Verse. 4608 (AR)

٤٨ - ٱلْفَتْح

48 - Al-Fath (AR)

ہُمُ الَّذِيْنَ كَفَرُوْا وَصَدُّوْكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَــرَامِ وَالْہَدْيَ مَعْكُوْفًا اَنْ يَّبْلُغَ مَحِلَّہٗ۝۰ۭ وَلَوْلَا رِجَالٌ ￁مِنُوْنَ وَنِسَاۗءٌ ￁مِنٰتٌ لَّمْ تَعْلَمُوْہُمْ اَنْ تَـطَــــُٔـــوْہُمْ فَتُصِيْبَكُمْ مِّنْہُمْ مَّعَرَّۃٌۢ بِغَيْرِ عِلْمٍ۝۰ۚ لِيُدْخِلَ اللہُ فِيْ رَحْمَتِہٖ مَنْ يَّشَاۗءُ۝۰ۚ لَوْ تَزَيَّلُوْا لَعَذَّبْنَا الَّذِيْنَ كَفَرُوْا مِنْہُمْ عَذَابًا اَلِـــيْمًا۝۲۵
Humu allatheena kafaroo wasaddookum AAani almasjidi alharami waalhadya maAAkoofan an yablugha mahillahu walawla rijalun muminoona wanisaon muminatun lam taAAlamoohum an tataoohum fatuseebakum minhum maAAarratun bighayri AAilmin liyudkhila Allahu fee rahmatihi man yashao law tazayyaloo laAAaththabna allatheena kafaroo minhum AAathaban aleeman

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«هم الذين كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام» أي عن الوصول إليه «والهدي» معطوف على كم «معكوفا» محبوسا حال «أن يبلغ محله» أي مكانه الذي ينحر فيه عادة وهو الحرم بدل اشتمال «ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات» موجودون بمكة مع الكفار «لم تعلموهم» بصفة الإيمان «أن تطئوهم» أي تقتلوهم مع الكفار لو أذن لكم في الفتح بدل اشتمال من هم «فتصيبكم منهم معرة» أي إثم «بغير علم» منكم به وضمائر الغيبة للصنفين بتغليب الذكور، وجواب لولا محذوف، أي لأذن لكم في الفتح لكن لم يؤذن فيه حينئذ «ليدخل الله في رحمته من يشاء» كالمؤمنين المذكورين «لو تزيَّلوا» تميزوا عن الكفار «لعذَّبنا الذين كفروا منهم» من أهل مكة حينئذ بأن نأذن لكم في فتحها «عذابا أليما» مؤلما.

25

Tafseer

الرازي

تفسير : وقوله تعالى: {هُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّوكُمْ عَنِ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ وَٱلْهَدْىَ مَعْكُوفاً أَن يَبْلُغَ مَحِلَّهُ }. إشارة إلى أن الكف لم يكن لأمر فيهم لأنهم كفروا وصدوا وأحصروا، وكل ذلك يقتضي قتالهم، فلا يقع لأحد أن الفريقين اتفقوا، ولم يبق بينهما خلاف واصطلحوا، ولم يبق بينهما نزاع، بل الاختلاف باق والنزاع مستمر، لأنهم هم الذين كفروا وصدوكم ومنعوا فازدادوا كفراً وعداوة، وإنما ذلك للرجال المؤمنين والنساء المؤمنات، وقوله {وَٱلْهَدْىَ } منصوب على العطف على كم في {صَدُّوكُمْ } ويجوز الجر عطفاً على المسجد، أي وعن الهدي. و {مَعْكُوفاً } حال و {أَن يَبْلُغَ } تقديره على أن يبلغ، ويحتمل أن يقال {أَن يَبْلُغَ مَحِلَّهُ } رفع، تقديره معكوفاً بلوغه محله، كما يقال: رأيت زيداً شديداً بأسه، ومعكوفاً، أي ممنوعاً، ولا يحتاج إلى تقدير عن على هذا الوجه. وقوله تعالى: {وَلَوْلاَ رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَاء مُّؤْمِنَـٰتٌ لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ أَن تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكمْ مّنْهُمْ مَّعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ }. وصف الرجال والنساء، يعني لولا رجال ونساء يؤمنون غير معلومين، وقوله تعالى: {أَن تَطَئُوهُمْ } بدل اشتمال، كأنه قال: رجال غير معلومي الوطء فتصيبكم منهم معرة عيب أو إثم، وذلك لأنكم ربما تقتلونهم فتلزمكم الكفارة وهي دليل الإثم، أو يعيبكم الكفار بأنهم فعلوا بإخوانهم ما فعلوا بأعدائهم، وقوله تعالى: {بِغَيْرِ عِلْمٍ } قال الزمخشري: هو متعلق بقوله {أَن تَطَئُوهُمْ } يعني تطئوهم بغير علم، وجاز أن يكون بدلاً عن الضمير المنصوب في قوله {لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ } ولقائل أن يقول: يكون هذا تكراراً، لأن على قولنا هو بدل من الضمير يكون التقدير: لم تعلموا أن تطئوهم بغير علم، فيلزم تكرار بغير علم الحصول بقوله {لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ } فالأولى أن يقال {بِغَيْرِ عِلْمٍ } هو في موضعه تقديره: لم تعلموا أن تطئوهم فتصيبكم منهم معرة بغير علم، من يعركم ويعيب عليكم، يعني إن وطأتموهم غير عالمين يصبكم مسبة الكفار {بِغَيْرِ عِلْمٍ } أي بجهل لا يعلمون أنكم معذورون فيه، أو نقول تقديره: لم تعلموا أن تطئوهم فتصيبكم منهم معرة بغير علم، أي فتقتلوهم بغير علم، أو تؤذوهم بغير علم، فيكون الوطء سبب القتل، والوطء غير معلوم لكم، والقتل الذي هو بسبب المعرة وهو الوطء الذي يحصل بغير علم. أو نقول: المعرة قسمان أحدهما: ما يحصل من القتل العمد ممن هو غير العالم بحال المحل والثاني: ما يحصل من القتل خطأ، وهو غير عدم العلم، فقال: تصيبكم منهم معرة غير معلومة، لا التي تكون عن العلم وجواب: لولا محذوف تقديره: لولا ذلك لما كف أيديكم عنهم، هذا ما قاله الزمخشري وهو حسن، ويحتمل أن يقال جوابه: ما يدل عليه قوله تعالى: {هُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّوكُمْ عَنِ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ } يعني قد استحقوا لأن لا يهملوا، ولولا رجال مؤمنون لوقع ما استحقوه، كما يقول القائل: هو سارق ولولا فلان لقطعت يده، وذلك لأن لولا لا تستعمل إلا لامتناع الشيء لوجود غيره، وامتناع الشيء لا يكون إلا إذا وجد المقتضي له فمنعه الغير فذكر الله تعالى أولاً المقتضي التام البالغ وهو الكفر والصد والمنع، وذكر ما امتنع لأجله مقتضاه وهو وجود الرجال المؤمنين. وقوله تعالى: {لّيُدْخِلَ ٱللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُواْ لَعَذَّبْنَا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَاباً أَلِيماً } فيه أبحاث: الأول: في الفعل الذي يستدعي اللام الذي بسببه يكون الإدخال وفيه وجوه أحدها: أن يقال هو قوله {كَفَّ أَيْدِيكُم عَنْهُمْ } ليدخل، لا يقال بأنك ذكرت أن المانع وجود رجال مؤمنين فيكون كأنه قال: كف أيديكم لئلا تطئوا فكيف يكون لشيء آخر؟ نقول الجواب عنه من وجهين أحدهما: أن نقول كف أيديكم لئلا تطئوا لتدخلوا كما يقال أطعمته ليشبع ليغفر الله لي أي الإطعام للشابع كان ليغفر الثاني: هو أنا بينا أن لولا جوابه ما دل عليه قوله {هُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } فيكون كأنه قال هم الذين كفروا واستحقوا التعجل في إهلاكهم، ولولا رجال لعجل بهم ولكن كف أيديكم ليدخل ثانيها: أن يقال فعل ما فعل ليدخل لأن هناك أفعالاً من الألطاف والهداية وغيرهما، وقوله {لّيُدْخِلَ ٱللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ } ليؤمن منهم من علم الله تعالى أنه يؤمن في تلك السنة أو ليخرج من مكة ويهاجر فيدخلهم في رحمته وقوله تعالى: {لَوْ تَزَيَّلُواْ } أي لو تميزوا، والضمير يحتمل أن يقال هو ضمير الرجال المؤمنين والنساء المؤمنات، فإن قيل كيف يصح هذا وقد قلتم بأن جواب لولا محذوف وهو قوله لما كف أو لعجل ولو كان {لَوْ تَزَيَّلُواْ } راجعاً إلى الرجال لكان لعذبنا جواب لولا؟ نقول وقد قال به الزمخشري فقال: {لَوْ تَزَيَّلُواْ } يتضمن ذكر لولا فيحتمل أن يكون لعذبنا جواب لولا، ويحتمل أن يقال هو ضمير من يشاء، كأنه قال ليدخل من يشاء في رحمته لو تزيلوا هم وتميزوا وآمنوا لعذبنا الذين كتب الله عليهم أنهم لا يؤمنون، وفيه أبحاث: البحث الأول: وهو على تقدير نفرضه فالكلام يفيد أن العذاب الأليم اندفع عنهم، إما بسبب عدم التزييل، أو بسبب وجود الرجال وعلم تقدير وجود الرجال والعذاب الأليم لا يندفع عن الكافر، نقول المراد عذاباً عاجلاً بأيديكم يبتدىء بالجنس إذ كانوا غير مقرنين ولا منقلبين إليهم فيظهرون ويقتدرون يكون أليماً. البحث الثاني: ما الحكمة في ذكر المؤمنين والمؤمنات مع أن المؤنث يدخل في ذكر المذكر عند الاجتماع؟ قلنا الجواب عنه من وجهين أحدهما: ما تقدم يعني أن الموضع موضع وهم اختصاص الرجال بالحكم لأن قوله {تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكمْ } معناه تهلكوهم والمراد لا تقاتل ولا تقتل فكان المانع وهو وجود الرجال المؤمنين فقال: والنساء المؤمنات أيضاً لأن تخريب بيوتهن ويتم أولادهن بسبب رجالهن وطأة شديدة وثانيهما: أن في محل الشفقة تعد المواضع لترقيق القلب، يقال لمن يعذب شخصاً لا تعذبه وارحم ذله وفقره وضعفه، ويقال أولاده وصغاره وأهله الضعفاء العاجزين، فكذلك ههنا قال: {لَوْلاَ رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُّؤْمِنَـٰتٌ } لترقيق قلوب المؤمنات ورضاهم بما جرى من الكف بعد الظفر.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى:{هُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّوكُمْ عَنِ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ وَٱلْهَدْيَ مَعْكُوفاً أَن يَبْلُغَ مَحِلَّهُ}. فيه ثلاث مسائل: الأولى ـ قوله تعالى: {هُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} يعني قريشاً، منعوكم دخول المسجد الحرام عامَ الحُدَيْبِيَة حين أحرم النبيّ صلى الله عليه وسلم مع أصحابه بعُمْرة، ومنعوا الهَدْيَ وحبسوه عن أن يبلغ مَحِلّه. وهذا كانوا لا يعتقدونه، ولكنه حملتهم الأنَفة ودعتهم حَمِيَّة الجاهلية إلى أن يفعلوا ما لا يعتقدونه دِيناً، فوبّخهم الله على ذلك وتوعّدهم عليه، وأدخل الأُنس على رسول الله صلى الله عليه وسلم ببيانه ووعده. الثانية ـ قوله تعالى: {وَٱلْهَدْيَ مَعْكُوفاً} أي محبوساً. وقيل موقوفاً. وقال أبو عمرو بن العلاء: مجموعاً. الجوهري: عكفه أي حبسه ووقفه، يَعْكِفه ويَعْكُفه عَكْفاً؛ ومنه قوله تعالى: {وَٱلْهَدْيَ مَعْكُوفاً}؛ يقال: ما عكفك عن كذا. ومنه الاْعتكاف في المسجد وهو الاحتباس. {أَن يَبْلُغَ مَحِلَّهُ} أي منحره؛ قاله الفراء. وقال الشافعي رضي الله عنه: الحَرَم. وكذا قال أبو حنيفة رضي الله عنه، المُحْصَر محلّ هَدْيه الحَرَم. والمَحِلّ (بكسر الحاء): غاية الشيء. (وبالفتح): هو الموضع الذي يحله الناس. وكان الهَدْيُ سبعين بَدَنة، ولكن الله بفضله جعل ذلك الموضع له مَحِلاً. وقد ٱختلف العلماء في هذا على ما تقدّم بيانه في «البقرة» عند قوله تعالى: {أية : فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ} تفسير : [البقرة: 196] والصحيح ما ذكرناه. وفي صحيح مسلم عن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله قال: نَحَرْنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عامَ الحديبية البَدَنَة عن سبعة، والبقرةَ عن سبعة. وعنه قال: اشتركنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحج والعُمْرة كلُّ سبعة في بدنة. فقال رجل لجابر: أَيُشْتَرَك في البدنة ما يشترك في الجَزُور؟ قال: ما هي إلا من البُدْن. وحضر جابر الحديبية قال: ونحرنا يومئذ سبعين بدنة، اشتركنا كل سبعة في بدنة. وفي البخاري عن ابن عمر قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم معتمرين؛ فحال كفار قريش دون البيت، فنحر رسول الله صلى الله عليه وسلم بدنة وحلق رأسه. قيل: إن الذي حلق رأسه يومئذ خِراش بن أميّة بن أبي العيص الخزاعي، وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين أن ينحروا ويحلّوا؛ ففعلوا بعد توقُّف كان منهم أغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقالت له أم سلمة: لو نحرت لنحروا؛ فنحر رسول الله صلى الله عليه وسلم هَدْيه ونحروا بنحره، حديث : وحلق رسول الله صلى الله عليه وسلم رأسه ودعا للمُحَلِّقين ثلاثاً وللمقصِّرين مرة. ورأى كعب بن عُجْرَة والقَمْل يسقط على وجهه؛ فقال: «أيؤذيك هوامّك»؟ قال نعم؛ فأمره أن يحلق وهو بالحديبيةتفسير : . خرجه البخاري والدَّارَقُطْنِي. وقد مضى في «البقرة». الثالثة ـ قوله تعالى: {وَٱلْهَدْيَ} الْهَدْيُ والهَدِيّ لغتان. وقرىء «حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُّ مَحِلّه» بالتخفيف والتشديد؛ الواحدة هَدْيّة. وقد مضى في «البقرة» أيضاً. وهو معطوف على الكاف والميم من «صَدُّوكُمْ». و {مَعْكُوفاً} حال، وموضع «أنْ» من قوله: {أَن يَبْلُغَ مَحِلَّهُ} نصب على تقدير الحمل على «صَدُّوكُمْ» أي صدّوكم وصدّوا الهَدْي عن أن يبلغ. ويجوز أن يكون مفعولاً له؛ كأنه قال: وصَدُّوا الهَدْي كراهية أن يبلغ محله. أبو علي: لا يصح حمله على العكف؛ لأنّا لا نعلم «عكف» جاء متعدّياً، ومجيء «مَعْكُوفاً» في الآية يجوز أن يكون محمولاً على المعنى؛ كأنه لما كان حَبْساً حُمِل المعنى على ذلك، كما حُمِل الرَّفَث على معنى الإفضاء فَعُدِّيَ بإلى، فإن حُمل على ذلك كان موضعه نصباً على قياس قول سيبويه، وجَرًّا على قياس قول الخليل. أو يكون مفعولاً له؛ كأنه قال: محبوساً كراهية أن يبلغ محله. ويجوز تقدير الجر في «أن» لأن عن تقدمت؛ فكأنه قال: وصدُّوكم عن المسجد الحرام، وصدُّوا الهَدْيَ «عن» أن يبلغ محله. ومثله ما حكاه سيبويه عن يونس: مررت برجل إنْ زيدٍ وإن عمرٍو؛ فأضمر الجار لتقدم ذكره. قوله تعالى: {وَلَوْلاَ رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَآءٌ مُّؤْمِنَاتٌ لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ أَن تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكمْ مِّنْهُمْ مَّعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ} فيه ثلاث مسائل: الأولى ـ قوله تعالى: {وَلَوْلاَ رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ} يعني المستضعفين من المؤمنين بمكة وسط الكفار؛ كمسلمة بن هشام وعَيّاش بن أبي ربيعة وأبي جَنْدل بن سهيل، وأشباهِهم. {لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ} أي تعرفوهم. وقيل لم تعلموهم أنهم مؤمنون. {أَن تَطَئُوهُمْ} بالقتل والإيقاع بهم؛ يقال: وطِئت القوم؛ أي أوقعت بهم. و «أَنْ» يجوز أن يكون رفعاً على البدل من «رجالٌ، ونساءٌ» كأنه قال ولولا وطؤكم رجالاً مؤمنين ونساءً مؤمنات. ويجوز أن يكون نصباً على البدل من الهاء والميم في «تَعْلَمُوهُمْ»؛ فيكون التقدير: لم تعلموا وطأهم؛ وهو في الوجهين بدل الاشتمال. و «لَمْ تَعْلَمُوهُمْ» نعت لـ «ـرجالٌ» و «نساءٌ». وجواب «لَوْلاَ» محذوف؛ والتقدير: ولو أن تطئوا رجالاً مؤمنين ونساءً مؤمنات لم تعلموهم لأذن الله لكم في دخول مكة، ولسلطكم عليهم؛ ولكنا صُنَّا من كان فيها يكتم إيمانه. وقال الضحاك: لولا من في أصلاب الكفار وأرحام نسائهم من رجال مؤمنين ونساء مؤمنات لم تعلموا أن تطئوا آباءهم فتهلك أبناؤهم. الثانية ـ قوله تعالى: {فَتُصِيبَكمْ مِّنْهُمْ مَّعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ} الْمعَرَّة العيب، وهي مفعلة من العُرّ وهو الجَرَب؛ أي يقول المشركون: قد قتلوا أهل دينهم. وقيل: المعنى يصيبكم من قتلهم ما يلزمكم من أجله كفارة قتل الخطأ؛ لأن الله تعالى إنما أوجب على قاتل المؤمن في دار الحرب إذا لم يكن هاجر منها ولم يعلم بإيمانه الكفارةَ دون الدية في قوله: {فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ وَهُوَ مْؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ} قاله الكلبي ومقاتل وغيرهما. وقد مضى في «النساء» القول فيه. وقال ابن زيد: «مَعَرَّةٌ» إثم. وقال الجوهري وابن إسحاق: غُرْم الدِّيَة. قطرب: شدّة. وقيل غَمّ. الثالثة ـ قوله تعالى: {بِغَيْرِ عِلْمٍ} تفضيل للصحابة وإخبار عن صفتهم الكريمة من العفة عن المعصية والعصمة عن التعدّي، حتى لو أنهم أصابوا من ذلك أحداً لكان عن غير قصد. وهذا كما وصفت النملة عن جند سليمان عليه السلام في قولها: {أية : يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ } تفسير : [النمل:8 1]. قوله تعالى: {لِّيُدْخِلَ ٱللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَن يَشَآءُ لَوْ تَزَيَّلُواْ} فيه أربع مسائل: الأولى: قوله تعالى: {لِّيُدْخِلَ ٱللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَن يَشَآءُ لَوْ تَزَيَّلُواْ} اللام في «لِيُدْخِلَ» متعلقة بمحذوف؛ أي لو قتلتموهم لأدخلهم الله في رحمته. ويجوز أن تتعلق بالإيمان. ولا تحمل على مؤمنين دون مؤمنات ولا على مؤمنات دون مؤمنين؛ لأن الجميع يدخلون في الرحمة. وقيل: المعنى لم يأذن الله لكم في قتال المشركين ليسلم بعد الصلح من قضى أن يسلم من أهل مكة؛ وكذلك كان أسلم الكثير منهم وحسن إسلامه، ودخلوا في رحمته؛ أي جنته. الثانية ـ قوله تعالى: {لَوْ تَزَيَّلُواْ} أي تميّزوا؛ قاله القُتَبي. وقيل: لو تفرقوا؛ قاله الكلبي. وقيل: لو زال المؤمنون من بين أظهر الكفار لعذب الكفار بالسيف؛ قاله الضحاك. ولكن الله يدفع بالمؤمنين عن الكفار. حديث : وقال عليّ رضي الله عنه: سألت النبيّ صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية {لَوْ تَزَيَّلُواْ لَعَذَّبْنَا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} فقال: «هم المشركون من أجداد نبيّ الله ومن كان بعدهم وفي عصرهم كان في أصلابهم قوم مؤمنون فلو تزيَّل المؤمنون عن أصلاب الكافرين لعذب الله تعالى الكافرين عذاباً أليماً».تفسير : الثالثة ـ هذه الآية دليل على مراعاة الكافر في حرمة المؤمن؛ إذ لا يمكن أذية الكافر إلا بأذية المؤمن. قال أبو زيد قلت لابن القاسم: أرأيت لو أن قوماً من المشركين في حصن من حصونهم، حصرهم أهل الإسلام وفيهم قوم من المسلمين أسارى في أيديهم، أيحرق هذا الحصن أم لا؟ قال: سمعت مالكاً وسئل عن قوم من المشركين في مراكبهم: أنرمي في مراكبهم بالنار ومعهم الأسارى في مراكبهم؟ قال: فقال مالك لا أرى ذلك؛ لقوله تعالى لأهل مكة: {لَوْ تَزَيَّلُواْ لَعَذَّبْنَا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَاباً أَلِيماً}. وكذلك لو تَتَرّس كافر بمسلم لم يُجز رميه. وإن فعل ذلك فاعل فأتلف أحداً من المسلمين فعليه الدية والكفارة. فإن لم يعلموا فلا ديّة ولا كفارة؛ وذلك أنهم إذا علموا فليس لهم أن يرموا، فإذا فعلوه صاروا قَتَلَة خطأ والدِّيَة على عواقلهم. فإن لم يعلموا فلهم أن يرموا. وإذا أبيحوا الفعل لم يجز أن يبقى عليهم فيها تِبَاعة. قال ٱبن العربي: وقد قال جماعة إن معناه لو تزيّلوا عن بطون النساء وأصلاب الرجال. وهذا ضعيف؛ لأن مَن في الصلب أو في البطن لا يوطأ ولا تصيب منه معرّة. وهو سبحانه قد صرح فقال: {وَلَوْلاَ رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَآءٌ مُّؤْمِنَاتٌ لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ أَن تَطَئُوهُمْ} وذلك لا ينطلق على مَن في بطن المرأة وصُلب الرجال، وإنما ينطلق على مثل الوليد بن الوليد، وسلمة بن هشام، وعياش بن أبي ربيعة، وأبي جندل بن سهيل. وكذلك قال مالك: وقد حاصرنا مدينة الروم فحبس عنهم الماء، فكانوا يُنزلون الأسارى يستقون لهم الماء، فلا يقدر أحد على رميهم بالنبل، فيحصل لهم الماء بغير اختيارنا. وقد جوّز أبو حنيفة وأصحابه والثَّوْريّ الرّمي في حصون المشركين وإن كان فيهم أسارى من المسلمين وأطفالهم. ولو تَتَرّس كافر بولد مسلم رمي المشرك، وإن أصيب أحد من المسلمين فلا دِيّة فيه ولا كفارة. وقال الثوري: فيه الكفارة ولا دية. وقال الشافعي بقولنا. وهذا ظاهر؛ فإن التوصل إلى المباح بالمحظور لا يجوز؛ سِيَّما بروح المسلم؛ فلا قول إلا ما قاله مالك رضي الله عنه. والله أعلم. قلت: قد يجوز قتل التُّرْس، ولا يكون فيه اختلاف إن شاء الله، وذلك إذا كانت المصلحة ضرورية كليَّة قطعية. فمعنى كونها ضرورية: أنها لا يحصل الوصول إلى الكفار إلا بقتل الترس. ومعنى أنها كلية: أنها قاطعة لكل الأمة، حتى يحصل من قتل الترس مصلحة كل المسلمين؛ فإن لم يفعل قتل الكفار الترس واستولوا على كل الأمة. ومعنى كونها قطعية: أن تلك المصلحة حاصلة من قتل الترس قطعاً. قال علماؤنا: وهذه المصلحة بهذه القيود لا ينبغي أن يختلف في اعتبارها؛ لأن الفرض أن الترس مقتول قطعاً؛ فإما بأيدي العدوّ فتحصل المفسدة العظيمة التي هي استيلاء العدوّ على كل المسلمين. وإما بأيدي المسلمين فيهلك العدو وينجو المسلمون أجمعون. ولا يتأتى لعاقل أن يقول: لا يقتل الترس في هذه الصورة بوجه؛ لأنه تلزم منه ذهاب الترس والإسلام والمسلمين، لكن لما كانت هذه المصلحة غير خالية من المفسدة، نفرت منها نفس من لم يمعن النظر فيها؛ فإن تلك المفسدة بالنسبة إلى ما يحصل منها عدم أو كالعدم. والله أعلم. الرابعة ـ قراءة العامة «لَوْ تَزَيَّلُوا» إلا أبا حَيْوَة فإنه قرأ «تَزَايَلُوا» وهو مثل «تَزَيَّلُوا» في المعنى. والتزايل: التباين. و «تَزَيَّلُوا» تفعّلوا، من زِلْت. وقيل: هي تَفَيْعَلُوا. «لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَروا» قيل: اللام جواب لكلامين؛ أحدهما ـ «لَوْلاَ رِجَالٌ» والثاني ـ «لَوْ تَزَيَّلُوا». وقيل جواب «لَوْلاَ» محذوف؛ وقد تقدّم. «وَلَوْ تَزَيَّلُوا» ابتداء كلام.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى مخبراً عن الكفار من مشركي العرب من قريش، ومن مالأهم على نصرتهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم:{هُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} أي هم الكفار دون غيرهم {وَصَدُّوكُمْ عَنِ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ} أي أنتم أحق به وأنتم أهله في نفس الأمر {وَٱلْهَدْيَ مَعْكُوفاً أَن يَبْلُغَ مَحِلَّهُ} أي وصدوا الهدي أن يصل إلى محله وهذا من بغيهم وعنادهم، وكان الهدي سبعين بدنة كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى، وقوله عز وجل: {وَلَوْلاَ رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَآءٌ مُّؤْمِنَـٰتٌ} أي بين أظهرهم ممن يكتم إيمانه ويخفيه منهم خيفة على أنفسهم من قومهم، لكنا سلطناكم عليهم فقتلتموهم وأبدتم خضراءهم ولكن بين أفنائهم من المؤمنين والمؤمنات أقوام لا تعرفونهم حالة القتل، ولهذا قال تعالى: {لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ أَن تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكمْ مِّنْهُمْ مَّعَرَّةٌ} أي إثم وغرامة {بِغَيْرِ عِلْمٍ لِّيُدْخِلَ ٱللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَن يَشَآءُ} أي يؤخر عقوبتهم ليخلص من بين أظهرهم المؤمنين، وليرجع كثير منهم إلى الإسلام، ثم قال تبارك وتعالى: {لَوْ تَزَيَّلُواْ} أي لو تميز الكفار من المؤمنين الذين بين أظهرهم {لَعَذَّبْنَا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَاباً أَلِيماً} أي لسلطناكم عليهم، فلقتلتموهم قتلاً ذريعاً. قال الحافظ أبو القاسم الطبراني: حدثنا أبو الزنباع روح بن الفرج، حدثنا عبد الرحمن بن أبي عباد المكي، حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن سعد مولى بني هاشم، حدثنا حجر بن خلف قال: سمعت عبد الله بن عوف يقول: سمعت جنيد بن سبع يقول: قاتلت رسول الله صلى الله عليه وسلم أول النهار كافراً، وقاتلت معه آخر النهار مسلماً، وفينا نزلت: {وَلَوْلاَ رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَآءٌ مُّؤْمِنَـٰتٌ} قال: كنا تسعة نفر سبعة رجال وامرأتين، ثم رواه من طريق أخرى عن محمد بن عباد المكي به، وقال فيه: عن أبي جمعة جنيد بن سبع، فذكره، والصواب: أبو جعفر حبيب بن سباع، ورواه ابن أبي حاتم من حديث حجر بن خلف به: قال: كنا ثلاثة رجال، وتسع نسوة، وفينا نزلت: {وَلَوْلاَ رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَآءٌ مُّؤْمِنَـٰتٌ}. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا محمد بن إسماعيل البخاري، حدثنا عبد الله بن عثمان بن جبلة عن أبي حمزة عن عطاء عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: {لَوْ تَزَيَّلُواْ لَعَذَّبْنَا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَاباً أَلِيماً} يقول: لو تزيل الكفار من المؤمنين، لعذبهم الله عذاباً أليماً بقتلهم إياهم. وقوله عز وجل: {إِذْ جَعَلَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ ٱلْجَـٰهِلِيَّةِ} وذلك حين أبوا أن يكتبوا: بسم الله الرحمن الرحيم، وأبوا أن يكتبوا: هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله {فَأَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَعَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ ٱلتَّقْوَىٰ} وهي قول: «لا إله إلا الله» كما قال ابن جرير وعبد الله بن الإمام أحمد. حدثنا الحسن بن قزعة أبو علي البصري حدثنا سفيان بن حبيب، حدثنا شعبة عن ثوير عن أبيه عن الطفيل، يعني: ابن أبي بن كعب، عن أبيه رضي الله عنه: أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : وألزمهم كلمة التقوى» تفسير : قال: «حديث : لا إله إلا الله» تفسير : وكذا رواه الترمذي عن الحسن بن قزعة، وقال: غريب لا نعرفه إلا من حديثه، وسألت أبا زرعة عنه، فلم يعرفه إلا من هذا الوجه، وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن منصور الرمادي، حدثنا عبد الله بن صالح، حدثني الليث، حدثني عبد الرحمن بن خالد عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب: أن أبا هريرة رضي الله عنه أخبره: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فمن قال: لا إله إلا الله، فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه وحسابه على الله عز وجل» تفسير : وأنزل الله في كتابه، وذكر قوماً فقال: {أية : إِنَّهُمْ كَانُوۤاْ إِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ ٱللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ} تفسير : [الصافات: 35] وقال الله جل ثناؤه: {وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ ٱلتَّقْوَىٰ وَكَانُوۤاْ أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا} وهي: لا إله إلا الله، محمد رسول الله، فاستكبروا عنها، واستكبر عنها المشركون يوم الحديبية فكاتبهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على قضية المدة، وكذا رواه بهذه الزيادات ابن جرير من حديث الزهري، والظاهر أنها مدرجة من كلام الزهري، والله أعلم. وقال مجاهد: كلمة التقوى: الإخلاص، وقال عطاء ابن أبي رباح هي «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير» وقال يونس بن بكير عن ابن إسحاق عن الزهري عن عروة عن المسور {وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ ٱلتَّقْوَىٰ} قال: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له» وقال الثوري عن سلمة بن كهيل عن عباية بن ربعي عن علي رضي الله عنه: {وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ ٱلتَّقْوَىٰ} قال: «لا إله إلا الله والله أكبر» وكذا قال ابن عمر رضي الله عنهما، وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما: قوله تعالى: {وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ ٱلتَّقْوَىٰ} قال: يقول: شهادة أن لا إله إلا الله، وهي رأس كل تقوى، وقال سعيد بن جبير: {وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ ٱلتَّقْوَىٰ} قال: «لا إله إلا الله والجهاد في سبيله»، وقال عطاء الخراساني هي «لا إله إلا الله محمد رسول الله» وقال عبد الله بن المبارك عن معمر عن الزهري: {وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ ٱلتَّقْوَىٰ} قال: «بسم الله الرحمن الرحيم». وقال قتادة: {وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ ٱلتَّقْوَىٰ} قال: «لا إله إلا الله» {وَكَانُوۤاْ أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا} كان المسلمون أحق بها وكانوا أهلها {وَكَانَ ٱللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً} أي هو عليم بمن يستحق الخير ممن يستحق الشر، وقد قال النسائي: حدثنا إبراهيم بن سعيد، حدثنا شبابة بن سوار عن أبي رزين عن عبد الله بن العلاء بن زبر عن بسر بن عبد الله عن أبي إدريس عن أبي بن كعب رضي الله عنه أنه كان يقرأ: {إِذْ جَعَلَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ ٱلْجَـٰهِلِيَّةِ} ولو حميتم كما حَموا لفسد المسجد الحرام، فبلغ ذلك عمر رضي الله عنه، فأغلظ له، فقال: إنك لتعلم أني كنت أدخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فيعلمني مما علمه الله تعالى، فقال عمر رضي الله عنه: بل أنت رجل عندك علم وقرآن، فاقرأ وعلم مما علمك الله تعالى ورسوله. وهذا ذكر الأحاديث الواردة في قصة الحديبية وقصة الصلح قال الإمام أحمد: حدثنا يزيد بن هارون. أخبرنا محمد بن إسحاق بن يسار عن الزهري عن عروة بن الزبير، عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم رضي الله عنهما قالا: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الحديبية يريد زيارة البيت لا يريد قتالاً، وساق معه الهدي سبعين بدنة، وكان الناس سبعمائة رجل، فكانت كل بدنة عن عشرة، وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان بعسفان لقيه بشر بن سفيان الكعبي، فقال: يا رسول الله هذه قريش، قد سمعت بمسيرك، فخرجت معها العوذ المطافيل، قد لبست جلود النمور يعاهدون الله تعالى أن لا تدخلها عليهم عنوة أبداً، وهذا خالد بن الوليد في خيلهم قد قدموه إلى كراع الغميم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : يا ويح قريش قد أكلتهم الحرب، ماذا عليهم لو خلوا بيني وبين سائر الناس؟ فإن أصابوني كان الذي أرادوا، وإن أظهرني الله تعالى دخلوا في الإسلام وهم وافرون، وإن لم يفعلوا قاتلوا وبهم قوة، فماذا تظن قريش؟ فوالله لا أزال أجاهدهم على الذي بعثني الله تعالى به حتى يظهرني الله عز وجل أو تنفرد هذه السالفة» تفسير : ثم أمر الناس فسلكوا ذات اليمين بين ظهري الحمض على طريق تخرجه على ثنية المرار والحديبية من أسفل مكة، قال: فسلك بالجيش تلك الطريق، فلما رأت خيل قريش قترة الجيش قد خالفوا عن طريقهم، ركضوا راجعين إلى قريش، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا سلك ثنية المرار بركت ناقته، فقال الناس: خلأت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ما خلأت وما ذلك لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل عن مكة، والله لا تدعوني قريش اليوم إلى خطة يسألوني فيها صلة الرحم إلا أعطيتهم إياها»تفسير : ثم قال صلى الله عليه وسلم للناس: «حديث : انزلوا» تفسير : قالوا: يا رسول الله ما بالوادي من ماء ينزل عليه الناس، فأخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم سهماً من كنانته، فأعطاه رجلاً من أصحابه، فنزل في قليب من تلك القلب فغرزه فيه، فجاش بالماء حتى ضرب الناس عنه بعطن. فما اطمأن رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا بديل بن ورقاء في رجال من خزاعة، فقال لهم كقوله لبشر بن سفيان، فرجعوا إلى قريش، فقالوا: يا معشر قريش إنكم تعجلون على محمد صلى الله عليه وسلم؛ إن محمداً لم يأْت لقتال، إنما جاء زائراً لهذا البيت معظماً لحقه، فاتهموهم. قال محمد بن إسحاق: قال الزهري: وكانت خزاعة في عيبة رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم، مشركها ومسلمها لا يخفون على رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم شيئاً كان بمكة، فقالوا: وإن كان إنما جاء لذلك، فوالله لا يدخلها أبداً علينا عنوة، ولا يتحدث بذلك العرب، ثم بعثوا إليه مكرز بن حفص أحد بني عامر بن لؤي، فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : هذا رجل غادر» تفسير : فلما انتهى إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم، كلمه رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بنحو مما تكلم مع أصحابه، ثم رجع إلى قريش فأخبرهم بما قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم فبعثوا إليه الحليس بن علقمة الكناني، وهو يومئذ سيد الأحابيش، فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : هذا من قوم يتألهون فابعثوا الهدي» تفسير : . فلما رأى الهدي يسيل عليه من عرض الوادي في قلائده، قد أكل أوباره من طول الحبس عن محله، رجع ولم يصل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم إعظاماً لما رأى، فقال: يا معشر قريش لقد رأيت ما لا يحل صده؛ الهدي في قلائده قد أكل أوتاره من طول الحبس عن محله، قالوا: اجلس إنما أنت أعرابي لا علم لك. فبعثوا إليه عروة بن مسعود الثقفي، فقال: يا معشر قريش إني قد رأيت ما يلقى منكم من تبعثون إلى محمد إذا جاءكم من التعنيف وسوء اللفظ، وقد عرفتم أنكم والد وأنا ولد، وقد سمعت بالذي نابكم، فجمعت من أطاعني من قومي ثم جئت حتى آسيتكم بنفسي. قالوا: صدقت ما أنت عندنا بمتهم. فخرج حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فجلس بين يديه فقال: يا محمد جمعت أوباش الناس ثم جئت بهم لبيضتك لنقضها، إنها قريش قد خرجت معها العوذ المطافيل، قد لبسوا جلود النمور يعاهدون الله تعالى أن لا تدخلها عليهم عنوة أبداً، وأيم الله لكأني بهؤلاء قد انكشفوا عنك غداً، قال: وأبو بكر رضي الله عنه قاعد خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: امصص بظر اللات أنحن ننكشف عنه؟ قال: من هذا يا محمد؟ قال صلى الله عليه وسلم: «حديث : هذا ابن أبي قحافة» تفسير : قال: أما والله لولا يد كانت لك عندي، لكافأتك بها، ولكن هذه بها، ثم تناول لحية رسول الله صلى الله عليه وسلم والمغيرة بن شعبة رضي الله عنه واقف على رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحديد، قال: فقرع يده ثم قال: أمسك يدك عن لحية رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل والله أن لا تصل إليك، قال: ويحك ما أفظك وأغلظك! فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: من هذا يا محمد؟ قال صلى الله عليه وسلم: «حديث : هذا ابن أخيك المغيرة بن شعبة» تفسير : قال: أغدر، وهل غسلت سوأتك إلا بالأمس؟ قال: فكلمه رسول الله صلى الله عليه وسلم بمثل ما كلم به أصحابه، وأخبره بأنه لم يأت يريد حرباً. قال: فقام من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد رأى ما يصنع به أصحابه لا يتوضأ وضوءاً إلا ابتدروه. ولا يبصق بصاقاً إلا ابتدروه، ولا يسقط من شعره شيء إلا أخذوه، فرجع إلى قريش فقال: يا معشر قريش إني جئت كسرى في ملكه وجئت قيصر والنجاشي في ملكهما، والله ما رأيت ملكاً قط مثل محمد صلى الله عليه وسلم في أصحابه، ولقد رأيت قوماً لا يسلمونه لشيء أبداً فروا رأيكم. قال: وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل ذلك بعث خراش بن أمية الخزاعي إلى مكة، وحمله على جمل له يقال له: الثعلب، فلما دخل مكة عقرت به قريش وأرادوا قتل خراش، فمنعتهم الأحابيش حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعا عمر رضي الله عنه ليبعثه إلى مكة، فقال: يا رسول الله إني أخاف قريشاً على نفسي، وليس بها من بني عدي أحد يمنعني، وقد عرفت قريش عداوتي إياها وغلظتي عليها، ولكن أدلك على رجل هو أعزّ مني بها عثمان بن عفان رضي الله عنه. قال: فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فبعثه يخبرهم أنه لم يأت لحرب أحد، وإنما جاء زائراً لهذا البيت معظماً لحرمته، فخرج عثمان رضي الله عنه حتى أتى مكة، فلقيه أبان بن سعيد بن العاص، فنزل عن دابته وحمله بين يديه وأردفه خلفه وأجاره حتى بلغ رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم فانطلق عثمان رضي الله عنه حتى أتى أبا سفيان وعظماء قريش، فبلغهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أرسله به، فقالوا لعثمان رضي الله عنه: إن شئت أن تطوف بالبيت، فطف به، فقال: ما كنت لأفعل حتى يطوف به رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: واحتبسته قريش عندها، قال: وبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن عثمان رضي الله عنه قد قتل. قال محمد: فحدثني الزهري أن قريشاً بعثوا سهيل بن عمرو، وقالوا: ائت محمداً فصالحه، ولا تلن في صلحه إلا أن يرجع عنا عامه هذا، فوالله لا تحدث العرب أنه دخلها علينا عنوة أبداً، فأتاه سهيل بن عمرو، فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : قد أراد القوم الصلح حين بعثوا هذا الرجل»تفسير : . فلما انتهى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تكلما وأطالا الكلام، وتراجعا حتى جرى بينهما الصلح، فلما التأم الأمر ولم يبق إلا الكتاب، وثب عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فأتى أبا بكر رضي الله عنه فقال: يا أبا بكر أو ليس برسول الله؟ أولسنا بالمسلمين؟ أوليسوا بالمشركين؟ قال: بلى. قال: فعلام نعطي الدنية في ديننا؟ فقال أبو بكر رضي الله عنه: يا عمر الزم غرزه حيث كان فإني أشهد أنه رسول الله. فقال عمر رضي الله عنه: وأنا أشهد، ثم أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله أولسنا بالمسلمين؟ أوليسوا بالمشركين؟ قال صلى الله عليه وسلم:«حديث : بلى» تفسير : قال: فعلام نعطي الدنية في ديننا؟ فقال صلى الله عليه وسلم: «حديث : أنا عبد الله ورسوله لن أخالف أمره ولن يضيعني» تفسير : ثم قال عمر رضي الله عنه: ما زلت أصوم وأصلي وأتصدق وأعتق من الذي صنعت مخافة كلامي الذي تكلمت به يومئذ، حتى رجوت أن يكون خيراً. قال: ثم دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم علي ابن أبي طالب رضي الله عنه فقال: «حديث : اكتب بسم الله الرحمن الرحيم» تفسير : فقال سهيل: لا أعرف هذا، ولكن اكتب: باسمك اللهم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : اكتب باسمك اللهم. هذا ما صالح عليه محمد رسول الله» تفسير : فقال له سهيل بن عمرو: لو شهدت أنك رسول الله لم أقاتلك، ولكن اكتب: هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله وسهيل بن عمرو على وضع الحرب عشر سنين، يأمن فيها الناس ويكف بعضهم عن بعض، على أنه من أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم من أصحابه بغير إذن وليه رده عليه، ومن أتى قريشاً ممن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يردوه عليه، وأن بيننا عيبة مكفوفة وأنه لا أسلال ولا أغلال. وكان في شرطهم حين كتبوا الكتاب: أنه من أحب أن يدخل في عقد محمد صلى الله عليه وسلم وعهده دخل فيه، ومن أحب أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل فيه، فتواثبت خزاعة فقالوا، نحن في عقد رسول الله صلى الله عليه وسلم وعهده، وتواثبت بنو بكر فقالوا: نحن في عقد قريش وعهدهم، وأنك ترجع عنا عامنا هذا فلا تدخل علينا مكة، وأنه إذا كان عام قابل، خرجنا عنك فتدخلها بأصحابك، وأقمت بها ثلاثاً، معك سلاح الراكب لا تدخلها بغير السيوف في القرب. فبينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يكتب الكتاب إذ جاءه أبو جندل بن سهيل بن عمرو في الحديد قد انفلت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: وقد كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم خرجوا وهم لا يشكون في الفتح لرؤيا رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما رأوا ما رأوا من الصلح والرجوع وما تحمل رسول الله صلى الله عليه وسلم على نفسه، دخل الناس من ذلك أمر عظيم حتى كادوا أن يهلكوا. فلما رأى سهيل أبا جندل، قام إليه فضرب وجهه وقال: يا محمد قد لجت القضية بيني وبينك قبل أن يأتيك هذا. قال: «حديث : صدقت» تفسير : فقام إليه فأخذ بتلابيبه قال وصرخ أبو جندل بأعلى صوته: يا معشر المسلمين أتردونني إلى أهل الشرك فيفتنوني في ديني؟ قال: فزاد الناس شراً إلى ما بهم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : يا أبا جندل اصبر واحتسب فإن الله تعالى جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجاً ومخرجاً. إنا قد عقدنا بيننا وبين القوم صلحاً، فأعطيناهم على ذلك وأعطونا عليه عهداً وإنا لن نغدر بهم»تفسير : . قال: فوثب إليه عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فجعل يمشي مع أبي جندل، ويقول: اصبر أبا جندل، فإنما هم المشركون وإنما دم أحدهم دم كلب، قال: ويدني قائم السيف منه، قال: يقول: رجوت أن يأخذ السيف فيضرب به أباه. قال: فضن الرجل بأبيه، قال: ونفذت القضية، فلما فرغا من الكتاب، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي في الحرم وهو مضطرب في الحل، قال: فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «حديث : يا أيها الناس انحروا واحلقوا» تفسير : قال: فما قام أحد، قال: ثم عاد صلى الله عليه وسلم بمثلها، فما قام رجل، ثم عاد صلى الله عليه وسلم بمثلها فما قام رجل، فرجع رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخل على أم سلمة رضي الله عنها فقال: «حديث : يا أم سلمة ما شأن الناس؟» تفسير : قالت: يا رسول الله قد دخلهم ما رأيت، فلا تكلمن منهم إنساناً واعمد إلى هديك حيث كان فانحره واحلق، فلو قد فعلت ذلك فعل الناس ذلك، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يكلم أحداً حتى إذا أتى هديه فنحره ثم جلس فحلق، قال: فقام الناس ينحرون ويحلقون، حتى إذا كان بين مكة والمدينة في وسط الطريق نزلت سورة الفتح، هكذا ساقه أحمد من هذا الوجه، وهكذا رواه يونس بن بكير وزياد البكائي عن أبي إسحاق بنحوه، وفيه إغراب. وقد رواه أيضاً عن عبد الرزاق عن معمر عن الزهري به نحوه، وخالفه في أشياء، وقد رواه البخاري رحمه الله في صحيحه فساقه سياقة حسنة مطولة بزيادات جيدة، فقال في كتاب الشروط من صحيحه: حدثنا عبد الله بن محمد، حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، أخبرني الزهري، أخبرني عروة بن الزبير عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم، يصدق كل واحد منهما حديث صاحبه، قالا: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم زمن الحديبية في بضع عشرة مائة من أصحابه، فلما أتى ذا الحليفة قلد الهدي وأشعره وأحرم منها بعمرة، وبعث عيناً من خزاعة وسار، حتى إذا كان بغدير الأشطاط، أتاه عينه فقال: إن قريشاً قد جمعوا لك جموعاً، وقد جمعوا لك الأحابيش، وهم مقاتلوك وصادوك ومانعوك. فقال صلى الله عليه وسلم: «حديث : أشيروا أيها الناس علي، أترون أن نميل على عيالهم وذراري هؤلاء الذين يريدون أن يصدونا عن البيت؟» تفسير : وفي لفظ: «حديث : أترون أن نميل على ذراري هؤلاء الذين أعانوهم، فإن يأتونا كان الله قد قطع عنقاً من المشركين، وإلا تركناهم محزونين»تفسير : ، وفي لفظ: «حديث : فإن قعدوا قعدوا موتورين مجهودين محزونين، وإن نجوا يكن عنقاً قطعها الله عز وجل، أم ترون أن نؤم البيت فمن صدنا عنه قاتلناه»تفسير : فقال أبو بكر رضي الله عنه: يا رسول الله خرجت عامداً لهذا البيت، لا تريد قتل أحد ولا حرباً، فتوجه له، فمن صدنا عنه قاتلناه، وفي لفظ: فقال أبو بكر رضي الله عنه: الله ورسوله علم أنما جئنا معتمرين، ولم نجىء لقتال أحد، ولكن من حال بيننا وبين البيت قاتلناه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : فروحوا إذن» تفسير : وفي لفظ: «حديث : فامضوا على اسم الله تعالى» تفسير : حتى إذا كانوا ببعض الطريق قال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن خالد بن الوليد في خيل لقريش طليعة، فخذوا ذات اليمين، فوالله ما شعر بهم خالد حتى إذا هم بقترة الجيش، فانطلق يركض نذيراً لقريش، وسار النبي صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان بالثنية التي يهبط عليهم منها، بركت به راحلته، فقال الناس: حل حل، فألحت، فقالوا: خلأت القصواء خلأت القصواء. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ما خلأت القصواء، وما ذاك لها بخلق ولكن حبسها حابس الفيل»تفسير : ، ثم قال صلى الله عليه وسلم: «حديث : والذي نفسي بيده لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرمات الله تعالى إلا أعطيتهم إياها»تفسير : . ثم زجرها فوثبت فعدل عنهم حتى نزل بأقصى الحديبية على ثمد قليل الماء يتبرضه الناس تبرضاً، فلم يلبث الناس حتى نزحوه، وشكي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم العطش، فانتزع صلى الله عليه وسلم من كنانته سهماً ثم أمرهم أن يجعلوه فيه، فوالله ما زال يجيش لهم بالري حتى صدروا عنه. فبينما هم كذلك إذ جاء بديل بن ورقاء الخزاعي في نفر من قومه من خزاعة، وكانوا عيبة نصح رسول الله صلى الله عليه وسلم، من أهل تهامة. فقال: إني تركت كعب بن لؤي وعامر بن لؤي نزلوا أعداد مياه الحديبية، معهم العوذ المطافيل وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : إنا لم نجىء لقتال أحد، ولكن جئنا معتمرين، وإن قريشاً قد نهكتهم الحرب، فأضرت بهم، فإن شاؤوا ماددتهم مدة ويخلوا بيني وبين الناس، فإن أظهر، فإن شاؤوا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس فعلوا وإلا فقد جمّوا، وإن هم أبوا فوالذي نفسي بيده لأقاتلنهم على أمري هذا حتى تنفرد سالفتي أو لينفذن الله أمره»تفسير : . قال بديل: سأبلغهم ما تقول. فانطلق حتى أتى قريشاً فقال: إنا قد جئنا من عند هذا الرجل، وسمعناه يقول قولاً، فإن شئتم أن نعرضه عليكم فعلنا، فقال سفهاؤهم: لا حاجة لنا أن تخبرنا عنه بشيء. وقال ذوو الرأي منهم: هات ما سمعته يقول. قال: سمعته يقول كذا وكذا، فحدثهم بما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فقام عروة بن مسعود فقال: أي قوم ألستم بالوالد؟ قالوا: بلى، قال: أولست بالولد؟ قالوا: بلى، قال: فهل تتهمونني؟ قالوا: لا، قال: ألستم تعلمون أني استنفرت أهل عكاظ، فلما بلحوا علي جئتكم بأهلي وولدي ومن أطاعني؟ قالوا: بلى. قال: فإن هذا قد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها ودعوني آته. قالوا: ائته، فأتاه، فجعل يكلم النبي صلى الله عليه وسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم له نحواً من قوله لبديل بن ورقاء، فقال عروة عند ذلك: أي محمد، أرأيت إن استأصلت أمر قومك، هل سمعت بأحد من العرب اجتاح أصله قبلك؟ وإن تك الأخرى فإني والله لأرى وجوهاً، وإني لأرى أشواباً من الناس خليقاً أن يفروا ويدعوك، فقال له أبو بكر رضي الله عنه: امصص بظر اللات أنحن نفر وندعه؟ قال: من ذا؟ قالوا أبو بكر. قال: أما والذي نفسي بيده لولا يد كانت لك عندي، لم أجزك بها، لأجبتك. قال: وجعل يكلم النبي صلى الله عليه وسلم فكلما كلمه، أخذ بلحيته صلى الله عليه وسلم، والمغيرة بن شعبة رضي الله عنه قائم على رأس النبي صلى الله عليه وسلم، ومعه السيف، وعليه المغفر، وكلما أهوى عروة بيده إلى لحية النبي صلى الله عليه وسلم ضرب يده بنعل السيف وقال: أخر يدك عن لحية رسول الله صلى الله عليه وسلم فرفع عروة رأسه وقال: من هذا؟ قال: المغيرة بن شعبة. قال: أي غُدَر ألست أسعى في غدرتك؟ وكان المغيرة بن شعبة رضي الله عنه صحب قوماً في الجاهلية فقتلهم وأخذ أموالهم، ثم جاء فأسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : أما الإسلام فأقبل، وأما المال فلست منه في شيء»تفسير : ثم إن عروة جعل يرمق أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بعينيه قال: فوالله ما تنخم رسول الله صلى الله عليه وسلم نخامة، إلا وقعت في كف رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده وما يحدون النظر إليه تعظيماً له صلى الله عليه وسلم، فرجع عروة إلى أصحابه، فقال أي قوم! والله لقد وفدت على الملوك ووفدت على كسرى وقيصر والنجاشي، والله إن رأيت ملكاً قط يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمد محمداً، والله إن تنخم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم، فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده، وما يحدون النظر إليه تعظيماً له، وإنه قد عرض عليكم خطة رشد، فاقبلوها. فقال رجل منهم من بني كنانة: دعوني آته. فقالوا: ائته. فلما أشرف على النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : هذا فلان، وهو من قوم يعظمون البدن فابعثوها له»تفسير : . فبعثت له واستقبله الناس يلبون. فلما رأى ذلك قال: سبحان الله ما ينبغي لهؤلاء أن يصدوا عن البيت، فلما رجع إلى أصحابه قال: رأيت البدن قد قلدت وأشعرت فما أرى أن يصدوا عن البيت. فقام رجل منهم يقال له مكرز بن حفص، فقال: دعوني آته. فقالوا: ائته. فلما أشرف عليهم، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : هذا مكرز وهو رجل فاجر» تفسير : فجعل يكلم النبي صلى الله عليه وسلم، فبينما هو يكلمه، إذ جاء سهيل بن عمرو وقال معمر: أخبرني أيوب عن عكرمة أنه قال: لما جاء سهيل بن عمرو قال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : قد سهل لكم من أمركم» تفسير : . قال معمر: قال الزهري في حديثه: فجاء سهيل بن عمرو فقال: هات اكتب بيننا وبينك كتاباً. فدعا النبي صلى الله عليه وسلم بعلي رضي الله عنه وقال: «حديث : اكتب: بسم الله الرحمن الرحيم» تفسير : فقال سهيل بن عمرو: أما الرحمن، فوالله ما أدري ما هو، ولكن اكتب: باسمك اللهم كما كنت تكتب. فقال المسلمون: والله لا نكتبها إلا باسم الله الرحمن الرحيم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : اكتب باسمك اللهم ــــ ثم قال ــــ هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله» تفسير : فقال سهيل: والله لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت ولا قاتلناك، ولكن اكتب: محمد بن عبد الله. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : والله إني لرسول الله وإن كذبتموني، اكتب: محمد بن عبد الله» تفسير : قال الزهري: وذلك لقوله: «حديث : والله لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرمات الله تعالى إلا أعطيتهم إياها» تفسير : فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : على أن تخلوا بيننا وبين البيت فنطوف به» تفسير : . فقال سهيل: والله لا تتحدث العرب أنا أخذنا ضغطة، ولكن ذلك من العام المقبل، فكتب فقال سهيل: وعلى أن لا يأتيك منا رجل وإن كان على دينك إلا رددته إلينا، فقال المسلمون: سبحان الله كيف يرد إلى المشركين، وقد جاء مسلماً؟. فبينما هم كذلك، إذ جاء أبو جندل بن سهيل بن عمرو يرسف في قيوده قد خرج من أسفل مكة حتى رمى بنفسه بين أظهر المسلمين، فقال سهيل: هذا يا محمد أول من أقاضيك عليه أن ترده إلي. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : إنا لم نقض الكتاب بعد» تفسير : قال: فوالله إذاً لا أصالحك على شيء أبداً، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : فأجزه لي» تفسير : قال: ما أنا بمجيز ذلك لك، قال: «حديث : بلى فافعل» تفسير : قال: ما أنا بفاعل. قال مكرز: بلى قد أجزناه لك. قال أبو جندل: أي معشر المسلمين أرد إلى المشركين وقد جئت مسلماً؟ ألا ترون ما قد لقيت؟ وكان قد عذب عذاباً شديداً في الله عز وجل. قال عمر رضي الله عنه: فأتيت نبي الله صلى الله عليه وسلم فقلت: ألست نبي الله حقاً؟ قال صلى الله عليه وسلم: «حديث : بلى» تفسير : قلت: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ قال صلى الله عليه وسلم: «حديث : بلى» تفسير : قلت: فلِمَ نعطي الدنية في ديننا إذاً؟ قال صلى الله عليه وسلم: «حديث : إني رسول الله ولست أعصيه وهو ناصري» تفسير : . قلت: أولست كنت تحدثنا أنا سنأتي البيت ونطوف به؟ قال صلى الله عليه وسلم: «حديث : بلى، أفأخبرتك أنا نأتيه العام؟»تفسير : . قلت: لا. قال صلى الله عليه وسلم: «حديث : فإنك آتيه ومطوف به» تفسير : . قال: فأتيت أبا بكر، فقلت: أبا بكر أليس هذا نبي الله حقاً؟ قال: بلى. قلت: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ قال: بلى. قلت: فلِمَ نعطي الدنية في ديننا إذاً؟ قال: أيها الرجل إنه رسول الله وليس يعصي ربه، وهو ناصره، فاستمسك بغرزه، فوالله إنه على الحق. قلت: أوليس كان يحدثنا أنا سنأتي البيت ونطوف به؟ قال: بلى، أفأخبرك أنك تأتيه العام؟ قلت: لا. قال: فإنك تأتيه وتطوف به. قال الزهري: قال عمر رضي الله عنه: فعملت لذلك أعمالاً. قال: فلما فرغ من قضية الكتاب، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: «حديث : قوموا فانحروا ثم احلقوا» تفسير : قال: فوالله ما قام منهم رجل حتى قال صلى الله عليه وسلم ذلك ثلاث مرات، فلما لم يقم منهم أحد، دخل صلى الله عليه وسلم على أم سلمة رضي الله عنها، فذكر لها ما لقي من الناس، قالت له أم سلمة رضي الله عنها: يا نبي الله أتحب ذلك؟ اخرج ثم لا تكلم أحداً منهم كلمة حتى تنحر بدنك وتدعو حالقك فيحلقك، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم يكلم أحداً منهم حتى فعل ذلك، نحر بدنه ودعا حالقه فحلقه. فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا، وجعل بعضهم يحلق بعضاً، حتى كاد بعضهم يقتل بعضاً غماً، ثم جاءه نسوة مؤمنات، فأنزل الله عز وجل: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا جَآءَكُمُ ٱلْمُؤْمِنَـٰتُ مُهَـٰجِرَٰتٍ} حتى بلغ {أية : بِعِصَمِ ٱلْكَوَافِرِ} تفسير : [الممتحنة: 10] فطلق عمر رضي الله عنه يومئذ امرأتين كانتا له في الشرك، فتزوج إحداهما معاوية بن أبي سفيان، والأخرى صفوان بن أمية. ثم رجع النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة فجاءه أبو بصير رجل من قريش وهو مسلم، فأرسلوا في طلبه رجلين، فقالوا: العهد الذي جعلت لنا، فدفعه إلى الرجلين فخرجا به حتى إذا بلغا ذا الحليفة فنزلوا يأكلون من تمر لهم، فقال أبو بصير لأحد الرجلين: والله إني لأرى سيفك هذا يا فلان جيداً، فاستله الآخر، فقال: أجل، والله إنه لجيد، لقد جربت منه ثم جربت. فقال أبو بصير: أرني أنظر إليه، فأمكنه منه، فضربه حتى برد، وفر الآخر حتى أتى المدينة، فدخل المسجد يعدو، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين رآه: «حديث : لقد رأى هذا ذعراً» تفسير : فلما انتهى إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: قتل والله صاحبي، وإني لمقتول. فجاء أبو بصير فقال: يا رسول الله قد والله أوفى الله ذمتك، قد رددتني إليهم، ثم نجاني الله تعالى منهم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : ويل أمه مسعر حرب لو كان معه أحد»تفسير : فلما سمع ذلك، عرف أنه سيرده إليهم، فخرج حتى أتى سيف البحر. قال: وتفلت منهم أبو جندل بن سهيل، فلحق بأبي بصير، فجعل لا يخرج من قريش رجل قد أسلم إلا لحق بأبي بصير، حتى اجتمعت منهم عصابة، فوالله ما يسمعون بعير خرجت لقريش إلى الشام إلا اعترضوا لها، فقتلوهم، وأخذوا أموالهم. فأرسلت قريش إلى النبي صلى الله عليه وسلم تناشده الله والرحم لما أرسل إليهم، فمن أتاه منهم فهو آمن، فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم إليهم، وأنزل الله عز وجل: {وَهُوَ ٱلَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم بِبَطْنِ مَكَّةَ} حتى بلغ: {حَمِيَّةَ ٱلْجَـٰهِلِيَّةِ} وكانت حميتهم أنهم لم يقروا أنه رسول الله، ولم يقروا ببسم الله الرحمن الرحيم، وحالوا بينهم وبين البيت هكذا ساقه البخاري ههنا، وقد أخرجه في التفسير، وفي عمرة الحديبية وفي الحج وغير ذلك من حديث معمر وسفيان بن عيينة، كلاهما عن الزهري به. ووقع في بعض الأماكن عن الزهري عن عروة عن مروان والمسور عن رجال من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، وهذا أشبه والله أعلم، ولم يسقه أبسط من ههنا، وبينه وبين سياق ابن إسحاق تباين في مواضع، وهناك فوائد ينبغي إضافتها إلى ما هنا، ولذلك سقنا تلك الرواية وهذه والله المستعان وعليه التكلان، ولا حول ولا قوة إلا بالله العزيز الحكيم. وقال البخاري في التفسير: حدثنا أحمد بن إسحاق السلمي، حدثنا يعلى، حدثنا عبد العزيز بن سياه عن حبيب ابن أبي ثابت قال: أتيت أبا وائل أسأله، فقال: كنا بصفين، فقال رجل: ألم تر إلى الذين يدعون إلى كتاب الله؟ فقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: نعم، فقال سهل بن حنيف: اتهموا أنفسكم، فلقد رأيتنا يوم الحديبية، يعني: الصلح الذي كان بين النبي صلى الله عليه وسلم والمشركين، ولو نرى قتالاً لقاتلنا، فجاء عمر رضي الله عنه فقال: ألسنا على الحق، وهم على الباطل؟ أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار؟ فقال: بلى. قال: ففيم نعطي الدنية في ديننا ونرجع ولما يحكم الله بيننا؟ فقال صلى الله عليه وسلم: «حديث : يابن الخطاب إني رسول الله، ولن يضيعني الله أبداً» تفسير : فرجع متغيظاً، فلم يصبر حتى جاء أبا بكر رضي الله عنه، فقال: يا أبا بكر ألسنا على الحق، وهم على الباطل؟ فقال: يابن الخطاب إنه رسول الله، ولن يضيعه الله أبداً، فنزلت سورة الفتح. وقد رواه البخاري أيضاً في مواضع أخر، ومسلم والنسائي من طرق أخر عن أبي وائل سفيان بن سلمة عن سهل بن حنيف به، وفي بعض ألفاظه: يا أيها الناس اتهموا الرأي، فلقد رأيتني يوم أبي جندل، ولو أقدر على أن أرد على رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره لرددته، وفي رواية: فنزلت سورة الفتح، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقرأها عليه. وقال الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا حماد عن ثابت عن أنس رضي الله عنه قال: إن قريشاً صالحوا النبي صلى الله عليه وسلم وفيهم سهيل بن عمرو، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعلي رضي الله عنه: «حديث : اكتب: بسم الله الرحمن الرحيم» تفسير : فقال سهيل: لا ندري ما بسم الله الرحمن الرحيم؟ ولكن اكتب ما نعرف: باسمك اللهم. فقال صلى الله عليه وسلم: «حديث : اكتب: من محمد رسول الله» تفسير : قال: لو نعلم أنك رسول الله، لاتبعناك، ولكن اكتب اسمك واسم أبيك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : اكتب: من محمد بن عبد الله» تفسير : واشترطوا على النبي صلى الله عليه وسلم أن من جاء منكم، لا نرده عليكم، ومن جاءكم منا، رددتموه علينا، فقال: يا رسول الله أنكتب هذا؟ قال صلى الله عليه وسلم: «حديث : نعم، إنه من ذهب منا إليهم، فأبعده الله» تفسير : رواه مسلم من حديث حماد بن سلمة به. وقال أحمد أيضاً: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن عكرمة بن عمار قال: حدثني سماك عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: لما خرجت الحرورية اعتزلوا، فقلت لهم: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية صالح المشركين، فقال لعلي رضي الله عنه: «حديث : اكتب يا علي: هذا ما صالح عليه محمد رسول الله» تفسير : قالوا: لو نعلم أنك رسول الله ما قاتلناك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : امح يا علي اللهم إنك تعلم أني رسولك امح يا علي واكتب: هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله» تفسير : والله لرسول الله خير من علي، وقد محا نفسه، ولم يكن محوه ذلك يمحوه من النبوة أخرجت من هذه قالوا: نعم. ورواه أبو داود من حديث عكرمة بن عمار اليمامي بنحوه، وروى الإمام أحمد عن يحيى ابن آدم عن زهير بن حرب عن محمد بن عبدالرحمن بن أبي ليلى عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: نحر رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية سبعين بدنة، فيها جمل لأبي جهل، فلما صدت عن البيت، حنت كما تحن إلى أولادها.

المحلي و السيوطي

تفسير : {هُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّوكُمْ عَنِ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ } أي عن الوصول إليه {وَٱلْهَدْىَ } معطوف على كُمْ {مَعْكُوفاً } محبوساً حال {أَن يَبْلُغَ مَحِلَّهُ } أي مكانه الذي ينحر فيه عادة وهو الحرم بدل اشتمال {وَلَوْلاَ رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَاء مُّؤْمِنَٰتٌ } موجودون بمكة مع الكفار {لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ } بصفة الإِيمان {أن تَطَئُوهم } أي تقتلوهم مع الكفار لو أذن لكم في الفتح بدل اشتمال من هم { فَتُصِيبَكمْ مّنْهُمْ مَّعَرَّةٌ } أي إثم {بِغَيْرِ عِلْمٍ } منكم به وضمائر الغيبة للصنفين بتغليب الذكور وجواب «لولا» محذوف: أي لأذن لكم في الفتح لكن لم يؤذن فيه حينئذ {لّيُدْخِلَ ٱللَّهُ فِى رَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ } كالمؤمنين المذكورين {لَوْ تَزَيَّلُواْ } تميزوا عن الكفار {لَعَذَّبْنَا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ } من أهل مكة حينئذ بأن نأذن لكم في فتحها {عَذَاباً أَلِيماً } مؤلماً.

الشوكاني

تفسير : قوله: {هُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّوكُمْ عَنِ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ } يعني: كفار مكة، ومعنى: صدّهم عن المسجد الحرام: أنهم منعوهم أن يطوفوا به، ويحلوا عن عمرتهم {وَٱلْهَدْىَ مَعْكُوفاً } قرأ الجمهور بنصب {الهدي} عطفاً على الضمير المنصوب في {صدّوكم}، وقرأ أبو عمرو في رواية عنه بالجرّ عطفاً على المسجد، ولا بدّ من تقدير مضاف، أي: عن نحر الهدي، وقرىء بالرفع على تقدير: وصدّ الهدي، وقرأ الجمهور بفتح الهاء من الهدي وسكون الدال، وروي عن أبي عمرو، وعاصم بكسر الدال وتشديد الياء، وانتصاب {معكوفاً} على الحال من الهدي، أي: محبوساً. قال الجوهري: عكفه أي: حبسه ووقفه، ومنه {وَٱلْهَدْىَ مَعْكُوفاً } ومنه الاعتكاف في المسجد، وهو الاحتباس. وقال أبو عمرو بن العلاء: معكوفاً مجموعاً، وقوله: {أَن يَبْلُغَ مَحِلَّهُ } أي: عن أن يبلغ محله، أو هو مفعول لأجله، والمعنى: صدّوا الهدي كراهة أن يبلغ محله، أو هو بدل من الهدي بدل اشتمال، ومحله: منحره، وهو حيث يحل نحره من الحرم، وكان الهدي سبعين بدنة، ورخّص الله سبحانه لهم بجعل ذلك الموضع الذي وصلوا إليه، وهو الحديبية محلاً للنحر. وللعلماء في هذا كلام معروف في كتب الفروع {وَلَوْلاَ رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَاء مُّؤْمِنَـٰتٌ لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ } يعني: المستضعفين من المؤمنين بمكة، ومعنى {لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ }: لم تعرفوهم وقيل: لم تعلموا أنهم مؤمنون {أَن تَطَئُوهُمْ } يجوز أن يكون بدلاً من رجال ونساء، ولكنه غلب الذكور، وأن يكون بدلاً من مفعول {تعلموهم}، والمعنى: أن تطئوهم بالقتل والإيقاع بهم، يقال: وطئت القوم، أي: أوقعت بهم، وذلك أنهم لو كسبوا مكة، وأخذوها عنوة بالسيف لم يتميز المؤمنون الذين هم فيها من الكفار، وعند ذلك لا يأمنوا أن يقتلوا المؤمنين، فتلزمهم الكفارة، وتلحقهم سبة، وهو معنى قوله: {فَتُصِيبَكمْ مّنْهُمْ } أي: من جهتهم، و{مَّعَرَّةٌ } أي: مشقة بما يلزمهم في قتلهم من كفارة وعيب، وأصل المعرّة: العيب، مأخوذة من العرّ، وهو الجرب، وذلك أن المشركين سيقولون: إن المسلمين قد قتلوا أهل دينهم. قال الزجاج: لولا أن تقتلوا رجالاً مؤمنين ونساء مؤمنات، فتصيبكم منهم معرّة أي: إثم، وكذا قال الجوهري، وبه قال ابن زيد. وقال الكلبي، ومقاتل، وغيرهما: المعرّة: كفارة قتل الخطأ، كما في قوله: {أية : فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوّ لَّكُمْ وَهُوَ مْؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ }تفسير : [النساء: 92] وقال ابن إسحاق: المعرّة: غرم الدية. وقال قطرب: المعرّة: الشدّة، وقيل: الغمّ، و {بِغَيْرِ عِلْمٍ } متعلق بأن تطئوهم، أي: غير عالمين، وجواب "لولا" محذوف، والتقدير: لأذن الله لكم، أو لما كفّ أيديكم عنهم، واللام في: {لّيُدْخِلَ ٱللَّهُ فِى رَحْمَتِهِ مَن يَشَاء } متعلقة بما يدلّ عليه الجواب المقدّر، أي: ولكن لم يأذن لكم، أو كف أيديكم ليدخل الله في رحمته بذلك من يشاء من عباده وهم المؤمنون والمؤمنات الذين كانوا في مكة، فيتمم لهم أجورهم بإخراجهم من بين ظهراني الكفار، ويفكّ أسرهم، ويرفع ما كان ينزل بهم من العذاب. وقيل: اللام متعلقة بمحذوف غير ما ذكر، وتقديره: لو قتلتموهم لأدخلهم الله في رحمته، والأوّل أولى. وقيل: إن {من يشاء}: عباده ممن رغب في الإسلام من المشركين {لَوْ تَزَيَّلُواْ لَعَذَّبْنَا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَاباً أَلِيماً } التّزيّل: التميز، أي: لو تميز الذين آمنوا من الذين كفروا منهم؛ لعذبنا الذين كفروا، وقيل التّزيّل: التفرق، أي: لو تفرّق هؤلاء من هؤلاء، وقيل: لو زال المؤمنون من بين أظهرهم، والمعاني متقاربة، والعذاب الأليم: هو القتل والأسر والقهر، والظرف في قوله: {إِذْ جَعَلَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } منصوب بفعل مقدّر، أي: اذكر وقت جعل الذين كفروا {فِى قُلُوبِهِمُ ٱلْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ ٱلْجَـٰهِلِيَّةِ }. وقيل: متعلق بعذبنا، والحميّة: الأنفة، يقال: فلان ذو حميّة، أي: ذو أنفة وغضب، أي: جعلوها ثابتة راسخة في قلوبهم، والجعل بمعنى الإلقاء، وحميّة الجاهلية بدل من الحميّة. قال مقاتل بن سليمان، ومقاتل بن حيان: قال أهل مكة: قد قتلوا أبناءنا، وإخواننا، ويدخلون علينا في منازلنا، فتتحدّث العرب أنهم قد دخلوا علينا على رغم أنفنا، واللات والعزّى لا يدخلونها علينا، فهذه الحميّة هي حميّة الجاهلية التي دخلت قلوبهم. وقال الزهري: حميّتهم: أنفتهم من الإقرار للنبي صلى الله عليه وسلم بالرسالة. قرأ الجمهور {لو تزيلوا} وقرأ ابن أبي عبلة، وأبو حيوة، وابن عون (لو تزايلوا). والتزايل: التباين {فَأَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَعَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ } أي: أنزل الطمأنينة والوقار على رسوله وعلى المؤمنين حيث لم يدخلهم ما دخل أهل الكفر من الحميّة، وقيل: ثبتهم على الرضى والتسليم {وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ ٱلتَّقْوَىٰ } وهي: «لا إلٰه إلاَّ الله» كذا قال الجمهور، وزاد بعضهم: «محمد رسول الله» وزاد بعضهم: «وحده لا شريك له». وقال الزهري هي: {بِسْمِ اللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ } وذلك أن الكفار لم يقرّوا بها، وامتنعوا من كتابتها في كتاب الصلح الذي كان بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما ثبت ذلك في كتب الحديث والسير، فخص الله بهذه الكلمة المؤمنين وألزمهم بها. والأوّل أولى؛ لأن كلمة التوحيد هي التي يتقى بها الشرك بالله، وقيل: كلمة التقوى: هي الوفاء بالعهد والثبات عليه {وَكَانُواْ أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا } أي: وكان المؤمنون أحقّ بهذه الكلمة من الكفار والمستأهلين لها دونهم؛ لأن الله سبحانه أهلهم لدينه، وصحبة رسوله صلى الله عليه وسلم. {لَّقَدْ صَدَقَ ٱللَّهُ رَسُولَهُ ٱلرُّؤْيَا بِٱلْحَقّ } قال الواحدي: قال المفسرون: إن الله سبحانه أرى نبيه في المدينة قبل أن يخرج إلى الحديبية، كأنه هو وأصحابه حلقوا وقصروا، فأخبر بذلك أصحابه، ففرحوا وحسبوا أنهم سيدخلون مكة عامهم ذلك، فلما رجعوا من الحديبية، ولم يدخلوا مكة قال المنافقون: والله ما حلقنا ولا قصرنا، ولا دخلنا المسجد الحرام، فأنزل الله هذه الآية، وقيل: إن الرؤيا كانت بالحديبية، وقوله: {بِٱلْحَقّ } صفة لمصدر محذوف أي: صدقاً ملتبساً بالحقّ، وجواب القسم المحذوف المدلول عليه باللام الموطئة هو قوله: {لَتَدْخُلُنَّ ٱلْمَسْجِدَ ٱلْحَرَامَ } أي: في العام القابل، وقوله: {إِن شَاء ٱللَّهُ } تعليق للعدة بالمشيئة لتعليم العباد لما يجب أن يقولوه، كما في قوله: {أية : وَلاَ تَقْولَنَّ لِشَىْء إِنّى فَاعِلٌ ذٰلِكَ غَداً * إِلاَّ أَن يَشَاء ٱللَّهُ }تفسير : [الكهف: 23، 24] قال ثعلب: إن الله استثنى فيما يعلم ليستثني الخلق فيما لا يعلمون. وقيل: كان الله سبحانه علم أنه يموت بعض هؤلاء الذين كانوا معه في الحديبية، فوقع الاستثناء لهذا المعنى، قاله الحسن بن الفضل. وقيل: معنى إن شاء الله: كما شاء الله. وقال أبو عبيدة: إن بمعنى إذ، يعني: إذ شاء الله حيث أرى رسوله ذلك، وانتصاب {ءامِنِينَ } على الحال من فاعل لتدخلنّ، وكذا {مُحَلّقِينَ رُءوسَكُمْ وَمُقَصّرِينَ } أي: آمنين من العدوّ، ومحلقاً بعضكم ومقصراً بعضكم، والحلق والتقصير خاصّ بالرجال، والحلق أفضل من التقصير، كما يدلّ على ذلك الحديث الصحيح في استغفاره صلى الله عليه وسلم للمحلقين في المرة الأولى والثانية، والقائل يقول له: وللمقصرين، فقال في الثالثة: وللمقصرين، وقوله: {لاَ تَخَـٰفُونَ } في محل نصب على الحال أو مستأنف، وفيه زيادة تأكيد لما قد فهم من قوله: {ءامِنِينَ }، {فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُواْ } أي: ما لم تعلموا من المصلحة في الصلح لما في دخولكم في عام الحديبية من الضرر على المستضعفين من المؤمنين، وهو معطوف على صدق، أي: صدق رسوله الرؤيا، فعلم ما لم تعلموا به {فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَلِكَ فَتْحاً قَرِيباً } أي: فجعل من دون دخولكم مكة كما أرى رسوله، فتحاً قريباً. قال أكثر المفسرين: هو صلح الحديبية. وقال ابن زيد، والضحاك: فتح خيبر. وقال الزهري: لا فتح في الإسلام كان أعظم من صلح الحديبية، ولقد دخل في تلك السنتين في الإسلام مثل من كان قد دخل فيه قبل ذلك بل أكثر، فإن المسلمين كانوا في سنة ستّ، وهي سنة الحديبية ألفاً وأربعمائة وكانوا في سنة ثمان عشرة آلاف. {هُوَ ٱلَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِٱلْهُدَىٰ } أي: إرسالاً ملتبساً بالهدى {وَدِينِ ٱلْحَقّ } وهو الإسلام {لِيُظْهِرَهُ عَلَى ٱلدّينِ كُلّهِ } أي: يعليه على كل الأديان، كما يفيده تأكيد الجنس، وقيل: ليظهر رسوله، والأوّل أولى. وقد كان ذلك بحمد الله، فإن دين الإسلام قد ظهر على جميع الأديان، وانقهر له كل أهل الملل {وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيداً } الباء زائدة كما تقدّم في غير موضع، أي: كفى الله شهيداً على هذا الإظهار الذي وعد المسلمين به، وعلى صحة نبوّة نبيه صلى الله عليه وسلم {مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ ٱللَّهِ } محمد مبتدأ، ورسول الله خبره، أو هو خبر مبتدأ محذوف، ورسول الله بدل منه، وقيل: محمد مبتدأ، ورسول الله نعت له {وَٱلَّذِينَ مَعَهُ } معطوف على المبتدأ وما بعده الخبر، والأوّل أولى، والجملة مبينة لما هو من جملة المشهود به. {وَٱلَّذِينَ مَعَهُ } قيل: هم أصحاب الحديبية، والأولى الحمل على العموم {أَشِدَّاء عَلَى ٱلْكُفَّارِ } أي: غلاظ عليهم، كما يغلظ الأسد على فريسته، وهو جمع شديد {رُحَمَاء بَيْنَهُمْ } أي: متوادّون متعاطفون، وهو جمع رحيم، والمعنى: أنهم يظهرون لمن خالف دينهم الشدّة والصلابة، ولمن وافقه الرحمة والرأفة. قرأ الجمهور برفع {أشداء}، و{رحماء} على أنه خبر للموصول، أو خبر لمحمد، وما عطف عليه، كما تقدّم. وقرأ الحسن بنصبهما على الحال، أو المدح، ويكون الخبر على هذه القراءة {تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً } أي: تشاهدهم حال كونهم راكعين ساجدين، وعلى قراءة الجمهور هو خبر آخر، أو اسئتناف: أعني قوله: {تَرَاهُمْ } {يَبْتَغُونَ فَضْلاً مّنَ ٱللَّهِ وَرِضْوَاناً } أي: يطلبون ثواب الله لهم ورضاه عنهم، وهذه الجملة خبر ثالث على قراءة الجمهور، أو في محل نصب على الحال من ضمير تراهم، وهكذا {سِيمَـٰهُمْ فِى وُجُوهِهِمْ مّنْ أَثَرِ ٱلسُّجُودِ } السيما: العلامة، وفيها لغتان المدّ والقصر، أي: تظهر علامتهم في جباههم من أثر السجود في الصلاة، وكثرة التعبد بالليل والنهار. وقال الضحاك: إذا سهر الرجل أصبح مصفراً، فجعل هذا هو السيما. وقال الزهري: مواضع السجود أشدّ وجوههم بياضاً يوم القيامة. وقال مجاهد: هو الخشوع والتواضع، وبالأوّل - أعني: كونه ما يظهر في الجباه من كثرة السجود - قاله سعيد بن جبير، ومالك. وقال ابن جريح: هو الوقار. وقال الحسن: إذا رأيتهم مرضى وما هم بمرضى، وقيل: هو البهاء في الوجه وظهور الأنوار عليه، وبه قال سفيان الثوري، والإشارة بقوله: {ذٰلِكَ } إلى ما تقدّم من هذه الصفات الجليلة، وهو مبتدأ، وخبره قوله: {مَثَلُهُمْ فِى ٱلتَّوْرَاةِ } أي: وصفهم الذي وصفوا به في التوراة، ووصفهم الذي وصفوا به {فِى ٱلإنجِيلِ } وتكرير ذكر المثل لزيادة تقريره، وللتنبيه على غرابته، وأنه جار مجرى الأمثال في الغرابة {كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ } إلخ، كلام مستأنف، أي: هم كزرع إلخ، وقيل: هو تفسير لذلك على أنه إشارة مبهمة لم يرد به ما تقدّم من الأوصاف، وقيل: هو خبر لقوله: {وَمَثَلُهُمْ فِى ٱلإنجِيلِ } أي: ومثلهم في الإنجيل كزرع. قال الفراء: فيه وجهان: إن شئت قلت ذلك مثلهم في التوراة، ومثلهم في الإنجيل يعني: كمثلهم في القرآن، فيكون الوقف على الإنجيل، وإن شئت قلت ذلك مثلهم في التوراة، ثم تبتدىء ومثلهم في الإنجيل كزرع. قرأ الجمهور: {شطأه} بسكون الطاء، وقرأ ابن كثير، وابن ذكوان بفتحها، وقرأ أنس، ونصر بن عاصم، ويحيـى بن وثاب: {شطاه} كعصاه. وقرأه الجحدري، وابن أبي إسحاق: (شطه) بغير همزة، وكلها لغات، قال الأخفش والكسائي: {شطأه} أي: طرفه. قال الفراء: شطأ الزرع فهو مشطىء: إذا خرج. قال الزجاج: {أَخْرَجَ شَطْأَهُ } أي: نباته. وقال قطرب: الشطأ: سوى السنبل، وروي عن الفراء أيضاً أنه قال: هو السنبل، وقال الجوهري: شطأ الزرع والنبات، والجمع أشطاء، وقد أشطأ الزرع: خرج شطؤه {فَآزَرَهُ} أي: قوّاه وأعانه وشده، قيل المعنى: إن الشطأ قوّى الزرع، وقيل: إن الزرع قويّ الشطأ، ومما يدلّ على أن الشطأ خروج النبات. قول الشاعر:شعر : أخرج الشطأ على وجه الثرى ومن الأشجار أفنان الثمر تفسير : قرأ الجمهور {فآزره} بالمد. وقرأ ابن ذكوان، وأبو حيوة، وحميد بن قيس بالقصر، وعلى قراءة الجمهور قول امرىء القيس:شعر : بمحنية قد آزر الضالّ نبتها مجرّ جيوش غانمين وخيب تفسير : قال الفراء: آزرت فلاناً آزره أزراً: إذا قوّيته {فَٱسْتَغْلَظَ } أي: صار ذلك الزرع غليظاً بعد أن كان دقيقاً {فَٱسْتَوَىٰ عَلَىٰ سُوقِهِ } أي: فاستقام على أعواده، والسوق جمع ساق. وقرأ قنبل: (سؤقه) بالهمزة الساكنة {يُعْجِبُ ٱلزُّرَّاعَ } أي: يعجب هذا الزرع زارعه لقوّته وحسن منظره، وهذا مثل ضربه الله سبحانه لأصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم، وأنهم يكونون في الابتداء قليلاً، ثم يزدادون ويكثرون ويقوون كالزرع، فإنه يكون في الابتداء ضعيفاً، ثم يقوى حالاً بعد حال حتى يغلظ ساقه. قال قتادة: مثل أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم في الإنجيل، أنه سيخرج من قوم ينبتون نبات الزرع يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ثم ذكر سبحانه علة تكثيره لأصحاب نبيه صلى الله عليه وسلم وتقويته لهم فقال: {لِيَغِيظَ بِهِمُ ٱلْكُفَّارَ } أي: كثرهم وقوّاهم، ليكونوا غيظاً للكافرين، واللام متعلقة بمحذوف، أي: فعل ذلك ليغيظ {وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً } أي: وعد سبحانه هؤلاء الذين مع محمد صلى الله عليه وسلم أن يغفر ذنوبهم، ويجزل أجرهم بإدخالهم الجنة التي هي أكبر نعمة وأعظم منّة. وقد أخرج أحمد، والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس قال: نحروا يوم الحديبية سبعين بدنة، فلما صدّت عن البيت حنّت كما تحنّ إلى أولادها. وأخرج الحسن بن سفيان، وأبو يعلى، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن قانع، والباوردي، والطبراني، وابن مردويه. قال السيوطي: بسند جيد عن أبي جمعة حنيذ بن سبع قال: قاتلت رسول الله صلى الله عليه وسلم أوّل النهار كافراً، وقابلت معه آخر النهار مسلماً وفينا نزلت: {وَلَوْلاَ رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَاء مُّؤْمِنَـٰتٌ } وكنا تسعة نفر سبعة رجال وامرأتان، وفي رواية عند ابن أبي حاتم: كنا ثلاثة رجال وتسع نسوة. وأخرج ابن أبي حاتم، وابن مردويه عن ابن عباس {لَوْلاَ رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَاء مُّؤْمِنَـٰتٌ لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ } قال: حين ردّوا النبي صلى الله عليه وسلم {أَن تَطَئُوهُمْ } بقتلكم إياهم {لَوْ تَزَيَّلُواْ } يقول: لو تزيّل الكفار من المؤمنين لعذبهم الله عذاباً أليماً بقتلكم إياهم. وأخرج البخاري، ومسلم، وغيرهما عن سهل بن حنيف أنه قال يوم صفين: اتهموا أنفسكم، فلقد رأيتنا يوم الحديبية، يعني: الصلح الذي كان بين النبي صلى الله عليه وسلم، وبين المشركين، ولو نرى قتالاً لقاتلنا، فجاء عمر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله ألسنا على الحق، وهم على الباطل؟ أليس قتلانا في الجنة، وقتلاهم في النار؟ قال: "بلى". قال: ففيم نعطي الدنية في ديننا، ونرجع ولما يحكم الله بيننا وبينهم؟ قال:«حديث : يا ابن الخطاب إني رسول الله، ولن يضيعني الله أبداً»تفسير : ، فرجع متغيظاً، فلم يصبر حتى جاء أبا بكر، فقال: يا أبا بكر ألسنا على الحق، وهم على الباطل؟ قال: بلى، قال: أليس قتلانا في الجنة، وقتلاهم في النار؟ قال: بلى، قال: ففيم نعطي الدنية في ديننا؟ قال: يا ابن الخطاب إنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولن يضيعه الله أبداً، فنزلت سورة الفتح، فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عمر، فأقرأه إياها، قال: يا رسول الله أفتح هو؟ قال: "نعم". وأخرج الترمذي، وعبد الله بن أحمد في زوائد المسند، وابن جرير، والدارقطني في الأفراد، وابن مردويه، والبيهقي في الأسماء والصفات عن أُبيّ بن كعب، عن النبي صلى الله عليه وسلم: {وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ ٱلتَّقْوَىٰ } قال: «لا إلٰه إلاّ الله» وفي إسناده الحسن بن قزعة، قال الترمذي بعد إخراجه: حديث غريب لا نعرفه إلاّ من حديثه، وكذا قال أبو زرعة. وأخرج ابن مردويه عن سلمة بن الأكوع مرفوعاً مثله. وأخرج عبد الرزاق، والفريابي، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، والبيهقي في الأسماء والصفات عن عليّ بن أبي طالب مثله من قوله. وأخرج أحمد، وابن حبان، والحاكم من قول عمر بن الخطاب نحوه. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس نحوه. وأخرج ابن أبي حاتم، والدارقطني في الأفراد عن المسور بن مخرمة، ومروان نحوه، وروي عن جماعة من التابعين نحو ذلك. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس: {لَّقَدْ صَدَقَ ٱللَّهُ رَسُولَهُ ٱلرُّؤْيَا بِٱلْحَقّ } قال: هو دخول محمد البيت، والمؤمنين محلقين ومقصرين، وقد ورد في الدعاء للمحلقين والمقصرين في الصحيحين، وغيرهما أحاديث منها ما قدّمنا الإشارة إليه، وهو في الصحيحين من حديث ابن عمر، وفيهما من حديث أبي هريرة أيضاً. وأخرج ابن جرير، عن ابن عباس في قوله: {سِيمَـٰهُمْ فِى وُجُوهِهِمْ } قال: أما إنه ليس الذي يرونه، ولكنه سيما الإسلام، وسمته وخشوعه. وأخرج محمد بن نصر في كتاب الصلاة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في سننه عن ابن عباس في الآية قال: هو السمت الحسن. وأخرج الطبراني في الأوسط والصغير، وابن مردويه، قال السيوطي: بسند حسن عن أُبيّ بن كعب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: {سِيمَـٰهُمْ فِى وُجُوهِهِمْ مّنْ أَثَرِ ٱلسُّجُودِ } قال: «حديث : النور يوم القيامة»تفسير : . وأخرج البخاري في تاريخه، وابن نصر عن ابن عباس في الآية قال: بياض يغشى وجوههم يوم القيامة. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن مردويه عن ابن عباس {ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِى ٱلتَّوْرَاةِ } يعني: نعتهم مكتوب في التوراة والإنجيل قبل أن يخلق الله السمٰوات والأرض. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن أنس {كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ } قال: نباته: فروخه.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {هُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ} يعني قريشاً. {وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} يعني منعوكم عن المسجد الحرام عام الحديبية حين أحرم النبي صلى الله علي وسلم مع أصحابه بعمرة. {وَالْهَدْيَ مَعْكُوفاً} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: محبوساً. الثاني: واقفاً. الثالث: مجموعاً، قاله أبو عمرو بن العلاء. {أَن يَبْلُغَ مَحِلَّهُ} فيه قولان: أحدهما: منحره، قاله الفراء. الثاني: الحرم، قال الشافعي، والمحِل بكسر الحاء هو غاية الشيء، وبالفتح هو الموضع الذي يحله الناس، وكان الهدي سبعين بدنة. {وَلَوْلاَ رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُّؤْمِنَاتٌ لَّمْ تَعْلَمْوهُمْ} أي لم تعلموا إيمانهم. {أَن تَطَئُوهُمْ} فيه قولان: أحدهما: أن تطئوهم بخيلكم وأرجلكم فتقتلوهم، قاله ابن عباس. الثاني: لولا من في أصلاب الكفار وأرحام نسائهم من رجال مؤمنين ونساء مؤمنات لم يعلموهم أن يطئوا آباءهم فيهلك أبناؤهم، قاله الضحاك. {فَتُصِيبَكُم مِّنْهُم مَّعَرَّةٌ} فيها ستة أقاويل: أحدها: الإثم، قاله ابن زيد. الثاني: غرم الدية، قاله ابن إسحاق. الثالث: كفارة قتل الخطأ، قاله الكلبي. الرابع: الشدة، قاله قطرب. الخامس: العيب. السادس: الغم. قوله عز وجل: {لَوْ تَزَيَّلُواْ} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: لو تميزوا، قاله ابن قتيبة. الثاني: لو تفرقوا، قاله الكلبي. الثالث: لو أزيلوا، قاله الضحاك حتى لا يختلط بمشركي مكة مسلم. {لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَاباً ألِيماً} وهو القتل بالسيف لكن الله يدفع بالمؤمنين عن الكفار. قوله عز وجل: {إذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُواْ فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ} يعني قريشاً. وفي حمية الجاهلية قولان: أحدهما: العصبية لآلهتهم التي كانوا يعبدونها من دون الله، والأنفة من أن يعبدوا غيرها، قاله ابن بحر. الثاني: أنفتهم من الإقرار له بالرسالة والاستفتاح ببسم الله الرحمن الرحيم على عادته في الفاتحة، ومنعهم له من دخول مكة، قال الزهري. ويحتمل ثالثاً: هو الاقتداء بآبائهم، وألا يخالفوا لهم عادة، ولا يلتزموا لغيرهم طاعة كما أخبر الله عنهم {أية : إِنَّا وَجَدْنَا أَبَاءنا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى ءَاثَارِهِم مُّقْتَدُونَ} تفسير : [الزخرف: 23]. {فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤمِنِينَ} يعني الصبر الذي صبروا والإجابة إلى ما سألوا، والصلح الذي عقدوه حتى عاد إليهم في مثل ذلك الشهر من السنة الثانية قاضياً لعمرته ظافراً بطلبته. {وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى} فيها أربعة أوجه: أحدها: قول لا إله إلا الله، قاله ابن عباس، وهو يروي عن النبي صلى الله عليه وسلم. الثاني: الإخلاص، قاله مجاهد. الثالث: قول بسم الله الرحمن الرحيم، قاله الزهري. الرابع:قولهم سمعنا وأطعنا بعد خوضهم. وسميت كلمة التقوى لأنهم يتقون بها غضب الله. {وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا} يحتمل وجهين: أحدهما: وكانوا أحق بكلمة التقوى أن يقولوها. الثاني: وكانوا أحق بمكة أن يدخلوها. وفي من كان أحق بكلمة التقوى قولان: أحدهما: أهل مكة كانوا أحق بكلمة التقوى أن يقولوها لتقدم إنذارهم لولا ما سلبوه من التوفيق. الثاني: أهل المدينة أحق بكلمة التقوى حين قالوها، لتقدم إيمانهم حين صحبهم التوفيق.

ابن عطية

تفسير : يريد بقوله تعالى: {هم الذين كفروا} أهل مكة الذين تقدم ذكرهم. وقوله {وصدوكم عن المسجد الحرام} هو منعهم النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه من العمرة عام الحديبية، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج من المدينة في ذي القعدة سنة ست من الهجرة يريد العمرة وتعظيم البيت، وخرج معه بمائة بدنة، قاله النقاش، وقيل بسبعين، قاله المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم، فلما دنا من مكة، قال أهل مكة هذا محمد الذي قد حاربنا وقتل فينا، يريد أن يدخل مكة مراغمة لنا، والله لا تركناه حتى نموت دون ذلك، فاجتمعموا لحربه، واستنجدوا بقبائل من العرب وهم الأحابيش وبعثوا فغوروا لرسول الله صلى الله عليه وسلم المياه التي تقرب من مكة، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزل على بئر الحديبية، وحينئذ وضع سهمه في الماء فجرى غمراً حتى كفى الجيش، ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث إلى مكة عثمان، وبعث أهل مكة إليه رجالاً منهم: عروة بن مسعود، وبديل بن ورقاء، وتوقف رسول الله صلى الله عليه وسلم هناك أياماً حتى سفر سهيل بن عمرو، وبه انعقد الصلح على أن ينصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهم ويعتمر من العام القادم، فهذا كان صدهم إياه وهو مستوعب في كتب السير، فلذلك اختصرناه. وقرأ الجمهور: "والهدْي" بسكون الدال.. وقرأ الأعرج والحسن بن أبي الحسن: "والهدِيّ" بكسر الدال وشد الياء، وهما لغتان، وهو معطوف على الضمير في قوله: {وصدوكم} أي وصدوا الهدي. و: {معكوفاً} حال، ومعناه: محبوساً، تقول: عكفت الرجل عن حاجته إذا حبسته، وقد قال أبو علي: إن عكف لا يعرفه متعدياً، وحكى ابن سيده وغيره: تعديه، وهذا العكف الذي وقع للهدي كان من قبل المشركين بصدهم، ومن قبل المسلمين لرؤيتهم ونظرهم في أمرهم فحبسوا هديهم. و {أن} في قوله: {أن يبلغ} يحتمل أن يعمل فيها الصد، كأنه قال: وصدوا الهدي كراهة أن أو عن أن، ويحتمل أن يعمل فيها العكف فتكون مفعولاً من أجله، أي الهدي المحبوس لأجل {أن يبلغ محله}، و {محله} مكة. وذكر الله تعالى العلة في أن صرف المسلمين ولم يمكنهم من دخول مكة في تلك الوجهة، وهو أنه كان بمكة مؤمنون ومن رجال ونساء خفي إيمانهم، فلو استباح المسلمون بيضتها أهلكوا أولئك المؤمنين. قال قتادة: فدفع الله عن المشركين ببركة أولئك المؤمنين، وقد يدفع بالمؤمنين عن الكفار. وقوله تعالى: {لم تعلموهم} صفة للمذكورين. وقوله: {أن تطؤوهم} يحتمل أن تكون {أن} بدلاً من {رجال}، كأنه قال: ولولا قوم مؤمنون أن تطؤوهم، أي لولا وطئكم قوماً مؤمنين، فهو على هذا في موضع رفع، ويحتمل أن تكون في موضع نصب بدلاً من الضمير في قوله: {لم تعلموهم} كأنه قال: لم تعلموا وطأهم أنه وطء المؤمنين، والوطء هنا: الإهلاك بالسيف وغيره على وجه التشبيه، ومنه قول الشاعر [زهير]: [الكامل] شعر : ووطئتنا وطئاً على حنق وطء المقيد ثابت الهرم تفسير : ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : اللهم اشدد وطأتك على مضر"، تفسير : ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : إن آخر وطأة الرب يوم وج بالطائف" تفسير : لأنها كانت آخر وقعة للنبي صلى الله عليه وسلم، فيها ذكر هذا المعنى النقاش: و "المعرة" السوء والمكروه اللاصق، مأخوذ من العر والعرة وهي الجرب الصعب اللازم. واختلف الناس في تعيين هذه المعرة، فقال ابن زيد: هي المأثم وقال ابن إسحاق: هي الدية. قال القاضي أبو محمد: وهذان ضعيفان، لأنه لا إثم ولا دية في قتل مؤمن مستور الإيمان من أهل الحرب. وقال الطبري حكاه الثعلبي: هي الكفارة. وقال منذر: المعرة: أن يعيبهم الكفار ويقولوا قتلوا أهل دينهم. وقال بعض المفسرين: هي الملام والقول في ذلك، وتألم النفس منه في باقي الزمن. قال القاضي أبو محمد: وهذه أقوال حسان. وجواب {لولا} محذوف تقديره: لمكناكم من دخول مكة وأيدناكم عليهم. وقرأ الأعمش: "فتنالكم منه معرة". واللام في قوله: {ليدخل} يحتمل أن يتعلق بمحذوف من القول، تقديره: لولا هؤلاء لدخلتم مكة، لكن شرفنا هؤلاء المؤمنين بأن رحمناهم ودفعنا بسببهم عن مكة {ليدخل الله}: أي ليبين للناظر أن الله تعالى يدخل من يشاء في رحمته، أو ليقع دخولهم في رحمة الله ودفعه عنهم، ويحتمل أن تتعلق بالإيمان المتقدم الذكر، فكأنه قال: ولولا قوم مؤمنون آمنوا ليدخل الله من يشاء في رحمته، وهذا مذكور، لكنه ضعيف، لأن قوله: {من يشاء} يضعف هذا التأويل. ثم قال تعالى: {لو تزيلوا} أي لو ذهبوا عن مكة، تقول: أزلت زيداً عن موضعه إزالة، أي أذهبته، وليس هذا الفعل من زال يزول، وقد قيل هو منه. وقرأ أبو حيوة وقتادة: بألف بعد الزاي، أي "لو تزايلوا"، أي ذهب هؤلاء عن هؤلاء وهؤلاء عن هؤلاء. وقوله: {منهم} لبيان الجنس إذا كان الضمير في {تزيلوا} للجميع من المؤمنين والكافرين وقال النحاس: وقد قيل إن قوله: {ولولا رجال مؤمنون} الآية. يريد من في أصلاب الكافرين من سيؤمن في غابر الدهر، وحكاه الثعلبي والنقاش عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم مرفوعاً. والعامل في قوله: {إذ جعل} قوله: {لعذبنا} ويحتمل أن يكون المعنى: أذكر إذ جعلنا. و: {الحمية} التي جعلوها هي حمية أهل مكة في الصد، قال الزهري: وحمية سهيل ومن شاهد عقد الصلح في أن منعوا أن يكتب بسم الله الرحمن الرحيم، ولجوا حتى كتب باسمك اللهم، وكذلك منعوا أن يثبت: هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله. ولجوا حتىحديث : قال صلى الله عليه وسلم لعلي: امح واكتب: هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد الله الحديثتفسير : وجعلها تعالى "حمية جاهلية"، لأنها كانت بغير حجة وفي غير موضعها، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لو جاءهم محارباً لعذرهم في حميتهم، وإنما جاء معظماً للبيت لا يريد حرباً، فكانت حميتهم جاهلية صرفاً. والسكينة هي الطمأنينة إلى أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم والثقة بوعد الله والطاعة وزوال الأنفة التي لحقت عمر وغيره. و: {كلمة التقوى} قال الجمهور: هي لا إله إلا الله، وروي ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم. وقال عطاء بن أبي رباح: هي لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير. وقال أبو هريرة وعطاء الخراساني: هي لا إله إلا الله محمد رسول الله. وقال علي بن أبي طالب: هي لا إله إلا الله والله أكبر، وحكاه الثعلبي عن ابن عمر. قال القاضي أبو محمد: وهذه كلها أقوال متقاربة حسان، لأن هذه الكلمة تقي النار، فهي {كلمة التقوى}. وقال الزهري عن المسور ومروان: {كلمة التقوى} المشار إليها هي بسم الله الرحمن الرحيم وهي التي أباها كفار قريش، فألزمها الله المؤمنين وجعلهم {أحق بها} قال القاضي أبو محمد: ولا إله إلا الله أحق باسم: {كلمة التقوى}. من: بسم الله الرحمن الرحيم. وفي مصحف ابن مسعود: "وكانوا أهلها وأحق بها". والمعنى: كانوا أهلها على الإطلاق في علم الله وسابق قضائه لهم، وقيل {أحق بها} من اليهود والنصارى في الدنيا، وقيل أهلها في الآخرة بالثواب. وقوله تعالى: {وكان الله بكل شيء عليماً} إشارة إلى علمه بالمؤمنين الذين دفع عن كفار قريش بسببهم وإلى علمه بوجه المصلحة في صلح الحديبية، فيروى أنه لما انعقد، أمن الناس في تلك المدة الحرب والفتنة، وامتزجوا، وعلت دعوة الإسلام، وانقاد إليه كل من كان له فهم من العرب، وزاد عدد الإسلام أضعاف ما كان قبل ذلك. قال القاضي أبو محمد: ويقتضي ذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في عام الحديبية في أربع عشرة مائة، ثم سار إلى مكة بعد ذلك بعامين في عشرة آلاف فارس صلى الله عليه وسلم.

ابن عبد السلام

تفسير : {وَصَدُّوكُمْ} عام الحديبية {مَعْكُوفاً} محبوساً، أو واقفاً، أو مجموعاً {مَحِلَّهُ} منحره أو الحرم المحل بالكسر غاية الشيء وبالفتح الموضع الذي يحله الناس وكان الهدى سبعين بدنة. {لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ} لم تعلموا إيمانهم {تَطَؤُهُمْ} بخيلكم ورجلكم فتقتلوهم، أو لولا أن في أصلاب الكفار وأرحام نسائهم رجال مؤمنون ونساء مؤمنات لم تعلموهن أن تطؤوا آباءهم فيهلك الأبناء {مَّعَرَّةٌ} إثم، أو غرم الدية، أو كفارة قتل الخطأ، أو الشدة، أو العيب، أو الغم {تَزَيَّلواْ} تميزوا، أو تفرقوا، أو زايلوا حتى لا يختلطوا بمشركي مكة {لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُواْ} بالقتل بالسيف ولكن الله يدفع بالمؤمنين عن الكفار.

الخازن

تفسير : {هم الذين كفروا}، يعني كفار مكة، {وصدوكم} أي منعوكم {عن المسجد الحرام} أن تطوفوا به {والهدي} أي وصدوا الهدي وهو البدن التي ساقها رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت سبعين بدنة {معكوفاً} أي محبوساً {أن يبلغ محله} أي منحره وحيث يحل نحره وهو الحرم {ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات} يعني المستضعفين بمكة {لم تعلموهم} أي لم تعرفوهم {أن تطؤوهم} أي بالقتل وتوقعوا بهم {فتصيبكم منهم معرة بغير علم} أي إثم وقيل: غرم الدية، وقيل: كفارة قتل الخطأ، لأن الله أوجب على قاتل المؤمن في دار الحرب إذا لم يعلم إيمانه الكفارة دون الدية. وقيل: هو أن المشركين يعتبونكم ويقولون: قتلوا أهل دينهم. والمعرة: المشقة يقول: لولا أن تطؤوا رجالاً مؤمنين ونساء مؤمنات لم تعلموهم فيلزمكم به كفارة أو سيئة وجواب لولا محذوف تقديره لأذن لكم في دخول مكة ولكنه حال بينكم وبين ذلك لهذا السبب {ليدخل الله في رحمته من يشاء} أي في دين الإسلام من يشاء من أهل مكة بعد الصلح وقيل دخولها {لو تزيلوا} أي لو تميزوا المؤمنين من الكفار {لعذبنا الذين كفروا منهم عذاباً أليماً} أي بالسبي والقتل بأيديكم وقيل: لعذبنا جواب لكلامين أحدهما لولا رجال. والثاني: لو تزيلوا. ثم قال: ليدخل الله في رحمته من يشاء يعني المؤمنين والمؤمنات في رحمته أي في جنته. قال قتادة: في الآية إن الله تعالى يدفع بالمؤمنين عن الكفار كما دفع بالمستضعفين من المؤمنين عن مشركي مكة.

التستري

تفسير : قوله: {وَلَوْلاَ رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَآءٌ مُّؤْمِنَاتٌ لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ أَن تَطَئُوهُمْ}[25] قال: المؤمن على الحقيقة من لا يغفل عن نفسه، وقلبه يفتش أحواله ويراقب أوقاته، فيرى زيادته من نقصانه، فيشكر عند رؤية الزيادة، ويتفرغ ويدعو عند النقصان، هؤلاء الذين بهم يدفع الله البلاء عن أهل الأرض، ولا يكون المؤمن متهاوناً بأدنى التقصير، فإن التهاون بالقليل يستوجب الكثير. قال: فإن العبد لا يجد طعم الإيمان حتى يدع ست خصال: يدع الحرام والسحت والشبهة والجهل والمسكر والرياء، ويتمسك بالعلم وتصحيح العمل والنصح بالقلب والصدق باللسان والصلاح مع الخلق في معاشرتهم والإخلاص لربه في معاملته. قال: وكتاب الله مبني على خمس: الصدق والاستخارة والاستشارة والصبر والشكر.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {وَلَوْلاَ رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَآءٌ مُّؤْمِنَاتٌ لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ} [الآية: 25]. قال سهل: المؤمن على الحقيقة من لا يغفل عن نفسه وقلبه يفتش أحواله ويراقب أوقاته فيرى زيادته من نقصانه فيسكن عند رؤية الزيادة ويتضرع ويدعو عند دخول النقصان هؤلاء الذين بهم يدفع الله البلاء عن أهل الأرض والمؤمن من لا يكون متهاوناً بأذى التقصير فإن التهاون بالقليل يستجلب الكثير. قال أيضاً: لا يجد طعم الإيمان من لم يدع ستة خصال ويتمسك بستة يدع الرياء والحرام والسحت والمكروه والشبهة والجهل ويتمسك بطلب العلم لتصحيح عمله ونصحاً من قلبه وصدقاً من لسانه وصلاحاً مع الخلق فى معاشرتهم وإخلاصاً لربه فى معاملته.

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {هُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّوكُمْ عَنِ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ وَٱلْهَدْيَ مَعْكُوفاً أَن يَبْلُغَ مَحِلَّهُ لَوْ تَزَيَّلُواْ لَعَذَّبْنَا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَاباً أَلِيماً}. {كَفَرُواْ} وجحدوا، {وَصَدُّوكُمْ} ومنعوكم عن المسجد الحرام سنة الحديبية. {وَٱلْهَدْيَ مَعْكُوفاً}: أي منعوا الهَدْيَ أن يبلغَ مَنحرَه، فمعكوفاً حالٌ من الهدي أي محبوساً. وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد ساق تلك السَّنَة سبعين بَدَنَةٌ. قوله جلّ ذكره: {وَلَوْلاَ رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَآءٌ مُّؤْمِنَاتٌ لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ أَن تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِّنْهُمْ مَّعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِّيُدْخِلَ ٱللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَن يَشَآءُ}. لو تسلطتم عليهم لأصابتهم معرة ومضرَّة منكم بغير علم لَسَّلْطناكم عليهم ولأظفرناكم بهم. وفي هذا تعريفٌ للعبد بأن أموراً قد تنغلق وتَتَعَسّر فيضيق قلب الإنسان.. ولله في ذلك سِرُّ، ولا يعدم ما يجري من الأمر أن يكون خيراً للعبد وهو لا يدري... كما قالوا: شعر : كم مرة حفَّت بك المكاره خير لك اللَّهُ... وأنت كاره

البقلي

تفسير : قوله تعالى {وَلَوْلاَ رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَآءٌ مُّؤْمِنَاتٌ} انظر كيف شفقة الله على المؤمنين الذين يراقبون الله فى السراء والضراء ويرضون ببلاءه كيف حارسهم عن الخطرات وكيف اخفاهم بستره عن صدمات قهره وكيف جعلهم فى كنفه حتى لاي طلع عليهم احد وكيف يدفع ببركتهم البلاء عن غيرهم وفى الأية رمز اعلام رعاية الكبرياء للمريدن قال سهل المؤمن على الحقيقة من لا يغفل عن نفسه وقلبه يفتش احاله ويراقب اوقاته فيرى زيادته من نفصانه فيشكر عند رؤية الزيادة ويتضرع ويدعوا عند النقصان هؤلاء الذين يدفع الله بهم البلاء عن اهل الارض والمؤمن من لا يكون منها ---- التقصير فان النهاران بالقليل يستجلب الكثير قوله تعالى {فَأَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَعَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ ٱلتَّقْوَىٰ} سكينة الرسول كشف القدس وسكينتهم نزول قلوبهم منازل الانس وكلمة التقوى كلمة الله التى سبقت فى الازل انهم اهل السعادة لا اهل الشقاوة وتلك الكلمة بقيت بنعوتها وانوارها فى قلوبهم {وَكَانُوۤاْ أَحَقَّ بِهَا} لانهم سابقون بها فى الازل من غيرهم الذين حجبهم الله من رؤية نورها وكانوا اهل الكلمة من حيث الاصطفائية اذ نزلت عندليب التوحيد من سماء التفريد لى اغصان ورد قلوبهم فترنمت بالسنتهم الصادقة من بطنان افئدتهم بكلمة التقديس والتوحيد قال ابو عثمان كلمة التقوى كلمة اليقين وهو شهادة ان لا اله الا الله الزمها الله السعداء من اوليائه المؤمنين وكانوا احق بها فى علم الله اذ خلقهم لها وخلق الجنة لاهلها قال الواسطى كملة التقى صيانة النفس من المطالع ظاهرا وباطنا قال الجنيد فى قوله وكانوا احق بها واهلها من ادركته عناية السبق فى الازل جرى عليه عيون المواصلة وهو احق بها لما سبق اليه من كرامته الاول.

اسماعيل حقي

تفسير : {هم} اى قريش {الذين كفرو وصدوكم عن المسجد الحرام} اى منعوكم عن ان تطوفوا به {والهدى} اى وصدوا الهدى وهو بالنصب عطف على الضمير المنصوب فى صدوكم والهدى بسكون الدال جمع هدية كتمر وتمرة وجدى وجدية وهو مختص بما يهدى الى البيت تقربا الى الله تعالى من النعم ايسره شاة واوسطه بقرة واعلاه بدنة يقال اهديت له واهديت اليه ويجوز تشديد الياء فيكون جمع {معكوفا} حال من الهدى اى محبوسا يقال عكفته عن كذا اذا حبسته ومنه العااكف فى المسجد لانه حبس نفسه {ان يبلغ محله} بدل اشتمال من الهدى او منصوب بنزع الخافض اى محبوسا من ان يبلغ مكانه الذى يحل فيه نحره اى يجب فالمحل اسم للمكان الذى ينحر فيه الهدى فهو من الحلول لا من الحل الذى هو ضد الحرمة قال فى المفردات حل الدين حلولا وجب ادآؤه وحللت نزلت من حل الاحمال عندالنزول ثم جرد استعماله للنزول والمحلة مكان النزول انتهى وبه استدل ابو حنيفة على ان المحصر محل هديه الحرم فان بعض الحديبية كان من الحرم قال فى بحر العلوم الحديبية طرف الحرم على تسعة اميال من مكة وروى ان خيامه عليه السلام كانت فى الحل ومصلاه فى الحرم وهناك نحرت هداياه عليه السلام وهى سبعون بدنة والمراد صدها عن محلها المعهود الذى هو منى للحاج وعند الصفا للمعتمر وعند الشافعى لا يختص دم الاحصار بالحرم فيجوز أن يذبح فى الموضع الذى احصر فيه. بين تعالى استحقاق كفار مكة للعقوبة بثلاثة اشياء كفرهم فى انفسهم وصد المؤمنين عن اتمام عمرتهم وصد هديهم عن بلوغ المحل فهم مع هذه الافعال القبيحة كانوا يستحقون أن يقاتلوا او يقتلوا الا انه تعالى كف ايدى كل فريق عن صاحبه محافظة على ما فى مكة من المؤمنين المستضعفين ليخرجوا منها او يدخلوها على وجه لا يكون فيه ايذآء من فيها من المؤمنين والمؤمنات كما قال تعالى {ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات لم تعلموهم} لم تعرفوهم بأعيانهم لاختلاطهم وهو صفة الرجال ونساء جميعا وكانوا بمكة وهم أثنان وسبعون نفسا يكتمون ايمانهم {أن تطأوهم} بدل اشتمال منهم او من الضمير المنصوب فى تعلموهم اى توقعوا بهم وتهلكوهم فان الوطأ عبارة عن الايقاع والاهلاك والابادة على طريق ذكر الملزوم وارادة اللازم لان الوطأ تحت الاقدام مستلزم للاهلاك ومنه قوله عليه السلام "حديث : اللهم اشدد وطأتك على مضر"تفسير : اى خذهم اخذا شديدا او فى المفردات اى ذللهم ووطئ امرأته كناية عن المجامعة صار كالتصريح للعرف {فتصيبكم منهم} اى من جهتهم معطوف على قوله {ان تطأوهم} {معرة} مفعلة من عره اذا عراه ودهاه بما يكرهه ويشق عليه وفى المفردات العر الجرب الذى يعر البدن اى يعترضه ومنه قيل للمضرة معرة تشبيها بالعر الذى هو الجرب والمعنى مشقة ومكروه كوجوب الدية او الكفارة بقتلهم والتأسف عليهم وتعيير الكفار وسوء حالتهم والاثم بالتقصير فى البحث عنهم قال سعدى المفتى قلت فى المذهب الحنفى لا يلزم بقتل مثله شئ من الدية والكفارة وما ذكره الزمخشرى لا يوافق مذهبه انتهى وقال بعضهم اوجب الله على قاتل المؤمن فى دار الحرب اذا لم يعلم ايمانه الكفارة فقال تعالى {أية : فان كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة}تفسير : {بغير علم} متعلق بأن تطأوهم اى غير عالمين بهم فيصيبكم بذلك مكروه لما كف ايديكم عنهم وفى هذا الحذف دليل على شدة غضب الله تعالى على كفار مكة كأنه قيل لولا حق المؤمنين موجود لفعل بهم ما لا يدخل تحت الوصف والقياس بناء على ان الحذف للتعميم والمبالغة {ليدخل الله فى رحمته} متعلق بما يدل عليه الجواب المحذوف كأنه قيل عقيبه لكن كفها عنهم ليدخل بذلك الكف المؤدى الى الفتح بلا محذور فى رحمته الواسعة بقسميها {من يشاء} وهم المؤمنون فانهم كانوا خارجين من الرحمة الدنيوية التى من جملتها الأمن مستضعفين تحت ايدى الكفرة واما الرحمة الاخروية فهم وان كانوا غير محرومين منها بالكلية لكنهم كانوا قاصرين فى اقامة مراسم العبادة كما ينبغى فتوفيقهم لاقامتها على الوجه الاتم ادخال لهم فى الرحمة الاخروية {لو تزيلوا} الضمير للفريقين اى لو تفرقوا وتميز بعضهم من بعض من زاله يزيله فرقه وزيلته فتزيل اى فرقته فتفرق {لعذبنا الذين كفروا منهم عذابا اليما} بقتل مقاتليهم وسبى ذراريهم والجملة مستأنفة مقررة لما قبلها وفى الآية اشارتان احداهما ان من خاصية النفس أن تصد وجه الطالب عن الله تعالى وتشوب الخيرات والصدقات التى يتقرب بها الى الله بالرياء والسمعة والعجب لئلا تبلغ محل الصدق والاخلاص والقبول والثانية ان استبقاء النفوس لاستخلاص الارواح وقواها مع ان بعض صفات النفس قابلة للفيض الالهى فيلزم الحذر من افساد استعدادها لقبول الفيض وعند التزكية فصفة لا يصلح الا قلعها كالكبر والشره والحسد والحقد وصفة تصلح للتبديل كالبخل بالسخاوة والحرص بالقناعة والغضب بالحلم والجبانة بالشجاعة والشهوة بالمحبة قال البقلى انظر كيف شفقة الله على المؤمنين الذين يراقبون الله فى السرآء والضرآء ويرضون ببلائه كيف حرسهم من الخطرات وكيف اخفاهم بسره عن صدمات قهره وكيف جعلهم فى كنفه حتى لا يطلع عليهم احد وكيف يدفع ببركتهم البلاء عن غيرهم فعلى المؤمن مراعاتهم فى جميع الزمان والتوسل بهم الى الله المنان فانهم وسائل الله الخفية شعر : بخود سرفرو برده همجون صدف نه ما نند در يا بر آورده كف

فرات الكوفي

تفسير : {لو تزيَّلوا لعذبنا الذين كفروا منهم عذاباً أليماً 25} قال: حدثني جعفر بن محمد الفزاري قال: حدثنا محمد - يعني ابن الحسين بن عمر أبو لؤلؤة!-: عن محمد بن عبد الله بن مهران قال: أردت زيارة أبي عبد الله الحسين بن علي عليهما السلام [مع أبي عبد الله عليه السلام فلما صرنا في الطريق] إذا شيخ قد عارضني عليه ثياب حسان فقال [أ، ب، ر: فروى] لي لم [لم] يقاتل [أمير المؤمنين عليه السلام. خ] فلاناً وفلاناً؟ فقال له أبو عبد الله: لمكان آية من كتاب الله. قال له: وما هي؟ قال: قوله: {لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم عذاباً أليماً} كان أمير المؤمنين قد علم أنّ في أصلاب المنافقين قوماً من المؤمنين فعند ذلك لم يقتلهم ولم يستسبهم. قال: ثم التفت فلم أر أحداً.

اطفيش

تفسير : {هُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} عن أن تطوفوا به وتعتمروا {وَالْهَدْيَ} عطف على الكاف وهو ما يهدى الى مكة أو الكعبة وقرئ بكسر الدال وتشديد الياء (هدِيّ) وهو فعيل بمعنى مفعول والأول مصدر بمعنى مفعول وقرئ بالجر عطفا على المسجد أي وعن نحر الهدي وقرئ بالرفع على أنه نائب لمحذوف أي وصد الهدي* {مَعْكُوفاً} مجلوسا حال* {أَن يَبْلُغَ} أي محبوسا على أن يبلغ هو بدل اشتمال من الهدي أو مقدر بعن متعلق بالصد وهذا أولى من تقدير لام التعليل ولا النافية* {مَحِلَّهُ} اي مكانه الذي يحل فيه نحره وينحر فيه عادة وهو منى وكان هديه صلى الله عليه وسلم اذ ذاك مائة بدنة وقيل سبعين ونحره في الحرم وكانت خيمته في الحل ومصلاه في الحرم وبعض الحديبية من الحرم وقد علمت ان المراد (محله) المعهود وهو منى وهو مكان يحل فيه الذبح قال القاضي مكانه الذي لا يجوز ان ينحر في غيره والا لما نحره الرسول صلى الله عليه وسلم حيث احصر فلا ينتهض حجه لأبي حنيفة واصحابه على أن مذبح هدي المحصر هو الحرم بعلم الجواب من قولي ان بعض الحديبية من الحرم وانه نحر في الحرم وهو فسر (أعني) أبا حنيفة المحل بموضع حلول النحر ووجوبه ادعى بعض ان المحل مكة والبيت* {وَلَوْلاَ رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَآءٌ مُّؤْمِنَاتٌ} من أصلاب الكفار من سيؤمن في غابر الدهر رواه النقاش والثعلبي عن عليّ عنه صلى الله عليه وسلم والمشهور انهم هم المستضعفون بمكة و {مُّؤْمِنُونَ} نعت لرجال و {مُّؤْمِنَاتٌ} نعت لنساء* {لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ} باعيانهم لاختلاطهم بالمشركين والجملة نعت للمؤمنين والمؤمنات وأجاز غير الجمهور كونها خبرا وكون مؤمنون خبرا لأن ذلك كون خاص والجمهور يوجب حذف الخبر بعد لولا مطلقا اي موجودون وبسطت ذلك في النحو* {أَن تَطَأُوهُمْ} بأرجلكم كناية عن إهلاكهم بدل اشتمال من (رجال ونساء) اي كراهة ان تطأوهم او من في {لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ} ومن الوطي بمعنى الاهلاك قوله صلى الله عليه وسلم "حديث : وان آخر وطأة وطئها الله عز وجل بوج"تفسير : وهو واد بالطائف كان آخر وقعة النبي صلى الله عليه وسلم به أي لولا ان تقتلوهم لأذن لكم في الفتح* {فَتُصِيبَكُم مِّنْهُم} اي من جهنم او من وطئهم* {مَّعَرَّةٌ} مفعلة من عره اي عراه ما يكرهه ويشق علي وقيل مأخوذ من العر والعر وهو الحرب الصعبة اللازمة وتلك المعرة الاثم بالتقصير في البحث عنهم وقال الطبري: كفارة قتل الخطا لوجوبها دون الدية على قاتل المؤمن في الحرب خطأ وقيل غرم الدية وقال منذر أن يعيبهم الكفار ويقولوا قتلوا أهل دينهم كما فعلوا بنا من غير تمييز وقيل الكفارة والدية وقيل الملام وتأسف النفس في باقي الزمان قلت أو جميع ذلك* {بِغَيْرِ عِلْمٍ} متعلق بـ (تطأوهم) والاثم مع عدم العمد للتقصير في البحث كما مر وضمائر الغيبة للرجال والنساء تغليبا للرجال* {لِّيُدْخِلَ اللهُ فِي رَحْمَتِهِ مَن يَشَآءُ} متعلق بمحذوف اي كان كف الايدي ليدخل في جنته من يشاء من مؤمنيهم ومشركيهم بان يؤمنوا أو يدخل في توفيقه لزيادة الخير للمؤمنين أو المشركين لتحصيل الايمان وقيل المراد (ليدخل من يشاء) من أهل مكة في الاسلام بعد الصلح وقبل دخولها* {لَوْ تَزَيَّلُواْ} تميزوا عن الكفار وقرئ (تزايلوا) وهو قراءة أبي حيوة وقتادة وقيل (تزيلوا) ذهبوا عن مكة وهو من زال بزيل المتعدي الذي بمعنى ماز يميز لكن لزم لأنه مطاوع وقيل من زال يزول والياء لغة فيه وجواب لولا محذوف عند ابي حيان أي (لما كف ايديكم عنهم) وقوله* {لَعَذَّبْنَا} جواب (لو) وقال ابن هشام هو جواب (لولا) وجواب لو محذوف ويجوز كونه جواب (لولا) ولا جواب للولا مع مدخولها كالتكرير للولا ومدخولها لمرجعها لمعنى واحد {الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ} من أهل مكة بايديكم بان نأذن لكم في القتال ولكن كففنا ايديكم للمصلحة والصلح.* بيان صلح الحديبية خرج صلى الله عليه وسلم من المدينة في أكثر من عشر مئة لزيارة البيت والعمرة وقيل في سبعمائة وتسعين بدنة وقلد الهدي من ذي الحليفة وأشعره واحرم منها للعمرة وبعث جاسوسا يخبره عن قريش هو من خزاعة ولما بلغ صلى الله عليه وسلم غدير الاشطاط قريبا من عسفان أتاه عيينة الخزاعي وقال جمع لك قريش جموعا وأحابيش ليقاتلوك ويصدوك فقال أشيروا عليّ أيها الناس هل أميل على ذراريهم فنصيبهم فان قعدوا قعدوا منقوصين أو نجوا فعنق قطعها الله أو نؤم البيت ونقاتل من صدنا فقال أبو بكر انما جئت للبيت فتوجه اليه ومن صدك فقاتله فقال امضوا على اسم الله وان خالد بن الوليد في الغميم في جبل لقريش طليعة فخذوا ذات اليمين والغميم موضع وفيه كراع الغميم والطليعة مقدمة بين يدي الجيش تطلع على الاخبار فوالله ما شعر بهم خالد حتى إذا هم بقترة الجيش اي بالغبار الساطع معه سواد فركض لانذار قريش ووصل صلى الله عليه وسلم الثنية التي يهبط عليهم فبركت راحلته فقال الناس حل حل زجرا للناقة وقالوا خلأت القصوى أي توقفت وقهقرت كالحرن للفرس فقال ما خلأت وما هو لها بخلق ولكن حبسها حابس الفيل والقصوى ناقته صلى الله عليه وسلم ولم تكن قصوى اي مشقوقة الاذن قال "حديث : والذي نفسي بيده لا تدعوني قريش اليوم الى خطة اي قضية يعظمون فيها حرمات الله اي كحرمات الحرم وفيها صلة الرحم الا أعطيتهم اياها"تفسير : ثم زجرها فوثبت فنزل باقصى الحديبية على ثمد اي ماء قليل لا مادة له يتريضه الناس تريضا أي يأخذونه قليلا فنزح وشكوا اليه العطش فامر بغرز السهم في البئر على ما مر فرووا وبينما هم إذ جاء بديل بن ورقاء الخزاعي في نفر من قومه وكانت خزاعة عيبته صلى الله عليه وسلم اي موضع سره وثقته من أهل تهامة فقال ناصحا اني تركت كعب بن لؤي وعامر بن لؤي نزلوا على اعداد مياه الحديبية معهم العود المطافل؛ (فاعداد) جمع عدد و (مياه) معمول نزلوا والعود جمع (عائد) وهي الناقة وضعت الى ان يقوم ولدها وقيل: كل أنثى لها سبع ليال منذ وضعت والمطافل جمع مطفل وهي الناقة التي معها فصيلها وذلك كناية عن أن معهم النساء والصبيان قال وهم مقاتلوك وصادوك فقال صلى الله عليه وسلم إنا لم نجئ لقتال أحد ولكن جئنا معتمرين وان قريشا قد أضرتهم الحرب فان شاءوا ماددتهم مدة ويخلو بيني وبين الناس فاني أظهر فان شاءوا دخلوا فيما دخل الناس والا فقد جموا بالجيم أي استراحوا بعد التعب وان أبوا فوالذي نفسي بيده لأقاتلنهم على أمري هذا حتى تنفرد سالفتي ولينفذن الله أمره والسالفة صفحة العنق أو العرب الذي فيه وذلك كناية عن الموت لأنها لا تنفرد الا بالموت فقال بديل سابلغهم ما تقول فجاءهم فقال جئت من عند هذا الرجل وسمعته فان شئتم اعرضت عليكم ما سمعت فقال سفهاؤهم لا حاجة ان تخبرنا عنه بشيء وقال ذو الرأي قل فقال ما سمع فقام عروة بن مسعود فقال اي قوم ألست بالوالد؟ قالوا بلى قال او لستم بالولد؟ قالوا بلى قال فهل تتهموني؟ قالوا لا فقال الستم تعلمون اين استنفرت أهل عكاظ أي دعوتهم للقتال وعكاظ سوق في الجاهلية فلما بلجوا (فتروا) وامتنعوا جئتكم باهلي وولدي ومن أطاعني قالوا بلى قال فان هذا الرجل أعرض عليكم خطة رشد فإقبلوها ودعوني قالوا انه فأتاه فكلمه فقال له صلى الله عليه وسلم نحو ما قال لبديل فقال أرأيت ان استأصلت يا محمد قومك فهل سمعت احدا من العرب اجتاح أهله قبلك وان تكن الأخرى فاني والله لأرى وجوها اي شرفاء واشوابا اي اخلاطا من الناس خليقا اي حقيقا ان يفروا عنك فقال له أبو بكر أمصص بظر اللات أنحن نفر عنه والبظر ما يقطع ختانا للمرأة وهذا شتم يدور بينهم واللات الصنم فقال من ذا قيل أبو بكر فقال والذي نفسي بيده لولا يد كانت لك عندي لم أجزك بها لأجبتك وجعل كلما كلم رسول الله صلى الله عليه وسلم أهوى بيده الى لحية رسول الله فيضرب المغيرة بن شعبة يده بنصل السيف وهو قائم على رأسه صلى الله عليه وسلم المغفر ويقول أخر يدك عن لحية رسول الله فقال من هذا قالوا المغيرة فقال أي غدر بوزن عمر أي يا كثير الغدر وعظيمه وكان صحب قوما في الجاهلية فقتلهم واخذ أموالهم ثم جاء فاسلم وقال عروة فلست أسعى في غدرتك وقال صلى الله عليه وسلم أما الاسلام فأقبل وأما المال فلست منه في شيء ثم رجع الى أصحابه فقال اي قوم والله لقد وفدت على الملوك وعلى قيصر وكسرى والنجاشي وما رأيت ملكا يعظمه اصحابه ما يعظم محمدا أصحابه والله ما انتخم الا وقعت في كف واحد يدلك بها وجهه وجلده واذا أمرهم ابتدروا أمره واذا توضأ كادوا يقتلون على وضوئه واذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده ما يحدون النظر اليه تعظيما له وقد عرض عليكم خطة رشد فأقبلوها فقال رجل من كنانة دعوني آتيه فلما اشرف عليه صلى الله عليه وسلم وعلى أصحابه قال صلى الله عليه وسلم هذا فلان من قوم يعظمون البدن فأبعثوها له فبعثت واستقبله الناس يلبون فقال سبحان الله ما ينبغي لهؤلاء ان يصدوا ولما رجع قال لأصحابه رأيت البدن ثم بعثوا اليه الحليس بن علقمة سيد الاحابيش فلما رآه النبي صلى الله عليه وسلم قال هذا من قوم يتألهون فابعثوا الهدي في وجهه حتى يراه فلما رأى الهدي يسيل من عرض الوادي اي يقبل كالسيل في قلائده قد أكل أوباره من طول الحبس رجع قبل الوصول إعظاما لما رأى فقال يا معشر قريش اني قد رأيت مالا يحل صد الهدي في قلائده وقد أكل وبره للحبس عن محله قالوا اجلس فانما انت رجل اعرابي لا علم لك فغضب وقال يا معشر قريش والله ما على هذا خالفناكم ولا على هذا عاهدناكم، ولا على هذا عاقدناكم أيصد عن بيت الله من جاء معظما له والله لتخلُّن بين محمد وما جاء له أو لأنفرن بالأحابيش نفرة رجل واحد قالوا مه عنا حتى ناخذ لأنفسنا بما نرضى والتقليد أن يجعل في الرقاب شيء كالقلادة من لحاء الشجر أو نعل أو غيره ليعلم انه هدي والاشعار شق جانب السنام فيسيل الدم وقام مكرز ابن حفص وقال دعوني آته فلما أشرف قال صلى الله عليه وسلم هذا مكرز وهو رجل فاجر فجعل يكلم النبي صلى الله عليه وسلم إذ جاء سهيل بن عمرو وقال معمر فاخبرني أيوب عن عكرمة أنه لما جاء سهيل قال صلى الله عليه وسلم قد سهل لكم من أمركم وقال سهيل هات أكتب بيننا وبينكم كتابا فقال لعلّي أكتب بسم الله الرحمن الرحيم فقال سهيل أما الرحمن فوالله ما أدري ما هو ولكن أكتب باسمك اللهم فقال المسلمون والله لا نكتب الا بسم الله الرحمن الرحيم فقال لعليّ أكتب باسمك اللهم هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال سهيل لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت ولا قاتلناك ولكن كنت محمد بن عبدالله فقال صلى الله عليه وسلم اني لرسول الله وان كذبتموني أكتب محمد بن عبدالله وذلك قوله والله لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرمات الله الا أعطيهم اياها فكتب هذا ما قاضى عليه محمد بن عبدالله سهيل بن عمرو واصطلحا على وضع الحرب عشر سنين يأمن فيها الناس قال صلى الله عليه وسلم وعلى ان يخلوا بيننا وبين البيت فنطوف به فقال سهيل والله لا تحدث العرب ان أخذنا ضغطة اي قهرا ولكن ذلك من العام المقبل فكتب وقال سهيل وعلى ان لا يأتيك منا رجل وان كان على دينك الا رددته علينا فقال المسلمون سبحان الله كيف يرد الى المشركين من جاء مسلما وعن البراء في قصة الصلح قالوا لو نعلم انك رسول الله ما منعناك شيئا ولكن انت محمد بن عبدالله ثم قال انا رسول الله وانا محمد بن عبدالله أمح يا عليّ رسول الله قال والله لا أمحوك أبدا قال فارينه فمحاه بيده وروي أنه صلى الله عليه وسلم كتب هذا ما قاضى عليه محمد بن عبدالله وليس بصحيح بل كتب علي أو المراد امر بالكتابة قال البراء قاضاهم على أن من أتاه من المشركين رده اليهم ومن اتاهم لم يردوه ان يدخلها من قابل ويقيم ثلاثة أيام ولا يدخلها بالسلاح فقال انس يا رسول الله تكتب ان جاء منهم نرده ومن جاءهم منا لا يردوه قال نعم اذهب الله من جاءهم منا ويجعل الله مخرجا لمن جاء منهم وبينما هم إذ جاء ابو جندل ابن سهيل في قيوده قد انفلت وخرج من أسفل مكة حتى رمى بنفسه بين أظهار المسلمين فقال سهيل هذا أول من أقاضيك ان ترده اليّ فقال انا لم نفض الكتاب بعد قال فوالله لا أصالحك على شيء أبدا فقال صلى الله عليه وسلم فأجزه لي قال لا أي أجعله جائزا غير ممنوع ان كان بالزاي وأجعله محفوظا ان كان بالراء قال فافد قال لا فجعل يجره فقال ابو جندل يا معشر المسلمين أرد الى قريش وقد جئت مسلما ألا ترون ما لقيت وقد كان عذب في الله عذابا شديدا وقال صلى الله عليه وسلم "حديث : يا أبا جندل احتسب فان الله جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجاً ومخرجاً اذ قد عقدنا بيننا وبين القوم عقداً وصلحاً وانا لا نغدر"تفسير : ووثب عمر يمشي الى جنب أبي جندل ويقول أصبر يا أبا جندل فإنما هم المشركون ودم أحدهم دم كلب ويدني قائم السيف منه رجاء أن يأخذه فيضربه به فضن بأبيه وكان أصحابه خرجوا وهم لا يشكون في الفتح لرؤيا رآها صلى الله عليه وسلم فلما رأوا ذلك دخل الناس امر عظيم حتى كادوا يهلكون وزادهم امر ابي جندل شرا الى ما بهم قال عمر والله ما شككت منذ اسلمت الا يومئذ كذا روي عنه واتى عمر النبي صلى الله عليه وسلم فقال الست نبي الله حقا قال بلى قال السنا على الحق وهم على الباطل قال بلى وقال اليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار قال بلى وقال فلم نعط الدنية اي الرداءة في ديننا قال ابو بكر ايها الرجل انه رسول الله وليس يعصي ربه وهو ناصره فوالله انه على الحق فقال اليس كان يحدثنا انه سيأتي البيت ويطوف به قال بلى قال فاخبرك انك تأتيه العام قال لا قال فانك تأتيه وتطوف به قال الزهري قال عمر فعملت لذلك أعمالا ولما فرغ من الكتاب قال صلى الله عليه وسلم لاصحابه قوموا فانجزوا ثم حلقوا فوالله ما قام رجل منهم قال ثلاثا فلم يقم احد فدخل على ام سلمة فذكر لها ذلك فقالت يا نبي الله اخرج ولا تكلم احدا حتى تنحر وتحلق ففعل فنحروا وجعل بعضهم يحلق بعضا حتى كادوا يقتتلون وبعضهم قصر فقال صلى الله عليه وسلم يرحم الله المحلقين قالوا يا رسول الله والمقصرين قال يرحم الله المحلقين قالوا يا رسول الله والمقصرين قال والمقصرين قالوا يا رسول الله لِمَ أظهرت الرحمة للمحلقين دون المقصرين قال لأنهم لم يشكوا قال ابن عمر وذلك إن قوما تربصوا لعلهم يطوفون بالبيت وأهدى هداياه جميعا عام الحديبية لأبي جهل في زينة وحلي ليغيظ المشركين ثم جاءت مؤمنات فنزلت {أية : يا أيها الذين آمنوا اذا جاءكم المؤمنات} تفسير : فطلق عمر امرأتيه يومئذ كانتا في الشرك فتزوج احداهما معاوية بن ابي سفيان والاخرى صفوان بن أمية فنهاهم عن رد النساء وامر برد الصداق ورجع صلى الله عليه وسلم الى المدينة فجاءه أبو بصير عتبة بن أسيد قريشي مسلم حبس بمكة فكتب فيه ازهر بن عبدعوف والاخنس بن شريف الثقفي الى رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعثا في طلبه رجلا من بني عامر لؤي ومعه مولى لهم فقرأ عليّ صلى الله عليه وسلم الكتاب وقالا العهد الذي جعلت لنا فقال يا أبا بصير لقد أعطينا ما علمت ولا يصلح في ديننا الغدر وإن الله جاعل لك ومن معك من المستضعفين فرجاً ومخرجا ودفعه الى الرجلين فخرجا به حتى بلغا ذا الحليفية فنزلوا يأكلون من تمر لهم فقال ابو بصير لاحد الرجلين والله اني لارى سيفك هذا جيدا فاستله الآخر فقال اجل لقد جربته ثم خربت به قال ابو نصير ارني انظر اليه فاخذه منه فضربه حتى برد وفر الآخر حتى اتى المدينة ودخل المسجد يعدو فقال صلى الله عليه وسلم لقد رأى هذا ذعرا فلما انتهى اليه قال ويلك مالك قال قتل والله صاحبي واني لمقتول فوالله ما برح حتى طلع ابو بصير متوشح السيف حتى وقف على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يا نبي الله اوفي لله ذمتك ما رددتني اليه فقد أنجاني الله منه فقال ويل أمة مسعر حرب لو كان معه احد وويل امة كلمة تقال للواقع فيما يكره ويتعجب بها ايضا ومسعر حرب موقدها فلما سمع ذلك علم انه يرده منه فخرج حتى اتى سيف البحر اي ساحله وبلغ المسلمين الذين بمكة قوله صلى الله عليه وسلم (ويل أمة) الخ فخرج عصابة منهم اليه فانفلت أبو جندل اليه حتى اجتمعوا قريبا من سبعين فما يسمعون بعير لقريش خرجت الى الشام الا اعترضوها فقتلوا واخذوا فناشدته صلى الله عليه وسلم قريش بالرحم وبالله ان من أتاه فهو آمن فارسل اليهم فقدموا عليه المدينة فنزل {أية : وهو الذي كف} تفسير : الخ وفي رواية انه كان يوم الحديبية شيء من رمي النبل والحجارة وانه قتل مسلم اسمه رتيم وكانت (المواعدة) الى سنتين وانه لما قيل أي فتح فتحنا خطب وقال ان رجالا بلغني عنهم انهم يقولون اي فتح كان أما كان فتحا ان وطينا بلاد المشركين حتى بلغنا مكة وأوتيت بتسعة عشر رجلا فقلت ألكم عليّ عهد فقالوا لا فاطلقتم وطلبوا المواعدة من غير ان أطلبها انسيتم يوم بدر اذ أنتم مستضعفون في الأرض فآواكم وأيدكم بنصره انسيتم يوم بدر اذ أنتم مستضعفون في الأرض فآواكم وأيديكم بنصره انسيتم يوم احد اذ صعدتم الجبل ولا تاوون على احد وانا ادعوكم في اخراكم فنالتكم رحمته انسيتم يوم الخندق اذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر فكفاكم الله القتال قالوا نستغفر مما قلنا يا رسول الله بل كان أعظم الفتوح وروي انه خرج للحديبية للعمرة في ألف وخمسمائة وان قريشا بعثوا خالد بن الوليد في جماعة ليصدوه فاخذ ساحل البحر بعد أن قال من يأخذ بنا ساحل البحر فقال رجل امض يا رسول الله على بركة الله ورسوله فلم يثق به فقال من يأخذ بنا ساحل البحر فقال رجل امض يا رسول الله على بركة الله فمضى ولم يشعر بهم خالد واصحابه حتى نزلوا مياه الحديبية فانطلقوا واستنهضوا قريشا وروي انه لما رجع اليهم عروة بن مسعود قال لم ار ان يصد هؤلاء عن بيت الله فسبوه واتهموه وانهم بعثوا بعده بديل المذكور وارتاب بن ابي الحليس اخا بني الحارث بن عبد مناف ففعلوا به ذلك ايضا لما قال لهم كعروة وانهم بعثوا سهيلا المذكور مع مكرز المذكور وانطلق اناس من المسلمين الى عشائرهم بمكة فحبسوا فيها فنادى منادي الرسول عند انتصاف النهار والقوم في الرجال ان جبريل امر بالبيعة وروي انه رمى مسلم مشركا مسمى (زبير) فقتله فاتبعهم المسلمون وادخلوهم مكة فاقبل اشرافهم فقالوا يا رسول الله لم نرض هذا وانما فعله سفهاؤنا فعرضوا الصلح فقبله واشتد على عمر ان لا يكتبوا البسملة ورسول الله فنهاه ابو بكر عن التعرض على حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم وكتبوا انهم ان شاءوا اعتمروا في القابل في هذا الشهر وهو ذو القعدة وانهم لا يدخلون بسلاح الا سلاحا خافيا في قرابه كالسيف والقوس وكان عليّ يسرع الكتابة اذا أمره النبي بالكتابة واذا قال سهيل لا يكتب الا ان أمره النبي صلى الله عليه وسلم ولما ختموا الكتاب أقبل أبو جندل بن سهيل هذا مقيدا قيده أبوه خشية ان يلحق بالمسلمين وروي انه لما اشارت اليه أم سلمة ان شئت ان ينحروا ويحلقوا فابدأ يتبعوك وفعلوا وانه قال يرحم الله المحلقين فقالوا والمقصرين قال يرحم الله المحلقين فقالوا والمقصرين قال يرحم الله المحلقين لله ثلاث مرات وفي الرابعة لما قالوا والمقصرين قال والمقصرين وروي أنه قال يرحم الله المحلقين فقالوا والمقصرين قال والمقصرين وروي أنهم قالوا كيف نحل قبل أن نطوف فوجدوا من ذلك كما وجدوا من القضية قيل: فاخرج رأسه من القبة وقد حلق ففعلوا وروي أن ريحا هاجت والقت شعورهم في الحرم حيث يحلق الحاج فقال ابشروا بقبول عمرتكم وأقام في الحديبية شهراً ونصفاً وقيل انهم لم يدخلوا الحرم ولما حلقوا أدخلت الريح شعورهم الحرم

اطفيش

تفسير : {هُم الَّذين كَفَروا} مستأنف للذم {وصدُّوكُم عَن المسْجد الحرام} أن تصلوا اليه وتطوفوا به {والهَدىَ} عطف على الكاف، أى وصدوا الهَدى، وهو ما يهدى الى البيت ليخر فى منى، وهو هنا سبعون بدنة على المشهور، وقيل مائة {معْكُوفاً} حال من الهَدى أى محبوسا للنحر، وعكف متعد كما رأيت فى الآية، يقال: عكفت الرجل حبسته، كما قال ابن سيدة والأزهرى، ومنعه الفارسى، وعليه فالأصل معكوفا به، فكان الحذف والايصال. {أنْ يبلغ مَحِلَّه} فى تأويل مصدر بدل اشتمال من الهدى، أو بتقدير عن متعلقة بمعكوفا، وعاكف الهدى المشركون، أو تعليل متعلق بمعكوفا أى معكوفا ليبلغ محله وعاكفه المسلمون، ويترجح هذا، أو تقدير عن، ووجه كونه حالا بمعنى أن المشركين عكفوه أنه حال مقدرة فى قول من أجاز تقديرها من غير فاعل ناصبها، لأنه حال الصد غير معكوف، وإنما يعكف بالصد لا حال الصد، إلا أن يجعل القرب جدا اقترانا، ومحل الهدى منى، أو موضع سقوطه على الأرض بالذكاة، وهو منى أيضا، وقال الشافعى: محله اذا منع هو الموضع الذى وصله، وقال أبو حنيفة: محله الحرم وبعض الحديبية حرم عنده، ومحط رسول الله صلى الله عليه وسلم لحل من الحديبية، ومصلاه الحرم، ونحر هديه فى الحرم فهديه صلى الله عليه وسلم بلغ محله، والظاهر أنه معكوف عن محله المعهود وهو منى، والصحيح وعليه الجمهور أنه لا شىء من الحديبية من الحرم، وكلها حل، والحرم محدود بحدود معروفة. {ولَولا رجالٌ مؤمنُون ونساءٌ مؤمناتٌ} مستورون فى المشركين قال أبو جمعة جندب سبع: هم سبعة رجال وأنا منهم وأمرأتان، رواه أبو نعيم، ففيه اطلاق نساء على امرأتين، وهو جائز كما يطلق الجمع على اثنين مجازا على الصحيح، وقيل حقيقة {لم تعْلمُوهم} ثم علموهم بالوحى، والجملة نعت رجال ونساء، وغلب ضمير الذكور {أنْ تَطئُوهُم} تمشوا عليهم بأرجلكم، وهو استعارة للاهلاك كقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : اللهم اشدد وطأتك على مضر فإنهم آذوا رسولك وكفروا بدينك" تفسير : أى اهلاكك، والمصدر بدل اشتمال من رجال ونساء، على حذف مضاف، أى كراهة أن تطئوهم، وجوب لولا يقدر بعد قوله: {بغير علم} هكذا لمَّا كف أيديكم عنهم، أو لعجل ما يستحقون. {فتُصيبَكم منْهُم} من جهتك بوطئتكم اياهم، أو يقدر مضاف أى فتصيبكم من وطئتهم {معرَّةٌ} عيب أو مكروه ومشقة، وأصله قيل: العر والعرة وهو الجرب الشديد اللازم، والمراد قيل تعيير الكفار للمؤمنين بأنهم يقتلون أهل دينهم، أو لمعرة التأسف عليهم وقيل: الاثم تقتلهم، وقيل: الدية، وهما تفسيران بالمعنى لا باللغة، وأيضاً نقول: لا اثم فى قتل مسلم مستور بين أهل الحرب أسلم من قبل، أو أسلم فى الحرب، أو على القاتل الدية أو العاقلة أو فى بيت المال، أو لا دية أيضا كما لا اثم، وقال الطبرى: المعرة الكفارة وهو قول، وهو كسائر قتل الخطأ، وقيل: لا كفارة وبالكفار، قال أبو حنيفة وأبو يوسف، وقال صاحبهما محمد: على قاتله الدية، وقال الشافعى، عليه القصاص، وهو خطأ كيف يكون القصاص على قتل الخطأ، وفسر بعضهم المعرة تفسير معنى بالدية والكفارة، وقول المشركين: ان المؤمنين يقتلون أهل دينهم، ولا اثم ان جرى بعض تقصير. {بغَيْر عِلمٍ} متعلق بتطئوا أو تصيب، أو حال من هاء منهم، أو حال من الواو، ولا تكرار لهذا مع قوله: "لم تعلموهم" لأن لم تعلموهم بمعنى لم تميزوهم فتتركوا قتلهم، ومعنى قوله تعالى: "فتصيبكم منهم معرة بغير علم" أن المعرة تصيبكم ولم تعلموا بوقوعها، أو تعلموا بموجبها الذى هو قتل هؤلاء المستورين، والعلم فى ذلك كله من المسلمين، ويجوز أن يكون من المشركين، بمعنى أنهم لا يعلمون أنكم معذورون، ويجوز أن يكون المعنى، ان الله سبحانه مَنَّ على المشركين فكف أيديكم عنهم بسبب من تستر فيهم من المؤمنين. {ليُدخل الله في رحمتِه مَن يَشاءُ} متعلق بكف محذوفا دل عليه الجواب، أى ولولا رجال الخ لما كف أيديكم عن المشركين، لكن كفها ليدخل بذلك الكف المؤدى الى الفتح بلا محذور فى رحمته الواسعة من يشاء، وهم اما هؤلاء المستورون يظهرون ويعبدون الله جهرا، ويزدادون طاعة، ولا يبقون فى الضيق بأيدى المشركين فيرتدون، واما بعض المشركين يؤمنون بعد الفتح، وفى الحديبية بعد الصلح اذ اختلطوا بالمؤمنين فقد يعجبهم ما يرون من المؤمنين، واما كل ذلك {لو تزيَّلُوا} لو تميز هؤلاء المؤمنون والمؤمنات المستورون عن المشركين {لعذبْنا الَّذين كَفروا} بتسليطكم عليهم، وهذا جواب لو، ويجوز أن يكون لو تزيلوا بدل لولا رجال الخ، ولعذبنا جواب لولا {منْهُم} من جملة المختلطين الذين هم المؤمنون المستورون والكفار ومن للتبعيض {عَذاباً أليماً} أسرا أو قتلا أو سببا.

الالوسي

تفسير : {هُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّوكُمْ عَنِ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ } أن تصلوا إليه وتطوفوا به {وَٱلْهَدْيَ } بالنصب عطف على الضمير المنصوب في {صَدُّوكُمْ } أي وصدوا الهدي وهو ما يهدى إلى البيت، قال الأخفش: الواحدة هدية ويقال للأنثى هدي كأنه مصدر وصف به. وفي «البحر» ((إسكان داله لغة قريش وبها قرأ الجمهور، وقرأ ابن هرمز والحسن وعصمة عن عاصم واللؤلوي وخارجة عن أبـي عمرو بكسر الدال وتشديد الياء وذلك لغة)). وهو فعيل بمعنى مفعول على ما صرح به غير واحد. وكان هذا الهدي سبعين بدنة على ما هو المشهور، وقال مقاتل: كان مائة بدنة. وقرأ الجعفي عن أبـي عمرو {الهدي} بالجر على أنه عطف على (المسجد الحرام) بحذف المضاف أي ونحر الهدي. وقرىء بالرفع على إضمار وصد الهدي. وقوله سبحانه: {مَعْكُوفاً } حال من {ٱلْهَدْي } على جميع القراآت، وقيل: على قراءة الرفع يجوز أن يكون {ٱلْهَدْيِ } مبتدأ والكلام نحو حُكْمُكَ مسَّمطاً وقوله تعالى: {أية : وَنَحْنُ عُصْبَةٌ } تفسير : [يوسف: 8] على قراءة النصب وهو كما ترى. والمعكوف المحبوس يقال: عكفت الرجل عن حاجته حبسته عنها، وأنكر أبو علي تعدية عكف وحكاها ابن سيده والأزهري وغيرهما، وظاهر ما في الآية / معهم. وقوله تعالى: {أَن يَبْلُغَ مَحِلَّهُ } بدل اشتمال من {ٱلْهَدْيِ } كأنه قيل: وصدوا بلوغ الهدي محله أو صدوا عن بلوغ الهدي أو وصد بلوغ الهدي حسب اختلاف القراآت، وجوز أن يكون مفعولاً من أجله للصد أي كراهة أن يبلغ محله، وأن يكون مفعولاً من أجله مجروراً بلام مقدرة ـ لمعكوفاً ـ أي محبوساً لأجل أن يبلغ محله ويكون الحبس من المسلمين، وأن يكون منصوباً بنزع الخافض وهو من أو عن أي محبوساً من أو عن أن يبلغ محله فيكون الحبس من المشركين على ما هو الظاهر. ومَحِلُّ الهدي مكان يحل فيه نحره أي يسوغ أو مكان حلوله أي وجوبه ووقوعه كما نقل عن الزمخشري، والمراد مكانه المعهود وهو منى، أما على رأي الشافعي رضي الله تعالى عنه فلأن مكانه لمن منع حيث منع فيكون قد بلغ محله بالنسبة إلى النبـي صلى الله عليه وسلم ومن معه ولذا نحروا هناك أعني في الحديبية، وأما على رأي أبـي حنيفة رضي الله تعالى عنه فلأن مكانه الحرم مطلقاً وبعض الحديبية حرم عنده؛ وقد رووا أن مضارب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت في الحل منها ومصلاه في الحرم والنحر قد وقع فيما هو حرم فيكون الهدي بالغاً محله غير معكوف عن بلوغه فلا بد من إرادة المعهود ليتسنى ذلك. وزعم الزمخشري أن الآية دليل لأبـي حنيفة على أن الممنوع محل هديه الحرم ثم تكلم بما لا يخفى حاله على من راجعه. ومن الناس من قرر الاستدلال بأن المسجد الحرام يكون بمعنى الحرم وهم لما صدوهم عنه ومنعوا هديهم أن يدخله فيصل إلى محله دل بحسب الظاهر على أنه محله، ثم قال: ولا ينافيه أنه عليه الصلاة والسلام نحر في طرف منه كما لا ينافي الصد عنه كون مصلاه عليه الصلاة والسلام فيه لأنهم منعوهم فلم يمتنعوا بالكلية وهو كما ترى. والإنصاف أنه لا يتم الاستدلال بالآية على هذا المطلب أصلاً. وطعن بعض أجلة الشافعية في كون شيء من الحديبية من الحرم فقال: إنه خلاف ما عليه الجمهور وحدود الحرم مشهورة من زمن إبراهيم عليه السلام، ولا يعتد برواية شذ بها الواقدي كيف وقد صرح بخلافها البخاري في «صحيحه» عن الثقات، والرواية عن الزهري ليست بثبت انتهى، ولعل من قال: بأن بعضها من الحرم استند في ذلك إلى خبر صحيح. ومن قواعدهم أن المثبت مقدم على النافي والله تعالى أعلم. {وَلَوْلاَ رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَاء مُّؤْمِنَـٰتٌ لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ } صفة رجال ونساء على تغليب المذكر على المؤنث. وكانوا - على ما أخرج أبو نعيم بسند جيد وغيره عن أبـي جمعة جنبذ بن سبع - تسعة نفر سبعة رجال وهو منهم وامرأتين. وقوله تعالى: {أَن تَطَئُوهُمْ} بدل اشتمال منهم وجوز كونه بدلاً من الضمير المنصوب في {تَعْلَمُوهُمْ } واستبعده أبو حيان. والوطء الدوس واستعير هنا للإهلاك وهي استعارة حسنة واردة في كلامهم قديماً وحديثاً، ومن ذلك قول الحرث بن وعلة الذهلي:شعر : ووطئتنا وطأ على حنق وطء المقيد نابت الهرم تفسير : وقوله صلى الله عليه وسلم من حديث: «حديث : وإن آخر وطأة وطئها الله تعالى بِوَجّ» تفسير : وقوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : اللهم اشدد وطأتك على مضر» تفسير : {فَتُصِيبَكمْ مّنْهُمْ } أي من جهتهم {مَّعَرَّةٌ } أي مكروه ومشقة مأخوذ من العر والعرة هو الجرب الصعب اللازم، وقال غير واحد: هي مفعلة من عره إذا عراه ودهاه ما يكره، والمراد بها هنا على ما روي عن منذر بن سعيد تعيير الكفار وقولهم في المؤمنين: إنهم قتلوا أهل دينهم، وقيل: التأسف عليهم وتألم النفس مما أصابهم. وقال ابن زيد: المأثم بقتلهم. وقال ابن إسحاق: الدية، قال ابن عطية: وكلا القولين ضعيف لأنه لا إثم ولا دية / في قتل مؤمن مستور الإيمان بين أهل الحرب. وقال الطبري، هي الكفارة. وتعقب بعضهم هذا أيضاً بأن في وجوب الكفارة خلافاً بين الأئمة. وفي «الفصول العمادية» ذكر في «تأسيس النظائر» في الفقه قال أصحابنا: دار الحرب تمنع وجوب ما يندرىء بالشبهات لأن أحكامنا لا تجري في دارهم وحكم دارهم لا يجري في دارنا، وعند الشافعي دار الحرب لا تمنع وجوب ما يندرىء بالشبهات، بيان ذلك حربـي أسلم في دار الحرب وقتل مسلماً دخل دارهم بأمان لا قصاص عليه عندنا ولا دية وعند الشافعي عليه القصاص وعلى هذا لو أن مسلمين متسامنين دخلا دار الحرب وقتل أحدهما صاحبه لا قصاص عليه عندنا وعند الشافعي عليه ذلك، ثم ذكر مسألة مختلفاً فيها بين أبـي حنيفة وأبـي يوسف ومحمد فقال: إذا قتل أحد الأسيرين صاحبه في دار الحرب لا شيء عليه عند أبـي حنيفة وأبـي يوسف إلا الكفارة لأنه تبع لهم فصار كواحد من أهل الحرب، وعند محمد تجب الدية لأن له حكم نفسه فاعتبر حكم نفسه على حدة انتهى. ونقل عن «الكافي» أن من أسلم في دار الحرب ولم يهاجر إلينا وقتله مسلم عمداً أو خطأ وله ورثة مسلمون ثم لا يضمن شيئاً إن كان عمداً وإن كان خطأ ضمن الكفارة دون الدية انتهى وتمام الكلام في هذا المقام يطلب في محله. والزمخشري فسر المعرة بوجوب الدية والكفارة وسوء قالة المشركين والمأثم إذا جرى منهم بعض التقصير وهو كما ترى. {بِغَيْرِ عِلْمٍ } في موضع الحال من ضمير المخاطبين في {تَطَئُوهُمْ} قيل ولا تكرار مع قوله تعالى: {لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ } سواء كان {أََنْ تَطَئُوهُمْ} بدل اشتمال من رجال ونساء أو بدلاً من المنصوب في {لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ } أما على الثاني فلأن حاصل المعنى ولولا مؤمنون لم تعلموا وطأتهم وإهلاكهم وأنتم غير عالمين بإيمانهم لأن احتمال أنهم يهلكون من غير شعور مع إيمانهم سبب الكف فيعتبر فيه العلمان فمتعلق العلم في الأول: الوطأة وفي الثاني: أنفسهم باعتبار الإيمان، وأما على الأول فلأن قوله تعالى: {بِغَيْرِ عِلْمٍ } لما كان حالاً من فاعل {تطؤهم} كان العلم بهم راجعاً إلى العلم باعتبار الإهلاك كما تقول أهلكته من غير علم فلا الإهلاك من غير شعور ولا العلم بإيمانهم حاصل والأمران لكونهما مقصودين بالذات صرح بهما وإن تقاربا أو تلازماً في الجملة. وجوز أن يجعل {لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ } كناية عن الاختلاط كما يلوح إليه كلام «الكشاف»، وفيه ما يدفع التكرار أيضاً، وفي ذلك بحث يدفع بالتأمل. وجوز أن يكون حالاً من ضمير {مِنْهُمْ } وأن يكون متعلقاً ـ بتصيبكم ـ أو صفة لمعرة قيل: وهو على معنى فتصيبكم منهم معرة بغير علم من الذي يعركم ويعيب عليكم، يعني إن وطئتموهم غير عالمين لزمكم سبة من الكفار بغير علم أي لا يعلمون أنكم معزورون فيه أو على معنى لم تعلموا أن تطؤهم فتصيبكم منهم معرة بغير علم منكم أي فتقتلوهم بغير علم منكم أو تؤذوهم بغير علم فافهم ولا تغفل. وجواب {لَوْلاَ } محذوف لدلالة الكلام عليه، والمعنى على ما سمعت أولاً لولا كراهة أن تهلكوا أناساً مؤمنين بين ظهراني الكفار جاهلين بهم فيصيبكم بإهلاكهم مكروه لما كف أيديكم عنهم، وحاصله أنه تعالى ولو لم يكف أيديكم عنهم لانجر الأمر إلى إهلاك مؤمنين بين ظهرانيهم فيصيبكم من ذلك مكروه وهو عز وجل يكره ذلك. وقال ابن جريج: دفع الله تعالى عن المشركين يوم الحديبية بأناس من المسلمين بين أظهرهم، وظاهر الأول على ما قيل أن علة الكف صون المخاطبين عن إصابة المعرة، وظاهر هذا أن علته صون أولئك المؤمنين عن الوطء والأمر فيه سهل. وقوله تعالى: {لّيُدْخِلَ ٱللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ } علة لما يدل عليه الجواب المحذوف على ما اختاره في «الإرشاد» كأنه قيل: لكنه سبحانه كفها عنهم ليدخل بذلك الكف المؤدي إلى الفتح بلا محذور في رحمته / الواسعة {مَن يَشَآء } وهم أولئك المؤمنون وذلك بأمنهم وإزالة استضعافهم تحت أيدي المشركين وبتوفيقهم لإقامة مراسم العبادة على الوجه الأتم، والتعبير عنهم بمن يشاء دون الضمير بأن يقال: ليدخلهم الله رحمته للإشارة إلى أن علة الإدخال المشيئة المبنية على الحكم الجمة والمصالح، وجعله بعضهم علة لما يفهم من صون من بمكة من المؤمنين والرحمة توفيقهم لزيادة الخير والطاعة بإبقائهم على عملهم وطاعتهم، وجوز أن يراد ـ بمن يشاء ـ بعض المشركين ويراد بالرحمة الإسلام فإن أولئك المؤمنين إذا صانهم الكف المذكور أظهروا إيمانهم لمعاينة قوة الدين فيقتدي بهم الصائرون للإسلام، واستحسن بعضهم كونه علة للكف المعلل بالصون. وجوز أن يراد ـ بمن يشاء ـ المؤمنون فيراد بالرحمة التوفيق لزيادة الخير، والمشركون فيراد بها الإسلام، وبين وجه التعليل بأنهم إذا شاهدوا منع تعذيبهم بعد الظفر عليهم لاختلاط المؤمنين بهم اعتناءً بشأنهم رغبوا في الإسلام والانخراط في سلك المرحومين وأن المؤمنين إذا علموا منع تعذيب المشركين بعد الظفر عليهم لاختلاطهم بهم أظهروا إيمانهم فيقتدى بهم، وقال: لا وجه لجعل اللام مستعارة من معنى التعليل لما يترتب على الشيء لأنه عدول عن الحقيقة المتبادرة من غير داع، وما يظن من أن تعليل الكف بما ذكر مع أنه معلل بالصون فاسد لما فيه من اجتماع علتين على معلول واحد شخصي فاسد لأن العلل إذا لم تكن تامة حقيقة لا يضر تعددها وما هنا كذلك. هذا وجعل ذلك علة لما دل عليه الجواب على ما سمعت أولاً أولى عندي لما فيه من شدة التحام النظم الجليل، وحمل {مَن يَشَآء } على المؤمنين المستضعفين دون بعض المشركين أوفق بقوله تعالى: {لَوْ تَزَيَّلُواْ لَعَذَّبْنَا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَاباً أَلِيماً } والتزيل التفرق والتميز، وجوز في ضمير {تَزَيَّلُواْ } كونه للمؤمنين المذكورين فيما سبق أي لو تفرق أولئك المؤمنون والمؤمنات وتميزوا عن الكفار وخرجوا من مكة ولم يبقوا بينهم لعذبنا الخ، وكونه للمؤمنين والكفار أي لو افترق بعضهم من بعض ولم يبقوا مختلطين لعذبنا الخ. واختار غير واحد الأول ـ فمنهم ـ للبيان، والمراد تعذيبهم في الدنيا بالقتل والسبـي كما قال مجاهد وغيره وإلا لم يكن ـ للو ـ موقع. والجملة مستأنفة مقررة لما قبلها، وجوز الزمخشري أن يكون قوله تعالى: {لَوْ تَزَيَّلُواْ } كالتكرار لقوله تعالى: {لَوْلاَ رِجَالٌ } لأن مرجعهما في المعنى شيء واحد ويكون {لعذبنا} هو الجواب ـ للولا ـ السابقة. واعترضه أبو حيان بأن التغاير ظاهر فلا يكون تكراراً ولا مشابهاً. وأجيب بأن كراهة وطئهم لعدم تميزهم عن الكفار الذي هو مدلول الثاني فيكون كبدل الاشتمال ويكفي ذلك في كونه كالتكرار. وقال ابن المنير: إنما كان مرجعهما واحداً وإن كانت {لَوْلاَ } تدل على امتناع لوجود و {لَوْ } تدل على امتناع لامتناع وبين هذين تناف ظاهر لأن {لَوْلاَ } هٰهنا دخلت على وجود ولو دخلت على {تَزَيَّلُواْ } وهو راجع إلى عدم وجودهم وامتناع عدم الوجود ثبوت فآلا إلى آمر واحد من هذا الوجه قال: وكان جدي يختار هذا الوجه ويسميه تطرية وأكثر ما يكون إذا تطاول الكلام وبعد عهد أوله واحتيج إلى بناء الآخر على الأول فمرة يطري بلفظه ومرة بلفظ آخر يؤدي مؤداه انتهى. وأنت تعلم أن في حذف الجواب دليلاً على شدة غضب الله تعالى وأنه لولا حق المؤمنين لفعل بهم ما لا يدخل تحت الوصف ولا يقاس، ومنه يعلم أن ذلك الوجه أرجح من جعل {لَوْ تَزَيَّلُواْ } بمنزلة التكرار للتطرية فتطرية الجواب وتقويته أولى وأوفق لمقتضى المقام، واختار الطيبـي الأول أيضاً معللاً له بأنه حينئذٍ يقرب من باب الطرد والعكس لأن التقدير لولا وجود مؤمنين مختلطين بالمشركين غير متميزين منهم لوقع ما كان جزاء لكفرهم وصدهم ولو حصل / التمييز وارتفع الاختلاط لحصل التعذيب، ثم إن تقدير الجواب ما تقدم عند القائلين بالحذف هو الذي ذهب إليه كثير، وجوز بعضهم تقديره لعجل لهم ما يستحقون وجعل قوله تعالى: {هُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } الخ فكأنه قيل: هم الذين كفروا واستحقوا التعجيل في إهلاكهم ولولا رجال مؤمنون الخ لعجل لهم ذلك وهو أيضاً أولى من حديث التكرار، وقرأ ابن أبـي عبلة وابن مقسم وأبو حيوة وابن عون {لَوْ تزايلوا} على وزن تفاعلوا. وفي الآية على ما قال إلكيا دليل على أنه لا يجوز خرق سفينة الكفار إذا كان فيها أسرى من المسلمين وكذلك رمي الحصون إذا كانوا بها والكفار إذا تترسوا بهم، وفيه كلام في كتب الفروع.

ابن عاشور

تفسير : {هُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّوكُمْ عَنِ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ وَٱلْهَدْىَ مَعْكُوفاً أَن يَبْلُغَ مَحِلَّهُ}. استئناف انتقل به من مقام الثناء على المؤمنين الذين بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وما اكتسبوا بتلك البيعة من رضى الله تعالى وجزائه ثواب الآخرة. وخير الدنيا عاجله وآجله، وضمان النصر لهم في قتال المشركين، ومَا هَيَّأ لهم من أسباب النصر إلى تعيير المشركين بالمذمة التي أتوا بها وهي صد المسلمين عن المسجد الحرام وصد الهدْي عن أن يبلغ به إلى أهله، فإنها سبة لهم بين العرب وهم أولى الناس بالحفاوة بمن يعتمرون، وهم يزعمون أنهم أهل حرم الله زواره ومعظّميه، وقد كان من عادتهم قبول كل زائر للكعبة من جميع أهل الأديان، فلا عذر لهم في منع المسلمين ولكنهم حملتهم عليه الحمية. وضمير الغيبة المفتتح به عائد إلى {الذين كفروا} من قوله: {أية : ولو قاتلكم الذين كفروا لولوا الأدبار}تفسير : [الفتح: 22] الآية. والمقصود بالافتتاح بضميرهم هنا لاسترعاء السمع لما يرد بعده من الخبر كما إذا جره حديث عن بطل في يوم من أيام العرب ثم قال قائل عثرة هو البطن المحامي. والمقصود من الصلة هو جملة {صدوكم عن المسجد الحرام} وذكر {الذين كفروا} إدماج للنداء عليهم بوصف الكفر ولهذا الإدماج نكتة أيضاً، وهي أن وصف الذين كفروا بمنزلة الجنس صار الموصول في قوة المعرف بلام الجنس فتفيد جملة {هم الذين كفروا} قصر جنس الكفر على هذا الضمير لقصد المبالغة لكمالهم في الكفر بصدهم المعتمرين عن المسجد الحرام وصد الهدي عن أن يبلغ محله. والهديُ: ما يهدى إلى الكعبة من الأنعام، وهو من التسمية باسم المصدر ولذلك يستوي فيه الواحد والجمع كحكم المصدر قال تعالى: {أية : والهَدْي والقلائد}تفسير : [المائدة: 97] أي الأنعام المهدية وقلائدها وهو هنا الجمع. والمعكوفُ: اسم مفعول عَكَفه، إذ ألزمَه المكث في مكان، يقال: عكفه فعكَف فيستعمل قاصراً ومتعدياً عن ابن سِيده وغيره كما يقال: رجَعه فرجَع وجَبره فجَبر. وقال أبو علي الفارسي: لا أعرف عكف متعدياً، وتأول صيغة المفعول في قوله تعالى: {معكوفاً} على أنها لتضمين عكَف معنى حبس. وفائدة ذكر هذا الحال التشنيع على الذين كفروا في صدهم المسلمين عن البيت بأنهم صدوا الهدايا أن تبلغ محلها حيث اضطّر المسلمون أن ينحروا هداياهم في الحديبية فقد عطلوا بفعلهم ذلك شعيرة من شعائر الله، ففي ذكر الحال تصوير لهيئة الهدايا وهي محبوسة. ومعنى صدهم الهدي: أنهم صدوا أهل الهدي عن الوصول إلى المنحر من منى. وليس المراد: أنهم صدوا الهدايا مباشرة لأنه لم ينقل أن المسلمين عرضوا على المشركين تخلية من يذهب بهداياهم إلى مكة لِتُنحر بها. وقوله: {أن يبلغ محله} أن يكون بدل اشتمال من {الهدي} ويجوز أن يكون معمولاً لِحرف جر محذوف وهو (عن)، أي عن أن يبلغ محله. والمحِلّ بكسر الحاء: محلّ الحِل مشتق من فعل حَلّ ضد حرُم، أي المكان الذي يحِلّ فيه نحر الهدي، وهو الذي لا يُجزىءُ غيره، وذلك بمكة بالمروة بالنسبة للمعتمر، ولذلك لما أُحصروا أمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينحروا هديهم في مكانهم إذ تعذر إبلاغه إلى مكة لأن المشركين منعوهم من ذلك. ولم يثبت في السنة أن النبي صلى الله عليه وسلم أمرهم بتوخّي جهة معينة للنحر من أرض الحديبية، وذلك من سماحة الدين فلا طائل من وراء الخوض في اشتراط النحر في أرض الحرم للمحصرَ. {وَلَوْلاَ رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَآءٌ مُّؤْمِنَـٰتٌ لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ أَن تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكمْ مِّنْهُمْ مَّعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِّيُدْخِلَ ٱللَّهُ فِى رَحْمَتِهِ مَن يَشَآءُ لَوْ تَزَيَّلُواْ لَعَذَّبْنَا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَاباً أليماً}. أتبع النعي على المشركين سُوءَ فعلهم من الكفر والصد عن المسجد الحرام وتعطيل شعائر الله وَعْدَهُ المسلمين بفتح قريب ومغانم كثيرة، بما يدفع غرور المشركين بقوتهم، ويسكن تطلع المسلمين لتعجيل الفتح، فبيّن أن الله كف أيدي المسلمين عن المشركين مع ما قرره آنفاً من قوله: {أية : ولو قاتلكم الذين كفروا لولوا الأدبار ثم لا يجدون ولياً ولا نصيراً}تفسير : [الفتح: 22] أنه إنما لم يأمر المسلمين بقتال عدوهم لمّا صدوهم عن البيت لأنه أراد رحمة جمع من المؤمنين والمؤمنات كانوا في خلال أهل الشرك لا يَعلمونهم، وعصم المسلمين من الوقوع في مصائب من جراء إتلاف إخوانهم، فالجملة معطوفة على جملة {ولو قاتلكم الذين كفروا لولوا الأدبار} أو على جملة {أية : وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم}تفسير : [الفتح: 24] الخ. وأيًّا مَّا كان فهي كلام معترض بين جملة {هم الذين كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام} الخ وبين جملة {أية : إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية}تفسير : [الفتح: 26]. ونظم هذه الآية بديع في أسلوبي الإطناب والإيجاز والتفنن في الانتقال ورشاقة كلماته. و {لولا} دالة على امتناعٍ لوجودٍ، أي امتنع تعذيبُنا الكافرين لأجل وجود رجال مؤمنين ونساء مؤمنات بينهم. وما بعد {لولا} مبتدأ وخبره محذوف على الطريقة المستعملة في حذفه مع {لولا} إذا كان تعليق امتناع جوابها على وجود شرطها وجوداً مطلقاً غير مقيد بحال، فالتقدير: ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات موجودون، كما يدل عليه قوله بعده {لو تزيَّلوا}، أي لو لم يكونوا موجودين بينهم، أي أن وجود هؤلاء هو الذي لأجله امتنع حصول مضمون جواب {لولا}. وإجراء الوصف على رجال ونساء بالإيمان مشير إلى أن وجودهم المانع من حصول مضمون الجواب هو الوجود الموصوف بإيمان أصحابه، ولكن الامتناع ليس معلقاً على وجود الإيمان بل على وجود ذوات المؤمنين والمؤمنات بينهم. وكذلك قوله: {لم تعلموهم} ليس هو خبراً بل وصفاً ثانياً إذ ليس محط الفائدة. ووجه عطف {نساء مؤمنات} مع أن وجود {رجال مؤمنون} كاف في ربط امتناع الجواب بالشرط ومع التمكن من أن يقول: ولولا المؤمنُون، فإن جمع المذكر في اصطلاح القرآن يتناول النساء غالباً، أن تخصيص النساء بالذكر أنسب بمعنى انتفاء المعرة بقتلهن وبمعنى تعلق رحمة الله بهن. ومعنى {لم تعلموهم} لم تعلموا إيمانهم إذ كانوا قد آمنوا بعد خروج النبي صلى الله عليه وسلم مهاجراً. فعن جُنْبُذٍ (بجيم مضمومة ونون ساكنة وموحدة مضمومة وذال معجمة) بن سَبُع (بسين مهملة مفتوحة وموحدة مضمومة)، ويقال: سِباع بكسر السين يقال: إنه أنصاري، ويقال: قاري صاحبي قال: هم سبعة رجال سمي منهم الوليد بن الوليد بن المغيرة، وسلمة بن هشام، وعياش بن أبي ربيعة وأبو جندل بن سُهيل وأبو بَصِير القرشي (ولم أقف على اسم السابع) وعُدَّتْ أمّ الفضل زوجُ العباس بن عبد المطلب، وأحسب أن ثانيتهما أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط التي لحقت بالنبي صلى الله عليه وسلم بعد أن رجع إلى المدينة. وعن حَجَر بن خلف: ثلاثة رجال وتسع نسوة، ولفظ الآية يقتضي أن النساء أكثر من اثنتين. والظاهر أن المراد بقوله: {لم تعلموهم} ما يشمل معنى نفي معرفة أشخاصهم ومعنى نفي العلم بما في قلوبهم، فيفيد الأول أنهم لا يعلمهم كثير منكم ممن كان في الحديبيّة من أهل المدينة ومن معهم من الأعراب فهم لا يعرفون أشخاصهم فلا يعرفون من كان منهم مؤمناً إن كان يعرفهم المهاجرون، ويفيد الثاني أنهم لا يعلمون ما في قلوبهم من الإيمان أو ما أحدثوه بعد مفارقتهم من الإيمان، أي لا يعلم ذلك كله الجيش من المهاجرين والأنصار. و{أن تطأوهم} بدل اشتمال من {رجال} ومعطوفه، أو من الضمير المنصوب في {لم تعلموهم} أي لولا أن تطئوهم. والوطء: الدوس بالرِجل، ويستعار للإبادة والإهلاك، وقد جمعهما الحارث بن وعْلَة الذُهلي في قوله:شعر : ووطِئْتَنا وَطْأَ على حَنَق وَطْءَ المقيَّدِ نَابتَ الهِرْم تفسير : والإصابة: لحاق ما يصيب. و (مِن) في قوله: {منهم} للابتداء المجازي الراجع إلى معنى التسبب، أي فتلحقكم من جرائهم ومن أجلهم مَعرة كنتم تتقون لحاقها لو كنتم تعلمونهم. والمعرة: مصدر ميمي من عَرّه، إذا دهاه، أي أصابه بما يكرهه ويشق عليه من ضر أو غرم أو سوء قالة، فهي هنا تجمع ما يلحقهم إذا ألحقوا أضراراً بالمسلمين من دِيَاتتِ قتْلَى، وغُرم أضرار، ومن إثم يلحق القاتلين إذا لم يتثبَّتوا فيمن يقتلونه، ومن سوء قالة يقولها المشركون ويشيعونها في القبائل أن محمداً صلى الله عليه وسلم وأصحابه لم ينج أهل دينهم من ضرهم لِيُكَرِّهُوا العرب في الإسلام وأهله. والباء في {بغير علم} للملابسة، أي ملابسين لانتفاء العلم. والمجرور بها متعلق بــ {تصيبكم}، أي فتلحقكم من جرّائهم مَكاره لا تعلمونها حتى تَقعوا فيها. وهذا نفي علم آخر غير العلم المنفي في قوله: {لم تعلموهم} لأن العلم المنفي في قوله: {لم تعلموهم} هو العلم بأنهم مؤمنون بالذي انتفاؤه سبب إهلاك غير المعلومين الذي تسبب عليه لحاق المعرة. والعلم المنفي ثانياً في قوله: {بغير علم} هو العلم بلحاق المعرة من وطأتهم التابع لعدم العلم بإيمان القوم المهلَكين وهو العلم الذي انتفاؤه يكون سبباً في الإقدام على إهلاكهم. واللام في قوله: {ليدخل اللَّه في رحمته من يشاء} للتعليل والمعلل واقع لا مفروض، فهو وجود شرط {لولا} الذي تسبب عليه امتناع جوابها فالمعلل هو ربط الجواب بالشرط، أي لولا وجود رجال مؤمنين ونساء مؤمنات لعذبنا الذين كفروا وأن هذا الربط لأجل رحمة الله من يشاء من عباده إذ رحم بهذا الامتناع جيش المسلمين بأن سلمهم من معرة تلحقهم وأن أبقى لهم قوتهم في النفوس والعدة إلى أمد معلوم، ورحم المؤمنين والمؤمنات بنجاتهم من الإهلاك، ورحم المشركين بأن استبقاهم لعلهم يسلمون أو يسلم أكثرهم كما حصل بعد فتح مكة، ورحم من أسلموا منهم بعد ذلك بثواب الآخرة، فالرحمة هنا شاملة لرحمة الدنيا ورحمة الآخرة. و {من يشاء} يعمّ كل من أراد الله من هذه الحالة رحمته في الدنيا والآخرة أو فيهما معاً. وعبر بــ {من يشاء} لما فيه من شمول أصناف كثيرة ولما فيه من الإيجاز ولما فيه من الإشارة إلى الحكمة التي اقتضت مشيئة الله رحمة أولئك. وجواب {لولا} يجوز اعتباره محذوفاً دل عليه جواب {لو} المعطوفة على {لولا} في قوله: {لو تزيلوا}، ويجوز اعتبار جواب {لو} مرتبطاً على وجه تشبيه التنازع بين شرطي {لولا} و {لو} لمرجع الشرطين إلى معنى واحد وهو الامتناع فإن {لولا} حرف امتناع لوجود أي تدلّ على امتناع جوابها لوجود شرطها. و {لو} حرف امتناع لامتناع، أي تدل على امتناع جوابها لامتناع شرطها فحكم جوابيهما واحد، وهو الامتناع، وإنما يَختلف شرطاهما فشرط {لو} منتف وشرط {لولا} مثبت. وضمير {تزيلوا} عائد إلى ما دل عليه قوله: {ولولا رجال مؤمنون} الخ من جمع مختلط فيه المؤمنون والمؤمنات مع المشركين كما دل عليه قوله: {لم تعلموهم}. والتزيَّل: مطاوع زيَّله إذا أبعده عن مكان، وزيلهم، أي أبعد بعضهم عن بعض، أي فرقهم قال تعالى: {أية : فزيلنا بينهم}تفسير : [يونس: 28] وهو هنا بمعنى التفرق والتميز من غير مراعاة مطاوعة لفعل فاعل لأن أفعال المطاوعة كثيراً ما تطلق لإرادة المبالغة لدلالة زيادة المبنى على زيادة المعنى وذلك أصل من أصول اللغة. والمعنى: لو تفرق المؤمنون والمؤمنات عن أهل الشرك لسلَّطنْا المسلمين على المشركين فعذّبوا الذين كفروا عذاب السيف. فإسناد التعذيب إلى الله تعالى لأنه يأمر به ويقدر النصر للمسلمين كما قال تعالى: {أية : قاتلوهم يعذبْهم الله بأيديكم} تفسير : في سورة براءة (14). و (مِن) في قوله: منهم} للتبعيض، أي لعذبنا الذين كفروا من ذلك الجمع المتفرق المتميز مؤمنهم عن كافرهم، أي حين يصير الجمع مشركين خلّصا وحدهم. وجملة {لو تزيلوا} إلى آخرها بيان لجملة {ولولا رجال مؤمنون} إلى آخرها، أي لولا وجود رجال مؤمنين الخ مندمجين في جماعة المشركين غير مفترقين لو افترقوا لعذبنا الكافرين منهم. وعدل عن ضمير الغيبة إلى ضمير المتكلم في قوله: {لعذبنا الذين كفروا} على طريقة الالتفات.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 25، 26- أهل مكة هم الذين كفروا ومنعوكم من دخول المسجد الحرام، ومنعوا الهدى الذى سقتموه محبوسا معكم على التقرب به من بلوغ مكانه الذى ينحر فيه، ولولا كراهة أن تُصيبوا رجالاً مؤمنين ونساء مؤمنات بين الكفار بمكة لم تعلموهم فتقتلوهم بغير علم بهم، فيلحقكم من أجل قتلهم عار وخزى، ولهذا كان منع القتال فى هذا اليوم حتى يحفظ الله من كانوا مستخفين بإسلامهم بين كفار مكة. لو تميز المؤمنون لعاقبنا الذين أصروا على الكفر منهم عقابا بالغ الألم، حين جعل الذين كفروا فى قلوبهم الأنفة أنفة الجاهلية، فأنزل الله طمأنينته على رسوله وعلى المؤمنين، وألزمهم كلمة الوقاية من الشرك والعذاب، وكانوا أحق بها وأهلاً لها. وكان الله محيطا علمه بكل شئ. 27- لقد صدق الله رسوله رؤياه دخول المسجد الحرام بتحققها. أقسم: لتدخلن المسجد الحرام - إن شاء الله - آمنين عدوكم، بين محلق رأسه ومقصر، وغير خائفين، فعلم سبحانه الخير الذى لم تعلموه فى تأخير دخول المسجد الحرام، فجعل من قبل دخولكم فتحا قريبا. 28- هو الله الذى أرسل رسوله بالإرشاد الواضح ودين الإسلام ليعليه على الأديان كلها، وكفى بالله شهيدا على ذلك.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: هم الذين كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام: أي بالله ورسوله ومنعوكم من الوصول إلى المسجد الحرام. والهدي معكوفا أن يبلغ محله: أي ومنعوا الهدي محبوسا حال بُلوغ محله من الحرم. ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات: أي موجودون في مكة. لم تعلموهم: أي لم تعرفوهم مؤمنين ومؤمنات. أن تطأوهم: أي قتلا لهم عند قتالكم المشركين بمكة. فتصيبكم منهم معرة بغير علم: أي إثم وديات قتل الخطأ وعتق أو صيام لأَذِن لكم الله تعالى في دخول مكة. ليدخل الله في رحمته من يشاء: أي لم يؤذن لكم في دخول مكة فاتحين ليدخل الله في الإِسلام من يشاء. لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم عذابا أليما: أي لو تميزوا فكان المؤمنون على حدة والكافرون على حدة لأذنا لكم في الفتح وعذبنا الذين كفروا بأيديكم عذابا أليما وذلك بضربهم وقتلهم. إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية: أي لعذبناهم إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية حمية الجاهلية وهي الأنفة المانعة من قبول الحق ولذا منعوا الرسول وأصحابه من دخول مكة وقالوا كيف يقتلون أبناءنا ويدخلون بلادنا واللات والعزى ما دخلوها. فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين: أي فهمَّ الصحابة أن يخالفوا أمر رسول الله بالصلح فأنزل الله سكينته عليهم فرضوا ووافقوا فتم الصلح. وألزمهم كلمة التقوى: أي ألزمهم كلمة لا إله إلا الله إذ هي الواقية من الشرك. وكانوا أحق بها وأهلها: أي أجدر بكلمة التوحيد وأهلا للتقوى. وكان الله بكل شيء عليما: أي من أمور عباده وغيرها ومن ذلك علمه بأهلية المؤمنين وأحقيتهم بكلمة التقوى "لا إله إلا الله". معنى الآيات: ما زال السياق الكريم في الحديث عن صلح الحديبية فقال تعالى في المشركين ذاماً لهم عائبا عليهم صنيعهم {هُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} أي بالله ورسوله وصدوكم عن المسجد الحرام أن تدخلوه وأنتم محرمون والهدى معكوفاً أي وصدوا الهدى والحال أنه محبوس يُنْتَظَرُ به دخول مكة لينحر وقوله تعالى {وَلَوْلاَ رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَآءٌ مُّؤْمِنَاتٌ} بمكة لم تعلموهم لأنهم كانوا يخفون إسلامهم غالباً، كراهة أن تطأوهم أثناء قتالكم المشركين فتصيبكم منهم معرّة بغير علم منكم بهم والمعرة العيب والمراد به هنا التبعة وما يلزم من قتل المسلم خطأ من الكفارة والدية لولا هذا لأذن لكم في دخول مكة غازين فاتحين لها وقوله تعالى {لِّيُدْخِلَ ٱللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَن يَشَآءُ} أي لم يأذن لكم في القتال ورضي لكم بالصلح ليدخل في رحمته من يشاء فالمؤمنون نالتهم رحمة الله إذ لم يؤذوا بدخلولكم مكة فاتحين والمشركون قد يكون تأخر الفتح سببا في إسلام من شاء الله تعالى له الإِسلام لا سيما عندما رأوا رحمة الإِسلام تتجلى في تلك القتال رحمة بالمؤمنين والمؤمنات حتى لا يتعرضوا للأذى فدين يراعي هذه الأخوة دين لا يحرم منه عاقل. وقوله تعالى {لَوْ تَزَيَّلُواْ} أي لو تميّز المؤمنون والمؤمنات عن المشركين بوجودهم في مكان خاص بهم لأذناً لكم في دخول مكة وقتال المشركين وعذَّبناهم بأيديكم عذاباً أليما وقوله {إِذْ جَعَلَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ ٱلْجَاهِلِيَّةِ} هذا تعليل للإِذن بقتال المشركين في مكة وتعذيبهم العذاب الأليم لولا وجود مؤمنين ومؤمنات بها يؤذيهم ذلك والمراد من الحمية الأنفة والتعاظم وما يمنع من قبول الحق والتسليم به وهذه من صفات أهل الجاهلية فقد قالوا، كيف نسمح لهم بدخول بلادنا وقد قتلوا أبناءنا واللات والعزى ما دخلوا علينا أبداً، وقوله تعالى {فَأَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَعَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ} وذلك لما همَّ المؤمنون بعدم قبول الصلح لما فيه من التنازل الكبير للمشركين وهم على الباطل والمؤمنون على الحق فلما حصل هذا في نفوس المؤمنين أنزل الله سكينته عليهم وهي الطمأنينة والوقار والحلم فرضوا بالمصالحة وتمت وكان فيها خير كثير حتى قيل فيها إنها فتح أوَّلي أو فاتحة فتوحات لا حدَّ لها. وقوله تعالى {وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ ٱلتَّقْوَىٰ وَكَانُوۤاْ أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا} أي وشرف الله وأكرم المؤمنين بإِلزامهم التشريعي بكلمة لا إله إلاذ الله. إذ هي كلمة التقوى أي الواقية من الشرك والعذاب في الدارين وجعلهم أحق بها وأهلها. أي أجدر من غيرهم بكلمة التوحيد وأكثر أهلية للتقوى وكان الله بكل شيء عليما ومن ذلك علمه بأهلية أصحاب رسول الله بما جعلهم أهلا له من الإِيمان والتقوى. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- بيان حكم المحصر وهو من منع دخول المسجد الحرام وهو محرم بحج أو بعمرة فإِنه يتحلل بذبح هدي ويعود إلى بلاده، ويذبح الهدي حيث أُحصِر، وليس واجبا إدخاله إلى الحرم. 2- الأخذ بالحيطة في معاملة المسلمين حتى لا يؤذى مؤمن أو مؤمنةً بغير علم. 3- بيان أن كلمة التقوى هي لا إله إلاّ الله. 4- الإِشارة إلى ما أصاب المسلمين من ألم نفسي من جراء الشروط القاسية التي اشترطها ممثل قريش ووثيقة الصلح. وهذا نص الوثيقة وما تحمله من شروط لم يقدر عليها إلاّ رسول الله بما آتاه الله من العلم والحكمة والحلم والصبر والوقار، ولمَّا أنزل الله ذلك على المؤمنين من السكينة فحملوها وارتاحت نفوسهم لها نص الوثيقة: "ورد أن قريشا لما نزل النبي صلى الله عليه وسلم الحديبية بعثت إليه ثلاثة رجال هم سهيل بن عمرو القرشي، وحويطب بن عبد العزى ومكرز بن حفص على أن يعرضوا على النبي صلى الله عليه وسلم أن يرجع من عامه ذلك على أن يخلي له قريش مكة من العام المقبل ثلاث أيام فقبل ذلك وكتبوا بينهم كتاباً فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعلي بن أبي طالب اكتب بسم الله الرحمن الرحيم فقالوا: ما نعرف هذا اكتب باسمك اللهم، فكتب ثم قال اكتب هذا ما صالح عليه محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل مكة فقالوا لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت وما قاتلناك اكتب هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله أهل مكة فقال النبي صلى الله عليه وسلم اكتب ما يريدون فهمَّ المؤمنون أن يأبوا ذلك ويبطشوا بهم فأنزل الله السكينة عليهم فتوقّروا وحلموا وتم الصلح على ثلاث أشياء هي: 1- أنَّ من أتاهم من المشركين مسلماً ردوه إليهم. 2- أنَّ من أتاهم من المسلمين لم يردوه إليهم. 3- أنْ يدخل الرسول والمؤمنون مكة من عام قابل ويقيمون بها ثلاثة أيام لا غير ولا يدخلها بسلاح. فلما فرع من الكتاب قال صلى الله عليه وسلم قوموا فانحروا ثم احلقوا.

القطان

تفسير : الهدي: ما يقدَّم قربانا لله في مناسك الحج والعمرة من الانعام. معكوفا: محبوسا لهذا الغرض. محله: المكان الذي يسوغ فيه نحره وهو مِنى. أن تطؤُوهم: ان تقتلوهم. المعرّة: المكروه والمشقة. لو تزيّلوا: لو تفرقوا وتميزوا. الحمية: الأنَفَة، والعصبيّة. وحمية الجاهلية: حمية في غير موضعها لا يؤيدها دليل ولا برهان. كلمة التقوى: هي لا اله الا الله، والسير على هدى الاسلام. بعد ان بين الله أنه كفّ أيدي المؤمنين عن الكافرين، وكف أيدي الكافرين عن المؤمنين، ذكر هنا ان المكان هو البيتُ الحرام الذي صدّوا المؤمنين عنه، فيقول: ان اهل مكة هم الذين كفروا ومنعوكم من دخول المسجِد الحرام ومنعوا الهَدْيَ الذي سُقتموه معكم تقرباً الى الله من بلوغِ مكانه الذي يُنحر فيه. ثم وضّح اكثر أن في مكة مؤمنين ومؤمناتٍ لا تعلمونهم، ولولا كراهةُ أن تصيبوهم فتقتلوهم بغير علم بهم، فتكونوا قتلتم إخوانكم فيلحقكم من اجل قتلهم {مَّعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ} أيْ عار وخزي - لسلطانكم عليهم. ثم اكد ميزة هذا الصلح العظيم بقوله تعالى: {لِّيُدْخِلَ ٱللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَن يَشَآءُ} أي ليفتح الباب أمام الذين يرغبون في دخول دين الله. وبين بوضوح بأنه لو امكن تميُّز المسلمين من الكفار في مكة لسلّط المؤمنين على الكافرين ولعاقبهم عقاباً أليما. فهؤلاء قد جعلوا في قلوبهم أنَفَة الجاهلية، لذا أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين، وألزمهم كلمة التقوى (يعني العملَ بالتقوى) وضبْط النفس، فقبلوا الصلح في الحديبية على الرغم من كبرياء المشركين وحَمِيّتهم وعتوّهم. {وَكَانَ ٱللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً} يعلم المتقين والمجرمين، ويجزي كلاًّ بما كسبوا.

د. أسعد حومد

تفسير : {مُّؤْمِنَاتٌ} (25) - وَهؤُلاءِ الذِينَ كَفَّ اللهُ أَيْدِيَ المُسْلِمِينَ عَنْهُمْ، وَكَفَّ أَيدِيَهُمْ عَنِ المُسْلِمِينَ عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرَامِ بِبَطْنِ مَكَّةَ، هُمُ المُشْرِكُونَ مِنْ قُرَيشٍ وَمَنْ وَالاَهُمْ، وَاجْتَمَعَ لِنُصْرَتِهِمْ مِنَ الأَحَابِيشِ وَثَقِيفٍ وَغَيرِهِمْ، وَهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ، وَصَدُّوا المُسلِمِينَ عَنْ دُخُولِ المَسْجِدِ الحَرَامِ، وَمَنَعُوا الهَديَ الذِي سَاقَه النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم وَالمُسْلِمُونَ أَنْ يَصِلَ إِلى المَسْجِدِ الحَرَامِ لِيُذْبحَ عِنْدَهُ، بَعْدَ أَدَاءِ مَنَاسِكِ الحَجِّ والعُمْرَةِ حديث : وَكَانَ النَّبِيُّ سَاقَ مَعَهُ سَبعِين بَدَنَةً لِيَنْحَرَها عِنْدَ الحَرَمِ . تفسير : لَقَدْ كَانَ فِي مَكَّةَ رِجَالٌ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنُونَ، وَهُمْ يَكْتُمونَ إِيمانَهُمْ خِيفَةً مِنْ إِيذَاءِ قُرَيشٍ، وَكَانَ دُخُولُ المُسْلِمينَ مَكَّةَ حَرْباً سَيُؤَدِّي إِلى أَنْ يَقتُلَ المُسْلِمُونَ الدَّاخِلُونَ مَكَّةَ عَنْوَةً بَعْضَ هؤُلاءِ المُسْلِمِينَ دُونَ أَنْ يَعْلَمُوا بِإِسْلامِهِمْ، وَلَولا ذَلِكَ لَسَلَّطَ اللهُ النَّبِيَّ والمُسْلِمينَ عَلَى الكُّفَارِ وَلَقَتلوهُمْ وَأَبَادُوهُمْ، وَلَدَخَلُوا مَكَّةَ عَنْوةً، ولكنَّه تَعَالى لم يَشَأْ أَنْ يَقتلَ المُسْلِمُونَ إِخْوانَهُمُ المُسْلِمِينَ المَوْجُودِينَ في مَكَّةَ، وَهُمْ لاَ يَعْرِفُونَهُم، فَيَلْحَقَهُمْ مِنْ قَتْلِهِمْ إِثمٌ وَغَرَامَةٌ (أَيْ كَفَّارَةُ القَتْلِ الخَطَأِ). وَقَدْ حَالَ اللهُ تَعَالى دُونَ وَقوعِ القِتَالِ بَيْنَ المُسْلِمِينَ وَالكُفَّارِ لِدُخُولِ مَكَّةَ لِيُتِيحَ لِلْمُسْلِمِينَ المَوْجُودِينَ فِي مَكَّةَ الخُرُوجَ مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِ الكُفَّارِ، وَالنجَاةَ والسَّلامَةَ مِنَ الأَذى، وَلِيُتِيحَ لِكَثِيرٍ مِنَ المُشْرِكِين الدُّخُولَ في الإِسْلامِ، قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ المُسْلِمُونَ في مَكَّةَ. وَلَوْ كَانَ الكُفَّارُ مُتَمَيِّزِينَ عَنِ المُسْلِمِينَ، المَوْجُودِينَ فِي مَكَّةَ في شيءٍ، فَيَعْرِفُ المُسْلِمُونَ، الدَّاخِلُونَ مَكَّةَ، هؤُلاءِ وَهؤُلاءِ، لَسَلَّطَ اللهُ المُسْلِمِينَ عَلَى الكَافِرينَ فَقَتَلُوهُمْ قَتْلاً ذَرِيعاً. الوَطْءُ - الدَّوْسُ. المَعَرَّةُ - الإِثْمُ أَوِ الغَرَامَةُ أَوِ الكَفَّارَةُ. تَزَيَّلُوا - تَمَيَّزُوا. عَكَفَهُ - حَبَسَهُ وَمَنَعَهُ مِنَ الوُصُولِ إِلى غَايَتِهِ. الهَدْيُ - البُدْنُ التِي تُسَاقُ لِتُنْحَرَ عِنْدَ الحَرَمِ. مَحِلَّهُ - المَكَانَ الذِي يَحِلُّ فِيهِ نَحْرُهُ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : الحق سبحانه وتعالى يبين لهم الحكمة من الصلح وعدم الدخول مع الكفار في قتال في هذا الوقت، صحيح أنهم صدوكم عن الكعبة ومنعوكم من دخول مكة وأنتم على شوق للبيت ومعكم الهدي تسوقونه للبيت. والهدي دليل السلام، وأنكم ما جئتم للحرب، بل لعمل ديني تعبدي {وَٱلْهَدْيَ مَعْكُوفاً أَن يَبْلُغَ مَحِلَّهُ ..} [الفتح: 25] الهدي ما يُهدى لفقراء الحرم من الأنعام {مَعْكُوفاً ..} [الفتح: 25] مقيداً ومحبوساً لهذا الغرض و{مَحِلَّهُ ..} [الفتح: 25] أي: المكان الذي يُذبح فيه. ثم يكشف لنا عن واقع أهل مكة في هذا الوقت، ففي مكة إخوان لكم مُسلمون يكتمون إسلامهم، بين الكفار هناك مؤمنون ومؤمنات لا تعرفونهم، فلو تواجهتم معهم في حرب لقتلتموهم، وأنتم لا تعلمون هذه الحقيقة. {فَتُصِيبَكُمْ مِّنْهُمْ مَّعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ ..} [الفتح: 25] معرة يعني ضرر وتكون سُبَّة في حقكم أنكم قتلتم إخوانكم. {لَوْ تَزَيَّلُواْ ..} [الفتح: 25] تفرقوا وتميَّزوا المؤمن من الكافر {لَعَذَّبْنَا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَاباً أَلِيماً} [الفتح: 25] يعني: عذّبناهم بأيديكم وسمحنا لكم في قتالهم.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {فَتُصِيبَكُمْ مِّنْهُمْ مَّعَرَّةٌ} معناه جِنايةٌ وَشَرٌ. وقوله تعالى: {تَزَيَّلُواْ} معناه امتازوا.

همام الصنعاني

تفسير : 2908- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله تعالى: {لَوْ تَزَيَّلُواْ لَعَذَّبْنَا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَاباً أَلِيماً}: [الآية: 25]، قال: القتل والسباء. 2909- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، أنّ (المقداد بن الأسود) قال يوم الحديبية: لَمَّا حَالَ المشركون بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين البيت، قال: واللهِ يا رسول الله لا نقول كما قالت بنو إسرائيل [لموسى]: {أية : فَٱذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلاۤ}تفسير : : [المائدة: 24]، ولكن نقول لك: اذهب أنت وربك فقاتِلا إنا معكم مقاتلون.