Verse. 4611 (AR)

٤٨ - ٱلْفَتْح

48 - Al-Fath (AR)

ہُوَالَّذِيْۗ اَرْسَلَ رَسُوْلَہٗ بِالْہُدٰى وَدِيْنِ الْحَقِّ لِيُظْہِرَہٗ عَلَي الدِّيْنِ كُلِّہٖ۝۰ۭ وَكَفٰى بِاللہِ شَہِيْدًا۝۲۸ۭ
Huwa allathee arsala rasoolahu bialhuda wadeeni alhaqqi liyuthhirahu AAala alddeeni kullihi wakafa biAllahi shaheedan

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحقّ ليظهره» أي دين الحق «على الدين كله» على جميع باقي الأديان «وكفى بالله شهيدا» أنك مرسل بما ذكر كما قال الله تعالى.

28

Tafseer

الرازي

تفسير : ثم قال تعالى: {هُوَ ٱلَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِٱلْهُدَىٰ وَدِينِ ٱلْحَقّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى ٱلدّينِ كُلّهِ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيداً * مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى ٱلْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضْوَاناً }. تأكيداً لبيان صدق الله في رسوله الرؤيا، وذلك لأنه لما كان مرسلاً لرسوله ليهدي، لا يريد ما لا يكون مهدياً للناس فيظهر خلافه، فيقع ذلك سبباً للضلال، ويحتمل وجوهاً أقوى من ذلك، وهو أن الرؤيا بحيث توافق الواقع تقع لغير الرسل، لكن رؤية الأشياء قبل وقوعها في اليقظة لا تقع لكل أحد فقال تعالى: {هُوَ ٱلَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِٱلْهُدَىٰ } وحكى له ما سيكون في اليقظة، ولا يبعد من أن يريه في المنام ما يقع فلا استبعاد في صدق رؤياه، وفيها أيضاً بيان وقوع الفتح ودخول مكة بقوله تعالى: {لِيُظْهِرَهُ عَلَى ٱلدّينِ كُلّهِ } أي من يقويه على الأديان لا يستبعد منه فتح مكة له و (الهدى) يحتمل أن يكون هو القرآن كما قال تعالى: {أية : أُنزِلَ فِيهِ ٱلْقُرْآنُ هُدًى لّلنَّاسِ } تفسير : [البقرة: 185] وعلى هذا {دِينَ ٱلْحَقِّ } هو ما فيه من الأصول والفروع، ويحتمل أن يكون الهدى هو المعجزة أي أرسله بالحق أي مع الحق إشارة إلى ما شرع، ويحتمل أن يكون الهدى هو الأصول و {دِينَ ٱلْحَقِّ } هو الأحكام، وذلك لأن من الرسل من لم يكن له أحكام بل بين الأصول فحسب، والألف واللام في الهدى يحتمل أن تكون للاستغراق أي كل ما هو هدى، ويحتمل أن تكون للعهد وهو قوله تعالى: {أية : ذٰلِكَ هُدَى ٱللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشَاء } تفسير : [الزمر: 23] وهو إما القرآن لقوله تعالى: {أية : كِتَـٰباً مُّتَشَـٰبِهاً مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ } تفسير : [الزمر: 23] إلى أن قال: {أية : ذٰلِكَ هُدَى ٱللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشَاء } تفسير : [الزمر: 23] وإما ما اتفق عليه الرسل لقوله تعالى: {أية : أُوْلَـئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ ٱقْتَدِهْ } تفسير : [الأنعام: 90] والكل من باب واحد لأن ما في القرآن موافق لما اتفق عليه الأنبياء وقوله تعالى: {وَدِينِ ٱلْحَقّ } يحتمل وجوهاً: أحدها: أن يكون الحق اسم الله تعالى فيكون كأنه قال: بالهدى ودين الله، وثانيها: أن يكون الحق نقيض الباطل فيكون كأنه قال: ودين الأمر الحق وثالثها: أن يكون المراد به الانقياد إلى الحق والتزامه {لِيُظْهِرَهُ } أي أرسله بالهدى وهو المعجز على أحد الوجوه {لِيُظْهِرَهُ عَلَى ٱلدّينِ كُلّهِ } أي جنس الدين، فينسخ الأديان دون دينه، وأكثر المفسرين على أن الهاء في قوله {لِيُظْهِرَهُ } راجعة إلى الرسول، والأظهر أنه راجع إلى دين الحق أي أرسل الرسول بالدين الحق ليظهره أي ليظهر الدين الحق على الأديان، وعلى هذا فيحتمل أن يكون الفاعل للاظهار هو الله، ويحتمل أن يكون هو النبي أي ليظهر النبي دين الحق، وقوله تعالى: {وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيداً } أي في أنه رسول الله وهذا مما يسلي قلب المؤمنين فإنهم تأذوا من رد الكفار عليهم العهد المكتوب، وقالوا لا نعلم أنه رسول الله فلا تكتبوا محمد رسول الله بل اكتبوا محمد بن عبد الله، فقال تعالى: {وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيداً } في أنه رسول الله، وفيه معنى لطيف وهو أن قول الله مع أنه كاف في كل شيء، لكنه في الرسالة أظهر كفاية، لأن الرسول لا يكون إلا بقول المرسل، فإذا قال ملك هذا رسولي، لو أنكر كل من في الدنيا أنه رسول فلا يفيد إنكارهم فقال تعالى أي خلل في رسالته بإنكارهم مع تصديقي إياه بأنه رسولي، وقوله {مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ ٱللَّهِ } فيه وجوه أحدها: خبر مبتدأ محذوف تقديره هو محمد الذي سبق ذكره بقوله {أَرْسَلَ رَسُولَهُ } ورسول الله عطف بيان وثانيها: أن محمداً مبتدأ خبره رسول الله وهذا تأكيد لما تقدم لأنه لما قال: {هُوَ ٱلَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ } ولا تتوقف رسالته إلا على شهادته، وقد شهد له بها محمد رسول الله من غير نكير وثالثها: وهو مستنبط وهو أن يقال {مُحَمَّدٌ } مبتدأ و {رَسُولِ ٱللَّهِ } عطف بيان سيق للمدح لا للتمييز {وَٱلَّذِينَ مَعَهُ } عطف على محمد، وقوله {أَشِدَّاءُ } خبره، كأنه تعالى قال: {وَٱلَّذِينَ مَعَهُ } جميعهم {أَشِدَّاءُ عَلَى ٱلْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ } لأن وصف الشدة والرحمة وجد في جميعهم، أما في المؤمنين فكما في قوله تعالى: {أية : أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى ٱلْكَـٰفِرِينَ } تفسير : [المائدة: 54] وأما في حق النبي صلى الله عليه وسلم فكما في قوله {أية : وَٱغْلُظْ عَلَيْهِمْ } تفسير : [التوبة: 73] وقال في حقه {أية : بِٱلْمُؤْمِنِينَ رَءوفٌ رَّحِيمٌ } تفسير : [التوبة: 128] وعلى هذا قوله {تَرَاهُمْ } لا يكون خطاباً مع النبي صلى الله عليه وسلم بل يكون عاماً أخرج مخرج الخطاب تقديره أيها السامع كائناً من كان، كما قلنا إن الواعظ يقول انتبه قبل أن يقع الانتباه ولا يريد به واحداً بعينه، وقوله تعالى: {يَبْتَغُونَ فَضْلاً مّنَ ٱللَّهِ وَرِضْوَاناً } لتمييز ركوعهم وسجودهم عن ركوع الكفار وسجودهم، وركوع المرائي وسجوده، فإنه لا يبتغي به ذلك. وفيه إشارة إلى معنى لطيف وهو أن الله تعالى قال الراكعون والساجدون {أية : لِيُوَفّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُم مّن فَضْلِهِ } تفسير : [فاطر: 30] وقال الراكع يبتغي الفضل ولم يذكر الأجر لأن الله تعالى إذا قال لكم أجر كان ذلك منه تفضلاً، وإشارة إلى أن عملكم جاء على ما طلب الله منكم، لأن الأجرة لا تستحق إلا على العمل الموافق للطلب من المالك، والمؤمن إذا قال أنا أبتغي فضلك يكون منه اعترافاً بالتقصير فقال: {يَبْتَغُونَ فَضْلاً مّنَ ٱللَّهِ } ولم يقل أجراً. وقوله تعالى: {سِيمَـٰهُمْ فِى وُجُوهِهِمْ مّنْ أَثَرِ ٱلسُّجُودِ } فيه وجهان أحدهما: أن ذلك يوم القيامة كما قال تعالى: {أية : يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ } تفسير : [آل عمران: 106] وقال تعالى: {أية : نُورُهُمْ يَسْعَىٰ } تفسير : [التحريم: 8] وعلى هذا فنقول نورهم في وجوههم بسبب توجههم نحو الحق كما قال إبراهيم عليه السلام: {أية : إِنّى وَجَّهْتُ وجهي للذي فطر ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلاْرْضَ } تفسير : [الأنعام: 79] ومن يحاذي الشمس يقع شعاعها على وجهه، فيتبين على وجهه النور منبسطاً، مع أن الشمس لها نور عارضي يقبل الزوال، والله نور السمٰوات والأرض فمن يتوجه إلى وجهه يظهر في وجهه نور يبهر الأنوار وثانيهما: أن ذلك في الدنيا وفيه وجهان أحدهما: أن المراد ما يظهر في الجباه بسبب كثرة السجود والثاني: ما يظهره الله تعالى في وجوه الساجدين ليلاً من الحسن نهاراً، وهذا محقق لمن يعقل فإن رجلين يسهران بالليل أحدهما قد اشتغل بالشراب واللعب والآخر قد اشتغل بالصلاة والقراءة واستفادة العلم فكل أحد في اليوم الثاني يفرق بين الساهر في الشرب واللعب، وبين الساهر في الذكر والشكر. وقوله تعالى: {ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي ٱلتَّوْرَاةِ } فيه ثلاثة أوجه مذكورة أحدها: أن يكون {ذٰلِكَ } مبتدأ، و {مَثَلُهُمْ فِي ٱلتَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي ٱلإنجِيلِ } خبراً له، وقوله تعالى: {كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ } خبراً مبتدأ محذوف تقديره ومثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل كزرع وثانيها: أن يكون خبر ذلك هو قوله {مَثَلُهُمْ فِي ٱلتَّوْرَاةِ } وقوله {وَمَثَلُهُمْ فِي ٱلإنجِيلِ } مبتدأ وخبره كزرع وثالثها: أن يكون ذلك إشارة غير معينة أوضحت بقوله تعالى: {كَزَرْعٍ } كقوله {أية : ذَلِكَ ٱلأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَـؤُلآْء مَقْطُوعٌ مُّصْبِحِينَ } تفسير : [الحجر: 66] وفيه وجه رابع: وهو أن يكون ذلك خبراً له مبتدأ محذوف تقديره هذا الظاهر في وجوههم ذلك يقال ظهر في وجهه أثر الضرب، فنقول أي والله ذلك أي هذا ذلك الظاهر، أو الظاهر الذي تقوله ذلك. وقوله تعالى: {وَمَثَلُهُمْ فِى ٱلإنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَٱسْتَغْلَظَ فَٱسْتَوَىٰ عَلَىٰ سُوقِهِ يُعْجِبُ ٱلزُّرَّاعَ }. أي وصفوا في الكتابين به ومثلوا بذلك وإنما جعلوا كالزرع لأنه أول ما يخرج يكون ضعيفاً وله نمو إلى حد الكمال، فكذلك المؤمنون، والشطء الفرخ و {فَآزَرَهُ } يحتمل أن يكون المراد أخرج الشطء وآزر الشطء، وهو أقوى وأظهر والكلام يتم عند قوله {يُعْجِبُ ٱلزُّرَّاعَ }. وقوله تعالى: {لِيَغِيظَ بِهِمُ ٱلْكُفَّارَ } أي تنمية الله ذلك ليغيظ أو يكون الفعل المعلل هو. وقوله تعالى: {وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ } أي وعد ليغيظ بهم الكفار يقال رغماً لأنفك أنعم عليه. وقوله تعالى: {مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً } لبيان الجنس لا للتبعيض، ويحتمل أن يقال هو للتبعيض، ومعناه: ليغيظ الكفار والذين آمنوا من الكفار لهم الأجر العظيم، والعظيم والمغفرة قد تقدم مراراً والله تعالى أعلم، وههنا لطيفة وهو أنه تعالى قال في حق الراكعين والساجدين إنهم {يَبْتَغُونَ فَضْلاً مّنَ ٱللَّهِ } وقال: لهم أجر ولم يقل لهم ما يطلبونه من ذلك الفضل وذلك لأن المؤمن عند العمل لم يلتفت إلى عمله ولم يجعل له أجراً يعتد به، فقال لا أبتغي إلا فضلك، فإن عملي نزر لا يكون له أجر والله تعالى آتاه ما آتاه من الفضل وسماه أجراً إشارة إلى قبول عمله ووقوعه الموقع وعدم كونه عند الله نزراً لا يستحق عليه المؤمن أجراً، وقد علم بما ذكرنا مراراً أن قوله {وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ } لبيان ترتب المغفرة على الإيمان فإن كل مؤمن يغفر له كما قال تعالى: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء } تفسير : [النساء: 48] والأجر العظيم على العمل الصالح، والله أعلم. قال المصنف رحمه الله تعالى: تمّ تفسير هذه السورة يوم الخميس السابع عشر من شهر ذي الحجة سنة ثلاث وستمائة من الهجرة النبوية، على صاحبها أفضل الصلاة والسلام، والحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد سيد المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {هُوَ ٱلَّذِيۤ أَرْسَلَ رَسُولَهُ} يعني محمداً صلى الله عليه وسلم {بِٱلْهُدَىٰ وَدِينِ ٱلْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِ} أي يُعْليه على كل الأديان. فالدين اسم بمعنى المصدر، ويستوي لفظ الواحد والجمع فيه. وقيل: أي ليظهر رسوله على الدين كله؛ أي على الدين الذي هو شَرْعه بالحجة ثم باليد والسيف؛ ونسخ ما عداه. {وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيداً} «شَهِيداً» نصب على التفسير، والباء زائدة؛ أي كفى الله شهيداً لنبيّه صلى الله عليه وسلم؛ وشهادته له تبيّن صحة نبوّته بالمعجزات. وقيل: «شَهِيداً» على ما أرسل به؛ لأن الكفار أبَوْا أن يكتبوا: «هذا ما صالح عليه محمد رسول الله».

المحلي و السيوطي

تفسير : {هُوَ ٱلَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِٱلْهُدَىٰ وَدِينِ ٱلْحَقّ لِيُظْهِرَهُ } أي دين الحق {عَلَى ٱلدّينِ كُلّهِ } على جميع باقي الأديان {وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيداً } أنك مرسل بما ذكر كما قال الله تعالى:

ابن عبد السلام

تفسير : {الرُّءْيَا} كان الرسول صلى الله عليه وسلم رأى أنه يدخل مكة على الصفة المذكورة فلما صالح بالحديبية ارتاب المنافقون فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: فما رأيت في هذا العام {فَعَلِمَ} أن دخولها إلى سنة ولم تعلموه أنتم، أو علم أن بها رجالاً مؤمنين ونساء مؤمنات لم تعلموهم {فَتْحاً قَرِيباً} صلح الحديبية، أو فتح خيبر {إِن شَآءَ اللَّهُ} شرط واستثناء، أو ليس بشرط بل خرج مخرج الحكاية معناه لتدخلنه بمشيئة الله ـ تعالى ـ أو إن شاء الله دخول الجميع أو البعض لأنهم علم أن بعضهم يموت.

الخازن

تفسير : قوله عز وجل: {هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق} هذا البيان صدق الرؤيا وذلك أن الله تعالى لا يرى رسوله صلى الله عليه وسلم ما لا يكون فيحدث الناس فيقع خلافه فيكون سبباً للضلال فحقق الله أمر الرؤيا بقوله: {أية : لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق} تفسير : [الفتح: 27] وبقوله {هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق} وفيه بيان وقوع الفتح ودخول مكة وهو قوله تعالى: {ليظهره على الدين كله} أي يعليه ويقويه على الأديان كلها فتصير الأديان كلها دونه {وكفى بالله شهيداً} أي في أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم وفيه تسلية لقلوب المؤمنين وذلك أنهم تأذوا من قول الكفار لو نعلم أنه رسول الله ما صددناه عن البيت فقال الله تعالى: وكفى بالله شهيداً. أي: في أنه رسول الله، ثم قال تعالى: {محمد رسول الله} أي هو محمد رسول الله الذي سبق ذكره في قوله أرسل رسوله. قال ابن عباس: شهد له بالرسالة ثم ابتدأ فقال {والذين معه} يعني أصحابه المؤمنين {أشداء على الكفار} أي غلاظ أقوياء كالأَسَد على فريسته لا تأخذهم فيهم رأفة {رحماء بينهم} أي: متعاطفون متوادّون بعضهم لبعض كالولد مع الوالد. كما قال في حقهم: {أية : أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين} تفسير : [المائدة: 54] {تراهم ركّعاً سجداً} أخبر عن كثرة صلاتهم ومداومتهم عليها {يبتغون} أي يطلبون {فضلاً من الله} يعني الجنة {ورضواناً} أي أن يرضى عنهم. وفيه لطيفة وهو أن المخلص بعمله لله يطلب أجره من الله تعالى والمرائي بعمله لا يبتغي له أجراً وذكر بعضهم في قوله: والذين معه يعني أبا بكر الصديق أشداء على الكفار عمر بن الخطاب رحماء بينهم عثمان بن عفان تراهما ركعاً سجداً علي بن أبي طالب يبتغون فضلاً من الله ورضواناً بقية الصحابة {سيماهم} أي علامتهم {في وجوههم من أثر السجود} واختلفوا في هذه السيما على قولين: أحدهما: أن المراد في يوم القيامة قيل: هي نور وبياض في وجوههم يعرفون به يوم القيامة أنهم سجدوا لله في الدنيا وهي رواية عن ابن عباس. وقيل: تكون مواضع السجود في وجوههم كالقمر ليلة البدر. وقيل: يبعثون غراً محجلين يوم القيامة يعرفون بذلك. والقول الثاني: إن ذلك في الدنيا وذلك أنهم استنارت وجوههم بالنهار من كثرة صلاتهم بالليل. وقيل: هو السمت الحسن والخشوع والتواضع. قال ابن عباس: ليس بالذي ترون ولكنه سيما الإسلام وسجيته وسمته وخشوعه. والمعنى: أن السجود أورثهم الخشوع والسمت الحسن يعرفون به وقيل هو صفوة الوجه من سهر الليل ويعرف ذلك في رجلين أحدهما سهر الليل في الصلاة والعبادة والآخر في اللهو واللعب فإذا أصبحا ظهر الفرق بينهما فيظهر في وجه المصلي نور وضياء وعلى وجه اللاعب ظلمة. وقيل: هو أثر التراب على الجباه لأنهم كانوا يصلّون على التراب لا على الأثواب. قال عطاء الخراساني: دخل في هذه الآية كل من حافظ على الصلوات الخمس {ذلك مثلهم في التوراة} يعني ذلك الذي ذكر صفتهم في التوراة وتم الكلام هاهنا ثم ابتدأ بذكر نعتهم وصفتهم في الإنجيل فقال تعالى: {ومثلهم} أي صفتهم {في الإنجيل كزرع أخرج شطأه} أي إفراطه قبل فراخه. قيل: هو نبت فما خرج بعده شطؤه {فآزره} أي: قوّاه وأعانه وشد أزره {فاستغلظ} أي غلظ ذلك الزرع وقوي {فاستوى} أي تم وتلاحق نباته وقام {على سوقه} جمع ساق أي على أصوله {يعجب الزراع} أي يعجب ذلك الزرع زراعه وهو مثل ضربه الله عز وجل لأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم مكتوب في الإنجيل أنهم يكونون قليلاً ثم يزدادون ويكثرون قال قتادة: مثل أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم مكتوب في الإنجيل أنه سيخرج قوم ينبتون نبات الزرع يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر قيل الزرع محمد صلى الله عليه وسلم والشطء أصحابه والمؤمنون وقيل: الزرع هو محمد صلى الله عليه وسلم شطأه أبو بكر فآزره عمر فاستغلظ عثمان فاستوى على سوقه علي بن أبي طالب يعجب الزراع يعني جميع المؤمنين {ليغيظ بهم الكفار} قيل: هو قول عمر بن الخطاب لأهل مكة بعد ما أسلم لا يبعد الله سراً بعد اليوم. وقيل: قوتهم وكثرتهم ليغيظ بهم الكفار. قال مالك بن أنس: من أصبح وفي قلبه غيظ على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد أصابته هذه الآية. (فصل في فضل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم) (ق) عن عبد الله بن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : قال خير الناس قرني ثم الذين يلونهم" تفسير : (م). عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: "حديث : سأل رجل النبي صلى الله عليه وسلم أي الناس خير؟ قال: القرن الذي أنا فيه ثم الثاني ثم الثالث"تفسير : . قوله: خير الناس قرني ثم الذين يلونهم يعني الصحابة ثم التابعين وتابعيهم والقرن كل أهل زمان قيل هو أربعون سنة وقيل ثمانون وقيل مائة سنة عن عبد الرحمن بن عوف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : أبو بكر في الجنة وعمر بن الخطاب في الجنة وعثمان بن عفان في الجنة وعلي بن أبي طالب في الجنة وطلحة في الجنة والزبير في الجنة وعبد الرحمن بن عوف في الجنة وسعد بن أبي وقاص في الجنة وسعيد بن زيد في الجنة وأبو عبيدة بن الجراح في الجنة"تفسير : . أخرجه الترمذي. وأخرج عن سعيد بن زيد نحوه وقال: هذا أصح من الحديث الأول عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : أرحم أمتي بأمتي أبو بكر وأشدهم في أمر الله عمر وأشدهم حياء عثمان وأقضاهم علي وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل وأفرضهم زيد بن ثابت وأقرؤهم أبي بن كعب ولكل قوم أمين وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح وما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء أصدق لهجة من أبي ذر أشبه عيسى في ورعه قال عمر فنعرف له ذلك يا رسول الله؟ قال نعم" تفسير : أخرجه الترمذي مفرقاً في موضعين، أحدهما: إلى قوله أبو عبيدة بن الجراح، والآخر إلى أبي ذر (خ). عن أنس حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صعد أحداً أبو بكر وعمر وعثمان فرجف بهم فقال: "اثبت أحد أراه ضربه برجله فإنما عليك نبي وصديق وشهيدان ". تفسير : عن ابن مسعود: "حديث : عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: اقتدوا بالذين بعدي من أصحابي أبي بكر وعمر واهتدوا بهدى عثمان وتمسكوا بعهد عبد الله بن مسعود"تفسير : أخرجه الترمذي وقال حديث غريب. (ق) حديث : عن عمرو بن العاص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثه في جيش ذات السلاسل قال: فأتيته فقلت: أي الناس أحب إليك؟ قال عائشة فقلت من الرجال قال أبوها قلت ثم من؟ قال ثم عمر بن الخطاب فعد رجالاً" تفسير : عن علي بن أبي طالب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : رحم الله أبا بكر زوجني ابنته وحملني إلى دار الهجرة وصحبني في الغار وأعتق بلالاً من ماله رحم الله عمراً ليقولن الحق وإن كان مراً تركه الحق وما له من صديق. رحم الله عثمان تستحي منه الملائكة، رحم الله علياً اللهم أدر الحق معه حيث دار"تفسير : أخرجه الترمذي وقال حديث غريب. (م) عن زر بن حبيش قال: سمعت علياً يقول: والذي فلق الحبة وبرأ النسمة إنه لعهد النبي الأمي إلي أنه لا يحبني إلا مؤمن ولا يبغضني إلا منافق. عن عبدالله بن بريدة عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : ما من أحد يموت من أصحابي بأرض إلا بعثه الله قائداً ونوراً لهم يوم القيامة"تفسير : أخرجه الترمذي وقال حديث غريب وقد روي عن أبي بريدة مرسلاً وهو أصح. (ق) عن أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا تسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه" تفسير : وعن أبي هريرة نحوه أخرجه مسلم عن عبد الله بن مغفل المزني قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : الله الله في أصحابي لا تتخذوهم غرضاً من بعدي فمن أحبهم فبحبي أحبهم ومن أبغضهم فبغضبي أبغضهم ومن آذاهم فقد آذاني ومن آذاني فقد آذى الله فيوشك أن يأخذه" تفسير : أخرجه الترمذي وقال: حديث غريب. قوله تعالى: {وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم} لفظة من في قوله منهم لبيان الجنس لا للتبعيض. كقوله: فاجتنبوا الرجس من الأوثان، فيكون معنى الآية وعد الله الذين آمنوا من جنس الصحابة. وقال ابن جرير: يعني من الشطء الذي أخرجه الزرع وهم الداخلون في الإسلام إلى يوم القيامة ورد الهاء والميم على معنى الشطء لا على لفظه ولذلك لم يقل منه {مغفرة وأجراً عظيماً} يعني الجنة. وقيل: إن المغفرة جزاء الإيمان فإن لكل مؤمن مغفرة والأجر العظيم جزاء العمل الصالح والله تعالى أعلم بمراده.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {هُوَ ٱلَّذِيۤ أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِٱلْهُدَىٰ} وهذا تأكيد لبيان صدق في الرؤيا؛ لأنه لما كان مرسلاً لرسوله ليهدي، لا يريد ما لا يكون فيحدث الناس فيظهر خلافه فيكون ذلك سبباً للضلال. ويحتمل أن الرؤيا الموافقة للواقع قد تقع لغير المرسل، ولكن ذلك قليل لا يقع لكل أحد فقال تعالى: {هُوَ ٱلَّذِيۤ أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِٱلْهُدَىٰ} وحكى له ما سيكون في اليقظة فلا يبعد أن يُرِيَه في المنام ما سيقع ولا استبعاد في صدق رؤياه وفيها بيان وقوع الفتح ودخول مكة بقوله تعالى: {لِيُظْهِرَهُ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِ} أي من يقويه على الأديان لا يستبعد منه فتح مكة. والهدى يحتمل أن يكون هو القرآن كقوله تعالى: {أية : أُنْزِلَ فِيهِ ٱلْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ}تفسير : [البقرة:185] وعلى هذا دين الحق هو ما فيه من الأصول والفروع. ويحتمل أن يكون الهدى هو المعجزة أي أرسله بالمعجزة. فيكون قوله: "وَدِينَ الحق" إشارة إلى ما شرع. ويحتمل أن يكون الهدى هو الأصولَ ودين الحق هو الأحكام. والألف واللام في "الهدى" يحتمل أن تكون للعهد وهو كقوله: {أية : ذٰلِكَ هُدَى ٱللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشَآءُ}تفسير : [الأنعام:88] وأن تكون للتعريف أي كل ما هو هُدًى. قوله: "وَدِينَ الْحَقِّ" يحتمل أن يكون المراد دين الله تعالى؛ لأن الحق من أسماء الله، ويحتمل أن يكون الحقُّ نقيضَ الباطل، فكأنه قال: دين الأمر الحق، ويحتمل أن يكون المراد الانقياد للحق، وقوله: أرسله بالهدى ـ وهو المعجزة ـ على أحد الوجوه {لِيُظْهِرَهُ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِ} أي جنس الدين {وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيداً} على أنك صادق فيما تخبر وفي أنك رسول الله. وهذا في تسلية قلب المؤمنين فإنهم تأَذوا من ردِّ الكفَّار عليهم العهد المكتوب وقالوا: لا نعلم أنه رسول الله فلا تكتبوا محمد رسول الله، بل اكتبوا محمد بن عبد الله، فقال تعالى: {كَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيداً} أي في أنه رسول الله.

البقاعي

تفسير : ولما أخبر بهذه الأمور الجليلة الدقيقة المبنية على إحاطة العلم، عللها سبحانه وبين الصدق فيها بقوله تعالى: {هو} أي وحده {الذي أرسل رسوله} أي الذي لا رسول أحق منه بإضافته إليه - صلى الله عليه وسلم {بالهدى} الكامل الذي يقتضي أن يستقيم به أكثر الناس، ولو أنه أخبر بشيء يكون فيه أدنى مقال لم يكن الإرسال بالهدى {ودين الحق} أي الأمر الثابت الكامل في الثبات الذي يطابقه الواقع {ليظهره} أي دينه {على الدين كله} دين أهل مكة والعرب عباد الأصنام، الذي يقتضي إظهاره عليه دخوله إليه آمناً، وإظهاره على من سواهم من أهل الأديان الباطلة بأيدي صحابته الأبرار والتابعين لهم بإحسان إظهاراً يتكامل بنزول عيسى عليه الصلاة والسلام مع الرفق بالخلق والرحمة لهم، فلا يقتل إلا من لا صلاح له أصلاً، وعلى قدر الجبروت يحصل القهر، فلأجل ذلك هو يدبر أمره بمثل هذه الأمور التي توجب نصره وتعلي قدره مع الرفق بقومه وجميل الصنع لأتباعه، فلا بد أن تروا من فتوح أكثر البلاد وقهر الملوك الشداد ما تعرفون به قدرة الله سبحانه وتعالى. ولما كان في سياق إحاطة العلم، وكان التقدير: شهد ربه سبحانه بتصديقه في كل ما قاله بإظهار المعجزات على يده، بنى عليه قوله تعالى {وكفى بالله} أي الذي له الإحاطة بجميع صفات الكمال {شهيداً *} أي ذا رؤية وخبرة بطية كل شيء ودخلته لما له الغنى في أمره، ولا شهيد في الحقيقة إلا هو سبحانه لأنه لا إحاطة وخبرة ورقبة إلا له سبحانه، وهو يشهد بكل ما أخبر به رسوله صلى الله عليه وسلم في هذه الصورة خصوصاً وفي غيرها عموماً.

السلمي

تفسير : قوله عز وعلا: {هُوَ ٱلَّذِيۤ أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِٱلْهُدَىٰ وَدِينِ ٱلْحَقِّ} [الآية: 28]. قال القاسم: أرسل رسوله وعظّم حرمته بإضافته إلى نفسه ممن لم يعظم من عظّمه الله فهو لقلة معرفته بعظمة الله أرسله مبيناً للشريعة مبيناً لأحكامه داعياً إليه وجعل طاعته لم ينفصل عن الرسول عن الحق فى الإيجاب والنفى والبلاغ والمشاهدة ولم يتصل به من حيث الحقيقة.

القشيري

تفسير : أرسل رسولَه محمداً صلى الله عليه وسلم بالدين الحنفي، وشريعة الإسلام ليظهره على كل ما هو دين؛ فما من دينٍ لقوم إلا ومنه في أيدي المسلمين سِرُّ؛ وللإسلام العزة والغلبة عليه بالحجج والآيات. وقيل: ليظهره وقت نزول عيسى عليه السلام. وقيل: في القيامة حيث يظهر الإسلامُ على كل الأديان. وقيل: ليظهره على الدين كله بالحجة والدليل.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {هُوَ ٱلَّذِيۤ أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِٱلْهُدَىٰ وَدِينِ ٱلْحَقِّ} كان بنفسه ابلغ الهداية للمخلوقات مصارف أياته وبرهانه قال الله ولتكون أيه للمؤمنين مع نور الصفة لان كان قلبه مشكاة نور القرأن قال الله مثل نوره كمشكوة وقال نزله على قلبك ودينه بيان معرفة الله والأداب فى حضرته وبهذه الصفة شهد الله انه ارسله بهذه الاوصاف اثبت رسالته بشهادته بقوله {وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيداً مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ ٱللَّهِ} شهادته ازلية شهد على اصطفائيته فى الازل ثم وصف اصحابه ومتابعيه الى يوم القيامة باختصاصات شريفة واخلاق كريمة وعلامات صحيحة وأداب جميلة بقوله {وَٱلَّذِينَ مَعَهُ} اى معه فى الازل باصطفائية الولاية بنعت الارواح لا برسم الاشباح ومن خاصية صفتهم انهم اهل الهيبة والغلبة على اعداء الله الرحمة والكرم مع اولياء الله قال الله {أَشِدَّآءُ عَلَى ٱلْكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ} ثم زاد فى وصفهم بقوله {تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً} راكعين على بساط العبودية من رؤية انوار العظمة ساجدين على بساط الحرمة من رؤية الجمال يطلبون مزيد كشف الذات والدنو والوصال والبقاء مع بقائه بغير العتاب والحجاب وهذا محل الرضوان الاكبر بقوله {يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضْوَاناً} ثم وصف وجوهم ان يتلألأ منها انوار مشاهدته التى انكشفت لهم فى السجود حين خضعوا فى ملكوته من رؤية عظائم جبروته بقولهم {سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِّنْ أَثَرِ ٱلسُّجُودِ} ثم وعدهم بنيل مرادهم من وصاله وكشف جماله لهم ابد الابدين بلا وحشة ولا فترة فى أخر السورة بقوله {وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً} ايمانهم رؤية نور الغيب بالغيب وتصديق الغيب برؤية الغيب وعملهم الصالح الخروج من الحدثان شوقا الى جمال الرحمن ومغفرة الله لهم انه غفر لهم تقصيرهم فى العبودية بان يجلسهم على بساط قربه ويلسبهم لباس نوره وصلة ويتوجهم بتاج المحبة ويسقيهم من شراب الدنو والزلفة قال الله سبحانه وسقاهم ربهم شرابا طهورا قال القاسم فى قوله ارسله بالهدى ودين الحق ارسل الرسول وعظم رحمته باضافته الى نفسه فمن لم يعظم من عظمة الله فهو لقلة معرفته بعظمة الله ارسله مبينا للشريعة مبينا احاكمه داعيا اليه وجعل طاعته طاعته لم ينفصل الرسول عن الحق فى الايجانب والنفى والبلاغ والمشاهدة ولم يتصل به من حيث الحقيقة وسئل الحسين متى كان محمد صلى الله عليه وسلم نبيا وكيف جاء برسالته فقال نحن بعد فى الرسول والرسالة والنبى والنبوة اين انت عن ذكر من لا ذاكر له فى لاحقيقة الا هو وعن هوية من لا هوية له الا بهويته ويان كان النبى عن ثبوته حيث جرى العلم بقوله محمد رسول الله والمكان عليه والزمان عليه فاين انت عن الحق والحقيقة ولكن اذا اظهر اسم محمد صلى الله عليه وسلم بالرسالة عظم محلة بذكره وله بالرسالة فهو الرسول الملكين والسفير الامين جرى ذكره فى الازل بالتمكين بين الملائكة والانبياء على اعظم محل واشرف حال قال سهل فى قوله سيماهم فى وجوهم من اثر السجود المؤمن وجهه الله بلا فناء مقبلا عليه غير معرض عنه وذلك سيما المؤمنين وقال عامر بن عبد قيس كاد وجه المؤمن نجبر عن مكنون عمله وكذلك وجه الكافر وذلك قوله سيماهم فى وجوههم وقال بعضهم ترى على وجوههم هيبته لقرب عهدهم بمناجاة سيدهم قال ابن عطا ترى عليهم خلع الانوار لايحة وقال عبد العزيز المكى ليس هى التحولة والصفوة لكنه نور يظهر على وجوه العابدين يبدو من باطنهم على ظاهرهم يتبين لك للمؤمنين ولو كان بك فى زنجى او حبشى والله اعلم.

اسماعيل حقي

تفسير : {هو} اى الله تعالى وحده {الذى ارسل رسوله} يعنى ان الله تعالى بجلال ذاته وعلو شأنه اختص بارسال رسوله الذى لا رسول احق منه باضافته اليه {بالهدى} اى كونه ملتبسا بالتوحيد وهو شهادة ان لا اله الا الله فيكون الجار متعلقا بمحذوف او بسببه ولاجله فيكون متعلقا بأرسل {ودين الحق} اى وبدين الاسلام وهو من قبيل اضافة الموصوف الى صفته مثل عذاب الحريق والاصل الدين الحق والعذاب المحرق ومعنى الحق الثابت الذى هو ناسخ الاديان ومبطلها {ليظهره على الدين كله} اللام فى الدين للجنس اى ليعلى الدين الحق ويغلبه على جنس بجميع افراده التى هى الاديان المختلفة بنسخ ما كان حقا من بعض الاحكام المتبدلة بتبدل الاعصار واظهار بطلان ما كان باطلا او بتسليط المسلمين على اهل سائر الاديان ولقد انجز الله وعده حيث جعله بحيث لم يبق دين من الاديان الا وهو مغلوب مقهور بدين الاسلام ولا يبقى الا مسلم او ذمة للمسلمين وكم ترى من فتوح اكثر البلاد وقهر الملوك الشداد ما تعرف به قدرة الله تعالى وفى الآية فضل تأكيد لما وعد من الفتح وتوطين لنفوس المؤمنين على انه سيفتح لهم من البلاد ويعطيهم من الغلبة على الاقاليم ما يستقلون اليه فتح مكة وقد انجز كما اشير اليه آنفا. واعلم ان قوله ليظهره اثبات السبب الموجب للارسال فهذه اللام لام الحكمة والسبب شرعا ولام العلة عقلا لان افعال الله تعالى ليست بمعللة بالاغراض عند الاشاعرة لكنها مستتبعة لغايات جليلة فنزل ترتب الغاية على ما هى ثمرة له منزلة ترتب الغرض على ما غرض له {وكفى بالله} اى الذين له الاحاطة بجميع صفات الكمال {شهيدا} على ان ما وعده كائن لا محالة او على نبوته عليه السلام باظهار المعجزات وان لم يشهد الكفار وعن ابن عباس رضى الله عنهما شهد له بالرسالة وهو قوله {محمد رسول الله} فمحمد مبتدأ ورسول الله خبره وهو وقف تام والجملة مبينة للمشهود به وقيل محمد خبر مبتدأ محذوف وقوله رسول الله بدل او بيان او نعت اى ذلك الرسول المرسل بالهدى ودين الحق محمد رسول الله قال فى تلقيح الاذهان اعلم الله سبحانه محمدا عليه السلام انه خلق الموجودات كلها من اجله اى من اجل ظهوره اى من اجل تجليه به حتى قال "حديث : ليس شئ بين السماء والارض الا يعلم انى رسول الله غير بنيى الانس والجن"تفسير : وقال الشيخ الشهير بافتاده قدس سره لما تجلى الله وجد جميع الارواح فوجد اولا روح نبينا صلى الله عليه وسلم ثم سائر الارواح فلقن التوحيد فقال لا اله الا الله فكرمه الله بقوله محمد رسول الله فأعطى الرسالة فى ذلك الوقت ولذا قال عليه السلام "حديث : كنت نبيا وآدم بين الماء والطين"تفسير : انتهى ومعنى الحديث انه كان نبيا بالفعل عالما بنبوته وغيره من الانبياء ما كان نبيا بالفعل ولا عالما بنبوته الا حين بعث بعد وجوده ببدنه العنصرى واستكمال شرائط النبوة فكل من بدا بعد وجود المصطفى عليه السلام فهم نوابه وخلفاؤه مقدمين كالانبياء والرسل او مؤخرين كاولياء الله الكمل قال عليه السلام "حديث : انا من نور الله والمؤمنون من فيض نورى"تفسير : فهو الجنس العالى والمقدم وماعداه التالى والمؤخر كما قال "حديث : كنت اولهم خلقا وآخرهم بعثاتفسير : " فرسول الله هو الذى لايساويه رسول الى جميع الخلق من ادرك زمانه بالفعل فى الدنيا ومن تقدمه بالقوة فيها وبالفعل بالآخرة يوم يكون الكل تحت لوآئه وقد اخذ على الانبياء كلهم المثاق بأن يؤمنوا به ان ادركوه واخذه الانبياء على اممهم وفى الحديث انا محمد واحمد ومعنى محمد كثير الحمد فان اهل السماء والارض حمدوه ومعنى احمد اعظم حمدا من غيره لانه حمد الله بمحامد لم يحمد بها غيره كما فى شرح المشارق لابن الملك (قال الجامى) شعر : محمدت جون بلا نهاية زحق يافث شد تام آوازان مشتق تفسير : واسمه فى العرش ابو القاسم وفى السموات احمد وفى الارض محمد قال على رضى الله عنه ما اجتمع قوم فى مشورة فلم يدخلوا فيها من اسمه محمد الالم يبارك لهم فيها واشار الف احمد الى كونه فاتحا ومقدما لان مخرجه مبدأ المخارج واشارميم محمد الى كونه خاتما ومؤخرا لان مخرجها ختام المخارج كما قال "حديث : نحن الآخرون السابقون"تفسير : واشار الميم ايضا الى بعثته عند الاربعين قول بعضهم اكرم الله من الصبيان اربعة بأربعة اشياء يوسف عليه السلام بالوحى فى الجب ويحيى عليه السلام بالحكمة فى الصباوة وعيسى عليه السلام بالنطق فى المهد وسليمان عليه السلام بالفهم واما نبينا عليه السلام فله الفضيلة العظمى والآية الكبرى حيث ان الله اكرمه بالسجدة عند الولادة والشهادة بأنه رسول الله وكل قول يقبل الاختلاف بين المسلمين الا قول لا اله الا الله محمد رسول الله فانه غير قابل للاختلاف فمعناه متحقق وان لم يتكلم به احد وكذا اكرمه بشرح الصدر وختم النبوة وخدمة الملائكة والحور عند ولادته واكرمه بالنبوة فى عالم الارواح قبل الولادة وكفاه بذلك اختصاصا وتفصيلا فلا بد للمؤمن من تعظيم شرعه واحياء سنته والتقرب اليه بالصلوات وسائر القربات لينال عند الله الدرجات وكانت رابعة العدوية رحمها الله تصلى فى اليوم والليلة الف ركعة وتقول ما اريد بها ثوابا ولكن ليسر بها رسول الله عليه السلام ويقول للأنبياء "حديث : انظروا الى امرأة من امتى هذا عملها فى اليوم والليلة"تفسير : ومن تعظيمه عمل المولد اذا لم يكن فيه منكر قال الامام السيوطى قدس سره يستحب لنا اظهار الشكر لمولده عليه السلام انتهى. وقد اجتمع عند الامام تقى الدين السبكى رحمه الله جمع كثير من علماء عصره فأنشد منشد قول الصرصرى رحمه الله فى مدحه عليه السلام شعر : قليل لمدح المصطفى الخط بالذهب على ورق من خط احسن من كتب وان تنهض الاشراف عند سماعه قياما صفوفا او جثيا على الركب تفسير : فعند ذلك قام الامام المبكى وجميع من بالمجلس فحصل انس عظيم بذلك المجلس ويكفى ذلك فى الاقتداء وقد قال ابن حجر الهيثمى ان البدعة الحسنة متفق على ندبها وعمل المولد واجتماع الناس له كذلك اى بدعة حسنة قال السخاوى لم يفعله احد من القرون الثلاثة وانما حدث بعد ثم لا زال اهل الاسلام من سائر الاقطار والمدن الكبار يعملون المولد ويتصدقون فى لياليه بانواع الصدقات ويعتنون بقرآءة مولده الكريم ويظهر من بركاته عليهم كل فضل عظيم قال ابن الجوزى من خواصه انه امان فى ذلك العام وبشرى عاجلة بنيل البغية والمرام واول من احدثه من الملوك صاحب اربل وصنف له ابن دخية رحمه الله كتابا فى المولد سماه التنوير بمولد البشير النذير فأجازه بألف دينار وقد استخرج له الحافظ ابن حجر اصلا من السنة وكذا الحافظ السيوطى وردا على الفاكهانى المالكى فى قوله ان عمل المولد بدعة مذمومة كما فى انسان العيون {والذين معه} اى مع رسول الله عليه السلام وهو مبتدأ خبره قوله {أشداء} غلاظ وهو جمع شديد {على الكفار} كالأسد على فريسته {رحماء} اى متعاطفون وهو جمع رحيم {بينهم} كالوالد مع ولده يعنى انهم يظهرون لمن خالف دينهم الشدة والصلابة ولمن وافقهم فى الدين الرحمة والرأفة كقوله تعالى {أية : اذلة على المؤمنين اعزة على الكافرين}تفسير : فلو اكتفى بقوله {أشداء على الكفار} لربما اوهم الفظاظة والغلظة فكمل بقوله {رحماء بينهم} فيكون من اسلوب التكميل وعن الحسن بلغ من تشددهم على الكفار انهم كانو يتحرزون من ثيابهم ان تلزق بثيابهم ومن ابدانهم ان تمس ابدانهم وبلغ من ترحمهم فيما بينهم انه كان لا يرى مؤمن مؤمنا الا صافحه وعانقه وذكر فى التوراة فى صفة عمر رضى الله عنه قرن من حديد امين شديد وكذا ابو بكر رضى الله عنه فانه خرج لقتال اهل الردة شاهرا سيفه راكبا راحلته فهو من شدته وصلابته على الكفار (قال الشيخ سعدى) شعر : له جندان درشتى كن كه ازتوسير كردند ونه جندان نرمى كن كه برتودلير شوند دوشتى ونرمى بهم دربهست جوركزن كه جراح ومرهم نهست تفسير : (وقال بعضهم) شعر : هست نرمى آفت جان سمور وزدرشتى ميبردجان خار بشت تفسير : وفى الحديث حديث : المؤمنون هينون لينون تفسير : مدح النبى بالسهولة واللين لانهما من الاخلاق الحسنة فان قلت من امثال العرب لا تكن رطبا فتعصر ولا يابسا فتكسر وعلى وفق ذلك ورد قوله عليه السلام حديث : لا تكن مرا فتعقى ولا حلوا فتسترط تفسير : يقال اعقيت الشئ اذا أزلته من فيك لمرارته واسترطه اى ابتلعه وفى هذا نهى عن اللين فما وجه كونه جهة مدح قلت لا شبهة فى ان خير الامور اوسطها وكل طرفى الامور ذميم اى المذموم هو الافراط والتفريط لا الاعتدال والاقتصاد نسأل الله العمل بذلك {تراهم ركعا سجدا} جمع راكع وساجد اى تشاهدهم حال كونهم راكعين ساجدين لمواظبتهم على الصلوات فهما حالان لان الرؤية بصرية واريد بالفعل الاستمرار والجملة خبر آخر او استئناف {يبتغون فضلا من الله ورضوانا} اما خبر آخر او استئناف مبنى على سؤال نشأ عن بيان مواظبتهم على الركوع والسجود كأنه قيل ماذا يريدون بذلك فقيل يبتغون فضلا من الله ورضوانا اى ثوابا ورضى وقال بعض الكبار قصدهم فى الطاعة والعبادة الوصول والوصال وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء قال الراغب الرضوان الرضى الكثير {سيماهم} فعلى من سامه اذا اعلمه اى جعله ذا علامة والمعنى علامتهم وسمتهم وقرئ سيمياؤهم بالياء بعد الميم والمد وهما لغتان وفيها لغة ثالثة هى السيماء بالمد وهو مبتدأ خبر قوله {فى وجوههم} اى ثابتة فى وجوههم {من اثر السجود} حال من المستكن فى الجار واثر الشئ حصول ما يدل على وجوده كما فى المفردات اى من التأثير الذى تؤثره كثرة السجود وما روى عن النبى عليه السلام من قوله "حديث : لا تعلموا صوركم"تفسير : اى لا تسموها انما هو فيما اذا اعتمد بجبهته على الارض ليحدث فيها تلك السمة وذلك محض رياء ونفاق والكلام فيما حدث فى جبهة السجاد الذين لا يسجدون الا خالصا لوجه الله وكان الامام زين العابدين رضى الله عنه وهو على ابن الحسين بن على رضى الله عنهم وكذا على بن عبد الله بن العباس يقال لهما ذو الثفنات لما احدثت كثرة سجودهما فى مواضعة منهما اشباه ثفنات البعير والثفنة بكسر الفاء من البعير الركبة وما مس الأرض من اعضائه عند الاناخة وثفنت يده ثفنا اذا غلظت عن العمل وكانت له خمسمائة اصل زيتون يصلى عند كل اصل ركعتين كل يوم قال قائلهم شعر : ديار على والحسين وجعفر وحمزة والسجاد ذى الثفنات تفسير : قال عطاء دخل فى الآية من حافظ على الصلوات الخمس وقال بعض الكبار سيما المحبين من اثر السجود فانهم لا يسجدون لشئ من الدنيا والعقبى الا لله مخلصين له الدين وقيل صفرة الوجوه من خشية الله وقيل ندى الطهور وتراب الارض فانهم كانوا يسجدون على التراب لا على الاثواب وقيل استنارة وجوههم من طول ما صلوا بالليل قال عليه السلام "حديث : من كثر صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار"تفسير : الا ترى ان من سهر بالليل وهو مشغول بالشراب واللعب لا يكون وجهه فى النهار كوجه من سهر وهو مشغول بالطاعة وجاء فى باب الامامة انه يقدم الاعلم ثم الاقرأ ثم الاورع ثم الاسن ثم الاصبح وجها اى اكثرهم صلاة بالليل لما روى من الحديث قيل لبعضهم ما بال المتهجدين احسن الناس وجوها فقال "حديث : لانهم خلوا بالرحمن فأصابهم من نوره كما يصيب القمر نور الشمس فينور به"تفسير : . در نفحات مذكوراست كه جون ارواح ببركت قرب الهى صافى ضدانوار موافقت بر اشباخ ظاهر كردد شعر : درويش راكواه جه حاجت كه عاشقست رنك رخش زدوريه بين وبدان كه هست تفسير : وقال سهل المؤمن من توجه لله مقبلا عليه غير معرض عنه وذلك سيما المؤمنون وقال عامر بن عبد القيس كادوجه المؤمن يخبر عن مكنون عمله وكذلك وجه الكافر وذلك قوله {سيماهم فى وجوههم} وقال بعضهم ترى على وجوههم هيبة لقرب عهدهم بمناجاة سيدهم وقال ابن عطاء ترى عليهم خلع الانوار لائحة وقال عبد العزيز المكى ليست هى النحولة والصفرة لكنها نور يظهر على وجوه العابدين يبدو من باطنهم على ظاهرهم يتبين ذلك للمؤمنين ولو كان ذلك فى زنجى او حبشى انتهى ولا شك ان هذه الامة يقومون يوم القيامة غرا محجلين من آثار الوضوء وبعضهم يكون وجوهم من اثر السجود كالقمر ليلة البدر وكل ذلك من تأثير نور القلب وانعكاسه ولذا قال شعر : آن سياهى كزبى ناموس حق ناقوس زد در عرب بوالليل بوداندر قيامت بو النهار تفسير : {ذلك} اشارة الى ما ذكر من نعوتهم الجليلة {مثلهم} اى وصفهم العجيب الشان الجارى فى الغرابة مجرى الامثال {فى التوراة} حال من مثلهم والعامل معنى الاشارة والتوراة اسم كتاب موسى عليه السلام قال من جوز ان تكون التوراة عربية انها تشتق من ورى الزند فوعلة منه على ان التاء مبدلة من الواو سمى التوراة لانه يظهر منه النور والضياء لبنى اسرائيل وفى القاموس وورية النار وريتها ما تورى به من خرقة او حطبة والتوراة تفعلة منه انتهى وقال بعضهم فوعلة منه لا تفعلة لقلة وجود ذلك {ومثلهم فى الانجيل} عطف على مثلهم الاول كأنه قيل ذلك مثلهم فى التوراة والانجيل وتكرير مثلهم لتأكيد غرابته وزيادة تقريرها والانجيل كتاب عيسى عليه السلام يعنى بهمين نعمت در كتاب موسى وعيسى مسطور ند تاكه معلوم امم كردند وبايشان مزده ورشوند، والانجيل من نجل الشئ اظهره سمى الانجيل انجيلا لانه اظهر الدين بعدما درس اى عفا رسمه {كزرع اخرج شطأه} يقال زرع كمنع طرح البذر وزرع الله انبت والزرع الولد والمزروع والجمع زروع وموضعه المزرعة مثلثة الراء وهو الخ تمثيل مستأنف اى هم كزرع اخرج افراخه اى فروعه واغصانه وذلك ان اول ما نبت من الزرع بمنزلة الام وما تفرع وتشعب منه بمنزلة اولاده وافراخه وفى المفردات شطأه فروع الزرع وهو ما خرج منه وتفرع فى شاطئيه اى جانبيه وجمعه اشطاء وقوله {اخرج شطأه} اى افراخه انتهى وقيل هو اى الزرع الخ تفسير لقوله ذلك على انه اشارة مبهمة وقيل خبر لقوله تعالى {ومثلهم فى الانجيل} على ان الكلام قد تم عند قوله تعالى {مثلهم فى التوراة} {فآزره} المنوى فى آزره ضمير الزرع اى فقوى الزرع ذلك الشطأ وبالفارسية بس قوى كردكشت آن يك شاخ را. الا ان الامام ألنسفى رحمه الله جعل المنوى فى آزر ضمير الشطأ قال فآزره اى فقوى الشطأ اصل الزرع بالتفافه عليه وتكاتفه وهو صريح فى ان الضمير المرفوع للشطأ والمنصوب للزرع وهو من الموازرة بمعنى المعاونة فيكون وزن آزر فاعل من الازر وهو القوة او من الايزار وهى الاعانة فيكون وزنه افعل وهو الظاهر لانه لم يسمع فى مضارعه يوازربل يوزر {فاستغلظ} فصار غليظا بعدما كان دقيقا فهو من باب استحجر الطين يعنى ان السين للتحول {فاستوى على سوقه} فاستقام على قصبته جمع ساق وهو اصوله {يعجب الزراع} حال اى حال كونه يعجب زراعه الذين زرعوه اى يسرهم بقوته وكثافته وغلظه وحسن منظره وطول قامته وبالفارسية بشكفت آردمز ارعانزا وهنا تم المثل وهو مثل ضربه الله لاصحاب رسول الله قلوا فى بدء الاسلام ثم كثروا واستحكموا فترقى امرهم يومافيو ما بحيث اعجب الناس وقيل مكتوب فى التوراة سيخرج قوم ينبتون نبات الزرع يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وفى الاسئلة المقحمة كيف ضرب الله المثل لاصحاب النبى عليه السلام بالزرع الذى اخرج شطأه ولماذا لم يشبههم بالخيل والاشجار الكبار المثمرة والجواب لان اصحاب النبى كانوا فى بدء الامر قليلين ثم صاروا يزدادون ويكثرون كالزرع الذى يبدو ضعيفا ثم ينمو ويخرج شطأه ويكثر لان الزرع يحصد ويزرع كذلك المسلمون منهم من يموت ثم يقوم مقامه غيره بخلاف الاشجار الكبار فانها تبقى بحالها سنين ولانه تنبت من الحبة الواحدة سنابل وليس ذلك فى غير الزرع انتهى فكما ان اعمالهم نامية فكذا اجسادهم الا ترى انه قتل مع الامام الحسين رضى الله عنه عامة اهل بيته لم ينج الا ابنه زين العابدين على رضى الله عنه لصغره فأخرج الله من صلبه الكثير الطيب وقيل يزيد بن المهلب واخوتهم وذراريهم ثم مكث من بقى منهم نيفا وعشرين سنة لا يولد فيهم انثى ولا يموت منهم غلام وعن عكرمة اخرج شطأه بأبى بكر فآزره بعمر فاستغلظ بعثمان فاستوى على سوقه بعلى رضى الله عنهم {ليغيظ بهم الكفار} الغيظ اشد غضب وهو الحرارة التى يجدها الانسان من ثوران دم قلبه غاظه يغيظه فاغتاظ وغيظة فتغيظ واغاظه وغايظه كما فى القاموس وهو علة لما يعرب عنه الكلام من تشبيههم بالزرع فى زكائه واستحكامه اى جعلهم الله كالزرع فى النماء والقوة ليغيظ بهم مشركى مكة وكفار العرب والعجم وبالفارسية تاالله رسول خويئس وياران او كافرا ترا بدرد آرد، ومن غيظ الكفار قول عمر رضى الله عنه لاهل مكة بعدما اسلم لا نعبد الله سرا بعد اليوم وفى الحديث حديث : ارحم امتى بأمتى ابو بكر واقواهم فى دين الله عمر واصدقهم حياء عثمان واقضاهم على وأقرأهم ابى بن كعب وافرضهم زيد بن ثابت واعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل وما اظلت الخضراء ولا اقلت الغبراء من ذى لهجة اصدق من ابى ذر ولكل امة امين وامين هذه الامة ابو عبيدة ابن الجراح تفسير : وقيل قوله {ليغيظ بهم الكفار} علة لما بعده من قوله تعالى {وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة واجرا عظيما} فان الكفار اذا سمعوا بما اعد للمؤمنين فى الآخرة مع ما لهم فى الدنيا من العزة غاظهم ذلك اشد غيظ، يقول الفقير نظر الكفار مقصور على ما فى الدنيا مما يتنافس فيه ويتحاسد وكيف لا يغيظهم ما اعد للمؤمنين فى الآخرة وليسوا بمؤمنين باليوم الآخر ومنهم للبيان كما فى قوله {أية : فاجتنبوا الرجس من الاوثان}تفسير : يعنى همه ايشانرا وعدفرمود آمرزش كناه ومزدى بزرك، وهو الجنة ودرجاتها فلا حجة فيه للطاعنين فى الاصحاب فان كلهم مؤمنون ولما كانوا يبتغون من الله فضلا ورضوانا وعدهم الله بالنجاة من المكروه والفوز بالمحبوب وعن الحسن محمد رسول الله والذين معه ابو بكر الصديق رضى الله عنه لانه كان معه فى الغار ومن انكر صحبته كفر اشدآء الى الكفار عمر بن الخطاب رضى الله عنه لانه كان شديدا غليظا على اهل مكة رحماء بينهم عثمان بن عفان رضى الله عنه لانه كان رؤوفا رحيما ذا حياء عظيم تراهم ركعا سجدا على بن ابى طالب رضى الله عنه تاحدى كه هرشب آوازهزار تكبير احرام ازخلوت وى باسماع خادمان عتبة عليه اش ميرسيد يبتغون فضلا من الله ورضوانا بقية العشرة المبشرة بالجنة وفى الحديث حديث : يا على انت فى الجنة وشيعتك فى الجنة وسيجئ بعدى قوم يدعون ولايتك لهم لقب يقال لهم الرافضة فاذا أدركتهم فاقتلهم فانهم مشركون تفسير : قال يا رسول الله ما علامتهم قال حديث : يا على انه ليست لهم جمعة ولا جماعة يسبون ابا بكر وعمر تفسير : قال مالك بن انس رضى الله عنه من اصبح وفى قلبه غيظ على اصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد اصابته هذه الآية قال ابو العالية العمل الصالح فى هذه الآية حب الصحابة وفى الحديث حديث : يا على ان الله امرنى ان اتخذ ابا بكر والدا وعمر مشيرا وعثمان سندا وانت يا على ظهرا فأنتم اربعة قد أخذ ميثاقكم فى الكتاب لا يحبكم الا مؤمن ولا يبغضكم الا فاجر أنتم خلائف نبوتى وعقدة ذمتى لا تقاطعوا ولا تدابروا ولا تغامزوا تفسير : كما فى كشف الاسرار تفسير : وفى الحديث حديث : لا تسبوا اصحابى فلو ان احدكم انفق مثل احد ذهبا ما بلغ مد احدهم ولا نصيفه تفسير : المد ربع الصاع والنصيف نصف الشئ والضمير فى نصيفه راجع الى احدهم لا الى المد والمعنى ان احدكم لا يدرك بانفاق مثل احد ذهبا من الفضيلة ما ادرك احدهم بانفاق مد من الطعام او نصيف له وفى حديث آخر حديث : الله الله فى اصحابى لا تتخذوهم غرضا من بعدى فمن احبهم فبحبى احبهم ومن ابغضهم فببغضى ابغضهم ومن آذاهم فقد آذانى ومن آذانى فقد آذى الله ومن آذى الله فيوشك ان يأخذه تفسير : اى يأخذه الله للتعذيب والعقاب وفى الصواعق لابن حجر وكان للنبى عليه السلام مائة الف واربعة عشر ألف صحابى عند موته انتهى وفى حديث الاخوة قال اصحابه نحن اخوانك يا رسول الله قال حديث : لا انتم اصحابى واخوانى الذين يأتون بعدى آمنوا بى ولم يرونى وقال للعامل منهم اجر خمسين منكم تفسير : قالوا بل منهم يا رسول الله قال حديث : بل منكم رددوها ثلاثا"تفسير : ثم قال "حديث : لانكم تجدون على الخير اعوانا"تفسير : كما فى تلقيح الاذهان، يقول الفقير يلزم من هذا الخبر ان يكون الاخوان افضل من الاصحاب وهو خلاف ما عليه الجمهور قلت الذى فى الخبر من زيادة الاجر للعامل من الاخوان عند فقدان الاعوان لا مطلقا فلا يلزم من ذلك ان يكونوا افضل من كل وجه فى كل زمان قال فى فتح الرحمن وقد اجتمع حروف المعجم التسعة والعشرون فى هذه الآية وهى محمد رسول الله الى آخر السورة اول حرف المعجم فيها ميم من محمد وآخرها صاد من الصالحات وتقدم نظير ذلك فى سورة آل عمران فى قوله {أية : ثم انزل عليكم من بعد الغم امنة نعاسا}تفسير : الآية وليس فى القرءآن آيتان فى كل آية حروف المعجم غيرهما من دعا الله بهما استجيب له وعن النبى صلى الله عليه وسلم "حديث : من قرأ سورة الفتح فكأنما كان ممن شهد مع محمد رسول الله فتح مكة"تفسير : وقال ابن مسعود رضى الله عنه بلغنى انه من قرأ سورة الفتح فى اول ليلة من رمضان فى صلاة التطوع حفظه الله تعالى ذلك العام ومن الله العون تمت سورة الفتح المبين بعون رب العالمين فى منتصف صفر الخير من شهور سنة الف ومائة واربع عشرة

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {هو الذي أرسل رسولَه بالهُدى} بالتوحيد، أي: ملتبساً به، أو: بسببه، أو: لأجْله، {ودينِ الحق} وبدين الإسلام، وبيان الإيمان والإحسان، وقال الورتجبي: ودين الحق: هو بيان معرفته والأدب بين يديه. هـ. {ليُظهره على الدين كله} ليُعْلِيَه على جنس الدين، يريد الأديان كلها من أديان المشركين وأهل الكتاب، وقد حقّق ذلك سبحانه، فإنك لا ترى ديناً قط إلا والإسلام فوقه بالعزة والغلبة، إلا ما كان من النصارى بالجزيرة، حيث فرّط أهل الإسلام، وقيل: هو عند نزول عيسى عليه السلام حين لا يبقى على وجه الأرض كافر. وقيل: هو إظهاره بالحجج والآيات. {وكفى بالله شهيداً} على أن ما وعده كائن. وعن الحسن: شهد على نفسه أنه سيُظهر دينه، أو: كفى به شهيداً على نبوة محمد صلى عليه وسلم وهو تمييز، أو حال. {محمد رسولُ الله} أي: ذلك المرسَل بالهدى ودين الحق هو محمد رسول الله، فهو خبر عن مضمر، و"رسول": نعت، أو: بدل، أو: بيان، أو: "محمد": مبتدأ و"رسول": خبر، {والذين معه} مبتدأ، خبره: {أشداءُ على الكفار رُحماءُ بينهم} أو: "الذين": عطف على "محمد"، و"أشداء": خبر الجميع، أي: غِلاظ شِداد على الكفار في حَرْبهم، رُحماء متعاطفون بينهم، يعني: أنهم كانوا يُظهرون لمَن خالف دينهم الشدة والصلابة، ولمَن وافقَ دينهم الرأفةَ والرحمةَ، وهذا كقوله تعالى:{أية : أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ}تفسير : [المائدة: 54]، وبلغ من تشديدهم على الكفار أنهم كانوا يتَحرّزون من ثيابهم أن تلزق بثياب الكفار، ومن أبدانهم أن تمسّ أبدانهم، وبلغ من تراحمهم فيما بينهم: أنهم كانوا لا يرى مؤمنٌ مؤمناً إلا صافحه وعانقه. وهذا الوصف الذي مَدَحَ اللّهُ به الصحابةَ رضي الله عنهم مطلوبٌ من جميع المؤمنين، لقوله صلى الله عليه وسلم:"حديث : ترى المؤمنين في تراحمهم وتوادَّهم وتعاطفهم كالجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائرُ الجسد بالسهر والحُمَّى"تفسير : . رواه البخاري، وقال أيضاً:"حديث : نَظَرُ الرجل إلى أخيهِ شوقاً خيراُ من اعتكاف سَنَة في مسجدِي هذا"تفسير : ، ذكره في الجامع. {تراهم رُكَّعاً سجداً} أي: تُشاهدُهم حال كونهم راكعين ساجدين؛ لمواظبتهم على الصلوات، أو: على قيام الليل، كما قال مَن شاهد حالهم: رهبان بالليل أُسدٌ بالنهار، وهو استئناف، أو: خبر، {يبتغون فضلاً من الله ورضواناً} أي: ثواباً ورضا وتقريباً {سِيماهم} علامَاتهم {في وجوههم} في جباههم {من أثر السجود} أي: من التأثير الذي يؤثّره كثرة السجود. وما رُوي عنه عليه السلام:"حديث : لا تُعلموا صوَركم"تفسير : أي: لا تسمُوها، إنما هو فيمن يتعَمد ذلك باعتماد جبهته على الأرض، ليحدث ذلك فيها، وذلك رياء ونفاق، وأما إن حَدَثَ بغير تعمُّد، فلا ينهى عنه، وقد ظهر على كثير من السلف الصالح غُرة في جباههم مع تحقُّق إخلاصهم. وقال منصور: سألت مجاهداً عن قوله: {سيماهم في وجوههم} أهو الأثر يكون بين عيني الرجل؟ قال: لا ربما يكون بين عيني الرجل مِثلُ ركبة البعير، وهو أقسى قلباً من الحجارة، ولكنه نورٌ في وجوهم من الخشوع. وقال ابن جيرح: هو الوقار والبهاء، وقيل: صفرة الوجوه، وأثر السهر. وقال الحسن: إذا رأيتهم حسبتهم مرضى، وما هم مرضى. وقال سفيان وعطاء: استنارت وجوههم من طول ما وصلُّوا بالليل، لقوله عليه السلام:"حديث : مَن كَثُرت صلاتُه بالليل حَسُن وجْههُ بالنَّهار" تفسير : وقال ابن عطية: إنه من قول شريك لا حديث، فانظره، وقال ابن جبير: في وجوههم يوم القيامة يُعرفون به أنهم سجدوا في الدنيا لله تعالى. هـ. {ذلك مَثَلُهم في التوراة} الإشارة إلى ما ذكر من نعوتهم الجليلة، وما فيها من معنى البُعد مع قُرب العهد للإيذان بعلو شأنه، وبُعد منزلته في الفضل، أي: ذلك وصفهم العجيب الجاري في الغرابة مجرى الأمثال، هو نعتهم في التوراة، أي: كونهم أشدّاء على الكفار، رحماء بينهم، سيماهم في وجوههم. ثم ذكر وَصْفَهم في الإنجيل فقال: {ومَثَلُهم في الإِنجيل كزرعٍ..} الخ، وقيل عطفٌ على ما قبله، بزيادة "مَثَلَ"، أي: ذلك مثلُهم في التوراة والإنجيل، ثم بيَّن المثل فقال: هم كزرع {أخرج شطأه} فِرَاخَه، يقال: أشْطأ الزرع: أفرخ، فهو مُشْطِىءٌ، وفيه لغات: شطأه بالسكون والفتح، وحذف الهمزة، كقضاة. و"شطَهُ"، بالقصر، {فآزره} فقوّاه، من: المؤازرة، وهي الإعانة، {فاستغلظ} فصار من الرقة إلى الغلظ، {فاستوى على سُوقه} فاستوى على قصبه، جمع: ساق، {يُعجِبُ الزُّرَّاع} يتعجبون من قوّته، وكثافته، وغِلظه، وحُسن نباتِه ومنظره. وهو مَثَلٌ ضربه الله لأصحابه صلى الله عليه وسلم في بدء الإسلام، ثم كثروا واستحكموا، بتَرَقي أمرُهم يوماً بيوم، بحيث أعجب الناسَ أمرهم، فكان الإسلام يتقوّى كما تقوى الطاقة من الزرع، بما يحتفّ بها مما يتولّد منها. وقيل: مكتوب في الإنجيل: سيخرج قوم ينبتون نبات الزرع، يأمرون بالمعروف، وينْهون عن المنكر. وعن عكرمة: أخرج شطأه بأبي بكر، فآرزه بعمر، فاستغلظ بعثمان، فاستوى على سوقه بعليّ. وحكى النقاش عن ابن عباس، أنه قال: الزرعُ النبي صلى الله عليه وسلم، فآزره عليّ بن أبي طالب، فاسغلظ بأبي بكر، فاستوى على سوقه بعمر. هـ. واختار ابن عطية: أن المَثَل شامل للنبي صلى الله عليه وسلم وللصحابة، فإنّ النبي صلى الله عليه وسلم بُعِث وحده، فهو الزرع، حَبّة واحدة، ثم كثُر المسلمون، فهم كالشطْءِ، تَقَوّى بهم صلى الله عليه وسلم. {ليغيظ بهم الكفار} تعليل لما يُعرب عنه الكلامُ من تشبيههم بالزرع في ذكائه واستحكامه، أي: جعلهم كذلك ليغيظ بهم مَن كَفَر بالله. {وَعَدَ اللّهُ الذين آمنوا وعملوا الصالحات مغفرةً وأجراً عظيماً} استئناف مُبيِّن لما خصَّهم به من الكرامة في الآخرة، بعد بيان ما خصَّهم به في الدنيا، ويجوز أن يرجع لقوله: {ليغيظ بهم...} الخ: أي: ليغيظ بهم وعَدهم بالمغفرة والأجر العظيم؛ لأن الكفار إذا سمعوا ما أُعدّ لهم في الآخرة مع ما خصَّهم في الدنيا من العزة والنصر غاظهم ذلك أشد الغيظ، و"من" في "منهم" للبيان، كقوله:{أية : فَاجْتَنِبُواْ الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ}تفسير : [الحج: 30] أي: وعد الله الذين آمنوا من هؤلاء. الإشارة: هو الذي أرسل رسول بالهدى: بيان الشرائع، ودين الحق: بيان الحقائق، فمَن جمع بينهما من أمته ظهر دينُه وطريقته، وهذا هو الوليّ المحمدي، أعني: ظاهره شريعة، وباطنه حقيقة، وما وصَف به سبحانه أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم هو وصْفُ الصوفية، أهل التربية النبوية، خصوصاً طريق الشاذلية، حتى قال بعضهم: مَن حلف أن طريق الشاذلية عليها كانت بواطنُ الصحابة ما حنث. وقوله تعالى: {يبتغون فضلاً من الله ورضواناً} قال الورتجبي: أي: يطلبون مزيدَ كشف في الذات والدنو والوصالِ والبقاء مع بقائه بلا عتاب ولا حجاب، وهذا محل الرضوان الأكبر. هـ. وقوله تعالى: {سيماهم في وجوههم} أي: نورهم في وجوههم، لتوجهِهم نحو الحق، فإنَّ مَن قَرُب من نور الحق ظهرت عليه أنورا المعرفة، وجمالُها وبهاؤها، ولو كان زنجيّاً أو حبشيّاً، وفي ذلك قيل: شعر : وعلى العارفين أيضاً بهاءُ وعليهم من المحبّة نورُ تفسير : ويقال: السيما للعارفين، والبَهجة للمحبين، فالسيما هي الطمأنينة، والرزانة، والهيبة، والوقار، كل مَن رآهم بديهةً هابَهم، ومَن خالطهم معرفةً أحبهم، والبهجة: حسن السمت والهَدْي، وغلبة الشوق، والعشقُ، واللهج بالذكر اللساني. والله تعالى أعلم. وروى السلمي عن عبد العزيز المكي: ليس السيما النُحولة والصفرة، ولكنه نور يظهر على وجوه العابدين، يبدو من باطنهم على ظاهرهم، يتبين ذلك للمؤمنين، ولو كان ذلك في زنجي أو حبشي. وعن بعضهم: ترى على وجوههم هيئة لقُرب عهدِهم بمناجاة سيدهم. وقال ابن عطاء: ترى عليهم طِلع الأنوار لائحة. وقال الورتجبي: المؤمن وجهٌ لله بلا قفا، مقبلاً عليه، غير معرض عنه، وذلك سيما المؤمن. هـ. وبالله التوفيق، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.

الجنابذي

تفسير : {هُوَ ٱلَّذِيۤ أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِٱلْهُدَىٰ} باحكام الاسلام الّتى هى ما به الاهتداء الى الايمان {وَدِينِ ٱلْحَقِّ} اى الولاية فانّها الدّين والطّريق الحقّ الى الله تعالى {لِيُظْهِرَهُ عَلَى ٱلدِّينِ} اى جنس الدّين {كُلِّهِ} بان يجعل جميع الاديان تحته ويجعل دينه محيطاً بالكلّ بحيث لم يبق دينٌ من لدن آدم (ع) الى انقراض العالم الاّ وهو شعبة من دينه وليظهره بحسب الظّاهر على كلّ الاديان بحيث لم يبق فى بقعةٍ من بقاع الارض دينٌ سوى دينه، واتمام هذا فى ظهور القائم (ع) وقد مضى هذه الآية فى سورة التّوبة {وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيداً} لرسوله اقررتم ام لم تقرّوا.

الهواري

تفسير : قوله عز وجل: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ} الإسلام {لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا} تفسير الحسن: حتى يحكم على أهل الأديان. ذكروا عن المقداد بن الأسود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : لا يبقى أهل بيت مدر ولا وبر إلا أدخله الله كلمة الإسلام، يعزّ عزيزاً ويذلّ ذليلاً، إما أن يعزّهم فيكونوا من أهلها، وإما أن يذلّهم فيدينوا لها . تفسير : وتفسير ابن عباس: حتى يظهر النبي عليه السلام على الدين كله، أي: على شرائع الدين كلها؛ فلم يقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أتم الله ذلك. ذكروا عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : الأنبياء إخوة لعلات، أمهاتهم شتى ودينهم واحد. وأنا أولى الناس بعيسى لأنه ليس بيني وبينه نبي. وإنه نازل لا محالة، فإِذَا رَأيتموه فاعرفوه، فإنه مربوع الخلق، بين ممصرتين، إلى الحمرة والبياض، سبط الرأس، كأن رأسه يقطر وإن لم يصبه بلل، فيدق الصليب ويقتل الخنزير، ويقاتل الناس على الإسلام فيهلك الله في زمانه الملل كلها غير الإسلام حتى تقع الأمانة في الأرض، وحتى ترتع الأسد مع الإبل، والنمور مع البقر، والذئاب مع الغنم، ويلعب الغلمان بالحيات لا يضر بعضهم بعضاً . تفسير : ذكروا عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : لا تقوم الساعة حتى ينزل عيسى بن مريم فيقتل الخنزير، ويكسر الصليب حتى يكون الدين واحداً . تفسير : ذكروا عن الحسن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حديث : لا تقوم الساعة حتى ينزل عيسى بن مريم من قبل المغرب مصدقاً بمحمد وعلى ملته .

اطفيش

تفسير : {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى} ملبسا بالهدى أو ارسله بسبب الهدى ولأجله* {وَدِينِ الْحَقِّ} اي الاسلام قبل ذلك بيان لصدق الرؤيا وتوكيد لما وعده من الفتح وانه ما كان ليري رسوله صلى الله عليه وسلم شيئا غير صادق فيتحدث به ويتبين خلافه فيكون سببا للضلال* {لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ} ليغلبه على جنس الدين من أديان المشركين ولقد حقق ذلك فانك لا ترى دينا قط الا وللاسلام عليه العز والغلبة الى وقتنا هذا وهو اليوم الثاني والعشرون من رمضان من عام الف ومائتين وسبعين وهو الحاكم على الاديان قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : لا يبقى بيت مدر او شعر الا دخلهما الاسلام يعز ذليلا ويذل عزيزا" تفسير : ولم يقبض صلى الله عليه وسلم حتى ظهر على الدين كله بنسخ منه للاديان وازالة الباطل وما من دين الا وقد قهر المؤمنون أهله وقيل ذلك عند نزول عيسى عليه السلام حتى لا يبقى على الأرض كافر قال صلى الله عليه وسلم "حديث : الأنبياء اخوة لعلاة أمهاتهم شتى ودينهم واحد وانا اولى الناس بعيسى لاني ليس بيني وبينه نبي وانه نازل لا محالة فاذا رأيتموه فانه مربوع الخلق بين الحمرة والبياض سبط الرأس كأن رأسه يقطر وان لم يصبه بلل فيدق الصليب ويقتل الخنزير ويقاتل الناس على الاسلام فيهلك الله الملل على يده غير الاسلام حتى تقع الأمنة في الارض فيرتعي الاسد مع الابل والنمر مع البقر والذئب مع الغنم ويلعب الغلمان بالحيات" تفسير : وعن الحسن: ينزل من قبل المغرب مصدقا بمحمد وعلى ملته وبسطت نزوله في غير هذا وقيل اظهاره بالحجج وفي الآية توطين لنفوس المؤمنين على ان سيفتح لهم من البلاد ويقيض لهم الغلبة ما يستقلون اليه فتح مكة* {وَكَفَى بِاللهِ} الباء صلة والله فاعل قيل زيدت لتضمن معنى اكتفى كما يجزم جواب الماضي الذي هو بمعنى الامر وبدليل ترك التاء في (كفر بهند) والفاصل وهو الباء مجوز لا موجب والا لورد كفرت بهند وأحسن بهند فلأن التاء لا تلحق صورة الامر وقيل الفاعل ضمير الاكتفاء بناء على جواز التعليق بضمير المصدر قاله ابن هشام وبسطته في النحو* {شَهِيداً} حال ويضعف كونه تمييزا لأنه وصف (شهيد) انك مرسل بما ذكر وانه سيظهر ذلك الذي وعده وفيه تسلية للمؤمنين لما تأذوا من قول الكفار لو علمنا انك رسول الله ما صددناك عن البيت

اطفيش

تفسير : {هُو الَّذى أرسَل رسُولَه بالهُدى} متعلق بحال محذوف مقدرة، أى مقترنا بأنه هاد للناس، أو مقترنة اى مهتدى بنفسه أو صاحب هدى، أى حجة يستدل بها من قرآن وغيره، أو الباء للسببية متعلق بأرسل، أو للتعليل {ودِين الحقّ} ضد الباطل، وهو دين الاسلام أصوله وفروعه، أو الهدى الأصول، ودين الحق الفروع، ومن الأنبياء من أرسل بالأصول فقط، ويجوز أن كون الحق الله {ليظهره على الدين كلَّه} شرائع الاسلام الماضية لفضله ولنسخه ما نسخ منها ولدوامه، ولا ينسخه ناسخ، ولغلبة أهله على جميع الملل فى القتال، ولنزول عيسى ومجىء المهدى وتسليط أهله على شرائع الكفر. {وكَفَى بالله شَهيداً} على رسالته صلى الله عليه وسلم، وعلى أن ما وعده الله حق من اظهار دينه على جميع الأديان، وعلى أن الفتح يقع ولا بد، وفى ذلك تسلية له صلى الله عليه وسلم عن عدم رضا سهيل لا إله إلا الله بكتابة البسملة، وكتابة لفظ رسول الله كما مر، واظهار المعجزة من الله بشهادة منه عز وجل على تحقق وعده، وعلى رسالته صلى الله عليه وسلم.

الالوسي

تفسير : {هُوَ ٱلَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِٱلْهُدَىٰ } أي ملتبساً به على أن الباء للملابسة، والجار والمجرور في موضع الحال من المفعول، والتباسه بالهدى بمعنى أنه هاد، وقيل: أي مصاحباً للهدى، والمراد به الدليل الواضح والحجة الساطعة أو القرآن، وجوز أن تكون الباء للسببية أو للتعليل وهما متقاربان. والجار والمجرور متعلق بأرسل أي أرسله بسبب الهدى أو لأجله {وَدِينِ ٱلْحَقّ } وبدين الإسلام. والظاهر أن المراد به ما يعم الأصول والفروع، وجوز أن يراد بالهدى الأصول وبدين الحق الفروع فإن من الرسل عليهم السلام من لم يرسل بالفروع وإنما أرسل بالأصول وتبيانها، والظاهر أن المراد بالحق نقيض الباطل، وجوز أن يراد به ما هو من أسمائه تعالى أي ودين الله الحق، وجوز الإمام غير ذلك أيضاً. {لِيُظْهِرَهُ عَلَى ٱلدّينِ كُلّهِ } ليعليه على جنس الدين بجميع أفراده أي ما يدان به من الشرائع والملل فيشمل الحق والباطل. وأصل الإظهار جعل الشيء على الظهر فلذا كني به عن الإعلاء وعن جعله بادياً للرائي ثم شاع في ذلك حتى صار حقيقة عرفية. وإظهاره على الحق بنسخ بعض أحكامه المتبدلة بتبدل الأعصار، وعلى الباطل ببيان بطلانه، وجوز غير واحد ـ ولعله الأظهر بحسب المقام ـ أن يكون إظهاره على الدين بتسليط المسلمين على جميع أهل الأديان / وقالوا: ما من أهل دين حاربوا المسلمين إلا وقد قهرهم المسلمون، ويكفي في ذلك استمرار ما ذكر زماناً معتداً به كما لا يخفى على الواقفين على كتب التواريخ والوقائع، وقيل: إن تمام هذا الإعلاء عند نزول عيسى عليه السلام وخروج المهدي رضي الله تعالى عنه حيث لا يبقى حينئذ دين سوى الإسلام، ووقوع خلاف ذلك بعد لا يضر إما لنحو ما سمعت وإما لأن الباقي من الدنيا إذ ذاك كلا شيء. وفي الجملة فضل تأكيد لما وعد الله تعالى به من الفتح وتوطين لنفوس المؤمنين على أنه تعالى سيفتح لهم من البلاد ويتيح لهم من الغلبة على الأقاليم ما يستقلون بالنسبة إليه فتح مكة. {وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيداً } على أن ما عده عز وجل من إظهار دينه على جميع الأديان أو الفتح كائن لا محالة أو كفى بالله شهيداً على رسالته صلى الله عليه وسلم لأنه عليه الصلاة والسلام ادعاها وأظهر الله تعالى المعجزة على يده وذلك شهادة منه تعالى عليها، واقتصر على هذا الوجه الرازي وجعل ذلك تسلية عما وقع من سهيل بن عمرو إذ لم يرض بكتابة محمد رسول الله وقال ما قال. وجعل بعض الأفاضل إظهار المعجزة شهادة منه تعالى على تحقق وعده عز وجل أيضاً ولا يظهر إلا بضم إخباره عليه الصلاة والسلام به.

ابن عاشور

تفسير : زيادة تحقيق لصدق الرؤيا بأن الذي أرسل رسوله صلى الله عليه وسلم بهذا الدين ما كان ليريه رؤيا صادقة. فهذه الجملة تأكيد للتحقيق المستفاد من حرف (قد) ولام القسم في قوله: {أية : لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق}تفسير : [الفتح: 27]. وبهذا يظهر لك حسن موقع الضمير والموصولِ في قوله: {هو الذي أرسل رسوله} لأن الموصول يفيد العلم بمضمون الصلة غالباً. والضمير عائد إلى اسم الجلالة في قوله: {لقد صدق الله رسوله الرؤيا}، وهم يعلمون أن رؤيا الرسول صلى الله عليه وسلم وحي من الله فهو يذكرهم بهاتين الحقيقتين المعلومتين عندهم حين لم يجروا على موجَب العلم بهما فخامرتهم ظنون لا تليق بمن يعلم أن رؤيا الرسول وحي وأن الموحي له هو الذي أرسله فكيف يريه رؤيا غير صادقة. وفي هذا تذكير ولَوْم للمؤمنين الذين غفلوا عن هذا وتعريض بالمنافقين الذين أدخلوا التردد في قلوب المؤمنين. والباء في {بالهدى} للمصاحبة وهو متعلق بــ{أرسل} والهدى أطلق على ما به الهدى، أي كقوله تعالى: {أية : ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين}تفسير : [البقرة: 2]، وقوله: {أية : شهرُ رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس}تفسير : [البقرة: 185]. وعطف {دين الحق} على الهدى ليشمل ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم من الأحكام أصولها وفروعها مما أوحي به إلى الرسول صلى الله عليه وسلم سوى القرآن من كل وحي بكلام لم يقصد به الإعجاز أو كان من سُنّة الرسول صلى الله عليه وسلم. ويجوز أن يكون المراد {بالهدى} أصول الدين من اعتقاد الإيمان وفضائل الأخلاق التي بها تزكية النفس، و {بدين الحق}: شرائع الإسلام وفروعه. واللام في {ليظهره} لتعليل فعل {أرسل} ومتعلقاته، أي أرسله بذلك ليظهر هذا الدين على جميع الأديان الإلهية السالفة ولذلك أكد بــ {كله} لأنه في معنى الجمع. ومعنى {يظهره} يُعْلِيه. والإظهار: أصله مشتق من ظهر بمعنى بدا، فاستعمل كناية عن الارتفاع الحقيقي ثم أطلق مجازاً عن الشرف فصار أظهره بمعنى أعلاه، أي ليشرفه على الأديان كلها، وهذا كقوله في حق القرآن {أية : مصدقاً لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه}تفسير : [المائدة: 48]. ولما كان المقصود من قوله: {هو الذي أرسل رسوله بالهدى} الخ الشهادة بأن الرؤيا صدْق ذيّل الجملة بقوله: {وكفى باللَّه شهيداً} أي أجزأتكم شهادة الله بصدق الرؤيا إلى أن تروا مَا صْدَقَها في الإبان. وتقدم الكلام على نظير {أية : وكفى باللَّه شهيداً}تفسير : في آخر سورة النساء (79).

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {هُوَ ٱلَّذِيۤ أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِٱلْهُدَىٰ وَدِينِ ٱلْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِ}. ما ذكره جل وعلا في هذه الآية الكريمة ذكره في سورة التوبة وسورة الصف وزاد فيهما أنه فاعل ذلك، ولو كان المشركون يكرهونه، فقال في الموضعين {أية : هُوَ ٱلَّذِيۤ أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِٱلْهُدَىٰ وَدِينِ ٱلْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْمُشْرِكُونَ}تفسير : [التوبة: 33].

د. أسعد حومد

تفسير : (28) - وَاللهُ تَعَالى هُوَ الذَي أرْسَلَ رَسُولَهُ بالهُدَى ودَين الإِسْلامِ، لِيَجْعَلَ الإِسْلامَ - وَهُوَ دِينُ الحَقِّ - ظَاهِراً عَلَى جَمِيعِ الأَدْيَانِ في الأَرْضِ، وَقَدْ وَعَدَ رَسُولَهُ بِدُخُولِ المَسْجِدِ الحَرَامِ مَعَ أَصْحَابِهِ، وَهُمْ آمِنُونَ، فحَققَ اللهُ ذَلِكَ الوَعْدَ، وَسَيُحَققُ وَعْدَهُ لِرَسُولِهِ بأنَّهُ تَعَالى سَيُظْهِرُ الإِسْلاَمَ عَلَى سَائِرِ الأَدْيَانِ، وَهُوَ تَعَالى شَاهِدٌ عَلَى ذَلِكَ، وَلَنْ يُخْلِفَ اللهُ وَعْدَهُ أبداً. لِيُظْهِرَهُ - لِيُعْلِيَهُ وَيُقَوِّيَهُ.

الثعلبي

تفسير : {هُوَ ٱلَّذِيۤ أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِٱلْهُدَىٰ وَدِينِ ٱلْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيداً} أنّك نبي صادق فيما تخبر، ونصب {شَهِيداً} على التفسير وقيل: على الحال، والقطع، ثمّ قال: {مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ ٱللَّهِ} تمّ الكلام هاهنا، ثمّ قال مبتدئاً: {وَٱلَّذِينَ مَعَهُ} (الواو) فيه (واو) الاستئناف {وَٱلَّذِينَ} في محل الرفع على الابتداء {أَشِدَّآءُ} غلاظ {عَلَى ٱلْكُفَّارِ} لا تأخذهم فيهم رأفة. {رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ } متعاطفون متوادّون بعضهم على بعض كقوله تعالى: {أية : أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ} تفسير : [المائدة: 54] . {تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ ٱللَّهِ} أن يدخلهم جنّته {وَرِضْوَاناً} أن يرضى عنهم. {سِيمَاهُمْ} علامتهم {فِي وُجُوهِهِمْ مِّنْ أَثَرِ ٱلسُّجُودِ} واختلف العلماء في هذه السيماء، فقال قوم: هو نور وبياض في وجوههم يوم القيامة، يعرفون بتلك العلامة، أنّهم سجدوا في الدُّنيا، وهي رواية العوفي، عن ابن عبّاس، وقال عطاء بن أبي رباح والربيع بن أنس: استنارت وجوههم من كثرة ما صلّوا. وقال شهر بن حوشب: تكون مواضع السجود من وجوههم، كالقمر ليلة البدر. قال آخرون: السمتُ الحسن، والخشوع، والتواضع، وهو رواية الوالبي عن ابن عبّاس، قال: أما إنّه ليس بالذي ترون، ولكنّه سيماء الإسلام وسجيّته، وسمته وخشوعه، وقال منصور: سألت مجاهداً عن قوله سبحانه وتعالى: {سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ}، أهو الأثر يكون بين عينيّ الرجل؟ قال: لا ربّما يكون بين عينيّ الرجل، مثل ركبة العنز، وهو أقسى قلباً من الحجارة، ولكنّه نور في وجوههم من الخشوع، وقال ابن جريج: هو الوقار، والبهاء، وقال سمرة بن عطية: هو البهج، والصُفرة في الوجوه، وأثر السهرة. قال الحسن: إذا رأيتهم حسبتهم مرضى، وما هم بمرضى، وقال الضحّاك: أمّا إنّه ليس بالندب في الوجوه، ولكنّه الصُفرة. وقال عكرمة، وسعيد بن جبير: هو أثر التراب على جباههم. قال أبو العالية: يسجدون على التراب لا على الأثواب، وقال سفيان الثوري: يصلّون بالليل، فإذا أصبحوا رؤي ذلك في وجوههم، بيانه قوله: صلّى الله عليه وسلّم: "حديث : من كثر صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار ". تفسير : قال الزهري: يكون ذلك يوم القيامة، وقال بعضهم: هو ندب السجود، وعلته في الجبهة من كثرة السجود. وبلغنا في بعض الأخبار إنّ الله تعالى يقول يوم القيامة: يا نار أنضجي، يا نار أحرقي، وموضع السجود فلا تقربي، وقال عطاء الخراساني: دخل في هذه الآية كلّ من حافظ على الصلوات الخمسة. {ذَلِكَ} الذي ذكرت {مَثَلُهُمْ} صفتهم {فِي ٱلتَّوْرَاةِ} وهاهنا تمّ الكلام، ثمّ قال: {وَمَثَلُهُمْ} صفتهم {فِي ٱلإِنجِيلِ} فهما مثلان { كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ} قرأه العامّة بجزم (الطاء)، وقرأ بعض أهل مكّة، والشام بفتحه، وقرأ أنس، والحسن، ويحيى بن وثاب (شطاه) مثل عصاه. وقرأ الجحدري (شطه) بلا همزة، وكلّها لغات. قال أنس: (شطأه) نباته، وقال ابن عبّاس: سنبلة حين يلسع نباته عن جنانه. ابن زيد: أولاده. مجاهد، والضحّاك: ما يخرج بجنب الحقلة فينمو ويتمّ عطاء جوانبه. مقاتل: هو نبت واحد، فإذا خرج ما بعده، فهو (شطأه). السدّي: هو أن يخرج معه ألطافه الأخرى. الكسائي: طرفه. الفراء: شطأ الزرع أن ينبت سبعاً، أو ثمانياً، أو عشراً. قال الأخفش: فراخة يقال: أشطأ الزرع، فهو مشطي إذا أفرخ، وقال الشاعر: شعر : أخرج الشطأ على وجه الثرى ومن الأشجار أفنان الثمر تفسير : وهذا مثل ضربه الله تعالى لأصحاب محمّد (عليه السلام) يعني أنّهم يكونون قليلاً، ثمّ يزدادون، ويكثرون، ويقوون، وقال قتادة: مثل أصحاب محمّد (عليه السلام) في الإنجيل مكتوب أنّه سيخرج قوم ينبتون نبات الزرع، يأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر. {فَآزَرَهُ} قوّاه وأعانه وشد أزره {فَٱسْتَغْلَظَ} فغلظ، وقوى {فَٱسْتَوَىٰ} نما وتلاحق نباته، وقام {عَلَىٰ سُوقِهِ} أُصوله {يُعْجِبُ ٱلزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ ٱلْكُفَّارَ} يعني أنّ الله تعالى فعل ذلك بمحمّد صلى الله عليه وسلم وأصحابه {لِيَغِيظَ بِهِمُ ٱلْكُفَّارَ}. أخبرنا عبد الخالق بن علي بن عبد الخالق، أخبرنا أبو بكر محمّد بن يوسف بن حاتم بن نصر، حدّثنا الحسن بن عثمان، حدّثنا أحمد بن منصور الحنظلي، المعروف بزاج المروزي، حدّثنا سلمة بن سليمان، حدّثنا عبد الله بن المبارك، حدّثنا مبارك بن فضلة، عن الحسن في قوله تعالى: {مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ ٱللَّهِ} قال: هو محمّد صلّى الله عليه وسلّم {وَٱلَّذِينَ مَعَهُ} أبو بكر الصدّيق رضي الله عنه {أَشِدَّآءُ عَلَى ٱلْكُفَّارِ} عمر بن الخطّاب رضي الله عنه {رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ} عثمان بن عفّان رضي الله عنه {تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً} علي بن أبي طالب رضي الله عنه {يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضْوَاناً} طلحة، والزبير، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد، وسعيد، وأبو عبيدة الجرّاح {سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِّنْ أَثَرِ ٱلسُّجُودِ} قال: المبشَّرون عشرة أوّلهم أبو بكر، وآخرهم أبو عبيدة الجراح {ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي ٱلتَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي ٱلإِنجِيلِ} قال: نعتهم في التوراة والإنجيل {كَزَرْعٍ} قال: الزرع محمّد صلى الله عليه وسلم {مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ} أبو بكر الصدّيق، {فَآزَرَهُ} عمر بن الخطّاب {فَٱسْتَغْلَظَ} عثمان بن عفّان، يعني استغلظ بعثمان الإسلام {فَٱسْتَوَىٰ عَلَىٰ سُوقِهِ} علي بن أبي طالب يعني استقام الإسلام بسيفه {يُعْجِبُ ٱلزُّرَّاعَ} قال: المؤمنون {لِيَغِيظَ بِهِمُ ٱلْكُفَّارَ} قال: قول عمر لأهل مكّة: لا نعبد الله سرّاً بعد هذا اليوم. أخبرنا ابن منجويه الدينوري، حدّثنا عبدالله بن محمّد بن شنبه، حدّثنا أحمد بن جعفر بن حمدان، حدّثنا محمّد بن مسلم بن واره، حدّثنا الحسين بن الربيع، قال: قال ابن إدريس ما آمن بأن يكونوا قد ضارعوا الكفّار، يعني الرافضة، لأنّ الله تعالى يقول: {لِيَغِيظَ بِهِمُ ٱلْكُفَّارَ}. أخبرنا الحسين بن محمّد العدل، حدّثنا محمّد بن عمر بن عبد الله بن مهران، حدّثنا أبو مسلم الكجي، حدّثنا عبد الله بن رجاء، أخبرنا عمران، عن الحجّاج، عن ميمون بن مهران، عن ابن عبّاس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : يكون في آخر الزمان قوم ينبزون أو يلمزون الرافضة يرفضون الإسلام ويلفظونه، فاقتلوهم فإنّهم مشركون ". تفسير : أخبرنا الحسين بن محمّد، حدّثنا أبو حذيفة أحمد بن محمّد بن علي، حدّثنا زكريا بن يحيى بن يعقوب المقدسي، حدّثنا أبي، حدّثنا أبو العوام أحمد بن يزيد الديباجي، حدّثنا المدني، عن زيد، عن ابن عمر، قال: "حديث : قال النبيّ صلى الله عليه وسلم لعليّ: يا علي أنت في الجنّة وشيعتك في الجنّة، وسيجيء بعدي قوم يدّعون ولايتك، لهم لقب يقال له: الرافضة، فإن أدركتهم فاقتلوهم فإنّهم مشركون". قال: يا رسول الله ما علامتهم؟ قال: "يا علي إنّهم ليست لهم جمعة، ولا جماعة يسبّون أبا بكر، وعمر ". تفسير : {وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ} أي الطاعات، وقد مرّ تأويله، وقال أبو العالية في هذه الآية: {وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ} يعني الذين أحبّوا أصحاب رسول الله المذكورين فيها فبلغ ذلك الحسن، فارتضاه، فاستصوبه منهم، قال ابن جرير: يعني من الشطأ الذي أخرجه الزرع، وهم الداخلون في الإسلام بعد الزرع إلى يوم القيامة رد (الهاء) و(الميم) على معنى الشطأ لا على لفظه، لذلك قال: {مِنْهُم} ولم يقل: منه. {مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً } . (في فَضلِ المُفَضَل)، حدّثنا الشيخ أبو محمّد المخلدي، إملاء يوم الجمعة في شعبان سنة أربع وثمانين وثلاثمائة، قال: أخبرنا أبو بكر محمّد بن حمدون بن خالد، وعبد الله بن محمّد بن مسلم، قالا: حدّثنا هلال بن العلاء، قال: حدّثنا حجّاج بن محمّد، عن أيّوب بن عتبة، عن يحيى بن أبي كثير، عن شداد بن عبد الله، عن أبي أسماء الرجبي، عن ثوبان، أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إنّ الله أعطاني السبع الطوال مكان التوراة، وأعطاني المئين مكان الإنجيل، وأعطاني مكان الزبور المثاني، وفضّلني بالمُفَضَل ". تفسير : وأخبرنا أبو الحسن الحباري، قال: حدّثنا أبو الشيخ الإصبهاني، قال: أخبرنا ابن أبي عاصم، قال: حدّثنا هشام بن عمّار، قال: حدّثنا محمّد بن شعيب بن شابور، قال: حدّثنا سعد ابن قيس، عن قتادة، عن أبي الملح الهذلي، عن واثلة بن الأسقع، أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : أُعطيت السبع الطوال مكان التوراة، وأعطيت المثاني مكان الإنجيل، وأعطيت المئين مكان الزبور، وفُضلت بالمُفَضَل ".

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : الهدى هو الدلالة على طريق الخير الموصِّل للغاية التي تسعد صاحبها في الدنيا والآخرة، وقد أُرسل سيدنا رسول الله بالهدى للناس كافة فدلَّ الجميع، فمَن اهتدى بهداه أعانه اللهُ وزاده هدى {أية : وَٱلَّذِينَ ٱهْتَدَوْاْ زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ}تفسير : [محمد: 17] ومن انصرف عنه واختار الضلال زاده الله ضلالاً بأنْ ختم على قلبه. ومثّلنا لذلك بشرطي المرور حين يرشدك إلى الطريق، فإنْ سمِعتَ كلامه واهتديتَ بدلالته لك زادك وصحبك حتى يُوصِّلك إلى غايتك، وإنْ انصرفت عنه ولم تأخذ برأيه تركك ومصاعب الطريق، وربما رآك على الطريق الخاطئ، فلم ينصح لأنك لم تسمع له. والقرآن الكريم لما تكلم عن الهدى قال: {أية : أُوْلَـٰئِكَ عَلَىٰ هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ ..}تفسير : [البقرة: 5] وهذا المعنى يُصحح الفهم الخاطىء عند البعض، حيث يروْنَ أن الهدى عبء على صاحبه ومشقة وتكاليف وتقييد للحرية. لكن الهدى في الواقع غير ذلك، الهدى مطيّة تحملك إلى غايتك، فأنت على هدى يعني مُستْعل عليه تركبه ليوصِّلك، فالمنهج وإنْ كان في ظاهره يقيد حركتك، إلا أنه يُقيدها لصالحك أنت ويقف ضد شهواتك لصالحك أنت. المنهج حين يقيد يدك عن السرقة يقيد يد الناس جميعاً، أنْ تسرق منك، وحين يأمرك بغضِّ البصر عن محارم الناس يأمر الناسَ جميعاً بغضِّ البصر عن محارمك. إذن: أنت الفائز في هذه المسألة. المنهج يقيد حركتك عن شهوة عاجلة في الدنيا ليعطيك نعيماً باقياً في الآخرة. وقوله: {وَدِينِ ٱلْحَقِّ ..} [الفتح: 28] أي: الإسلام، والحق هو الشيء الثابت الذي لا يتغير. {لِيُظْهِرَهُ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِ ..} [الفتح: 28] يُعليه ويُعلي كلمته على كل الأديان التي سبقتْه، لأن القرآن جاء مهيمناً على كل هذه الكتب، كما قال تعالى: {أية : وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ٱلْكِتَابَ بِٱلْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ ٱلْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ ..}تفسير : [المائدة: 48]. والظهور هنا ظهور حجة وبرهان، وظهور كمال في التعاليم وفي المنهج، وهذا لا يمنع وجود ديانات أخرى ما زالتْ حتى الآن وبعد أربعة عشر قرناً من الإسلام. لذلك سُئلنا هذه السؤال في إحدى سفرياتنا، فقلنا {لِيُظْهِرَهُ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِ ..} [الفتح: 28] لا تعني أنْ يكون الناسُ جميعاً مسلمين، لأن الظهور هنا ظهور تعاليم، وحدث هذا بشهادتكم أنتم فقد ألجأتكم قضايا الحياة إلى منهج الإسلام حيث لا حلَّ لكم إلا فيه. لذلك رأيناهم يأخذون مثلاً بأحكام الطلاق في الإسلام، وهذا إظهار للدين لأنهم أخذوا تعاليمه دون أنْ يؤمنوا به، كذلك في مسألة تعدد الزوجات كانوا يهاجمونها ويتعرضون عليها والآن ينادون بها. والعجيب أنهم يرضوْنَ بتعدد الخليلة يعني العشيقة، ولا يرضون بتعدد الحليلة أي الزوجة، وهذا فساد في الطبع والذوق وتصرُّف تأباه الشرائع. كذلك في الناحية الاقتصادية، لما تكلَّم (كِنز) ملك الاقتصاد عندهم انتهى إلى القول بأن المال لا يؤدي وظيفته الاجتماعية في الكون إلا إذا انخفضتْ الفائدة إلى صفر، وهذا هو رأي الإسلام. لذلك حرَّم التعامل بالربا لأن الربا عملية بين غني وفقير، غني عنده فائض يُقرض، وفقير مُعدم يقترض، فكيف نطلب من الفقير الذي لا يملك الأصل أنْ يعطي الغني الذي يملك الأصل وزيادة. ثم هَبْ أن الفقير أخذ المال ليستثمره في التجارة ثم خسرتْ هذه التجارة. إذن: يكون مطلوباً منه أن يسدد رأس المال ثم الفوائد إلى جانب جهده الذي راح هباءً طوال مدة التجارة. إذن: كم مصيبة حَلَّتْ به؟ إذن: تحريم الربا يُقدِّر أولاً مصلحة الفقير، ويُقدِّر أيضاً مصلحة الغني في كل شيء لأنك إنْ كنتَ قادراً فأقرضتَ نظرت إلى حال الغني. لكن قد تتقلب الأوضاع، ويصير الغنيُّ فقيراً يحتاج إلى أنْ يقترض. إذن: ليس من مصلحته أنْ يتعامل بالربا. وقوله: {وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيداً} [الفتح: 28] يعني: شهادته كافية، لأن الشاهد حينما يشهد يشهد بما رأى ورؤيته محدودة، إنما حين يشهد الله فهي شهادة العلم المحيط إحاطة تامة ولا يوجد من يغيرها، لكن {شَهِيداً} [الفتح: 28] على ماذا؟ قالوا: على أن الذي يتبع الهدى مصيره إلى الجنة، وهي دار النعيم الدائم الذي لا ينقطع، والنعمة التي لا تزول.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : {هُوَ ٱلَّذِيۤ أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِٱلْهُدَىٰ} [الفتح: 28] أي: بما يهدي إلى الله {وَدِينِ ٱلْحَقِّ} أي: ديناً كاملاً وغلا كل دين حق فأما الدين الكامل في الحقيقة فدين أُرسل به محمد صلى الله عليه وسلم وهو دعوته إلى الله كما قال تعالى: {أية : وَدَاعِياً إِلَى ٱللَّهِ بِإِذْنِهِ}تفسير : [الأحزاب: 46]. وقوله: {لِيُظْهِرَهُ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِ} [الفتح: 28]، يشير إلى هذا المعنى أي: كان دعوة كل نبي إلى الجنة وبهذا يقدمون أممهم فأظهره بالدعوة إلى الله على الدين كله {وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيداً} [الفتح: 28]، على حقيقة هذا المعنى؛ لأن العقول تحير عن إدراك هذا المعنى. ثم خص النبي صلى الله عليه وسلم والذين معه بالتدين بهذا الدين لنيل هذه الرتبة العظمى بقوله: {مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّآءُ عَلَى ٱلْكُفَّارِ} [الفتح: 29]، كفار النفوس في إفنائها أشد مما كانت الأمم عليها {رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ} [الفتح: 29]، في التودد والتحاب في الله والتعاون في طلب الله، كما هو سنة مشايخ هذه الأمة خلفاً عن سلف في تسليك المريدين الذين يريدون وجهه {تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضْوَاناً} [الفتح: 29]؛ أي: قصدهم في الطاعة والعبادة الوصول والوصال وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء {سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ} [الفتح: 29]، سيمات المحبين {مِّنْ أَثَرِ ٱلسُّجُودِ} [الفتح: 29]، فإنهم لا يسجدون لشيء من الدنيا والعقبى إلا الله مخلصين له الدين {ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي ٱلتَّوْرَاةِ} أي: ضرب الله المعنى مثلهم في التوراة {وَمَثَلُهُمْ فِي ٱلإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ} أي: مثل طلاب الحق تعالى كمثل زرع أي: كنبات مثمرة أخرج فراخه {فَآزَرَهُ فَٱسْتَغْلَظَ} حتى استعد لحمل الثمرة {فَٱسْتَوَىٰ عَلَىٰ سُوقِهِ} أي: أثمر {يُعْجِبُ ٱلزُّرَّاعَ} أي: الطلاب ثمرة شجرة وجوده وهي قول بعضهم أنا الحق وقول بعضهم سبحاني ما أعظم شأني {لِيَغِيظَ بِهِمُ ٱلْكُفَّارَ} كفار النفوس لأن شجرتهم غير مثمرة معدة لنار جحيم القطيعة {وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} [الفتح: 29]، إيمان الطلب {وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ} [الفتح: 29] في السلوك والسير إلى الله {مِنْهُم مَّغْفِرَةً} [الفتح: 29] وهي ستر أوصافهم بتجلي صفاته، {وَأَجْراً عَظِيماً} [الفتح: 29]، وهو يتجلى لهم بذاته وصفاته العظمى؛ فإن العظيم الحقيقي هو الله، وقوله: {مِنْهُم}؛ لأن كل مؤمن ليس موعوداً بهذا الوعد إلا خواص أهل الجنة.