٤٨ - ٱلْفَتْح
48 - Al-Fath (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
27
Tafseer
الرازي
تفسير : بيان لفساد ما قاله المنافقون بعد إنزال الله السكينة على رسوله وعلى المؤمنين ووقوفهم عند ما أمروا به من عدم الإقبال على القتال وذلك قولهم ما دخلنا المسجد الحرام ولا حلقنا ولا قصرنا حيث كان النبي صلى الله عليه وسلم رأى في منامه أن المؤمنين يدخلون مكة ويتمون الحج ولم يعين له وقتاً فقص رؤياه على المؤمنين، فقطعوا بأن الأمر كما رأى النبي صلى الله عليه وسلم في منامه وظنوا أن الدخول يكون عام الحديبية، والله أعلم أنه لا يكون إلا عام الفتح فلما صالحوا ورجعوا قال المنافقون استهزاء ما دخلنا ولا حلقنا فقال تعالى: {لَّقَدْ صَدَقَ ٱللَّهُ رَسُولَهُ ٱلرُّؤْيَا بِٱلْحَقِّ } وتعدية صدق إلى مفعولين يحتمل أن يكون بنفسه، وكونه من الأفعال التي تتعدى إلى المفعولين ككلمة جعل وخلق، ويحتمل أن يقال عدى إلى الرؤيا بحرف تقديره صدق الله رسوله في الرؤيا، وعلى الأول معناه جعلها واقعة بين صدق وعده إذ وقع الموعود به وأتى به، وعلى الثاني معناه ما أراه الله لم يكذب فيه، وعلى هذا فيحتمل أن يكون رأى في منامه أن الله تعالى يقول ستدخلون المسجد الحرام فيكون قوله {صَدَقَ } ظاهراً لأن استعمال الصدق في الكلام ظاهر، ويحتمل أن يكون عليه الصلاة والسلام رأى أنه يدخل المسجد فيكون قوله {صَدَقَ ٱللَّهُ } معناه أنه أتى بما يحقق المنام ويدل على كونه صادقاً يقال صدقني سن بكره مثلاً وفيما إذا حقق الأمر الذي يريه من نفسه، مأخوذ من الإبل إذا قيل له هدع سكن فحقق كونه من صغار الإبل، فإن هدع كلمة يسكن بها صغار الإبل وقوله تعالى: {بِٱلْحَقّ } قال الزمخشري هو حال أو قسم أو صفة صدق، وعلى كونه حال تقديره صدقه الرؤيا ملتبسة بالحق وعلى تقدير كونه صفة تقديره صدقه صدقاً ملتبساً بالحق وعلى تقدير كونه قسماً، إما أن يكون قسماً بالله فإن الحق من أسمائه، وإما أن يكون قسماً بالحق الذي هو نقيض الباطل هذا ما قاله، ويحتمل أن يقال (إن) فيه وجهين آخرين: أحدهما: أن يقال فيه تقديم تأخير تقديره: صدق الله رسوله بالحق الرؤيا، أي الرسول الذي هو رسول بالحق وفيه إشارة إلى امتناع الكذب في الرؤيا لأنه لما كان رسولاً بالحق فلا يرى في منامه الباطل والثاني: أن يقال بأن قوله {لَتَدْخُلُنَّ ٱلْمَسْجِدَ ٱلْحَرَامَ } إن قلنا بأن الحق قسم فأمر اللام ظاهر، وإن لم يقل به فتقديره: لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق، والله لتدخلن، وقوله: والله لتدخلن، جاز أن يكون تفسيراً للرؤيا يعني الرؤيا هي: والله لتدخلن، وعلى هذا تبين أن قوله {صَدَقَ ٱللَّهُ } كان في الكلام لأن الرؤيا كانت كلاماً، ويحتمل أن يكون تحقيقاً لقوله تعالى: {صَدَقَ ٱللَّهُ رَسُولَهُ } يعني والله ليقعن الدخول وليظهرن الصدق فلتدخلن ابتداء كلام وقوله تعالى: {إِن شَاءَ ٱللَّهُ } فيه وجوه أحدها: أنه ذكره تعليماً للعباد الأدب وتأكيداً لقوله تعالى: {أية : وَلاَ تَقْولَنَّ لِشَيْءٍ إِنّي فَاعِلٌ ذٰلِكَ غَداً * إِلاَّ أَن يَشَاء ٱللَّهُ } تفسير : [الكهف: 23، 24] الثاني: هو أن الدخول لما لم يقع عام الحديبية، وكان المؤمنون يريدون الدخول ويأبون الصلح قال: {لَتَدْخُلُنَّ } ولكن لا بجلادتكم ولا بإرادتكم، إنما تدخلون بمشيئة الله تعالى الثالث: هو أن الله تعالى لما قال في الوحي المنزل على النبي صلى الله عليه وسلم {لَتَدْخُلُنَّ } ذكر أنه بمشيئة الله تعالى، لأن ذلك من الله وعد ليس عليه دين، ولا حق واجب، ومن وعد بشيء لا يحققه إلا بمشيئة الله تعالى وإلا فلا يلزمه به أحد، وإذا كان هذا حال الموعود به في الوحي المنزّل صريحاً في اليقظة فما ظنكم بالوحي بالمنام وهو يحتمل التأويل أكثر مما يحتمله الكلام، فإذا تأخر الدخول لم يستهزئون؟ الرابع: هو أن ذلك تحقيقاً للدخول وذلك لأن أهل مكة قالوا لا تدخلوها إلا بإرادتنا ولا نريد دخولكم في هذه السنة، ونختار دخولكم في السنة القابلة، والمؤمنون أرادوا الدخول في عامهم ولم يقع. فكان لقائل أن يقول بقي الأمر موقوفاً على مشيئة أهل مكة إن أرادوا في السنة الآتية يتركوننا ندخلها وإن كرهوا لا ندخلها فقال لا تشترط إرادتهم ومشيئتهم، بل تمام الشرط بمشيئة الله، وقوله {مُحَلّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لاَ تَخَـٰفُونَ } إشارة إلى أنكم تتمون الحج من أوله إلى آخره، فقوله {لَتَدْخُلُنَّ } إشارة إلى الأول وقوله {مُحَلِّقِينَ } إشارة إلى الآخر، وفيه مسألتان: المسألة الأولى: {مُحَلّقِينَ } حال الداخلين والداخل لا يكون الآن محرماً، والمحرم لا يكون محلقاً، فقوله {ءَامِنِينَ } ينبىء عن الدوام فيه إلى الحلق فكأنه قال: تدخلونها آمنين متمكنين من أن تتموا الحج محلقين. المسألة الثانية: قوله تعالى: {لاَ تَخَـٰفُونَ } أيضاً حال معناه غير خائفين، وذلك حصل بقوله تعالى: {ءَامِنِينَ } فما الفائدة في إعادتها؟ نقول: فيه بيان كمال الأمن، وذلك لأن بعد الحلق يخرج الإنسان عن الإحرام فلا يحرم عليه القتال، وكان عند أهل مكة يحرم قتال من أحرم ومن دخل الحرم فقال: تدخلون آمنين، وتحلقون، ويبقى أمنكم بعد خروجكم عن الإحرام، وقوله تعالى: {فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُواْ } أي من المصلحة وكون دخولكم في سنتكم سبباً لوطء المؤمنين والمؤمنات أو {فَعَلِمَ } للتعقيب، {فَعَلِمَ } وقع عقيب ماذا؟ نقول إن قلنا المراد من {فَعَلِمَ } وقت الدخول فهو عقيب صدق، وإن قلنا المراد {فَعَلِمَ } المصلحة فالمعنى علم الوقوع والشهادة لا علم الغيب، والتقدير يعني حصلت المصلحة في العام القابل {فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُواْ } من المصلحة المتجددة {فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَلِكَ فَتْحاً قَرِيباً } إما صلح الحديبية، وإما فتح خيبر، وقد ذكرناه وقوله تعالى: {وَكَانَ ٱللَّهُ بِكُلّ شَيْءٍ عَلِيماً } يدفع وهم حدوث علمه من قوله {فَعَلِمَ } وذلك لأن قوله {وَكَانَ ٱللَّهُ بِكُلّ شَيْءٍ عَلِيماً } يفيد سبق علمه العام لكل علم محدث.
القرطبي
تفسير : قال قتادة: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى في المنام أنه يدخل مكة على هذه الصفة؛ فلما صالح قريشاً بالحُدَيْبِيَة ارتاب المنافقون حتى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنه يدخل مكة؛ فأنزل الله تعالى: {لَّقَدْ صَدَقَ ٱللَّهُ رَسُولَهُ ٱلرُّؤْيَا بِٱلْحَقِّ} فأعلمهم أنهم سيدخلون في غير ذلك العام، وأن رؤياه صلى الله عليه وسلم حق. وقيل: إن أبا بكر هو الذي قال إن المنام لم يكن مؤقتاً بوقت، وأنه سيدخل. وروي أن الرؤيا كانت بالحديبية، وأنّ رؤيا الأنبياء حق. والرؤيا أحد وجوه الوحي إلى الأنبياء. {لَتَدْخُلُنَّ} أي في العام القابل {ٱلْمَسْجِدَ ٱلْحَرَامَ إِن شَآءَ ٱللَّهُ} قال ٱبن كيسان: إنه حكاية ما قيل للنبي صلى الله عليه وسلم في منامه؛ خوطب في منامه بما جرت به العادة؛ فأخبر الله عن رسوله أنه قال ذلك ولهذا استثنى؛ تأدّب بأدب الله تعالى حيث قال تعالى: {أية : وَلاَ تَقْولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذٰلِكَ غَداً إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ} تفسير : [الكهف:23]. وقيل: خاطب الله العباد بما يحب أن يقولوه، كما قال: «وَلاَ تَقُولَنَّ لِشَيءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَداً إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ». وقيل: استثنى فيما يعلم ليستثني الخلق فيما لا يعلمون، قاله ثعلب. وقيل: كان الله علم أنه يميت بعض هؤلاء الذين كانوا معه بالحديبية فوقع الاستثناء لهذا المعنى، قاله الحسين بن الفضل. وقيل: الاستثناء من «آمِنِينَ»، وذلك راجع إلى مخاطبة العباد على ما جرت به العادة. وقيل: معنى «إِنْ شَاءَ اللَّهُ» إن أمركم الله بالدخول. وقيل: أي إن سهل الله. وقيل: «إِنْ شَاءَ اللَّهُ» أي كما شَاء الله. وقال أبو عبيدة: «إِنْ» بمعنى «إذ» أي إذ شاء الله، كقوله تعالى: {أية : ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ ٱلرِّبَا إِن كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ }تفسير : [البقرة: 278] أي إذ كنتم. وفيه بعد، لأن «إذ» في الماضي من الفعل، و «إذا» في المستقبل، وهذا الدخول في المستقبل، فوعدهم دخول المسجد الحرام وعلّقه بشرط المشيئة، وذلك عام الحديبية؛ فأخبر أصحابه بذلك فاستبشروا؛ ثم تأخر ذلك عن العام الذي طمعوا فيه فساءهم ذلك واشتدّ عليهم وصالحهم ورجع؛ ثم أذن الله في العام المقبل فأنزل الله: {لَّقَدْ صَدَقَ ٱللَّهُ رَسُولَهُ ٱلرُّؤْيَا بِٱلْحَقِّ}. وإنما قيل له في المنام: {لَتَدْخُلُنَّ ٱلْمَسْجِدَ ٱلْحَرَامَ إِن شَآءَ ٱللَّهُ} فحكى في التنزيل ما قيل له في المنام؛ فليس هنا شك كما زعم بعضهم أن الاستثناء يدل على الشك، والله تعالى لا يشك، و «لَتَدْخُلُنَّ» تحقيق فكيف يكون شك. فـ «ـإن» بمعنى «إذا». {آمِنِينَ} أي من العدوّ. {مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ} والتحليق والتقصير جميعاً للرجال، ولذلك غلب المذكر على المؤنث. والحلق أفضل، وليس للنساء إلا التقصير. وقد مضى القول في هذا في «البقرة». وفي الصحيح أن معاوية أخذ من شعر النبي صلى الله عليه وسلم على المَرْوَة بمِشْقَص. وهذا كان في العمرة لا في الحج، لأن النبي صلى الله عليه وسلم حلق في حجته. {لاَ تَخَافُونَ} حال من المحلقين والمقصِّرين، والتقدير: غير خائفين. {فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُواْ} أي علم ما في تأخير الدخول من الخير والصلاح ما لم تعلموه أنتم. وذلك أنه عليه السلام لما رجع مضى منها إلى خَيْبر فافتتحها، ورجع بأموال خيبر وأخذ من العدة والقوة أضعاف ما كان فيه في ذلك العام، وأقبل إلى مكة على أهبة وقوّة وعُدَّة بأضعاف ذلك. وقال الكلبي: أي علم أن دخولها إلى سنة ولم تعلموه أنتم. وقيل: علم أن بمكة رجالاً مؤمنين ونساء مؤمنات لم تعلموهم. {فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَلِكَ فَتْحاً قَرِيباً} أي من دون رؤيا النبي صلى الله عليه وسلم فتح خيبر؛ قاله ٱبن زيد والضحاك. وقيل فتح مكة. وقال مجاهد: هو صلح الحديبية؛ وقاله أكثر المفسرين. قال الزهري: ما فتح الله في الإسلام كان أعظم من صلح الحديبية؛ لأنه إنما كان القتال حين تلتقي الناس، فلما كانت الهدنة وضعت الحرب أوزارها وأمن الناس بعضهم بعضاً؛ فالتقوا وتفاوضوا الحديث والمناظرة. فلم يُكَلَّم أحد بالإسلام يعقل شيئاً إلا دخل فيه، فلقد دخل في تينك السنتين في الإسلام مثلُ ما كان في الإسلام قبل ذلك وأكثر. يدلّك على ذلك أنهم كانوا سنة ستٍّ يوم الحديبية ألفاً وأربعمائة، وكانوا بعد عام الحديبية سنة ثمان في عشرة آلاف.
ابن كثير
تفسير : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد رأى في المنام أنه دخل مكة وطاف بالبيت، فأخبر أصحابه بذلك وهو بالمدينة، فلما ساروا عام الحديبية، لم يشك جماعة منهم أن هذه الرؤيا تتفسر هذا العام، فلما وقع ما وقع من قضية الصلح، ورجعوا عامهم ذلك على أن يعودوا من قابل، وقع في نفس بعض الصحابة رضي الله عنهم من ذلك شيء، حتى سأل عمر بن الخطاب رضي الله عنه في ذلك، فقال له فيما قال: أفلم تكن تخبرنا أنا سنأتي البيت، ونطوف به؟ قال: «حديث : بلى أفأخبرتك أنك تأتيه عامك هذا؟» تفسير : قال: لا، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : فإنك آتيه ومطوف به» تفسير : وبهذا أجاب الصديق رضي الله عنه أيضاً حذو القذة بالقذة، ولهذا قال تبارك وتعالى: {لَّقَدْ صَدَقَ ٱللَّهُ رَسُولَهُ ٱلرُّؤْيَا بِٱلْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ ٱلْمَسْجِدَ ٱلْحَرَامَ إِن شَآءَ ٱللَّهُ} هذا لتحقيق الخبر وتوكيده، وليس هذا من الاستثناء في شيء. وقوله عز وجل: {ءَامِنِينَ} أي في حال دخولكم. وقوله: {مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ} حال مقدرة؛ لأنهم في حال دخولهم لم يكونوا محلقين ومقصرين، وإنما كان هذا في ثاني الحال. كان منهم من حلق رأسه، ومنهم من قصره. وثبت في الصحيحين: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : رحم الله المحلقين» تفسير : قالوا: والمقصرين يا رسول الله؟ قال صلى الله عليه وسلم: «حديث : رحم الله المحلقين»تفسير : قالوا: والمقصرين يا رسول الله؟ قال صلى الله عليه وسلم: «حديث : رحم الله المحلقين» تفسير : قالوا: والمقصرين يا رسول الله؟ قال صلى الله عليه وسلم: «حديث : والمقصرين» تفسير : في الثالثة أو الرابعة. وقوله سبحانه وتعالى: {لاَ تَخَـٰفُونَ} حال مؤكدة في المعنى، فأثبت لهم الأمن حال الدخول، ونفى عنهم الخوف حال استقرارهم في البلد، لا يخافون من أحد، وهذا كان في عمرة القضاء في ذي القعدة سنة سبع، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لما رجع من الحديبية في ذي القعدة، رجع إلى المدينة، فأقام بها ذا الحجة والمحرم وخرج في صفر إلى خيبر، ففتحها الله عليه، بعضها عنوة، وبعضها صلحاً، وهي إقليم عظيم كثير النخل والزروع، فاستخدم من فيها من اليهود عليها على الشطر، وقسمها بين أهل الحديبية وحدهم، ولم يشهدها أحد غيرهم، إلا الذين قدموا من الحبشة: جعفر ابن أبي طالب وأصحابه، وأبو موسى الأشعري وأصحابه رضي الله عنهم، ولم يغب منهم أحد، قال ابن زيد: إلا أبا دجانة سماك بن خرشة؛ كما هو مقرر في موضعه، ثم رجع إلى المدينة. فلما كان في ذي القعدة من سنة سبع، خرج صلى الله عليه وسلم إلى مكة معتمراً هو وأهل الحديبية، فأحرم من ذي الحليفة، وساق معه الهدي، قيل: كان ستين بدنة، فلبى وسار أصحابه يلبون. فلما كان صلى الله عليه وسلم قريباً من مر الظهران، بعث محمد بن مسلمة بالخيل والسلاح أمامه. فلما رآه المشركون رعبوا رعباً شديداً، وظنوا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يغزوهم، وأنه قد نكث العهد الذي بينهم وبينه من وضع القتال عشر سنين، فذهبوا فأخبروا أهل مكة، فلما جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزل بمر الظهران حيث ينظر إلى أنصاب الحرم، بعث السلاح من القسي والنبل والرماح إلى بطن يأجج، وسار إلى مكة بالسيوف مغمدة في قربها كما شارطهم عليه. فلما كان في أثناء الطريق بعثت قريش مكرز بن حفص فقال: يا محمد ما عرفناك تنقض العهد، فقال صلى الله عليه وسلم: «حديث : وما ذاك؟» تفسير : قال: دخلت علينا بالسلاح والقسي والرماح، فقال صلى الله عليه وسلم: «حديث : لم يكن ذلك، وقد بعثنا به إلى يأجج»تفسير : . فقال: بهذا عرفناك بالبر والوفاء، وخرجت رؤوس الكفار من مكة لئلا ينظروا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلى أصحابه رضي الله عنهم غيظاً وحنقاً. وأما بقية أهل مكة من الرجال والنساء والولدان، فجلسوا في الطرق وعلى البيوت ينظرون إلى رسول الله وأصحابه، فدخلها عليه الصلاة والسلام وبين يديه أصحابه يلبون، والهدي قد بعثه إلى ذي طوى وهو راكب ناقته القصواء التي كان راكبها يوم الحديبية، وعبد الله بن رواحة الأنصاري آخذ بزمام ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم يقودها، وهو يقول:شعر : باسم الذي لا دينَ إلا دينُهْ باسمِ الذي مُحَمَّدٌ رسولُهْ خَلُّوا بني الكُفَّارِ عن سبيلِهْ اليومَ نضربُكُمْ على تأويلِهْ كما ضربْناكُمْ على تنزيلِهْ ضرباً يُزيلُ الهامَ عن مَقيلِهْ ويُذْهِلُ الخليلَ عن خليلِهْ قد أنزلَ الرحمنُ في تنزيلِهْ في صُحُفٍ تُتْلى على رسولِهْ بأنَّ خيرَ القَتْل في سبيلِهْ يا رب إني مؤمن بقيله تفسير : فهذا مجموع من روايات متفرقة. قال يونس بن بكير عن محمد بن إسحاق: حدثني عبد الله بن أبي بكر ابن حزم قال: لما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة في عمرة القضاء، دخلها وعبد الله بن رواحة رضي الله عنه آخذ بخطام ناقته صلى الله عليه وسلم وهو يقول:شعر : خَلُّوا بني الكُفَّار عن سبيلِهْ إني شَهيدٌ أَنَّهُ رسولُهْ خَلُّوا فكلُّ الخيرِ في رسولِهْ يا ربِّ إني مؤمنٌ بِقِيْلِهْ نحنُ قَتَلْناكُم على تأويلِهْ كما قتلناكُمْ على تنزيلِهْ ضَرْباً يزيلُ الهامَ عن مقيلِهْ ويذهلُ الخليلَ عن خليلِهْ تفسير : وقال عبد الرزاق: حدثنا معمر عن الزهري عن أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: لما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة في عمرة القضاء، مشى عبد الله بن رواحة رضي الله عنه بين يديه، وفي رواية: وابن رواحة آخذ بغرزه، وهو رضي الله عنه يقول:شعر : خَلُّوا بَني الكُفَّارِ عنْ سبيلِهْ قد نَزَّلَ الرَّحْمٰنُ في تنزيلِهْ بأنَّ خيرَ القَتْلِ في سبيلِهْ يا ربِّ إني مؤمنٌ بقيلِهْ نحنُ قتلناكُمْ على تأويلِهْ كما قتلناكُمْ على تنزيلِهْ اليومَ نضربُكُم على تأويلِهْ ضرباً يزيلُ الهامَ عن مقيلِهْ ويُذْهِلُ الخَليلَ عن خليلِهْ تفسير : وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن الصباح، حدثنا إسماعيل، يعني: ابن زكريا، عن عبد الله، يعني: ابن عثمان، عن أبي الطفيل عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نزل مر الظهران في عمرته بلغ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن قريشاً تقول: ما يتباعثون من العجف، فقال أصحابه: لو انتحرنا من ظهرنا، فأكلنا من لحمه وحسونا من مرقه أصبحنا غداً حين ندخل على القوم وبنا جمامة. قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا تفعلوا، ولكن اجمعوا لي من أزوادكم"تفسير : ، فجمعوا له، وبسطوا الأنطاع، فأكلوا حتى تركوا وحثا كل واحد منهم في جرابه، ثم أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى دخل المسجد، وقعدت قريش نحو الحجر، فاضطبع صلى الله عليه وسلم بردائه ثم قال: «حديث : لا يرى القوم فيكم غميرة» تفسير : فاستلم الركن ثم رمل حتى إذا تغيب بالركن اليماني، مشى إلى الركن الأسود، فقالت قريش: ما ترضون بالمشي، أما إنكم لتنقزون نقز الظباء، ففعل ذلك ثلاثة أشواط، فكانت سنة. قال أبو الطفيل: فأخبرني ابن عباس رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل ذلك في حجة الوداع. وقال أحمد أيضاً: حدثنا يونس بن محمد، حدثنا حماد بن زيد، حدثنا أيوب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه مكة وقد وهنتهم حمى يثرب ولقوا منها سوءاً، فقال المشركون: إنه يقدم عليكم قوم قد وهنتهم حمى يثرب، ولقوا منها شراً، وجلس المشركون من الناحية التي تلي الحجر، فأطلع الله نبيه صلى الله عليه وسلم على ما قالوا، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه أن يرملوا الأشواط الثلاثة ليرى المشركون جلدهم، قال: فرملوا ثلاثة أشواط، وأمرهم أن يمشوا بين الركنين حيث لا يراهم المشركون، ولم يمنع النبي صلى الله عليه وسلم أن يرملوا الأشواط كلها إلا الإبقاء عليهم. فقال المشركون: أهؤلاء الذين زعمتم أن الحمى قد وهنتهم؟ هؤلاء أجلد من كذا وكذا. أخرجاه في الصحيحين من حديث حماد بن زيد به. وفي لفظ: قدم النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم صبيحة رابعة، يعني: من ذي القعدة، فقال المشركون: إنه يقدم عليكم وفد قد وهنتهم حمى يثرب، فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يرملوا الأشواط الثلاثة، ولم يمنعه أن يأمرهم أن يرملوا الأشواط كلها إلا الإبقاء عليهم. قال البخاري: وزاد ابن سلمة، يعني: حماد بن سلمة، عن أيوب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم لعامه الذي استأمن، قال: «حديث : ارملوا» تفسير : ، ليري المشركين قوتهم والمشركون من قبل قعيقعان، وحدثنا محمد، حدثنا سفيان بن عيينة عن عمرو ابن دينار عن عطاء عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: إنما سعى النبي صلى الله عليه وسلم بالبيت وبالصفا والمروة ليرى المشركون قوته. ورواه في مواضع أخر، ومسلم والنسائي من طرق عن سفيان بن عيينه به. وقال أيضاً: حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا سفيان، حدثنا إسماعيل بن أبي خالد: أنه سمع ابن أبي أوفى يقول: لما اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم سترناه من غلمان المشركين ومنهم أن يؤذوا رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ انفرد به البخاري دون مسلم، وقال البخاري أيضاً: حدثنا محمد بن رافع، حدثنا سريج بن النعمان حدثنا فليح، وحدثني محمد بن الحسين بن إبراهيم حدثنا أبي حدثنا فليح بن سليمان عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج معتمراً، فحال كفار قريش بينه وبين البيت، فنحر هديه وحلق رأسه بالحديبية، وقاضاهم على أن يعتمر العام المقبل، ولا يحمل سلاحاً عليهم إلا سيوفاً ولا يقيم بها إلا ما أحبوا. فاعتمر صلى الله عليه وسلم من العام المقبل، فدخلها كما كان صالحهم، فلما أن أقام بها ثلاثاً، أمروه أن يخرج، فخرج صلى الله عليه وسلم وهو في صحيح مسلم أيضاً. وقال البخاري أيضاً: حدثنا عبيد الله بن موسى عن إسرائيل عن أبي إسحاق عن البراء رضي الله عنه قال: اعتمر النبي صلى الله عليه وسلم في ذي القعدة، فأبى أهل مكة أن يدعوه يدخل مكة، حتى قاضاهم على أن يقيموا بها ثلاثة أيام، فلما كتبوا الكتاب كتبوا: هذا ما قاضانا عليه محمد رسول الله، قالوا: لا نقر بهذا، ولو نعلم أنك رسول الله ما منعناك شيئاً، ولكن أنت محمد بن عبد الله. قال صلى الله عليه وسلم: «حديث : أنا رسول الله، وأنا محمد بن عبد الله» تفسير : ثم قال صلى الله عليه وسلم لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه: «حديث : امح رسول الله» تفسير : قال رضي الله عنه: لا والله لا أمحوك أبداً، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم الكتاب، وليس يحسن يكتب، فكتب: «حديث : هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد الله أن لا يدخل مكة بالسلاح إلا بالسيف في القراب، وأن لا يخرج من أهلها بأحد أراد أن يتبعه، وأن لا يمنع من أصحابه أحداً إن أراد أن يقيم بها»تفسير : فلما دخلها، ومضى الأجل، أتوا علياً فقالوا: قل لصاحبك: اخرج عنا، فقد مضى الأجل، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم فتبعته ابنة حمزة رضي الله عنه تنادي: يا عم يا عم فتناولها علي رضي الله عنه فأخذ بيدها، وقال لفاطمة رضي الله عنها: دونك ابنة عمك فحملتها، فاختصم فيها علي وزيد وجعفر رضي الله عنهم، فقال علي رضي الله عنه: أنا أخذتها وهي ابنة عمي. وقال جعفر رضي الله عنه: ابنة عمي، وخالتها تحتي، وقال زيد رضي الله عنه: ابنة أخي، فقضى بها النبي صلى الله عليه وسلم لخالتها، وقال: «حديث : الخالة بمنزلة الأم» تفسير : وقال لعلي رضي الله عنه: «حديث : أنت مني وأنا منك» تفسير : وقال لجعفر رضي الله عنه: «حديث : أشبهت خلقي وخلقي» تفسير : وقال صلى الله عليه وسلم لزيد رضي الله عنه: «حديث : أنت أخونا ومولانا» تفسير : قال علي رضي الله عنه: ألا تتزوج ابنة حمزة رضي الله عنه؟ قال صلى الله عليه وسلم «حديث : إنها ابنة أخي من الرضاعة» تفسير : تفرد به من هذا الوجه. وقوله تعالى: {فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُواْ فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَلِكَ فَتْحاً قَرِيباً} أي فعلم الله عز وجل من الخيرة والمصلحة في صرفكم عن مكة ودخولكم إليها عامكم ذلك ما لم تعلموا أنتم {فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَلِكَ} أي قبل دخولكم الذي وعدتم به في رؤيا النبي صلى الله عليه وسلم فتحاً قريباً، وهو الصلح الذي كان بينكم وبين أعدائكم من المشركين، ثم قال تبارك وتعالى مبشراً للمؤمنين بنصرة الرسول صلى الله عليه وسلم على عدوه، وعلى سائر أهل الأرض: {هُوَ ٱلَّذِيۤ أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِٱلْهُدَىٰ وَدِينِ ٱلْحَقِّ} أي بالعلم النافع، والعمل الصالح، فإن الشريعة تشتمل على شيئين: علم وعمل، فالعلم الشرعي صحيح، والعمل الشرعي مقبول، فإخباراتها حق، وإنشاءاتها عدل {لِيُظْهِرَهُ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِ} أي على أهل جميع الأديان؛ من سائر الأرض من عرب وعجم ومليين ومشركين {وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيداً} أي إنه رسوله وهو ناصره، والله سبحانه وتعالى أعلم.
المحلي و السيوطي
تفسير : {لَّقَدْ صَدَقَ ٱللَّهُ رَسُولَهُ ٱلرُّؤْيَا بِٱلْحَقّ } رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم في النوم عام الحديبية قبل خروجه أنه يدخل مكة هو وأصحابه آمنين ويحلقون ويقصرون فأخبر بذلك أصحابه ففرحوا فلما خرجوا معه وصدهم الكفار بالحديبية ورجعوا وشق عليهم ذلك وراب بعض المنافقين نزلت.وقوله «بالحق» متعلق بصدق أو حال من الرؤيا وما بعدها تفسيرها {لَتَدْخُلُنَّ ٱلْمَسْجِدَ ٱلْحَرَامَ إِن شَاءَ ٱللَّهُ } للتبرك {ءَامِنِينَ مُحَلّقِينَ رُءُوسَكُمْ} أي جميع شعورها {وَمُقَصِّرِينَ } بعض شعورها، وهما حالان مقدّرتان {لاَ تَخَٰفُونَ } أبداً {فَعَلِمَ } في الصلح {مَّا لَمْ تَعْلَمُواْ } من الصلاح {فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَلِكَ } أي الدخول {فَتْحاً قَرِيباً } هو فتح خيبر وتحققت الرؤيا في العام القابل.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاءَ اللَّهُ ءَامِنينَ مُحَلِّقينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ} قال قتادة: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، رأى في المنام، أنه يدخل مكة على هذه الصفة، فلما صالح قريشاً بالحديبية، ارتاب المنافقون، حتى قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : فَمَا رَأَيْتُ فِي هذَا العَامِ " تفسير : ثم قال: {فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُواْ} فيه قولان: أحدهما: علم أن دخولها إلى سنة ولم تعلموه أنتم، قاله الكلبي. الثاني: علم أن بمكة رجالاً مؤمنين ونساء مؤمنات لم تعلموهم؛ الآية. ثُمَّ قَالَ: {فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَلِكَ فَتْحاً قَرِيباً} فيه قولان: أحدهما: أنه الصلح الذي جرى بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وقريش بالحديبية، قاله مجاهد. الثاني: فتح مكة، قاله ابن زيد والضحاك. وفي قوله: {لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَآءَ اللَّهُ} ثلاثة أوجه: أحدها: أنه خارج مخرج الشرط والاستثناء. الثاني: أنه ليس بشرط وإنما خرج مخرج الحكاية على عادة أهل الدين، ومعناه لتدخلونه بمشيئة الله. الثالث: إن شاء الله في دخول جميعكم أو بعضكم، ولأنه علم أن بعضهم يموت.
ابن عطية
تفسير : روي في تفسير هذه الآية، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى في منامه عند خروجه إلى العمرة أنه يطوف بالبيت هو وأصحابه، بعضهم محلقون وبعضهم مقصرون. وقال مجاهد: أرى ذلك بالحديبية، فأخبر الناس بهذه {الرؤيا}، ووثق الجميع بأن ذلك يكون في وجهتهم تلك، وقد كان سبق في علم الله تعالى أن ذلك يكون. لكن ليس في تلك الجهة. وروي أن رؤياه إنما كانت أن ملكاً جاءه فقال له: {لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رؤوسكم ومقصرين}، وإنه بهذا أعلم الناس فلما قضى الله في الحديبية بأمر الصلح، وأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصد، وقال المنافقون: وأين الرؤيا؟ ووقع في نفوس المسلمين شيء من ذلك، فأنزل الله تعالى: {لقد صدق الله ورسوله الرؤيا بالحق}. و: {صدق} هذه تتعدى إلى مفعولين، تقول صدقت زيداً الحديث. واللام في: {لتدخلن} لام القسم الذي تقتضيه {صدق} لأنها من قبيل تبين وتحقق، ونحوها مما يعطي القسم. واختلف الناس في معنى الاستثناء في هذه الآية، فقال بعض المتأولين هو استثناء من الملك المخبر للنبي عليه السلام في نومه، فذكر الله تعالى مقالته كما وقعت، وقال آخرون هو أخذ من الله تعالى عباده بأدبه في استعماله في كل فعل يوجب وقوعه، كان ذلك مما يكون ولا بد، أو كان مما قد يكون وقد لا يكون، وقال بعض العلماء: إنما استثنى من حيث كل واحد من الناس متى رد هذا الوعد إلى نفسه أمكن أن يتم الوعد فيه وأن لا يتم، إذ قد يموت الإنسان أو يمرض أو يغيب، وكل واحد في ذاته محتاج إلى الاستثناء، فلذلك استثنى عز وجل في الجملة، إذ فيهم ولا بد من يموت أو يمرض. وقال آخرون: استثنى لأجل قوله: {آمنين} لأجل إعلامه بالدخول، فكأن الاستثناء مؤخر عن موضعه، ولا فرق بين الاستثناء من أجل الأمن أو من أجل الدخول، لأن الله تعالى قد أخبر بهما ووقت الثقة بالأمرين، فالاستثناء من أيهما كان فهو استثناء من واجب. وقال قوم: {إن} بمعنى إذ فكأنه قال: إذ شاء الله. قال القاضي أبو محمد: وهذا حسن في معناه، ولكن كون {إن} بمعنى إذ غير موجود في لسان العرب، وللناس بعد في هذا الاستثناء أقوال مخلطة غير هذه، اختصرت ذكرها، لأنها لا طائل فيها. وقرأ ابن مسعود: "إن شاء الله لا تخافون" بدل {آمنين}. ولما نزلت هذه الآية، علم المسلمون أن تلك الرؤيا فيما يستأنفون من الزمن، واطمأنت قلوبهم بذلك وسكنت، وخرجت في العام المقبل، خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة في ذي القعدة سنة سبع، ودخلها ثلاثة أيام هو وأصحابه، وصدقت رؤياه صلى الله عليه وسلم. وقوله: {فعلم ما لم تعلموا} يريد ما قدره من ظهور الإسلام في تلك المدة ودخول الناس فيه، وما كان أيضاً بمكة من المؤمنين دفع الله بهم. وقوله تعالى: {من دون ذلك}، أي من قبل ذلك وفيما يدنو إليكم. واختلف الناس في الفتح القريب، فقال كثير من الصحابة: هو بيعة الرضوان وروي عن مجاهد وابن إسحاق. أنه الصلح بالحديبية. وقد رويحديث : أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم: أو فتح هو يا رسول الله؟ قال: نعمتفسير : . وقال ابن زيد: الفتح القريب: خيبر حسبما تقدم من ذكر انصراف رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى فتحها. وقال قوم: الفتح القريب: فتح مكة، وهذا ضعيف، لأن فتح مكة لم يكن من دون دخول رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه مكة، بل كان بعد ذلك بعام، لأن الفتح كان سنة ثمان من الهجرة ويحسن أن يكون الفتح هنا اسم جنس يعم كل ما وقع مما للنبي صلى الله عليه وسلم فيه ظهور وفتح عليه. وقد حكى مكي في ترتيب أعوام هذه الأخبار عن قطرب قولاً خطأ جعل فيه الفتح سنة عشر، وجعل حج أبي بكر قبل الفتح، وذلك كله تخليط وخوض فيما لم يتقنه معرفة. وقوله عز وجل: {هو الذي أرسل رسوله} الآية تعظيم لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وإعلام بأنه يظهره على جميع الأديان. ورأى بعض الناس لفظة: {ليظهره} تقتضي محو غيره به، فلذلك قالوا: إن هذا الخبر يظهر للوجود عند نزول عيسى ابن مريم عليه السلام، فإنه لا يبقى في وقته غير دين الإسلام وهو قول الطبري والثعلبي. ورأى قوم أن الإظهار هو الإعلاء وإن بقي من الدين الآخر أجزاء، وهذا موجود الآن في دين الإسلام، فإنه قد عم أكثر الأرض وظهر على كل دين. وقوله تعالى: {وكفى بالله شهيداً} معناه: شاهداً، وذلك يحتمل معنيين: أحدهما شاهداً عندكم بهذا الخبر ومعلماً به. والثاني: شاهداً على هؤلاء الكفار المنكرين أمر محمد الرادين في صدره ومعاقباً لهم بحكم الشهادة، والآية على هذا وعيد للكفار الذين شاحوا في أن يكتب محمد رسول الله، فرد عليهم بهذه الآية كلها. وقوله تعالى: {محمد رسول الله} قال جمهور الناس: هو ابتداء وخبر استوفي فيه تعظيم منزلة النبي صلى الله عليه وسلم. وقوله: و {الذين معه} ابتداء وخبره: {أشداء} و {رحماء} خبر ثان. وقال قوم من المتأولين: {محمد} "ابتداء" و: {رسول الله} صفة له {والذين} عطف عليه. و: {أشداء} خبر عن الجميع. و: {رحماء} خبر بعد خبر, ففي القول الأول اختص النبي صلى الله عليه وسلم بوصفه وهؤلاء بوصفهم، وفي القول الثاني اشترك الجميع في الشدة والرحمة. قال القاضي أبو محمد: والأول عندي أرجح، لأنه خبر مضاد لقول الكفار لا نكتب محمد رسول الله. وقوله: {والذين معه} إشارة إلى جميع الصحابة عند الجمهور، وحكى الثعلبي عن ابن عباس أن الإشارة إلى من شهد الحديبية: بـ {الذين معه}. و: {أشداء} جمع شديد، أصله: أشدداء، أدغم لاجتماع المثلين. وقرأ الجمهور: "اشداءُ" "رحماءُ" بالرفع، وروى قرة عن الحسن: "أشداءَ" رحماءَ" بنصبهما قال أبو حاتم: ذلك على الحال والخبر: {تراهم}. قال أبو الفتح: وإن شئت نصبت "أشداءَ" على المدح. وقوله: {تراهم ركعاً سجداً}، أي ترى هاتين الحالتين كثيراً فيهم. و: {يبتغون} معناه يطلبون. وقرأ عمر وابن عبيد: "ورُضواناً" بضم الراء. وقوله: {سيماهم} معناه: علامتهم. واختلف الناس في تعيين هذه السيما، فقال مالك بن أنس: كانت جباههم متربة من كثرة السجود في التراب، كان يبقى على المسح أثره، وقاله عكرمة. وقال أبو العالية: يسجدون على التراب لا على الأثواب. وقال ابن عباس وخالد الحنفي وعطية: هو وعد بحالهم يوم القيامة من أن الله تعالى يجعل لهم نوراً {من أثر السجود}. قال القاضي أبو محمد: كما يجعل غرة من أثر الوضوء الحديث، ويؤيد هذا التأويل اتصال القول بقوله: {فضلاً من الله ورضواناً} كأنه قال: علامتهم في تحصيلهم الرضوان يوم القيامة: {سيماهم في وجوههم من أثر السجود}. ويحتمل أن تكون السيما بدلاً من قوله: {فضلاً}. وقال ابن عباس: السمت الحسن: هو السيما، وهو الخشوع خشوع يبدو على الوجه. قال القاضي أبو محمد: وهذه حالة مكثري الصلاة، لأنها تنهاهم عن الفحشاء والمنكر، وتقل الضحك وترد النفس بحالة تخشع معها الأعضاء. وقال الحسن بن أبي الحسن وشمر بن عطية: السيما: بياض وصفرة وبهيج يعتري الوجوه من السهر. وقال منصور: سألت مجاهداً: أهذه السيما هي الأثر يكون بين عيني الرجل؟ فقال: لا، وقد تكون مثل ركبة البعير، وهو أقسى قلباً من الحجارة. وقال عطاء بن أبي رباح والربيع بن أنس: السيما: حسن يعتري وجوه المصلين. قال القاضي أبو محمد: وذلك لأن الله تعالى يجعل لها في عين الرأي حسناً تابعاً للإجلال الذي في نفسه، ومتى أجل الإنسان أمراً حسناً عنده منظره، ومن هذا الحديث الذي في الشهاب: "حديث : من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار ". تفسير : قال القاضي أبو محمد: وهذا حديث غلط فيه ثابت بن موسى الزاهد، سمع شريك بن عبد الله يقول: حدثنا الأعمش عن أبي سفيان عن جابر ثم نزع شريك لما رأى ثابت الزاهد فقال: يعنيه من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار، فظن ثابت أن هذا الكلام متركب على السند المذكور فحدث به عن شريك. وقرأ الأعرج: "من إثْر" بسكون الثاء وكسر الهمزة. قال أبو حاتم هما بمعنى. وقرأ قتادة: "من آثار"، جمعاً. وقوله تعالى: {ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل} الآية، المثل هنا الوصف أو الصفة. وقال بعض المتأولين: التقدير الأمر {ذلك} وتم الكلام. ثم قال: {مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل كزرع}. وقال مجاهد وجماعة من المتأولين: المعنى {ذلك} الوصف هو {مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل} وتم القول، و: {كزرع} ابتداء تمثيل يختص بالقرآن. وقال الطبري وحكاه عن الضحاك المعنى: {ذلك} الوصف هو {مثلهم في التوراة} وتم القول، ثم ابتدأ {ومثلهم في الإنجيل كزرع}. وقال آخرون: المثلان جميعاً هي في التوراة وهي في الإنجيل. وقوله تعالى: {كزرع}، هو على كل الأقوال وفي أي كتاب منزل: فرض مثل للنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، في أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث وحده، فكان كالزرع حبة واحدة، ثم كثر المسلمون فهم كالشطء: وهو فراخ السنبلة التي تنبت حول الأصل، يقال: أشطأت الشجرة إذا خرجت غصونها، وأشطأ الزرع: إذا خرج شطأه. وقرأ ابن كثير وابن ذكوان عن ابن عامر: "شَطأ" بفتح الطاء والهمز دون مد، وقرأ الباقون بسكون الطاء، وقرأ عيسى بن عمر: "شطاه" بفتح الطاء دون همز، وقرأ أبو جعفر: "شطه" رمى بالهمزة وفتح الطاء، ورويت عن نافع وشيبة. وروي عن عيسى: "شطاءه" بالمد والهمز، وقرأ الجحدري: "شطوه" بالواو. قال أبو الفتح هي لغة أو بدل من الهمزة، ولا يكون الشطو إلا في البر والشعير، وهذه كلها لغات. وحكى النقاش عن ابن عباس أنه قال: الزرع: النبي صلى الله عليه وسلم، {فآزره}. علي بن أبي طالب رضي الله عنه {فاستغلظ} بأبي بكر، {فاستوى على سوقه}: بعمر بن الخطاب. وقوله تعالى: {فآزره} وزنه: أفعله، أبو الحسن ورجحه أبو علي. وقرأ ابن ذكوان عن ابن عامر: "فأزره" على وزن: فعله دون مد، ولذلك كله معنيان: أحدهما ساواه طولاً، ومنه قول امرئ القيس: [الطويل] شعر : بمحنية قد آزر الضال نبتها بجر جيوش غانمين وخيب تفسير : أي هو موضع لم يزرع فكمل نبته حتى ساوى شجر الضال، فالفاعل على هذا المعنى: الشطء والمعنى الثاني: إن آزره وأزره بمعنى: أعانه وقواه، مأخوذ ذلك من الأزر وشده، فيحتمل أن يكون الفاعل الشطء، ويحتمل أن يكون الفاعل الزرع، لأن كل واحد منهما يقوي صاحبه وقال ابن مجاهد وغيره "آزره" وزنه: فاعله، والأول أصوب أن وزنه: أفعله، ويدلك على ذلك قول الشاعر: [المنسرح] شعر : لا مال إلا العطاف تؤزره أم ثلاثين وابنة الجبل تفسير : وقرأ ابن كثير: "على سؤقه" بالهمز، وهي لغة ضعيفة، يهمزون الواو التي قبلها ضمة ومنه قول الشاعر [جرير]: شعر : وجعدة إذا أضاءهما الوقود تفسير : و: {يعجب الزراع} جملة في موضع الحال، وإذا أعجب {الزراع}، فهو أحرى أن يعجب غيرهم لأنه لا عيب فيه، إذ قد أعجب العارفين بالعيوب ولو كان معيباً لم يعجبهم، وهنا تم المثل. وقوله تعالى: {ليغيظ بهم الكفار} ابتداء كلام قبله محذوف تقديره: جعلهم الله بهذه الصفة {ليغيظ بهم الكفار}، و {الكفار} هنا المشركون. قال الحسن: من غيظ الكفار قول عمر بمكة: لا عبد الله سراً بعد اليوم. وقوله تعالى: {منهم} هي لبيان الجنس وليست للتبعيض، لأنه وعد مرجٍّ للجميع.
النسفي
تفسير : {لَّقَدْ صَدَقَ ٱللَّهُ رَسُولَهُ ٱلرُّءْيَا } أي صدقه في رؤياه ولم يكذبه تعالى الله عن الكذب فحذف الجار وأوصل الفعل كقوله: {أية : صَدَقُواْ مَا عَـٰهَدُواْ ٱللَّهَ عَلَيْهِ }تفسير : [الاحزاب: 23]. رُوي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى قبل خروجه إلى الحديبية كأنه وأصحابه قد دخلوا مكة آمنين وقد حلفوا وقصروا، فقص الرؤيا على أصحابه ففرحوا وحسبوا أنهم داخلوها في عامهم وقالوا: إن رؤيا رسول الله صلى الله عليه وسلم حق، فلما تأخر ذلك قال عبد الله بن أبيّ وغيره: والله ما حلقنا ولا قصرنا ولا رأينا المسجد الحرام فنزلت {بِٱلْحَقِّ} متعلق بـ {صَدَقَ } أي صدقه فيما رأى وفي كونه وحصوله صدقاً ملتبساً بالحق أي بالحكمة البالغة وذلك ما فيه من الابتلاء والتمييز بين المؤمن الخالص وبين من في قلبه مرض، ويجوز أن يكون بالحق قسماً إما بالحق الذي هو نقيض الباطل أو بالحق الذي هو من أسمائه، وجوابه {لَتَدْخُلُنَّ ٱلْمَسْجِدَ ٱلْحَرَامَ } وعلى الأول هو جواب قسم محذوف {إِن شَآءَ ٱللَّهُ } حكاية من الله تعالى ما قال رسوله لأصحابه وقص عليهم، أو تعليم لعباده أن يقولوا في عداتهم مثل ذلك متأدبين بأدب الله ومقتدين بسنته {ءَامِنِينَ } حال والشرط معترض {مُحَلِّقِينَ } حال من الضمير في {ءَامِنِينَ } {رُءُوسَكُمْ } أي جميع شعورها {وَمُقَصِّرِينَ } بعض شعورها {لاَ تَخَـٰفُونَ } حال مؤكدة {فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُواْ } من الحكمة في تأخير فتح مكة إلى العام القابل {فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَلِكَ } أي من دون فتح مكة {فَتْحاً قَرِيباً } وهو فتح خيبر ليستروح إليه قلوب المؤمنين إلى أن يتيسر الفتح الموعود. {هُوَ ٱلَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِٱلْهُدَىٰ } بالتوحيد {وَدِينِ ٱلْحَقِّ} أي الإسلام {لِيُظْهِرَهُ } ليعليه {عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِ} على جنس الدين يريد الأديان المختلفة من أديان المشركين وأهل الكتاب، ولقد حقق ذلك سبحانه فإنك لا ترى ديناً قط إلا وللإسلام دونه العزة والغلبة. وقيل: هو عند نزول عيسى عليه السلام حين لا يبقى على وجه الأرض كافر. وقيل: هو إظهاره بالحجج والآيات {وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيداً } على أن ما وعده كائن، وعن الحسن: شهد على نفسه أنه سيظهر دينه والتقدير وكفاه الله شهيداً و {شَهِيداً } تمييز أو حال {مُحَمَّدٌ } خبر مبتدأ أي هو محمد لتقدم قوله {هُوَ ٱلَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ } أو مبتدأ خبره {رَسُولِ ٱللَّهِ } وقف عليه نصير {وَٱلَّذِينَ مَعَهُ } أي أصحابه مبتدأ والخبر {أَشِدَّآءُ عَلَى ٱلْكُفَّارِ } أو {مُحَمَّدٌ } مبتدأ و {رَسُول ٱللَّه} عطف بيان و {ٱلَّذِينَ مَعَهُ } عطف على المبتدأ و {أَشِدَّاء } خبر عن الجميع ومعناه غلاظ {رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ } متعاطفون وهو خبر ثانٍ وهما جمعاً شديد ورحيم ونحوه {أية : أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى ٱلْكَـٰفِرِينَ }تفسير : [المائدة: 54] وبلغ من تشددهم على الكفار أنهم كانوا يتحرزون من ثيابهم أن تلزق بثيابهم، ومن أبدانهم أن تمس أبدانهم، وبلغ من ترحمهم فيما بينهم أنه كان لا يرى مؤمن مؤمناً إلا صافحه وعانقه. {تَرَٰهُمْ رُكَّعاً } راكعين {سُجَّدًا } ساجدين {يَبْتَغُونَ } حال كما أن ركعاً وسجداً كذلك {فَضْلاً مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَـٰهُمْ } علامتهم {فِى وُجُوهِهِمْ مّنْ أَثَرِ ٱلسُّجُودِ } أي من التأثير الذي يؤثره السجود. وعن عطاء: استنارت وجوههم من طول ما صلوا بالليل لقوله عليه السلام: «حديث : من كثر صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار»تفسير : {ذٰلِكَ } أي المذكور {مَثَلُهُمْ } صفتهم {فِي ٱلتَّوْرَٰةِ } وعليه وقف {وَمَثَلُهُمْ فِى ٱلإنجِيلِ } مبتدأ خبره {كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْئَهُ} فراخه. يقال: أشطأ الزرع إذا فرخ { فَأَزَرَهُ } قواه، {فَأزره} شامي {فَٱسْتَغْلَظَ } فصار من الرقة إلى الغلظ {فَٱسْتَوَىٰ عَلَىٰ سُوقِهِ } فاستقام على قصبه جمع ساق {يُعْجِبُ ٱلزُّرَّاعَ } يتعجبون من قوته. وقيل: مكتوب في الإنجيل: سيخرج قوم ينبتون نبات الزرع يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر. وعن عكرمة: أخرج شطأه بأبي بكر فآزره بعمر فاستغلظ بعثمان فاستوى على سوقه بعلي رضوان الله عليهم. وهذا مثل ضربه الله تعالى لبدء الإسلام وترقيه في الزيادة إلى أن قوي واستحكم، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قام وحده ثم قواه الله تعالى بمن آمن معه كما يقوي الطاقة الأولى من الزرع ما يحتفّ بها مما يتولد منها حتى يعجب الزراع {لِيَغِيظَ بِهِمُ ٱلْكُفَّارَ } تعليل لما دل عليه تشبيههم بالزرع من نمائهم وترقيهم في الزيادة والقوة. ويجوز أن يعلل به {وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً } لأن الكفار إذا سمعوا بما أعد لهم في الآخرة مع ما يعزهم به في الدنيا غاظهم ذلك. و «من» في {مِنْهُمْ } للبيان كما في قوله: {أية : فَٱجْتَنِبُواْ ٱلرّجْسَ مِنَ ٱلاْوْثَـٰنِ }تفسير : [الحج: 30] يعني فاجتنبوا الرجس الذي هو الأوثان، وقولك «أنفق من الدراهم» أي اجعل نفقتك هذا الجنس. وهذه الآية ترد قول الروافض إنهم كفروا بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم إذ الوعد لهم بالمغفرة والأجر العظيم إنما يكون أن لو ثبتوا على ما كانوا عليه في حياته.
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {لَّقَدْ صَدَقَ ٱللَّهُ رَسُولَهُ ٱلرُّؤْيَا بِٱلْحَقِّ...} الآية: «حديث : رُوِيَ في تفسيرها أن النبي صلى الله عليه وسلم رَأَىٰ في مَنَامِهِ عِنْدَ خُرُوجِهِ إلَى الْعُمْرَةِ أَنَّهُ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ هُوَ وَأَصْحَابُهُ، بَعْضُهُمْ مُحَلِّقُونَ، وَبَعْضُهُمْ مُقَصِّرُونَ» تفسير : وقال مجاهد: رأى ذلك بالحديبية فأخبر الناسَ بهذه الرؤيا، فَوَثِقَ الجميعُ بأَنَّ ذلك يكون في وجهتهم تلك، وقد كان سَبَقَ في علم اللَّه أنَّ ذلك يكون، لكن ليس في تلك الوجهة، فَلَمَّا صَدَّهُمْ أهلُ مَكَّةَ قال المنافقون: وأين الرؤيا؟ ووقع في نفوس بعض المسلمين شيء من ذلك، فأجابهم النبي صلى الله عليه وسلم بأَنْ قَالَ: «حديث : وَهَلْ قُلْتُ لَكُمْ: يَكُونُ ذَلِكَ فِي عَامِنَا هَذَا»تفسير : ، أَوْ كَمَا قَالَ، ونطق أبو بكر قبل ذلك بنحوه، ثم أنزل اللَّه عز وجل: {لَّقَدْ صَدَقَ ٱللَّهُ رَسُولَهُ ٱلرُّؤْيَا بِٱلْحَقِّ...} الآية، واللام في: {لَتَدْخُلُنَّ} لامُ القَسَمِ. وقوله: {إِن شَاءَ ٱللَّهُ} اخْتُلِفَ في هذا الاستثناء، فقال بعض العلماء: إنَّما استثنى من حيثُ إنَّ كل واحد من الناس متى رَدَّ هذا الوعد إلى نفسه، أمكن أَنْ يتمّ الوعد فيه وأَلاَّ يتمّ؛ إذ قد يموت الإنسان أو يمرض لحينه، فلِذلك استثنى عز وجل في الجملة؛ إذ فيهم ـــ ولا بُدَّ ـــ مَنْ يموتُ أو يمرض. * ت *: وقد وقع ذلك حسبما ذكر في السِّيَرِ، وقال آخرون: هو أخذ من اللَّه تعالى [على عباده] بأدبه في استعمال الاستثناء في كل فعل. * ت *: قال ثعلب: استثنى اللَّه تعالى فيما يعلم؛ ليستثنيَ الخَلْقُ فيما لا يعلمون، وقيل غير هذا، ولما نزلت هذه الآية عَلِمَ المسلمون أَنَّ تلك الرؤيا ستخرج فيما يستأنفونه من الزمان، فكان كذلك، فخرج صلى الله عليه وسلم في العام المُقْبِلِ واعتمر. وقوله سبحانه: {فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُواْ} يريد ما قَدَّرَهُ من ظهور الإسلام في تلك المدة ودخول الناس فيه. وقوله: {مِن دُونِ ذَلِكَ} أي: من قبل ذلك، وفيما يدنو إليكم، واختلف في الفتح القريب، فقال كثير من العلماء: هو بيعة الرضوان وصُلْحُ الحديبية، وقال ابن زيد: هو فتح خيبر.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {لَّقَدْ صَدَقَ ٱللَّهُ رَسُولَهُ ٱلرُّؤْيَا}. "صَدَقَ" يتعدى لاثنين، ثانيهما بحرف الجر، يقال صَدَقََكَ فِي كَذَا، وقد يحذف كهذه الآية، وقوله: "بِالحَقِّ" فيه أوجه: أحدها: أن يتعلق بـ "صَدَقَ". الثاني: أن يكون صفة لمصدر محذوف أي صِدْقاً مُلْتَبِساً بالحَقِّ. الثالث: أن يتعلق بمحذوف على أنه حال من الرؤيا، أي ملتبسةً بالحق. الرابع: أنه قسم وجوابه: لَتَدْخُلُنَّ فعلى هذا يوقف على الرؤيا، ويبتدأ بما بعدها. (قال الزمخشري. وعلى تقديره قَسَماً إما أن يكون قَسَماً بالله فإن الحقَّ من أسمائه، وأما أن يكون قسماً بالحق الذي هو نقيض الباطل. وقال ابن الخطيب: ويحتمل وجهين آخرين: أحدهما: فيه تقديم وتأخير تقديره صدق الله (و) رسوله الرؤيا بالحق الرؤيا أي الرسول الذي هو رسول بالحق. الثاني: أن يقال تقديره صدق الله (و) رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن فيكون تفسيراً للرؤيا بالحق يعني أن الرؤيا هي وَاللهِ لَتَدْخُلُنَّ. فصل ذكر المفسرون أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ رأى في المنام قبل أن يخرج إلى الحديبية أنه يدخل هو وأصحابه المسجد الحرام ويَحْلِقُونَ رُؤُسَهُمْ ويُقَصِّرونَ، فأخبر أصحابه ففرحوا، وحسبوا أنهم دخلوا مكة عامَهُم ذلك فلما انصرفوا ولم يدخلوا شقَّ عليهم ذلك فأنزل الله هذه الآية. وروى مُجَمَّعُ بنُ جارية الأنصاريُّ قال: شهدنا الحديبية مع رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فلما انصرفنا عنها إذ النَّاسُ يهزّون الأبَاعِرَ فقال بعضهم: ما بال الناس؟ قالوا: أُوحيَّ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: فخرجنا نزحف فوجدنا النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ واقفاً على راحلته على كرَاع الغَمِيم، فلما اجتمع الناس قرأ: {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً} فقال عمر: أَوَ فَتحٌ هو يا رسول الله؟ قال: نعم والذي نفسي بيده. ففيه دليل على أن المراد من الفتح صلح الحديبية وتحقيق الرؤيا كان في العام المقبل فقال تعالى: {لَّقَدْ صَدَقَ ٱللَّهُ رَسُولَهُ ٱلرُّؤْيَا بِٱلْحَقِّ} أراها إياه في مَخْرَجِهِ إلى الحديبية أنه يدخل هو وأصحابه المسجِدَ الحَرَامَ صدق وحق). قوله: "لَتَدْخُلُنَّ" جواب قسم مضمر أو لقوله: "بالحَقِّ" على ذلك القول. وقال أبو البقاء: و "لَتَدْخُلُنَّ" تفسير الرؤيا أو مستأنف أي والله لتدخلن، فجعل كونه جواب قسم قسماً تفسيراً للرؤيا. وهذا لا يصح البتة وهو أن يكون تفسيراً للرؤيا غير جواب القسم، إلا أن يريد أنه جواب قسم ولكنه يجوز أن يكون هو مع القسم تفسيراً وأن يكون مستأنفاً غير تفسير، وهو تفسير من عبارته. قوله: {إِن شَآءَ ٱللَّهُ} فيه وجوه: أحدها: أنه ذكره تعظيماً للعبادة الأدب كقوله تعالى: {أية : وَلاَ تَقْولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذٰلِكَ غَداً إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ}تفسير : [الكهف:23و24]. الثاني: أن الدخول لما وقع عام الحديبية وكان المؤمنون يريدون الدخول، ويأبون الصلح قال: لَتَدْخُلُنَّ ولكن لا بجلادتكم ولا بإرادتكم وإنما تَدْخُلُنَّ بمشيئة الله (تَعَالَى. الثالث:أن الله تعالى لما قال في الوحي المنزَّل على النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ: "لتدخلن" ذكر أنه بمشيئة الله) تعالى، لأن ذلك من الله وَعْدٌ، ليس عليه دينٌ ولا حقٌّ واجبٌ؛ لأن من وعد بشيء لا يحققه إلا بمشيئة الله، وإلا فلا يلزمه به أحدٌ. (فصل قال البغوي: معناه وقال لتدخلن. وقال ابن كيسان: لَتْدخُلُنَّ من قوله رسول الله ـ صلى لله عليه وسلم لأصحابه حكاية عن رؤياه، فأخبر الله عن رسوله أنه قال ذلك، وإنما استثنى مع علمه بدخولها بإخبار الله تعالى تأدباً بأدب الله تعالى حيث قال: {أية : وَلاَ تَقْولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذٰلِكَ غَداً إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ}تفسير : [الكهف:23و24]. وقال أبو عبيدة: "إِلاَّ" بمعنى إذ مجازه إذْ شاءَ الله كقوله: {أية : إِن كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ} تفسير : [البقرة:278] وقال الحُسَيْنُ بن الفضل: يجوز أن يكون الاستثناء من الدخول لأن بين الرؤيا وتصديقها سنة ومات في السنة ناس فمجاز الآية لتدخلن المسجد الحرام كلكم إذْ شَاءَ الله. وقيل: الاستثناء واقع على الأمر لا على الدخول؛ لأن الدخول لم يكن فيهن شك كقول النبيّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ عند دخول القبر: "حديث : وإِنَّا إنْ شَاءَ اللهُ بِكُمْ لاَحِقُونَ"تفسير : فالاستثناء راجع إلى اللحوق لا إلى الموت). قوله: "آمِنينَ" حال من فاعل لَتَدْخُلُنَّ وكَذَا "مُحَلِّقِينَ ومُقَصِّرِينَ". ويجوز أن تكون "مُحَلِّقِينَ" حالاً من "آمِنينَ" فتكون متداخلةً. فصل. قوله: {مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ} إشارة إلى أنكم تتمون الحج من أوله إلى آخره فقوله: "لَتَدْخُلُونَّ" إشارة إلى الأول وقوله: "محلقين" إشارة إلى الآخر. فإن قيل: محلقين حال الداخلين، والدَّاخل لا يكون إلا مُحْرِماً والمحرم لا يكون مُحَلّقاً. (فالجواب: أن قوله: "آمِنينَ" مُتَمَكِّنِين من أن تُتِمُوا الحجَّ مُحَلِّقِينَ). قوله: "لاَ تَخَافُونَ" يجوز أن يكون مستأنفاً، وأن يكون حالاً ثالثةً، وأن يكون حالاً (إما) من فاعل لتدخلن، أو من ضمير "آمنين" أو "محلِّقين أو مقصرين" فإن كانت حالاً من آمنين أو حالاً من فاعل لتدخلن فهي حال للتأكيد وآمنين حال مقارنة وما بعدها حال مقدرة إلا قوله: "لا تخافون" إذا جعل حالاً فإنها مقارنة أيضاً. فإن قيل: قوله: "لا تخافون" معناه غير خائفين، وذلك يحصل بقوله تعالى: {آمِنِينَ} فما الفائدة في إعادته؟. فالجواب: أن فيه كمال الأمن؛ لأن بعد الحق يخرج الإنسان عن الإحرام فلا يحرم عليه القتال ولكن عند أهل مكة يحرم قتال من أحْرَمَ ومن دَخَلَ الحَرَمَ فقال: تَدْخُلُونَ آمِنِينَ وتَحْلِقُوَن, ويبقى أَمنُكُمْ بعد إحلالكم من الإحْرَام. قوله: {فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُواْ} أي ما لم تعلموا من المصلحة، وأن الصلاح كان في الصلح، وأن دخولكم في سنتكم سبب لوطء المؤمنين والمؤمنات وهو قوله تعالى: {أية : وَلَوْلاَ رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ...}تفسير : [الفتح:25] الآية. (فإن قيل: الفاء في قوله: "فعلم" فاء التعقيب، فقوله "فعلم" عقبت ماذا؟. فالجواب: إن قلنا: إن المراد من "فَعَلِم" وقت الدخول فهو عقيب صَدَقَ، وإن قلنا: المراد فعلم المصلحة فالمعنى علم الوقوع والشهادة لا علم الغيب. والتقدير: لما حصلت المصلحةُ في العام القابل فعلم ما لم تعلموا من المصلحة المتجددة. {فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَلِكَ} أي من قبل دخولهم المسجد الحرام "فَتْحاً قَرِيباً" وهو فتح الحديبية عند الأكْثَرين. وقيل: فتح خيبر. ثم قال: {أية : وَكَانَ ٱللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً}تفسير : [الفتح:26] وهذا يدفع وَهَمَ حدوثِ علمه في قوله: "فَعَلِمَ"؛ لأن قوله: {أية : وَكَانَ ٱللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً}تفسير : [الفتح:26] يفيد سَبْقَ علْمِهِ).
السيوطي
تفسير : أخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والبيهقي في الدلائل عن مجاهد قال: رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بالحديبية أنه يدخل مكة هو وأصحابه آمنين محلقين رؤوسهم ومقصرين، فلما نحر الهدي بالحديبية قال له أصحابه: أين رؤياك يا رسول الله؟ فأنزل الله {لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق} إلى قوله {فجعل من دون ذلك فتحاً قريباً} فرجعوا ففتحوا خيبر، ثم اعتمر بعد ذلك فكان تصديق رؤياه في السنة المقبلة. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما: {لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق} قال: كان تأويل رؤياه في عمرة القضاء. وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما {لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق} قال: هو دخول محمد صلى الله عليه وسلم البيت والمؤمنين محلقين رؤوسهم ومقصرين. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه في قوله {لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق} قال: رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه يطوف بالبيت وأصحابه، فصدق الله رؤياه بالحق. وأخرج ابن جرير عن قتادة رضي الله عنه في قوله {لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق} قال: رأى في المنام أنهم يدخلون المسجد الحرام وأنهم آمنون محلقين رؤوسهم ومقصرين. وأخرج ابن جرير عن ابن زيد رضي الله عنه في قوله {لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق} إلى آخر الآية. قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم لهم: "حديث : إني قد رأيت أنكم ستدخلون المسجد الحرام محلقين رؤوسكم ومقصرين"تفسير : فلما نزلت بالحديبية ولم يدخل ذلك العام طعن المنافقون في ذلك، فقال الله {لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق} إلى قوله {لا تخافون} أي لم أره أنه يدخله هذا العام، وليكونن ذلك، {فعلم ما لم تعلموا} قال: رده لمكان من بين أظهرهم من المؤمنين والمؤمنات وأخره ليدخل الله في رحمته من يشاء ممن يريد الله أن يهديه {فجعل من دون ذلك فتحاً قريباً} قال: خيبر حين رجعوا من الحديبية فتحها الله عليهم، فقسمها على أهل الحديبية كلهم إلا رجلاً واحداً من الأنصار يقال له أبو دجانة سماك بن خرشة كان قد شهد الحديبية وغاب عن خيبر. وأخرج ابن أبي شيبة عن عطاء قال: خرج النبي صلى الله عليه وسلم معتمراً في ذي القعدة معه المهاجرون والأنصار حتى أتى الحديبية، فخرجت إليه قريش، فردوه عن البيت حتى كان بينهم كلام وتنازع حتى كاد يكون بينهم قتال، فبايع النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه وعدتهم ألف وخمسمائة تحت الشجرة، وذلك يوم بيعة الرضوان، فقاضاهم النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت قريش: نقاضيك على أن تنحر الهدي مكانه وتحلق وترجع، حتى إذا كان العام المقبل نخلي لك مكة ثلاثة أيام، ففعل، فخرجوا إلى عكاظ فأقاموا فيها ثلاثة أيام واشترطوا عليه أن لا يدخلها بسلاح إلا بالسيف، ولا يخرج بأحد من أهل مكة إن خرج معه، فنحر الهدي مكانه وحلق ورجع حتى إذا كان في قابل من تلك الأيام دخل مكة، وجاء بالبدن معه، وجاء الناس معه، فدخل المسجد الحرام فأنزل الله عليه {لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رؤوسكم ومقصرين} وأنزل عليه {أية : الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص}تفسير : [البقرة: 194] الآية. أما قوله تعالى: {محلقين رؤوسكم ومقصرين} . أخرج مالك والطيالسي وابن أبي شيبة والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجة حديث : عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "رحم الله المحلقين" قالوا: والمقصرين يا رسول الله، قال: "رحم الله المحلقين" قالوا: والمقصرين يا رسول الله، قال: "والمقصرين" . تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري ومسلم وابن ماجة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : اللهم اغفر للمحلقين قالوا يا رسول الله والمقصرين قال: اللهم اغفر للمحلقين ثلاثاً قالوا يا رسول الله والمقصرين قال والمقصرين ". تفسير : وأخرج الطيالسي وأحمد وأبو يعلى عن أبي سعيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه حلقوا رؤوسهم يوم الحديبية إلا عثمان بن عفان وأبا قتادة فاستغفر رسول الله صلى الله عليه وسلم للمحلقين ثلاثاً وللمقصرين مرة. وأخرج ابن أبي شيبة عن حبشي بن جنادة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : اللهم اغفر للمحلقين قالوا يا رسول الله والمقصرين قال اللهم اغفر للمحلقين قالوا يا رسول الله والمقصرين قال اللهم اغفر للمقصرين ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة عن يزيد بن أبي مريم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : اللهم اغفر للمحلقين ثلاثاً قالوا يا رسول الله والمقصرين قال والمقصرين" تفسير : وكنت يومئذ محلوق الرأس فما يسرني بحلق رأسي حمر النعم. وأخرج ابن أبي شيبة ومسلم عن يحيى بن أبي الحصين عن جدته أنها سمعت النبي صلى الله عليه وسلم دعا للمحلقين ثلاثاً وللمقصرين مرة في حجة الوداع. وأخرج أحمد عن مالك بن ربيعة أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : اللهم اغفر للمحلقين ثلاثاً قال رجل: والمقصرين فقال في الثالثة أو الرابعة وللمقصرين ". تفسير : وأخرج البيهقي في الدلائل عن ابن عباس أنه قيل له لم ظاهر رسول الله صلى الله عليه وسلم للمحلقين ثلاثاً وللمقصرين مرة فقال: "إنهم لم يشكوا". وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : اللهم اغفر للمحلقين قالها ثلاثاً فقالوا يا رسول الله ما بال المحلقين ظاهرت لهم الترحم قال: إنهم لم يشكوا ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة عن إبراهيم قال: كانوا يستحبون للرجل أول ما يحج أن يحلق وأول ما يعتمر أن يحلق. وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عمر أنه كان يقول للحلاق إذا حلق في الحج والعمرة أبلغ للعظمين. وأخرج ابن أبي شيبة عن عطاء قال: السنة أن يبلغ بالحلق إلى العظمين. وأخرج ابن أبي شيبة عن أنس أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم قال للحلاق هكذا، وأشار بيده إلى الجانب الأيمن. وأخرج أبو داود والبيهقي في سننه عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ليس على النساء حلق إنما على النساء التقصير ".
ابو السعود
تفسير : {لَّقَدْ صَدَقَ ٱللَّهُ رَسُولَهُ ٱلرُّؤْيَا} رَأَى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم قبلَ خروجِه إلى الحُديبـيةِ كأنَّه وأصحابَهُ قد دخلُوا مكةَ آمنينَ وقد حلقُوا رؤوسَهُم وقصَّروا فقصَّ الرؤيا على أصحابهِ ففرحوا واستبشرُوا وحسبُوا أنَّهم داخلُوها في عامِهم فلمَّا تأخرَ ذلكَ قال عبدُ اللَّهِ بنُ أُبـيَ وعبدُ اللَّهِ بن نُفيلٍ ورفاعةُ بنُ الحارثِ والله ما حلقنَا ولا قصَّرنَا ولا رأينا المسجد الحرامَ فنزلتْ أي صدَقه صلى الله عليه وسلم في رُؤياهُ كَما في قولِهم صَدَقنِي سِنُّ بَكْرِهِ وتحقيقُه أراهُ الرؤيا الصادقةَ. وقوله تعالى: {بِٱلْحَقّ} إما صفةٌ لمصدرٍ مؤكدٍ محذوفٍ أي صدقاً ملتبساً بالحقِّ أي بالغرضِ الصحيحِ والحكمةِ البالغةِ التي هيَ التميـيزُ بـين الراسخِ في الإيمانِ والمتزلزلِ فيه، أو حالٌ من الرُّؤيا أي ملتبسةً بالحقِّ ليستْ من قبـيلِ أضغاثِ الأحلامِ وقد جُوِّزَ أن يكونَ قسماً بالحقِّ الذي هُو من أسماءِ الله تعالى أو بنقيضِ الباطلِ. وقولُه تعالَى: {لَتَدْخُلُنَّ ٱلْمَسْجِدَ ٱلْحَرَامَ} جوابُه وهو عَلى الأولينِ جوابُ قسمٍ محذوفٍ أيْ والله لتدخلنَّ إلخ. وقولُه تعالَى: {إِن شَاء ٱللَّهُ} تعليقٌ للعِدَة بالمشيئةِ لتعليمِ العبادِ للإشعارِ بأنَّ بعضَهُم لا يدخلونَهُ لموتٍ أو غَيبةٍ أو غيرِ ذلكَ أو هيَ حكايةٌ لما قالَهُ ملكُ الرُّؤيا لرسولِ الله صلى الله عليه وسلم أو لما قالَه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ لأصحابِه {ءامِنِينَ} حالٌ من فاعلِ لتدخُلنَّ والشرطُ معترضٌ وكذا قولُه تعالَى: {مُحَلّقِينَ رُءوسَكُمْ وَمُقَصّرِينَ} أي مُحلِّقاً بعضُكم ومُقصِّراً آخرونَ، وقيلَ: مُحلِّقينَ حالٌ منْ ضميرِ آمنينَ فتكون متداخلةً {لاَ تَخَـٰفُونَ} حالٌ مؤكدةٌ من فاعلِ لتدخُلنَّ أو آمنينَ أو محلِّقينَ أو مقصِّرينَ، أو استئنافٌ أيْ لا تخافونَ بعدَ ذلكَ {فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُواْ} عطفٌ على صدقَ، والمرادُ بعلمِه تعالَى العلمُ الفعليُّ المتلعقُ بأمرٍ حادثٍ بعد المعطوفِ عليه، أي فعلمَ عَقيبَ ما أراهُ الرؤيا الصادقةَ ما لم تعلمُوا منَ الحكمةِ الداعيةِ إلى تقديمِ ما يشهدُ بالصدقِ علماً فعلياً {فَجَعَلَ} لأجلِه {مِن دُونِ ذَلِكَ} أي من دونِ تحققِ مصداقِ ما أراهُ من دخولِ المسجدِ الحرامِ إلخ {فَتْحاً قَرِيباً} وهُو فتحُ خيبرَ، والمرادُ بجعلِه وعدُه وإنجازُه من غير تسويفٍ ليستدل به على صدقِ الرُّؤيا حسبمَا قالَ ولتكونَ آيةً للمؤمنينَ. وأمَّا جعلُ ما في قولِه تعالى ما لم تعلمُوا عبارةً عن الحكمةِ في تأخيرِ فتحِ مكةَ إلى العامِ القابلِ كما جنحَ إليه الجمهورُ فتأباه الفاءُ فإن علمَه تعالَى بذلكَ متقدمٌ على إراءةِ الرؤيا قطعاً. {هُوَ ٱلَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِٱلْهُدَىٰ} أي ملتبساً به أو بسببهِ ولأجلِه {وَدِينِ ٱلْحَقّ} وبدينِ الإسلامِ {لِيُظْهِرَهُ عَلَى ٱلدّينِ كُلّهِ} ليُعْليه على جنسِ الدينِ بجميعِ أفرادِه التي هي الأديانُ المختلفةُ بنسخِ ما كان حقاً من بعضِ الأحكامِ المتبدلةِ بتبدلِ الأعصارِ وإظهارِ بُطلانِ ما كانَ باطلاً أو بتسليطِ المسلمينَ على أهلِ سائرِ الأديانِ إذْ مَا من أهلِ دينٍ إلا وقَد قهرهُم المسلمونَ، وفيه فضل تأكيد لما وعد من الفتح وتوطين لنفوس المؤمنين على أنه سبحانه سيفتحُ لهم من البلادِ ويتيحُ لهم من الغلبةِ على الأقاليمِ ما يستقلُّون إليه فتحَ مكةَ {وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيداً} على أنَّ ما وعده كائنٌ لا محالةَ أو على نبوتِه عليه الصلاةُ والسلامُ بإظهارِ المعجزاتِ.
التستري
تفسير : قوله: {لَتَدْخُلُنَّ ٱلْمَسْجِدَ ٱلْحَرَامَ إِن شَآءَ ٱللَّهُ آمِنِينَ}[27] قيل: ما هذا الاستثناء؟ قال: هذا تعليم للعباد وتأديب لهم بشدة الافتقار إليه في كل وقت وحال وتأكيد، فإن الحق إذا استثني مع كمال علمه لم يكن لأحد من عباده مع قصور علمهم أن يحكم في شيء من غير استثناء.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {لَتَدْخُلُنَّ ٱلْمَسْجِدَ ٱلْحَرَامَ إِن شَآءَ ٱللَّهُ} [الآية: 27]. سئل سهل بن عبد الله رحمة الله عليه: ما هذا الاستثناء من الله؟ قال: تأكيداً فى الافتقار إليه وتأديباً لعباده فى كل حال ووقت وتنبيهاً أن الحق إذا استثنى مع كمال علمه أن أحداً لا يجوز له الحكم من غير استثناء مع قصور علمه.
القشيري
تفسير : أي صدقه في رؤياه ولم يكذبه؛ صدقه فيما أراه من دخول مكة {آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ} كذلك أراه لما خرج إلى الحديبية وأَخبر أصحابه. فوطَّن أصحابه نفوسهم على دخول مكة في تلك السنة. فلمَّا كان من أمر الحديبية عاد إلى قلوب بعض المسلمين شيء، حتى قيل لهم لم يكن في الرؤيا دخولهم في هذا العام، ثم أَذن الله في العام القابل، فأنزل الله: {لَّقَدْ صَدَقَ ٱللَّهُ رَسُولَهُ ٱلرُّءْيَا بِٱلْحَقِّ} فكان ذلك تحقيقاً لما أراه، فرؤياه صلوات الله حق؛ لأن رؤيا الأنبياء حق. وكان في ذلك نوعُ امتحانٍ لهم: {فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُواْ} أنتم من الحكمة في التأخير. وقوله: {إِن شَآءَ ٱللَّهُ} معناه إذا شاء الله كقوله: {إِن كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ}. وقيل قالها على جهة تنبيههم إلى التأدُّب بتقديم المشيئة في خطابهم. وقيل يرجع تقديم المشيئة إلى: إن شاء الله آمنين أو غير آمنين. وقيل: يرجع تقديم المشيئة إلى دخول كلِّهم أو دخول بعضهم؛ فإنْ الدخول كان بعد سنة، ومات منهم قومٌ.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {لَتَدْخُلُنَّ ٱلْمَسْجِدَ ٱلْحَرَامَ إِن شَآءَ ٱللَّهُ آمِنِينَ} اشارة الأية مع المشتاقين الى مشاهدة الحق بانهم يدخلون حرم الربوبية امنين عن جريان العبودية عليهم أمنين من فعل الحجاب بعد كشف النقاب والاستتار وقع على المشية الازلية السابقة بحسن العناية لهم وفى نفس الأية انه لو يريد ان يلبسهم وصفهم الصمدية حتى لا يفنوا فى الوحدانية لقدر وهو هكذا يفعل لكن رمز الاستتار يورث هيبة الحق اذ صار عروس القدر غير منكشف لاهل الحدث ادب الجوهري برؤية الله مع رؤية القدر السابق حتى لا يسقط عنهم شروط الهيبة والمراقبة سئل سهل عبد الله ما هذا الاستتار من الله قال تاكيد فى الافتقار اليه وتلويناً لعبادة فى كل حال ووقت وتنبيها ان الحق اذا استثنى مع كمال علمه ان لايجوز له من غير استثناء مع قصور علمه.
اسماعيل حقي
تفسير : {لقد صدق الله رسوله الرؤيا} صدق يتعدى الى مفعولين الى الاول بنفسه والى الثانى بحرف الجر يقال صدقك فى كذا اى ما كذبك فيه وقد يحذف الجار ويوصل الفعل كما فى هذه الآية اى صدقه عليه السلام فى رؤياه وتحقيقه اراء الرؤيا الصادقة وهى ما سبق فى اول السورة من انه عليه السلام رأى قبل خروجه الى الحديبية كأنه واصحابه قد دخلوا مكة آمنين وقد حلقوا رؤسهم وقصروا فقص الرؤيا على اصحابه ففرحوا واستبشروا وحسبوا انهم داخلوها فى عامهم هذا فلما تأخر ذلك قال بعض المنافقين والله ما حلقنا ولا قصرنا ولا رأينا المسجد الحرام فنزلت وهو دليل قاطع على ان الرؤيا حق وليس بباطل كما زعم جمهور المتكلمين والمعتزلة فتبالهم كما فى بحر العلوم قالوا ان خلت الرؤيا عن حديث النفس وكان هيئة الدماغ صحيحة والمزاج مستقيما كانت رؤيا من الله مثل رؤيا الانبياء والاولياء والصلحاء وفى الحديث "حديث : الرؤيا الصالحة جزء من ستة واربعين جزأ من النبوة"تفسير : {بالحق} اى صدقا ملتبسا بالغرض الصحيح والحكمة البالغة التى هى التمييز بين الراسخ فى الايمان والمتزلزل فيه او حال كون تلك الرؤيا ملتبسة بالحق ليست من قبيل اضغاث الاحلام لان ما رآه كائن لا محالة فى وقته المقدر له وهو العام القابل وقد جوز ان يكون قسماً بالحق الذى هو من اسماء الله او بنقيض الباطل وقوله {لتدخلن المسجد الحرام} جواب وهو على الاولين جواب قسم محذوف اى والله لتدخلنه فى العام الثانى {ان شاء الله} تعليق للعدة بالمشيئة لتعليم العباد لكى يقولوا فى عداتهم مثل ذلك لا لكونه تعالى شاكا فى وقوع الموعود فانه منزه عن ذلك وهذا معنى ما قال ثعلب استثنى الله فيما يعلم ليستثنى الخلق فيما لا يعلمون وفيه ايضا تعريض بأن دخولهم مبنى على مشيئته تعالى ذلك لا على جلادتهم وقوتهم كما قال فى الكواشى استثنى اعلاما انه لا فعال الا الله انتهى او للاشعار بأن بعضهم لا يدخلونه لموت او غيبة او غير ذلك فكلمة ان للتشكيك لا للشك وقال الحدادى الاستثناء قد يذكر للتحقيق تبركا كقولهم قد غفر الله لك ان شاء الله ولا تعلق لمن يصحح الايمان بالاستثناء لانه خبر عن الحال فالاستثناء فيه محال كما فى عين المعانى وروى ان النبى عليه السلام كان اذا دخل المقابر يقول "حديث : السلام عليكم اهل القبور وانا ان شاء الله بكم لا حقون"تفسير : فيستثنى على وجه التبرك وان كان اللحوق مقطوعا به وقيل معناه لا حقون بكم فى الوفاة على الايمان فان شرطية ويمكن ان يقال تعليق اللحوق بالمشيئة بناء على ان اللحوق بخصوص المخاطبين ويتحصل من هذا ان الاستثناء من الامن لا من الدخول لان الدخول مقطوع. لا إلا من حال الدخول وقال بعضهم ان هنا بمعنى اذ كما فى قوله {أية : ان اردن تحصنا}تفسير : وقال ابن عطية وهذا احسن فى معناه لكن كون ان بمعنى اذ غير موجود فى لسان العرب وفيه وجه آخر وهو انه حكاية لما قاله ملك الرؤيا لرسول الله فقوله لتدخلن الآية تفسير للرؤيا كأنه قيل هو قول الملك له عليه السلام فى منامه لتدخلن واذا كان التعليق من كلام الملك لتبرك فلا اشكال او حكاية لما قاله عليه السلام لاصحابه كانه قيل قال النبى بناء على تلك الرؤيا التى هى وحى لتدخلن الخ بنى لما قص رؤياه على اصحابه استأنف بأن قال لتدخلن الخ {آمنين} من الاعادى حال من فاعل لتدخلن والشرط معترض وكذا قوله {محلقين رؤوسكم} أى جميع شعورها والتحليق والتحلاق بسيار ستردن سركما فى تاج المصادر والحلق العضو المخصوص وحلقه قطع حلقه ثم جعل الحلق لقطع الشعر وجز فقيل حلق شعره وحلق رأسه اى ازال شعره {ومقصرين} بعض شعورها والقصر خلاف الطول وقص شعره حز بعضه اى محلقا بعضكم ومقصرا آخرون والا فلا يجتمع الحلق والتقصير فى كل واحد منهم فالنظم من نسبة حال البعض الى الكل يعنى ان الواو ليست لاجتماع الامرين فى كل واحد منهم بل لاجتماعهما فى مجموع القوم ثم ان قوله محلقين ومقصرين من الاحوال المقدرة فلا يردان حال الدخول هو حال الاحرام وهو لا يجامع الحلق والتقصير وقدم الحلق على التقصير وهو قطع اطراف الشعر لأن الحلق افضل من التقصير وقد حلق رسول الله صلى الله عليه وسلم رأسه بمنى واعطى شعر شق رأسه ابا طلحة الانصارى وهو زوج ام سليم وهى والدة انس بن مالك فكان آل انس يتهادون به بينهم وروى انه عليه السلام حلق رأسه اربع مرات والعادة فى هذا الزمان فى اكثر البلاد حلق الرأس للرجل عملا بقوله عليه السلام "حديث : تحت كل شعرة نجاسة فخللوا الشعر وانقوا البشرة"تفسير : وانما قلنا للرجل لأن حلق شعر المرأة مثلة وهى حرام كما ان حلق لحية الرجل كذلك {لا تخافون} حال مؤكدة من فاعل لتدخلن او استئناف جوابا عن سؤال انه كيف يكون الحال بعد الدخول اى لا تخافون بعد ذلك من احد {فعلم ما لم تعلموا} عطف على صدق والفاء للترتيب الذكرى فالتعرض لحكم الشئ انما يكون بعد جرى ذكره والمراد بعلمه تعالى العلم الفعلى المتعلق بامر حادث بعد المعطوف عليه اى فعلم عقيب ما اراه الرؤيا الصادقة ما لم تعلموا من الحكمة الداعية الى تقديم ما يشهد بالصدق علما فعليا {فجعل} لاجله {من دون ذلك} اى من دون تحقق مصداق ما اراه من دخول المسجد الحرام الخ وبالفارسية بس ساخت براى شما يعنى مقرر كرد بيش ازين يعنى قبل از دخول در مسجد حرام بجهت عمرهُ قضا {فتحاً قريبا} هو فتح خيبر مضى عليه السلام بعد خمس عشرة ليلة كما فى عين المعانى والمراد بجعله وعده وانجازه من غير تسويف ليستدل به على صدق الرؤيا حسبما قال {أية : ولتكون آية للمؤمنين}تفسير : واما جعل ما فى قوله {ما لم تعلموا} عبارة عن الحكمة فى تأخير فتح مكة الى العام القابل كما جنح اليه الجمهور فتأباه الفاء فان علمه تعالى بذلك متقدم على ارآءة الرؤيا قطعا كما فى الارشاد وفى الآية اشارة الى ان الله تعالى امتحن المؤمن والمنافق بهذه الرؤيا اذ لم يتعين وقت دخولهم فيه فأخر الدخول تلك السنة فهلك المنافقون بتكذيب النبى عليه السلام فيما وعدهم بدخول المسجد الحرام وازداد كفرهم ونفاقهم وازداد ايمان المؤمنين بتصديق النبى عليه السلام مع ايمانهم وانتظروا صدق رؤياه فصدق الله رسوله الرؤيا بالحق فهلك من هلك عن بينة وحى من حى عن بينة ولذلك قال تعالى فعلم ما لم تعلموا يعنى من تربية نفاق اهل النفاق وتقوية ايمان اهل الايمان فجعل من دون ذلك فتحاً قريبا من فتوح الظاهر والباطن فلا بد من الصبر فان الامور مرهونة باوقاتها شعر : صد هزاران كيميا حق آفريد كيميايى همجو صبر آدم نديد نيست هر مطلوب ازطالب دريغ جفت تابش شمس وجفت آب ميغ تفسير : وقد صبر عليه السلام على اذى قومه وهكذا حال كل وارث قال معروف الكرخى قدس سره رأيت فى المنام كأنى دخلت الجنة ورأيت قصرا فرشت مجالسه وارخيت ستوره وقام ولدانه فقلت لمن هذا فقيل لابى يوسف فقلت لم استحق هذا فقالوا بتعليمه الناس العلم وصبره على اذاهم ثم ان الصدق صفة الله تعالى وصفة خواص عباده وانه من اسباب الهداية (حكى) عن ابراهيم الخواص قدس سره انه كان اذا اراد سفرا لم يعلم احدا ولم يذكره وانما يأخذ ركونه ويمشى قال حامدا لاسود فبينا نحن معه فى مسجد تناول ركوته ومشى فاتبعته فلما وافينا القادسية قال لى يا حامد الى اين قلت يا سيدى خرجت لخروجك قال انا اريد مكة ان شاء الله قلت وانا اريد ان شاء الله مكة فلما كان بعد ايام اذا بشاب قد انضم الينا فمشى معنا يوما وليلة لا يسجد لله سجدة فعرفت ابراهيم وقلت ان هذا الغلام لا يصلى فجلس وقال يا غلام مالك لا تصلى والصلاة اوجب عليك من الحج فقال يا شيخ ما على صلاة قلت ألست بمسلم قل لا قلت فاى شئ انت قال نصرانى ولكن اشارتى فى النصرانية الى التوكل وادعت نفسى أنها قد احكمت حال التوكل فلم اصدقها فيما ادعت حتى اخرجتها الى هذه الفلاة التى ليس فيها موجود غير المعبود اثير ساكنى وامتحن خاطرى فقام ابراهيم ومشى وقال دعه معك فلم يزل يسايرنا حتى وافينا بطن مرو فقام ابراهيم ونزع خلقانه فطهرها بالماء ثم جلس وقال له ما اسمك قال عبد المسيح فقال يا عبد المسيح هذا دهليز مكة يعنى الحرم وقد حرم الله على امثالك الدخول فيه قال تعالى {أية : انما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا}تفسير : والذى اردت ان تستكشفة من نفسك قد بان لك فاحذر ان تدخل مكة فان رأيناك بمكة انكرنا عليك قال حامد فتركناه ودخلنا مكة وخرجنا الى الموقف فبينما نحن جلوس بعرفات اذ به فد اقبل عليه ثوبان وهو محرم يتصفح الوجوه حتى وقف علينا فأكب على ابراهيم يقبل رأسه فقال له ما ورآءك يا عبد المسيح فقال له هيهات انا اليوم عبد من المسيح عبده فقال له ابراهيم حدثنى حديثك قال جلست مكانى حتى اقبلت قافلة الحاج وتنكرت فى زى المسلمين كأنى محرم فساعة وقعت عينى على الكعبة اضمحل عندى كل دين سوى دين الاسلام فأسلمت واغتسلت واحرمت وها انا اطلبك يومى فالتفت الى ابراهيم وقال يا حامد انظر الى بركة الصدق فى النصرانية كيف هداه الى الاسلام ثم صحبنا حتى مات بين الفقرآء ومن الله الهداية والتوفيق
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {لقد صَدَقَ اللّهُ رسولَه الرؤيا} أي: صدَقه في رؤياه ولم يكذبه - تعالى الله عن الكذب - فحذف الجارَ وأوصل الفعل؛ كقوله:{أية : صَدَقُواْ مَا عَاهَدُواْ اللَّهَ عَلَيْهِ}تفسير : [الأحزاب: 23] يقال: صدقه الحديث: إذا حققه وبيّنه له، أو: أخبره بصدق رُوي أنه صلى الله عليه وسلم رأى في النوم، قبل خروجه إلى الحديبية، كأنّه وأصحابه قد دخلوا مكة آمنين، وقد حلقوا وقصّروا، فقصّ الرؤيا على أصحابه، ففرحوا، وحسِبوا أنهم داخلوها، وقالوا: إن رؤيا رسول الله حق. والله تعالى قد أبهم الأمر عليهم لينفرد بالعلم الحقيقي، فلما صُدوا، قال عبد الله بن أُبيّ وغيرُه من المنافقين: والله ما حلقنا ولا قصّرنا، ولا رأينا المسجد الحرام، فنزلت: {لقد صَدَقَ اللّهُ رسوله} فيما أراه، وما كذب عليه، ولكن في الوقت الذي يريد. وقوله: {بالحق} إما صفة لمصدر محذوف، أي: صدقاً ملتبساً بالحق، أي: بالغرض الصحيح، والحكمة البالغة التي تُميز بين الراسخ في الإيمان، والمتزلزل فيه، أو: حال من الرؤيا، أي: ملتبسة بالحق ليست من قبيل أضغاث الأحلام، ويجوز أن يكون قسَماً، أي: أقسم بالحق {لَتدخُلُنَّ المسجدَ الحرامَ} وعلى الأول: جواب القسم محذوف، أي: والله لتدخلن المسجد الحرام، والجملة القسمية: استنئاف بياني، كأن قائلاً قال: ففيم صَدَقَه؟ فقال: {لتدخلن المسجد إن شاء الله} وهو تعليق للعِدة بالمشيئة لتعليم العبادة. قال ثعلب: استثنى الله فيما يعلم؛ ليستثني الخلق فيما لا يعلمون. وقال في القوت: استثنى الله معلماً لعباده ورَادّاً لهم إلى مشيئته، وهو أصدقُ القائلين، وأعلمُ العالمين. هـ. أو: للإشعار بأن بعضهم لا يدخلونه، لموت، أو غيبة، أو غير ذلك، أو: هو حكاية لِما قاله ملَك الرؤيا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، أو لِما قاله صلى الله عليه وسلم لأصحابه، حين قصّ عليهم، أي: والله لتدخلنها {آمنين} من غائلة العدو، فهو حال من فاعل "لتدخلن" والشرط معترض. {مُحلِّقين رؤوسَكم ومقصِّرين} أي: محلقاً بعضكم، ومقصراً آخرون، {لا تَخافون} بعد ذلك أبداً، فهو حال أيضاً، أو استئناف، {فَعِلمَ ما لم تعلموا} من الحكمة في تأخير فتح مكة إلى العام القابل، {فجعل من دون ذلك} فتح مكة {فتحاً قريباً} وهو فتح خيبر، لتستروح إليه قلوبُ المؤمنين، إلى أن يتيسر الفتح الموعود. والله تعالى أعلم. الإشارة: العارف الكامل لا يركن إلى شيء دون الله تعالى، فلا يطمئن إلى وعد، ولا يخاف من وعيد، بل هو عبد بين يدَي سيده، ينظر ما يبرز من زمن عنصر قدرته، فإن بُشِّر بشيء في النوم أو اليقظة، لا يركن إليه، ولا يقف معه؛ لأن غيب المشيئة غامض، وإن خُوّف بشيء في النوم أو غيره، لا يفزع ولا يجزع؛ لأن الغنى بالله والأُنس به غيَّبه عن كل شيء، وفي الله خلف من كل تلف "ماذا فقد من وجدك؟" والله يتولى الصالحين،{أية : وَمَن يَتَّقِ اللّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً...}تفسير : [الطلاق: 2] الآية. قال في الإبريز: الرؤيا المُحْزِّنة إنما هي اختبار من الله للعبد، هل يبقى مع ربه أو ينقطع عنه، فإن كان العبد متعلقاً به تعالى، ورأى الرؤيا المحزنة، لم يلتفت إليها، ولما يُبال بها؛ لعلمه بأنه منسوب إلى مَن بيده تصاريف الأمور، وأنَّ ما اختاره تعالى سبقت به المشيئة، فلا يهوله أمر الرؤيا، ولا يلقي إليها بالاً، وهذه لا تضره بإذن الله تعالى: وإذا كان العبد غير متعلق بربه، ورأى رؤيا محزنة، جعلها نصب عينيه، وعمّر بها باطنه، وانقطع بها عن ربه، ويُقدِّر أنها لا محالة نازلة به، فهذا هو الذي تضره؛ لأنَّ مَن خاف من شيء سلّطه عليه. هـ. وسُئل سهل التستري رضي الله عنه عن الاستثناء في هذه الآية، فقال: تأكيداً في الافتقار إليه، وتأديباً لعباده في كل حال ووقت. هـ. أي: أدّبهم لئلاّ يقفوا مع شيء دونه. ثم ردَّ حميّة الجاهلية في عدم إقرارهم برسالته صلى الله عليه وسلم، فقال: {هُوَ ٱلَّذِيۤ أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِٱلْهُدَىٰ}.
الجنابذي
تفسير : {لَّقَدْ صَدَقَ ٱللَّهُ رَسُولَهُ ٱلرُّؤْيَا} جوابٌ لما قالوا بعد صدّهم عن مكّة انّ محمّداً (ص) وعدنا دخول مكّة وما دخلنا وما حلّقنا وما قصّرنا {بِٱلْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ ٱلْمَسْجِدَ ٱلْحَرَامَ إِن شَآءَ ٱللَّهُ آمِنِينَ} قيل: الاستثناء تعليم للعباد كيف يتكلّمون اذا اخبروا عن الآتى، وقيل: الاستثناء باعتبار حال الدّاخلين فانّ منهم من مات قبل الدّخول ولم يدخل كأنّه قال: لتدخلنّ كلّكم ان شاء الله، وقيل: الاستثناء باعتبار الامن من العدوّ، وقيل: ان ههنا بمعنى اذ، اى اذ شاء الله، والحقّ انّه ههنا للتّبريك ومحض التّعليم {مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لاَ تَخَافُونَ فَعَلِمَ} من الصّلاح فى اجمال الوعد وعدم التّصريح بوقته {مَا لَمْ تَعْلَمُواْ} فانّه كان فى صدّكم عن المسجد الحرام وصلحكم مع قريش بذلك الصّدّ منافع كثيرة للاسلام واهله وقوّةً عظيمةً ونشر للاسلام {فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَلِكَ} الدخّول {فَتْحاً قَرِيباً} هو فتح خيبر او صلح الحديبية فانّه اختلط المسلمون بالمشركين بذلك الصّلح وتمكّنوا من اظهار الاسلام وسمع المشركون باحكام الاسلام ورغبوا فيه وتقوّى الاسلام به ودخل محمّد (ص) واصحابه فى العام المقبل وهو سنة السّبع من الهجرة مكّة فى كمال الشّوكة والعزّة.
الأعقم
تفسير : {لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق} وهي رؤيا رآها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عند خروجه إلى الحديبية أنه دخل هو وأصحابه إلى المسجد، وأخبر بذلك أصحابه فاعتقدوا دخوله، وكان رسول الله لم يقل ندخلها هذه السنة فلما صدوا بين عليهم فبشرهم أنهم يدخلوه وحقق الله رؤياه، قال جار الله: فإن قلتَ: ما وجه دخول {إن شاء الله} في أخبار الله؟ قلتُ: فيه وجوه: أن يعلق عدته بالمشيئة تعليماً لعباده أن يقولوا في عداتهم... {إن شاء الله} ولم يمت منكم أحداً، أو كان ذلك على لسان ملك فأدخل الملك {إن شاء الله} أو هي حكاية ما قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وقصّ عليهم {فعلم ما لم تعلموا} من الحكمة والصواب في تأخير مكة إلى العام القابل {فجعل من دون ذلك} أي من دون مكة {فتحاً قريباً} وهو فتح خيبر {هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق} دين الاسلام {ليظهره} ليعلمه {على الدين كلّه} على جنس الدين كله، يريد الأديان المختلفة من أديان المشركين والجاحدين وأهل الكتاب، ولقد حقق ذلك سبحانه فإنك لا ترى ديناً إلا والإِسلام دونه العز والغلبة، وقيل: هو عند نزول عيسى حتى لا يبقى على وجه الأرض كافر، وقيل: هو إظهاره بالحجج والآيات {وكفى بالله شهيداً} على أن ما وعده كائن، عن الحسن: شهد على نفسه أنه سيظهر دينك {محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار} أي غلاظ عليهم في قتالهم ومعاداتهم {رحماء بينهم} يعني يتعاطفون ويتوادون {تراهم ركعاً سجداً} يعني يصلون {يبتغون فضلاً من الله}، قيل: يطلبون فضلاً بأن يدخلهم الجنة {ورضواناً} أن يرضى عنهم {سيماهم في وجوههم}، قيل: علاماتهم يوم القيامة، وقيل: علاماتهم في الدنيا {من أثر} الخشوع وعن عطاء وجد في هذه الآية من صلى الخمس، وقيل: صعره السهم وغض البصر {ذلك} يعني ما ذكرناه {مثلهم في التوراة} صفتهم في التوراة، قيل: تم الكلام ها هنا ثم ابتدأ {ومثلهم في الإِنجيل كزرع أخرج شطأه} قيل: نبات، وقيل: سنبلة، وقيل: فراخه الذي يكثر ويقوى فأراد أنهم يكونوا كثيراً بعد القلة {فآزره} قواه وأعانه {فاستغلظ} أي صار غليظاً {فاستوى على سوقه} أي قام على سوقه لقوته وصلابته {يعجب الزراع} لكماله وحسنه {ليغيظ بهم الكفار} الغيظ: الغم والأسف، وقيل: {شطأه} الداخلون في الاسلام إلى يوم القيامة، وقيل: مكتوب في الانجيل سيخرج قوم ينبتون نبات الزرع يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، وهذا مثل ضربه لبدء الاسلام وترقيه في الزيادة إلى أن قوي واستحكم، لأن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قام وحده ثم قوّاه الله بمن آمن معه كما يقوي الطاقة الأولى من الزرع ما يحتفّ بها مما يتولد منها حتى {يعجب الزراع}، وعن عكرمة: {أخرج شطأه} بأبي بكر {فآزره} بعمر {فاستغلظ} بعثمان {فاستوى على سوقه} بعلي (عليه السلام) وليس في الآية دليل على ذلك والله أعلم {وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم} نبأتهم لتخصيصهم بالوعد دون غيرهم ويجوز أن يكون أراد من أقام ذلك منهم {مغفرة} لذنوبهم {وأجراً عظيماً} ثواباً دائماً.
الهواري
تفسير : قوله: {لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاء اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لاَ تَخَافُونَ}. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى في المنام، في تفسير الكلبي: في مخرجه إلى الحديبية، كأنه بمكة وأصحابه قد حلقوا وقصروا. فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك المؤمنين فاستبشروا وقالوا وحي. فلما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من الحديبية ارتاب الناس فقالوا: رأى فلم يكن الذي رأى. فقال الله: {لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاء اللَّهُ آمِنِينَ}. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم صالح المشركين على أن يرجع عامة ذلك ويرجع من قابل فيقيم بمكة ثلاثة أيام، فنحر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه الهدي بالحديبية، وحلقوا وقصروا، ثم أدخله الله العام المقبل مكة وأصحابه آمنين فحلقوا وقصّروا. وقال بعضهم: يوم فتح مكة. وقال الحسن: ليست برؤية المنام ولكنها رؤيا الوحي. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أتاه جبريل بالوحي أخذته رعدة شديدة واحدة شبه النفاس، واحمرت وجنتاه، فشبه الله ذلك الذي كان يأخذه بالنوم. ذكر هشام عن أبي يحيى بن أبي كثيرة عن أبيه إبراهيم عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه حلقوا رؤوسهم يوم الحديبية إلا عثمان وأبا قتادة، فاستغفر رسول الله صلى الله عليه وسلم للمحلقين ثلاثاً وللمقصّرين واحدة. ذكروا عن نافع عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: حديث : يغفر الله للمحلقين، يغفر الله للمحلقين. قالوا: والمقصرين، قال: وللمقصرين.
اطفيش
تفسير : {لَّقَدْ صَدَقَ اللهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا} فان رؤياه واقعة لا محال في وقتها المقدر وهو العام القابل وقد وقع ذلك في النفوس حتى وقع في نفوس بعض المسلمين فاجابهم النبي صلى الله عليه وسلم هل قلت لكم يكون في عامنا هذا وقد نطق أبو بكر قبل بمثل ما قاله صلى الله عليه وسلم وقال مجاهد كانت رؤياه بالحديبية فوثق الجميع بان الفتح في وجهتهم هذه وعن مجمع بن جوية الانصاري انصرفنا عن الحديبية اذا الناس يبزون الاباعير فقيل ما بال الناس قالوا أوحي الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فاسرعنا فوجدنا النبي صلى الله عليه وسلم واقفا على راحلته عند كراع الغميم فلما اجتمع الناس قرأ {أية : إنا فتحنا لك فتحاً} تفسير : فقال عمر أو فتح هو يا رسول الله قال نعم (والذي نفسي بيده) وفيه دليل على ان المراد بالفتح صلح الحديبية وقد مر الخلاف أو السورة والرؤيا منصوب على نزع الخافض اي في الرؤيا وهكذا في مثله كقوله تعالى {أية : صدقوا ما عاهدوا الله عليه} تفسير : ومر توجيهه بغير ذلك* {بِالْحَقِّ} حال من الله او من رسوله او من الرؤيا او متعلق بصدق او بمحذوف صفة مصدر محذوف اي صدقا ملتبسا بالحق وصدق الرؤيا انها لم تكن من اضغاث الاحلام والحق خلاف الباطل والحكمة البالغة لما في ذلك من الابتلاء والتمييز بين الثابت على الايمان والمتزلزل عنه ويجوز كون {بِالْحَقِّ} قيما بالمعنى المذكور وانه اسم من اسماء الله عز وجل وجوابه* {لَتَدْخُلُنَّ} وان لم نجعل بالحق قسما فلتدخلن جواب لمحذوف او جواب لصدق فانهم قالوا ما يدل على التحقيق والقطع يجاب كالقسم* {الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَآءَ اللهُ} هذا تعليل للوعد بالمشيئة تعليما للعباد ان يقولوا في عداتهم ذلك متأدبين بادب الله ومقتدين بسنته والا فالله عالم جزما لا شك معه قال ثعلب استثنى الله فيما يعلم ليستثني الخلق فيما لا يعلمون وقال ذلك اشعارا بان بعضهم لا يدخل لموت او غيبة او مرض او غير ذلك فالشرط راجع الى الخلق من حيث انه اذا رد واحد منهم الوعد الى نفسه امكن ان يتم وان لا يتم لنحو (موت) وغيره او حكاية لما قاله ملك الرؤيا وكان ادخل في كلامه (ان شاء الله) أو حكاية لما قاله صلى الله عليه وسلم او لمجرد التوكيد والتبرك او لان المؤمنين يأبون الصلح ويريدون الدخول في عامهم فذكر (ان شاء الله) اشارة الى ان الامر بمشيئة وزعم بعض ان الشرط راجع الى الأمن لا الدخول لا شك فيها قلنا وكذا الا من لا شك وقيل (ان) بمعنى (اذ) وهو مذهب الكوفيين وكذا في كل ما تحقق وقد ذكر ذلك ابن هشام وقال ان قول بعضهم المراد {لَتَدْخُلُنَّ} جميعا ان شاء الله الا ان يموت منكم احد قبل الدخول لا يدفع السؤال وقيل انه يعني (قد) واعترض القول بالحكاية بان لا يصح ادخال شيء من كلام الغير من غير اعلام به ورد بوجوده مع قرينة والقرينة موجودة وهو الشك واعترض هذا بأن النبي والملك لا يشكان فيما اخبرا به عن الله واجيب بانهما لم يخبرا من الله على جهة الجزم وايضا كثيرا ما يعلق النبي في كلامه مع تحققه عنده وال في (المسجد) و (الشجرة) للعهد الذهني او التي في المسجد الحرام للذكرى* {آمِنِينَ} في الذهاب والرجوع وهذا الدخول الموعود به هو الذي وعده الكفار من عام قابل بعد الحديبية وآمنين حال مقارنة* {مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ} حالان مقدران وقيل الرؤيا وحي لا منام وقيل نزل {لَّقَدْ صَدَقَ اللهُ}... الخ يوم فتح مكة وعن ابي سعيد الخدري حلق رسول الله صلى الله عليه وسلم واصحابه يوم الحديبية الا عثمان وابا قتادة فاستغفر للمحلقين ثلاثا وللمقصرين واحدة ومعنى الآية محلقا بعضكم ومقصرا آخرون والتحليق ازالة الشعر كله والتقصير اخذ بعضه* {لاَ تَخَافُونَ} للحال مؤكدة المحال الاخرى وهي {آمِنِينَ} لا للعامل الا ان جعل حالا من ضمير {آمِنِينَ} أو استئناف اي لا تخافون بعد ذلك* {فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُواْ} من الحكمة والصواب في تأخير فتح مكة الى القابل او من ان دخولكم في السنة المقبلة ولم تعلموا انتم* {فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَلِكَ} اي قبل دخول المسجد أو قبل فتح مكة* {فَتْحاً قَرِيباً} هو فتح خيبر ليستريح اليه الأكثرون صلح الحديبية وبيعة الرضوان
اطفيش
تفسير : {لَقَد صَدَق اللَّهُ رسُولَه الرُّؤيا بالحقِّ} يتعلق بمحذوف مفعول مطلق، أى صدقا مقترنا بالحق الذى هو ضد الباطل، وهو الغرض الصحيح، والحكمة البالغة، وهو ظهور الشاك فى الدين، والراسخ فيه، ولذلك أخر الرؤيا الى العام القابل بعد الحديبية، أو حال من الرؤيا أى مقترنه بالصدق، لا أضغاث أحلام، أو من لفظ الجلالة، أو رسول الله أو متعلق بصدق وقوله: {لتَدخلنَّ المَسْجْد الحرام} جواب قسم محذوف، أى والله لتدخلن والوقف على بالحق، أو بوقف على الرؤيا، ويجعل بالحق قسما جوابه لتدخلن، فيكون الحق اسما لله تعالى أو ليدنه، ودينه مخلوق وهو التكليف به، والله يجوز له القسم بخلقه، ولا يجوز لنا القسم بغير الله إلا أفعاله، فيجوز لنا القسم بها وهى غير الله تعالى، بخلاف صفاته فانها هو. وصدق يتعدى لواحد يقال: صدق زيد فى قوله وفى فعله، ولاثنين تقول: صدق الناس زيدا قولهم وفعلهم، كما فى الآية، وكذا كذب، والذى بالحرف فيهما هو الثانى والصدق والكذب يكونان فى القول والفعل، وما فى الآية من الفعل، وقيل الثانى منصوب على نزع الجار، رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل الخروج الى الحديبية أنه وأصحابه دخلوا مكة آمنين محلقين رءوسهم ومقصرين وهو الصحيح، وعن مجاهد أنه رآها فى الحديبية، والجمهور على الأول ففرحوا، وظنوا أن ذلك فى عامهم أو سفرتهم سفرة الحديبية، وقالوا: إن رؤيا الرسول حق، ولما تأخر قال عبد الله بن أبى، وعبد الله بن نفيل، ورفاعة بن الحارث معرضين بكذبه حاشاه صلى الله عليه وسلم: والله ما حلقنا ولا قصرنا، ولا رأينا المسجد الحرام، فنزلت الآية، وقال عمر رضى الله عنه مصدقا طالبا لتفسير الرؤيا، وليس فى كلامه صلى الله عليه وسلم اشتراط المشيئة، وهى فى الآية كما قال الله عز وجل: {إنْ شَاء الله} الله عالم بوقوع ما يقع، وبعدم وقوع ما لا يقع فالشرطية تعليم للخلق أن يستثنوا فيما لا يعلمون، واشارة الى أن دخول المسجد الحرام لمشيئته لا لجلادتهم وتدبيرهم، وقيل: الشرطية راجعه الى المخاطبين مثل ما قيل فى صيغة الترجى فى كلام الله تعالى أنها راجعة اليهم، وبحث بأن تغليب الشاكين لا يناسب المقام، بل الأمر المناسب تغليب غير الشاكين، وان أريد بالشاكين المؤمنون صح بأن يعتقدوا أن دخول المسجد الحرام يكون ان شاءه الله تعالى، وقيل: لتدخلن المسجد الحرام كلكم ان شاء الله، وليس هذا مغنيا فى الجواب، لأنه تعالى جازم بأنهم يدخلونه جميعا، ولا شك فى المشيئة، وان قضى أن يدخله بعض دون بعض دخله بعض فقط ولا شك. ثم ظهر وجه آخر لا اشكال فيه ولا حذف، هو أنه أجرى الأمر على الابهام، كأنه قيل: ان شاء الله دخلتموه، ولا مانع فانتظروا فما وقع، فهو مشيئته الأزلية كأنه قيل الأمر راجع الى مشيئته، وقد شاء دخوله، أو ان شاء دخلتم كلكم، وان شاء دخل جلكم، وقد شاء ما وقع من ذلك بعد دخول الجل إذ مات بعض كما قيل: ان قوله "إنْ شاء الله" كناية عن أن بعضا يموت قبل الدخول، وقيل ذلك من ملك الرؤيا ترجح عنده الدخول فأكده، واستثنى المشيئة، وكذا إن قيل ذلك الاستثناء منه صلى الله عليه وسلم فى اليقظة، ورد بأنه لم يقل قال محمد: ان شاء الله، وكيف يدخل كلام غير الله فى كلام الله تعالى بلا حكاية، ويبعد ما اجيب به من أن جواب القسم بيان للرؤيا وقائلها فى المنام ملك، وفى اليقظة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهى فى حكم المحكى، وقول الرسول: ان شاء الله أقل بعدا من قول الملك: ان شاء الله،ولا يثبت ما قيل أن بمعنى إذ، كما قيل فى قوله تعالى: "أية : وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين" تفسير : [آل عمران: 139] وقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : وإنا إنْ شاء الله بكم لاحقون ". تفسير : {آمنين} من العد، وحال من فاعل تدخل المحذوف للساكن مقارنة، لأن الأمن والدخول فى وقت واحد {مُحلِّقين رءوسَكُم} حال مقدرة وكذا قوله: {ومقصِّرين} لأن التحليق والتقصير بعد الدخول لا معه، وإن جعلناهما حالين من المستتر فى آمنين كانا متقارنين، لأن الأمن مستمر الى التحليق والتقصير، والتحليق الشديد، لأن التشديد للمبالغة، ووجهها أنه يحلق شعر رأسه كله، يحلق بعض لبعض ولا يحلق لنفسه كي لا يجرح رأسه، والتقصير حلق بعض لبعض بعض شعر رأسه، والشد للمبالغة لأنه بحلق لا بقص، أو الشد لموافقة الثلاثين، وان جعلنا التقصير قصر الشعر كله فالمبالغة بتعميم شعر الرأس كله، ولو بقليل والمرأة تحلق شيئا قليلا، وان شاءت قصت أعالى شعر رأسها كله أو بعضه، وقيل لا تحلق ولو قليلا، وفى ذلك حذفان: الأصل محلقين شعور رءوسكم، ومقصرين رءوسكم، أى مقصرين شعورها، وفى الحذف المبالغة بجعل الرءوس محلقة ومقصرة. والآية مخيرة بين التحليق والتقصير، والمشهور كراهة حلق بعض الرأس، ويحرم عليها حلقه كله، وما ليس قليلا، والتحليق للرجال أفضل، ولذلك قدم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : "اللهم اغفر للمحلقين" قالوا: يا رسول الله والمقصرين، قال: "اللهم اغفر للمحلقين" قالوا: يا رسول الله والمقصرين، قال: "اللهم اغفر للمحلقين" قالوا: يا رسول الله والمقصرين، قال: "والمقصرين"" تفسير : رواه أحمد والبخارى ومسلم وابن ماجه، عن أبى هريرة، قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : ليس حلق وإنما على النساء التقصير" تفسير : رواه أبو داود، والبيهقى، عن ابن عباس، وأمر صلى الله عليه وسلم الحالق له أن بيدأ بالجانب الأيمن، ويبلغ الى العظمين أى العظمين اللذين من قدام عن الأذنين، رواه ابن أبى شيبة عن أنس. {لا تَخافُون} حال مؤكدة من فاعل تدخل، ومن المستتر فى آمنين، والخوف من العدو، وان كان الخوف من تباعة فى التحليق أو التقصير، أو نقص ثواب فمؤسسة، وان جعلناه حالا من المستتر فى محلقين، ويقدر مثله للمقصرين أو بالعكس فمؤسسة أيضا إذ لا شعور التحليق أو التقصير بانتفاء الخوف، أو الجملة مستأنفة كأنه قيل: إلا من حال الدخول فكيف ما بعده، فقال لا تخافون بعده، كما لا تخافون قبله {فعَلم ما لَم تَعلمُوا} الفاء للترتيب الذكرى، وإن أولنا علم بمعنى ظهر علمه فالترتيب على أصله زمانى، ولا يصح ما قيل من أن الترتيب باعتبار التعلق الفعلى بالمعلوم، أى فعلم عقب ما أراه الرؤيا الصادقة ما لم تعلموا من الحكمة الداعية لتقديم ما يشهد، للصدق علما فعلياً، لأنا نقول لا زائد فى ذلك على العلم الأزلى، فان تلك الحكمة قد علمها فى الأزل، بخلاف قوله تعالى: "أية : ولما يعلم الله الذين جاهدوا" تفسير : [التوبة: 16] الخ، فانه اذا انتفى صبرهم علم بانتفائه، ولم يجهل كما علم فى الأزل انه سينتفى. {فجَعَل} بسبب هذا العلم كما دلت عليه الفاء {من دون ذَلكَ} المذكور من الدخول فى أمن من العدو وما بعده، أى قبل تحقق صلح الحديبية، وما قيل بيعة الرضوان، وقيل فتح خيبر، وفيه أن فتحها بعد الحديبية لا قبلها، وأجيب بأن المراد بالجعل الوعد المنجز عن قريب، يستدل به على صدق الرؤيا، ويستر يجوز اليها، وقيل الفتح القريب فتح مكة، فيكون المعنى ما لم تعلموا من الحكمة فى تأخير فتح مكة الى العام القابل، ومعنى دون ذلك غير ذلك، ويرده أن الواقع فتح مكة فى العام الثامن لا فى العام القابل بعدد دخولهم آمنين إلا إن أراد بالعام القابل العام الثامن أو أراد بفتح مكة دخولها آمنين، وذلك خلاف ظاهر عبارته، ويرده أيضا الفاء، لأن علمه متقدم على ارادة الرؤيا، ويجاب بأنها للترتيب الذكرى، وبأن علم بمعنى ظهر علمه لكم، وهو علمه بالحكمة.
الالوسي
تفسير : {لَّقَدْ صَدَقَ ٱللَّهُ رَسُولَهُ ٱلرُّءْيَا } رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام قبل خروجه إلى الحديبية، وأخرج ابن المنذر وغيره عن مجاهد أنه عليه الصلاة والسلام رأى وهو في الحديبية والأول أصح أنه هو وأصحابه دخلوا مكة آمنين وقد حلقوا وقصروا فقص الرؤيا على أصحابه ففرحوا واستبشروا وحسبوا أنهم داخلوها في عامهم وقالوا: إن رؤيا رسول الله صلى الله عليه وسلم حق فلما تأخر ذلك قال على طريق الاعتراض عبد الله بن أبـي وعبد الله بن نفيل ورفاعة بن الحرث: والله ما حلقنا ولا قصرنا ولا رأينا المسجد الحرام فنزلت. وقد روي عن عمر رضي الله تعالى عنه أنه قال نحوه على طريق الاستكشاف ليزداد يقينه، وفي رواية أن رؤياه صلى الله عليه وسلم إنما كانت أن ملكاً جاءه فقال له: {لَتَدْخُلُنَّ } الخ، والمعنى لقد صدقه سبحانه في رؤياه على أنه من باب الحذف والإيصال كما في قولهم: صدقني سن بكره، وتحقيقه أنه تعالى أراه الرؤيا الصادقة. وقال الراغب: ((الصدق يكون بالقول ويكون بالفعل وما في الآية صدق بالفعل وهو التحقيق أي حقق سبحانه رؤيته)). وفي «شرح الكرماني» كذب يعتدى إلى مفعولين يقال: كذبني الحديث وكذا صدق كما في الآية، وهو غريب لتعدي المثقل لواحد والمخفف لمفعولين انتهى. وفي «البحر» صدق يتعدى إلى اثنين الثاني منهما بنفسه وبحرف الجر تقول صدقت زيداً الحديث وصدقته في الحديث، وقد عدها بعضهم في أخوات أستغفر وأمر والمشهور ما أشرنا إليه أولاً. {بِٱلْحَقّ } صفة لمصدر محذوف أي صدقاً ملتبساً بالحق أي بالغرض الصحيح والحكمة البالغة وهو ظهور حال المتزلزل في الإيمان والراسخ فيه، ولأجل ذلك أخر وقوع الرؤيا إلى العام القابل، أو حال من الرؤيا أي ملتبسة بالحق ليست من قبيل أضغاث الأحلام، وجوز كونه حالاً من الاسم الجليل وكونه حالاً من {رَسُولِهِ } وكونه ظرفاً لغواً ـ لصدق ـ وكونه قسماً بالحق الذي هو من أسمائه عز وجل أو بنقيض الباطل. وقوله تعالى: {لَتَدْخُلُنَّ ٱلْمَسْجِدَ ٱلْحَرَامَ } عليه جواب القسم والوقف على {ٱلرُّءْيَا} وهو على جميع ما تقدم جواب قسم مقدر والوقف على {ٱلْحَقّ } أي والله لتدخلن الخ، وقوله سبحانه: {إِنْ شَاء ٱللَّهُ } تعليق للعدة بالمشيئة لتعليم العباد، وبه ينحل ما يقال: إنه تعالى خالق للأشياء كلها وعالم بها قبل وقوعها فكيف وقع التعليق منه سبحانه بالمشيئة؟ وفي معنى ما ذكر قول ثعلب: استثنى سبحانه وتعالى فيما يعلم ليستثني الخلق فيما لا يعلمون. وفيه تعريض بأن وقوع الدخول من مشيئته تعالى لا من جلادتهم وتدبيرهم، وذكر الخفاجي أنه قد وضع فيه الظاهر موضع الضمير وأصله لتدخلنه لا محالة إلا إن شاء عدم الدخول فهو وعد لهم عدل به عن ظاهره لأجل التعريض بهم والإنكار على المعترضين على الرؤيا فيكون من باب الكناية انتهى. وقد أجيب عن السؤال بغير ذلك فقيل: الشك راجع إلى المخاطبين، وفيه شيء ستعلمه قريباً إن شاء الله تعالى؛ وقال الحسين بن الفضل: / إن التعليق راجع إلى دخولهم جميعاً وحكي ذلك عن الجبائي، وقيل: إنه ناظر إلى الأمن فهو مقدم من تأخير أي لتدخلنه حال كونكم {ءامِنِينَ } من العدو إن شاء الله. وردهما في «الكشف» فقال: أما جعله قيد دخولهم بالأسر أو الأمن ففيه أن السؤال بعد باق لأن الدخول المخصوص أيضاً خبر من الله تعالى وهو ينافي الشك، وليس نظير قول يوسف عليه السلام: {أية : ٱدْخُلُواْ مِصْرَ إِن شَآءَ ٱللَّهُ آمِنِينَ} تفسير : [يوسف: 99] إذ لا يبعد أن لا يعرف عليه السلام مستقر الأمر من الأمن أو الخوف فإما أن يؤول بأن الشك راجع إلى المخاطبين أو بأنه تعليم، والثاني أولى لأن تغليب الشاكين لا يناسب هذا المساق بل الأمر بالعكس. ودفع وروده على الحسين بأن المراد أنه في معنى ليدخلنه من شاء الله دخوله منكم فكيون كناية عن أن منهم من لا يدخله لأن أجله يمنعه منه فلا يلزم الرجوع لما ذكر. وقيل: هو حكاية لما قاله ملك الرؤيا له صلى الله عليه وسلم وإليه ذهب ابن كيسان أو لما قاله هو عليه الصلاة والسلام لأصحابه. ورد صاحب «التقريب» بأنه كيف يدخل في كلامه تعالى ما ليس منه بدون حكاية. ودفع بأن المراد أن جواب القسم بيان للرؤيا وقائلها في المنام الملك وفي اليقظة الرسول صلى الله عليه وسلم فهي في حكم المحكي في دقيق النظر كأنه قيل: وهي قول الملك أو الرسول لتدخلن الخ، وأنت تعلم أن هذا وإن صحح النظم الكريم لا يدفع البعد، وقد اعترض به على ذلك صاحب «الكشف» لكنه ادعى أن كونه حكاية ما قاله الرسول عليه الصلاة والسلام أقل بعداً من جعله من قول الملك، وقال أبو عبيدة وقوم من النحاة: {إِن} بمعنى إذ وجعلوا من ذلك قوله تعالى: {أية : وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ } تفسير : [آل عمران: 139] وقوله صلى الله عليه وسلم في زيارة القبور: «حديث : أنتم السابقون وإِنّا إن شاء الله بكم لاحقون»تفسير : والبصريون لا يرتضون ذلك. وقوله تعالى: {مُحَلّقِينَ رُءوسَكُمْ وَمُقَصّرِينَ } حال كآمنين من الواو المحذوفة لالتقاء الساكنين من قوله تعالى: {لَتَدْخُلُنَّ } إلا أن آمنين حال مقارنة وهذا حال مقدرة لأن الدخول في حال الإحرام لا في حال الحلق والتقصير، وجوز أن يكون حالاً من ضمير {ءامِنِينَ } والمراد محلقاً بعضكم رأس بعض ومقصراً آخرون ففي الكلام تقدير أو فيه نسبة ما للجزء إلى الكل، والقرينة عليه أنه لا يجتمع الحلق وهو معروف والتقصير وهو أخذ بعض الشعر فلا بد من نسبة كل منهما لبعض منهم. وقوله تعالى: {لاَ تَخَـٰفُونَ } حال من فاعل {لَتَدْخُلُنَّ } أيضاً لبيان الأمن بعد تمام الحج و {ءامِنِينَ } فيما تقدم لبيان الأمن وقت الدخول فلا تكرار أو حال من الضمير المستتر في {ءامِنِينَ } فإن أريد به معنى آمنين كان حالاً مؤكدة، وإن أريد لا تخافون تبعة في الحلق أو التقصير ولا نقص ثواب فهو حال مؤسسة، ولا يخفى الحال إذا جعل حالاً من الضمير في {مُحَلّقِينَ } أو {مُقَصِّرِينَ }، وجوز أن يكون استئنافاً بيانياً في جواب سؤال مقدر كأنه قيل: فكيف الحال بعد الدخول؟ فقيل: لا تخافون أي بعد الدخول. واستدل بالآية على أن الحلق غير متعين في النسك بل يجزىء عنه التقصير، وظاهر تقديمه عليه أنه أفضل منه وهو الذي دلت عليه الأخبار في غير النساء. أخرج الشيخان وأحمد وابن ماجه عن أبـي هريرة قال: «حديث : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم اللهم اغفر للمحلقين قالوا: يا رسول الله والمقصرين قال: اللهم اغفر للمحلقين ثلاثاً قالوا: يا رسول الله والمقصرين قال: والمقصرين»تفسير : وأما في النساء فقد أخرج أبو داود والبيهقي في «سننه» عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ليس على النساء حلق وإنما على النساء التقصير»تفسير : والسنة في الحلق أن / يبدأ بالجانب الأيمن، فقد أخرج ابن أبـي شيبة حديث : عن أنس أنه رأى النبـي صلى الله عليه وسلم قال للحلاق هكذا وأشار بيده إلى جانب الأيمن وأن يبلغ به إلى العظمين تفسير : كما قال عطاء. وأخرج ابن أبـي شيبة أيضاً عن ابن عباس وابن عمر رضي الله تعالى عنهم أنهما كانا يقولان للحلاق أبدأ بالأيمن وأبلغ بالحلق العظمين، واستدل بالآية أيضاً على أن التقصير بالرأس دون اللحية وسائر شعر البدن إذ الظاهر أن المراد ومقصرين رؤسكم أي شعرها لظهور أن الرؤس أنفسها لا تقصر. {فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا} الظاهر عطفه على {لَّقَدْ صَدَقَ } فالترتيب باعتبار التعلق الفعلي بالمعلوم أي فعلم عقيب ما أراه الرؤيا الصادقة ما لم تعلموا من الحكمة الداعية لتقديم ما يشهد للصدق علماً فعلياً، وقيل: الفاء للترتيب الذكري {فَجَعَلَ } لأجل هذا العلم {مِن دُونِ ذَلِكَ } أي من دون تحقق مصداق ما أراه من دخول المسجد الحرام آمنين الخ، وقيل: أي من دون فتح مكة، والأول أظهر، وهذا أنسب بقوله تعالى: {فَتْحاً قَرِيباً } وهو فتح خيبر كما قال ابن زيد وغيره، والمراد بجعله وعده تعالى وإنجازه من غير تسويف ليستدل به على صدق الرؤيا وتستروح قلوب المؤمنين إلى تيسر وقوعها. وقال في «الكشاف»: {مَّا لَمْ تَعْلَمُواْ } أي من الحكمة في تأخير فتح مكة إلى العام القابل. وفيه أمران: الأول: أن فتح مكة لم يقع في العام الذي قاله بل في السنة الثامنة، والتجوز في العام القابل أو تأويل الفتح بدخول المؤمنين مكة معتمرين لا يخفى حاله. الثاني: إباء الفاء عما ذكر لأن علمه تعالى بذلك متقدم على إراءة الرؤيا قطعاً. وأجيب عن هذا بالتزام كون الفاء للترتيب الذكري أو كون المراد فأظهر معلومه لكم وهو الحكمة فتدبر. ونقل عن كثير من الصحابة رضي الله تعالى عنهم أن الفتح القريب في الآية هو بيعة الرضوان، وقال مجاهد وابن إسحٰق: هو فتح الحديبية، ومن الغريب ما قيل: إن المراد به فتح مكة مع أنه لم يكن دخول الرسول عليه الصلاة والسلام وأصحابه دون مكة على أنه مناف للسياق كما لا يخفى.
ابن عاشور
تفسير : استئناف بياني ناشىء عن قوله: {أية : فأنزل اللَّه سكينته على رسوله وعلى المؤمنين}تفسير : [الفتح: 26] ودحض ما خامر نفوس فريق من الفشل أو الشك أو التحير وتبيين ما أنعم الله به على أهل بيعة الرضوان من ثواب الدنيا والآخرة إلى كشف شبهة عرضت للقوم في رؤيا رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رؤيا قبل خروجه إلى الحديبية، أو وهو في الحديبية: كأنه وأصحابه قد دخلوا مكة آمنين وحَلَقوا وقصَّروا. هكذا كانت الرؤيا مُجملة ليس فيها وقوع حجّ ولا عمرة، والحلاق والتقصير مناسب لكليهما. وقصَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم رؤياه على أصحابه فاستبشروا بها وعبَّروها أنهم داخلون إلى مكة بعمرتهم التي خرجوا لأجلها، فلما جرى الصلح وتأهب الناس إلى القفول أثار بعض المنافقين ذكر الرؤيا فقالوا: فأين الرؤيا فوالله ما دخلنا المسجد الحرام ولا حلقنا وقصرنا؟ فقال لهم أبو بكر رضي الله عنه: إن المنام لم يكن موقتا بوقت وأنه سيدخل وأنزل الله تعالى هذه الآية. والمعنى أن رؤيا رسول الله صلى الله عليه وسلم حق وأن الله أوحى إليه بها وأنها وإن لم تقع في تلك القضية فستحقق بعد ذلك وكأنَّ الحكمة في إراءة الله رسوله صلى الله عليه وسلم تلك الرؤيا أيامئذٍ وفي إخبار الرسول صلى الله عليه وسلم أصحابه بها: أن الله أدخل بذلك على قلوبهم الثقة بقوتهم وتربية الجراءة على المشركين في ديارهم فتسلم قلوبهم من ماء الجبن فإن الأمراض النفسية إذا اعترت النفوس لا تلبث أن تترك فيها بقايا الداء زماناً كما تبقى آثار المرض في العضو المريض بعد النقاهة زماناً حتى ترجع إلى العضو قوته الأولى بعد مدة مناسبة. وتوكيد الخبر بحرف (قد) لإبطال شبهة المنافقين الذين قالوا: فأين الرؤيا؟ ومعنى {صدق اللَّه رسوله الرؤيا} أنه أراه رؤيا صادقة لأن رؤيا الأنبياء وحي فآلت إلى معنى الخبر فوصفت بالصدق لذلك. وهذا تطْمين لهم بأن ذلك سيكون لا محالة وهو في حين نزول الآية لمَّا يحصل بقرينة قوله: {إن شاء اللَّه}. وتعدية {صدق} إلى منصوب ثان بعد مفعوله من النصب على نزع الخافض المسمّى بالحذف والإيصال، أي حذف الجار وإيصال الفعل إلى المجرور بالعمل فيه النصب. وأصل الكلام: صدق الله رسوله في الرؤيا كقوله تعالى: {أية : صدقوا ما عاهدوا الله عليه}تفسير : [الأحزاب: 23]. والباء في {بالحق} للملابسة وهو ظرف مستقر وقع صفة لمصدر محذوف، أي صدقاً ملابسا الحق، أو وقوع حالا صفة لمصدر محذوف، أي صدقا ملابساً وقع حالاً من الرؤيا. والحق: الغرض الصحيح والحكمة، أي كانت رؤيا صادقة وكانت مَجْعُولة محكمة وهي ما قدمناه آنفاً. وجملة {لتدخلن المسجد الحرام} إلى آخرها يجوز أن يكون بياناً لجملة {صدق اللَّه} لأن معنى {لتدخلن} تحقيق دخول المسجد الحرام في المستقبل فيعلم منه أن الرؤيا إخبار بدخول لم يعين زمنه فهي صادقة فيما يتحقق في المستقبل. وهذا تنبيه للذين لم يتفطنوا لذلك فجزموا بأن رؤيا دخول المسجد تقتضي دخولهم إليه أيامئذٍ وما ذلك بمفهوم من الرؤيا وكان حقهم أن يعلموا أنها وعد لم يعين إبان موعوده وقد فهم ذلك أبو بكر إذ قال لهم: إن المنام لم يكن موقتاً بوقت وأنه سيدخل. وقد جاء في سورة يوسف (100) {أية : وقال يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل}تفسير : . وليست هذه الجملة بياناً للرؤيا لأن صيغة القسم لا تلائم ذلك. والأحسن أن تكون جملة لتدخلن المسجد الحرام} استئنافاً بيانياً عن جملة {صدق اللَّه رسوله} أي سيكون ذلك في المستقبل لا محالة فينبغي الوقف عند قوله: {بالحق} ليظهر معنى الاستئناف. وقوله: {إن شاء اللَّه} من شأنه أن يذيل به الخبر المستقبل إذا كان حصوله متراخياً، ألا ترى أن الذي يقال له: افعل كذا، فيقول: أفعل إن شاء الله، لا يفهم من كلامه أنه يفعل في الحال أو في المستقبل القريب بل يفعله بعد زمن ولكن مع تحقيق أنه يفعله. ولذلك تأولوا قوله تعالى في سورة يوسف (99) {أية : وقال ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين}تفسير : أنّ {إن شاء اللَّه} للدخول مع تقدير الأمن لأنه قال ذلك حين قد دخلوا مصر. أما ما في هذه الآية فهو من كلام الله فلا يناسبه هذا المحمل. وليس المقصود منه التنصل من التزام الوعد، وهذا من استعمالات كلمة {إن شاء اللَّه}. فليس هو مثل استعمالها في اليمين فإنها حينئذٍ للثُّنْيا لأنها في موضع قولهم: إلا أن يشاء الله، لأن معنى: إلا أن يشاء الله: عدم الفعل، وأما إن شاء الله، التي تقع موقع: إلا أن يشاء الله، فمعناه إن شاء الله الفعلَ. والموعود به صادق بدخولهم مكة بالعمرة سنة سبع وهي عمرة القضية، فإنهم دخلوا المسجد الحرام آمنين وحَلق بعضهم وقصّر بعض غير خائفين إذ كان بينهم وبين المشركين عهد، وذلك أقرب دخول بعد هذا الوعد، وصادق بدخولهم المسجد الحرام عام حجة الوداع، وعدمُ الخوف فيه أظهر. وأما دخولهم مكة يوم الفتح فلم يكونوا فيه محرمين. قال مالك في «الموطأ» بعد أن ساق حديث قتل ابن خطل يومَ الفتح (ولم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذٍ محرماً والله أعلم). و {محلقين رؤوسكم} حال من ضمير {آمنين} وعطف عليه {ومقصرين} والتحليق والتقصير كناية عن التمكن من إتمام الحج والعمرة وذلك من استمرار الأمن على أن هذه الحالة حكت ما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم في رؤياه، أي يحلق من رام الحلق ويقصر من رام التقصير، أي لا يعجلهم الخوف عن الحلق فيقتصروا على التقصير. وجملة {لا تخافون} في موضع الحال فيجوز أن تكون مؤكدة لــ {آمنين} تأكيداً بالمرادف للدلالة على أن الأمن كامل محقق، ويجوز أن تكون حالاً مؤسسة على أن {آمنين} معمول لفعل {تدخلُنّ} وأن {لا تخافون} معمول لــ {ءامنين}، أي آمنين أمن مَن لا يخاف، أي لا تخافون غدراً. وذلك إيماء إلى أنهم يكونون أشد قوة من عدوّهم الذي أمنهم، وهذا يُومِىءُ إلى حكمة تأخير دخولهم مكة إلى عام قابل حيث يزدادون قوة واستعداداً وهو أظهر في دخولهم عام حجة الوداع. والفاء في قوله: {فعلم ما لم تعلموا} لتفريع الأخبار لا لتفريع المخبر به لأن علم الله سابق على دخولهم وعلى الرؤيا المؤذنة بدخولهم كما تقدم في قوله تعالى: {أية : فعلم ما في قلوبهم}تفسير : [الفتح: 18]. وفي إيثار فعل {جعل} في هذا التركيب دون أن يقول: فتح لكم من دون ذلك فتحاً قريباً أو نحوه إفادة أن هذا الفتح أمره عجيب ما كان ليحصل مثله لولا أن الله كونه. وصيغة الماضي في {جعل} لتنزيل المستقبل المحقق منزلة الماضي، أو لأن {جعل} بمعنى قدر. و (دون) هنا بمعنى (غير)، و (مِن) ابتدائية أو بيانية. والمعنى: فجعل فتحاً قريباً لكم زيادة على ما وعدكم من دخول مكة آمنين. وهذا الفتح أوله هو فتح خيبر الذي وقع قبل عمرة القضية وهذا القريب من وقت الصلح.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق: أي جعل الله رؤيا رسوله التي رآها في النوم عام الحديبية حقاً. لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين: هذا مضمون الرؤيا أي لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين. محلقين رؤوسكم ومقصرين: أي حالقين جميع شعوركم أو مقصرينها. لا تخافون: أي أبداً حال الإِحرام وبعده. فعلم ما لم تعلموا: أي في الصلح الذي تَمَّ، أي لم تعلموا من ذلك المعرة التي كانت تلحق المسلمين بقتالهم إخوانهم المؤمنين وهم لا يشعرون. فجعل من دون ذلك فتحاً قريبا: هو فتح خيبر وتحققت الرؤيا في العام القابل. هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق: فلذا لا يخلفه رؤياه بل يصدقه فيها. ليظهره على الدين كله: أي ليُعليه على سائر الأديان بنسخ الحق فيها، وإبطال الباطل فيها، أو بتسليط المسلمين على أهلها فيحكمونهم. وكفى بالله شهيدا: أي إنك مرسل بما ذكر أي بالهدى ودين الحق. معنى الآيات: ما زال السياق في صلح الحديبية وما تم فيه من أحداث فقال تعالى {لَّقَدْ صَدَقَ ٱللَّهُ رَسُولَهُ} أي محمداً صلى الله عليه وسلم {ٱلرُّءْيَا بِٱلْحَقِّ} أي الرؤيا التي رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبر بها أصحابه عند خروجهم من المدينة إلى مكة فقد أخبر بها أصحابه فسروا بذلك وفرحوا ولما تم الصلح بعد جهاد سياسي وعسكري مرير، وأمرهم الرسول أن ينحروا ويحلقوا اندهشوا لذلك وقال بعضهم أين الرؤيا التي رأيت؟ ونزلت سورة الفتح عند منصرفهم من الحديبية وفيها قوله تعالى {لَتَدْخُلُنَّ ٱلْمَسْجِدَ ٱلْحَرَامَ إِن شَآءَ ٱللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لاَ تَخَافُونَ}، وقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق فلما جاء العام القابل وفي نفس الأيام من شهر القعدة خرج رسول الله والمسلمون محرمين يُلبون وأخلت لهم قريش المسجد الحرام فطافوا بالبيت وسعوا بين الصفا والمروة وتحللوا من عمرتهم فمنهم المحلق ومنهم المقصر. وقوله تعالى فعلم ما لم تعلموا فأثبت الصلح وقرره لأنه لو كان قتال ولم يكن صلح لهلك المؤمنون بمكة والمؤمنات بالحرب وتحصل بذلك معرة كبرى للمسلمين الذين قتلوا إخوانهم في الإِسلام هذا من بعض الأمور التي اقتضت الصلح وترك التقال وقوله وجعل من دون ذلك فتحا قريبا الصلح فتح، وفتح خيبر فتح، وفتح مكة فتح، وكلها من الفتح القريب. وقوله هو الذي أرسل رسوله أي محمد بالهدى ودين الحق أي الإِسلام فكيف إذاً لا يصدقه رؤياه كما ظن البعض وكفى بالله شهيداً على أنك يا محمد مرسل بما ذكر تعالى من الهدى والدين الحق وإظهاره على الدين كله بنسخ الحق الذي فيه وابطال الباطل الذي ألصق به. أو بتسليط المسلمين على قهر وحكم أهل تلك الأديان الباطلة وقد حصل من هذا شيء كبير. هداية الآيتين: من هداية الآيتين: 1- تقرير أن رؤيا الأنبياء حق. 2- تعبير الرؤيا قد يتأخر سنة أو أكثر. 3- مشروعية الحلق والتقصير للتحلل من الحج أو العمرة وإن الحلق أفضل لتقدمه. 4- مشروعية قول إن شاء الله في كل قول أو عمل يراد به المستقبل. 5- الإِسلام هو الدين الحق وما عداه فباطل.
القطان
تفسير : الرؤيا: ما يراه النائم. صدَق الله رسوله الرؤيا: صدقه فيما رآه في نومه ولم يكذبه. محلّقين رؤوسكم ومقصرين: بعضكم يحلق شعره كله، وبعضكم يقصر منه. ليُظهره على الدين كله: ليعليه على سائر الأديان. فضلا: ثوابا. سِيماهم: علامتهم. مثَلهم: وصفهم. شَطْأه: شطأ الزرع ما يتفرع عليه من أغصان وورق وثمر. آزره: أعانه وقوّاه. وهو من المؤازرة وهي المعاونة. استوى: استقام. على سوقه: على قصبه وأصوله، والسوق جمع ساق. رأى النبي عليه الصلاة والسلام في منامه وهو في المدينة قبل ان يخرج الى الحديبية رؤيا أنه يدخلُ المسجدَ الحرام هو واصحابه آمنين، منهم من يحلق شعره كله، ومنهم من يقصّر منه. فأخبر بذلك أصحابه، ففرحوا وحسبوا انهم داخلون مكة في ذلك العام الذي خرجوا فيه الى الحديبية. فلما انصرفوا ولم يدخلوا مكة شقَّ ذلك عليهم، وقال المنافقون: أين رؤيا النبي التي رآها؟ فانزل الله تعالى هذه الآية. ودخلوا في العام المقبل. وهذا معنى {لَّقَدْ صَدَقَ ٱللَّهُ رَسُولَهُ ٱلرُّؤْيَا بِٱلْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ ٱلْمَسْجِدَ ٱلْحَرَامَ...الآية} {فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَلِكَ فَتْحاً قَرِيباً} هو صلح الحديبية وفتح خيبر. ثم أكد صدقَ الرسول الكريم في الرؤيا بقوله: {هُوَ ٱلَّذِيۤ أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِٱلْهُدَىٰ وَدِينِ ٱلْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيداً} وهذا وعدٌ من الله حقّقه للرسول الكريم في حياته ثم انتشر الاسلام في جميع أرجاء الأرض في اقصر مدة. وبعد ان بين الله تعالى انه ارسل رسوله بالهدى ودين الحق الذي هو الاسلام، ليظهره على جميع الاديان - أردف ذلك ببيان أوصاف الرسول الكريم واصحابه. فوصفهم بأوصافٍ كلها مدائح لهم، وذكرى لمن بعدهم. بتلك الاوصاف سادوا الأمم، وامتلكوا الدول، ونشروا الاسلام، وقبضوا على ناصية العالم. وهذه الصفات هي: 1- انهم أشدّاء على من خالف دينهم وبادأهم العداء، وهم متراحمون متعاطفون فيما بينهم. 2- انهم جعلوا الصلاة والاخلاصَ لله طريقتهم في أكثر أوقاتهم، لذلك تُبِصرهم راكعين خاشعين كثيرا. 3- وانهم بذلك يطلبون ثوابا عظيما من الله تعالى ورضوانا منه. 4- ذلك وصفهم البارز في التوراة. 5- وفي الانجيل ضرب بصفتهم المثل فقال: سيخرج قوم ينبُتون نبات الزرع، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر. ذلك انهم في بدء الاسلام كانوا قليلي العدد ثم كثروا وارتقى أمرهم يوما بعد يوم حتى أعجب الناسُ بهم، كصفة زرع اخرج اول ما ينشقّ عنه، فآزره فتحوّل من الدِقة الى الغِلظ، فاستقام على أصوله، يُعجِب الزراعَ بقوّته واكتماله. وكذلك كان حال المؤمنين لِيَغيظَ الله بهم وبقوّتهم الكفار. {وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً} وقد وفى سبحانه وتعالى بوعده ونصر رسوله وجُندَه، وهزم الأحزابَ وحده. بهذه الأوصاف الجليلة يختم هذه السورة العظيمة، وهذه اوصاف الأمة الاسلامية أيام عزها، يوم كان المسلمون مستمسكين بالعروة الوثقى، سائرين على هُدى دينهم بحق واخلاص. فانظر الآن وتأمل في حال المسلمين: يحيط بهم الذل والخوف من شرذمة من اليهود تجمعت في فلسطين، اغتصبت ديار الاسلام، وهي تضرب العرب في لبنان صباح مساء وتبيد الناس ابادة، وتهدم ما يصنع العرب من ادوات للتقدم حتى وصلت الى ضرب المفاعل الذري في بغداد، ويصرخ زعماؤها بتبجح اليهود المعروف انها لن تسمح للعرب أن يقيموا اية آلة تجعلهم يتقدمون صناعياً وعلميا. كل هذا وحكام العرب خائفون ساكتون كأن شيئا لم يحدث، وزعماؤهم يتباكون ويطلبون من أمريكا عدوّ العرب الأول أن تحلّ لهم قضيتهم! يا للذل والعار! كيف نستطيع ان نواجه ربنا غداً يوم نلقاه! ما هي العلة التي نتعلل بها لرسولنا الكريم! لعل الله ان يبدل الحالَ غير الحال، ويخضّر الزرعُ بعد ذبوله، وتعود الأمة الى سيرتها الأولى، متمسكة بدينها الحنيف، مجتمعة الكلمة، موحدة الهدف. واللهَ أسأل ان يلهمنا الصواب والرشد والرجوع الى ديننا الحنيف. وعند ذلك ينطبق علينا قوله تعالى: {وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً} والحمد لله رب العالمين.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلرُّءْيَا} {آمِنِينَ} {رُءُوسَكُمْ} (27) - قَبْلَ أَنْ يَخْرُجَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم مِنَ المَدِينةِ إِلى الحُدَيْبِيَةِ رَأَى في مَنَامِهِ أَنَّهُ يَدْخُلُ المَسْجِدَ الحَرَامَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ آمِنين، مِنْهُم مَنْ يَحْلِقُ شَعْرَ رَأسِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُقَصِّرُ شَعْرَهُ، فَأَخْبَرَ بِذَلِكَ أَصْحَابَه فَفَرِحُوا وَظَنُّوا أَنَّهُم يَدْخُلُونَ مَكَّةَ عَامَهُم ذَاك، فَلَمَّا انْصَرَفُوا عَائِدِينَ مِن الحُدَيبيَةِ، عَقِبَ تَوقِيعِ الصُّلْحِ مَعَ قُريشٍ بِدُونِ أَنْ يَدْخُلُوا مَكَّةَ، شَقَّ ذَلِكَ عَلَى بَعْضِ المُسْلِمِينَ، حَتَّى إِنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ جَاءَ أَبا بَكْرٍ وَعَدَداً مِنَ الصَّحَابَةِ يَسْأَلُ عَنْ أَسْبَابِ الرِّضَا بهذا الصُّلْحِ الذي ظَنَّهُ يَحْوي شُرُوطاً لَيْسَتْ في صَالِحِ الإِسْلامِ وَالمُسْلِمين، فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ: وَهَلْ قَالَ لَكَ رَسُولُ اللهِ إِنَّكَ سَتَدْخُلُ مَكَّةَ هذا العَامَ؟ قَالَ لاَ، قَالَ: فَإِنَّكَ سَتَأْتِيهِ وَسَتَطُوفُ بِهِ. وَيَذْكُرُ اللهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: أَنَّهُ أَرَى رَسُولَهُ في مَنَامِهِ أَنَّهُ يَدْخُلُ المَسْجِدَ الحَرَامَ مَعَ المُؤْمِنينَ، وَهُم آمِنُون مُطْمَئِنُّون، لاَ يَخافُونَ المُشْرِكين، وَقَدْ أَدَّوا مَنَاسِكَهُمْ، فَحَلَقَ بَعْضُهُم شَعْرَ رأْسِه، وَسَيَجْعَلُ مَا أَراهُ رَسُولَهُ حَقّاً. لَكِنَّهُ تَعَالى عَلِمَ أَنْ في مَكَّةَ رِجَالاً وَنِسَاءً مِنَ المُسْلِمِين لاَ يَعْرِفُهُمْ النَّبِيُّ وَأَصْحَابُهُ، وَلَوْ دَخَلُوا مَكَّةَ عَنْوَةً لَقَتَلُوا بَعْضَهُمْ، وَلأَصَابُوا بَعْضَهُمْ، فَرَدَّ اللهُ المُسْلِمِينَ فِي ذَلِكَ العَامِ لِيَمْنَعَ إِيذَاءَ المُسْلِمِينَ المُقِيمِينَ فِيها، وَجَعَلَ قَبْلَ دُخُولِ الرَّسُولِ وَالمسلِمِينَ مَكَّةَ فَتْحاً قَرِيباً، يُحَقِّقُهُ اللهُ لِرَسُولِهِ وَلِلمُؤْمِنينَ، وَهُوَ صُلْحُ الحُدَيْبِيَةِ وَفَتْحُ خَيْبَرَ، ثُمَّ حَقَّقَ لَهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ بِعَامَينَ فَتْحَ مَكَّةَ وَانْهِيَارَ الشِّرْكِ وَأَهْلِهِ. فَتْحاً قَرِيباً - صُلْحَ الحُدَيْبِيَةِ أَوْ فَتْحَ خَيْبَرَ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : الحق سبحانه وتعالى يقصّ علينا قصة شوق المسلمين للبيت بعد أن اغتربوا عن مكة مدة طويلة واشتاقوا لأداء العمرة وللطواف بالبيت، ولكن حمية الجاهلية وطيشها وغرورها بقوتها الكاذبة حالتْ دونهم ودون ما يريدون. والحق سبحانه حينما يتكلم في هذه المسألة يتكلم عنها على أنها رؤيا سبقتْ واقع القصة، والرؤيا كما تعلمون ما يراه النائم من أشياء، قد يكون لها واقع وقد لا يكون. والرؤيا تحدَّث القرآن عنها في قصة سيدنا يوسف عليه السلام: {أية : يٰأَبتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ}تفسير : [يوسف: 4]. وقد وقف المستشرقون عند هذه الآية، واعترضوا على أسلوب القرآن في تكرار الفعل (رأى) في هذه الآية {أية : وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ}تفسير : [يوسف: 4]. والمتأمل في القصة وتفاصيلها لا يجد تكراراً، لأن كلَّ فعل منهما له دلالة ومعنى، فالأول قال: {أية : رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ ..}تفسير : [يوسف: 4] ولم يقُلْ: ساجدين. وفي الأخرى قال: {أية : رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ...}تفسير : [يوسف: 4]. وهذا يعني أن الرؤيا الأولى غير الأخرى، الأولى رآهم بلا سجود، رأهم في وضعهم الطبيعي، ثم رآهم في حالة السجود، لأنك لا تعرف الشمس مثلاً ساجدة إلا إذا عرفتها غير ساجدة ثم طرأ عليها السجود. إذن: لابدَّ من تكرار الفعل هنا مرة لغير السجود، ومرة أخرى للسجود، يعني فوجىء بها تسجد، ولو قال: رأيتها ساجدة بدايةً لقُلْنا: كيف؟ لأن السجود لا يكون إلا بحركة ساكن وتحرّك بالسجود. إذن: الحق سبحانه لا يضع لفظاً إلا لغاية ومعنى، ولِلَقْطَة لابدَّ منها. ولما قَصَّ يوسف على أبيه هذه الرؤيا قال: {أية : قَالَ يٰبُنَيَّ لاَ تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَىٰ إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُواْ لَكَ كَيْداً ..}تفسير : [يوسف: 5] لأن سيدنا يعقوب عليه السلام علم أن هذه الرؤيا تعني علو شأن يوسف على إخوته، وإذا كانوا قد حقدوا عليه لاهتمام أبيه به أو منحه بعض العطف أكثر منهم. فكيف إذا قصَّ عليهم هذه الرؤيا؟ كيف إذا عرفوا أن الملأ الأعلى من المخلوقات سجدوا له؟ كذلك هنا رؤيا {لَّقَدْ صَدَقَ ٱللَّهُ رَسُولَهُ ٱلرُّءْيَا بِٱلْحَقِّ ..} [الفتح: 27] فكأن سيدنا رسول الله قد رأى رؤيا هي {لَتَدْخُلُنَّ ٱلْمَسْجِدَ ٱلْحَرَامَ إِن شَآءَ ٱللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لاَ تَخَافُونَ ..} [الفتح: 27]. وقد قصَّ رسول الله هذه الرؤيا على أصحابه، فاطمأنوا إلى دخولهم مكة وآداء العمرة، كذلك لما منعهم سفهاء قريش من دخول مكة تعجبوا واعترضوا على منعهم من الدخول. وسيدنا عمر يقول لسيدنا رسول الله: ألسنا على الحق؟ أليسوا على الباطل؟ قال: بلى، قال: فلِمَ نُعط الدنية في ديننا؟ صحيح هم على الحق وجاءوا على شوق للبيت، لكن إنْ دخلوا مكة غصباً ودون رضا أهلها ستقوم بينهم معركة. وقلنا: إنها ستصيب جماعة من المسلمين في مكة لم يعلنوا عن إسلامهم كما ذكر في الآية السابقة. لذلك قال الحق سبحانه بعدما {فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُواْ ..} [الفتح: 27] فالحق سبحانه أخبر نبيه بالرؤيا وصدَّقها في الواقع، لكن لم تحدث بعد، لأن الله يعلم من واقع الأمر ما لا تعلمون، لذلك أجَّل العمرة هذا العام، وجعل الرسول يعقد معاهدة الصلح بينه وبين كفار مكة على أنْ يؤدوا العمرة العام المقبل. واقرأ قوله تعالى: {لَتَدْخُلُنَّ ٱلْمَسْجِدَ ٱلْحَرَامَ إِن شَآءَ ٱللَّهُ ..} [الفتح: 27] ولم يحدد لها زمناً، فلو قال قائل مثلاً: ألم تقُلْ أننا سنؤدي العمرة وندخل المسجد الحرام يقول له: ليس بالضرورة هذا العام. والمتأمل في ألفاظ الآية يجدها تدل على هذا المعنى، وأن العمرة لن تكون هذا العام، نفهم هذا من معاني الكلمات {لَتَدْخُلُنَّ ٱلْمَسْجِدَ ٱلْحَرَامَ إِن شَآءَ ٱللَّهُ آمِنِينَ ..} [الفتح: 27]. فلو دخلتم دون إذن قريش ورضاها لن يتحقق لكم هذا الأمن، فسوف يقاتلونكم ويعتدون عليكم، حتى لو سمحوا لكم بالدخول فلنْ يتحملوا رؤيتكم وأنتم تطوفون بالبيت، وسوف تأخذهم حمية الجاهلية لابدَّ. ثم قال: {مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لاَ تَخَافُونَ ..} [الفتح: 27] وهذا أمن آخر بعد أداء العمرة، لأن قريشاً كانت إذا دخل أحد الحرم لنُسك لا يتعرضون له، لكن يعتدون عليه بعد أنْ يفرغ من نُسكه. فقوله {لاَ تَخَافُونَ ..} [الفتح: 27] دلَّ على أنهم آمنون في بداية العمرة وفي نهايتها، وهذا لا يتوفر لهم إلا إذا دخلوا برضا قريش وإذنها. كلمة {ٱلرُّءْيَا بِٱلْحَقِّ ..} [الفتح: 27] الحق هو: الشيء الثابت الذي لا يتغير، فما دام أن الله أراه الرؤيا فلا بدَّ أنْ تصدُقَ في الواقع، لأن رؤيا الأنبياء حَقٌّ، ونبوة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بدأت أول ما بدأت بالرؤيا الصادقة، وقد مكث رسول الله في مرحلة الرؤيا هذه ستة أشهر. فإذا ما قارنّا بين هذه المدة وبين مدة 23 سنة هي عمر بعثته صلى الله عليه وسلم وجدناها 1/46، لذلك ورد في الحديث الشريف حديث : أن الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوةتفسير : ، وبدأ النبوة بالرؤيا الصالحة لأنها تأتي والإنسان نائم، وليس له خواطر خاصة في شهوة أو خلافة. وقوله تعالى: {فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَلِكَ فَتْحاً قَرِيباً} [الفتح: 27] أي: جعل من بعد صلح الحديبية ورجوعهم بدون عمرة فتحاً قريباً للإسلام وللمسلمين. وهذا الفتح من عدة وجوه: أولاً الهدنة مع قريش والتصالح معها، وهذا التصالح أعطى فرصة لنشر الدعوة خارج مكة، حيث تفرَّغ المسلمون لذلك بعد أنْ أمنوا جانب قريش. وهذا يعني أيضاً الاعتراف بمحمد وبدعوته واحترام العهد معه، فقد أصبح للإسلام كلمة تُسمع بعد أنْ كان مضطهداً. ثم كان هذا الصلح عزة للمسلمين، كما قال تعالى {أية : وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ ٱلتَّقْوَىٰ وَكَانُوۤاْ أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا ..}تفسير : [الفتح: 26] كلمة الله هي كلمة (لا إله إلا الله)، لذلك قال فيها {أية : إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ ٱللَّهِ أَتْقَاكُمْ ..}تفسير : [الحجرات: 13] فالكرامة هنا، وإياكم أنْ تظنوا أن قريشاً حين تصدكم عن المسجد الحرام أن هذا يعني عزة لها، أبداً لأن العزة لله والكرامة عند الله بالتقوى، لا بالطيش والغرور بالقوة الكاذبة. والرسول صلى الله عليه وسلم في هذا الصُّلح يُعطينا درساً في الحنكة السياسية، فقد قبل الصلح مع الكفار، وقبل أن يعود هو وأصحابه دون دخول مكة هذا العام وهم على مقربة منها، لأن في ذلك صالح المسلمين والإسلام، حتى إنه في أثناء المعاهدة تنازل عن أشياء ما كان أحد يظن أنه يتنازل عنها. فلما جاءوا لكتابة المعاهدة أملى رسول الله الكاتب وهو الإمام علي: هذا ما تعاهد عليه محمد رسول الله، فقال سهيل بن عمرو: لا لو كنا نعلم أنك رسول الله ما حاربناك ولا وقفنا منك هذا الموقف، فردَّ عليه رسول الله: بل اكتب محمد بن عبد الله ونزل على رأي سهيل بن عمرو لكن اعترض علي. وقال: بل اكتب رسول الله، فقال له رسول الله: اكتبها وستُسام مثلها فتقبل. وفعلاً مرَّتْ السنوات، وحدث الخلاف بين علي ومعاوية ولما انتهيا للصلح. قال علي: اكتب، هذا ما تعاقد عليه علي بن أبي طالب أمير المؤمنين، فاعترضوا على كلمة أمير المؤمنين وقالوا: لو نعلم أنك أمير المؤمنين ما قاتلناك فرضي بها وكتب: علي بن أبي طالب. وكانت هذه المسألة علامة من علامات النبوة. وأيضاً لما أملى الرسول صلى الله عليه وسلم في أول العقد: بسم الله الرحمن الرحيم فرفضوا كتابتها وقالوا: نحن لا نعرف هذا، بل اكتب: باسمك اللهم فرضي بها أيضاً سيدنا رسول الله. وهذه كلها تنازلات من رسول الله، جاءت مراعاة لمصلحة الإسلام والمسلمين في إطار {فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُواْ ..} [الفتح: 27] وكانت النتيجة {فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَلِكَ فَتْحاً قَرِيباً} [الفتح: 27] وفعلاً بعد هذا الصلح توالتْ الفتوحات بعد أنْ أمِنوا شر قريش لمدة عشر سنوات.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يقول تعالى: { لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ } وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى في المدينة رؤيا أخبر بها أصحابه، أنهم سيدخلون مكة ويطوفون بالبيت، فلما جرى يوم الحديبية ما جرى، ورجعوا من غير دخول لمكة، كثر في ذلك الكلام منهم، حتى إنهم قالوا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ألم تخبرنا أنا سنأتي البيت ونطوف به؟ فقال: " أخبرتكم أنه العام؟" قالوا: لا قال: "فإنكم ستأتونه وتطوفون به" قال الله هنا: { لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ } أي: لا بد من وقوعها وصدقها، ولا يقدح في ذلك تأخر تأويلها، { لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ } أي: في هذه الحال المقتضية لتعظيم هذا البيت الحرام، وأدائكم للنسك، وتكميله بالحلق والتقصير، وعدم الخوف، { فَعَلِمَ } من المصلحة والمنافع { مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ } الدخول بتلك الصفة { فَتْحًا قَرِيبًا } ولما كانت هذه الواقعة مما تشوشت بها قلوب بعض المؤمنين، وخفيت عليهم حكمتها، فبين تعالى حكمتها ومنفعتها، وهكذا سائر أحكامه الشرعية، فإنها كلها، هدى ورحمة. أخبر بحكم عام، فقال: { هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى } الذي هو العلم النافع، الذي يهدي من الضلالة، ويبين طرق الخير والشر. { وَدِينِ الْحَقِّ } أي: الدين الموصوف بالحق، وهو العدل والإحسان والرحمة. وهو كل عمل صالح مزك للقلوب، مطهر للنفوس، مرب للأخلاق، معل للأقدار. { لِيُظْهِرَهُ } بما بعثه الله به { عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ } بالحجة والبرهان، ويكون داعيا لإخضاعهم بالسيف والسنان.
همام الصنعاني
تفسير : 2910- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {لَّقَدْ صَدَقَ ٱللَّهُ رَسُولَهُ ٱلرُّءْيَا بِٱلْحَقِّ}: [الآية: 27]، قال أُرِيَ في المنام أ،هم يدخلونَ المسجد، وهم آمِنُونَ محلقين رؤوسهم، ومقصرين. 2911- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال يوم الحديبية: "حديث : اللهم اغفر للمحلقين"تفسير : فقال رجل: وللمقصرين! فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : اللهم اغفر للمحلقين"تفسير : حتى قالها ثلاثاً أو أربعاً ثم قال: "حديث : وللمقصرين ". تفسير : 2912- قال عبد الرزاق، قال معمر، قال قتادة: قال بعد الثالثة: قال: وللمقصرين.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):