَّهُ عَنِ ٱلْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ ٱلشَّجَرَةِ } تفسير : [الفتح: 18] فلا يكونون من الذين غضب الله عليهم فيلزم تبديل كلام الله ثالثها: هو أن النبي صلى الله عليه وسلم لما تخلف القوم أطلعه الله على باطنهم وأظهر له نفاقهم وأنه يريد أن يعاقبهم وقال للنبي صلى الله عليه وسلم {أية : فَقُلْ لَّن تَخْرُجُواْ مَعِيَ أَبَدًا وَلَن تُقَـٰتِلُواْ مَعِيَ عَدُوّا } تفسير : [التوبة: 83] فأرادوا أن يبدلوا ذلك الكلام بالخروج معه، لا يقال فالآية التي ذكرتم واردة في غزوة تبوك لا في هذه الواقعة، لأنا نقول قد وجد ههنا بقوله {لَّن تَتَّبِعُونَا } على صيغة النفي بدلاً عن قوله: لا تتبعونا، على صيغة النهي معنى لطيف وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم بنى على إخبار الله تعالى عنهم النفي لوثوقه وقطعه بصدقه فجزم وقال: {لَّن تَتَّبِعُونَا } يعني لو أذنتكم ولو أردتم واخترتم لا يتم لكم ذلك لما أخبر الله تعالى. ثم قال تعالى: {فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا }. رداً على قوله تعالى: {كَذَٰلِكُمْ قَالَ ٱللَّهُ مِن قَبْلُ } كأنهم قالوا: ما قال الله كذلك من قبل، بل تحسدوننا، وبل للاضراب والمضروب عنه محذوف في الموضعين، أما ههنا فهو بتقدير ما قال الله وكذلك، فإن قيل بماذا كان الحسد في اعتقادهم؟ نقول كأنهم قالوا نحن كنا مصيبين في عدم الخروج حيث رجعوا من الحديبية من غير حاصل ونحن استرحنا، فإن خرجنا معهم ويكون فيه غنيمة يقولون هم غنموا معنا ولم يتعبوا معنا. ثم قال تعالى رداً عليهم كما ردوا {بَلْ كَانُواْ لاَ يَفْقَهُونَ إِلاَّ قَلِيلاً } أي لم يفقهوا من قولك لا تخرجوا إلا ظاهر النهي ولم يفهموا من حكمه إلا قليلاً فحملوه على ما أرادوه وعللوه بالحسد.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى:{سَيَقُولُ ٱلْمُخَلَّفُونَ إِذَا ٱنطَلَقْتُمْ إِلَىٰ مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا} يعني مغانم خيبر؛ لأن الله عز وجل وعد أهل الحديبِية فتح خَيْبَر، وأنها لهم خاصّةً من غاب منهم ومن حضر. ولم يَغِب منهم عنها غير جابر بن عبد الله فقسم له رسول الله صلى الله عليه وسلم كَسَهْمِ مَن حضر. قال ٱبن إسحاق: وكان المتولّي للقسمة بخيبر جَبّار بن صخر الأنصاري من بني سلمة، وزيد بن ثابت من بني النجار؛ كانا حاسبين قاسمين. {ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ} أي دعونا. تقول: ذَرْه، أي دعه. وهو يَذَرُه، أي يَدَعُه. وأصله وذِرَه يَذَرُه مثالُ وسِعَه يَسَعُه. وقد أُمِيت صدره، لا يقال: وذَره ولا واذر، ولكن تركه وهو تارك. قال مجاهد: تخلفوا عن الخروج إلى مكة، فلما خرج النبي صلى الله عليه وسلم وأخذ قوماً ووجّه بهم قالوا ذَرُونا نتّبعكم فنقاتل معكم. {يُرِيدُونَ أَن يُبَدِّلُواْ كَلاَمَ ٱللَّهِ} أي يغيّروا. قال ابن زيد: هو قوله تعالى: {أية : فَٱسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَّن تَخْرُجُواْ مَعِيَ أَبَداً وَلَن تُقَاتِلُواْ مَعِيَ عَدُوّاً} تفسير : [التوبة: 83] الآية. وأنكر هذا القول الطبري وغيره؛ بسبب أن غزوة تَبُوك كانت بعد فتح خَيْبَر وبعد فتح مكة. وقيل: المعنى يريدون أن يغيّروا وعد الله الذي وعد لأهل الحُدَيْبِيَة؛ وذلك أن الله تعالى جعل لهم غنائم خيبر عِوَضاً عن فتح مكة إذ رجعوا من الحديبية على صلح؛ قاله مجاهد وقتادة، وٱختاره الطبري وعليه عامة أهل التأويل. وقرأ حمزة والكسائي «كَلِمَ» بإسقاط الألف وكسر اللام جمع كلمة؛ نحو سَلِمة وسَلِم. الباقون «كَلاَمَ» على المصدر. وٱختاره أبو عبيد وأبو حاتم، ٱعتباراً بقوله: {أية : إِنِّي ٱصْطَفَيْتُكَ عَلَى ٱلنَّاسِ بِرِسَالاَتِي وَبِكَلاَمِي} تفسير : [الأعراف: 144]. والكلام: ما ٱستقل بنفسه من الجمل. قال الجوهري: الكلام ٱسم جنس يقع على القليل والكثير. والكَلِم لا يكون أقل من ثلاث كلمات لأنه جمع كلمة؛ مثل نَبِقة ونَبِق. ولهذا قال سيبويه: «هذا بابُ عِلْم مَا الكَلِمُ من العربية» ولم يقل ما الكلام؛ لأنه أراد نفس ثلاثة أشياء: الاْسم والفعل والحرف؛ فجاء بما لا يكون إلا جمعاً، وترك ما يمكن أن يقع على الواحد والجماعة. وتميم تقول: هي كِلْمة، بكسر الكاف، وقد مضى في «براءة» القول فيها. {كَذَلِكُمْ قَالَ ٱللَّهُ مِن قَبْلُ} أي من قبل رجوعنا من الحديبية إن غنيمة خيبر لمن شهد الحديبية خاصة. {فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا} أن نُصيب معكم من الغنائم. وقيل: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن خرجتم لم أمنعكم إلا أنه لا سهم لكم»تفسير : . فقالوا: هذا حسد. فقال المسلمون: قد أخبرنا الله في الحديبية بما سيقولونه وهو قوله تعالى: {فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا} فقال الله تعالى: {بَلْ كَانُواْ لاَ يَفْقَهُونَ إِلاَّ قَلِيلاً} يعني لا يعلمون إلا أمر الدنيا. وقيل: لا يفقهون من أمر الدين إلا قليلاً؛ وهو ترك القتال.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى مخبراً عن الأعراب الذين تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في عمرة الحديبية، إذ ذهب النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم إلى خيبر يفتحونها أنهم يسألون أن يخرجوا معهم إلى المغنم، وقد تخلفوا عن وقت محاربة الأعداء ومجالدتهم ومصابرتهم، فأمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم أن لا يأذن لهم في ذلك معاقبة لهم من جنس ذنبهم؛ فإن الله تعالى قد وعد أهل الحديبية بمغانم خيبر وحدهم، لا يشاركهم فيها غيرهم من الأعراب المتخلفين، فلا يقع غير ذلك شرعاً ولا قدراً، ولهذا قال تعالى: {يُرِيدُونَ أَن يُبَدِّلُواْ كَلَـٰمَ ٱللَّهِ} قال مجاهد وقتادة وجويبر وهو الوعد الذي وعد به أهل الحديبية، واختاره ابن جرير، وقال ابن زيد وهو قوله تعالى: {أية : فَإِن رَّجَعَكَ ٱللَّهُ إِلَىٰ طَآئِفَةٍ مِّنْهُمْ فَٱسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَّن تَخْرُجُواْ مَعِىَ أَبَدًا وَلَن تُقَـٰتِلُواْ مَعِىَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِٱلْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَٱقْعُدُواْ مَعَ ٱلْخَـٰلِفِينَ} تفسير : [التوبة: 83] وهذا الذي قاله ابن زيد فيه نظر؛ لأن هذه الآية التي في براءة نزلت في غزوة تبوك، وهي متأخرة عن عمرة الحديبية، وقال ابن جريج: {يُرِيدُونَ أَن يُبَدِّلُواْ كَلَـٰمَ ٱللَّهِ} يعني بتثبيطهم المسلمين عن الجهاد {قُل لَّن تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ ٱللَّهُ مِن قَبْلُ} أي وعد الله أهل الحديبية قبل سؤالكم الخروج معهم {فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا} أي أن نشرككم في المغانم {بَلْ كَانُواْ لاَ يَفْقَهُونَ إِلاَّ قَلِيلاً} أي ليس الأمر كما زعموا، ولكن لا فهم لهم.

المحلي و السيوطي

تفسير : {سَيَقُولُ ٱلْمُخَلَّفُونَ } المذكورون {إِذَا ٱنطَلَقْتُمْ إِلَىٰ مَغَانِمَ } هي مغانم خيبر {لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا } اتركونا {نَتَّبِعْكُمْ } لنأخذ منها {يُرِيدُونَ } بذلك {أَن يُبَدّلُواْ كَلَٰمَ ٱللَّهِ } وفي قراءة «كَلِمَ الله» بكسر اللام أي مواعيده بغنائم خيبر أهل الحديبية خاصة {قُل لَّن تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ ٱللَّهُ مِن قَبْلُ } أي قبل عودنا {فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا } أي نصيب معكم من الغنائم فقلتم ذلك؟ {بَلْ كَانُواْ لاَ يَفْقَهُونَ } من الدين {إِلاَّ قَلِيلاً } منه.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {يُرِيدُونَ أَن يُبَدِّلُواْ كَلاَمَ اللَّهِ} فيه وجهان: أحدهما: ما وعد الله نبيّه من النصرة والفتح حين ظنوا ظن السوء بأنه يهلك أو لا يظفر، قاله مجاهد وقتادة. الثاني: قوله: {لَن تَخْرُجُواْ مَعِيَ أَبَداً وَلَن تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوّاً} حين سألوه الخروج معه لأجل المغانم بعد امتناعهم منه وظن السوء، قاله ابن زيد.

ابن عبد السلام

تفسير : {يُبَدِّلُواْ كَلامَ اللَّهِ} وعده لنبيه صلى الله عليه وسلم بالنصر والظفر لما ظنوا ظن السوء أنه يهلك، أو قوله {أية : لَّن تَخْرُجُواْ مَعِيَ أَبَداً}تفسير : [التوبة: 83] لما استأذنوا في الخروج لأجل الغنائم بعد امتناعهم عنه بظن السوء.

ابن عادل

تفسير : (قوله تعالى): {سَيَقُولُ ٱلْمُخَلَّفُونَ إِذَا ٱنطَلَقْتُمْ} {إِلَىٰ مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا} يعني هؤلاء الذين تخلفواعن الحديبية {إِذَا ٱنطَلَقْتُمْ} سرتم وذهبتم أيها المؤمنون {إِلَىٰ مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا} يعني مغانم خيبر {ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ} إلى خيبر لنشهد معكم قتال أهلها، وذلك أنهم لما انطلقوا انصرفوا من الحديبية وعدهم الله فتح خيبر، وجعل عنائمها لمن شهد الحديبية خاصة عوضاً من غنائم مكة إذا انصرفوا من الحديبية (منهم على صلح) ولم يصيبوا منهم شيئاً، (لأن قوله: {سَيَقُولُ ٱلْمُخَلَّفُونَ} وعد للمبايعين بالغنيمة وللمخلفين الحالفين بالحرمان). قوله: يُرِيدُ(ونَ) يجوز أن يكون مستأنفاً وأن يكون حالاً من "المخلفون" وأن يكون حالاً من مفعول "ذَرُونَا". قوله: {كَلاَمَ ٱللَّهِ} قرأ الأخوان كَلِمَ جمع كلمة والباقون كَلاَم قيل معناه: يريدون أن يغيروا تواعد الله تعالى لأهل الحديبية، بغنيمة خيبر خاصة وقال مقاتل: يعني أمر الله لنبيه ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن لا يسيِّر معه منهم أحداً. وقال ابن زيد: هو أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لما تخلف القوم أطلعه الله على ظنهم وأظهر له نفاقهم وقال للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ {أية : فَٱسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَّن تَخْرُجُواْ مَعِيَ أَبَداً وَلَن تُقَاتِلُواْ مَعِيَ عَدُوّاً}تفسير : [التوبة:83]. والأول أصوب وعليه أكثر المفسرين. قوله: {قُل لَّن تَتَّبِعُونَا} إلى خيبر {كَذَلِكُمْ قَالَ ٱللَّهُ مِن قَبْلُ} أي من قبل مرجعنا إليكم أن غنيمة خيبر لمن شهد الحديبية ليس لغيرهم فيها نصيب. قوله: {بَلْ تَحْسُدُونَنَا} قرأ أبو حيوة تَحْسِدُونَنَا بكسر السين "بَلْ" للإضْراب والمضروب عنه محذوف في الموضعين عنه محذوف في الموضعين أما ههنا فتقديره ما قال الله كذلك من قبل بل تحسدوننا أي يمنعكم الحد من أن نصيب منكم الغنائم {بَلْ كَانُواْ لاَ يَفْقَهُونَ} لا يعلمون عن الله ما لهم وعليهم من الدين {إِلاَّ قَلِيلاً} منهم وهم من صدق الله ورسوله. (فإن قيل: بماذا كان الحسد في اعتقادهم؟. قلنا: كأنهم قالوا: نحن (كنا) مصيبين في عدم الخروج (حيث) رَجَعُوا من الحديبية من غير عدو حاصل، ونحن اسْتَرَحْنَا فإن خرجنا معهم ويكون فيه غنيمة يقولون هم غنموا معنا ولم يتعبوا معنا. ثم قال الله تعالى رداً عليهم كما ردوا عليه: {بَلْ كَانُواْ لاَ يَفْقَهُونَ إِلاَّ قَلِيلاً} أي لم يفقهوا من قولك: لا تخرجوا إلا ظاهر النهي، فلم يفهموا حكمه إلاَّ قليلاً فحملوه على ما أرادوه وعللوه بالحسد..). قوله تعالى: {قُل لِّلْمُخَلَّفِينَ مِنَ ٱلأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَىٰ قَوْمٍ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ} لما قال للنبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ لهم لن تتبعونا، ولن تخرجوا معي أبداً وكان المخلفون جمعاً كثيراً من قبائل متشعبة دعت الحاجة إلى بيان قبول توبتهم، فإنهم لم يبقوا على ذلك، ولم يكونوا من الذين مَرَدُوا على النفاق بل منهم من حسن حاله فجعل لقبول توبتهم علامة (وهو أنهم يدعون إلى قوم أولي بأس شديد، ويطيعون بخلاف حال ثَعْلَبَةَ، حيث امتنع من أداء الزكاة، ثم أتى بها ولم يقبل منه النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ واستمر عليه الحال، ولم يقبل منه أحد من الصحابة كذلك كان يستمر حال هؤلاء لولا أن الله تعالى بين أنهم يدعون, فإن أطاعوا أعطوا الأجر الحسن. والفرق بين حال هؤلاء وبين حال ثعلبة من وجهين: أحدهما: أن ثعلبة يجوز أن يقال حاله لم يكن يتغير في علم الله فلم يبين لتوبته علامة) وحال الأعراب تغيرت، فإن بعد النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لم يبق من المنافقين على النفاق أحدٌ. الثاني: أن الحاجة إلى بيان حال الجمع الكثير، والْجَمِّ الغفير، أمسّ؛ لأنه لولا البيان لأفضى الأمر إلى قيام الفتنة بين فِرَق الْمُسْلِمِينَ. ("فصل" قال ابن عباس ومجاهد: المراد بقوله {قَوْمٍ أُوْلِي بَأْسٍ}: هم أصحاب فارس. وقال كعب: الروم وقال الحسن: فارس والروم. وقال سعيد بن جبير: هوازن وثقيف. وقال قتادة: هوازن وغطفان قوم حنين. وقال الزهري ومقاتل وجماعة: هم بنو حنيفة أهل اليمامة أصحاب مسيلمة الكذاب. وقال رافع بن خديج: كنا نقرأ هذه الآية ولا نعلم من هم حتى دعا أبو بكر إلى قتال بني حنيفة فعلمنا أنهم هم. وقال أبو هريرة: لم تأت هذه الآية بعد). قوله: {أَوْ يُسْلِمُونَ} العامة على رفعه بإثبات النون عطفاً على "تُقَاتِلُونَهُمْ" أو على الاستئناف أي أو هُمْ يُسْلِمُونَ. وقرأ أبيّ وزيدُ بن عليٍّ بحذف النون نصباً بحذفها. والنصب بإضمار "أن" عند جمهور البصريين، وبـ "أو" نفسها عند الجَرْمي والكِسَائيِّ، ويكون قد عطف مصدراً مؤولاً على مصدر متوهم كأنه قيل: يكون قتالٌ أو إسلامٌ. ومثله في النصب قول امرىء القيس: شعر : 4491ـ فَقُلْتُ لَهُ لاَ تَبْــكِ عَيْنُكَ إنَّمَــا نُحَاوِلُ مُلْكـاً أَوْ نَمُـوتَ فَنُعْـذَرَا تفسير : وقال أبو البقاء: أو بمعنى إلاَّ أَنْ، أو حَتَّى. ("فصل" معنى قوله: تقاتلونهم أن يسلمون إشارة إلى أن أحدهما يقع؛ لأن "أو" تبين المتغايرين وتُنْبِىءُ عن الحصر، يقال: العدد زوجٌ أو فردٌ، ولهذا لا يصح قوله القائل: هذا زيدٌ أو ابن عمرو؛ أذا كان زيد ابن عمرو؛ إذا علم هذا فقول القائل: أُلاَزِمُكَ أَوْ تَقضينِي حَقِّي معناه أن الزمان انحصر في قسمين: قسم يكون فيه الملازمة، وقسم يكون فيه قضاءُ الحق فيكون قوله: "أُلاَزِمُكَ أو تقضيني"، كقوله: ألازمك إلى أن تقضيني، لامتداد زمان الملازمة إلى القضاء). قوله: {فَإِن تُطِيعُواْ يُؤْتِكُمُ ٱللَّهُ أَجْراً حَسَناً} يعني الجنة {وَإِن تَتَوَلَّوْاْ} تُعْرِضُوا {كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِّن قَبْلُ} عام الحديبية {يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً} وهو النار، فلما نزلت هذه الآية قال أهل الزمانة: كيف بنا يا رسول الله؟ فأنزل الله ـ عزّ وجلّ ـ {لَّيْسَ عَلَى ٱلأَعْمَىٰ حَرَجٌ} أي في التخلف عن الجهاد {وَلاَ عَلَى ٱلأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلاَ عَلَى ٱلْمَرِيضِ حَرَجٌ}. وذلك لأن الجهادَ عبارة عن المقاتلة والكرِّ والفَرِّ، وهؤلاء الثلاثة لا يمكنهم الإقدام على العدو والطلب، ولا يمكنهم الاحتراز والهرب. وفي معنى الأعرج الأَقْطَعُ والمُقْعَد بل أولى أن يعذر، ومن به عَرَجٌ لا يمكنه من الكرِّ والفرِّ لا يعذر، وكذلك المرض الذي لا يمنع من الكر والفر كالطّحال والسُّعال وبعض أوجاع المفاصل إذا لم يُضْعِفْهُ عن الكرِّ والفر، فهذه الأعذار في نفس المجاهد، وتبقى أعذار خارجة، كالفقر الذي لا يمكن صاحبه من استصحاب ما يحتاج له وكذا الاشتغال بمن لولاه لضاع كطفلٍ أو مريضٍ. والأعذار المبيحة مذكورة في كتب الفقه. وقدم الأعمى على الأعرج، لأن عذر الأعمى يستمر ولو حضر القتال، والأعرج إن حضر راكباً أو بطريق يقدر على القتال بالرمي وغيره. قوله: {وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ وَمَن يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذَاباً أَلِيماً} قرأ أهل المدينة والشام ندخله ونعذبه بالنون فيهما. وقرآ الآخرون بالياء لقوله: {ومن يطع الله ورسوله}.

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {سَيَقُولُ ٱلْمُخَلَّفُونَ إِذَا ٱنطَلَقْتُمْ إِلَىٰ مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَن يُبَدِّلُواْ كَلاَمَ ٱللَّهِ قُل لَّن تَتَّبِعُونَا}. وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين لما رجعوا من الحديبية وعدهم اللَّهُ خيبرَ، وأنَّ فيها سيظفرُ بأعدائه، فلمَّا هَمَّ بالخروج أراد هؤلاء المخلفون أن يتبعوه لما علموا في ذلك من الغنيمة، فقال النبي صلى الله عليه ويسلم: "حديث : إنما يخرج معي إلى خيبر من خرج إلى الحديبية والله بذلك حكم ألا يخرجوا معنا ". تفسير : فقال المتخلفون: إنما يقول المؤمنون ذلك حَسداً لنا؛ وليس هذا من قول الله! فأنزل اللَّهُ تعالى ذلك لتكذيبهم، ولبيان حكمه ألا يستصحبَهم فهم أهل طمع، وكانت عاقبتُهم أنهم لم يجدوا مرادَهم ورُدُّوا بالمذلة وافتضح أمرهم.

اسماعيل حقي

تفسير : {سيقول المخلفون} المذكورون {اذا انطلقتم الى مغانم لتأخذوها} ظرف لما قبله لا شرط لما بعده وانطلقتم اى ذهبتم يقال انطلق فلان اذا مر متخلفا واصل الطلاق التخلية من وثاق كما يقال حبس طلقا ويضم اى بلا قيد ولا وثاق والمغانم جمع مغنم بمعنى الغنيمة اى الفيء اى سيقولون عند انطلاقكم الى مغانم خيبر لتحوزوها حسبما وعدكم اياها وخصكم بها عوضا عما فاتكم من غنائم مكة اذ انصرفوا منها على صلح ولم يصيبوا منها شيأ فالسين يدل على القرب وخيبرا قرب مغانم انطلقوا اليها فهى هى فان قيل كيف يصح هذا الكلام وقد ثبت انه عليه السلام أعطى من قدم مع جعفر رضى الله عنه من مهاجرى الحبشة وكذا الدوسيين والاشعريين ولم يكونوا ممن حضر الحديبية قلنا كان ذلك باستنزال اهل الحديبية عن شئ من حقهم ولولا ان بعض خيبر كانت صلحا لما قال موسى بن عقبة ومن تبعه ما قالوا وكان ما أعطاهم من ذلك كما فى حواشى سعدى المفتى {ذرونا} بكذاريد مارا. امر من يذر ا لشئ اى يتركه ويقذفه لقلة اعتداده به ولم يستعمل ماضيه {نتبعكم} الى خيبر ونشهد معكم قتال اهلها {يريدون ان يبدلوا كلام الله} بأن يشاركوا فى المغانم التى خصها بأهل الحديبية فانه عليه السلام رجع من الحديبية فى ذى الحجة من سنة ست واقام بالمدينة بقيتها واوآئل المحرم من سنة سبع ثم غزا خيبر بمن شهد الحديبية ففتحها وغنم اموالا كثيرة فخصها بهم حسبما امره الله تعالى فالمراد بكلام الله ما ذكر من وعده تعالى غنائم خيبر لاهل الحديبية خاصة لا قوله تعالى {أية : لن تخرجوا معى ابدا}تفسير : فان ذلك فى غزوة تبوك {قل} اقنا طالهم {لن تتبعونا} اى لا تتبعونا فانه نفى فى معنى النهى للمبالغة وقال سعدى المفتى لن ليس للتأييد سيما اذا اريد النهى والمراد لن تتبعونا فى خيبر أو ديمومتهم على مرض القلوب وقال ابو الليث لن تتبعونا فى المسير الى خيبر الا متطوعين من غير ان يكون لكم شركة فى الغنيمة {كذلكم قال الله} همجنين كفته است خداى تعالى {من قبل} اى عند الانصراف من الحديبية {فسيقولون} للمؤمنين عند سماع هذا النهى {بل تحسدوننا} اى ليس ذلك النهى حكم الله بل تحسدوننا أن نشارككم فى الغنائم الحسد تمنى زوال النعمة عمن يستحق لها وربما يكون من ذلك سعى فى ازالتها وروى المؤمن يغبط والمنافق يحسد وقال بعض الكبار لا يكون الحسد على المرتبة الا بين الجنس الواحد لا بين الجنسين ولذلك كان اول ابتلاء ابتلى الله به عباده بعثة الرسل اليهم منهم لا من غيرهم لتقوم الحجة على من جحد قال تعالى {أية : ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا}تفسير : يعنى لو كان الرسول الى البشر ملكا لنزل فى صورة رجل حتى لا يعرفوا انه ملك لانهم لو رأوه ملكا لم يقم بهم حسد {بل كانوا لا يفقهوه} اى لا يفهمون قال الراغب الفقه هو التوصل الى علم غائب بعلم شاهد فهو أخص من العلم والفقه العلم باحكام الشريعة وفقه اى فهم فقها {الا قليلا} اى الا فهما قليلا وهم فطنتهم لامور الدنيا وهو وصف الهم بالجهل المفرط وسوء الفهم فى امور الدين وعن على رضى الله عنه اقل الناس قيمة اقلهم علما. واعلم ان العلم انما يزداد بصحبة اهله ولما تخلف المنافقون عن صحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم وصفهم الله بعدم الفقه فلا بد من مجالسة العلماء العاملين حتى تكون الدنيا ورآء الظهر ويجعل الرغبة فى الآخرة وقد قال عليه السلام "حديث : اطلبوا العلم ولو بالصين"تفسير : فكلما بعد المنزلة كثر الخطى وعن بعضهم قال رأيت فى الطواف كهلا قد أجهدته العبادة وبيده عصا وهو يطوف معتمدا عليها فسألته عن بلده فقال خراسان ثم قال فى فى كم تقطعون هذا الطريق قلت فى شهرين او ثلاثة فقال افلا تحجون كل عام فقلت له وكم بينكم وبين هذا البيت قال مسيرة خمس سنين قلت هذا والله هو الفضل المبين والمحبة الصادقة فضحك وانشأ يقول شعر : زرمن هويت وان شطت بك الدار وخال من دونه حجب واستار لايمنعنك بعد عن زيارته ان المحب لمن يهواه زوار تفسير : وفى الآية اشارة الى ان الدنيا من مظان الحسد وهو من رذآئل النفس وفى الحديث "حديث : ولا تحاسدوا"تفسير : اى على نعم الله تعالى مالا او علما او غير ذلك الا أن يقع الغبطة على المال المبذول فى سبيل الله والعلم المعمول به المنشور "حديث : ولا تناجشوا"تفسير : النجش هو أن تزيد فى ثمن سلعة ولا رغبة لك فى شرآئها وقيل هو تحريض الغير على شر "حديث : ولاتباغضوا"تفسير : الا ان يكون البغض فى الله قال الشيخ الكلاباذى معنى لاتباغضوا لاتختلفوا فى الآهواء والمذاهب لان البدعة فى الدين والضلال عن الطريق يوجب البغض عليه "حديث : ولا تدابروا"تفسير : اى لاتقاطعوا فان التدابر التقاطع وان يولى الرجل صاحبه دبره فيعرض عنه كما فى الفائق او لاتغتابوا وصفة الاخرة التقابل كما قال تعالى {أية : اخوانا على سرر متقابلين}تفسير : وكما قال عليه السلام "حديث : وكونوا عباد الله اخوانا"تفسير : قال الحافظ هيج رحمى نه برادر ببرا در دارد. هيج شوقى نه بدر رابه بسرمى بينم. دخترا انراهمه جنكست وجدل بامادر. بسرا تراهمه بدخواه بدر مى بينم. نسأل الله السلامة والعافية

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {سيقول المخلِّفون} المذكورون آنفاً {إِذا انطلقتم إِلى مغانمَ} أي: مغانم خيبر {تأخذونها} حسبما وعدكم الله بها، وخصَّكم بها، عِوض ما فاتكم من مغانم مكة. و {إذا}: ظرف لما قبله، لا شرط لما بعده، أي: سيقولون عند انطلاقكم إلى مغانم خيبر: {ذَرونا نتَّبِعكم} إلى خيبر، ونشهد معكم قتال أهلها {يريدون إن يُبدِّلوا كلامَ الله} الذي وعد به أهل الحديبية بأن يخصّهم بغنائم خيبر ولا يشاركهم فيها أحد، فأراد المخلَّفون أن يُشاركوهم ويُبدلوا وعد الله. وكانت وقعة الحديبية في ذي الحجة سنة ست، فلما رجع إلى المدينة أقام بها بقية ذي الحجة، ثم غزا في أول السابعة خيبر، ففتحها، وغنم أموالاً كثيرة، فخصصها بأهل الحديبية، بأمره تعالى، {قل} لهم إقناطاً لهم: {لن تتبعونا} إلى خيبر، وهو نفي بمعنى النهي، للمبالغة، أي: لا تتبعونا، أو: نفي محض، إخبار من الله تعالى بعدم اتباعهم وألا يبدّل القول لديه. {كذلكم قال اللّهُ من قبلُ} أي: من قبل انصرافهم إلى الغنيمة، وأنَّ غنيمة خيبر لَمن شهد الحديبية فقط، {فسيقولون} للمؤمنين عند سماع هذا النهي: {بل تحسدوننا} أي: ليس ذلك النهي من عند الله، بل تحسدوننا أن نشارككم في الغنائم، {بل كانوا لا يفقهون} كلام الله {إِلا قليلاً} شيئاً قليلاً، يعني: مجرد اللفظ، أو: لا يفهمون إلا فهماً قليلاً؛ وهو فطنتهم لأمور الدنيا دون الدين، وهو ردٌّ لقولهم الباطل، ووصف لهم بسوء الفهم والجهل المفرط. والفرق بين الإضرابين: أن الأول ردَّ أن يكون حكم الله ألا يتبعوهم وإثبات الحسد، والثاني إضرابٌ عن وصفهم بإضافة الحسد إلى المؤمنين إلى وصفهم بما هو أعظم منه، وهو الجهل وقلة الفقه. {قل للمخلَّفين من الأعراب} وهم الذين تخلّفوا عن الحديبية: {ستُدْعَوْن إِلى قومٍ أُولي بأسٍ شديدٍ} يعني: بني حنيفة، قوم مسليمة الكذاب، وأهل الردة الذين حاربهم أبو بكر رضي الله عنه، لأن المشركين وأهل الردة هم الذين لا يُقبل منهم إلا الإسلام أو السيف. واستُدل بالآية على حقيّة خلافة أبي بكر، وأخذها من القرآن بقوله: {سَتُدعون} فكان الداعي لهؤلاء الأعراب إلى قتال بني حنيفة، وكانوا أولي بأس شديد، هو أبو بكر، بلا خلاف، قاتلوهم ليُسلموا لا ليُعطوا الجزية بأمر الصدّيق، وقيل: هم فارس، والداعي لقتالهم "عمر"، فدلّت على صحة إمامته، وهو يدل على صحة إمامة أبي بكر. {تُقاتلونهم أو يُسلمون} أي: يكون أحد الأمرين، إما المقاتلة أو الإسلام، ومعنى "يُسلمون"على هذا التأويل: ينقادون؛ لأن فارس مجوس، تُقبل منهم الجزية، {فإِن تُطيعوا} مَن دعاكم إلى قتالهم {يُؤتكم اللّهُ أجراً حسناً} هو الغنيمة في الدنيا، والجنة في الآخرة، {وإِن تتولوا} عن الدعوة، كما توليتم من قبل في الحديبية، {يُعذبكم عذاباً أليماً} لتضاعف جُرمكم. وقد تضمنت الآية إيجاب طاعة الأمراء بالوعد بالثواب عليها، والوعيد بالعقاب على التولي، وقد تقدّم في النساء. الإشارة: سيقول المخلِّفون عن السير بترك مجاهة النفوس، التي بها يتحقق سير السائرين: ذرونا نتبعكم في السير إلى الله من غير مجاهدة ولا تجريد، يريدون أن يُبدلوا كلامَ الله، وهو قوله: {أية : وَالَّذِينَ جَاهَدُواْ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا}تفسير : [العنكبوت: 69]، فخصّ الهداية إلى الوصول بالمجاهدة، لا بالبقاء مع حظوظ النفوس، قل: لن تتبعونا في السير، ولو فعلتم ما فعلتم بلا مجاهدة، كذلك حكم الحكيم العليم، فإن قالوا: حسدتمونا، حيث لم تسيرونا على ما نحن عليه، فقد دلّ ذلك على جهلهم، وعدم فهمهم، قل للمخلفين على السير، بالبقاء مع حظوظهم: ستُدعون إلى مجاهدة قوم أُولي بأس شديد، وهو النفس، بتحميلها ما يثقل عليها، كالذل، والفقر، والهوى بمخالفته، والدنيا بالزهد فيها ورميها وراء الظهر، والناس بالفرار منهم جملة، إلا مَن يدلّ على الله، تقاتلوهم، أو يُسلمون، بأن ينقادوا لكم، ويصيروا طوع أيديكم، فإن تُطيعوا يؤتكم الله أجراً حسناً، وهو لذة الشهة، ورؤية الملك الودود، عاجلاً وآجلاً، وإن تتولوا كما توليتم في زمان البطالة، وبقيتم مع هوى نفوسكم، يُعذِّبكم عذاباً أليماً، بغم الحجاب وسوء العقاب. قال القشيري: قوله تعالى {فإن تُطيعوا يؤتكم الله أجراً حسناً} دلت الآية على أنه يجوز أن تكون للعبد بداية غير مُرْضية، ثم تتغير للصلاح، وأنشدوا: شعر : إذا فَسَدَ الإنسانُ بعد صلاحه فَرَجِّ له بعد الفساد صلاحا تفسير : قلت: وجه الاستدلال: أن طاعتهم كانت بعد التخلُّف والعصيان، فقُبلت منهم. ثم استثنى أهل الأعذار الصحيحة، فقال: {لَّيْسَ عَلَى ٱلأَعْمَىٰ حَرَجٌ}.

الجنابذي

تفسير : {سَيَقُولُ} لكم {ٱلْمُخَلَّفُونَ إِذَا ٱنطَلَقْتُمْ إِلَىٰ مَغَانِمَ} كمغانم خيبر {لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَن يُبَدِّلُواْ كَلاَمَ ٱللَّهِ} يعنى قوله انّ الخارجين الى مكّة المصدودين عن طواف البيت مخصوصون بمغانم خيبر بدلاً من دخول مكّة او قوله انّ المتخلّفين لا يتّبعوكم فى مغانم خيبر {قُل لَّن تَتَّبِعُونَا} أتى بنفى التّأبيد مكان النّهى اشارة الى تحقّقه وتأكيداً له {كَذَلِكُمْ قَالَ ٱللَّهُ مِن قَبْلُ} انّكم لا تكونون معنا فى مغانم خيبر {فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا بَلْ كَانُواْ لاَ يَفْقَهُونَ إِلاَّ قَلِيلاً} يعنى لا يدركون من امر الآخرة فى المخاطبات الاّ قليلاً فلذلك يحملون قولكم ومنعكم على الحسد الّذى هى من اوصاف الدّنيا.

اطفيش

تفسير : {سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ} المذكورون* {إِذَا انطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا} من خيبر* {ذَرُونَا} أتركونا* {نَتَّبِعْكُمْ} لنأخذ منها {يُرِيدُونَ أَن يُبَدِّلُواْ كَلاَمَ اللهِ} هو وعده لأهل الحديبية أن يعوضهم من مغانم مكة مغانم خيبر ويخصهم بها هذا قول الجمهور فقولهم {نَتَّبِعْكُمْ} تكذيب لقولهم {أية : شغلتنا أموالنا وأهلونا} تفسير : وقال ابن زيد كلامه هو قوله {أية : فقل لن تخرجوا معي أبدا} تفسير : .. الخ ورد بان هذا في غزوة تبوك في آخر عمره وآية السورة عام الحديبية وان جهينة ومزين غزت غزوة فتح مكة بعد عام الحديبية وقال مقاتل كلامه هو أنه أمره أن لا يخرجوا معه الى خيبر هو قريب من الأول وأصل الكلام تحريك مخارج الحروف واسكانها كقوله قالوا كلامك هندا.. الخ غلب في الألفاظ المسموعة المقيدة ويطلق لغة أيضا على غير المقيدة وكلامه تعالى الفاظ بواسطة ملك أو غيره وألفاظ مخلوقة في الهواء وقرأ حمزة والكسائي (كلم الله) بكسر اللام جمع كلمة أو اسم جمع لها {قُلْ لَّن تَتَّبِعُونَا} اخبار بانه سبق في علم الله أنهم لا يتبعونهم ولو شاءوا وطلبوا ومعناه النهي* {كَذَلِكُمْ قَالَ اللهُ مِن قَبْلُ} من قبل عودنا من الحديبية وتهيئكم للخروج الى خيبر إن غنيمة خيبر بمن شهد الحديبية فقط* {فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا} أن نصيب معكم من غنيمة خيبر وذلك ابطال منهم أن يكون حكم الله أن لا يتبعوهم واثبات للحسد وقرئ بكسر السين* {بَلْ كَانُواْ لاَ يَفْقَهُونَ} لا يفهمون انه ابطال من الله لقولهم واثبات لجهلهم بأمور الدين* {إِلاَّ} فهما* {قَلِيلاً} وهو فطنتهم لأمور كقوله يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا.. الخ وقيل القليل مجرد التوحيد وقيل الاستثناء من الواو أي الاّ ناساً قليلا وهو من تاب منهم وصدق

اطفيش

تفسير : {سيقُولُ المُخَلَّفونَ} المذكورون {إذا انْطلقْتم إلى مغانمَ لتأخُذوها} مغانم خيبر عند الجمهور، لأنها أول المغانم بعد الرجوع من الحديبية، وجاء فىالاخبار الصحيحة: "أن الله تعالى وعد أهل الحديبية أن يعوضهم من مغانم مكة خيبر ومغنمها اذا قفلوا من الحديبية موادعين لا يصيبون شيئا" وأما السين فلا تدل على أن المراد مغانم خيبر، كما قيل انها للقرب، فدلت على مغانهما للقرب، ولا نسلم أن السين تدل على القرب، واذا متعلق يقول خارج عن الشرط، ومفعول يقول هو قوله: {ذرُونا نتَّبعكُم} الى خيبر، ونشهد معكم قتال أهلها، يريدون الأخذ من مغانهما، لم يخافوا من قتالهم لأنه دون أهل مكة فتحققوا النصر. {يُريدون أنْ يُبدِّلُوا كَلام الله} قضاءه بأن لا يشارك فى غنائمها أحد أهل الحديبية، أى يريدون أمرا هو فى نفس الأمر مخالف لقضائه تعالى، وذلك قبل أن يخبرهم صلى الله عليه وسلم، بأن الله خصها لأهل الحديبية، وأما بعد أن أخبرهم فقد لا يصدقونه أنه قال عن الله، وقد يصدقونه، ويطمعون فى التبديل لجهلهم، وقد قضى الله أن لا يؤمنوا، فلا يشاركونهم، ويحتمل أنهم لا شىء لهم فيها، ولو آمنوا واتبعوهم، أو المراد بتخصيص أهل الحديبية بها أن لا يشاركهم هؤلاء المخلفون، وأما غيرهم فيجوز. وقد قدم جعفر وجماعة من الحبشة، حال حصار خيبر، أو حال فتحها فأعطاهم من غنائمها، وأعطى بعض الدوسيين، وبعض الاشعريين فقيل: برضا أهل الحديبية وقيل: مما صالح عليه بعض أهل خيبر، ولم يصالح شيئا منها، وقيل: أعطاهم من الخمس الذى هو حقه صلى الله عليه وسلم، وقد غزت مزينة وجهينة من هؤلاء المخلفين بعد هذه المدة معه صلى الله عليه وسلم، وفضلهم صلى الله عليه وسلم على تميم وغطفان وغيرهم من العرب، وذلك بعد أن أخلصوا وخرجوا عن النفاق، وقيل: تبديل كلام الله عز وجل تبديل أمره تعالى أن لا يسير منهم أحد الى خيبر، وبه قال مقاتل، وقال ابن زيد: كلام الله هو قوله تعالى: "أية : لن تخرجوا معي أبداً" تفسير : [التوبة: 83]. {قُل لن تتبَعُونا} اخبار أى قضى الله أن لا تتبعونا الى خيبر، وقيل بمعنى النهى، جاء بصورة الاخبار مبالغة، وقيل لا تتبعونا ما دمتم على النفاق، وقيل لا تتبعونا الا ان كنتم لا تأخذون من الغنيمة شيئا، بل تتبعونا محتاطين {كَذلِكُم} أى مثل ما ذكر من انتفاء الاتباع، أو النهى عنه {قال الله مِن قَبْل} قبل طلبكم الاتباع، وتهيئكم قاله حين قفلتم من الحديبية {فسيقُولُون} اذا سمعوا هذا النفى أو النهى {بل تحْسُدوننا} أن نأخذ معكم من الغنائم ما نهانا الله عن الاتباع، ولا نفاه عنا {بَل} اضراب ابطالى أبطل به الحسد عمن نسبوه اليه {كانُوا لا يفقهُون إلا قليلاً} الا فقها قليلا، وهو علمهم بأمور الدنيا، وذلك رد عليهم بجهلهم المركب المفرد، إذ أثبتوا الحسد للمؤمنين البريئين منه لسوء فهمهم، الذى هو أقبح من الحسد، بل هم الحاسدون للمؤمنين فيما اختصهم الله عز وجل به.

الالوسي

تفسير : {سَيَقُولُ ٱلْمُخَلَّفُونَ } المذكورون من الأعراب فاللام للعهد وقوله تعالى: {إِذَا ٱنطَلَقْتُمْ إِلَىٰ مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا } ظرف لما قبله لا شرط لما بعده. والمراد بالمغانم مغانم خيبر كما عليه عامة المفسرين ولم نقف على خلاف في ذلك، وأيد بأن السين تدل على القرب وخيبر أقرب المغانم التي انطلقوا إليها من الحديبية كما علمت فإرادتها كالمتعينة، وقد جاء في الأخبار الصحيحة أن الله تعالى وعد أهل الحديبية أن يعوضهم من مغانم مكة خيبر إذا قفلوا موادعين لا يصيبون شيئاً وخص سبحانه ذلك بهم أي سيقولون عند انطلاقكم إلى مغانم خيبر لتأخذوها حسبما وعدكم الله تعالى إياها وخصكم بها طمعاً في عرض الدنيا لما أنهم يرون ضعف العدو ويتحققون النصرة {ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ } إلى خيبر ونشهد معكم قتال أهلها. {يُرِيدُونَ أَن يُبَدّلُواْ كَلَـٰمَ ٱللَّهِ } بأن يشاركوا في الغنائم التي خصها سبحانه بأهل الحديبية وحاصله يريدون الشركة التي لا تحصل لهم دون نصرة الدين وإعلاء كلمة الله تعالى، والجملة استئناف لبيان مرادهم بذلك القول، وقيل: يجوز أن تكون حالاً من المخلفين وهو خلاف الظاهر ولا ينافي خبر التخصيص إعطاؤه عليه الصلاة والسلام بعض مهاجري الحبشة القادمين مع جعفر وبعض الدوسيين والأشعريين من ذلك وهم أصحاب السفينة كما في البخاري فإنه كان استنزالاً للمسلمين عن بعض حقوقهم لهم أو أن بعضها فتح صلحاً وما أعطاه عليه الصلاة والسلام فهو بعض مما صالح عليه وكل هذا مذكور في السير لكن الذي صححه المحدثون أنه لا صلح فيها. وقال الكرماني: إنما أعطاهم صلى الله عليه وسلم برضا أصحاب الوقعة أو أعطاهم من الخمس الذي هو حقه عليه الصلاة والسلام، وميل البخاري إلى الثاني وحمل كلام الله تعالى على وعده بتلك الغنائم لهم خاصة هو الذي عليه مجاهد وقتادة وعامة المفسرين، وقال ابن زيد: كلام الله قوله سبحانه وتعالى: {أية : قُل لَّن تَخْرُجُواْ مَعِيَ أبداً} تفسير : [التوبة: 83] ووافقه الجبائي على ذلك وشنع عليهما غير واحد بأن ذلك نازل في المخلفين في غزوة تبوك من المنافقين وكانت تلك الغزوة يوم الخميس في رجب سنة تسع بلا خلاف كما قال القسطلاني والحديبية في سنة ست كما قاله ابن الجوزي وغيره وهذه إنما نزلت بعيد الانصراف من الحديبية كما علمت وأيضاً قال في «البحر»: قد غزت مزينة وجهينة من هؤلاء المخلفين بعد هذه المدة معه عليه الصلاة والسلام وفضلهم صلى الله عليه وسلم بعد ذلك على تميم وغطفان وغيرهم من العرب، وفي «الكشف» لعل القائل بذلك أراد أن هؤلاء المخلفين لما كانوا منافقين مثل المخلفين عن تبوك كان / حكم الله تعالى فيهم واحداً، ألا ترى أن المعنى الموجب مشترك وهو رضاهم بالقعود أول مرة، فكلام الله تعالى أريد به حكمه السابق وهو أن المنافق لا يستصحب في الغزو، ولم يرد أن هذا الحكم منقاس على ذلك الأصل أو الآية نازلة فيهم أيضاً فهذا ما يمكن في تصحيحه انتهى، ويقال عما في «البحر»: إن الذين غزوا بعد لم يغزوا حتى أخلصوا ولم يبقوا منافقين والله تعالى أعلم. وقرأ حمزة والكسائي {كَلَمَ ٱللَّهِ } وهو اسم جنس جمعي واحده كلمة. {قُلْ } إقناطاً لهم {لَّن تَتَّبِعُونَا } أي لا تتبعونا فإنه نفي في معنى النهي للمبالغة، والمراد نهيهم عن الاتباع فيما أرادوا الاتباع فيه في قولهم: {ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ } وهو الانطلاق إلى خيبر كما نقل عن محي السنة عليه الرحمة، وقيل: المراد ولا تتبعونا ما دمتم مرضى القلوب، وعن مجاهد كان الموعد أي الموعد الذي تغييره تبديل كلام الله تعالى وهو موعده سبحانه لأهل الحديبية أنهم لا يتبعون رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا متطوعين لا نصيب لهم في المغنم فكأنه قيل: لن تتبعونا إلا متطوعين، وقيل: المراد التأبيد، وظاهر السياق الأول {كَذَلِكُمْ قَالَ ٱللَّهُ مِن قَبْلُ } أي من قبل أن تهيأتم للخروج معنا وذلك عند الانصراف من الحديبية. {فَسَيَقُولُونَ } للمؤمنين عند سماع هذا النهي {بَلْ تَحْسُدُونَنَا } أن نشارككم في الغنائم، وهو إضراب عن كونه بحكم الله تعالى أي بل إنما ذلك من عند أنفسكم حسداً. وقرأ أبو حيوة {تحسدوننا} بكسر السين {بَلْ كَانُواْ لاَ يَفْقَهُونَ } لا يفهمون {إِلاَّ قَلِيلاً } أي إلا فهماً قليلاً وهو فهمهم لأمور الدنيا، وهو رد لقولهم الباطل في المؤمنين ووصف لهم بما هو أعظم من الحسد وأطم وهو الجهل المفرط وسوء الفهم في أمور الدين، وفيه إشارة إلى ردهم حكم الله تعالى وإثباتهم الحسد لأولئك السادة من الجهل وقلة التفكر.

ابن عاشور

تفسير : هذا استئناف ثان بعد قوله: {أية : سيقول لك المخلفون من الأعراب شغلتنا أموالنا وأهلونا}تفسير : [الفتح: 11]. وهو أيضاً إعلام للنبي صلى الله عليه وسلم بما سيقوله المخلفون عن الحديبيّة يتعلّق بتخلّفهم عن الحديبية وعذرهم الكاذب، وأنهم سيندمون على تخلفهم حين يرون اجتناء أهل الحديبيّة ثمرة غزوهم، ويتضمن تأكيد تكذيبهم في اعتذارهم عن التخلف بأنهم حين يعلمون أن هنالك مغانم من قتال غير شديد يحرصون على الخروج ولا تشغلهم أموالهم ولا أهاليهم، فلو كان عذرهم حقاً لما حرصوا على الخروج إذا توقعوا المغانم ولأقبلوا على الاشتغال بأموالهم وأهليهم. ولكون هذه المقالة صدرت منهم عن قريحة ورغبة لم يؤت معها بمجرور {لك} كما أُتي به في قوله: {سيقول لك المخلفون} آنفاً لأن هذا قولُ راغب صادق غير مزوِّر لأجل الترويج على النبي صلى الله عليه وسلم كما علمت ذلك فيما تقدم. واستُغني عن وصفهم بأنهم من الأعراب لأن تعريف {المخلفون} تعريف العهد، أي المخلفون المذكورون. وقوله: {إذا انطلقتم إلى مغانم لتأخذوها} متعلق بــ {سيقول المخلَّفون} وليس هو مقول القول. و{إذا} ظرف للمستقبل، ووقوع فعل المضي بعده دون المضارع مستعار لمعنى التحقيق، و{إذا} قرينة على ذلك لأنها خاصة بالزمن المستقبل. والمراد بالمغانم في قوله: {إذا انطلقتم إلى مغانم}: الخروج إلى غزوة خيبر فأطلق عليها اسم مغانم مجازا لعلاقة الأوْل مثل إطلاق خَمراً في قوله: {أية : إني أرانِيَ أعصر خمراً}تفسير : [يوسف: 36]. وفي هذا المجاز إيماء إلى أنهم منصورون في غزوتهم. وأن النبي صلى الله عليه وسلم لما رجَع من الحديبيّة إلى المدينة أقام شهر ذي الحجة سنة وست وأياماً من محرم سنة سبع ثم خرج إلى غزوة خيبر ورام المخلفون عن الحديبيّة أن يخرجوا معه فمنعهم لأن الله جعلَ غزوة خيبر غنيمة لأهل بيعة الرضوان خاصة إذ وعدهم بفتح قريب. وقوله: {لتأخذوها} ترشيح للمجاز وهو إيماء إلى أن المغانم حاصلة لهم لا محالة. وذلك أن الله أخبر نبيئه صلى الله عليه وسلم أنه وعد أهل الحديبيّة أن يعوضهم عن عدم دخول مكة مغانم خبير. و {مغانم}: جمع مغنم وهو اسم مشتق من غَنم إذا أصاب ما فيه نفع له كأنهم سموه مغنماً باعتبار تشبيه الشيء المغنوم بمكان فيه غنم فصيغ له وزن المَفْعَل. وأشعر قوله: {ذَرُونا} بأن النبي صلى الله عليه وسلم سيمنعهم من الخروج معه إلى غزو خيبر لأن الله أمره أن لا يُخرج معه إلى خيبر إلا من حضر الحديبيّة، وتقدم في قوله تعالى: {أية : وقال فرعون ذروني أقتل موسى} تفسير : في سورة غافر (26). وقوله: {نتبعكم} حكاية لمقالتهم وهو يقتضي أنهم قالوا هذه الكلمة استنزالاً لإجابة طلبهم بأن أظهروا أنهم يخرجون إلى غزو خيبر كالأتباع، أي أنهم راضِون بأن يكونوا في مؤخرة الجيش فيكون حظهم في مغانمه ضعيفاً. وتبديل كلام الله: مخالفة وحيه من الأمر والنهي والوعد كرامة للمجاهدين وتأديباً للمخلفين عن الخروج إلى الحديبيّة. فالمراد بكلام الله ما أوحاه إلى رسوله صلى الله عليه وسلم من وعد أهل الحديبيّة بمغانم خيبر خاصة لهم، وليس المراد بكلام الله هنا القرآن إذ لم ينزل في ذلك قرآن يومئذٍ. وقد أشرك مع أهل الحديبية من ألحق بهم من أهل هجرة الحبشة الذين أعطاهم النبي صلى الله عليه وسلم بوحي. وأما ما روي عن عبد الله بن زيد بن أسلم أن المراد بكلام الله قوله تعالى: {أية : فقل لن تخرجوا معي أبداً ولن تقاتلوا معي عدواً}تفسير : [التوبة: 83] فقد رده ابن عطية بأنها نزلت بعد هذه السورة وهؤلاء المخلفون لم يمنعوا منعاً مؤبداً بل منعوا من المشاركة في غزوة خيبر لئلا يشاركوا في مغانمها فلا يلاقي قوله فيها {لن تخرجوا معي أبداً} وينافي قوله في هذه السورة {أية : قُل للمخلَّفين من الأعراب ستُدَعون إلى قوم أولي بأس شديد تقاتلونهم}تفسير : [الفتح: 16] الآية، فإنها نزلت في غزوة تبوك وهي بعد الحديبيّة بثلاث سنين. وجملة {يريدون أن يُبدِّلوا كلام الله} في موضع الحال. والإرادة في قوله: {يُريدون أن يُبدلوا كلام الله} على حقيقتها لأنهم سيعلمون حينئذٍ يقولون: {ذرونا نتبعكم} أن الله أوحَى إلى نبيه صلى الله عليه وسلم بمنعهم من المشاركة في فتح خيبر كما دل عليه تنازلهم في قولهم: {ذرونا نتبعكم} فهم يريدون حينئذٍ أن يغيروا ما أمر الله به رسوله حين يقولون {ذرونا نتبعكم} إذ اتباع الجيش والخروج في أوله سواء في المقصود من الخروج. وقرأ الجمهور {كلام الله}. وقرأه حمزة والكسائي وخلف {كَلِم الله} اسم جمع كَلمة. وجيء بــ {لن} المفيدة تأكيد النفي لقطع أطماعهم في الإذن لهم باتباع الجيش الخارج إلى خيبر ولذلك حذف متعلق {تتبعونا} للعلم به. و {مِن قبلُ} تقديره: من قبل طلبكم الذي تطلبونه وقد أخبر الله عنهم بما سيقولونه إذ قال: {فسيقولون بل تحسدوننا}، وقد قالوا ذلك بعد نحو شهر ونصف فلما سمع المسلمون المتأهبون للخروج إلى خيبر مقالتهم قالوا: قد أخبرنا الله في الحديبية بأنهم سيقولون هذا. و {بل} هنا للإضراب عن قول الرسول صلى الله عليه وسلم {لن تتبعونا} وهو إضراب إبطال نشأ عن فورة الغضب المخلوط بالجهالة وسوء النظر، أي ليس بكم الحفاظ على أمر الله، بل بكم أن لا نقاسمكم في المغانم حسداً لنا على ما نصيب من المغانم. والحسد: كراهية أن ينال غيرُك خيراً معيَّناً أو مطلقاً سواء كان مع تمني انتقاله إليك أو بدون ذلك، فالحسد هنا أريد به الحرص على الانفراد بالمغانم وكراهية المشاركة فيها لئلا ينقص سهام الكارهين. وتقدم الحسد عند قوله تعالى: {أية : بَغياً أن ينزل الله من فضله}تفسير : [البقرة: 90] وعند قوله: {أية : حسداً من عند أنفسهم}تفسير : [البقرة: 109] كلاهما في سورة البقرة. وضمير الرفع مراد به أهل الحديبية، نسبوهم إلى الحسد لأنهم ظنوا أن الجواب بمنعهم لعدم رضى أهل الحديبية بمشاركتهم في المغانم. ولا يظن بهم أن يريدوا بذلك الضميرِ شمولَ النبي صلى الله عليه وسلم لأن المخلفين كانوا مؤمنين لا يتهمون النبي صلى الله عليه وسلم بالحسد ولذلك أبطل الله كلامهم بالإضراب الإبطالي فقال: {بل كانوا لا يفقهون إلا قليلاً}، أي ليس قولك لهم ذلك لقصد الاستبشار بالمغانم لأهل الحديبية ولكنه أمر الله وحقه لأهل الحديبية وتأديب للمخلفين ليكونوا عبرة لغيرهم فيما يأتي وهم ظنوه تمالؤًا من جيش الحديبية لأنهم لم يفهموا حكمته وسببهم. وإنّما نفى الله عنهم الفهم دون الإيمان لأنهم كانوا مؤمنين ولكنهم كانوا جاهلين بشرائع الإسلام ونظمه. وأفاد قوله: {لا يفقهون} انتفاء الفهم عنهم لأن الفعل في سياق النفي كالنكرة في سياق النفي يعم، فلذلك استثنى منه بقوله: {إلا قليلاً} أي إلا فهماً قليلاً وإنما قَلّلَهُ لكون فهمهم مقتصراً على الأمور الواضحة من العاديات لا ينفذ إلى المهمات ودقائق المعاني، ومن ذلك ظنهم حرمانهم من الالتحاق بجيش غزوة خيبر منبعثاً على الحسد. وقد جروا في ظنهم هذا على المعروف من أهل الأنظار القاصرة والنفوس الضئيلة من التوسم في أعمال أهل الكمال بمنظار ما يجدون من دواعي أعمالهم وأعمال خلطائهم. و {قليلاً} وصف للمستثنى المحذوف، والتقدير: إلا فقهاً قليلاً.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 15- سيقول هؤلاء الذين خلفهم النفاق عن الخروج معك من سكان البادية: إذا انطلقتم إلى مغانم وعدكم الله بها لتأخذوها، دعونا نتَّبعكم إليها. يريدون بذلك تغيير بتلك الغنائم لمن خرج مع الرسول الى الحديبة قل لهم - يا محمد - لن تتبعونا. مثل ذلك الحكم بعدم اتباعهم حكم الله من قبل ذلك بتلك الغنائم لمن خرج إلى الغزو مع رسوله، فسيقولون: لم يأمركم الله بذلك، بل تحسدوننا أن نشارككم، بل كان هؤلاء - بما قالوا - لا يفهمون من تشريع الله إلا فهماً قليلاً. 16- قل للمتخلفين عن الخروج من أهل البادية: ستدعوْن إلى قتال قوم ذوى شدة قوية فى الحرب، فإن تَسْتَجيبوا لهذه الدعوة يعطكم الله الغنيمة فى الدنيا، والثواب فى الآخرة، وإن تعرضوا عنها كما أعرضتم من قبل يُعذبكم الله عذابا بالغ الألم. 17- ليس على الأعمى إثم فى التَّخلف عن قتال الكفار، ولا على الأعرج إثم، ولا على المريض إثم كذلك، حيث لا يستطيعون، ومن يطع الله ورسوله فى كل أمر ونهى يُدخله جنات فسيحات تجرى من تحتها الأنهار، ومن يعرض عن طاعة الله ورسوله يعذبه عذابا بالغ الألم. 18، 19- لقد رضى الله عن المؤمنين حين يعاهدونك مختارين تحت الشجرة، فعلم ما فى قلوبهم من الإخلاص والوفاء لرسالتك، فأنزل الطمأنينة عليهم وأعطاهم بصدقهم فى البيعة وإتمام الصلح عِزا عاجلا. ومغانم كثيرة وعدهم الله بها يأخذونها، وكان الله غالبا على كل شئ، ذا حكمة بالغة فى كل ما قضاه.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: المخلفون من الأعراب: أي المذكورون في الآيات قبل هذه وهم غفار وجهينة ومزينة وأشجع. إذا انطلقتم إلى مغانم لتأخذوها: أي مغانم خيبر إذا وعدهم الله بها عند رجوعهم من الحديبية. ذرونا نتبعكم: أي دعونا نخرج معكم لنصيب من الغنائم. يريدون أن يبدلوا كلام الله: أي أنهم بطلبهم الخروج إلى خيبر لأخذ الغنائم يريدون أن يغيروا وعد الله لأهل الحديبية خاصة بغنائم خيبر. كذلك قال الله من قبل: أي قاله تعالى لنا قبل عودتنا إلى المدينة فلن تتبعونا ولن تخرجوا معنا. فسيقولون بل تحسدوننا: أي فسيقولون بل تحسدوننا وفعلا فقد قالوا ذلك وزعموا أنه ليس أمراً من الله هذا المنع، وإنما هو من الرسول والمؤمنين حسداً لهم، وهذا دال على نفاقهم وكفرهم والعياذ بالله. بل كانوا لا يفقهون إلا قليلا: أي لا يفهمون فهم الحاذق الماهر إلا قليلا وفي أمور الدنيا لا غير. معنى الآيات: ما زال السياق الكريم في مطلب هداية المنافقين من الحضر والبادية وذلك بالحديث عنهم وكشف عوارهم ودعوتهم إلى التوبة والرجوع إلى الحق عند ظهور انحرافهم وسوء أحوالهم فقال تعالى لرسوله. سيقول المخلفون الذين تقدم الحديث عنهم وأنهم تخلفوا عن الحديبية من الأعراب الذين هم مزينة وجهينة وغفار وأشجع. أي سيقولون لكم إذا انطلقتم إلى مغانم لتأخذوها ذرونا نتبعكم، وذلك أن الله تعالى بعد صلح الحديبية وما نال أهلها من آلام نفسيّة أكرمهم بنعم كثيرة منها أنه واعدهم بغنائم خيبر بأن يتم لهم فتحها ويغنمهم أموالها وكانت أموالاً عظيمة، فلما عادوا إلى المدينة وأعلن الرسول صلى الله عليه وسلم عن الخروج إلى خيبر جاء هؤلاء المخلفون يطالبون بالسير معهم لأجل الغنيمة لا غير، قال تعالى {يُرِيدُونَ أَن يُبَدِّلُواْ كَلاَمَ ٱللَّهِ} وهو وعده لأهل الحديبية بأن يُغنمهم غنائم خيبر، ولذا أمر رسوله أن يقول لهم لن تتبعونا كذلكم قال الله من قبل أي فقد أخبرنا تعالى بحالكم ومقالكم هذا قبل أن تقولوه وتكونوا عليه. وقوله {فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا} هذا من جملة ما أخبر تعالى به رسوله والمؤمنين قبل قولهم له وقد قالوه أي ما منعتمونا من الخروج إلى خيبر إلا حسداً لنا أن ننال من الغنائم أي لم يكن الله أمركم بمنعنا ولكن الحسد هو الذي أمركم وقوله تعالى بل كانوا لا يفقهون إلا قليلا أي وصمهم بوصمة الجهل وجعلها هي علة تخبطهم وحيرتهم وضلالهم، أنهم قليلو الفهم والإِدراك فليسوا على مستوى الرجل الحاذق الماهر البصير الذي يحسن القول والعمل. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- وعد الله رسوله والمؤمنين بغنائم خيبر وهم في طريقهم من الحديبية إلى المدينة وانجازه لهم دال على وجود الله وعلمه وقدرته وحمكته ورحمته وكلها موجبة للإِيمان والتوحيد وحب الله والرغبة إليه والرهبة منه. 2- بيان حيرة الكافر واضطراب نفسه وتخبط قوله وعمله. 3- ذم الجهل وتقبيحه إنه بئس الوصف يوصف به المرء، ولذا لا يرضاه حتى الجاهل لنفسه فلو قلت لجاهل يا جاهل لا تفعل كذا أو لا تقل كذا الغضب عليك.

القطان

تفسير : مغانم: جمع مغنم، وهو ما كسبه الإنسان في الحرب. أولي بأس: اصحاب قوة وشدة في القتال. الحرج: الضيق والاثم. يعني هؤلاء ليس عليهم اثم اذا لم يقاتلوا. {سَيَقُولُ ٱلْمُخَلَّفُونَ إِذَا ٱنطَلَقْتُمْ إِلَىٰ مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا....} سيقول هؤلاء الاعراب الذين تخلفوا عنكم ايها الرسول يوم خروجكم الى مكة، وتعللوا بشغلهم بأموالهم واهليهم: دعونا نتبعكم ونخرج معكم الى غزو خَيبر، وذلك لأنهم توقعوا ما سيكون من مغانم. {يُرِيدُونَ أَن يُبَدِّلُواْ كَلاَمَ ٱللَّهِ} يريدون بذلك تغيير وعدِ الله بتلك المغانم لمن خرج مع الرسول الى الحديبية. قل لهم يا محمد: لن تتّبعونا، فلقد حَكَم اللهُ من قبلُ بأن الغنائم لمن خرج مع رسول الله وأطاعه. ولكنهم يتجرأون على الله ويقولون: ان الله لم يأمركم بذلك، بل انكم تخشون ان نشارككم الغنيمة. {بَلْ كَانُواْ لاَ يَفْقَهُونَ إِلاَّ قَلِيلاً} ليس الأمر كما يقول هؤلاء المنافقون بل انهم لا يفقهون من امر الدين وتشريع الله الا قليلا. ثم بين الله تعالى لهم ان باب القتال والجهاد لا يزال مفتوحا امامهم، ولذلك قال للرسول الكريم: قل لهؤلاء المتخلفين عن الخروج من اهل البادية: ستُدعون الى قتال قوم ذوي شدة وبأس في الحرب، فعليكم ان تخيّروهم بين امرين، إما القتل أو الاسلام، فان تستجيبوا لهذه الدعوة يُعظِم الله لكم الغنيمة في الدنيا والثواب في الآخرة، وان تعرضوا عنها كما اعرضتم من قبل {يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً}. ثم بين الله تعالى الأعذارَ المبيحة للتخلّف عن الجهاد في سبيل الله: فالأعمى والأعرج والمريض معذورون ليس عليهم حرجٌ في عدم الخروج. ثم رغّب في الجهاد واطاعة الله ورسوله، وأوعد المتخلفين عنه بالعذاب الأليم في الدنيا والآخرة. {وَمَن يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذَاباً أَلِيماً} قراءات: قرأ حمزة والكسائي: يريدون ان يبدلوا كَلِمَ الله بالجمع. والباقون: كلام الله.

د. أسعد حومد

تفسير : {كَلاَمَ} (15) - بَعْدَ أَنْ أمِنَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم شَرَّ قُرَيشٍ بَعَهْدِ الحُدَيْبِيَةِ، اتَّجَهَ إِلى اليَهُودِ في خَيْبَرَ لِيَسْتَأْصِلَ شَأْفَتَهُمْ، وَيَقضِي عَلَى شَرِّهِمْ؛ إِذْ لاَقَى الرَّسُولُ وَالمُسْلِمُونَ مِنَ اليَهُودِ، وَكَيْدِهِم الشَّيءَ الكَثيرَ. وَلما أَرَادَ الرَّسُولُ صلى الله عليه وسلم الخُرُوجَ إِلى خَيْبَر تَقَدَّمَ الأَعْرَابُ، الذِينَ تَخَلَّفُوا عَنِ السَّيرِ مَعَ الرَّسُولِ إِلى الحُدَيْبِيَةِ، يَطْلُبُونَ الإِذْنَ لَهُمْ بِالخُرُوجِ مَعَهُ إِلى خَيْبَرَ، فَأَمَرَ اللهُ تَعَالَى رَسُولَه صلى الله عليه وسلم بِألاَّ يَأْذَنَ لَهُمْ بِالخُرُوجِ مَعَهُ، لأَنَّهُمْ قَعَدُوا حِينَما كَانَتْ هُنَاكَ مَخَاطِرُ حَرْبٍ شَدِيدةٍ، وَهُمْ يُرِيدُونَ الخُروُجَ الآنَ لِيَحُوزُوا المَغَانِمَ السَّهْلَةَ، فَقَالَ هؤلاءِ المُخْلَّفُونَ إِنَّ سَبَبَ مَنْعِهِمْ مِنَ الخُرُوجِ إِلى خَيْبَر هُوَ حَسَدُ المُؤْمِنينَ لَهُمْ أَنْ يُشَارِكُوهُمْ في المَغْنَمِ. وَمَعْنَى الآيَةِ: يَقُولُ الذِينَ تَخَلَّفُوا عَنْ صُحْبَتِكَ في عُمْرَةِ الحُدَيْبِيَةِ، مُعْتَذِرينَ بِرِعَايَةِ مَصَالِحِهمْ وَأَمْوَالِهِمْ، دَعُونا نَسِرْ مَعَكُمْ إِلى خَيْبَرَ، وَهُمْ بِذلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا مَا وَعَدَ اللهُ بِهِ الرَّسُولَ وأَصْحَابَهُ، الذِينَ سَارُوا مَعَهُ إِلى الحُدَيْبِيَةِ، بِأَنَّ يَكُونَ لَهُمْ مَغْنَمُ خَيْبَرَ خَالِصاً لاَ يُشَارِكُهُمْ فِيهِ أَحَدٌ. فإِذا سَمَحَ الرَّسُولَ لَهُمْ بِالخُرُوجِ مَعَهُ إِلى خَيْبَرَ كَانَ لَهُمْ حَقٌّ بِالمُشَارَكَةِ فِي الْمَغْنَمِ. وَفِي ذَلِكَ تَبْدِيلٌ لِكَلِماتِ اللهِ وَوَعْدِهِ. وَأَمَرَ اللهُ تَعَالى رَسُولَهُ بِأَنْ يَقُولَ لِهؤلاءِ الأَعرابِ: لَنْ تَتْبَعُونا كَذلك قَالَ اللهُ مِنْ قَبْلُ، إِذْ إِنَّ اللهَ جَعَلَ مَغْنَمَ خَيْبَرَ خَالِصاً لِمَنْ كَانُوا مَعَ الرَّسُولِ في الحُدَيْبِيَةِ، فَادَّعَى هؤُلاءِ الاعْرَابُ أَنَّ اللهَ مَا قَالَ ذلكَ مِنْ قَبْلُ، بَل إِنَّ المُسْلِمينَ يَحْسُدُونَهُمْ وَلا يُرِيدُونَ أَنْ يُشَارِكَهُمْ أَحَدٌ في المَغْنَمِ. وَيَرُدُّ اللهُ تَعَالى قَائِلاً لهؤلاءِ: إِنَّ الأَمْرَ لَيْسَ كَما قَالَ هؤُلاءِ المُنَافِقُونَ مِنْ أَنَّكُمْ تَمْنَعُونَهُمْ عَنِ اتِّبَاعِكُمْ حَسَداً مِنْكُمْ لَهُمْ، وَإِنَّهُمْ قَالُوا ذَلِكَ القَوْلَ لأَنَّهُمْ لاَ يَفْقَهُونَ أَمْرَ الدِّينِ إِلاَّ قَلِيلاً وَلَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ لما اتَّهَمُوا الرَّسُولَ وَالمؤْمِنينَ بالحَسَدِ، وَلما نَفَوا أنْ يَكُونَ اللهُ قَدْ وَعَدَ أَصْحَابَ الحُدَيْبِيَةِ بِحَوْزِ مَغْنَمِ خَيْبَرَ وَحْدَهُمْ. ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ - دَعُونَا نَخْرُجْ مَعَكُمْ إِلى خَيْبَرَ. كَلاَمَ اللهِ - حُكْمَهُ بِاخْتِصَاصِ أَهْلِ الحُدَيْبِيَةِ بِالمَغْنَمِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : هنا أيضاً الحق سبحانه وتعالى يخبر بما سيقوله المخلفون، والمغانم يراد بها مغانم خيبر {ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ ..} [الفتح: 15] يعني: لنأخذ منها كما تأخذون {يُرِيدُونَ أَن يُبَدِّلُواْ كَلاَمَ ٱللَّهِ ..} [الفتح: 15] يعني: حكمه عليهم بعدم الخروج إليها. وقد بيَّن الحق سبحانه ذلك في قوله: {أية : وَلَوْ أَرَادُواْ ٱلْخُرُوجَ لأَعَدُّواْ لَهُ عُدَّةً وَلَـٰكِن كَرِهَ ٱللَّهُ ٱنبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ ٱقْعُدُواْ مَعَ ٱلْقَاعِدِينَ * لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً ولأَوْضَعُواْ خِلاَلَكُمْ يَبْغُونَكُمُ ٱلْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِٱلظَّالِمِينَ}تفسير : [التوبة: 46-47]. فالمراد بكلام الله هنا حكمه عليهم بعدم الخروج لخيبر، وحكم الله لا يُنقض، وكلمة الله لا ترد، وقد أرجأهم الله لفرصة أخرى، قادمة يمكنهم الاشتراك فيها وهي حروب الردة. ثم جاء الرد عليهم: {قُل لَّن تَتَّبِعُونَا كَذَٰلِكُمْ قَالَ ٱللَّهُ مِن قَبْلُ ..} [الفتح: 15] أي: قبل رجوعنا {فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا ..} [الفتح: 15] أي: على أنْ نأخذ معكم من الغنائم {بَلْ كَانُواْ لاَ يَفْقَهُونَ إِلاَّ قَلِيلاً} [الفتح: 15] نعم لا يفقهون إلا قليلاً، لأن المسألة ليستْ مسألة غنائم.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : لما ذكر تعالى المخلفين وذمهم، ذكر أن من عقوبتهم الدنيوية، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه إذا انطلقوا إلى غنائم لا قتال فيها ليأخذوها، طلبوا منهم الصحبة والمشاركة، ويقولون: { ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ } بذلك { أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ } حيث حكم بعقوبتهم، واختصاص الصحابة المؤمنين بتلك الغنائم، شرعا وقدرا. { قُلْ } لهم { لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ } إنكم محرومون منها بما جنيتم على أنفسكم، وبما تركتم القتال أول مرة. { فَسَيَقُولُونَ } مجيبين لهذا الكلام، الذي منعوا به عن الخروج: { بَلْ تَحْسُدُونَنَا } على الغنائم، هذا منتهى علمهم في هذا الموضع، ولو فهموا رشدهم، لعلموا أن حرمانهم بسبب عصيانهم، وأن المعاصي لها عقوبات دنيوية ودينية، ولهذا قال: { بَلْ كَانُوا لا يَفْقَهُونَ إِلا قَلِيلا }.

همام الصنعاني

تفسير : 2898- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن عثمان الجزري، عن مقسم قال: لما وعدهم الله أنْ يفتح عليهم خَيْبَر، وكَانَ اللهُ قد وَعَدَهَا من شَهِدَ الحديبية، لم يعط أحداً غيرهم مِنْها شيئاً، فلما علم المنافقونَ أنها الغنيمة، قالوا: {ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَن يُبَدِّلُواْ كَلاَمَ ٱللَّهِ}: [الآية: 15]، يقول: ما كان وَعدَهم ... إلى قوله: {أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ}: [الآية: 16]. 2899- قال عبد الرزاق، قال معمر، أخبرني الزّهري، عن أبي هريرة قال: لم تأتِ هذه الآية بعد. 2900- حدثنا عبد الرزاق، قال معمر، وقال الحسن: هم فارس والروم. 2901- قال عبد الرزاق، قال معمر، وقال الكلبي، هم بنو حنيفة. 2902- قال عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، هم هوازن، وغطفان، وثقيف يَوْمَ حُنَيْنٍ.