٤٨ - ٱلْفَتْح
48 - Al-Fath (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
24
Tafseer
الرازي
تفسير : تبييناً لما تقدم من قوله {أية : وَلَوْ قَـٰتَلَكُمُ ٱلَّذِينَ كفَرُواْ لَوَلَّوُاْ ٱلأَدْبَـٰرَ } تفسير : [الفتح: 22] أي هو بتقدير الله، لأنه كف أيديهم عنكم بالفرار، وأيديكم عنهم بالرجوع عنهم وتركهم، وقوله تعالى: {بِبَطْنِ مَكَّةَ } إشارة إلى أمر كان هناك يقتضي عدم الكف، ومع ذاك وجد كف الأيدي، وذلك الأمر هو دخول المسلمين ببطن مكة، فإن ذلك يقتضي أن يصبر المكفوف على القتال لكون العدو دخل دارهم طالبين ثأرهم، وذلك مما يوجب اجتهاد البليد في الذب عن الحريم، ويقتضي أن يبالغ المسلمون في الاجتهاد في الجهاد لكونهم لو قصروا لكسروا وأسروا لبعد مأمنهم، فقوله {بِبَطْنِ مَكَّةَ } إشارة إلى بعد الكف، ومع ذلك وجد بمشيئة الله تعالى، وقوله تعالى: {مِن بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ } صالح لأمرين أحدهما: أن يكون منة على المؤمنين بأن الظفر كان لكم، مع أن الظاهر كان يستدعي كون الظفر لهم لكون البلاد لهم، ولكثرة عددهم الثاني: أن يكون ذكر أمرين مانعين من الأمرين الأولين، مع أن الله حققهما مع المنافقين، أما كف أيدي الكفار، فكان بعيداً لكونهم في بلادهم ذابين عن أهليهم وأولادهم، وإليه أشار بقوله {بِبَطْنِ مَكَّةَ } وأما كف أيدي المسلمين، فلأنه كان بعد أن ظفروا بهم، ومتى ظفر الإنسان بعدوه الذي لو ظفر هو به لاستأصله يبعد انكفافه عنه، مع أن الله كف اليدين. وقوله تعالى: {وَكَانَ ٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً }. يعني كان الله يرى فيه من المصلحة، وإن كنتم لا ترون ذلك، وبينه بقوله تعالى: {هُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّوكُمْ عَنِ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ وَٱلْهَدْىَ مَعْكُوفاً } إلى أن قال: {أية : وَلَوْلاَ رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَاء مُّؤْمِنَـٰتٌ } تفسير : [الفتح: 25] يعني كان الكف محافظة على ما في مكة من المسلمين ليخرجوا منها، ويدخلوها على وجه لا يكون فيه إيذاء من فيها من المؤمنين والمؤمنات، واختلف المفسرون في ذلك الكف منهم من قال المراد ما كان عام الفتح، ومنهم من قال ما كان عام الحديبية، فإن المسلمين هزموا جيش الكفار حتى أدخلوهم بيوتهم، وقيل إن الحرب كان بالحجارة.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى:{وَهُوَ ٱلَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم بِبَطْنِ مَكَّةَ} وهي الحديبية. {مِن بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ} روى يزيد بن هارون قال: أخبرنا حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس: أن ثمانين رجلاً من أهل مكة هبطوا على النبيّ صلى الله عليه وسلم من جبل التَّنعيم متسلحين يريدون غِرّة النبيّ صلى الله عليه وسلم وأصحابه؛ فأخذناهم سَلْماً فاستحييناهم؛ فأنزل الله تعالى: {أية : وَهُوَ ٱلَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم بِبَطْنِ مَكَّةَ مِن بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ}تفسير : [الفتح: 24]. حديث : وقال عبد الله بن مُغَفّل المُزَني: كنا مع النبيّ صلى الله عليه وسلم بالحديبية في أصل الشجرة التي قال الله في القرآن؛ فبينما نحن كذلك إذ خرج علينا ثلاثون شاباً عليهم السلاح فثاروا في وجوهنا فدعا عليهم النبيّ صلى الله عليه وسلم فأخذ الله بأبصارهم، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هل جئتم في عهد أحد أو هل جعل لكم أحد أماناً». قالوا: اللهم لا، فخلّى سبيلهمتفسير : . فأنزل الله تعالى: {وَهُوَ ٱلَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ} الآية. وذكر ابن هشام عن وكيع: وكانت قريش قد جاء منهم نحو سبعين رجلاً أو ثمانين رجلاً للإيقاع بالمسلمين وانتهاز الفرصة في أطرافهم؛ ففطن المسلمون لهم فأخذوهم أسرى، وكان ذلك والسفراء يمشون بينهم في الصلح، فأطلقهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهم الذين يُسَمَّوْنَ العُتَقاء، ومنهم معاوية وأبوه. وقال مجاهد: حديث : أقبل النبيّ صلى الله عليه وسلم مُعْتَمِراً، إذ أخذ أصحابه ناساً من الحرم غافلين فأرسلهم النبيّ صلى الله عليه وسلم؛ فذلك الإظفار ببطن مكة. وقال قتادة: ذكر لنا أن رجلاً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقال له زُنيم، اطلع الثَنِيّة من الحديبية فرماه المشركون بسهم فقتلوه؛ فبعث النبيّ صلى الله عليه وسلم خيلاً فأتوا باثني عشر فارساً من الكفار، فقال لهم النبيّ صلى الله عليه وسلم: «هل لكم عليّ ذمّة»؟ قالوا لا؟ فأرسلهم فنزلت. وقال ابن أبزى والكلبي: هم أهل الحديبية، كفّ الله أيديهم عن المسلمين حتى وقع الصلح، وكانوا خرجوا بأجمعهم وقصدوا المسلمين، وكف أيدي المسلمين عنهم. وقد تقدّم أن خالد بن الوليد كان في خيل المشركين. قال القشيري: فهذه رواية، والصحيح أنه كان مع النبيّ صلى الله عليه وسلم في ذلك الوقت. وقد قال سلمة بن الأكْوَع: كانوا في أمر الصلح إذ أقبل أبو سفيان، فإذا الوادي يسير بالرجال والسلاح، قال: فجئت بستة من المشركين أسوقهم متسلحين لا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضراً؛ فأتيت بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكان عمر قال في الطريق: يا رسول الله، نأتي قوماً حَرْباً وليس معنا سلاح ولا كُراع؟ فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة من الطريق فأتوه بكل سلاح وكراع كان فيها، وأخبِر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن عكرمة بن أبي جَهْل خرج إليك في خمسمائة فارس؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لخالد بن الوليد: «هذا ابن عمك أتاك في خمسمائة»تفسير : . فقال خالد: أنا سيف الله وسيف رسوله، فيومئذ سُمِّي بسيف الله، فخرج ومعه خيل وهزم الكفار ودفعهم إلى حوائط مكة. وهذه الرواية أصح، وكان بينهم قتال بالحجارة، وقيل بالنَّبل والظُّفْر. وقيل: أراد بكف اليد أنه شرط في الكتاب أن من جاءنا منهم فهو رَدٌّ عليهم، فخرج أقوام من مكة مسلمون وخافوا أن يردّهم الرسول عليه السلام إلى المشركين فلحقوا بالساحل، ومنهم أبو بَصير، وجعلوا يغيرون على الكفار ويأخذون عيرهم، حتى جاء كبار قريش إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم وقالوا: ٱضممهم إليك حتى نأمن؛ ففعل. وقيل: هَمَّت غَطَفان وأسد منع المسلمين من يهود خَيْبر؛ لأنهم كانوا حلفاءهم فمنعهم الله عن ذلك؛ فهو كف اليد. {بِبَطْنِ مَكَّةَ} فيه قولان: أحدهما ـ يريد به مكة. الثاني ـ الحديبية، لأن بعضها مضاف إلى الحرم. قال الماوردي: وفي قوله: {مِن بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ} بفتح مكة. وتكون هذه نزلت بعد فتح مكة، وفيها دليل على أن مكة فُتحت صلحاً، لقوله عز وجل: {كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم}. قلت: الصحيح أن هذه الآية نزلت في الحديبية قبل فتح مكة، حسب ما قدمناه عن أهل التأويل من الصحابة والتابعين. وروى الترمذي قال: حدثنا عبد بن حُميد قال حدثني سليمان بن حرب قال حدثنا حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس: أن ثمانين هبطوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه من جبل التَّنعيم عند صلاة الصبح وهم يريدون أن يقتلوه؛ فأخِذوا أخذاً فأعتقهم رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فأنزل الله تعالى: {وَهُوَ ٱلَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم} الآية. قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، وقد تقدّم. وأما فتح مكة فالذي تدل عليه الأخبار أنها إنما فُتحت عنوة، وقد مضى القول في ذلك في «الحج» وغيرها. {وَكَانَ ٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً}.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَهُوَ ٱلَّذِى كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم بِبَطْنِ مَكَّةَ } بالحديبية {مِن بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ } فإنّ ثمانين منهم طافوا بعسكركم ليصيبوا منكم فأُخذوا وأُتي بهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فعفا عنهم وخلى سبيلهم فكان ذلك سبب الصلح {وَكَانَ ٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً } بالياء والتاء أي لم يزل متصفاً بذلك.
ابن عبد السلام
تفسير : {كَفَّ أَيْدِيَهُمْ} بالرعب {وَأَيْدِيَكُمْ} بالنهي، أو أيديهم بالخذلان وأيديكم بالإبقاء لعلمه بمن يسلم منهم، أو أيديكم وأيديهم بصلح الحديبية {بِبَطْنِ مَكَّةَ} الحديبية لأن بعضها مضاف إلى الحرم، أو بمكة نفسها {أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ} بفتح مكة فيكون نزول هذه الآية بعد الفتح، أو بقضاء العمرة التي صدوكم عنها، أو بالثمانين بأخذه الثمانين سلماً وأعتقهم وكانوا هبطوا من التنعيم ليقتلوا من ظفروا به.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {وَهُوَ ٱلَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم بِبَطْنِ مَكَّةَ مِن بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ} وهذا تبيين لما تقدم من قوله: {أية : وَلَوْ قَاتَلَكُمُ ٱلَّذِينَ كفَرُواْ لَوَلَّوُاْ ٱلأَدْبَارَ}تفسير : [الفتح:22] بتقدير الله، كما أنه كف أيديهم عنكم بالفرار، وأيديكم عنهم بالرجوع عنهم وتركهم. روى ثابتٌ عن أنس بن مالك ـ (رضي الله عنه) ـ أن ثمانين رجلاً من أهل مكة هُبَطُوا على رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ من جبل التنعيم متسلحين يريدون غِرَّةَ النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأصحابه فأخذهم سلْماً فاستحياهم فأنزل الله: {وَهُوَ ٱلَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم بِبَطْنِ مَكَّةَ مِن بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ}. قال عبدالله بن مُغَفَّل المُزَنيّ: كنا مع النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بالحديبية في أصل الشجرة التي قال الله تعالى "في القرآن"، وعلى ظهره غُصْنٌ من أغصان الشجرة فرفعته عن ظهرهِ، وعلي بن أبي طالب ـ (رضي الله عنه) ـ بين يديه يكتب كتاب الصلح فخرج علينا ثلاثون شاباً عليهم السلاح فنادَوْا في وجوهنا فدعى عليهم نبي الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فأخذ الله بأبصارهم فقمنا إليهم فأخذناهم، فقال لهم رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ جئتم في عهد (أحد) أو هل جَعَلَ لكم أحد أماناً؟ قالوا: اللَّهم لا فَخَلَّى سبيلهم. فأنزل الله هذه الآية. قوله: {وَكَانَ ٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً} قرأ أبو عمرو يَعْلَمُونَ بالياء وقرأ الآخرون بالتاء من فوق فمن قرأ بالغيبة فهو رجوع إلى قوله: "أيْدِيَهُمْ" وَ "عَنْهُمْ". ومن قرأ بالخطاب فهو رجوع إلى قوله: "أيْدِيَكُمْ" و "عَنكُم"، والمعنى أن الله يرى فيه من المصلحة وإنْ كُنْتُمْ لا ترون ذلك. ثم بين ذلك بقوله تعالى: {هُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّوكُمْ عَنِ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ} وهذا إشارة إلى أن الكف لم يكن الأمر (فيهم) لأنهم كفروا وصدوكم وأحصروا وكل ذلك يقتضي قتَالَهُم، فلا يقع لأحد أن الفريقين اتفقوا واصطلحوا، ولم يكن بينهما خلاف ولا نزاع بل الاختلافُ والنزاعُ باقٍ مستمر؛ لأنهم هم الذين كفروا وصدوكم ومنعوكم فازدادُوا كفراً وعداوةً، وإنما ذلك للرجال المؤمنينَ والنِّساء المؤمنات. قوله: "وَالهَدْيَ" العامة على نصبه، والمشهور أنه نسق على الضمير المنصوب في "صَدُّوكُمْ" وقيل: نصب على المعية. وفيه ضعف، لإمكان العطف. وقرأ أبو عمرو ـ في رواية ـ بجره عطفاً على "المَسْجِدِ الحَرَامِ". ولا بد من حذف مضاف، أي وعَنْ نَحْرِ الهَدْي، وقرىء برفعه على أنه مرفوع بفعل مقدر لم يسم فاعله أي وصُدَّ الهَدْيُ. والعامة على فتح الهاء وسكون الدال، وروي عن أبي عمرو وعاصم وغيرهما كسر الدال وتشديد الياء. وحكى ابن خالويه ثلاث لغات الهَدْي وهي الشهيرة لغة قريش، والهَدِيّ والهَدَا. قوله: "مَعْكُوفاً" حال من الهدى أي محبوساً، يقال: عَكَفْتُ الرَّجُلَ عن حاجته. وأنكر الفارسي تعدية "عكف" بنفسه، وأثبتها ابن سِيدَهْ والأزهريّ وغيرُهُمَا. وهو ظاهر القرآن لبناء اسم مفعول منه. قوله: {أَن يَبْلُغَ} فيه أوجه: أحدها: أنه على إسقاط الخافض، أي "عَنْ" أو "مِنْ أن" وحينئذ يجوز في هذا الجار المقدر أن يتعلق بـ "صَدُّوكُمْ" وأن يتعلق بـ "مَعْكُوفاً" أي محبوساً عن بلوغ مَحِلِّهِ. الثاني: أنه مفعول من أجله، وحينئذ يجوز أن يكون علة للصد، والتقدير: صدوا الهدي كراهة أن يبلغ محله وأن يكون علة لـ "مَعْكُوفاً" أي لأجل أن يبلغ محله، ويكون الحبس من المسلِمِينَ. الثالث: أنه بدل من "الهدي" بدل اشتمال أي صدوا بلوغ الهدي محله. (فصل معنى الآية {هُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} يعنى كفار مكة "وَصَدُّوكُمْ" منعوكم {عَنِ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ} أن تطوفوا فيه "وَالهَدْيَ" أي وصدوا الهدي وهي البُدْنُ التي ساقها رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وكانت سبعينَ بدنةً "مَعْكُوفاً" محبوساً، يقال: عَكَفَهُ عَكْفاً إذا حبسه، وعُكُوفاً، كما يقال: رَجَعَ رَجْعاً ورُجُوعاً {أَن يَبْلُغَ مَحِلَّهُ} مَنْحَرَهُ، وحيث يحِلّ نحرُه يعني الحرم. ثم قال: {وَلَوْلاَ رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَآءٌ مُّؤْمِنَاتٌ} يعني المستضعفين بمكة). قوله: {لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ} صفة للصِّنْفين، وغلب الذكور، وقوله: {أَن تَطَئُوهُمْ} يجوز أن يكون بدلاً من "رجال ونساء"، وغلب الذكور ـ كما تقدم ـ وأن يكون بدلاً من مفعول تَعْلَمُوهُمْ، فالتقدير على الأول: ولولا وطءُ رجالٍ ونساءٍ غيرِ معلومين، وتقدير الثاني: لم تَعْلَمُوا وَطْأَهُمْ، والخبر محذوف تقديره: ولولا نساء ورجال موجودون أو بالحَضْرَةِ. (وأما جواب "لولا" ففيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه محذوف، لدلالة جواب "لو" عليه. والثاني: أنه مذكور وهو "لَعَذَّبْنَا" وجواب "لو" هو المحذوف فحذف من الأول لدلالة الثاني، ومن الثاني لدلالة الأول. والثالث: أن "لعذبنا" جوابهما معاً. وهو بعيد إن أراد حقيقة ذلك. وقال الزمخشرري قريباً من هذا فإنه قال: ويجوز أن يكون: "لَوْ تَزَيَّلُوا" كالتكرير لِلَوْلاَ رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ لمرجعهما إلى معنى واحد، ويكون "لَعَذَّبْنَا" هو الجواب. ومنع أبو حيان مرجعهما لمعنى واحد، قال: لأن ما تعلق به الأَوَّل غيرُ ما تعلَّق به الثاني). فصل المعنى "لم تعلموهم" لم تَعْرِفُوهُم {أَن تَطَئُوهُمْ} بالقتل وتُوقعوا بهم. {فَتُصِيبَكمْ مِّنْهُمْ مَّعَرَّةٌ}. قال ابن زيد إثم وذلك لأنكم ربما تقتلوهم فيلزمكم الكفَّارة، وهي دليل الإثم، لأن الله تعالى أوجب على قاتل المؤمن في دار الحرب إذا لم يعلم إيمانه الكفارة دون الدِّيَةِ؛ قال تعالى: {أية : فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ وَهُوَ مْؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ}تفسير : [النساء:92]. وقال ابن إسحاق: غُرم الدية. وقيل: إن المشركين يعيبوكم ويقولون قتلوا أهل دينهم وفعلوا بإخوانهم ما فعلوا بأعدائهم والمَعَرَّةُ السُّبَّة يقول لولا أن تطئوا رجالاً مؤمنينَ ونساءً مؤمناتٍ لا تعلموهم فيلزمكم به كفارة ويلحقكم به سُبَّة لأذن لكم في دخولها ولكنه حال بينكم وبين ذلك. قوله: {فَتُصِيبَكمْ} نَسَقٌ على {أَن تَطَئُوهُمْ} وقوله {بِغَيْرِ عِلْمٍ} يجوز أن يتعلق بمحذوف على أنه صفة لـ "مَعَرَّة" وأن يكون حالاً من مفعول "تُصيبُكُمْ" وقال أبو البقاء: مِنَ الضمير المجرور يعني في "منهم". ولا يظهر معناه. أو أن يتعلق "بتصيبكم" أو أن يتعلق "بتطئوهم"؛ أي تطئوهم بغير علم. (فإن قيل: هذا تكرار، لأنه إن قلنا: هو بدل عن الضمير يكون التقدير: لم تعلموا أن تَطَئُوهُمْ بغير علم فيلزم تكرار بغَيرِ عِلْمٍ لحصوله بقوله: لَمْ تَعْلَمُوهُمْ؟. فالجواب: أن يقال: قوله: "بِغَيْرِ عِلْمٍ" هو في موضعه أي فتصيبكم منهم مَعَرَّةٌ بغير علم من (الذي) يعرّكم ويعيبُ عليكم، يعني إن وَطَأتُمُوهُمْ غير عالمين يعركم (مَسبَّة) الكفار "بغير علم" أي بجهل لأنهم لا يعلمون أنكم معذورون فيه. أو يقال تقديره: لم تعلموا أن تطئوهم فتصيبكم منهم معرة بغير علم فيكون الوطء الذي يحصل بغير علم معذورين فيه. أو نقول: المعرَّة قسمان: أحدهما: ما يحصل من القتل العمد والعدوان ممن هو غير عالم بحال المحِلّ. والثاني: ما حصل من القتل خطأ وهو عد عندم العلم فقال: تصيبكم منهم معرة بغير علم لا التي تكون عند العلم). والوَطْءُ هنا عبارة عن القَتْلِ والدَّوْسِ، قال ـ عليه الصلاة والسلام ـ: "حديث : اللَّهُمَ اشْدُدْ وَطْأَتَكَ عَلَى مُضَرَ" تفسير : وأنشدوا: شعر : 4495ـ وَوَطِئْتَنَـا وَطْـأً عَلَـى حَنَـقٍ وَطْءَ المُقَيَّــدِ ثَابِـتَ الهَــرَمِ تفسير : قوله: "لِيُدْخِلَ اللهُ" متعلق بمقدر أي كان انتفاء التسليط على أهل مكة وانتفاء العذاب ليدخل الله. وقال البغوي: اللام في ليدخل متعلق بمحذوف دلّ عليه معنى الكلام يعني ليدخل الله في رحمته أي في دين الإسلام من يشاء من أهل مكة بعد الصلح قبل أن يدخلوها. قوله: "َلوْ تَزَيَّلُوا" قرأ ابنُ أبي عَبْلَةَ وأبو حيوة وابنُ عَوْن تَزَيَلُوا على تَفَاعَلُوا. والضمير في تزايلوا يجوز أن يعود على المؤمنين فقط، أو على الكافرين، أو على الفريقين. والمعنى لو تمَيَّزَ هؤلاءِ من هؤلاءِ لعذبنا الذين كفروا منهم عذاباً أليماً بالسَّبْيِ والقتْل بأيديكم. قوله (تعالى): {إِذْ جَعَلَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} العامل في "إذْ" إِما "لَعَذَّبْنَا" أو "صَدُّوكُمْ" أو "اذْكُر" فيكون مفعولاً به. قال ابن الخطيب في إذ: يحتمل أن يكون ظرفاً، فلا بد من فعل يقع فيه ويكون عاملاً له، ويحتمل أن يكون مفعولاً به، فإن قلنا: إنه ظرف فالفعل الواقع فيه يحتمل أن يكون مذكوراً ويحتمل أن يكون غير مذكور، فإن كان مذكوراً ففيه وجهان: أحدهما: هو قوله تعالى: {وَصَدُّوكُمْ} أي وصدوكم حِينَ جَعَلُوا في قلوبهم الحَمِيَّة فلا يرجعون إلى الإسلام. وثانيهما: المؤمنون لما أنزل الله عليهم سكينته لا يتركون الاجتهاد في الجهاد والله مع المُؤمنين. فإن قلنا: إنه غير مذكور ففيه وجهان: أحدهما: حفظ الله المؤمنين عن أن يَطَئُوهم إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية. وثانيهما: أحسن الله إليكم إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية. وعلى هذا فقوله: "فَأَنْزَلَ السَّكيِنَةَ" تفسير لذلك الإحسان. وإن قلنا: إنه مفعول به فتقديره اذكر ذلك الوقت كقولك: اذْكُر إِذْْ قَامَ زَيْدٌ أي اذكر وَقْتَ قيامه. وعلى هذا يكون "إذْ" ظرفاً للفعل المضاف إليه. قوله: "فِي قُلُوبِهِمْ" يجوز أن يتعلق بـ "جَعَلَ" على أنها بمعنى "أَلْقَى"، فتتعدى لواحد؛ أي إِذْ أَلْقَى الكافرون في قلوبهم الحمية، وأن يتعلق بمحذوف على أنه مفعول ثانٍ قدم على أنها بمعنى صيّر. قوله: "حَمِيَّةَ الجَاهِلِيَّةِ" بدل من "الحمية" قبلها، والحمية الأنَفَةُ من الشيء، وأنشدوا للمتلمس: شعر : 4496ـ أَلاَ إِنَّنِـي مِنْهُـمْ وَعِرْضِـي عِرْضُهُـمْ كَـذَا الـرَّأْسِ يَحْمِـي أَنْفَـهُ أَنْ يُهَشَّمَـا تفسير : وهي المنع، ووزنها فَعِيلَةٌ، وهي مصدر، يقال: حَمَيْتُ عن كذا أَحْمِيه (حَمِيَّةً). (فصل المعنى: إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية حين صدوا رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأصحابه عن البيت، وأنكروا أَنَّ محمداً رسول الله. قال مقاتل: قال أهل مكة قد قتلوا أبناءنا وإخوانَنَا ثم يدخلون علينا فتتحدث العرب أنهم دخلوا علينا على رغم أنفنا، واللاتِ والعُزَّى لا يدخلونها علينا. فهذه حَمِيَّة الجاهلية التي دخلت قلوبهم). قله: {فَأَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَعَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ} حين لم يدخلهم ما دخلهم من الحمية فعصوا الله في قتالهم. قال ابن الخطيب: دخول الفاء في قوله: {فَأَنزَلَ ٱللَّهُ} يدل على تعلق الإنزال أو ترتيبه على ما ذكرنا من أن "إِذْ" ظرف لفعل مقدر كأنه قال: أحْسَنَ اللهُ إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا. "فأنزل" تفسير لذلك الإحسان، كما يقال: "اَكْرَمَنِي فَأَعْطَانِي لتفسير الإكرام. ويحتمل أن تكون الفاء للدلالة على تعلق إنزال السكينة بجعلهم الحمية في قلوبهم على معنى المقابلة تقول: أَكْرَمِنِي فَأَثْنَيْتُ عَلَيْهِ. (قوله: {وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ ٱلتَّقْوَىٰ} قال ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك وعكرمة والسدي وابن زيد وأكثر المفسرين: كلمة التقوى لا إله إلا الله. وروي عن أبي بن كعب مرفوعاً. وقال عليٌّ وابنُ عمر: كلمة التقوى لا إله إلا الله والله أكبر. وقال عطاء بن أبي رباح: هي لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير. وقال عطاء الخراساني: هي لا إله إلا الله محمد رسول الله وقال الزهري: هي بسم الله الرحمن الرحيم. وقيل: هي الوفاء بالعَهْد). قوله: {وَكَانُوۤاْ أَحَقَّ بِهَا} الضمير في "كانوا" يجوز أن يعود إلى المؤمنين وهو الظاهر، أي أحق بكلمة التقوى من الكفار، وقيل: يعود على الكفار أي كانت قريشٌ أحقَّ بها لولا حرمانُهُمْ. (فصل قال البغوي: وكان المؤمنونَ أحقّ بها من كفار مكة وأهلها أي وكانوا أهلها في علم الله تعالى، لأن الله تعالى اختار لدينه وصحبةَ نبيه أهل الخير، قال ابن الخطيب: قوله: "أحق بها" يحتمل وجهين: أحدهما: أنه يفهم من معنى الأحقِّ أنه يثبت رجحاناً (ما) على الكافرين وإن لم يثبت الأهلية كما لو اختار الملك اثنين لشغل، وكل واحد منهما غير صالح له ولكن أحدهما أبعد عن الاستحقاق يقال للأقرب إلى الاستحقاق إن كان ولا بد فهذا أحق كما يقال: الحبس أهون من القتل، مع أنه لا هيِّن هناك فقال وأهلها دفعاً لذلك. الثاني: أن يكون لا للتفضيل كما في قوله {أية : خَيْرٌ مُّسْتَقَرّاً}تفسير : [الفرقان:24]، {أية : وَأَحْسَنُ نَدِيّاً}تفسير : [مريم:73]؛ إذ لا خير في غيره {وَكَانَ ٱللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً}).
السيوطي
تفسير : أخرج ابن أبي شيبة وأحمد وعبد بن حميد ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن أنس قال: لما كان يوم الحديبية هبط على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ثمانون رجلاً من أهل مكة في السلاح من قبل جبل التنعيم يريدون غرة رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعا عليهم، فأخذوا، فعفا عنهم، فنزلت هذه الآية {وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم} . وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة {وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة} قال: بطن مكة الحديبية ذكر لنا حديث : أن رجلاً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقال له زنيم أطلع الثنية زمان الحديبية فرماه المشركون فقتلوه فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خيلاً فأتوا بأثني عشر فارساً، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل لكم عهد أو ذمة؟ قالوا لا. فأرسلهم فأنزل الله في ذلك {وهو الذي كف أيديهم عنكم} الآية . تفسير : وأخرج عبد الرزاق وأحمد وعبد بن حميد والبخاري وأبو داود والنسائي وابن جرير وابن المنذر عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم قالا: حديث : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم زمن الحديبية في بضع عشرة مائة من أصحابه حتى إذا كانوا بذي الحليفة قلد رسول الله صلى الله عليه وسلم الهدي وأشعره وأحرم بالعمرة وبعث بين يديه عيناً له من خزاعة يخبره عن قريش، وسار رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان بغدير الأشطاط قريباً من عسفان أتاه عينه الخزاعيّ فقال: إني قد تركت كعب بن لؤي وعامر بن لؤي قد جمعوا لك الأحابيش وجمعوا لك جموعاً وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أشيروا عليَّ أترون أن نميل إلى ذراري هؤلاء الذين أعانوهم فنصيبهم، فإن قعدوا قعدوا موثورين محزونين، وإن لحوا تكن عنقاً قطعها الله، أم ترون أن نؤم البيت فمن صدنا عنه قاتلناه؟ فقال أبو بكر الله ورسوله أعلم يا رسول الله إنما جئنا معتمرين ولم نجيء لقتال أحد، ولكن من حال بيننا وبين البيت قاتلناه. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: فروحوا إذن فراحوا حتى إذا كانوا ببعض الطريق قال النبي صلى الله عليه وسلم: إن خالد بن الوليد بالغميم في خيل لقريش طليعة فخذوا ذات اليمين. فوالله ما شعر بهم خالد حتى إذا هو بقترة الجيش، فانطلق يركض نذيراً لقريش. وسار النبي صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان بالثنية التي يهبط عليهم منها بركت به راحلته، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: حل حل فألحت فقالوا: خلات القصواء. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ما خلات القصواء وما ذاك لها بخلق ولكن حبسها حابس الفيل، ثم قال: والذي نفس محمد بيده لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها، ثم زجرها فوثبت فعدل بهم حتى نزل بأقصى الحديبية على ثمد قليل الماء إنما يتربضه الناس تربضاً، فلم يلبث الناس أن نزحوه فشكى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم العطش فانتزع سهماً من كنانته ثم أمرهم أن يجعلوه فيه. قال: فو الله ما زال يجيش لهم بالري حتى صدروا عنه. فبينما هم كذلك إذ جاء بديل بن ورقاء الخزاعي في نفر من قومه من خزاعة وكانوا عيبة نصح رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهل تهامة فقال: إني قد تركت كعب بن لؤي وعامر بن لؤي نزلوا أعداد مياه الحديبية معهم العوذ المطافيل، وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنا لم نجيء لقتال أحد ولكن جئنا معتمرين، وإن قريشاً قد نهكتهم الحرب، وأضرت بهم فإن شاؤوا مادَدْتُهم مدّة ويخلوا بيني وبين الناس فإن أظهر فإن شاؤوا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس فعلوا وإلا فقد جموا وإن هم أبوا فوالذي نفسي بيده لأقاتلهم على أمري هذا حتى تنفرد سالفتي، أو لينفذن الله أمره. فقال بديل سأبلغهم ما تقول. فانطلق حتى أتى قريشاً فقال: إنا قد جئناكم من عند الرجل وسمعناه يقول قولاً، فإن شئتم نعرضه عليكم فعلنا. فقال سفهاؤهم: لا حاجة لنا في أن تحدّثنا عنه بشيء. وقال ذو الرأي منهم هات ما سمعته يقول. قال: سمعته يقول: كذا وكذا، فحدثهم بما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقام عروة بن مسعود الثقفي فقال: أي قوم ألستم بالولد؟ قالوا: بلى. قال: ألست بالوالد؟ قالوا: بلى. قال: فهل تتهموني؟ قالوا: لا. قال: ألستم تعلمون أني استنفرت أهل عكاظ فلما بلحوا عليّ جئتكم بأهلي وولدي ومن أطاعني؟ قالوا: بلى. قال: فإن هذا قد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها ودعوني آته. قالوا: إئته. فأتاه فجعل يكلم النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم نحواً من قوله لبديل، فقال عروة عند ذلك: أي محمد أرأيت إن استأصلت قومك هل سمعت أحداً من العرب اجتاح أهله قبلك وإن تكن الأخرى فوالله إني لأرى وجوهاً وأرى أوباشاً من الناس خليقاً أن يفروا ويدعوك. فقال له أبو بكر: أمصص بظر اللات، أنحن نفر عنه وندعه؟ فقال: من ذا؟ قال: أبو بكر. قال: أما والذي نفسي بيده لولا يد كانت لك عندي لم أجزك بها لأجبتك. قال: وجعل يكلم النبي صلى الله عليه وسلم فكلما كلمه أخذ بلحيته، والمغيرة بن شعبة قائم على رأس النبي صلى الله عليه وسلم ومعه السيف وعليه المغفر، فكلما أهوى عروة بيده إلى لحية النبي صلى الله عليه وسلم ضرب المغيرة يده بنعل السيف وقال أخر يدك عن لحية رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرفع عروة رأسه، فقال: من هذا؟ قالوا: المغيرة بن شعبة. قال: أي غدر، ألست أسعى في غدرتك؟ وكان المغيرة صحب قوما في الجاهلية فقتلهم وأخذ أموالهم ثم جاء فأسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أما الإِسلام فأقبل، وأما المال فلست منه في شيء. ثم إن عروة جعل يرمق أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بعينيه. قال: فوالله ما تنخم رسول الله صلى الله عليه وسلم نخامة إلا وقعت في كف واحد منهم، فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده وما يحدون إليه النظر تعظيماً له. فرجع عروة إلى أصحابه فقال: أي قوم! والله لقد وفدت على الملوك، وفدت على قيصر وكسرى والنجاشي، والله إن رأيت ملكاً يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمد محمداً، والله إن يتنخم نخامة إلا وقعت في كف واحد منهم فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده، وما يحدون إليه النظر تعظيماً له، وإنه قد عرض عليكم خطة رشد فأقبلوها. فقال رجل من بني كنانة: دعوني آته. فقالوا: ائته. فلما أشرف على النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا فلان وهو من قوم يعظمون البدن فابعثوها له فبعثت له واستقبله القوم يلبون، فلما رأى ذلك قال: سبحان الله ما ينبغي لهؤلاء أن يصدوا عن البيت، فلما رجع إلى أصحابه قال: رأيت البدن قد قلدت وأشعرت فما أرى أن يصدوا عن البيت، فقام رجل يقال له مكرز بن حفص، فقال: دعوني آته، فقالوا: إئته. فلما أشرف عليهم قال النبي صلى الله عليه وسلم: هذا مكرز وهو رجل فاجر، فجعل يكلم النبي صلى الله عليه وسلم، فبينما هو يكلمه إذ جاء سهيل بن عمرو، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: قد سهل لكم من أمركم، فجاء سهيل فقال هات أكتب بيننا وبينك كتابا. فدعا الكاتب، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أكتب بسم الله الرحمن الرحيم. قال سهيل: أما الرحمن فوالله ما أدري ما هو، ولكن أكتب باسمك اللهم كما كنت تكتب. فقال المسلمون: والله ما نكتبها إلا بسم الله الرحمن الرحيم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أكتب باسمك اللهم. ثم قال: هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله. فقال سهيل: والله لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت، ولا قاتلناك، ولكن أكتب: محمد بن عبدالله. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: والله إني لرسول الله وإن كذبتموني، أكتب: هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد الله. قال الزهري وذلك لقوله: لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: على أن تخلوا بيننا وبين البيت، فنطوف به. قال سهيل: والله لا تتحدث العرب أنا أخذنا ضفطة، ولكن لك من العام المقبل، فكتب. فقال سهيل: وعلى أنه لا يأتيك منا رجل وإن كان على دينك إلا رددته إلينا. فقال المسلمون: سبحان الله كيف يرد إلى المشركين وقد جاء مسلماً؟ فبينما هم كذلك إذ جاء أبو جندل بن سهيل بن عمرو يرسف في قيوده، وقد خرج من أسفل مكة حتى رمى بنفسه بين أظهر المسلمين، فقال سهيل: هذا يا محمد أول من أقاضيك عليه أن ترد إليَّ. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إنا لم نقض الكتاب بعد. قال: فوالله لا أصالحك على شيء أبداً. قال النبي صلى الله عليه وسلم: فأجزه لي. قال: ما أنا بمجيزه. قال: بلى، فافعل. قال: ما أنا بفاعل. فقال أبو جندل: أي معشر المسلمين أرد إلى المشركين، وقد جئت مسلماً، ألا ترون ما لقيت في الله؟ وكان قد عذب عذاباً شديداً في الله. فقال عمر بن الخطاب: والله ما شككت منذ أسلمت إلا يومئذ، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم، فقلت: ألست نبي الله؟ قال: بلى. فقلت: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ قال: بلى. قلت: فلم نعطى الدنية في ديننا إذن؟ قال: إني رسول الله، ولست أعصيه، وهو ناصري. قلت: أو ليس كنت تحدثنا إنا سنأتي البيت ونطوف به؟ قال: بلى، أفأخبرتك أنك تأتيه العام؟ قلت: لا. قال: فإنك آتيه ومطوف به. فأتيت أبا بكر، فقلت يا أبا بكر: أليس هذا نبي الله حقاً؟ قال: بلى. قلت: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ قال: بلى. قلت: فلم نعطي الدنية في ديننا إذن؟ قال: أيها الرجل إنه رسول الله وليس يعصي ربه وهو ناصره فاستمسك بغرزه تفز حتى تموت، فوالله إنه لعلى الحق. قلت: أو ليس كان يحدثنا إنا سنأتي البيت ونطوف به؟ قال: بلى، أفأخبرك أنك تأتيه العام؟ قلت: لا. قال: فإنك آتيه ومطوف به. قال عمر: فعملت لذلك أعمالاً. فلما فرغ من قضية الكتاب قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: قوموا فانحروا ثم احلقوا. فوالله ما قام رجل منهم حتى قال ذلك ثلاث مرات، فلما لم يقم منهم أحد قام فدخل على أم سلمة فذكر لها ما لقي من الناس، فقالت أم سلمة: يا نبي الله أتحب ذلك؟ قال: نعم. قالت: فأخرج ثم لا تكلم أحداً منهم حتى تنحر بدنك وتدعو حالقك فيحلقك. فقام النبي صلى الله عليه وسلم، فخرج فلم يكلم أحداً منهم كلمة حتى فعل ذلك: نحر بدنه، ودعا بحالقه فحلقه. فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا، وجعل بعضهم يحلق بعضاً حتى كاد بعضهم يقتل بعضاً غمّاً. ثم جاءه نسوة مؤمنات فأنزل الله {يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات} [الممتحنة: 10] حتى بلغ {بعصم الكوافر} فطلق عمر رضي الله عنه يومئذ امرأتين كانتا له في الشرك فتزوّج إحداهما معاوية بن أبي سفيان والأخرى صفوان بن أمية. ثم رجع النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، فجاءه أبو بصير رجل من قريش وهو مسلم فأرسلوا في طلبه رجلين فقالوا: العهد الذي جعلته لنا، فدفعه النبي صلى الله عليه وسلم إلى الرجلين فخرجا به حتى بلغا به ذا الحليفة، فنزلوا يأكلون من تمر لهم، فقال أبو بصير لأحد الرجلين: والله إني لأرى سيفك هذا يا فلان جيداً. فاستله الآخر وقال: أجل والله إنه لجيد لقد جربت به وجربت. فقال له أبو بصير: أرني أنظر إليه. فأمكنه منه، فضربه حتى برد، وفر الآخر حتى أتى المدينة فدخل المسجد يعدو، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين رآه: لقد رأى هذا ذعراً فلما انتهى إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: قد قتل والله صاحبي وإني لمقتول، فجاء أبو بصير فقال يا نبي الله: قد أوفى الله بذمتك، قد رددتني إليهم ثم أنجاني الله منهم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ويل أمه مسعر حرب لو كان له أحد، فلما سمع ذلك عرف أنه سيرده إليهم فخرج حتى أتى سيف البحر. قال: وينفلت منهم أبو جندل، فلحق بأبي بصير، فجعل لا يخرج من قريش رجل قد أسلم إلا لحق بأبي بصير حتى اجتمعت منهم عصابة. قال: فوالله ما يسمعون بعير لقريش خرجت إلى الشام إلا اعترضوا لها فقتلوهم وأخذوا أموالهم. فأرسلت قريش إلى النبي صلى الله عليه وسلم تناشده الله والرحم لمّا أرسل إليهم فمن أتاه منهم فهو آمن. فأرسل إليهم النبي صلى الله عليه وسلم فأنزل الله {وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم} حتى بلغ {حمية الجاهلية} وكانت حميتهم أنهم لم يقروا أنه نبي، ولم يقروا ببسم الله الرحمن الرحيم، وحالوا بينه وبين البيت . تفسير : وأخرج عبد الرزاق عن ابن عباس قال: كاتب الكتاب يوم الحديبية علي بن أبي طالب. وأخرج أحمد وعبد بن حميد ومسلم والطبراني وابن مردويه والبيهقي في الدلائل حديث : عن سلمة بن الأكوع قال: قدمنا الحديبية مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونحن أربع عشرة مائة، ثم إن المشركين من أهل مكة راسلونا في الصلح فلما اصطلحنا واختلط بعضنا ببعض، أتيت شجرة فاضطجعت في ظلها فأتاني أربعة من مشركي أهل مكة فجعلوا يقعون في رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمعضتهم، وتحوّلت إلى شجرة أخرى، فعلقوا سلاحهم واضطجعوا، فبينما هم كذلك إذ نادى منادٍ من أسفل الوادي: يا للمهاجرين قتل ابن زنيم، فاخترطت سيفي فاشتددت على أولئك الأربعة وهم رقود فأخذت سلاحهم وجعلته في يدي، ثم قلتُ: والذي أكرم وجه محمد لا يرفع أحد منكم رأسه إلا ضربت الذي فيه عيناه، ثم جئت بهم أسوقهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجاء عمي عامر برجل من العبلات يقال له مكرز من المشركين يقوده حتى وقفنا بهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم في سبعين من المشركين، فنظر إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: دعوهم يكون لهم بدء الفجور ومنتهاه، فعفا عنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنزل الله {وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم} . تفسير : وأخرج أحمد والنسائي والحاكم وصححه وابن جرير وأبو نعيم في الدلائل وابن مردويه عن عبد الله بن مغفل قال: حديث : كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في أصل الشجرة التي قال الله في القرآن، وكان يقع من أغصان تلك الشجرة على ظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلي بن أبي طالب وسهيل بن عمرو بين يديه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي: اكتب بسم الله الرحمن الرحيم فأخذ سهيل بيده، قال: ما نعرف الرحمن ولا الرحيم، أكتب في قضيتنا ما نعرف. قال: أكتب: باسمك اللهم وكتب هذا ما صالح عليه محمد رسول الله أهل مكة، فأمسك سهيل بيده وقال: لقد ظلمناك إن كنت رسوله، أكتب في قضيتنا ما نعرف، فقال: أكتب هذا ما صالح محمد بن عبد الله، فبينا نحن كذلك إذ خرج علينا ثلاثون شاباً عليهم السلاح، فثاروا في وجوهنا، فدعا عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخذ الله بأسماعهم. ولفظ الحاكم: بأبصارهم. فقمنا إليهم فأخذناهم فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل جئتم في عهد أحد، أو هل جعل لكم أحد أماناً فقالوا: لا. فخلى سبيلهم فأنزل الله {وهو الذي كف أيديهم عنكم} . تفسير : وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن أبزى قال:حديث : لما خرج النبي صلى الله عليه وسلم بالهدي، وانتهى إلى ذي الحليفة قال له عمر: يا نبي الله تدخل على قوم لك حرب بغير سلاح ولا كراع، فبعث إلى المدينة فلم يدع فيها سلاحاً ولا كراعاً إلا حمله، فلما دنا من مكة منعوه أن يدخل، فسار حتى أتى منى، فنزل بمنى، فأتاه عيينة بن عكرمة بن أبي جهل قد خرج عليه في خمسمائة، فقال لخالد بن الوليد: يا خالد هذا ابن عمك قد أتاك في الخيل، فقال خالد: أنا سيف الله وسيف رسوله، فيومئذ سمي سيف الله، يا رسول الله إرمِ بي أين شئت، فبعثه على خيل فلقيه عكرمة في الشعب، فهزمه حتى أدخله حيطان مكة، ثم عاد في الثانية حتى أدخله حيطان مكة، ثم عاد في الثالثة فهزمه حتى أدخله حيطان مكة، فأنزل الله {وهو الذي كف أيديهم عنكم} الآيةتفسير : . قال: فكف الله النبي عنهم من بعد أن أظفره عليهم لبقايا من المسلمين كانوا بقوا فيها كراهية أن تطأهم الخيل. أخرج ابن المنذر عن الضحاك وسعيد بن جبير {والهدي معكوفاً} قال: محبوساً. وأخرج أحمد والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: نحروا يوم الحديبية سبعين بدنة، فلما صدت عن البيت حنت كما تحن إلى أولادها. وأخرج الطبراني حديث : عن مالك بن ربيعة السلولي رضي الله عنه أنه شهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الشجرة ويوم رد الهدي معكوفاً قبل أن يبلغ محله، وأن رجلاً من المشركين قال يا محمد: ما يحملك على أن تدخل هؤلاء علينا ونحن كارهون؟ فقال: "هؤلاء خير منك ومن أجدادك يؤمنون بالله واليوم الآخر والذي نفسي بيده لقد رضي الله عنهم" . تفسير : قوله تعالى: {ولولا رجال مؤمنون} الآية. أخرج الحسن بن سفيان وأبو يعلى وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن قانع والباوردي والطبراني وابن مردويه وأبو نعيم بسند جيد عن أبي جمعة حنيبذ بن سبيع قال: قاتلت النبي صلى الله عليه وسلم أول النهار كافراً، وقاتلت معه آخر النهار مسلماً، وفينا نزلت {ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات} وكنا تسعة نفر سبعة رجال وامرأتين. وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما {ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات لم تعلموهم} قال: حين ردوا النبي صلى الله عليه وسلم {أن تطؤهم} بقتلهم إياهم {لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم عذاباً أليماً} يقول لو تزيل الكفار من المؤمنين لعذبهم الله عذاباً أليماً بقتلهم إياهم. وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله {ولولا رجال مؤمنون} قال: دفع الله عن المشركين يوم الحديبية بأناس من المؤمنين كانوا بين أظهرهم. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه في الآية قال: هم أناس كانوا بمكة تكلموا بالإِسلام كره الله أن يؤذوا وأن يوطأوا حين رد محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه يوم الحديبية، فتصيب المسلمين منهم معرة يقول ذنب بغير علم. وأخرج ابن جرير عن ابن زيد {فتصيبكم منهم معرة بغير علم} قال: إثم {لو تزيلوا} قال: لو تفرقوا. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله {لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم عذاباً أليماً} قال: هو القتل والسبي. وأخرج ابن جرير عن قتادة رضي الله عنه {لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم عذاباً أليماً} قال: إن الله عز وجل يدفع بالمؤمنين عن الكفار.
القشيري
تفسير : قيل إن سبعين رجلاً من أهل مكة هبطوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم من جبل التنعيم متسلحين يريدون قتله (فأخذناهم سِلْماً فاستحييناهم) فأنزل اللَّهُ هذه الآيةَ في شآنهم. وقيل أخذ اثني عشر رجلاً من المشركين - بلا عَهْدٍ - فَمنَّ عليهم الرسولُ صلى الله عليه وسلم وقيل: هم أهلُ الحديبية كانوا قد خرجوا لمنع المسلمين، وحصل ترامي الأحجار بينهم؛ فاضطرهم المسلمون إلى بيوتهم، فأنزل اللَّهُ هذه الآية يمن عليهم حيث كف أيدي بعضهم عن بعض عن قدرة من المسلمين، لا من عجزٍ؛ فأما الكفار فكفُّوا أيديهم رُعْباً وخوفاً؛ وأمَّا المسلمون فَنَهياً مِنْ قِبَلِ الله، لما في أصلابهم من المؤمنين - أراد اللهُ أن يخرجوا، أو لِمَا عَلِمَ أن قوماً منهم يؤمنون. والإشارة فيه: أن من الغنيمة الباردة والنعم السنية أن يَسْلَم الناسُ منك، وتسلم منهم. وإن الله يفعل بأولياءه ذلك، فلا من أَحد عليهم حَيف، ولا منهم على أحد حيفٌ ولا حسابٌ ولا مطالبة ولا صلحٌ ولا معاتبة، ولا صداقة ولا عداوة. وكذا من كان بالحق - وأنشدوا: شعر : فلــم لي يبْــقَ وقـتٌ لِذكــرِ مُخَالِـــفٍ ولم يبــق لــي قلـبٌ لذكـر مـوافـق
اسماعيل حقي
تفسير : {وهو الذى كف ايديهم} اى ايدى كفار مكة {عنكم} اى بان حملهم على الفرار منكم مع كثرة عددهم وكونهم فى بلادهم بصدد الذنب عن اهليهم واولادهم {وايديكم عنهم} بان حملكم على الرجوع عنهم وتركهم {ببطن مكة} اى فى داخلها {من بعد ان اظفركم} اى جعلكم ظافرين غالبين {عليهم} وبالفارسية بس ازانكه ظفر دار شمار او غالب ساخت. مع ان العادة المستمرة فيمن ظفر بعدوه ان لا يتركه بل يستأصله والظفر الفوز واصله من ظفر اى نشب ظفره وذلك ان عكرمة بن ابى جهل خرج فى خمسمائة الى الحديبية فبعث رسول الله عليه السلام خالد بن الوليد على جند وسماه يومئذ سيف الله فهزمهم حتى ادخلهم حيطان مكة ثم عاد ذكره الطبرانى وابن ابى حاتم فى تفسيريهما قال سعدى المفتى لم يصح هذا والمذكور فى كتب السير وغيرها من الصحاح ان خالد بن الوليد كان يوم الحديبية طليعة للمشركين ارسلوه فى مائتى فارس فدنا فى خيله حتى نظر الى اصحاب رسول الله فأمر رسول الله عباد بن بشر رضى الله عنه فتقدم فى خيله فقام بازآئه وصف اصحابه وحانت العصر فصلى رسول الله باصحابه صلاة الخوف فكيف يصح ما ذكره وقد صح ان اسلام خالد بن الوليد كان بعد الحديبية فى السنة الثامنة أو قبلها انتهى وكذا قال فى انسان العيون خالد بن الوليد اسلم بعد وقعة الحديبية وعن ابن عباس رضى الله عنهما ان الله تعالى اظهر المسلمين عليهم بالحجارة حتى ادخلوهم البيوت يعنى ان جماعة من اهل مكة خرجوا يوم الحديبية يرمون المسلمين فرماهم المسلمون بالحجارة حتى ادخلوهم بيوت مكة فلما كان الكف على الوجه المذكور فى غاية البعد قال تعالى {وهو الذى} الخ على طريق الحصر استشهادا به على ما تقدم من قوله {أية : ولو قاتلكم}تفسير : الخ او هم ثمانون رجلا طلعوا على رسول الله من قبل التنعيم عند صلاة الصبح ليأخذوه بغتة ويقتلوا الاصحاب فأخذهم رسول الله فخلى سبيلهم فيكون المراد ببطن مكة وادى الحديبية لان بعضها من الحرم وفى المفردات اصل البطن الجارحة ويقال للجهة السفلى بطن وللجهة العليا ظهر وبه بطن الامر وبطن وفخذ وكاهل انتهى. يقول الفقير لا شك ان وادى الحديبية واقع فى الجهة السفلى من مكة لانه فى جانب جدة المحروسة فيكون المراد بالبطن تلك الجهة لا داخل مكة والمعنى والله تعالى اعلم ان الله هو الذى كف ايديهم عنكم وايديكم عنهم من الحديبية التى هى الجهة السفلى من مكة من بعد ان اقدركم عليهم بحيث لو قاتلتموهم غلبتهم عليهم بأذنه تعالى على ما كان فى علمه كما قال {أية : ولو قاتلكم}تفسير : الخ وسيأتى سر الكف فى الآية التى تلى هذه {وكان الله بما تعملون} من مقاتلتكم وهزمكم اياهم اولا طاعة لرسوله وكفكم عنهم ثانيا لتعظيم بيته الحرام وصيانة اهل الاسلام {بصيرا} عالما لا يخفى عليه شئ فيجازيكم بذلك وقال بعض العلماء من بعد ان اظفركم عليهم يوم الفتح وبه استشهد ابو حنيفة رحمه الله على ان مكة فتحت عنوة لا صلحا واما ان السورة نزلت قبله فلا يخالف لانه من الاخبار عن الغيب كقوله {أية : انا فتحنا لك}تفسير : نعم يرد عليه منع دلالته على العنوة فقد يكون الظفر على البلد بالصلح وكذلك قال الزمخشرى فى اول السورة الفتح الظفر بالبلد عنوة او صلحا بحرب او بغير حرب كما فى حواشى سعدى المفتى وقال فى بحر العلوم ويدل على انها فتحت عنوة قوله تعالى {أية : انا فتحنا لك فتحاً مبينا}تفسير : لان لفظ الفتح اذا ورد مطلقا لا يقع الا على ما فتح عنوة انتهى. يقول الفقير هذا ليس من قبيل الفتح المطلق ولو سلم فالفتح المطلق لا يدل عليه ولذا قارنه تعالى بالنصرة فى سورة النصر فان النصر يقتضى القهارية لا الفتح وقال فى عين المعانى وقد فتحت صلحا عند الشافعى قلنا بل عنوة لقوله عليه السلام لاصحابه "حديث : احصدوهم بالسيف حصدا"تفسير : الا انه لم يضع الجزية على اهلها ولا الخراج على اراضيها كما هو مذهبنا فيما يفتح عنوة لان مشركى العرب لا يقبل منهم الا الاسلام او السيف عندنا واما سواد الكوفة ارض العجم انتهى. وقصة فتح مكة على الاجمال ان الفتح كان فى شهر رمضان سنة ثمان من الهجرة وكان السبب فى ذلك نقض عهد وقع من جانب قريش وذلك ان شخصا من بنى بكر هجا رسول الله صلى الله عليه وسلم وصار يتغنى به فسمعه غلام من خزاعة وكانوا مسلمين فضربه فشبحه فثار الشر بين الحيين وامد قريش لبنى بكر على خزاعة فبيتوا خزاعة اى اتوهم ليلا على غفلة فقتلوا منهم عشرين ولم يكن ذلك برأى ابى سفيان رئيس قريش وعند ما بلغه الخبر قال حدثتنى زوجتى هند انها رأت رؤيا كرهتها رأت دما اقبل من الحجون يسيل حتى وقف بالخندمة بالخاء العجمة جبل بمكة والحجون بالحاء المهملة جبل بمعلاة مكة وقال والله ليغزونا محمد فكره القوم ذلك وخرج عمرو بن سالم الخزاعى حتى قدم المدينة وقص على رسول الله القصة فقال عليه السلام "حديث : نصرت يا عمرو بن سالم"تفسير : ودمعت عينا رسول الله وكان يقول "حديث : خزاعة منى وانا منهم"تفسير : قالت عائشة رضى الله عنها اترى قريشا تجترئ على نقض العهد الذى بينك وبينهم فقال عليه السلام حديث : ينقضون العهد الامر يريده الله تفسير : فقلت خير قال حديث : خير تفسير : ولما ندمت قريش على نقض العهد ارسلوا ابا سفيان ليشد العقد ويزيد فى المدة فقال عليه السلام حديث : نحن على مدتنا وصلحنا تفسير : ولم يقبل ذلك من ابى سفيان ولا احد من اصحابه فرجع الى مكة واخبر القصة وقال والله قد ابى على وقد تتبعت اصحابه فما رأيت قوما لملك عليهم اطوع منهم له ثم ان رسول الله تشاور مع ابى بكر وعمر رضى الله عنهما فى السير الى مكة واخفى الامر عن غيرهما فقال ابو بكر هم قومك يا رسول الله فأشار الى عدم السير وحضه عمر حيث قال هم رأس الكفرة زعموا انك ساحر وانك كذاب وذكر له كل سوء كانوا يقولونه وايم الله لا تذل العرب حتى تذل اهل مكة فعند ذلك ذكر عليه السلام ان أبا بكر كابراهيم وكان فى الله ألين من اللبن وان عمر كنوح وكان فى الله اشد من الحجر وان الامر أمر عمر واشار عليه السلام بطى السر وامر أصحابه بالجهاز وارسل الى اهل البادية ومن حوله من المسلمين فى كل ناحية يقول لهم "حديث : من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليحضر رمضان بالمدينة"تفسير : ولما قدموا قال عليه السلام "حديث : اللهم خذ العيون والاخبار من قريش حتى نبغتها فى بلادها"تفسير : ثم مضى لسفره لعشر خلون من رمضان او غير ذلك وكان العسكر عشرة آلاف فيهم المهاجرون والانصار جميعا وافطر عليه السلام فى هذا السفر بالكديد وهو كأمير محل بين عسفان وقديد كزبير مصغرا وامر بالافطار وعد مخالفته فى ذلك عصيانا لحرارة الهوآء ولما فيه من القوة على مقاتلة العدو وفى قديد عقد عليه السلام الألوية والرايات ودفعها للقبائل ثم سار حتى مر بمر الظهران وهو موضع على مرحلة من مكة وقد أعمى الله الاخبار عن قريش اجابة لدعائه فلم يعلموا بوصوله وكان ذلك منه عليه السلام شفقة على قريش حتى لا يضنوا بالمقاتلة وامر عليه السلام اصحابه فأوقدوا عشرة آلاف نار وجعل على الحرس عمر بن الخطاب رضى الله عنه وكان العباس عم النبى عليه السلام قد خرج قبل ذلك بعياله مسلما اى مظهرا للاسلام مهاجرا فلقى رسول الله بالجحفة وهو بتقديم الجيم ميقات اهل الشأم فرجع معه الى مكة وارسل اهله وثقله الى المدينة وقال له عليه السلام حديث : هجرتك يا عم آخر هجرة كما ان نبوتى آخر نبوة تفسير : وبعث قريش ابا سفيان يتجسس الاخبار وقالوا ان لقيت محمدا فخذلنا منه امانا فلما وصل الى مر الظهران ليلا قال ما رأيت كالليلة نيرانا قط ولا عسكرا هذا كنيران عرفة وكان بينه وبين العباس مصادقة فلما لقيه اخذ بيده وذهب به الى رسول الله ليأخذ منه اماناله فلما اتاه قال عليه السلام حديث : اذهب به يا عباس الى رحلك فاذا اصبحت فائتنى به تفسير : فلما اتى به عرض النبى عليه السلام عليه الاسلام فتوقف فقال العباس له ويحك اسلم واشهد ان لا اله الا الله وان محمدا رسول الله قبل ان يضرب عنقك فهداه الله فشهد شهادة الحق فأسلم ثم قال يا رسول الله ارأيت ان اعتزلت قريش فكفت ايديها آمنون هم قال عليه السلام حديث : نعم من كف يده وأغلق داره فهو آمن تفسير : فقال العباس يا رسول الله ان ابا سفيان يحب الفخر فاجعل له شيأ قال حديث : نعم من دخل دار ابى سفيان فهو آمن ومن دخل المسجد فهو آمن ومن اغلق بابه فهو آمن ومن القى سلاحه فهو آمن ومن دخل دار حكيم بن حزام"تفسير : وهو من اشراف قريش فى الجاهلية والاسلام "حديث : فهو آمن تفسير : وعقد عليه السلام لابى رويحة الذى آخى بينه وبين بلال رضى الله عنه لوآء وامره ان ينادى من دخل تحت لوآء ابى رويحة فهو آمن وذلك توسعة للامان لضيق المسجد ودار ابى سفيان واستثنى عليه السلام جماعة من النساء والرجال امر بقتلهم وان وجدوا متعلقين بأستار الكعبة منهم ابن خطل ونحوه لان الكعبة لا تعيذ عاصيا ولا تمنع من إقامة حد واجب وكانوا طغاة مردة مؤذين لرسول الله عليه السلام اشد الاذى فعفا عمن آمن وقتل من اصر وقال عليه السلام للعباس حديث : احبس ابا سفيان فى مضيق الوادى حتى تمر به جنود الله فيراها تفسير : فأول من مر خالد بن الوليد فى بنى سليم مصغرا ثم قبيلة بعد قبيلة براياتهم حتى مر رسول الله ومعه المهاجرون والانصار وعمر رضى الله عنه يقول رويدا حتى يلحق اولكم آخركم قال ابو سفيان سبحان الله يا عباس من هؤلاء فقال هذا رسول الله فى الانصار عليهم سعد بن عبادة معه الراية ثم نزعت منه واعطيت لابنه قيس وكان من دهاة العرب واهل الرأى والمكيدة فى الحرب مع النجدة والنبالة وكان المهاجرون سبعمائة ومعهم ثلاثمائة فرس وكانت الانصار اربعة آلاف ومعهم خمسمائة فرس فقال ابو سفيان ما لأحد بهؤلاء قبل ولا طاقة وقال يا عباس لقد اصبح ملك ابن اخيك اليوم عظيما فقال العباس انها النبوة وامر عليه السلام خالد بن الوليد ان يدخل مع جملة من قبائل العرب من اسفل مكة وقال "حديث : لا تقاتلوا الا من قاتلكم"تفسير : وجمع قريش ناسا بالحندمة ليقاتلوا ولما لقيهم خالد منعوه الدخول ورموه بالنبل فصاح خالد فى اصحابه فقتل من قتل وانهزم من لم يقتل حتى وصل خالد الى باب المسجد وقال عليه السلام فى ذلك اليوم حديث : احصدوهم حصدا حتى توافونى بالصفا تفسير : ودخل عليه السلام مكة وهو راكب على ناقته القصوآء مردفا اسامة بن زيد بكرة يوم الجمعة وعن بعضهم يوم الاثنين معتما بعمامة سودآء وقيل غير ذلك والاول انسب بمقام المعرفة والفناء واضعا رأسه الشريف على رحله تواضعا لله تعالى حين رأى ما رأى من فتح الله مكة وكثرة المسلمين ثم قال "حديث : اللهم ان العيش عيش الآخرة"تفسير : وعن عائشة رضى الله عنها دخل رسول الله يوم الفتح من كدآء وهو كسماء جبل بأعلى مكة واغتسل لدخول مكة وساروهو يقرأ سورة الفتح حتى جاء البيت وطاف به سبعا على راحلته ومحمد بن مسلمة آخذ بزمامها واستلم الحجر بمحجن فى يده وهو العصا المعوجة ولم يطف ماشيا لتعليم الناس كيفية الطواف وصلى عليه السلام بالمقام ركعتين وهو يومئذ لاصق بالكعبة فى جانب الباب ثم اخره الى المحل المعروف الآن بمقام ابراهيم والظاهر ان مقام ابراهيم وهو الحجر الذى انغمس فيه قدم ابراهيم عليه السلام عندما بنى البيت قد محى اثره بكثرة مسح الايدى ثم فقد ومقام ابراهيم الآن محل ذلك الحجر واما الحجر الموضوع هناك فموضوع وكان فى داخل الكعبة وخارجها وفوقها يومئذ ثلاثمائة وستون صنما لكل حى من احياء العرب صنم وكان هبل اعظم الاصنام وكان من عقيق الى جنب البيت من جهة بابه وهو الآن مطروح تحت باب السلام القديم يطأه الناس الى يوم القيامة لقول ابى سفيان يوم احد مفتخرا بذلك اعل هبل اعل هبل وذلك لان من اعزه الناس اذله الله فجاء عليه السلام ومعه قضيب فجعل يهوى به الى كل صنم منهم فيخر لوجهه وكان يقول "حديث : جاء الحق وزهق الباطل ان الباطل كان زهوقا"تفسير : وامر عليا رضى الله عنه فصعد الكعبة وكسر ما فوقها ودخل عليه السلام الكعبة بعد ان ارسل بلالا الى عثمان بن ابى طلحة يأتى بمفتاح الكعبة فدخلها عليه السلام وصلى ركعتين ودعا فى نواحيها كلها وكان فى الكعبة صور كثيرة حتى صورة ابراهيم واسمعيل ومريم وصور الملائكة فأمر عليه السلام عمر رضى الله عنه فمحاها كلها وكانت الكعبة بيت الاصنام الف سنة ثم صارت مسجد اهل الاسلام الف سنة اخرى وكانت تشكو الى الله تعالى مما فعله الناس من الشرك حتى انجز الله وعده لها وفيه اشارة الى كعبة القلب فانها كانت بيت الاصنام قبل الفتح والامداد الملكوتى واعظم الاصنام الوجود (قال الشيخ المغربى) شعر : بودوجود مغربى لات ومنات اوبود نسبت بتى جوبود اودرهمه سومنات تو تفسير : (وقال الحجندى) شعر : بشكن بت غروركه دردرن عاشقان يك بت كه كنندبه ازصد عبادتست تفسير : (وقال) شعر : مدعى نيست محرم دريار خادم كعبه بولهب نبود تفسير : وجلس رسول الله يوم الفتح على الصفا يبايع الناس فجاء الكبار والصغار والرجال والنساء فبايعهم على الاسلام اى على شهادة ان لا اله الا الله وان محمداً عبده ورسوله وعلى سائر الاحكام ودخل الناس فى دين الله افواجا وعفا عليه السلام عمن كان مؤذياله منذ عشرين سنة ودعا له بالمغفرة وقال عليه السلام "حديث : يا ايها الناس ان الله حرم مكة يوم خلق السموات والارض ويوم خلق الشمس والقمر ووضع هذين الجبلين فهى حرام الى يوم القيامة فلا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر ان يسفك فيها دما ولا يعضد فيها شجرة لم تحل لاحد قبلى ولن تحل لاحد يكون بعدى ولا تحل لى الا هذه الساعة"تفسير : اى من صبيحة يوم الفتح الى العصر غضبا على اهلها "حديث : ألا قد رجعت حرمتها اليوم كحرمتها بالامس فليبلغ الشاهد منكم الغائب تفسير : واقام بمكة بعد فتحها تسعة عشر او ثمانية عشر يوما يقصر الصلاة فى مدة اقامته" ثم خرج الا هوازن وثقيف كما مر وولى امر مكة عتاب بن اسيد رضى الله عنه وعمره احدى وعشرون سنة وامره ان يصلى بالناس وهو اول امير صلى بمكة بعد الفتح جماعة وترك معاذ بن جبل رضى الله عنه معه معلما للناس السنن والفقه وبه ثبت الاستخلاف وعليه العمل الى يومنا هذا فان النبى انما يبعث لرفع الجهل وقس عليه اولى جعلنا الله واياكم من الورائين
اطفيش
تفسير : {وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم} يعني أهل مكة روي أن قريشا جمعت جماعة من فتيانهم وجعلوها مع عكرمة بن ابي جهل وخرجوا يطلبون غدرة في عسكر النبي صلى الله عليه وسلم في الحديبية فقيل كانوا ثمانين هبطوا من جبل التنعيم يريدون غدر النبي صلى الله عليه وسلم أو عسكره ولما احس بهم المسلمون بعث في اثرهم خالد بن الوليد وسماه يومئذ سيف الله في حملة من الناس ففروا حتى ادخلهم بيوت مكة وأسروا جماعة فسيقوا الى النبي صلى الله عليه وسلم فمنّ عليهم واطلقهم وكان ذلك سبب الصلح ونزول الآية وقيل سبوهم كلهم واطلقهم وقال عبدالله بن معقل بينما أنا رفعت غصنا من شجرة الحديبية عن ظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلي بين يديه يكتب كتاب الصلح فخرج علينا ثلاثون شابا عليهم السلاح فدعا عليهم فاخذ الله بأبصارهم فأخذناهم فأطلقهم وقيل خرج عكرمة بن ابي جهل في خمسمائة فبعث خالدا في ناس فهزمهم وادخلوهم دور مكة وعن ابن عباس اظهر الله المسلمين عليهم بالحجارة حتى ادخلوهم البيوت فرجعوا وقيل ذلك يوم الفتح وبه استشهد ابو حنيفة على أن مكة فتحت عنوة لا صلحا ويرد ان السورة نزلت قبله والآية ذكر للمنة ان حجز بين الفريقين ولم يقتتلوا واتفق الصلح وهو أعظم من الفتح* {بِبَطْنِ مَكَّةَ} اي في بطنها والمراد الحديبية وقيل التنعيم وقيل وادي مكة وقيل في داخلها لأنهم لحقوهم وادخلوهم البيوت كما قال* {مِن بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ} مكنكم {عَلَيْهِمْ} وجعلكم ظافرين {وَكَانَ اللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ} من قتالكم أولا طاعة لله ورسوله وكفكم ثانيا تعظيما للبيت وقرا ابو عمرو بالمثناة تحت {بَصِيراً} فيجازيكم
اطفيش
تفسير : {وهُو الذي كفَّ أيديهُم عَنْكم} أيدى أهل مكة عنكم، وهو شامل للأحابيش أو أيدى الناس المذكورين فى الآية قبل، على أنهم أهل مكة {وأيْديكُم عَنْهم} عطف معمولين على معمولى عامل واحد، وكأنه قيل: وكف أيديكم عنهم، وفى التعبير بكف التلويح بأنه رد بعضا عن بعض بأمر لطيف، ولو قال منع لكان ظاهرا فى الرد بأمر شديد، كقتل فى جانب، ونحو صاعقة فى جانب، أو قتل فيهما، أو التلويح بأنه رد بعضاً عن بعض بعد شروع فى قتال، والله أعلم. {ببطْن مكَّة} هو الحديبية، كما روى الطبرى عن قتادة، وذلك مبالغة فى قربها الى بطن مكة، كأنها بطن مكة، كزيد أسد، ولا سيما أنه قال بعض: ان بعضها من الحرم، وفى ذلك تأكيد لقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : صلح الحديبية فتح" تفسير : ورد على من قال من الصحابة: أى فتح وقد صدُّونا أيضا حلقوا فطارت شعورهم بالريح حتى وقعت فى الحرم. {مِن بَعْد أنْ أظْفَركم} صيركم ظافرين {عَليْهم} عدى الاظفار بعلى لتضمنه الاعلاء، والاظفار تخويف أهل مكة من المسلمين حتى طلبوا الصلح منهم بأن قالوا: ارجعوا الآن وأتوا من قابل، وأيضا روى أحمد وأبو داود، والترمذى ومسلم وغيرهم، عن أنس: أنه قبض صلى الله عليه وسلم على ثمانين رجلاً جاءوا من التنعيم ليغدروه، فعفا عنهم، وذلك كف للأيدى بينهم وبينه صلى الله عليه وسلم، لم يقتلوه ولم يقتلهم بعد الاظفار عليهم، وأن الآية فيهم، وأيضا قال عبد لله بن معقل: كنا تحت الشجرة، فخرج علينا ثلاثون شابا فثاروا علينا، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذ الله سمعهم، وروى أبصارهم، فأخذناهم، فقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : هل جئتم في عهد أحد أو أخذتم أماناً من أحد؟" تفسير : قالوا: لا، فخلاهم، وفيهم نزلت رواه الحاكم والنسائى وغيرهم. وأيضا قال سلمة بن الأكوع: لما اصطلحنا، اختلط المشركون بنا، واضطجعت فى ظل شجرة، وجاء مشركون أربعة يشتمون رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتحولت الى أخرى لبغضى لهم على ما سمعت منهم، ونادى منادٍ: ما للمهاجرين قيل ابن زنيم، فأخذت سلاح الأربعة، وقد علقوها على الشجرة الأولى، واضطجعوا، وسللت سيفى فقلت: والذى كرم وجه محمد صلى الله عليه وسلم لئن رفع أحدكم رأسه لأقتلنَّه، فسقتهم الى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجاء عمى عامر بمشرك يسمى مكرزا، ووقفنا عليه صلى الله عليه وسلم بسبعين رجلاً من المشركين، فنظر اليهم فقال: "حديث : أطلقوهم يكونوا عليهم بدء الفجور" تفسير : وفيهم نزلت الآية رواه أحمد وغيره، وأخرج الطبرى عن ابن أبزى: لما انتهى الى ذى الحليفة صلى الله عليه وسلم، قال عمى: يا رسول الله تدخل على قوم لك حرب بلا سلاح ولا كراع، فبعث الى المدينة فما بقى فيها سلاح ولا كراع الا جىء به اليه، وقيل هذا الفتح يوم فتح مكة، والصحيح الأول. {وكان الله بمَا تعْمَلون} كله ومنه العفو بعد الظفر {بصيراً} فجازيكم.
الالوسي
تفسير : {وَهُوَ ٱلَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ } أي أيدي كفار مكة، وفي التعبير ـ بكف ـ دون منع ونحوه لطف لا يخفى {وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم بِبَطْنِ مَكَّةَ } يعني الحديبية كما أخرج ذلك عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة. وقد تقدم أن بعضها من حرم مكة، وأن لم يسلم فالقرب التام كاف ويكون إطلاق {بَطْنَ مَكَّةَ } عليها مبالغة {مِن بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ } مظهراً لكم {عَلَيْهِمْ } فتعدية الفعل بعلى لتضمنه ما يتعدى به وهو الإظهار والإعلاء أي جعلكم ذوي غلبة تامة. أخرج الإمام أحمد وابن أبـي شيبة وعبد بن حميد ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي في آخرين عن أنس قال: لما كان يوم الحديبية هبط على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ثمانون رجلاً من أهل مكة في السلاح من قبل جبل التنعيم يريدون غرة رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعا عليهم فأخذوا فعفا عنهم فنزلت هذه الآية {وَهُوَ ٱلَّذِي كَفَّ } الخ، وأخرج أحمد والنسائي والحاكم وصححه وابن مردويه وأبو نعيم في «الدلائل» عن عبد الله بن مغفل قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في أصل الشجرة التي قال الله تعالى في القرآن إلى أن قال: فبينا نحن كذلك إذ خرج علينا ثلاثون شاباً عليهم السلاح فثاروا إلى وجوهنا فدعا عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذ الله تعالى بأسماعهم ـ ولفظ الحاكم بأبصارهم ـ فقمنا إليهم فأخذناهم فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل جئتم في عهد أحد أو هل جعل لكم أحد أماناً؟ فقالوا: لا فخلى سبيلهم فأنزل الله تعالى: {وَهُوَ ٱلَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ } الخ. وأخرج أحمد وغيره عن سلمة بن الأكوع قال: قدمنا الحديبية مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن أربع عشرة مائة ثم إن المشركين من أهل مكة راسلونا إلى الصلح فلما اصطلحنا واختلط بعضنا ببعض أتيت شجرة فاضطجعت في ظلها فأتاني أربعة من مشركي أهل مكة فجعلوا يقعون في رسول الله صلى الله عليه وسلم فأبغضتهم وتحولت إلى شجرة أخرى فعلقوا سلاحهم واضطجعوا فبينما هم كذلك إذ نادى مناد من أسفل يا للمهاجرين قتل بن زنيم فاخترطت سيفي فاشتددت على أولئك الأربعة وهم رقود فأخذت سلاحهم وجعلته في يدي ثم قلت: والذي كرم وجه محمد لا يرفع أحد منكم رأسه إلا ضربت الذي فيه عيناه ثم جئت بهم أسوقهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وجاء عمي عامر برجل يقال له مكرز من المشركين يقوده حتى وقفنا بهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم في سبعين من المشركين فنظر إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: دعوهم يكون لهم بدء الفجور وثناه فعفا عنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنزل الله تعالى: {وَهُوَ ٱلَّذِي كَفَّ } الخ، وهذا كله يؤيد ما قلناه. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبـي حاتم عن ابن أبزى قال: لما خرج النبـي صلى الله عليه وسلم بالهدي وانتهى إلى ذي الحليفة قال له عمي: يا نبـي الله تدخل على قوم لك حرب بغير سلاح ولا كراع فبعث إلى المدينة فلم يدع فيها كراعاً ولا سلاحاً إلا حمله فلما دنا من مكة منعوه أن يدخل فسار حتى أتى منى فنزل بها فأتاه عينه أن عكرمة ابن أبـي جهل قد جمع عليك في / خمسمائة فقال لخالد بن الوليد: يا خالد هذا ابن عمك قد أتاك في الخيل فقال خالد: أنا سيف الله وسيف رسوله - فيومئذ سمي سيف الله - يا رسول الله ارم بـي إن شئت فبعثه على خيل فلقيه عكرمة في الشعب فهزمه حتى أدخله حيطان مكة فأنزل الله تعالى {وَهُوَ ٱلَّذِي } الآية. وفي «البحر» أن خالداً هزمهم حتى دخلوا بيوت مكة وأسر منهم جملة فسيقوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فمنَّ عليهم وأطلقهم، والخبر غير صحيح لأن إسلام خالد رضي الله تعالى عنه بعد الحديبية قبل عمرة القضاء، وقيل بعدها وهي في السنة السابعة. وروى ابن إسحٰق وغيره أن خالداً كان يوم الحديبية على خيل قريش في مائتي فارس قدم بهم إلى كراع الغميم فدنا حتى نظر إلى أصحاب النبـي صلى الله عليه وسلم فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عباد بن بشر فتقدم بخيله فقام بإزائه وصف أصحابه وحانت صلاة الظهر فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بأصحابه صلاة الخوف، وعن ابن عباس أن أهل مكة أرسلوا جملة من الفوارس في الحديبية يريدون الوقيعة بالمسلمين فأظهرهم الله تعالى عليهم بالحجارة حتى أدخلوهم البيوت، وأنكر بعضهم ذلك والله تعالى أعلم بصحة الخبر. وقيل: كان هذا الكف يوم فتح مكة، واستشهد الإمام أبو حنيفة بما في الآية من قوله تعالى: {مِن بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ } بناء على هذا القول لفتح مكة عنوة. واعترض القول المذكور والاستشهاد بالآية بناء عليه، أما الأول فلأن الآية نزلت قبل فتح مكة. وتعقب بأنه إن أريد أنها نزلت بتمامها قبله فليس بثابت بل بعض الآثار يشعر بخلافه وإلا فلا يفيد مع أنه يجوز أن يكون هذا إخباراً عن الغيب كما قيل ذلك في غيره من بعض آيات السورة، وأما الثاني فلأن دلالتها على العنوة ممنوعة، فقد قال الزمخشري: ((الفتح هو الظفر بالشيء سواء كان عنوة أو صلحاً))، والفرق بين الظفر على الشيء والظفر به من حيث الاستعلاء وهو كائن لأنهم اصطلحوا وهم مضطرون ورسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه مختارون، وفيه دغدغة لا تخفى؛ وكذا فيما تعقب به الأول. وبالجملة هذا القول وكذا الاستشهاد بما في الآية بناء غير بعيد إلا أن أكثر الأخبار الصحيحة وكذا ما بعد يؤيد ما قلناه أولاً في تفسير الآية. {وَكَانَ ٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ } بعملكم أو بجميع ما تعملونه ومنه العفو بعد الظفر. {بَصِيراً } فيجازيكم عليه. وقرأ أبو عمرو {يَعْمَلُونَ } بياء الغيبة فالكلام عليه تهديد للكفار.
ابن عاشور
تفسير : عطف على جملة {أية : وكفّ أيدي الناس عنكم}تفسير : [الفتح: 20] وهذا كفّ غير الكف المراد من قوله: {وكفَّ أيدي الناس عنكم}. وتقديم المسند إليه على الخبر الفعلي لإفادة التخصيص، أي القصر، أي لم يكفّهم عنكم ولا كفكم عنهم إلا الله تعالى، لا أنتم ولا هم فإنهم كانوا يريدون الشر بكم وأنتم حين أحطتم بهم كنتم تريدون قتلهم أو أسرهم فإن دواعي امتداد أيديهم إليكم وامتداد أيديكم إليهم متوفرة فلولا أن الله قدّر موانع لهم ولكم لاشتبكتم في القتال، فكفَّ أيديهم عنكم بأن نبهكم إليهم قبل أن يفاجئوكم وكف أيديكم عنهم حين أمر رسوله صلى الله عليه وسلم بأن يعفو عنهم ويطلقهم. وتقدم الكلام على معنى {كف} في قوله آنفاً {وكف أيديَ الناس عنكم}. والمعنى: أنه لم يترك أحد من الفريقين الاعتداء على الفريق الآخر من تلقاء نفسه ولكن ذلك كان بأسباب أوجدها الله تعالى لإرادته عدم القتال بينهم، وهي منّة ثانية مثل المنة المذكورة في قوله: {وكف أيدي الناس عنكم}. وهذه الآية أشارت إلى كف عن القتال يسّره الله رفقاً بالمسلمين وإبقاء على قوتهم في وقت حاجتهم إلى ذلك بعد وقعة بدر ووقعة أحد، واتفق المفسرون الأولون على أن هذا الكف وقع في الحديبية. وهذا يشير إلى ما روي من طرق مختلفة وبعضها في سنن الترمذي وقال: هو حديث صحيح، وفي بعضها زيَادة على بعض "أن جمعاً من المشركين يُقدر بستة أو باثني عشر أو بثلاثين أو سبعين أو ثمانين مسلحين نزلوا إلى الحديبية يريدون أن يأخذوا المسلمين على غرة ففطن لهم المسلمون فأخذوهم دون حرب وأمر النبي صلى الله عليه وسلم بإطلاقهم" وكان ذلك أيام كان السفراء يمشون بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين أهل مكة ولعل النبي صلى الله عليه وسلم أطلقهم تجنباً لما يعكر صفو الصلح. وضمائر الغيبة راجعة للذين كفروا في قوله: {أية : ولو قاتلكم الذين كفروا}تفسير : [الفتح: 22] ووجه عوده إليه مع أن الذين كف الله أيديهم فريق غير الفريق الذي في قوله: {ولو قاتلكم الذين كفروا} هو أن عرف كلام العرب جار على أن ما يصدر من بعض القوم ينسب إلى القوم بدون تمييز كما تقدم في سورة البقرة (63) في قوله: {أية : وإذ أخذنا ميثاقكم}تفسير : . وقوله: ببطن مكة} ظاهر كلام الأساس: أن حقيقة البطن جوف الإنسان والحيوان وأن استعماله في معاني المنخفض من الشيء أو المتوسط مجاز، قال الراغب: ويقال للجهة السفلى بطن، وللعليا ظهر. ويقال: بطن الوادي لوسطه. والمعروف من إطلاق لفظ البطن إذا أضيف إلى المكان أن يراد به وسط المكان كما في قول كعب بن زهير:شعر : في فتية من قريش قال قائلهم ببطن مكةَ لما أسلموا زُولوا تفسير : أي في وسط البلد الحرام فإن قائل: زولوا، هو عمر بن الخطاب أو حمزة بن عبد المطلب، غير أن محمل ذلك في هذه الآية غير بيّن لأنه لا يعرف وقوع اختلاط بين المسلمين والمشركين في وسط مكة يفضي إلى القتال حتى يُمتنّ عليهم بكف أيدي بعضهم عن بعض وكل ما وقع مما قد يفضي إلى القتال فإنما وقع في الحديبيّة. فجمهور المفسّرين حَملوا بطن مكة في الآية على الحديبيّة من إطلاق البطن على أسفل المكان، والحديبيّة قريبة من مكة وهي من الحِل وبعض أرضها من الحرم وهي على الطريق بين مكة وجدة وهي إلى مكة أقرب وتعرف اليوم باسم الشميسي، وجعلوا الآية تشير إلى القصة المذكورة في «جامع الترمذي» وغيره بروايات مختلفة وهي ما قدمناه آنفاً. ومنهم من زاد في تلك القصّة: أن جيش المسلمين اتبعوا العدوّ إلى أن دخلوا بيوت مكة وقتلوا منهم وأسروا فيكون بطن مكة محمولاً على مشهور استعماله، وهذا خبر مضطرب ومناف لظاهر قوله: {كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم}. ومنهم من أبعد المحمل فجعل الآية نازلة في فتح مكة وهذا لا يناسب سياق السورة ويخالف كلام السلف من المفسّرين وهم أعلم بالمقصود، هذا كلّه بناء على أن الباء في قوله: {ببطن مكة} متعلقة بفعل {كف}، أي كان الكف في بطن مكة. ويجوز عندي أن يكون {ببطن مكة} ظرفاً مستقِرّاً هو حال من ضميري {عنكم} و {عنهم} وهو حال مقدرة، أي لو كنتم ببطن مكة، أي لو لم يقع الصلح فدخلتم محاربين كما رغب المسلمون الذين كرهوا الصلح كما تقدم فيكون إطلاق {بطن مكة} جارياً على الاستعمال الشائع، أي في وسط مدينة مكة. ولهذا أوثرت مادة الظفر في قوله: {من بعد أن أظفركم عليهم} دون أن يقال: من بعد أن نصركم عليهم، لأن الظفر هو الفوز بالمطلوب فلا يقتضي وجود قتال فالظفر أعم من النصر، أي من بعد أن أنالكم ما فيه نفعكم وهو هدنة الصلح وأن تعودوا إلى العمرة في العام القابل. ومناسبة تعريف ذلك المكان بهذه الإضافة الإشارة إلى أن جمع المشركين نزلوا من أرض الحرم المكي إذ نزلوا من جبل التنعيم وهو من الحرم وكانوا أنصاراً لأهل مكة. ويتعلّق قوله: {من بعد أن أظفركم عليهم} بفعل {كف} باعتبار تعديته إلى المعطوف على مفعوله، أعني: {وأيديكم عنهم} لأنه هو الكف الذي حصل بعد ظفر المسلمين بفئة المشركين عل حسب تلك الرواية والقرينة ظاهرة من قوله: {من بعد أن أظفركم عليهم}. وهذا إشارة إلى أن كف أيدي بعضهم عن بعض كان للمسلمين إذا مَنُّوا على العدوّ بعد التمكن منه. فعُدي {أظفركم} بــ (على) لتضمينه معنى أيَّدَكُم وإلا فحقه أن يعدى بالباء. وجملة {وكان اللَّه بما تعملون بصيراً} تذييل للتي قبلها، والبصير بمعنى العليم بالمرئيّات، أي عليماً بعملكم حين أحطتم بهم وسُقتموهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم تظنون أنكم قاتلوهم أو آسروهم. وقرأ الجمهور {تعملون} بتاء الخطاب. وقرأه أبو عمرو وحده بياء الغيبة، أي عليماً بما يعملون من انحدارهم على غرة منكم طامعين أن يتمكنوا من أن يغلبوكم وفي كلتا القراءتين اكتفاء، أي كان الله بما تعملون ويعملون بصيرا، أو بما يعملون وتعملون بصيرا، لأن قوله: {كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم} يفيد عملاً لكل فريق، أي علم نواياكم فكفها لحكمة استبقاء قوتكم وحسن سمعتكم بين قبائل العرب وأن لا يجد المشركون ذريعة إلى التظلم منكم بالباطل.
د. أسعد حومد
تفسير : (24) - يَمُنُّ اللهُ عَلَى المُؤْمِنينَ بِأَنَّهُ كَفَّ أَيْدِيَ المُشْرِكِينَ عَنْهُم بِبَطْنِ مَكَّةَ (يومَ الحُدَيبِيَةِ) فَلَمْ يَصِلْ لِلمُؤْمِنِينَ ضَرَرٌ مِنَ المُشْرِكِينَ، وَكَفَّ أَيدِيَ المُؤْمِنينَ عَنِ المُشْرِكِينَ فَلَم يُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرَامِ، وَأَوْجَدَ بَيْنَهُمَا صُلْحاً فِيهِ خَيْرٌ لِلْمُسْلِمِينَ وَنَصْرٌ. وَقَدْ أَشَارَتْ هذِه الآيَةُ إِلى ثُلَّةٍ مِنَ الجُنْدِ أَرْسَلَتْهُم قُرَيشٌ لِيَطُوفُوا بِالمُعَسْكَرِ الإِسْلاميِّ يَلْتَمِسُونَ غَرَّةً لِيُصِيبُوا مِنْهُم، فَبَعَثَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم سَرِيَّةً فَأَسَرَتْهُمْ جَمِيعاً، وَجَاءَتْ بِهِمْ إِلى النَّبِي، فَعَفَا رَسُولُ اللهِ عَنْهُم، فَكَانَ أَسْرُهُمْ ظَفَراً لِلْمُسْلِمِينَ، وَكَانَ اللهُ بِصِيراً بِأَعْمالِكُم وَأعْمالِهِمْ، لاَ يَخْفَى عَلَيهِ مِنْها شَيءٌ. بِبَطْنِ مَكَّةَ - بِالحُدَيْبِيَةِ قُرْبَ مَكَّةَ. أَظْفَرَكُمْ عَلَيهِمْ - نَصَرَكُمْ عَلَيهِمْ وَأَظْهَرَكُمْ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : بطن مكة مكان قريب من الحديبية {مِن بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ ..} [الفتح: 24] نصركم عليهم وأظهركم عليهم، وهذه القوة هي التي أجبرت كفار مكة على الجلوس مع رسول الله للتفاوض، فقد أصبح للمسلمين كلمة تُسمع ورأي يُحترم، لذلك جاءتْ قريش لتعقد معهم معاهدة.
الجيلاني
تفسير : {وَ} كيف تبدل سنة الله وتغير حكمته مع أنه {هُوَ} القادر المقتدر {ٱلَّذِي كَفَّ} وضع {أَيْدِيَهُمْ} أي: أيدي كفار مكة {عَنكُمْ} حين استيلاءهم عليكم {وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم} حين غلبتم عليهم {بِبَطْنِ مَكَّةَ مِن بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ} وأظهركم {عَلَيْهِمْ} وذلك أن عكرمة بن أبي جهل خرج مع خمسمائة إلى الحديبة، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد على جند، فهزمهم حتى أدخلهم حيطان مطة، ثم قال: {وَ} بالجملة: {كَانَ ٱللَّهُ} العليم الحكيم {بِمَا تَعْمَلُونَ} من خير وشر {بَصِيراً} [الفتح: 24] خبيراً، لا يعزب عنه شيء مما جرى عليكم، يجازيكم على مقتضى بصارته وخبرته. وكيف لا يجازي الكفرة سبحانه بأسوء الجزاء؟ إذ {هُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} بالله ظلماً وعدواناً {وَ} لم يقتصروا على الكفر فقط، بل {صَدُّوكُمْ} أي: حصوركم وصرفوكم {عَنِ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ} عام الحديبية {وَ} الحال أنه قد صار {ٱلْهَدْيَ} أي: الذبائح والقرابين التي ساقها رسول الله {مَعْكُوفاً} محبوساً قريباً أن {}يَبْلُغَ مَحِلَّهُ أي: مذبحة الذي عينه الله لذبح الضحايا، وهو المنى. {وَلَوْلاَ رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَآءٌ مُّؤْمِنَاتٌ} في خلالهم، لم يكف سبحانه أيديكم عنهم، بل نصركم عليهم واستأصلتموهم بالمرة، لكن لما كان بينهم من المؤمنين والمؤمنات كف سبحانه أيديكم عنهم مخافة {لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ} أي: المؤمنين المخلوطين بهم، ولم يميزوهم من الكفار {أَن تَطَئُوهُمْ} تدوسوهم {فَتُصِيبَكُمْ مِّنْهُمْ} أي: من أجل المؤمنين المخلوطين بالكافرين وجهلهم {مَّعَرَّةٌ} أي: مضرة وكروه من لزوم دية وكفارة، وإثم عظيم وتعيير شديد، وغير ذلك من المنكرات مع أنه إنما صدر عنكم الوطاءة والدوس لو صدر {بِغَيْرِ عِلْمٍ} وخبرة، وإنما كف أيديكم عنهم حين أظفركم عليهم {لِّيُدْخِلَ ٱللَّهُ} المطلع بما في استعدادات عباده من الإيمان والكفر {فِي رَحْمَتِهِ} التي هي التوحيد والإسلام {مَن يَشَآءُ} منهم حتى {لَوْ تَزَيَّلُواْ} وتفرقوا أي: المؤمنين من الكافرين {لَعَذَّبْنَا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَاباً أَلِيماً} [الفتح: 25] في غاية الإيلام من السبي والجلاء وأنواع المصيبة والبلاء. اذكر يا أكمل الرسل إذ {إِذْ جَعَلَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلْحَمِيَّةَ} الأنفة والغيرة لا على وجه الحق بل {حَمِيَّةَ ٱلْجَاهِلِيَّةِ} وذلك أنه صلى الله عليه وسلم لما نزل الحديبية، فهمّ بقتال أهل مكة، بعثوا سهيل بن عمر وحويطب بن عبد العزى ومكرز بن حفص؛ ليرجع من عامه، وتُخلى له مكة من العام القابل ثلاثة أيام. حديث : فقال صلى الله عليه وسلم لعلي رضي الله عنه: "اكتب بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما صالح رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل مكة"، فقالوا: ما نعرف هذا، اكتب: بسمك اللهم، هذا ما صالح محمد بن عبد الله. فقال صلى الله عليه وسلم: "اكتب ما يريدون"تفسير : فكتب، فهمّ المؤمنون أن يبطشوا {فَأَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُ} ووقاره {عَلَىٰ رَسُولِهِ وَعَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ} إذ هم أحقاء بالطمأنينة والوقار وكظم الغيظ وتوطين النفس بالمكاره {وَ} بالجملة {أَلْزَمَهُمْ} سبحانه {كَلِمَةَ ٱلتَّقْوَىٰ} واختار لهم صون النفس عن التهور والغلظة {وَكَانُوۤاْ أَحَقَّ بِهَا} من غيرها {وَأَهْلَهَا} أي: كانوا أهلاً لحفظها ورعايتها {وَ} بالجملة: {كَانَ ٱللَّهُ} المراقب لعموم أحوالهم {بِكُلِّ شَيْءٍ} يليق بهم وينبغي لهم {عَلِيماً} [الفتح: 26] يوفقهم عليه ويسهل عليهم الاتصاف به. ثم لما رأى صلى الله عليه وسلم في منامه أنه وأصحابه دخلوا مكة أمنين، وقد حلقوا وقصروا، فقص صلى الله عليه وسلم الرؤيا على أصحابه، ففرحوا وظنوا أن ذلك في عامهم هذا، فلما تأخر بالصلح والمعاهدة، قال بعضهم: والله ما حلقنا وما قصرنا وما رأينا البيت، فنزلت: {لَّقَدْ صَدَقَ ٱللَّهُ رَسُولَهُ ٱلرُّءْيَا} أي: جعله سبحانه صادقاً في ما رأة ملتبساً {بِٱلْحَقِّ} والله أيها المؤمنون {لَتَدْخُلُنَّ ٱلْمَسْجِدَ ٱلْحَرَامَ إِن شَآءَ ٱللَّهُ آمِنِينَ} من العدو؛ إذ ما أريناه ما أريناه إلا بالحق {مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ} على الوجه المتعارف {وَمُقَصِّرِينَ} كما هو عادة الحجاج يحلق بعضهم ويقصر بعضهم، وبالجملة: {لاَ تَخَافُونَ} بعد ذلك؛ إذ الله معكم {فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُواْ} من أنفسكم، ولا تستعجلوا إلى الفتح؛ إذ هو مرهون بوقته {فَجَعَلَ} لكم {مِن دُونِ ذَلِكَ} أي: فتح مكة {فَتْحاً قَرِيباً} [الفتح: 27] هو فتح خيبر؛ ليطمئن به قلوبكم إلى أن يتيسر لكم الفتح الموعود الذي أخبر به نبيكم الصادق المصدوق. وكيف لا يصدق سبحانه مع أنه {هُوَ ٱلَّذِيۤ أَرْسَلَ رَسُولَهُ} ملتبساً {بِٱلْهُدَىٰ} والإرشاد إلى سبيل توحيده {وَدِينِ ٱلْحَقِّ} الفاروق بين الباطل والضلال، ووعد له {لِيُظْهِرَهُ} أي: دينه {عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِ} أي: جنس الأديان النازلة من عنده بأن نسخ الجميع به {وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيداً} [الفتح: 28] على صدقه في رؤياه وفي دعوته ونبوته، وإظهار أنواع المعجزة بيده. إنه قال سبحانه: {مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ ٱللَّهِ} حق، مرسل من عنده، مبعوث إلى كافة البرايا؛ ليهديهم إلى توحيده الذاتي {وَٱلَّذِينَ مَعَهُ} من المؤمنين له، المصدقين لدعوته، المتعطشين بزلال مشربه {أَشِدَّآءُ عَلَى ٱلْكُفَّارِ} الساترين بغيوم هوياتهم الباطلة هوية الحق الظاهر في الآفاق والأنفس، يدفعون مؤمنة كثراتهم الوهمية بترويج الحق على الباطل، وإعلاء كلمة التوحيد، وتقويم الدين القويم وإظهاره على سائر الأديان {رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ} متواضعون مع أهل الحق وأرباب التوحيد؛ لذلك {تَرَاهُمْ} في عموم أوقاتهم {رُكَّعاً سُجَّداً} أي: راكعين، ساجدين، متذللين، خاضعين، خاشعين، بلا رعونة ولا رياء ولا سمعة ولا هوىً، بل {يَبْتَغُونَ} ويطلبون بتذللهم هذا {فَضْلاً مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضْوَاناً} منه سبحانه، وبالجملة: {سِيمَاهُمْ} أي: سمتهم وعلاماتهم الدالة على نجابة طينتهم وكرامة فطرتهم ظاهرة {فِي وُجُوهِهِمْ مِّنْ أَثَرِ ٱلسُّجُودِ} وكثرة التذلل والخشوع نحو الحق {ذَلِكَ} المذكور من أوصافهم {مَثَلُهُمْ} وصفتهم العجيبة المذكورة {فِي ٱلتَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ} هكذا أيضاً {فِي ٱلإِنجِيلِ}. وبالجملة: مثلهم في بدء ظهورهم وخروجهم أولاً في غاية الضعف والنحافة، واشتدادهم وغلظهم على الأعداء، ووفور رأفتهم ورحمتهم على الأولياء ثانياً {كَزَرْعٍ} أي: كمثل زرع وقع على الأرض ضعيفاً وبرز منها نحيفاً، ثم ظهر عليها ونبت قوياً يوماً فيوماً إلى حيث {أَخْرَجَ شَطْأَهُ} أي: أفراخه وأغصانه دقيقاً دقيقاً {فَآزَرَهُ} قومه بالمعاونة {فَٱسْتَغْلَظَ} وعاد غليظاً بعدما رباه وأحسن تربيته {فَٱسْتَوَىٰ} واستقام بعد ذلك {عَلَىٰ سُوقِهِ} أي: قصبه وساقه على وجه {يُعْجِبُ ٱلزُّرَّاعَ} عند رؤيته بكمال كثافته وغلظته ونضارته ولطافته. وإنما رباهم سبحانه وقواهم على أبلغ وجه وأحسنه {لِيَغِيظَ} ويتحسر {بِهِمُ ٱلْكُفَّارَ} المخالفون المخاصمون لهم من كمال تشددهم وترقبهم، وبالجملة: {وَعَدَ ٱللَّهُ} المطلع على ما في استعداداتهم عباده من الإخلاص والتفويض {ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} بكمال المحبة والتسليم {وَ} مع ذلك {عَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ} المقربة لهم إلى الله {مِنْهُم} أي: من جنسهم {مَّغْفِرَةً} ستراً ومحواً لأنانياتهم الباطلة {وَأَجْراً عَظِيماً} [الفتح: 29] هو الفوز بشرف اللقاء، والوصول إلى سدرة المنتهى، وليس وراء الله مرمى. رزقنا الله الوصول إليه، والوقوف بين يديه. خاتمة السورة عليك أيها المحمدي المتوجه نحو توحيد الذات - مكنك الله في مقعد الصدق، ووطنك في مقر التوحيد - أن تعتدل في عموم أوصافك، وأخلاقك وأعمالك، مجتنباً عن كلا طرفي الإفراط والتفريط، معرضاً عن قصور مطلق التخمين والتقليد، مقتصداً في جميع أطوارك وشئونك، مقتفياً في جميع أخلاقكم وأطوارك أثر نبيك الهادي إلى سواء السبيل حتى ينفتخ لك أبواب عموم الكرامات والسعادات، وينغلق دونك مداخل أنواع المكروهات والمنكرات، وإياك إياك أن تختلط مع أهل الغفلة وأصحاب الجهالات المترددين في أودية الغي والضلالات؛ ليتيسر لك التحقق إلى فضائل الوصال؟ جعلنا الله من زمرة أوليائه المقتصدين، الذين ثبتوا على الصراط المستقيم.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : {وَهُوَ ٱلَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ} [الفتح: 24]؛ أي: أيدي النفوس بالاستيلاء {عَنكُمْ} [الفتح: 24]؛ أي: عن قلوبكم {وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم بِبَطْنِ مَكَّةَ} [الفتح: 24]، وهي مكة الروح في بطنه كعبة القلب، {وَأَيْدِيَكُمْ}؛ أي: أيدي قلوبكم، {عَنْهُم} عن النفوس من أن تهلكها بالمجاهدة والرياضة، {مِن بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ} [الفتح: 24]؛ لأن الحكمة في جهاد النفس تزكيتها، والظفر بها لإهلاكها، فإنها مطية الروح ومشقها، بها يبلغ كعبة الوصال؛ ولهذا قيل لبعضهم: إلى متى ينتهي طلب الطالبين؟ قال: إلى الظفر بنفوسهم {وَكَانَ ٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً} [الفتح: 24]؛ أي: بما تعلمون في طلبه بالصدق بصيراً بأن يهديكم إلى الحضرة، ويكف أيدي النفوس عنكم؛ لئلا يقطع الطريق عليكم. {هُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} [الفتح: 25]؛ أي: النفوس المتمردة، {وَصَدُّوكُمْ عَنِ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ} [الفتح: 25]، وهي كعبة القلب، {وَٱلْهَدْيَ مَعْكُوفاً} [الفتح: 25]، وهو كل ما يتقرب به إلى الله من النفس والمال {أَن يَبْلُغَ مَحِلَّهُ} [الفتح: 25]، ومحله الصدق والإخلاص يعني: من خاصة النفس أن تصد وجه الطالب عن الله، وبنشوب الخيرات والصدقات التي يتقرب بها إلى الله بالرياء والسمعة والعجب؛ لئلا يبلغ محل الإخلاص والقبول. وبقوله: {وَلَوْلاَ رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَآءٌ مُّؤْمِنَاتٌ لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ أَن تَطَئُوهُمْ} [الفتح: 25]، يشير إلى بعض صفات النفس أنها قابلة للفيض الإلهي لم تعرفوا أحوالها، أن تقهروها لو سلطناكم عليها؛ {فَتُصِيبَكُمْ مِّنْهُمْ مَّعَرَّةٌ} [الفتح: 25]، بإفساد استعدادها لقبول الفيض الإلهي، {بِغَيْرِ عِلْمٍ} [الفتح: 25] منكم بما يفوتكم من إعوازها؛ {لِّيُدْخِلَ ٱللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ} [الفتح: 25] بالوصل إلى حضرته، {مَن يَشَآءُ} [الفتح: 25] من عباده على مطية النفس المطمئنة المظفرة بها، كما قال تعالى: {أية : يٰأَيَّتُهَا ٱلنَّفْسُ ٱلْمُطْمَئِنَّةُ *ٱرْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ}تفسير : [الفجر: 28]، فحقيقة معنى الآية: لولا هذه المصالح في استيفاء النفس بعد اطمئنانها وتزكية صفاتها، {لَوْ تَزَيَّلُواْ} [الفتح: 25] تميزوا عند التزكية، ما منها صفة لا تصلح في استيفاء النفس بعد اطمئنانها إلا قلعها، كالكبر والشدة والحسد والحقد، ومنها ما تصلح للتبديل: كالبخل بالسخاوة، والحرص بالقناعة، والغضب بالحلم، والجبانة بالشجاعة، والشهوة بالمحبة؛ {لَعَذَّبْنَا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ} [الفتح: 25] من النفوس المتمردة {عَذَاباً أَلِيماً} [الفتح: 25] للهلاك.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يقول تعالى ممتنا على عباده بالعافية، من شر الكفار ومن قتالهم، فقال: { وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ } أي: أهل مكة { عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ } أي: من بعد ما قدرتم عليهم، وصاروا تحت ولايتكم بلا عقد ولا عهد، وهم نحو ثمانين رجلا انحدروا على المسلمين ليصيبوا منهم غرة، فوجدوا المسلمين منتبهين فأمسكوهم، فتركوهم ولم يقتلوهم، رحمة من الله بالمؤمنين إذ لم يقتلوهم، { وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا } فيجازي كل عامل بعمله، ويدبركم أيها المؤمنون بتدبيره الحسن. ثم ذكر تعالى الأمور المهيجة على قتال المشركين، وهي كفرهم بالله ورسوله، وصدهم رسول الله ومن معه من المؤمنين، أن يأتوا للبيت الحرام زائرين معظمين له بالحج والعمرة، وهم الذين أيضا صدوا { الهدي مَعْكُوفًا } أي: محبوسا { أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ } وهو محل ذبحه وهو مكة، فمنعوه من الوصول إليه ظلما وعدوانا، وكل هذه أمور موجبة وداعية إلى قتالهم، ولكن ثم مانع وهو: وجود رجال ونساء من أهل الإيمان بين أظهر المشركين، وليسوا متميزين بمحلة أو مكان يمكن أن لا ينالهم أذى، فلولا هؤلاء الرجال المؤمنون، والنساء المؤمنات، الذين لا يعلمهم المسلمون أن تطأوهم، أي: خشية أن تطأوهم { فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ } والمعرة: ما يدخل تحت قتالهم، من نيلهم بالأذى والمكروه، وفائدة أخروية، وهو: أنه ليدخل في رحمته من يشاء فيمن عليهم بالإيمان بعد الكفر، وبالهدى بعد الضلال، فيمنعكم من قتالهم لهذا السبب. { لَوْ تَزَيَّلُوا } أي: لو زالوا من بين أظهرهم { لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا } بأن نبيح لكم قتالهم، ونأذن فيه، وننصركم عليهم.
النسائي
تفسير : قوله تعالى: {وَهُوَ ٱلَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم} [24] 530 - أنا إسحاق بن إبراهيم، أنا عفان، نا حمادٌ، عن ثابتٍ عن أنسٍ، أن ناساً من أهل مكة، هبطوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، من جبل التنعيم عند صلاة الفجر، فأخذهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعفى عنهم، فأنزل الله عزَّ وجلَّ {وَهُوَ ٱلَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم بِبَطْنِ مَكَّةَ} - الآية. 531 - أنا محمد بن عقيلٍ، أنا علي بن الحسين، حدَّثني أبي، عن ثابتٍ قال: حدثني عبد الله بن مُغفَّلٍ المُزني، قال: حديث : كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحديبية في أصل الشجرة التي قال الله، وكأني بغصنٍ من أغصان تلك الشجرة على ظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرفعته عن ظهره، وعليُّ ابن أبي طالبٍ وسهيل بن عمرو بين يديه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اكتب باسم الله الرحمن الرحيم" فأخذ سهيلٌ يده فقال: ما نعرف الرحمن الرحيم، اكتب في قضيتنا ما نعرف، فقال: "اكتب باسمِكَ اللَّهُمَّ، هذا ما صالح عليه محمد رسول اللهِ أهل مكة" فأمسك بيده، فقال: لقد ظلمناك إن كنت رسولاً، اكتب في قضيتنا ما نعرف، فقال: "اكتب: هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، وأنا رسول الله" قال: فكتب، فبينما نحن كذلك. إذ خرج علينا ثلاثون شابّاً عليهم السلاح، فثاروا في وجوهنا، فدعا عليهم النبي صلى الله عليه وسلم، فأخذ الله بأبصارهم، فقمنا إليهم فأخذناهم، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هل جئتم في عهد أحدٍ، أو هل جعل لكم أحدٌ أماناً" فقالوا: لاَ، فخلى سبيلهم، فأنزل الله عز وجل {وَهُوَ ٱلَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم} إلى {بَصِيراً} .
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):