Verse. 4599 (AR)

٤٨ - ٱلْفَتْح

48 - Al-Fath (AR)

قُلْ لِّـلْمُخَلَّفِيْنَ مِنَ الْاَعْرَابِ سَـتُدْعَوْنَ اِلٰى قَوْمٍ اُولِيْ بَاْسٍ شَدِيْدٍ تُقَاتِلُوْنَہُمْ اَوْ يُسْلِمُوْنَ۝۰ۚ فَاِنْ تُطِيْعُوْا يُؤْتِكُمُ اللہُ اَجْرًا حَسَـنًا۝۰ۚ وَاِنْ تَتَوَلَّوْا كَـمَا تَوَلَّيْتُمْ مِّنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا اَلِـــيْمًا۝۱۶
Qul lilmukhallafeena mina alaAArabi satudAAawna ila qawmin olee basin shadeedin tuqatiloonahum aw yuslimoona fain tuteeAAoo yutikumu Allahu ajran hasanan wain tatawallaw kama tawallaytum min qablu yuAAaththibkum AAathaban aleeman

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«قل للمخلفين من الأعراب» المذكورين اختبارا «ستدعوْن إلى قوم أولي» أصحاب «بأس شديد» قيل هم بنو حنيفة أصحاب اليمامة، وقيل فارس والروم «تقاتلونهم» حال مقدرة هي المدعو إليها في المعنى «أو» هم «يسلمون» فلا تقاتلون «فإن تطيعوا» إلى قتالهم «يؤتكم الله أجرا حسنا وإن تتولوا كما توليتم من قبل يعذّبكم عذابا أليما» مؤلما.

16

Tafseer

الرازي

تفسير : لما قال النبي صلى الله عليه وسلم: {أية : قُل لَّن تَتَّبِعُونَا } تفسير : [الفتح: 15] وقال: {أية : فَقُلْ لَّن تَخْرُجُواْ مَعِىَ أَبَدًا } تفسير : [التوبة: 83] فكان المخلفون جمعاً كثيراً، من قبائل متشعبة، دعت الحاجة إلى بيان قبول توبتهم فإنهم لم يبقوا على ذلك ولم يكونوا من الذين مردوا على النفاق، بل منهم من حسن حاله وصلح باله فجعل لقبول توبتهم علامة، وهو أنهم يدعون إلى قتال قوم أولي بأس شديد ويطيعون بخلاف حال ثعلبة حيث امتنع من أداء الزكاة ثم أتى بها ولم يقبل منه النبي صلى الله عليه وسلم واستمر عليه الحال ولم يقبل منه أحد من الصحابة، كذلك كان يستمر حال هؤلاء لولا أنه تعالى بيّن أنهم يدعون فإن كانوا يطيعون يؤتون الأجر الحسن وما كان أحد من الصحابة يتركهم يتبعونه، والفرق بين حال ثعلبة وبين حال هؤلاء من وجهين أحدهما: أن ثعلبة جاز أن يقال حاله لم يكن يتغير في علم الله، فلم يبين لتوبته علامة، والأعراب تغيرت، فإن بعد النبي صلى الله عليه وسلم لم يبق من المنافقين على النفاق أحد على مذهب أهل السنة وثانيهما: أن الحاجة إلى بيان حال الجمع الكثير والجم الغفير أمس، لأنه لولا البيان لكان يفضي الأمر إلى قيام الفتنة بين فرق المسلمين، وفي قوله {سَتُدْعَوْنَ إِلَىٰ قَوْمٍ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ } وجوه أشهرها وأظهرها أنهم بنو حنيفة حيث تابعوا مسيلمة وغزاهم أبو بكر وثانيها: هم فارس والروم غزاهم عمر ثالثها: هوازن وثقيف غزاهم النبي صلى الله عليه وسلم، وأقوى الوجوه هو أن الدعاء كان من النبي صلى الله عليه وسلم وإن كان الأظهر غيره، أما الدليل على قوة هذا الوجه هو أن أهل السنة اتفقوا على أن أمر العرب في زمان النبي صلى الله عليه وسلم ظهر ولم يبق إلا كافر مجاهر، أو مؤمن تقي طاهر، وامتنع النبي صلى الله عليه وسلم من الصلاة على موتى المنافقين، وترك المؤمنون مخالطتهم حتى إن عبادة بن كعب مع كونه بين المؤمنين لم يكلمه المؤمنون مدة، وما ذكره الله علامة لظهور حال من كان منافقاً، فإن كان ظهر حالهم بغير هذا، فلا معنى لجعل هذا علامة وإن ظهر بهذا الظهور كان في زمان النبي صلى الله عليه وسلم، لأن النبي عليه الصلاة والسلام لو امتنع من قبولهم لاتباعه لامتنع أبو بكر وعمر لقوله تعالى: {أية : وَٱتَّبِعُوهُ } تفسير : [الأعراف: 158] وقوله {أية : فَٱتَّبِعُونِي } تفسير : [مريم: 43] فإن قيل هذا ضعيف لوجهين أحدهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {أية : لَّن تَتَّبِعُونَا } تفسير : [الفتح: 15] وقال: {أية : لَّن تَخْرُجُواْ مَعِيَ أَبَدًا } تفسير : [التوبة: 83] فكيف كانوا يتبعونه مع النفي؟ الثاني: قوله تعالى: {أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ } ولم يبق بعد ذلك للنبي عليه الصلاة والسلام حرب قوم أولي بأسٍ شديد فإن الرعب استولى على قلوب الناس ولم يبق الكفار بعده شدة وبأس، واتفاق الجمهور يدل على القوة والظهور، نقول أما الجواب عن الأول فمن وجهين أحدهما: أن يكون ذلك مقيداً، تقديره: لن تخرجوا معي أبداً وأنتم على ما أنتم عليه، ويجب هذا التقييد لأنا أجمعنا على أن منهم من أسلم وحسن إسلامه بل الأكثر ذلك، وما كان يجوز للنبي صلى الله عليه وسلم أن يقول لهم لستم مسلمين لقوله تعالى: {أية : وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ ٱلسَّلَـٰمَ لَسْتَ مُؤْمِناً } تفسير : [النساء: 94] ومع القول بإسلامهم ما كان يجوز أن يمنعهم ما كان من الجهاد في سبيل الله مع وجوبه عليهم وكان ذلك مقيداً، وقد تبيّن حسن حالهم، فإن النبي صلى الله عليه وسلم دعاهم إلى جهاد فأطاعه قوم وامتنع آخرون، وظهر أمرهم وعلم من استمر على الكفر ممن استقر قلبه على الإيمان الثاني: المراد من قوله {أية : لَّن تَتَّبِعُونَا } تفسير : [الفتح: 15] في هذا القتال فحسب وقوله {أية : لَّن تَخْرُجُواْ مَعِيَ } تفسير : [التوبة: 83] كان في غير هذا وهم المنافقون الذين تخلفوا في غزوة تبوك، وأما اتفاق الجمهور فنقول لا مخالفة بيننا وبينهم لأنا نقول النبي صلى الله عليه وسلم دعاهم أولاً، وأبو بكر رضي الله عنه أيضاً دعاهم بعد معرفته جواز ذلك من فعل النبي صلى الله عليه وسلم، إنما نحن نثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم دعاهم فإن قالوا أبو بكر رضي الله عنه دعاهم لم يكن بين القولين تناف، وإن قالوا لم يدعهم النبي صلى الله عليه وسلم فالنفي والجزم به في غاية البعد لجواز أن يكون ذلك قد وقع، وكيف لا والنبي عليه الصلاة والسلام قال من كلام الله {أية : إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِي } تفسير : [آل عمران: 31] وقال: {أية : وَٱتَّبِعُونِ هَـٰذَا صِرٰطٌ مُّسْتَقِيمٌ } تفسير : [الزخرف: 61] ومنهم من أحب الله واختار اتباع النبي محمد صلى الله عليه وسلم لأن بقاء جمعهم على النفاق والكفر بعد ما اتسعت دائرة الإسلام واجتمعت العرب على الإيمان بعيد، ويوم قوله صلى الله عليه وسلم {لَّن تَتَّبِعُونَا } كان أكثر العرب على الكفر والنفاق، لأنه كان قبل فتح مكة وقبل أخذ حصون كثيرة. وأما قوله لم يبق للنبي صلى الله عليه وسلم حرب مع أولي بأس شديد، قلنا لا نسلم ذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم عام الحديبية دعاهم إلى الحرب لأنه خرج محرماً ومعه الهدي ليعلم قريش أنه لا يطلب القتال وامتنعوا فقال ستدعون إلى الحرب ولا شك أن من يكون خصمه مسلحاً محارباً أكثر بأساً ممن يكون على خلاف ذلك فكان قد علم من حال مكة أنهم لا يوقرون حاجاً ولا معتمراً فقوله {أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ } يعني أولي سلاح من آلة الحديد فيه بأس شديد، ومن قال بأن الداعي أبو بكر وعمر تمسك بالآية على خلافتهما ودلالتها ظاهرة، وحينئذ {تُقَـٰتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ } إشارة إلى أن أحدهما يقع، وقرىء {أَوْ يسلموا} بالنصب بإضمار أن على معنى تقاتلونهم إلى أن يسلموا، والتحقيق فيه هو أن {أَوْ } لا تجيء إلا بين المتغايرين وتنبىء عن الحصر فيقال العدد زوج أو فرد، ولهذا لا يصح أن يقال هو زيد أو عمرو، ولهذا يقال العدد زوج أو خمسة أو غيرهما، إذا علم هذا فقال القائل لألزمنك أو تقضيني حقي يفهم منه أن الزمان انحصر في قسمين: قسم يكون فيه الملازمة، وقسم يكون فيه قضاء الحق، فلا يكون بين الملازمة وقضاء الحق زمان لا يوجد فيه الملازمة ولا قضاء الحق، فيكون في قوله لألزمنك أو تقضيني، كما حكي في قول القائل، لألزمنك إلى أن تقضيني، لامتداد زمان الملازمة إلى القضاء، وهذا ما يضعف قول القائل الداعي هو عمر والقوم فارس والروم لأن الفريقين يقران بالجزية، فالقتال معهم لا يمتد إلى الإسلام لجواز أن يؤدوا الجزية، وقوله تعالى: {فَإِن تُطِيعُواْ يُؤْتِكُمُ ٱللَّهُ أَجْراً حَسَناً وَإِن تَتَوَلَّوْاْ كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مّن قَبْلُ } فيه فائدة لأن التولي إذا كان بعذر كما قال تعالى: {أية : لَّيْسَ عَلَى ٱلأَعْمَىٰ حَرَجٌ } تفسير : [النور: 61] لا يكون للمتولي عذاب أليم، فقال: {وَإِن تَتَوَلَّوْاْ كَمَا تَوَلَّيْتُمْ } يعني إن كان توليكم بناء على الظن الفاسد والاعتقاد الباطل كما كان حيث قلتم بألسنتكم لا بقلوبكم {أية : شَغَلَتْنَا أَمْوٰلُنَا } تفسير : [الفتح: 11] فالله يعذبكم عذاباً أليماً.

القرطبي

تفسير : فيه أربع مسائل: الأولى ـ قوله تعالى: {قُل لِّلْمُخَلَّفِينَ مِنَ ٱلأَعْرَابِ} أي قل لهؤلاء الذين تخلّفوا عن الحديبِية {سَتُدْعَوْنَ إِلَىٰ قَوْمٍ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ} قال ابن عباس وعطاء بن أبي رباح ومجاهد وٱبن أبي لَيْلَى وعطاء الخراساني: هم فارس. وقال كعب والحسن وعبد الرحمٰن بن أبي لَيْلَى: الروم. وعن الحسن أيضاً: فارس والروم. وقال ٱبن جُبَير: هوازن وثقِيف. وقال عكرمة: هوازن. وقال قتادة: هوازن وغَطَفان يوم حُنين. وقال الزُّهْري ومقاتل: بنو حنيفة أهل اليمامة أصحاب مُسَيْلِمة. وقال رافع بن خَديج: والله لقد كنا نقرأ هذه الآية فيما مضى {سَتُدْعَوْنَ إِلَىٰ قَوْمٍ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ} فلا نعلم مَن هم حتى دعانا أبو بكر إلى قتال بني حنيفة فعلمنا أنهم هم. وقال أبو هريرة: لم تأت هذه الآية بعدُ. وظاهر الآية يردّه. الثانية ـ في هذه الآية دليل على صحة إمامة أبي بكر وعمر رضي الله عنهما؛ لأن أبا بكر دعاهم إلى قتال بني حنيفة، وعمر دعاهم إلى قتال فارس والروم. وأما قول عكرمة وقتادة إن ذلك في هوازن وغطفان يوم حنين فلا، لأنه يمتنع أن يكون الداعي لهم الرسول عليه السلام، لأنه قال: «حديث : لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَداً وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا» تفسير : فدلّ على أن المراد بالداعي غير النبي صلى الله عليه وسلم. ومعلوم أنه لم يدع هؤلاء القوم بعد النبي صلى الله عليه وسلم إلا أبو بكر وعمر رضي الله عنهما. الزَّمَخْشَرِي: فإن صحّ ذلك عن قتادة فالمعنى لن تخرجوا معي أبداً ما دمتم على ما أنتم عليه من مرض القلوب والاضطراب في الدِّين. أو على قول مجاهد كان الموعد أنهم لا يتبعون رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا متطوّعين لا نصيب لهم في المغنم. (والله أعلم). الثالثة ـ قوله تعالى: {تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ} هذا حكم من لا تؤخذ منهم الجِزية، وهو معطوف على «تُقَاتِلُونَهُمْ» أي يكون أحد الأمرين: إما المقاتلة وإما الإسلام، لا ثالث لهما. وفي حرف أُبَيّ «أَوْ يُسْلِمُوا» بمعنى حتى يُسْلِمُوا، كما تقول: كُلْ أو تشبع، أي حتى تشبع. قال:شعر : فقلت له لا تَبْكِ عَيْنُك إنما نحاوِل مُلْكاً أو نموت فنُعذَرا تفسير : وقال الزجاج: قال «أَوْ يُسْلِمُونَ» لأن المعنى أو هم يسلِمون من غير قتال. وهذا في قتال المشركين لا في أهل الكتاب. الرابعة ـ قوله تعالى: {فَإِن تُطِيعُواْ يُؤْتِكُمُ ٱللَّهُ أَجْراً حَسَناً} الغنيمة والنصر في الدنيا، والجنة في الآخرة. {وَإِن تَتَوَلَّوْاْ كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِّن قَبْلُ} عام الحُدَيْبِيَة. {يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً} وهو عذاب النار.

ابن كثير

تفسير : اختلف المفسرون في هؤلاء القوم الذين يدعون إليهم الذين هم أولو بأس شديد على أقوال: أحدها: أنهم هوازن، رواه شعبة عن أبي بشر عن سعيد بن جبير أو عكرمة أو جميعاً، ورواه هشيم عن أبي بشر عنهما، وبه يقول قتادة في رواية عنه الثاني: ثقيف، قاله الضحاك. الثالث: بنو حنيفة، قاله جويبر، ورواه محمد بن إسحاق عن الزهري وروي مثله عن سعيد وعكرمة. الرابع: هم أهل فارس، رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما، وبه يقول عطاء ومجاهد وعكرمة في إحدى الروايات عنه. وقال كعب الأحبار: هم الروم، وعن ابن أبي ليلى وعطاء والحسن وقتادة: وهم فارس والروم، وعن مجاهد: هم أهل الأوثان، وعنه أيضاً: هم رجال أولو بأس شديد، ولم يعين فرقة، وبه يقول ابن جريج، وهو اختيار ابن جرير. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا الأشج، حدثنا عبد الرحمن بن إسحاق القواريري عن معمر عن الزهري في قوله تعالى: {سَتُدْعَوْنَ إِلَىٰ قَوْمٍ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ} قال: لم يأت أولئك بعد. وحدثنا أبي، حدثنا ابن أبي عمر، حدثنا سفيان عن ابن أبي خالد عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه في قوله تعالى: {سَتُدْعَوْنَ إِلَىٰ قَوْمٍ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ} قال: هم البارزون. قال: وحدثنا سفيان عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا قوماً صغار الأعين، ذلف الأنوف، كأن وجوههم المجان المطرقة» تفسير : قال سفيان: هم الترك، قال ابن أبي عمر: وجدت في مكان آخر: حدثنا ابن أبي خالد عن أبيه قال: نزل علينا أبو هريرة رضي الله عنه ففسر قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : تقاتلوا قوماً نعالهم الشعر» تفسير : قال: هم البارزون يعني: الأكراد، وقوله تعالى: {تُقَـٰتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ} يعني: شرع لكم جهادهم وقتالهم، فلا يزال ذلك مستمراً عليهم، ولكم النصرة عليهم أو يسلمون فيدخلون في دينكم بلا قتال بل باختيار. ثم قال عز وجل: {فَإِن تُطِيعُواْ} أي تستجيبوا وتنفروا في الجهاد، وتؤدوا الذي عليكم فيه {يُؤْتِكُمُ ٱللَّهُ أَجْراً حَسَناً وَإِن تَتَوَلَّوْاْ كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِّن قَبْلُ} يعني: زمن الحديبية حيث دعيتم فتخلفتم، {يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا}. ثم ذكر تعالى الأعذار في ترك الجهاد، فمنها لازم كالعمى والعرج المستمر، وعارض كالمرض الذي يطرأ أياماً ثم يزول، فهو في حال مرضه ملحق بذوي الأعذار اللازمة حتى يبرأ. ثم قال تبارك وتعالى مرغباً في الجهاد وطاعة الله ورسوله: {وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّـٰتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَـٰرُ وَمَن يَتَوَلَّ} أي ينكل عن الجهاد ويقبل على المعاش {يُعَذِّبْهُ عَذَاباً أَلِيماً} في الدنيا بالمذلة وفي الآخرة بالنار، والله تعالى أعلم.

المحلي و السيوطي

تفسير : {قُل لِّلْمُخَلَّفِينَ مِنَ ٱلأَعْرَابِ } المذكورين اختباراً {سَتُدْعَوْنَ إِلَىٰ قَوْمٍ أُوْلِى } أصحاب {بَأْسٍ شَدِيدٍ } قيل هم بنو حنيفة أصحاب اليمامة، وقيل فارس والروم {تُقَٰتِلُونَهُمْ } حال مقدرة هي المدعو إليها في المعنى {أَوْ } هم {يُسْلِمُونَ } فلا تقاتلونهم {فَإِن تُطِيعُواْ } إلى قتالهم {يُؤْتِكُمُ ٱللَّهُ أَجْراً حَسَناً وَإِن تَتَوَلَّوْاْ كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِّن قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً } مؤلماً.

الشوكاني

تفسير : قوله: {قُل لّلْمُخَلَّفِينَ مِنَ ٱلأعْرَابِ } هم المذكورون سابقاً {سَتُدْعَوْنَ إِلَىٰ قَوْمٍ أُوْلِى بَأْسٍ شَدِيدٍ } قال عطاء بن أبي رباح، ومجاهد، وابن أبي ليلى، وعطاء الخراساني: هم فارس. وقال كعب، والحسن: هم الروم. وروي عن الحسن أيضاً أنه قال: هم فارس، والروم. وقال سعيد بن جبير: هم هوازن، وثقيف. وقال عكرمة: هوازن. وقال قتادة: هوازن وغطفان يوم حنين. وقال الزهري، ومقاتل: هم بنو حنيفة أهل اليمامة أصحاب مسيلمة، وحكى هذا القول الواحدي عن أكثر المفسرين {تُقَـٰتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ } أي: يكون أحد الأمرين: إما المقاتلة، أو الإسلام لا ثالث لهما، وهذا حكم الكفار الذين لا تؤخذ منهم الجزية. قال الزجاج: التقدير: أو هم يسلمون، وفي قراءة أبيّ (أو يسلموا) أي: حتى يسلموا {فَإِن تُطِيعُواْ يُؤْتِكُمُ ٱللَّهُ أَجْراً حَسَناً } وهو الغنيمة في الدنيا، والجنة في الآخرة {وَإِن تَتَوَلَّوْاْ } أي: تعرضوا {كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مّن قَبْلُ } وذلك عام الحديبية {يُعَذّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً } بالقتل والأسر والقهر في الدنيا، وبعذاب النار في الآخرة؛ لتضاعف جرمكم. {لَّيْسَ عَلَى ٱلأعْمَىٰ حَرَجٌ وَلاَ عَلَى ٱلأعْرَجِ حَرَجٌ وَلاَ عَلَى ٱلْمَرِيضِ حَرَجٌ } أي: ليس على هؤلاء المعذورين بهذه الأعذار حرج في التخلف عن الغزو؛ لعدم استطاعتهم. قال مقاتل: عذر الله أهل الزمانة الذين تخلفوا عن المسير إلى الحديبية بهذه الآية، والحرج: الإثم {وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ } فيما أمراه به ونهياه عنه {يُدْخِلْهُ جَنَّـٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلأنْهَـرُ } قرأ الجمهور {يدخله} بالتحتية، واختار هذه القراءة أبو حاتم، وأبو عبيد، وقرأ نافع، وابن عامر بالنون {وَمَن يَتَوَلَّ يُعَذّبْهُ عَذَاباً أَلِيماً } أي: ومن يعرض عن الطاعة يعذبه الله عذاباً شديد الألم. ثم ذكر سبحانه الذين أخلصوا نياتهم، وشهدوا بيعة الرضوان، فقال: {لَّقَدْ رَضِيَ ٱللَّهُ عَنِ ٱلْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ ٱلشَّجَرَةِ } أي: رضي الله عنهم وقت تلك البيعة، وهي بيعة الرضوان، وكانت بالحديبية، والعامل في {تَحْتِ } إما يبايعونك، أو محذوف على أنه حال من المفعول، وهذه الشجرة المذكورة هي شجرة كانت بالحديبية وقيل: سدرة، وكانت البيعة على أن يقاتلوا قريشاً، ولا يفرّوا. وروي أنه بايعهم على الموت، وقد تقدّم ذكر عدد أهل هذه البيعة قريباً، والقصة مبسوطة في كتب الحديث والسير. {فَعَلِمَ مَا فِى قُلُوبِهِمْ } معطوف على يبايعونك، قال الفراء: أي: علم ما في قلوبهم من الصدق والوفاء. وقال قتادة، وابن جريج: من الرضى بأمر البيعة على أن لا يفرّوا. وقال مقاتل: من كراهة البيعة على الموت {فَأنزَلَ ٱلسَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ } معطوف على رضي، والسكينة: الطمأنينة وسكون النفس، كما تقدّم، وقيل: الصبر {وَأَثَـٰبَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً } هو فتح خيبر عند انصرافهم من الحديبية، قاله قتادة، وابن أبي ليلى، وغيرهما، وقيل: فتح مكة، والأوّل أولى. {وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا } أي: وأثابكم مغانم كثيرة، أو وآتاكم، وهي غنائم خيبر، والالتفات لتشريفهم بالخطاب {وَكَانَ ٱللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً } أي: غالباً مصدراً أفعاله وأقواله على أسلوب الحكمة. {وَعَدَكُمُ ٱللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا } في هذا وعد منه سبحانه لعباده المؤمنين بما سيفتحه عليهم من الغنائم إلى يوم القيامة يأخذونها في أوقاتها التي قدّر وقوعها فيها {فَعَجَّلَ لَكُمْ هَـٰذِهِ } أي: غنائم خيبر، قاله مجاهد وغيره، وقيل: صلح الحديبية {وَكَفَّ أَيْدِىَ ٱلنَّاسِ عَنْكُمْ } أي: وكفّ أيدي قريش عنكم يوم الحديبية بالصلح، وقيل: كفّ أيدي أهل خيبر، وأنصارهم عن قتالكم، وقذف في قلوبهم الرعب. وقال قتادة: كفّ أيدي اليهود عن المدينة بعد خروج النبيّ صلى الله عليه وسلم إلى الحديبية، وخيبر، ورجح هذا ابن جرير، قال: لأن كف أيدي الناس بالحديبية مذكور في قوله: {وَهُوَ ٱلَّذِى كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ} وقيل: كَفَّ أَيْدِيَهُمْ ٱلنَّاسِ عَنْكُمْ يعني: عيينة بن حصن الفزاري، وعوف بن مالك النضري ومن كان معهما، إذ جاءوا لينصروا أهل خيبر عند حصار النبيّ صلى الله عليه وسلم لهم {وَلِتَكُونَ ءايَةً لّلْمُؤْمِنِينَ } اللام يجوز أن تتعلق بفعل محذوف يقدّر بعده، أي: فعل ما فعل من التعجيل والكفّ؛ لتكون آيةً، أو على علة محذوفة تقديرها: وعد فعجل وكفّ؛ لتنتفعوا بذلك؛ ولتكون آية. وقيل: إن الواو مزيدة، واللام لتعليل ما قبله، أي: وكفّ لتكون؛ والمعنى: ذلك الكفّ آية يعلم بها صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم في جميع ما يعدكم به {وَيَهْدِيَكُمْ صِرٰطاً مُّسْتَقِيماً } أي: يزيدكم بتلك الآية هدى، أو يثبتكم على الهداية إلى طريق الحقّ {وَأُخْرَىٰ لَمْ تَقْدِرُواْ عَلَيْهَا } معطوف على هذه، أي: فعجل لكم هذه المغانم، ومغانم أخرى لم تقدروا عليها، وهي الفتوح التي فتحها الله على المسلمين من بعد كفارس والروم ونحوهما، كذا قال الحسن، ومقاتل، وابن أبي ليلى، وقال الضحاك، وابن زيد، وابن أبي إسحاق: هي خيبر وعدها الله نبيه قبل أن يفتحها، ولم يكونوا يرجونها، وقال قتادة: فتح مكة، وقال عكرمة: حنين، والأوّل أولى {قَدْ أَحَاطَ ٱللَّهُ بِهَا } صفة ثانية لأخرى. قال الفراء: أحاط الله بها لكم حتى تفتحوها وتأخذوها، والمعنى: أنه أعدّها لهم، وجعلها كالشيء الذي قد أحيط به من جميع جوانبه، فهو محصور لا يفوت منه شيء، فهم وإن لم يقدروا عليها في الحال فهي محبوسة لهم لا تفوتهم، وقيل: معنى {أحاط}: علم أنها ستكون لهم {وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلّ شَىْء قَدِيراً } لا يعجزه شيء، ولا تختصّ قدرته ببعض المقدورات دون بعض. {وَلَوْ قَـٰتَلَكُمُ ٱلَّذِينَ كفَرُواْ لَوَلَّوُاْ ٱلأدْبَـٰرَ } قال قتادة: يعني: كفار قريش بالحديبية، وقيل: أسد وغطفان الذين أرادوا نصر أهل خيبر، والأوّل أولى. {ثُمَّ لاَ يَجِدُونَ وَلِيّاً } يواليهم على قتالكم {وَلاَ نَصِيراً } ينصرهم عليكم. {سُنَّةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِى قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ } أي: طريقته وعادته التي قد مضت في الأمم من نصر أوليائه على أعدائه، وانتصاب {سنة} على المصدرية بفعل محذوف، أي: بيّن الله سنة الله، أو هو مصدر مؤكد لمضمون الجملة المتقدّمة {وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ ٱللَّهِ تَبْدِيلاً } أي: لن تجد لها تغييراً، بل هي مستمرّة ثابتة {وَهُوَ ٱلَّذِى كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم بِبَطْنِ مَكَّةَ مِن بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ } أي: كفّ أيدي المشركين عن المسلمين، وأيدي المسلمين عن المشركين لما جاءوا يصدّون رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن معه عن البيت عام الحديبية، وهي المراد ببطن مكة. وقيل: إن ثمانين رجلاً من أهل مكة هبطوا على النبيّ من قبل جبل التنعيم متسلحين يريدون غرّة النبي صلى الله عليه وسلم، فأخذهم المسلمون، ثم تركوهم. وفي الرواية اختلاف سيأتي بيانه آخر البحث إن شاء الله {وَكَانَ ٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً } لا يخفى عليه من ذلك شيء. وقد أخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس في قوله: {أُوْلِى بَأْسٍ شَدِيدٍ } يقول: فارس. وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي هريرة أنهم الأكراد. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: فارس، والروم. وأخرج الفريابي، وابن مردويه عنه قال: هوازن، وبني حنيفة. وأخرج الطبراني، قال السيوطي: بسند حسن عن زيد بن ثابت قال: كنت أكتب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وإني لواضع القلم على أذني إذ أمر بالقتال إذ جاء أعمى، فقال: كيف لي وأنا ذاهب البصر؟ فنزلت {لَّيْسَ عَلَى ٱلاْعْمَىٰ حَرَجٌ } الآية. قال: هذا في الجهاد، وليس عليهم من جهاد إذا لم يطيقوا. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن مردويه عن سلمة بن الأكوع قال: بينا نحن قائلون إذ نادى منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم: أيها الناس البيعة البيعة نزل روح القدس، فثرنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو تحت شجرة سمرة، فبايعناه، فذلك قول الله تعالى: {لَّقَدْ رَضِيَ ٱللَّهُ عَنِ ٱلْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ ٱلشَّجَرَةِ } فبايع لعثمان إحدى يديه على الأخرى، فقال الناس: هنيئًا لابن عفان يطوف بالبيت، ونحن ها هنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«حديث : لو مكث كذا وكذا سنة ما طاف حتى أطوف»تفسير : . وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف عن نافع قال: بلغ عمر بن الخطاب أن ناساً يأتون الشجرة التي بويع تحتها، فأمر بها فقطعت. وأخرج البخاري عن سلمة بن الأكوع قال: بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت الشجرة، قيل: على أي شيء كنتم تبايعونه يومئذ؟ قال: على الموت. وأخرج مسلم، وغيره عن جابر قال: بايعناه على أن لا نفرّ، ولم نبايعه على الموت. وأخرج أحمد، وأبو داود، والترمذي عن جابر، عن النبي قال: «حديث : لا يدخل النار أحد ممن بايع تحت الشجرة»تفسير : . وأخرج مسلم من حديثه مثله. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس {فَأنزَلَ ٱلسَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ } قال: إنما أنزلت السكينة على من علم منه الوفاء. وأخرج ابن جرير، وابن مردويه عنه {فَعَجَّلَ لَكُمْ هَـٰذِهِ } يعني: الفتح. وأخرج ابن مردويه عنه أيضاً {فَعَجَّلَ لَكُمْ هَـٰذِهِ } يعني: خيبر {وَكَفَّ أَيْدِىَ ٱلنَّاسِ عَنْكُمْ } يعني: أهل مكة أن يستحلوا حرم الله، ويستحلّ بكم وأنتم حرم {وَلِتَكُونَ ءايَةً لّلْمُؤْمِنِينَ } قال: سنة لمن بعدكم. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والبيهقي في الدلائل عنه أيضاً في قوله: {وَأُخْرَىٰ لَمْ تَقْدِرُواْ عَلَيْهَا } قال: هذه الفتوح التي تفتح إلى اليوم. وأخرج ابن جرير، وابن مردويه عنه أيضاً {وَأُخْرَىٰ لَمْ تَقْدِرُواْ عَلَيْهَا } قال: هي خيبر. وأخرج ابن أبي شيبة، وأحمد، وعبد بن حميد، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن مردويه، والبيهقي في الدلائل عن أنس قال: لما كان يوم الحديبية، هبط على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ثمانون رجلاً من أهل مكة في السلاح من قبل جبال التنعيم يريدون غرّة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدعا عليهم فأخذوا فعفا عنهم، فنزلت هذه الآية: {وَهُوَ ٱلَّذِى كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم بِبَطْنِ مَكَّةَ مِن بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ }. وفي صحيح مسلم، وغيره: أنها نزلت في نفر أسرهم سلمة بن الأكوع يوم الحديبية. وأخرج أحمد، والنسائي، والحاكم وصححه، وابن مردويه، وأبو نعيم في الدلائل في سبب نزول الآية: أن ثلاثين شاباً من المشركين خرجوا يوم الحديبية على المسلمين في السلاح، فثاروا في وجوههم، فدعا عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخذ الله بأسماعهم ـ ولفظ الحاكم ـ بأبصارهم، فقام إليهم المسلمون فأخذوهم، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم:«حديث : هل جئتم في عهد أحد، أو هل جعل لكم أحد أماناً»تفسير : ؟ فقالوا: لا، فخلى سبيلهم، فنزلت هذه الآية.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {قُل لّلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الأَعْرَابِ} وهؤلاء المخلفون هم أحد أصناف المنافقين، لأن الله تعالى صنف المنافقين من أهل المدينة ومن حولهم من الأعراب ثلاثة أصناف، منهم من أعلم أنه لا يؤمن وأوعدهم العذاب في الدنيا مرتين ثم العذاب العظيم في الآخرة وذلك قوله {أية : وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِّنَ الأَعَرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُواْ عَلَى النِّفَاقِ} تفسير : [التوبة: 101] الآية. ومنهم من اعترف بذنبه وتاب، وهم من قال الله فيهم: {أية : وَءَاخَرُونَ اعْتَرَفُواْ بِذُنُبِهِم خَلَطُواْ عَمَلاً صَالِحاً وَءاخَرَ سَيِّئاً} تفسير : [التوبة: 102] الآية. ومنهم من وقفوا بين الرجاء لهم والخوف عليهم بقوله تعالى: {أية : وَءَاخَرُونَ مُرْجَوْنَ لأَمِرْ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإمَّا يَتَوبُ عَلَيْهِمْ} تفسير : [التوبة: 106] فهؤلاء المخاطبون بقوله: {سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ} دون الصنفين المتقدمين لترددهم بين أمرين. قوله عز وجل: {سَتُدْعُوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ...} الآية. فيهم خمسة أوجه: أحدها: أنهم أهل فارس، قاله ابن عباس. الثاني: الروم، قاله الحسن وعبد الرحمن بن أبي ليلى. الثالث: هوازن وغطفان بحنين، قاله سعيد بن جبير وقتادة. الرابع: بنو حنيفة مع مسيلمة الكذاب، قاله الزهري. الخامس: أنهم قوم لم يأتوا بعد، قاله أبو هريرة.

ابن عطية

تفسير : أمر الله نبيه عليه السلام بالتقدمة إلى هؤلاء المخلفين بأنهم سيؤمرون بقتال عدو بئيس، وهذا يدل على أنهم كانوا يظهرون الإسلام، وإلا فلم يكونوا أهلاً لهذا الأمر، واختلف الناس من القوم المشار إليهم في قوله: {إلى قوم أولي بأس شديد} فقال عكرمة وابن جبير وقتادة: هم هوازن ومن حارب رسول الله صلى الله عليه وسلم في حنين. قال القاضي أبو محمد: ويندرج في هذا القول عندي من حورب وغلب في فتح مكة. وقال كعب: هم الروم الذين خرج إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عام تبوك والذين بعث إليهم في غزوة مؤتة. وقال الزهري والكلبي: هم أهل الردة وبنو حنيفة باليمامة. وقال منذر بن سعيد: يتركب على هذا القول أن الآية مؤذنة بخلافة أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما، يريد لما كشف الغيب أنهما دعوا إلى قتال أهل الردة. وحكى الثعلبي عن رافع بن خديج أنه قال: والله لقد كنا نقرأ هذه الآية فيما مضى ولا نعلم من هم، حتى دعا أبو بكر إلى قتال بني حنيفة فعلمنا أنهم أريدوا. وقال ابن عباس وابن أبي ليلى: هم الفرس. وقال الحسن: هم فارس والروم. وقال أبو هريرة: هم قوم لم يأتوا بعد، والقولان الأولان حسنان، لأنهما الذي كشف الغيب وباقيهما ضعيف. وقال منذر بن سعيد: رفع الله في هذه الجزية، وليس إلا القتال أو الإسلام، وهذا لا يوجد إلا في أهل الردة. قال القاضي أبو محمد: وهو من حورب في فتح مكة. وقرأ الجمهور من القراء: "أو يسلمون" على القطع، أي أو هم يسلمون دون حرب. وقرأ أبيّ بن كعب فيما حكى الكسائي: "أو يسلموا" بنصب الفعل على تقدير: أو يكون أن يسلموا، ومثله من الشعر قول امرئ القيس: [الطويل] شعر : فقلت له لا تبك عيناك إنما نحاول ملكاً أو نموت فنعذرا تفسير : يروى: "نموتَ" بالنصب. و "نموتُ" بالرفع، فالنصب على تقدير: أو يكون أن نموت، والرفع على القطع، أو نحن نموت. وقوله: {فإن تطيعوا} معناه: فيما تدعون إليه، والعذاب الذي توعدهم: يحتمل أن يريد به عذاب الدنيا، وأما عذاب الآخرة فبين فيه.

ابن عبد السلام

تفسير : {لِّلْمُخَلَّفِينَ} المنافقون ثلاثة أحدهم: لا يؤمن {أية : سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ} تفسير : [التوبة: 101] والثاني: تابوا {أية : عَسَى ٱللَّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ} تفسير : [التوبة: 102] فقبلت توبتهم والثالث: قوم بين الخوف والرجاء وهم المدعوون. {إِلَى قَوْمٍ أُوْلِى بَأْسٍ} فارس، أو الروم، أو غطفان وهوازن بحنين، أو بنو حنيفة مع مسيلمة، أو قوم لم يأتوا بعد.

النسفي

تفسير : {قُل لّلْمُخَلَّفِينَ مِنَ ٱلأَعْرَابِ } هم الذين تخلفوا عن الحديبية {سَتُدْعَوْنَ إِلَىٰ قَوْمٍ أُوْلِى بَأْسٍ شَدِيدٍ } يعني بني حنيفة قوم مسيلمة وأهل الردة الذين حاربهم أبو بكر رضي الله عنه لأن مشركي العرب والمرتدين هم الذين لا يقبل منهم إلا الإسلام أو السيف. وقيل: هم فارس وقد دعاهم عمر رضي الله عنه {تُقَـٰتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ } أي يكون أحد الأمرين إما المقاتلة أو الإسلام. ومعنى يسلمون على هذا التأويل ينقادون لأن فارس مجوس تقبل منهم الجزية، وفي الآية دلالة صحة خلافة الشيخين حيث وعدهم الثواب على طاعة الداعي عند دعوته بقوله {فَإِن تُطِيعُواْ } من دعاكم إلى قتاله {يُؤْتِكُمُ ٱللَّهُ أَجْراً حَسَناً } فوجب أن يكون الداعي مفترض الطاعة {وَإِن تَتَوَلَّوْاْ كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِّن قَبْلُ } أي عن الحديبية {يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً } في الآخرة {لَّيْسَ عَلَى ٱلأَعْمَىٰ حَرَجٌ وَلاَ عَلَى ٱلأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلاَ عَلَى ٱلْمَرِيضِ حَرَجٌ } نفي الحرج عن ذوي العاهات في التخلف عن الغزو {وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ } في الجهاد وغير ذلك {يُدْخِلْهُ جَنَّـٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَـٰرُ وَمَن يَتَوَلَّ } يعرض عن الطاعة {يُعَذِّبْهُ عَذَاباً أَلِيماً } {ندخله} و{ نُعَذِّبُهُ } مدني وشامي. {لَّقَدْ رَضِيَ ٱللَّهُ عَنِ ٱلْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ ٱلشَّجَرَةِ } هي بيعة الرضوان سميت بهذه الآية. وقصتها أن النبي صلى الله عليه وسلم حين نزل بالحديبية بعث خراش بن أمية الخزاعي رسولاً إلى مكة فهموا به فمنعه الأحابيش، فلما رجع دعا بعمر ليبعثه فقال: إني أخافهم على نفسي لما عرف من عداوتي إياهم، فبعث عثمان بن عفان فخبرهم أنه لم يأت لحرب وإنما جاء زائراً للبيت فوقروه واحتبس عندهم فأرجف بأنهم قتلوه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا نبرح حتى نناجز القوم»تفسير : ودعا الناس إلى البيعة فبايعوه على أن يناجزوا قريشاً ولا يفروا تحت الشجرة، وكانت سمرة وكان عدد المبايعين ألفاً وأربعمائة {فَعَلِمَ مَا فِى قُلُوبِهِمْ } من الإخلاص وصدق الضمائر فيما بايعوا عليه {فَأنزَلَ ٱلسَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ } أي الطمأنينة والأمن بسبب الصلح على قلوبهم {وَأَثَـٰبَهُمْ } وجازاهم {فَتْحاً قَرِيباً } هو فتح خيبر غب انصرافهم من مكة {وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا } هي مغانم خيبر وكانت أرضاً ذات عقار وأموال فقسمها عليهم {وَكَانَ ٱللَّهُ عَزِيزاً } منيعاً فلا يغالب {حَكِيماً } فيما يحكم فلا يعارض {وَعَدَكُمُ ٱللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا } هي ما أصابوه مع النبي صلى الله عليه وسلم وبعده إلى يوم القيامة {فَعَجَّلَ لَكُمْ هَـٰذِهِ } المغانم يعني مغانم خيبر {وَكَفَّ أَيْدِىَ ٱلنَّاسِ عَنْكُمْ } يعني أيدي أهل خيبر وحلفائهم من أسد وغطفان حين جاءوا لنصرتهم فقذف الله في قلوبهم الرعب فانصرفوا. وقيل: أيدي أهل مكة بالصلح {وَلِتَكُونَ } هذه الكفة {ءَايَةً لِّلْمُؤْمِنِينَ } وعبرة يعرفون بها أنهم من الله عز وجل بمكان وأنه ضامن نصرتهم والفتح عليهم فعل ذلك {وَيَهْدِيَكُمْ صِرٰطاً مُّسْتَقِيماً } ويزيدكم بصيرة ويقيناً وثقة بفضل الله. {وَأُخْرَىٰ } معطوفة على {هَـٰذِهِ } أي فعجل لكم هذه المغانم و{مَغَانِمَ أُخْرَىٰ } هي مغانم هوازن في غزوة حنين {لَمْ تَقْدِرُواْ عَلَيْهَا } لما كان فيها من الجولة {قَدْ أَحَاطَ ٱللَّهُ بِهَا } أي قدر عليها واستولى وأظهركم عليها، ويجوز في {أُخْرَىٰ } النصب بفعل مضمر يفسره {قَدْ أَحَاطَ ٱللَّهُ بِهَا } تقديره: وقضى الله أخرى قد أحاط بها، وأما {لَمْ تَقْدِرُواْ عَلَيْهَا } فصفة لـ {أُخْرَىٰ } والرفع على الابتداء لكونها موصوفة بـ {لَمْ تَقْدِرُواْ }، و{قَدْ أَحَاطَ ٱللَّهُ بِهَا } خبر المبتدأ {وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيراً } قادراً {وَلَوْ قَـٰتَلَكُمُ ٱلَّذِينَ كفَرُواْ } من أهل مكة ولم يصالحوا أو من حلفاء أهل خيبر {لَوَلَّوُاْ ٱلأَدْبَـٰرَ } لغلبوا وانهزموا {ثُمَّ لاَ يَجِدُونَ وَلِيّاً } يلي أمرهم {وَلاَ نَصِيراً } ينصرهم {سُنَّةَ ٱللَّهِ } في موضع المصدر المؤكد أي سن الله غلبة أنبيائه سنة وهو قوله {أية : لأَغْلِبَنَّ أَنَاْ وَرُسُلِى } تفسير : [المجادلة: 21] {ٱلَّتِى قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ ٱللَّهِ تَبْدِيلاً } تغييراً. {وَهُوَ ٱلَّذِى كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ } أي أيدي أهل مكة {وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم } عن أهل مكة يعني قضى بينهم وبينكم المكافة والمحاجزة بعدما خولكم الظفر عليهم والغلبة، وذلك يوم الفتح وبه استشهد أبو حنيفة رضي الله عنه على أن مكة فتحت عنوة لا صلحاً. وقيل: كان في غزوة الحديبية لما رُوي أن عكرمة بن أبي جهل خرج في خمسمائة فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم من هزمه وأدخله حيطان مكة. وعن ابن عباس رضي الله عنهما: أظهر المسلمين عليهم بالحجارة حتى أدخلوهم البيوت {بِبَطْنِ مَكَّةَ } أي بمكة أو بالحديبية لأن بعضها منسوب إلى الحرم {مِن بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ } أي أقدركم وسلطكم {وَكَانَ ٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً } وبالياء: أبو عمرو {هُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّوكُمْ عَنِ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ وَٱلْهَدْىَ } هو ما يهدي إلى الكعبة. ونصبه عطفاً على «كم» في {صَدُّوكُمْ } أي وصدوا الهدي {مَعْكُوفاً أَن يَبْلُغَ } محبوساً أن يبلغ، و{مَعْكُوفاً } حال. وكان عليه السلام ساق سبعين بدنة {مَحِلَّهُ } مكانه الذي يحل فيه نحره أي يجب، وهذا دليل على أن المحصر محل هديه الحرم والمراد المعهود وهو منى {وَلَوْلاَ رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَآءٌ مُّؤْمِنَـٰتٌ } بمكة {لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ } صفة للرجال والنساء جميعاً {أَن تَطَئُوهُمْ } بدل اشتمال منهم أو من الضمير المنصوب في {تَعْلَمُوهُمْ } {فَتُصِيبَكمْ مِّنْهُمْ مَّعَرَّةٌ } إثم وشدة وهي مفعلة من عره بمعنى عراه إذا دهاه ما يكرهه ويشق عليه وهو الكفارة إذا قتله خطأ، وسوء قالة المشركين أنهم فعلوا بأهل دينهم مثل ما فعلوا بنا من غير تمييز والإثم إذا قصر. {بِغَيْرِ عِلْمٍ } متعلق بـ {أَن تَطَئُوهُمْ } يعني أن تطئوهم غير عالمين بهم. والوطء عبارة عن الإيقاع والإبادة. والمعنى أنه كان بمكة قوم من المسلمين مختلطون بالمشركين غير متميزين منهم فقيل: ولولا كراهة أن تهلكوا ناساً مؤمنين بين ظهراني المشركين وأنتم غير عارفين بهم فيصيبكم بإهلاكهم مكروه ومشقة لما كف أيديكم عنهم. وقوله {لِّيُدْخِلَ ٱللَّهُ فِى رَحْمَتِهِ مَن يَشَآءُ} تعليل لما دلت عليه الآية وسيقت له من كف الأيدي عن أهل مكة والمنع عن قتلهم صوناً لمن بين أظهرهم من المؤمنين كأنه قال: كان الكف ومنع التعذيب ليدخل الله في رحمته أي في توفيقه لزيادة الخير والطاعة مؤمنيهم، أو ليدخل في الإسلام من رغب فيه من مشركيهم {لَوْ تَزَيَّلُواْ } لو تفرقوا وتميز المسلمون من الكافرين، وجواب «لولا» محذوف أغنى عنه جواب «لو»، ويجوز أن يكون لو تزيلوا كالتكرير لـ {لَوْلاَ رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ } لمرجعهما إلى معنى واحد، ويكون {لَعَذَّبْنَا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } هو الجواب تقديره ولولا أن تطئوا رجالاً مؤمنين ونساء مؤمنات ولو كانوا متميزين لعذبناهم بالسيف {مِنْهُمْ } من أهل مكة {عَذَاباً أَلِيماً }. والعامل في {إِذْ جَعَلَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } أي قريش لعذبنا أي لعذبناهم في ذلك الوقت أو اذكر {فِى قُلُوبِهِمُ ٱلْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ ٱلْجَـٰهِلِيَّةِ فَأَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَعَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ } المراد بحمية الذين كفروا وهي الأنفة وسكينة المؤمنين وهي الوقار ما يُروى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نزل بالحديبية بعث قريش سهيل بن عمرو وحويطب بن عبد العزي ومكرز بن حفص على أن يعرضوا على النبي صلى الله عليه وسلم أن يرجع من عامه ذلك على أن تخلي له قريش مكة من العام القابل ثلاثة أيام ففعل ذلك وكتبوا بينهم كتاباً. فقال عليه السلام لعلي رضي الله عنه: «حديث : اكتب بسم الله الرحمن الرحيم» تفسير : فقال سهيل وأصحابه: ما نعرف هذا ولكن اكتب باسمك اللهم. ثم قال: «حديث : اكتب هذا ما صالح عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل مكة» تفسير : فقالوا: لو نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت ولا قاتلناك، ولكن اكتب هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله أهل مكة. فقال عليه السلام: «حديث : اكتب ما يريدون فأنا أشهد أني رسول الله وأنا محمد بن عبد الله»تفسير : فهمّ المسلمون أن يأبوا ذلك ويشمئزوا منه فأنزل الله على رسوله السكينة فتوقروا وحلموا {وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ ٱلتَّقْوَىٰ } الجمهور على أنها كلمة الشهادة. وقيل: بسم الله الرحمن الرحيم. والإضافة إلى التقوى باعتبار أنها سبب التقوى وأساسها. وقيل: كلمة أهل التقوى {وَكَانُواْ } أي المؤمنون {أَحَقَّ بِهَا } من غيرهم {وَأَهْلَهَا } بتأهيل الله إياهم {وَكَانَ ٱللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيماً } فيجري الأمور على مصالحها.

الخازن

تفسير : قوله عز وجل: {قل للمخلفين من الأعراب} لما قال الله للنبي صلى الله عليه وسلم: قل لن تتبعونا، وكان المخلفون جمعاً كثيراً من قبائل متشعبة، وكان فيهم من ترجى توبته وخيره بخلاف الذين مردوا على النفاق واستمروا عليه، فجعل الله عز وجل لقبول توبتهم علامة، وهي أنهم يدعون إلى قوم أولى بأس شديد، فإن أطاعوا، كانوا من المؤمنين ويؤتيهم الله أجراً حسناً وهو الجنة، وإن تولوا وأعرضوا عما دعوا إليه، كانوا من المنافقين ويعذبهم عذاباً أليماً. واختلفوا في المشار إليهم بقوله {ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد} من هم فقال ابن عباس ومجاهد: هم أهل فارس. وقال كعب: هم الروم. وقال الحسن: هم فارس والروم. وقال سعيد بن جبير: هوازن وثقيف. وقال قتادة: هوازن وغطفان يوم حنين. وقال الزهري وجماعة: هم بنو حنيفة أهل اليمامة أصحاب مسيلمة الكذاب. وقال رافع بن خديج: كنا نقرأ هذه الآية ولا نعلم من هم حتى دعا أبو بكر رضي الله تعالى عنه إلى قتال بني حنيفة فعلمنا أنهم هم. وقال ابن جريج: دعاهم عمر رضي الله عنه إلى قتال فارس. وقال أبو هريرة: لم يأت تأويل هذه الآية بعد، وأقوى هذه الأقوال، قول من قال إنهم هوازن وثقيف، لأن الداعي هو رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأبعدها قول من قال إنهم بنو حنيفة أصحاب مسيلمة الكذاب أما الدليل على صحة القول الأول فهو أن العرب كان قد ظهر أمرهم في آخر الأمر على عهد النبي صلى الله عليه وسلم فلم يبق إلا مؤمن تقي طاهر أو كافر مجاهر. وأما المنافقون، فكان قد علم حالهم لامتناع النبي صلى الله عليه وسلم من الصلاة عليهم، وكان الداعي هو رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حرب من خالفه من الكفار. وكانت هوازن وثقيف من أشد العرب بأساً وكذلك غطفان فاستنفر النبي صلى الله عليه وسلم العرب لغزوة حنين وبني المصطلق، فصح بهذا البيان أن الداعي هو النبي صلى الله عليه وسلم. فإن قيل: هذا ممتنع لوجهين: أحدهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لن تتبعونا، وقال: لن تخرجوا معي أبداً، فكيف كانوا يتبعونه مع هذا النهي؟ الوجه الثاني: قوله {أولي بأس شديد}، ولم يبق للنبي صلى الله عليه وسلم حرب مع قوم أولي بأس شديد، لأن الرعب كان قد دخل قلوب العرب كافة فنقول: الجواب عن الوجه الأول من وجهين: أحدهما: أن يكون قوله: قل لن تتبعونا ولن تخرجوا معي أبداً مقيد بقيد وهو أن يكون تقديره: قل لن تتبعونا ولن تخرجوا معي أبداً ما دمتم على ما أنتم عليه من النفاق والمخالفة وهذا القيد لا بد منه لأن من أسلم وحسن إسلامه وجب عليه الجهاد ولا يجوز منعه من الخروج إلى الجهاد مع النبي صلى الله عليه وسلم. الوجه الثاني: في الجواب عن الوجه الأول أن المراد من قوله لن تتبعونا ولن تخرجوا معي أبداً يعني في غزوة خيبر لأنها كانت مخصوصة بمن شهد بيعة الرضوان بالحديبية دون غيرهم. ثم نقول: إن النبي صلى الله عليه وسلم لو لم يدعهم إلى الجهاد معه أو منعهم من الخروج إلى الجهاد معهما لامتنع أبو بكر وعمر من الإذن لهم في الخروج إلى الجهاد معهما كما امتنعا من أخذ الزكاة من ثعلبة لامتناع النبي صلى الله عليه وسلم من أخذها وأما الجواب عن الوجه الثاني وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يبق له حرب مع قوم أولي بأس شديد فغير مسلم لأن الحرب كانت باقية مع قريش وغيرهم من العرب وهم أولو بأس شديد فثبت بهذا البيان أن الداعي للمخلفين هو النبي صلى الله عليه وسلم وأما قول من قال إن أبا بكر دعاهم إلى قتال بني حنيفة أصحاب مسيلمة الكذاب وإن عمر دعاهم إلى قتال فارس والروم فظاهر في الدلالة وفيه دليل على صحة خلافتهما لأن الله تعالى وعد على طاعتهما الجنة وعلى مخالفتهما النار. وقوله تعالى: {تقاتلونهم أو يسلمون} فيه إشارة إلى وقوع أحد الأمرين إما الإسلام أو القتل {فإن تطيعوا يؤتكم الله أجراً حسناً} يعني الجنة {وإن تتولوا} يعني تعرضوا عن الجهاد {كما توليتم من قبل} يعني عام الحديبية {يعذبكم عذاباً اليماً} يعني النار ولما نزلت هذه الآية قال أهل الزمانة والأعذار كيف حالنا يا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله عز وجل {ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج} يعني في التخلف عن الجهاد وهذه أعذر ماهرة في جواز ترك الجهاد، لأن أصحابها لا يقدرون على الكر والفر، لأن الأعمى لا يمكنه الإقدام على العدو والطلب، ولا يمكنه الاحتراز منه والهرب، وكذلك الأعرج، والمريض. وفي معنى الأعرج: الزمن المقعد والأقطع. وفي معنى المريض: صاحب السعال الشديد والطحال الكبير. والذين لا يقدرون على الكر والفر: فهذه أعذار مانعة من الجهاد ظاهرة ومن وراء ذلك أعذار أخر دون ما ذكر وهي: الفقر الذي لا يمكن صاحبه أن يستصحب معه ما يحتاج إليه من مصالح الجهاد والاشغال التي تعوق عن الجهاد كتمريض المريض الذي ليس له من قوم مقامه عليه ونحو ذلك وإنما قدم الأعمى على الأعرج، لأن عذر الأعمى مستمر لا يمكن الانتفاع به في حرس ولا غيره بخلاف الأعرج لأنه يمكن الانتفاع به في الحراسة ونحوها وقدم الأعرج على المريض لأن عذره أشد من عذر المريض لإمكان زوال المرض عن قريب {ومن يطع الله ورسوله} يعني في أمر الجهاد وغيره {يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار ومن يتول} يعني يعرض عن الساعة ويستمر على الكفر والنفاق {يعذبه عذاباً أليماً} يعني في الآخرة. قوله عز وجل: {لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك} يعني بالحديبية على أن يناجزوا قريشاً ولا يفروا {تحت الشجرة} وكانت هذه الشجرة سمرة (ق) عن طارق بن عبد الرحمن قال انطلقت حاجاً، فمررت بقوم يصلون، فقلت: ما هذا المسجد؟ قالوا: هذه الشجرة حيث بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم بيعة الرضوان فأتيت ابن المسيب فأخبرته فقال سعيد: كان أبي ممن بايع تحت الشجرة قال: فلما خرجنا من العام المقبل نسيناها فعميت علينا فلم نقدر عليها. قال سعيد: فأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يعلموها وعلمتموها فأنتم أعلم فضحك. وفي رواية، عن سعيد بن المسيب عن أبيه، قال: لقد رأيت الشجرة ثم أتيتها بعد عام فلم أعرفها، وروي أن عمر مر بذلك المكان بعد أن ذهبت الشجرة، فقال: أين كانت؟ فجعل بعضهم يقول هاهنا وبغضهم يقول هاهنا فلما كثر اختلافهم قال: سيروا. ذهبت الشجرة. {خ} عن ابن عمر قال رجعنا من العام المقبل فما اجتمع منا اثنان على الشجرة التي بايعنا تحتها وكانت رحمة من الله تعالى (م) عن أبي الزبير، أنه سمع جابراً يسأل: كم كانوا يوم الحديبية؟ قال: كنا أربع عشرة مائة فبايعناه وعمر آخذ بيده تحت الشجرة وهي سمرة فبايعناه جميعاً غير جد بن قيس الأنصاري اختفى تحت بطن بعيره. زاد في رواية قال: بايعناه على أن لا نفر. ولم نبايعه على الموت. وأخرجه الترمذي عن جابر في قوله تعالى: {لقد رضي الله تعالى عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة}. قال: بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن لا نفر ولم نبايعه على الموت. (ق) عن عمرو بن دينار قال: سمعت جابر بن عبد الله يقول: قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية. "حديث : أنتم اليوم خير أهل الأرض"تفسير : . وكنا ألفاً وأربعمائة قال: ولو كنت أبصر اليوم لأريتكم مكان الشجرة. وروى سالم عن جابر قال: كنا خمس عشرة مائة (ق) عن عبد الله بن أبي أوفى قال: كان أصحاب الشجرة ألفاً وثلثمائة وكانت أسلم ثمن المهاجرين وهذه البيعة تسمى بيعة الرضوان لهذه الآية وكان سبب هذه البيعة على ما ذكر محمد بن إسحاق عن بعض أهل العلم، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا خراش بن أمية الخزاعي حين نزل الحديبية فبعثه إلى قريش بمكة وحمله على جمل يقال له "الثعلب" ليبلغ أشرافهم عنه ما جاء له فعقروا جمل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأرادوا قتله فمنعتهم الأحابيش، فخلوا سبيله حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عمر بن الخطاب ليبعثه إلى مكة فقال: يا رسول الله إني أخاف على نفسي قريشاً وليس بمكة من بني عدي بن كعب أحد وقد عرفت قريش عداوتي إياها وغلظتي عليها ولكن أدلك على رجل هو أعزبها مني عثمان بن عفان فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عثمان فبعثه إلى أبي سفيان وأشراف قريش يخبرهم أنه لم يأت لحرب إنما جاء زائراً لهذا البيت معظماً لحرمته فخرج عثمان إلى مكة فلقيه أبان بن سعيد بن العاص حين دخل مكة أو قبل أن يدخلها فنزل عن دابته وحمله بين يديه ثم أردفه وأجاره حتى بلغ رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عظماء قريش لعثمان حين فرغ من رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن شئت أن تطوف بالبيت، فطف به. فقال: ما كنت لأفعل حتى يطوف به رسول الله صلى الله عليه وسلم فاحتبسته قريش عندها فبلغ، رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين أن عثمان قد قتل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : لا نبرح حتى نناجز القوم"تفسير : . ودعا الناس إلى البيعة فكانت بيعة الرضوان تحت الشجرة وكان الناس يقولون: بايعهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على الموت قال بكير بن الأشج: بايعوه على الموت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : بل على ما استطعتم"تفسير : . وقد تقدم عن جابر ومعقل بن يسار أنهما قالا: لم نبايعه على الموت، ولكن بايعناه على أن لا نفر. وقد تقدم أيضاً الجمع بين هذا وبين قول سلمة بن الأكوع بايعناه على الموت وكان أول من بايع بيعة الرضوان رجلاً من بني أسد يقال له أبو سنان بن وهب، ولم يتخلف عن بيعة الرضوان أحد من المسلمين حضرها إلا جد بن قيس أخو بني سلمة قال جابر: فكأني أنظر إليه لاصقاً بإبط ناقته يستتر بها من الناس ثم أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الذي ذكر من أمر عثمان باطل (م) عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : لا يدخل النار أحد ممن بايع تحت الشجرة" تفسير : عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : ليدخلن الجنة من بايع تحت الشجرة إلا صاحب الجمل الأحمر" تفسير : أخرجه الترمذي وقال حديث غريب. وقوله تعالى: {فعلم ما في قلوبهم} يعني من الصدق والإخلاص والوفاء كما علم ما في قلوب المنافقين من المرض والنفاق {فأنزل السكينة} يعني الطمأنينة {عليهم} يعني على المؤمنين المخلصين حتى ثبتوا وبايعوك على الموت وعلى أن لا يفروا وفي هذه الآية لطيفة، وهي أن هذه البيعة كانت فيها طاعة الله وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم وذلك موجب لرضوان الله عز وجل وهو موجب لدخول الجنة ويدل عليه قوله تعالى في الآية المتقدمة {ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار} فثبت بهذا البيان أن أهل بيعة الرضوان من أهل الجنة، ويشهد لصحة ما قلناه الحديث المتقدم. فإن قلت الفاء في فعلم للتعقيب وعلم الله قبل الرضا، لأنه تعالى علم ما في قلوبهم من الصدق والإيمان فرضي عنهم فكيف يفهم التعقيب في قوله {فعلم ما في قلوبهم}. قلت: قوله {ما في قلوبهم}، متعلق بقوله: {إذ يبايعونك}، فيكون تقديره: لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك فعلم ما في قلوبهم من الصدق إشارة إلى أن الرضا لم يكن عند المبايعة فحسب بل عند المبايعة التي عندها علم الله بصدقهم والفاء في قوله: فأنزل السكينة للتعقيب، لأنه تعالى لما علم ما في قلوبهم رضي عنهم فأنزل السكينة عليهم. وقوله تعالى: {وأثابهم فتحاً قريباً} يعني خيبر.

البقاعي

تفسير : ولما كان ذلك يوقع في نفس السامع السؤال عن هذا الطرد: هل يستمر؟ أجيب بأنهم سيمتحنون بأمر شاق يحدثه الله للتمييز بين الخلص وغيرهم، فقال مكرراً لوصفهم بالتخلف إعلاماً بأنهم في الحقيقة ما تخلفوا، بل منعوا طرداً لهم وإبعاداً معذباً لهم بما خلفهم عن اتباع النبي صلى الله عليه وسلم في هذه العمرة من الخوف من قتال قريش لشدة بأسهم كما أثاب المحبين له صلى الله عليه وسلم بضد ما عزموا عليه من القتال إلى النصر أو الموت من كف أيديهم عنهم بما جعله الله سبباً للفتح الأعظم والتفرغ لفتح خيبر وأخذ غنائمها الكثيرة من غير كبير كلفة {قل} يا أعظم الخلف {للمخلفين} وزاد في ذمهم بنسبتهم إلى الجلافة فقال: {من الأعراب} أي أهل غلظ الأكباد، ويجوز أن يكون هذا القيد للاحتراز عن المخلفين من أهل المدينة فيكون إشارة إلى أن الأعراب ينقسمون عند هذا الدعاء إلى مطيع وعاص - كما أشار إليه تقسيمه سبحانه لهم - وأن المخلفين من أهل المدينة لمثل ما اعتل به الأعراب لا مطمع في صلاحهم: {ستدعون} بوعد لا خلف فيه بإخبار محيط العلم والقدرة دعوة محيطة ونفيراً عاماً لما أفهمه الإسناد إلى جميعهم من داع صحت إمامته فوجبت طاعته، ودل على بعدهم من أرضهم بقوله تعالى: {إلى قوم}. ولما أفهم التعبير بذلك أن لهم قوة وشدة على ما يحاولونه، أوضح المعنى بقوله: {أولي بأس} أي شدة في الحرب وشجاعة مع مكر ودهاء {شديد}. ولما كان المعنى كأنه قيل: لماذا؟ قال تعالى: {تقاتلونهم} أي بأمر إمامكم {أو يسلمون} أي يدعوكم إليهم ليكون أحد الأمرين المظهرين لأن كلمة الله هي العليا: المقاتلة منكم أو الإسلام منهم، فإن لم يسلموا كان القتال لا غير، وإن أسلموا لم يكن قتال، لأن الإمام لا غرض له إلا إعلاء كلمة الله، ولا يكون شيء غير هذين الأمرين من إبقاء بجزية أو مصالحة أو متاركة إلى مدة، ونحو ذلك، وهذا الداعي هو أبو بكر الصديق رضي الله عنه والقوم بنو حنيفة وغيرهم من أهل الردة الذين كان الدعاء لهم أول خلافة الصديق رضي الله عنه، وأما قول من قال: إنهم ثقيف، فضعيف، لأن الدعاء لم يكن إليهم إنما كان المقصود بالذات فتح مكة، وكان أمر هوازن وثقيف وغيرهما تبعاً له في غزوته، لم يكن بينهم شيء، وأيضاً فإن ثقيف لما عسر أمرهم تركهم النبي صلى الله عليه وسلم حتى أسلموا بعد ذلك، وترك أيضاً فلاّل هوازن فلم يتبعهم ولم يؤمر باتباعهم، فظاهر الآية أنه إذا انتشب القتال لم يترك إلا أن حصل الإسلام، والقول بأنهم فارس والروم ضعيف أيضاً، فإن كلاًّ منهم تقبل منه الجزية، وتأويله بأنه إسلام لغوي لا داع له مع إمكان الحقيقة، وقد كان ما أشار إليه التقسيم فإنهم لما دعوا إليهم انقسموا إلى مجيب وهم الأكثر، وقد آتاهم الله الأجر الحسن في الدنيا بالغنيمة والذكر الجميل وهو المرجو في الآخرة، ومرتد وهم قليل وقد أذاقهم الله العذاب الأليم في الدنيا بالقتل على أقبح حال، وهو يذيقهم في الآخرة أعظم النكال، وأما قتال غير العرب فأطاع فيه الكل ولم يحصل فيه ما أشير إليه من التقسيم، فتحقق بهذا أنهم أهل الردة - والله الموفق، ولذلك سبب عن دعوة الحق قوله مردداً القول في حالهم مبهماً له إشارة إلى أنهم عند الدعاء ينقسمون إلى مقبل ومتول: {فإن تطيعوا} أي توقعوا الطاعة للداعي إلى ذلك، وهو أبو بكر رضي الله عنه {يؤتكم الله} أي الذي له الإحاطة والقدرة على الإعطاء والمنع، لا راد لأمره {أجراً حسناً} دنيا وأخرى، جعل الله طاعة أبي بكر رضي الله عنه في هذا الأمر بالخصوص كطاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي طاعته طاعة الله، جزاء له على خصوصه في مزيد تسليمه لما فعله النبي صلى الله عليه وسلم من الصلح وثباته بما أجاب به عمر رضي الله عنهما بمثل جواب النبي صلى الله عليه وسلم من غير أن يكون حاضراً له كما هو معلوم من السيرة. ولما كانت مخالفة الرسول صلى الله عليه وسلم ومن يقوم مقامه لا تكون إلا من منازعة في الفطرة الأولى ومعالجة لها، عبر بالتفعل فقال: {وإن تتولوا} عن قبول دعوته عصياناً {كما توليتم} أي عالجتم أنفسكم وكلفتموها التولي بالتخلف عن الرسول صلى الله عليه وسلم {من قبل} أي بعض الأزمان التي تقدمت على هذا الدعاء، وذلك في الحديبية {يعذبكم} أي يخالطكم بعقوبة تزيل العذوبة في الدنيا أو في الآخرة أو فيهما {عذاباً أليماً *} لأجل تكرر ذلك منكم. ولما توعد المتخلفين بتخلفهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم توعدهم في التقاعد عن هذا الإمام القائم بعده بالحق، وكان أهل الأعذار لا يتيسر لهم ما أريد بهذا الدعاء، وكان الدين مبنياً على الحنيفية السمحة، استأنف قوله تعالى مسكناً لما اشتثاره الوعيد من روعهم: {ليس على الأعمى} أي في تخلفه عن الدعاء إلى الخروج مع النبي صلى الله عليه وسلم أو مع غيره من أئمة الدعاء {حرج} أي ميل بثقل الإثم لأجل أن عماه موهن لسعيه وجميع بطشه، ولأجل تأكيد المعنى تسكيناً لما ثار من روع المؤمن كرر النافي والحرج في كل جملة مستقلة تأكيداً لهذا الأمر فقال: {ولا على الأعرج} وإن كان نقصه أدنى من نقص العمى {حرج} وجعل كل جملة مستقلة تأكيداً لهذا الحكم. ولما ذكر هذين الأثرين الخاصين المزيد ضررهما في العاقة عن كمال الجهاد، عم بقوله: {ولا على المريض} أي بأيّ مرض {حرج} فلم يخرج أهل هذه الأعذار الذين لم يمنعهم إلا إعذارهم عن أهل الحديبية، وأطلب الحرج المنفي ليقبل التقدير بالتخلف ولا حاجة لأن حضورهم لا يخلو عن نفع في الجهاد، وذكر هكذا دون أسلوب الاستثناء إيذاناً بأنهم لم يدخلوا في الوعيد أصلاً حتى يخرجوا منه. ولما بشر المطيعين لتلك الدعوة وتوعد القاعدين عنها وعذر المعذورين، وكانت إجابة المعذورين جائزة، بل أرفع من قعودهم، ولذلك لم ينف إجابتهم إنما نفى الحرج، قال معمماً عاطفاً على ما تقديره: فمن تخلف منهم فتخلفه مباح له: {ومن يطع الله} أي المحيط بجميع صفات الكمال المفيض من آثار صفاته على من يشاء ولو كان ضعيفاً، المانع منها من يشاء وإن كان قوياً {ورسوله} من المعذورين وغيرهم فيما ندبا إليه من أي طاعة كانت إجابته {يدخله} أي الله الملك الأعظم جزاء له {جنات تجري} ونبه على قرب منال الماء بإثبات الجار في قوله: {من تحتها الأنهار} أي ففي أي موضع أردت أجريت نهراً {ومن يتول} أي كائناً من كان من المخاطبين الآن وغيرهم، عن طاعة من الطاعات التي أمرا بها من أي طاعة كانت {يعذبه} أي على توليه في الدارين أو إحداهما {عذاباً أليماً *} وقراءة أهل المدينة والشام "ندخله ونعذبه" بالنون أظهر في إرادة العظمة لأجل تعظيم النعمة والنقمة.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله ‏ {‏قل للمخلفين من الأعراب ستدعون إلى قوم‏} ‏ قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه‏:‏ دعا أعراب المدينة جهينة ومزينة الذين كان النبي صلى الله عليه وسلم دعاهم إلى خروجه إلى مكة دعاهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى قتال فارس قال‏:‏ فإن تطيعوا إذا دعاكم عمر تكن توبة لتخلفكم عن النبي صلى الله عليه وسلم يؤتكم الله أجراً حسناً وإن تتولوا إذا دعاكم عمر كما توليتم من قبل إذ دعاكم النبي صلى الله عليه وسلم يعذبكم عذاباً أليما‏ً. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما ‏ {‏ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد‏} ‏ قال‏:‏ فارس والروم‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد رضي الله عنه ‏{‏ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد‏} ‏ قال‏:‏ أهل الأوثان‏.‏ وأخرج الفريابي وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما ‏ {‏ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد‏} ‏ قال‏:‏ هوازن وبني حنيفة‏.‏ وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر والبيهقي عن عكرمة وسعيد بن جبير رضي الله عنه في قوله ‏{‏ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد‏} ‏ قال‏:‏ هوازن يوم حنين‏.

ابو السعود

تفسير : {قُل لّلْمُخَلَّفِينَ مِنَ ٱلأَعْرَابِ} كررَ ذكرَهُم بهذا العنوانِ مبالغةً في ذمِّهم {سَتُدْعَوْنَ إِلَىٰ قَوْمٍ أُوْلِى بَأْسٍ شَدِيدٍ} هم بنُو حنيفةَ قومُ مسيلمةَ الكذابِ، أو غيرُهم ممن ارتدُّوا بعد رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، أو المشركونَ لقولِه تعالى {تُقَـٰتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ} أي يكونُ أحدُ الأمرينِ إما المقاتلةُ أبداً أو الإسلامُ لا غيرُ، كما يفصحُ عنه قراءةُ أو يسلمُوا. وأما من عداهُم فينتهي قتالَهم بالجزيةِ كما ينتهِي بالإسلامِ. وفيه دليلٌ على إمامةِ أبـي بكر رضيَ الله عنه إذا لم تتفقْ هذه الدعوةُ لغيرِه إلا إذا صحَّ أنهم ثقيفٌ وهوازنُ فإنَّ ذلك كان في عهدِ النبوةِ فيخصَّ دوامُ نفي الاتباعِ بَما في غزوةِ خيبرَ كما قالَهُ محي السنةِ وقيلَ هم فارسُ والرومُ ومعنى يُسلمون ينقادونَ فإنَّ الرومَ نَصَارى وفارسَ مجوسٌ يُقبل منهم الجزيةُ. {فَإِن تُطِيعُواْ يُؤْتِكُمُ ٱللَّهُ أَجْراً حَسَناً} هو الغنيمةُ في الدنيا والجنةُ في الآخرةِ {وَإِن تَتَوَلَّوْاْ} عن الدعوةِ {كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مّن قَبْلُ} في الحديبـيةِ {يُعَذّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً} لتضاعفِ جُرمكم. {لَّيْسَ عَلَى ٱلأَعْمَىٰ حَرَجٌ وَلاَ عَلَى ٱلأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلاَ عَلَى ٱلْمَرِيضِ حَرَجٌ} أي في التخلفِ عنِ الغزوِ لِما بِهمْ من العُذرِ وَالعاهةِ فإنَّ التَّكليفَ يدورُ على الاستطاعةِ. وفى نفي الحرجِ عن كلِّ من الطوائفِ المعدودةِ مزيدُ اعتناءٍ بأمرِهم وتوسيعٌ لدائرةِ الرُّخصةِ. {وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ} فيما ذُكِرَ من الأوامرِ والنَّواهِي {يُدْخِلْهُ جَنَّـٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَـٰرُ}. وقُرِىءَ نُدخلْه بنونِ العظيمةِ {وَمَن يَتَوَلَّ} أي عن الطاعةِ {يُعَذّبْهُ} وقرىء بالنونِ {عَذَاباً أَلِيماً}. لا يُقادرُ قدرُهُ {لَّقَدْ رَضِيَ ٱللَّهُ عَنِ ٱلْمُؤْمِنِينَ} هم الذينَ ذُكِرَ شأنُ مبايعتِهم. وبهذهِ الآيةِ سُميتْ بَـيعةَ الرضوانِ. وقولُه تعالى {إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ ٱلشَّجَرَةِ} منصوبٌ برضي. وصيغةُ المضارعِ لاستحضارِ صورتِها، وتحتَ الشجرِة متعلقٌ به أو بمحذوفٍ هو حالٌ من مفعولِه. رُويَ « حديث : أنَّه عليه الصلاةُ والسَّلامُ لما نزلَ الحديبـية بعثَ خراشَ بنَ أميةَ الخزاعيَّ رسولاً إلى أهلِ مكةَ فهمُّوا بهِ فمنَعُه الأحابـيشُ فرجعَ فبعثَ عثمانَ بنَ عفانَ رضيَ الله عنه فأخبرَهُم أنَّه عليه الصلاةُ والسلامُ لم يأتِ لحربٍ وإنما جاء زائراً لهذا البـيتِ مَعظماً لحرمتِه فوقّرُوه وقالُوا إنْ شئتَ أنْ تطوفَ بالبـيتِ فافعلْ فقالَ ما كنتُ لأطوفَ قبلَ أنْ يطوفَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم واحتبسَ عندهُم فأُرْجِفَ بأنَّهم قتلُوه فقالَ عليه الصلاةُ والسلامُ: "لا نبرحُ حتى نناجزَ القومَ" ودعا الناسَ إلى البـيعةِ فبايعُوه تحتَ الشجرةِ وكانتْ سَمُرةً وقيلَ: سِدرةً على أن يقاتِلُوا قريشاً ولا يفرُّوا. ورُويَ على الموتِ دونَهُ وأنْ لا يفرُّوا فقالَ لهم رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أنتمُ اليومَ خيرُ أهلِ الأرضِ وكانُوا ألفاً وخمسَمائةٍ وخمسةً وعشرينَ » تفسير : . وقيلَ: ألفاً وأربعمائةِ.وقيلَ ألفاً: وثلثَمائةِ. وقولُه تعالى: {فَعَلِمَ مَا فِى قُلُوبِهِمْ} عطفٌ على يُبايعونك لما عرفتَ من أنَّه بمعنى بايعوكَ لا على رضيَ فإن رضاهُ تعالى عنهم مترتبٌ على علمِه تعالى بما في قلوبِهم من الصدقِ والإخلاصِ عند مبايعتِهم له صلى الله عليه وسلم. وقولُه تعالَى {فَأنزَلَ ٱلسَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ} عطفٌ على رضيَ أي فأنزلَ عليهم الطُّمأنينةَ والأمنَ وسكونَ النفسِ بالربطِ على قلوبِهم وقيلَ: بالصلحِ. {وَأَثَـٰبَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً} هو فتح خيبرَ غِبَّ انصرافِهم من الحديبةِ كما مرَّ تفصيلُه. وقُرِىءَ وآتاهُم.

القشيري

تفسير : جاء في التفاسير أنهم أهلُ اليمامة أصحاب مسيلمة - وقد دعاهم أبو بكر وحاربهم، فالآية تدل على إمامته... وقيل هم أهل فارس - دعاهم عمر بن الخطاب وحاربهم؛ فالآيةُ تدل عل صحة إمامته. وصحة إمامته تدل على صحة إمامة أبي بكر. {أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ} أولى شدَّة. فإنْ أطعتُم استوجبتم الثواب، وإن تخلَّفْتم استحقَقْتُم العقاب. ودلت الآيةُ على أنه يجوز أن تكون للعبد بدايةٌ غيرُ مُرضية ثم يتغير بعدها إلى الصلاح - كما كان لهؤلاء وأنشدوا: شعر : إذا فَسَدَ الإنسانُ بعد صلاحه فَرِّج له عَوْدَ الصلاح.. لعلَّه

اسماعيل حقي

تفسير : {قل للمخلفين من الاعراب} كرر ذكرهم بهذا العنوان لذممهم مرة بعد اخرى فان التخلف عن صحبة الرسول عليه السلام شناعة اى شناعة {ستدعون الى قوم} بحرب كروهى {اولى بأس شديد} اى اولى قوة فى الحرب وبالفارسية كروهى بازور سخت. وهم بنوا حنيفة كسفينة ابو حى كما فى القاموس والمراد اهل اليمامة قوم مسيلمة الكذاب او هم غيرهم ممن ارتدوا بعد رسول الله او المشركون لقوله تعالى {تقاتلونهم أو يسلمون} استئناف كأنه قيل لماذا فأجيب ليكون احد الامرين اما المقاتلة ابدا او الاسلام لا غير واما من عدا المرتدين والمشركين من العرب فينتهى قتالهم بالجزية كما ينتهى بالاسلام يعنى ان المراد بقوم اولى باس شديد هم المرتدون والمشركون مطلقا سوآء كانوا مشركى العرب او العجم بناء على ان من عدا الطائفتين المذكورتين وهم اهل الكتاب والمجوس ليس الحكم فيهم أن يقتلوا الى أن يسلموا بل تقبل منهم الجزية بخلاف المرتدين ومشركى العرب والعجم فانه لا تقبل منهم الجزية بل يقاتلون حتى يسلموا وهذا عند الشافعى واما عند ابى حنيفة رحمه الله فمشركوا العجم تقبل منهم الجزية كما تقبل من اهل الكتاب والمجوس والذين لا يقبل منهم الا الاسلام او السيف انما هم مشركوا العرب والمرتدون فقط عنده وفى الآية دليل على امامة ابى بكر رضى الله عنه اذ لم يتفق دعوة المخلفين الى قتال اولى الباس الشديد لغيره من الخلفاء وقد وعدهم الثواب على طاعته واوعدهم على مخالفته بقوله {فان تطيعوا} الخ ومن اوجب الله طاعته يكون اما ماحقا فيكون ابو بكر اماما حقا الا اذا ثبت ان المراد بأولى البأس اهل حنين وهم ثقيف وهوازن فلا دلالة للآية حينئذ على امامة ابى بكر لان الدعوة الى قتالهم كانت فى حياته عليه السلام لانه غزاهم عقيب فتح مكة فيكون المخلفون ممنوعين من خيبر مدعوين الى قتال اهل حنين اى فيخص دوام نفى الاتباع بما فيه غزوة خيبر كما قال محيى السنة وقيل هم فارس والروم ومعنى يسلمون ينقادون فان الروم نصارى وفارس مجوس تقبل منهم الجزية فتكون الآية دليلا على امامة عمر رضى الله عنه لانه هو الذى قاتلهم ودعا الناس الى قتالهم {فان تطيعوا} بس اكر فرمان بريج كسى راكه خوانندة شماست بقتال آن كروه {يؤتكم الله} بدهد شمارا خداى {اجرا حسنا} هو الغنيمة فى الدنيا والجنة فى الآخرة {وان تتولوا} اى تعرضوا عن الدعوة وبالفارسية واكر روى بكردانيد وبشت بر داعى كنيد {كما توليتم من قبل} فى الحديبية {يعذبكم عذابا اليما} لتضاعف جرمكم وبيان المقام انه عليه السلام لما قال لهم لن تتبعونا دعت الحاجة الى بيان قبول توبة من رجع منهم عن النفاق فجعل تعالى لهذا القبول علامة وهوانهم يدعون بعد وفاته عليه السلام الى محاربة قوم اولى قوة فى الحرب فمن اجاب منهم دعوة امام ذلك الزمان وحاربهم فانه يقبل توبته ويعطى الاجر الحسن فلولا هذا الامتحان لاستمر حالهم على النفاق كما استمرت حالة ثعلبة عليه فانه قد امتنع من ادآء الزكاة ثم اتى بها ولم يقبل منه النبى عليه السلام واستمر عليه الحال ولم يقبل منه احد من الصحابة فلعله تعالى علم من ثعلبة ان حاله لا تتغير فلم يبين لتوبته علامة وعلم من احوال الاعراب انها تتغير فبين لتغيرها علامة وقال بعضهم ان عثمان رضى الله عنه قد قبل من ثعلبة وهو مجتهد معذور فى ذلك ولعله وقف على اخلاصه والعلم عند الله تعالى ولما حكم داود وسليمان عليهما السلام فى الحرث الذى نفشت فيه غنم القوم والنفش الرعى بالليل فحكم داود بشئ وحكم سليمان بامر آخر وقال الله تعالى {أية : ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما وعلما}تفسير : فاخذنا من هنا وامثاله ان كل مجتهد مصيب وان لم يكن نصافى الباب قال بعضهم لا تنكروا على احد حاله والا لباسه ولا طعامه ولا غير ذلك الا باجازة الشرع وسلموا لكل احد حاله وما هو فيه ففيهم سائحون وتائبون وعابدون وحامدون وساجدون ومسبحون ومستنفرون ومحققون فقد يكون الانكار سبب الايحاش والوحشة سبب انقطاعهم على باب الخالق ويرحم البعض بالبعض (قال الحافظ) عيب رندان مكن اى زاهد باكيزه سرشت، كه كناه دكران بر تونخوا هند نوشت، من اكرنيكم وكربد توبرو خودرا باش، هركسى آن درود عاقبت كاركه كشت، نااميدم مكن ازسابقة لطف ازل، توجه دانى كه بس برده كه خوبست كه زشت، برعمل تكيه مكن زانكه دران روز ازل، توجه دانى فلم صنع بنامت جه نوشت، وفى الآية اشارة الى ان النفوس المتخلفة عن الطاعات والعبادات من الفرآئض والنوافل لو دعيت الى الجهاد فى سبيل الله او الجهاد الاكبر وهو جهاد النفس والشيطان والدنيا تقاتلونهم بنهى النفس عن الهوى وترك الدنيا وزينتها فان اجابوا واطاعوا فقد استوجبوا الاجر الحسن وان اعرضوا عن الطاعات والعبادات يعذبهم الله بعذاب أليم يتألمون به فى الدنيا والآخرة

الطوسي

تفسير : قرأ اهل المدينة، وابن عامر {ندخله ونعذبه} بالنون على وجه الاخبار من الله عن نفسه. الباقون - بالياء - رداً على اسم الله. يقول الله تعالى لنبيه {قل للمخلفين من الأعراب} أي لهؤلاء المخلفين الذين تخلفوا عنك فى الخروج إلى الحديبية {ستدعون} فى ما بعد {إلى قوم أولي بأس شديد تقاتلونهم أو يسلمون} قال ابن عباس: اولوا البأس الشديد أهل فارس. وقال ابن أبي ليلى والحسن: هم الروم. وقال سعيد بن جبير وعكرمة وقتادة: هم هوازن بحنين. وقال الزهري: هم بنو حنيفة مع مسيلمة الكذاب، وكانوا بهذه الصفة. واستدل جماعة من المخالفين بهذه الآية على إمامة أبي بكر، من حيث ان أبا بكر دعاهم إلى قتال بني حنيفة، وعمر دعاهم إلى قتال فارس والروم، وكانوا قد حرموا القتال مع النبي صلى الله عليه وآله بدليل قوله {لن تخرجوا معي أبداً، ولن تقاتلوا معي عدواً} وهذا الذي ذكروه غير صحيح من وجهين: احدهما - أنه غلط فى التاريخ ووقت نزول الآية. والثاني - أنه غلط فى التأويل، ونحن نبين فساد ذلك أجمع، ولنا فى الكلام فى تأويل الآية وجهان: احدهما - إنه تنازع فى اقتضائها داعياً يدعو هؤلاء المخلفين غير النبي صلى الله عليه وآله ويبين أن الداعي لهم في ما بعد كان النبي صلى الله عليه وآله على ما حكيناه عن قتادة وسعيد ابن جبير فى ان الآية نزلت فى اهل خبير، وكان النبي صلى الله عليه وآله هو الداعي إلى ذلك. والآخر - ان يسلم ان الداعي غيره، ونبين انه لم يكن أبا بكر ولا عمر بل كان أمير المؤمنين عليه السلام. فاما الوجه الاول فظاهر، لأن قوله {سيقول لك المخلفون} إلى قوله {وكنتم قوماً بوراً} قد بينا انه أراد به الذين تخلفوا عن الحديبية باجماع المفسرين ثم قال {سيقول المخلفون إذا انطلقتم...} إلى آخر الآية، فبين أن هؤلاء المخلفين سألوا ان يخرجوا إلى غنيمة خيبر فمنعهم الله من ذلك، وأمر نبيه صلى الله عليه وآله ان يقول لهم {قل لن تتبعونا...} إلى هذه القرية، لأن الله تعالى حكم من قبل بأن غنيمة خيبر لمن شهد الحديبية وانه لا حظ فيها لمن لم يشهدها، وهذا هو معنى قوله {يريدون أن يبدلوا كلام الله} وقوله {كذلك قال الله من قبل} ثم قال {قل للمخلفين من الأعراب ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد تقاتلونهم أو يسلمون} وإنما أراد الرسول سيدعوهم في ما بعد إلى قتال قوم بهذه الصفة، وقد دعاهم بعد ذلك إلى غزوات كثيرة. وقال قوم: أولي بأس شديد، كموقعه حنين وتبوك وغيرها، فمن أين يجب أن يكون الداعي لهم غير النبي صلى الله عليه وآله فأما قولهم إن معنى قوله {كذلكم قال الله من قبل} هو انه أراد قوله {فإن رجعك الله إلى طائفة منهم فاستأذنوك للخروج فقل لن تخرجوا معي أبداً ولن تقاتلوا معي عدواً} مملؤ بالغلط الفاحش فى التاريخ، لانا قد بينا أن هذه الآية التي فى التوبة نزلت بـ (تبوك) سنة تسع. وآية سورة الفتح نزلت سنة ست، فكيف تكون قبلها، وينبغي لمن تكلم فى تأويل القرآن أن يرجع إلى التاريخ ويراعي اسباب نزول الآية على ما روي، ولا يقول على الآراء والشهوات. وتبين أيضاً أن هؤلاء المخلفين غير أولئك، وإن لم يرجع إلى تاريخ. ونقول قوله {فإن تطيعوا يؤتكم الله أجراً حسناً وإن تتولوا كما توليتم من قبل يعذبكم عذاباً أليماً} فلم يقطع على طاعة، ولا على معصية بل ذكر الوعد والوعيد على ما يتعلق به من طاعة او معصية وحكم المذكورين فيهم فى سورة التوبة، بخلافه لانه تعالى قال بعد قوله {أية : إنكم رضيتم بالقعود أول مرة فاقعدوا مع الخالفين} تفسير : إلى قوله {أية : وهم كافرون} تفسير : فاختلاف احكامهم يدل على اختلافهم، وقد حكينا عن سعيد بن جبير انه قال هذه الآية نزلت فى هوازن يوم حنين. وقال الضحاك: هم ثقيف، وقال قتادة: هم هوازن وثقيف، وأما الوجه الذي يسلم معه أن الداعي غير النبي صلى الله عليه وآله فهو ان نقول الداعي أمير المؤمنين عليه السلام، لأنه قاتل بعده أهل الجمل وصفين وأهل النهروان، وبشره النبي صلى الله عليه وآله بقتالهم، وكانوا أولي بأس شديد، فان قالوا من قاتلهم علي عليه السلام كانوا مسلمين، وفى الآية قال تقاتلونهم او يسلمون! كيف تتناولهم الآية؟! قلنا! أول ما نقوله: إنهم غير مسلمين عندنا، ولا عند جميع من خالفنا من المعتزلة، لأن عندهم صاحب الكبيرة ليس بمؤمن، ولا مسلم. وأما مذهبنا فى تكفير من قاتل علياً عليه السلام معروف، وقد ذكرناه فى كتب الامامة لقوله صلى الله عليه وآله "حديث : حربك يا علي حربي"تفسير : وغير ذلك من الاخبار والادلة التي ذكرناها فى غير موضع واستوفينا ما يتعلق بذلك فى كتاب الامامة، ويمكن على تسليم أن الداعي ابو بكر وعمر، أن يقال: ليس فى الآية ما يدل على مدح الداعي ولا على امامته، لانه قد يدعو إلى الحق من ليس عليه، ويجب ذلك من حيث كان واجباً من أجل دعاء الداعي، وابو بكر دعاهم إلى الدفاع عن الاسلام، وهذا واجب على كل واحد بلا دعاء داع، ويمكن ان يكون المراد بقوله {ستدعون} دعاء الله لهم بايجاب القتال عليهم، لانه إذا دلهم على وجوب قتال المرتدين ودفعهم عن بيضة الاسلام، وقد دعاهم إلى القتال ووجبت عليهم طاعته، والكلام فى هذه الآية كالتي قبلها فى أنا إذا قلنا لا تدل على إمامة الرجلين، لا نكون طاعنين عليهما، بل لا يمتنع أن يثبت فضلهما وإمامتهما بدليل غير الآية، لأن المحصلين من العلماء يذهبون إلى امامتهما من جهة الاخبار لا من جهة الآية. وقوله {تقاتلونهم أو يسلمون} بالرفع معناه إن احد الأمرين لا بد أن يقع لا محالة، وتقديره أوهم يسلمون. وقرىء شاذاً بالنصب، والوجه فيه حتى يسلموا ولو نصبه، فقال او يسلموا لكان دالا على ان ترك القتال من أجل الاسلام. وقوله {ليس على الأعمى حرج..} الآية، فالأعمى هو من لا يبصر بجارجة العين. والاعرج الذي برجله آفة تمنعه من المشي مأخوذ من رفعها عند محاولة المشي بغيرها، ومنه العروج الصعود إلى السماء، والمريض من به علة تمنعه من الحركة من اضطراب فى البدن حتى يضعف وتحصل فيه آلام، بين الله تعالى انه ليس على وجه هؤلاء الذين بهم هذه الآفات من ضيق ولا حرج فى ترك الحصول مع المؤمنين والحضور معهم فى الجهاد. قال قتادة: كل ذلك فى الجهاد. ثم قال {ومن يطع الله ورسوله} فى ما أمره به ونهاه عنه {يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار ومن يتول} عن إتباعهما وامتثال أمرهما ونهيهما {يعذبه} الله {عذاباً أليماً} فمن قرأ بالياء رده إلى الله. ومن قرأ بالنون أراد الاخبار من الله عن نفسه. وقوله {لقد رضي الله عن المؤمنين إذا يبايعونك تحت الشجرة} إخبار من الله تعالى انه رضي عن الذين بايعوا تحت الشجرة النبي صلى الله عليه وآله وكانوا مؤمنين فى الوقت الذي بايعوه {فعلم ما في قلوبهم} من إيمان ونفاق فرضي عن المؤمنين وسخط على المنافقين. وقيل معناه فعلم ما في قلوبهم من صدق النية في القتال وكراهتهم له، لانه بايعهم على القتال - ذكره مقاتل - {فأنزل السكينة عليهم} يعني على المؤمنين، والسكينة الصبر لقوة البصيرة {وأثابهم فتحاً قريباً} قال قتادة وابن أبي ليلى: يعني فتح خيبر وقال قوم: فتح مكة {ومغانم كثيرة يأخذونها} فالغيمة ملك أموال اهل الحرب من المشركين بالقهر والغلبة فى حكمه تعالى، وكان القتال من أجلها. و (المغانم) ها هنا يراد به غنائم خيبر. وقوله {وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها} يعني سائر الغنائم وقال قوم: أراد بها ايضاً غنائم خيبر. وقوله {فعجل لكم هذه} يعني الصلح وسميت بيعة الرضوان لقول الله تعالى {لقد رضي الله عن المؤمنين} وقال ابن عباس كان سبب بيعة الرضوان بالحديبية تأخر عثمان حين بعثه النبي صلى الله عليه وآله إلى قريش أنهم قتلوه، فبايعهم على قتال قريش، وقال ابن عباس: كانو ألفاً وخمسمائة نفس. وقال جابر: كانوا ألفاً وأربعمائة نفس، وقال ابن أوفى ألفاً وثلثمائة. والشجرة التي بايعوا تحتها هي السمرة. واستدل بهذه الآية جماعة على فضل أبي بكر، فانه لا خلاف أنه كان من المبايعين تحت الشجرة. وقد ذكر الله أنه رضي عنهم، وانه أنْزل السكينة عليهم وانه علم ما في قلوبهم من الايمان، واثابهم فتحاً قريباً. والكلام على ذلك مبني على القول بالعموم، وفي أصحابنا من قال لا صيغة للعموم ينفرد بها. وبه قال كثير من المخالفين، فمن قال بذلك كانت الآية عنده مجملة لا يعلم المعنى بها، وقد بايع صلى الله عليه وآله جماعة من المنافقين بلا خلاف، فلا بد من تخصيص الآية على كل حال. على انه تعالى وصف من بايع تحت الشجرة بأوصاف قد علمنا أنها لم تحصل فى جميع المبايعين، فوجب أن يختص الرضا بمن جمع الصفات لأنه قال {فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحاً} ولا خلاف بين أهل النقل ان الفتح الذى كان بعد بيعة الرضوان بلا فصل هو فتح خيبر. وإن رسول الله صلى الله عليه وآله عند ذلك قال: "حديث : لأعطين الراية غداً رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله كرّاراً غير فرار، لا يرجع حتى يفتح الله على يده"تفسير : فدعا علياً فأعطاه الراية، وكان الفتح على يده، فوجب ان يكون هو المخصوص بحكم الآية، ومن كان معه فى ذلك الفتح لتكامل الصفات فيهم. على ان ممن بايع بيعة الرضوان طلحة والزبير، وقد وقع منهما من قتال علي عليه السلام ما خرجا به عن الايمان وفسقا عند جميع المعتزلة ومن جرى مجراهم، ولم يمنع وقوع الرضاء فى تلك الحال من مواقعة المعصية في ما بعد، فما الذي يمنع من مثل ذلك فى غيره. وليس إذا قلنا: أن الآية لا تختص بالرجلين، كان طعناً عليهما بل إذا حملناها على العموم دخلا، وكل متابع مؤمن معهما، فكان ذلك أولى. وقوله {ومغانم كثيرة تأخذونها} يعني ما غنتموه من خيبر من انواع الغنائم {وكان الله عليماً} بمصالح عباده {حكيماً} فى جميع أفعاله. ثم قال {وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها فعجل لكم هذه} يعني غنائم خيبر. والباقي كل ما يغنمه المسلمون من دار الحرب {وكف أيدي الناس عنكم} يعني أسداً وغطفان، فانهم كانوا مع خيبر فصالحهم النبي صلى الله عليه وآله فكفوا عنه. وقيل: يعني اليهود كف ايديهم عنكم بالمدينة من قبل الحديبية ومجيء قريش، فلم يغلبوكم {ولتكون آية للمؤمنين} يستدلون بها على صحة قولكم {ويهديكم} أي ويرشدكم {صراطاً مستقيماً} يفضي بكم إلى الحق وما يؤدي إلى الثواب. والواو فى قوله {ولتكون} معناه إنا وعدناكم الغنائم لكف أيدي الناس عنكم وليكون ذلك آية للمؤمنين إذ وقع الخبر على ما أخبر به، لانه علم غيب لا يعلمه إلا الله.

الجنابذي

تفسير : {قُل لِّلْمُخَلَّفِينَ} وضع الظّاهر موضع المضمر تصريحاً بذمّهم {مِنَ ٱلأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَىٰ قَوْمٍ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ} قيل: هم هوازن وثقيف {تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِن تُطِيعُواْ يُؤْتِكُمُ ٱللَّهُ أَجْراً حَسَناً} الغنيمة والجنّة {وَإِن تَتَوَلَّوْاْ كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِّن قَبْلُ} يعنى عن الحديبيّة {يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً لَّيْسَ عَلَى ٱلأَعْمَىٰ حَرَجٌ} لمّا اوعد المتخلّفين وذمّهم استثنى منهم فى الذّمّ والايعاد هؤلاء لئلاّ يتوهّم انّهم موعدون {وَلاَ عَلَى ٱلأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلاَ عَلَى ٱلْمَرِيضِ حَرَجٌ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ} من غير المعذّرين او من مطلق المسلمين {يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ} قد مضى بيان جريان الانهار من تحت الجنّات فى آخر سورة النّساء {وَمَن يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذَاباً أَلِيماً} تأكيد لمفهوم قوله ان تتولّوا كما تولّيتم من قبل وتعليلٌ له.

الهواري

تفسير : قوله عز وجل: {قُل لِّلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ} والبأس القتال؛ أي: يدعوهم المسلمون بعد النبي عليه السلام. {تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ} أي: تقاتلونهم على الإسلام. قال الحسن: هم فارس. وهو تفسير مجاهد. وقال بعضهم: هم أهل اليمامة. وقال بعضهم: هوازن. قال تعالى: {فَإِن تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا وَإِن تَتَوَلَّوْا} أي: عن القتال {كَمَا تَوَلَّيْتُم مِّن قَبْلُ} أي: عن محمد عليه السلام {يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} قال الكلبي: يوم الحديبية. وعذر الله عن ذلك أهل الزمانة فقال: {لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ وَلاَ عَلَى الأَعْرَجِ حَرَجٌ} أن يتخلفوا عن الغزو. {وَلاَ عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ} فصارت رخصة لهم ألا يغزوا فوضع عنهم الجهاد. ذكر الحسن عن عائشة أنها سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل على النساء جهاد؟ قال: حديث : نعم، جهاد لا قتال فيه: الحج والعمرة . تفسير : قال: {وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ وَمَن يَتَوَلَّ} أي: عن الوفاء لله بما أقرّ به {يُعَذِّبْهُ عَذَابًا أَلِيمًا} أي: موجعاً.

اطفيش

تفسير : {قُلْ لِّلْمُخَلَّفِينَ} المقام للاضمار وعبر بالظاهر تشنيعا عليهم باسم التخلف* {مِنَ الأَعْرَابِ} اختبارا* {سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ} يوحدون أو ينقادون للجزية ان كانوا من أهلها لا سوى ذلك ما يدل له قراءة (أو يسلموا) بالنصب أي تقاتلونهم حتى يسلموا ويجوز كون (أو) بمعنى (الى) أو (كي) التعليلية وهي قراءة أبي مثلها لألزمتك وتقضي حقي وأما اثبات النون فعطف على (تقاتلون) أو خبر لمحذوف أي أو هم يسلمون قاله ابن هشام وذلك اخبار بغيب فهو معجزة والقوم عند قتادة وغيره ثم ثقيف وهوازن وغيرهم ممن حارب يوم حنين وقيل عنه هوازن وغطفان وقال سعيد بن جبير هوازن وثقيف وقال ابن عباس ومجاهد وفارس وقال كعب الروم وقال الحسن فارس والروم وقال الزهري وجماعة بنو حنيفة أهل اليمامة أصحاب مسيلمة الكذاب وأهل الردة قال الثعلبي قال رافع بن خديج والله كنا نقرأ هذه الآية ولا نعلم من هم حتى دعا أبو بكر الى قتال بني حنيفة فعلمنا أنهم المراد فالداعي أبو بكر وقيل دعاهم عمر الى فارس وفي ذلك دليل على صحة خلافتهما لأن الله وعد على طاعتهما الجنة وعلى مخالفتها النار ويؤيد القول بأنه أبو بكر أنهم لم يدعوا الى حرب في أيامه صلى الله عليه وسلم بل بعده كيف يدعوهم صلى الله عليه وسلم مع قوله {أية : فقل لن تخرجوا معي أبداً} تفسير : ..الخ وعن أبي هريرة لم يأت تأويل الآية بعد ويدل على أنهم هوازن وثقيف وغطفان أن العرب ظهر أمرهم آخر الأمر على عهده صلى الله عليه وسلم إما مؤمن نقي واما مشرك مجاهر والمنافقون علموا من امتناع النبي صلى الله عليه وسلم من الصلاة عليهم وكان الداعي الى حرب من خالفه من الكفار فكان هوازن وثقيف وغطفان أشد العرب بأسا واما قوله {أية : فقل لن تخرجوا}تفسير : .. الخ فاما أن يراد ما دمتم على ما أنتم عليه من مرض القلوب والاضطراب في الدين ومن تاب قبلت توبته وخرج معه أو على قول مجاهد أنهم لا يخرجون الا متطوعين لا نصيب لهم في الغنيمة وأيضا المراد {أية : لن تخرجوا معي} تفسير : الى غزوة خيبر أبدا والا لما أمرهم أبو بكر وعمر بالخروج معهما كما امتنعا من قبول زكاة ثعلبة لامتناعه صلى الله عليه وسلم منها قيل أقوى الأقوال أنهم ثقيف وهوازن وأبعدها أنهم بنو حنيفة وأهل الردة الذين حاربهم أبو بكر واختاره بعضهم لأن مشركي العرب والمرتدين هم الذين لا يقبل منهم الا الاسلام أو السيف عند أبي حنيفة ومن عداهم من مشركي العجم وأهل الكتاب والمجوس دون مشركي العجم والعرب وأجيب بأن المراد بالاسلام الخضوع وترك القتال والدخول في السلم فيعم التوحيد والاذعان للجزية فصلح للتفاسير و (تقاتلون) تفسير لـ (تدعون) أي سيطلب منكم مقاتلتهم أو بدل قيل أو حال مقدرة فتأمل هذه الأقوال {فَإِن تُطِيعُواْ} الى قتالهم {يُؤْتِكُمُ اللهُ أَجْراً حَسَناً} الغنيمة في الدنيا والجنة في الآخرة وقيل المراد الجنة {وَإِن تَتَوَلَّوْاْ} تعرضوا عن القتال {كَمَا تَوَلَّيْتُم مِّن قَبْلُ} أي عام الحديبية عن النبي صلى الله عليه وسلم {يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً} في الآخرة لتضاعف جرمكم فمنهم من تاب ولم يتول ولما قال المرضى وأهل الأعذار ما حالنا يا رسول الله أنزل الله* {لَّيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ وَلاَ عَلَى الأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلاَ عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ}

اطفيش

تفسير : {قُل للمُخلَّفين من الأعراب} لم يضمر لهم ليصفهم بوصف قبيح وهو التخلف {سَتُدعُون} يدعوكم الله عز وجل على لسان رسوله، أو يدعوكم رسوله صلى الله عليه وسلم {إلى قَومٍ} الى قتال قوم {أولي بأس شَديدٍ} هم الروم الذين خرج اليهم صلى الله عليه وسلم عام تبوك، والذين بعث اليهم فى غزوة مؤتة عند كعب الأحبار، وفارس والروم عند الحسن، كما رواه سعيد بن منصور، وقيل: سيدعوكم الصديق الى قتال بنى حنيفة، وهم مسيلمة الكذاب وقومه أهل اليمامة، وهو مشهور، وعليه جماعة منهم الزهرى، كما أخرجه الطبرانى، وروى عنه وعن الكلبى بنو حنيفة وهل الردة. قال رافع بن خديج كنا نقرأ هذه الآية فيما مضى، ولا نعلم من هم حتى دعا أبو بكر رضى الله عنه، الى قتال بنى حنيفة فعلمنا أنهم أريدوا بها، وقيل: يدعوكم عمر الى قوم هم فارس، وقيل: دعاهم الى فارس والروم، وفى ذلك دليل على صحة خلافتهما، لأن الله تعالى وعد على طاعتهما الجنة، وعلى مخالفتهما النار، وانما دعاهم أبو بكر وعمر مع قوله تعالى: "أية : قل لن تتبعونا" تفسير : [الفتح: 15] وقوله عز وجل: "أية : لن تخرجوا معي أبداً"تفسير : [التوبة: 83] لأن المراد مادمتم كفاراً، وما دعاهم أبو بكر وعمر إلا بعد إسلامهم، وتركهم النفاق، وأجمعوا أنه من أسلم وجب عليه الجهاد، ووجب دعاؤه اليه، ولا يمنع منه، والخطاب للمخلفين من الأعراب الذين دعاهم صلى الله عليه وسلم للخروج الى مكة، وهم: جهينة، ومزينة، كما روى ابن جريج كذا فى جميع الأقوال الخطاب للمخلفين بنص الآية، وكذا قال ابن عباس كما رواه الطبرى والبيهقى، وكذا قال عطاء بن أبى رباح، وعطاء الخراسانى، وابن أبى ليلى، وهو رواية عن مجاهد. وقال عكرمة، وسعيد بن جبير، وقتادة: هم هوازن، ومن حارب رسول الله صلى الله عليه وسلم فى حنين، وعن قتادة: هوازن وثقيف وروى ابن مردويه عن ابن عباس: هوازن وبنو حنيفة، وروى الطبرانى، عن مجاهد أنهم أعراب فارس والأكراد، وفى هذه الأقوال الدعاء بعد النبى صلى الله عليه وسلم. ويجوز أن تكون هذه الروايات تمثيلات والأكراد معروفون بالشدة، والمشهور أنهم عجم، وقيل: عرب، وقيل منهم عجم وعرب، وذكر أبو عمرو بن عبد البر أنهم من نسل عمر ومزيقيا بن عامر، وعامر هذا هو الملقب ماء السماء، وأنهم وقعوا الى أرض العجم، فتناسلوا وجدهم من العرب، قال شاعر: شعر : لعمرك ما الأكراد أبناء فارس ولكنه كرد بن عمرو بن عامر تفسير : {تقاتلونهم} إن أصروا {أو يُسْلمون} فلا تقاتلونهم لا ثالث، أما القتال وإما الاسلام، وأو للتنويع والحصر كما يدل له قراءة أبى وزيد بن على بحذف نون يسلمون على أن أو بمعنى الا أو الى كقوله: شعر : كسرت كعوبها أو تستقيما تفسير : والجملة مستأنفة، وهى مفسرة للدعاء إلى القوم، والحصر المذكور ينافى فى رواية تفسير القوم بالروم، وهم نصارى، أو فارس وهم مجوس، أو صابئون، والنصارى الصابئون والمجوس تقبل منهم الجزية، وقال أبو حنيفة لا تقبل عن الصابئين أيضا. {فإن تُطيعُوا} داعيكم الى قتال القوم {يؤتِكُم الله أجْراً حسناً} هو الجنة فى الآخرة، ولا غنيمة لكم، وقيل: الجنة والغنيمة وهو أولى فيما قيل {وإنْ تَتَولَّوا} عن قتال القوم {كَما تَولَّيْتم من قَبْل} فى الحديبية {يُعذِّبكُم عذاباً أليماً} لمزيد تول بعد تول، وذلك فى الآخرة، وقيل: فيها وفى لدنيا، وهو أولى فيما قيل، والمتبادر فى الموضعين عذاب الآخرة، ولما أكد عليهم فى القتال استثنى من لا يجب عليه الخروج من الوجوب، وان خرج بلا القاء لنفسه فى الهلاك أثيب كما قال.

الالوسي

تفسير : {قُل لّلْمُخَلَّفِينَ مِنَ ٱلأَعْرَابِ } كرر ذكرهم بهذا العنوان مبالغة في الذم وإشعاراً بشناعة التخلف {سَتُدْعَوْنَ إِلَىٰ قَوْمٍ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ } ذوي نجدة وشدة قوية في الحرب، وهم على ما أخرج ابن المنذر والطبراني عن الزهري بنو حنيفة، مسيلمة وقومه أهل اليمامة، وعليه جماعة، وفي رواية عنه زيادة أهل الردة وروي ذلك عن الكلبـي، وعن رافع بن خديج إنا كنا نقرأ هذه الآية فيما مضى ولا نعلم من هم حتى دعا أبو بكر رضي الله تعالى عنه إلى قتال بني حنيفة فعلمنا أنهم أريدوا بها، وعن عطاء بن أبـي رباح ومجاهد في رواية وعطاء الخراساني وابن أبـي ليلى هم الفرس، وأخرجه ابن جرير والبيهقي في «الدلائل» وغيرهما عن ابن عباس، وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج أنه قال في الآية: دعا عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه لقتال فارس أعراب المدينة جهينة ومزينة الذين كان النبـي صلى الله عليه وسلم دعاهم للخروج إلى مكة، وقال عكرمة وابن جبير وقتادة: هم هوازن ومن حارب الرسول صلى الله عليه وسلم في حنين، وفي رواية ابن جرير وعبد بن حميد عن قتادة التصريح بثقيف مع هوازن، وفي رواية الفريابـي وابن مردويه عن ابن عباس أنه قال: هم هوازن وبنو حنيفة، وقال كعب: هم الروم الذي خرج إليهم صلى الله عليه وسلم عام تبوك والذين بعث إليهم في غزوة موتة، وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر عن الحسن قال: هم فارس والروم، وأخرج ابن أبـي حاتم عن أبـي هريرة قال: البارز يعني الأكراد كما في «الدر المنثور»، وأخرج ابن المنذر والطبراني في «الكبير» عن مجاهد قال: أعراب فارس وأكراد العجم، وظاهر العطف أن أكراد العجم ليسوا من أعراب فارس، وظاهر إضافة أكراد إلى العجم يشعر بأن من الأكراد ما يقال لهم أكراد العرب، ولا نعرف هذا التقسيم وإنما نعرف جيلاً من الناس يقال لهم / أكراد من غير إضافة إلى عرب أو عجم. وللعلماء اختلاف في كونهم في الأصل عرباً أو غيرهم فقيل: ليسوا من العرب، وقيل منهم، قال القاضي شمس الدين أحمد بن محمد بن خلكان في ترجمة المهلب بن أبـي صفرة ما نصه: حكى أبو عمر بن عبد البر صاحب كتاب «الاستيعاب» في كتابه «القصد والأمم في أنساب العرب والعجم» أن الأكراد من نسل عمرو مزيقياء بن عامر بن ماء السماء وأنهم وقعوا إلى أرض العجم فتناسلوا بها وكثر ولدهم فسموا الأكراد، وقال بعض الشعراء في ذلك وهو يعضد ما قاله ابن عبد البر:شعر : لعمرك ما الأكراد أبناء فارس ولكنه كرد بن عمرو بن عامر تفسير : انتهى، وفي «القاموس» الكرد بالضم جيل من الناس معروف والجمع أكراد وجدهم كرد بن عمرو مزيقياء بن عامر [بن] ماء السماء انتهى، وعامر هذا من العرب بلا شبهة فإنه ابن حارثة الغطريف بن امرئ القيس البطريق بن ثعلبة بن مازن بن الأزد ويقال له الأسد بن الغوث بن نبت بن مالك بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان ويسمى عامراً وهو عند الأكثر ابن شالخ بن أرفخشذ بن سام بن نوح، وقيل: من ولد هود، وقيل: هو هود نفسه، وقيل: ابن أخيه، وذهب الزبير بن بكار إلى أن قحطان من ذرية إسماعيل عليه السلام وأنه قحطان بن الهميسع بن تيم بن نبت بن إسماعيل، والذي رجحه ابن حجر أن قبائل اليمن كلها ومنها قبيلة عمرو مزيقياء من ولد إسماعيل عليه السلام، ويدل له تبويب البخاري باب نسبة اليمن إلى إسماعيل عليه السلام ذكر ذلك السيد نور الدين على السمهودي في «تاريخ المدينة»، وفيه أن الأنصار الأوس والخزرج من أولاد ثعلبة العنقاء بن عمرو مزيقياء المذكور وكان له ثلاثة عشر ولداً ذكوراً منهم ثعلبة المذكور وحارثة والد خزاعة وجفنة والد غسان ووداعة وأبو حارثة وعوف وكعب ومالك وعمران وكرد كما في «القاموس» انتهى. وفائدة الخلاف تظهر في أمور منها الكفاءة في النكاح والعامة لا يعدونهم من العرب فلا تغفل. والذي يغلب على ظني أن هؤلاء الجيل الذين يقال لهم اليوم أكراد لا يبعد أن يكون فيهم من هو من أولاد عمرو مزيقياء وكذا لا يبعد أن يكون فيهم من هو من العرب وليس من أولاد عمرو المذكور إلا أن الكثير منهم ليسوا من العرب أصلاً، وقد انتظم في سلك هذا الجيل أناس يقال: إنهم من ذرية خالد بن الوليد، وآخرون يقال: إنهم من ذرية معاذ بن جبل؛ وآخرون يقال: إنهم من ذرية العباس بن عبد المطلب، وآخرون يقال: إنهم من بني أمية ولا يصح عندي من ذلك شيء بيد أنه سكن مع الأكراد طائفة من السادة أبناء الحسين رضي الله تعالى عنهم يقال لهم البرزنجية لا شك في صحة نسبهم وكذا في جلالة حسبهم، وبالجملة الأكراد مشهور بالبأس وقد كان منهم كثير من أهل الفضل بل ثبت لبعضهم الصحبة، قال الحافظ ابن حجر في «الإصابة في تمييز الصحابة» في حرف الجيم: جابان والد ميمون روى ابن منده من طريق أبـي سعيد مولى بني هاشم عن أبـي خلدة سمعت ميمون بن جابان الكردي عن أبيه أنه سمع النبـي صلى الله عليه وسلم غير مرة حتى بلغ عشراً وذكر الحديث، وقد أخرج نحوه الطبراني في «المعجم الصغير» عن ميمون الكردي عن أبيه أيضاً وهو أتم منه ولفظه «حديث : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: أيما رجل تزوج امرأة على ما قل من المهر أو كثر ليس في نفسه أن يؤدي إليها حقها خدعها فمات ولم يؤد إليها حقها لقي الله يوم القيامة وهو زان وأيما رجل استدان / ديناً لا يريد أن يؤدي إلى صاحبه حقه خدعه حتى أخذ ماله فمات ولم يؤد إليه دينه لقي الله وهو سارق»تفسير : ويكنى ميمون هذا بأبـي بصير بفتح الموحدة، وقيل: بالنون، وهو كما في «التقريب» مقبول. هذا وأشهر الأقوال في تعيين هؤلاء القوم أنهم بنو حنيفة. وقال أبو حيان: الذي أقوله إن هذه الأقوال تمثيلات من قائلها لا تعيين القوم، وهذا وإن حصل به الجمع بين تلك الأقوال خلاف الظاهر. وقوله تعالى: {تُقَـٰتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ } على معنى يكون أحد الأمرين إما المقاتلة أو الإسلام لا ثالث لهما، فأو للتنويع والحصر لا للشك وهو كثير، ويدل لذلك قراءة أبـي وزيد بن علي {أو يسلموا} بحذف النون لأن ذلك للناصب وهو يقتضي أن أو بمعنى إلا أي إلا أن يسلموا فيفيد الحصر أو بمعنى إلى أي إلى أن يسلموا، والغاية تقتضي أنه لا ينقطع القتال بغير الإسلام فيفيده أيضاً كما قيل. والجملة مستأنفة للتعليل كما في قولك: سيدعوك الأمير يكرمك أو يكبت عدوك، قال في «الكشف»: ولا يجوز أن تكون صفة لقوم لأنهم دعوا إلى قتال القوم لا أنهم دعوا إلى قوم موصوف بالمقاتلة أو الإسلام. وجوز بعضهم كونها حالية وحاله كحال الوصفية، وأصل الكلام ستدعون إلى قوم أولي بأس لتقاتلوهم أو يسلموا فعدل إلى الاستئناف لأنه أعظم الوصلين، ثم فيه أنهم فعلوا ذلك وحصلوا الغرض فهو يخبر عنه واقعاً. والاعتراض بأنه يلزم أن لا ينفك الوجود عن أحدهما لصدق إخباره تعالى ونحن نرى الانفكاك بأن يتركوا سدى أو بالهدنة فينبغي أن يؤول بأنه في معنى الأمر على ما في «أمالي ابن الحاجب» غير سديد لأن القوم مخصوصون لا عموم فيهم، وكان الواقع أنهم قوتلوا إلى أن أسلموا سواء فسر القوم ببني حنيفة أو بثقيف وهوازن أو فارس والروم على أن الإسلام الانقياد فما انفك الوجود عن أحدهما بل وقعا، وأما امتناع الانفكاك فليس من مقتضى الوضع ولا الاستعمال بل ذلك في الكلام الاستدلالي قد يتفق. وأطال الطيبـي الكلام في هذا المقام ثم قال: الذي يقتضيه المقام ما ذهب إليه صاحب «التحبير» من أن {يُسْلِمُونَ } عطف على {تُقَـٰتِلُونَهُمْ } إما على الظاهر أو بتقديرهم يسلمون ليكون من عطف الاسمية على الفعلية وحينئذٍ تكون المناسبة أكثر إذ تخرج الجملة إلى باب الكناية، والمعنى تقاتلونهم أو لا تقاتلونهم لأنهم يسلمون، وقد وضع فيه {أَوْ يُسْلِمُونَ } موضع أو لا تقاتلونهم لأنهم إذا أسلموا سقط عنهم قتالهم ضرورة، والاستدعاء عليه ليس إلا للاختبار، و {أَوْ } للترديد على سبيل الاستعارة وفيه ما فيه. وشاع الاستدلال بالآية على صحة إمامة أبـي بكر رضي الله تعالى عنه، ووجه ذلك الإمام فقال: الداعي في قوله تعالى: {سَتُدْعَوْنَ } لا يخلو من أن يكون رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أو الأئمة الأربعة أو من بعدهم لا يجوز الأول لقوله سبحانه: {أية : قُل لَّن تَتَّبِعُونَا } تفسير : [الفتح: 15] الخ ولا أن يكون علياً رضي الله تعالى عنه وكرم وجهه لأنه إنما قاتل البغاة والخوارج وتلك المقاتلة للإسلام لقوله عز وجل: {أَوْ يُسْلِمُونَ } ولا من ملك بعدهم لأنهم عندنا على الخطأ وعند الشيعة على الكفر ولما بطلت الأقسام تعين أن يكون المراد بالداعي أبا بكر وعمر وعثمان رضي الله تعالى عنهم، ثم إنه تعالى أوجب طاعته وأوعد على مخالفته وذلك يقتضي إمامته وأي الثلاثة كان ثبت المطلوب، أما إذا كان أبا بكر فظاهر، وأما إذا كان عمر أو عثمان فلأن إمامته فرع إمامته رضي الله تعالى عنه. وتعقب بأن الداعي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ويشعر بذلك السين، قوله: لا يجوز لقوله سبحانه: {لَنْ تَتَّبِعُونَا} الخ فيه أن {لَنْ } لا تفيد التأبيد على الصحيح وظاهر السياق يدل على أن / المراد به لن تتبعونا في الانطلاق إلى خيبر كما سمعت عن محي السنة أو هو مقيد بما روي عن مجاهد أو بما حكي عن بعض، وقال أبو حيان: القول بأنهم لم يدعوا إلى حرب في أيام الرسول صلى الله عليه وسلم ليس بصحيح فقد حضر كثير منهم مع جعفر في موتة وحضروا حرب هوازن معه عليه الصلاة والسلام وحضروا معه صلى الله عليه وسلم أيضاً في سفرة تبوك انتهى، ولا يخفى أن هذا إذا صح ينفي حمل النفي على التأييد. ومن الشيعة من اقتصر في رد الاستدلال على الدعوة في تبوك. وتعقب بأنه لم يقع فيها ما أخبر الله تعالى به في قوله سبحانه: {تُقَـٰتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ } ومنهم من زعم أن الداعي علي كرم الله تعالى وجهه وزعم كفر البغاة والخوارج عليه رضي الله تعالى عنه وأنه لو سلم إسلامهم يراد بالإسلام في الآية الانقياد إلى الطاعة وموالاة الأمير، وفيه ما لا يخفى. والإنصاف أن الآية لا تكاد تصح دليلاً على إمامة الصديق رضي الله تعالى عنه إلا إن صح خبر مرفوع في كون المراد بالقوم بني حنيفة ونحوهم ودون ذلك خرط القتاد، ونفى بعضهم صحة كون المراد بالقوم فارساً والروم لأن المراد في قوله تعالى: {تُقَـٰتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ } على ما سمعت وفارس مجوس والروم نصارى فلا يتعين فيهم أحد الأمرين من المقاتلة والإسلام إذ يقبل منهم الجزية، وكذا اليهود ومشركو العجم والصابئة عند أبـي حنيفة رضي الله تعالى عنه وقال: يتعين كونهم مرتدين أو مشركي العرب لأنهم الذين لا يقبل منهم إلا الإسلام أو السيف، ومثل مشركي العرب مشركو العجم عند الشافعي رضي الله تعالى عنه فعنده لا تقبل إلا من أهل الكتاب والمجوس، وأنت تعلم أن من فسر القوم بذلك يفسر الإسلام بالانقياد وهو يكون بقبول الجزية فلا يتم له أمر النفي فلا تغفل. {فَإِن تُطِيعُواْ } الدعي فيما دعاكم إليه {يُؤْتِكُمُ ٱللَّهُ أَجْراً حَسَناً } هو على ما قيل الغنيمة في الدنيا والجنة في الأخرى {وَإِن تَتَوَلَّوْاْ } عن الدعوة {كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مّن قَبْلُ } في الحديبية {يُعَذّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً } لتضاعف جرمكم، وهذا التعذيب قال في «البحر»: يحتمل أن يكون في الدنيا وأن يكون في الآخرة، ويحتمل عندي وهو الأوفق بما قبله على ما قيل كونه فيهما ولا بأس بكون كل من الإيتاء والتعذيب في الآخرة بل لعله المتبادر لكثرة استعمالهما في ذلك، ولا يحسن كون الأمرين في الدنيا ولا كون الأول في الآخرة أو فيها وفي الدنيا والثاني في الدنيا فقط.

ابن عاشور

تفسير : انتقال إلى طمأنة المخلفين بأنهم سينالون مغانم في غزوات آتية ليعلموا أن حرمانهم من الخروج إلى خيبر مع جيش الإسلام ليس لانسلاخ الإسلام عنهم ولكنه لِحكمة نوط المسبّبات بأسبابها على طريقة حكمة الشريعة فهو حرمان خاص بوقعة معينة كما تقدم آنفاً، وأنهم سيدعون بعد ذلك إلى قتال قوم كافرين كما تُدعى طوائف المسلمين، فذِكر هذا في هذا المقام إدخال للمسرة بعد الحزن ليزيل عنهم انكسار خواطرهم من جراء الحرمان. وفي هذه البشارة فرصة لهم ليستدركوا ما جنوه من التخلف عن الحديبية وكل ذلك دال على أنهم لم ينسلخوا عن الإيمان، ألا ترى أن الله لم يعامل المنافقين المبطنين للكفر بمثل هذه المعاملة في قوله: {أية : فإن رجعك الله إلى طائفة منهم فاستأذنوك للخروج فقل لن تَخْرجُوا معي أبداً ولن تقاتلوا معِي عدوّاً إنكم رضِيتم بالقعود أول مرة فاقعدوا مع الخالفين}تفسير : [التوبة: 83]. وكرر وصف من {الأعراب} هنا ليظهر أن هذه المقالة قصد بها الذين نزل فيهم قوله: {أية : سيقول لك المخلفون من الأعراب شغلتنا أموالنا وأهلونا}تفسير : [الفتح: 11] فلا يتوهم السامعون أن المعنى بالمخلفين كل من يقع منه التخلف. وأسند {تدعون} إلى المجهول لأنّ الغرض الأمر بامتثال الدّاعي وهو وليّ أمر المسلمين بقرينة قوله بعد في تذييله {أية : ومن يطع الله ورسوله}تفسير : [الفتح: 17] ودعوة خلفاء الرّسول صلى الله عليه وسلم من بعده ترجع إلى دعوة الله ورسوله لقوله: (ومن أطاع أمري فقد أطاعني). وعدي فعل {ستدعون} بحرف {إلى} لإفادة أنها مضمنة معنى المشي، وهذا فرق دقيق بين تعدية فعل الدعوة بحرف {إلى} وبين تعديته باللام نحو قولكَ: دعوت فلاناً لما نَابني، قال طرفة:شعر : وإن أُدْع للجُلَّى أكن من حُماتِهَا تفسير : وقد يتعاقب الاستعمالان بضربٍ من المجاز والتسامح. والقوم أولو البأس الشديد يتعين أنهم قوم من العرب لأن قوله تعالى: {تقاتلونهم أو يسلمون} يشعر بأن القتال لا يرفع عنهم إلا إذا أسلموا، وإنما يكون هذا حُكماً في قتال مشركي العرب إذ لا تقبل منهم الجزية. فيجوز أن يكون المراد هوازنَ وثقيف. وهذا مروي عن سعيد بن جُبير، وعكرمة وقتادة، وذلك غزوة حنين وهي بَعد غزوة خيبر، وأما فتح مكة فلم يكن فيه قتال. وعن الزهري ومقاتل: أنهم أهل الردة لأنهم من قبائل العرب المعروفة بالبأس، وكان ذلك صدرَ خلافة أبي بكر الصديق. وعن رافع بن خديج أنه قال: والله لقد كنا نقرأ هذه الآية {ستدعون إلى قوم أولى بأس شديد} فلا نعلم من هم حتى دَعَانَا أبو بكر إلى قتال بني حنيفة فعلمنا أنهم هم، وعن ابن عباس وعطاء بن أبي رباح، وعطاء الخراساني، والحسن هم فارس والروم. وجملة {تقاتلونهم أو يسلمون} إمّا حال من ضمير {تدعون}، وإما بدل اشتمال من مضمون {تدعون}. و {أو} للترديد بين الأمرين والتنويع في حالة تُدعون، أي تدعون إلى قتالهم وإسلامهم، وذلك يستلزم الإمعان في مقاتلتهم والاستمرار فيها ما لم يسلموا، فبذلك كان {أو يسلمون} حالاً معطوفاً على جملة {تقاتلونهم} وهو حال من ضمير {تدعون}. وقوله: {وإن تتولوا كما توليتُم من قبل يعذبكم عذاباً أليماً} تَعبير بالتوالي الذي مضى، وتحذير من ارتكاب مثله في مثل هذه الدعوة بأنه تَوَلَّ يوقع في الإثم لأنه تولَ عن دعوة إلى واجب وهو القتال للجهاد. فالتشبيه في قوله: {كما توليتم من قبل} تشبيه في مطلق التولّي لقصد التشويه وليس تشبيهاً فيما يترتب على ذلك التولي.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: قل للمخلفين من الأعراب: أي الذين تخلفوا عن الحديبية وطالبوا بالخروج إلى خيبر لأجل الغنائم اختباراً لهم. ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد: أي ستدعون في يوم ما من الأيام إلى قتال قوم أولي بأس وشدة في الحرب. تقاتلونهم أو يسلمون: أي تقاتلونهم، أو هُم يسلمون فلا حاجة إلى قتالهم. فإِن تطيعوا: أي أمر الداعي لكم إلى قتال القوم أصحاب البأس الشديد. يؤتكم الله أجرا حسنا: أي عودة اعتباركم مؤمنين صالحين في الدنيا والجنة في الآخرة. وإن تتولوا: أي تعرضوا عن الجهاد كما توليتم من قبل حيث لم تخرجوا للحديبية. يعذبكم عذابا أليما: في الدنيا بالقتل والاذلال وفي الآخرة بعذاب النار. حرج: أي إثم. ومن يتول: أي يعرض عن طاعة الله ورسوله. معنى الآيات: ما زال السياق الكريم في مطلب هداية المنافقين من الأعراب إذ قال تعالى للرسول صلى الله عليه وسلم قل للمخلفين الذين أصبح وصف التخلف شعاراً لهم يعرفون به وفي ذلك من الذم واللوم العتاب ما فيه قل لهم مختبراً إياهم ستدعون في يوم من الأيام إلى قتال قوم أولي بأس شديد في الحروب تقاتلونهم، أو يسلمون فلا تقاتلوهم وذلك بأن يرضوا بدفع الجزية وهؤلاء لا يكونون إلاّ نصارى أو مجوساً فهم إما فارس وإما الروم وقد اختلف في تحديدهم فإِن تطيعوا الأمر لكم بالخروج الداعي للجهاد فتخرجوا وتجاهدوا يؤتكم الله أجراً حسناً غنائم في الدنيا وحسن الصيت والأحدوثة والجنة فوق ذلك، وإن تتولوا أي تعرضوا عن طاعة من يدعوكم ولا تخرجوا معه كما تولتيم من قبل حيث لم تخرجوا مع رسول الله إلى مكة للعمرة خوفاً من قريش ورجاء أن يُهلك الرسول والمؤمنون ويخلو لكم الجوّ يعذبكم عذاباً أليماً أي في الدنيا بأن يسلط عليكم من يعذبكم وفي الآخرة بعذاب النار وقوله تعالى ليس على الأعمى حرج الآية إنه لما نزلت آية المنافقين قل للمخلفين من الأعراب وكان ختامها وإن تولوا عن الجهاد يعذبكم عذابا أليما خاف أصحاب الأعذار من مرض وغيره وبكوا فأنزل الله تعالى قوله ليس على الأعمى حرج أي إثم إذا لم يخرج للجهاد ولا على الأعرج حرج وهو الذي به عرج في رجليه لا يقدر على المشي والجري والكر والفر ولا على المريض حرج وهو المريض بالطحال أو الكبد أو السعال من الأمراض المزمنة التي لا يقدر صاحبها على القتال وكان يعتمد على الفر والكر ولا بُد كذلك من سلامة البدن وقدرته على القتال. وقوله {وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ} أي في أوامرهما ونواهيهما {يُدْخِلْهُ جَنَّٰتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَٰرُ} وهذا وعد صادق من رب كريم رحيم، ومن يتول عن طاعة الله ورسوله يُعذبه عذاباً أليما وهذا وعيد شديد قوي عزيز ألا فليتق الله امرؤ فإِن الله شديد العقاب. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- مشروعية الاختبار والامتحان لمعرفة القدرات والمؤهلات. 2- بيان أن غزو الإِسلام ينتهي إلى أحد أمرين إسلام الأمة المغزوَّة أو دخولها في الذمة بإِعطائها الجزية بالحكم الإِسلامي وسياسته. 3- دفع الإِثم والحرج في التخلف عن الجهاد لعذر العمى أو العرج أو المرض. 4- بيان وعد الله ووعيده لمن أطاعه ولمن عصاه، الوعد بالجنة. والوعيد بالنار.

د. أسعد حومد

تفسير : {تُقَاتِلُونَهُمْ} (16) - قُلْ يَا مُحَمَّدُ لِهؤُلاءِ الأَعْرابِ، الذِينَ تَخَلَّفُوا عَنْ صُحْبَتِكَ إِلى الحُدَيْبِيَةِ: إِنَّكُمْ سَتُدعَوْنَ إِلى قِتَالِ قَوْمٍ أُولي قُوَّةٍ وَنَجْدَةٍ وَبَأْسٍ، وَإِنَّ عَلَيْكُمْ أَنْ تُخَيِّروهُمْ بَيْنَ أَمْرَين: إِمَّا السَّيفُ وَإِمَّا الإِسْلاَمُ - وهذا حَكْمٌ عَامٌّ في مُشْرِكي العَرَبِ وَالمُرْتَدِّين - فَإِذا أَطَعْتُمْ أَمَرَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَخَرَجْتُمْ إِلى مُجَاهَدَةِ هؤُلاءِ، فإِنَّ اللهَ سَيُثِيبُكُمْ عَلَى ذلكَ ثَواباً جَزِيلاً فَتَنَالُونَ المَغْنَمَ في الدُّنيا، وَالجَنَّةَ في الآخِرَةِ. أَمَّا إذا رَفَضْتُمُ الخُرُوجَ إِليهِم، وَالمُبَادَرَةَ إِلى مُجَاهَدَتِهِمْ، وَعَصْيتُمْ أَمْرَ اللهِ وَرَسُولِهِ، كَمَا فَعَلْتُمْ مِنْ قَبْلُ، حِينَ قَعَدْتُمْ عَنِ الخُرُوجِ إِلى الحُدَيْبِيَةِ، فَإِنَّ اللهَ سَيُعَذِّبُكُمْ عَذَاباً أليماً في الدُّنيا وَالآخِرَةِ. أُولِي بَأْسٍ - أَصْحَابُ شِدَّةٍ وَقُوْةٍ في الحَرْبِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : يعني: يا جماعة المخلَّفين عن الخروج مع رسول الله في عمرة الحديبية، لقد منعكم الله من الخروج إلى خيبر، لأن لها أُنَاساً هم أوْلَى بها منكم، وهم الذين أطاعوا رسول الله في الخروج إلى الحديبية. أما أنتم فالفرصة أمامكم في حروب الردة، حيث تقاتلون قوماً {أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ ..} [الفتح: 16] أصحاب قوة وتمرُّس في الحروب: {وَإِن تَتَوَلَّوْاْ ..} [الفتح: 16] تعْرضوا وتتخلفوا {كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِّن قَبْلُ ..} [الفتح: 16] أي: في الحديبية {يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً} [الفتح: 16].

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {سَتُدْعَوْنَ إِلَىٰ قَوْمٍ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ} معناه إلى أهلِ الأوثانِ.

الجيلاني

تفسير : {قُل} يا أكمل الرسل {لِّلْمُخَلَّفِينَ مِنَ ٱلأَعْرَابِ} بعدما أيسوا من الخروج إلى خيبر: {سَتُدْعَوْنَ إِلَىٰ} غزوة {قَوْمٍ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ} وشوكة عظيمة {تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ} أي: مآل أمرهم إمَّا القتل وعزته، وإمَّا الإسلام لا غير {فَإِن تُطِيعُواْ} حنيئذٍ، ولم تتخلفوا كما تخلفتم يوم الحديبية {يُؤْتِكُمُ ٱللَّهُ} المطلع بنياتكم {أَجْراً حَسَناً} في الدنيا والآخرة {وَإِن تَتَوَلَّوْاْ} وتنصرفوا {كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِّن قَبْلُ} يوم الحديبية {يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً} [الفتح: 16] لتضاعف جرمكم، وشدة شقاقكم ونفاقكم. ثم أخذ سبحانه في تعداد ما يرخص لهم التخلف والقعود على سبيل الاضطرار فقال: {لَّيْسَ عَلَى ٱلأَعْمَىٰ حَرَجٌ وَلاَ عَلَى ٱلأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلاَ عَلَى ٱلْمَرِيضِ حَرَجٌ} أي: ليس لهؤلاء وزر مؤاخذة إن تخلفوا عن القتال بأمثال هذه الأعذار إن كانوا من أهل الطاعة والإيمان {وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ} على وجه الإخلاص والوفاق بلا بطانة ونفاق {يُدْخِلْهُ} سبحانه بمقتضى فضله وسعة رحمته وجوده {جَنَّٰتٍ} منتزهات الكشوف والشهود {تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَٰرُ} من المعارف والحقائق المتجددة بتجددات التجليات الإلهية، المنتشئة من النفسات الرحمانية {وَمَن يَتَوَلَّ} أي: يعرض وينصرف عن مقتضى العدالة الإلهية بمتابعة الآراء الفاسدة والأهوية الباطلة {يُعَذِّبْهُ} بمقتضى قهره {عَذَاباً أَلِيماً} [الفتح: 17] في نيران الإمكان، لا عذاب أشد إيلاماً منه. ثم قال سبحانه على وجه التحريض والترغيب للمؤمنين: {لَّقَدْ رَضِيَ ٱللَّهُ عَنِ ٱلْمُؤْمِنِينَ} المخلصين في الإطاعة والانقياد {إِذْ يُبَايِعُونَكَ} يا أكمل الرسل {تَحْتَ ٱلشَّجَرَةِ} يوم الحديبية بيعة الرضوان، والشجرة هي: السمرة أو السدرة {فَعَلِمَ} سبحانه بعلمه الحضوري {مَا فِي قُلُوبِهِمْ} من الرغبة والإخلاص {فَأنزَلَ ٱلسَّكِينَةَ} أي: الطمأنينة والوقار {عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ} بعدما أيسوا عن فتح مكة، ورجعوا من الحديبية {فَتْحاً قَرِيباً} [الفتح: 18] هو فتح خيبر بعد رجوعهم منها. {وَ} رزق لهم خاصة {مَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا} من خيبر بعد غنائم مكة {وَ} بالجملة: {كَان ٱللَّهُ} المراقب لأحوال عباده {عَزِيزاً} غالباً على عموم مقدوراته {حَكِيماً} [الفتح: 19] مراعياً مقتضى الحكمة البالغة. إنه {وَعَدَكُمُ ٱللَّهُ} أيها المؤمنون المخلصون في إطاعة الله ورسوله {مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا} من أيدي الكفرة إلى قيام الساعة؛ إذ يظهر دينكم على الأديان كلها {فَعَجَّلَ لَكُمْ هَـٰذِهِ} غنائم خيبر {وَكَفَّ أَيْدِيَ ٱلنَّاسِ عَنْكُمْ} أي: أهل خيبر وأوليائهم، وكفى مؤنة عموم من قصد السوء على أموالكم وذراريكم {وَ} إنما فعل بكم سبحانه ذلك {لِتَكُونَ} هذه الكفة والغنيمة {آيَةً} علامة وأمارة {لِّلْمُؤْمِنِينَ} الذين يأتون بعدكم، ويقتفون أثركم بأن المؤمن المخلص في جوار الله وكنف حفظه وحضانته {وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً} [الفتح: 20] هو لثقة بالله وبكرامته ونصره لأوليائه. {وَ} كذا عجل لكم عناية من الله إياكم مغانم {أُخْرَىٰ} مع أنكم {لَمْ تَقْدِرُواْ عَلَيْهَا} لشوكة الأعداء وكثرة عددهم وعددهم، بل فررتم أنتم منهم مراراً {قَدْ أَحَاطَ ٱللَّهُ بِهَا} وأباحها عليكم بالنصر والغلبة عليهم مع أنكم خائفون وجلون منهم، وهي مغانم هوازن وفارس {وَ} بالجملة: {كَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ} دخل في حيطة علمه وإرادته {قَدِيراً} [الفتح: 21] لا يعجز عنه ولا يفتر دونه؛ إذ القدرة من جملة الأوصاف الغالبة الذاتية الإلهية، التي لا تفتر به ولا تضعف بحال. {وَ} من كمال قدرته ونصره لأوليائه: إنه {لَوْ قَـٰتَلَكُمُ ٱلَّذِينَ كفَرُواْ} بعدما فررتم منهم وجبنتم عنهم {لَوَلَّوُاْ ٱلأَدْبَارَ} عنكم بنصر الله إياكم {ثُمَّ} بعدما ولوا {لاَ يَجِدُونَ وَلِيّاً} يولى أمرهم {وَلاَ نَصِيراً} [الفتح: 22] ينصرهم وينقذهم من أيديكم. ولا تستبعد يا أكمل الرسل من قدرة الله أمثال هذا؛ لكونها {سُنَّةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِي قَدْ خَلَتْ} أي: مضت واستمرت {مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ ٱللَّهِ} التي جرت منه سبحانه بمقتضى حكمته {تَبْدِيلاً} [الفتح: 23] ولا لحكمة الصادر عنه بالإرادة والاختيار تغييراً وتحويلاً.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : ثم أخبر عن قتال ناس أولي بأس بقوله تعالى: {قُل لِّلْمُخَلَّفِينَ مِنَ ٱلأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَىٰ قَوْمٍ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ} [الفتح: 16]، يشير إلى أن النفوس المتخلفة عن الطاعات والعبادات من الفرائض والنوافل لو دعيت إلى الجهاد في سبيل الله، والجهاد الأكبر وهو جهاد النفس والشيطان والدنيا، {تُقَاتِلُونَهُمْ} بنهي النفس عن الهوى وترك الدنيا وزينتها، فإذا أجابوا أو أطاعوا فقد استوجبوا الأجر الحسن، وذلك قوله: {فَإِن تُطِيعُواْ يُؤْتِكُمُ ٱللَّهُ أَجْراً حَسَناً وَإِن تَتَوَلَّوْاْ كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِّن قَبْلُ} [الفتح: 16]؛ أي: إن أعرضتم عن الجهاد كما أعرضتم عن الطاعات والعبادات، {يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً} [الفتح: 16]، يتألمون به في الدنيا والآخرة. وبقوله: {لَّيْسَ عَلَى ٱلأَعْمَىٰ حَرَجٌ وَلاَ عَلَى ٱلأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلاَ عَلَى ٱلْمَرِيضِ حَرَجٌ} [الفتح: 17]، يشير إلى أن أصحاب الأعذار من أرباب الطلب، فمن عرض له مانع يعجزه عن السير بلا عزيمة منه، وهمته في الطلب ورغبته في السير وتوجهه إلى الحق باقٍ فلا حرج عليه فيما يعتريه، فيكون أجره على الله، وذلك قوله: {وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ} [الفتح: 17]؛ يعني: بقدر الاستطاعة {يُدْخِلْهُ جَنَّٰتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَٰرُ وَمَن يَتَوَلَّ} [الفتح: 17]؛ يعني: يعرض عن الله وينقض عهد الطلب، {يُعَذِّبْهُ عَذَاباً أَلِيماً} [الفتح: 17]. وبقوله: {لَّقَدْ رَضِيَ ٱللَّهُ عَنِ ٱلْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ ٱلشَّجَرَةِ} [الفتح: 18]، يشير إلى أن الله تعالى بفضله وكرمه رضي عنهم أولاً؛ ليكونوا مؤمنين، ويبايعونك ثانياً، ولولا سبقت رضاه لم يؤمنوا ولم يبايعوك، {فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ} [الفتح: 18] من الضعف والعجز الإنساني؛ {فَأنزَلَ ٱلسَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ} [الفتح: 18]، إذا نظر إلى قلوبهم بنظر الرضاء، {وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً} [الفتح: 18] من مغانم الدنيا والآخرة، وذلك قوله: {وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَان ٱللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً} [الفتح: 19]، أعزهم بالمغانم في الدنيا والآخرة حكيماً في جميع أفعاله مع عباده.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : لما ذكر تعالى أن المخلفين من الأعراب يتخلفون عن الجهاد في سبيله، ويعتذرون بغير عذر، وأنهم يطلبون الخروج معهم إذا لم يكن شوكة ولا قتال، بل لمجرد الغنيمة، قال تعالى ممتحنا لهم: { قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الأعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ } أي: سيدعوكم الرسول ومن ناب منابه من الخلفاء الراشدين والأئمة، وهؤلاء القوم فارس والروم ومن نحا نحوهم وأشبههم. { تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ } أي: إما هذا وإما هذا، وهذا هو الأمر الواقع، فإنهم في حال قتالهم ومقاتلتهم لأولئك الأقوام، إذ كانت شدتهم وبأسهم معهم، فإنهم في تلك الحال لا يقبلون أن يبذلوا الجزية، بل إما أن يدخلوا في الإسلام، وإما أن يقاتلوا على ما هم عليه، فلما أثخنهم المسلمون، وضعفوا وذلوا، ذهب بأسهم، فصاروا إما أن يسلموا، وإما أن يبذلوا الجزية، { فَإِنْ تُطِيعُوا } الداعي لكم إلى قتال هؤلاء { يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا } وهو الأجر الذي رتبه الله ورسوله على الجهاد في سبيل الله، { وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ } عن قتال من دعاكم الرسول إلى قتاله، { يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا } ودلت هذه الآية على فضيلة الخلفاء الراشدين، الداعين لجهاد أهل البأس من الناس، وأنه تجب طاعتهم في ذلك. ثم ذكر الأعذار التي يعذر بها العبد عن الخروج إلى الجهاد، فقال: { لَيْسَ عَلَى الأعْمَى حَرَجٌ وَلا عَلَى الأعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ } أي: في التخلف عن الجهاد لعذرهم المانع. { وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ } في امتثال أمرهما، واجتناب نهيهما { يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ } فيها ما تشتهيه الأنفس، وتلذ الأعين، { وَمَنْ يَتَوَلَّ } عن طاعة الله ورسوله { يُعَذِّبْهُ عَذَابًا أَلِيمًا } فالسعادة كلها في طاعة الله، والشقاوة في معصيته ومخالفته.